أصول الفقه - ج5

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
470 /
3

[استمرار البحث فى مفهوم الشرط]

[تعدّد الشرط و اتّحاد الجزاء]

قوله: الأمر الثالث: إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء ... الخ‏

(1)

.

حرّرت عنه (قدّس سرّه) في هذا المقام ما هذا لفظه: لا يخفى أنّهم كما في التقريرات‏ (2) و الكفاية (3) ذكروا هذا العنوان مرّتين، و بحثوا في المرّة الأولى عن مقتضى الجمع الدلالي بين الشرطيتين، و في المرّة الثانية بحثوا عن تداخل السببين أو المسبّبين.

و لا يخفى أنّ الأولى تغيير العنوان في كلا المسألتين، و يجعل عنوان الأولى هو ما ذكر من تعدّد الشرط، بمعنى أنّه لو وردت شرطيتان و اتّحدا في الجزاء و اختلفا في الشرط فما هو مقتضى الجمع بينهما، بعد الفراغ عن ظهور القضية الشرطية في المفهوم. و يجعل عنوان الثانية هو أنّه لو تعدّد السبب و الشرط فهل يكون تعدّده موجبا لتعدّد المسبّب- أعني الحكم في ناحية الجزاء- أو أنّه لا يتعدّد، بل تتداخل الأسباب أو تتداخل المسبّبات.

و حاصل الأمر الأوّل: هو أنّه مسوق لرفع التعارض و التدافع بين القضيتين الشرطيتين، حيث إنّه بعد فرض وحدة الحكم في القضايا المذكورة، و بعد اختلاف الشرط فيها بالعموم من وجه أو العموم المطلق أو التباين يقع التدافع المذكور، لأنّ تعليق الحكم على شرط ينافي تعليقه على غيره ممّا يباينه أو يكون‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 259.

(2) مطارح الأنظار 2: 47، 51.

(3) كفاية الأصول: 201، 202.

4

بينه و بينه عموم من وجه أو عموم مطلق، كما لو كان أحد الشرطين أقلّ من الآخر في مقام التحديد، مثل إذا خفي الأذان فقصّر، بناء على كون خفاء الأذان قبل خفاء الجدران. أمّا بناء على ما ذكرناه في الفقه من كون المراد من خفاء الأذان خفاء فصوله لا خفاء الصوت نفسه، و من خفاء الجدران خفاء الصورة لا خفاء الشبح، فلا يكون أحدهما أقلّ من الآخر، بل يكونان متلازمين، و يكونان معا كناية عن التحديد بأمر واحد، و هو بلوغ المسافة إلى الحدّ الذي يخفى فيه كلاهما بالنحو الذي ذكرناه.

و كيف كان، فمدار الأمر الأوّل على رفع التدافع و التعارض بين القضيتين، الناشئ عن وحدة الحكم في ناحية الجزاء في جميع تلك القضايا الشرطية مع اختلاف الشرط فيها تباينا أو عموما مطلقا أو من وجه، و حاصله: أنّه بعد ذلك التدافع فكيف الجمع بين القضيتين و رفع التعارض بينهما.

و مدار الثاني هو أنّه بعد ثبوت كون الشرط شرطا، لو تعدّد كما في مثل إذا نمت فتوضّأ و إذا بلت فتوضّأ، أو ما إذا بال مرتين، فهل يكون تعدّده موجبا لتعدّد الجزاء أو أنّه لا يتعدّد. فيكون الأوّل مسوقا لجهة لفظية أعني رفع التعارض بين الشرطين، و الثاني مسوقا لجهة لبّية، و هي أنّه عند اجتماع السببين هل يكون المسبّب واحدا أو متعدّدا حسب تعدّدهما.

قلت: و لا يخفى أنّ مثل إذا نمت فتوضّأ و إذا بلت فتوضّأ، إنّما يدخل في الأمر الثاني بعد فرض الجمع بينهما باسقاط الاطلاق الثاني- أعني عدم العطف بلفظ أو- لأنّه حينئذ يكون كلّ من الشرطين سببا مستقلا، فعند اجتماعهما هل يتعدّد الحكم أو لا، أمّا إذا جمع بينهما باسقاط الاطلاق الأوّل- أعني عدم العطف بلفظ الواو- فلا يدخل اجتماعهما في العنوان الثاني، بل لا يترتّب الحكم حينئذ

5

إلّا عند اجتماعهما. صرّح بذلك في الكفاية بقوله في المسألة الآتية: إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء فلا إشكال على الوجه الثالث، و أمّا على سائر الوجوه الخ‏ (1). فتأمّل.

و لا يخفى أنّ الدخول في المسألة الثانية و عدم الدخول في المسألة لا بدّ فيه من النظر إلى الحكم في ناحية الجزاء، فإن كان قابلا للتكرار أو التأكّد كان داخلا في الثانية، و إلّا فهو داخل في الأولى، و حينئذ مثل قوله إذا بلت فتوضّأ و إذا نمت فتوضّأ يمكن القول بأنّ أخذ وجوب الوضوء في طرف الجزاء من جهة كونه كاشفا عن انتقاض الوضوء، فيكون مرجع القضيتين هو أنّك إذا بلت انتقض وضوءك و إذا نمت انتقض وضوءك، و أنّ وجوب الوضوء إنّما هو من جهة تحقّق الانتقاض، و من الواضح أنّ الانتقاض غير قابل للتكرّر و لا للتأكّد، فيكون راجعا إلى المسألة الأولى دون الثانية، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى‏ (2) مزيد توضيح لذلك‏ (3).

____________

(1) كفاية الأصول: 202.

(2) راجع الحاشية الآتية في الصفحة: 46- 47.

(3) [وجدنا هنا أوراقا منفصلة ارتأينا إدراجها في الهامش، و هي كما يلي:]

الوجوه المحتملة أو الأقوال في المسألة:

1- تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى.

2- الغاء المفهومين.

3- تقييد كلّ منطوق بالآخر بمفاد الواو.

4- كون الشرط هو القدر الجامع.

و هذا الأخير يرجع إلى العطف بمفاد لفظ أو، سواء كان في البين جامع عرفي أو لم يكن. أمّا الثاني فواضح، و أمّا الأوّل فلما ذكرناه من ظهور مدخلية الخصوصية، و لا جامع عرفي بين الخصوصيتين، فيلزم العطف بأو على كلا التقديرين، خلافا لما عساه يظهر من بعض ما حرّر عن شيخنا (قدّس سرّه) من أنّه إن كان في البين جامع عرفي كان الشرط-

6

[التعليق على كلام الماتن برجوع الوجه الأوّل من وجوه الجمع بين القضيتين إلى الثالث‏]

قوله: و لا يخفى أنّ الوجه الأوّل فيما إذا لم يكن هناك جامع عرفي خطابي يرجع إلى الوجه الثالث، و هو تقييد اطلاق كلّ منهما المقابل للعطف بأو ... الخ‏

(1)

.

بل يمكن أن يقال برجوعه إليه حتّى في الجامع العرفي، لما

____________

- هو ذلك القدر الجامع، و إلّا كان الشرط هو أحدهما بمفاد العطف بلفظ أو. و بعد إسقاط الوجهين الأوّلين، لعدم إمكان التصرّف في المفهوم بدون التصرّف في المنطوق، يبقى الترديد بين الوجهين الأخيرين: العطف بالواو و العطف بلفظ أو.

أمّا ما ذكره في المقالة [مقالات الأصول 1: 406] فهو راجع إلى العطف بأو، أعني كون الشرط هو القدر الجامع، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى توضيحه [في الصفحة:

16- 17].

أمّا ما في آخر عبارة الكفاية طبع طهران [سينقل (قدّس سرّه) العبارة في هامش الصفحة: 15] فقد ضرب عليه و أسقط من طبعة بغداد [كفاية الأصول: 105]، و هو الوجه الرابع الذي ذكره في التقريرات [مطارح الأنظار 2: 48]، و أسقطه بكونه إسقاطا لإحدى القضيتين منطوقا و مفهوما بلا وجه، و حينئذ يكون خارجا عن الجمع الدلالي كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى توضيحه [في هامش الصفحة: 14].

الذي ينبغي تنسيق المسألة على هذه الأمور:

الأوّل: بيان الفرق بين هذه المسألة و المسألة الآتية التي يبحث فيها عن التداخل.

الثاني: بيان النسبة بين الشرطين بالعموم من وجه و العموم المطلق و التباين.

الثالث: بيان التدافع بين القضيتين من جهة دلالة كلّ منهما على انحصار العلّة في شرطها و أنّه علّة تامّة.

الرابع: عدد الوجوه المحتملة و إرجاع بعضها إلى بعض، و انحصار الجمع بين القضيتين بأحد طريقين: اسقاط الاطلاق المقتضي لطرد احتمال العطف بأو، أو اسقاط الاطلاق المقتضي لطرد احتمال العطف بالواو.

الخامس: بيان ما هو الحقّ و المختار [منه (قدّس سرّه)‏].

(1) أجود التقريرات 2: 260 [مع اختلاف يسير عمّا في النسختين‏].

7

تقدّمت‏ (1) الاشارة إليه فيما علّقناه على ما حقّقه شيخنا المحقّق العراقي في الوجه الثاني، و ذلك بأن يقال: إنّ ظاهر الخصوصية ينفي احتمال كون الشرط هو القدر الجامع، فلو ثبت مع ذلك مدخلية خصوصية شرط آخر كان الشرط هو إحدى الخصوصيتين، و حيث إنّه لا جامع عرفي بين الخصوصيتين يكون اللازم هو عطف كلّ منهما على الآخر بلفظ أو، مثلا لو علّق الجزاء في إحداهما على مجي‏ء زيد مثلا و في الأخرى على مجي‏ء عمرو، فظاهر كلّ منهما أنّ للخصوصية الزيدية و للخصوصية العمرية مدخلية في ذلك الجزاء، و هذا الظهور يمنع من كون الأثر للقدر الجامع القريب بينهما مثل الإنسان و نحوه. و حينئذ لا بدّ من كون المؤثّر هو إحدى الخصوصيتين، بحيث يكون للخصوصية الخاصّة في كلّ منهما أثر، و حيث لا جامع عرفي بين الخصوصيتين الشخصيتين يكون المؤثّر هو إحدى الخصوصيتين المتباينتين، إذ لا جامع عرفي قريب بين المتباينين، فيكون الشرط في كلّ منهما محتاجا إلى عطف الآخر عليه بلفظ أو.

[المحتملات الأربعة التي ذكرها الآخوند (قدّس سرّه) و بيان مختاره في المسألة]

ثمّ لا يخفى أنّه في الكفاية (2) ذكر وجوها أربعة: تخصيص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى، و لازمه نفي الغير و انحصار انتفاء الجزاء بصورة انتفائهما معا.

و رفع اليد عن مفهوم كلّ منهما و لازمه عدم الدلالة على نفي الغير. و تقييد كلّ من الشرطين بما هو مفاد الواو، و لازمه الانتفاء عند انتفائهما أو انتفاء أحدهما. و كون الشرط هو القدر الجامع بينهما، و هو في الانتفاء كالأوّل. و شيخنا (قدّس سرّه) أفاد ما حاصله أنّ هذا الوجه الأخير إن كان الجامع عرفيا قريبا كان وجها آخر غير ما هو مفاد العطف بأو، و أنّ مفاد العطف بأو إنّما هو في خصوص ما إذا لم يكن في‏

____________

(1) في المجلّد الرابع من هذا الكتاب ص 418.

(2) كفاية الأصول: 201.

8

البين جامع عرفي، فتكون الوجوه المحتملة حينئذ خمسة. و قد عرفت أنّه لا بدّ من العطف بأو على كلّ من التقديرين، فلا يكون لنا إلّا وجوه أربعة، و الأمر سهل في ذلك.

نعم، يترتّب الأثر على ذلك في المسألة الآتية أعني التداخل، فعلى تقدير الجامع العرفي لو اجتمعا لا يكون إلّا من قبيل تداخل السبب، و لا يؤثّر إلّا أثرا واحدا، بخلاف ما لو كان الشرط هو أحدهما على نحو نكرة الفصول‏ (1) فإنّه يكون من قبيل تعدّد السبب، فيحتاج إلى تعدّد المسبّب.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية اختار الوجه الأخير، للقاعدة العقلية و هي عدم معقولية تعدّد العلل مع وحدة المعلول، و بناء على هذه القاعدة كان عليه أن يسقط الاحتمال الأوّل و الاحتمال الثاني، و يرجعهما إلى الاحتمال الرابع، فإنّ تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى، أو إسقاط المفهوم في كلّ منهما لا يخلصنا من إشكال اجتماع العلل المتعدّدة على معلول واحد.

نعم، إنّ الوجه الثالث- و هو العطف في كلّ منهما على الآخر بالواو- سالم من هذا الإشكال، و حينئذ فقوله في الكفاية: فلا بدّ من المصير إلى أنّ الشرط في الحقيقة واحد، و هو المشترك بين الشرطين، بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم و بقاء اطلاق الشرط في كلّ منهما على حاله، و إن كان بناء العرف و الأذهان العامية على تعدّد الشرط و تأثير كلّ شرط بعنوانه الخاص فافهم‏ (2) لا يخلو من تأمّل.

و كان عليه أن يقول: بعد البناء على بقاء إطلاق الشرط في كلّ منهما على حاله من عدم العطف بالواو، ليكون المعنى: أنّا بعد أن التزمنا بأنّه ليس الشرط هو

____________

(1) راجع الفصول الغروية: 163.

(2) كفاية الأصول: 201- 202.

9

المجموع المركّب منهما، فنحن محتاجون إلى أخذ الشرط بمعنى القدر الجامع، و إن كان ذلك- أعني أخذ الشرط هو القدر الجامع- ربما لا تساعد عليه الأذهان العامية العرفية، لأنّهم يرون أنّ كلّ شرط مؤثّر بنفسه لا بالقدر الجامع، لبعده عن أذهانهم. و الحاصل أنّ الإشكال العقلي الذي أوجب علينا استنباط القدر الجامع لا يختصّ بالوجه الثاني كما هو ظاهر العبارة، بل هو جار في الوجه الأوّل، نعم إنّ الوجه الثالث سالم من الإشكال المذكور. و لعلّ قوله: فافهم، إشارة إلى ذلك.

و يمكن توجيه هذه العبارة الموجودة في الكفاية بأنّ كلامه (قدّس سرّه) إنّما هو في مقابلة الوجه الرابع مع الوجه الثاني الذي أفاد أنّه لعلّ العرف يساعد عليه‏ (1)، و أنّ حاصل ذلك هو أنّ الوجه الثاني و إن ساعد عليه العرف إلّا أنّ الوجه الرابع لا بدّ من المصير إليه و إن قلنا بالوجه الثاني.

و بالجملة: أنّه بناء على الوجه الثاني- الذي هو عبارة عن رفع اليد عن المفهوم- إن لم نبق إطلاق الشرط بحاله من كون كلّ منها مؤثّرا بالاستقلال فلا نحتاج إلى الوجه الرابع، و إن أبقينا الاطلاق على حاله فلا بدّ من المصير إلى الوجه الرابع، كلّ ذلك بعد مساعدة العرف‏ (2) على الوجه الثاني و تقديمه على بقية

____________

(1) كفاية الأصول: 201.

(2) قال المرحوم القوچاني في شرح قوله (قدّس سرّه): و لعلّ العرف يساعد على الوجه الثاني الخ، ما هذا لفظه: حيث إنّ للقضية الشرطية بناء على المفهوم ظهورين:

أحدهما: بحسب المنطوق في كون الشرط بنفسه مستقلا في التأثير، بلا ربط للغير في تأثيره.

و ثانيهما: في خصوصية انحصار العلّة التي لازمه الانتفاء عند الانتفاء. و من المعلوم أنّ ظهوره الأوّل أقوى من الثاني، فالمتعيّن عند الدوران هو رفع اليد عن الثاني، و لازمه-

10

الوجوه، و إنّما تبقى المقابلة بينه و بين الوجه الرابع فكان الوجه الرابع مقدّما عليه لاحتياجه إليه.

ثمّ لا يخفى أنّه لا يمكن توجيه العبارة بما في الحاشية طبع بغداد (1) من أنّه إنّما لا يحتاج إلى هذا الوجه على الوجه الأوّل، لأنّه إذا خصّص مفهوم كلّ منهما بمنطوق الأخرى يكون الجزاء متعدّدا بتعدّد الشرط بالجهة و الحيثية التي يضاف الجزاء إليه باعتبارها، فلا يكون الجزاء واحدا بل متعدّدا، لتعدّده حسب تعدّد الجهة التي بها يضاف إلى الشرط، فالجزاء في المثال الذي ذكره المصنّف (رحمه اللّه)

____________

- الوجه الثاني دون باقي الوجوه المذكورة، لاحتياجها إلى التصرّف في المنطوق بحسب ظهوره الأوّل غير ذلك الخ [كفاية الأصول (مع تعليقة الشيخ علي القوچاني (قدّس سرّه) 1:

165/ التعليقة 75].

و لا يخفى أنّ إسقاط الظهور في انحصار العلّة في كلّ منهما إنّما هو في مقابلة الآخر، و حينئذ يكون عدم الانحصار في كلّ منهما إنّما هو بالاضافة إلى الآخر، و يتولّد من ذلك أنّ الشرط الذي هو تمام العلّة هو أحدهما الذي هو مفاد العطف بأو، و حينئذ يكون المفهوم هو انتفاء الحكم عند انتفائهما معا، و لا داعي حينئذ لاسقاط المفهوم منهما بتاتا، لأنّ ذلك إنّما يكون فيما لو أسقط الانحصار بالمرّة، بمعنى أنّهما لا يدلّان على نفي المغاير لهما مطلقا، و من الواضح أنّ هذا الاسقاط لا داعي إليه، لأنّه إنّما نسقط قوله مثلا «إذا سافرت فقصر» في دلالته على الانحصار بالاضافة إلى الشرط الآخر الذي هو خوف العدو ليكون الشرط حينئذ هو أحدهما، و إذا ثبت أنّ الشرط هو أحدهما كان دالا على الانحصار، بمعنى أنّه ينفي كون الشرط غيرهما، و حينئذ يكون انتفاؤهما معا موجبا لانتفاء الحكم، لكنّه حينئذ يكون راجعا إلى أنّ الشرط هو القدر الجامع لا إلى أنّه لا مفهوم لهما أصلا. و لعلّ هذا هو مراد شيخنا (قدّس سرّه) فيما يأتي [في الحاشية الآتية] ممّا حرّرته عنه (قدّس سرّه) فراجعه و تأمّل [منه (قدّس سرّه)‏].

(1) كفاية الأصول: 104- 105 (و هي حاشية للشيخ محمّد مهدي الكاظمي (قدّس سرّه).

11

يكون متعدّدا بواسطة إضافة التقصير إلى خفاء الأذان تارة و إلى خفاء الجدران أخرى. و ذلك لأنّ تعدّد الجزاء حسب تعدّد الشرط إذا كان رافعا للإشكال المذكور لم يبق لنا حاجة إلى الوجه الرابع حتّى في الصورة التي ذكرها المصنّف (قدّس سرّه)، و هي ما إذا رفعنا اليد عن المفهوم مع إبقاء إطلاق الشرط على حاله، فتأمّل.

[نقل ما حرّره عن الماتن في أنّ سقوط المفهومين مرجعه إلى العطف بأو]

قوله: و أمّا احتمال سقوط المفهومين من القضيتين فهو راجع إلى تقييد الاطلاق للعطف بأو، و ليس وجها آخر في قباله ... الخ‏

(1)

.

وجهه هو أنّ إسقاط المفهوم من كلّ منهما يلزمه إسقاط الاطلاق النافي للعطف بأو، إذ لا يجتمع دعوى الانحصار في كلّ منهما مع عدم المفهوم لهما، فلا بدّ في إسقاط المفهوم من إسقاط دعوى الانحصار، و ذلك الاسقاط عبارة عن العطف بأو.

و قد حرّرت عنه (قدّس سرّه) في هذا المقام ما هذا لفظه: أنّ المراد من إسقاط دلالتهما على المفهوم إن كان عبارة عن إسقاط دلالة كلّ من الشرطيتين على نفي شرطية الشرط في الأخرى، مع بقاء دلالة كلّ منهما على نفي مدخلية شي‏ء ثالث، فهو عين ما ذكرناه من إسقاط الاطلاق الثاني، أعني عدم عطف شرط إحدى الشرطيتين على شرط الأخرى بلفظ أو. و إن كان المراد نفي دلالة كلّ من الشرطيتين على المفهوم بالكلّية، بحيث لا يكون لهما دلالة على نفي الثالث، فهذا لا وجه له و لا يقتضيه التعارض بين الشرطيتين، لكفاية إسقاط دلالة كلّ منهما على نفي مدخلية الشرط في الأخرى في رفع التعارض المذكور، من دون حاجة

____________

(1) أجود التقريرات 2: 260 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة، و قد ذكر في النسخة المحشاة بعنوان: الرابع ... و أمّا الوجه الرابع ...].

12

إلى إسقاط دلالتهما على نفي مدخلية الثالث، انتهى.

[التعليق على كلام الآخوند (قدّس سرّه) من توقّف التعارض بين الجملتين على القول بالمفهوم‏]

قلت: و لكن الظاهر من الكفاية بل صريحها هو إرادة الوجه الثاني، لأنّه يقول: و إمّا برفع اليد عن المفهوم فيهما، فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شي‏ء آخر في الجزاء (1).

ثمّ قال شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): و أمّا ما يقال من الجمع بينهما بجعل الشرط هو القدر الجامع بينهما فهو عبارة أخرى عمّا ذكرناه من العطف بلفظ أو، إذ مرجعه هو أحدهما، فإن كان بينهما جامع عرفي قريب كان الشرط هو ذلك القدر الجامع، و إن لم يكن بينهما ذلك الجامع العرفي القريب كان الشرط هو أحدهما على البدل، و إن كان الشرط في الحقيقة هو القدر الجامع العقلي و إن كان بعيدا عرفا، لعدم معقولية معلولية الشي‏ء الواحد لأشياء متعدّدة بلا قدر جامع، انتهى.

قلت: قد تقدّم‏ (2) أنّه لو كان في البين قدر جامع عرفي قريب و مع ذلك ذكر الشرط الخاصّ، كان ظهور اللفظ في مدخلية الخصوصية موجبة لالغاء ذلك القدر الجامع، فلو جاءت شرطية أخرى تتضمّن مدخلية خصوصية أخرى لشرط آخر كان اللازم هو الالتجاء إلى العطف بأو كما عرفته فيما تقدّم.

تنبيه: قال في الكفاية: الأمر الثاني: إذا تعدّد الشرط مثل (إذا خفي الأذان فقصّر) و (إذا خفي الجدران فقصّر) فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم لا بدّ من التصرّف و رفع اليد عن الظهور الخ‏ (3).

____________

(1) كفاية الأصول: 201.

(2) في بداية الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 6- 7، و راجع أيضا المجلّد الرابع من هذا الكتاب الصفحة: 418.

(3) كفاية الأصول: 201.

13

يمكن أن يقال: إنّ التصرّف لا بدّ منه حتّى لو لم نقل بالمفهوم، إذ لا أقل من كون ذلك من قبيل الحكم الواحد مع فرض اختلاف موضوعه بالتباين، أو العموم من وجه أو العموم و الخصوص المطلق، فلاحظ. و هذا نظير ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه)(1) في ردّ استدلال القائلين بمفهوم الوصف بالاتّفاق على حمل المطلق مثل أعتق رقبة على المقيّد (2) مثل أعتق رقبة مؤمنة، فإنّ هذا الحمل كاشف عن التنافي، و هو لا يكون إلّا من جهة المفهوم، فأجاب عنه بأنّ التنافي من جهة ضيق الموضوع وسعته مع فرض وحدة الحكم.

و لعلّ المراد هو أنّه بعد أن أخرجنا المتباينين اللذين لا يجتمعان معا و لا في السبق و اللحوق، مثل إن جاء مسافرك أوّل النهار فتصدّق و إن جاء في آخر النهار فتصدّق، فهذا و مثله خارج لأنّ المتعيّن فيه هو مفاد أو، و لا يتأتّى الجمع فيه بمفاد الواو. ثمّ بعد أن أخرجنا الخاص و العام و تعيّن الجمع فيه بمفاد الواو، لم يبق إلّا العامان من وجه مفهوما أو موردا، مثل إن سافرت فقصّر و إن خفت من العدو فقصّر، و لا ريب في عدم التنافي بينهما عند الاجتماع بأن تحقّق السفر و الخوف، فإنّه يلزمه التقصير على كلّ حال. أمّا لو انفرد السفر عن الخوف أو انفرد الخوف عن السفر فلا تعارض حينئذ، إذ لا منافاة بين وجوب التقصير عند الخوف وحده و وجوبه أيضا عند السفر وحده، و إنّما تتأتّى المنافاة بين مثل هذين الدليلين لو قلنا بالدلالة على الانحصار و تمامية العلّة- أعني الموضوع الذي هو السفر أو الخوف- و لأجل ذلك أفاد في الكفاية أنّه بناء على الدلالة على المفهوم تتحقّق المنافاة بينهما.

____________

(1) كفاية الأصول: 206.

(2) [في الأصل: المطلق، و الصحيح ما أثبتناه‏].

14

لكن ذلك أيضا لا يخلو عن تأمّل بعد فرض كون الحكم واحدا، فإن جعله على الخوف ينافي جعله على السفر، فلا بدّ من الجمع بمفاد الواو أو بمفاد أو، فتأمّل‏ (1).

____________

(1) و في الطبعة الطهرانية* بعد قوله (قدّس سرّه): فافهم، ما هذا لفظه: و أمّا رفع اليد عن المفهوم في خصوص أحد الشرطين و بقاء الآخر على مفهومه، فلا وجه لأن يصار إليه إلّا بدليل آخر، إلّا أن يكون ما أبقي على المفهوم أظهر فتدبّر جيّدا.

و كتب (قدّس سرّه) على الهامش ما هذا لفظه: و لازمه تقييد منطوقها بمفهوم الآخر، فلا يكون عند ثبوت شرطها ثبوت الجزاء إلّا إذا كان شرط الآخر يلزم ثانيا.

و شرح المرحوم القوچاني قوله: بمفهوم الآخر، فقال: أي بسبب مفهوم الآخر. إلّا أنّ الأحسن أن يقال: بمنطوق الآخر، مع عدم الالتزام بالعلّية أيضا، بأن يكون مفاد إحدى القضيتين ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط عند وجود الشرط الآخر و تأثيره في الجزاء كما عرفت. و لكنّه تصرّف لا يصار إليه إلّا بدليل [كفاية الأصول (مع تعليقة الشيخ علي القوچاني (رحمه اللّه) 1: 166/ التعليقة 77].

و أشار بقوله: «كما عرفت» إلى ما تقدّم منه في الحاشية السابقة في بيان هذا الوجه بقوله: بأن يجعل مفاده مجرّد ثبوت الجزاء عنده بلا علّية في البين، بل و لا إطلاق في الثبوت، بأن يكون ثبوته عنده عند وجود الشرط الآخر بسببية ذلك و كشف هذا عنه-

(*) [الظاهر أنّ المقصود بها النسخة المطبوعة في طهران قديما و هي نادرة الوجود و قد ورد في الصفحة: 118- 119 منها هذه العبارة مع الهامش الذي ينقله المصنّف (قدّس سرّه).

كما أنّ أصل العبارة ذكرت في الطبعة الحديثة المحشّاة بحاشية المرحوم المشكيني (قدّس سرّه) و له تعليقتان عليها 2: 296- 297 إلّا أنّ الهامش غير مذكور فيها، نعم أشار (قدّس سرّه) إليه في التعليقة الأولى‏].

15

[تنبيه: في بيان النسبة بين الشرطين في الجملتين‏]

تنبيه: قد اشتمل بعض التحارير على أنّ الشرطين تارة يكونان متباينين، و أخرى يكون بينهما العموم من وجه، و ثالثة يكون بينهما العموم المطلق. و قد مثّلوا للأوّل بمثل: إذا بلت انتقض وضوءك، و إذا نمت انتقض وضوءك. و للثاني بمثل: إذا سافرت فقصّر، و إذا خفت العدو فقصّر. و للثالث بمثل: إذا خفي الأذان فقصّر، و إذا خفيت الجدران فقصّر، بناء على كون خفاء الأذان قبل خفاء الجدران، فيكون الشرط الثاني أخصّ من الأوّل.

و لا يخفى أنّه ليس المراد بالعموم من وجه ما هو بمعناه المصطلح، بل الظاهر أنّ المراد به هو مجرّد الاجتماع في الوجود و لو لم يكن أحدهما صادقا على [الآخر]. و الظاهر أيضا أنّ المراد بالتباين في المقام معناه المصطلح، و هو اختلاف المفهومين و تباينهما مصداقا و إن اجتمعا في الوجود، كما في مثل النوم‏

____________

- فيكون أحدهما معرّفا عن الآخر [كفاية الأصول (مع تعليقة الشيخ علي القوچاني (رحمه اللّه) 1: 165/ التعليقة 75].

قلت: لا يخفى أنّ محصّل هذا التطويل هو إسقاط إحدى القضيتين منطوقا و مفهوما، و ليس هذا من الجمع الدلالي. و كأنّه لأجل ذلك ضرب على ذلك كلّه كما في نسختي التي صحّحتها على نسخة صحّحت على نسخة المصنّف، و كما في طبعة بغداد [كفاية الأصول: 105 مطبعة الشابندر- بغداد].

قال في التقريرات: رابعها ابقاء إحدى الجملتين بحالها مفهوما و منطوقا، و التصرّف في الأخرى كذلك، كما هو الظاهر من الحلّي [السرائر 1: 331] في المثال المذكور، فإنّه جعل المناط في القصر خفاء الأذان فقط، و قيّد منطوق الآخر بخفاء الأذان و مفهومه بعدمه، فيرجع إلى إلغاء الجملة الثانية رأسا. اللهمّ إلّا أن يكون خفاء الجدران من الأمارات التي يتوصّل بها إلى خفاء الأذان، فلا يلزم لغويته رأسا [مطارح الأنظار 2: 48 منه (قدّس سرّه)‏].

16

و البول، و حينئذ يكون ذلك عين العموم من وجه بالنحو المذكور. أمّا المتباينان اللذان لا يجتمعان في الوجود أصلا حتّى لو كان أحدهما سابقا على الآخر مثل الإنسان و الحجر، فلا يتأتّى فيه الجمع بمفاد الواو، بل يتعيّن فيه مفاد أو.

و ذكر المرحوم الشيخ محمّد علي أنّ الوجه الثاني- و هو الحمل على العطف بلفظ أو في مثل المثال- لا يستقيم، لأنّ المفروض حصول خفاء الأذان دائما قبل حصول خفاء الجدران، فيلزم لغوية جعل خفاء الجدران شرطا، لعدم وصول النوبة إليه‏ (1).

هذا بالنسبة إلى حال الخروج، و أمّا بالنسبة إلى الرجوع فالأمر فيه بالعكس.

قلت: و الذي ينبغي أن يقال: إنّ أحد الشرطين لو كان أخصّ مطلقا من الآخر، مثل الإنسان و الحيوان و مثل المطلق و المقيّد، كما لو قال: إن تركت التشهّد بطلت صلاتك، و قال في أخرى إن تعمّدت تركه أو إن تركته عمدا بطلت صلاتك، تعيّن الجمع بينهما بمفاد الواو، فيعطف الخاص على العام أو المقيّد على المطلق بالواو، فيكون الشرط هو الخاص أو المقيّد، و لا محصّل للجمع في ذلك بمفاد لفظة أو، بأن يعطف بها الخاص على العام. أمّا العكس أعني عطف العام بها على الخاص بأن يقال: إن كان هذا إنسانا أو كان حيوانا فافعل كذا، فلا محصّل لذلك العطف إلّا عطف ما عدا الإنسان من الحيوان على الإنسان، فيرجع الأمر حينئذ إلى التباين، لأنّ المراد من الحيوان هو ما عدا الإنسان، و هو مباين له، فلاحظ.

[تنبيه آخر: نقل كلام للمحقّق العراقي (قدّس سرّه) في المقام‏]

تنبيه آخر: قال شيخنا الأستاذ العراقي (قدّس سرّه) في مقالته المطبوعة: ثمّ إنّه إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء شخصا بحيث [كان‏] غير قابل للتكثّر، فلا شبهة في‏

____________

(1) فوائد الأصول 1- 2: 486.

17

أنّه لا محيص من رفع اليد عن ظهور الشرط في المؤثّرية بنحو الاستقلال، فيحمل على مؤثّرية المجموع في وجود الجزاء عند تقارنهما، خصوصا مع اقتضاء ما هو أحدهما دون الآخر ترجيحا بلا مرجّح، نعم مع تعاقبهما كان الأثر لأوّل الوجودين قهرا، كما لا يخفى‏ (1).

و لا يخفى أنّ الملاك في كون الأثر للأوّل عند التعاقب إن كان هو كون الشرط هو القدر الجامع العرفي بينهما، لم نكن في حاجة إلى الالتزام بكون المؤثّر عند اجتماعهما هو المجموع على وجه يستند الأثر إلى كلّ واحد، بحيث يكون كلّ واحد جزء العلّة، بل يكون الأثر مستندا إلى صرف الطبيعة الموجودة فيهما.

و كذلك لو لم يكن في البين جامع عرفي قريب و كانا بحسب النظر العرفي متباينين، فإنّه بعد البناء على تلك القاعدة العقلية المانعة من تعدّد العلل و وحدة المعلول، لا بدّ لنا أن نقول إنّه عند اجتماعهما يكون الأثر مستندا إلى القدر الجامع العقلي.

و كيف كان، فقد ظهر لك أنّ كون الأثر عند الاجتماع مستندا إلى مجموعهما، بحيث يكون كلّ منهما جزء العلّة، لا يجتمع مع الحكم باستناد الأثر إلى السابق عند التعاقب، فتأمّل.

قوله: فيدور الأمر بين تقييد أحد الاطلاقين المقابلين للعطف بالواو أو العطف بأو ... الخ‏

(2)

.

الأولى أن نمثّل لذلك بما إذا كان الشرطان متباينين و إن كان يمكن اجتماعهما في الوجود، مثل: إذا سافرت فقصّر، و إذا خفت من العدو فقصّر.

____________

(1) مقالات الأصول 1: 406.

(2) أجود التقريرات 2: 260 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

18

[تحقيق مفصّل في كيفية دفع التعارض بين الشرطيتين في المقام‏]

فنقول: إنّ الذي يظهر من القضية الأولى أمران: الأوّل كون السفر شرطا و علّة منحصرة لوجوب القصر، على وجه لا يقوم غيره الذي هو خوف العدو مقامه. الثاني كون السفر هو تمام العلّة و الموضوع لوجوب القصر، على وجه يكون وجوده وحده كافيا في تحقّق وجوب القصر، و لا يحتاج إلى ضمّ غيره إليه الذي هو خوف العدو. و هكذا الحال في القضية الثانية.

أمّا الأوّل- أعني الانحصار-: فقد أثبتناه باطلاق الشرط في قبال احتمال عطف الخوف عليه بلفظ أو، بإحدى الطرق المتقدّمة (1) التي كان أهم تقريباته التمسّك باطلاق قيدية الشرط و أنّ السفر قيد بقول مطلق في وجوب القصر حتّى في حال وجود الخوف وحده، و أنّ وجوب القصر يتوقّف على وجود السفر، سواء كان الخوف موجودا أو كان الخوف معدوما.

أمّا الثاني، أعني استقلال السفر في علّية وجوب القصر، في قبال احتمال احتياجه في ذلك إلى انضمام الخوف معه، فلنا في التمسّك على نفي هذا الاحتمال الذي مفاده عطف الخوف على السفر بلفظ الواو طريقان:

الطريق الأوّل: هو التمسّك باطلاق الشرط، و أنّ ظاهر تعليق الوجوب عليه أنّه يؤثّر في الوجوب وحده، من دون أن يقيّد هو- أعني السفر- باجتماعه مع الخوف الذي هو مفاد عطفه عليه بالواو، فإنّ ظاهر إطلاق الشرط من هذه الجهة و عدم عطف الخوف عليه بلفظ الواو أنّه- أعني السفر- مستقل في تحقيق الوجوب، و لا يحتاج في تحقيقه الوجوب إلى عطف الخوف عليه بلفظ الواو.

الطريق الثاني: هو إطلاق نفس الوجوب المستفاد من قوله قصّر، فإنّ هذا

____________

(1) راجع الحاشية المتقدّمة في الصفحة: 410 و ما بعدها من المجلّد الرابع من هذا الكتاب.

19

الدليل الدالّ على الوجوب لو خلي وحده لكان مقتضى إطلاقه هو وجوب القصر، سواء سافر أو لم يسافر، و سواء خاف العدو أو لم يخفه. لكن لمّا قيّده بقوله: (إذا سافرت فقصّر) التجأنا إلى تقييد إطلاق ذلك الوجوب بالسفر. أمّا الخوف فكان إطلاق الوجوب بالقياس إليه باقيا بحاله، بمعنى أنّ الوجوب في قوله: (إن سافرت وجب عليك القصر) يكون بالقياس إلى الخوف باقيا على إطلاقه، و لا ترفع اليد عن إطلاق دليل ذلك الوجوب إلّا بالنسبة إلى السفر دون الخوف، و حينئذ يكون مقتضى إطلاق الوجوب بالنسبة إلى الخوف بعد تقييده بالسفر أنّ وجوب القصر يتحقّق بمجرّد تحقّق السفر، سواء انضمّ إليه الخوف أو لم ينضمّ إليه، و ذلك عبارة أخرى عن أنّ السفر يؤثّر وحده في وجوب القصر من دون أن نضمّ إليه الخوف، فيكون هذا الاطلاق في ناحية الوجوب بالنسبة إلى الخوف نافيا لاحتمال عطف الخوف على السفر بالواو، فيكون هذان الطريقان متوافقين في أخذ هذه النتيجة أعني طرد احتمال عطف الخوف على السفر بالواو.

و حيث إنّ جميع ما حرّرناه في القضية الأولى- أعني قوله: إذا سافرت فقصّر- متأتّ بعينه في القضية الثانية، أعني قوله: إذا خفت العدو فقصّر، و حينئذ يقع التدافع بين إطلاق الأولى و إطلاق الثانية من الجهتين، أعني من جهة الاطلاق الطارد لاحتمال العطف بأو، و الاطلاق الطارد لاحتمال العطف بالواو، و إن شئت فقل: إنّ ظاهر الاطلاق في القضية الأولى أنّ السفر في علّيته و تأثيره في وجوب القصر منحصر، لا يقوم غيره الذي هو الخوف مقامه، و أنّه مستقل في ذلك لا يحتاج إلى ضمّ غيره إليه في ذلك، و هكذا الحال في الثانية. و كما أنّ إطلاق الأولى في إثبات انحصار الشرط بالسفر يعارض إطلاق الثانية في إثبات انحصار الشرط

20

بالخوف، إذ لا يجتمع الانحصاران، فكذلك إطلاق الأولى في إثبات استقلال السفر يعارض إطلاق الثانية في إثبات استقلال الخوف. و إن شئت فقل: إنّ إطلاق وجوب القصر في الأولى من جهة إثبات أنّ الوجوب غير مقيّد بالخوف معارض لما أفادته الثانية من تقييده بالخوف، كما أنّ إطلاق الوجوب في الثانية من جهة إثبات أنّ الوجوب غير مقيّد بالسفر معارض لما أفادته الأولى من كونه مقيّدا بالسفر، و حينئذ يكون إطلاق الوجوب في كلّ منهما بالنسبة إلى الشرط في الأخرى معارضا لاطلاقه بالأخرى بالنسبة إلى الشرط فيها، و حينئذ يكون الاطلاقان المذكوران متنافيين.

و جلّ غرضنا من هذه الاطالة هو بيان أنّ شيخنا (قدّس سرّه) بنى أخيرا على تحقّق التزاحم بين الاطلاق المقتضي للانحصار المبني على نفي احتمال العطف بأو، و بين الاطلاق المقتضي لاستقلال الشرط المبني على نفي احتمال العطف بالواو، لأنّا لا بدّ لنا في مثل هذه القضايا من إسقاط أحد الاطلاقين، و حيث إنّهما في عرض واحد و لا ترجيح في البين، كان الحاصل حينئذ هو عدم حجّية كلّ منهما، و يكون اللازم هو الأخذ بالقدر المتيقّن، و هو أنّه عند اجتماع الشرطين يكون الحكم فعليا لا محالة، و فيما عداه يكون المرجع هو الأصول العملية، و هي البراءة من ذلك الوجوب مثلا، على إشكال في ذلك.

و الذي هو محلّ التأمّل ممّا أفاده شيخنا (قدّس سرّه) هو كون الاطلاقين في عرض واحد، لامكان القول بتقدّم إسقاط الاطلاق المقتضي لعدم العطف بالواو، و ذلك الاطلاق هو إطلاق الوجوب الذي ذكرناه في الطريق الثاني، فإنّ الوجوب في قوله: (إذا سافرت وجب القصر) و إن كان من حيث انضمام الخوف مطلقا، لكنّه بعد أن فرضناه حكما واحدا في كلّ من القضيتين، يكون إطلاقه من ناحية

21

الخوف في قوله: (إذا سافرت وجب القصر) مقيّدا بالخوف في قوله: (إذا خفت وجب القصر). و هكذا الحال من ناحية العكس، و حينئذ يكون الخوف قيدا في ذلك الوجوب الواحد كما أنّ السفر قيد فيه، و مقتضى القيدية المذكورة أنّه لا يحصل الوجوب بدون السفر، كما لا يحصل بدون الخوف، و حينئذ لا بدّ في حصوله من اجتماعهما، و يكون النتيجة هو العطف بالواو.

و أمّا ما تمسّكنا به في الطريق الأوّل من إطلاق نفس السفر مثلا، و أنّه تمام الموضوع، و أنّه يؤثّر في الوجوب بلا ضمّ الخوف إليه، فذلك عبارة أخرى عن إطلاق الوجوب الوارد عليه، و أنّه و إن تقيّد به إلّا أنّه مطلق من ناحية الخوف، و قد عرفت سقوط هذا الاطلاق. و لو سلّمنا أنّه غيره لقلنا إنّ سقوط الاطلاق بالطريق الثاني موجب لسقوطه بالطريق الأوّل، إذ بعد ثبوت أنّ الوجوب مقيّد بالخوف مضافا إلى تقيّده بالسفر لا معنى للقول بأنّ السفر مطلق من حيث انضمام الخوف إليه، هذا.

مضافا إلى أنّ الخوف من قوله: (إذا خفت فقصّر) كما يقيّد الوجوب في الجزاء من قوله: (إذا سافرت فقصّر) يكون أيضا مقيّدا لنفس السفر، فإنّ أقصى ما يقوله إطلاق نفس السفر: أنا يترتّب عليّ وجوب القصر سواء وجد الخوف أو لم يوجد، و صريح التعليق في قوله: (إذا خفت فقصّر) يقول إنّ الوجوب يتوقّف على الخوف، و من الواضح تقدّمه على إطلاق السفر.

و بالجملة: الظاهر أنّه لا ينبغي الريب في أنّ التقييد بالخوف في قوله: (إذا خفت وجب القصر) يكون موجبا لسقوط الإطلاق النافي لاحتمال الواو بكلا الطريقين اللذين ذكرناهما فيما مضى. و هكذا الحال من ناحية العكس، و حينئذ تكون النتيجة هي العطف بالواو، و يكون الاطلاق الذي تمسّكنا به لنفي احتمال‏

22

العطف بأو بحاله، لأنّ أقصى ما في ذلك الاطلاق هو أنّ الخوف لا يقوم مقام السفر، و هذا المعنى يجتمع مع كونه شريكا للسفر في توقّف الوجوب على كلّ منهما.

لا يقال: لم لم تقدّموا إسقاط هذا الاطلاق، و تحكموا بأنّ شرطية السفر ليست على نحو الانحصار، و أنّ الخوف يقوم مقام السفر، و حينئذ يبقى إطلاق الوجوب من ناحية الخوف بحاله، و حينئذ يكون الحاصل: أنّ إسقاط كلّ من الاطلاقين يوجب صحّة بقاء الاطلاق الآخر، و هو معنى التزاحم.

لأنّا نقول: إنّا و لو قلنا إنّ الخوف يقوم مقام السفر، لكنّه لا يخرج بذلك عن كونه قيدا في الوجوب، غايته أنّه حينئذ يكون أحد القيدين على البدل، فلا يبقى إطلاق الوجوب بالنسبة إليه بحاله، و حينئذ يكون التقييد في مرحلة العطف بالواو- أعني تقييد الوجوب- مبقيا للاطلاق في ناحية العطف بأو، بخلاف التقييد في مرحلة العطف بأو، فإنّه لا يبقي الاطلاق في ناحية العطف بالواو، بل يوجب التقييد في الجملة و لو بمقدار كون الخوف أحد القيدين.

و بتقريب أوضح: أنّ تقييد الوجوب بمفاد الواو المنتج لاعتبار الاجتماع سابق في الرتبة على التقييد بمفاد أو، الذي يكون منتجا لعدم الانحصار و أنّه يقوم الخوف مقام السفر، لأنّ ذلك الاطلاق مأخوذ من ناحية التمسّك باطلاق التقييد، بمعنى أنّه بعد أن يثبت كون السفر قيدا نقول إنّ قيديته مطلقة شاملة لما إذا وجد الخوف أو انعدم، و هكذا الحال في قيدية الخوف، و المفروض أنّ نفس القيدية توجب اعتبار الاجتماع و تصحّح بقاء إطلاق القيدية، فيكون إصلاح هذين الشرطيتين بكون أحد القيدين منضمّا إلى الآخر سابقا في الرتبة على إصلاحهما بكون الشرط و القيد هو أحدهما. اللهمّ إلّا أن يقال: كما أنّ كون القيدية على نحو

23

الانحصار متأخرة في الرتبة عن أصل ثبوت التقييد، فكذلك كونها على نحو العلية التامة أيضا متأخرة عن أصل التقييد، و حينئذ يبقى التزاحم بين هاتين الجهتين بحاله.

و منه يعرف الحال فيما قد يقال من أنّه بعد أن ورد مثلا إذا سافرت وجب القصر و إذا خفت من العدو وجب القصر، لا ينبغي الإشكال في ثبوت تقيّد الوجوب بكلّ منهما في الجملة، و لكن هل هذه القيدية قيدية مطلقة، بحيث إنّه يكون السفر مثلا قيدا في الوجوب حتّى لو وجد الخوف، أو أنّها مختصّة بما إذا فقد الخوف؟ و على الأوّل يكون الاجتماع معتبرا، و على الثاني لا يكون الاجتماع معتبرا، و يكون الأثر مترتّبا على أحدهما. و لكن إطلاق التقييد يثبت لنا الأوّل، و تكون النتيجة حينئذ هي العطف بالواو.

فإنّه يمكن الجواب عنه أيضا بأنّ الثابت إنّما هو التقييد في الجملة، و يبقى الترديد بين كونه على نحو الانحصار و كونه على نحو العلّية التامّة (1)، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، و حينئذ يكون ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) من وقوع التزاحم بين الاطلاقين بحاله.

و الخلاصة: هي أنّ مثل قولنا: (إن سافرت فقصّر) له إطلاقان: الأوّل: كون قيدية السفر مطلقة، و هذه تنتج نفي مفاد أو، و يكون بمنزلة قولنا إنّ السفر لا يقوم مقامه شي‏ء في إيجاب التقصير. الثاني: كون تأثيره في إيجاب التقصير مطلقا لا يتوقّف على انضمام شي‏ء آخر إليه، و هذه تنتج نفي مفاد الواو، و يكون بمنزلة قولنا إنّ السفر لا يحتاج إلى انضمام شي‏ء في إيجاب التقصير. و لا تنافي بين هذين الاطلاقين بالنسبة إلى هذه القضية لو خليت وحدها، و يكون حاصلهما

____________

(1) [في الأصل: العلّية المنحصرة، و الصحيح ما أثبتناه‏].

24

حينئذ هو أنّ السفر يؤثّر في وجوب التقصير، و أنّه لا يقوم مقامه شي‏ء في هذا الأثر، و لا يحتاج في ترتّب هذا الأثر عليه إلى ضمّ ضميمة. و هذا التفصيل بعينه جار في قولنا إن خفت من العدو فقصّر، فإنّه يكون حاصله أنّ خوف العدو يؤثّر في وجوب التقصير، و أنّه لا يقوم مقامه شي‏ء في هذا الأثر، و لا يحتاج في ترتّب هذا الأثر عليه إلى ضميمة.

و كما أنّ كلا من هذين الاطلاقين يجتمع مع الآخر في الجملة الواحدة، فكذلك يجتمع مع الاطلاق في الجملة الأخرى، فإنّ قولنا إنّ السفر يؤثّر في وجوب التقصير و لا يقوم مقامه الخوف في ترتّب وجوب القصر يجتمع مع قولنا إنّ الخوف يؤثّر في وجوب التقصير و لا يقوم مقامه السفر في ترتّب وجوب القصر، لامكان صحّة كلّ من هذين القولين، لجواز أن يكون تأثيرهما في وجوب التقصير مقيّدا بالاجتماع. و هكذا الحال في قولنا إنّ السفر يؤثّر في وجوب التقصير و لا يحتاج في ذلك إلى ضمّ الخوف إليه، فإنّه يجتمع مع قولنا إنّ الخوف يؤثّر في وجوب التقصير و لا يحتاج في ذلك إلى ضمّ السفر إليه، لامكان صحّة كلّ من هذين القولين، لجواز أن يكون تأثير كلّ منهما في وجوب التقصير على البدل، و أن يكون كلّ منهما قائما في ذلك مقام الآخر.

و من ذلك يظهر لك أنّه إذا قيّدنا الاطلاق النافي لمفاد «أو» بقي الاطلاق النافي لمفاد الواو بحاله، و هكذا الحال فيما لو قيّدنا الاطلاق النافي لمفاد الواو، فإنّ الاطلاق النافي لمفاد «أو» يبقى بحاله. كما أنّا لو أبقينا الاطلاق النافي لمفاد «أو» في الجملتين لزمنا التقييد في الاطلاق النافي لمفاد الواو في الجملتين. و لو أبقينا الاطلاق النافي لمفاد الواو فيهما، لزمنا التقييد في الاطلاق النافي لمفاد «أو» فيهما، فلو كان الاطلاق النافي لمفاد الواو متقدّما رتبة على الاطلاق النافي لمفاد

25

«أو» صدّقناه من الجملتين، و لزمنا التقييد في الاطلاق النافي لمفاد «أو» فيهما، و هكذا الحال من طرف العكس.

أمّا لو كان كلّ من الاطلاقين في رتبة الآخر وقع التزاحم بين الاطلاقين من هذه الجملة مع الاطلاقين من الجملة الأخرى، إذ لا يمكننا الاحتفاظ بالاطلاقين في كلّ من الجملتين. و كما لا يمكننا الاحتفاظ بالاطلاقين من الجملتين، فكذلك لا يمكننا الاحتفاظ بالاطلاقين من جملة و أحد الاطلاقين من جملة أخرى، إذ لا يصحّ الجمع بين كون السفر مؤثّرا و لا يقوم مقامه الخوف و لا نحتاج إلى ضمّ الخوف، و بين قولنا إنّ الخوف لا يقوم مقامه السفر، لأنّ هذا القول إن نزّلناه على كون الخوف هو العلّة الوحيدة كان منافيا للجملة الأولى، و إن نزّلناه على كون الخوف أحد الجزءين كان منافيا للجملة الثانية، و هكذا فيما لو قابلناهما مع قولنا إنّ الخوف لا يحتاج إلى ضميمة.

و الحاصل: أنّ الالتزام بكون الخوف مؤثّرا سواء كان على نحو لا يقوم مقامه السفر، أو كان على نحو لا يحتاج إلى ضمّ السفر، أو كان على كلا النحوين، لا يجتمع مع الاحتفاظ بالاطلاقين من ناحية السفر، لأنّ كون الخوف مؤثّرا- مثلا- إن كان تأثيره على نحو يقوم مقام السفر نافى الاطلاق الأوّل من ناحية السفر. و إن كان تأثيره على نحو يكون ضميمة إلى السفر نافى الاطلاق الثاني من ناحية السفر، و هكذا الحال من ناحية العكس.

و على كلّ حال، فإنّه قد ظهر لك من جميع ما تقدّم: أنّ رفع التعارض بين الاطلاقين إنّما يتمّ لو كان أحد الاطلاقين في طول الآخر. و من ذلك يظهر أنّ الأثر إنّما يترتّب على طولية الاطلاقين، لا على طولية التقييدين.

و من ذلك يظهر لك أنّه لا معارضة بين مفهوم كلّ منهما و منطوق الأخرى،

26

لامكان تصديق قوله: إذا لم تسافر فلا تقصّر و قوله: إذا خفت فقصّر. فيصدق المفهوم لأنّ الشرط هو انضمام السفر إلى الخوف، و إذ لا سفر فلا تقصير.

و يصدق قوله: إذا خفت فقصّر، لأنّ الخوف جزء موضوع وجوب التقصير. كما أنّه لا تعارض بين المفهومين و هما إذا لم تسافر فلا تقصّر و إذا لم تخف فلا تقصر، لأنّ كلا من السفر و الخوف إذا كان جزء الموضوع كان الحكم منتفيا عند انتفاء كلّ منهما.

و الخلاصة: هي أنّ التعارض و التنافي إنّما هو في دعوى كلّ من الشرطين أنّه لا عدل له و لا ضميمة مع فرض كونه مؤثّرا، فتأثير كلّ منهما في وجوب التقصير لا يجتمع مع كون كلّ منهما لا يقوم مقام الآخر و لا يعتبر انضمامه اليه.

و إن شئت فقل: إنّه بعد فرض كون كلّ منهما مؤثّرا في وجوب التقصير لا بدّ من الالتزام بكون أحدهما يقوم مقام الآخر، أو بكون أحدهما ضميمة للآخر، فلاحظ.

ثمّ إنّ في المقام شيئا آخر ربما كان هو المنشأ في وجوب التوقّف الذي أفاده شيخنا (قدّس سرّه)، و هو أنّ مثل قوله: (إذا سافرت وجب عليك تقصير الصلاة) و إن كان باصطلاح المنطقيين من القضايا الشرطية المهملة، حيث إنّ سور الشرطية المتّصلة هو كلّما و نحوه، إلّا أنّها كلّية بحسب المتفاهم من القضايا الشرطية الواردة في بيان الأحكام الشرعية، لأنّها أحكام قانونية كلّية، و حينئذ يكون قوله:

(إذا سافرت وجب القصر) بمنزلة قوله: كلّما سافرت وجب القصر. ثمّ ننقل الكلام إلى الحكم في ناحية الجزاء، و هو قوله وجب القصر، فنقول: هل المراد منه الأعمّ من جهة الحدوث و البقاء ليكون محصّله كلّما سافرت كان الوجوب متحقّقا، سواء كان حادثا بحدوث السفر أو كان حدوثه سابقا على حدوث السفر

27

بواسطة شرط آخر اقتضى حدوث وجوب القصر، و بقي ذلك الشرط مستمرّا إلى حين السفر، أو أنّ المراد هو جهة الحدوث ليكون المعنى كلّما حدث السفر يحدث الوجوب بحدوثه. و الظاهر من أمثال هذه القضايا هو الثاني، خصوصا فيما لو كان الوجوب مستفادا من الهيئة، بأن يكون الجزاء بلفظ فقصّر.

و حينئذ نقول بعونه تعالى: إنّ حاصل القضية هو أنّه كلّما حدث السفر فقد حدث وجوب القصر بحدوثه، و المستفاد من ذلك أمران:

الأوّل: أنّ السفر هو الشرط الوحيد في حدوث الوجوب، فتكون القضية من هذه الجهة دالّة على انحصار الشرط، إذ لو كان هناك شرط آخر و هو الخوف و يحدث الوجوب بحدوثه، و كان قد سبق السفر بالحدوث، لم تصدق هذه الكلّية، و هي كلّما حدث السفر يحدث الوجوب بحدوثه، لأنّه في الصورة المفروضة لا يكون الوجوب حادثا بحدوث السفر، بل يكون حدوثه سابقا على حدوث السفر.

الأمر الثاني: أنّ السفر هو تمام ما يعتبر في وجوب القصر، على وجه لا يحتاج ترتّب وجوب القصر على السفر إلى عطف مثل الخوف عليه بالواو، إذ لو كان كذلك بحيث إنّه كان الشرط في وجوب القصر هو السفر مع خوف العدو لم تصدق الكلّية المزبورة، و هي أنّه كلّما حدث السفر حدث وجوب القصر، إذ ربما حدث السفر وحده فلا يكون الوجوب المذكور حادثا بحدوثه.

و إذا تمّ الأمران المذكوران في قولك كلّما حدث السفر فقد حدث بحدوثه وجوب القصر، كان محصّل ذلك هو أنّ هذه القضية كما تأبى من أن يكون الخوف شرطا في وجوب القصر قائما مقام السفر، فكذلك تأبى من أن يكون الخوف المذكور ضميمة إلى السفر في لزوم حدوث الوجوب لحدوثه، و الأوّل‏

28

طارد لاحتمال عطفه عليه بلفظ أو، و الثاني طارد لاحتمال عطفه عليه بالواو، فلو ورد مع ذلك مثل قولك إذا خفت العدو فقصر، كان المتحصّل منها عين ما هو المتحصّل من قضية إذا سافرت فقصّر. و حينئذ يقع التعارض بينهما، و ينحصر الأمر في الجمع بينهما باسقاط اقتضائهما الأمر الأوّل أو إسقاط اقتضائهما الأمر الثاني، و حيث إنّه لا مرجّح لأحد الوجهين على الآخر كان اللازم هو التوقّف كما أفاده شيخنا (قدّس سرّه)، هذا.

و لكن لا يخفى أنّ إرجاع مثل (إذا سافرت فقصر) إلى قولنا كلّما سافرت وجب القصر، بمعنى كلّما حدث السفر حدث وجوب القصر، إخراج للقضية الحكمية المتضمّنة لجعل الحكم مقيّدا بالشرط و مترتّبا عليه و نازلا منه منزلة المعلول من علّته إلى قضية شرطية متّصلة لزومية، لا يكون الحاكم فيها متعرّضا إلّا لمحض التلازم الكلّي بين المقدّم و التالي التي لا يفرق فيها بين كون المقدّم علّة للتالي أو معلولا له أو معلولين لعلّة ثالثة.

و على كلّ حال، أنّا لو سلّمنا ذلك كلّه فلا يخرج الحكم في ناحية الجزاء عن كونه مقيّدا بالشرط، على وجه يكون حصول الجزاء متوقّفا على حصول الشرط، و مع فرض وحدة الحكم الذي في ناحية الجزاء في كلّ من الشرطيتين يكون الحكم في كلّ منهما مقيّدا بالشرط في الأخرى، كما أنّه مقيّد بالشرط المذكور فيها، و بعد ثبوت كون ذلك الحكم الواحد مقيّدا بهما يكون ذلك التقييد قاضيا بأنّ السفر مثلا قيد في الوجوب، و أنّه متوقّف عليه و لو عند وجود الخوف.

و هكذا الحال بالنسبة إلى الخوف، فيكون التقييد المذكور حينئذ قاضيا باسقاط الأمر الثاني المتقدّم الذي هو عبارة عن الاستقلال، دون الأمر الأوّل و هو

29

الانحصار، على تأمّل في ذلك مرّت الاشارة إليه‏ (1) من أنّ أصل ثبوت تقييد الحكم في ناحية الجزاء لا يثبت إلّا التقييد في الجملة، و يبقى الترديد بين كونه على نحو العلّية التامّة أو على نحو الانحصار بحاله، و هما معا في رتبة واحدة، فلا وجه لتقديم أحد التصرفين على الآخر.

هذا كلّه فيما تقتضيه صناعة الاطلاق و التقييد، و لكن ربما كان الظهور العرفي في بعض القضايا على خلاف ذلك، كما في مثل إذا بلت انتقض وضوءك، و إذا نمت انتقض وضوءك، فإنّ الانتقاض و إن كان حكما شرعيا و هو مقيّد بالنوم مرّة و بالبول أخرى، فيكون حاله حال وجوب القصر مثلا، إلّا أنّ الظاهر العرفي من ذلك هو أنّ المتكلّم بمثل هذه القضايا ناظر إلى أمر موجود محقّق، و هو الطهارة من الحدث، و أنّه يرتفع و ينتقض بالبول و ينتقض بالنوم، فيكون كلّ منهما سببا لذلك الانتقاض. و كذلك الحال فيما لو أشرت إلى شي‏ء طاهر من الخبث و قلت إنّ هذا إن لاقى البول تنجّس و إن لاقى الدم تنجّس.

و الحاصل: أنّ مثل هذه القضايا تكون في مقام تعداد الأسباب، و يكون المتحصّل من مجموعها هو أنّ كلّ واحد سبب مستقل، فيكون من قبيل تعدّد الأسباب و المسبّب واحد، فيكون السبب هو القدر الجامع إن كان هناك جامع عرفي، و إن لم يكن كان السبب هو أحدها على البدل و إن رجع ذلك عقلا إلى كون المؤثّر هو القدر الجامع، فيكون وزان هذه القضايا الشرعية وزان القضايا العادية في مقام الإخبار بالأسباب العادية، مثل قولك مشيرا إلى ماء بارد إنّك إن وضعته في الشمس ذهبت برودته و إن قرّبته إلى النار ذهبت برودته.

و إن شئت فقل: إنّا نعلم من الخارج أنّه ليس الاجتماع معتبرا في هذه‏

____________

(1) في الصفحة: 22- 23.

30

الأسباب حتّى الأسباب الشرعية، لأنّا نعلم من الخارج أنّ انتقاض الوضوء بالبول لا يتوقّف على انضمام النوم إليه، فلا يكون تعدّد هذه القضايا إلّا في مقام بيان تعدّد السبب و لا يحتمل فيها أنّها لبيان جزء السبب. و لو احتمل فيها ذلك كان حالها حال القضايا التي يكون الجزاء فيها تكليفيا، مثل إذا سافرت فقصر و إذا خفت العدو فقصر، في احتمال كلّ من الطريقتين، فيكون مقتضى صناعة الاطلاق و التقييد هو ما عرفت من تقييد التكليف بكلّ من القيدين، و مقتضاه اعتبار الاجتماع على ما عرفت تفصيله، و قد عرفت ما فيه من التأمّل الذي مرّت الاشارة إليه فتأمّل، هذا.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ هاتين الجهتين من العموم المتقدّم و إن كانا معا في رتبة واحدة، لكن بعد فرض أنّه لا بدّ من رفع اليد عن إحدى الجهتين، يكون المتعيّن هو رفع اليد عن الجهة الأولى، و ذلك لأنّ محصّل رفع اليد عن العموم من الجهة الأولى هو أن نقول: إنّ قوله كلّما سافرت حدث وجوب القصر، يخرج منه ما لو تقدّمه الخوف، و هذا المقدار من الاخراج لا بأس به، بخلاف ما لو رفعنا اليد عن الجهة الثانية، لأنّ محصّل ذلك هو أن نقول: كلّما حدث السفر حدث وجوب القصر إلّا إذا كان قد حدث السفر مجرّدا من الخوف فإنّه لا يحدث الوجوب عند حدوثه. و لا ريب أنّ اخراج هذه الصورة- أعني صورة انفراد السفر و حصوله مجرّدا عن الخوف- و بقاء العموم على صورة اجتماعه مع الخوف لا يكون إلّا من قبيل تخصيص الأكثر البالغ حدّ الاستهجان، و من هذه الجهة يكون التصرّف الأوّل في مقام المزاحمة مقدّما على التصرّف الثاني، هذا.

مضافا إلى أنّ التصرّف الأوّل لا يوجب سقوط الوجوب بالمرّة، و إنّما أقصى ما فيه هو أن يكون موجبا لسقوط الجهة الزائدة على وجود الوجوب و هي‏

31

جهة حدوثه، بخلاف التصرّف الثاني. و لعلّ لأجل ذلك ما تراه من مساعدة الارتكاز و الذوق العرفي على الذهاب لأوّل وهلة إلى التصرّف الأوّل. و المسألة محلّ تأمّل و إشكال.

و لا يخفى أنّ الوجه الأوّل- و هو ترجيح الجمع بمفاد أو على مفاد الواو بكون لازم الثاني تخصيص الأكثر بخلاف الأوّل- و إن كان متينا، إلّا أنّه إنّما يجري في خصوص هذا المثال الذي يكون موارد الانفراد فيه أكثر من موارد الاجتماع، أمّا ما يكون فيه موارد الاجتماع هو الأكثر فلا يتأتّى فيه الوجه المذكور، نعم يتأتّى فيه الوجه الثاني، و هو كون التصرّف في الحدوث أسهل بحسب الذوق العرفي، فلاحظ و تدبّر.

قوله: و عليه فيمكن أن يقال: إنّ كلا من القضيتين حيث إنّها صريحة في ترتّب التالي على المقدّم ... الخ‏

(1)

.

لا يخفى أنّ كلّ غرض شيخنا (قدّس سرّه) في هذه المسألة هو أنّه بعد ثبوت التدافع بين القضيتين لا يمكن الاحتفاظ بكلتا جهتي الاطلاق في كلّ واحدة من القضيتين، أعني الاطلاق النافي للعطف بأو و الاطلاق النافي للعطف بالواو، فالاحتفاظ بالاطلاق النافي في كلا القضيتين للعطف بالواو يحتّم علينا التقييد في كلّ منهما بلفظ أو، و كذلك الاحتفاظ بالاطلاق النافي للعطف بأو في كلّ منهما يحتّم علينا التقييد بلفظ الواو في كلّ منهما، و حينئذ يكون الاطلاقان متزاحمين، فإنّ كلّ واحدة من هاتين القضيتين إنّما تكون معارضة للقضية الأخرى مع الاحتفاظ بكلا جهتي الاطلاق فيهما، و لا يرتفع التعارض بينهما إلّا برفع اليد عن إحدى جهتي الاطلاق في كلا القضيتين، بمعنى أنّ الاطلاق من الجهة الأولى في‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 260 [مع اختلاف يسير عمّا في النسخة المحشاة].

32

هذه القضية يزاحمه الاطلاق فيها من الجهة الثانية، و هكذا الحال في القضية الأخرى يكون فيها أيضا عين ذلك التزاحم. و ليس المراد أنّ الاطلاق من الجهة الأولى في هذه القضية مزاحم أو معارض للإطلاق من الجهة الأولى في القضية الأخرى.

و حينئذ لا يتّجه ما أورده عليه في الحاشية على ص 424 من الطبعة الجديدة (1) من عدم المزاحمة بين جهتي الاطلاق و بتعيّن الجهة الأولى لرفع اليد عنها، بتقريب أنّ التعارض بين القضيتين إنّما هو من ناحية الجهة الأولى من إطلاقيهما دون الجهة الثانية، و إن كان رفع اليد عن الجهة الثانية يكون رافعا لذلك التعارض، إلّا أنّه بلا موجب، بل هو من قبيل الجمع التبرّعي. و ذلك لأنّ هذا الايراد إنّما يتوجّه لو كان التعارض منصبّا ابتداء إلى الجهة الأولى في القضيتين ليتعيّن إصلاحه برفع اليد عنهما، و يكون حينئذ رفع اليد عن الجهة الثانية من الاطلاق بلا موجب. لكنّك قد عرفت أنّ التدافع بين القضيتين و التعارض بينهما إنّما يكون مع الاحتفاظ بكلا جهتي الاطلاق، و دواء هذا التعارض هو رفع اليد عن إطلاقهما من إحدى الجهتين، و إذ لا مرجّح لإحدى الجهتين على الأخرى وجب التوقّف.

[ما نقله عن فوائد الأصول في المقام‏]

و ينبغي أن يعلم أنّ المستفاد ممّا حرّره المرحوم الشيخ محمّد علي (رحمه اللّه)(2) في قبال هذا التوقّف احتمالات ثلاثة:

الأوّل: تعيّن الجهة الثانية للاحتفاظ بها و تعيّن الجهة الأولى للاسقاط، بدعوى أنّ دلالة الجملة الشرطية على كون الشرط علّة تامّة أقوى من دلالتها على‏

____________

(1) أجود التقريرات 2 (الهامش): 261.

(2) فوائد الأصول 1- 2: 488- 489.

33

الانحصار. و أجاب عنه بمنع الأقوائية، لكونهما معا إطلاقيين.

و لا يخفى أنّ هذه الاقوائية لو سلمت فإنّما نسلّمها إذا تحقّق التزاحم، و قد عرفت أن لا تزاحم و أنّ كلّ واحد من الشرطين يكون قيدا في الوجوب. و هذه الاقوائية هي التي دعت صاحب الكفاية (قدّس سرّه) لأن يقول: و لعلّ العرف يساعد على الوجه الثاني‏ (1) على ما تقدّم‏ (2) شرحه، و قد عرفت أيضا ما فيه.

الثاني: ممّا يعيّن الاحتفاظ بالجهة الثانية و يعيّن الجهة الأولى للاسقاط هو دعوى كون إسقاط العطف بالواو يوجب سقوط الاطلاق من جهة العطف بأو، بخلاف العكس. و أجاب عنه بما أجاب به في الواجب المشروط.

و لا يخفى أنّه بناء على ما ذكرناه لا يكون العطف بالواو موجبا لسقوط الاطلاق في ناحية العطف بأو، لما عرفت من أنّ التقييد بالواو يوجب احتفاظ الاطلاق من ناحية التقييد بلفظ أو، كما أنّ التقييد بلفظ (أو) يوجب الاحتفاظ بالاطلاق من ناحية الواو.

الثالث: أنّ التصرّف بالجهة الاطلاقية في مقابل الواو مقدّم رتبة على التصرّف في مقابل أو، و جعل هذا التقدّم الرتبي دليلا على أنّ المقدّم هو إسقاط الاطلاق في مقابل الواو، على العكس ممّا يقتضيه الوجهان السابقان. و أجاب عنه بأنّ التقدّم الرتبي لا أثر له في العلم الاجمالي.

و هو محلّ تأمّل، لأنّ اختلاف الرتبة مؤثّر على العلم الإجمالي حتّى في باب التكاليف كما أفاده (قدّس سرّه)(3) في النجاسة المردّدة بين الماء و التراب المنحصرين‏

____________

(1) كفاية الأصول: 201.

(2) في هامش الصفحة: 9- 10.

(3) لم نعثر عليه في مظانّه.

34

مع فرض عدم الأثر لنجاسة التراب إلّا التيمّم. و مع الغض عن ذلك نقول فيما نحن فيه: إنّه بعد تسليم اختلاف الرتبة يرتفع العلم الاجمالي، لأنّ منشأه التزاحم بين الإطلاقين، و مع فرض كون أحدهما مقدّما رتبة على الآخر يكون السابق في الرتبة بلا مزاحم.

و على كلّ حال، أنّ الذي يظهر من هذا الكتاب في طبعته الأولى‏ (1) و الثانية (2) و ممّا حرّرته عنه (قدّس سرّه) هو الاستدلال بهذا التقدّم الرتبي على تعيّن التصرّف بمفاد لفظ أو. و لا يخفى ما فيه، فإنّ هذا التوهّم لو تمّ لكان الأولى أن يكون دليلا على تعيّن التصرّف بمفاد الواو دون التصرّف بما هو مفاد لفظ أو.

لكنّه (قدّس سرّه) قد نظر في ذلك حسبما يستفاد من مجموع ما هو محرّر عنه إلى أنّ هذين الاطلاقين لمّا تزاحما، و كان الاطلاق النافي للعطف بالواو سابقا في الرتبة على الاطلاق النافي للعطف بأو، و حينئذ يكون ذلك الاطلاق في رتبته بلا مزاحم فيبقى بحاله، و إذا انتهت النوبة إلى الاطلاق الثاني الواقع في الدرجة الثانية و الرتبة اللاحقة يكون هو الساقط، لتحقّق مزاحمه في الرتبة السابقة.

و بهذا البيان لا يمكن الجواب عنه بأنّ العلم الاجمالي لا يؤثّر فيه اختلاف الرتبة، فإنّ هذا العلم الاجمالي بسقوط أحد الاطلاقين إنّما هو ناش عن هذا التزاحم، و بعد فرض علاجه بما عرفت من اختلاف الرتبة لا معنى للجواب عنه بالعلم الاجمالي.

نعم، عمدة الجواب هو ما عرفت ممّا حرّرناه من أنّ الرتبة الأولى هي مرتبة تقييد الوجوب بكلّ من القيدين، و بعد تحقّق التقييد ينتقل الكلام إلى أنّ القيدية

____________

(1) أجود التقريرات 1: 339.

(2) أجود التقريرات 2: 262.

35

مطلقة أو مقيّدة، و لا بدّ حينئذ من الالتزام باطلاقها الذي هو عبارة عن عدم قيام أحدهما مقام الآخر بعد ثبوت كون كلّ منهما قيدا. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الثابت في المرتبة الأولى أعني تقييد الحكم في ناحية الجزاء إنّما هو التقييد في الجملة، و يبقى الكلام في إطلاق القيدية فلا يقوم أحدهما مقام الآخر، و في تمامية العلّة فلا يحتاج أحدهما إلى انضمام الآخر، و حينئذ يكون ما أفاده شيخنا (قدّس سرّه) من وقوع التزاحم بين الاطلاقين باقيا بحاله.

ثمّ لا يخفى أنّه (قدّس سرّه) لم يذكر حسبما حرّرته عنه و حسبما حرّره عنه في هذا الكتاب إلّا الوجه الأوّل و الوجه الثالث و جعلهما دليلا على التصرّف بما هو مفاد العطف بلفظ أو، و لم يتعرّض للوجه الثاني الذي نقله عنه المرحوم الشيخ محمّد علي. و قد أفاد حسبما حرّرته عنه أنّه في الدورة السابقة بنى على ترجيح التصرّف بمفاد لفظ (أو) استنادا إلى الوجهين المزبورين، أعني قوّة ظهور الجملة في تمامية العلّة، و كون الاطلاق النافي للعطف بالواو متقدّما في الرتبة على الاطلاق النافي للعطف بأو.

[نقل كلام عن الشيخ موسى (قدّس سرّه) في المقام‏]

قال المرحوم الشيخ موسى فيما حرّره عنه في الدورة السابقة ما هذا لفظه:

فيرجع الأمر بالأخرة إلى تقييد أحد الاطلاقين، إمّا الاطلاق الذي هو في مقابل العطف بالواو، و إمّا الاطلاق الذي في مقابل العطف بأو، ففي مورد دوران أحد التقييدين يكون التقييد بأو أظهر، و ذلك لأنّ القضية ظاهرة بل كالنصّ بأنّ الجزاء مستند إلى الشرط و مترتّب عليه، و ليس غيره دخيلا في الترتّب، أي ظاهر في أنّ كلّ واحد ليس جزء العلّة، و ليس الكلام بهذه المرتبة من الظهور في انحصار الترتّب بكلّ واحد.

و بعبارة أخرى: و إن كانت استفادة السببية المستقلّة و كذا الانحصار كليهما

36

بالاطلاق، إلّا أنّ تقييد السببية المستقلّة و صرفه عمّا هو عليه و إرجاعه إلى أنّه جزء السبب يحتاج إلى مئونة زائدة و قرينة خارجية غير ورود دليل الشرط الآخر، بخلاف تقييد الانحصار، فإنّ نفس تعدّد الشرط يكفي لبيان العطف بأو و أنّه ليس السبب منحصرا.

و بعبارة واضحة: بناء على أخذ الاطلاق المقابل للعطف بالواو لم يتصرّف في أصل السبب الذي هو مفاد كلّ قضية شرطية، بخلاف العكس فإنّه رفع اليد عن ظهور السببية التامّة، و لا شبهة أنّ الانحصار إنّما هو في طول الاستناد لا في عرضه، لأنّ بعد ظهور الشرطية في استناد الجزاء إلى الشرط المذكور فيها لا إليه و إلى غيره بالاشتراك، يصحّ أن يقال في ظهورها بانحصار السبب بهذا الشرط، لا أنّه أو غير سبب، فالتصرّف فيما هو في طول إطلاق و متأخر عن غيره رتبة أولى من التصرّف فيما هو المقدّم رتبة، انتهى ما وجدته فيما حرّره عنه المرحوم الشيخ موسى في الدورة السابقة.

و من الغريب أنّه في هذه الدورة الأخيرة لم يذكر عنه سوى هذه العبارة بطولها، و لم يذكر عنه أنّه قد عدل عن ذلك الترجيح إلى هذا التوقّف الذي بنى عليه (قدّس سرّه) في هذه الدورة الأخيرة. و من هذه العبارة يظهر لك اختلاف آخر، و هو أنّ ظاهر هذه العبارة هو أنّ مرجع الوجه الأوّل إلى دعوى الأظهرية، و الذي يظهر من هذا الكتاب و ممّا حرّره المرحوم الشيخ محمّد علي و ممّا حرّرته عنه (قدّس سرّه) هو الاستناد في الوجه الأوّل إلى دعوى كون الاستناد إلى الشرط و أنّه يستقلّ في ذلك في الجملة و لو في بعض الموارد قدرا متيقّنا، فراجع ما حرّرناه عنه (قدّس سرّه) في هذا المقام و ما علّقناه عليه و تأمّل.

37

[الكلام في تداخل الأسباب و المسبّبات‏]

قوله (قدّس سرّه) في الكفاية: الأمر الثالث ... الخ‏

(1)

.

لا يخفى أنّ الظاهر من كلامه (قدّس سرّه) أنّه أخذ تعدّد الأسباب مسلّما فلا تداخل فيها. و كأنّ جلّ غرضه (قدّس سرّه) هو نفي تداخل المسبّبات، و لأجل ذلك قال: فلا بدّ على القول بالتداخل من التصرّف فيه الخ، فإنّ الوجه الأوّل راجع إلى دعوى وحدة الوجوب، لأنّ الشرطية لا دلالة لها على الحدوث عند الحدوث. و الثاني راجع إلى أنّ الوجوب و إن تعدّد و كان متعلّقه متعدّدا بواسطة تعدّد السبب، إلّا أنّه يمكن تحقّق الامتثال لكلا الوجوبين بفعل واحد. و الثالث راجع إلى دعوى التأكّد.

و من الواضح أنّ كلّ واحد من هذه الوجوه راجع إلى دعوى الاتّحاد في المسبّب و لو في مقام الامتثال كما في الوجه الثاني، و حينئذ فلا مورد لمسألة كون الأسباب الشرعية معرّفات، و لا للتفصيل بين اتّحاد الجنس و عدمه، لأنّ ذلك إنّما هو في مقام دعوى اتّحاد السبب.

كما أنّ قوله (قدّس سرّه) إن قلت: وجه ذلك هو لزوم التصرّف في ظهور الجملة الشرطية لعدم امكان الأخذ بظهورها حيث إنّ قضيته اجتماع الحكمين في الوضوء في المثال الخ‏ (2) إنّما يكون متوجّها لاثبات اتّحاد السبب، أعني أنّ الأولى بهذا الاعتراض أن يكون مسوقا لاثبات التداخل من حيث السبب، و إنكار دلالة الجملة الشرطية على أنّ كلّ شرط يكون موجبا لحدوث وجوب عند حدوثه، لأنّ ذلك موجب لتوارد الوجوب و تعدّده على طبيعة واحدة، فدفعا لهذا الإشكال نقول إنّه لا بدّ من تداخل الأسباب.

____________

(1) كفاية الأصول: 202.

(2) كفاية الأصول: 203- 204.

38

نعم، يمكن أن يتوجّه هذا الاعتراض على عدم التداخل في المسبّبات، بأن يكون المتحصّل منه هو أنّا بعد الفراغ عن تعدّد الأسباب و عدم التداخل فيها لا بدّ لنا من الالتزام بأحد هذه الأمور الثلاثة، أعني إخراج القضية عن الدلالة على الحدوث و جعلها لمجرّد الثبوت عند الثبوت، أو جعل الفعل الواحد المنطبق عليه العنوانان كافيا في مقام الامتثال، أو جعل ما يحدث بالشرط الثاني هو التأكّد.

قوله (قدّس سرّه) في هذا المبحث: قلت انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتّصافه بوجوبين ... الخ‏

(1)

.

لا يخفى أنّ الوجه الثاني لا يتمّ، لأنّ التركّب اتّحادي و القائلون بالجواز لا يقولون به، مع أنّه (قدّس سرّه)(2) قائل بالامتناع، فكيف يصحّ عنده هذا الجواب.

أمّا الوجه الأوّل فكأنّه راجع إلى أنّ الانطباق على الفرد جهة تعليلية لكونه متّصفا بالوجوب لا جهة تقييدية، و هو لو صحّ فلا يتأتّى في مثل المثال أعني الاكرام بالضيافة، لوضوح أنّ ذلك ليس من قبيل الجهات التعليلية. و بالجملة: أنّ انطباق عنوان الواجب على الفرد لا يعقل كونه جهة تعليلية لاتّصافه بالوجوب، و إنّما ذلك من الجهات التقييدية، و يكون عروض الوجوب على ذلك الفرد بواسطة كون الكلّي المنطبق عليه متّصفا بالوجوب، فهو من الواسطة في العروض لا الواسطة في الثبوت، و إنّما الذي يكون واسطة في الثبوت بمعنى أنّه علّة في تعلّق الايجاب بالشي‏ء هو المصالح و المفاسد التي تكون علّة لتشريع الأحكام فتأمّل، أو الشرائط التي جعل التكليف على تقدير وجودها مثل كون الدلوك علّة لوجوب الصلاة، بمعنى تحقّق الوجوب عند تحقّق الدلوك لا أنّه علّة له حقيقة،

____________

(1) كفاية الأصول: 203.

(2) كفاية الأصول: 158.

39

فتأمّل.

قوله: إنّ مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في تداخل الأسباب و عدمه ... الخ‏

(1)

.

هذا إذا كان معنى التداخل في المسبّبات هو الاكتفاء بفعل واحد مع فرض تعدّد العنوان، أمّا لو كان بمعنى التأكّد فالظاهر أنّ المرجع في مقام الشكّ فيه هو البراءة، كمسألة الشكّ في تداخل الأسباب. و أمّا ما في الحاشية على الطبعة الجديدة (2) فيما يعود إلى الأحكام الوضعية، فقد كفانا ما حرّره المرحوم الشيخ محمّد علي مئونة الجواب عنها، فراجع و تأمّل.

قال المرحوم الشيخ محمّد علي فيما حرّره عنه (قدّس سرّه): و أمّا باب الوضعيات فربما يختلف الأصل فيه، مثلا لو شكّ في اقتضاء العيب للخيار زائدا على ما اقتضاه بيع الحيوان أو المجلس، فمقتضى الأصل و إن كان عدم ثبوت خيار العيب، و لكن يمكن أن يقال: إنّ مقتضى الأصل بقاء الخيار بعد الثلاثة أيّام، فتأمّل جيّدا (3).

أمّا الذي حرّرته عنه (قدّس سرّه) فهو ما يلي: و أمّا في الأحكام الوضعية عند اجتماع الأسباب المتعدّدة، كما في صورة اجتماع الأسباب المتعدّدة للخيار لو حصل الشكّ في تعدّد الخيارات و وحدتها و فرض ارتفاع أحد الأسباب، فربما كان مقتضى الأصل هو استصحاب الخيار لو لم يكن هناك جهة تمنع من ذلك، ككونه من قبيل الشكّ في المقتضي كما لو انقضى المجلس، أو كونه من قبيل‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 263 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) أجود التقريرات 2 (الهامش): 264.

(3) فوائد الأصول 1- 2: 490- 491.

40

استصحاب الكلّي و غير ذلك من الموانع. و بالجملة: أنّ مسألة التداخل في باب الوضعيات يختلف الحال فيها باعتبار كون الأصل فيها هو الاستصحاب أو غيره من الأصول العملية، انتهى.

و الحاصل: أنّ الظاهر أنّ شيخنا (قدّس سرّه) في هذا المقام لم يكن بصدد بيان المرجع في الأحكام الوضعية عند الشكّ في التداخل، و مع ذلك فقد حرّر عنه المرحوم الشيخ محمّد علي ما يفيد أنّ الشكّ في التداخل فيها إن كان في ناحية الأسباب كان المرجع هو الأصل النافي، و إن كان في ناحية المسبّبات كان المرجع هو الأصل المثبت، و هو الذي ذكره المحشي. فلا إيراد يتوجّه إلّا على الاجمال الذي حرّره عنه (قدّس سرّه) بقوله: فليس لجريان الأصل في مواردها ضابط كلّي الخ‏ (1).

و نظير هذا الاجمال ما اشتمل عليه تحرير المرحوم الشيخ موسى بقوله:

و أمّا لو كان في باب الوضع فيختلف المقامات، فقد يقتضي الأصل نظير البراءة كما في منزوحات البئر، و قد يقتضي نظير الاشتغال كما في أسباب الخيار، انتهى.

قوله: فنقول إنّ العلّة يطلق تارة و يراد منها الملاك الداعي إلى الجعل أو الحكم المجعول ... الخ‏

(2)

.

الذي حرّرته عنه (قدّس سرّه) في هذا المقام أنّ علل الأحكام على نحوين: أحدهما ما يكون علّة التشريع أو علّة الحكم المشرّع، و يعبّر عنها بحكمة التشريع، و هي ما تضمّنته جملة من الأخبار الواردة في حكم الأحكام، كما تضمّنه كتاب علل الشرائع من الروايات. النحو الآخر ما يكون من قبيل موضوع الحكم، أعني ما جعل الحكم على تقدير وجوده، سواء كان بلسان القضية الشرطية أو كان بلسان‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 264.

(2) أجود التقريرات 2: 264 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

41

القضية الحملية الحقيقية.

إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول: إنّ معرّف الشي‏ء حقيقة هو ما يفيد تصوّره تصوّر الشي‏ء، و ربما استعمل فيما يكشف عن وجود الشي‏ء، كالمعلول و الأمارات المنصوبة في الطرق لتكون علامة على شي‏ء، فإنّ مثل الحرارة كاشفة عن وجود النار، و إنّ العلامة المنصوبة كاشفة عن مقدار من المسافة مثلا. و من الواضح أنّ قولهم إنّ العلل الشرعية معرّفات للأحكام ليس المراد به النحو الثاني من علل الأحكام، أعني موضوعاتها و شروطها المعلّق عليها وجودها و تحقّقها كما هو واضح‏ (1). بل لا بدّ أن يكون المراد من العلل المذكورة هو النحو الأوّل، أعني ما يكون من قبيل حكمة التشريع.

و ليس المراد من كونها معرّفة للأحكام أنّها معرّفة لها حقيقة بالمعنى الأوّل للمعرّف، أعني ما يوجب تصوّره تصوّر الشي‏ء، بل لا بدّ أن يكون المراد من كونها معرّفة لها هو المعنى الثاني للمعرّف، أعني ما يكون كاشفا عن وجود الشي‏ء لكونه معلولا لذلك الشي‏ء، أو لكونه أمارة عليه بالذات أو بالجعل. و لكن مع ذلك لا بدّ من تكلّف مسامحة، حيث إنّ حكمة التشريع ليست من قبيل المعلول للحكم، و لا من قبيل الأمارة عليه، فلا بدّ أن يكون الوجه في تسميتها معرّفة بهذا المعنى من المعرّف هو مجرّد أنّها غير مطردة و لا منعكسة، فإنّ المعرّف بهذا المعنى لا يكون مطردا و لا منعكسا، و بهذا الاعتبار سمّيت حكمة التشريع معرفة، لا أنّها معلولة للحكم أو أنّها تكون أمارة مجعولة أو منجعلة على‏

____________

(1) قال المرحوم الشيخ محمّد علي: لأنّ موضوع التكليف ليس بمؤثّر و لا معرّف الخ.

و قال: و أمّا موضوعات الأحكام فليست إلّا كالعلل الحقيقية، و لا يمكن أن تكون معرّفات الخ [فوائد الأصول 1- 2: 492، 496 منه (قدّس سرّه)‏].

42

وجوده. فقد اتّضح لك بهذا البيان أنّ حاصل هذه الجملة هو أنّ علل الأحكام ما يكون من قبيل حكمة التشريع تكون معرّفات، أعني أنّها لا تكون مطردة و لا منعكسة، و أين هذا ممّا نحن فيه من علل الأحكام بمعنى الشرط المعلّق عليه وجود الحكم الشرعي، انتهى.

و حرصا على بيان مراد شيخنا (قدّس سرّه) نقلت هذه الجملة التالية من المسودّة التي حرّرها عنه (قدّس سرّه) نجله المعظّم باملاء منه (قدّس سرّه)، و هذا نصّ الجملة الموجودة في التحرير المشار إليه الذي هو باملائه (قدّس سرّه):

و أنت خبير بأنّ علل الشرع يطلق تارة و يراد بها ما كان من قبيل علل التشريع، ككون الصلاة ناهية عن الفحشاء و المنكر، و نحو ذلك. و أخرى يراد به ما كان من موضوعات الأحكام، و ظاهر أنّه بالنسبة إلى موضوعات الأحكام و الشرائط الوجوبية لا محصّل لدعوى أنّها معرّفات، فإنّ المفروض أنّها تستتبع الأحكام، بل بالنسبة إلى علل التشريع أيضا الذي يصحّ من دعوى أنّها معرّفات هو مجرّد أنّها غير مطردة و لا منعكسة، و إلّا فليس من باب المعرّف، فإنّ المعرّف ما كان منبئا عن وجود الشي‏ء و يكون معلولا له، مثل الدخان بالنسبة إلى وجود النار، أو ملازما له. و واضح أنّ علل التشريع ليس من هذا القبيل، و إنّما هي المبادئ التي يستند التشريع إليها، و رتبتها سابقة على رتبة الأحكام، فلا يصحّ إطلاق المعرّف بمعناه الحقيقي عليها، و إنّما المصحّح لاطلاق المعرّف عليها هو مجرّد عدم الاطراد و الانعكاس. و غير خفي أنّ مورد البحث أجنبي عن ذلك الباب بالكلّية، فأصل قضية أنّ علل التشريع معرّفات إنّما يستقيم في باب علل التشريع، و أجنبي عن المقام بالكلّية، و لا محلّ لأن يبنى النزاع في التداخل و عدمه على تلك المسألة، انتهى.

43

قلت: و لكن مع ذلك كلّه فالمطلب بعد يحتاج إلى التأمّل، فإنّ الظاهر أنّ مراد من قال: إنّ الأسباب الشرعية معرّفات لا مؤثّرات، هو أنّ الدلوك مثلا ليس بعلّة للوجوب على نحو سائر العلل التكوينية ليمتنع تعدّدها، بل إنّها من قبيل العلائم الكاشفة عن المصالح التي هي علل الأحكام، فلا مانع من تعدّدها.

و حينئذ يكون الجواب عنه هو أنّها و إن كانت كذلك إلّا أنّ ظاهر الجملة الشرطية هو حدوث الحكم في ناحية الجزاء عند حدوث الشرط، فلا بدّ أن يكون كلّ شرط مؤثّرا أثرا مستقلا.

و يمكن أن يقال:: إنّ هذا الجواب هو المراد من الكفاية بقوله (قدّس سرّه): و قد انقدح بذلك أنّ المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه المذكورة التي ذكرنا، لا مجرّد كون الأسباب الشرعية معرّفات لا مؤثّرات الخ‏ (1) بأن يكون مراده أنّ ظاهر الجملة الشرطية هو تعدّد الجزاء بتعدّد الشرط، و لا يرفع اليد عن هذا الظاهر بمجرّد كون الأسباب الشرعية معرّفات، فإنّ ذلك لا يصحّح الحكم بعدم التداخل ما دام ذلك الظاهر من الجملة الشرطية محفوظا، و حينئذ ينحصر الوجه في الحكم بالتداخل بالتصرّف في ظاهر الجملة الشرطية بأحد الوجوه المذكورة.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ الوجه الأوّل من تلك الوجوه مبني على كون الأسباب الشرعية معرّفات، لتخرج بذلك عن العلّية الموجبة لتحقّق المعلول عند وجود العلّة، بل لا يكون في البين إلّا مجرّد الثبوت عند الثبوت، فتأمّل.

و أمّا ما أفاده (قدّس سرّه) بقوله: مع أنّ الأسباب الشرعية حالها حال غيرها في كونها معرّفات تارة و مؤثّرات أخرى‏ (2) ففيه تأمّل، لأنّا إن قلنا بجعل السببية كانت جميع‏

____________

(1) كفاية الأصول: 204- 205 (مع اختلاف يسير).

(2) كفاية الأصول: 205.

44

الشروط و الأسباب الشرعية مؤثّرات، و إن قلنا بأنّ المجعول هو المسبّب لم يكن شي‏ء منها علّة و مؤثّرا في ناحية الحكم المجعول عندها، فتأمّل.

و أمّا ما أفاده (قدّس سرّه) بقوله: نعم الخ، فكأنّه (قدّس سرّه) يريد بذلك توجيه القول بالمعرّفية بأنّ الشروط ليست من قبيل المصالح التي هي علل و دواع لجعل الحكم، بل هي راجعة إلى موضوعات الأحكام. و لا يخفى أنّه بناء على ذلك لا تكون السببية مجعولة، بل يكون المجعول هو الأحكام عند حدوث شروطها و موضوعاتها، و لأجل ذلك قال: فله وجه لكنّه لا ينفع القائل بعدم التداخل.

و يكون الحاصل من هذه الجملة هو الاشارة إلى الخلاف في أنّ المجعول هو السببية فتكون الأسباب مؤثّرة، أو أنّ المجعول هو المسبّب عند حصول السبب فتكون الأسباب معرّفة، و لكن ذلك لا يخرج المسألة عن التداخل، و ذلك لما عرفت من ظهور الجملة الشرطية في نفي التداخل، سواء قلنا بجعل السببية أو قلنا بجعل المسبّب.

و الظاهر أنّ هذا هو مراد ذلك القائل، و ينحصر الجواب عنه بأنّ هذا المطلب- أعني عدم كونها عللا مؤثّرة في الأحكام- مسلّم، إلّا أنّها مع فرض كونها غير علل بالمعنى المزبور لا تصحّح التداخل، لما عرفت من ظهور الجملة الشرطية، فتأمّل.

قوله: و أمّا القسم الثاني فهو ملحق بالقسم الأوّل، و بناء على عدم التداخل يتقيّد الجزاء بكلّ من السببين، فيؤثّر أحدهما عند ارتفاع الآخر ... الخ‏

(1)

.

يظهر أثر ذلك جليّا في الخلاف في كونه من قبيل التداخل في المسبّب،

____________

(1) أجود التقريرات 2: 266.

45

فإنّه بناء على التداخل يتحقّق السقوط بمجرّد سقوط أحدها، مثلا لو قلنا في مسألة الخيار أنّه من قبيل التداخل في المسبّب، و أنّه عند اجتماع المجلس و الحيوان مثلا لا يكون إلّا مسبّب واحد، فعند انقضاء المجلس يسقط الخيار، بخلاف ما لو قلنا بعدم التداخل و إنّ الخيار يتعدّد باضافته إلى المجلس و اضافته إلى الحيوان.

و كذلك لو قلنا بكونه من قبيل تداخل الأسباب و قلنا بأنّ معنى تداخلها هو عبارة عن [كون‏] المجموع سببا واحدا، بحيث يكون الخيار مترتّبا على المجموع، و يكون كلّ واحد جزء العلّة، فإنّه بناء على التداخل المذكور يسقط الخيار بالمرّة عند انقضاء المجلس مثلا، بخلافه على عدم التداخل.

أمّا لو قلنا إنّ معنى تداخل الأسباب عبارة عن كون السبب هو القدر الجامع، و أنّه واحد لا يتعدّد، سواء كان الموجود منه واحدا كالمجلس أو كان متعدّدا كالمجلس و الحيوان، فإنّه لا يظهر فيه للتداخل بالمعنى المزبور و عدم التداخل [أثر]، فلا يكون الخيار ساقطا بانقضاء المجلس سواء قلنا بعدم التداخل أو قلنا بالتداخل. أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فلأنّ ارتفاع أحد فردي القدر الجامع مع بقاء الآخر بحاله لا يكون موجبا لارتفاع القدر الجامع، بل يكون القدر [الجامع‏] باقيا بحاله فيكون أيضا باقيا.

ثمّ لا يخفى أنّ مسألة القتل القصاصي يمكن أن يقال إنّه ليس من قبيل تعدّد وجوب القتل بالاضافة، بل هو من قبيل الحقوق المتعدّدة لورثة المقتولين، و أنّ ورثة كلّ مقتول لهم حقّ القصاص من القاتل، غايته أنّ استيفاء البعض يوجب سقوط حقّ البعض الآخر من القصاص المذكور.

46

قوله: الأوّل أنّه لا إشكال- كما عرفت سابقا- في أنّ كلّ قضية شرطية ترجع إلى قضية حقيقية ... الخ‏

(1)

.

يمكن أن يقال: إنّ هذا تبعيد للمسافة، فإنّ الأولى أن يقال: إنّ ذلك المعنى- و هو كون كلّ بول محكوما بوجوب الوضوء- تتكفّل به القضية الشرطية و إن لم نرجعها إلى القضية الحملية، و ذلك لما عرفت في المسألة السالفة (2) في تقريب القول بتقدّم التصرّف بما هو مفاد العطف بأو، فإنّ قوله: (كلّما بلت يجب عليك الوضوء) مفاده أنّ وجوب الوضوء يحدث كلّما تحقّق حدوث البول، و هو كاف في سريان الحكم إلى كلّ بول، بل هو كاف أيضا في سريانه إلى البول المسبوق بالنوم مثلا.

و بالجملة: أنّ الذي يظهر منه (قدّس سرّه) في كيفية استفادة العموم الشمولي لكلّ بول من القضية الشرطية هو إرجاعها إلى القضية الحملية الحقيقية، و في استفادة العموم للبول المسبوق بالنوم الذي هو عموم أحوالي إلى نفس القضية الشرطية.

و الظاهر أنّ نفس القضية الشرطية متكفّلة بكلا العمومين، بل إنّ تكفّلها للأوّل أولى من الثاني.

قوله: و أمّا القسم الثالث فهو خارج عن محلّ الكلام، و لا مناصّ عن الالتزام بالتداخل فيه، و الوجه في ذلك ظاهر

(3)

.

فإنّ مثاله ما تقدّم ممّا لو كان الشخص واجب القتل بحقّ اللّه مثل المحارب‏

____________

(1) أجود التقريرات 2: 266- 267 [مع اختلاف يسير عمّا في النسخة المحشاة].

(2) [الظاهر أنّه (قدّس سرّه) يقصد بذلك ما تقدّم في ص 26 من قوله: ثمّ إنّ في المقام شيئا آخر ...].

(3) أجود التقريرات 2: 266.

47

و المرتدّ، و تقدّم‏ (1) أنّه لا يمكن العفو عنه، فيتأكّد الحكم عند اجتماع السببين لا محالة. لكن ذلك لا يخرجه عن التداخل، غايته أنّه تداخل المسبّب بالتأكّد.

و الأولى التمثيل للقسم الثالث بما لو قال: (إن نمت انتقض وضوءك) فإنّه لو نام ثانيا لا يكون نومه مؤثّرا، لأنّ الانتقاض ليس بقابل للتكرار لكي يكون من قبيل القسم الأوّل، كما أنّه غير قابل للتقييد و التأكيد لكي يكون من القسم الثاني، فلا أثر فيه لاجتماع الأسباب كي نتكلّم فيه على أنّ مقتضى الأصل هو عدم التداخل و أنّه هل يتأتّى فيه التداخل في السبب أو التداخل في المسبّب، فإنّ مثل هذا المثال خارج عن هذا البحث بالمرّة.

و من ذلك يظهر لك أنّ باب الوضوء خارج عن التداخل، فإنّ النوم مثلا ليس بسبب للوضوء، بل هو سبب لتحقّق الحدث و ناقضية الوضوء، و المفروض أنّه غير قابل للتداخل، و وجوب الوضوء إنّما هو لكونه محدثا، و الحدث لا تكرّر فيه و لا تأكّد. و أمّا باب الخيار و نحوه باب القصاص و باب الحدود فهي أيضا خارجة، إذ لم يقل أحد بسقوط الحقّ في ذلك باسقاط أو سقوط بعضه، فلم يبق إلّا باب الأغسال، و هي من كفاية الغسل الواحد عن جنابات متعدّدة بمنزلة كفاية الوضوء الواحد في اجتماع أسبابه. نعم باب كفاية غسل الجنابة عن الوضوء و عن باقي الأغسال، و هكذا كفاية الغسل الواحد عن الأغسال المتعدّدة كلّ ذلك على خلاف القاعدة، و هو من قبيل التداخل في المسبّبات.

قوله: فانقدح من جميع ما ذكرناه أنّ مقتضى ظهور القضية الشرطية هو عدم التداخل إلّا فيما إذا كان الجزاء غير قابل ... الخ‏

(2)

.

استثنى شيخنا (قدّس سرّه) من أصالة عدم تداخل الأسباب مسألة وجوب القتل، إذا

____________

(1) في أجود التقريرات قبل عبارة المتن آنفة الذكر.

(2) أجود التقريرات 2: 271 [مع اختلاف يسير عمّا في النسخة المحشاة].

48

تعدّد سببه الشرعي الذي هو من حقوق اللّه تعالى، مثل المحارب و المرتدّ الفطري و نحو ذلك.

و الظاهر أنّ ذلك من قبيل وجوب صوم اليوم، باعتبار كونه داخلا تحت عموم وجوب صوم يوم كلّ جمعة و عموم وجوب صوم أوّل كلّ شهر في أنّ مرجعه إلى التأكّد، و أنّ ذلك التأكّد ما معناه. و على كلّ حال، فالظاهر أنّه من تداخل المسبّبات لا الأسباب.

أمّا مسألة كفّارة الافطار فلو قلنا بأنّ السبب هو الافطار كانت خارجة عن تداخل الأسباب و المسبّبات، إذ بناء على هذا القول لا يمكن أن يوجد لنا مفطران، لا تدريجا و لا على سبيل الدفعة. أمّا الأوّل فواضح، لعدم كون الأكل الثاني مفطرا، و أمّا الثاني فلأن المفطر هو القدر الجامع، لا هذا وحده و ذاك وحده. و هكذا الحال في سببية البول و النوم لتحقّق الحدث. و أمّا ما في الحاشية (1) من أنّ الكفّارة مترتّبة على الأكل فلا يبعد صحّته، لكن كلام شيخنا مبني على مجرّد التمثيل على فرض كون الكفّارة مترتّبة على عنوان الافطار، بدعوى كون الأكل مثلا إنّما حكم عليه بالكفّارة لكونه مفطرا، لا لعنوانه الخاص.

و ربما يورد عليه بأنّ من لم ينو الصوم و استمرّ يأكل و يشرب لا تجب عليه الكفّارة، لأنّه لم يفطر، إذ لم يصم. و يجاب عنه بأنّ المراد من الافطار هو عدم الصوم عمدا، و لأجل ذلك يقال إنّ من لم ينو الصوم و لكنّه اتّفق أنّه لم يفعل شيئا من المفطرات تجب عليه الكفّارة، لأنّه قد ترك الصوم عمدا، و إن لم يصدق عليه الأكل و الشرب و لا عنوان المفطر بمعنى نقض الصوم.

____________

(1) أجود التقريرات 2 (الهامش): 271- 272.

49

قوله: الثاني أنّ كلّ طلب متعلّق بأي ماهية ... الخ‏

(1)

.

تقدّم‏ (2) أنّ مفاد القضية الشرطية مثل قولنا للمتوضي: إذا بلت انتقض وضوءك، هو أنّه كلّما حدث منك مثل البول يحدث عنده انتقاض الوضوء. و إنّا قد استفدنا من هذا العموم أمورا ثلاثة:

الأوّل: أنّ البول ليس يتوقّف حدوث الوجوب عنده على شي‏ء آخر كالنوم مثلا. و هذا معنى الاستقلال في العلّية و أنّ البول تمام العلّة في حدوث ذلك الانتقاض، و أنّه لا يتوقّف حدوث الوجوب على انضمام مثل النوم إليه، و إلّا لم يصدق قولنا كلّما حدث البول حدث انتقاض الوضوء.

الأمر الثاني: أنّ البول لا يقوم مقامه مثل النوم في كون حدوثه موجبا لحدوث انتقاض الوضوء، لأنّ المفروض أنّ الانتقاض لا يقبل التعدّد، فلو كان له سبب آخر كالنوم لم يكن قولنا: (كلّما حدث البول حدث الانتقاض) صادقا، لكون الانتقاض حينئذ مستندا إلى النوم فيما لو كان سابقا، و حينئذ يكون البول علّة تامّة منحصرة، و عن هذا الانحصار يتولّد:

الأمر الثالث ممّا يستفاد من تلك القضية، و هو انتفاء انتقاض الوضوء عند انتفاء البول.

ثمّ إنّا إذا ضممنا إلى هذه القضية الشرطية قضية شرطية أخرى، مثل قولنا:

إذا نمت انتقض وضوءك، التجأنا إلى التخصيص بأحد طريقين:

أوّلهما: إخراج ما لو وجد البول وحده، بأن نقول إنّ حدوث البول إنّما يوجب انتقاض الوضوء منحصر بما إذا وجد معه النوم.

____________

(1) أجود التقريرات 2: 267 [المنقول هنا موافق للنسخة القديمة غير المحشاة].

(2) في الصفحة 26 و ما بعدها.

50

ثانيهما: إخراج ما لو تقدّمه النوم، فإنّ حدوث انتقاض الوضوء حينئذ يكون حاصلا عند حدث النوم، فلا يكون الوجوب في هذه الصورة حادثا عند حدوث البول المتأخر عن النوم.

و قد رجّحنا الطريقة الثانية على الأولى لما يلزم على الأولى من تخصيص الأكثر، بخلاف الطريقة الثانية فإنّها لا تخرج منها إلّا صورة تقدّم النوم على البول، أمّا صورة اجتماعه مع البول دفعة واحدة فيمكن القول ببقائها تحت العموم المذكور، لأنّ الانتقاض إذا حدث بحدوثهما معا لا يكون موجبا لعدم صدق قولنا كلّما حدث البول حدث انتقاض الوضوء. نعم، يبقى في هذه الصورة شي‏ء أجنبي عن مدلولهما، و ذلك الشي‏ء هو أنّ حدوث الانتقاض عند حدوثهما هل يكون مستندا إلى القدر الجامع بينهما، أو أنّه مستند إلى مجموعهما، و الظاهر الأوّل.

ثمّ إنّه بعد أن التزمنا برفع اليد عن عموم القضية بالنسبة إلى البول المسبوق بالنوم، و هكذا الحال بالنسبة إلى النوم المسبوق بالبول، لا بدّ لنا من الالتزام بسقوط الدلالة على الانحصار، لكنّه بالاضافة إلى كلّ واحد منهما عند مسبوقيته بالآخر لا بالنسبة إلى الثالث، بل يكون مفاد الانحصار بالنسبة إلى الثالث باقيا بحاله، و حينئذ يكون المتحصّل من الجمع بين مفهوميهما هو أنّ انتقاض الوضوء ينتفي بانتفائهما، لا بانتفاء أحدهما مع وجود الآخر.

هذا كلّه فيما لو كان الحكم في طرف الجزاء غير قابل للتكرّر كما في مثل انتقاض الوضوء، أمّا لو كان الحكم قابلا للتعدّد مثل إذا بلت وجب عليك الوضوء، و إذا نمت وجب عليك الوضوء، لقابلية وجوب الوضوء لأن يحدث عند النوم بعد أن حدث قبله بالبول، و عند اجتماعهما معا يحدث للوضوء

51

وجوبان، ففي مثل ذلك نقول: إنّه لا داعي في مثل ذلك إلى الالتزام بالتخصيص بشي‏ء من الطريقين: لامكان أن يحدث وجوب الوضوء عند النوم بعد البول و بالعكس، و يحدث للوضوء وجوبان عند اجتماعهما دفعة واحدة، فيبقى عموم القضيتين بحاله، لصدق قولنا كلّما حدث البول حدث وجوب الوضوء، سواء سبقه النوم أم لا، و سواء اجتمع معه النوم أم لا. و هكذا الحال في قولنا كلّما حدث النوم حدث وجوب الوضوء، فإنّه يبقى على عمومه و شموله لصورة تأخّره عن البول و صورة انفراده عنه و صورة اجتماعه معه.

و لا يخفى أنّ الانحصار في مثل هذه القضايا لا يكون مستفادا من نفس العموم المذكور، أعني مثل قولنا كلّما حدث البول حدث وجوب الوضوء، لأنّ هذا العموم بنفسه لا ينفي حدوث الوجوب أيضا عند حدوث النوم، بل لا بدّ في استفادة الانحصار من أمر آخر، و هو كون الوجوب الحادث عند حدوث البول المفروض كونه مقيّدا به تقييدا مطلقا هو سنخ الوجوب، و حينئذ عند ورود مثل هاتين القضيتين يكون الذي يرفع عنه فيهما هو هذه الجهة، دون عموم حدوث الوجوب كلّما حدث البول، بل يبقى العموم المذكور بحاله، فعند حدوث البول بعد النوم يحدث وجوب آخر للوضوء، كما أنّه عند حدوثهما دفعة يحدث للوضوء وجوبان، و حيث إنّه حقيقة واحدة يستحيل فيها اجتماع الوجوبين المفروض كونهما مثلين، لم يكن لنا حينئذ بدّ من الالتزام بالتأكّد، و تكون النتيجة هي تداخل المسبّبات بمعنى تداخل الوجوبات و تأكّدها، إلّا أن يقوم دليل خارجي يدلّ على اختلاف المتعلّق في إحدى القضيتين عنه في الأخرى كما في باب الأغسال، بحيث يكون حقيقة غسل الجنابة مثلا مغايرة لحقيقة غسل الحيض، فلو دلّ دليل مع ذلك على الاكتفاء بغسل واحد كان من قبيل التداخل في‏

52

المسبّبات بمعنى تعدّد الواجبات و الاكتفاء في مقام الامتثال ببعضها، هذا.

و لكن تداخل الوجوبات و تأكّد بعضها ببعض لا يخلو عن تأمّل، تعرّضنا له فيما علّقناه على المباحث المتعلّقة بعبادية الطهارات الثلاث‏ (1)، و نزيده توضيحا في هذا المقام فنقول بعونه تعالى:

إنّ أظهر ما يمكن أن يقال فيه بالاندكاك ما لو وجب على الشخص صوم أوّل كلّ شهر و وجب عليه صوم كلّ جمعة مثلا، و اتّفق أن كان أوّل شهر يوم جمعة، فلا إشكال في أنّه يلزمه صوم ذلك اليوم، لكنّه ليس بخارج عن العموم الأوّل و لا عن العموم الثاني، و حينئذ يجتمع الوجوبان في صوم ذلك اليوم، فإن قلنا إنّه يندك أحدهما بالآخر و يتولّد منهما وجوب مؤكّد، كان اللازم أنّه واجب بوجوب ثالث خارج عن كلّ من العمومين. مضافا إلى أنّه لا معنى لتأكّد الوجوب، إذ هو غير قابل للشدّة و الضعف.

و بناء على ذلك لا بدّ لنا من الالتزام بأنّه ليس في البين إلّا ذانك الوجوبان، و يكون كلّ واحد منهما موجودا بذاته. لكن يرد عليه إشكال اجتماع المثلين بناء على أنّه محال كاجتماع الضدّين، فإن أمكن الاختلاف في المتعلّق و لو بنحو التقييد بعلّة الوجوب كان عليه التكرار، و لمّا لم يكن الفعل قابلا للتكرار كان حكم العقل بالاطاعة مقصورا على هذا المقدار الذي يتمكّن منه المكلّف، و هو إيقاع الصوم بداعي الجهتين.

مضافا إلى أنّه من الممكن أن يقال: إنّ ذلك هو مقتضى العمومين، حيث إنّ الشارع العالم بأنّهما ربما اجتمعا و لم يخرج مورد الاجتماع عن أحدهما و لا

____________

(1) راجع الحاشية المذكورة في الصفحة: 218 و ما بعدها من المجلّد الثاني من هذا الكتاب.