أصول الفقه - ج4

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
436 /
3

[المقصد الثاني‏] النواهي‏

[مادة النهى‏]

[الفرق بين الأمر و النهي من حيث المعنى‏]

قوله: الحقّ أنّ المطلوب في النواهي هو نفس عدم الفعل دون الكفّ ... الخ‏

(1)

.

تقدّمت‏ (2) الإشارة في مبحث دلالة الأمر على النهي عن ضدّه العام بمعنى الترك إلى ما ربما يقال من الفرق بين الأمر و النهي بأنّ مفاد الأوّل طلب الفعل و مفاد الثاني الزجر عنه. و الأوّل ناش عن صلاح في الفعل و الثاني عن مفسدة. كما تقدّمت‏ (3) الاشارة إلى أنّ مجرّد كون الأمر ناشئا عن صلاح في متعلّقه و الثاني ناشئا عن فساد فيه لا يوجب كون النهي حقيقة و في عالم التشريع من مقولة الردع و الزجر، بحيث يكون الحكم المشرّع واقعا هو مجرّد الردع و الزجر، بل إنّ ذلك جار في الأمر أيضا فإنّ كونه ناشئا عن صلاح في متعلّقه لا يوجب أن يكون الحكم الواقعي الذي هو موجود في صفحة التشريع هو البعث و التحريك نحو المتعلّق، بل ليس الموجود في عالم التشريع في الأوامر إلّا طلب المتعلّق، كما أنّه ليس الموجود في النواهي إلّا طلب الترك، نعم في مقام إبراز ذلك الطلب يكون إبرازه في الأوّل بآلة البعث و التحريك و في الثاني بآلة الردع و الزجر، فنحن و إن قلنا إنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد، إلّا أنّ الحكم الناشئ عن المصلحة في‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 119 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) راجع المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 98.

(3) لاحظ المصدر المتقدّم.

4

المتعلّق لا يلزم أن يكون هو نفس البعث و التحريك، كما أنّ الحكم الناشئ عن المفسدة في المتعلّق لا يلزم أن يكون هو نفس الردع و الزجر، بل إنّ البعث و كذلك الزجر إنّما يكون في مقام الابراز، و إن شئت فقل: هي في مقام تحصيل ذلك الحكم الواقعي الذي هو الطلب يكون آلة ذلك هو البعث و الزجر.

و بالجملة: أنّ الصيغة هي آلة البعث و آلة الزجر الناشئين عن ذلك الطلب الذي هو المحبوبية في الأوامر و المبغوضية في النواهي، و تلك المحبوبية هي الباعثة على طلب ذلك الفعل المحبوب، و هاتيك المبغوضية هي الباعثة على طلب ترك ذلك الفعل المبغوض، فالحكم الحقيقي هو طلب الفعل و طلب الترك، و الصيغة الباعثة و الزاجرة آلات يكون إيجادها معربا عن ذلك الطلب المتعلّق بالفعل و الطلب المتعلّق بترك الفعل، و ليس البعث إلى الفعل الحاصل بصيغة الأمر إلّا كالدفع الخارجي لو حصل من الآمر بيده للمأمور نحو الفعل، و ليس الزجر عنه الحاصل بصيغة النهي إلّا كالدفع الخارجي لو حصل من الآمر بيده المأمور عن الفعل و تنحيته عنه تنحية خارجية، فكما أنّ ذلك الدفع الخارجي إلى الفعل و ذلك الدفع الخارجي عنه الحاصلين باليد ليسا من قبيل الأحكام الشرعية بل ليسا إلّا ناشئين عنه، فكذلك ما يحصل بصيغة الأمر و ما يحصل بصيغة النهي ليس إلّا ناشئا عن الحكم الذي هو طلب الفعل و محبوبيته و النهي عنه و حرمته و مبغوضيته.

[أقسام النهي من حيث الانحلالية و المجموعية]

و حيث كان الحكم الحقيقي الواقعي الذي هو موجود في عالم التشريع ليس إلّا عبارة عن طلب الترك المتعلّق بصرف الطبيعة كان مقتضاه السلب الكلّي، بخلاف الطلب المتعلّق بوجود صرف الطبيعة فإنّه لا يكون إلّا إيجابا جزئيا.

ثمّ إنّ ذلك السلب الكلّي تارة يكون عبارة عن السلب الواحد الوارد على‏

5

صرف الطبيعة فلا يكون إلّا مجموعيا، و أخرى يكون عبارة عن آحاد السلوب الواردة على الطبيعة باعتبار تعدّد وجودها فيكون انحلاليا، و ثالثة يكون ذلك السلب الواحد مأخوذا صفة للمكلّف و يكون من قبيل الموجبة المعدولة المحمول، و رابعة يكون على نحو رفع الايجاب الكلّي مثل أن يقول لا تصدّق بكلّ خبر و لا تعمل بكلّ ظنّ.

و هذه الصور الأربع ذكرها شيخنا في هذا المقام و في باب العموم و الخصوص‏ (1) و في مسألة اللباس المشكوك‏ (2) و لها آثار خاصّة من حيث الرجوع إلى البراءة و الاشتغال في مقام الشكّ. و قد حرّر هذه الصور المرحوم الشيخ محمّد علي (رحمه اللّه)(3) في هذا المقام فراجعه. و الصورتان الأخيرتان لا محلّ لهما فيما نحن فيه من النواهي الشرعية، و إنّما يكون الترديد في هذا المبحث بين الصورتين الأوليتين.

و الظاهر من النواهي الشرعية هي الثانية منهما، و تحرير ذلك أن يقال: قد حقّق في محلّه‏ (4) أنّ العموم في مقام الثبوت و الايجاب كما لو قال أكرم كلّ عالم ظاهره الانحلال، و كون الافراد على نحو المجموعية و الارتباط محتاج إلى عناية زائدة، لكن المطلب في باب النواهي بحسب النظر البدوي على العكس من ذلك، بمعنى أنّ مجرّد تعلّق الطلب بعدم الطبيعة يقتضي كونه عدما واحدا واردا على الطبيعة و سدّا واحدا لباب وجودها، فيكون من قبيل العام المجموعي،

____________

(1) لاحظ ما ورد في أجود التقريرات 2: 299.

(2) لاحظ ما ذكره (قدّس سرّه) في رسالة الصلاة في المشكوك: 189 و ما بعدها، و 268 و ما بعدها.

(3) فوائد الأصول 1- 2: 394.

(4) راجع أجود التقريرات 2: 294 و ما بعدها (الأمر الثالث).

6

و يعبّر عنه شيخنا بالسلب الكلّي، إلّا أنّه بعد ملاحظة كون المنشأ في ذلك هو مبغوضية ذلك الوجود يكون ذلك من قبيل القرينة العامّة على أنّ كلّ واحد من تلك الافراد مطلوب عدمه على ما أوضحه شيخنا و أوضحه المحرّرون عنه ذلك، فيكون موجبا لانقلاب ذلك إلى السلب الاستغراقي و يعبّر عنه شيخنا (قدّس سرّه) بالعموم الأصولي.

[توجيه حمل النذر على المجموعية دون الانحلال‏]

و بالجملة: أنّ مقتضى العموم حينئذ هو الانحلال في باب الأوامر و النواهي، لكنّهم في باب النذر لم يجروا على ذلك و بنوا على كونه من باب العموم المجموعي و حكموا بأنّه لو خالفه و لو مرّة واحدة سقط التكليف، و لا بدّ من توجيه ذلك بأنّهم يفهمون من النذر أن قصد الناذر هو المداومة و المثابرة على الفعل فيما لو كان المنذور هو الفعل في كلّ يوم مثلا، و أن قصده هو الاستمرار على العدم فيما لو نذر أن لا يشرب التنباك مثلا، فراجع ما حرّرناه عنه (قدّس سرّه)(1) في مباحث الأقل و الأكثر و في مسألة اللباس المشكوك تجده صريحا في توجيه مسلك المشهور بما حرّرناه، فإنّا قد أشبعنا النقل عنهم مثل شرح اللمعة (2) و حواشيها (3) و المحقّق القمي في السؤال و الجواب‏ (4) و المفاتيح‏ (5) و شرحها و غير ذلك من الكتب الفقهية.

و أين ذلك ممّا حرّره في هذا المقام عن شيخنا (قدّس سرّه) في توجيه مسلك‏

____________

(1) راجع حاشية المصنّف (قدّس سرّه) على فوائد الأصول 4: 148- 150 في المجلّد الثامن.

(2) الروضة البهية 3: 57.

(3) شرح اللمعة 1: 276 (حجري).

(4) جامع الشتات 2: 516، 520.

(5) مفاتيح الشرائع 2: 35/ 477 مفتاح [النذر غير المؤقّت‏].

7

المشهور حتّى أنّه وجّه عليه الإشكال بعدم ارتباط الإشكال و الجواب بمحلّ الكلام‏ (1)، و لعمري إنّ هذا الذي حرّره بهذه الصورة يستحقّ أن يوجّه عليه الإشكال المزبور من عدم الارتباط بأصل المطلب و عدم صحّة الجواب عنه بذلك، لكن قد عرفت أنّ الذي صدر عن شيخنا (قدّس سرّه) في ذلك المقام ليس هو إلّا أنّ المشهور قد جروا في باب النذر على العموم المجموعي و هو خلاف ما جروا عليه في باب النواهي الشرعية من العموم الاستغراقي الانحلالي، و ليس جوابه إلّا دعوى استظهار المجموعية من قصد الناذر، و لأجل ذلك قال بعضهم إنّ المتّبع في ذلك قصد الناذر لكن الجماعة أرادوا أن يجعلوا تلك الجهة التي أشرنا إليها قرينة عامّة على أنّ قصد الناذر هو المجموعية، فراجع ما نقلناه عن شيخنا (قدّس سرّه) و عنهم فيما حرّرناه في بعض مباحث الأقل و الأكثر فيما علّقناه على ما حرّره المرحوم الشيخ محمّد علي في ذلك المقام‏ (2).

ثمّ إنّك قد عرفت فيما حرّرناه عن شيخنا (قدّس سرّه)(3) أنّ الثمرة تظهر بين المجموعية و الانحلالية بعد فرض شمول الطبيعة المنهي عنها للأفراد الطولية في التبعيض في مقام الاطاعة و العصيان بالنسبة إلى الأفراد الطولية، أمّا بالنسبة إلى الأفراد العرضية فلا يمكن التبعيض في مقام الاطاعة و العصيان، لأنّه بعصيانه بالاتيان بفعل واحد لا يكون الآخر الذي في عرضه مقدورا له كي يكون تركه له إطاعة ليتحقّق التبعّض، بل تظهر الثمرة بينهما فيما لو أتى بفردين دفعة واحدة كما لو ضرب يتيمين، فإنّه على المجموعية لا يكون الصادر إلّا عصيانا واحدا، و على‏

____________

(1) أجود التقريرات 2 (الهامش): 123.

(2) تقدّم المصدر في الهامش (1) من الصفحة السابقة.

(3) [لعلّ مراده (قدّس سرّه) بذلك تحريراته المخطوطة].

8

الانحلالية يكون الصادر عصيانين.

قوله في الحاشية: كذلك صرف الترك ... الخ‏ (1).

لو أخّر الصرف عن كلّ من الوجود و الترك و قال إنّ المطلوب في الأوامر هو وجود صرف الطبيعة و في النواهي هو ترك صرف الطبيعة لاستراح من هذا الإشكال.

و أنت إذا تأمّلت جميع ما حرّرناه يتّضح لك أنّ جميع ما أورده في هذه الحواشي ما بين غير وارد على ما حرّرناه عن شيخنا، أو هو بنفسه كان قد تعرّض له (قدّس سرّه)، فراجع جميع التحارير و تأمّل.

____________

(1) أجود التقريرات 2 (الهامش): 120.

9

[مبحث اجتماع الأمر و النهي‏]

[الإشكال في عنوان البحث و تغييره بما يناسب‏]

قوله: و المشهور بين الأصحاب عنوان البحث بجواز اجتماع الأمر و النهي و امتناعه ... الخ‏

(1)

.

لا يخفى بشاعة هذا العنوان، لما هو واضح من أنّه لا يقول أحد بجوازه، و هكذا لو غيّر إلى أنّ تعدّد الجهة هل يكفي في جواز الاجتماع، فإنّ ذلك أيضا غير مستحسن، لأنّ اجتماع التكليفين غير جائز و لو كان في البين ألف جهة.

و الذي ينبغي هو تحرير المسألة بما أفاده شيخنا من أنّ تعلّق الأمر بشي‏ء و النهي بشي‏ء آخر لو اجتمعا في شي‏ء واحد وجودا و إيجادا، هل يكون ذلك موجبا لوحدة المتعلّق فيمتنع، أو أنّه لا يوجب ذلك. و الأولى أن يقال: إنّ تعدّد الجهة هل يوجب تعدّد ما هو الموجود أو لا.

قوله: بداهة أنّ الجهة إذا كانت تعليلية و ورد كلّ واحد من الحكمين على مورد الآخر فلا محالة يكونان متعارضين و إلّا فلا

(2)

.

سيتّضح ممّا يفيده (قدّس سرّه) فيما سيأتي‏ (3) أنّه لا بدّ في الجواز من الجهة الأولى من كون التركّب بين الجهتين التقييديتين تركّبا انضماميا، إذ لو كان التركّب اتّحاديا لم يكن للجواز مجال و إن كانت الجهات تقييدية.

____________

(1) أجود التقريرات 2: 125.

(2) أجود التقريرات 2: 126 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(3) راجع أجود التقريرات 2: 157 و ما بعدها.

10

[ملاك كون البحث كلاميا أو فقهيا أو أصوليا]

قوله: يمكن أن تكون المسألة كلامية باعتبار أنّه يبحث فيها عن استحالة اجتماع الحكمين في مورد واحد ... الخ‏

(1)

.

الأولى جعل الملاك في عدّه من المسائل الكلامية- كما حرّرته عنه (قدّس سرّه)- هو كونها باحثة عن أنّ تعدّد جهة الشي‏ء موجب لتكثّره أو لا، و إن شئت فقل: إنّها باحثة عن كون التركّب اتّحاديا أو انضماميا، فليس الميزان في كونها كلامية هو كونها عقلية كي يتّجه عليه ما في الحاشية.

و أمّا عدّها في المسائل الفقهية فوجهه أنّها باحثة عن الصحّة و الفساد، لكن شيخنا (قدّس سرّه) لم يرتضه، لما سيأتي‏ (2) من التحقيق عنده و أنّها من المسائل الباحثة عن مبادئ المسائل الأصولية باعتبار كونها محقّقة لصغرى التعارض إن قلنا بالامتناع من الجهة الأولى، أو صغرى التزاحم إن قلنا بالجواز من الجهة الأولى و الامتناع من الجهة الثانية، و حينئذ تكون هذه المسألة محقّقة لموضوع مسألة التعارض أو موضوع مسألة التزاحم، فتكون من مبادئ المسألتين الأصوليتين.

و أمّا توجيه الحاشية (3) لعدّها من المسائل الأصولية باعتبار أنّها يترتّب على أحد القولين فيها و هو الجواز مسألة فرعية أعني صحّة العبادة.

قلت: ذلك حينئذ غريب، لأنّها على أحد القولين مسألة أصولية و على القول الآخر و هو الامتناع من المبادئ. مضافا إلى أنّ الجواز لا يترتّب عليه [ما ذكر] بل إن كان من الجهة الأولى دخل في باب التزاحم، و إن كان من كلا الجهتين‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 127.

(2) أجود التقريرات 2: 128.

(3) أجود التقريرات 2 (الهامش): 128.

11

فقد حقّق في محلّه‏ (1) أنّه لم يقل به أحد، إذ لم يقل أحد منّا بأنّ الصلاة في الدار المغصوبة عمدا عن علم صحيحة، فتأمّل.

[المناقشة في تقسيم الموجودات إلى عينية و اعتبارية و كلّ منهما إلى متأصّلة و انتزاعية]

قوله: ثمّ إنّ الموجود إمّا أن يكون موجودا في عالم العين أو في عالم الاعتبار و على كلّ منهما فإمّا أن يكون من الموجودات المتأصّلة أو من الموجودات الانتزاعية ... الخ‏

(2)

.

لا يعجبني هذا التقسيم، لأنّا بعد أن فرضنا الشي‏ء موجودا في عالم الأعيان مثلا، كيف يمكننا أن نجعل أحد قسميه ما يكون انتزاعيا مع فرض كون الانتزاعي ما ليس بحذائه شي‏ء في الخارج المفروض كونه هو عالم الأعيان، و هكذا الحال في الموجود في عالم الاعتبار.

فالأولى قلب هذا التقسيم بأن نقول إنّ الأمر الواقعي إمّا أن يكون متأصّلا و إمّا أن يكون انتزاعيا، و المتأصّل إمّا أن يكون متأصّلا في عالم الأعيان كالإنسان و إمّا أن يكون متأصّلا في عالم الاعتبار كالملكية، و الانتزاعي إمّا أن يكون منتزعا ممّا هو متأصّل في عالم الأعيان كالفوقية المنتزعة من الجسمين الموجود أحدهما فوق الآخر، و كالزوجية المنتزعة من الدراهم الأربعة مثلا، و إمّا أن يكون منتزعا ممّا هو متأصّل في عالم الاعتبار كالزوجية المنتزعة من الملكيات الأربع أو المنتزعة من التكاليف الأربعة مثلا.

أمّا التمثيل لذلك بسببية العقد للملكية فهو محلّ تأمّل، لأنّ السببية منتزعة من نفس العقد باعتبار كونه مؤثّرا في الملكية، و العقد ليس من الأمور الاعتبارية.

نعم يمكن القول بأنّ السببية منتزعة من الأمر الاعتباري بلحاظ نفس المسبّب‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات 2: 179.

(2) أجود التقريرات 2: 130.

12

الذي هو الملكية، فإنّها من الأمور الاعتبارية و إن كان نفس السبب من الأمور غير الاعتبارية. و الأمر سهل.

[تحقيق رشيق حول ملاك النسب الأربع‏]

قوله: ثمّ إنّ كلّ مفهومين إمّا أن يكون صدقهما على أفرادهما من جهة واحدة، فيكون جهة الصدق ... الخ‏

(1)

.

ليس الاتّحاد في جهة الصدق إلّا ميزانا في الترادف، و إنّما ميزان التساوي هو التلازم في جهة الصدق، كما كنّا أشكلنا به على شيخنا (قدّس سرّه) و أشكله المحشي أيضا، إلّا أنّ كلام شيخنا (قدّس سرّه) في هذا المقام ليس إلّا على نحو الاشارة و الاجمال، و محلّ تحقيق هذه المسألة في أوائل مباحث الألفاظ و أنّ حقيقة الترادف ما هي، و هل يمكن الاتّحاد في جهة الصدق أو لا يمكن، و قد تعرّض له شيخنا (قدّس سرّه) في الأمر السادس‏ (2) فراجعه.

و توضيح ذلك: أنّهم و إن ذكروا أنّ الميزان في النسب الأربع بين الكلّيات هو المصاديق و الأفراد، فإن كان الكلّيان متّحدين مصاديق بالتمام كانا متساويين، و إن تباينت المصاديق تماما كانا متباينين، و إن كانت مصاديق أحدهما أكثر من الآخر كان الأوّل عاما مطلقا و كان الثاني خاصّا مطلقا، و إن كان كلّ منهما أوسع من الآخر كان بينهما العموم من وجه، إلّا أنّ ذلك لا بدّ أن يكون لجهة تقتضي ذلك، و تلك الجهة هي العلّة في صدق المفهوم الكلّي على مصداقه، و لتسمّ تلك الجهة بالجهة التعليلية، فإنّا إذا قلنا إنّ زيدا إنسان مثلا كانت جهة الإنسانية في زيد هي العلّة في صدق عنوان الإنسان عليه و حمله عليه بالحمل الشائع الصناعي، و هكذا لو قلنا إنّ زيدا عالم يكون لنا مصداق و هو زيد، و عنوان محمول عليه و هو

____________

(1) أجود التقريرات 2: 131 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) أجود التقريرات 1: 76.

13

العالم، و يكون علّة حمل العالم عليه هو ما فيه من العلم.

فقد ظهر لك أنّ الجهة التعليلية تارة تكون ذاتية و أخرى تكون من الأعراض الطارئة عليه، و لا بدّ في هذه الثانية من كونها هي مبدأ اشتقاق ذلك العنوان العرضي أعني عنوان العالم.

[أقسام التساوي الستّة و البحث عن جهة الصدق فيها]

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ أقسام التساوي منحصرة في أمور:

الأوّل: أن يكون العنوانان من قبيل الاسمين لماهية واحدة و نوع واحد، مثل البشر و الإنسان و الليث و الغضنفر.

الثاني: أن يكونا من قبيل النوع و فصله مثل الإنسان و الناطق.

الثالث: أن يكونا من قبيل النوع و الخاصّة مثل الإنسان و قابل العلم.

الرابع: أن يكونا من الفصل و الخاصّة مثل الناطق و قابل العلم.

الخامس: أن يكونا من قبيل الخاصّتين لنوع واحد مثل قابل العلم و قابل الكتابة.

السادس: أن يكون من قبيل المتلازمين مثل مستقبل المشرق و مستدبر المغرب، أمّا مثل الضاحك و المتكلّم فإن كان المراد هو الفعلية لم يكن بينهما تساو بل كان بينهما عموم من وجه، و إن كان المراد من له شأنية الضحك و شأنية التكلّم كانا من قبيل الخاصتين للنوع الواحد الذي هو الإنسان.

و بعد معرفتك هذه الأقسام من التساوي يكون اللازم هو النظر في كلّ واحد من هذه الأقسام، و هل تكون الجهة التعليلية في الصدق في أمثال ذلك واحدة أم تكون مختلفة، فنقول:

أمّا القسم الأوّل و هما المترادفان مثل الإنسان و البشر، فقد أنكره بعضهم و زعم امتناع الترادف و الاتّحاد في جهة الصدق، و أنّ جهة الصدق في مثل الإنسان‏

14

و البشر مختلفة، بدعوى كون الأوّل ملحوظا جهة غير الجهة الملحوظة في وضع الآخر و لو مثل كون الأوّل مأخوذا من الانس و الثاني مأخوذا من ظهور البشرة و بدوّها خالصة من شعر و وبر، و بناء على ذلك يدخل الترادف في مختلف الجهة و يكون ملحقا بالمتلازمين أو بالخاصتين.

و بعضهم صحّح الترادف و قال إنّه بناء على أنّه لا بدّ من المناسبة بين اللفظ و المعنى لا بدّ من الالتزام بأنّ لفظ الإنسان قد وضع لهذا النوع عند طائفة من أهل اللغة، لأنّهم يرون بمقتضى طبعهم أنّ هذا اللفظ مناسب لذلك النوع، و عند طائفة أخرى قد وضع له لفظ البشر لأنّهم يرون بحسب طبعهم أنّ هذا اللفظ مناسب له، و أنّ هذا الصوت الخاصّ يكون إيجاده إيجادا لذلك المعنى بنحو شرحناه مفصّلا في رسالة حرّرناها في أصل اللغات و تشعّبها، ثمّ بعد جمع الألفاظ اللغوية و اختلاطها و تكوين لغة خاصّة للعرب و تدوينها يكون الحاصل من الألفاظ لهذا النوع لفظين لفظ الإنسان و لفظ البشر فجعلوهما مترادفين.

و بناء على هذا الأخير تكون جهة الصدق في كلّ من هذين العنوانين المتساويين متّحدة كما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) بمعنى أنّ العلّة في صدق كلّ من هذين العنوانين على المصداق الواحد واحدة و هي الإنسانية مثلا.

أمّا باقي الأقسام فلا ينبغي الريب في أنّ جهة الصدق فيها مختلفة غير متّحدة حتّى في مثل القسم الثاني الذي هو من قبيل النوع و الفصل مثل الإنسان و الناطق، فإنّ كلا منهما و إن كان ذاتيا للمصداق إلّا أنّ جهة الصدق في الأوّل هي تمام حقيقته، و جهة الصدق في الثاني هي جزء حقيقته، و ليسا متّحدين كما هو واضح، و باقي الأقسام أوضح منه.

و أوضح من الجميع القسم الأخير و هما المتلازمان مثل مستقبل المشرق‏

15

و مستدبر المغرب، فإنّ علّة الصدق في الأوّل هي الاستقبال و في الثاني هي الاستدبار و هما مختلفان، غايته أنّ التلازم بين الجهتين و عدم انفكاك إحداهما عن الأخرى أوجب التلازم بين معلوليهما الذي هو العنوان المنتزع منهما، أعني عنوان المستقبل و عنوان المستدبر. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ التلازم بين الجهتين لا بدّ أن يكون ناشئا عن كونهما معلولين لعلّة ثالثة أو كون إحداهما معلولة للأخرى، و حيث إنّ العلّة الثالثة هي الذات نفسها أو ما هو معلول لها، كما أنّ ما يكون منهما علّة للأخرى يكون العلّة فيه هي الذات إمّا بلا واسطة أو بواسطة، فبالأخرة ينتهي الأمر في هاتين الجهتين إلى كونهما معلولتين للذات، فتكون الجهة التعليلية هي الذات فتكون متّحدة.

و منه يعلم الحال في الخاصتين لنوع واحد فإنّ العلّة في جهتيهما هي الذات أيضا، و هكذا الحال في الفصل و الخاصّة، بل و هكذا الحال في النوع و الفصل، فإنّ العلّة في جميع هذه العناوين تكون بالأخرة هي الذات نفسها، و حينئذ يتمّ ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) من أنّ الجهة التعليلية في جميع أقسام التساوي هي واحدة و هي الذات التي هي العلّة الأخيرة في هذه الجهات. لكنّه على الظاهر لا يخلو عن خروج عن الاصطلاح، لما عرفت فيما أشرنا إليه من أنّ المراد من الجهة التعليلية في خصوص العناوين العرضية إنّما هي مبدأ اشتقاقه، و إن كانت العلّة في ذلك المبدأ و اتّصاف الذات به هو الذات، سيما بملاحظة أنّ هذه العناوين العرضية مثل الضاحك و العالم و القاعد و القائم إنّما هي منتزعة عن الذات باعتبار اتّصافها بالمبدإ الكذائي، فيكون لذلك المبدأ مدخلية في صحّة انتزاعها عن الذات و حمله عليها، فيكون هو الجهة التعليلية في ذلك الانتزاع و الحمل، هذا. مضافا إلى أنّ الذات هي التي يحمل عليها العنوان، فتكون من الجهات التقييدية فلا يمكن أن‏

16

تكون جهة تعليلية، فتأمّل.

فالأولى أن يقال: إنّ التساوي بين العنوانين يكون ناشئا تارة عن تلازم الجهتين مع تغايرهما، و أخرى عن اتّحاد الجهتين، و الأوّل هو الغالب و الثاني يكون من قبيل الترادف.

و إن شئت فقل: إنّ جهة الصدق في أحد العنوانين إن كانت عين جهة الصدق في الآخر كان أحد العنوانين عين الآخر، و إن كانت جهة الصدق في أحدهما مغايرة لجهة الصدق في الآخر كان العنوانان متغايرين أيضا. فإن كان ذلك التغاير على نحو التعاند و التنافر كان العنوانان متباينين، و إن لم يكن بين الجهتين تعاند و تنافر كما أنّه لم يكن بينهما اتّحاد و عينية بل كانا من قبيل المختلفين، فإن كان بينهما تلازم فإن كان التلازم من الطرفين كان العنوانان متساويين من حيث الصدق على الافراد، و إن كان التلازم من طرف واحد بحيث إنّه ينفك أحدهما عن الآخر لكن الآخر لا ينفك عنه كان بين العنوانين عموم مطلق، و إن لم يكن بين الجهتين تلازم بل صحّ اجتماعهما و انفراد كلّ منهما عن الآخر كان بين العنوانين عموم من وجه.

[التعريض بصاحب الكفاية في النقض بصفات اللّه على تعدّد المعنون بتعدّد العنوان‏]

ثمّ لا يخفى أنّ الغرض من التعرّض للجواب عن النقض بصفاته تعالى حسبما حرّرته عنه هو التعريض بما في الكفاية في قوله (قدّس سرّه): ثالثتها، إلى استشهاده بالبيت الشعري: عباراتنا شتّى و حسنك واحد الخ‏ (1) و هاك نصّ ما حرّرته عنه:

و الحاصل: أنّ العنوانين إن اتّحدت جهة صدقهما بحيث كانت جهة صدق أحدهما على مصداقه هي عين جهة صدق العنوان الآخر عليه، كان أحد العنوانين عين العنوان الآخر، و كانا متّحدين و امتنع أن يكونا مختلفين.

____________

(1) كفاية الأصول: 159.

17

و لا يمكن النقض على هذه القاعدة بالعناوين المتصادقة على الواجب تعالى و تقدّس، بدعوى أنّ جهة صدقها عليه تبارك و تعالى متّحدة مع كون تلك العناوين في حدّ نفسها مختلفة، فإنّ كلامنا إنّما هو في العناوين الصادقة على الممكن دون الصادقة على الواجب المقدّس، فإنّ عقولنا لا تدركها و لا تحيط بكيفية صدقها، و ما للتراب و ربّ الأرباب. و أقصى ما يمكننا أن نقول إنّ تلك العناوين من المقول بالتشكيك و أقصى مراتبه هو ما يكون بالنسبة إليه تعالى، و جميع تلك العناوين فيه تبارك و تعالى راجعة إلى عنوانين و هما العلم و القدرة، أو ثلاثة و هي الاثنان المذكوران و الحياة. و أقصى ما يمكننا من الإيضاح في ذلك هو النظر إلى ما توجده مخيّلتنا من الصور الخيالية، فإنّ علمنا بها عين قدرتنا عليها، و ذلك العلم هو أقصى مراتب العلم كما أنّ تلك القدرة هي أقصى مراتبها.

و كيف كان، فإنّ صفاته تعالى أجنبية بالمرّة عمّا يراد في هذا المقام، فلا يمكن التمسّك بها على أنّ اختلاف المفاهيم و تغايرها لا يوجب اختلافا و تغايرا في جهة الصدق فيها كي يقال كما في الكفاية إنّ اختلاف العناوين و تعدّدها لا يوجب تعدّدا في ناحية المعنون‏ (1)، و ذلك لما هو واضح من أنّ اختلاف العناوين و تغايرها موجب لمغايرة جهة الصدق في أحدهما لجهة الصدق في الآخر، و يكون ذلك التغاير في جهة الصدق هو المنشأ في اختلاف العناوين بالعموم من وجه أو العموم المطلق أو التباين، انتهى.

قلت: إنّ هذا مسلّم لا تأمّل لأحد فيه على الظاهر، فإنّ اختلاف العناوين في السعة و الضيق كاشف قطعي عن عدم اتّحاد جهة الصدق فيها، و لكن يمكن التأمّل في توجّه الإيراد بذلك على صاحب الكفاية، فإنّا بعد أن أخذنا جهات‏

____________

(1) كفاية الأصول: 159.

18

الصدق جهات تعليلية لا بدّ لنا من الالتزام بأنّ تكثّر العناوين لا يوجب تكثّرا في المعنون، أعني به ذلك المصداق الذي تحمل عليه تلك العناوين المتعدّدة، فإنّ انطباق العالم و العادل و نحوهما على زيد و إن كان كاشفا عن تعدّد في الجهة التي هي العلّة في انطباق عنوان العالم و عنوان العادل، إلّا أنّ ذلك لا يوجب تعدّدا في المعنون، و هو ذلك الفرد الإنساني أعني به زيدا المذكور، بل يبقى على ما هو عليه من الوحدة قبل أن تنطبق عليه هذه العناوين و قبل أن تطرأ عليه جهاتها التعليلية التي كان اتّصافها بها علّة في انتزاع تلك العناوين منه و تطبيقها و حملها عليه، و لأجل ذلك نقول: إنّ التركّب في مثل ذلك اتّحادي لا انضمامي، بل قد عرفت فيما مضى‏ (1) أنّه لا معنى للتركّب في أمثال ذلك حتّى الاتّحادي منه، لما شرحناه هنا من وحدة المصداق وحدة حقيقية و إن كانت جهة الصدق أعني علّته متعدّدة فتأمّل، فإنّ تعدّد تلك الجهة التعليلية لا يوجب تعدّدا في ذلك المصداق كي يقال إنّه تركّب تركّبا اتّحاديا.

نعم، إنّما يتصوّر التركّب الاتّحادي في مثل تركّب الجنس و الفصل و نحو ذلك، دون ما نحن فيه من العناوين العرضية المنتزعة من الذات باعتبار اتّصافها بعرض من عوارضها هذا، و لكن سيأتي منه (قدّس سرّه)(2) عند التعرّض لكلمات صاحب الكفاية أنّ الحجر الأساسي في المسألة هو كون هذه الجهات هل هي من الجهات التعليلية أو من الجهات التقييدية، و أنّه على الأوّل لا بدّ من الالتزام بكون التركّب اتّحاديا و على الثاني لا بدّ من كونه انضماميا.

و الحاصل: أنّ صاحب الكفاية إن أراد من أنّ تعدّد العنوان لا يوجب‏

____________

(1) [لم نجده فيما مضى‏].

(2) أجود التقريرات 2: 155- 157.

19

التعدّد في المعنون أنّه لا يوجب التعدّد أصلا حتّى بالنسبة إلى الجهة التعليلية، فذلك ممّا يشهد الوجدان بخلافه ضرورة تعدّد الجهة المذكورة. نعم إنّ ذلك أعني إثبات التعدّد في ناحية الجهة التعليلية لا يضرّ بما قصده صاحب الكفاية من عدم إمكان الاجتماع، لأنّ الجهة التعليلية ليست هي مركب الحكمين، و إنّما مركبهما هو المعنون و المفروض أنّه واحد لا تعدّد فيه أصلا.

و إن أراد صاحب الكفاية إنكار تعدّد المعنون نفسه و إن تعدّدت الجهات التعليلية كما ربما يظهر ممّا رسمه على الهامش في الأمر الرابع‏ (1) فذلك أمر لا بدّ منه بناء على ما قدّمناه من كون الجهة تعليلية، و لا يرد عليه ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) من أنّ اختلاف العناوين و افتراق أحدها في الصدق عن الآخر كاشف قطعي عن اختلاف الجهة و تعدّدها، فإنّك قد عرفت أنّه أعني تعدّد الجهة قطعي لا ريب فيه، و المفروض أنّ صاحب الكفاية لا ينكره و إنّما ينكر تعدّد المعنون، و هو أعني عدم تعدّد المعنون بناء على كون الجهة تعليلية أمر لا بدّ منه و لا محيص عنه.

لا يقال: كيف تقولون إنّ عدم تعدّد المعنون أمر لا ريب فيه في مثل العالم و العادل مع أنّ كلا من هذين العنوانين كلّي طبيعي و يكون وجوده بوجود فرده، بل قد تقدّم‏ (2) أنّ الفرد عين وجود كلّيه الطبيعي، و حينئذ لا بدّ أن يكون في البين فردان أحدهما مصداق العالم و الآخر مصداق العادل، و يكون اجتماعهما في الخارج في وجود واحد من قبيل التركّب الاتّحادي.

لأنّا نقول: ليس أمثال هذه العناوين إلّا من العناوين الانتزاعية التي ليس لها

____________

(1) كفاية الأصول: 160.

(2) راجع الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثاني من هذا الكتاب، الصفحة 445 و ما بعدها.

20

في الخارج ما بحذائها، بل لا يكون فيه إلّا ما هو منشأ انتزاعها و هو الذات بلحاظ تلبّسها بالحدث، و حينئذ لا يكون في الخارج إلّا ذات واحدة قد انتزع منها عنوان العالم بلحاظ عروض العلم لها، كما قد انتزع منها عنوان العادل بلحاظ حصول العدالة لها، فلا محصّل للقول حينئذ بأنّ ذلك من قبيل التركّب الاتّحادي، لما عرفت من أنّه ليس في البين إلّا تلك الذات الواحدة التي لم يطرأ لها التعدّد أصلا كي يقال إنّها تركّبت مع الذات الأخرى تركّبا اتّحاديا.

نعم يرد على ما في الكفاية أنّ قياس العناوين الصادقة على الممكن بالعناوين الصادقة على الواجب تعالى قياس في غير محلّه، سواء كان المراد هو نفي تعدّد المعنون فقط أو كان المراد هو نفي تعدّد الجهة التعليلية، و ذلك لأنّ انتفاء التعدّد في الواجب إنّما هو من جهة ما ثبت بالدليل العقلي أنّ صفاته تعالى هي عين ذاته المقدّسة الذي يكون لازمه اتّحاد تلك الصفات، و هو عبارة عن اتّحاد تلك الجهات فيه تبارك و تعالى، و لا بدّ من توجيه ذلك و تحقيق كيفية صدق تلك العناوين عليه تعالى بما أفاده شيخنا (قدّس سرّه).

و أين ذلك من الممكن الذي تكون صفاته زائدة على ذاته، و تكون الجهات فيه متباينة ذاتا و إن اجتمعت فيه اجتماعا انضماميا كما سيأتي‏ (1) إن شاء اللّه تعالى بيانه، و أنّ اجتماع نفس العوارض أعني العلم و العدالة لا يكون إلّا من قبيل التركّب الانضمامي، بل التعبير بالتركّب و لو انضماميا لا يخلو من تسامح و تساهل، إذ ليس في البين إلّا اجتماع العوارض لا تركّب بعضها مع بعض، و ذلك فيما إذا كانا من مقولتين، لوضوح كمال المباينة حينئذ بين العرضين أنفسهما.

____________

(1) في الحاشية التالية.

21

[الكلام في تصوّر النسب الأربع بين جوهرين أو عرضين أو جوهر و عرض‏]

قوله: و منه يظهر أنّ نسبة العموم من وجه لا يمكن أن يكون بين الجوهرين- إلى قوله:- بل هي إنّما تكون في جوهر و عرض كالحيوان و الأبيض أو بين عرضيين كالأبيض و الحلو

(1)

.

التفصيل في ذلك هو أن يقال: إنّ الجوهرين لا يتصوّر فيهما العموم من وجه و يتصوّر فيهما باقي النسب من التساوي و العموم المطلق و التباين، لكن لا يكون التركيب فيهما إلّا اتّحاديا. أمّا العرضان إذا كانا من مقولتين فلا يتصوّر فيهما شي‏ء من النسب الأربع إلّا التباين، و لا يكون اجتماعهما إلّا من قبيل التركّب الانضمامي، و هكذا الحال في الجوهر و العرض. أمّا إذا كانا من مقولة واحدة فيتصوّر فيهما العموم المطلق كما في الحركة و القيام، بل ربما تصوّر فيهما العموم من وجه كما في التستّر بالثوب المغصوب، فيجتمع التستّر و التصرّف في المغصوب، و ينفرد الأوّل عن الثاني في التستّر بالمملوك، و ينفرد الثاني عن الأوّل بالتعمّم بالمغصوب، بل لعلّه يمكن تصوّر التساوي أيضا. و من ذلك يظهر لك التأمّل فيما تضمّنته الحاشية (2).

أمّا الجوهر و العرضي مثل الإنسان و الضاحك أو مثل الإنسان و الماشي، و كذلك العرضيان مثل الكاتب و الضاحك فيتصوّر فيها جميع النسب، و يكون تركّبها تركّبا اتّحاديا، بل قد عرفت أنّ التعبير بالتركّب لا يصحّ إلّا من باب المسامحة و التساهل و إلّا فإنّه ليس في البين إلّا الذات التي لا تعدّد فيها، و إنّما يقع التعدّد في الجهة التعليلية التي هي نفس العرض الذي قد عرفت أنّ النسبة فيه هي‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 132 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) أجود التقريرات 2 (الهامش): 132.

22

التباين و أنّ الاجتماع فيه لا يكون إلّا انضماميا، أمّا العرض مع العرضي مثل الضحك و الضاحك فليس ذلك إلّا من قبيل العرض الذي هو الضحك و الجوهر، أعني الذات الخارجية المحكية بعنوان الضاحك، و قد عرفت أنّهما لا يكونان إلّا متباينين و أنّ اجتماعهما لا يكون إلّا انضماميا.

قوله: بداهة امتناع كون الشي‏ء الواحد متفصّلا بفصلين عرضيين حتّى يكون صدق أحد الجوهرين من جهة و صدق الآخر من جهة أخرى ... الخ‏

(1)

.

هذا برهان على استحالة تحقّق العموم من وجه بين العنوانين الجوهريين، لكن العبارة لا تخلو من إجمال، و المرحوم الشيخ محمّد علي ذكر في بيان هذا البرهان ما هذا لفظه: لأنّ جهة صدق العنوان الجوهري على شي‏ء إنّما يكون باعتبار ما له من الصورة النوعية التي بها يكون الشي‏ء شيئا، و قد عرفت أنّ الصور النوعية متباينة بالتباين الكلّي لا يمكن أن يجتمعا الخ‏ (2).

و هذه العبارة و إن كانت أوضح ممّا هو المذكور هنا إلّا أنّها لا تخلو أيضا عن إجمال، و لعلّ مراد شيخنا (قدّس سرّه) هو أنّ تحقّق العموم من وجه بين العنوانين الجوهريين لما كان يتوقّف على اجتماعهما في شي‏ء و انفراد كلّ منهما عن صاحبه في شي‏ء آخر، كان لازمه هو كون هذا العنوان الجوهري مشتركا بين هذا الشي‏ء الذي هو مجمعهما و بين الشي‏ء الآخر الذي ينفرد به فيكون جنسا لهما، و هكذا الحال في العنوان الآخر، و حينئذ يكون ذلك المجمع مشتملا على‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 132 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) فوائد الأصول 1- 2: 404.

23

الجنسين العرضيين، فإن لم يكن له إلّا فصل واحد كان ذلك مستلزما لتركّبه من جنسين عرضيين و فصل واحد و هو محال، حيث إنّ كلّ جنس للماهية لا بدّ أن يكون له فصل، و إن كان له فصلان كان عبارة عن نوعين كلّ منهما في عرض الآخر، و قد عرفت التباين الكلّي بين النوعين العرضيين، فكيف يعقل أن يكون الشي‏ء الواحد عبارة عن نوعين عرضيين.

و في تحريرات بعض أجلّة تلاميذه‏ (1) ما هذا لفظه: و أمّا بين الجوهرين فلا يعقل لأنّهما ينحصران بالنوعين كالإنسان و البقر، أو بالجنس و الفصل كالحيوان و الناطق. ففي الأوّل لا يمكن الاجتماع لأنّهما متعاندان في الوجود، كما أنّ في الثاني لا يمكن الافتراق من طرف الفصل لأنّه لا ينفك عن الجنس، ففرض مادتي الافتراق لنوعين من الطرفين لا يمكن في الثاني كما أنّه لا يمكن مادّة الاجتماع في الأوّل، للتباين الكلّي بين النوعين كما لا يخفى، انتهى.

و لا يخفى أنّ هذا ليس ببرهان عقلي بل هو استدلال بالاستقراء، و كان عليه أن يذكر الجنسين أو الجنس و النوع، و يدفعه بأنّه لا بدّ أن يكون أحدهما أعمّ مطلقا من الآخر، فهما نظير الجنس و الفصل لا يمكن الافتراق في ناحية الأخصّ منهما، و حينئذ لا بدّ أن يكونا من قبيل الجنسين العرضيين، و قد دلّ الاستقراء على ترتّب الأجناس من سافل إلى عال و من خاصّ إلى أعمّ منه و أنّ الجنسين العرضيين لا وجود لهما، و حينئذ نحتاج إلى إقامة البرهان على امتناعه، و هو ما ذكرناه و احتملنا كون البرهان المذكور في هذا التحرير و في تحرير المرحوم الشيخ محمّد علي راجعا إليه، فتأمّل.

____________

(1) هو جناب السيّد جمال الدين سلّمه اللّه تعالى [منه (قدّس سرّه)‏].

24

[اختلاف مبادي المشتقّات من حيث أخذها بشرط لا و لا بشرط]

قوله: المقدّمة الثالثة: قد ذكرنا في مبحث المشتق أنّ مبادئ الاشتقاق مأخوذة بشرط لا، بعضها بالاضافة إلى بعض و الكل بالاضافة إلى الذوات المعروضة لها، فلذا لا يصحّ الحمل بينها أصلا ... الخ‏

(1)

.

تقدّم‏ (2) في باب المشتق أنّ مبدأ الاشتقاق هو المادّة السارية في جميع المشتقّات حتّى المصدر بل حتّى اسم المصدر، و هي أعني تلك المادّة ملحوظة لا بشرط بالاضافة إلى تلك الطوارئ التي تطرأ عليها و يتولّد منها سائر المشتقّات، مثل الفعل الماضي و اسم الفاعل و نحوهما من النسب الفعلية أو الوصفية التي هي مصحّحة لحملها على الذات، أمّا المصدر نفسه فقد عرفت أنّه ملحوظ بشرط النسبة كسائر المشتقّات، نعم اسم المصدر لوحظ فيه الحدث مجرّدا عن النسبة و نحوها من أخذه وصفا للذات و عنوانا لها.

و بعبارة أخرى: هو من هذه الناحية مأخوذ بشرط لا و لكن بالنسبة إلى النواحي الأخر و الطوارئ الطارئة على نفس ذلك الحدث، فهو ملحوظ لا بشرط، و لذلك يصحّ وصفه بصفات عديدة مثل الشدّة و السرعة و نحوهما، فيقال الضرب شديد و المشي سريع، هذا بالقياس إلى ما يلحقه من الصفات و الطوارئ و العوارض.

و أمّا بالنسبة إلى عرض آخر مثله فإن كان ذلك العرض الآخر من مقولة أخرى كان مباينا له و لا يصحّ حمله عليه، و كان بالنسبة إليه مأخوذا بشرط [لا]، بل التعبير في حقّ هذا العرض بالنسبة إلى عرض آخر من مقولة أخرى بأنّه‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 132 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) في أجود التقريرات 1: 90 (المقدّمة السادسة). لاحظ حاشية المصنّف (قدّس سرّه) في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب، الصفحة: 260 و ما بعدها.

25

بالقياس إلى ذلك العرض مأخوذ بشرط لا، لا محصّل له لما عرفت من كمال المباينة بينها، و ذلك أعني التباين مغن عن أخذه بالقياس إلى مباينة بشرط لا.

أمّا بالنسبة إلى عرض آخر من مقولته فربما كان مباينا له كما في الضرب و القيام، و ربما كان متّحدا معه اتّحاد العموم المطلق كما في مثل الحركة و القيام و الفعل بمعناه اللغوي و الضرب و نحو ذلك، بل ربما كان بينها العموم من وجه كما في التستّر فإنّه يجتمع مع التصرّف بملك الغير كما لو تستّر بالمغصوب، و ينفرد التصرّف في المغصوب عن التستّر كما لو تعمّم بالثوب المغصوب، و ينفرد التستّر عن التصرّف بالمغصوب كما لو تستّر بثوب غير مغصوب. و الظاهر أنّ تركّبهما من قبيل التركّب الاتّحادي لا الانضمامي، و لعلّه يأتي له مزيد بحث و بيان إن شاء اللّه تعالى‏ (1).

و الغرض هنا مجرّد بيان أنّ مبادئ الاشتقاق أعني أسماء المصادر لا يلزمها أن تكون مأخوذة بشرط لا بالقياس إلى بعضها الآخر، على وجه يمتنع حمل بعضها على بعض، كما يمتنع حمل كلّ منها على نفس الذات، بل إنّها في ذلك مختلفة. و لا ينحصر النسبة بينها بالتباين بل يتأتّى فيها العموم المطلق، خصوصا في مثل العناوين الأوّلية و الثانوية مثل الالقاء و الإحراق و القيام و التعظيم بل العموم من وجه، بل ربما يتأتّى فيها التساوي أيضا.

فقد تلخّص: أنّ أخذ اسم المصدر بشرط لا بالقياس إلى الطوارئ التي يتكوّن عنها باقي المشتقّات و منها الصفات لا يوجب إلّا عدم صحّة حمله على الذات الموصوفة، أمّا حمله على أسماء الأحداث الأخر فليس هو براجع إلى‏

____________

(1) [لعلّه (قدّس سرّه) يشير إلى ما يأتي في هذه الحاشية، أو ما يأتي في الصفحة 31، فلاحظ].

26

أخذه بشرط لا أو أخذه لا بشرط، بل هو راجع إلى أنّ هذا الحدث هل هو مباين لذلك الحدث الآخر و لو لكونهما من مقولتين، أو أنّه غير مباين له لأجل أنّهما من مقولة واحدة و أنّ أحدهما أعمّ مطلقا من الآخر، أو كونه عنوانا توليديا له، أو كون أحدهما أعمّ من وجه من الآخر أو مساويا له. فإن كان الحدثان متباينين لم يصحّ حمل أحدهما على الآخر، و لم يكن اجتماعهما إلّا من قبيل الاجتماع الانضمامي، و إلّا صحّ حمل أحدهما على الآخر و كان اجتماعهما من قبيل التركّب الاتّحادي.

و الحاصل: أنّ مجرّد أخذ الحدث بشرط لا، لا يكون مانعا من حمله على الحدث الآخر إذا لم يكن مباينا له، كما أنّه لا يوجب أن يكون تركّبه معه تركّبا انضماميا. و من ذلك يتّضح لك التأمّل فيما أفيد في المقدّمة الرابعة بقوله: و السرّ في ذلك الخ‏ (1).

[التأمّل في ملاك التركيب الانضمامي و الاتّحادي‏]

كما أنّه يتّضح لك منه التأمّل فيما أفاده (قدّس سرّه) من تقسيم الافتراق على قسمين و أنّ القسم الأوّل منه هو ما يكون الافتراق فيه بتبدّل حقيقة المصداق، كما في انفراد العالم عن مورد الاجتماع مع عنوان الفاسق في العالم غير الفاسق، فإنّ المصداق الذي ينفرد فيه العالم مباين في الهوية و الحقيقة للمصداق الذي يجتمع فيه مع الفاسق. و أنّ القسم الثاني منه هو ما يكون الافتراق فيه بمجرّد انفكاك أحد العنوانين عن الآخر و انفصاله عنه من دون تبدّل في هوية المصداق، كما في انفراد عنوان العلم عن عنوان الفسق، فإنّ العلم المجرّد عن الفسق لا تختلف هويته عن العلم المقرون بالفسق. و جعل (قدّس سرّه) هذا الفرق بين هذين القسمين هو الحجر الأساسي في كون التركّب في القسم الأوّل اتّحاديا و في القسم الثاني‏

____________

27

انضماميا، فراجع ما حرّرناه عنه‏ (1) و ما حرّره عنه المرحوم الشيخ محمّد علي‏ (2) في هذا التقسيم.

و وجه التأمّل أنّه أيضا مبني على المباينة بين الحدثين، و إلّا فلو لم يكونا متباينين بل كان بينهما العموم من وجه كما مثّلنا به في التستّر بالثوب المغصوب الذي هو مجمع لعنوان التستّر و عنوان التصرّف في المغصوب، و التستّر الذي يكون بالثوب المملوك و التصرّف الذي يكون بالثوب المغصوب بغير التستّر بل بالتعمّم به مثلا، فإنّ عنوان التستّر عند انفراده عن عنوان التصرّف في المغصوب يكون لمصداقه هوية هي غير هويته عند اتّحاده مع التصرّف في المغصوب، و هكذا الحال في انفراد عنوان التصرّف بالثوب المغصوب عن عنوان التستّر به، فإنّه حينئذ يكون في مصداق مباين في الهوية مع المصداق الذي اجتمعا فيه.

و أمّا ما أورده عليه في الحاشية (3) من أنّ ذلك إنّما يسلم في المصادر المتأصّلة دون الانتزاعية كالغصب، فإنّ الموجود منه في غير الصلاة كلبس ثوب الغير أو أكل خبزه مغاير لما هو موجود مع الصلاة الذي هو من مقولة الأين، فإنّه يمكن الجواب عن ذلك بأنّ الغصب المقابل لما هو موجود مع الصلاة هو الغصب الأيني أيضا، إلّا أنّه في غير الصلاة بل في فعل آخر غيرها مثل القيام و المشي و نحوهما. فالعمدة هو ما أشرنا إليه من أنّ الغصب هل هو مباين للصلاة بالذات فيكون اجتماعهما انضماميا أو أنّه عينه في الخارج فيكون اتّحاديا، و لازمه هو مغايرة الغصب الموجود في غير الصلاة مع الغصب الموجود فيها،

____________

(1) مخطوط، لم يطبع بعد.

(2) فوائد الأصول 1- 2: 406 و ما بعدها.

(3) أجود التقريرات 2 (الهامش): 135.

28

و أنّ مجرّد أخذه بشرط لا لا يترتّب عليه الأثر المطلوب.

فالحجر الأساسي لجميع هذه الأمور و لكون التركّب انضماميا هو ما عرفت من التباين بين الحدثين و عدم المباينة بينهما.

و بالجملة: أنّ الذي يظهر منه (قدّس سرّه) في جميع التحارير هو أنّ الحجر الأساسي في التباين بين المبادئ و عدم حمل بعضها على بعض و كون اجتماع بعضها مع بعض في ذات واحدة من باب التركّب الانضمامي هو كونها مأخوذة بشرط لا.

و قد عرفت التأمّل في ذلك و أنّه لا أثر لأخذها بشرط لا إلّا عدم صحّة حملها على الذات، و كونها مباينة للذات التي تعرض لها، أمّا بالنسبة إلى بعضها مع البعض الآخر منها فذلك تابع للتباين بين الحدثين و عدم التباين بينهما.

و قد عرفت أنّه يمكن أن لا يكون بين الحدثين تباين بل يكون بينهما العموم المطلق و العموم من وجه بل التساوي. لكن ذلك مستلزم لتركّب الحدث و عدم بساطته، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى‏ (1) التعرّض لذلك و أنّه لا يعقل فيه التركيب، و أنّ ما به الامتياز في الاعراض عين ما به الاشتراك، فلا تكون الأعراض إلّا متباينة. لكن هذا لو تمّ يكون أساسا آخر للتباين غير مجرّد كونه ملحوظا بشرط لا، فتأمّل.

و بالجملة: الظاهر أنّ أساس التركّب الانضمامي هو تباين العرضين لا مجرّد كون كلّ منهما ملحوظا بشرط لا، بل يمكن أن يقال إنّ ما تعرّضت له المقدّمة الخامسة (2) من كون جهة الصدق في المشتقّات تعليلية و في مبدأ الاشتقاق تقييدية لا يكون بنفسه منتجا للتركّب الانضمامي، إذ أقصى ما في البين‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 138.

(2) أجود التقريرات 2: 136.

29

هو اجتماع الجهتين التقييديتين، و هذا لا يمنع من صدق إحدى الجهتين على الأخرى فيكون التركّب بينهما اتّحاديا، إلّا بعد الفراغ عن التباين بين الجهتين على وجه لا تصدق إحداهما على الأخرى و بسبب ذلك التباين يكون التركّب انضماميا. لكن سيأتي إن شاء اللّه تعالى‏ (1) الإشكال في كيفية الجامع بين هاتين الجهتين عند اجتماعهما، و ذلك الجامع بين الصلاة و الغصب و هو الحركة ما حقيقته، و هل يكون مصداقا لكلّ منهما فتكون الحركة الواحدة متّصفة بهما، أو أنّ لكلّ منهما مصداقا مستقلا.

[التأمّل في التفرقة بين مبادي المشتقّات و بين المادّة و الصورة]

قوله: نعم بين المبادئ للاشتقاق و بين الهيولى و الصورة فرق من جهة، و هي أنّ مبادئ الاشتقاق ... الخ‏

(2)

.

يمكن التأمّل فيه فإنّ مبدأ الاشتقاق لو أخذ لا بشرط لم يعبّر عنه بعبارة تستعصي عن الحمل، بل يعبّر عنه بعنوان المشتق فيحمل على الذات و على مثله. و هكذا الحال في المادّة و الصورة فإنّها عند أخذها لا بشرط يعبّر عنها بالجنس أعني الحيوان و الفصل أعني الناطق، و حينئذ يصحّ حمل أحدهما على الآخر و حمل كلّ منهما على النوع.

و الخلاصة: أنّه لا فرق بين مبدأ الاشتقاق و بين المادّة في هذا الحال أعني حال الأخذ لا بشرط، كما أنّه لا فرق بينهما في ذلك الحال أعني حال الأخذ بشرط لا، فلاحظ و تأمّل.

[الكلام فيما يدّعى من التركّبات العقلية]

و لو أنّ إنسانا تجاسر و أنكر هذه التركّبات العقلية أعني تركّب الأنواع من‏

____________

(1) راجع الحواشي الآتية في الصفحة: 34- 38.

(2) أجود التقريرات 2: 133 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

30

هيولى و صورة أو من جنس و فصل، و زعم أنّ الممكن منحصر في الأعراض و الجواهر، و أنّ الجواهر تنقسم إلى مادّيات و مجرّدات كالعقل و النفس، و زعم أنّ ما يسمّى جنسا كالحيوان و فصلا كالناطق ليس إلّا من العوارض، إذ الحيوان من الحياة و الناطق من النطق بمعنى التكلّم، و كذلك الحال في الإدراك و نحوه من عوارض الإنسان، و كما أنّ هذه الأعراض و أمثالها قائمة بالجواهر فتكون من قيام العرض بالجوهر فلم لا يمكن أن يكون للعرض نفسه عرض يقوم به، و حينئذ تشترك الجواهر و الأعراض في قابلية قيام العرض، فكما أنّ البياض قائم بالجسم فلم لا تكون شدّته قائمة به و هما معا قائمان بالجسم، فيكون الجسم متّصفا بالبياض الشديد،

[إمكان القول بقيام العرض بعرض آخر]

و حينئذ فكما للجوهر عرض عام يشترك بينه و بين غيره من الجواهر و عرض خاصّ يميّزه عن غيره من الجواهر، فلم لا يكون للعرض عرض يشترك بينه و بين غيره كالحركة المشتركة بين الصلاة و للغصب، و لكلّ منهما جهة خاصّة تميّزه عن الآخر و توجب كون الصلاة مباينة للغصب، على وجه لا يتّحد أحدهما بالآخر عند اجتماعهما و إن انطبق عليهما عنوان الحركة و اتّحدت مع كلّ منهما، لا أنّها حركة واحدة تتّصف بالغصبية و الصلاتية، بل إنّ الحركة الموجودة في الغصب غير الحركة الموجودة في الصلاة، نظير الحيوان الموجود في الإنسان عند اجتماعه مع الفرس غير الحيوان الموجود في الفرس، بمعنى أنّ هناك شخصين من الحيوان، فشخص هو الإنسان و شخص هو الفرس، و من الواضح أنّ أحدهما مباين للآخر، فكذلك الحال في الحركة الموجودة في الغصب عند اجتماعه مع الصلاة هي شخص من الحركة غير الشخص الموجود في الصلاة.

31

و إن شئت فبدّل عنوان الحركة بالفعل الصادر من الفاعل فرارا من دعوى أنّ الغصب ليس من الحركة أو أنّ الصلاة ليست منها بل هي من الوضع، فإن غرضنا هو ما عرفت من إمكان اشتراك العرضين في عنوان يشملهما، و اختصاص كلّ منهما بخصوصية توجب امتيازه عن صاحبه، و أنّه عند اجتماعه لا يكون ذلك الاجتماع إلّا من قبيل اجتماع المتباينين، نظير اجتماع الفرس و الإنسان. فإن شئت فسمّ ذلك الجامع بينهما جنسا و ذلك المميّز لكلّ منهما عن الآخر فصلا، و إن شئت فسمّ الأوّل عرضا عاما و الآخر عرضا خاصّا، سواء ذلك الجواهر و الأعراض.

و أمّا دعوى كون ما به الاشتراك عين ما به الامتياز في البسائط فذلك أمر آخر مرجعه إلى أنّ الامتياز بالذات و أنّه لا اشتراك بينهما، فلاحظ و تأمّل.

و من ذلك كلّه تعرف أنّ ما أفاده في المقدّمة الخامسة بقوله: و هذا بخلاف تقييد العناوين الكلّية فإنّه يوجب تضييقها المانع من صدقها على فاقد القيد الخ‏ (1) لا يختصّ بالعناوين الاشتقاقية و نحوها، بل هو جار في مبادئ الاشتقاق، فيكون الحاصل أنّ القيد إن كان في عالم المصداق كان موجبا لتكثّره و تعدّده كما في مصداق الغصب و الصلاة، و إن كان في عالم المفهوم كان موجبا لتضييق دائرته كما لو قيّدت مفهوم الغصب بأنّه الغصب الصلاتي. و في الحقيقة أنّ الجهة التقييدية في الأوّل تكون عبارة عن نفس مصداق الغصب و نفس مصداق الصلاة، و عند اجتماعهما يكون لنا مصداق للصلاة و مصداق آخر للغصب، و لا يكون أحدهما عين الآخر بل يكون مغايرا له، و يكون تركّبهما انضماميا لا اتّحاديا، كلّ ذلك من‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 138 [المنقول هنا مخالف للنسخة القديمة غير المحشاة].

32

جهة التباين بين حقيقة الغصب و حقيقة الصلاة، و لا معنى للقول بأنّ بينهما عموما من وجه إلّا أنّهما يجتمعان في الوجود من دون اتّحاد و ينفرد كلّ منهما عن الآخر، بخلاف ما لو اتّحدا عند الاجتماع كما في التصرّف في المغصوب و التستّر مثلا، فإنّه عند الاجتماع يكون أحدهما عين الآخر و يكون تركّبهما اتّحاديا لا انضماميا، فيكون من قبيل النهي عن العبادة لو كان التستّر المأمور به عبادة.

و هكذا الحال في مثل قراءة القرآن و الغناء عند اجتماعهما، فإنّ أحدهما حينئذ متّحد مع الآخر فيكون من قبيل النهي عن العبادة، إلّا بنحو ارجاعهما إلى التباين بما سيأتي في المقدّمة التاسعة من صرف النهي إلى متمّم المقولة، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى‏ (1) شرحه، فلاحظ و تأمّل.

[مناقشات مع السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في تركّب الصلاة مع الغصب‏]

قوله: فيكون الحركة الخارجية من جهة وجود هوية الصلاة فيها فردا من الصلاة و من جهة وجود هوية الغصب فيها فردا من الغصب ... الخ‏

(2)

.

قال في الحاشية: قد عرفت أنّ الغصب ليس من الماهيات المتأصّلة ليستحيل اتّحاده مع الصلاة خارجا، و أنّه من المفاهيم الانتزاعية قابلة الانطباق على ماهيات متعدّدة الخ‏ (3).

قلت: لكنّه في المقام منطبق على الأين، و هو كما فسّره به الكون في الدار، و هو سواء كان منسوبا إلى المصلّي أو كان منسوبا إلى الصلاة نفسها يكون مباينا للصلاة من أي مقولة كانت، إذ لا شبهة في عدم كونها من مقولة الأين، و حينئذ

____________

(1) في الصفحة: 44.

(2) أجود التقريرات 2: 136 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(3) أجود التقريرات 2 (الهامش): 136.

33

يكون استحالة اتّحاده مع الصلاة من الواضحات، فلا محصّل لقوله: فلا مانع من انطباقه على الصلاة و لو باعتبار بعض أجزائها. فإنّ أي جزء نفرضه من الصلاة لا بدّ له من أين يقع فيه، و قد قلنا إنّ الأين مباين لما يضاف إليه.

قوله في هذه الحاشية: كالأذكار، ضرورة أنّ التكلّم في الدار المغصوبة لا يصدق عليه التصرّف في الدار قطعا ... الخ‏

(1)

.

قلت يكفي في كونه تصرّفا أنّه محتاج إلى تحريك الشفة، و هو تصرّف في فضاء الدار فيكون ذلك أعني تحريك الشفة من مقولة الفعل، و كونه في ذلك الفضاء من مقولة الأين، و قد عرفت المباينة بينهما.

قوله في هذه الحاشية: و الصحيح أنّها من مقولة الوضع ... الخ‏

(2)

.

كونها من مقولة الوضع لا ينفي كونها مضافة إلى الأين، و حينئذ تدخل فيما نريده من اجتماع المقولتين أعني الوضع و الأين.

قوله: و توهّم أنّها من مقولة الفعل ... الخ‏

(3)

.

قد ذكر ذلك شيخنا (قدّس سرّه) فيما حرّرناه عنه و بيّن أنّ أفعال الصلاة من مقولة الوضع، فراجع ما حرّره عنه المرحوم الشيخ محمّد علي فيما طبع من تحريراته‏ (4)، بل إنّ هذا المحشي ذكره أيضا في هذا التحرير فراجع‏ (5) و حينئذ فقوله: و توهّم الخ، متوجّه إلى أي شخص.

____________

(1) أجود التقريرات 2 (الهامش): 136.

(2) أجود التقريرات 2 (الهامش): 137.

(3) أجود التقريرات 2 (الهامش): 137.

(4) فوائد الأصول 1- 2: 425- 426.

(5) أجود التقريرات 2: 159.

34

قوله في هذه الحاشية: فإن قلنا بأنّهما من أجزاء الصلاة كان المأمور به متّحدا مع المنهي عنه وجودا، فلا مناص عن القول بعدم جواز الاجتماع ... الخ‏

(1)

.

لا يخفى أنّ تركّب النهوض مثلا مع الغصب لا يكون اتّحاديا، بل هو انضمامي لكونه من قبيل الفعل و الأين، فإنّه و إن صدق على النهوض أنّه تصرّف إلّا أنّه باعتبار أينه لا باعتبار نفسه. و منه يظهر الحال فيما ذكره في السجود من احتياجه إلى الاعتماد و هو تصرّف في الأرض، فإنّ ذلك لا يخرجه عن كونه من مقولة الأين، و لو سلم أنّه ليس من مقولة الأين فلا أقل من كونه من قبيل متمّم المقولة، نظير لبس المغصوب في كون الحرمة المتعلّقة به لا باعتبار نفس اللبس، بل باعتبار تعلّقه بثوب الغير الذي أفاد شيخنا (قدّس سرّه)(2) كونه من قبيل متمّم المقولة الذي يعبّر عنه النحويون بالظرف اللغو، و هو مباين لنفس المقولة فلا يكون تركّبه معها إلّا من قبيل التركّب الانضمامي، فراجع ما حرّرناه عنه و ما حرّره عنه المرحوم الشيخ محمّد علي‏ (3).

و منه يظهر لك الإشكال فيما ذكره في الحاشية (4) في بيان انطباق التصرّف الحرام على نفس الحركة و اتّحاده معها، و مراد شيخنا (قدّس سرّه) من صدور حركتين من المصلّي هو ما شرحه من الحركة في الأين الذي يرجع إليه الغصب و الحركة في الوضع أو الفعل الذي يرجع إليه الصلاة، فلا يتّجه عليه ما في الحاشية المذكورة

____________

(1) أجود التقريرات 2 (الهامش): 137.

(2) أجود التقريرات 2: 148.

(3) فوائد الأصول 1- 2: 415.

(4) أجود التقريرات 2 (الهامش): 138- 139.

35

بقوله: لأنّه مع وضوح بطلانه في نفسه لبداهة عدم صدور حركتين من المصلّي في آن واحد الخ.

و الحاصل: أنّ المحشّي تخيّل أنّ المراد بالحركة هي الحركة الخارجية الفعلية العرفية فأورد عليه هذه الايرادات، و مراد شيخنا من الحركة هو الحركة باصطلاح أهل المعقول و هي الخروج من القوّة إلى الفعل، و هي تكون في الوضع و الأين و نحوهما، فراجع ما حرّرناه عنه و ما حرّره الباقون، فراجع ما حرّره عنه المرحوم الشيخ محمّد علي‏ (1)، بل إنّ ما حرّره المحشّي عنه (قدّس سرّه) في هذا المقام كاف في بيان مراده (قدّس سرّه) من أنّ المقصود هو الحركة في الأين و الحركة في الصلاة، و ذلك قوله: بداهة أنّ الحركة نسبتها إلى المقولات التي تجري فيها نسبة الهيولى إلى الصور الخ‏ (2).

و بالجملة: أنّ الذي يظهر من هذه الحاشية أنّ جميع أفعال الصلاة لا ربط لها بالغصب، لأنّ الذكر ليس بتصرّف و الحركات الانتقالية ليست بأجزاء و القيام و الركوع و السجود من مقولة الوضع، فلم يبق بيد المحشّي سوى الاعتماد في السجود فجعله متّحدا مع الغصب الذي هو التصرّف.

و لا يخفى أنّ الاعتماد ليس بمنحصر في السجود بل جار في القيام و الركوع. و يمكن أن يدّعى أنّ نفس هذا الشرط الذي هو الاعتماد لا دليل على عباديته على وجه لو جاء به محرّما لكان موجبا لبطلانه، بل هو شرط عقلي لتحقّق مفهوم السجود و الركوع و القيام، لا أنّه شرط شرعي في ذلك على وجه يكون النهي عنه أو اتّحاده مع المنهي عنه موجبا لبطلان أصل العبادة، و سيأتي إن‏

____________

(1) فوائد الأصول 1- 2: 426- 427.

(2) أجود التقريرات 2: 138 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

36

شاء اللّه تعالى‏ (1) تحرير ذلك في بحث النهي عن شرط العبادة مثل التستّر. على أنّه يمكن أن تكون الصلاة في المكان المغصوب مع عدم كون الاعتماد على الأرض المغصوبة، بأن كانت واقعة على جسر منصوب على الأرض المغصوبة لكن كان اعتماد طرفيه على مملوك أو كانت الأرض مملوكة له لكن كان الفضاء مغصوبا و نحو ذلك.

و بالجملة: أنّ هذه الفروض و أمثالها تمنع من أن يكون فتوى القوم ببطلان الصلاة في المغصوب مستندة إلى مجرّد كون السجود مشروطا بالاعتماد و هو متّحد مع التصرّف الغصبي هذا، مضافا إلى ما عرفت من كون الاعتماد على الأرض ليس بمتّحد مع الغصب، لكون الغصب في ذلك من قبيل متمّم المقولة، على حذو ما حرّرناه في اللباس المغصوب و الساتر، بل الوضوء من الآنية المغصوبة أو الفضّة و الذهب على ما حرّره شيخنا (قدّس سرّه)(2) فراجع.

قوله: فلا يكون هناك فرق بين المبادئ و العناوين الاشتقاقية أصلا في كون الجهة تعليلية لا تقييدية ... الخ‏

(3)

.

إنّ هذا الإشكال كأنّه مأخوذ من الكفاية حيث يقول: فالحركة في الدار من أي مقولة الخ‏ (4).

و حاصله: أنّ الفعل الخارجي الذي هو مصداق و مجمع هو نفس الحركة، و له جهتان الصلاة و الغصب، و هما بالنسبة إلى العنوان الصادق عليه منهما

____________

(1) في الصفحة: 298 و ما بعدها.

(2) أجود التقريرات 2: 148- 149.

(3) أجود التقريرات 2: 138 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(4) كفاية الأصول: 159- 160 (مع اختلاف يسير).

37

تعليليتان، بمعنى أنّ اتّصاف تلك الحركة بكونه صلاة يكون علّة لانطباق أحد العنوانين على تلك الحركة، و اتّصافها بالغصب يكون علّة في انطباق العنوان الآخر على تلك الحركة، و حينئذ يكون كلّ من الصلاة و الغصب أجنبيا عن كلّ من العنوان و المعنون، كما قلنا إنّ العلم و العدالة يكون أجنبيا عن عنوان العالم و العادل و عن المعنون بهما و هو تلك الذات الخارجية، غايته أنّه يكون علّة في انطباق عنوان العالم على تلك الذات و انطباق العادل عليها.

و حينئذ لو قلنا إنّ الصلاة و الغصب من الجهات التعليلية يكون محصّله هو أنّهما أجنبيان عن تلك الحركة كما أنّهما أجنبيان عن العنوان المنطبق عليها. لكن ذلك العنوان الذي كانا علّة في انطباقه على الحركة ما هو، هل هو عنوان الصلاة و الغصب بما لهما من المعنى الواقعي، و حينئذ تكون الجهة المذكورة تقييدية لأنّ العنوان حينئذ بما له من المعنى الواقعي الذي هو ذات الصلاة منطبق على تلك الحركة، فكانت ذات الصلاة محكية بذلك العنوان فكانت جهة تقييدية، أو أنّ العنوان هو لفظ الصلاة مجرّدة عن معناها أو بمعنى آخر لتكون الصلاة أجنبية عنه، و تكون علّة في انطباقه على تلك الحركة، و حينئذ يكون متعلّق الأمر هو الحركة لا ذات الصلاة، و المنهي عنه هو نفس الحركة لا ذات الغصب، و هذا لا يخلو من طرافة.

[نقل ما حرّره المصنّف عن المحقّق النائيني (قدّس سرّهما) في المقام‏]

قوله: فيكون نسبة كلّ منهما إلى الآخر نسبة التشخّص ... الخ‏

(1)

.

قال (قدّس سرّه) فيما حرّرته عنه: بيان ذلك أنّ كلّ كلّي إذا وجد فلا بدّ أن تلحقه مشخّصات من الحالات و المقارنات و الزمان و المكان و غير ذلك، سواء كان لحوقها له قهريا أم كان اختياريا من الفاعل، و كلّ خصوصية من تلك‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 140 [مع اختلاف يسير عمّا في النسخة المحشاة].

38

الخصوصيات لا بدّ أن تكون مصداقا لكلّي آخر، و حينئذ نقول: إنّ الغصب كلّي من الكلّيات التي ما لم تتشخّص لم توجد، و له مشخّصات كثيرة اختيارية و غير اختيارية فاتّفق أن وقع بعض مشخّصاته الاختيارية مصداقا لكلّي آخر مأمور به أعني الصلاة، و هكذا الحال بالنسبة إلى الصلاة حرفا بحرف، فيكون كلّ من هذين الفعلين من مشخّصات الفعل الآخر.

ثمّ إنّه (قدّس سرّه) قال: و توضيح ذلك أنّهم أرجعوا الأعراض إلى المقولات التسع و قسّموا المقولات المذكورة إلى قسمين متأصّلة و اضافية، و المراد بالقسم الأوّل ما كان معقولا بنفسه كالكمّ و الكيف، و المراد بالثاني ما يكون معقولا بالاضافة إلى حقيقة أخرى كالأين و هو الكون في مكان. ثمّ إنّ الحقيقة التي يكون الأين معقولا بالاضافة إليها إمّا أن تكون من قبيل الجواهر مثل زيد في الدار و يعبّر حينئذ عن الأين المستفاد من لفظ في بالظرف المستقرّ، و إمّا أن تكون من قبيل الأعراض مثل ضرب في الدار و يعبّر عنه بالظرف اللغو. و كلّ حقيقة يكون الأين معقولا بالاضافة إليها تكون من مشخّصات ذلك الأين، كما أنّ كلّ أين يكون معقولا بواسطة الاضافة إلى الحقيقة يكون من مشخّصات تلك الحقيقة. و حينئذ يتّضح لك الحال في الصلاة التي هي حقيقة من الحقائق و كونها في المكان المغصوب الذي هو من مقولة الأين، فإنّ كلّ واحد من الأين المذكور و الحقيقة المزبورة يكون مشخّصا للآخر، و حينئذ يكون التركيب الانضمامي على نحوين: أحدهما ما يكون من قبيل القوّة و الفعل كالهيولى و الصورة، و الثاني منهما ما يكون من قبيل ضمّ أحد العرضين إلى الآخر و صيرورة كلّ منهما من مشخّصات الآخر، و الأوّل يختصّ بالجواهر و الثاني يختصّ بالاعراض انتهى.

39

[هل يخرج عن محلّ النزاع ما إذا كانت النسبة بين العنوانين عموما و خصوصا مطلقا]

قوله: فيخرج عن محلّ الكلام ما إذا كان النسبة بينهما عموما مطلقا كصلّ و لا تصلّ في الدار المغصوبة ... الخ‏

(1)

.

لو كان المنهي عنه هو عين عنوان العام و زيادة كما في المثال كان خارجا عمّا نحن فيه، لكون التركّب فيه اتّحاديا، لكن يمكن أن يكون المنهي هو الأين الصلاتي، كأن يقول لا تغصب في صلاتك أو لا تكن في صلاتك في الدار المغصوبة و نحو ذلك ممّا كان المنهي عنه هو نفس أين الصلاة، و يكون اجتماعها معه على نحو اجتماعهما فيما لو كان بينهما عموم من وجه، بأن يكون من قبيل انضمام أحد الفردين إلى الآخر من دون أن يكون بينهما اتّحاد و تصادق.

و بالجملة: كما صوّرنا العموم من وجه مع فرض عدم التصادق في مورد الاجتماع فلنتصوّر العموم المطلق كذلك، بأن يكون العام مجتمعا مع الخاص على نحو اجتماع الفردين من دون تصادق من العام على الخاصّ، و يكون المأمور به هو مطلق الصلاة و يكون المنهي عنه هو أينها لا الأين المطلق، و حينئذ يكون ذلك داخلا فيما نحن فيه. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ التزاحم هنا لمّا كان دائميا كان موجبا لدخول المسألة في باب التعارض، و خروج مورد المزاحمة عن حيّز الأمر خروجا واقعيا فتأمّل.

[خروج اجتماع مثل الشرب و الغصب عن محلّ الكلام و مناقشة السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في المقام‏]

قوله: و منه يظهر خروج مثل اشرب الماء و لا تغصب عن محلّ الكلام أيضا فيما إذا كان الماء مغصوبا- إلى قوله:- إذ ليس هناك جهة أخرى انضمامية يتعلّق الأمر بها، بل الغصب و الشرب يتّحدان في الخارج و التركيب بينهما اتّحادي ... الخ‏

(2)

.

أورد عليه في الحاشية بأنّه مناقض لما تقدّم منه (قدّس سرّه) من استحالة اتّحاد

____________

(1) أجود التقريرات 2: 140 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) أجود التقريرات 2: 141- 142 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

40

المبادئ بعضها مع بعض، بدعوى أنّه يستلزم اتّحاد مقولتين متباينتين، ضرورة أنه لا فرق بين الصلاة و الشرب الخ.

لا يخفى ما في هذه المقايسة فإنّ الصلاة مقولة و أينها مقولة أخرى، بخلاف شرب الماء المغصوب فإنّ نفس الشرب المأمور به هو بعينه منهي عنه، لكونه مصداقا لقوله تعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ ... (1) و هو بنفسه أيضا مصداق لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يحلّ مال امرئ ...» (2) فإنّ الغصب و إن لم يكن لنا فيه عموم أو إطلاق و كذلك التصرّف في مال الغير، إلّا أنّه لا ريب في أنّ نفس أكل المغصوب و شربه مصداق للنواهي المذكورة.

نعم في سائر التصرّفات المتعلّقة بمال الغير نحتاج إلى ادخالها في تلك النواهي، باعتبار كونها استيفاء منفعة المال مثلا كالجلوس في الدار المغصوبة أو القيام أو الركوع فيها و نحو ذلك فتكون محرّمة من هذه الجهة، و حينئذ يكون الجلوس في الدار منهيا عنه باعتبار كونه استيفاء لمنفعتها و كونها كذلك باعتبار أينها، إذ ليس القيام بما أنّه من مقولة الوضع مثلا منفعة للدار، و إنّما يكون كذلك باعتبار أينه و محلّه الواقع فيه، و حينئذ يكون النهي متوجّها إلى الأين المذكور، أمّا ما يكون هو مصداقا للأكل بل هو هو بعينه فلا يكون محتاجا إلى الارجاع إلى الأين، بل يكون بنفسه و بذاته محرّما، فلو كان مع ذلك مأمورا به كان من مورد الاجتماع مع وحدة المتعلّق، و هذا معنى قولنا في ذلك إنّه من قبيل التركّب الاتّحادي، و إلّا ففي الحقيقة لا تعدّد في متعلّق الأمر و النهي في ذلك كي يكون تركّبهما اتّحاديا، بل لم يتعلّق الأمر إلّا بنفس العنوان الذي تعلّق به النهي، غاية

____________

(1) النساء 4: 29.

(2) وسائل الشيعة 5: 120/ أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 3، 1 (مع اختلاف يسير).

41

الأمر لأجل تنقيح كونهما من باب العموم من وجه نقول: إنّ الأمر تعلّق بالشرب سواء كان مصداقا لأكل مال الناس أو لا، و النهي تعلّق بأكل مال الناس سواء كان بالشرب أو كان بالأكل أو كان بالتملّك و التصرّف و استيفاء المنفعة.

و إن شئت فقل: إنّ هذا المثال أعني وجوب شرب الماء سواء كان مباحا أو كان مال الغير مع حرمة أكل مال الغير سواء كان ماء أو كان غير ماء، هو عين ما تقدّم من وجوب اكرام العالم الشامل للفاسق و العادل و حرمة اكرام الفاسق الشامل للعالم و غيره.

و من ذلك كلّه يعلم الحال في الشرب أو الوضوء من الاناء المغصوب أو آنية الذهب، فإنّ المنهي عنه ليس هو نفس الشرب أو الوضوء، بل هو جهة تعلّقه بذلك الاناء، و قد عبّر شيخنا (قدّس سرّه) عن ذلك التعلّق بكونه متمّما للمقولة. و على أي حال يكون المنهي عنه غير نفس المأمور به، و يكون تركّبهما انضماميا كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى توضيحه في المقدّمة التاسعة (1).

[هل الوضوء أو الغسل بالمغصوب داخل في النزاع؟]

نعم، يبقى الإشكال في الوضوء أو الغسل في الماء المغصوب و هل هو من قبيل مسألة الاجتماع لكون التركّب فيه انضماميا، أو هو خارج عن ذلك لكون التركّب فيه اتّحاديا؟ لا يبعد القول بأنّ حقيقة الوضوء و الغسل هي مجرّد امرار الماء على البشرة، فليست هي بنفسها إعداما للماء كما في مثل الشرب و إن كان ربما توقّفت على ذلك، لكنّه أعني إعدام الماء ليس بداخل في حقيقتها، فلم يبق إلّا كون ذلك الوضوء تصرّفا في الماء المغصوب.

و حيث قد عرفت أنّ الوضوء ليس هو بنفسه إلّا إمرار الماء على البشرة، و إن شئت فقل: إنّه عبارة عن غسل البشرة و هذه الجهة هي المأمور بها، و كونه‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 148- 149.

42

متعلّقا بذلك الماء المغصوب من قبيل متمّم المقولة، فيكون حاله حال التستّر بالمغصوب. لكنّه لا يخلو عن إشكال، بل الظاهر أنّ نفس الوضوء بالماء المغصوب هو استعمال لذلك الماء بل هو إعدام له، و حينئذ يتّحد متعلّق الأمر مع متعلّق النهي و تدخل المسألة في باب النهي عن العبادة، و سيأتي في محلّه‏ (1) إن شاء اللّه تعالى التعرّض للوجه في الحكم بفساده عند الجهل بالحرمة موضوعيا أو حكميا عند التعرّض لما عن بعض المحقّقين في كون المانعية منتزعة من الحرمة التكليفية.

و ما ذكرناه في مسألة الوضوء من الآنية المغصوبة و آنية الذهب و الفضّة من كونه من قبيل متمّم المقولة هو الذي أفاده شيخنا (قدّس سرّه) فيما سيأتي في الأمر الثاني من المقدّمة التاسعة (2) من كونه داخلا في محلّ النزاع فلا يتّجه عليه ما في الحاشية (3).

نعم ربما يقال إنّه مناف لما أفاده في باب الترتّب‏ (4)، و ما أفاده في حواشي العروة (5) من الحكم بصحّة الوضوء فيما لم يكن الماء منحصرا بما في الآنية المذكورة، و قد تقدّمت‏ (6) الاشارة إليه في مسألة الترتّب و أنّه إنّما حكم بالصحّة لأنّ الوضوء غير الاغتراف الذي هو محرّم، و قد تقدّم منّا احتمال كون ما أفاده هنا من كونه من مسألة الاجتماع إنّما هو في صورة الوضوء الارتماسي فراجع و تأمّل.

____________

(1) أجود التقريرات 2: 221- 223، راجع أيضا حواشي المصنّف (قدّس سرّه) في الصفحة 301 و ما بعدها من هذا المجلّد.

(2) أجود التقريرات 2: 148- 149.

(3) أجود التقريرات 2 (الهامش): 149.

(4) أجود التقريرات 2: 101.

(5) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 303، 313.

(6) في المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 423 و ما بعدها.

43

و هذا الأخير هو المتعيّن فإنّه (قدّس سرّه) صرّح به في حواشي العروة و في الوسيلة، قال في حاشية العروة: الصحّة مع عدم الانحصار أقوى، و كذا مع الانحصار أيضا لو أخذ في الغرفة الأولى بمقدار الكفاية كما في المغصوب، نعم لو ارتمس في الآنية من أحدهما أو المغصوب اتّجه البطلان مطلقا (1). و بنحو ذلك صرّح في الوسيلة (2).

نعم، يبقى إشكال أشرنا إليه فيما تقدّم و حاصله التأمّل في الصحّة حتّى في مورد الاغتراف التدريجي، لأنّ هذا الفرد من الافراد العرضية للوضوء مزاحم بحرمة الاغتراف، كما أنّ هذا الفرد من الأفراد الطولية للصلاة مزاحم بوجوب الازالة، و قد قلنا إنّ الطهارة المائية ينعدم ملاكها في صورة المزاحمة. اللهمّ إلّا أن يفرّق بينهما بأنّ طبيعة الوضوء غير مزاحمة بالحرمة و إن كان هذا الفرد مزاحما بها، لكن هل يرجع ذلك إلى ما أفاده المحقّق الثاني‏ (3) أو لا؟ ينبغي التأمّل في ذلك.

و قد صرّح (قدّس سرّه) فيما سيأتي‏ (4) أنّ التكليف المزاحم للمأمور به يكون سالبا للقدرة على المأمور به و انحصاره فيما عدا ذلك الفرد المبتلى بالمزاحم، من دون فرق بين الأفراد الطولية و العرضية، و لأجل ذلك نقول إنّ هذا الفرد من الصلاة في الدار المغصوبة لا يكون مقدورا شرعا للمكلّف لكونه مبتلى بالنهي عن الغصب، و يكون النهي عن الغصب موجبا لانحصار الأمر بالصلاة فيما عدا ذلك الفرد من بقية الأفراد العرضية، فكذلك الحال فيما نحن فيه نقول: إنّ هذا الفرد من الوضوء

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 313/ مسألة (14).

(2) وسيلة النجاة: 5.

(3) جامع المقاصد 5: 13- 14.

(4) أجود التقريرات 2: 177.

44

لكونه مزاحما بحرمة الاغتراف يكون غير مقدور شرعا فينبغي الحكم ببطلانه، اللهمّ إلّا أن يقال إنّ عدم القدرة شرعا إنّما يوجب بطلان الوضوء إذا كان موجبا للانتقال إلى التيمّم، لكونه حينئذ داخلا تحت من لم يجد الماء، و المفروض فيما نحن فيه أنّ عدم وجدان ذلك الماء الخاصّ لا يوجب الانتقال إلى التيمّم لكونه واجدا لطبيعة الماء، فتأمّل.

[توضيح إلحاق ما هو متمّم المقولة بما هو من قبيل المقولة المستقلّة]

فلنعد إلى توضيح ما كنّا فيه من إلحاق ما هو متمّم المقولة بما هو من قبيل المقولة المستقلّة فنقول بعونه تعالى في توضيح ذلك: إنّك إذا قلت سرت من البصرة، كان هناك عرض متأصّل و هو السير، و كان هناك أيضا جوهر و هو البصرة، و هناك أمر ثالث هو إضافة بينهما، و تلك الاضافة هي المعبّر عنها في مقام لحاظها استقلاليا بالابتداء و في مقام إيجادها بينهما في عالم الحكاية بلفظ من، و هذه الاضافة و إن لم يكن لها تأصّل و ليس لها ما بحذاء في الخارج كما حقّقه (قدّس سرّه) في مبحث المعنى الحرفي‏ (1) من أنّه في مثل سرت من البصرة لا يكون الموجود في الخارج إلّا السير و البصرة، و أنّ الابتداء ليس له ما بحذاء في الخارج إلّا أنّها من الأمور الانتزاعية التي تنتزع من نحو وجود السير مربوطا و متعلّقا بالبصرة، أو يقال إنّها متأصّلة لكنّها من الأعراض الاضافية بأن تكون من مقولة الاضافة.

و سواء كانت متأصّلة أو كانت انتزاعية فهي على كلّ حال هي عرض من الأعراض قائم بما بين السير و البصرة، على وجه يصحّ جعلها موردا للأمر بأن يقول الآمر: ابتدأ بسيرك من البصرة، كما يصحّ جعلها موردا للنهي بأن يقول: لا تبتدئ بسيرك من البصرة. و هذا النحو من العرض كما لا ريب في أنّ تركّبه مع‏

____________

(1) لاحظ أجود التقريرات 1: 25 و ما بعدها.

45

البصرة لا يكون على نحو التركّب الاتّحادي بل يكون تركّبهما انضماميا، فكذلك لا ينبغي الريب في أنّ تركّبه مع السير لا يكون تركّبا اتّحاديا، بل هو تركّب انضمامي، و ذلك لما عرفت من أنّه و إن لم يكن مقولة مستقلّة في عرض سائر المقولات المتأصّلة إلّا أنّه عرض من الأعراض، و الأشبه أن نقول إنّه من مقولة الاضافة.

و كيف كان، فإنّ حقيقته هو تلك الاضافة بينهما، و نسبته إليهما على حدّ سواء. فكما أنّ تركّبه مع الجوهر الذي هو البصرة يكون تركّبا انضماميا و يستحيل كونه تركّبا اتّحاديا، فكذلك تركّبه مع الطرف الآخر من طرفيه الذي هو السير نفسه، و قد عرفت أنّه بنفسه قابل لتعلّق الأمر به و النهي عنه، و حينئذ يمكن أن يكون أصل السير مأمورا به و يكون الابتداء به من البصرة منهيا، و يكون ذلك داخلا فيما نحن فيه، و يكون حاله حال الأمر بالصلاة و النهي عن الكون في الدار المغصوبة فيما لو أوقع الصلاة فيها، و لا فرق بينهما إلّا في أنّ كون الصلاة في الدار المغصوبة من مقولة الأين و ابتداء السير من البصرة من مقولة الاضافة، بل هو في التركّب الانضمامي أوضح من الصلاة في الدار المغصوبة، لامكان أن يقال إنّ الصلاة بنفسها تصرّف في الدار المغصوبة، بخلاف السير و الابتداء فإنّه لا يعقل أن يكون أحدهما عين الآخر، فهما في ذلك نظير الصلاة و استقبال القبلة في كون الاستقبال واسطة بين الصلاة و القبلة في قوله صلّ إلى القبلة، فإنّه مثل سر من البصرة.

و قد اصطلح شيخنا (قدّس سرّه)(1) على هذا النحو من العوارض المأخوذة من تعلّق الجار و المجرور بالفعل بأنّه من قبيل متمّم المقولة، و هذا المعنى الذي شرحناه‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 148.

46

في مثل السير و الابتداء و البصرة جار في كلّ فعل له جار و مجرور متعلّق به.

و من ذلك كلّه يظهر لك أنّ مسألة الصلاة في الدار المغصوبة يمكن تنزيلها على المقولة و هي الصلاة و متمّمها و هو كونها في المكان المغصوب الذي هو الأين، لكن باعتبار كونه أينا للصلاة لا أينا لذات المصلّي، على وجه لا تكون الصلاة مربوطة به، ليكون حال الصلاة في حال كون ذات المصلّي في المكان المغصوب حال أعماله الفكرية التي تعرضه أو يفعلها و هو في ذلك المكان، و إلّا لخرجت المسألة عن مسألة الاجتماع بالمرّة، بل لا بدّ من ربط الصلاة بذلك الأين ليكون أصلها مأمورا به و يكون متمّمها و أينها منهيا عنه.

و بعبارة أخرى: يكون المأمور به هو ذات الصلاة و يكون المنهي عنه هو ربطها بذلك المكان، فيكون حالها حال السير المبتدأ به من البصرة في كونه في حدّ نفسه مأمورا به، و يكون النهي متعلّقا بربطه بالبصرة ربط ابتداء نعبّر عنه بمتمّمه، فلا يكون مسألة الاجتماع من قبيل التركّب من المقولتين، بل يكون من قبيل التركّب من المقولة و متمّمها فلاحظ و تدبّر، و على أي حال لا يكون التركّب إلّا انضماميا.

و بذلك ينحل لك ما أفاده (قدّس سرّه)(1) في مثل قولنا توضأ و لا تتصرّف في الآنية المغصوبة، عند ما يتوضّأ المكلّف من الآنية المغصوبة من أنّه من قبيل التركّب الانضمامي، و أنّ كون الوضوء من الآنية المغصوبة متمّم لمقولة الوضوء و إن لم يكن بنفسه من المقولات المتأصّلة، و هكذا الحال في الوضوء من آنية الذهب أو الفضّة.

أمّا الوضوء من الماء المغصوب فكونه من هذا القبيل موقوف على النظر

____________

(1) أجود التقريرات 2: 148- 149.

47

في حقيقة الوضوء، و هل حقيقته و تمام كيانه ليس إلّا نفس غسل الأعضاء، و كون ذلك الغسل بالماء يكون أمرا زائدا على حقيقته، ليكون حاله حال كون السير مبتدأ به من البصرة، ليكون تركّب الوضوء مع كونه بالماء من قبيل التركّب الانضمامي، ليكون الوضوء بالماء المغصوب داخلا فيما نحن فيه، أو أنّ حقيقته و تمام كيانه هو غسل الأعضاء بالماء ليكون كونه بالماء داخلا في حقيقته و هويته، فيكون تركّب الغسل مع كونه بالماء من قبيل التركّب الاتّحادي.

و على الأوّل يكون الوضوء بالماء المغصوب داخلا فيما نحن فيه، بخلافه على الثاني فإنّه بناء عليه يكون الوضوء المذكور داخلا في باب النهي عن العبادة، و تكون مانعيته منتزعة من ذلك النهي النفسي المتعلّق بالعبادة المذكورة، فيكون داخلا فيما تعرّض له شيخنا (قدّس سرّه) في ذلك المبحث من أنّ سقوط مثل هذا النهي النفسي لأجل الجهل بالموضوع أو الحكم لا يوجب سقوط تلك المانعية خلافا للمشهور في ذلك، فراجع ما أفاده (قدّس سرّه) في ذلك البحث‏ (1) و تأمّل.

[خروج النهي المتعلّق بالعنوان الثانوي و الأمر بالعنوان الأوّلي عن محلّ النزاع‏]

قوله: و كذلك يخرج عن محلّ الكلام ما إذا كان العموم من وجه بين فعلين توليديين ... الخ‏

(2)

.

و الأولى بالخروج ما لو كان النهي متعلّقا بالعنوان الثانوي و كان الأمر متعلّقا بالعنوان الأوّلي، كما لو أمر بتحريك اليد و لكن نهى عن تحريك المفتاح و جعل حركة يده تحريكا للمفتاح، و كما لو أمر بالقيام و نهى عن تعظيم الفاسق فجعل قيامه تعظيما لفاسق. و لكن الذي خرج من ذلك ما لو كان المنهي عنه هو العنوان الثانوي و كان صدق العنوان الثانوي على الفعل بعنوانه الأوّلي صدقا ذاتيا لا باعتبار

____________

(1) راجع التنبيه المذكور في أجود التقريرات 2: 221 و ما بعدها.

(2) أجود التقريرات 2: 142 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

48

أينه.

و حينئذ فلو كان مصبّ ماء الوضوء مغصوبا و كان إراقة الماء على يده مثلا بنفسها تصرّفا في ذلك المصب، بحيث إنّ اراقته الماء على يده يكون اراقة له في ذلك المصب، فإنّ نفس الاراقة عنوان أوّلي للفعل و كونه تصرّفا في المغصوب عنوان ثانوي، و لكن صدق ذلك العنوان الثانوي على نفس الاراقة ليس إلّا من جهة كونه أينا لتلك الاراقة، فيكون المأمور به نفس الغسل و الاراقة و المنهي عنه كونه في المكان المغصوب، و حينئذ يندرج في مسألتنا، بخلاف ما لو كان الماء ينزل من أعضائه إلى الأرض المباحة ثمّ يسيل عليها حتّى يصل إلى الأرض المغصوبة، فإنّه يدخل في المقدّمة المحرّمة إذا كانت علّة تامّة للحرام على وجه لا يمكنه الحيلولة دون ذلك الحرام، فإنّ المقدّمة تكون محرّمة حينئذ بنفسها و بذاتها، فيدخل الفرض في باب النهي عن العبادة، فيكون أولى بالفساد من الصورة الأولى و هي الراجعة إلى باب اجتماع الأمر و النهي.

و اعلم أنّه قال في النجاة في عداد شرائط الوضوء: و إباحة المكان الذي هو بمعنى الفضاء الذي يقع فيه الغسل و المسح، أمّا غيره كالمصب و الأواني فمع انحصار الاستعمال فيه يبطل الوضوء و مع عدمه يقوى الصحّة، و الأحوط التجنّب الخ‏ (1). و قال السيّد الشيرازي (قدّس سرّه) في الحاشية على قوله: و الأحوط التجنّب الخ ما هذا لفظه: بل الأقوى إذا كانت الطهارة تصرّفا في المصب‏ (2). قال شيخنا (قدّس سرّه) فيما حرّرته عنه: إنّ نظره (قدّس سرّه) في ذلك إلى صورة كون التصرّف في المغصوب عنوانا ثانويا لصبّ الماء على أعضاء الوضوء، لا إلى صورة ما إذا كان التصرّف في المغصوب معلولا للصبّ كما في الصورة الثانية. و لكن العلّامة الآخوند (قدّس سرّه) حمل‏

____________

(1 و 2) نجاة العباد: 39.

49

هذه الحاشية على الصورة الثانية، و لأجل ذلك كتب على هذه الحاشية ما لفظه:

يعني بنحو السببية و العلّية (1).

و قال شيخنا في حاشية العروة ما هذا لفظه: إذا كان إجراء الماء على أعضاء الوضوء هو بعينه الصب في المغصوب اتّجه البطلان مطلقا، و مع تغايرهما العرفي و استلزام الوضوء لانصباب مائه فيه فإن عدّ ذلك تصرّفا في المغصوب عرفا يبطل وضوءه عند الانحصار بل مطلقا على الأحوط، و إلّا فالصحّة مطلقا هي الأقوى‏ (2). و هذه العبارة لا تخلو من الغلق. و أوضح منها عبارته في الوسيلة (3) فراجعها، فإنّها بمنزلة الشرح لهذه الحاشية.

و كيف كان، فقد ظهر لك من ذلك أنّ ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) من التوقّف في بطلان الصورة الثانية لا يخلو عن تأمّل، لما عرفت من كونها موجبة للنهي عن نفس الغسل و أنّ النهي يكون فيها من قبيل النهي عن العبادة، فينبغي أن تكون أولى بالبطلان من الصورة الأولى. كما أنّ ما أفيد في نفس النجاة من التوقّف في البطلان في صورة كون الآنية مغصوبة أو المصب مع أنّه قائل بامتناع الاجتماع ممّا لم يتّضح وجهه، و كذلك تخصيص البطلان في حاشية السيّد بصورة المصب و عدم التعرّض لصورة كون الآنية مغصوبة لم يتّضح وجهه، فراجع و تأمّل.

[اجتماع الأمر و النهي في الأسباب و المسبّبات‏]

قوله: و أمّا القسم الثاني و هو ما إذا كانت السببية من جهة إضافة أخرى وجودية ... الخ‏

(4)

.

لا يخفى أنّ العنوان الأوّلي يكون سببا و علّة للعنوان الثانوي، و لأجل ذلك‏

____________

(1) نجاة العباد (المحشاة بحواشي الآخوند (قدّس سرّه): 34.

(2) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 403/ الرابع من شرائط الوضوء.

(3) وسيلة النجاة: 6.

(4) أجود التقريرات 2: 150 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

50

يصحّ توسّط الفاء بينهما.

ثمّ إنّه تارة يكون العلّة هو نفس العنوان الأوّلي من دون جهة تلحقه و هذا يستحيل فيه انفكاك أحدهما عن الآخر كما أفاده (قدّس سرّه)، و إلّا لزم منه وجود العلّة بلا معلول أو وجود المعلول بلا علّة كما في الضرب و الايلام. لكن في كون انفكاك الثاني عن الأوّل من قبيل وجود المعلول بلا علّة إشكال، لامكان أن يكون معلولا لأمر آخر غير الضرب غاية الأمر يكون العلّة في الحقيقة هو القدر الجامع بينهما، نعم لا ريب في كون انفكاك الأوّل عن الثاني من قبيل وجود العلّة بلا معلول.

و أخرى لا تكون العلّة هي نفس العنوان الأوّلي، بل يكون العلّة هو لحوق بعض الجهات أو الحالات المقارنة لذلك الفعل توجب تأثيره في ذلك المعلول، فإن تجرّد الفعل عن تلك الجهة أو الحالة لم يكن مؤثّرا ذلك الأثر، فإن كانت تلك الجهة الموجبة لتأثير ذلك الفعل في ذلك المعلول هي القصد كما في قصد التعظيم بالقيام و التأديب بالضرب كانت تلك الجهة من قبيل الجهة التعليلية في صدق ذلك العنوان الثانوي على ذلك الفعل.

و أمّا إذا كانت تلك الجهة غير القصد كما في الالقاء و الإحراق و الصوم و الضرر مثلا، فإنّ تلك الجهة الموجبة لكون الالقاء علّة للإحراق و الصوم علّة للضرر هي كون الالقاء في النار و كون الصوم في حال المرض، فعلى الظاهر أنّ الجهة المذكورة أيضا جهة تعليلية كالقصد، ضرورة صدق العنوان الثانوي على الفعل الموجّه بتلك الجهة لا على نفس تلك الجهة كما أفاده (قدّس سرّه) كي تكون جهة تقييدية، و حينئذ ففي مثل ذلك لو كان النهي متعلّقا بالعنوان الثانوي و الأمر متعلّقا بالعنوان الأوّلي لم يكن ذلك من باب الاجتماع، لكون ما تعلّق به الأمر هو عين ما تعلّق به النهي و هو نفس ذلك الفعل الخارجي، بل يكون من قبيل حكومة ذي‏

51

العنوان الثانوي على ذي العنوان الأوّلي.

و أمّا ما تقدّم من مثال الصب في الأرض المغصوبة في باب الوضوء فليس هو من قبيل العنوان الأوّلي و الثانوي، لعدم كون التصرّف في الأرض المغصوبة في طول عنوان الصب بل هو في عرضه، و يكون المجمع مؤلّفا منهما، و يكون العنوان الأوّلي أعني الصب عبارة عن اراقة الماء من الاناء و تفريغه، و الثانوي هو كون ذلك في الأرض المغصوبة، فيكون المجمع مؤلّفا من المقولة و متمّمها، نظير تألّف الصلاة في المكان المغصوب من هاتين الجهتين.

و إن شئت فقل: إنّ التصرّف في الأرض المغصوبة معلول لأين الاراقة لا لنفس الاراقة، و لو كان الغصب أو التصرّف في المكان المغصوب عنوانا ثانويا لنفس الصب و الاراقة لكان الغصب و التصرّف في المغصوب عنوانا ثانويا للصلاة.

و بالجملة: فكما أنّ الغصب أو التصرّف في المغصوب عنوان منتزع من أين الصلاة الذي هو كونها في المكان المغصوب لا أنّه عنوان ثانوي منطبق عليها، فكذلك الحال في الصب في المكان المغصوب يكون الغصب أو التصرّف في المغصوب منتزعا من كون الاراقة في المكان المغصوب فتأمّل.

قد يقال: إنّ مبدأ الالقاء و الاحراق هو اللقاء و الحرقة و هما متباينان، فلو تركّب الموضوع منهما يكون تركّبه انضماميا، مضافا إلى كونهما من مقولتين، فإنّ اللقاء من مقولة الفعل و الحرقة من مقولة الانفعال، و إذا كان اللقاء و الحرقة كذلك كان الالقاء و الاحراق أيضا كذلك، لأنّ الالقاء بالنسبة إلى اللقاء من قبيل الايجاد و الوجود، و لا ريب في وحدتهما حقيقة و إن اختلفا اعتبارا، و حينئذ فالالقاء و الاحراق يكون التركّب منهما انضماميا و يجوز اجتماع الأمر و النهي فيهما.

52

و فيه ما لا يخفى، أوّلا: أنّ اللقاء ليس مباينا للحرقة بل إنّها بالنسبة إليه من قبيل العناوين التوليدية، لأنّ اللقاء سبب للحرقة، فيصحّ أن يقال إنّ اللقاء حرقة بهذا الاعتبار، أعني باعتبار كون الثاني من العناوين التوليدية بالنسبة إلى الأوّل.

و ثانيا: أنّ الالقاء ليس بمأخوذ من مادّة اللقاء، لأنّ لقي متعدّ فيقال لقي الحطب النار، و إذا زيدت عليه الهمزة فقيل ألقيت الحطب في النار ينبغي أن يقال ألقيت الحطب النار، بل الظاهر الالقاء مأخوذ من مادّة أخرى لا وجود لها. و معنى الالقاء هو اخلاء اليد من الشي‏ء و طرحه في المحل، لا مجرّد جعل أحدهما ملاقيا للآخر، فإنّ ذلك لا يتمّ في مثل قوله تعالى: وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ (1).

و ثالثا: لو سلّمنا أنّ الالقاء مأخوذ من اللقاء فلا يلزم منه أن يكون عينه حقيقة، إذ ليس ذلك من قبيل الايجاد و الوجود، فإنّه إنّما يكونان من هذا القبيل لو كانا من قبيل المصدر و اسم المصدر، و المفروض أنّ الالقاء و اللقاء كلّ منهما مصدر على حدة، غايته أنّ الأوّل مصدر من باب الافعال و الثاني من باب الفعل، فلا يلزم أن يكون أحدهما عين الآخر خارجا. و كيف يكون ما صدر عن الفاعل من قولنا أعلمت زيدا عين ما صدر عن الفاعل من قولنا علم زيد، و هكذا الحال في مثل أقعدته و أقمته.

و رابعا: أنّ الوجدان شاهد على عدم المباينة بين الالقاء و الاحراق، ضرورة صحّة حمل الثاني على الأوّل فيقال الالقاء إحراق، و لو كان تركّبهما انضماميا لما صحّ الحمل المذكور.

و خامسا: أنّه بعد جميع هذه المضايقات لا نعبّر بالالقاء، بل نعبّر بالطرح و اخلاء اليد أو الوضع أو ما أشبه ذلك ممّا هو خارج عن هذه الشبهة.

____________

(1) المائدة 5: 64.