أصول الفقه - ج7

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
592 /
1

-

2

المنضّد: تنضيد الكفيل: 7812689211- 7706379103

3

[تتمة حجية مطلق الظن‏]

[دليل الانسداد]

قوله: فإنّ المسألة لم تكن معنونة عند العلماء أجمع، و لم يقع البحث عنها في قديم الزمان عند أرباب الفتوى، إلّا أنّه يكفي الإجماع التقديري ... الخ‏ (1).

قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه: و ليس الإجماع المذكور بنفسه تقديرياً كي يتوجّه عليه أنّه لا محصّل له، بل إنّ المجمع عليه حكم تقديري، و هو عدم جواز الإهمال المعلّق على تقدير الانسداد، و ليس ذلك أمراً مستغرباً، فإنّ جميع الأحكام الشرعية معلّقة على تقدير تحقّق موضوعاتها، و هذا الحكم المجمع عليه و إن لم يذكروه صريحاً إلّا أنّه يفهم من كلامهم تلويحاً. و إن شئت فقل: إنّ ذلك يعرف من مذاقهم فتأمّل.

و بنحو ذلك صرّح في التحريرات المطبوعة في صيدا (2).

قلت: و مع هذا التكلّف في دعوى الإجماع ربما يتأمّل في حجّيته شرعاً من جهة عدم كون المجمع عليه من الأحكام الشرعية، لأنّ الإهمال و عدمه واقع في سلسلة معلولات الأحكام، فلا يكون حكماً شرعياً كي يكون الإجماع عليه حجّة شرعية فتأمّل، إذ ربما يأتي في الحاشية الآتية ما يمكن أن يكون به هذا الإجماع إجماعاً على حكم شرعي.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 231.

(2) أجود التقريرات 3: 223- 224.

4

قوله: و الطريق الذي يصحّ جعله في حال انسداد باب العلم و العلمي مع كونه واصلًا بنفسه ينحصر بالاحتياط، فإنّه الطريق الواصل بنفسه لكونه محرزاً للواقع و موصلًا إليه ... الخ‏ (1).

الظاهر أنّ كون الاحتياط محرزاً للواقع و موصلًا إليه لا يكون هو العلّة في كونه طريقاً واصلًا بنفسه، فإنّ الظنّ يشاركه في ذلك، نعم هو أرجح من الظنّ باعتبار كونه أقرب إيصالًا و أبعد عن الخطأ، و إن تطرّقه الخطأ، كما لو احتاط في ترك ما احتمل حرمته و اتّفق في الواقع أنّه كان واجباً، لكنّه مع ذلك أقرب إلى تحصيل الواقع من الظنّ.

و الذي حرّرته عنه (قدس سره) في بيان كون الاحتياط طريقاً واصلًا بنفسه هذا لفظه:

أنّ الطريق إن لم يتوقّف وصوله إلى المكلّف إلّا على مجرّد جعله من قبل الشارع نظير الاحتياط الشرعي المجعول للشارع ابتداء، بحيث كان الواصل إلينا هو نفس الاحتياط ابتداءً، كان ذلك الطريق واصلًا بنفسه. و إن كان وصول جعله إلينا بواسطة جعل آخر و قد استكشفنا جعله طريقاً من جعل آخر، كان واصلًا بطريقه كما فيما نحن فيه، حيث إنّ الواصل إلينا هو نفس المنع الشرعي عن إهمال التكاليف، و قد استكشفنا من حكم الشارع بالمنع المذكور أنّه قد جعل لنا طريقاً منجّزاً لتلك التكاليف، و حصرنا ذلك الطريق المنجّز بالظنّ، فيكون هذا الطريق- أعني الظنّ- واصلًا إلينا بطريقه، بمعنى أنّه واصل إلينا بواسطة وصول طريقه الذي استكشفناه منه، و هو المنع الشرعي من إهمال التكاليف، انتهى.

قلت: و لعلّ المراد هو أنّه بعد فرض الإجماع على عدم جواز الاهمال يكون الاحتياط الشرعي هو عبارة أُخرى عن هذا الحكم الشرعي، أعني عدم‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 233.

5

جواز الاهمال، و هكذا الحال في كون الاهمال موجباً للخروج من الدين الذي هو عبارة أُخرى عن لزوم الحكم بحرمته شرعاً، فيكون الاحتياط عبارة عن نفس ذلك الحكم الشرعي، هذا مع قطع النظر عن قيام الإجماع على عدم لزوم الاحتياط، و إلّا كان عدم جواز الاهمال الثابت بالدليلين المذكورين كاشفاً عن كون المنجّز الشرعي الموجب لعدم جواز الاهمال هو حجّية الظنّ، فتأمّل فإنّه لا يخلو عن تأمّل بل عن اضطراب، إذ كيف يمكن القول بأنّ الإجماع على عدم جواز الإهمال و على حرمة الإهمال هو عين وجوب الاحتياط، مع فرض الإجماع على عدم وجوب الاحتياط شرعاً.

و الأولى أن يقال: إنّ الاحتياط هو الأولى بالجعل لكونه هو الأقرب للواقع، لكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوبه، و ضممنا هذا الإجماع إلى الإجماع على عدم جواز الإهمال الذي لا يمكن إلّا مع وجود المنجّز الشرعي، كان اللازم هو استنباط كون المنجّز الشرعي هو حجّية الظنّ، فتأمّل.

و لعلّ المراد من كون الاحتياط طريقاً واصلًا بنفسه هو أنّه بعد أن ثبت من الإجماع و الضرورة من الدين عدم تجويز الشارع إهمال الأحكام، بمعنى ثبوت إرادتها من المكلّفين و لو في ذلك الحال أي الانسداد، و عدم تنازله عنها و عدم ترخيصه فيها، الكاشف‏ (1) عن أنّه قد جعل لها ما ينجّزها من الطرق الشرعية المنجّزة لها.

لا يقال: إنّ الحكم الشرعي بعدم الترخيص، و عدم تنازل الشارع عن أحكامه الواقعية لا يستكشف منه جعل الطريق الشرعي، لإمكان إيكال الشارع المكلّفين إلى ما تحكم به عقولهم من الاحتياط.

____________

(1) [حقّ العبارة أن يقال: كان ذلك كاشفاً ...].

6

لأنّا نقول: إنّ الاحتياط العقلي إن كان من ناحية العلم الاجمالي فالكلام إنّما هو مع قطع النظر عنه، لأنّ كلامنا في الدليل الأوّل و الثاني من أدلّة عدم جواز الاهمال. و إن كان الموجب له مجرّد الاحتمال، فالعقل لا يراه منجّزاً بعد حكمه بقبح العقاب بلا بيان، و ليس مجرّد الحكم الشرعي بعدم الترخيص بياناً و حجّة عقلية، لجواز أن يكون حكمه بعدم الترخيص الشرعي من جهة الإيكال إلى ما يحكم به العقل من قبح العقاب بلا بيان فتأمّل، لما سيأتي‏ (1) من إمكان كون الاحتمال بعد فرض الحكم الشرعي بعدم الترخيص منجّزاً. نعم سيأتي‏ (2) بطلان الاحتياط لما سيأتي من أنّ هذا الحكم العقلي بمنجّزية الاحتمال لا بدّ من رفع اليد عنه، للإجماع الآخر المدّعى على أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بطريق الاحتياط و الاحتمال.

و على كلّ حال، فبناءً على ذلك يكون هذا الحكم الشرعي الذي قام عليه الإجماع كاشفاً عن وجود الطريق الشرعي المصحّح لتنجّز الأحكام الواقعية، و يكون المتعيّن أوّلًا هو الاحتياط لكونه واصلًا بنفسه، لأنّه لا يحتاج في طريقيته إلى أزيد من جعله، بخلاف الظنّ فإنّه يحتاج مع ذلك كلّه إلى مقدّمة أُخرى، و هي قبح ترجيح المرجوح على الراجح، و حيث يدور الأمر بين الطريق الواصل بنفسه و الطريق الواصل بطريقه، يكون الأولى بالجعل هو الطريق الواصل بنفسه، و لكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط التامّ، أو قامت الأدلّة الأُخرى الآتية (3) إن شاء اللَّه تعالى على عدم وجوبه من كونه موجباً للعسر و الحرج، أو كونه موجباً

____________

(1) في الحاشية الآتية في الصفحة: 28.

(2) في هذه الحاشية.

(3) في الحاشية الآتية في الصفحة: 15 و ما بعدها.

7

لاختلال النظام، وجب الالتزام بأنّ ذلك الطريق الشرعي المجعول منجّزاً لتلك الأحكام في ذلك الحال هو الظنّ.

و الأولى أن يضمّ إلى الإجماع [على‏] عدم الإهمال الإجماع على عدم وجوب الاحتياط شرعاً، بمعنى أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بطريق الاحتمال، و بعد ضمّ هذا الإجماع إلى الإجماع على أنّ الشارع لم يرخّص في أحكامه، تكون النتيجة هي أنّ الشارع جعل الظنّ حجّة. نعم لو قرّرنا الإجماع الثاني بأنّه واقع على عدم وجوب الاحتياط التامّ، و أبطلنا الاحتياط التامّ بالعسر و الحرج أو اختلال النظام، لكانت النتيجة هي تبعيض الاحتياط الشرعي أو العقلي، أمّا بعد أن كان المدّعى في الإجماع الثاني هو أنّ الشارع لا يرضى بامتثال أحكامه بطريق الاحتمال و الاحتياط، فلا محصّل لتبعيض الاحتياط حينئذ، و يكون هذا الإجماع مسقطاً و مبطلًا لكلّ من الاحتياط الشرعي و العقلي، حتّى لو قلنا بأنّه يمكن للشارع بعد أن حكم بعدم الترخيص أن يوكل المكلّفين إلى ما تحكم به عقولهم، و قلنا إنّ عقولهم بعد أن اطّلعوا على أنّ الشارع لم يرخّص في أحكامه و أنّه يريدها منهم حتّى في حال الانسداد، تحكم بلزوم الاتيان بكلّ ما احتملوه، أعني الالتزام بالاحتياط.

و من ذلك كلّه يظهر لك أنّ عدم جواز الاهمال في المقام من الأحكام الشرعية، باعتبار أنّ للشارع في ذلك الحال أن يتساهل مع عباده و يرخّصهم في ترك امتثال تلك الأحكام و لو بأن يجعل لهم البراءة الشرعية، فلمّا كان جعل الترخيص الشرعي في ذلك الحال ممكناً عقلًا و لو بجعل البراءة الذي هو مفاد حديث الرفع، كان محصّل عدم جواز الاهمال هو عدم جعل البراءة، و كان ذلك العدم أثراً شرعياً و لو باعتبار إبقائه، فيكون حينئذ ممّا يدخله الإجماع، كالإجماع‏

8

على وجوب الشي‏ء الفلاني، غايته أنّ ذلك إجماع على عدم حكم واقعي، و ما نحن فيه إجماع على عدم حكم ظاهري.

لا يقال: إنّ عدم جعل الترخيص كافٍ في المنجّزية.

لأنّا نقول: إنّ منجّزية عدم الترخيص يكون عبارة أُخرى عن لزوم الجري على طبق الاحتمال، و هو عبارة أُخرى عن الاحتياط الذي قام الإجماع الثاني على عدمه، فلا بدّ حينئذ من أن نقول إنّ عدم الترخيص كاشف عن وجود المنجّز الشرعي، لا أنّه بنفسه يكون هو المنجّز الشرعي.

لا يقال: إنّ مجرّد هذا الحكم الشرعي الذي هو عدم جعل الترخيص الشرعي لا يلازم وجود المنجّز الشرعي، لإمكان أن يكون المرجع هو الحكم العقلي بقبح العقاب بلا بيان.

لأنّا نقول: ليس الأمر مقصوراً على مجرّد عدم جعل الترخيص، بل إنّ في البين شيئاً آخر زائداً على مجرّد عدم جعل الترخيص، و هو أنّ الشارع لم يتنازل عن مراداته في حال الانسداد، بمعنى أنّ عدم جعله الترخيص فيه شائبة الاثبات، و أنّه مطالب فعلًا بأحكامه، و أنّه لم يتنازل عنها، و هذا المقدار من شائبة الاثبات المنضمّة إلى عدم الترخيص هو مورد الإجماع.

و إن شئت فقل: إنّ إبقاء عدم الترخيص أو حكم الشارع بأنّي لم أُرخّص في مخالفة أحكامي هو الحكم الشرعي الذي قام عليه الإجماع، و لمّا لم يكن هذا الحكم وحده منجّزاً، و إلّا كان اللازم هو الاحتياط المفروض قيام الإجماع على عدمه، تصل النوبة حينئذ إلى أنّ ذلك الطريق الشرعي المنجّز هو الظنّ، دون باقي الاحتمالات الموهومة أو المشكوكة، فتأمّل.

و حاصل الأمر: أنّ جعل عدم الترخيص يوجب الاحتياط، و يكون هذا

9

الاحتياط عقلياً ناشئاً عن هذا الحكم الشرعي، لكن لمّا قام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط أو على بطلانه وجب المصير إلى دعوى منجّز آخر.

قوله: و من ذلك يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره) في المقام، من دعوى انحلال العلم الاجمالي بالأحكام الثابتة في الشريعة ببركة جريان الأُصول المثبتة بضميمة ما علم تفصيلًا من الأحكام ... الخ‏ (1).

المتحصّل من الخلاف بين شيخنا الأُستاذ (قدس سره) و بين صاحب الكفاية (قدس سره) في هذه المسألة، أعني مسألة جريان الاستصحابات المثبتة فيما نحن فيه، هو أنّ الخلاف في ذلك بينهما 0 يكون من جهات ثلاث:

الأُولى: أنّ صاحب الكفاية (قدس سره)(2) اقتصر في توجيه المنع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي على ما نقله من لزوم التناقض بين الصدر و الذيل، و شيخنا (قدس سره) لا يرى أنّ ذلك هو المانع، لأنّ اليقين الحاصل من العلم الاجمالي لم يكن متعلّقاً بنفس ما تعلّق به الشكّ الذي هو كلّ واحد بعينه من الأطراف، بل إنّ اليقين في باب العلم الاجمالي لم يتعلّق إلّا بعنوان أحد الأطراف، فلا يكون داخلًا في قوله (عليه السلام): «و لكن تنقضه بيقين آخر» (3) بل إنّ المانع عند شيخنا (قدس سره) من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي هو كونه من الأُصول الاحرازية، و هي غير جارية في أطراف العلم الاجمالي كما حقّقه (قدس سره)(4)

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 236.

(2) كفاية الأُصول: 313- 314.

(3) وسائل الشيعة 1: 245/ أبواب نواقض الوضوء ب 1 ح 1 (مع اختلاف يسير).

(4) فوائد الأُصول 4: 14، 693- 694.

10

و شرحناه في محلّه أيضاً (1).

الجهة الثانية من جهات الخلاف بينهما 0: أنّ صاحب الكفاية (قدس سره)(2) يرى أنّ العلم الاجمالي بأنّ بعض تلك الاستصحابات المثبتة مخالف للواقع غير مانع هنا من جريانها، و إن قيل بالمنع من ذلك في غير المقام، و ذلك لما يدّعيه من أنّ تدريجية الاستنباط توجب عدم فعلية الشكّ بالنسبة إلى المجاري المتأخّرة، فلا يكون الشكّ في تلك الموارد المتأخّرة فعلياً، فلا مانع من إجراء الاستصحاب في هذا المورد الذي هو محل الاستنباط فعلًا. و شيخنا (قدس سره)(3) يرى أنّ العلم الاجمالي الحاصل فعلًا للمجتهد بأنّ إمّا هذا الحكم الذي يثبته فعلًا في هذا المورد بالاستصحاب غير مطابق للواقع، أو الحكم الذي يعلم بأنّه بعد ذلك يستنبطه في مورد آخر كافٍ في عدم إمكان إثبات الحكم في المورد الفعلي، لكن صاحب الكفاية (قدس سره) يرى أنّ المجتهد فعلًا غافل عمّا سيأتي، و لعلّه لا يعلم بأنّه بعد ذلك يبتلى باستصحاب آخر يكون ضمّه إلى ما بيده موجباً للعلم بكذب أحدهما، و حينئذٍ تكون المناقشة فيما يدّعيه صغروية، و لا يبعد أن يكون الواقع هو ما يدّعيه صاحب الكفاية (قدس سره).

و ينبغي أن يعلم أنّ صاحب الكفاية لا يقول بعدم جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي، بل يقول بجريانه، و يبطل هذه الدعوى المنقولة عن الشيخ (قدس سره) من لزوم التناقض، و لكنّه يقول لو قلنا بكونها مانعة من الاجراء في غير المقام فهي لا تمنع في هذا المقام.

____________

(1) في المجلّد الحادي عشر من هذا الكتاب الصفحة: 543.

(2) كفاية الأُصول: 313- 314.

(3) فوائد الأُصول 3: 237- 238.

11

الجهة الثالثة من جهات الخلاف بينهما 0: هي أنّ صاحب الكفاية (قدس سره)(1) لمّا كان رأيه على عدم المانع هنا من إجراء الاستصحابات المثبتة للتكليف كما عرفت في الجهة الثانية، ادّعى أمراً آخر، و هو أنّ موارد تلك الاستصحابات بضميمة القطعيات من التكاليف هي بمقدار المعلوم بالاجمال، فتكون موجبة لانحلال العلم الاجمالي، و شيخنا (قدس سره)(2) يمنع من هذه الدعوى، و يقول إنّا لو سلّمنا عدم المانع من جريانها فلا تكون هي بضميمة ما ذكره موجبة للانحلال لقلّة تلك الموارد.

قلت: نعم إنّ تلك الموارد ربما كانت كافية في دفع المحذور الأوّل، أعني الإجماع على عدم جواز الاهمال بالمرّة، و في دفع المحذور الثاني، أعني لزوم الخروج من الدين في إجراء الأُصول النافية، على تأمّل في ذلك، نظراً لقلّة تلك الموارد، مع فرض الرجوع في الباقي الذي هو المعظم إلى البراءة، أمّا المحذور الثالث و هو العلم الاجمالي فهو باقٍ بحاله.

ثمّ إنّه يرد على صاحب الكفاية إيراد ثانٍ، و هو عدم إمكان الرجوع إلى البراءة في أوّل شروعه في الاستنباط، حيث بعد الاعتراف بعدم فعلية الشكّ في الموارد المتأخّرة، و أنّ الاستصحابات في تلك الموارد المتأخّرة غير جارية فعلًا، فكيف صحّ له أن يحكم فعلًا بانحلال العلم الاجمالي و الرجوع إلى البراءة قبل تمامية الاستنباطات في جميع الموارد المفروض أنّها- أعني موارد الاستنباط- لا نهاية لها، فلا بدّ له أن يقول إنّ العلم الاجمالي الكبير لا ينحل فعلًا حتّى يستمرّ الاستنباط و يحصل للمجتهد بواسطة ما حصّله من الاستصحابات المثبتة

____________

(1) كفاية الأُصول: 314.

(2) فوائد الأُصول 3: 236 و 239.

12

و القطعيات بمقدار ذلك المعلوم الاجمالي، فعلى المجتهد أن يعمل قواعد الانسداد إلى أن يحصل له ذلك المقدار، و لعلّه أشار إلى ذلك بقوله: و من الواضح أنّه يختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال‏ (1)، بأن يكون مراده بالأحوال حالة الشخص في أوائل الاستنباط و حالته في أواخر الاستنباط، فتأمّل.

و ليس له (قدس سره) أن يقول: إنّ المجتهد فعلًا يعلم بأنّه سوف يستنبط من الأحكام بواسطة تلك الاستصحابات ما هو بذلك المقدار، و ذلك كاف في الانحلال و الرجوع إلى البراءة فعلًا، و إن لم تحصل له تلك الأحكام فعلًا، فيكون ذلك نظير الانحلال على القول بالانفتاح من جهة ثبوت حجّية الأخبار، فإنّ القائل بالانفتاح يرجع إلى البراءة في أوائل استنباطاته غايته أنّه بعد الفحص، و من الواضح أنّ ذلك- أعني رجوعه إلى البراءة- قبل أن يحصل من تلك الأخبار ما هو الكافي للانحلال.

لأنّه يقال له (قدس سره): إنّ مجرّد علم الشخص بأنّ الشارع قد جعل خبر الواحد حجّة و أنّه واف بمعظم الفقه، يوجب انحلال العلم الاجمالي إلى ما في بأيدينا من الأخبار، غايته أنّه في المسائل التي يبتلى بها في أوائل استنباطاته ممّا هو في حدّ نفسه مجرى للبراءة، يحتمل قيام بعض تلك الأخبار على ثبوت التكليف في تلك المسائل، فيلزمه الفحص فيما بأيدينا من الأخبار، و بعد الفحص و عدم العثور يرجع في تلك المسائل إلى البراءة على ما قرّر في محلّه‏ (2) في وجوب الفحص الناشئ عن العلم الاجمالي.

____________

(1) كفاية الأُصول: 314.

(2) فوائد الأُصول 4: 278- 280، و ستأتي حواشي المصنّف (قدس سره) على ذلك البحث في المجلّد الثامن من هذا الكتاب الصفحة: 512 و ما بعدها.

13

و هذه الطريقة غير جارية فيما هو محلّ الكلام من الاستصحابات المثبتة للتكاليف، فإنّ الفقيه في أوائل استنباطاته غافل عمّا يأتي من الاستصحابات المثبتة للتكاليف، إذ لو فرضنا أنّ ذلك الفقيه إذا لاحظ علمه بأنّه تحصل له فيما بعد استصحابات مثبتة للتكاليف، كان ذلك مانعاً من إجرائه الاستصحاب في أوّل مورد من موارده، لكونه حينئذ من تلك الأطراف المفروض التفاته إليها، و أنّ بعضها مخالف للواقع.

و الحاصل: أنّه لو كان المورد الذي ابتلي به من موارد أصالة البراءة لم يمكنه إجراء البراءة فيه، للعلم الاجمالي الكبير لعدم انحلاله فعلًا، و لا محصّل هنا للقول بأنّ ذلك العلم الاجمالي الكبير قد انحلّ إلى ما هو أصغر منه ليوجب الفحص، فإنّ ذلك إنّما يمكن فيما بأيدينا من الأخبار، دون ما فرضه من الاستصحابات التي لم يجر فعلًا شي‏ء منها.

و يرد عليه (قدس سره) إيراد ثالث: و هو أنّا لو سلّمنا جريان الاستصحاب في أوائل الاستنباطات، إلّا أنّه ينبغي العدول عنه في أواخرها، لأنّ الحكم الذي استنبطه في السابق لم يكن من قبيل الخروج عن محلّ الابتلاء، بل هو باقٍ بحاله، و هو يفتي فعلًا على طبقه، و حينئذٍ يعود المحذور، للعلم الاجمالي حينئذ بخطإ بعض تلك الفتاوى التي هو فعلًا جارٍ عليها، المفروض استنادها إلى الاستصحابات التي علم فعلًا بانتقاض الحالة السابقة في بعضها، و ليس ذلك متوقّفاً على إجرائه الاستصحاب في المتأخرات، بل هو قبل إجرائه فيها يعلم إجمالًا عند ابتلائه بها و التفاته إليها ببطلان فتواه السابقة أو فتواه اللاحقة، و حينئذٍ لا يقدر أن يجري الاستصحاب في اللاحقة.

لا يقال: يجري هذا الإشكال في كلّ مجتهد، إذ لا مجتهد إلّا و يعلم أنّ‏

14

بعض فتاواه و لو موجبة جزئية مخالف للواقع.

لأنّا نقول: العلم بأنّ بعض الفتاوى مخالف للواقع غير العلم بكون بعضها بلا مدرك، و الأوّل لا يوجب سقوط تلك الفتاوى بخلاف الثاني، و ما نحن فيه من قبيل الثاني، بل هو أسوأ منه، لأنّه من قبيل العلم بأنّ جميع تلك فتاوى بلا مدرك لأنّ مدركها الاستصحاب، و المفروض كونه غير حجّة في الأطراف.

ثمّ لو قلنا بأنّ العلم بأنّ بعض الفتاوى مخالف للواقع [يوجب سقوطها] أو فرضنا العلم بأنّ بعض الفتاوى كان بلا مدرك صحيح لتأتى الإشكال المزبور، بل هذا الإشكال جارٍ في القاطعين، لأنّ كلّ إنسان يعلم إجمالًا بأنّ بعض قطعياته مخالف للواقع.

و منه ينقدح إشكال آخر في القطعيات، و هو أنّه كيف يجتمع القطع في كلّ مورد من موارده مع العلم الاجمالي بأنّ بعض تلك القطعيات على خلاف الواقع، فإنّ هذا [العلم‏] الاجمالي يوجب طرو الشكّ على كلّ واحد من تلك القطعيات، و لا مدفع لهذا الإشكال بحذافيره إلّا دعوى عدم اعتناء العقلاء بمثل ذلك العلم الاجمالي على الخلاف، كما حقّق في محلّه‏ (1) من إقامة البرهان على عدم تأثير العلم في الشبهات [غير] المحصورة، و أنّ كلّ واحد من أطرافها لا يعامل معاملة الشكّ، كما في شبهة وجود المضاف في الأطراف غير المحصورة كما نصّ عليه شيخنا (قدس سره) في الوسيلة (2) و شرحناه في محلّه، اللهمّ إلّا أن يفرّق بين العلم الاجمالي على خلاف القطعيات و العلم الاجمالي على خلاف مجموع الفتاوى أو الشبهة

____________

(1) راجع المجلّد الثامن من هذا الكتاب، الصفحة: 185 و ما بعدها.

(2) وسيلة النجاة: كح/ المسألة العاشرة [لا يخفى أنّه قد رُمز للصفحات الأُولى منها بالحروف‏].

15

غير المحصورة، بأن يقال إنّه لا أثر له في الأوّل دون الثاني، فتأمّل.

و كيف كان، فإنّ هذا المعنى أعني عدم اعتناء العقلاء بالعلم الاجمالي في الأطراف الكثيرة، لا يتأتّى فيما فرضه صاحب الكفاية من الاستصحابات المثبتة للتكليف، فإنّها ليست بتلك الكثرة الموجبة لعدم اعتناء العقلاء بالعلم بكون بعضها على خلاف الواقع، و لو كان الأمر كذلك لم يحتج إلى ما ذكره من عدم فعلية الشكّ بالنسبة إلى الاستصحابات اللاحقة، فتأمّل.

[بطلان الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهة]

قوله: و أمّا بطلان الاحتياط التام في جميع الوقائع المشتبهة، فيدلّ عليه الإجماع و قاعدة نفي العسر و الحرج، بل اختلال النظام على ما سيأتي بيانه، و لا بدّ في المقام من زيادة بسط في الكلام، فإنّ كثيراً من المباحث العلمية المذكورة في دليل الانسداد محلّها في هذا المقام، و لأجل عدم خلط المباحث ينبغي تقديم أُمور ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الذي تقدّم كلّه كان في الوظائف المقرّرة للجاهل، و أمّا الاحتياط نفسه فقد بسط الكلام فيه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) و أطال الكلام فيه في النقض و الإبرام كما لا يخفى على من راجع التحارير على ما فيها من بعض الاختلاف، و لكن خلاصة الجميع أو فهرسته هو: أنّك قد عرفت أنّ ملخّص المقدّمة الثانية هو أنّ القاعدة الأوّلية بعد فرض انسداد باب العلم و العلمي على ما أفاده (قدس سره) هو الاحتياط و عدم الاهمال، و ذلك الاحتياط إمّا أن يكون شرعياً إن كان الدليل على عدم جواز الاهمال هو الإجماع، أو لزوم المخالفة الكثيرة و الخروج من الدين، و إمّا أن يكون عقلياً إن كان الدليل على ذلك هو العلم الاجمالي.

و أمّا الدليل على عدم الاحتياط فقد حلّله (قدس سره) إلى أحد وجوه ثلاثة، الأوّل:

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 239.

16

الإجماع على عدم وجوبه في جميع محتملات التكليف. الثاني: الإجماع على بطلانه و عدم جوازه، و لو من جهة القطع من مذاق القوم على أنّ بناءهم على أنّ الشارع لا يريد أن تكون كيفية إطاعة أحكامه بطريق الاحتمال. الثالث: هو كون الاحتياط موجباً لاختلال النظام أو العسر و الحرج.

و لا يخفى أنّ الأمر الأوّل من الأُمور التي ذكرها بقوله ص 87 (1) راجع إلى أنّ موجب الاحتياط ما ذا، و هو الإجماع على عدم الاهمال، أو كونه موجباً للخروج من الدين، أو العلم الاجمالي، و ذلك حاصل المقدّمة الثانية من مقدّمات الانسداد.

و مرجع الأمر الثالث من الأُمور المذكورة الذي ذكره في ص 89 (2) إلى أنّ الموجب لسقوط الاحتياط ما ذا، و هو الإجماع بكلا وجهيه، و اختلال النظام أو العسر و الحرج، و ذلك حاصل المقدّمة الثالثة من مقدّمات الانسداد.

أمّا الأمر الثاني و هو ما ذكره في ص 88 (3) فالأولى أن يضرب عليه، إذ لا دخل له في المقصود، أعني ملاحظة الوجوه في إسقاط الاحتياط مع الوجهين في أصل وجوب الاحتياط.

و على كلّ حال، أنّ المتحصّل من ضمّ هذه الوجوه الثلاثة إلى الاحتمالين في الاحتياط من كونه شرعياً أو عقلياً صور ست:

الأُولى: أن يكون الاحتياط شرعياً و يقوم الإجماع على عدم جوازه.

الثانية: أن يكون الاحتياط عقلياً و يقوم الإجماع أيضاً على عدم جوازه.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 239.

(2) فوائد الأُصول 3: 245.

(3) فوائد الأُصول 3: 243.

17

و اللازم في هاتين الصورتين هو الكشف، فإنّ الاحتياط سواء كان شرعياً أو كان عقلياً، بعد أن قام الإجماع على عدم جوازه، كان ذلك كاشفاً عن أنّه قد جعل لنا منجّزاً يوجب ارتفاع ذلك الحكم الشرعي و انحلال ذلك العلم الاجمالي، و ذلك المنجّز بمعونة المقدّمة الرابعة القائلة بقبح ترجيح المرجوح على الراجح يكون هو الظنّ، فتكون النتيجة على هاتين الصورتين هي الكشف، و قد أشار في هذا التحرير إلى هاتين الصورتين بقوله: فإنّه على الوجه الثاني تكون النتيجة حجّية الظنّ شرعاً الخ‏ (1).

الصورة الثالثة: أن يكون الاحتياط شرعياً، و يقوم الإجماع على مجرّد عدم وجوبه في جميع المحتملات، فلا يتعيّن كون النتيجة حينئذ هي الكشف، بل إنّا إذا ضممنا كلًّا من هذين المطلبين إلى الآخر يدور الأمر بين أن يكون الشارع قد جعل لنا الظنّ حجّة شرعية و هي الكشف، أو أنّه قد جعل لنا الاحتياط في بعض محتملات التكليف، فيكون الأمر في هذه الصورة مردّداً بين الكشف و تبعيض الاحتياط الشرعي، و قد أشار إلى هذه الصورة بقوله: و إن كان الوجه في عدم جواز إهمال الوقائع- إلى قوله- بل يمكن أن يكون بجعل شرعي، الخ‏ (2).

الرابعة: أن يكون الاحتياط عقلياً و يقوم الإجماع على عدم وجوبه، و لازم هذه الصورة هو التبعيض في الاحتياط، حيث إنّ العلم الاجمالي و إن اقتضى الاحتياط التامّ، إلّا أنّ الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في تمام المحتملات يوجب إسقاطه في بعض الاحتمالات دون بعض، و تكون النتيجة حينئذ عقيمة.

و قد أشار إلى هذه الصورة بقوله: فإنّه لو كان الوجه- إلى قوله- و على هذا تبقى‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 246.

(2) فوائد الأُصول 3: 248- 249.

18

مقدّمات الانسداد عقيمة لا تصل النوبة إلى المقدّمة الرابعة الخ‏ (1).

قلت: قد يقال: إنّ استلزام العلم الاجمالي للاحتياط في تمام الأطراف غير قابل للتصرّف الشرعي بنفي الاحتياط في بعض الأطراف، و ليس ذلك من قبيل العسر و الحرج الموجب لرفع التكليف على تقدير المصادفة، فتأمّل. لإمكان القول بأنّ الترخيص الشرعي المستفاد من الإجماع و لو بالنسبة إلى بعض غير معيّن يكون حاله حال دليل نفي الحرج، في كونه رفعاً لذلك التكليف في تلك المحتملات على تقدير المصادفة. ثمّ إنّ المراد بعقم النتيجة هو عدم إثباتها حجّية الظنّ شرعاً، لكن لا خصوصية لهذه الصورة عن باقي الصور ما عدا الصورتين الأُوليين. و على كلّ حال، هي مقتضية لتبعيض الاحتياط.

الصورة الخامسة: أن يكون الاحتياط شرعياً، و يكون في قباله اختلال النظام أو العسر و الحرج، بمعنى أنّا نستدلّ على عدم جواز الاهمال بالإجماع أو لزوم المخالفة الكثيرة، المفروض أنّ لازمها الأوّلي هو أنّ الشارع قد جعل لنا الاحتياط منجّزاً، لكن كان الاحتياط موجباً لاختلال النظام أو العسر و الحرج.

و في هذه الصورة قد استشكل شيخنا (قدس سره) من تحكيم أدلّة العسر و الحرج على وجوب الاحتياط، نظراً إلى أنّ الاحتياط حينئذ حكم شرعي في مورد العسر و الحرج، فلا ترفعه أدلّة العسر و الحرج، وعليه فينبغي أن يلتزم (قدس سره) في هذه الصورة بلزوم الاحتياط و إن لزمه العسر و الحرج، غايته أنّ ما كان منه بمقدار اختلال النظام لا يكون الاحتياط واجباً شرعاً، هذا على ما يظهر من هذا التحرير بقوله: و لو كان الوجه، الخ‏ (2)

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 248.

(2) فوائد الأُصول 3: 249.

19

و لكن في تقريرات السيّد (1) أجرى عليها حكم الصورة الثالثة، بتقريب أنّه بعد سقوط الاحتياط الموجب لاختلال النظام، يتردّد الأمر بين كون المنجّز هو الاحتياط في الباقي و لو اشتمل على الحرج، أو أنّ المنجّز هو حجّية الظنّ شرعاً فتأمّل.

الصورة السادسة: أن يكون الاحتياط عقلياً بحكم العلم الاجمالي، و يكون في قباله اختلال النظام أو العسر و الحرج، و هذه الصورة هي محلّ البحث بين شيخنا (قدس سره) و صاحب الكفاية (قدس سره)، و قد أشار إليها في هذا التحرير بقوله: و هذا بخلاف ما إذا كان المدرك لعدم جواز إهمال الوقائع الخ‏ (2).

ثمّ إنّه (قدس سره) أفاد ما حاصله إنكار الحكومة في هذا المقام، و إنّما الأمر دائر في هذه الصورة بين تبعيض الاحتياط و الكشف، و أنّ تبعيض الاحتياط لا دخل له بالحكومة، فإنّ محصّل الحكومة هو أنّه بعد تعذّر الاطاعة العلمية للتكليف الواقعي لو دار الأمر بين الاطاعة الظنّية و الاطاعة الاحتمالية، فالعقل حاكم بلزوم الاطاعة الظنّية، كما في موارد تردّد القبلة بين جهات أربع و ضاق الوقت عن أربع صلوات و لا يسع إلّا واحدة، و كانت إحدى الجهات مظنونة القبلة، فالعقل حاكم بعد التنزّل عن الاطاعة العلمية بلزوم الاطاعة الظنّية.

و هذا بخلاف ما نحن فيه ممّا كانت لنا فيه تكاليف واقعية منتشرة في الموارد التي يظنّ فيها بالتكليف، و الموارد التي يشكّ به فيها، و الموارد التي نظنّ بعدمه فيها ليكون احتمال التكليف فيها موهوماً، و قد سقط مراعاة تلك التكاليف أجمع، و كانت الوظيفة هي مراعاة التكاليف في إحدى هذه الطوائف و إسقاطه في‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 231، 235 (قوله (قدس سره): فتلخّص ...).

(2) فوائد الأُصول 3: 251.

20

البواقي، فإنّ العقل و إن عيّن الأُولى للزوم المراعاة و الأخيرتين لعدم المراعاة، إلّا أنّ ذلك ليس من باب حكم العقل بتقدّم تحصيل إطاعة التكليف ظنّاً على إطاعته احتمالًا مساوياً أو موهوماً، ليكون من باب الحكومة العقلية، بل هو من باب أنّ التكاليف المظنون وجودها أولى بالمراعاة في مقام المزاحمة من التكاليف المشكوك أو الموهوم وجودها، فيكون حكم العقل بلزوم الأخذ بالمظنونات من باب تبعيض الاحتياط أجنبياً عن حكمه بلزوم الأخذ بما يظنّ انطباق المعلوم بالاجمال عليه و إسقاط ما يحتمل انطباقه عليه.

و إن شئت فقل: إنّ هذا الباب الذي نحن فيه الذي هو باب تبعيض الاحتياط من قبيل التزاحم في مقام المراعاة بين التكاليف الواقعية المحتمل وجودها في المظنونات مع التكاليف الواقعية المحتمل وجودها في الطائفتين الباقيتين، أمّا ذلك الباب الذي هو باب الحكومة العقلية من باب التزاحم بين الاحتمالات، لأنّ المحتمل الواقعي فيه واحد لا تعدّد فيه، فلا يكون من باب تبعيض الاحتياط، بل يكون من باب التوسّط في التنجّز، و أنّ حكم العقل [قائم‏] بلزوم الأخذ بالطرف المظنون انطباق ذلك التكليف الواحد عليه.

قلت: يمكن التأمّل في هذا الفرق، بل الظاهر أنّ باب اشتباه القبلة أيضاً من باب تبعيض الاحتياط. مضافاً إلى إمكان القول بأنّ المقدّم فيما نحن فيه أوّلًا هو الجري على التبعيض بحسب المحتمل و الترجيح بأقوائية التكليف المحتمل، فإنّ بعض التكاليف معلوم الأهميّة على غيره، فيكون الترجيح لما هو معلوم الأهميّة، فإن وفى فهو و إلّا ضمّ إليه ما يحتمل الأهمية، فإن وفى و إلّا رجّح بحسب قوّة الاحتمال و ضعفه.

أمّا ما أُشير إليه في هذا التحرير من وجه التفرقة بقوله: فإنّه- مضافاً إلى أنّ‏

21

الاتيان بالمظنون لا يكاد يحصّل الامتثال الظنّي مع ترك الاحتياط في المشكوكات و الاقتصار على فعل المظنونات، فإنّ المشكوكات مع المظنونات سيّان في كونهما من أطراف العلم الاجمالي- مجرّد تعلّق الظنّ بالتكاليف في جملة من الوقائع المشتبهة لا يلازم الظنّ بانحصار التكاليف في المظنونات ليحصل الامتثال الظنّي بالعمل بالمظنونات الخ‏ (1) فلعلّه خلاف الفرض، لأنّ المفروض هو كون المظنونات بمقدار المعلوم الاجمالي، على وجه لو عمل بها المكلّف لا يبقى محذور في الرجوع إلى أصالة البراءة في البواقي، و لا ريب حينئذ في أنّ العمل بها يوجب تحقّق الاطاعة الظنّية، فيكون الظنّ بوجود التكاليف في تلك الوقائع ملازماً للظنّ بانحصار ما هو المعلوم بالاجمال فيها. نعم لو كانت المظنونات غير وافية بمقدار المعلوم بالاجمال لكان الظنّ بوجود التكليف في تلك الموارد غير ملازم للظنّ بالانحصار فيها، بل كان مقروناً بالعلم بعدم الانحصار، فتأمّل.

و لست أقول إنّ الظنّ حجّة عقلية في حال الانسداد كالقطع في حال الانفتاح، بل أقول إنّه من تبعيض الاحتياط كما أفاده (قدس سره)، لكنّي أقول إنّ الظنّ في تلك الموارد- أعني مسألة القبلة و مسألة الفوائت- أيضاً من باب تبعيض الاحتياط، و لكنّهما معاً من باب كون الاطاعة الظنّية مقدّمة على الاطاعة الاحتمالية، و إن كان كلّ من المسألتين و ما نحن فيه من باب تبعيض الاحتياط، فإنّ كون الأخذ بالمظنونات فيما نحن فيه و في ذينك البابين من باب ترجيح الاطاعة الظنّية على غيرها في مقام المزاحمة، لا ينافي كون ذلك من باب تبعيض الاحتياط، فإنّ الجميع من باب التبعيض، و لكن العقل يرجّح الظنّ على غيره في مقام تعيّن التبعيض، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 278.

22

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ أساس القول بالكشف و قوامه إنّما هو الإجماع على عدم صحّة الاحتياط، و أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بطريق الاحتمال، و لكن الاعتماد على هذا الإجماع المنقول مشكل مع الاعتراف بأنّه لم يوجد في كلمات القوم، و إنّما استفيد من مذاقهم في الفقه، فإنّه لقائل أن يقول: إنّه لا يزيد على نسبة الإجماع إليهم في الحكم لإجماعهم على القاعدة التي تقتضيه، أو إجماعهم على حجّية خبر العادل مع فرض وجود الخبر الدالّ على ذلك الحكم.

و إن شئت فقل: إنّ نسبة الإجماع إليهم على بطلان الاحتياط مع الاعتراف بكونه غير موجود في كلماتهم و أنّه يعرف ذلك من مذاقهم، لا تزيد على دعوى القطع بالحكم المذكور، فلا يمكن أن يجعل دليلًا على المسألة بحيث يكون ملزماً للخصم، غايته أنّه يكون حجّة على القاطع بذلك. مع أنّا لو سلّمنا وجود مثل هذا الإجماع في كلماتهم لكان من المحتمل قويّاً أنّه مختصّ بصورة التمكّن من تحصيل العلم بالأحكام الواقعية أو ما يقوم مقامه، أمّا مع فرض الانسداد كما هو محلّ الكلام فهو ممنوع أشدّ المنع، إذ لا وجه للحكم بعدم صحّة الاحتياط في هذه المرحلة أعني مرحلة الانسداد، بل يمكن بحسب القاعدة المنع من بطلانه حتّى في صورة الانفتاح، فإنّ من صار بناؤه على أن يمتثل كلّ ما يحتمل أنّه يريده المولى، لا وجه للحكم ببطلان عمله إلّا بدليل قوي، إذ لا يعدّه العقل مقصّراً في حقّ مولاه، إلّا في باب العبادات لشبهة نيّة الوجه و نحوها ممّا حقّق في محلّه‏ (1) عدم اعتباره حتّى في العبادات، فضلًا عن باقي الأحكام الوضعية و التحريمية و الواجبات التوصّلية، هذا إذا كان مرجع الإجماع على بطلان الاحتياط إلى‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 66- 67، و حواشي المصنّف (قدس سره) على ذلك البحث تقدّمت في المجلّد السادس من هذا الكتاب ص 165 و ما بعدها.

23

الإجماع على بطلان العمل الاحتياطي، و إن كان مرجعه إلى الحرمة التكليفية فالأمر فيه أغرب.

و بالجملة: كلامنا على فرض الانسداد و عدم وجود العلم و العلمي، و هذا الإجماع المنقول من أضعف الأدلّة حتّى على القول بالانفتاح، إلّا أنّ يدّعى القطع بمقتضاه، و حينئذٍ تخرج المسألة عن الاستدلال إلى دعوى القطع، و هو لا يكون حجّة إلّا على القاطع. نعم هناك أمر نقطع به، و هو أنّ الشارع بعد جعله الأحكام لم يوكلنا إلى الاحتياط، بل لا بدّ أنّه قد جعل لنا طرقاً إليها إمضاء أو تأسيساً، إلّا أنّ ذلك لا دخل له بما نحن فيه، من دعوى بطلان الاحتياط على تقدير انسداد باب العلم بالأحكام و بالطرق الموصلة إليها.

و من ذلك يظهر لك الخدشة في دعوى الإجماع على جواز الرجوع إلى البراءة في المشكوكات و الموهومات الذي استنتج منه (قدس سره) انحلال العلم الاجمالي بالتكاليف، و أنّ الانحلال لا يكون إلّا من جهة الظنّ، كما يظهر ذلك من مباحثه مع الشيخ (قدس سره) بقوله: ثانيهما قيام الإجماع على اعتبار الأُصول النافية في المشكوكات الخ‏ (1) فإنّ هذا الإجماع قابل للمنع، إذ ليس في كلماتهم ما يظهر منه الإجماع المذكور، و كفاك شاهداً على ذلك قول الأخباريين بالاحتياط في كثير من الشبهات، و لو سلّم الإجماع المذكور فإنّما هو عند الانفتاح دون الانسداد.

و بالجملة: أنّ النفس لا تركن إلى دعوى هذه الإجماعات في قبال العلم الاجمالي القطعي الذي يوجب حكم العقل قطعياً بوجوب الاحتياط في أطرافه، و لا يقف في قبال هذا العلم الاجمالي في اقتضائه الاحتياط في تمام الأطراف إلّا مسألة اختلال النظام أو العسر و الحرج.

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 272.

24

و من ذلك كلّه يتّضح لك الخدشة في النحو الأوّل من دعوى الإجماع، أعني دعوى الإجماع على عدم وجوب الاحتياط التامّ في جميع الأطراف، فإنّه مضافاً إلى ما عرفت من الاعتراف بأنّه لم يوجد في كلمات القوم و إنّما يستفاد ذلك الحكم أعني عدم وجوب الاحتياط التامّ من مذاقهم، و مضافاً أيضاً إلى أنّه على تقدير وجوده في كلماتهم فمن المحتمل أن يكون نظرهم إلى حال الانفتاح، من الممكن أن يكون نظرهم في الحكم بعدم وجوب الاحتياط التامّ إلى ما ذكر من اختلال النظام أو لزوم العسر و الحرج.

و من ذلك يظهر لك إمكان الخدشة في دعوى الإجماع على عدم جواز الرجوع إلى الأُصول النافية، فإنّ ذلك الحكم و إن كان مقطوعاً به أو فرضنا التصريح به في كلماتهم، إلّا أنّه من المحتمل قوياً أن يكون المستند فيه هو العلم الاجمالي الارتكازي الموجود في الأذهان، و لو من جهة العلم بأنّا لسنا كالبهائم و أنّ لنا شريعة قد صدع بها النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و بيّنها لنا أئمّتنا (صلوات اللَّه عليه و عليهم أجمعين). و لو فرض أنّ أحداً منّا لا يقول بمنجّزية العلم الاجمالي، لكان هذا المطلب- و هو المنع من الرجوع إلى الأُصول النافية عند الانسداد- من أقوى الايرادات عليه، و إن أمكنه الجواب عنه بالفرق بين المقامين بالاعتماد على الإجماع على [عدم‏] جواز الرجوع إلى البراءة المتحصّل من الإجماع على عدم جواز الإهمال، بأن يقول إنّ الإجماع على عدم الرجوع إلى البراءة يكشف عن أنّ الشارع أوكل المكلّفين إلى ما تحكم به عقولهم من الاحتياط و لو بعد أن فهموا من ذلك الحكم المجمع عليه، أعني عدم الترخيص الشرعي، فإنّهم لو بقوا هم و العلم الاجمالي لقلت بأنّهم لا تحكم عقولهم بالاحتياط، لكن بعد أن حكم الشارع بعدم الترخيص تكون عقولهم حاكمة بالاحتياط و منجّزية الاحتمال عقلًا

25

و سيأتي توضيحه إن شاء اللَّه تعالى، و حينئذٍ يكون الاحتياط عقلياً لا شرعياً.

و بالجملة: أنّ دعوى كون الاحتياط شرعياً في المقام قابلة للمنع، كما أنّ دعوى [الإجماع على‏] عدم وجوبه أو على عدم صحّته قابلة للمنع أيضاً، فلم يبق عندنا إلّا الاحتياط العقلي الناشئ عن العلم الاجمالي إمّا ابتداءً أو بعد دعوى الإجماع على عدم الترخيص، كما أنّه ليس لنا في قبال هذا الاحتياط العقلي إلّا مسألة اختلال النظام أو العسر و الحرج، بل سيأتي إن شاء اللَّه تعالى‏ (1) أنّه لا تصل النوبة إلى اختلال النظام، فلا تكون النتيجة حينئذ إلّا لزوم تبعيض الاحتياط.

على أنّا لو سلّمنا الإجماع على بطلان الاحتياط أو على عدم وجوبه، فأقصى ما فيه هو الكشف عن وجود حجّة شرعية قد جعلها الشارع حجّة لنا في هذا الحال، و هي غير منحصرة في الاحتمال الظنّي و الشكّي و الوهمي حتّى يكون تعيّن الأوّل بقبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلِمَ لا نقول إنّ الحجّة المجعولة لنا في ذلك الحال هو الخبر الموثوق به، و لو من باب الكشف عن أنّ الشارع قد أمضى الطريقة العقلائية في خصوص هذا الحال، أعني حال الانسداد، فتأمّل.

هذا، مع الغض عن العلم الاجمالي بوجود ما هو الصادر فيها ممّا يكون بمقدار المعلوم بالاجمال، فإنّ هذا العلم الاجمالي يوجب سقوط الاحتياط في العلم الاجمالي الكبير.

بل يمكن أن يقال: إنّ العلم الاجمالي في تلك الأخبار يوجب سقوط الإجماع المدّعى على حرمة الرجوع إلى الأُصول النافية أو حرمة المخالفة الكثيرة عن الصلاح للكاشفية عن جعل الاحتياط أو عن جعل مطلق الظنّ حجّة، فإنّ هذا العلم الاجمالي في هذه الدائرة من الأخبار أو بضمّ باقي الأمارات إليها، صالح لأن‏

____________

(1) في الحاشية الآتية في الصفحة: 34.

26

يكون هو المستند في عدم جواز الرجوع إلى الأُصول النافية الكثيرة، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّه بناءً على ما ذكرناه لا يكون دليل الانسداد إلّا عبارة عن العلم الاجمالي بالتكاليف، و أنّه ليس لنا طريق في الخروج عن العهدة إلّا الاحتياط التامّ لكنّه لأجل اختلال النظام أو العسر و الحرج وجب إسقاطه بمقدار ما يرتفع به المحذور المذكور، و حينئذٍ يشكل الأمر في تعيين المظنونات دون غيرها، فإنّ الابتلاء بتلك الموارد المحتمل وجود التكليف فيها تدريجي حتّى بالنسبة إلى الفقيه الذي شغله الاستنباط، وعليه فيكون اللازم أوّلًا هو الأخذ بالاحتياط في كلّ مورد يبتلى به و إن كان احتمال التكليف فيه مشكوكاً أو موهوماً، إلى أن يصل الاحتياط إلى حدّ يوجب المحذور السابق الذي أوّل درجاته هو لزوم الحرج، فيترك الاحتياط حينئذ في الموارد التي يحصل له الابتلاء بها بعد ذلك و إن كان احتمال التكليف فيها مظنوناً، و حينئذٍ لا تصل النوبة إلى كون الاحتياط مخلًّا بالنظام.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الفقيه أوّل دخوله في الاستنباط يلتفت إلى جميع محتملات التكليف و لو على سبيل الإجمال، و يلتفت أيضاً إلى أنّ الاحتياط في جميع تلك الموارد مشتمل على المحذور المذكور، فإذا التفت مع ذلك إلى أنّ جملة من تلك الموارد مظنونة و لو بواسطة التفاته الاجمالي إلى ما في الكتب من الأخبار و باقي الأمارات، و أنّ تلك الموارد ممّا يحصل له الظنّ بوجود التكليف فيها عند مراجعتها، فهو من أوّل الأمر يحكم عقله بالاحتياط في خصوص تلك الموارد فتأمّل، و سيأتي‏ (1) ما يوضّح بعض هذه الجهات إن شاء اللَّه تعالى‏ (2)

____________

(1) في الحاشية الآتية في الصفحة: 34.

(2) يبتني دليل الانسداد على اجماعات منقولة متضاربة.

27

____________

1- فإجماع على وجوب الاحتياط شرعاً و هو مأخوذ من:

2- الإجماع على عدم جواز الرجوع إلى الأُصول النافية.

3- إجماع على عدم صحّة الاحتياط.

4- إجماع على عدم وجوبه.

5- إجماع على الرجوع إلى أصالة البراءة يستكشف منه حجّية الظنّ.

و الذي تلخّص من جميع ما حرّرناه: أنّ هذه الإجماعات الخمسة المتضاربة لا تعدو أن تكون مفيدة للظنّ، فلا يصلح الاستناد إليها في الدليل العقلي المسوق لاثبات حجّية الظنّ المعبّر عنه بدليل الانسداد. و أمّا دعوى القطع بمقتضى هذه الإجماعات أو بعضها، فلا يصحّ جعلها دليلًا، بل لا تكون حجّة إلّا على القاطع. و بعد إسقاط ذلك كلّه لم يبق لنا إلّا ما ذكرناه من العلم الاجمالي الموجب في حدّ نفسه للاحتياط في تمام الأطراف، و ليس في قباله إلّا العسر و الحرج المقتضي لتبعيض الاحتياط بالنحو الذي ذكرناه، و ذلك عبارة أُخرى عن كون المتعيّن بعد فرض الانسداد هو الصورة السادسة، فلاحظ و تأمّل.

[ثمّ إنّه (قدس سره) لخّص الصور الست بما يلي:]

1- لو كان الاحتياط شرعياً و قام الإجماع على عدم جوازه، كانت النتيجة هي الكشف عن حجّية الظنّ شرعاً.

2- لو كان الاحتياط عقلياً و قام الإجماع على عدم جوازه، كانت النتيجة هي الكشف عن حجّية الظنّ شرعاً.

3- لو كان الاحتياط شرعياً و قام الإجماع على عدم وجوبه، ردّده شيخنا (قدس سره) بين الكشف و التبعيض.

4- لو كان الاحتياط عقلياً و قام الإجماع على عدم وجوبه، تكون النتيجة هي التبعيض، و سمّاها شيخنا (قدس سره) عقيمة.

5- لو كان الاحتياط شرعياً و في قباله اختلال النظام أو العسر و الحرج، في اختلال النظام يسقط الاحتياط التامّ و يتبعّض و يحتمل الكشف، و في العسر و الحرج يبقى الاحتياط و إن لزم العسر و الحرج، لكن في تحريرات السيّد سلّمه اللَّه ردّد بين الاحتياط و إن لزم العسر و بين الكشف.

6- لو كان الاحتياط عقلياً و في قباله اختلال النظام أو العسر و الحرج، تكون النتيجة هي التبعيض و هي محلّ النزاع مع الكفاية [منه (قدس سره)‏].

28

قوله: فلا يمكن عدم نصب الطريق مع الحكم بعدم جواز إهمال الوقائع المشتبهة، و لا يصحّ إيكال الأمر إلى العقل، فإنّ العقل لا حكم له في غير مورد العلم بالتكليف تفصيلًا أو إجمالًا ... الخ‏ (1).

يمكن أن يقال: إنّ العقل بعد اطّلاعه على حكم الشارع بعدم جواز الإهمال الذي هو عبارة عن حكمه بعدم الترخيص، و أنّ الشارع لم يتنازل عن أحكامه في هذا الحال، يحكم بلزوم الاحتياط بمجرّد الاحتمال، فيكون الاحتمال حينئذ منجّزاً بحكم العقل، فيمكن إيكال الشارع الأمر إلى العقل بعد أن فرض الحكم الشرعي بعدم الترخيص. و من ذلك يظهر لك التأمّل في قوله: و لا إشكال أنّهما يقتضيان عقلًا نصب الشارع طريقاً الخ.

قوله: فلا بدّ أوّلًا من قطع النظر عن العلم الاجمالي، و فرض كون جميع الوقائع من الشبهات البدوية، أو فرض عدم كون العلم الاجمالي منجّزاً للتكليف كما هو رأي بعض ... الخ‏ (2).

كيف يمكن فرض كون جميع الوقائع من الشبهات البدوية، مع العلم بأنّ الشارع لم يتنازل عن أحكامه، و لم يرخّص في مخالفتها. نعم يمكن فرض كون‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 239.

(2) نفس المصدر.

29

غضّ النظر عن العلم الاجمالي غير منجّز للتكليف بناءً على رأي ذلك البعض‏ (1).

قوله: و الطريق الواصل بنفسه في حال انسداد باب العلم و العلمي ليس هو إلّا الاحتياط ... الخ‏ (2).

لا يستفاد من هذه الجمل في هذا المقام إلّا كون الاحتياط محرزاً بنفسه للواقع، بمعنى أنّ العمل عليه و لو مع قطع النظر عن جعله شرعاً يكون محرزاً للواقع، بخلاف الظنّ فإنّه بنفسه لا يكون العمل على طبقه محرزاً للواقع ما لم يجعله الشارع حجّة، و لكن أين هذا ممّا هو المطلوب من الفرق بينهما بكون الاحتياط واصلًا بنفسه، و كون الظنّ واصلًا بطريقه، فإنّ كون الاحتياط موصلًا بنفسه للواقع بخلاف الظنّ، غير ما هو المراد من كونه واصلًا بنفسه بخلاف الظنّ.

فالأولى في ترجيحه على الظنّ هو دعوى كونه أتمّ إحرازاً، و أوصل إلى الواقع من الظنّ. أو يقال: بعد تسليم أنّ حكم الشارع بعدم الترخيص كاشف عن جعل طريق منجّز، يدور الأمر في ذلك الطريق المنجّز بين الاحتياط و الظنّ من دون ترجيح بينهما، لكن حيث قام الدليل على عدم الاحتياط يكون المتعيّن [هو الظنّ‏].

و لكن التحقيق: أنّ جعل عدم الترخيص شرعاً لا يستكشف [منه‏] إلّا أنّ الشارع يطالب في هذا الحال بأحكامه، و أنّه لم يتنازل عنها، و ذلك موجب لتنجّزها بمجرّد الاحتمال، و هو معنى الاحتياط العقلي، فيكون هذا الاحتياط

____________

(1) [هكذا وردت العبارة في الأصل، و الظاهر أنّها من سهو القلم، و المراد بها هو الشقّ الثاني المذكور في المتن أي: فرض عدم منجّزية العلم الاجمالي، فلاحظ].

(2) فوائد الأُصول 3: 240.

30

الناشئ عن جعل عدم الترخيص بمنزلة الاحتياط الناشئ عن العلم الاجمالي، فنحتاج إلى سدّ بابه بأحد الوجوه الآتية. و ما أدري كيف يكون هذا الإجماع على عدم جواز الاهمال- أعني عدم الترخيص الشرعي- كاشفاً عن جعل الاحتياط شرعاً، في حين دعوى الإجماع من الناحية الأُخرى على عدم جواز الاحتياط، أو على عدم وجوبه. فالأولى أن يقال كما أشرنا إليه غير مرّة: إنّ الاحتياط لا يكون إلّا عقلياً، سواء كان دليل المقدّمة الثانية هو الإجماع أو لزوم الخروج أو العلم الاجمالي، لكن هذا الاحتياط لا يمكن الالتزام به للأدلّة المتقدّمة (1).

و الذي يحصل فعلًا للنظر القاصر قبل الدخول في المقدّمة الثالثة، هو أنّ الكشف أو الحكومة لا يؤخذ من دليل المقدّمة الثانية، أعني الإجماع و الخروج من الدين أو العلم الاجمالي، بل مأخذ هذين الوجهين أعني الكشف و الحكومة، هو أنّ الدليل على إبطال الاحتياط الآتي من ناحية حكم الشارع بالمنع من ترك التعرّض للأحكام، أو من ناحية العلم الاجمالي، هل هو دعوى أنّ الشارع لا يريد امتثال أحكامه بطريق الاحتمال و الاحتياط، فلا بدّ حينئذ من القول بأنّه قد جعل الظنّ حجّة، أو هو دعوى كونه موجباً للعسر و الحرج، فلا بدّ من القول بالتبعيض و الأخذ بالمظنونات من باب الاحتياط، من دون فرق في ذلك الاحتياط المبعّض بين كونه بحكم الشرع، كما هو مقتضى الدليلين الأوّلين لعدم جواز الاهمال، أو كونه بحكم العقل كما هو مقتضى الدليل الثالث الذي هو العلم الاجمالي، فلاحظ و انتظر ما يتحصّل في المقدّمة الثالثة إن شاء اللَّه تعالى.

لا يقال: إذا كان الدليل على الاحتياط هو العلم الإجمالي، لم يكن للشارع تصرّف في ذلك الاحتياط بالمنع عنه.

____________

(1) في الحاشية السابقة في الصفحة: 15 و ما بعدها.

31

لأنّا نقول: ليس ذلك المنع من العمل بالاحتياط إلّا كناية عن لازمه، الذي هو جعله لحجّية الظنّ الموجب لانحلال العلم الاجمالي، فنحن نستكشف من حكمه بأنّي لا أُريد امتثال أوامري بطريق الاحتمال، أنّه قد جعل لنا حجّة شرعية في المقام و هي الظنّ، و ذلك يوجب انحلال العلم الاجمالي كما يوجبه جعله لحجّية خبر الواحد.

ثمّ لا يخفى أنّ الإجماع على المنع من الاهمال، و كذلك المنع من الخروج ليس ذلك إلّا من قبيل حكومة العقل بالامتثال الذي هو عبارة عن لزوم الاطاعة و حرمة المعصية، و محصّل ذلك في المقام هو الاحتياط بحكم العقل، و حينئذٍ يتأتّى التبعيض لأجل العسر و الحرج، و النتيجة هي الحكومة، أو لأجل أنّ الشارع لا يريد الامتثال الاحتمالي، الكاشف عن جعله الظنّ حجّة، فتكون النتيجة هي الكشف. و لو سلّمنا كون ذلك الحكم بهذين الدليلين- أعني الإجماع و ما بعده- حكماً شرعياً الذي هو عبارة عن وجوب الاحتياط، لتأتت حينئذ طريقة الحكومة و طريقة الكشف، أمّا الأُولى فبدعوى العسر و الحرج و تبعيض ذلك الاحتياط الواجب شرعاً و حصره بالمظنونات. و أمّا الثاني فبدعوى أنّ الشارع لا يرضى بالاطاعة الاحتمالية، و مع ذلك يمنعنا من الاهمال، فذلك كاشف عن أنّه قد جعل لنا الظنّ حجّة شرعية.

[عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقرّرة للجاهل‏]

قوله: و أمّا المقدّمة الثالثة، و هي عدم جواز الرجوع إلى الطرق المقرّرة للجاهل، فقد عرفت أنّها ثلاثة، الأولى التقليد ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ الوظائف المقرّرة حتّى التقليد، إن كانت من جملة ما انسدّ فيه باب العلم و العلمي، كانت المقدّمة المذكورة ساقطة بالمرّة، و إنّما يحسن الكلام‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 234.

32

على هذه المقدّمة إذا تصوّرنا الانفتاح في تلك الوظائف، و على هذا التقدير نقول إنّه لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التقليد، لما أفاده (قدس سره).

أمّا الأُصول النافية من البراءة و الاستصحابات النافية، فعلى الظاهر أنّه لا ينبغي إدخالها في هذه المقدّمة، بل هي داخلة في المقدّمة الثانية، لأنّ أغلب موارد احتمال التكليف تكون مورداً للأُصول النافية، فيلزم من الرجوع فيها إلى الأُصول النافية ما تقدّم في المقدّمة الثانية من كونه خلاف الإجماع، أو كونه موجباً للمخالفة الكثيرة الموجبة للخروج من الدين، أو المخالفة لما نعلمه من اهتمام الشارع بالأحكام، أو كونه موجباً للمخالفة القطعية للعلم الاجمالي.

أمّا أصالة التخيير، فلأجل انحصارها في موارد التردّد بين المحذورين و هي قليلة جدّاً، فلا يكون الرجوع إليها في تلك الموارد مؤثّراً فيما نحن بصدده من دعوى الانفتاح أو دعوى الانسداد، و لو سلّم كثرة تلك الموارد بحيث إنّه يعلم إجمالًا بمخالفة الكثير منها للواقع، توجّه عليها ما توجّه على الرجوع إلى الأُصول النافية من محذور مخالفة الإجماع، و لزوم الخروج من الدين، و منافاته لاهتمام الشارع بأحكامه، و مخالفته للعلم الاجمالي.

و أمّا الأُصول المثبتة، فإن كانت هي أصالة الحرمة في الدماء و الأموال و الفروج، فلا مانع على الظاهر من الرجوع إليها، إلّا أنّها لا توجب انحلال العلم الاجمالي بثبوت التكاليف في غير الموارد المذكورة، كما أنّه لا ينافيه العلم الاجمالي بعدم التكليف في جملة من تلك الموارد، إذ ليست هي- أعني أصالة الحرمة في تلك الموارد- من قبيل الأُصول الاحرازية.

و أمّا أصالة الاشتغال في موارد الشكّ بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، ففيها أوّلًا: ما أفاده الأُستاذ (قدس سره) من أنّ المختار هو الرجوع في ذلك إلى البراءة الشرعية.

33

و ثانياً: أنّها لا تنفع في انحلال العلم الاجمالي و دفع محاذير المقدّمة الثانية، لقلّة مواردها و انحصارها في طائفة خاصّة من محتملات التكاليف. فينحصر الكلام في هذه المقدّمة بالاستصحابات المثبتة للتكليف، و لا إشكال في أنّها لا توجب انحلال العلم الاجمالي الكبير، و لو ضممنا إليها المعلومات القطعية من الأحكام، إذ لا يكون مجموع ما علم قطعياً من الأحكام و ما جرت فيه الاستصحابات المثبتة بمقدار ذلك المعلوم الاجمالي الكبير.

و أمّا ما أشكل به شيخنا (قدس سره)(1) على هذه الاستصحابات من العلم الاجمالي في مؤدّاها على الخلاف، فيمكن المناقشة فيه بمنع العلم الاجمالي بمخالفة بعض تلك الاستصحابات للواقع.

نعم، في خصوص أصالة عدم ترتّب الأثر في باب المعاملات ربما أمكن أن يقال بأنّا لو جرينا على طبق هذا الأصل في جميع موارد الشكّ في صحّة المعاملة، يحصل لنا القطع بعدم مصادفة جملة من موارد ذلك الأصل للواقع، و لكن لو أسقطنا الأصل المذكور ما ذا تكون النتيجة. نعم تكون النتيجة أشبه شي‏ء بالدوران بين المحذورين بالنسبة إلى العوض و المعوّض، فإنّ المعاملة إن كانت صحيحة كان التصرّف فيما انتقل عنه حراماً، و إن كانت فاسدة كان التصرّف فيما انتقل إليه حراماً، فيكون اللازم على كلّ من المتعاقدين هو اجتناب ما انتقل عنه و ما انتقل إليه، و هو محصّل أصالة الحرمة في الأموال، و لعلّ ذلك موجب للعسر و الحرج خصوصاً في مثل النكاح، إلّا إذا جدّد العقد بما هو القدر المتيقّن إن كان في البين قدر متيقّن.

و كيف كان، فإنّ هذا الأصل و هو أصالة الحرمة في الأموال قد عرفت أنّه لا

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 236.

34

يوجب انحلال العلم الاجمالي، و لا يرفع بقية محاذير المقدّمة الثانية، كما أنّ البناء على أصالة عدم ترتّب الأثر لا يوجب العسر و الحرج، سيّما بعد أن كان لنا إطلاقات كتابية لم يقع لنا ريب في حجّية ظهورها تقلّل من موارد الشكّ في المعاملات، فيقتصر على ما هو المتيقّن صحّته و لو بواسطة تلك المطلقات، فما أُفيد في هذا التحرير (1) من أنّه قد يفضي إلى العسر و الحرج لعلّه محتاج إلى التأمّل.

[الاضطرار إلى بعض أطراف العلم الاجمالي‏]

قوله: فلو اضطرّ المكلّف إلى الاقتحام في بعض أطراف العلم الاجمالي، كان الاضطرار موجباً عقلًا للترخيص فيما يدفع به الاضطرار، سواء كان الاضطرار من جهة لزوم الضرر أو العسر و الحرج، أو غير ذلك من الأسباب، و سواء كان الاضطرار إلى البعض المعيّن أو غير المعيّن ... الخ‏ (2).

باب كون الحكم الشرعي المعلوم بالاجمال ضررياً، أو كون المكلّف مضطرّاً إلى مخالفته باب، و باب العسر و الحرج في الجمع بين محتملات التكليف و أطراف العلم الاجمالي باب آخر، فإنّ ذلك الباب لو كان فيه أحد الأطراف ضررياً أو كان مضطرّاً إليه كان موجباً لسقوط التكليف في ذلك المعيّن.

و يلحق به ما لو كان المضطرّ إليه غير معيّن، بدعوى أنّ التكليف الواقعي لو كان منطبقاً على هذا الطرف المعيّن أو على هذا الطرف الذي اختاره المكلّف لسدّ اضطراره، لكان ذلك التكليف الواقعي مرتفعاً عنه، لصدق الاضطرار أو الضرر عليه حينئذ.

أمّا باب العسر و الحرج الناشئ عن الجمع بين محتملات التكليف و أطراف العلم الاجمالي فلا تتأتّى فيه تلك الطريقة، و لا ينطبق على ذلك الطرف الذي‏

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 236.

(2) فوائد الأُصول 3: 251- 252.

35

يختاره المكلّف أنّ التكليف لو كان فيه لكان ذلك موجباً للعسر و الحرج، إذ لا يكون ذلك التكليف الموجود فيه موجباً للعسر و الحرج. نعم لو كانت الشبهات وجوبية و قد احتاط المكلّف بفعل كثير منها إلى حدّ يكون احتياطه في الباقي حرجياً عليه، لقلنا يسقط الاحتياط في الباقي، لأنّه لو كان فيه تكاليف وجوبية لكانت بنفسها حرجية بعد أن احتاط و فعل الكثير ممّا يحتمل وجوبه.

و هكذا الحال في التروك في الشبهات التحريمية التدريجية، لو كان احتياطه في مقدار كثير منها قد وصل إلى حدّ لو ترك الباقي يقع في العسر و الحرج، بل لو علم تفصيلًا بوجوب الباقي في الصورة الأُولى أو بحرمته في الصورة الثانية لجاز له المخالفة فيه، لكونه مورداً للحرج.

و هكذا الحال فيما لو كانت الشبهات مختلفة فبعضها وجوبية و بعضها تحريمية كما فيما نحن فيه، فإنّ على المكلّف أن يحتاط في كلّ شبهة ترد عليه إلى أن يبلغ حدّ الحرج فيسقط الاحتياط حينئذ.

و الأولى بل المتعيّن هو أن يعامل هذه الشبهات معاملة ما علم فيه التكليف تفصيلًا، فأيّ شبهة ابتلي بها منها يلزمه الجري على طبق ما يحتمله من التكليف فيها إن لم يكن ذلك حرجياً، فإذا اتّفق الحرج في الجري على بعضها و لو من جهة مسبوقيته بالاحتياط في غيرها، سقط الاحتياط فيها، ثمّ بعد هذا لو ابتلي بغيرها أو تكرّر له الابتلاء بنفس تلك الشبهة السابقة التي لم يحتط فيها، و اتّفق أن كان الاحتياط فيما تجدّد له منها أو من غيرها غير موجب للحرج، كان عليه الاحتياط فيما تجدّد و إن مرّت عليه سابقاً و لم يكن قد احتاط فيها لكون الاحتياط فيما مرّ حرجياً، و على هذا لا تصل النوبة إلى الاحتياط المخلّ بالنظام، و لا إلى التبعيض بحسب الاحتمالات الظنّية و الشكّية و الوهمية.

36

أمّا لو كانت الشبهات التحريمية دفعية، كما في الأواني الكثيرة التي يكون اجتنابها جميعاً حرجياً، و لا بدّ له في دفع الحرج من ارتكاب البعض، فإنّ أيّ بعض منها يرتكبه لا يكون التكليف الواقعي حرجياً لو كان فيها كي يسوغ له ارتكابه بدليل نفي الحرج.

إلّا أن نقول: إنّه بعد أن كان تركها جميعاً حرجياً عليه، كان مضطراً إلى ارتكاب بعضها، لما سيأتي منه من قوله: بل العسر و الحرج من أفراد الاضطرار، فإنّه لا يعتبر في الاضطرار عدم القدرة التكوينية على الاحتياط الخ‏ (1).

و كيف كان، أنّ هذا الفرض الأخير خارج عمّا نحن فيه، لما هو واضح من أنّ الابتلاء بالشبهات فيما نحن فيه لا يكون إلّا تدريجياً. مضافاً إلى إمكان [جريان‏] دليل نفي الحرج فيه أيضاً، بأن نقول: إنّ منعه من ارتكاب هذا الذي اختاره لدفع الحرج حرجي، فيكون ذلك المنع الواقعي لو كان موجوداً فيه حرجياً، على حذو تطبيق دليل الاضطرار على ما يختاره المكلّف في صورة الاضطرار إلى غير المعيّن.

و من ذلك كلّه يظهر لك التأمّل فيما ذكره في الكفاية (2) من عدم جريان دليل العسر و الحرج في نفس الجمع، أعني وجوب الاحتياط بحكم العقل، لعدم كونه جارياً في الأحكام العقلية، و لو أجريناه في الحكم الواقعي الذي لزم الحرج من الجمع بين محتملاته كان مقتضاه سقوط ذلك التكليف المعلوم بالاجمال، و سقوط الاحتياط بالمرّة، فلا وجه للتبعيض، لما عرفت من إمكان جريانه فيما بقي بعد الوصول في الاحتياط إلى درجة العسر و الحرج في الشبهات التدريجية

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 257- 258.

(2) كفاية الأُصول: 313.

37

و فيما يختاره لرفع حرجه في الشبهات الدفعية، من دون توقّف ذلك على إجرائه في نفس الجمع كي يقال إنّه ليس بحكم الشارع، أو إجرائه في نفس التكليف الواقعي المعلوم بالاجمال، كي يقال إنّه مع إجرائه فيه و سقوطه لا يبقى مجال للاحتياط أصلًا.

نعم، الظاهر أنّه لا يرد عليه ما أفاده في هذا التحرير عن شيخنا (قدس سره) بقوله:

و أمّا ما أفاده من المنع عن التبعيض في الاحتياط على تقدير تسليم الحكومة فلم يبيّن وجهه الخ‏ (1) لما عرفت من وضوح الوجه في ذلك، بناءً على إرجاع نفي الحرج إلى الحكم الواقعي الموجود في البين، من جهة كونه موجباً للجمع بين تلك المحتملات الذي هو حرجي، فليس منشأ سقوط الاحتياط على هذا الفرض هو ما احتمله شيخنا (قدس سره) من التلازم بين سقوط وجوب الموافقة القطعية و سقوط حرمة المخالفة القطعية، و لا كون العلم الاجمالي مع الاضطرار إلى بعض الأطراف لا يقتضي التنجّز، كما أُفيد بقوله في هذا المقام: و لعلّه مبني على ما اختاره الخ‏ (2) بل إنّ الوجه في سقوط الاحتياط بالمرّة هو ما عرفت من فرض كون مجرى نفي الحرج هو التكليف الواقعي الموجود في البين الذي لزم منه العسر و الحرج بواسطة الجمع بين محتملاته، و من الواضح أنّ ذلك الحكم الواقعي لو ارتفع بنفي الحرج لا يبقى مجال لتبعيض الاحتياط.

و أمّا ما أفاده شيخنا (قدس سره) فيما حرّره عنه السيّد سلّمه اللَّه بقوله: فما أفاده (قدس سره) (يعني صاحب الكفاية) من أنّ شمول أدلّة الحرج للمقام لا يكون إلّا برفع الأحكام الواقعية المعلومة بالإجمال الناشئ من قبلها الحرج، و لازم ذلك سقوط الاحتياط

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 255.

(2) فوائد الأُصول 3: 255.

38

رأساً، شعر بلا ضرورة، بل لازم شمولها هو ارتفاع الأحكام بمقدار الحرج لا أزيد (1).

قلت: إنّ نفي الحرج بعد أن تسلّط على الحكم الواقعي كان مقتضاه هو رفعه من أصله، و معه لا مجال للاحتياط أصلًا، و لا وجه لتبعيضه. و دعوى كون رفع الحرج مسلّطاً على نفي ذلك الحكم بمقدار الحرج لم يعلم وجهه، فإنّ نفس الحكم الواقعي المفروض كونه حرجياً و لو بواسطة الجمع بين محتملاته ليس بذي مراتب، كي نقول إنّه ارتفع منه المرتبة المقتضية للحرج و بقيت بقيّة مراتبه و لو أُريد من ذلك رفع اقتضائه للحرج لا رفعه بنفسه، كان ذلك عبارة أُخرى عن إجراء نفي الحرج في حكم العقل بلزوم الاحتياط، فإنّ هذا الحكم العقلي عبارة أُخرى عن كون الحكم الواقعي مقتضياً للحرج، الذي هو الجمع بين محتملاته.

و من ذلك كلّه يظهر لك التأمّل فيما أُفيد في هذا التحرير في وجه التبعيض بقوله: و حاصله لزوم رعاية التكاليف بالمقدار الممكن عقلًا، لأنّ الضرورات تتقدّر بقدرها الخ‏ (2) فإنّ ذلك إنّما يقال إذا كانت أدلّة الحرج متوجّهة إلى الحكم العقلي بلزوم الاحتياط، و المفروض خلافه، و إنّما توجّهت إلى الحكم الشرعي الواقعي الموجود فيما بين الأطراف، فيكون المرتفع هو نفس ذلك الحكم الواقعي الشرعي، و مع ارتفاعه لا يبقى مجال لوجوب الاحتياط في الباقي فتأمّل.

و أمّا ما أفاده شيخنا (قدس سره) في توجيه جريان نفي العسر و الحرج في نفس الجمع بين المحتملات، باعتبار كونه رعاية للأحكام الواقعية الشرعية و إن لم يكن هو بنفسه- أعني ذلك الجمع- واجباً شرعياً بل كان واجباً عقلياً، إلّا أنّه لمّا

____________

(1) أجود التقريرات 3: 235.

(2) فوائد الأُصول 3: 256.

39

كان برعاية الأحكام الشرعية، كان ذلك مصحّحاً لجريان دليل الحرج فيه، كما أفاده في مقام الايراد ثانياً على صاحب الكفاية (قدس سره) بقوله: و ثانياً: أنّه يمكن أن تكون أدلّة نفي العسر و الحرج حاكمة على نفس الحكم العقلي بالاحتياط الخ‏ (1) ففيه تأمّل، و كيف يكون قوله تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (2) رافعاً للحكم العقلي بالاحتياط مع فرض كونه مسوقاً لرفع الحكم الشرعي الحرجي، إلّا بنحو ما في الكفاية (3) من تسليطه النفي على نفس الحكم الشرعي، باعتبار كونه عند الجهل به موجباً للوقوع في الحرج بواسطة حكم العقل بالاحتياط، و حينئذٍ يسقط الاحتياط بتاتاً، أو بنحو ما أفاده هو (قدس سره) في توجيه جريان نفي الحرج بما شرحناه في الشبهات التدريجية و الشبهات الدفعية.

ثمّ لا يخفى أنّ النتيجة على ما شرحناه في الشبهات التدريجية و إن كانت هي تبعيض الاحتياط، لكنّه ليس بحسب الظنّ و الشكّ والوهم، بل بحسب ما يبتلى به أوّلًا فأوّلًا، فيلزمه الاحتياط فيه و إن علم أنّه يبتلى بعد ذلك بغيره، إلّا أنّه فعلًا لمّا لم يكن الاحتياط في هذه الأوائل حرجياً، لم يكن له إسقاط الاحتياط فيها، بل عليه أن يحتاط فيها و إن كان احتمال التكليف فيها موهوماً، إلى أن يصل إلى درجة يكون الاحتياط فيما يأتي حرجياً، فيتركه في ذلك الباقي، و يكون من قبيل الاضطرار إلى المعيّن، و إن عاد الحرج عاد إلى ترك الاحتياط.

و أمّا الشبهات الدفعية فقد عرفت أنّها خارجة عمّا نحن فيه، لأنّ شبهاتنا عند الانسداد تدريجية الابتلاء، إلّا أنّه مع ذلك يكون من قبيل الاضطرار إلى غير

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 258.

(2) الحج 22: 78.

(3) كفاية الأُصول: 313.

40

المعيّن.

و الذي ينبغي أن يقال فيه: هو أنّ اختيار ما يسدّ به الحرج يكون راجعاً إلى المكلّف نفسه، و لا يتعيّن عليه أن يختار ما يكون الاحتمال فيه ضعيفاً، فإنّهم على ما ببالي لم يفصّلوا هذا التفصيل في باب العلم [الاجمالي‏] في مسألة الاضطرار إلى غير المعيّن، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ سكوتهم عن هذا التفصيل في ذلك المبحث لأنّ الغالب فيه هو تساوي الأطراف في الاحتمال، و أنّه في الغالب لا تختلف الأطراف من ناحية الاحتمال قوّة و ضعفاً. و على كلّ حال، لا مانع عن الترجيح فيما نحن فيه و في ذلك المبحث بالقوّة و الضعف، بل يمكن القول بتعيّن ذلك عقلًا كما بنى عليه القوم في هذا المقام، فتأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ ما أفاده في الكفاية في بيان الإشكال في جريان قاعدة الحرج في المقام بقوله: و أمّا فيما لا يوجب فمحلّ نظر بل منع، لعدم حكومة قاعدة نفي العسر و الحرج على قاعدة الاحتياط، و ذلك لما حقّقناه في معنى ما دلّ على نفي الضرر و العسر من أنّ التوفيق بين دليلهما و دليل التكليف أو الوضع المتعلّقين بما يعمّهما هو نفيهما عنهما بلسان نفيهما، إلى آخر المطلب‏ (1)، و إن كان ظاهره أنّ الإشكال مختصّ بهذه الطريقة التي اختارها في كيفية الحكومة، من كون مفاد لا ضرر و لا حرج من باب نفي الحكم الشرعي الوارد على ما فيه الضرر أو الحرج بلسان نفي الموضوع، إلّا أنّ الإشكال المزبور لا يختصّ بذلك، بل يتأتّى على طريقة شيخنا (قدس سره) في كيفية الحكومة، من كون المنفي هو الحكم الشرعي الموجب للضرر أو الحرج، فإنّ أي الطريقتين سلكناها في الحكومة نحتاج في المقام إلى حكم شرعي يكون وارداً على ما فيه الضرر أو الحرج على طريقة

____________

(1) كفاية الأُصول: 313.

41

صاحب الكفاية، أو يكون نفس ذلك الحكم الشرعي ضررياً أو حرجياً على طريقة شيخنا (قدس سره)، و المفروض في المقام عدم وجود الحكم الشرعي المذكور، فإنّ الحكم الشرعي الواقعي المعلوم وجوده في البين ليس في حدّ نفسه ضررياً أو حرجياً، و إنّما جاء الضرر أو الحرج من ناحية الحكم العقلي الراجع إلى الاحتياط العقلي، الملزم بالجمع بين الأطراف، المفروض كونه ضررياً أو حرجياً، و أدلّة نفي الضرر أو الحرج لا تنفي هذا الحكم العقلي، سواء قلنا إنّها مسوقة لنفي الحكم الشرعي بلسان نفي الموضوع كما هي طريقة صاحب الكفاية، أو قلنا إنّها مسوقة لنفي الحكم الضرري أو الحرجي ابتداءً كما هي طريقة شيخنا (قدس سره).

و أمّا ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) بقوله: نعم لو كان معناه نفي الحكم الناشئ من قبله العسر كما قيل الخ‏ (1)، فهو و إن كان ظاهره الاختصاص بطريقة شيخنا (قدس سره) في كيفية الحكومة، إلّا أنّ هذا المطلب لا يختصّ بها، بل يتأتّى على نفس طريقة صاحب الكفاية (قدس سره)، بأن نقول: إنّ الحكم الشرعي المنفي بلسان نفي الموضوع هو ما يكون موجباً للعسر و الحرج، و لو بواسطة العلم الاجمالي المتعلّق به فيما هو مردّد بين الأطراف الكثيرة التي يلزم العسر و الحرج من الجمع بينها، بمعنى أنّ متعلّقات تلك الأحكام الواقعية تكون موقعة في العسر و الحرج بواسطة ذلك العلم الاجمالي، فتكون تلك الأحكام الشرعية المتعلّقة بتلك المتعلّقات منفية بلسان نفي تلك المتعلّقات.

و قد صرّح شيخنا (قدس سره) بوحدة الطريقتين من هذه الجهة كما حكاه عنه السيّد سلّمه اللَّه في تحريراته بقوله- بعد نقل مضمون ما في الكفاية-: و أنت خبير بفساد ذلك أمّا أوّلًا: فلأنّ مفاد أدلّة نفي الحرج و إن سلّمنا أنّه نفي الحكم بنفي‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 313.

42

موضوعه، إلّا أنّه لا إشكال في حكومتها على الأحكام الشرعية، و أنّها تنفي كلّ حكم شرعي يكون موضوعه حرجياً، بل لو لم نقل بالحكومة لقدّمت عليها أيضاً بالأظهرية، و حينئذٍ فمقتضى تلك الأدلّة أنّ الموارد المحتملة التي يلزم من الاحتياط فيها حرج، يكون الحكم الشرعي في تلك الموارد على تقدير وجوده فيها مرفوعاً، و يكون نتيجة ذلك هو التكليف المتوسّط، باتيان مقدار من المحتملات و ترك المقدار الزائد الموجب للعسر و الحرج، الخ‏ (1).

و لكن ما المراد بالموارد المحتملة في قوله: فمقتضى تلك الأدلّة أنّ الموارد المحتملة التي يلزم من الاحتياط فيها حرج، يكون الحكم الشرعي في تلك الموارد على تقدير وجوده فيها مرفوعاً. فإن كان المراد بها الشبهات المتأخّرة فيما شرحناه في الشبهات التدريجية، فهو كما عرفت لا ينتج التبعيض بحسب الظنّ و الشكّ والوهم، و يكون المقام من قبيل الاضطرار إلى المعيّن.

نعم، يتأتّى ذلك في الشبهات الدفعية، فإنّ ما يختاره منها لرفع الحرج يجري فيه حديث نفيه، بأن يقال: إنّ تلك الموارد التي اختارها لو كان فيها تكليف لكان حرجياً، فيكون مرتفعاً، و في الحقيقة هو قبل أن يرتكب شيئاً من تلك الشبهات تكون التكاليف الواقعية كلّها حرجية في حقّه و لو بواسطة تردّدها بين تلك الأطراف الكثيرة، و حينئذٍ يجوز له أن يرتكب البعض، و لكن بعد ارتكابه ذلك البعض يعلم إجمالًا أيضاً ببقاء مقدار من التكاليف في البواقي، لأنّ ذلك المقدار الذي ارتكبه لا يكون بمقدار معلومه الاجمالي، بل إنّه أقلّ منه بكثير، لأنّه لم يكن إلّا بمقدار ما يرفع به حرجه الآتي من ناحية اجتناب الجميع، و حينئذٍ ذلك المقدار الباقي من التكاليف المعلومة لا مانع من كون العلم به مؤثّراً،

____________

(1) أجود التقريرات 3: 232.

43

فيلزم الاجتناب عن الباقي، و هو معنى التبعيض.

و هذه الطريقة مختصّة بما نحن فيه من كثرة المعلوم بالاجمال و قلّة ما يندفع به الحرج، على وجه يبقى العلم الاجمالي في البواقي بعد ما يندفع الحرج بحاله، دون ما لو كان ذلك المقدار مساوياً لما هو المعلوم بالاجمال أو أكثر.

و هذا الفرق إنّما يظهر في نفي الحرج، أمّا نفي الاضطرار فلا فرق فيه بين الصورتين، بمعنى أنّه في الصورة الثانية يلزمه الاحتياط في البواقي، لأنّ ميزان جريان حديث الاضطرار هو انطباق المعلوم بالاجمال على ذلك الذي دفع به اضطراره، و ارتكابه لا يسقط العلم الاجمالي عن التأثير في البواقي، بخلاف حديث نفي الضرر و العسر و الحرج، فإنّه إنّما ينطبق قبل الارتكاب، و يكون ذلك الحكم الواقعي الموجود ضررياً أو حرجياً، فيرتفع بحديث نفي الضرر و الحرج قبل ارتكاب ما يرتفع به حرجه. ثمّ بعد ارتكاب البعض الرافع لحرجه إن بقي له علم إجمالي في البواقي وجب الاجتناب عنها، و إلّا جاز له ارتكابها، و تكون النتيجة فيما نحن فيه أنّ وجوب الاجتناب عن البواقي بعد ارتكاب ما ارتكبه لا قبل الارتكاب، لأنّ التكليف الواقعي حرجي قبل الارتكاب لا بعده.

و يمكن أن تأتي هذه الطريقة في الشبهات التي يبتلى بها المكلّف تدريجاً بأن يقال: إنّ المكلّف بعد علمه الاجمالي بالتكاليف الكثيرة و انسداد باب العلم التفصيلي بها أو ما يقوم مقامه، فهو يعلم فعلًا أنّ أطراف هذه الشبهات كثيرة لا تحصى، على وجه يكون الجري فيها جميعاً على طبق الاحتياط حرجياً، فكانت التكاليف الواقعية التي علمها بالاجمال حرجية عليه فترتفع، و لا يتوقّف اتّصافها بالحرجية على تحقّق الاحتياط على طبقها حتّى لو كانت كلّها وجوبية، بل إنّ تلك الوجوبات الواقعية المعلومة في البين تكون فعلًا متّصفة بالحرجية، لأنّها فعلًا

44

يكون امتثالها بطريقة الاحتياط حرجياً، أ لا ترى أنّ نفس السفر المفروض كونه واجباً و أنّه معلوم الوجوب تفصيلًا، لو كان حرجياً لم يتوقّف اتّصاف ذلك الوجوب بالحرجية (1) على امتثاله، بل هو فعلًا قبل السعي لامتثاله حرجي، فيرتفع الوجوب المتعلّق به، و حينئذٍ ففيما نحن فيه تكون التكاليف الواقعية المعلومة بالاجمال حرجية فعلًا، فترتفع بدليل نفي الحرج، فله فعلًا أن يخالف الاحتياط فيها و لو تدريجاً إلى أن يرتفع حرجه، فيلزمه الاحتياط في الباقي لبقاء العلم الاجمالي بالتكليف بين أطرافه.

لكن هذه الطريقة غير نافعة فيما نحن فيه، لأنّ مخالفة الاحتياط في أوائل الزمان لا توجب رفع حرجيته في الأزمنة التالية.

أمّا إقدامه من الأوّل على تقسيم هذه الشبهات الآتية تدريجاً إلى مظنونات و مشكوكات و موهومات، و تقريره على نفسه أن يحتاط في المظنونات و يسقط الاحتياط في البواقي، فلا وجه له على الظاهر، لأنّ مجرّد هذا التقسيم و التقرير لا يخرج تلك التكاليف عن كونها حرجية فعلًا قبل ارتكاب ما به يرتفع الحرج.

مضافاً إلى أنّ المشكوكات و الموهومات لعلّها أكثر من المعلوم الاجمالي بحيث لا يبقى علم إجمالي في المظنونات. و إن شئت فقل: إنّ ما يندفع به الحرج لعلّه مساوٍ أو أكثر من التكاليف الواقعية، فلا يكون في البواقي علم إجمالي.

نعم، هناك طريقة أُخرى، و هي أن يقال: إنّ ذلك التكليف الواقعي يكون متّصفاً بالحرجية إن سلكنا الاحتياط التامّ في طريق امتثاله، و ليس بحرجي إن سلكنا هذه الطريقة في كيفية الامتثال.

و بعبارة أُخرى: أنّ تلك التكاليف الواقعية ليست بنفسها حرجية، و إنّما

____________

(1) [في الأصل هنا زيادة: متوقّفاً، حذفناها لاستقامة العبارة].

45

عرضت لها صفة الحرجية بواسطة اقتضائها، و يختلف حينئذ مقدار اقتضائها، فربما كانت مقتضية للاحتياط التامّ، و ربما كانت مقتضية لمقدار من الاحتياط و هي في الاقتضاء الأوّل حرجية دون الثاني، فإن سلكنا في طريق امتثالها الاحتياط التامّ، كانت بهذا المقدار من الاقتضاء حرجية، لكن لو سلكنا طريقة التبعيض المذكورة لم يكن اقتضاؤها لذلك المقدار حرجياً فلا ترتفع، و لا ريب أنّ تلك المرتبة من الاقتضاء الكلّي إنّما هي من جانب الشارع، فيجري فيه نفي الحرج.

و لعلّ هذا هو المراد من قول شيخنا (قدس سره): لأنّ الضرورات تتقدّر بقدرها (1)، و كذلك قوله فيما حكاه عنه السيّد سلّمه اللَّه من قوله: بل لازم شمولها هو ارتفاع الأحكام بمقدار الحرج لا أزيد (2).

بل لعلّه هو المراد فيما أجاب به ثانياً (3) ممّا ظاهره إجراء نفي الحرج في الحكم العقلي بوجوب الاحتياط التامّ لكونه برعاية الواقع الشرعي، بأن يكون مراده (قدس سره) هو إجراء نفي الحرج في نفس الأحكام الواقعية بمقدار اقتضائها الاحتياط التامّ، لا في نفس وجوب الاحتياط عقلًا، فتأمّل.

و لكن هذه الطرق كلّها من محض التصوّر، و ليس الواقع إلّا ما لدينا من العلم الاجمالي المتعلّق بتلك التكاليف الواقعية من تحريم و إيجاب، المردّدة بين تلك الشبهات الكثيرة التي يكون الابتلاء بها تدريجياً، فعلى المكلّف حينئذ أن يعامل تلك الشبهات معاملة ما علم فيه التكليف تفصيلًا، و أن يجري في كلّ شبهة

____________

(1) فوائد الأُصول 3: 256.

(2) أجود التقريرات 3: 235.

(3) فوائد الأُصول 3: 258.

46

على ما يقتضيه العلم الاجمالي من الاحتياط، و لا يقف في قبال هذا العلم الاجمالي الموجب للاحتياط إلّا الحرج، و هو إنّما يكون في كلّ شبهة بحالها، فأي شبهة عرضت له و لم يكن الاحتياط فيها حرجياً عليه لزمه أن يحتاط فيها، و أي شبهة عرضت له و كان الاحتياط فيها حرجياً عليه و لو من جهة مسبوقيته بالاحتياط في غيرها سقط الاحتياط في هذه الطارئة، سواء كانت شبهة جديدة أو كانت من سنخ ما تقدّم ممّا كان قد احتاط فيه. و لو طرأت بعدها شبهة أُخرى و اتّفق أن لم يكن الاحتياط فيها حرجياً، لزمه العود إلى الاحتياط في تلك الشبهة، و إن كانت من سنخ ما تقدّم ممّا لم يحتط فيه لكون طروّها السابق كان مقارناً للحرج في الاحتياط فيها، و على هذا لا تصل النوبة إلى اختلال النظام، و لا إلى التبعيض بحسب الظنّ و الشكّ والوهم، من دون حاجة إلى إجراء نفي الحرج في مجموع تلك التكاليف الواقعية، ليكون ذلك موجباً لسقوط الاحتياط في جميع الأطراف، و لا إلى إجرائه في نفس الاحتياط العقلي الآتي من ناحية العلم الاجمالي، ليرد عليه أنّه لا يحكم عليه نفي العسر و الحرج.

كما أنّه بناءً على ذلك لا تصل النوبة إلى دعوى الكشف، بمعنى استكشاف حجّية الظنّ شرعاً، بل و لا إلى الحكومة بمعنى حكم العقل بحجّية الظنّ عقلًا، و لو من باب أنّ الاطاعة الظنّية مقدّمة على الاطاعة الشكّية أو الوهمية، بل قد عرفت أنّه بناءً عليه لا تصل النوبة إلى تبعيض الاحتياط بحسب الظنّ و الشكّ والوهم، كي يتخيّل أنّ ذلك- أعني تقديم الاحتمالات الظنّية على غيرها- من باب تقديم الاطاعة الظنّية على غيرها، كي يدّعى كون ذلك من باب حكومة العقل بحجّية الظنّ عقلًا.

ثمّ إنّ هذا الذي ذكرناه من لزوم الجري على طبق العلم الاجمالي بالنحو

47

الذي شرحناه من التبعيض التدريجي، لا يضرّه دعوى الإجماع على عدم جواز الإهمال، و لو بمعنى قيام الإجماع على عدم الترخيص في مخالفة تلك التكاليف الواقعية المعلومة بالإجمال بإعمال البراءة الشرعية، أو كون ذلك من قبيل الخروج عن الدين، فإنّا لو سلكنا في تلك التكاليف الواقعية المعلومة بالإجمال ذلك المسلك الذي سلكناه من التبعيض التدريجي، لم نكن مخالفين لذلك الإجماع، و لا ارتكبنا ما هو مخالف لضرورة الدين كما هو واضح لا يخفى.

و الخلاصة: هي أنّ حاصل دليل الانسداد قياس استثنائي، أعني أنّه في صورة القياس الاستثنائي، إذ لو كان حقيقة من القياس الاستثنائي، لكان استثناء التالي و هو وجوب الاحتياط موجباً لسقوط المقدّم، و هو انسداد باب العلم و العلمي، و ليس غرضنا من تسميته قياساً استثنائياً إلّا تقريب المطلب إلى الذهن باختصار المقدّمات التي ذكرت لدليل الانسداد. و حاصل المطلب: هو أنّه قد انسدّ علينا باب العلم و العلمي، و مقتضاه أوّلًا هو وجوب الاحتياط، لكن لا يمكننا الالتزام بالاحتياط التامّ، فلا بدّ من الالتزام بشي‏ء آخر هو تبعيض الاحتياط، أو استكشاف حجّية الظنّ شرعاً، فتسامحنا و سمّينا هذا التقريب قياساً استثنائياً، و قلنا إنّه لو انسدّ علينا باب العلم و العلمي لوجب علينا الاحتياط في جميع الاحتمالات، لكن الاحتياط المذكور ليس بواجب، فلا بدّ من التبعيض أو سقوط الاحتياط بالمرّة و إيجاب الشارع علينا العمل بالظنّ.

و مرجع المقدّمة الأُولى إلى إثبات المقدّم، و مرجع المقدّمة الثانية إلى إثبات التالي، و هو وجوب الاحتياط التامّ ببرهان العلم الاجمالي، أو الإجماع على عدم الاهمال، أو أنّه- أعني الاهمال- موجب للخروج عن الدين.

و مرجع المقدّمة الثالثة إلى إثبات المستثنى، أعني إثبات كون الاحتياط

48

المذكور غير واجب بالإجماع على عدم الاحتياط بأحد تقريبي الإجماع، اللذين يكون مفاد الأوّل منهما عدم وجوب الاحتياط التامّ، و الثاني منهما إلى عدم جوازه منعاً للاطاعة الاحتمالية، أو بأنّ الاحتياط التامّ موجب لاختلال النظام أو العسر و الحرج.

و مرجع المقدّمة الرابعة إلى إثبات نتيجة ذلك القياس الاستثنائي، إمّا بتبعيض الاحتياط، أو باستكشاف جعل الظنّ حجّة شرعية، و نحن إذا منعنا حجّية الإجماع على عدم الإهمال، و منعنا من الاكتفاء بكونه موجباً للخروج من الدين، و قلنا إنّه ليس في البين إلّا العلم الاجمالي، و كذلك منعنا من حجّية الإجماع على عدم الاحتياط بكلا وجهيه، و حصرنا الدليل في المقدّمة الثالثة على عدم الاحتياط بكونه موجباً لاختلال النظام أو للعسر و الحرج، و قلنا إنّ الدرجة الأُولى في إسقاط الاحتياط هي العسر و الحرج، تكون النتيجة هي تبعيض الاحتياط، فلاحظ و تدبّر.

أمّا الوجه في منع الإجماع على عدم الإهمال، فلأنّه ليس هناك تحرير للمسألة كي يقال إنّهم أجمعوا على ذلك، خصوصاً بعد البناء على كون مدرك الإجماع هو الكشف عن الأخذ من المعصوم. مضافاً إلى أنّه ليس المنع من الاهمال إلّا إرشاداً عقلياً واقعاً في مقام الاطاعة، فلا يكون هذا الحكم العقلي إلّا ناشئاً عن ذلك العلم الاجمالي. و لو سلّمنا أنّ العلم الاجمالي لا ينجّز لم يكن الحكم بعدم الاهمال شرعياً، بل لا يخرج عن كونه بحكم العقل الناشئ عن لزوم اتّباع الشريعة و المنع عن إهمالها، و حينئذٍ فلا يدخله الإجماع و لا يكون حكماً شرعياً.

و من ذلك تعرف الحال في الدليل الثاني، أعني لزوم الخروج من الدين، إذ

49

لا ينبغي الريب في أنّ المنع من الخروج من الدين ليس من الأحكام الشرعية، بل هو من الأحكام العقلية راجع إلى لزوم الطاعة و الانقياد و الخضوع للقوانين الشرعية، و المنع من الاسترسال و إطلاق العنان و عدم التقيّد بالقوانين الشرعية.

و على كلّ حال أنّه حكم عقلي واقع في مقام الاطاعة و الالزام بالامتثال، فلا يكون حاله إلّا كحال ما يقتضيه تنجيز العلم الاجمالي، فلو قلنا إنّ هذا الحكم العقلي قاض بالاحتياط فلا يكون الاحتياط فيه إلّا حكماً عقلياً، و لا يقف في قبال هذا الحكم العقلي إلّا اختلال النظام أو العسر و الحرج. أمّا الإجماع بالمعنى الأوّل أعني عدم لزوم الاحتياط التامّ، فأين هذه الفتوى و أين إجماعهم عليها، و لو سلّم فلا أخاله إلّا ناشئاً عن اختلال النظام أو عن العسر و الحرج. و كذلك الحال في الإجماع على أنّ الشارع لا يريد الامتثال الاحتمالي.

و إن كان المراد به هو أنّه لا بدّ من إحراز للأمر، فإن أخرجناه عن حيّز القول بنيّة الوجه أو القول بلزوم الاطاعة الجزمية، لم يكن له معنى محصّل، إلّا أنّ الشارع يريد من عباده التعبّد بقوانين الشريعة، و أنّ السعي وراء الاحتمال ليس بتعبّد بها، و هذا أمر لعلّه يمكننا المساعدة عليه في الجملة، لكنّه إنّما يكون غير مرضي إذا جرى عليه جميع أهل الشريعة، دون ما لو جرى عليه بعض الآحاد منهم، مع كون الشريعة قائمة بأهلها. على أنّه لو كان بالنسبة إلى الجميع لم يكن المنع عنه إلّا بحكم العقل، لأنّ العقل لا يرى العامل بالاحتياط آخذاً بقوانين الشريعة. على أنّه لو كان شرعياً فأين هذا الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام)، و من حرّر هذه المسألة كي ندّعي أنّهم أخذوها من المعصوم (عليه السلام).

و لعمري إنّ هذه الإجماعات أردأ من دعوى إجماعهم على الحكم استناداً

50

إلى إجماعهم على حجّية الخبر الدالّ عليه بزعم الحاكم. و في الحقيقة أنّ هذه الاجماعات من قبيل دعوى أنّ المطلب الفلاني يحكم به العرف، أو يحكم به العقلاء، أو يحكم به العقل، في حين أنّ المدّعي لم يسأل العرف و لا العقلاء، و لا أنّ العقل له قوانين مسجّلة و هذا من جملتها، بل ليس في البين إلّا أنّ المدّعي يحكم بذلك بما أنّه أحد أهل العرف أو أحد العقلاء فينسبه إلى العرف أو إلى العقلاء أو إلى العقل، و في الحقيقة لا يكون في البين إلّا حكم عقل الناقل، و كان الأحرى أن يقول إنّ ذوقي أو عقلي يحكم بذلك.

ثم لو أغضينا النظر عن ذلك كلّه، فلما ذا يتعيّن الظنّ المطلق للحجّية المستكشفة، و لما ذا لا نقول إنّ ذلك كاشف عن جعله خبر الواحد حجّة.

ثمّ إنّ أصل هذا الكشف قابل للمنع، و لما ذا هذا الاستكشاف، و لِمَ لا نقول إنّ الشارع قد بلّغ الأحكام و فتح باب العلم و العلمي للمكلّفين، و قل إنّه شرط عليهم في الامتثال أن لا يكون بطريق الاحتمال، و لكنّهم قد ضيّعوا على أنفسهم و سدّوا على أنفسهم باب العلم و العلمي، أو أنّ بعضهم كان السبب في ذلك التضييع فانحرم الجميع من القوانين الشرعية، و ليس ذلك بغريب، فإنّا نلتزم بمثل ذلك في الإمام (عليه السلام) بالنسبة إلى من لم يقل بإمامته و لم يكن عمله بدلالته، بل بالنسبة إلينا القائلين بإمامته فيما حرمناه من الأحكام الباقية عنده المكتومة لديه، و كلّ ذلك في عنق من منعه من التصرّف.

و حينئذٍ لا يكون في البين إلّا العلم الاجمالي، و طبعه الأوّلي الاحتياط التامّ، إلّا أنّه بالتمام ساقط للعسر و الحرج قبل الوصول في العمل به إلى حدّ اختلال النظام، و تكون النتيجة هي التبعيض في المحتملات على الاطلاق، فيحتاط حتّى‏