أصول الفقه - ج8

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
612 /
1

-

2

[تتمة أصالة الاشتغال‏]

[تتمة دوران الأمر بين المتباينين‏]

المنضّد: تنضيد الكفيل: 7812689211- 7706379103

3

[ملاقي أطراف العلم الاجمالي‏]

قوله: و تفصيل ذلك: هو أنّه لا إشكال في وجوب ترتيب كلّ ما للمعلوم بالاجمال من الآثار و الأحكام الشرعية على كلّ واحد من الأطراف، تحصيلًا للقطع بالامتثال و الفراغ عمّا اشتغلت الذمّة به، فكما لا يجوز شرب كلّ واحد من الاناءين اللذين يعلم بخمرية أحدهما، كذلك لا يصحّ بيع كلّ واحد منهما، للعلم بعدم السلطنة على بيع أحد الاناءين، فلا تجري أصالة الصحّة في بيع أحدهما ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ لزوم تحصيل القطع بالامتثال و الفراغ عمّا اشتغلت به الذمّة لا دخل له بصحّة البيع و فساده، و نحو ذلك من الآثار الوضعية، إذ ليس في مثل ذلك اشتغال للذمّة بشي‏ء كي يتأتّى فيه أنّ شغل الذمّة اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فإنّ هذه القضية إنّما تقال في الأحكام التكليفية الالزامية، و أين ذلك من الأحكام الوضعية كالصحّة و الفساد. كما أنّ حديث سلب السلطنة لا دخل له أيضاً بتنجيز العلم الاجمالي لما تعلّق به من التكليف الالزامي، و لا ربط له بكون المبيع أحد طرفي العلم الاجمالي بالخمرية كي يتكلّم فيما لو كان بيع أحدهما متأخّراً عن بيع الآخر، و أنّ ذلك من قبيل تنجّز الحكم قبل وجود موضوعه الذي هو بيع الآخر، إلى آخر ما أُفيد من الجمل المسطورة في هذه الصفحة إلى قوله: و على هذا يتفرّع‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 68.

4

وجوب الاجتناب عمّا للأطراف من المنافع و التوابع المتّصلة و المنفصلة الخ‏ (1)، فإنّ كلّ واحدة من هذه الجمل له مورد و مأخذ غير مورد الجملة الأُخرى و مأخذها.

أمّا عدم صحّة بيع أحد طرفي العلم الاجمالي بالخمرية أو بالنجاسة، فإنّ مأخذه هو أنّ النهي عن التصرّف بالخمر أو النجس يوجب سلب منافعه الموجب لإسقاطه عن المالية، فمع العلم الاجمالي به و سقوط الأصل في جواز التصرّف فيه يكون ملحقاً بما يشكّ في ماليته، و لا دخل لسلب السلطنة في ذلك، و لا لكون التكليف المعلوم بالاجمال ممّا اشتغلت به الذمّة. نعم لو كان بيع الخمر أو النجس محرّماً شرعياً مولوياً، و كان تحريم المعاملة موجباً لفسادها لكونه موجباً لسلب السلطنة عليها، كان المقام من موارد شغل الذمّة، و كان من قبيل سلب السلطنة، إلّا أنّ المرجع فيه ليس هو أصالة الصحّة، بل أصالة البراءة من الحرمة، و هي مورد التعارض لا أصالة الصحّة.

و ربما كان العلم الاجمالي موجباً للشكّ في مملوكيته، كما لو علم بأنّ أحد هذين الشخصين المعروضين للبيع حرّ، و ربما كان موجباً للشكّ في السلطنة عليه، كما لو علم بأنّ أحد المعروضين للبيع مرهون أو متعلّق لحقّ شخص آخر بغير الرهانة، فإنّ جميع ما كان من هذا القبيل يكون العلم الاجمالي فيه موجباً للشكّ في تحقّق شرط من شروط البيع فيه مع عدم الأصل المحرز له، لكونه حسب الفرض مورداً للعلم الاجمالي الموجب لسقوط الأصل المذكور فيه، و مع عدم إحراز الشرط المذكور يكون البيع فيه مورداً لأصالة الفساد، بمعنى أصالة عدم ترتّب الأثر، و هذا هو الحجر الأساسي في هذين المثالين.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 73.

5

نعم، في الأوّل منهما جهة تكليفية راجعة إلى البائع توجب منعه من بيع أحدهما إذا فرض كونه يعلم إجمالًا أنّه غير مالك لأحد الشخصين، و تلك الجهة هي منعه من التصرّف فيما لا يملكه، كما أنّه في المثال الثاني جهة تكليفية راجعة إليه توجب سلب سلطنته عن بيع أحد الأمرين المذكورين، و تلك الجهة هي علمه بأنّه مسلوب السلطنة عن بيع المرهون منهما الناشئة عن حرمة تصرّفه بالبيع فيما هو متعلّق لحقّ الغير.

ثمّ إنّه في خصوص النحو الأوّل، أعني العلم الاجمالي بالخمرية أو النجاسة، الموجب للشكّ في المالية من جهة الشكّ في جواز الانتفاع به، وقع البحث في أنّ المدار فيه على المنع الشرعي الواقعي المعلوم في البين، كي يكون الحكم بفساد البيع حكماً ظاهرياً محتاجاً إلى أصالة عدم ترتّب الأثر، بحيث إنّه لو وقع البيع عليه ثمّ انكشف أنّه غير الخمر أو أنّه ليس هو النجس المعلوم في البين، ينكشف خطأ ذلك الحكم، أو أنّ المدار فيه على المنع من الانتفاع الذي يحكم به العقل من جهة العلم الاجمالي، كي يكون الحكم بفساد البيع حينئذ حكماً واقعياً على وجه لو انكشف بعد بيع الطرف أنّه لم يكن هو الخمر أو أنّه لم يكن هو النجس، يكون ذلك من قبيل تبدّل الموضوع، نظير الخمر ينقلب خلًا بعد البيع.

و هذا البحث عام لصورة العلم الاجمالي و لغيره من مجاري الأُصول المانعة من الانتفاع، مثل أصالة عدم التذكية في الجلد أو اللحم، بل يشمل حتّى مثل القطع المتعلّق بنجاسة ما هو طاهر واقعاً إذا انكشف الخلاف بعد البيع. و حاصل البحث يرجع إلى أنّ المدار في سلب المنافع على النهي الشرعي الواقعي، أو على مجرّد المانع من الانتفاع، سواء كان هو العلم الاجمالي أو الأصل المانع أو القطع بالنجاسة، و لازم ذلك اختلاف الأشخاص في كون الشي‏ء الواحد مالًا بالنسبة إلى‏

6

من كان عالماً بحاله، و غير مال واقعاً بالنسبة إلى الشاكّ، و ربما كان أحدهما هو البائع و الآخر هو المشتري، و لا يخفى غرابته.

و لا يخفى أنّ هذا البحث إنّما يتأتّى فيما يكون الإشكال في تحقّق المالية من جهة المنع من الانتفاع، و أمّا ما يكون من قبيل ما ليس له منفعة واقعية مثل الخنافس و الديدان، فلا شبهة في عدم تأتّي البحث المزبور فيه، إذ لا ريب في أنّ القطع بكون هذا المبيع مالًا أو أنّه بالذات ليس بمال، أو قيام الأصل أو الأمارة مثل البيّنة على أنّه مال ذاتاً أو ليس بمال ذاتاً، لا يكون مغيّراً للواقع و موجباً لقلبه من المالية إلى عدمها، أو من عدم المالية إلى المالية، فلا يكون الصحّة و الفساد في مثل تلك الموارد إلّا ظاهراً، و عند تبيّن الخلاف ينكشف الخلاف أيضاً في الصحّة و الفساد، و قد شرحنا ذلك بما لا يمكننا فعلًا الزيادة عليه في شرحنا لعبارته (قدس سره) في الوسيلة، فراجعه‏ (1).

قوله: فأصالة الصحّة في بيع كل من الاناءين من أوّل الأمر و لو قبل صدور البيع تجري و تسقط بالمعارضة ... الخ‏ (2).

قد اتّضح ممّا قدّمناه أنّه لا مجرى في مثل ذلك لأصالة الصحّة، بل المرجع في جميع ذلك إلى أصالة عدم ترتّب الأثر المعبّر عنها بأصالة الفساد، حتّى في مثل العلم الاجمالي بأنّ أحد الطرفين مغصوب و ليس بمملوك للبائع، لعدم إحراز الشرط الذي هو الملكية، و لأصالة الحرمة في الأموال، بل لو قلنا بأصالة الحلّية لكان المانع هو عدم إحراز الشرط، و لو قلنا بتقدّم أصالة الحلّية على قاعدة عدم إحراز الشرط و أصالة الفساد، لم يكن المرجع حينئذ هو أصالة الصحّة، بل كان‏

____________

(1) مخطوط لم يطبع بعد.

(2) فوائد الأُصول 4: 69- 70.

7

المرجع هو أصالة الحل في التصرّف الذي هو البيع. و هذا الأصل و إن كان موافقاً في النتيجة لأصالة الصحّة، إلّا أنّه لكونه حاكماً عليها يكون هو المرجع لا أصالة الصحّة.

و بالجملة: أنّه لم يظهر الوجه في كون المرجع في كلّ واحد من الطرفين هو أصالة الصحّة، و أنّها إنّما تسقط بالمعارضة على جميع التقادير و في جميع فروض العلم الاجمالي بانتفاء شرط من شروط البيع، و إن شئت [قلت:] إنّ مورد أصالة الصحّة إنّما هو بعد وقوع الفعل المشكوك لا قبل الإقدام عليه.

قوله: و على هذا يتفرّع وجوب الاجتناب عمّا للأطراف من المنافع و التوابع المتّصلة و المنفصلة، كما لو علم بمغصوبية إحدى الشجرتين، فإنّه كما يجب ... الخ‏ (1).

الأولى أن يقال: إنّ ما هو التابع لأحد الأطراف أعني ما يكون له نحو تعلّق به على وجه يكون لذلك التابع حكم، لو كان المعلوم بالاجمال منطبقاً على متبوعه يكون على أنحاء:

أحدها: ما يكون من قبيل اتّساع وجود ذلك الطرف المتبوع له كما في نموّها بل و ثمرتها، فإنّ الشجرة المغصوبة و إن كان التحريم عند الغصب وارداً على نفسها، لكنّها لو كبرت أو أثمرت كانت تلك الزيادة فيها محرّمة بعين تلك الحرمة الواردة على الشجرة، لا حرمة جديدة على موضوع جديد، و هكذا الحال في ثمرتها و حمل الحيوان المغصوب و نحو ذلك، فإنّه يلزم الاجتناب عنه عند وجوده و إن لم يكن موجوداً حين العلم الاجمالي، لما عرفت من كون الاجتناب عنه عين الاجتناب عن أصله، لأنّه من قبيل اتّساع ذلك المعلوم بالاجمال.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 73.

8

و بذلك يتّضح لك الخدشة فيما أُفيد في التقريرات المطبوعة في صيدا في توجيه وجوب الاجتناب عن مثل الثمرة المذكورة بمسألة تمامية الملاك، و ذلك قوله: و مجرّد تأخّر وجود الشي‏ء عن ظرف وجود العلم بعد تمامية ملاك حكمه لا يكون مانعاً عن تنجيزه الخ‏ (1) إذ لو كان تمامية الملاك كافياً في التنجيز لكان العلم الاجمالي المردّد بين المقدور و غير المقدور منجّزاً، اللهمّ إلّا أن يريد بالملاك هو غصبية الأصل الذي يتّسع بالاثمار، كما ربما يستفاد ذلك من قوله:

فكذلك يوجب (العلم الاجمالي) تنجّز الأحكام المترتّبة على ما يعد من شئونها التابعة لها خطاباً و ملاكاً الخ.

النحو الثاني: ما يكون من قبيل السراية، بحيث إنّ التابع يكون موضوعاً جديداً لا أنّه من قبيل اتّساع الموضوع السابق، و لكن الحكم الذي هو الحرمة يسري إليه من أصله الذي هو المتبوع، و لك أن تسمّي هذا القسم بأنّه من قبيل الاتّساع في الحكم، و إن كان ذلك ملازماً للاتّساع في الموضوع، و ذلك مثل الحرمة الطارئة على أُمّ الشخص الرضاعية، فإنّها بالرضاع تطرأ عليها، و لكنّها تسري منها إلى فروعها و أُصولها و حواشيها، و إن كنّ متأخّرات عن طروّ الحرمة عليها أو متقدّمات عليها. و لك أن تجعل هذا المثال من قبيل النحو الأوّل أعني اتّساع الموضوع، نظراً إلى أنّ حدوث الرضاع يكون موجباً لحرمة سلسلة هذا النسب و حواشيه، غايته أنّ تلك المجموعة النسبية تتّسع و تتضيّق بواسطة كثرة أفرادها و قلّتهم. و هكذا الحال في سراية الرقّ من المملوك إلى أولاده المتأخّرين عن ملكيته، فإنّه أيضاً يمكن أن يكون من قبيل الاتّساع، فيكون أولاد الرقّ رقّاً كأولاد الحيوان و ثمرة الشجرة.

____________

(1) أجود التقريرات 3: 441.

9

و بالجملة: لا أتخطّر فعلًا مثالًا يتعيّن كون الحكم فيه من قبيل السراية من أحد الموضوعين إلى الآخر، بحيث يكون أشبه شي‏ء بالعدوى، بل إنّ شيخنا الأُستاذ (قدس سره)(1) جعل السراية في ملاقي النجس من قبيل اتّساع دائرة النجس الملاقى، بل إنّ السراية الحقيقية التي هي من قبيل العدوى لا تكون إلّا من قبيل الموضوع الجديد.

ثمّ إنّ تنزيل حرمة الأُصول و الحواشي و الفروع بالنسبة إلى حرمة الأُمّ على السراية و الاتّساع سيأتي‏ (2) إن شاء اللَّه تعالى أنّه في غاية البعد، و أنّه ينبغي الجزم بعدمه، فإنّ ضابط الاتّساع و السراية هو أن يكون حرمة التابع فيها مستفاداً من دليل الحرمة في أصله، و من الواضح أنّ حرمة الأُصول و الحواشي و الفروع لا تكون مستفادة من دليل حرمة الأُمّ، بحيث إنّا لو خلّينا نحن و قوله تعالى‏ «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» (3) لكانت هذه الجملة الشريفة وحدها دليلًا على حرمة الجدّة للأُمّ و الخالة و الأُخت، كما يستفاد حرمة ثمرة الشجرة المغصوبة من حرمة نفس الشجرة و غصبها.

و على أيّ حال فإنّ هذين النحوين لو وقع المتبوع فيهما طرفاً للعلم الاجمالي يكون مؤثّراً في ناحية التابع، و يوجب الاجتناب عنه.

و الأولى أن يقال: إنّ الأوّل من قبيل اتّساع الفرد، و الثاني من قبيل اتّساع الأفراد تحت عنوان واحد، و الثالث من قبيل الاتّساع في العناوين المتعدّدة، أعني عناوين النسب مثلًا.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 77.

(2) في الصفحة: 19 و ما بعدها.

(3) النساء 4: 23.

10

النحو الثالث: أن لا يكون من قبيل اتّساع الموضوع و لا من قبيل السراية، بل يكون موضوعاً جديداً محكوماً بحكم جديد، غايته أنّه قد يكون الحكم فيه من سنخ الحكم في المتبوع، و ربما كان مخالفاً له، كما في وجوب الغسل على من مسّ الميّت المفروض أنّ حكمه النجاسة لكونه ميتة، و وجوب الحدّ على من شرب الخمر، لكن في جميع ما كان من هذا القبيل لا يكون المتبوع أجنبياً عن حكم التابع، بل يكون له المدخلية فيه على نحو يكون جزء الموضوع، غايته تارةً يكون تحقّق ذلك المتبوع و التابع كافيين في تحقّق الحكم في التابع، كما في وجوب الغسل على من مسّ الميّت، و أُخرى يكون متوقّفاً على جهة أُخرى مثل العلم كما في وجوب الحدّ، فإنّه لا يكفي فيه مجرّد تحقّق الخمرية و شربها، بل لا بدّ فيه أن يكون الشرب عن علم و عمد.

أمّا علم الحاكم فالظاهر أنّه أيضاً له المدخلية في الموضوع، و إلّا لكان علمه الاجمالي بأنّ أحد الشخصين قد ارتكب ما يوجب الحدّ موجباً لزوم الاحتياط، فتأمّل.

ثمّ إنّ ما للعلم مدخلية فيه يكون دائراً مداره، فلو كان حين الشرب مجهولًا أو مشكوك الخمرية، لكن علم به بعد ذلك، لم يكن له أثر في وجوب الحدّ، بخلاف القسم الأوّل الذي يكفي فيه مجرّد تحقّق المتبوع و التابع، فإنّه لو مسّ الميّت جاهلًا بكونه ميتاً ثمّ علم بعد ذلك وجب عليه الغسل بلا إشكال على الظاهر. و على أيّ حال فإنّ المتبوع في هذا النحو لو وقع طرفاً للعلم الاجمالي لم يكن ذلك مؤثّراً في تنجيز حكم التابع، لما عرفت من كونه حكماً جديداً على موضوع جديد، هذا في القسم الأوّل.

أمّا الثاني فلا ريب فيه في عدم تحقّق موضوع الحكم في التابع، لما عرفت‏

11

من توقّفه على العلم و العمد، فلا أثر فيه للعلم الاجمالي حتّى فيما يكون ذلك الأثر لاحقاً لنفس المتبوع، فضلًا عمّا إذا كان لاحقاً لتابعه.

ثمّ إنّ الحكم في القسم الأوّل- أعني مثل وجوب الاجتناب عن ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة بناءً على أنّه منه- و إن كان حكماً جديداً على موضوع جديد، لكن حيث كان المتبوع جزءاً من الموضوع في الحكم التابع، كان الأصل الجاري فيه حاكماً على الأصل الجاري في التابع، فلو كان الشي‏ء مشكوك النجاسة و لاقاه شي‏ء آخر برطوبة، كانت قاعدة الطهارة في المشكوك حاكمة على قاعدة الطهارة في ملاقيه، و إن كانا متوافقين. و لو كان المشكوك ممّا تجري فيه الأُصول المثبتة، مثل الجلد المشكوك الذي هو في حدّ نفسه مجرى لأصالة عدم التذكية الموجبة للحكم بكونه نجساً لكونه ميتة، أو كان مستصحب النجاسة، كان الأصل فيه حاكماً على قاعدة الطهارة في ملاقيه، و كان الملاقي له محكوماً بالنجاسة. و في مثل القطعة التي لا يعلم أنّها من إنسان أو غيره ممّا لا يكون نجساً، لمّا لم يكن لنا أصل ينقّح به حالها، يكون ملاقيها مجرى لاستصحاب الطهارة من الخبث أو لقاعدتها، كما أنّه لو كان الملاقي لها إنساناً يكون مجرى لاستصحاب الطهارة من الحدث أيضاً، أو لأصالة البراءة من وجوب الغسل.

و لو وقع الملاقى في المثال الأوّل طرفاً للعلم الاجمالي بالنجاسة، سقطت قاعدة الطهارة فيه و جرت قاعدة الطهارة في ملاقيه. و كذا في المثال الثاني لو وقع طرفاً للعلم الاجمالي المردّد بينه و بين ما هو من سنخه ممّا يكون في نفسه مجرى للأصل المثبت، بناءً على سقوط الأُصول الاحرازية في مورد العلم الاجمالي. و لو كانت مثبتة للتكليف، فإنّه أيضاً يكون المرجع في ملاقيه هو قاعدة الطهارة.

و أمّا بناءً على عدم سقوط الأُصول المذكورة في أطراف العلم الاجمالي،

12

فإنّه يكون الحكم في ملاقيه هو الحكم فيما لو لم يكن الملاقى طرفاً للعلم الاجمالي في سقوط قاعدة الطهارة فيه، لكونها محكومة لاستصحاب النجاسة أو أصالة عدم التذكية.

و منه يعلم الحال فيما لو كان المورد المذكور طرفاً في العلم الاجمالي لما هو في نفسه مجرى لقاعدة الطهارة أو استصحابها، فإنّه ينحلّ العلم الاجمالي، و يبقى المورد على ما كان عليه قبل العلم الاجمالي من كونه مجرى لاستصحاب النجاسة أو أصالة عدم التذكية الموجبة للحكم بنجاسة ملاقيه.

و من ذلك يعلم الحال في المثال الثالث، فإنّه لو وقع مورداً للعلم الاجمالي، فبالنسبة إلى وجوب الغسل بمسّه يكون حاله حال ملاقي الشبهة في عدم وجوب الغسل على من مسّه.

[التعرّض لمسألة مسّ قطعتين يعلم أنّ إحداهما من ميّت إنسان‏]

لكن قال في العروة: مسألة 4: إذا كان هناك قطعتان يعلم إجمالًا أنّ أحدهما من ميّت الإنسان، فإنّ مسّهما معاً وجب عليه الغسل، و إن مسّ أحدهما ففي وجوبه إشكال، و الأحوط الغسل‏ (1). و كتب شيخنا (قدس سره) على قوله «إشكال»: أقواه عدم وجوبه.

و لا ريب في أنّ المنشأ في استشكاله ليس راجعاً إلى الشكّ في طهارة الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة، فإنّه حكم هناك بأنّه لا يحكم بنجاسته‏ (2)

____________

(1) العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 2: 7.

(2) لا يخفى أنّ نصّ عبارته في الملاقي هو قوله في م 6: ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة، لكن الأحوط الاجتناب [العروة الوثقى (مع تعليقات عدّة من الفقهاء) 1: 114- 115]. و لا ريب أنّ عدم الحكم بالنجاسة ملازم في المقام للحكم بالطهارة، ركوناً إلى قاعدة الطهارة، فهو كقوله في مسألة 3 من فصل النجاسات: إذا لم يعلم كون حيوان معيّن أنّه مأكول اللحم أو لا، لا يحكم بنجاسة بوله و روثه- إلى أن قال:- ففي جميع هذه الصور يبني على طهارته [المصدر المتقدّم: 123- 125]. فما قيل من: أنّ ظاهر عبارة المتن التوقّف في المسألة، لأنّ الاحتياط الذي ذكره لم يكن مسبوقاً بالفتوى بالجواز، إلى آخر ما في المستمسك [1: 261] لا يخلو عن تأمّل [منه (قدس سره)‏].

13

كما أنّه لا يمكن أن يكون المنشأ في إشكاله هو احتمال كون وجوب غسل المسّ من قبيل السراية أو الاتّساع، لأنّ ذلك ممّا لا يمكن نسبة احتماله إلى مثله، إذ لا ريب في أنّ وجوب الغسل على من مسّ الميّت من قبيل الحكم الجديد على موضوع جديد.

كما أنّه لا يمكن أن يكون المنشأ في إشكاله هو احتمال كون الحكم الجديد الطارئ حكماً على نفس الملاقى، بأن يكون حكم الميّت هو وجوب الغسل على من مسّه، فإنّا لو فتحنا هذا الاحتمال بحيث كان وجوب الاجتناب عن الملاقي لاحقاً لنفس الملاقى، لم يكن لنا في البين حدّ خاصم، فإنّ كلّ حكم يكون قابلًا للجهتين حتّى الحكم في ملاقي النجس، فكما أنّه يصحّ أن يقال: إنّ النجس يجب الاجتناب عن ملاقيه، فكذلك يصحّ أن يقال: إنّه يجب الاجتناب عن ملاقي النجس.

و هكذا الحال في غسل المسّ، فإنّه كما يصحّ أن نقول: إنّ الميّت يجب الغسل بمسّه، كذلك نقول: إنّ الحي يجب عليه الغسل بمسّ الميّت، و هذه ليست إلّا من باب محض التعبير التي لا تكاد تؤثّر في الواقع، و لا يمكن أن تجعل هي المنشأ في الإشكال المزبور. و لا يمكن أن ننسب إلى هذين العلمين 0 أنّ‏

14

منشأ الخلاف بينهما هي هذه الجهة.

و يمكن أن يقال: إنّ منشأ الإشكال و الخلاف بينهما مطلب آخر، و ذلك هو أنّ الحكم اللاحق للتابع تارةً يكون حكماً مجرّداً ناشئاً عن ملابسته للمتبوع، و أُخرى تكون الملابسة موجبة لتحقّق صفة في التابع و يكون الحكم فيه لاحقاً لتلك الجهة، مثلًا غسل المسّ على من مسّ الميّت تارةً نقول إنّه وجوب صرف تعبّدي لاحق لمن مسّ الميّت، فيكون أشبه شي‏ء بالكفّارة لمن وطئ زوجته الحائض، و أُخرى نقول إنّ المسّ يوجب تحقّق الحدث للماس، و يكون حكم ذلك الحدث هو وجوب الغسل، فمثل ملاقي النجس من هذا القبيل قطعاً، لكونه موجباً لنجاسة ملاقيه، و هذه الجهة أعني النجاسة في الملاقي- بالكسر- يكون حكمها وجوب الاجتناب، فإذا قلنا إنّ نجاسة الملاقي- بالكسر- ليست بالسراية بل من باب حدوث نجاسة جديدة، بناءً على ما تقدّم و يأتي من عدم كون ذلك من قبيل سراية النجاسة و اتّساعها، بل إنّ نجاسة الملاقي تكون نجاسة جديدة حدثت بالملاقاة، فيكون المرجع فيها هو قاعدة الطهارة في الملاقي و جواز ارتكابه. و منشأ الإشكال في غسل المسّ هو هذه الجهة، و هي أنّه هل يكون مسّ الميّت موجباً لتحقّق صفة الحدث للماس حتّى يكون حكمه في مقام العلم الاجمالي حكم ملاقي النجس، أو أنّه لا يوجب حدثاً بل هو تكليف صرف حدث بالمسّ، فلا يكون حكمه حكم ملاقي النجس، بل يكون هذا الحكم من الأحكام المنجّزة بالعلم الاجمالي لكونه في الحقيقة لاحقاً للميّت.

و لكنّي في شكّ من نسبة هذا المطلب- أعني عدم كون المسّ موجباً للحدث- إلى السيّد (قدس سره)، و سيأتي‏ (1) إن شاء اللَّه تعالى في الفرع الأخير ما هو الأولى‏

____________

(1) في الصفحة: 22 و ما بعدها.

15

في تنزيل إشكاله (قدس سره).

و أمّا مسألة الوطء في حال الحيض، فهو و إن كان من حيث إيجاب الكفّارة على الواطئ من هذا القبيل، و مقتضى ذلك هو لزوم الكفّارة على من وطئ إحدى زوجتيه مع العلم بأنّ إحداهما حائض، إلّا أنّهم قيّدوا وجوب الكفّارة بالعلم التفصيلي، فلذلك أسقطوا عنه الكفّارة و إن كان ممنوعاً من الوطء للعلم الاجمالي كما صرّح به في النجاة (1).

و المثال الواضح لما يكون الحكم على التابع حكماً مجرّداً ناشئاً عن ملابسته للمتبوع، و لم تكن فيه الملابسة موجبة لجهة وضعية في التابع، لكي تكون تلك الجهة الوضعية موضوعاً لحكم ذلك التابع- نظير موضوعية نجاسة الملاقي- بالكسر- الحادثة من ملاقاة النجس لوجوب الاجتناب عنه، و نظير الحدث الحاصل للماس الناشئ عن مسّه للميّت في كونه موضوعاً لوجوب الغسل- هو وجوب سجود السهو على من سها في واحدة معيّنة من الصلوات المتعدّدة التي يأتي بها احتياطاً من جهة العلم الاجمالي، كمن كان وظيفته تكرار الصلاة من جهة القبلة أو من جهة كون ساتره منحصراً في ثوبين يعلم إجمالًا بنجاسة أحدهما، أو فاتته فريضة واحدة مردّدة بين اثنتين، أو ثلاث كما لو كان الفائت مردّداً بين المغرب و العشاء و الصبح، فإنّه لو سها في واحدة معيّنة من تلك الصلوات المكرّرة، يلزمه سجود السهو لها، مع أنّ سجود السهو إنّما يجب في الفريضة الواقعية دون ما لم يكن مصادفاً للواقع، و لأجل ذلك ذكروا أنّ من سها

____________

(1) [لعلّه (قدس سره) استفاد ذلك من قوله: و يتبع التكفير الحكم بالحيضية شرعاً ... لا تحريم الوطء، فلو حرم الوطء لاحتمال الحيضية لم يلحقه حكم التكفير. راجع نجاة العباد: 16].

16

في فريضة و تبيّن بطلانها أو أبطلها، لم يجب عليه سجود السهو، و إن أوجبه بعضهم، و بعضهم فصّل بين ما لو كان عروض [المبطل‏] بعد طروّ السهو و ما لو كان قبله.

و على أي، فإن هذا المثال مبني على ما عرفت من عدم لزوم سجود السهو إذا لم تكن الفريضة التي وقع فيها السهو فريضة واقعية، فهو و إن لم يحرز أنّ تلك الفريضة التي سها فيها هي فريضته الواقعية، إلّا أنّ كونها طرفاً للعلم الاجمالي يوجب تنجّز وجوب سجود السهو لها.

لا يقال: هذا إنّما يتمّ لو كان وجوب سجود السهو من أحكام الفريضة الواقعية، فإنّه حينئذ يتنجّز بتنجّز تلك الفريضة، أمّا لو كان هو من أحكام السهو أو من أحكام الساهي و إن كان سببه هو السهو في الفريضة الواقعية، فلا يكون العلم الاجمالي المذكور منجّزاً له.

لأنّا نقول: هذا ما تقدّمت الاشارة [إليه‏] من أنّ مثل هذه الأحكام يصحّ نسبتها إلى كلّ من الطرفين، و لكن نقول إنّ نسبتها إلى ما هو الطرف في المعلوم بالاجمال أعني به المتبوع، لمّا كانت موجبة لتنجّزها، لم يكن أثر لنسبتها إلى التابع، لأنّ أثره إنّما هو عدم التنجّز، فيكون ذلك من قبيل المقتضي و اللّامقتضي، و من الواضح أنّ الثاني لا ينافي الأوّل و لا يزاحمه. و من هذا القبيل قضاء الأجزاء المنسية بناءً على ما هو غير بعيد من عدم كونها أجزاء، بل إنّ التكليف بقضائها يكون جديداً.

و من ذلك يظهر لك وجه آخر في تنجيز وجوب الاجتناب عن البنت النسبية أو الرضاعية، فيما لو كانت أُمّها أحد طرفي الشبهة المحصورة بالأُمومة الرضاعية أو النسبية للشخص، فإنّه يجب على ذلك الشخص الاجتناب عن تلك‏

17

البنت كما يجب عليه الاجتناب عن أُمّها، لكن لا من جهة السراية أو اتّساع الموضوع، بل من جهة أنّ الحرمة المذكورة هي حكم لكلّ من الأُمّ و البنت، فكما يمكنك أن تقول إنّ حكم أُمّ ذلك الشخص هو حرمة بنتها المذكورة، يصحّ لك أن تقول إنّ حكم بنت تلك الأُمّ هي الحرمة لكونها أُخته.

و في الحقيقة أنّ هذا الحكم الشرعي إضافة بينهما يصحّ إضافته لكلّ منهما، و هذا الحكم يعرضه التنجّز بالاضافة الأُولى، لأنّها مقتضية لتنجّزه، لكونه حينئذ من الأحكام اللاحقة لطرف الشبهة المحصورة، بخلاف الاضافة الثانية، فإنّها لا تقتضي تنجّزه لكونها مشكوكة بدواً، حيث إنّ الأُختية بينه و بين تلك البنت لم تكن طرفاً في الشبهة المحصورة، و لا ريب أنّ تنجّز الحكم المذكور من الجهة الأُولى لا ينافيه عدم تنجّزه من الجهة الثانية.

و لكنّه لا يخلو عن تكلّف، مضافاً إلى إمكان نقضه بمسألة الملاقي، فإنّه يصحّ أن يقال: إنّ وجوب الاجتناب يمكن أن يضاف إلى نفس النجس، فيقال إنّه يجب الاجتناب عن ملاقيه لكونه نجساً أيضاً، و يمكن أن يضاف إلى الملاقي- بالكسر- فيقال إنّ ملاقي النجس يجب الاجتناب عنه، إلى آخر التقريب المزبور.

فلا بدّ حينئذ في الجواب عن هذا النقض بأنّ إضافة مثل هذه الأحكام إلى الأصل إضافة صورية لا واقعية، و الاضافة الحقيقية إنّما هي إضافتها لموردها و موضوعها الذي هو الفرع، و بناءً على ذلك فيكون اللازم هو القول بعدم لزوم سجود السهو فيما مرّ من المثال. نعم في قضاء مثل السجدة المنسية يكون العلم منجّزاً، لأنّه من آثار الأصل و هو الصلاة الواقعية، فتأمّل فإنّه يمكن الفرق بين مسألة ملاقي النجس و بين مسألة الأُخت، فإنّ إضافة وجوب الاجتناب عن‏

18

الملاقي إلى أصله إضافة صورية باعتبار ملابسة الفرع له بالملاقاة، فيكون من قبيل وصف الشي‏ء بحال متعلّقه، لما عرفت من أنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- إنّما هو لأجل نجاسته، و ليست هذه النجاسة حكماً من أحكام المعلوم بالاجمال الذي هو نجاسة ما لاقاه، و إن كانت معلولة له، بخلاف حرمة البنت فإنّها من الآثار الشرعية اللاحقة لنفس الأُمّ، فتكون نسبة حرمة الأُخت إلى نفس الأُمّ إضافة حقيقية للحكم الشرعي على تلك الأُمّ بحرمة بنتها، بمعنى أنّ تحقّق الأُمومة عبارة أُخرى عن حرمتها و حرمة بنتها. و هكذا الحال في سجود السهو، فإنّ إضافة وجوبه إلى الصلاة الواقعية إضافة حقيقية.

و لكن مع هذا كلّه فللتأمّل في المسألة مجال واسع. و الأولى هو ما سيأتي‏ (1) في الفرع الأخير.

فرع: لو اشتبهت ذات البعل المزني بها في محصور،

فلا إشكال في تنجّز وجوب الاجتناب عن جميع أطراف الشبهة، و لكن لو كان لأحد هذه المحصورات بنت نسبية أو رضاعية، بناءً على أنّ الزنا بالأُمّ يوجب حرمة بنتها نسبية أو رضاعية، فهل يجب الاجتناب عنها نظراً إلى أنّ حرمتها من آثار أُمّها المزني بها، أو أنّه لا يجب الاجتناب عنها نظراً إلى أنّ حرمتها من عوارض البنت بواسطة تولّدها من المزني بها أو رضاعها منها، فيكون حالها حال ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة بالنجاسة؟

الظاهر الثاني، لأنّ الحرمة المنجّزة في أطراف العلم الاجمالي في صورة اشتباه ذات البعل المزني بها إنّما هي حرمة ذات البعل من حيث كونها ذات البعل، و لأجل ذلك لا يكون للعلم الاجمالي أثر لو كان مجرّداً عن كونها ذات بعل، و من‏

____________

(1) راجع الصفحة: 21- 22.

19

الواضح أنّ حرمة ذات البعل لا دخل لها بحرمة البنت، و إنّما الذي يوجب حرمة البنت هو الزنى بأُمّها و إن لم تكن ذات بعل، و هذه الحرمة و إن قلنا إنّها لاحقة للأُمّ، إلّا أنّها لم تكن من آثار المعلوم بالاجمال الذي هو الزنا من حيث إنّه بذات البعل. و لكن المسألة مشكلة فلا يترك الاحتياط بالترك.

و لعلّ من جملة فروع هذه المسألة ما لو عقد على من هي إحدى طرفي العلم الاجمالي بالعدّة، فإنّه و إن كان ممنوعاً من العقد عليها للعلم الاجمالي، لكن لو صادف كونها هي المعتدة هل تحرم عليه مؤبّداً، الظاهر أنّ حرمتها أبداً من قبيل وجوب الحدّ على من شرب أحد طرفي العلم الاجمالي بالخمرية.

و الأولى أن يقال: إنّ العلم بكونها ذات عدّة مأخوذ موضوعاً في الحرمة الأبدية، فإن شمل ذلك العلم المأخوذ موضوعاً للعلم الاجمالي ترتّبت الحرمة الأبدية، و إلّا كان ترتّبها متوقّفاً على دعوى قيام المنجّز للحرمة مقام العلم التفصيلي بالعدّة، بمعنى أنّ العلم بالعدّة المأخوذ موضوعاً في الحرمة الأبدية يقوم مقامه الطرق و الأمارات، بل و الاستصحاب. أمّا قيام منجّزية العلم الاجمالي فهو موقوف على أخذ العلم بالعدّة موضوعاً من حيث المنجّزية، فيقوم مقامه كلّ ما هو منجّز لحرمة العقد على ذات [العدّة]، و إن كان هو من جهة كونها طرفاً للعلم الاجمالي بالعدّة.

فرع أو تكميل‏ لأغلب ما تقدّم من الفروع: و هو أنّه لو تردّد المعلوم بالاجمال بين ذي التكليفين وذي التكليف الواحد، و كان أحد تكليفي ذي التكليفين مشروطاً بشرط لم يكن حاصلًا عند حصول العلم الاجمالي، سواء كان الشرط من قبيل القدرة العقلية ممّا هو أجنبي عن الملاك، أو كان من الشروط الشرعية الدخيلة في الملاك، ثمّ إنّ ذلك الشرط حصل بعد العلم الاجمالي و بعد

20

حصول نفس المعلوم بالاجمال أيضاً، مع بقاء كلّ من طرفي العلم الاجمالي بحاله، كما لو كان هناك إناء صغير و آخر كبير، و علم إجمالًا بحرمة الشرب من أحدهما، إمّا لكون الصغير من الذهب أو لكون ما في الكبير نجساً، فإن كان الثاني وجب عليه الاجتناب عن الشرب منه فقط، و إن كان الأوّل وجب عليه الاجتناب عن الشرب فيه و وجب عليه أيضاً كسره لكن بشرط التمكّن من ذلك أو بشرط كون الاناء مملوكاً له، مع كونه حين طروّ العلم الاجمالي غير متمكّن من كسره أو كونه غير مالك للاناء المذكور، و لكن بعد ذلك صار متمكّناً من كسره أو أنّه تملّكه بإرث و نحوه مع فرض بقاء كلّ من الاناءين بحاله، فالظاهر لزوم كسره، لتحقّق العلم الاجمالي حينئذ المردّد بين وجوب الاجتناب عن الشرب بالصغير مع لزوم كسره أو وجوب الاجتناب عن الشرب من الكبير، لأنّ التكليف بوجوب الاجتناب عن الشرب بالصغير مع لزوم كسره لا طولية بينهما و لا سببية و مسبّبية توجب حكومة الأصل الجاري في الأوّل على الأصل الجاري في الثاني، لكي يجاب عن هذا العلم الاجمالي بما سيأتي‏ (1) من الجواب عن العلم الاجمالي في مسألة ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة. فإن تمّ هذا المطلب في هذا الفرع كما هو الظاهر، ينحلّ الإشكال في جملة من الفروع السابقة حتّى مسألة الأُصول و الفروع و الحواشي لأحد طرفي الشبهة المحصورة بالأُمومة النسبية أو الرضاعية، فإنّ تنزيل تلك المسألة على دعوى السراية أو الاتّساع في غاية البعد، بل ينبغي الجزم بعدمه، فإنّ ضابط الاتّساع أو السراية هو أن تكون حرمة الفرع مستفادة من دليل الحرمة في أصله، و من الواضح أنّ حرمة الأُصول و الحواشي و الفرع لا تكون مستفادة من دليل حرمة الأُمّ، بحيث إنّا لو بقينا نحن و قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ‏

____________

(1) ستأتي الإشارة إليه في الصفحة: 23.

21

أُمَّهاتُكُمْ» (1) كانت هذه الجملة الشريفة وحدها دليلًا على حرمة الجدّة للأُمّ و الخالة و الأُخت، كما يستفاد حرمة ثمرة الشجرة المغصوبة من حرمة نفس الشجرة و غصبها.

لا يقال: إنّكم لو أخرجتموه من باب الاتّساع و السراية لكان ملحقاً بباب ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة بالنجاسة، لأنّ الشكّ في تحقّق الأُختية مثلًا مسبّب عن الشكّ في الأُمومة.

لأنّا نقول: إنّه و إن كان مسبّباً عنه تكويناً، إلّا أنّه ليس بشرعي يوجب الحكومة، بل إنّ كلًا من الشكّ في الأُختية و الأُمومة يكون مجرى للأصل في حدّ نفسه، سواء كان الأصل هو عدم النسب بينهما بالأُخوّة و الأُمومة، أو كان هو أصالة الحل، من دون حكومة للأصل في أحد الطرفين على الأصل في الآخر، حتّى فيما لو كانت الأُمومة رضاعية، فإنّا لو قلنا بجريان أصالة عدم الرضاع بينه و بين الأُمّ، لم يكن ذلك الأصل مزيلًا للشكّ في ناحية بنتها من حيث الأُخوّة، بل لا بدّ مع ذلك من الرجوع فيها [إلى الأصل‏] الجاري فيها بنفسها مثل أصالة عدم تحقّق الأُخوّة الرضاعية بينه و بينها، أو أصالة الحل فيما لو كانت البنتية بالولادة لا بالرضاع، و نحو ذلك.

على تأمّل في خصوص هذا الأخير، أعني ما لو كانت الأُمومة للشخص بالرضاع، فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الأُخوّة بينه و بين بنت المرضعة من الآثار الشرعية لرضاعه منها، لقوله (عليه السلام): «الرضاع لحمة كلحمة النسب» (2) فإنّ الشارع‏

____________

(1) النساء 4: 23.

(2) [لم يرد عنهم (عليهم السلام) حديث بهذا النصّ، نعم روي: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» راجع وسائل الشيعة 20: 371/ أبواب ما يحرم بالرضاع ب 1].

22

جعل ذلك الرضاع من الأُمّ موضوعاً للأُخوّة بينه و بين بنتها.

و لكن يمكن أن يقال أيضاً: إنّ الشارع لم يجعل الأُخوّة و لا البنوّة، فإنّ الرضاع محقّق وجداناً للأُمومة الرضاعية و الأُخوّة الرضاعية، و التصرّف إنّما هو في جعل تلك الأُمومة الرضاعية و هاتيك الأُخوّة الرضاعية بمنزلة الأُمومة النسبية و الأُخوّة النسبية. و الأظهر و الأوجه هو الوجه الثاني.

ثمّ لا يخفى أنّ هذا المطلب لو تمّ و قلنا بتنجّز التكليف الآخر عند حصول شرطه، فالظاهر أنّه يحتاج إلى التقييد المزبور، أعني بقاء الطرفين بحالهما، فلو كان حصول الشرط المذكور بعد تلف الطرف الآخر أو بعد سقوط التكليف الأوّل في ذي التكليفين بإراقة ما فيه أو بموت الأُمّ كما في المسألة المزبورة، لم يكن ذلك العلم مؤثّراً.

و حينئذٍ فتكون مسألة سجود السهو خارجة عن هذا الضابط، فإنّ السهو إن وقع فيما بعد الأُولى من الصلوات كان العلم الاجمالي حينئذ غير مؤثّر لكونه واقعاً بعد خروج أحد الأطراف عن الابتلاء و هي الصلاة الأُولى، و إن كان السهو في الأُولى كان العلم أيضاً غير مؤثّر، لكونه واقعاً بعد سقوط التكليف الأوّل من ذي التكليفين، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ موجب سجود السهو لمّا كان واقعاً في أثناء الأُولى كان التكليفان بحالهما، و هما وجوب الاتمام و وجوب سجود السهو. و لو كان السهو في الأخيرة أمكن القول بجريان قاعدة الفراغ في الفريضة الواقعية من تلك الصلوات، و فيه تأمّل.

لكن الاحتياج إلى التقييد المزبور محل تأمّل، فتأمّل جيّداً.

ثمّ لا يخفى أنّه يمكن أن يكون منشأ إشكال السيّد (قدس سره) في العروة (1) هو النظر

____________

(1) تقدّم هو و تعليقة الميرزا النائيني (رحمه اللَّه) عليه في الصفحة: 12.

23

إلى هذا المطلب أو إلى الإشكال في كونه من صغرياته، و يكون منشأ القوّة التي أفادها شيخنا (قدس سره) راجعاً إلى المنع من هذا المطلب من أصله، أو المنع من كون غسل مسّ الميّت بالنسبة إلى أحكام الميّت و لزوم تجهيزه من صغريات هذا المطلب، بدعوى أنّ الأصل الجاري في التجهيز يكون حاكماً على الأصل الجاري في غسل المسّ منه، و فيه تأمّل، فإنّ أصالة البراءة من وجوب تجهيز تلك القطعة المفروضة ليست برافعة للشكّ في وجوب غسل المسّ على من مسّها، فتأمّل.

لا يقال: إنّ العلم الاجمالي المقرّر في مسألة ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة بالنجاسة له تقريبان:

الأوّل: هو العلم الاجمالي المردّد بين ذي التكليفين و هما وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- و وجوب الاجتناب عن ملاقيه، وذي التكليف الواحد و هو وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر.

و قد أُجيب عنه بأنّ الأصل في التكليف الأوّل من ذي التكليفين لمّا كان حاكماً على الأصل في التكليف الثاني، لم يكن العلم الاجمالي مؤثّراً في التكليف الثاني، لأنّه بعد سقوط الأصل في التكليف الأوّل الذي هو في الملاقى- بالفتح- لمعارضته بالأصل في الطرف الآخر، تنتهي النوبة إلى الأصل في التكليف الثاني الذي هو في الملاقي- بالكسر-، فيجري فيه الأصل النافي الذي هو أصل الطهارة، لكونه حينئذ بلا معارض.

و هذا العلم الاجمالي بهذا التقريب يجري فيما ذكرتموه من الأمثلة، فيكون منجّزاً للتكليف الثاني الجديد. و لا يمكن الجواب عنه بطريق الحكومة المذكورة، لأنّه مختصّ بباب الملاقي، لكون الأصل فيه الجاري في ناحية التكليف الأوّل حاكماً على الأصل الجاري في ناحية التكليف الثاني، لكون‏

24

أحدهما مسبّباً عن الآخر، بخلاف الأمثلة المذكورة فإنّ باب الحكومة فيها منسدّ، لما عرفت من كون كلّ من التكليفين فيها في عرض التكليف الآخر.

التقريب الثاني للعلم الاجمالي في باب الملاقي: هو كون الملاقي وحده في قبال الطرف الآخر.

و هذا قد أُجيب عنه هناك بأنّه لا أثر لهذا العلم الاجمالي بين نجاسة الملاقي و طرف أصله، لأنّ طرف أصله قد تنجّز فيه التكليف من العلم الاجمالي الأوّل المردّد بين الأصل الذي هو الملاقى- بالفتح- و ذلك الطرف، فيكون ذلك من قبيل ما لو علم إجمالًا بوقوع نجاسة مردّدة بين الاناء الصغير و الاناء الكبير، ثمّ وقعت نجاسة أُخرى مردّدة بين الكبير و طرف ثالث، فقد حقّق في محلّه‏ (1) أنّه لا أثر للعلم الاجمالي الثاني، فكذلك مسألة العلم الاجمالي المردّد بين الملاقي و طرف أصله لا أثر له بعد أن كان التكليف منجّزاً في طرف أصله بالعلم الاجمالي السابق المردّد بين الأصل و ذلك الطرف. و سقوط هذا العلم الاجمالي بهذا التقريب جارٍ بعينه هنا، فإنّ العلم الاجمالي المردّد بين التكليف الثاني من ذي التكليفين و التكليف الآخر الذي هو الطرف، لا يكون منجّزاً، لأنّه أعني ذلك التكليف الآخر الذي هو في طرف ذي التكليف الواحد، كان منجّزاً بالعلم الاجمالي السابق المردّد بين التكليف الأوّل من ذي التكليفين و ذلك التكليف الآخر الذي هو التكليف في ذي التكليف الواحد.

و الحاصل: أنّ عمدة الإشكال إنّما هو في أنّ العلم الاجمالي السابق على حصول الشرط، الذي كان مردّداً بين التكليف الأوّل من التكليفين و التكليف في الطرف المقابل، كان متقدّماً زماناً على العلم الاجمالي الحاصل بعد حصول‏

____________

(1) راجع ما تقدّم في المجلّد السابع من هذا الكتاب، الصفحة: 370- 371.

25

الشرط، المردّد بين مجموع التكليفين في هذا الطرف و التكليف الآخر في الطرف الآخر، و حيث إنّ العلم الاجمالي السابق قد نجّز التكليف في الطرف الآخر، فلا يكون العلم الثاني المتأخّر عنه زماناً المردّد بين مجموع التكليفين و الطرف الآخر مؤثّراً، لكون طرفه الذي هو التكليف في الطرف الآخر كان منجّزاً بالعلم الاجمالي السابق.

لأنّا نقول: إنّ هذا العلم الثاني لم يكن علماً جديداً كي يقال إنّ أحد طرفيه كان منجّزاً قبله، بل إنّه عين العلم السابق، و معلومه عين المعلوم السابق، غايته أنّه كان في مرتبة حدوثه متعلّقاً بالقدر الجامع بين التكليف في هذا الطرف و التكليف الآخر في الطرف الآخر، و صار في مرتبة بقائه متعلّقاً بالقدر الجامع بين مجموع التكليفين في هذا الطرف و التكليف الآخر في الطرف الآخر، و هذا المقدار من التفاوت لا يوجب أن يكون لنا هناك علمان يكون أحدهما سابقاً و موجباً لانحلال الآخر اللاحق و عدم تأثيره.

و لكن فيه تأمّل، لإمكان أن يقال: إنّ جهة البقاء للعلم المذكور أيضاً نقول إنّها لا أثر لها، لأنّ أحد الطرفين فيها كان منجّزاً بجهة الحدوث. و لو تمّت هذه الجهة من التأمّل لأوجبت عدم تنجيز التكليف الثاني الذي قد حصل شرطه بعد حصول العلم الاجمالي. أمّا لو كان حصول الشرط المذكور سابقاً على العلم الاجمالي، بأن يكون قد مسّ القطعة المعيّنة من إحدى القطعتين مثلًا، ثمّ بعد المسّ حصل له العلم الاجمالي بكون إحداهما من ميّت الإنسان، فإنّه يلزمه غسل المس، و بهذا المقدار يحصل الفرق بينه و بين ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة في النجاسة، فإنّه لا يلزمه الاجتناب عن الملاقي حتّى لو كانت الملاقاة سابقة على العلم الاجمالي بالنجاسة بين الطرفين.

26

فرع: لو كان لنا إناءان في كلّ منهما مائع يعلم أنّ أحد المائعين بول،

فيكون نفس الاناءين مورد العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما بملاقاة البول، فلو اتّفق أنّ شيئاً لاقى أحد المائعين، يكون ذلك الشي‏ء في عرض الاناءين، و يحصل حينئذ العلم الاجمالي المردّد بين نجاسة ذلك الشي‏ء مع نفس الاناء و بين نفس الاناء الآخر، فينبغي التأمّل في هذا الفرع، فإنّ مقتضاه وجوب الاجتناب عن الملاقي لأحد المائعين المعلوم بولية أحدهما.

إلّا أن يقال: إنّ المنجّز هو تنجّس أحد الاناءين بالملاقاة، و أمّا الشي‏ء الآخر فلا يكون وجوب الاجتناب عنه إلّا تكليفاً جديداً يُنفى بقاعدة الطهارة، خصوصاً فيما لو كانت الملاقاة متأخّرة عن العلم الاجمالي بين المظروفين، أمّا لو كانت الملاقاة سابقة ففيه إشكال يأتي إن شاء اللَّه تفصيل الكلام فيه‏ (1).

و الأولى أن يقال: إنّ مسألة ملاقي أحد طرفي العلم الاجمالي بغير هذه الصورة، و ذلك مثل أن يكون الطرفان جامدين و كان الملاقي لأحدهما رطباً مثلًا، أو كان أحد الطرفين الذي هو الملاقى- بالفتح- جامداً و الآخر مائعاً، فيكون آنية المائع و اليد الملاقية للجامد ملاقيين للطرفين، فيحصل العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما.

قوله: غايته أنّ الأوّل يوجب عدم تأثير العلم الاجمالي بنجاسة الملاقي- بالكسر- أو الطرف، و الثاني يوجب انحلاله، لأنّ المدار على سبق المعلوم لا على سبق العلم ... الخ‏ (2).

يمكن أن يقال: إنّ الثاني و هو ما لو كانت الملاقاة سابقة على العلم‏

____________

(1) في الحاشية الآتية.

(2) فوائد الأُصول 4: 82.

27

الاجمالي بنجاسة أحد الطرفين، يكون أيضاً من باب عدم تأثير العلم الاجمالي لا من باب الانحلال، و ذلك فإنّ الانحلال إنّما يكون في مثل ما لو علم إجمالًا بوقوع نجاسة في أحد الاناءين الصغير و الكبير، ثمّ علم تفصيلًا أنّ الصغير كان متنجّساً بنجاسة سابقة على تلك النجاسة، أو علم إجمالًا أنّه كان طرفاً لآخر في العلم الاجمالي بنجاسة سابقة، فإنّ العلم الثاني يوجب انحلال الأوّل، لأنّه يكون العلم المنحل سابقاً في الزمان على العلم الذي حلّه، بخلاف ما لو كان العلم المنحل مقارناً للعلم الذي حلّه، بأن يكون حصول العلم بنجاسة أحد الاناءين مقارناً للعلم بأنّ الصغير كان متنجّساً بنجاسة سابقة، فإنّ ذلك لا يعدّ على الظاهر من قسم الانحلال، بل يكون العلم بأنّ الصغير متنجّس بنجاسة سابقة موجباً لعدم تأثير العلم الاجمالي بنجاسة أحدهما.

و ما نحن [فيه‏] من هذا القبيل، فإنّ الملاقاة لمّا حصلت أوّلًا ثمّ حصل العلم الاجمالي بالنجاسة، يكون ذلك العلم الاجمالي عبارة عن علمين، أحدهما مردّد بين الطرفين و الآخر مردّد بين الملاقي و طرف أصله، و هذان العلمان حصلا دفعة واحدة، و حيث كان المعلوم بالأوّل منهما سابقاً في الزمان على المعلوم بالثاني، كان الأوّل موجباً لعدم تأثير الثاني، لا أنّه يوجب انحلاله بعد استقراره، و لكن الأمر في ذلك سهل.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّه يمكن منع تأثير العلم الثاني حتّى لو قطعنا النظر عن كون المعلوم به متأخّراً زماناً عن المعلوم بالأوّل، فإنّه يكفي في عدم تأثيره تأخّره رتبة عن العلم الأوّل، لكون المعلوم به متأخّراً رتبة، بحيث إنّا لو قلنا بامكان كون الملاقاة مقارنة زماناً لوقوع النجاسة في أحد الطرفين، لكان لنا أن نقول إنّه لا أثر للعلم الاجمالي المردّد بين الملاقي و طرف أصله، لكونه متأخّراً رتبة عن العلم‏

28

الاجمالي المردّد بين الأصل و طرفه، و هذا التأخّر الرتبي كافٍ في عدم تأثير المتأخّر بحسب الرتبة، و إن كان العلمان و المعلومان متقارنين زماناً.

لا يقال: إنّ نجاسة الملاقي- بالكسر- و إن كانت متأخّرة رتبة عن نجاسة الملاقى، إلّا أنّ العلم بنفس النجاسة لا أثر له ما لم يترتّب عليها حكم تكليفي كوجوب الاجتناب، و من الواضح أنّ وجوب الاجتناب في الملاقي- بالكسر- ليس بمتأخّر رتبة عن وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- إذ لا علّية بينها و لا معلولية، و إنّما هي بين نجاستيهما.

لأنّا نقول: قد عرفت من الجواب عن الشبهة السابقة (1) أنّ نجاسة الثاني من الأحكام الوضعية اللاحقة لنجاسة الأوّل، فتكون متأخّرة عنها تأخّر الحكم عن موضوعه أو المسبّب عن سببه، و حينئذٍ تكون هي في عرض وجوب الاجتناب عن الأوّل، لأنّ كلًا من نجاسة الثاني و وجوب الاجتناب عن الأوّل من آثار نجاسة الأوّل، و حينئذٍ يكون وجوب الاجتناب عن الثاني متأخّراً في الرتبة عن وجوب الاجتناب عن الأوّل، لأنّ ما هو متأخّر عمّا هو في عرض الشي‏ء متأخّر عن نفس الشي‏ء.

و الحاصل: أنّ نجاسة الأوّل متقدّمة على نجاسة الثاني، و نجاسة الثاني متقدّمة على وجوب الاجتناب عنه، فيكون هو- أعني وجوب الاجتناب عن الثاني- واقعاً في الدرجة الثالثة من نجاسة الأوّل، و يكون وجوب الاجتناب عن الأوّل واقعاً في الدرجة الثانية من نجاسة الأوّل، فيكون متقدّماً عليه رتبة و إن لم يكن بين نفس الوجوبين علّية و لا معلولية، فيكون العلم الاجمالي المنجّز

____________

(1) [هكذا فيما يتراءى من الأصل، لكنّ الظاهر أنّ المقصود هو الشبهة الآتية التي يتعرّض لها في الحاشية القادمة في الصفحة: 36 و ما بعدها].

29

لوجوب الاجتناب عن الأوّل سابقاً في الرتبة على العلم الاجمالي الذي نريد أن نجعله منجّزاً لوجوب الاجتناب عن الثاني، و حينئذٍ يكون تنجّز وجوب الاجتناب في طرف الأوّل سابقاً في الرتبة على مقتضى العلم الثاني بين الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقى- بالفتح- فلا يكون العلم الثاني مؤثّراً، لكون الوجوب في أحد طرفيه الذي هو طرف الأوّل متنجّزاً بالعلم الأوّل بين الملاقى- بالفتح- و طرفه.

و هذه المسألة أعني تأخّر ما هو متأخّر عمّا هو في رتبة الشي‏ء عن نفس ذلك الشي‏ء من المشكلات، و قد تعرّضنا لها في أوائل مسألة الضدّ في الحاشية على ص 216 من التحريرات المطبوعة في صيدا (1)، و في أوائل حجّية القطع من هذا التحرير في مسألة أخذ العلم بالحكم موضوعاً، فراجعه في حاشية ص 6 من هذا التحرير (2).

ثمّ لا يخفى أنّ هذه الصورة، أعني ما لو كانت الملاقاة و العلم بها سابقاً على العلم الاجمالي بنجاسة الملاقى- بالفتح- و طرفه، هي عبارة عن الصورة الثالثة من الصور التي ذكرها في الكفاية (3)، و هي التي يكون المتلاقيان فيها طرفاً للعلم الاجمالي بالنجاسة في قبال الطرف الآخر الذي لم تدخله الملاقاة، فالأولى إسقاطها فيما نحن فيه الآن، و جعل ما نحن فيه الآن منحصراً بما لو كانت الملاقاة و العلم بها متأخّراً عن العلم الاجمالي بنجاسة أحد الطرفين، ثمّ بعد الفراغ عن عدم تأثير العلم الاجمالي بين الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقى- بالفتح- لتأخّره‏

____________

(1) و هي الحاشية المتقدّمة في المجلّد الثالث من هذا الكتاب، الصفحة: 128.

(2) و هي الحاشية المتقدّمة في المجلّد السادس من هذا الكتاب، الصفحة: 40.

(3) كفاية الأُصول: 363.

30

زماناً و تأخّر المعلوم فيه زماناً و رتبة، نتعرّض للفرق الذي أفاده في الكفاية بين الصورة الأُولى و الصورتين الأخيرتين.

قوله: و أمّا الثاني منهما و هو العلم بنجاسة الملاقي و الملاقى أو الطرف ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّه لو كانت الملاقاة سابقة على العلم بنجاسة أحد الطرفين، يتّجه الإشكال على ضمّ الملاقي إلى الملاقى في جعلهما معاً طرفاً للاناء الآخر من جهات ثلاث:

الأُولى: من الجهة المذكورة في الأصل، و هي جهة حكومة الأصل في الملاقى على الأصل في الملاقي، فلا يمكن أن يقف في عرضه لمقابلة الأصل في الطرف الآخر.

الجهة الثانية: هي أنّ ضمّه إليه من قبيل ضمّ الحجر في جنب الإنسان، لأنّ نجاسته على تقديرها تكون متأخّرة زماناً عن نجاسة الملاقى- بالفتح-، فتكون تلك- أعني نجاسة الملاقى- سابقة في التنجّز، نظير ما تقدّم في جعل كلّ من المتلاقيين طرفاً على حدة للطرف الآخر. و من هذه الجهة تعرف:

الجهة الثالثة: و هي جهة التأخّر الرتبي، لكن سيأتي الإشكال في التأخّر الرتبي.

و حاصل الجهات الثلاث: أنّ المقابلة إنّما هي بين الملاقى- بالفتح- و طرفه، و الملاقي أجنبي لا يصحّ مقابلته بطرف أصله، سواء أُريد جعله طرفاً مستقلًا أو هو بضميمة أصله.

و لو كانت الملاقاة بعد العلم الاجمالي بنجاسة أحد الطرفين انضاف إلى‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 82.

31

هذه الجهات جهة رابعة، و هي جهة التقدّم الزماني للعلم أيضاً، و المنشأ في تلك الجهات الثلاث هو تأخّر نجاسة الملاقي عن نجاسة أصله رتبة و زماناً.

قوله: و لا وجه لما ذكره المحقّق الخراساني (قدس سره) من عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي لأحد الطرفين، و إن كانت نجاسة الملاقي للنجس من الآثار المترتّبة شرعاً على نفس النجس، و ذلك لأنّه بعد الاعتراف بأنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي للنجس من الأحكام المترتّبة على نفس النجس، لا يبقى مجال للقول بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي لأحد الطرفين ... الخ‏ (1).

الظاهر أنّ المشار إليه بذلك هو ما أفاده في الكفاية بقوله (قدس سره): الرابع: أنّه إنّما يجب عقلًا رعاية الاحتياط في خصوص الأطراف ممّا يتوقّف على اجتنابه أو ارتكابه حصول العلم باتيان الواجب أو ترك الحرام المعلومين في البين دون غيرها، و إن كان حاله حال بعضها في كونه محكوماً بحكمه واقعاً الخ‏ (2).

و لا يخلو نسبة ذلك إليه (قدس سره) بمجرّد هذه العبارة عن تأمّل، لأنّ الظاهر أنّ مراده بذلك هو أنّ الملاقي للنجس و إن كان محكوماً بمثل حكم الملاقى- بالفتح- الذي هو النجاسة، إلّا أنّه فرد آخر من النجس، لا أنّه محكوم بعين حكم الملاقى، بحيث يكون وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- عين وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- ليكون تنجّزه عين تنجّزه.

و أمّا قول صاحب الكفاية (قدس سره) في الفوائد: سواء كان دليل نجاسته هو دليل نجاسة الملاقى أو دليلًا آخر- إلى قوله:- و تبعية نجاسة الملاقي في الاستفادة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 78.

(2) كفاية الأُصول: 362.

32

لنجاسة الملاقى لا تقتضي تبعيتها لها في الموافقة الخ‏ (1) و نحوه عبارته في الحاشية (2) فليس بناظر إلى ذلك، بل هو ردّ على من قال إنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- لمّا كان مستفاداً من دليل وجوب الاجتناب عن النجس الذي هو الملاقى- بالفتح- كان تنجّزه موجباً لتنجّزه، فردّ عليه بما حاصله أنّ التبعية في دلالة الدليل لا توجب ذلك، كما أنّ التبعية في الخارج لا توجبه.

ثمّ لا يخفى أنّ النسخ من الكفاية (3) إنّما هي بهذه الصورة، و هي أنّه: و إن كان حاله حال بعضها في كونه محكوماً بحكم واقعاً، بتنكير قوله: بحكم، و بناء عليه يكون مفادها أجنبياً بالمرّة عمّا أُشير في هذا التحرير، فراجع و تأمّل.

و لا يخفى أنّ نظير هذه النسبة المذكورة في هذا التحرير هو ما في تحرير السيّد سلّمه اللَّه، فإنّه بعد أن أفاد أنّه بناء على كون التنجيس بالسراية يكون وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- متنجّزاً بتنجّز وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- أفاد بقوله: فما عن المحقّق صاحب الكفاية (قدس سره) في تعليقته من أنّ تأخّر زمان الملاقاة عن العلم الاجمالي يوجب الشكّ في حدوث تكليف آخر مختصّ بأحد الطرفين، فيتمسّك فيه بالبراءة، مدفوع بأنّ تأخّر الوجود لا يمنع عن التنجّز بالعلم السابق إذا كان من آثار المعلوم إجمالًا، كما عرفت توضيحه في‏

____________

(1) الفوائد (مطبوعة في ذيل حاشية كتاب فرائد الأُصول): 321.

(2) حاشية كتاب فرائد الأُصول: 146- 147.

(3) كما في طبعة بغداد و النسخة المحشّاة بحاشية المحقّق القوچاني (قدس سره) و نسخة حقائق الأُصول و النسخة القديمة المحشّاة بحاشية المحقّق المشكيني (قدس سره)، لكن في نسخة المحقّق المشكيني (قدس سره) المطبوعة حديثاً و سائر النسخ المحقّقة حديثاً ورد: «بحكمه».

33

المقدّمة (1).

فاعلم أنّه قال الشيخ (قدس سره): و لو كان العلم الاجمالي قبل فقد الملاقى و الملاقاة ففُقد، فالظاهر طهارة الملاقي و وجوب الاجتناب عن صاحب الملاقى، و لا يخفى وجهه‏ (2).

و قال المحقّق صاحب الكفاية (قدس سره) في الحاشية على قول الشيخ «فالظاهر الخ»: وجهه سلامة أصالة الطهارة فيه و عدم معارضتها بأصالة الطهارة في صاحب الملاقى، لبقائها على ما كانت عليه من السقوط بمعارضتها بما في الملاقى المفقود، و إلّا لجاز ارتكاب أحد المشتبهين بمجرّد فقد الآخر (3).

و لا يخفى أنّ هذا الكلام منهما ليس بمبني على السراية، بل إنّ جلّ كلامهما 0 في الملاقي- بالكسر- على خلاف السراية، بل على أنّ الملاقي موضوع جديد من النجس، و على تقدير كونه كذلك لا ينبغي الإشكال في كون الملاقي- بالكسر- محكوماً بالطهارة إذا كانت الملاقاة بعد العلم الاجمالي، فراجع و تأمّل.

قوله: و التقييد بانحصار سبب نجاسة الملاقي بالملاقاة، و إن لم يصرّح به في متن الكفاية، إلّا أنّه صرّح بذلك في حاشية الكفاية، و وجه الحاجة إلى القيد واضح‏ (4).

نصّ عبارة متن الكفاية في بيان الصورة الثانية هذا: و أُخرى يجب‏

____________

(1) أجود التقريرات 3: 444- 445.

(2) فرائد الأُصول 2: 244.

(3) حاشية كتاب فرائد الأُصول: 147.

(4) فوائد الأُصول 4: 85.

34

الاجتناب عمّا لاقاه دونه، فيما لو علم إجمالًا نجاسته أو نجاسة شي‏ء آخر، ثمّ حدث العلم بالملاقاة و العلم بنجاسة الملاقى أو ذلك الشي‏ء أيضاً، فإنّ حال الملاقى في هذه الصورة بعينها حال ما لاقاه في الصورة السابقة الخ‏ (1).

و لا يبعد ظهورها في القيد المزبور، بمعنى أنّ مفادها هو أن يعلم أوّلًا بنجاسة الثوب أو إناء عمرو، ثمّ بعد ذلك يعلم بأنّ ثوبه كان قد لاقى إناء زيد، و العلم بالنجاسة المردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو، فظاهره أنّ العلم المردّد بين الاناءين مولّد من العلم بالملاقاة.

و أمّا ما أشار إليه ممّا في الحاشية، فإنّ الموجود في طبعة بغداد (2) و في الطبعة التي عليها حاشية المرحوم القوچاني‏ (3) هو هذا اللفظ: و إن لم يكن احتمال نجاسة ما لاقاه إلّا من قبل ملاقاته.

و هذه العبارة ظاهرة في الاطلاق و التعميم لا في التخصيص و التقييد، و لعلّ المحرّر المرحوم يرى أنّ لفظة «إن» زائدة بين الواو و «لم»، و لكنّه بعيد، بل المتعيّن وجودها، و بيان مضمونها هو أنّ سير صاحب الكفاية (قدس سره) في هذه المسائل و نحوها ممّا يتخيّل فيه اجتماع العلمين الاجماليين مع تلاقيهما في طرف واحد، مثل أن يعلم بنجاسة مردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو، و يعلم أيضاً بنجاسة مردّدة بين إناء خالد و إناء عمرو، فكان إناء عمرو ملتقى خطّي العلم الاجمالي، و كان طرفاً في كلّ من العلمين، و حينئذٍ يكون المدار على السبق الزماني، فلو كان السابق في الزمان هو العلم بين إناء زيد و إناء عمرو تنجّزا، و لم يكن العلم الثاني‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 363.

(2) كفاية الأُصول 2: 61 و 130.

(3) كفاية الأُصول (مع تعليقة المحقّق القوچاني (قدس سره)) 2: 66.

35

المردّد بين إناء خالد و إناء عمرو مؤثّراً، لأنّ أحد طرفيه و هو إناء عمرو مسبوق بالتنجّز، و لو كان الأمر بالعكس كان الحكم هو العكس، و لو حصل العلمان دفعة واحدة أثّرا معاً، و وجب الاجتناب عن الجميع.

و لا يخفى أنّ جلّ همّ صاحب الكفاية في مسألة الملاقي و الملاقى هو جعلهما من صغريات هذه الكبرى، و أنّ المدار على سبق أحد العلمين على الآخر زماناً، لا على تقدّم المعلوم زماناً على المعلوم الآخر، بل و لا على تقدّم أحد العلمين رتبة على الآخر، و لا على تقدّم أحد المعلومين رتبة على الآخر من جهة أنّ نجاسة الثوب مثلًا مولّدة و مسبّبة عن نجاسة إناء زيد الملاقى.

و غرضه أنّ نجاسة الثوب و إن كانت متولّدة من نجاسة إناء زيد، و أنّ السبب في نجاسة الثوب هو نجاسة الملاقى الذي هو إناء زيد، إلّا أنّه لو فرضنا أنّه لم يكن كذلك، بل كان حاله حال إناء خالد- فيما ذكرناه من المثال- في كون المدار على التقدّم الزماني مع فرض كون نجاسته لم تكن بسبب نجاسة إناء زيد أو نجاسة إناء عمرو، و حينئذٍ لا بدّ من النظر إلى المتقدّم زماناً، فإن كان هو العلم المردّد بين الاناءين، كان هو المؤثّر، و سقط العلم المتأخّر المردّد بين نجاسة الثوب و إناء عمرو. و إن كان الأمر بالعكس، بأن كان العلم المتقدّم هو العلم المردّد بين الثوب و إناء عمرو، كان هو المؤثّر و سقط العلم المتأخّر المردّد بين الاناءين، و هذا لا يتوقّف على كون نجاسة الثوب مسبّبة عن نجاسة إناء زيد كما هو المفروض، بل لو فرضنا أنّها لم تكن مسبّبة عنها، لم يكن المؤثّر أيضاً إلّا ما هو المقدّم من أحد العلمين، و لا خصوصية لكون المعلوم في أحدهما مسبّباً عن المعلوم في الآخر.

36

قوله: و الذي قيل فيه أو يمكن أن يقال أحد وجهين ... الخ‏ (1).

هنا شبهة تقتضي كون نجاسة الفرع الذي هو الملاقي- بالكسر- من أحكام الأصل الذي هو نجاسة الملاقى- بالفتح- بتقريب حاصله هو حكومة الأصل في الأصل على الأصل في الفرع، فلو جرت قاعدة الطهارة في الأصل كانت حاكمة على قاعدة الطهارة في الفرع، و لو كان الأصل مورداً لاستصحاب النجاسة كان استصحاب النجاسة في الأصل حاكماً أيضاً على قاعدة الطهارة في الفرع، و كان مقتضى الاستصحاب المذكور هو الحكم بنجاسة الفرع الذي هو الملاقي- بالكسر-، و لا منشأ لهذه الحكومة إلّا كون نجاسة الفرع من الآثار الشرعية اللاحقة لنجاسة الأصل، و حيث كان الحكم في الفرع من الآثار الشرعية، كان ذلك عبارة أُخرى عن كون الحكم في الفرع من الآثار الشرعية اللاحقة لأصله، فيكون الحكم في الفرع متنجّزاً بتنجّز أحكام الأصل، و لأجل ذلك لو كانت الشبهة في نجاسة الأصل شبهة حكمية بدوية، و كانت متنجّزة لكونها قبل الفحص، لم تكن قاعدة الطهارة جارية في فرعه الذي هو ملاقيه، بل كان احتمال النجاسة فيه متنجّزاً كاحتمالها في أصله الذي هو الملاقى- بالفتح-.

و هذه الشبهة لو تمّت لكان مقتضاها التنجّز في جميع ما هو من فروع الأصل حتّى في مثل غسل المسّ و نحوه من حرمة بنت إحدى طرفي الشبهة بالزنا و غير ذلك، و لا اختصاص لها بمسألة الملاقي لأحد طرفي الشبهة في النجاسة، لتحقّق منشأ الشبهة فيها و هي حكومة الأصل الجاري في الأصل على الأصل الجاري في الفرع، إذ لا ريب في أنّ الممسوس لو جرى فيه أصل يقتضي الحياة مثلًا، بأن شككنا في بقاء حياة هذا الإنسان المطروح و أجرينا فيه استصحاب‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 76.

37

الحياة، لكان مقتضاها الحكومة على الشكّ في وجوب الغسل بمسّه. و هكذا لو كان مقتضى الأصل فيه هو وجوب الغسل بمسّه، بأن تحقّقنا موته و شككنا في عروض التغسيل عليه. و هكذا الحال لو جرى الأصل في أُمّ البنت مثل أصالة عدم طروّ الزنا عليها، أو شككنا عند عروض الوطء عليها في وقوع عقد النكاح عليها، و نحو ذلك من الأُصول النافية أو الأُصول المثبتة الحاكمة على الأصل في الشكّ في حرمة بنتها.

و الجواب عن هذه الشبهة هو أن يقال: لا يكفي‏ (1) تنجّز الحكم في الأصل في تنجّز الحكم في الفرع الذي هو الملاقي- بالكسر- مثلًا، مجرّد كون الأصل في الأصل حاكماً على الأصل في الفرع الذي كان منشؤه كون الحكم في الفرع من آثار الحكم في الأصل، بل لا بدّ في التنجّز من كون الحكم في الفرع عين الحكم في الأصل، على وجه يكون من قبيل الاتّساع في الموضوع، نظير النماء المتّصل أعني مثل كبر الشجرة المغصوبة و ثمرتها، و في مثل عمود النسب و حواشيه في الأُمّ الرضاعية أو الأُمّ النسبية لا بدّ من الالتزام بأنّه من قبيل الاتّساع في الموضوع، بأن يكون المحرّم عند الرضاع من الأُمّ هو الأُمّ بمجموع عموديها و حواشي نسبها، و في ذلك لا معنى للحكومة و لا لتعدّد الأصل، إذ لا يكون لنا إلّا حكم واحد جارٍ في الأصل يختلف سعة و ضيقاً باعتبار سعة موضوعه و ضيقه، فإن تنجّز ذلك الحكم تنجّز في الجميع و إلّا فلا.

أمّا الحكومة فيما نحن [فيه‏] من مسألة ملاقي النجس، فليس منشؤها إلّا كون نجاسة الأصل موضوعاً لنجاسة الفرع، فإنّ نجاسة الفرع و إن كانت بنفسها موضوعاً لوجوب الاجتناب عنه، إلّا أنّها حكم وضعي موضوعه هو نجاسة

____________

(1) [لا يخفى ما في تركيب العبارة، لكن المقصود واضح‏].

38

الأصل، فإذا جرى الأصل في نجاسة الأصل كان ذلك الأصل الجاري في الأصل- أعني قاعدة الطهارة في الأصل أو استصحاب نجاسته- أصلًا موضوعياً بالنسبة إلى ذلك الحكم الوضعي في الفرع أعني نجاسته، فيكون حاكماً على الأصل الجاري في الفرع حكومة الأصل الموضوعي على الأصل الحكمي، و حيث قد سقط الأصل الحاكم بالتعارض، يكون المرجع في الفرع هو الأصل المحكوم، أعني قاعدة الطهارة فيه، إذ بعد سقوط الأصل في الأصل يبقى ذلك الحكم الوضعي في فرعه مشكوكاً، لعدم إحراز موضوعه الذي هو نجاسة الأصل أو طهارته، فيكون المرجع في ذلك الحكم الوضعي في الفرع هو الأصل الجاري فيه و هو قاعدة الطهارة.

و لا معنى لتنجّز النجاسة في الأصل و لا في الفرع كي يقال إنّ تنجّزها في الأصل موجب لتنجّزها في الفرع، لما عرفت غير مرّة من أنّه لا معنى لنسبة التنجّز إلى نفس الحكم الوضعي، و إنّما القابل للتنجّز هو الآثار التكليفية اللاحقة لذلك الحكم الوضعي، و من الواضح أنّ تنجّز الأحكام التكليفية في نجاسة الأصل- أعني وجوب الاجتناب عنه- لا دخل له بتنجّز الحكم التكليفي اللاحق للفرع أعني وجوب الاجتناب عنه، بل إنّ تنجّز هذا الحكم التكليفي في الفرع تابع لاحراز موضوعه الذي [هو] نجاسته، المتوقّفة على إحراز موضوعها الذي هو نجاسة الأصل.

و أمّا ما ذكر من الشبهة في ملاقي مشتبه النجاسة بالشبهة الحكمية البدوية قبل الفحص، فهي و إن كانت موضوعية بالنسبة إلى الملاقي- بالكسر- إلّا أنّه لمّا كان المنشأ في هذه الشبهة الموضوعية هو الشبهة الحكمية في نجاسة الأصل، لم يمكن الرجوع فيها إلى الأصل- و هو قاعدة الطهارة- قبل الفحص عن أصلها الذي‏

39

هو نجاسة الأصل، الذي هو حسب الفرض من الشبهات الحكمية قبل الفحص، فلاحظ و تأمّل.

و من ذلك يظهر لك التأمّل فيما أُفيد في هذا التحرير بقوله: الأوّل: أن تكون نجاسته لمحض التعبّد الشرعي، من دون أن تكون نجاسته و وجوب الاجتناب عنه من الآثار و الأحكام المترتّبة على نفس نجاسة الملاقى- بالفتح- و وجوب الاجتناب عنه، بل الملاقي للنجس فرد آخر من النجس حكم الشارع بوجوب الاجتناب عنه في عرض وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- (1). فإنّه قد ظهر لك أنّ نجاسة الملاقي- بالكسر- في طول نجاسة الملاقى- بالفتح-، فإنّ نجاسة الملاقي- بالكسر- من الأحكام الوضعية اللاحقة له بسبب ملاقاته للنجس، فكانت نجاسة الملاقى- بالفتح- لها الدخل في نجاسة الملاقي- بالكسر- على وجه يكون الأصل الجاري في الملاقى- بالفتح- حاكماً على الأصل الجاري في الملاقي- بالكسر-، فيكون وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- متأخّراً رتبة عن نجاسته المتأخّرة رتبة عن نجاسة الملاقى- بالفتح-، و يكون هذا الوجوب متأخّراً رتبة عن وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح-، لكون موضوعه الذي هو نجاسة الملاقي- بالكسر- واقعاً في مرتبة وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح-، لأنّ كلًا من نجاسة الملاقي- بالكسر- و وجوب الاجتناب عن الملاقى- بالفتح- متأخّران عن نجاسة الملاقى- بالفتح-، و ما هو متأخّر عمّا هو في رتبة الشي‏ء متأخّر رتبة عن نفس ذلك الشي‏ء.

و إنّما تتمّ العرضية فيما لو كان نجاسة أحد الأمرين ملازمة لنجاسة الآخر اتّفاقاً من دون أن يكون تفرّع و لا ترتّب و لا طولية، فيما لو علم بنجاسة أحد

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 76- 77.

40

الاناءين مثلًا و لكن كانت نجاسة إناء زيد مثلًا من باب الاتّفاق ملازمة لنجاسة إناء ثالث، بأن علم بوقوع النجاسة في أحد الاناءين إناء زيد و إناء عمرو، و لكن كانت على تقدير وقوعها في إناء زيد قد وقعت هي أيضاً أو مثلها في إناء خالد، فإنّه حينئذ يكون بين نجاسة إناء زيد و نجاسة إناء خالد ملازمة اتّفاقية، من دون طولية بينهما توجب كون الأصل الجاري في إناء زيد حاكماً على الأصل الجاري في إناء خالد.

و قد تضمّن تحرير السيّد سلّمه اللَّه عن شيخنا (قدس سره) نظير هذه العبارة في هذا التحرير فقال: إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ نجاسة الملاقي للنجاسة إمّا أن تكون حكماً شرعياً تعبّدياً ثابتاً لموضوعه في عرض الحكم بنجاسة ما لاقاه، أو تكون من شئون نجاسته و من جهة سراية النجاسة من الملاقى إلى الملاقي‏ (1). فراجعه إلى آخر المبحث.

و لم أعثر على هذه الجملة- أعني كون نجاسة الملاقي (بالكسر) في عرض نجاسة الملاقى (بالفتح)- فيما حرّرته عنه (قدس سره)، بل الذي وجدته فيه هو أنّه (قدس سره) قسّم المعلوم بالاجمال إلى قسمين، الأوّل أن يكون تمام الموضوع، و الثاني أن يكون جزء الموضوع، ثمّ قال: إذا عرفت هذه المقدّمة فنقول: إنّ ما نحن فيه أعني نجاسة الملاقي لأحد الطرفين و عدم نجاسته، يتفرّع على هذه المقدّمة، فهل نجاسة الملاقي و وجوب الاجتناب عنه حكم مترتّب على النجس الملاقى- بالفتح-، و أنّ الملاقى يكون تمام موضوعه، أو أنّه مترتّب على ملاقي النجس، فيكون النجس الملاقى جزء الموضوع.

ثمّ قال بعد ذلك: و غرضنا من السريان سعة دائرة النجس بواسطة الملاقاة،

____________

(1) أجود التقريرات 3: 441.

41

فتكون الملاقاة من المقدّمات العقلية لحصول نجاسة الملاقي و وجوب الاجتناب عنه، كالثمرة الحادثة بالنسبة إلى الشجرة المغصوبة، فلا يكون تأخّر الحكم المذكور منافياً لكون الملاقى تمام الموضوع. كما أنّ الغرض من كونها بالملاقاة أنّها- أي الملاقاة- تكون جزء الموضوع، و الجزء الآخر هو النجس الملاقى، فلا يكون ذلك منافياً لكون ذلك من قبيل السببي و المسبّبي و كون الأصل في الملاقى حاكماً على الأصل الجاري في الملاقي، إذ يكفي في ذلك كون نجاسة الملاقى جزء الموضوع لنجاسة الملاقي، و لا تتوقّف الحكومة المذكورة على كون مجرى الأصل الأوّل تمام الموضوع لمجرى الأصل الثاني.

ثمّ قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه ما هذا لفظه: ثمّ إنّا قد حقّقنا في محلّه أنّه لا يعقل تأخّر الشرط عن وجود مشروطه، و أبطلنا الشرط المتأخّر، و بسبب ذلك ربما يشكل علينا بأنّه بعد البناء على عدم معقولية تقدّم الحكم على موضوعه و شرطه، كيف قلتم إنّ وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس يثبت للنجس قبل حصول متعلّقه و هو ملاقي النجس.

و الجواب: أنّ وجوب الاجتناب الثابت للنجس لم يكن مقيّداً و مشروطاً شرعاً بملاقي النجس. نعم لمّا كان محصّل وجوب الاجتناب عن النجس بناءً على السراية و الاتّساع هو الاجتناب عنه و عن فروعه، لم يتحقّق الخطاب بالاجتناب عن ذلك الملاقي إلّا بعد وجود الملاقي، من جهة حكم العقل بتوقّف تحقّق ذلك الخطاب على تحقّق موضوعه، لا بمعنى أنّ هناك حكمين أحدهما للنجس و الآخر لملاقيه، بل بمعنى أنّه ليس لنا إلّا حكم واحد وارد على النجس، و هذا النجس تتّسع دائرته بواسطة تعدّد ملاقيه، و الحكم في محلّه على وحدته لم يحصل له تعدّد و كثرة.

42

قلت: و إن شئت فقل: إنّ اتّساع الموضوع ليس من قبيل تجدّد الموضوع، فحرمة التصرّف الواردة على الشجرة في أوّل نشوئها تكون بعينها واردة على تلك الشجرة في حال كبرها و زيادتها جسماً بمقدار أزيد من أصلها بل أضعافه، و مع ذلك ليست تلك الزيادة من قبيل حدوث موضوع جديد. و هكذا الحال في زيادة سلسلة الأُمّ الرضاعية التي كان الرضاع منها موجباً لحرمة تلك السلسلة، سواء كانت من العمودين أو كانت من الحواشي، و هكذا الحال في ثمرة الشجرة.

و المدّعى أنّ ملاقي النجس من هذا القبيل، أعني السعة في موضوع النجس بكثرة ملاقياته، فتأمّل.

و لا يخفى أنّ الأُستاذ العراقي (قدس سره) في مقالته المطبوعة قد أفاد نحو ما أفاده شيخنا (قدس سره) في العرضية المذكورة، غير أنّه جعل ما يقابله من السراية على نحوين:

الأوّل: أنّه من قبيل العدوى و ترشّح النجاسة من الملاقى- بالفتح- إلى الملاقي- بالكسر-، مع الالتزام بكونه موضوعاً جديداً، غايته أنّه في طول نجاسة الملاقى- بالفتح-. و الثاني: من قبيل الاتّساع في الموضوع، فقال: أحدها: أنّ وجه نجاسة الملاقي- بالكسر- هل هو من جهة صرف التعبّد به، غاية الأمر مشروطاً بملاقاته مع النجس بلا التزام بالسراية من الملاقى- بالفتح- إليه بوجه من الوجهين الآتيين، أم ليس إلّا من جهة سرايتها ممّا لاقاه إليه، و على الأخير هل معنى سرايته كون نجاسة الملاقى- بالفتح- سبباً لنجاسة ملاقيه- بالكسر-، نظير سراية الحركة من اليد إلى المفتاح، أو أنّ معناه انبساط نجاسة الملاقى- بالفتح- بحيث شملت الملاقي- بالكسر- أيضاً، فتكون نجاسة الملاقي- بالكسر- من مراتب وجود نجاسة الملاقى- بالفتح-، لا أنّه مسبّب عنه و في طوله‏ (1)

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 247 [لا يخفى أنّ المذكور في الطبعة القديمة: «لأنّه مسبّب عنه» و في الطبعة الحديثة: «لأنّها مسبّبة عنه» و الصحيح ما أثبته المصنّف (قدس سره)‏].

43

ثمّ أفاد: أنّ هذه الوجوه الثلاثة جارية في اعتبار الملكية في المنافع و النماءات بالنسبة إلى ملكية الأعيان.

قلت: و مقتضاه جريانها في غصبية المنافع و النماءات، بل جريانها أيضاً في حرمة البنت على الشخص بالنسبة إلى أُمّها لو كانت الأُمّ مرضعة للشخص المذكور.

ثمّ قال: ثانيها: أنّ كلّ مورد يكون للمعلوم بالاجمال أثران- إلى أن قال:- و إنّما الكلام في طولية الأثر المترتّب على نفس المعلوم مع الأثر المترتّب على الغير الذي هو من تبعات وجود المعلوم، كنجاسة الملاقي- بالكسر- أو ملكية النماء مثلًا التابعين لنجاسة الملاقى- بالفتح- أو ملكية العين، أو كونهما عرضيين على التصوّرات السابقة، فإنّه على الطولية يصير الأثر في أحدهما مسبّباً عن الآخر، و على العرضية يكون الأثران في عرض واحد بلا سببية و مسبّبية في البين‏ (1).

ثمّ إنّه ذكر في ثالثها ما مفاده راجع إلى إشكال العلم الاجمالي و جوابه، و ذكر الإشكال على ما أفاده الشيخ (قدس سره).

ثمّ قال: هذا كلّه في فرض طولية المعلومين بذاتهما، و أمّا لو كانا عرضيين- كما بيّنا وجهه في الأمثلة السابقة- فنقول‏ (2). و تعرّض لدفع توهّم كون العلم الاجمالي بأثر الملزوم كافياً في تنجّز لازمه، و أنّه لا يحتاج إلى علم آخر بما حاصله: أنّه لا بدّ من العلم الاجمالي بالنسبة إلى اللازم و أنّ العلم بالملزوم غير مرتبط بالعلم باللازم، إذ هما تكليفان غير مرتبط أحدهما بالآخر، غاية الأمر

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 248.

(2) مقالات الأُصول 2: 251.

44

عرضيان، و مجرّد عرضيتهما في الوجود لا يقتضي وحدة العلم بهما كي يكفي في تنجيز اللازم مجرّد العلم بالملزوم‏ (1).

ثمّ قال: و بعد ذلك لا محيص أيضاً بهذا المناط من تعدّد العلم بهما وجوداً، لأنّ وحدة العلم و تعدّده أيضاً متقوّم بوحدة معلومه و تعدّده، ثمّ أفاد أنّه لو سلّمنا وحدة العلم لكان قابلًا للتحليل بقطعة فقطعة، و كانت كلّ قطعة منجّزة لما تعلّقت به، إلى أن قال: نعم الذي يسهّل الخطب في المقام (عدم) صحّة العرضية في التكليفين أو انبساطه، سواء في باب نجاسة الملاقي- بالكسر- مع نجاسة ما لاقاه، أو في ملكية النماء و المنافع لملكية العين، و أنّ التحقيق فيهما كون كلّ واحد من الملزومين ناشئين عن الآخر، كنشوء حركة المفتاح عن حركة اليد، و بهذا المعنى نلتزم بالبراءة (2) في المقامين، لا بمعنى انبساط الأثر من الملزوم إلى اللازم بحيث كأنّهما وجود واحد منبسط على الجميع، وعليه فمقتضى التحقيق في التشقيقات السابقة هو الالتزام بالمعنى الوسط لا الأوّل و لا الأخير، و لازمه ليس إلّا طولية الأثرين، و في مثله لا محيص من إجراء الأصل في المسبّب عند سبق العلم بالسبب، و إلّا فلا بدّ من الاجتناب في المسبّب و طرفه و إجراء الأصل في السبب، كما أنّه لا بدّ من الاجتناب عن كليهما عند عرضية علمهما، كما تصوّرنا كلّ ذلك بملاحظة جريان التفصيل في طولية العلمين أو عرضيتهما، و لازمه عدم كون المدار في أمثال الباب على جريان الأصل في المسبّب بلا معارض كما لا يخفى، فتأمّل في أطراف الكلام فإنّه من مزال أقدام الأعلام‏ (3)

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 251.

(2) [أُبدلت كلمة «البراءة» في الطبعة الحديثة بكلمة «السراية»].

(3) مقالات الأُصول 2: 252- 253.

45

و الذي ينبغي هو التعرّض لكلّ واحدة من هذه الجمل، فنقول بعونه تعالى:

قوله في المقالة: غاية الأمر مشروطاً بملاقاته مع النجس ... الخ‏ (1).

قد عرفت أنّ هذا المقدار كافٍ في الطولية على وجه يكون الحكم في الملاقي- بالكسر- في طول نجاسة الملاقى، على وجه يكون الأصل الجاري في الملاقى- بالفتح- حاكماً على الأصل الجاري في الملاقي- بالكسر-، حتّى لو فرضنا أنّ حكم الثوب الملاقي للنجس وجوب حرقه أو التصدّق به أو التصدّق بدرهم مثلًا، بأن يقول الآمر إذا لاقى ثوبك النجس فتصدّق بدرهم، فإنّ هذا الحكم لا يخرج عن كونه في طول نجاسة الملاقى- بالفتح- على وجه لو جرت قاعدة الطهارة في الملاقى- بالفتح- كانت حاكمة على الأصل الجاري في هذا الحكم، و هو وجوب التصدّق بدرهم مثلًا.

قوله: و على الأخير هل معنى سرايته كون نجاسة الملاقى- بالفتح- سبباً- إلى قوله:- أو أنّ معناه انبساط نجاسة الملاقى بالفتح‏ (2).

الأولى أن يقال: إنّ نجاسة الملاقي- بالكسر- هل هي بالتعبّد أو بالسراية من العلّة إلى المعلول، أو هي بالاتّساع و انبساط النجاسة، و هو الذي نعبّر عنه باتّساع الموضوع، و لا فرق بين الأوّل و الثاني من حيث الطولية، سوى أنّ القسم الأوّل لا يلزم فيه أن يكون الحكم في الفرع من سنخ حكم الأصل، لأنّه حكم تعبّدي ثابت لملاقي النجس، بخلاف القسم الثاني، فإنّ الحكم فيه يلزم أن يكون من سنخ الحكم في الأصل، لكونه بسرايته و عدواه، أمّا السببية و الطولية فعلى الظاهر أنّها مشتركة بينهما، فإنّ الحكم في الفرع الذي هو الملاقي- بالكسر- في‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 247.

(2) مقالات الأُصول 2: 247.

46

القسم الأوّل و إن لم يكن من سنخ حكم الأصل، بل كان مثل وجوب الاحراق أو وجوب التصدّق، إلّا أنّ نجاسة الأصل من أجزاء موضوعه، فتكون سبباً شرعياً في ذلك الحكم، كما هو الحال في القسم الثاني، اللهمّ إلّا أن يكون المراد هو السببية التكوينية، فتأمّل.

قوله: ثالثها: في أنّ العلم الحاصل بمعلول شي‏ء ... الخ‏ (1).

محصّله: أنّ الانتقال تارةً يكون من العلّة إلى المعلول، و أُخرى بالعكس، و ثالثة يكون العلم بكلّ من المعلول و العلّة حاصلًا دفعة واحدة من سبب ثالث أوجب العلم كإخبار معصوم، و حينئذٍ فأيّ العلمين سبق كان المؤثّر، و لو اجتمعا أثّرا معاً.

و لا يخفى أنّ هذا التقسيم لا يختصّ بكون أحد المعلومين معلولًا للآخر و في طوله، بل يجري في العرضيين، كما إذا كانا معلولين لعلّة ثالثة و لو كانت العلّية اتّفاقية، فإنّه تارةً يكون الانتقال من أحد المعلولين إلى الآخر، و تارةً يكون الانتقال من العلّة إليهما معاً، كما لو كان إناء زيد بجنب إناء خالد، و كان إناء عمرو بعيداً عنهما في الجملة، على وجه لو وقعت نجاسة على إناء زيد كانت واقعة عليهما معاً، فهو تارةً يعلم بوقوع النجاسة في إناء زيد و ينتقل من ذلك إلى العلم بنجاسة إناء خالد أيضاً، و تارةً بالعكس، و ثالثة يحصل له العلم الدفعي بنجاستهما معاً، بل يكون الانتقال من أحد المعلولين إلى الآخر أبعد مسافة من الانتقال عن العلّة إلى المعلول أو بالعكس، لأنّ العلم بأحد المعلولين ينتقل إلى العلم بالعلّة، و عن العلم بها يحصل الانتقال إلى المعلول الآخر، و يكون المدار في ذلك كلّه على التقدّم الرتبي لا الزماني حتّى في العلّة و المعلول، فإنّ محصّل الانتقال من‏

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 248.

47

العلم بالعلّة إلى العلم بالمعلول أنّ الذي حصل له أوّلًا هو العلم بالعلّة، ثمّ بعد حصول العلم بالعلّة يحصل له العلم بالمعلول، و يكون العلم بالعلّة علّة للعلم بالمعلول، فلا يكون بين العلمين تأخّر زماني، لاستحالة ذلك في العلّة و المعلول.

نعم، ربما حصل التأخّر الزماني، كما لو علم بالعلّة و لكن حينما علم بها لم يعلم بكونها علّة للشي‏ء الفلاني، و بعد مدّة علم بذلك و انتقل من علمه بها إلى العلم به. و هكذا الحال فيما لو علم بوجود المعلول و لم يكن حينئذ عالماً بأنّه معلول للعلّة الفلانية، ثمّ بعد مدّة علم بذلك فانتقل من العلم به إلى العلم بها.

و هكذا الحال في الانتقال من أحد المعلولين إلى المعلول الآخر. بل يكون المدار هو ذلك- أعني التقدّم الرتبي لأحد العلمين على الآخر- حتّى في غير المتلازمين اللذين لا يكون بينهما طولية، لكن كانت الطولية فيهما بين العلمين، و ذلك كما إذا علم بنجاسة مردّدة بين إناء زيد و إناء عمرو، ثمّ علم بنجاسة مردّدة بين إناء عمرو و إناء خالد من تلازم و لو اتّفاقي بين نجاسة إناء زيد و إناء خالد، و حينئذٍ لا اختصاص للانحلال بما إذا كان بين المعلومين طولية.

فما يظهر منه من الاختصاص لا وجه له على الظاهر، كما يظهر ذلك من قوله: هذا كلّه في فرض طولية المعلومين بذاتهما، و أمّا لو كانا عرضيين- إلى قوله:- نعم الذي يسهّل الخطب في المقام (عدم) صحّة العرضية في التكليفين أو انبساطه، سواء في باب نجاسة الملاقي- بالكسر- مع نجاسة ما لاقاه، أو في ملكية النماء و المنافع لملكية العين، و أنّ التحقيق فيهما كون كلّ واحد من الملزومين ناشئين عن الآخر، كنشوء حركة المفتاح عن حركة اليد، و بهذا المعنى نلتزم بالبراءة في المقامين، لا بمعنى انبساط الأثر من الملزوم إلى اللازم بحيث‏

48

كأنّهما وجود واحد منبسط على الجميع الخ‏ (1).

و لا يخفى غرابة الالتزام بالبراءة (2) في مسألة المنافع و النماء فيما لو علم إجمالًا غصبية إحدى العينين اللتين يكون لإحداهما منافع أو ثمرة، فإنّ التحقيق فيه أنّه من قبيل الاتّساع و الانبساط.

و أغرب من ذلك دعوى التمحّل في تقطيع العلم على تقدير كون ذلك من قبيل الاتّساع و جعل العلم المنبسط على الكل بمنزلة علمين، تعلّق أحدهما بأحد الجزءين و الآخر بالجزء الآخر، و إلحاقه من هذه الجهة بالعلم المردّد بين تكليف واحد و تكليفين.

و لا يخفى أنّ جميع ما ذكره في قوله ثالثها إلى آخر هذا المبحث إنّما هو مسوق لردّ اعتراض شيخنا (قدس سره)(3) على ما أفاده في الكفاية (4) من الفرق بين الصور الثلاثة.

و لكن يمكن أن لا يكون الوجه في اعتراض شيخنا (قدس سره) هو مجرّد تقدّم المعلوم رتبة، بل إنّ الوجه فيه هو عدم كون العلم المردّد بين نجاسة الفرع و طرف أصله علماً حقيقياً، إذ لا مقابلة بين نجاسة الفرع و طرف أصله، و إنّما هو علم صوري حقيقته هو العلم بين الأصلين، فعند حصول العلم أوّلًا بين الفرع و طرف أصله، ثمّ حصول العلم بين الأصلين، ينكشف صورية العلم الأوّل كما شرحناه،

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 251- 253.

(2) [لا يخفى أنّ كلمة «البراءة» أُبدلت في الطبعة الحديثة من المقالات ب «السراية» فلاحظ].

(3) فوائد الأُصول 4: 86.

(4) كفاية الأُصول: 362- 363.

49

فلاحظ و تأمّل.

قوله: فلو فرض سبق وجوده على المعلوم الآخر- مع تأخّر علمه عن علمه- موجباً لسبق تنجّزه يلزم انفكاك ... الخ‏ (1).

أشار بهذه الجملة إلى الصورة الثانية ممّا ذكره في الكفاية، و هي ما لو علم أوّلًا بنجاسة مردّدة بين الثوب و إناء عمرو، ثمّ علم بنجاسة إناء زيد أو إناء عمرو، و أنّ نجاسة الثوب لو كان هو النجس في العلم الاجمالي الأوّل فإنّما هي من جهة ملاقاته لإناء زيد، فكان المعلوم بالعلم الثاني و هو النجاسة بين إناء زيد و إناء عمرو سابقاً في الرتبة على المعلوم بالعلم الأوّل المردّد بين نجاسة الثوب أو إناء عمرو، فلو كان تقدّم ذلك المعلوم و هو النجاسة بين إناء زيد و إناء عمرو موجباً لتقدّم تنجّزه، لكان العلم بين الثوب و إناء عمرو منفكّاً عن التنجّز، لأنّه مسبوق بتنجّز أحد طرفيه و هو إناء عمرو، فيلزم انفكاك العلّة التي هي العلم بين الثوب و إناء عمرو عن معلولها الذي هو التنجّز. و هذا تطويل.

فالأولى أن يقال: إنّ العلم الثاني و هو المردّد بين إناء زيد و إناء عمرو، لا يعقل أن يكون أثره و هو التنجّز سابقاً عليه و على العلم الأوّل المردّد بين الثوب و إناء عمرو، ليكون ذلك التنجّز السابق موجباً لانحلال العلم الأوّل. و كأنّه يريد بذلك الاعتراض على شيخنا (قدس سره) في دعواه انحلال العلم السابق المذكورة، و قد عرفت أنّه يمكن أن يقال: إنّ دعوى شيخنا (قدس سره) ليست مبنية على سبق التنجّز، بل على انكشاف كون العلم السابق صورياً لا واقعية له، و حينئذٍ لا يكون جريان الأصل في الثوب مربوطاً بكون الموجب لسقوط الأصل النافي هو نفس العلم، أو كونه هو تعارض الأُصول.

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 249.

50

قوله في المقالة: و مقتضاه حينئذ اختصاص التنجّز بالمعلوم بالعلم السابق و لو كان المعلوم في الرتبة اللاحقة، و لا يصلح المعلوم بالعلم اللاحق للتنجّز و لو كان المعلوم بذاته في الرتبة السابقة، لقيام علمه بطرفيه المنجّز أحدهما بعلمه السابق‏ (1).

و ذلك كما في الصورة الثانية، أعني العلم أوّلًا بالنجاسة بين الثوب و إناء عمرو، ثمّ العلم ثانياً بالنجاسة بين إناء زيد و إناء عمرو، مع العلم بأنّه لا مستند لنجاسة الثوب لو كانت إلّا ملاقاته لإناء زيد، و حينئذٍ يكون العلم الثاني غير مؤثّر، لأنّ أحد طرفيه و هو نجاسة إناء عمرو قد تنجّزت بعلمه السابق بين الثوب و إناء عمرو، و يكون الأصل النافي جارياً في السبب و هو نجاسة إناء زيد، و يكون ذلك على العكس من الصورة الأُولى و هي ما أشار إليها ب:

قوله: نعم، لو كان الأمر بعكس هذا الفرض ... الخ‏ (2).

بأن علم أوّلًا بالنجاسة المردّدة بين الاناءين، ثمّ لأجل ملاقاة الثوب لإناء زيد حصل له العلم ثانياً بالنجاسة المردّدة بين الثوب و إناء عمرو، فإنّ العلم الثاني فيها لا يكون منجّزاً، لأنّ أحد طرفيه و هو نجاسة إناء عمرو قد تنجّز بالعلم السابق بين الاناءين، و حينئذٍ يكون الأصل النافي جارياً في المسبّب و هو نجاسة الثوب.

و على أيّ، لا يكون المصحّح لجريان الأصل النافي في الموردين المذكورين هو مجرّد كونه بلا معارض، لأنّ ذلك غير نافع بناءً على كون العلم الاجمالي علّة في المنع من جريان الأُصول النافية في الأطراف لا مجرّد التعارض،

____________

(1) مقالات الأُصول 2: 249.

(2) مقالات الأُصول 2: 250.