أصول الفقه - ج11

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
583 /
1

-

2

المنضّد: تنضيد الكفيل: 7812689211- 7706379103

3

[تتمة مبحث الاستصحاب‏]

[خاتمة الاستصحاب: في بيان أُمور]

[الأمر الأوّل: اعتبار اتّحاد متعلّق الشكّ مع متعلّق اليقين‏]

قوله: فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه بما ذكره الشيخ (قدس سره) من أنّه لو لا اتّحاد المتعلّقين يلزم بقاء العرض بلا موضوع أو انتقال العرض من موضوع إلى موضوع آخر، و كلّ منهما بمكان من الاستحالة، فإنّ الاستدلال بذلك تبعيد للمسافة بلا موجب ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ هذه القضية إنّما تنفع في لزوم وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة بحسب الموضوع، لأنّ الموضوع في القضية المشكوكة إن كان مغايراً للموضوع في القضية المتيقّنة، و مع ذلك حكمنا ببقاء ذلك المحمول لأجل الاستصحاب، فإن كان بقاؤه المحكوم به غير موجب للحوقه لموضوع القضية المشكوكة، كان لازمه بقاء العرض بلا موضوع، و إن كان بقاؤه موجباً للحوقه لموضوع القضية المشكوكة، كان لازمه انتقال العرض من موضوع إلى موضوع آخر، أمّا لو كان الاختلاف بين القضيتين في ناحية المحمول فلا يستقيم هذا البرهان فيه كما هو واضح.

ثمّ إنّه في [هذه‏] الصورة و هي صورة الاختلاف بينهما بحسب الموضوع فقط يمكن التخلّص من المحالية بالالتزام بالشقّ الثاني، بأن نقول: إن نقل المحمول الذي هو الحكم من موضوع إلى موضوع آخر لا بأس به إذا كان على نحو التعبّد سيّما إذا كان المحمول من الأحكام الشرعية، فإنّا لو فرضنا أنّ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 564.

4

الاستصحاب في حدّ نفسه لا يقتضي وحدة الموضوع، و كان مقتضى دليله هو الشمول لما كان الموضوع فيه مختلفاً، يكون مرجع الحكم الاستصحابي ببقاء ذلك المحمول إلى الحكم التعبّدي بنقل ذلك المحمول من موضوع القضية المتيقّنة إلى موضوع القضية المشكوكة المفروض كون أحدهما مغايراً للآخر.

و لا دافع لهذه الدعوى، إلّا أنّ الاستصحاب بنفسه يقتضي وحدة الموضوع في القضيتين، و مجرّد استحالة نقل المحمول من موضوع إلى موضوع آخر لا تدفع ذلك، لما عرفت من إمكان ذلك تعبّداً الذي يكون مرجعه إلى التوسّع في الموضوع، و إن لم يكن ممكناً حقيقة و وجداناً من دون التصرّف الشرعي في ناحية الموضوع.

و بالجملة: أنّ الحجر الأساسي للوحدة المذكورة هو أنّ الاستصحاب بنفسه يقتضيها لا أمراً آخر غير نفس الاستصحاب، و لأجل ذلك نقول إنّ هذه الوحدة من القضايا التي قياساتها معها.

قوله: أو شكّ في نجاسة الماء لأجل الشكّ في بقاء تغيّره ... الخ‏ (1).

لا يبعد أن يكون المراد من التغيّر هو الاضافة، كما لو كان الماء مسبوقاً بالاضافة و قد لاقته نجاسة و شكّ في تنجّسه لأجل الشكّ في بقاء إضافته، فإنّه حينئذ يحكم بنجاسته لاستصحاب إضافته، إذ لو كان المراد من التغيّر هو التغيّر بالنجاسة لم يكن الحكم بنجاسته متوقّفاً على استصحاب تغيّره، فإنّه يبقى على النجاسة و إن زال تغيّره، اللهمّ إلّا أن يكون المثال في الكر المتغيّر بناءً على زوال النجاسة بزوال تغيّره، و هذا هو الذي يظهر من الرسائل‏ (2) فراجع. و على كلّ‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 566.

(2) فرائد الأُصول 3: 292.

5

حال، أنّ الأمر في ذلك سهل لكونه مناقشة في المثال.

قوله: فإن كان الموضوع محرزاً بالوجدان و كان الشكّ متمحّضاً في بقاء المحمول ... الخ‏ (1).

لا فرق في ذلك بين كون ذلك المحمول شرعياً كما في طهارة الماء أو نجاسته، أو كونه غير شرعي كما ذكره من الشكّ في العدالة بعد فرض تحقّق الحياة وجداناً.

قوله: فإن كان الشكّ في المحمول المترتّب مسبّباً عن الشكّ في الموضوع، فلا إشكال في أنّ جريان الأصل في الموضوع يغني عن جريانه في المحمول المترتّب، لأنّه رافع لموضوع ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّه إنّما يكون الأصل في الموضوع رافعاً للشكّ في المحمول المترتّب إذا كان ترتّب المحمول و تسبّبه على ذلك الموضوع ترتّباً شرعياً كما أفاده فيما بعد بقوله: إذا كان الأصل السببي واجداً للشرائط المعتبرة في الشكّ السببي و المسبّبي‏ (3) و ذلك كما لو شكّ في المطهّرية لأجل الشكّ في بقاء إطلاق الماء، فإنّ استصحاب بقاء إطلاق الماء حاكم على الشكّ في مطهّريته المفروض كونها حكماً شرعياً لإطلاق الماء، و كما لو شكّ في جواز تقليد زيد للشكّ في بقاء عدالته مع فرض إحراز حياته وجداناً، فإنّ استصحاب العدالة كافٍ في الحكم بجواز تقليده و موجب لزوال الشكّ فيه. و الفرق بين المثالين أنّ المحمول الشرعي في الأوّل مترتّب على المحمول الأوّلي بلا واسطة، و في الثاني يكون‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 566.

(2) فوائد الأُصول 4: 567.

(3) فوائد الأُصول 4: 568.

6

المحمول الشرعي و هو جواز التقليد مترتّباً على العدالة و هي مترتّبة على الحياة.

أمّا إذا لم يكن ترتّب المحمول على ذلك الموضوع ترتّباً شرعياً، كما إذا شكّ في بقاء عدالة المقلَّد لأجل الشكّ في بقاء حياته، فإنّ العدالة من المحمولات المترتّبة على الحياة، و كان منشأ الشكّ فيها هو الشكّ في بقاء الحياة التي هي موضوعها عقلًا، فاستصحاب الحياة و إن كان جارياً من حيث إنّه أحد جزأي موضوع جواز التقليد، إلّا أنّه لا ينفع في الحكم بتحقّق العدالة و بقائها، لما عرفت من عدم كون ترتّب العدالة على الحياة ترتّباً شرعياً، و إن كان لازم بقاء الحياة في الفرض هو بقاء العدالة، إلّا أنّه لا يترتّب على استصحاب الحياة إلّا بنحو من الاثبات.

و هكذا الحال في المحمول المترتّب عقلًا بواسطتين، كما لو شكّ في بقاء حركة الأصابع لأجل الشكّ في بقاء الكتابة، فإنّ استصحاب الكتابة لا ينفع في إثبات حركة الأصابع، ففي المثالين لا بدّ من إجراء الاستصحاب في نفس المحمول المشكوك، و إن لم يكن للشكّ فيه منشأ إلّا الشكّ في الموضوع.

و بعبارة أُخرى: أنّ حركة الأصابع و إن لم تكن بنفسها مشكوكة، إلّا أنّه بواسطة الشكّ في بقاء الكتابة تكون مشكوكة، لكون الشكّ في حركة الأصابع تابعاً للشكّ في الكتابة، و هذا الشكّ الطارئ و لو بالواسطة على حركة الأصابع لا يمكن إزالته بازالة الشكّ في سببه، لما عرفت من كون الأصل حينئذ مثبتاً، فلا بدّ من إجراء الأصل في نفس الحركة المذكورة و إن لم تكن مشكوكة بالأصالة بل كانت مشكوكة بالتبع، فإنّ هذا المقدار من الشكّ التبعي كافٍ لجريان الأصل، و حينئذٍ يكون الاستصحاب جارياً في نفس حركة الأصابع، و لا يترتّب عليه ملزومه الذي هو بقاء الكتابة، بل لو كان للكتابة أثر شرعي كان اللازم إجراء الأصل‏

7

فيها أيضاً.

و في المثال السابق و هو الشكّ في العدالة لأجل الشكّ في الحياة، يجري استصحاب العدالة و إن لم تكن مشكوكة بنفسها، بل كان الشكّ فيها تبعاً للشكّ في الحياة، و حيث إنّ الحياة جزء من موضوع جواز التقليد بناءً على تركّبه من الحياة و العدالة، كنّا محتاجين إلى إجراء الاستصحاب فيها، و لا يغنينا عن استصحابها استصحاب العدالة، لما عرفت من أنّ الأصل في اللازم الذي هو العدالة لا يثبت الملزوم الذي هو الحياة، كما أنّ استصحاب الحياة لا يغني عن استصحاب العدالة و إن لم يكن للشكّ فيها منشأ إلّا الشكّ في الحياة، لما عرفت من أنّ الأصل في الملزوم لا يثبت اللازم.

و من ذلك يظهر لك أنّ مسألة ما لو كان الشكّ في المحمول غير الشرعي مسبّباً عن الشكّ في موضوعه مساوية لما إذا كان الشكّ في كلّ منهما مسبّباً عن شي‏ء آخر، و لم يكن الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر، كما يظهر ذلك من التقريرات المطبوعة في صيدا أعني قوله: و كذا مع الشكّ فيه (أي في الحياة) سواء كان الشكّ في المحمول (الذي هو العدالة) ناشئاً عن الشكّ في موضوعه (الذي هو الحياة) أم لا، فيستصحب وجود الحي العادل و يترتّب عليه أثره الشرعي (و هو جواز التقليد)، و كذا قوله: و أُخرى يكون كلّ منهما مشكوكاً سواء كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر أم لا، فيجري الاستصحاب في كلّ منهما في عرض واحد، كما في بقية الموضوعات المركّبة (1) هذا لو قلنا بأنّ موضوع جواز التقليد هو المركّب منهما.

____________

(1) أجود التقريرات 4: 182.

8

أمّا لو قلنا بأنّ موضوع جواز التقليد هو العدالة، و لم تؤخذ الحياة قيداً شرعياً فيه، و لم نكتف بالعدالة إلى حين الممات، بل أخذنا العدالة العدالة المطلقة، و لم تؤخذ الحياة قيداً شرعياً في الحكم المذكور، بل أقصى ما في البين هو توقّف العدالة عقلًا عليها، فلا حاجة حينئذ إلى استصحاب الحياة، بل كان استصحاب العدالة كافياً في جواز التقليد و إن لم نحرز الحياة فعلًا. لكن ذلك فرض لا واقعية له، لأنّ العدالة المأخوذة إن كانت هي العدالة إلى الموت فلا يعقل أن يكون الشكّ فيها مستنداً إلى الشكّ في الحياة، و إن كانت العدالة إلى حين التقليد، بحيث قلنا بجواز بقاء العدالة بعد الموت، لم تكن العدالة متوقّفة على الحياة.

قوله: كما إذا شكّ في أنّ موضوع النجاسة و معروضها هو ذات الكلب بما له من المادّة الهيولائية ... الخ‏ (1).

الأولى أن يمثّل لذلك بالحطب المتنجّس إذا صار فحماً أو رماداً، فإنّه لا يجري فيه استصحاب الموضوع، لعدم إحراز حقيقته و تردّده بين ما هو مرتفع قطعاً إذا كان هو عنوان الحطبية و ما هو باقٍ قطعاً إذا كان هو نفس المادّة، و لا يجري فيه استصحاب الحكم لعدم إحراز بقاء الموضوع، إلّا إذا ادّعي أنّ تبدّل الحطب إلى الفحم أو الرماد من قبيل تبدّل الحالات عرفاً. و مثله ما لو ثبت عدالة زيد باجتناب الكبائر و الصغائر ثمّ بعد هذا ارتكب الصغيرة، فإنّ موضوع العدالة إن كان هو ترك الاثنين فقد ارتفع قطعاً، و إن [كان‏] هو ترك الكبيرة فقط فهو باقٍ قطعاً.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 567.

9

قوله: و أُخرى ممّا يتوقّف عليه شرعاً، كتوقّف الكرّية العاصمة على إطلاق الماء، فإنّ الكرّية لا تتوقّف على كون الماء مطلقاً، لتحقّق الكرّية مع إضافة الماء، إلّا أنّ الشارع اعتبر في الكرّية إطلاق الماء، فيكون دخل الاطلاق في الكرّية شرعياً، بخلاف دخل الحياة في العدالة فإنّه عقلي ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ لنا في المياه حكمين: الأوّل كونه مزيلًا للخبث و الحدث، و هذا الحكم الشرعي مرتّب على كون الماء مطلقاً، و لم يعتبر فيه الكرّية، فيكون خارجاً عمّا نحن فيه. الثاني: كونه معصوماً لا ينفعل بملاقاة النجاسة، و هذا الحكم الشرعي مرتّب على كون الماء المطلق كرّاً، فالكرّية ليست من الأحكام الشرعية المجعولة للاطلاق، فلا يكون إطلاق الماء دخيلًا شرعاً في الكرّية، و إنّما يكون دخيلًا شرعاً في العاصمية و عدم الانفعال لكونه جزءاً من موضوع هذا الحكم الشرعي، فإنّ موضوع هذا الحكم الشرعي مركّب من الكرّية و إطلاق الماء، فلا تكون نسبته إلى هذا الحكم الشرعي إلّا كنسبة الكرّية إليه، فلو كان كلّ منهما مشكوك البقاء بشكّ مستقل جرى في كلّ منهما استصحاب البقاء، و يكفي في جريانه فيه كونه له المدخلية في ذلك الحكم الشرعي باعتبار كونه جزءاً من موضوعه.

و من ذلك يتّضح لك أنّه لم يظهر الفرق بين هذا المثال و بين مسألة الحياة و العدالة، فإنّ الكلام في مسألة الحياة و العدالة إنّما هو بالنسبة إلى الحكم الشرعي المترتّب على المجموع المركّب من الحياة و العدالة، كما في جواز الاقتداء و جواز التقليد كما يستفاد ممّا أفاده فيما بعد بقوله: فإنّ استصحاب الحياة إنّما يجري من‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 568.

10

حيث إنّ للحياة دخلًا في الحكم الشرعي المترتّب على الحي العادل- إلى قوله- و بالجملة: بعد ما كان الموضوع لجواز التقليد مركّباً من الحياة و العدالة الخ‏ (1).

و الحاصل: أنّه بعد فرض كون الحكم الشرعي الذي هو جواز التقليد مرتّباً على الموضوع المركّب من الحياة و العدالة، يكون حال هذا المثال حال الكرّية و إطلاق الماء في كون الحكم الشرعي مرتّباً على الموضوع المركّب الموجب لكون دخل كلّ منهما في موضوع الحكم شرعياً، و كما أنّ دخل الحياة في نفس العدالة لم يكن شرعياً، فكذلك دخل إطلاق الماء في الكرّية. نعم بينهما فرق و هو أنّ الحياة يتوقّف عقلًا عليها العدالة بخلاف إطلاق الماء بالنسبة إلى الكرّية فإنّه لا يتوقّف عقلًا عليه الكرّية، و هذا المقدار من الفرق لا أثر له فيما نحن بصدده.

و الحاصل: أنّ كلًا من الحياة و العدالة له الدخل الشرعي في موضوع الحكم الذي هو جواز التقليد، كما كان لكلّ من الاطلاق و الكرّية دخل في موضوع الحكم الذي هو عدم الانفعال، و أمّا نسبة إطلاق الماء إلى الكرّية فهي و إن فارقت نسبة الحياة إلى العدالة في كون الكرّية غير متوقّفة عقلًا على إطلاق الماء، بخلاف العدالة فإنّها متوقّفة عقلًا على الحياة، و لكن هذا المقدار من الفرق لا أثر له في ناحية ما نحن فيه من الحكم الشرعي المرتّب على الموضوع المركّب من العنوانين.

نعم، لو كان لنا حكم شرعي مرتّب على نفس الكرّية و قد شككنا في بقائها، لم يكن لنا إشكال في استصحابها، لعدم توقّفها على شي‏ء آخر لا عقلًا و لا شرعاً، و هذا بخلاف ما لو كان لنا حكم شرعي مرتّب على عنوان العدالة و قد

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 569.

11

شككنا في بقائها، فإنّه إن كان الشكّ فيها مقروناً بالعلم ببقاء الحياة، فلا إشكال في استصحاب بقائها، و إن كان مقروناً بالشكّ في بقاء الحياة و كان الشكّ في بقاء العدالة ناشئاً عن الشكّ في بقاء الحياة، فقد تقدّم الكلام فيه و تقدّم أنّه فرض غير واقع. و إن كان الشكّ في العدالة غير ناشئ عن الشكّ في بقاء الحياة، بل كان كلّ منهما ناشئاً عن منشأ مختصّ به، فقد يقال إنّ استصحاب العدالة لا يجري لتوقّف العدالة عقلًا على إحراز الحياة، كما أنّ استصحاب الحياة لا يجري أيضاً لعدم كون الحياة أثراً شرعياً و لا هي موضوع للأثر الشرعي و لا جزء من موضوعه، و هذا هو المائز بين المثالين، و لعلّ هذا الإشكال هو المقصود من الإشكال المحكي بقوله فيما بعد: فقد يستشكل في استصحاب الحياة و العدالة، أمّا العدالة فللشكّ في موضوعها (و هو الحياة فإنّها موضوع عقلي للعدالة) و أمّا في الحياة فلعدم كون دخله في العدالة شرعياً (1).

لكن لو نزّلنا هذا الإشكال المحكي على الإشكال الذي ذكرناه لكان اللازم أن يقول: و أمّا في الحياة فلعدم كونها جزءاً من موضوع الحكم الشرعي الذي هو جواز التقليد، لأنّ تمام موضوعه هو العدالة.

و يمكن أن يقرّب هذا الإشكال فيما لو كان الموضوع للحكم الشرعي هو المركّب من كلا العنوانين، فيقال: إنّه بعد فرض كون الحكم الذي هو عدم الانفعال مرتّباً على المجموع من الكرّية و إطلاق الماء، لو كان كلّ من العنوانين مشكوكاً بشكّ مستقل، فبناءً على كون جزئية الموضوع كافية في صحّة الاستصحاب يجري كلا الاستصحابين، و لا يتوقّف استصحاب الكرّية على ثبوت إطلاق الماء، لأنّ الكرّية لا تتوقّف على إطلاق الماء لا توقّفاً شرعياً و لا

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 569.

12

توقّفاً عقلياً، و هذا بخلاف مسألة العدالة و الحياة، فإنّ الحكم الشرعي و هو جواز التقليد بعد أن كان مرتّباً على المجموع المركّب من العدالة و الحياة، لم يمكن إجراء استصحاب العدالة لتوقّفها عقلًا على الحياة، و مع عدم جريان الاستصحاب في ناحية العدالة لا يمكن استصحاب الحياة لعدم الأثر له بعد فرض عدم ثبوت الجزء الآخر الذي هو العدالة، هذا.

و لكن هذا الإشكال لا وقع له على كلّ حال، فإنّ محصّله هو أنّ توقّف العدالة عقلًا على الحياة يكون مانعاً من استصحاب العدالة لعدم إحراز موضوعها.

و فيه: ما لا يخفى. أمّا في صورة كون الحكم مرتّباً على العدالة فقط، فلأنّ العدالة و إن توقّفت عقلًا على تحقّق الحياة، إلّا أنّه لمّا كان التوقّف عقلياً و لم تكن الحياة دخيلة شرعاً في موضوع جواز التقليد، كان استصحاب العدالة كافياً في ترتّب هذا الحكم الشرعي و إن لم يكن في البين ما يحرز لنا الحياة، لعدم توقّف الحكم الشرعي عليها، و لا يكون ذلك الحكم الشرعي الثابت بالاستصحاب مخالفاً للحكم العقلي، أعني أنّ استصحاب العدالة مع عدم إحراز الحياة لا يكون موجباً لتحقّق العدالة في ظرف عدم الحياة كي يكون ذلك مخالفاً لحكم العقل بتوقّف تحقّق العدالة على تحقّق الحياة، بل أقصى ما فيه هو إحراز العدالة شرعاً مع عدم إحراز الحياة شرعاً، و ذلك لأنّ الحكم الشرعي ببقاء العدالة في هذا المقام لا يتوقّف على أزيد من إمكان بقائها، و المفروض أنّ بقاءها ممكن و لو مع بقاء الحياة و إن لم تكن الحياة محكومة بالبقاء شرعاً، فتأمّل.

و من ذلك كلّه يظهر عدم احتياج استصحاب العدالة إلى ضمّ قيد الحياة بأن يحكم ببقاء العدالة على تقدير الحياة، سواء كانت العدالة هي تمام الموضوع أو

13

كان الموضوع مركّباً منها و من الحياة، أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فلأنّ المفروض هو الاكتفاء في جريان الاستصحاب بكون مجراه جزءاً من موضوع الحكم الشرعي، فلك حينئذ أن تستصحب العدالة في عرض استصحابك للحياة و يتمّ الموضوع بكلا الاستصحابين.

نعم، يتوجّه عليه: أنّ استصحاب نفس العدالة و نفس الحياة لا يوجب تحقّق الموضوع المركّب- أعني الحي العادل- إلّا بالأصل المثبت، فإنّ ثبوت نفس العدالة يلازمها اتّصاف الحيّ بها، فتأمّل فإنّ الجواب عنه واضح، لكون المقام من قبيل التركّب من العرضين لموضوع واحد و هو ذات الشخص أعني زيداً، فباستصحاب عدالته و حياته يتمّ الموضوع.

ثمّ إنّك قد عرفت‏ (1) ما نقلناه عن التقريرات المطبوعة في صيدا من أنّه في صورة كون الشكّ في بقاء العدالة ناشئاً عن الشكّ في بقاء الحياة يكون الاستصحاب جارياً في ناحية العدالة في عرض جريانه في بقاء الحياة، و ذلك قوله: إذا كان الموضوع لجواز التقليد وجود الحي العادل، فتارةً تكون الحياة محرزة وجداناً فتستصحب العدالة، و أُخرى يكون كلّ منهما مشكوكاً، سواء كان الشكّ في أحدهما (الذي هو العدالة) مسبّباً عن الشكّ في الآخر (الذي هو الحياة) أم لا (بأن كان الشكّان في عرض واحد) فيجري الاستصحاب في كلّ منهما في عرض واحد، كما في بقية الموضوعات المركّبة (2).

و مقتضاه أنّه إذا كان الشكّ في العدالة مسبّباً عن الشكّ في بقاء الحياة، بحيث إنّه لم تكن العدالة مشكوكة بنفسها و إنّما كان الشكّ فيها من جهة الشكّ في‏

____________

(1) في الصفحة: 7.

(2) أجود التقريرات 4: 182.

14

بقاء الحياة مع فرض كون موضوع جواز التقليد مركّباً منهما، نحتاج إلى استصحاب كلّ منهما في عرض استصحاب الآخر، فيكون حاله حال ما إذا كان الشكّ في كلّ منهما مسبّباً عن منشأ يخصّه- بحيث إنّه لو لا الشكّ في الحياة لكانت العدالة مشكوكة، و لو لا الشكّ في العدالة لكانت الحياة مشكوكة- في الاحتياج إلى الاستصحابين المذكورين.

و ربما يظهر ذلك أيضاً من هذا التقرير كما يومئ إليه قوله: فإذا كانت الحياة محرزة بالوجدان فالاستصحاب إنّما يجري في العدالة، و يلتئم الموضوع المركّب من ضمّ الوجدان بالأصل، و إن كانت الحياة مشكوكة فالاستصحاب يجري في كلّ من الحياة و العدالة، و يلتئم الموضوع المركّب من ضمّ أحد الأصلين بالآخر الخ‏ (1) فإنّه لم يقيّد المطلب بكون الشكّ في كلّ منهما مستقلًا، و إن كان صدر كلامه يعطي التقييد المزبور.

و على كلّ حال، فالظاهر أنّه لو كان موضوع الحكم الشرعي هو العدالة و الحياة، و لم تكن العدالة مشكوكة بنفسها بل كان المشكوك ابتداءً هو الحياة و بذلك تكون العدالة مشكوكة بالتبع، يمكن القول بأنّا لا نحتاج إلى استصحابين بل يكفي الاستصحاب الواحد، فإنّ الحياة لمّا كانت عبارة عن أصل الوجود كان مرجع الشكّ فيها إلى الشكّ في بقاء وجود العادل، فيكون استصحاب وجود العادل كافياً في ترتّب الأثر الشرعي المرتّب على العادل الموجود. نعم لو كانت الحياة زائدة على أصل الوجود، بل كانت نظير الكتابة، و فرضنا ترتّب الحكم الشرعي على حركة أصابع الكاتب أو على الكاتب المتحرّك الأصابع، و حصل‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 569- 570.

15

الشكّ في بقاء الكتابة الموجب للشكّ في بقاء حركة الأصابع، لكنّا محتاجين إلى الاستصحابين الاستصحاب الجاري في الكتابة و الاستصحاب الجاري في حركة الأصابع، لأنّ استصحاب الكاتب أو الكتابة لا يثبت وجود حركة الأصابع إلّا على الأصل المثبت.

و من مجموع ما حرّرناه يتّضح لك الحال في من علم إجمالًا بخروج مقلَّده عن أهلية التقليد إمّا بالموت أو بالفسق، فإنّه قد يقال: إنّه لا يجري في حقّه استصحاب العدالة لتوقّفها على الحياة، فلا يكون الجاري في حقّه إلّا استصحاب الحياة.

و فيه أوّلًا: أنّ استصحاب الحياة وحده لا ينفع، لأنّ موضوع الحكم مركّب من الحياة و العدالة، فمع فرض عدم جريان استصحاب العدالة لا يكون استصحاب الحياة جارياً لعدم ترتّب الأثر عليه حينئذ.

و ثانياً: ما عرفت من جريان استصحاب العدالة و إن توقّفت عقلًا على الحياة، لأنّ التوقّف العقلي لا يمنع من جريان الاستصحاب، غايته أنّ استصحاب العدالة لا يثبت به الحياة لكونه حينئذ مثبتاً، بل يجري فيه كلّ من استصحاب العدالة و استصحاب الحياة، من دون أن يكون الأصل في أحدهما مثبتاً للآخر، و يكفي في جريان الأصل في كلّ منهما كون مجرى الاستصحاب جزءاً لموضوع الحكم الشرعي الذي هو جواز التقليد.

و لا حاجة إلى دعوى استصحاب العدالة على تقدير الحياة، فإنّ هذا التقدير إن أُخذ قيداً في الاستصحاب كان محصّله أنّه قبل حصول ذلك التقدير لا استصحاب، فإنّ حاصل ذلك هو أنّ هذا الشخص لو تحقّقت حياته لكنت شاكّاً

16

في بقاء عدالته، فأنا أستصحب عدالته لو ثبتت حياته، فتكون النتيجة هي أنّه قبل ثبوت الحياة لا يكون في البين استصحاب العدالة، و إنّما يتحقّق استصحابها بعد تمامية إجراء استصحاب الحياة، فيكون استصحاب العدالة في طول استصحاب الحياة، فلا يعقل أن يكون معارضاً له، هذا.

مضافاً إلى أنّ التعليق المذكور إنّما يتأتّى فيما لو كان كلّ منهما مشكوكاً [بشكّ‏] مستقل دون ما لو كان في البين علم إجمالي ببقاء أحدهما و ارتفاع الآخر، فإنّه حينئذ لا يمكن استصحاب العدالة على تقدير الحياة، لأنّه على تقدير الحياة يكون الفسق محقّقاً.

و إن كان راجعاً إلى المستصحب بحيث إنّه كان المستصحب هو العدالة التقديرية، كان محصّل ذلك هو استصحاب الملازمة بين الحياة و العدالة.

قوله: و أُخرى ممّا يتوقّف عليه شرعاً، كتوقّف الكرّية العاصمة على إطلاق الماء ... الخ‏ (1).

قد عرفت أنّ الكرّية لا تتوقّف على إطلاق الماء لا توقّفاً شرعياً و لا توقّفاً عقلياً. نعم عاصمية الكرّ تتوقّف شرعاً على كلّ من الكرّية و إطلاق الماء، فإن كان أحدهما مشكوك البقاء جرى فيه الاستصحاب و به تثبت العاصمية، و إن كان كلّ منهما مشكوكاً جرى الاستصحاب في كلّ منهما، من دون أن يكون توقّف من أحدهما على الآخر لا شرعي و لا عقلي.

و لو كان المحمول على العنوان حكماً شرعياً، و كان المجموع من هذا المحمول الشرعي و موضوعه موضوعاً لحكم شرعي آخر و قد حصل [الشكّ‏]

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 568.

17

في بقاء كلّ من ذلك المحمول الشرعي و موضوعه، كان استصحاب البقاء في ذلك الموضوع وحده كافياً في إثبات محموله و إثبات الحكم الشرعي المرتّب على مجموعهما، كما في المطهّرية من الحدث و الخبث، فإنّها حكم شرعي مرتّب على الماء المطلق الطاهر، فلو كان الماء كرّاً و قد لاقته نجاسة و قد حصل الشكّ في بقاء إطلاقه، كان كلّ من إطلاق الماء و طهارته مشكوكاً، و كان حكمهما الشرعي و هو المطهّرية أيضاً مشكوكاً، و كان استصحاب إطلاق الماء محقّقاً أوّلًا لطهارته و عدم تنجّسه بملاقاة تلك النجاسة، و كان المجموع منهما محقّقاً للحكم الشرعي اللاحق لمجموعهما و هو المطهّرية، فيكون استصحاب الموضوع و هو استصحاب إطلاق الماء محقّقاً لمحموله الشرعي و هو طهارته، و بعد ثبوت المجموع المركّب من ذلك الموضوع و محموله الشرعي يترتّب عليهما الحكم الشرعي اللاحق لمجموعهما و هو المطهّرية، لكن الشكّ في المحمول في هذا الفرض مسبّب عن الشكّ في بقاء الموضوع، فلا يدخل فيما نحن بصدده من كون كلّ منهما مشكوكاً بشكّ مستقل غير مسبّب عن الشكّ في الآخر.

و لو كان ذلك الماء قليلًا و احتمل انقلابه إلى الاضافة كما احتمل ملاقاته للنجاسة، كان كلّ من إطلاقه و طهارته مشكوكاً بشكّ مستقل، لأنّه لمّا كان قليلًا كان احتمال ملاقاته للنجاسة موجباً للشكّ في بقاء طهارته، سواء بقي على إطلاقه أو لم يبق، كما أنّ احتمال انقلابه إلى الاضافة متحقّق سواء تحقّق ملاقاته للنجاسة أو لم يتحقّق، و بواسطة الشكّ في بقاء كلّ من إطلاقه و طهارته، يكون الحكم الشرعي المرتّب على مجموعهما و هو المطهّرية مشكوكاً أيضاً، لكن لا أثر لكون هذا المحمول على الماء المطلق و هو الطهارة حكماً شرعياً، لأنّ استصحاب‏

18

إطلاقه لا يزيل الشكّ في بقاء طهارته، لعدم كون الشكّ في طهارته مسبّباً عن الشكّ في بقاء إطلاقه، لما عرفت من أنّ الشكّ في بقاء طهارته مسبّب عن الشكّ في ملاقاته للنجاسة، سواء بقي على إطلاقه أو لم يبق، فلا بدّ حينئذ من جريان الاستصحاب في كلّ من الموضوع الذي هو إطلاق الماء و محموله الشرعي الذي هو طهارته، و بعد جريان الاستصحابين و ثبوت كلّ من إطلاق الماء و طهارته يتنقّح الحكم الشرعي المرتّب على مجموعهما و هو المطهّرية من الحدث و الخبث.

و الحاصل: أنّ كون وصف الموضوع- أعني محموله- شرعياً إنّما يؤثّر في إزالة الاستصحاب الجاري في الموضوع للشكّ في ذلك المحمول و في تنقيح المجموع المركّب منه و من محموله، ليترتّب على ذلك المجموع الحكم الشرعي المرتّب على مجموعهما إذا كان الشكّ في ذلك المحمول مسبّباً عن الشكّ في ذلك الموضوع كما ذكرناه في المثال الأوّل، أمّا إذا لم يكن الشكّ في ذلك المحمول الشرعي مسبّباً عن الشكّ في ذلك المحمول، بل كان الشكّ في كلّ منهما ناشئاً عن منشأ يخصّه، لم يكن الأصل الجاري في ذلك الموضوع وحده كافياً في إزالة الشكّ، بل لا بدّ من الاعتماد على الأصل في ذلك المحمول، و بعد جريان الأصلين يتنقّح المجموع المركّب الذي هو موضوع الحكم المرتّب على مجموعهما كما ذكرناه في المثال الثاني.

و من ذلك يظهر أنّه في الصورة الثانية المعنية بقوله: و إن كان كلّ من الموضوع و محموله متعلّقاً للشكّ في عرض واحد الخ، لا يظهر فيها أثر لكون المحمول شرعياً أو كونه [غير] شرعي، فتأمّل.

19

قوله: نعم لا يجري استصحاب عدالة الحي لعدم إحراز الحياة، و إنّما يجري استصحاب العدالة على تقدير الحياة، و هذا التقدير يحرز باستصحاب الحياة، و ليس المقصود إثبات الحياة من استصحاب العدالة على تقدير الحياة، بل في نفس الحياة أيضاً يجري الاستصحاب لبقاء الموضوع و اتّحاد القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة في كلّ من استصحاب الحياة و استصحاب العدالة، لأنّ الموضوع في كلّ منهما هو الشخص، فيثبت كلا جزأي الموضوع لجواز التقليد، و إلى ذلك يرجع ما أفاده الشيخ (قدس سره) (1) في المقام بقوله: لكن استصحاب الحكم كالعدالة مثلًا لا يحتاج إلى إبقاء حياة زيد، لأنّ موضوع العدالة زيد على تقدير الحياة ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ فرض كون الموضوع في كلّ من العدالة و الحياة هو الشخص لا يوجب كون كلّ من العدالة و الحياة في عرض الآخر من دون أن تكون العدالة متوقّفة عقلًا على الحياة ليقال: إنّه بناءً على ذلك لا حاجة في استصحاب العدالة إلى تقدير الحياة، لما قد عرفت في الأبحاث السابقة أنّ العدالة متوقّفة عقلًا على الحياة حتّى مع لحاظ طروّ كلّ منهما على ذات الشخص، و بعد الفراغ عن هذا التوقّف العقلي ننقل الكلام إلى كيفية استصحاب العدالة مع فرض عدم إحراز الحياة في هذه المسائل الثلاث:

الأُولى: هي ما نحن فيه من كون كلّ منهما مشكوكاً بشكّ مستقل.

الثانية: ما لو كان المشكوك أوّلًا هو الحياة، فتكون العدالة مشكوكة أيضاً

____________

(1) فرائد الأُصول 3: 291.

(2) فوائد الأُصول 4: 570.

20

بالتبع، فإنّه يجري فيه استصحاب كلّ من الحياة و العدالة على ما عرفته‏ (1) فيما نقلناه عن التقريرات المطبوعة في صيدا و فيما استظهرناه أيضاً من عبارة هذا التقرير.

الثالثة: هي ما لو علم المقلّد إجمالًا بأنّ مقلَّده قد خرج عن أهلية التقليد إمّا بالفسق أو بالموت كما أفاده شيخنا (قدس سره) في الدروس الفقهية في مسألة من فاتته سجدتان و لم يعلم أنّهما من ركعة واحدة أو من ركعتين، فإنّه (قدس سره) أفاد فيما حكيته عنه هناك ما حاصله: أنّه قد أُشكِل فيه على جريان استصحاب العدالة لأجل الشكّ في الحياة التي هي بمنزلة الموضوع للعدالة، فيكون الجاري هو استصحاب الحياة فقط، مع أنّ مقتضى العلم الاجمالي هو عدم جواز بقائه على تقليده. و أجاب (قدس سره) هناك عن هذا الإشكال بأنّه يكفي في جريان استصحاب العدالة تقدير الحياة، بمعنى أنّه على تقدير بقائه حيّاً يكون محكوماً بالعدالة باستصحابها، فيكون المستصحب هو العدالة على تقدير الحياة، انتهى.

و حينئذٍ نقول: إن [كان‏] المصحّح لجريان استصحاب العدالة مع فرض توقّفها عقلًا على الحياة بحيث كانت العدالة من قبيل الحكم على الحي بأنّه عادل، هو أخذ تقدير الحياة في المستصحب الذي هو العدالة، ففيه أوّلًا: أنّه لا يتمّ في المسألتين الأخيرتين، لأنّ العدالة على تقدير الحياة في الصورة الأُولى منهما معلومة الوجود، و في الثانية منهما معلومة العدم. و ثانياً: أنّ لازم ذلك هو كون استصحاب العدالة في طول استصحاب الحياة، لأنّ استصحاب الحياة محقّق للتقدير الذي أُخذ في العدالة المستصحبة. و قد صرّح في التقرير المطبوع في صيدا بأنّ الاستصحابين في عرض واحد، و لازم الطولية هو تمامية الإشكال في الصورة الثالثة فإنّه مبني على الطولية.

____________

(1) في الصفحة: 14.

21

و لا بدّ في الجواب عن أصل الإشكال من أن نقول: إنّه بعد جريان استصحاب الحياة لا يكون استصحاب العدالة جارياً، فنبقى نحن و استصحاب الحياة، و هو وحده لا يترتّب عليه الحكم و هو جواز التقليد، لعدم تمامية موضوعه و هو المجموع المركّب أعني الحي العادل.

كما أنّه يمكن أن يقال: إنّ لازم الطولية أيضاً هو عدم إمكان استصحاب الحياة في الصورة الأُولى، لأنّه إنّما يصحّ إثبات جزأي الموضوع بالأصل في كلّ منهما إذا كان الأصلان واقعين في عرض [واحد]، أمّا إذا [كان‏] استصحاب الحياة سابقاً في الرتبة على استصحاب العدالة، فهو في مرتبته بلا أثر لعدم تمامية الموضوع في تلك المرتبة.

بل يمكن أن يقال: إنّ استصحاب الحياة و إن كان محرزاً لأحد جزأي موضوع جواز التقليد، إلّا أنّه لا يحرز موضوع العدالة، لأنّ توقّفها على الحياة عقلي، فيكون دخل الحياة في العدالة عقلياً، فلا ينقّحه استصحاب الحياة لعدم كونه من الآثار الشرعية المترتّبة على الحياة، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ العدالة و إن توقّفت عقلًا على الحياة إلّا أنّ الموقوف عليه هو الأعمّ من الحياة الوجدانية أو التعبّدية، سيّما إذا كان الموقوف و هو العدالة باقياً بالتعبّد، فتأمّل جيّداً.

و إن كان المصحّح لجريان الأصل في العدالة هو النظر إلى نفسها كما حرّرناه سابقاً (1)، بأن نقول إنّها كانت موجودة و إن كان وجودها لا ينفكّ عن موضوعها الذي تقوم به أعني زيداً الحي، إلّا أنّا عند الاستصحاب ننظر إليها نفسها و نستصحبها، و برهان ذلك هو تعدّد الشكّ، فإنّا بالوجدان نشكّ في العدالة و نشكّ أيضاً في الحياة، فلا بدّ أن يكون المشكوك هو وجود نفس العدالة، و إلّا لم‏

____________

(1) في الصفحة: 14.

22

يكن لنا إلّا شكّ واحد متعلّق بعدالة زيد الحي، فهكذا الحال في الاستصحاب بحيث نقول إنّ نفس عدالة زيد معرّاة عن لحاظ ثبوتها لزيد، بل كان المنظور إليه هو نفس وجودها، كانت موجودة و الآن نشكّ في بقائها فنستصحبها.

ففيه: أنّه لا يترتّب الأثر على نفس وجود العدالة، بل إنّما يترتّب على عدالة زيد بما أنّها مضافة لزيد، و استصحاب نفس وجودها لا يترتّب عليه هذه الجهة- أعني كون زيد متّصفاً بها- إلّا بنحو من الاثبات.

و لا يخفى أنّه لا يبعد أن يكون هذا الوجه في تقريب الاستصحاب هو المراد لما في التقرير المطبوع في صيدا بقوله: و أُخرى يكون كلّ منهما مشكوكاً، سواء كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر أم لا، فيجري الاستصحاب في كلّ منهما في عرض واحد كما في بقية الموضوعات المركّبة.

و إلى ما ذكرناه يرجع كلام شيخنا العلّامة الأنصاري حيث عبّر في مفروض المثال باستصحاب العدالة على تقدير الحياة، فإنّ غرضه (قدس سره) هو جريان الاستصحاب في العدالة مع إحراز الجزء الآخر بالاستصحاب أيضاً، فإنّ جزء الموضوع إنّما يصحّ التعبّد به في ظرف الشكّ بلحاظ أثر المركّب إذا كان الجزء الآخر محرزاً بالوجدان أو بالتعبّد في عرضه، و معنى التقدير في عبارته هو بعينه التقدير المأخوذ في كلّ قضية حقيقية الخ‏ (1).

لكن لم أعرف المراد بالقضية الحقيقية هنا، هل هي القضية القائلة إنّ الحي العادل يجوز تقليده، أو أنّ المراد بها القضية المتضمّنة لحمل العادل على الحي، و كلّ منهما لا دخل له بالمقام، فإنّ مستصحبنا ليس هو القضية الأُولى و هو واضح، كما أنّه ليس هو القضية الثانية لعدم إحراز موضوعها.

____________

(1) أجود التقريرات 4: 182- 183.

23

و إن شئت فقل: إنّ مستصحبنا عدالة شخصية خارجية، لا أن زيداً لو كان حياً لكان عادلًا، فتأمّل و انتظر ما سيأتي‏ (1) في توضيح هذه الجملة ممّا يندفع به أغلب إشكالاتنا السابقة و اللاحقة.

و قد يقال: إنّ فرض المسألة الأُولى هو أنّ العدالة مشكوكة في حدّ نفسها بحيث نحتمل أنّه طرأه الفسق، فنحن نستصحب عدالة زيد من أوّل الشهر مثلًا إلى آخر زمان حياته في الواقع، سواء لم تنته حياته حتّى الآن أو أنّها انتهت بالأمس، فإذا أحرزنا عدالته مدّة حياته لم يبق لنا شكّ إلّا في حياته الآن، و استصحاب الحياة يحرزها لنا إلى الآن. و هذا التقريب بعينه يجري في الصورة الثالثة، لكنّه لا يجري في الصورة الثانية، لعدم الاحتياج فيها إلى استصحاب العدالة مدّة الحياة لكونها معلومة، فإنّا نعلم بأنّ زيداً ما دام حياً لم يخرج عن العدالة، و إنّما شكّنا في أنّ أمد حياته هل انتهى فيجري الاستصحاب في الحياة فقط.

و فيه: ما لا يخفى من أنّ استصحاب الحياة حينئذ في الصورة الثانية يكون مثبتاً، لأنّ الأثر و هو جواز التقليد يتوقّف ثبوته فعلًا على إحراز الاتّصاف بالعدالة فعلًا، و ضمّ علمنا بأنّه مدّة حياته لم يخرج عن العدالة إلى استصحاب الحياة إلى الآن، يلزمه أنّه متّصف الآن بالعدالة، فلا يكون الأصل المذكور إلّا مثبتاً، كما أنّ ضمّ علمنا بأنّ زيداً الطفل سابقاً لو بقي حياً إلى الآن لنبتت لحيته إلى استصحاب حياته إلى الآن، يلزم أنّه فعلًا صاحب لحية. و إذا تحقّق الاثبات في الصورة الثالثة يتحقّق في الصورة الأُولى، لأنّ ضمّ الحكم التعبّدي ببقاء عدالة زيد مدّة حياته إلى الحكم ببقاء حياته إلى الآن يلزم المطلوب الذي هو اتّصافه الآن بالعدالة.

____________

(1) في الصفحة: 36 و ما بعدها.

24

فالإنصاف: أنّ استصحاب العدالة في الصور الثلاث لا يخلو عن إشكال، فلم يبق لدينا في توجيهه إلّا ما أشرنا إليه سابقاً عند الكلام على الصورة الثالثة، و حاصله: أنّ زيداً قبل هذا كان جامعاً للمجموع المركّب من الحياة و العدالة، و الآن نشكّ في ذلك إمّا للشكّ في بقاء عدالته مع إحراز حياته، أو للشكّ في موته الموجب لارتفاع كلّ من حياته و عدالته كما في الصورة الثانية، أو للشكّ في كلّ من حياته و عدالته بشكّ مستقل كما في الصورة الأُولى، فأي مانع من أن نقول إنّ زيداً بحكم الاستصحاب باقٍ إلى الآن على ما كان عليه من الحياة و العدالة.

و إن شئت فقل: كان المجموع المركّب من وجود زيد و عدالته متحقّقاً و الآن أنّ ذلك المجموع باقٍ بحاله. نعم لا يجري هذا الاستصحاب في الصورة الثالثة، للعلم بارتفاع ذلك المجموع إمّا بتمامه أو بارتفاع جزئه الذي هو العدالة.

و لكن الظاهر ممّا حرّرته عن شيخنا (قدس سره) هو أنّ المانع من إجراء الاستصحاب في المجموع هو الطولية بين الأجزاء الموجبة لكون الاستصحاب جارياً في كلّ جزء على حدة، قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه في تقريب الاستصحاب:

في ذلك وجوه:

أحدها: استصحاب وجود هذا الموضوع الكلّي المركّب بتمامه، أعني الحي المجتهد العادل. و فيه: أنّ استصحاب ذلك الكلّي لا يلازم جواز التقليد لزيد المذكور فضلًا عن كونه من آثاره. و الحاصل: أنّه يرد على الاستصحاب المذكور أوّلًا: أنّه مثبت، حيث إنّ جواز تقليد زيد المذكور لا يترتّب على هذا المستصحب أعني وجود الحي المجتهد العادل، فإنّه ليس من آثاره الشرعية.

و ثانياً: أنّا لو سلّمنا حجّية الأصل المثبت، فإنّما هو إذا كان مجرى الأصل ملازماً لما هو موضوع الأثر، و المفروض أنّ مجرّد وجود الحي المجتهد العادل لا

25

يستلزم انطباقه على زيد المذكور.

الثاني: أن يقال: إنّا نستصحب المجموع المركّب من حياة هذا الشخص و اجتهاده و عدالته. و فيه: أنّك قد عرفت أنّ الحياة التي هي عين الوجود من عوارض نفس الماهية، و العدالة و الاجتهاد من عوارض الماهية بعد وجودها، فلا يمكن إثباتهما معاً باستصحاب واحد، حيث إنّ العارض الأوّل و إن كان معروضه نفس الماهية و يصحّ إثباته بالاستصحاب المذكور، إلّا أنّ الثاني لا يمكن إثباته لنفس الماهية كي يقال إنّ نفس ماهية زيد كانت متّصفة بالحياة و العدالة و الآن كما كانت الخ.

و الذي أرتئيه من استصحاب المجموع هو الوجه الثاني، و ما أفاده (قدس سره) من الإشكال عليه بالطولية المذكورة يمكن التأمّل فيه، فإنّ جميع عوارض الماهية التي تكون بعد الوجود إنّما يحكم بها على الماهية بمفاد كان الناقصة، فيقال: كان زيد عالماً أو عادلًا أو قائماً، أو غيره من العوارض التي بعد أصل الوجود، و هذه القضية التي هي مفاد كان الناقصة تتضمّن أصل الوجود و إثبات ذلك العارض الثانوي، و هذا المضمون الجامع للجهتين تارة يكون وجدانياً و أُخرى يكون تعبّدياً جارياً في مقام الشكّ في ذلك المجموع، و الشكّ فيه تارةً يكون من الجهة الأُولى و أُخرى يكون من الجهة الثانية و ثالثة يكون من الجهتين، و هذا الحكم التعبّدي مزيل لكلّ واحد من هذه الشكوك، كما أنّ الحكم الوجداني بذلك المضمون الجامع للجهتين يكون مزيلًا وجداناً لكلّ واحد من تلك الشكوك.

و حاصل الاستصحاب هو أنّ زيداً كان موجوداً عادلًا و الآن كما كان، يعني أنّه الآن موجود عادل.

و لكنّي مع ذلك في شكّ من هذا الأمر، فإنّ مفاد كان الناقصة لا يتضمّن‏

26

أصل الوجود، و إنّما يدلّ عليه بالالتزام باعتبار توقّف نسبة العارض الثانوي للشي‏ء التي هي مفاد كان الناقصة على أصل وجود ذلك الشي‏ء، فإنّ وجود العارض لمعروضه يتوقّف على أصل وجود المعروض، و ليس مفاد كان الناقصة إلّا مجرّد وجود العارض لمعروضه، و ليس هذا الوجود المأخوذ فيها الذي يتضمّنه لفظ الكون إلّا عبارة عن النسبة يعني نسبة العرض إلى معروضه، و كيف [كان‏] فإنّ الطولية بين ثبوت أصل وجود الشي‏ء و وجود العارض له ممّا لا ريب فيه حتّى فيما لو قلنا: وجد زيد قائماً، و قصدنا بذلك أصل الوجود، فإنّه يتضمّن حكمين طوليين أصل الوجود لزيد و كونه قائماً، ففي مقام الاستصحاب لا بدّ من لحاظ هاتين الجهتين، فلا يمكن أن يتكفّلهما استصحاب واحد، و لا أقل من كونه واحداً بحسب الصورة لكنّه بحسب الحقيقة متعدّد نظراً إلى تعدّد الجهتين المذكورتين.

و لكن لا يخفى أنّ أصل الإشكال إنّما نشأ ممّا أفاده الشيخ (قدس سره)(1) في البرهان على اعتبار بقاء الموضوع من استحالة انتقال العرض إلى غير محلّه أو قيامه بلا محلّ، فإنّ هذا البرهان لا دخل له بمسألة لزوم إحراز بقاء الموضوع المعبّر عنه بوحدة القضيتين موضوعاً. مثلًا لو كان الأثر الشرعي مترتّباً على قيام زيد أعني اتّصافه بالقيام الذي هو المتحصّل من قولنا زيد قائم، و قد شككنا في تحقّق هذا الموضوع لأجل الشكّ في بقاء زيد الذي هو معروض هذا الوصف أعني القيام، كانت القضية المتيقّنة هنا- و هي قولنا زيد قائم- متحدة بالقضية المشكوكة اتّحاداً حقيقياً، فلا يكون هذا البرهان مانعاً من استصحاب قيام زيد، إذ لا يلزم قيام العرض بلا محل، و إنّما يلزم منه الحكم التعبّدي ببقاء قيام زيد مع عدم إحراز

____________

(1) فرائد الأُصول 3: 290- 291.

27

موضوعه، و ليس ذلك بمحال، إذ يكفي في صحّة هذا التعبّد احتمال بقاء قيام زيد في الواقع، و من الواضح أنّ ذلك محتمل لاحتمال بقاء محلّ ذلك العرض و هو زيد. و الحاصل: أنّه ليس في البين إلّا التوقّف العقلي، و هو غير مانع من التعبّد ببقاء الشي‏ء مع عدم إحراز ما يتوقّف عليه، لأنّ احتمال بقاء المتوقّف عليه و هو المعروض كافٍ في الحكم التعبّدي ببقاء عرضه.

نعم لو كان المعروض مقطوع الارتفاع لما أمكن الحكم التعبّدي ببقاء عارضه، لأنّ القطع بارتفاع المعروض يوجب القطع بعدم بقاء عارضه، فلا يعقل التعبّد ببقاء ما يقطع بارتفاعه، و هذا هو مورد البرهان المذكور، و لا يدفعه ما في الكفاية (1) من أنّه إنّما يمنع من بقائه حقيقة لا تعبّداً، و ذلك لما أفاده شيخنا (قدس سره) فيما حرّرته عنه من أنّه إذا كان بقاؤه مستحيلًا لم يمكن التعبّد ببقائه، لأنّ التعبّد ببقائه فرع إمكانه عقلًا، فراجع‏ (2).

أمّا مع الشكّ في بقاء المعروض الموجب للشكّ في بقاء عارضه، فلا مانع من الحكم ببقاء عارضه تعبّداً إذا كان في البين حكم شرعي يترتّب على ذلك العارض، لإمكان بقاء العارض في الواقع و لو ببقاء معروضه، لكن جهة التعبّد واردة على نفس بقاء العارض لا على بقاء معروضه. هذا لو كان العارض عادياً أو عقلياً.

أمّا لو كان شرعياً، كما لو كان المحمول حكماً شرعياً و قد شكّ في بقائه لأجل الشكّ في بقاء موضوعه، فإن كان الشكّ في بقاء ذلك الموضوع لأجل انتفاء خصوصية كان يحتمل مدخليتها فيه، فهذا مورد عدم اتّحاد القضية المتيقّنة

____________

(1) كفاية الأُصول: 427.

(2) مخطوط لم يطبع بعد.

28

مع القضية المشكوكة، فلا يجري فيه استصحاب ذلك المحمول. و إن كان الشكّ في بقاء ذلك الموضوع لأجل احتمال طروّ انعدامه و ارتفاعه بالمرّة، كما لو احتمل موت زيد بالنسبة إلى محموله الذي هو وجوب الانفاق من ماله على زوجته أو جواز تقليده أو حرمة قسمة ميراثه، و يلحق به ما لو احتمل ارتفاع قيد له المدخلية في الموضوع، كما لو شكّ في بقاء عدالة زيد المفروض اعتبارها في جواز تقليده، فإنّ ذلك أيضاً داخل في احتمال ارتفاع موضوع الحكم، و لا يجري فيه الاستصحاب الحكمي بأن يقال: إنّ زيداً كان يجب الانفاق من ماله على زوجته أو كان يجوز تقليده أو كان يحرم قسمة ماله بين ورثته أو كان زيد العادل يجوز تقليده و الآن هو أيضاً كذلك تثبت له هذه الأحكام، و حاصله أنّ هذه الأحكام كانت ثابتة له و الآن كما كان. و إنّما لا يجري فيه استصحاب الأحكام المذكورة لا لأجل عدم اتّحاد القضيتين، لما هو واضح من اتّحادهما موضوعاً و محمولًا، و لا لأجل أنّ العرض لا يعقل الحكم التعبّدي ببقائه مع العلم بارتفاع موضوعه، لما هو واضح من أنّ ارتفاع الموضوع غير معلوم، بل لأجل أنّ مرجع الاستصحاب الحكمي في ذلك إلى الحكم التعبّدي ببقاء فعلية وجوب الانفاق و جواز التقليد، و من الواضح أنّ هذا الحكم الفعلي لا يمكن بقاؤه على ما هو عليه من الفعلية مع عدم إحراز بقاء موضوعه، فلا بدّ من إحراز بقاء موضوعه ليتسنّى الحكم الفعلي عليه بتلك الأحكام الفعلية.

و بالجملة: أنّ زيداً إذا لم يحرز بقاؤه لم يمكن أن يبقى حكمه الشرعي و لو بقاءً تعبّدياً، فلا بدّ حينئذ من إحراز بقائه ليمكن أن يحكم عليه ببقاء حكمه الشرعي، فمع الشكّ في بقائه و عدم إحراز ذلك بأصل و نحوه لا يمكننا أن نحكم ببقاء حكمه الشرعي، و هذا بخلاف ما إذا كان المحمول عادياً مثل القيام عند

29

الشكّ في بقاء زيد الذي هو موضوعه، فإنّه لمّا لم يكن توقّفه على زيد شرعياً بل كان عقلياً، كان من الممكن أن يتعبّدنا الشارع ببقائه إذا كان لبقائه أثر شرعي.

و الحاصل: أنّ وحدة الموضوع في القضيتين أمر لا بدّ منه في جميع موارد الاستصحاب. أمّا اعتبار إحراز بقاء الموضوع في قبال احتمال ارتفاعه بعد الفراغ عن كونه موضوعاً، فإنّما هو فيما إذا كان المحمول شرعياً فقط.

و توضيح ذلك: أنّ القضية المتيقّنة عبارة عن جملة حملية مؤلّفة من موضوع و محمول، و نلخّص طوارئ هذا الموضوع في صور:

الأُولى: هي حصول القطع بارتفاعه إمّا بالمرّة أو بارتفاع قيد من قيود يكون معلوم القيدية، و في هذه الصورة لا ريب في عدم صحّة الاستصحاب للقطع حينئذ بارتفاع محموله، فلا يمكن الحكم ببقاء ذلك المحمول تعبّداً، و هي مورد البرهان السابق أعني استحالة بقاء العارض بلا معروضه، و لا يندفع هذا المحذور بما في الكفاية من أنّه و إن لم يكن ذلك المحمول باقياً حقيقة إلّا أنّه يمكن الحكم ببقائه تعبّداً، لما عرفت ممّا نقلناه عن شيخنا (قدس سره) من أنّ إمكان التعبّد الشرعي فرع الامكان العقلي، من دون فرق في ذلك بين كون المحمول من أحد الأحكام الشرعية أو كونه من غيرها من سائر العوارض، مثل العدالة و القيام و القعود و نحو ذلك.

الصورة الثانية: هي القطع بارتفاع بعض الصفات التي يحتمل عدم مدخليتها في موضوعية ذلك الموضوع، و في هذه الصورة لا يجري استصحاب المحمول لعدم اتّحاد القضية المتيقّنة مع المشكوكة، سواء كان المحمول شرعياً كما في قولنا: يجب أو يجوز تقليد الأعلم، و زالت أعلميته بحيث صار غيره أعلم منه و احتملنا أنّ لها المدخلية في موضوع جواز التقليد، أو لم يكن المحمول‏

30

حكماً شرعياً كما في قولنا: زيد التارك للكبائر و الصغائر عادل، ثمّ إنّه ارتكب بعض الصغائر، فإنّه لا يمكن استصحاب عدالته لاحتمال مدخلية الاجتناب عن الصغائر في من هو عادل، فلا يتّحد موضوع القضية المتيقّنة مع موضوع القضية المشكوكة.

الصورة الثالثة: أن لا يكون في البين إلّا احتمال ارتفاع الموضوع بتمامه، سواء كان المحمول عادياً كما لو احتملنا موت زيد العادل في قولنا كان زيد عادلًا، أو كان المحمول شرعياً كما في قولنا: زيد العالم العادل يجوز تقليده و قد احتملنا موته، فقضيّتنا المتيقّنة في الأوّل هي قولنا كان زيد عادلًا، و في الثاني هي قولنا كان زيد يجوز تقليده، و لا ريب في أنّ هذه القضية بنفسها هي مورد الشكّ، فلا إشكال في استصحاب ذلك المحمول من ناحية وحدة القضيتين موضوعاً و محمولًا، إذ لا فرق بين موضوعي القضيتين، غايته أنّ الموضوع في القضية المتيقّنة كان معلوم الوجود و في القضية المشكوكة كان مشكوك الوجود، و هذا المقدار لا يوجب اختلافاً في موضوع القضيتين، بل لا يخرج بذلك عن كون الموضوع في إحدى القضيتين هو عين الموضوع في القضية الأُخرى، كما أنّه لا إشكال في الاستصحاب المذكور من ناحية البرهان الذي ذكره الشيخ (قدس سره)، أعني لزوم بقاء العرض بلا موضوع الموجب لمحالية الحكم التعبّدي ببقاء ذلك العارض، لأنّ ذلك إنّما هو في الصورة الأُولى المشتملة على القطع بارتفاع الموضوع، لا في هذه الصورة التي لم تشتمل إلّا على احتمال ارتفاع الموضوع، و قد عرفت أنّ احتمال بقاء الموضوع كافٍ في صحّة الحكم التعبّدي ببقاء المحمول.

نعم، في هذا الاستصحاب مانع آخر، و هو أنّ مرجع الاستصحاب الجاري‏

31

فيما نحن فيه إنّما هو إلى الحكم التعبّدي ببقاء ذلك المحمول لموضوعه الذي هو في المثالين زيد الموجود، فلا يكون ذلك المستصحب إلّا على نحو القضية الحقيقية، و هو في المثال الأوّل العدالة على تقدير وجود زيد، و في الثاني جواز تقليده على تقدير وجوده، لأنّ التنزيل و التعبّد إنّما هو في ناحية المحمول لا في ناحية الموضوع و إلّا لكان الاستصحاب موضوعياً لا حكمياً، و المفروض أنّ المستصحب هو الحكم و هو عدالة زيد الموجود في المثال الأوّل، و جواز تقليد زيد الموجود في المثال الثاني، فلا بدّ أن يكون الموضوع و هو زيد مأخوذاً مفروض الوجود، و هو معنى القضية الحقيقية الراجعة إلى الحكم على تقدير الوجود، و المفروض أنّ الوجود المذكور غير محرز عندنا، فلا يكون مجرّد ذلك الاستصحاب نافعاً لنا، إذ لا أثر عملي يترتّب على الحكم الثابت بهذا الاستصحاب، لأنّا لا يمكننا الجري العملي على طبقه لعدم إحرازنا لموضوعه.

و الحاصل: أنّه في المثال الأوّل لا يثبت بهذا الاستصحاب إلّا عدالة زيد على تقدير وجوده، و هذا المقدار لا يصحّح لنا ترتيب الآثار الشرعية للعدالة لأنّ مجرّد إحراز عدالة زيد على تقدير وجوده لا يصحّح لنا ترتيب تلك الآثار ما لم نحرز وجوده.

و يمكن أن يقال: بأنّ استصحاب عدالة زيد المفروض الوجود كاف في ترتيب الحكم الشرعي اللاحق لعدالة زيد المفروض الوجود و إن لم يكن هذا الاستصحاب محرزاً لوجود زيد، لأنّ المفروض هو أنّ عدالة زيد المفروض الوجود هي تمام موضوع ذلك الحكم الشرعي، فنفس الحكم الشرعي لا يتوقّف على إحراز وجود زيد، و إنّما أقصى ما في البين هو أنّ عدالة زيد تتوقّف عقلًا على وجوده و التوقّف العقلي ذلك لا يوجب توقّف الحكم الشرعي اللاحق لعدالة

32

زيد على إحراز وجود زيد، فتأمّل. هذا إذا كانت العدالة هي تمام الموضوع لذلك الأثر الشرعي الذي نريد أن نرتّبه على استصحابها.

أمّا إذا كانت جزء الموضوع و كان جزؤه الآخر هو الحياة، بأن يكون موضوع جواز التقليد هو الحي العادل، و حينئذٍ لا يكون جزء هذا الموضوع إلّا نفس هذه القضية الحقيقية و هو عدالة زيد الموجود، أعني عدالة زيد المفروض الوجود المعبّر عنه بقولنا: عدالته على تقدير وجوده و حياته، و جزؤه الآخر هو نفس الوجود المعبّر عنه بالحياة، فإن كان الجزء الآخر و هو الحياة محرزاً وجداناً، كان استصحاب عدالة زيد الموجود بضميمة ذلك الأمر الوجداني كافياً في تمامية الموضوع، فإنّ المستصحب و إن كان هو العدالة على فرض الوجود، إلّا أنّها أحد الجزءين، و الجزء الآخر محرز بالوجدان، و بذلك يتمّ الموضوع.

و إن كان الجزء الآخر مشكوكاً أيضاً، كان إحرازه بالاستصحاب أيضاً كافياً في تمام الموضوع، و يكون الاستصحابان في عرض واحد مع فرض كون المستصحب في ناحية العدالة هو العدالة على تقدير الوجود، لما عرفت من أنّه لا معنى لاستصحاب عدالة زيد الموجود إلّا استصحاب العدالة على تقدير الوجود، لكون المستصحب الذي هو عدالة زيد الموجود من قبيل القضية الحقيقية، لما عرفت من عدم تكفّلها لإحراز الوجود، و إنّما هي متكفّلة لإحراز عدالة الموجود، و هذا هو جزء الموضوع، و جزؤه الآخر و هو الوجود المعبّر عنه بالحياة محرز بالأصل الآخر، و لا يكون الأصلان إلّا عرضيين، لأنّ الأوّل لا يثبت إلّا عدالة الموجود و لا يتعرّض لوجوده، كما أنّه لا يتوقّف على إحراز وجوده، لما عرفت من أنّه لا يكون إلّا على نحو القضية الحقيقية التي لا تتوقّف على إحراز موضوعها، و الثاني لا يثبت إلّا وجوده و لا يتعرّض لعدالته، و من المجموع يلتئم‏

33

الموضوع.

و من ذلك يتّضح لك الوجه فيما نقله في التقريرات المطبوعة في صيدا (1) من الجمع بين كون المستصحب هو العدالة على تقدير الحياة و أنّه على نحو القضية الحقيقية، و من كون الأصلين في عرض واحد.

و الحاصل: أنّ استصحاب العدالة في مورد الشكّ في بقاء معروضها لا يكون إلّا على نحو القضية الحقيقية أعني عدالة زيد الموجود، فإن كان موضوع الحكم الشرعي اللاحق لزيد العادل هو نفس العدالة فقد يقال إنّ الاستصحاب المذكور لا يكون نافعاً، و أمّا إذا كانت جزء الموضوع فلا ينبغي الريب في أنّ استصحابها يكون كافياً في إثبات هذا الجزء، و توقّف تمامية الموضوع على إحراز الجزء الآخر و هو الوجود بالاستصحاب أيضاً، و يكون الاستصحابان حينئذ عرضيين لعدم الطولية شرعاً بين المستصحبين، و لا تضرّه الطولية العقلية، فإنّ كون المستصحب هو العدالة على تقدير الوجود لا يوجب الطولية أيضاً، لما عرفت من أنّه لا معنى للعدالة على تقدير الوجود إلّا عدالة زيد الموجود، و هذه أعني عدالة زيد الموجود هي المستصحبة و هي جزء الموضوع أيضاً، فلاحظ و تأمّل.

و من ذلك كلّه يتّضح لك الكلام في المثال الثاني، فإنّ جواز التقليد إنّما كان ثابتاً لزيد الموجود، فعند الشكّ في بقاء زيد لا يجري استصحاب حكمه المذكور، لأنّ التعبّد ببقاء ذلك لا يكون إلّا عبارة عن الحكم ببقاء جواز تقليد زيد الموجود، و هذا المقدار وحده مع عدم إحراز وجود زيد لا يسوّغ لنا تقليده فعلًا، فلا يترتّب أثر عملي على هذا المستصحب، فإنّه لا يكون إلّا من قبيل القضايا

____________

(1) أجود التقريرات 4: 182- 183.

34

الحقيقية التعليقية التي يكون الحكم فيها معلّقاً على وجود موضوعها، التي لا يترتّب أثر عملي عليها ما لم يحرز و يتحقّق وجود موضوعها.

و اعلم أنّ احتمال ارتفاع ما أُخذ قيداً في موضوع الحكم ملحق بهذه الصورة الثالثة- أعني صورة احتمال ارتفاع الموضوع بتمامه- في عدم جريان الاستصحاب في ناحية المحمول، كما إذا علمنا كفاية الأربع فراسخ في تحقّق موضوع السفر و ارتفاع موضوع الحضر و قد قطع مسافة لا يعلم ببلوغها الأربع، فإنّ استصحاب وجوب الصوم و التمام لا يجري في مثل ذلك، لما ذكرناه في الصورة الثالثة.

نعم، يجري فيه الاستصحاب الموضوعي، فإنّ موضوع التمام بعد تخصيص الأدلّة العامّة الدالّة على وجوب الصوم و أخرجت منها المسافر هو من لم يسافر، يعني من لم يقصد الأربع فراسخ، و المفروض أنّ هذا الشخص قبل شروعه في هذه المسافة المشكوكة لم يكن مسافراً، فيكون ذلك الموضوع مستصحباً بعد شروعه فيها. أمّا إذا كانت الشبهة حكمية بأن حصل الشكّ في كفاية الأربع فراسخ في تحقّق موضوع السفر و ارتفاع موضوع الحضر، فهو من قبيل الصورة الثانية، و لا يجري فيه استصحاب كلّ من الحكم و الموضوع.

و شرح جميع ما تقدّم هو أنّك قد عرفت أنّ في المقام- أعني صورة الشكّ في الحياة و العدالة- صورتين:

الأُولى: أن يكون سبب الشكّ‏ (1) في بقاء العدالة منحصراً بالشكّ في بقاء الحياة، بحيث إنّه لو بقي حيّاً إلى الآن فلا شكّ في عدالته، و إنّما حصل الشكّ في عدالته لأجل الشكّ في بقاء حياته من جهة أنّه لا مورد لكلّ من الفسق و العدالة

____________

(1) [في الأصل: سبب السبب، و الصحيح ما أثبتناه‏].

35

بعد الموت، فيكون الشكّ في بقاء العدالة في هذه الصورة من جهة الشكّ في بقاء موضوعها الذي هو الحياة، لا من جهة الشكّ في طروّ الفسق بارتكاب بعض المحرّمات.

الصورة الثانية: أن يشكّ في بقاء حياته و على فرض بقاء حياته فعدالته مشكوكة أيضاً لاحتمال طروّ الفسق عليه، و في الحقيقة تكون العدالة في هذه الصورة مشكوكة البقاء من ناحيتين: الناحية الأُولى ناحية الشكّ في بقاء الحياة، لكونه مولّداً للشكّ في بقاء العدالة، و الناحية الثانية هي الشكّ في طروّ الفسق عليه، و هذه الناحية الثانية إنّما تكون بعد تسديد الناحية الأُولى.

و في كلّ من الصورتين يكون استصحاب العدالة متأخّراً رتبة عن استصحاب الحياة.

أمّا في الصورة الأُولى‏ فبدرجة واحدة، حيث إنّ موضوع استصحاب الحياة هو الشكّ في الحياة، و موضوع استصحاب العدالة هو الشكّ في العدالة، و حيث كان الشكّ في الحياة سبباً للشكّ في العدالة، كان موضوع الاستصحاب فيها مقدّماً على موضوع الاستصحاب في العدالة، فقهراً يكون استصحاب العدالة متأخّراً برتبة واحدة عن استصحاب الحياة، حيث إنّ كلّ حكم يكون هو متأخّراً رتبة عن موضوعه، فاستصحاب الحياة يكون هو و الشكّ في العدالة الذي هو موضوع استصحاب العدالة واقعين في رتبة واحدة، فكان استصحاب الحياة توأماً في الرتبة مع موضوع استصحاب العدالة، فيكون استصحاب العدالة بواسطة تأخّره رتبة عن موضوع نفسه الذي هو الشكّ في العدالة متأخّراً عن استصحاب الحياة، لكون استصحاب الحياة واقعاً في رتبة موضوع استصحاب العدالة.

36

و حاصله: أنّ ما هو واقع في درجة علّة الشي‏ء يكون سابقاً في الرتبة على نفس ذلك الشي‏ء، لأنّ ما هو في صقع العلّة يستحيل أن يكون واقعاً في صقع المعلول، مثلًا لو كان لنا علّة واحدة لها معلولان و كان أحد المعلولين علّة في شي‏ء ثالث، كان المعلول الآخر واقعاً في رتبة علّة ذلك الشي‏ء، فيكون مقدّماً رتبة على نفس ذلك الشي‏ء.

و إذا تمّ ما عرفت من كون استصحاب الحياة واقعاً في الرتبة السابقة على استصحاب العدالة، بطل الاستصحابان. أمّا الأوّل فلأنّ استصحاب الحياة لا يكون استصحاباً يترتّب عليه الأثر إلّا إذا كان الجزء الآخر و هو العدالة محرزاً بالوجدان أو بالتعبّد الذي يكون في عرض التعبّد بالحياة، و المفروض انتفاء الأمرين. و أمّا الثاني فلأنّ بطلان استصحاب الحياة في مرتبته يكون موجباً لبطلان استصحاب العدالة في مرتبته، لعدم ترتّب الأثر عليه. و الحاصل: أنّ كلًا من الاستصحابين في مرتبة نفسه لا أثر له فيسقطان، و لا يلتئم الموضوع منهما الذي هو الحي العادل، أمّا استصحاب وجود الحي العادل فهو عبارة أُخرى عن الاستصحابين قد جمعا بعبارة واحدة نظير العموم الانحلالي في قولك: أكرم كلّ عالم.

و أمّا استصحاب العدالة على تقدير الحياة فإن أُريد منه كون التقدير المذكور مربوطاً بالاستصحاب، فهو عبارة أُخرى عن كون الاستصحاب معلّقاً على تحقّق الحياة، و هو غلط في هذه الصورة، لأنّه مع تقدير الحياة لا تكون العدالة مشكوكة كي نستصحبها، و مع ذلك فهو لا يخرج عن الطولية بين الاستصحابين. و إن أُريد من التقدير المذكور الملازمة بين الحياة و العدالة، فهذا غير مشكوك في هذه الصورة. و إن كان بمعنى العدالة المرتبطة بالحياة فهي و إن‏

37

كانت مشكوكة، لأنّ الشكّ في بقاء الحياة يوجب الشكّ في بقاء العدالة المربوطة بالحياة، إلّا أنّه إن أُريد باستصحاب العدالة المربوطة بالحياة استصحابها من حيث ذاتها فذلك يخرجها عن الربط، و إن أُريد بذلك الاستصحاب استصحابها من حيث الارتباط و حينئذٍ يكون المستصحب في الحقيقة هو عين الحياة، بل في الحقيقة لا يكون الشكّ في بقاء العدالة المربوطة بالحياة من حيث إنّها مربوطة بالحياة إلّا شكّاً في نفس الحياة، و لا يكون الشكّ واقعاً منصبّاً إلّا على نفس الحياة، و يكون قولنا إنّه عند الشكّ في بقاء الحياة تكون العدالة المربوطة بها مشكوكة البقاء من باب محض التعبير و أنّه لا واقعية إلّا للشكّ في الحياة.

فالأولى بل المتعيّن هو أن يقال: إنّ الشكّ في العدالة في هذه الصورة لا يكون متأخّراً رتبة عن الشكّ في الحياة، بل لا يكون لنا إلّا الشكّ في الحياة، غاية الأمر أنّ انعدام الشي‏ء كالجسم مثلًا عبارة عن انعدامه و انعدام لونه و عوارضه القائمة به و كلّ شي‏ء مربوط به، و حينئذٍ لا يكون الشكّ في انعدامه إلّا عين الشكّ في انعدام كلّ ما هو مربوط به، لا أنّ الشكّ في انعدامه يكون علّة للشكّ في انعدام ما هو متّصل به و مربوط به. نعم إنّ الشكّ في انعدام نفس الشي‏ء يكون متّسعاً إذا لوحظ ما هو مربوط به، لأنّ العدم في حدّ نفسه يتّسع مهما اتّسع ما هو مربوط بذلك المعدوم، لكنّه يكون انعداماً واحداً منبسطاً على الجميع من دون تقدّم رتبي، و هكذا الحال في الشكّ الطارئ على ذلك الانعدام، فنحن عند الاستصحاب نستصحب كلًا من الحياة و العدالة في درجة واحدة، كما أنّ الشكّ فيهما يكون في درجة واحدة من دون تقدّم رتبي لأحد الشكّين على الآخر.

و لا يرد على استصحاب العدالة في هذه الصورة أنّه من قبيل الشكّ في المقتضي، لأنّ الشكّ في بقائها المنحصر بالشكّ في بقاء الحياة يكون من قبيل‏

38

الشكّ في قابليتها للبقاء. لإمكان الجواب عنه بأنّه و إن كان من قبيل الشكّ في القابلية إلّا أنّه بالنظر العرفي يكون الموت رافعاً لها، فيكون من قبيل الشكّ في الرافع. نعم في مثل الشكّ في بقاء الجهر الناشئ من الشكّ في بقاء القراءة في قبال الشكّ في التحوّل من الجهر إلى الإخفات ربما كان من قبيل القابلية.

و الخلاصة: هي أنّه بعد فرض انحصار الشكّ في بقاء العدالة بالشكّ في بقاء الحياة، يقع التلازم بين الحياة و العدالة، فلا يمكن بقاء العدالة مع ارتفاع الحياة و لا بقاء الحياة مع ارتفاع العدالة، أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فلأنّ المفروض هو العلم بالعدالة على تقدير الحياة، و يكون الحاصل أنّه في هذه الصورة لا يقع التفكيك بين الحياة و العدالة، فإمّا لا حياة و لا عدالة، و إمّا أن يكونا موجودين، فطروّ العدم على إحداهما يكون ملازماً لعدم الأُخرى.

و الظاهر أنّه لا فرق في مثل ذلك بين كون المحمول الثاني مثل العدالة ممّا يكون من المحمولات غير الشرعية، و بين كونه من المحمولات الشرعية مثل مطهّرية الماء بالنسبة إلى إطلاقه إذا كان الشكّ في بقاء مطهّريته من جهة الشكّ في بقاء إطلاقه، غير أنّ استصحاب الاطلاق يغني عن استصحاب المطهّرية، إذ لا معنى للتعبّد ببقاء الاطلاق إلّا التعبّد ببقاء أثره الشرعي الذي هو المطهّرية، بخلاف التعبّد ببقاء الحياة فإنّه لا يغني عن التعبّد ببقاء العدالة، لعدم كونها من الآثار الشرعية للحياة، و يشتركان في أنّه مع عدم جريان التعبّد ببقاء الحياة أو عدم جريان التعبّد ببقاء الاطلاق لا يمكن التعبّد ببقاء العدالة أو ببقاء المطهّرية، أمّا الأوّل فلعدم الأثر للتعبّد ببقاء العدالة مع عدم التعبّد ببقاء الحياة، لكون كلّ منهما جزء الموضوع لجواز الاقتداء مثلًا، فلو كان لنا أثر شرعي مترتّب على بقاء العدالة وحدها من دون تقيّد بالحياة لصحّ التعبّد بها، فيصحّ حينئذ استصحابها من دون‏

39

استصحاب الحياة، بل لا يبقى مورد و محل لاستصحاب الحياة حينئذ لعدم الأثر الشرعي المرتّب عليها. و أمّا الثاني فلعدم إحراز الموضوع، و لأجل ذلك لو سقط استصحاب الاطلاق لم يمكن التعبّد بكونه مطهّراً لما يغسل فيه، بل يرجع فيه إلى استصحاب النجاسة. هذا كلّه في الصورة الأُولى.

و أمّا الصورة الثانية فيتأتّى الإشكال فيها من ناحيتين: الأُولى من ناحية أنّ الشكّ في الحياة يوجب الشكّ في العدالة باعتبار احتمال التبدّل إلى عدم القابلية، بمعنى أنّ عدالته السابقة يحتمل ارتفاعها و تبدّلها بالموت كما يحتمل ارتفاعها بالفسق. و الناحية الثانية هي أنّ بقاء العدالة فيها مشكوكة من جهة أُخرى، و هي جهة احتمال ارتكاب الفسق في حياته باعتبار التبدّل من العدالة إلى عدمها الذي هو الفسق مع فرض بقاء القابلية المنوطة ببقاء الحياة. و هذه الجهة من الشكّ إنّما تكون في طول الحياة، و حينئذٍ يكون استصحاب العدالة متأخّراً عن استصحاب الحياة برتبتين، الرتبة الأُولى هي أنّ الشكّ في العدالة من هذه الجهة- أعني احتمال ارتكاب الفسق- يكون بعد إحراز الحياة بالاستصحاب، ثمّ بعد تحقّق الشكّ في العدالة يتحقّق استصحابها، فكان استصحاب الحياة سابقاً على الشكّ في العدالة، و كان الشكّ في العدالة سابقاً على استصحاب العدالة لكونه موضوعاً لاستصحابها.

أمّا الكلام على هذه الصورة من الناحية الأُولى، فقد عرفت تفصيله في الصورة الأُولى، و حاصله المنع من تأخّر الشكّ في العدالة المقرون بالشكّ في الحياة عن الشكّ في الحياة. و أمّا الناحية الثانية و هي توقّف استصحاب العدالة على الشكّ في بقائها، و توقّف الشكّ في بقائها على إحراز الحياة بالاستصحاب، فلا يخفى أنّه ليس المنشأ في توقّف الشكّ في العدالة على تحقّق الحياة من جهة

40

أنّ تحقّق الحياة علّة للشكّ في بقاء العدالة، لما هو واضح من أنّ تحقّق الحياة ليس بعلّة للشكّ المزبور، نعم إنّ الشكّ المزبور لا يتصوّر عند تحقّق الموت، إذ لا مورد للفسق و العدالة عند الموت و انعدام الحياة، و لكن أقصى ما في ذلك هو أنّه عند تحقّق الموت و انعدام الحياة لا يتصوّر الشكّ في طروّ الفسق، بمعنى أنّه مع إحراز انعدام الحياة لا يعقل الشكّ في ارتكاب الفسق لانتفاء القابلية حينئذ لكلّ منهما، لكن ذلك بمجرّده لا يوجب توقّف الشكّ في ارتكاب الفسق على إحراز الحياة، بل إنّ الشكّ في ارتكاب الفسق يجتمع مع الشكّ في بقاء الحياة.

و حاصله: أنّ الموضوع لكلّ من الحياة و العدالة هو زيد، فيقال زيد حي كما يقال زيد عادل، و يقال زيد مشكوك الحياة كما يقال زيد مشكوك العدالة، بمعنى أنّ بقاء حياته مشكوك كما أنّ بقاء عدالته مشكوك، غايته أنّ بقاء عدالته يكون مشكوكاً من جهتين، من جهة بقاء القابلية بالتبدّل إلى الموت و من جهة التبدّل إلى الفسق، فكما يحتمل ارتفاع تلك العدالة السابقة بالموت فكذلك يحتمل ارتفاعها بالفسق، و لا طولية بين هاتين الجهتين من الشكّ، كما أنّه لا طولية بين الشكّ من إحدى الجهتين و سدّ الشكّ من الجهة الأُخرى، فكما لا يكون الشكّ في بقاء العدالة من ناحية القابلية متوقّفاً على سدّ باب الشكّ فيها من جهة طروّ الفسق، فكذلك الشكّ من جهة احتمال طروّ الفسق لا يكون متوقّفاً على سدّ باب الشكّ من جهة القابلية، بل يكون كلّ من الشكّين في ناحية العدالة مستقلًا و إن كان ظرف الشكّ في بقائها من جهة احتمال طروّ الفسق هو بقاء الحياة، إلّا أنّ ذلك- أعني بقاء الحياة- لا يكون قيداً في الشكّ في طروّ الفسق و لا في الحكم ببقاء العدالة من جهته، فإنّا كما نحكم ببقائها من الجهة الأُولى فكذلك نحكم ببقائها من الجهة الثانية، و كما أنّ محصّل الحكم ببقائها من الجهة الأُولى‏

41

هو الحكم بعدم الموت، فكذلك محصّل الحكم ببقائها من الجهة الثانية هو الحكم بعدم الفسق، و كما أنّ الحكم ببقاء العدالة من جهة عدم الموت لا يكون متوقّفاً على الحكم ببقاء العدالة من جهة عدم الفسق، فكذلك الحكم ببقاء العدالة من جهة عدم الفسق لا يكون متوقّفاً على الحكم ببقائها من جهة عدم الموت.

و بالجملة: أنّ شكّنا في بقاء العدالة من ناحية احتمال طروّ الفسق و إن لم يكن إلّا مع فرض القابلية أعني الحياة، إلّا أنّا بعد أن حصل لنا الشكّ في بقاء العدالة من جهة احتمال طروّ الفسق على تقدير الحياة، أمكننا الحكم ببقائها من هذه الجهة و إن لم نرتّب عليه لازم بقائها و هو الحياة، و ليس الاستصحاب مقيّداً بتقدير ليقال إنّه لا يكون فعلياً منجّزاً قبل إحراز الحياة، و يكون استصحاب العدالة فعلياً بعد استصحاب الحياة ليلزم الطولية بين الاستصحابين، كما أنّه ليس المستصحب هو العدالة المقيّدة بالحياة ليقال إنّها غير قابلة للاستصحاب لعدم إحراز قيدها الذي هو الحياة، بل هي أعني الحياة ظرف للعدالة المستصحبة، بمعنى أنّ العدالة في ظرف كانت مورداً لليقين و قد صارت هي- أعني العدالة في ظرف الحياة- مورداً للشكّ، فنحن نستصحب العدالة التي هي في ظرف الحياة، بمعنى أنّ هذا الشخص تحقّقت له العدالة في حياته و نحن الآن نشكّ في بقاء تلك العدالة في حياته، فبحكم الاستصحاب نقول إنّ عدالته في حياته باقية.

و الأوضح أن نقول: إنّ عدالته باقية طول حياته، و لعلّ هذا هو المراد من كون التقدير المذكور هو المأخوذ في القضية الحقيقية كما في تحرير السيّد سلّمه اللَّه عن شيخنا (قدس سره)(1)، هذا غاية ما أمكنني توضيحه في جريان الاستصحاب في الصورة الأُولى و في الصورة الثانية.

____________

(1) أجود التقريرات 4: 183.

42

و لكن النفس لا تكاد تكون قانعة بذلك، أمّا الصورة الأُولى فلما نراه بالوجدان من كون نسبة الحياة إلى العدالة كنسبة القابلية، فيكون الشكّ في الحياة موجباً للشكّ في بقاء العدالة، و يكون الشكّ في العدالة في طول الشكّ في الحياة لا في عرضه، لما عرفت من الطولية بين الحياة و العدالة، و ليسا من قبيل العرضيين المتلازمين.

و فيه إشكال من جهة أُخرى و هي أنّ نسبة الحياة إلى العدالة كنسبة الموضوع إلى الحكم، و لا يصحّ استصحاب الحكم الذي هو العدالة مع الشكّ في بقاء الموضوع الذي هو الحياة، و هذه الجهة جارية و مانعة من استصحاب العدالة حتّى فيما لو كانت عدالة الشخص تمام الموضوع للحكم الشرعي.

و أمّا في الصورة الثانية فلقضاء الوجدان بعدم معقولية الشكّ في بقاء العدالة و عدم طروّ الفسق ما لم تكن الحياة محرزة، فلا يكون استصحاب العدالة إلّا متأخّراً في الرتبة عن استصحاب الحياة، غايته أنّه متأخّر عنه في الصورة الأُولى برتبة واحدة، و في الصورة الثانية برتبتين، و ذلك مانع من التئام الموضوع المركّب من الحياة و العدالة، لأنّه إنّما يتمّ ذلك فيما لو كان إحراز أحدهما في عرض إحراز الآخر، و قد عرفت أنّ استصحاب العدالة على تقدير الحياة لا محصّل له، و كون القضية تعليقية لا أثر له في المقام من كون المستصحب فعلياً، فلاحظ و تدبّر.

و أمّا ما أفاده العلّامة الأصفهاني (قدس سره) في حاشيته‏ (1) ممّا يظهر منه استدراك البقاء في باب الاستصحاب و أنّ المدار على وحدة القضية المتيقّنة و القضية المشكوكة، بأن يكون متعلّق شكّه هو نفس القضية التي تعلّق بها يقينه، و لا يعتبر

____________

(1) نهاية الدراية 5- 6: 226.

43

في صحّة الاستصحاب كون الشكّ متعلّقاً بالبقاء بحيث يكون شاكّاً في بقاء القضية كي يمتنع استصحاب بقاء قيام زيد عند الشكّ في بقاء حياته.

فلا يخفى ما فيه، فإنّ لازمه جريان استصحاب [الحكم‏] الشرعي عند الشكّ في بقاء الحياة، إذ لو جرّدنا المسألة من جهة البقاء لكانت قضيّتنا المتيقّنة و هي وجوب الإنفاق المتعلّق به عين القضية [المشكوكة] و ينبغي مراجعة كلامه خصوصاً ما ذكره في الأمر الأوّل من الأُمور التي عدّدها بقوله: منها، فلعلّ المراد له مطلب آخر غير هذا الذي استظهرناه، فراجع مطلبه من أوّله إلى آخره و تأمّل فيه حقّ التأمّل، فإنّ هذا الذي استظهرناه لا أظنّه يلتزم به، بل لا أظنّه أن يقوله أحد، و إلّا لسقط البحث الآتي الراجع إلى أنّ المدار في الوحدة على ما ذا.

و للمرحوم الحاج الشيخ عبد الكريم اليزدي (قدس سره) في غرره كلام في هذا المقام عقده بعنوان التنبيه الحادي عشر (1)، و محصّل ما أفاده هو أنّ الشكّ في بقاء قيام زيد تارة يكون مع العلم ببقاء نفس زيد و أُخرى مع الشكّ في بقاء زيد، و هذا تارةً يكون منشأ الشكّ فيه في بقاء قيامه هو الشكّ في بقاء نفس زيد، و أُخرى يكون كلّ من بقاء زيد و بقاء قيامه مشكوكاً بشكّ مستقل، فكانت الأقسام ثلاثة.

ثمّ إنّ موضوع الحكم الشرعي و هو وجوب التصدّق مثلًا تارةً يكون هو نفس قيام زيد و أُخرى يكون موضوع الحكم المذكور هو قيام زيد على تقدير وجود زيد (2)

____________

(1) الصحيح: في التنبيه العاشر، راجع درر الفوائد 1- 2: 573.

(2) نصّ عبارته في كيفية أخذ الموضوع هو قوله: و القضية الموضوعة للحكم الشرعي في نحو قيام زيد يمكن تصوّرها على قسمين: أحدهما أن يكون الموضوع ثبوت هذا المفهوم كما إذا قال: إذا تحقّق قيام زيد في الخارج فافعل كذا. و ثانيهما أن يكون الموضوع ثبوت القيام لزيد على فرض وجوده في الخارج كما هو مفاد قولك: إن كان زيد قائماً فافعل كذا [منه (قدس سره)‏].

44

فلو كان الموضوع هو الأوّل أعني نفس قيام زيد، و قد كان متحقّقاً قبل هذا، جرى استصحابه و ترتّب الحكم الشرعي المذكور في الصور الثلاث، أعني صورة العلم ببقاء زيد و الشكّ في بقاء قيامه، و صورة الشكّ في بقاء زيد الموجب للشكّ في بقاء قيامه على وجه لو كان زيد باقياً لكان قيامه باقياً قطعاً، و إنّما حصل لنا الشكّ في بقاء قيامه لأجل شكّنا في بقاء ذاته، لأنّ انعدام ذات زيد موجب لانعدام قيامه، و صورة الشكّ في بقاء كلّ من الذات و قيامه بشكّ مستقل لكلّ منهما على وجه نحتمل بقاء زيد و انعدام قيامه، لاشتراك هذه الصور في تقدّم العلم بتحقّق موضوع الحكم و هو نفس قيام زيد و تأخّر الشكّ في بقاء الموضوع و هو نفس القيام، فيتّحد الموضوع في القضية المتيقّنة مع الموضوع في القضية المشكوكة، و إنّما كان الاختلاف بين هذه الصور فيما هو المثير للشكّ في بقاء نفس الموضوع الذي هو قيام زيد.

أمّا لو كان الموضوع على النحو الثاني أعني المركّب من وجود زيد و قيامه، ففيما لو كان بقاء وجود زيد معلوماً لا شبهة في استصحاب بقاء قيامه، و يكون من قبيل إحراز أحد جزأي الموضوع بالأصل و هو بقاء قيام زيد و إحراز جزئه الآخر و هو بقاء نفس وجود زيد بالوجدان، و يتّحد الموضوع في القضيتين المتيقّنة و المشكوكة، أمّا إذا كان بقاء وجود زيد مشكوكاً لم يجر الاستصحاب، سواء كان الشكّ في بقاء قيامه ناشئاً عن الشكّ في بقاء وجوده أو كان السبب و المنشأ فيه شيئاً آخر، و علّل عدم جريان الاستصحاب في الصورتين بقوله: فلا يمكن‏

45

استصحاب القيام لعدم إحراز موضوعه، نعم لو كان الأثر مرتّباً على وجوده و قيامه على تقدير الوجود يمكن إجراء الاستصحابين لإحراز جزأي الموضوع فيما إذا كان كلّ منهما مشكوكاً مستقلًا، و لا يكفي استصحاب وجود المحل فيما إذا كان الشكّ في القيام مسبّباً عن الشكّ فيه، فإنّ إحراز المسبّب بواسطة إجراء الأصل في طرف السبب يكون فيما كان المسبّب من الآثار الشرعية، دون مثل القيام و أمثاله.

ثمّ قال في أثناء إيراده على صاحب الكفاية 0 فيما استظهره منه من جواز استصحاب قيام زيد و إن كان الشكّ مسبّباً عن الشكّ في وجود زيد مطلقاً على أيّ نحو فرض موضوع الحكم الشرعي، فقال: و أنت خبير بأنّ الموضوع لو كان القيام لزيد بعد ملاحظة الوجود لم يكن في المثال مشكوكاً حتّى يستصحب، و الذي هو مشكوك ليس له أثر شرعي كما هو المفروض- إلى أن قال- و لو كان المشكوك قيام زيد و كان الشكّ مستنداً إلى الشكّ في وجود زيد، فإن كان موضوع الحكم الشرعي تحقّق هذا المفهوم- أعني قيام زيد- يصدق أنّه شكّ في بقاء ما هو موضوع لحكم الشارع، و إن كان في هذه الصورة موضوع الحكم الشرعي ثبوت القيام لزيد بعد تحقّقه، فهذا المعنى ليس مشكوكاً فيه للعلم بقيامه بعد تحقّقه، و المعنى المشكوك فيه- أعني قيام زيد- ليس بموضوع للحكم الشرعي‏ (1).

و الذي يتلخّص من كلامه: أنّ أخذ قيام زيد موضوعاً للحكم الشرعي يكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: هو ثبوت نفس هذا المفهوم. النحو الثاني: هو

____________

(1) درر الفوائد 1- 2: 574- 576.

46

ثبوت القيام لزيد على فرض وجوده في الخارج. النحو الثالث: هو كون الموضوع وجود زيد و قيامه على تقدير وجوده. و لم أتوفّق لمعرفة الفرق بين هذه الأنحاء، فإنّ الأوّل إن رجع إلى كون الموضوع هو نفس قيام زيد من دون نظر إلى مدخلية وجود زيد و إن كان ذلك غير منفكّ عنه، حصل الفرق بينه و بين الأخيرين، لكن يبقى الفرق بينهما، فإنّ تقدير الوجود في الثاني إن كان دخيلًا في الموضوع رجع إلى الثالث، و إن لم يكن دخيلًا فيه رجع إلى الأوّل. و منه يظهر أنّ قوله: نعم لو كان الأثر مرتّباً على وجوده و قيامه على تقدير الوجود، لا يخلو من تكرار، و لو فرضنا أنّ لقوله: «على تقدير الوجود» معنى آخر لحصلت لنا صورة رابعة و هي كون الموضوع هو المركّب من وجود زيد و قيامه، فإنّها حينئذ تغاير المركّب من وجوده و قيامه على تقدير الوجود.

و على كلّ حال، فلو كان موضوع الأثر هو قيام زيد على النحو الأوّل، إنّما يجري فيه الاستصحاب لو كان معلوم البقاء، أمّا لو كان زيد مشكوك البقاء و كان الشكّ في بقاء قيامه ناشئاً عن الشكّ في بقائه، أو كان كلّ منهما مشكوكاً بشكّ مستقل، ففيه تأمّل، فإنّه يجري فيه ما أفاده في أخذ الموضوع على النحو الثاني في الصورتين بقوله: فلا يمكن استصحاب القيام لعدم إحراز موضوعه.

و أمّا ما أفاده على الوجه الثالث من التفكيك بين الصورتين، ففيما كان كلّ منهما مشكوكاً أجرى الاستصحابين، و فيما كان الشكّ في بقاء القيام مسبّباً عن الشكّ في بقاء زيد، لم يجر الاستصحاب في القيام لأنّه غير مشكوك، و لا في وجود زيد لأنّه ليس له أثر شرعي.

ففيه: أنّ نفس قيام زيد و إن لم يكن مشكوكاً بنفسه إلّا أنّه مشكوك بواسطة

47

الشكّ في بقاء محلّه، و حينئذٍ يكون حاله حال ما لو كان كلّ منهما مشكوكاً في إجراء الاستصحابين، و كأنّه يريد أنّ وجود زيد في النحو الأوّل لا يكون جزءاً لموضوع الحكم الشرعي و لا يكون موضوعاً للقيام، و على النحو الثاني يكون موضوعاً للقيام، و يزيد عليه الثالث أنّه أخذ فيه من موضوع الحكم الشرعي، و لأجل ذلك صحّح على الأوّل استصحاب قيام زيد على جميع الصور لعدم تأتّي الإشكال في إحراز موضوع القيام فيها، و منعه في الثاني في صورتي الشكّ في بقاء زيد لعدم إحراز موضوع القيام المانع من استصحاب القيام، و لم يمنعه على الثالث في صورة ما إذا كان كلّ منهما مشكوكاً بشكّ مستقل، لأنّ استصحاب وجود زيد يجري لكونه جزء الموضوع للحكم الشرعي، و به يحرز موضوع القيام الذي يراد استصحابه. و لا يخفى ما فيه من عدم خروج وجود زيد عن كونه موضوعاً و محلًا للقيام الذي أُخذ موضوعاً للحكم الشرعي. ثمّ إنّه في الثالث كيف يلتئم موضوع الحكم الشرعي مع كون الاستصحاب في الثاني و هو قيام زيد على تقدير وجوده متوقّفاً على الاستصحاب في الأوّل ليكون محرزاً لما هو الموضوع في المستصحب الثاني.

و على كلّ حال، فإنّ الحاجة إلى الاستصحابين إنّما هي فيما لو أُخذ الموضوع للحكم الشرعي مركّباً، بخلاف ما لو لم يكن ذلك الموضوع إلّا قيام زيد، و حينئذٍ فلا يتوجّه عليه ما أفاده العلّامة الأصفهاني في حاشيته بما ذكره بعد قوله: و الجواب‏ (1). نعم يرد عليه ما ذكره أخيراً من منع كون العدالة مشكوكة كما أوضحناه، فراجع.

____________

(1) نهاية الدراية 5- 6: 228.

48

قوله: إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشكّ في المحمول الأوّلي أو المحمول المترتّب لا يحصل غالباً بل دائماً مع بقاء القضية المتيقّنة على ما كانت عليها من الخصوصيات المحتفّة بها ... الخ‏ (1).

فيما لو كان الشكّ في المحمول الأوّلي لا يكون الاستصحاب إلّا موضوعياً، و سيأتي أنّ الغالب فيه هو وحدة القضية المتيقّنة مع القضية المشكوكة، بل إنّ المحمول المترتّب لا يكون الاستصحاب فيه غالباً إلّا موضوعياً. نعم لو كان ذلك المحمول المترتّب من مقولة الأحكام الشرعية كان الاستصحاب فيه حكمياً، و الغالب فيه عدم الاتّحاد بين القضيتين.

قوله: و أمّا الاستصحابات الموضوعية فالغالب فيها اتّحاد القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة ... الخ‏ (2).

لا بدّ أن يكون ذلك في موارد الشبهات الموضوعية، إذ لو كانت الشبهة مفهومية كما مرّ في مثال الشكّ في أنّ موضوع النجاسة هو مادّة الكلب أو صورته النوعية، و كما في مثل الخشب المتنجّس، لم يكن الاستصحاب الموضوعي جارياً، أمّا الحكمي فجريانه موقوف على المسامحة التي هي محلّ الكلام.

قوله: كما في استصحاب كرّية الماء إذا نقص منه مقدار يشكّ في بقائه على الكرّية ... الخ‏ (3).

الوجه في هذه المسامحة هو أنّ الذي كان كرا هو المجموع، و الباقي و إن‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 570.

(2) فوائد الأُصول 4: 571.

(3) فوائد الأُصول 4: 571.

49

كان هو الأغلب لكنّه بعضه، بحيث إنّا من أوّل الأمر لو لاحظنا هذا الباقي حال كونه موجوداً في ضمن المجموع لكان مشكوك الكرّية، و لكن العرف في خصوص انفصال ذلك الجزء عن المجموع يرى أنّ معروض الكرّية هو نفس هذا الموجود بحيث إنّه بواسطة عدم اعتنائه بذلك المنفصل لقلّته يرى أنّ المجموع باقٍ لم ينفصل منه شي‏ء، و مقتضى ذلك أنّه لو كان الماء كثيراً جدّاً و قد ذهب منه دفعة واحدة الكثير أيضاً و قد شكّ في كرّية الباقي، هو عدم جريان الاستصحاب في مثل ذلك إذا كان النقص دفعياً و لو بمثل انجماد الأغلب دفعة واحدة، كما أنّه لا بدّ في إجراء الاستصحاب من إحراز كون الباقي هو معظم الماء، فلو نقص الماء و لم يعلم أنّ الباقي كان هو المعظم، بأن كان الماء في صندوق مثلًا و لم يعلم بأنّ الذي نزل منه هل كان قليلًا لا يضرّ بالوحدة، أو أنّه كان كثيراً بحيث إنّ الباقي كان هو القليل، لم يمكن إجراء الاستصحاب لتوقّفه على الوحدة المتوقّفة على التسامح المزبور، و المفروض توقّف ذلك التسامح على الاطّلاع على المقدار الباقي‏ (1)

____________

(1) ثمّ إنّ ممّا يكثر الابتلاء به في هذه الأزمنة هو مشروع إسالة الماء إلى البلدة بالصورة الموجودة من كون المخزن في صندوق عال جدّاً و يتفرّع منه في أنابيب توصل الماء إلى الدور، و ربما انفصل بعض تلك الأنابيب عن المخزن و كان الباقي من محلّ الانفصال إلى أن يصل الانبوب إلى الدار قليلًا لا يبلغ كرّاً، و حينئذٍ فلو شكّ في حدوث الانفصال لم يمكن إجراء الاستصحاب في اتّصال هذا الواصل إلى الدار، إذ ليس الأثر مترتّباً على اتّصال هذا الماء بالمادّة الموجودة في المخزن العام، و إنّما الأثر مترتّب على الكرّية، فيعود محذور استصحاب الكرّية من عدم اتّصاف هذا الموجود من الماء بالكرّية حتّى لو تمّ ما أُفيد من التسامح العرفي، للعلم اليقيني بأنّ هذا الموجود أقلّ من الكرّ بكثير، فلا يمكن القول بأنّ هذا الموجود من الماء المتّصل من الدار إلى محلّ الشكّ في الانفصال كان كرا و لو بتلك المسامحة العرفية.

و من جملة ما لا تجري فيه المسامحة المخزن الخاصّ الذي يجعلونه في الدار في محلّ عال كسطحها، و بعد امتلائه يقطع عن الاتّصال بالمخزن العام و لا يزال أهل الدار مستسقين من ذلك المخزن الخاصّ مع فرض الشكّ في نقصانه عن الكرّية بكثير، فإنّ مثل ذلك لا يجري فيه التسامح العرفي أيضاً، و هذا أشكل من المسألة السابقة التي ربما يتوهّم فيها جريان استصحاب الاتّصال بخلاف هذه المسألة.

و مثل هذه المسألة ما لو حصل العلم بانفصال البلدة عن المخزن العام لأجل حدوث عيب فيه يقتضي إصلاحه و عمارته، فيكون الاعتماد في العاصمية حينئذ على مجموع الماء الموجود في شبكة الأنابيب، فلو حصل الشكّ في عروض نقصانه عن الكرّية لم يمكن الاعتماد في استصحاب بقاء الكرّية لذلك المقدار على دعوى المسامحة العرفية، إذ الفرض أنّه ربما يكون الباقي أقلّ قليل على وجه لا يمكن القول بأنّ هذا المقدار كان كرّاً، فلاحظ و تأمّل [منه (قدس سره)‏].

50

أمّا ما لو أُريد استصحاب وجود الكرّ في هذا الماء فهو خارج عمّا نحن فيه من التسامح العرفي و راجع إلى الأصل المثبت، لأنّ موضوع الأثر و هو كون هذا الماء كرّاً لا يترتّب عليه إلّا بالملازمة.

قوله: لأنّ الشكّ في بقاء الحكم مع بقاء الموضوع على ما كان عليه من الخصوصيات لا يمكن إلّا في باب النسخ ... الخ‏ (1).

كان الأنسب استثناء باب الغاية و الرافع كما سيأتي ذلك منه‏ (2)، بل إنّ النسخ كما حرّرناه في محلّه‏ (3) من قبيل الرافع.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 571- 573.

(2) فوائد الأُصول 4: 576.

(3) راجع المجلّد الخامس من هذا الكتاب الصفحة: 389 و ما بعدها.