أصول الفقه - ج12

- الشيخ حسين الحلي المزيد...
318 /
1

-

2

المنضّد: تنضيد الكفيل: 7812689211- 7706379103

3

[التعادل و التراجيح‏]

بسم اللَّه الرحمن الرحيم و له الحمد وحده وعليه نتوكّل و به نستعين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين. الكلام في مباحث التعادل و التراجيح‏ (1).

قوله: و إن كانت النتيجة مقيّدة بحال العلم و كان الحكم الواقعي مخصوصاً بصورة العلم به فاجتماع النقيضين و إن لم يلزم لتغاير الموضوعين، إلّا أنّه يلزم التصويب المجمع على بطلانه ... الخ‏ (2).

كون ذلك من قبيل التصويب محلّ تأمّل، فإنّ التصويب إنّما هو عبارة عن كون الأحكام دائرة مدار الظنّ أو مدار العلم، بحيث يكون العلم أو الظنّ تمام الموضوع بالنسبة إلى الحكم و لو في موارد الخطأ، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، فإنّ أقصى ما في البين هو أخذ العلم بالنسبة إلى الحكم الواقعي و لو بنحو نتيجة التقييد جزءاً للموضوع، نظير باب الجهر و الاخفات و القصر و الاتمام بالنسبة إلى الجاهل بوجوبها، فالحكم الواقعي في أمثال [ذلك‏] يكون محفوظاً في درجته، غايته دلّ الدليل و لو بنحو نتيجة التقييد [على‏] أنّ ذلك الحكم‏

____________

(1) [ذكر المصنّف (قدس سره) عبارات و تواريخ تدلّ على أنّه (قدس سره) شرع في هذه المباحث في الدورة الأُولى بتاريخ السبت 30 ربيع الأوّل سنة 1366 ه ق، و أنّه شرع فيها في الدورة الثانية بتاريخ الاثنين 17 محرّم سنة 1375 و لاحظ تواريخ المصنّف (قدس سره) في الصفحة: 313].

(2) فوائد الأُصول 4: 702.

4

مختصّ بمن علم به، و أنّه غير متحقّق في حقّ الجاهل، و أين هذا من التصويب المجمع على بطلانه.

و توضيح ذلك‏ هو أن يقال: إنّ الشارع عند ما جعل الحكم على ذات المكلّف لم ينظر إلى حالتي علمه بذلك الحكم و جهله به، لاستحالة ذلك في مقام جعل الحكم، لكنّه يجعله على نفس الذات المفروض كونها في ذلك الحال معرّاة عن النظر بها إلى كلا الحالتين أو إحداهما، و لكن مقتضى جعله لنفس الذات المذكورة هو تحقّق الحكم ذاتاً في مورد الجهل، ثمّ يأتي دليل آخر يرفع ذلك الحكم عن الجاهل به، و بعد تحقّق ذلك الدليل المتكفّل للجعل الثاني يكون الحكم الواقعي بالنسبة إلى الذات التي علمت به متحقّقاً، و يكون العلم به كاشفاً عن تحقّقه في حقّها، لا أنّه يكون شرطاً و علّة في تحقّق الحكم لها كي يلزم منه أنّه قبل العلم لا حكم و بعده يكون الحكم معلولًا للعلم، و أنّه عبارة أُخرى عن التصويب، و أنّ العلم يكون تمام الموضوع لا جزأه.

و الأولى أن يقال: إنّ العلم بالحكم لا يعقل أن يكون جزءاً من موضوع ذلك الحكم و لا تمام الموضوع، و إنّما غاية ما يمكن هو أن يكون موضوع الحكم هو نفس الذات التي وجدت توأماً مع العلم، و يكون العلم بالحكم من قبيل الكاشف عن أنّ تلك الذات هي موضوع ذلك الحكم.

نعم، إنّ الجمع بين الأحكام الواقعية و الظاهرية بهذه الطريقة، أعني طريقة ادّعاء تقيّد الأحكام الواقعية و اختصاصها بخصوص العالمين بها ليكون مورد الأحكام الظاهرية هو الجاهل بتلك الأحكام الواقعية فلا يجتمع الحكمان، يتوجّه عليه أنّ ذلك خلاف الواقع الثابت بالأدلّة القطعية من أنّ الأحكام الواقعية يشترك فيها العالم بها و الجاهل بها على حدّ سواء، و مع قطع النظر عن هذه الأدلّة نقول:

5

إنّ لازم الجمع بهذه الطريقة الاجتزاء بامتثال الأحكام الظاهرية و لو بعد انكشاف الخلاف، فإنّ ذلك حينئذ يكون من قبيل تبدّل الموضوع، و لعلّ مراد شيخنا (قدس سره) من التصويب هو هذا المعنى، أعني أنّ لازم القول باختصاص الأحكام الواقعية بخصوص العالمين بها و عدم تحقّقها في حقّ الجاهل بها، و كون الجاهل بها محكوماً بحكم آخر على طبق ظنّه، هو القول بالتصويب في حقّ ذلك الجاهل، و ليس مراده بذلك هو التصويب في ناحية العالم بالحكم.

لكن الذي يظهر من التقارير المطبوعة في هذا المقام‏ (1) و في مقام الجمع بين الأحكام [الواقعية و] الظاهرية (2) هو جعل مركز التصويب في ناحية العالم بالحكم، فراجع و تأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّا لو سلّمنا أنّ المراد هو كون التصويب اللازم إنّما هو في ناحية الجاهل، ففي كونه تصويباً مجمعاً على بطلانه محل تأمّل و إشكال، و إلّا فما الذي نصنعه نحن في مسألتي الجاهل بالجهر و الاخفات و القصر و الاتمام، فإنّ عمدة ما نصلح به هذه المسألة هو دعوى كون الحكم الواقعي فيها مختصّاً و لو بنحو نتيجة التقييد بخصوص العالم به، و أنّ الجاهل بذلك يكون حكمه الواقعي هو عدم الوجوب على تأمّل.

نعم، إنّ ذلك- أعني تقيّد الأحكام الواقعية كلّها بالعلم و كون الجاهل بها مورداً لأحكام آخر- لا يمكننا الالتزام به من ناحية أُخرى، و هي ما أشرنا إليه أوّلًا من أنّ ذلك خلاف المقطوع به من الأدلّة، و ثانياً أنّ لازمه الاجزاء في جميع موارد الأحكام الظاهرية بعد انكشاف الخلاف.

____________

(1) أجود التقريرات 4: 274.

(2) فوائد الأُصول 3: 100. أجود التقريرات 3: 124.

6

قوله: و يتلوه في الضعف الجمع بينهما بحمل الأحكام الواقعية على الانشائية و الأحكام الظاهرية على الفعلية ... الخ‏ (1).

قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه: فإنّ ما نتعقّله من الانشائية و الفعلية هو أنّ الحكم الواقعي المجعول بنحو القضية الحقيقية التي يكون مرجعها إلى جعل الحكم على أفراد موضوعه المقدّرة الوجود، بمعنى أنّه مثلًا يجعل وجوب الحجّ على كلّ من فرض وجوده مستطيعاً، فهذا الحكم قبل تحقّق موضوعه في الخارج يكون إنشائياً، و بعد تحقّق موضوعه في الخارج يكون فعلياً، أمّا أنّه بعد تحقّق موضوعه في الخارج يكون إنشائياً بحيث إنّ حرمة هذا الخمر الموجود في الخارج تكون إنشائية فقط فممّا لا نتعقّله.

و قال في أوائل الظنّ فيما حرّرته عنه (قدس سره) في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي بعد أن حرّرنا عنه بنحو ما تقدّم ما هذا نصّه: نعم لو كان المراد من الحكم الانشائي هو الحكم الشأني بمعنى الحكم اللولائي نظير الأحكام اللاحقة للأشياء بعناوينها الأوّلية، و المراد من الحكم الفعلي نظير الأحكام اللاحقة لها بعناوينها الثانوية، لصحّ التغاير بين الحكمين، لكون الحكم الفعلي حينئذ مغايراً للحكم الشأني، إلّا أنّ ذلك لا ربط له بما نحن فيه من الجمع بين الحكم الواقعي و الحكم الظاهري، بكون أحدهما إنشائياً أو شأنياً و الآخر فعلياً، انتهى.

قلت: لا يقال لِمَ لا نجمع بينهما بهذا الطريق بأن نقول: إنّ الحكم الواقعي يكون شأنياً لولائياً في مورد الشكّ و يكون الحكم الفعلي في المورد المذكور هو الحكم الظاهري.

لأنّا نقول: إنّ هذا الوجه لا يمكن الالتزام به حتّى فيما يكون موضوعه‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 702.

7

مقيّداً بالشكّ أعني الأُصول العملية، لأنّ لازمه التصويب و عدم الاعادة و القضاء فيما لو انكشف الخلاف. مضافاً إلى أنّ حمل الأدلّة المتكفّلة للأحكام الواقعية على الأحكام الشأنية اللولائية لا يخفى فساده.

و على كلّ حال، أنّ التنافي بين الأحكام الواقعية و الأحكام الظاهرية ليس من قبيل التعارض، إذ ليس الكلام في الخبر الدالّ على الحكم الواقعي و الخبر الدالّ على الحكم الظاهري الذي هو منافٍ للحكم الواقعي، إذ ليس لنا مثل هذين الخبرين، بل الكلام إنّما هو في تنافي الحكمين و في كيفية الجمع بينهما، و ذلك لا دخل له بتعارض الأدلّة، فلاحظ و تدبّر.

قوله: و على كلّ حال، فقد عرفت أنّ التعارض إنّما يلحق الدليلين ثانياً و بالعرض، و الذي يتّصف به أوّلًا و بالذات هو مدلول الدليلين و ما يحكيان و يكشفان عنه، و يؤدّيان إليه مطابقة أو التزاماً ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ مقام المحكي و المدلول إنّما هو نفس الواقع، و لا ريب أنّه لا يتصوّر التعارض في ذلك الصقع، بل لا يتصوّر فيه التنافي و التعاند، حيث إنّ الواقع واحد لا تعدّد فيه كي يكون أحد الأمرين الواقعيين منافياً و معانداً للآخر و إنّما يتصوّر جميع ذلك في مقام الحكاية و الاثبات، فلا يتمّ ما أُفيد من أنّ التعارض عارض ابتداءً لنفس المدلولين و المحكيين ثمّ يعرض الدليلين و الحاكيين ثانياً و بالعرض.

نعم، إنّ عدم إمكان اجتماع المحكيين و المدلولين يكون موجباً لعروض التعارض للحاكيين، و الأمر في ذلك سهل، لأنّا إذا أخذنا التعارض بمعنى عدم إمكان الاجتماع فهو لا يكون إلّا في نفس المدلولين لوقوع التناقض أو التضادّ

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 702.

8

بينهما، و عن هذا التنافي يطرأ التنافي بين الحاكيين.

و الخلاصة: هي أنّا لو أخذنا التعارض بمعنى التنافي لكان منسوباً إلى المدلولين ابتداءً و إلى الدالّين بالعرض، لكن لو أخذناه بمعنى التنافي في النتيجة و الدلالة لكان منسوباً ابتداءً إلى الدليلين، و الظاهر من المعارضة هو الثاني كما يقولون في المنطق إنّ الجواب تارةً يكون عن نفس الدليل، و أُخرى بالنقض، و ثالثة بالمعارضة، و مرادهم بالثالث ما يكون من قبيل قولهم: العالم مستغن عن المؤثّر و كلّ مستغن عن المؤثّر قديم، في قبال قولهم: العالم متغيّر و كلّ متغيّر حادث، في كون الأوّل منتجاً ضدّ ما ينتجه الثاني.

[الفرق بين موارد التعارض و موارد اشتباه الحجّة باللّاحجّة]

قوله: فلو علم بكذب أحد الدليلين لمكان العلم بكون أحدهما غير واجد لشرائط الحجّية و اشتبه بما يكون واجداً لشرائطها، كان ذلك خارجاً عن باب التعارض، بل يكون من باب اشتباه الحجّية باللّاحجّية، و لا يأتي فيه أحكام التعارض، و إنّما يعمل فيه ما تقتضيه قواعد العلم الاجمالي‏ (1).

كما لو اشتمل سند كلّ من الروايتين على أبي بصير، و علمنا بكونه هو الثقة في إحداهما دون الأُخرى، فيكون الحكمان اللذان تضمّنتاه من قبيل ما علم قيام الحجّة على أحدهما، فيدخلان في العلم الاجمالي، من دون فرق في ذلك بين كون الحكمين متنافيين في حدّ أنفسهما أو غير متنافيين، إن كان كلّ منهما متضمّناً للتكليف، و إلّا فلا أثر له كما لو كانت إحداهما قائمة على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال و الأُخرى قائمة على عدم وجوبه.

و ينبغي أن يعلم أنّ هذه الصورة لا يلزمها العلم بكذب إحدى الروايتين، فينبغي إسقاطه و جعل الصورة المذكورة مقصورة على العلم بكون إحداهما غير

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 703.

9

واجدة لشرائط الحجّية، و هذه الصورة هي القدر المتيقّن من موارد اشتباه الحجّة باللّاحجّة.

و الفرق بينها و بين الصورة الأُولى- أعني ما تقدّم من مسألة الظهر و الجمعة- (1) واضح، فإنّ تلك المسألة يكون كلّ من الروايتين فيها في حدّ نفسه مشمولًا لدليل الحجّية، و لكن لمّا كان أحدهما متضمّناً لوجوب الظهر يوم الجمعة و الآخر متضمّناً لوجوب الجمعة يومها، و قد قام الإجماع على عدم الجمع بين الفريضتين يومها، كان هذا الإجماع موجباً لتحقّق التضادّ بين المدلولين، فيكون المحكي بإحدى الروايتين منافياً للمحكي بالأُخرى و إن لم يكن منافياً له ذاتاً، فيدخلان في باب التعارض، من دون فرق في ذلك بين أن يكون مفاد المتن في كلّ من الروايتين هو أنّ الصلاة الواجبة يوم الجمعة هي الظهر أو هي الجمعة، أو يكون مفاد المتن هو مجرّد أنّه يجب الظهر أو يجب الجمعة.

و هذا بخلاف الصورة الثالثة، و هي ما لو حصل العلم الاتّفاقي الخارجي بعدم مطابقة أحد المحكيين للواقع، بحيث إنّه علم إجمالًا بكذب إحدى الروايتين للعلم الاجمالي بعدم مطابقة مؤدّى إحداهما للواقع، فإنّ العلم الاجمالي بعدم مطابقة أحد المؤدّيين للواقع لا يوجب طروّ التنافي بينهما على وجه يدخلهما في المتضادّين و لو عرضاً، بل أقصى ما في ذلك أنّه يوجب العلم بعدم حجّية إحداهما، فيكون ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة.

و لكن في الفرق تأمّل، فإنّا لو علمنا تفصيلًا بأنّ مدلول هذه الرواية الخاصّة مخالف للواقع فسقطت عن الحجّية، ثمّ بعد ذلك اشتبهت برواية أُخرى، كان‏

____________

(1) تقدّم في فوائد الأُصول 4: 702.

10

ذلك الاشتباه من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة.

أمّا إذا لم يكن الأمر كذلك، بل لم يكن لدينا إلّا ورود هاتين الروايتين المشمول كلّ منهما في حدّ نفسه لدليل الحجّية، غايته أنّا علمنا من الخارج أنّ الحكم المحكي بإحداهما غير مطابق للواقع، فهل هذا العلم الاتّفاقي كالإجماع في تلك المسألة يكون موجباً لعروض التنافي بين المدلولين و يحقّق التعارض بين الروايتين، أو أنّه لا يكون كذلك و إنّما أقصى ما في البين هو العلم الوجداني بأنّ أحد المدلولين مخالف للواقع، و ذلك أمر آخر غير ملاك التعارض الذي هو عدم اجتماع المدلولين و المحكيين للتنافي الواقعي بينهما. و بالجملة: أنّه إذا كان أحد المدلولين غير مطابق للواقع و إن صحّ لنا أن نقول إنّه لا يجتمع مع غيره، إلّا أنّ ذلك إنّما هو على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، فلا يكون محقّقاً لموضوع التعارض و هو عدم اجتماع المدلولين؟

و حاصل الفرق‏ بين المسألتين: أنّ الإجماع في تلك المسألة إنّما قام على وحدة الفريضة و أنّه ليس في البين إلّا تكليف واحد لا تكليفان، بمعنى أنّه يكون قائماً على عدم اجتماع الاثنين، فيكون عبارة أُخرى عن الحكم بعدم اجتماع المدلولين، فيكون قائماً مقام الدليل العقلي القائل إنّه لا يجتمع الضدّان، بخلاف العلم الاتّفاقي هنا فإنّه إنّما تعلّق بعدم مطابقة أحد المدلولين للواقع، من دون تعرّض لكون الثابت هو أحدهما، إذ لا علم بثبوت أحدهما، و إنّما تعلّق العلم المذكور بنفي أحدهما، و من الواضح أنّ ذلك لا دخل له بالحكم بعدم اجتماعهما كي يكون موجباً لدخوله في التعارض، هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه إلحاق [الصورة] الثالثة- و هي صورة العلم بكذب إحدى الروايتين- بصورة العلم بكون إحداهما غير مشمولة لدليل الحجّية في كون المسألتين من قبيل [اشتباه‏] الحجّة

11

باللّاحجّة.

و لكن للتأمّل فيه مجال، و هو أنّ الصورة الثانية لا يمكن فيها التمسّك بعموم دليل الحجّية في كلّ واحدة من الروايتين، لكونه من قبيل التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية، فإنّا بعد أن فرضنا أنّ الحجّة هو ما يرويه الثقة، و كان الراوي في الرواية الأُولى و في الثانية هو أبا بصير، و علمنا بأنّه في إحداهما هو الموثّق و في الأُخرى هو غير الموثّق، لم يمكن لنا التمسّك بعموم حجّية خبر الثقة في الأُولى للشكّ في دخولها تحت الموثّق، و كذلك الحال في الرواية الثانية، غاية الأمر لمّا علمنا من الخارج أنّه هو الموثّق في إحداهما، كان ذلك موجباً للعلم بكون أحد الحكمين قد قام عليه الخبر الموثّق، فيلزمنا إجراء حكم العلم الاجمالي بالنسبة إلى ذلك الحكم لو كان كلّ من الحكمين إلزامياً، ففي الحقيقة ليس ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة، بل هو من قبيل عدم دخول كلّ منهما في دليل الحجّية، و لأجل ذلك يمكن أن يقال بالرجوع إلى البراءة في كلّ من الحكمين، لعدم قيام الحجّة على أحدهما، للقطع بأنّ هذه الرواية ليست بحجّة كما أنّ أُختها أيضاً كذلك، فتأمّل.

نعم، لو كان هذا الاشتباه و العلم الاجمالي بكون أبي بصير في إحداهما هو غير الموثّق مسبوقاً بالعلم التفصيلي بكونه في هذه مثلًا هو غير الثقة ثمّ اشتبهتا، لكان ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة، بمعنى اشتباه ما كان حجّة بما كان غير حجّة، أمّا بعد تحقّق الاشتباه المزبور فليس شي‏ء منهما بحجّة فعلًا، فلا يصحّ قولنا إنّهما من قبيل اشتباه الحجّة فعلًا باللّاحجّة.

أمّا القسم الثالث فإن لم يكن الاشتباه فيه مسبوقاً بالعلم التفصيلي، بأن لم يكن لنا إلّا هاتان الروايتان مع العلم الاجمالي بكون إحداهما كاذبة، لا يكون ذلك‏

12

الاشتباه إلّا موجباً لاحتمال كون كلّ منهما كاذباً، و هذا لا يضرّ بشمول دليل الحجّية، فيكون كلّ واحدة منهما في حدّ نفسها مع قطع النظر عن الأُخرى مشمولة لدليل الحجّية، و أقصى ما فيه أنّه لا يمكن البناء على حجّية كلّ منهما، للعلم الاجمالي بكذب إحداهما، فيكون حالهما من هذه الجهة حال الروايتين اللتين يكون مؤدّى إحداهما ضدّاً أو نقيضاً لمؤدّى الأُخرى في أنّ المانع من إمكان التعبّد بهما معاً هو العلم بكذب إحداهما، غايته أنّ مستند العلم بكذب إحداهما في مورد التناقض أو التضادّ هو حكم العقل باستحالة اجتماع النقيضين أو الضدّين، و فيما نحن فيه هو نفس ذلك العلم الوجداني الاتّفاقي.

و الحاصل: أنّه ليس ملاك التعارض هو عدم اجتماع المدلولين كي يقال إنّه غير متحقّق في صورة العلم الاتّفاقي بكذب إحداهما، لأنّ ذلك العلم الوجداني لا يحقّق عدم الاجتماع، بل أقصى ما فيه هو أنّه ينفي أحدهما، بل إنّ ملاك التعارض هو كذب إحداهما و عدم اجتماعهما على الصدق مع كون كلّ منهما في حدّ نفسه مشمولًا لدليل الحجّية، و هو محقّق في الصورة المزبورة كما هو محقّق في صورة التضادّ أو التناقض.

و الحاصل: أنّه في كلّ من الصورتين يكون المكلّف عالماً بأنّ إحدى الروايتين كاذبة مع كون كلّ منهما في حدّ نفسها مشمولة لدليل الحجّية، و هذا هو المعيار في التعارض، سواء انضمّ إلى ذلك احتمال كذبهما معاً أو لم ينضمّ إليه هذا الاحتمال، بل كان مضافاً إلى علمه بكذب إحداهما أنّه عالم بصدق إحداهما، فإنّ ذلك- أعني العلم بصدق إحدى الروايتين- لا أثر له في تحقّق التعارض بينهما بل المدار فيه على العلم بكذب إحداهما. هذا إذا لم يكن الاشتباه مسبوقاً بالعلم التفصيلي.

13

و منه يظهر الحال فيما يكون مسبوقاً به، فإنّا قبل طروّ الاشتباه و إن كنّا عالمين تفصيلًا بكذب هذه الرواية، فلا تكون مشمولة لدليل الحجّية، و تلك الأُخرى لا نعلم بكذبها، فنعلم تفصيلًا بحجّيتها، إلّا أنّهما بعد طروّ الاشتباه عليهما لا يكون ذلك الاشتباه إلّا من قبيل اشتباه ما كانت معلومة الكذب بما لم تكن كذلك، و بواسطة هذا الاشتباه لا يحصل لنا إلّا احتمال الكذب في كلّ منهما، و حينئذٍ يكون كلّ منهما محتمل الكذب، فيشمله دليل الحجّية، فيكون كلّ منهما في حدّ نفسه مشمولًا لدليل الحجّية و يقع التعارض بينهما. هذا كلّه بناءً على أنّ الحجّية لا تتحمّل وجوداً واقعياً حتّى في مورد العلم الاجمالي، و أنّ الحجّة لا تكون حجّة إلّا في مورد العلم التفصيلي بها.

أمّا لو قلنا- كما هو غير بعيد- بأنّ الحجّية و إن لم تتحمّل الوجود الواقعي إلّا أنّها في مورد العلم الاجمالي تكون متحقّقة، كما لو كان المكلّف قد حفظ متنين يتضمّن ظهور كلّ منهما حكماً شرعياً، و حصل له العلم الاجمالي بأنّه قد أخذ بنفسه أحد المتنين و سمعه من نفس الإمام (عليه السلام)، و الآخر أخذه و سمعه عن غيره كأبي حنيفة- مثلًا- و قد اشتبها عليه، فإنّه لا يشكّ أحد بأنّ ظاهر أحد هذين المتنين حجّة عليه و أنّه يلزمه ترتيب الأثر عليه، و حينئذٍ يكون ذلك من قبيل اشتباه الحجّة الفعلية باللّاحجّة، و مثل ذلك ما لو علم بحجّية إحدى الأمارتين، و قد ذكر نظير ذلك في بحث الانسداد، و هو العلم الاجمالي بأنّ في جملة هذه الطرق العقلائية التي بأيدينا ما هو حجّة مجعولة من الشارع.

و بناءً على ذلك نقول: إنّ الصورة السابقة و هي صورة روايتي أبي بصير المعلوم كونه هو الثقة في إحداهما و غيره في الأُخرى، يكون من قبيل اشتباه الحجّة الفعلية باللّاحجّة، سواء كان الاشتباه مسبوقاً بالعلم التفصيلي أو لم يكن‏

14

مسبوقاً به، و أمّا في الصورة الأُخرى و هي صورة العلم بكذب إحداهما، فإن كان الاشتباه مسبوقاً بالعلم التفصيلي كان من قبيل اشتباه الحجّة الفعلية باللّاحجّة، و إن لم يكن مسبوقاً بذلك كانا من قبيل المتعارضين‏ (1)

____________

(1) و الأولى أن يقال: إنّه لا ينبغي الريب في كون ما دلّ على الجمعة و ما دلّ على الظهر من التعارض بعد فرض أنّه ليس لنا إلّا صلاة واحدة، فالأوّل يخبر عنها بأنّها جمعة، و الثاني يخبر عنها بأنّها ظهر.

و يلحق بذلك ما لو اتّفق العلم الخارجي بكذب مدلول إحدى الروايتين، فإنّه بمنزلة ما يدلّ على وجوب الشي‏ء في قبال ما يدلّ على حرمته أو على عدم وجوبه، غايته أنّ هذا تعاند ذاتي و ما نحن فيه تعاند عارضي، لعلمنا بأنّهما لا يجتمعان و لو من جهة العلم بكذب إحداهما، سواء علمنا بصدق الأُخرى أو لم نعلم.

نعم، ربما يقال: إنّ ذلك إن كان بعد العلم التفصيلي بما هي كاذبة ثمّ حصل الاشتباه، يكون من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة، أمّا مثل التردّد في أبي بصير في هذه الرواية و فيه في الرواية الأُخرى، و كذلك لو علم أنّ أحد الشخصين- أعني زيداً الراوي لهذه الرواية و عمراً الراوي للرواية الأُخرى- غير عادل، فليس ذلك من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة، بل كلّ منهما ليس بحجّة، للشكّ في دخولهما تحت العادل من مثل صدّق العادل.

أمّا لو علمت الرواية التي يرويها العادل تفصيلًا ثمّ حصل الاشتباه بينهما و بين الأُخرى، فذلك و إن صدق عليه اشتباه الحجّة باللّاحجّة، يعني اشتباه ما كان حجّة بما كان ليس بحجّة، لكن الآن كلّ منهما ليس بحجّة، فإنّ الحجّية لا تتحمّل وجوداً واقعياً، سواء كان ابتدائياً كما لو لم يتقدّم العلم التفصيلي أو كان بواسطة الاشتباه العارضي كما لو تقدّم.

و إن شئت فقل: إنّ الحجّية لا تتحمّل وجوداً واقعياً في مورد العلم الاجمالي، و يكون المرجع هو الأُصول العملية كما لو لم يكن ذلك العلم الاجمالي في البين.

و على كلّ حال، أنّهما بعد الاشتباه المسبوق بالعلم التفصيلي خارجان عن باب التعارض، و إنّما الكلام في أنّهما من قبيل ما لا حجّة في البين أو من قبيل اشتباه الحجّة باللّاحجّة [منه (قدس سره)‏].

15

و ينبغي أن يعلم أنّا لو قلنا بما أفاده شيخنا (قدس سره) من أنّ ذلك خارج عن باب التعارض، لكان ذلك هادماً لما أفاده (قدس سره) من تعارض الأُصول الاحرازية في مورد العلم الاجمالي بخلاف أحدهما، فتأمّل.

[الكلام في أقسام التزاحم و مرجّحاته‏]

و ينبغي أن يعلم أنّ إلحاق الصورة الثالثة بالثانية تعريض بما في الكفاية حيث قال: التعارض هو تنافي الدليلين- إلى قوله- حقيقة أو عرضاً، بأن علم بكذب أحدهما إجمالًا مع عدم امتناع اجتماعهما أصلًا الخ‏ (1)، و قد عرفت أنّ الأظهر هو كون هذه الصورة داخلة في التعارض، فتأمّل. و كأنّ التعرّض لهذه الجهة من مختصّات الدورة السابقة، و لأجل ذلك لم أعثر عليه في تحريراتي و لا فيما حرّره السيّد سلّمه اللَّه، فراجع.

قوله: و لكن قام الدليل على أنّ المال لا يزكّى في العام الواحد مرّتين ... الخ‏ (2).

ينبغي التأمّل في الفرق بين هذا الدليل و الدليل القائم على أنّه لا يجب في اليوم الواحد فريضتان، في كون الأوّل من قبيل التزاحم و الثاني من قبيل التعارض فتأمّل، للفرق الواضح بينهما حيث إنّه في مسألة الظهر و الجمعة يومها بعد قيام الإجماع المذكور يكون من قبيل التضادّ الدائمي، فيكون راجعاً إلى التعارض، بخلاف مسألة الزكاة فإنّ التدافع فيها بين الدليلين اتّفاقي فلا يكون إلّا من باب‏

____________

(1) كفاية الأُصول: 437.

(2) فوائد الأُصول 4: 707.

16

التزاحم.

قوله: و أُخرى يكون التزاحم لأجل اتّفاق وقوع التلازم بين متعلّقي الحكمين، بمعنى أنّه اتّفق الملازمة بين امتثال أحد الحكمين لمخالفة الآخر ... الخ‏ (1).

قد يمثّل لذلك بوجوب استقبال القبلة في الصلاة مع حرمة استدبار الضرائح المقدّسة أو القرآن الكريم، أو بوجوب استقبال القبلة و حرمة استدبار الجدي لمن لم يكن عراقياً و اتّفق أن حصل بالعراق.

و فيه تأمّل، فإنّ الأوّل لا يتّفق فيه الملازمة إلّا عند عدم المندوحة، و الثاني إذا كان قد حصل في العراق كانت الملازمة دائمية. و على كلّ حال، فإنّ الاستقبال و الاستدبار إن كانا حقيقتين نظير الغصب و الصلاة دخل في مسألة الاجتماع، و إن لم يكونا حقيقتين مختلفتين، و كان ذلك القيام الواحد بتمامه مصداقاً لكلّ من العنوانين، دخل في العموم من وجه و رجع إلى باب التعارض.

قوله: و خامسة يكون التزاحم لأجل كون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجود و الامتثال على الآخر و قد اتّفق عدم قدرة المكلّف على الجمع ... الخ‏ (2).

لم يظهر الفرق بين هذه الخامسة و الرابعة، فإنّ المقصود من قوله في الرابعة «لأجل اتّفاق وقوع المضادّة بين المتعلّقين» ليس هو إلّا المضادّة الناشئة عن عدم قدرة المكلّف على الجمع.

و من ذلك يظهر التأمّل في قوله في الصورة الرابعة: «فلو كانت المضادّة

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 708.

(2) فوائد الأُصول 4: 709.

17

دائمية يخرج عن باب التزاحم» فإنّ هذه المضادّة ليست حقيقية كي يمكن أن تكون دائمية، و إنّما هي ناشئة عن عدم القدرة، و لا يعقل كونها دائمية فتأمّل. و لا يفرق في وقوع التزاحم بينهما بين كونهما عرضيين أو طوليين، غايته أنّ المرجّح يختلف، ففي الثاني يكون الترجيح بحسب التقدّم الزماني دون الأوّل.

و حينئذٍ فالأولى هو جعل أقسام التزاحم ثلاثة، باب الاجتماع على القول بالجواز من الجهة الأُولى، و باب اتّفاق توقّف الواجب على فعل الحرام، و باب اتّفاق المضادّة بين الواجبين لعدم القدرة على الجمع بينهما.

كما أنّه يمكن المناقشة في جعل المرجّحات خمسة، فإنّه يمكن إرجاع بعض هذه المرجّحات إلى بعض، فإنّ تقديم ما ليس له بدل اضطراري على ما له البدل راجع إلى تقديم ما هو مشروط بالقدرة العقلية على ما هو مشروط بالقدرة الشرعية، حيث إنّ ثبوت البدل الاضطراري عبارة أُخرى عن كون المبدل منه مشروطاً بالقدرة الشرعية.

و الحاصل: أنّ البدل إن كان عرضياً غير مقيّد بالاضطرار كان الوجه في تقدّم ما ليس له البدل عليه هو عين الوجه في تقدّم المضيق على الموسع، فإنّ ملاك التقديم فيهما واحد و هو العموم البدلي، و إن كان البدل طولياً مقيّداً بالاضطرار و عدم القدرة على المبدل منه كان ذلك عبارة عن كون المبدل منه مقيّداً بالقدرة الشرعية.

ثمّ إنّ الوجه في تقدّم المقدّم زماناً هو ما أفاده (قدس سره)(1) في باب التزاحم من أنّه عند التساوي يكون كلّ من التكليفين ... (2) و يكون الاتيان بكلّ منهما مسقطاً

____________

(1) راجع أجود التقريرات 2: 45.

(2) [في الأصل هنا سقط، و المناسب أن يكون الساقط هو: مشروطاً بعدم الاتيان بمتعلّق الآخر].

18

للآخر، ففي زمان الأوّل حيث إنّه لا يتحقّق مسقطه و هو فعل الثاني يكون هو المتعيّن، نعم بناءً على أنّ نتيجة التساوي هو التخيير يكون المكلّف هنا مخيّراً بينهما.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ الأمر بالثاني و إن كان متحقّقاً في ظرف الأوّل إلّا أنّه لا يكون محرّكاً و شاغلًا للمكلّف، فلا يكون مزاحماً للأوّل. و أمّا لزوم حفظ القدرة للثاني فهو و إن كان محقّقاً في ظرف الأوّل، إلّا أنّه لا يزيد على أصله الذي هو الأمر الثاني في عدم مزاحمته للأمر الأوّل، فتأمّل.

و أمّا الترجيح بالأهمية فعلى الظاهر أنّها لا تخرج عن تقديم ما هو الأقوى ملاكاً الذي منع (قدس سره) من جريانه في التزاحم المأموري و خصّه بالتزاحم الآمري فتأمّل. و تمام الكلام في محلّه من باب التزاحم.

[الكلام في ضابط الحكومة]

قوله: بداهة أنّه لو كان مفاد أحد الدليلين بمدلوله المطابقي ما تقتضيه نتيجة تحكيم الخاصّ و المقيّد على العام و المطلق لكان حاكماً على الآخر ... الخ‏ (1).

لا يخفى أنّ مفاد الدليل الحاكم بمدلوله المطابقي مثل قولنا: النحوي ليس بعالم بالنسبة إلى أكرم العلماء، ليس هو عين نتيجة تحكيم الخاصّ مثل لا تكرم النحويين، فإنّ نتيجة تحكيم هذا على أكرم العلماء هي أنّ النحوي لا يجب إكرامه لكن المدلول المطابقي لمثل قولنا: النحوي ليس بعالم ليس هو عين هذه النتيجة، بل إنّ مفاد مدلوله المطابقي هو نفي العالمية عن النحوي، و حيث إنّه عالم وجداناً لزمنا صرفه إلى نفي آثار العالم عنه ليكون من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، تنزيلًا لنفي الموضوع منزلة نفي الحكم، و بذلك يكون هذا الدليل‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 711.

19

حاكماً على قولنا أكرم العلماء، و بعد هذه العناية في الدليل المذكور تكون نتيجته عين نتيجة التخصيص.

و يمكن أن يكون المراد من قوله: «و إن قيل إنّ المراد من التفسير ما يعمّ تفسير قرينة المجاز لذي القرينة- إلى قوله- فالتحقيق» (1) هو أنّه ربما يقال في توجيه كلام الشيخ (قدس سره) إنّ المراد من التفسير هو ما يكون من قبيل قرينة المجاز، حيث إنّ الخاصّ يوجب التصرّف في العام بحمله على إرادة بعض أفراده تجوّزاً، و قرينة هذا التجوّز هو الدليل الخاصّ، و حيث إنّ الدليل الحاكم كان مفاد مدلوله المطابقي هو نتيجة تحكيم الخاصّ على العام، صحّ لنا أن نقول إنّ الدليل الحاكم مفسّر للدليل المحكوم، يعني أنّ نسبته إليه كنسبة القرينة إلى ذيها في كونها مفسّرة له و شارحة للمراد منه.

و الجواب عنه أوّلًا: أنّ الخاصّ لا يوجب التجوّز في العام، فلا يصحّ إطلاق الشارح عليه و لو بمعنى قرينة المجاز.

و ثانياً: أنّ المدلول المطابقي للحاكم ليس هو عين نتيجة تحكيم الخاصّ على العام، بل إنّ مفاده هو رفع موضوع العام رفعاً تنزيلياً، و لأجل ذلك كان حاكماً عليه من دون نظر إلى النسبة بينهما.

و ثالثاً: أنّ رفع الحكم الذي تضمّنه الدليل العام عن بعض أفراد العام ليس هو نتيجة تحكيم الخاصّ عليه، بل إنّ ذلك هو عين مفاد الدليل الخاصّ، فإنّه لو قال أكرم العلماء كان الدليل الخاصّ متضمّناً ابتداءً لارتفاع هذا الحكم عن مورده سواء كان الخاصّ بلسان لا تكرم الفسّاق منهم، أو بلسان لا يجب إكرام الفسّاق‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 711- 712.

20

منهم، أو غير ذلك من ألسنة رفع الحكم عن مورد الخاصّ، فإنّ الجميع يشترك في رفع الحكم العام عن مورد الخاصّ، لا أنّ مفاد الخاصّ مطلب آخر و يكون نتيجة تحكيم الخاصّ على العام هو ارتفاع الحكم الذي تضمّنه العام عن بعض أفراد الخاصّ.

قوله: سواء كانت الحكومة فيما بين الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام الواقعية كحكومة قوله: «لا شكّ لكثير الشكّ» على قوله: «من شكّ بين الثلاث و الأربع ... الخ» (1).

هذا إشارة إلى تقسيم الحكومة إلى الحكومة الواقعية و الحكومة الظاهرية، و قد تقدّم‏ (2) الكلام في ضابطها، و أنّ المدار في الحكومة الواقعية على كون ما يتكفّله الدليل الحاكم حكماً واقعياً مثل قوله: النحوي ليس بعالم، بعد قوله: أكرم العلماء، و مثل «الطواف بالبيت صلاة» بعد قوله: تجب الطهارة في الصلاة، و مثل «لا سهو في سهو» بناءً على أنّ المراد نفي حكم السهو في سجدتي السهو، و أنّ مثل «لا شكّ للإمام مع حفظ المأموم» بالنسبة إلى الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكّ تكون الحكومة فيه حكومة واقعية، و الإشكال في حكومة «لا شكّ لكثير الشكّ» على الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكّ بناءً على أنّه يعتبر في كون الحكومة واقعية كون كلّ من الدليل الحاكم و المحكوم متكفّلًا للحكم الواقعي، حيث إنّ الحاكم هنا متكفّل للحكم الواقعي، لكن المحكوم متكفّل للحكم الظاهري، لكن يمكن عدّها حكومة واقعية نظراً إلى نفس الدليل الحاكم.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 713.

(2) تقدّمت الإشارة إلى ذلك في المجلّد الثاني من هذا الكتاب، صفحة: 388.

21

قوله: و لا وجه لما في بعض الكلمات من أنّه يعتبر في الحكومة أن يتقدّم تشريع مفاد المحكوم على تشريع مفاد الحاكم بحيث يلزم لغوية التعبّد بدليل الحاكم ... الخ‏ (1).

بعد أن بنينا على أنّ مفاد الحكومة هو كون الدليل الحاكم متعرّضاً لنفي الحكم بلسان نفي الموضوع تنزيلًا، فلا ريب أنّه لا يصحّ نفي الموضوع تنزيلًا لنفي حكمه منزلة نفي نفسه إلّا بعد أن يتحقّق الحكم لذلك الموضوع ليكون المصحّح لنفي ذلك الموضوع هو نفي حكمه، و حينئذٍ فلا بدّ أن يتقدّم الدليل المحكوم. نعم هذا إذا كان الدليل الحاكم متعرّضاً ابتداءً لنفي الموضوع أو إثباته بحيث كان لسانه المطابقي هو نفي الموضوع أو إثباته كما هو الغالب.

و أمّا حكومة الأمارات على الأُصول الشرعية، فإن قلنا إنّ مفاد دليل حجّيتها هو تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع، فلا بدّ أن يكون مسبوقاً بدليل يثبت الآثار للواقع، و كذلك لو قلنا إنّ مفاده هو تنزيل قيامها لدى المكلّف منزلة العلم الطريقي المتعلّق بالواقع، فلا بدّ أيضاً من أن تكون مسبوقة بذلك، و بعد ثبوت هذا التنزيل تكون حاكمة على الأُصول الشرعية قهراً، و حينئذٍ لا يحتاج دليل حجّيتها إلّا [إلى‏] تقدّم ذلك الدليل دون تقدّم دليل حجّية الأُصول، لأنّ المصحّح للتنزيل هو ذلك الدليل لا دليل حجّية الأُصول.

و في الحقيقة أنّ لدليل حجّية الأمارة حكومتين: إحداهما بالنسبة إلى الأدلّة الواقعية، و هذه الحكومة حكومة ظاهرية، و هي تستدعي تقدّم الدليل المحكوم، و الحكومة الأُخرى بالنسبة إلى الأُصول الشرعية، و هذه الحكومة أشبه بالحكومة الواقعية، و هي لا تستدعي تقدّم الدليل المحكوم. و أمّا تقدّمها على الأُصول‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 713.

22

العقلية فهو بالورود، هذا كلّه على تقدير القول بأنّ مفاد دليل حجّية الأمارة هو التنزيل في نفس قيام الأمارة أو مؤدّاها.

و هكذا الحال بناءً على ما هو التحقيق من أنّ مفاد دليل حجّيتها ليس هو التنزيل، بل هو جعل الحجّية لها ابتداءً، فإنّها و إن حكمت حينئذ على الأُصول العملية باعتبار أنّ جعل حجّيتها المذكورة يلزمه رفع موضوع الأُصول الذي هو الشكّ، إلّا أنّ ذلك لا يستدعي تقدّم دليل حجّية الأُصول عليها، إذ لم يكن المدلول المطابقي لدليل حجّيتها هو نفي الشكّ ابتداءً كي يكون متوقّفاً على جعل تلك الأُصول أحكاماً للشكّ، بل كان مدلوله المطابقي هو جعل الحجّية ابتداءً، و بلازم هذا المدلول- أعني ارتفاع الشكّ- تكون حاكمة على أدلّة الأُصول، بل بناءً على هذا الوجه لا تحتاج إلى تقدّم دليل أصلًا حتّى الدليل المثبت للأحكام الواقعية، إلّا من ناحية أنّ جعل الحجّية يستدعي جعل أحكام واقعية تكون تلك الحجّة مثبتة لها.

قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه: و تقدّم الأمارات على الأُصول، و الأُصول الاحرازية على غير الاحرازية، و الأمارات بعضها على بعض، و الأُصول غير الاحرازية بعضها على بعض، كلّه من باب الحكومة، فإنّ ما يتعبّد به في الأمارات لمّا كان هو تتميم جهة كشفها، كان ذلك رافعاً لموضوع الأُصول و هو الشكّ، و ما يتعبّد به في الأُصول الاحرازية لمّا كان هو إحراز الواقع، كان ذلك رافعاً لموضوع الأُصول الغير الاحرازية، كما أنّه ربما تتّفق الحكومة في غير ذلك من الموضوعات الواقعية، كما تقدّم في حكومة «لا شكّ لكثير الشكّ» على الأدلّة المتكفّلة لأحكام الشكّ.

نعم، بين هذه الحكومة و بين الحكومة في الأمارات و الأُصول فرق، فإنّها

23

و إن اشتركت في أنّ الدليل الحاكم متصرّف في موضوع الدليل المحكوم برفعه عن مورد الدليل الحاكم، إلّا أنّ الفرق بينهما هو أنّ مثل «لا شكّ لكثير الشكّ» يكون بالتخصيص أشبه، فإنّ محصّله هو بيان أنّ الشكّ المحكوم عليه بتلك الأحكام هو ما عدا [شكّ‏] كثير الشكّ، فتكون نتيجته نتيجة التخصيص، و في باب حكومة الأمارات على الأُصول و الأُصول بعضها على بعض تكون بالورود أشبه، فإنّ ما يتعبّد به في الأمارات يكون مزيلًا لموضوع الأُصول الذي هو الشكّ، لا أنّه يبيّن أنّ المحكوم بالأُصول من الشكّ هو ما عدا مورد الأمارات.

ثمّ قال فيما حرّرته عنه (قدس سره): و حاصل الفرق بين الحكومة في باب الأمارات و الأُصول و الحكومة في الموضوعات الخارجية مثل «لا شكّ لكثير الشكّ» بالنسبة إلى مثل «من شكّ بين الأقل و الأكثر فليبن على الأكثر» و مثل لا حرج و لا ضرر بالنسبة إلى الأحكام في مورد الحرج و الضرر، أنّ الحاكم في الثاني يضيّق دائرة موضوع المحكوم عليه و يحصره بما عدا مورد الحاكم، فتكون نتيجته نتيجة التخصيص، بل هو تخصيص بلسان الحكومة، و الحاكم في الأوّل يكون موجباً لانعدام موضوع الدليل المحكوم، فتكون نتيجته نتيجة الورود.

قلت: و السرّ في هذا الفرق هو ما أشرنا إليه، هو أنّ الأوّل لمّا كان مدلوله المطابقي أمراً آخر غير نفي الموضوع في الدليل المحكوم، بل كان لازم ذلك الأمر الآخر هو انتفاء ذلك الموضوع، كان أشبه شي‏ء بالورود، و لم يكن مستدعياً لتقدّم الدليل المحكوم، لأنّ مدلوله المطابقي الذي هو مركز التنزيل لم يكن بالنظر إلى الأحكام التي تضمّنها ذلك الدليل المحكوم، و هذا بخلاف الثاني فإنّه لمّا كان مدلوله المطابقي هو نفي موضوع الدليل المحكوم نفياً تنزيلياً، و كان من قبيل نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، كان أشبه شي‏ء بالتخصيص، و كان مستدعياً لتقدّم‏

24

ذلك الدليل المحكوم ليكون مصحّحاً لذلك النفي التنزيلي الذي تكفّله الدليل الحاكم.

نعم، إدخال مثل لا حرج و لا ضرر ممّا يكون رافعاً للحكم في مثل هذه الحكومة لا وجه له على الظاهر- و لعلّ الخلط منّي- فإنّ مثل هذه الحكومات لا تنزيل فيها أصلًا، و لكن مع ذلك لا يبعد القول بأنّها تستدعي تقدّم الأدلّة المحكومة، فتأمّل.

[الكلام في أصالة الظهور و أصالة عدم القرينة]

قوله: فقد يصحّ الجواب عن السؤال بأنّه أراد ما يكون الكلام ظاهراً فيه بحسب المحاورات إذا لم يعتمد المتكلّم على القرائن المنفصلة ... الخ‏ (1).

قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه في هذا المقام: ثمّ إنّ الاحتمالات المخالفة لهذه المرحلة- أعني مرحلة الحكم بأنّ المتكلّم أراد هذا المعنى- و إن كانت كثيرة، لأنّه يحتمل أن يكون مراده هو غير هذا المعنى و لكنّه أخفاه لغرض مثل التقية و نحوها، أو أنّه غفل عن ذكر القرينة المتّصلة، أو أنّ المخاطب غفل عنها و نحو ذلك من الاحتمالات، إلّا أنّ أغلب هذه الاحتمالات لا شبهة في عدم الاعتناء بها، لما جرت عليه السيرة العقلائية، لكن العمدة منها هو احتمال اعتماد المتكلّم في إرادة غير ذلك المعنى على قرينة منفصلة سابقة أو لاحقة، فللمحقّقين في نفي هذا الاحتمال و عدم الاعتناء به قولان: أحدهما هو أنّ نفي الاحتمال المذكور و الحكم بأنّ المتكلّم أراد هذا المعنى الذي هو الظاهر من مجموع كلامه، يتوقّف على إحراز عدم القرينة المنفصلة، و هناك قاعدة عقلائية يتبعها العقلاء في محاوراتهم، و هي أنّ المتكلّم إذا كان في مقام بيان مراده فعليه أن يذكر كلّ ما

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 717.

25

يتوقّف عليه بيانه و إفادته، و هذه القاعدة محرزة لعدم القرينة المنفصلة. و القول الثاني أنّ الحكم المذكور لا يتوقّف على إحراز عدم القرينة، بل يكفي فيه مجرّد ظهور كلامه في إرادة ذلك المعنى، انتهى.

ثمّ إنّه (قدس سره) تعرّض لبيان الحقّ في هذين القولين، و أنّ الحقّ فيه هو التفصيل الآتي‏ (1) ببيان أوضح و أوفى فراجعه.

قلت: لعلّ مرجع هذا النزاع إلى النزاع في أنّ أصالة الظهور هل هي من الأُصول العدمية الراجعة إلى أصالة عدم القرينة أعم من المتّصلة، أو أنّ أصالة الظهور أصل مستقل برأسه من الأُصول الوجودية، و هي لزوم الأخذ بظاهر الكلام ما لم يكن في البين قرينة على إرادة خلافه. أمّا القرينة المنفصلة فيمكن القول بأنّها لا توجب الخدشة في الظهور، غايته أنّها لو تحقّقت كانت موجبة لرفع اليد عن حجّية ذلك الظهور في كشفه عن إرادة المتكلّم، بمعنى أنّها تكون مزاحمة لحجّية ذلك الظهور في كشفه عن المراد، و حيث إنّها مقدّمة في مقام التزاحم يلزمنا رفع اليد عن هذه الحجّية التي كانت بأيدينا، هذا بعد العثور عليها، أمّا قبل العثور عليها فلا يكون في البين إلّا مجرّد احتمالها سابقة أو لاحقة، و هذا الاحتمال لا يوجب الوقفة في حجّية ما بيدنا من الظهور خصوصاً فيما يحتمل لحوقها، و أقصى ما في البين هو احتمال أنّ المتكلّم أراد خلاف الظاهر، و هذا الاحتمال ملغى بواسطة ذلك القانون المحاوري الذي حاصله هو أنّه على المتكلّم إذا كان في مقام بيان مراده أن يذكر كلّ ما له دخل فيه، و أنّ اعتماده على القرينة المنفصلة يكون غير معتنى به عند العقلاء، و إن قلنا بأنّه غير مناف لحكمة المتكلّم، لأنّه لم يكن إلّا لغرض صحيح، إلّا أنّه على كلّ حال يكون على خلاف‏

____________

(1) في فوائد الأُصول 4: 718- 719.

26

مجرى قانون المحاورة.

و بالجملة: أنّ قانون المحاورة قاض بأنّ المتكلّم الذي هو في مقام الافادة يندفع إلى ذكر كلّ ما له دخل في مراده، و لا يخفي شيئاً منه و لو اعتماداً على قرينة لاحقة إلّا لمانع يمنعه من إظهاره فعلًا، و هذا الاحتمال- أعني احتمال وجود المانع من الاظهار- منفي بما تقدّم ذكره، كما أنّ احتمال الاعتماد في عدم البيان فعلًا على قرينة سابقة أيضاً منفي بنفس ذلك الأصل العقلائي، و كلّ ذلك لا دخل له بالتوقّف على الحكم بعدم القرينة سابقة أو لاحقة. و حينئذٍ فلا تكون حجّية أصالة الظهور موقوفة على أصالة عدم القرينة فضلًا عن كونها عبارة عنها.

و أمّا ما أفاده (قدس سره) من التفصيل ففيه تأمّل، حيث إنّ ذلك الذي هو بصدد تحصيل مراد المتكلّم لا بصدد الاحتجاج إن كان غرضه مترتّباً على الواقع بحيث إنّه لا تفيده الأُصول العقلائية فلا تنفعه أصالة عدم القرينة، و إن كان غرضه كسائر الأغراض العقلائية التي يرتّبونها على ما بأيديهم من الطرق و الأُصول العقلائية كانت أصالة الظهور نافعة له، بناءً على أنّها أصل مستقل برأسه.

و بالجملة: أنّ حاله من هذه الجهة حينئذ حال من هو بصدد الاحتجاج في الاكتفاء بالأصل العقلائي الكاشف عن مراد المتكلّم أيّ شي‏ء كان ذلك الأصل.

ثمّ إنّ ما أُفيد من قوله: إذ ليس في طريقة العقلاء ما يقتضي التعبّد (1) يمكن التأمّل فيه، فإنّ بناءهم على الأخذ بمقتضى الظنّ النوعي أو على أصالة عدم القرينة لا بدّ أن ينتهي إلى تعبّد، و إلّا فما الذي أوجب عليهم الأخذ بمقتضى ذلك الظنّ النوعي أو أصالة عدم القرينة، لا بدّ أن نقول إنّ ذلك ارتكاز طبعي أو دافع فطري جروا عليه بمقتضى طباعهم و فطرتهم، و إن لم يمكن لنا و لا لهم تعليله.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 718.

27

[وجه تقديم الخاصّ على العام‏]

قوله: لأنّ الخاصّ يكون بمنزلة القرينة على التصرّف في العام ... الخ‏ (1).

يمكن الالتزام بأنّ ملاك التقديم هو أقوائية الظهور حتّى في القرينة المتّصلة حتّى في مثل أسد يرمي، و إلّا فمن هو الذي فرض علينا أن تكون يرمي قرينة على التصرّف في المراد بالأسد حتّى نقول إنّ ظهورها و إن كان ضعيفاً يكون حاكماً على ظهوره و إن كان أقوى، و لِمَ لا يكون الأسد قرينة على التصرّف في لفظ يرمي.

و لا يخفى أيضاً أنّ أقوائية الظهور أمر ارتكازي يحكم به الطبع و الجبلّة و هو غير داخل تحت حد و لا ينضبط بضابط، و مجرّد كون أحدهما وضعياً و الآخر إطلاقياً لا يوجب أقوائية الأوّل و لا أضعفية الثاني.

ثمّ يمكن أن يدّعى أنّ الخاصّ و المقيّد غالباً أقوى ظهوراً من العام و المطلق، لكنّه ليس بدائمي، و لأجل ذلك ترى أنّهم ربما أسقطوا الخاصّ و المقيّد في قبال العام و المطلق، لكنّك تراهم يعلّلون ذلك بعلل أُخرى، مثل كون ذلك العام أو المطلق آبياً عن التخصيص و التقييد، أو غير ذلك من العلل التي يستندون إليها في إسقاط الخاصّ أو المقيّد، هذا.

و لكن لا يخفى أنّ كون تقديم الخاصّ على العام لأجل كونه أقوى ظهوراً لا يخرجه عن الحكومة، أعني حكومة أصالة الظهور في ناحية الخاصّ على أصالة الظهور في ناحية [العام‏]، فإنّ الخاصّ بعد كونه أظهر من العام يكون قرينة على أنّ المتكلّم بالعام أراد خلاف ظاهره، و قد كانت حجّية أصالة الظهور في‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 720.

28

ناحية العام- أعني الحكم على المتكلّم بأنّه أراد العموم- مقيّدة بأن لا يكون ما يدلّ على أنّه أراد خلافه، و بذلك تكون أصالة الظهور في الخاصّ حاكمة على أصالة الظهور في ناحية العام، و إن كان ذلك بعد تحقّق كون ظهور الخاصّ أقوى من ظهور العام، و حينئذٍ تكون الأظهرية هي الملاك في ذلك التقديم و الحكومة، و لعلّ هذا هو المراد للشيخ (قدس سره).

قوله: و قد تقدّم في المباحث السابقة أنّ ضابط الورود هو أن يكون أحد الدليلين رافعاً لموضوع الآخر بنفس التعبّد و لو مع عدم ثبوت المتعبّد به، بحيث لو فرضنا انفكاك التعبّد عن ثبوت المتعبّد به لكان رافعاً لموضوع الآخر، و أمّا إذا توقّف الرفع على ثبوت المتعبّد به فلا يكون أحدهما وارداً على الآخر، بل يكون حاكماً عليه، فما نحن فيه لا يندرج في ضابط الورود ... الخ‏ (1).

الذي عرفناه فيما تقدّم من الفرق بين الورود و الحكومة أنّه بعد تحقّق التعبّد في ناحية الدليل المقدّم إن كان ارتفاع موضوع الدليل المقدّم عليه ارتفاعاً وجدانياً كان ذلك من قبيل الورود، كما في تقدّم الأمارات على الأُصول العقلية، و إن كان الارتفاع المذكور ارتفاعاً غير وجداني بل كان ارتفاعاً تنزيلياً، كان ذلك من قبيل الحكومة، كما في تقدّم الأمارات على الأُصول الشرعية، فإنّها بعد التعبّد بها لا يرتفع موضوع الأُصول الشرعية الذي هو الشكّ إلّا ارتفاعاً شرعياً تنزيلياً، مع اشتراك التقديمين في توقّف الارتفاع على ثبوت المتعبّد [به‏]، فإنّ الأمارة القائمة على وجوب الشي‏ء مثلًا لا يكون مجرّد التعبّد بها رافعاً لموضوع البراءة العقلية

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 724.

29

أعني قبح العقاب بلا بيان، بل إنّما يرتفع موضوع هذه البراءة العقلية بالنظر إلى ثبوت المتعبّد به، بحيث إنّه لو فرضنا محالًا انفكاك التعبّد عن ثبوت المتعبّد به لم تكن الأمارات المذكورة رافعة لموضوع البراءة العقلية.

و بعد أن فرضنا أنّ موضوع حجّية الظهور في كشفه عن إرادة المتكلّم مقيّد بعدم ثبوت ما يدلّ على إرادة خلافه، يكون الخاصّ المذكور وارداً على ظهور العام لا حاكماً عليه، لارتفاع موضوعه بذلك ارتفاعاً وجدانياً، من دون فرق في ذلك بين القول بأنّ أصالة الظهور متوقّفة على أصالة عدم القرينة، أو القول بأنّها في حدّ نفسها كاشفة كشفاً نوعياً عن إرادة المتكلّم، لارتفاعها و لو على هذا القول بقيام الدليل على حجّية ذلك الخاصّ.

نعم، لو كانت حجّية أصالة الظهور مقيّدة بعدم العلم الوجداني بإرادة المتكلّم خلاف الظاهر، لكان الدليل على حجّية ذلك الخاصّ حاكماً عليها لا وارداً، لأنّ الدليل على حجّية ذلك الخاصّ حينئذ لا يرفع موضوع ذلك الظهور للعام رفعاً حقيقياً، بل إنّما يرفعه تنزيلًا.

و الظاهر أنّه لا فرق في ذلك كلّه بين كون الخاصّ ظنّي الدلالة و السند و كونه ظنّياً من إحدى الجهتين. نعم لو كان قطعي الدلالة و قطعي السند لكان تقدّمه عليه من باب التخصّص لا الورود و لا الحكومة، فتأمّل جيّداً.

قوله: فتأمّل في أطراف ما ذكرناه جيّداً، و تأمّل في عبارة الشيخ (قدس سره) حقّ التأمّل‏ (1).

قال الشيخ (قدس سره): ثمّ إنّ ما ذكرنا من الورود و الحكومة جارٍ في الأُصول اللفظية

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 725.

30

أيضاً، فإنّ أصالة الحقيقة أو العموم معتبرة إذا لم يعلم هناك قرينة على المجاز، فإن كان المخصّص- مثلًا- دليلًا علمياً كان وارداً على الأصل المذكور الخ‏ (1).

و الذي ينبغي الالتفات إليه هو أنّ القرينة التي اعتبر عدم العلم بها في حجّية ظهور العام هي ما يكون نصّاً في الخصوص، بدلالة قوله في آخر المطلب: نعم لو فرض الخاصّ ظاهراً أيضاً خرج عن النصّ و صار من باب تعارض الظاهرين، فربما يقدّم العام‏ (2). و كذلك قوله: فالظاهر أنّ النصّ وارد عليها مطلقاً و إن كان النصّ ظنّياً (3) يعني ظنّي السند، و حينئذٍ يكون محصّل الوجه الأوّل المعبّر عنه بكون أصالة العموم من باب أصالة عدم القرينة هو كون أصالة العموم مقيّدة بعدم العلم بإرادة خلافها، و من الواضح حينئذ أنّ الخاصّ القطعي السند و الدلالة يكون وارداً على أصالة العموم، و أنّ ما هو نصّ و قطعي الدلالة لكنّه ظنّي السند يكون حاكماً على أصالة العموم المفروض كونها مقيّدة بعدم العلم، و دليل اعتبار سند ذلك الخاصّ لا يجعله علماً وجدانياً، و إنّما يجعله علماً تنزيلياً، فيكون خروجه عن موضوع حجّية أصالة العموم خروجاً تعبّدياً لا وجدانياً، فلا يكون إلّا من باب الحكومة.

نعم، بناءً على التوسعة في موضوع حجّية أصالة العموم بجعله عبارة عن عدم ثبوت ما يخالفه، يكون تقدّم هذا الخاصّ عليه من باب الورود. و هذا الأخير

____________

(1) فرائد الأُصول 4: 15.

(2) فرائد الأُصول 4: 17.

(3) فرائد الأُصول 4: 16- 17.

31

هو الذي أفاده بقوله: و يحتمل أن يكون الظنّي أيضاً وارداً الخ‏ (1)، هذا محصّل ما أفاده على الوجه الأوّل، و هو كون أصالة الظهور من باب أصالة عدم القرينة.

ثمّ شرع في الوجه الثاني- و هو كونها من باب الظنّ النوعي- فجزم بالورود، لأنّ الظنّ النوعي مقيّد بأن لا يكون ظنّ نوعي على خلافه، و هذا القيد وجداني، لعدم اجتماع [الظنّ‏] النوعي بالعموم مع الظنّ النوعي بالتخصيص، و مع وجود الخاصّ الظنّي السند القطعي الدلالة يحصل الظنّ النوعي بما هو على خلاف العموم، فينعدم موضوع حجّية العموم انعداماً وجدانياً، فيكون تقدّم الخاصّ المذكور عليه من باب الورود.

و لا يبعد أن يكون مراده من الأصل بقوله هنا: فإذا وجد ارتفع موضوع ذلك الدليل نظير ارتفاع موضوع الأصل بالدليل‏ (2) هو الأصل العقلي كقبح العقاب بلا بيان، فإنّ تقدّم الدليل على الأصل الشرعي إنّما يكون بالحكومة لا بالورود.

نعم، مراده بالأصل العملي في قوله فيما تقدّم في الوجه الأوّل: فالعمل بالنصّ القطعي (يعني قطعي الصدور) في مقابل الظاهر كالعمل بالدليل العلمي في مقابل الأصل العملي‏ (3)، هو مطلق الأصل و إن كان شرعياً، لأنّ تقدّم الدليل المفيد للعلم على الأصل يكون بالورود، سواء كان الأصل شرعياً أو كان عقلياً.

نعم، هناك إشكال آخر، و هو أنّ الغالب من هذه الموارد التي حكم فيها بالورود يكون التقديم فيها من قبيل التخصّص لا الورود، فلاحظ.

____________

(1) فرائد الأُصول 4: 16.

(2) فرائد الأُصول 4: 17.

(3) فرائد الأُصول 4: 15.

32

ثمّ إنّ الذي يظهر منه (قدس سره) هو اختيار الوجه الأخير، و لأجل ذلك برهن عليه بقوله: و يكشف عمّا ذكرنا أنّا لم نجد و لا نجد من أنفسنا مورداً يقدّم فيه العام- من حيث هو- على الخاصّ، و إن فرض كونه أضعف الظنون المعتبرة الخ‏ (1)، و مراده من الخاصّ ما يكون قطعي الدلالة مع كونه ظنّي السند.

و لكن لا يخفى أنّ هذا البرهان لا يكشف عن الوجه الأخير، بل هو يلتئم مع الوجه الأوّل أيضاً بكلا شقّيه أعني الورود و الحكومة، فلاحظ.

ثمّ لا يخفى أنّ قوله: نعم لو فرض الخاصّ ظاهراً أيضاً خرج عن النصّ و صار من باب تعارض الظاهرين الخ، شامل لما إذا كان الخاصّ الظنّي الدلالة قطعي السند أو ظنّي السند، لأنّ الخاصّ لو كان ظنّي الدلالة كانت المقابلة بين ظهوره و ظهور العام، سواء كان العام قطعي السند أو كان ظنّي السند، و هذا بخلاف ما لو كان الخاصّ قطعي الدلالة و ظنّي السند، فإنّ المقابلة فيه إنّما تكون بين سند الخاصّ و ظهور العام، لا بين سند الخاصّ و سند العام، لتحقّق هذه المقابلة حتّى لو كان سند العام قطعياً. و تبقى المناقشة في جعل هذه الصورة- أعني صورة كون الخاص ظاهراً- من باب تعارض الظهورين لا من باب الورود و لا الحكومة، و لعلّ ما ذكره من البرهان آت فيها، فإنّا لم نجدهم توقّفوا في تقديم الخاصّ على العام في مورد من الموارد حتّى فيما لا يكون الخاصّ قطعي الدلالة، اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ دلالة الخاصّ على حكم مورده دائماً تكون أقوى من دلالة العام عليه، و لأجل ذلك لم يتوقّفوا في التقديم في مورد من تلك الموارد إلّا في بعض الموارد التي يدّعى فيها أنّ العام آب عن التخصيص.

____________

(1) فرائد الأُصول 4: 17.

33

ثمّ إنّ ما أفاده في الوجه الأخير ممّا حاصله ورود الظنّ النوعي الحاصل من سند الخاصّ القطعي الدلالة على الظنّ النوعي الحاصل من ظهور العام بحيث كان الظنّ الأوّل رافعاً للظنّ الثاني، لعلّه لا يخلو عن تأمّل، إذ ليس ذلك بأولى من العكس، إلّا أن يدّعى قوّة الظنّ الأوّل على الثاني، فيرجع إلى نظير ما أفاده في آخر المطلب من كونهما من تعارض الظهورين، أو يدّعى إمكان اجتماع الظنّين لعدم كونهما من الظنّ الفعلي، بل هما من الظنّ الشأني المعبّر عنه بالظنّ النوعي، و يدّعى كون حجّية الثاني مقيّدة بعدم الأوّل بخلاف حجّية الأوّل، فتأمّل، هذا ما حرّرناه سابقاً.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ هذا التقديم- أعني تقديم ما نسمّيه بالقرينة على ذي القرينة الشامل لما يكون من قبيل التقييد و ما يكون من قبيل التخصيص، و غير ذلك من مسائل الجمع الدلالي حتّى مسألة الجمع بكون أحد النهيين للتحريم و الآخر للكراهة و غير ذلك- كلّه من باب تقديم أقوى الظهورين على الآخر، ففي المتّصل يكون الأقوى كاسراً لظهور الأضعف، و في المنفصل لا يكسر ظهوره بل إنّما يكسر حجّيته، فما أشبه هذه المسألة بمسألة أقوى الملاكين، حيث إنّ ذلك إن كان في مقام التشريع اندحر الأضعف و لم يؤثّر، و إن كان في مقام التزاحم و الامتثال لم يسقط الأضعف إلّا خطاباً.

ثمّ إنّ معنى كسره حجّيته أنّ المنكسر لا يكون كاشفاً عن مراد المتكلّم، بل الكاشف عنه هو الأقوى، و ليس ذلك إلّا ذوقيّاً، ربما كانت أذواق الأشخاص و بالأحرى المقامات فيه مختلفة، إذ إنّ الشائع هو كون ظهور الخاصّ هو المقدّم، و لكن ربما نعثر على مورد يتقدّم فيه العام، بدعوى أنّ المنظور إليه في الدليل‏

34

الخاصّ هو العموم، لكن ذكر الخاصّ من باب المثال أو من باب أنّه الغالب أو الأكثر أو لبيان تحريك العاطفة أو نحو ذلك من الجهات، كما في تقييد الربائب بأنّها في الحجور، فليس هناك [ورود] و لا حكومة و لا قرينة و ذو القرينة، و إنّما جلّ ما هناك الذوق و الارتكاز، و هذا هو محصّل الاجتهاد في فهم مرادات المتكلّمين من كلامهم، و لا يختصّ به أهل لسان خاصّ، بل هو جارٍ في جميع المحاورات.

و لو راجعت الفقه لرأيت أنّ أغلب الاختلافات في الفروع راجع إلى هذا النحو من الاختلاف، و ليس لذلك حدّ محدود و لا قانون مضبوط، بحيث إنّه يكون التخلّف عنه واضحاً ظاهراً، و أقصى ما في البين أن نقول إنّه تساعد عليه طريقة العقلاء في المحاورة، و من الواضح أنّ ذلك لا يكون من الضوابط الواضحة التي توقف المخالف عند حدّه، بل كلّ يرى أنّ ما صار إليه من الجمع بين الدليلين بل ما أخذه من الدليل الواحد و إن لم يكن له معارض هو المطابق للطريقة العقلائية.

و ما أشبه ذلك بدعوى فهم العرف المعنى الفلاني من اللفظ الفلاني في حين أنّه لم يسأل العرف و لم يذهب إلى محكمتهم و أين هي، و ما العرف إلّا هو، و ما الطريقة العقلائية إلّا منه، سنّة اللَّه تعالى في خلقه ليجري النظام و تنفتح أبواب الاجتهاد، فإنّه يدور على ذلك. بل لعلّ الاختلاف في كثير من المسائل العقلية يدور على ذلك، كمسائل التحسين و التقبيح العقليين و نحو ذلك ممّا يكون الحاكم به هو عقل الإنسان نفسه، و بالأحرى أنّ الحاكم به هو نفس مدّعيه، لا أنّ هناك محكمة مفتوحة تصدر تلك الأحكام ابتداءً منها أو بعد الاستفهام و السؤال.

35

[الجمع الدلالي بين المتعارضين‏]

قوله: المبحث الخامس في حكم التعارض‏ (1).

قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه: إنّ الكلام يقع في ثلاثة مباحث، فإنّ المتعارضين إمّا أن يمكن الجمع بينهما من حيث الدلالة بحمل أحدهما على الآخر بنحو يأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى، و إمّا لا يمكن فيهما ذلك، و على الثاني فإمّا أن لا يكون‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 725.

[وجدنا ورقة منفصلة ألحقها المصنّف (قدس سره) بالأصل، فيها ما يلي:]

و أمّا قولهم: الجمع مهما أمكن فهو أولى من الطرح، فليس هو في هذا المقام، بحيث إنّه لو كانت إحدى الروايتين أقوى سنداً من الأُخرى لكن أمكن تأويلها و حملها على خلاف ظاهرها على وجه ترجع إلى مفاد الأُخرى، كان ذلك التأويل أولى من الرجوع إلى المرجّحات السندية القاضية بطرح الأُخرى، بل هو في مقام احترام الرواية و أنّها لو عورضت بأُخرى هي أقوى منها و كانت قواعد التعارض قاضية بالعمل على تلك الأُخرى، فالذي ينبغي هو إرجاع مضمون هذه مهما أمكن و لو بالتأويل إلى مضمون تلك، فإنّ ذلك أولى من طرحها و إلقائها- كما في لسان أهل عصرنا- في سلّة المهملات، و من الواضح أنّ ذلك لا دخل له بالجمع الدلالي السابق في الرتبة على الجمع السندي ليرد عليه أنّه لو فتحنا هذا الباب لانسدّ باب التعارض، فإنّه بقرينة مقابلته بالطرح يكون المراد به هو أنّه بعد إعمال قواعد التعارض القاضية بتقديم هذه و طرح تلك يكون تأويل تلك و إرجاع مفادها إلى مفاد هذه أولى من طرحها.

نعم، يرد عليه أنّ ذلك لا يكون من القواعد التي ينبغي أن تحرّر، بل هو حكم احترامي لا يترتّب عليه أثر عملي في مقام الاستنباط، فلاحظ و تأمّل.

و الخلاصة: هي أنّ المراد هو أنّ تأويل الرواية التي هي ضعيفة سنداً أولى من طرحها، لا أنّ تأويل الأقوى سنداً أولى من طرح الأُخرى، و لا أنّ تأويل الروايتين أولى من طرح ما هي الأضعف سنداً منهما، و لا أنّ تأويلهما معاً أولى من طرحهما معاً لو قلنا بالتساقط عند التساوي في المرجّحات السندية [منه (قدس سره)‏].

36

في البين رجحان سندي أو جهتي لأحدهما على الآخر أو يكون، فالمبحث الأوّل في الجمع الدلالي. الثاني: في التعادل و أنّ الأصل فيه التخيير أو التساقط. الثالث:

في التراجيح.

و هذا الترتيب أولى ممّا صنعه الشيخ (قدس سره) من جعل باب التعارض مشتملًا على مقصدين هما التعادل و التراجيح، و جعل قاعدة الجمع مقدّمة، و ذلك لأنّ قاعدة الجمع قاعدة مهمّة ينبغي أن تفرد في مبحث على حدة. ثمّ أخذ (قدس سره) في بيان الجمع الدلالي و موارده.

قلت: و لا يخفى أنّ قاعدة الجمع الدلالي مع أهميّتها التي أشار إليها (قدس سره) هي ذات مزية أُخرى ينبغي أن تنفرد بالبحث، و يكون البحث عنها سابقاً على المبحثين المشار إليهما أعني مبحث التعادل و مبحث التراجيح، لأنّ هذين البحثين في طول قاعدة الجمع، فبعد عدم إمكان الجمع الدلالي بين الخبرين المتنافيين يقعان مورداً للتعادل أو للتراجيح.

قوله: و كذا لا عبرة بما ذكروه في تعارض الأحوال من الشيوع و الغلبة و كثرة الاستعمال و نحو ذلك، فإنّه لا أثر لشي‏ء منها في رفع التعارض‏ (1).

قلت: و لكن ربما قدّم الفقيه أحد الخبرين على الآخر لأجل بعض هذه الأُمور أو لما هو أضعف منها حسب ما يراه في ذوقه العرفي مرجّحاً دلالياً، فإنّ هذه الأُمور لا تدخل تحت ضابط، لأنّها كما أشرنا إليها ذوقية، فربما رأى الفقيه أنّ كثرة الاستعمال في بعض الموارد موجبة لتمامية الظهور على وجه تلحق بالقرينة المتّصلة، و يكون الفقيه الآخر على خلاف ذلك.

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 727.

37

[تقديم النصّ على الظاهر و ذكر جملة من موارده‏]

قوله: بل طريق رفع التعارض ينحصر بأحد أمرين، إمّا أن يكون أحدهما نصّاً في مدلوله و الآخر ظاهراً، و إمّا أن يكون أحدهما بظهوره أو أظهريته ... الخ‏ (1).

مثال الأوّل: الخاصّ القطعي الدلالة، و يتأتّى تقديم النصّ على الظاهر في المتباينين كما لو قال: لا تشرب التتن، و ورد أنّه يجوز له شربه، فإنّ الثاني لكونه نصّاً في الجواز يكون قرينة على أنّ المراد بقوله: «لا تشرب» الكراهة. و مثال الثاني: الخاصّ الظاهر الدلالة.

و للأوّل ملحقات كما أنّ للثاني ملحقات، فملحقات الأوّل هي ما أشار إليها بقوله: و منها ما إذا كان لأحد الدليلين قدر متيقّن في مقام التخاطب- إلى قوله- هذا كلّه فيما يندرج في الأمر الأوّل‏ (2). و أمّا ملحقات الثاني فهي ما أشار إليها بقوله:

و أمّا ما يندرج في الأمر الثاني الخ‏ (3).

و لعلّ هذا الترتيب أولى ممّا في هذا التحرير من إدخال الأوّل في ملحقاته و جعل الموارد خمسة، و لا يخفى ما فيه، كما أنّه على التحرير المذكور لم يذكر الخاصّ الظاهر في التخصيص.

ثمّ لا يخفى أنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب و إن لم يوجب انصراف المطلق إلى المقيّد، إلّا أنّه على الأقل يوجب سقوط حجّية المطلق في الاطلاق، و تنحصر حجّيته في خصوص القدر المتيقّن، و حينئذٍ يكون أخصّ من العام الآخر، لكن لا من باب ظهوره في التخصيص، بل من باب اختصاص حجّيته‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 727.

(2) فوائد الأُصول 4: 728- 729.

(3) فوائد الأُصول 4: 729.

38

بالخاصّ، و حينئذٍ يشكل تقدّمه على العام، لأنّ المتيقّن من موارد التقديم هو كون الظهور مقصوراً على الخاصّ، لا أنّ الحجّية مقصورة عليه بعد فرض عدم كون ظهوره مقصوراً عليه.

و لا يرد على ذلك ما هو مسلّم من عدم التوقّف في تخصيص العام بالقدر المتيقّن من الخاصّ المنفصل المردّد بين الأقل و الأكثر على نحو الشبهة المفهومية مثل ما لو قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم فسّاق العلماء، و تردّد الفاسق بين خصوص مرتكب الكبيرة أو مطلق المرتكب حتّى الصغيرة، لأنّ ذلك إنّما يكون بعد فرض كون الخاصّ أخصّ مطلقاً من العام حتّى لو أخذ الأكثر منه بأن أخذ الفاسق بمعنى مطلق المرتكب، بخلاف ما نحن فيه ممّا يكون الأكثر غير أخصّ من العام بل كان بينهما العموم من وجه.

و على كلّ حال، لو قلنا بالتقديم في الصورة المزبورة لا يكون ذلك من القسم الأوّل أعني النصّ، بل يكون من القسم الثاني.

لكنّه (قدس سره) في باب المطلق و المقيّد قد حقّق أنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب لا يوجب سقوط [ظهور] المطلق في الاطلاق، و لم يجعل عدمه من مقدّمات الحكمة (1)، فلأجل ذلك عدّه فيما نحن فيه من ملحقات النصّ على التخصيص.

و بالجملة: أنّ القدر المتيقّن سواء كان في مقام التخاطب أو لم يكن في مقام التخاطب بل كان من قبيل القدر المتيقّن إرادته من المطلق، يكون ذلك المطلق نصّاً فيه، فيكون بذلك مقدّماً على الدليل الآخر الذي هو أعمّ منه من‏

____________

(1) راجع أجود التقريرات 2: 432- 434، و راجع أيضاً المجلّد الخامس من هذا الكتاب ص 429 و ما بعدها.

39

وجه، فإنّ هذا المطلق و إن كان في حدّ نفسه ظاهراً في الاطلاق، إلّا أنّه لمّا كان إرادة ما هو مورد المعارضة منه قطعية كان بالنسبة إلى مورد المعارضة نصّاً، فيقدّم على معارضه و إن لم يكن بالنسبة إلى مورد الانفراد الذي هو خارج عن المعارضة إلّا ظاهراً لا نصّاً.

لكن لا يخفى أنّ هذه النصوصية إنّما هي بالنسبة إلى ما هو خارج عن المعارضة، بمعنى أنّ هذا العام من وجه تكون دلالته بالنسبة إلى مورد المعارضة قطعية بالقياس إلى ما هو خارج عن المعارضة ممّا ينفرد فيه هو عن العام الآخر (1) و ذلك لا يوجب كون دلالته على مورد المعارضة أظهر من دلالة العام الآخر عليه، فضلًا عن كونها نصّاً بالقياس إليه.

و بالجملة: أنّ تقديم الخاصّ المطلق على العام المطلق سواء كان الخاصّ نصّاً أو ظاهراً، إنّما هو من جهة كون الخاصّ في نظرهم مقدّماً على العام، بحيث إنّه لو جمع بينهما في كلام واحد لكان ظهور ذلك العام منقلباً إليه، و هذا المعنى لا يتأتّى في العامين من وجه اللذين يكون أحدهما نصّاً في مورد المعارضة، فينبغي أن يقال إنّه لا يمكن الجمع الدلالي بينهما، و ينحصر فيهما بالرجوع إلى‏

____________

(1) بحيث لا يمكن إخراج مورد المعارضة عنه و إبقاء ما هو خارج عن مورد المعارضة، و هذا لا يقتضي كون هذا العام نصّاً في مورد الاجتماع بالنسبة إلى الآخر على وجه لو كان الآخر بالنسبة إلى مورد الاجتماع أيضاً كذلك بحيث كان كلّ من العامين من وجه وارداً مثلًا في مورد الاجتماع لكان تعارضهما من قبيل تعارض النصّين، و لا أظن أنّهم يعاملونهما معاملة النصّين المتعارضين، بل الظاهر أنّهم يجرون عليهما أحكام تعارض الظاهرين، لكن لا يبعد إجراء حكم تعارض النصّين عليه، كما لو سئل عن إكرام العالم الفاسق فقال: يجب إكرام العلماء، و سئل أيضاً عن إكرام الفاسق العالم فقال: يحرم إكرام الفسّاق [منه (قدس سره)‏].

40

المرجّحات الجهتية أو المضمونية إن كانت و إلّا فالتساقط أو التخيير.

لكن يمكن أن يقال بما أشرنا إليه سابقاً من اختلاف المقامات، و أنّه ربما أو كثيراً ما كان ظهور العام المطلق الذي هو بهذه الكيفية بالنسبة إلى مورد المعارضة ظهوراً قوياً، على وجه يلحق عند أهل اللسان بالخاصّ المطلق في تقديمه على العام و جعلهما من قبيل القرينة و ذيها، و هكذا الحال في باقي هذه الملحقات.

و حاصل الإشكال في جميع هذه الملحقات الأربعة: هو أنّا لسنا بمجبورين على تخصيص أحد العامين من وجه بالآخر كي نقول إنّ المتعيّن للتقديم هو الواجد لإحدى هذه الجهات الأربع، لأنّا لو عكسنا لزم خروج ما هو القدر المتيقّن الارادة، أو لزم التخصيص المستهجن، أو لزم خروج الدليل عمّا هو ظاهر فيه من التحديد، أو لزم خروج مورد العام المعبّر عنه بتخصيص المورد، بل إنّا نرى التعارض بينهما، فيلزم الرجوع إلى قواعد التعارض من المرجّحات أو التساقط و التخيير، إلّا إذا كانت جهة من هذه الجهات توجب الأظهرية لذيها على وجه تعدّ عند أهل اللسان بالقرينة المتّصلة الموجبة لقلب الظهور في الطرف الآخر، لكن لا يبعد أنّ الأمر كذلك في غالب هذه الموارد.

نعم، بعد فرض التعارض و التكافؤ في مثل هذه العمومات المتعارضة و بعد الرجوع إلى التخيير ربما نقول: إنّه بعد ثبوت التخيير بينهما و لزوم العمل بأحدهما إنّ الأولى هو ترجيح الأخذ بذي المزية المذكورة، على تأمّل في لزوم ذلك.

و لا يخفى أنّ القول بالتساقط لا يدفع الإشكال، لأنّه حينئذ يخرج القدر المتيقّن أو يبقى العام على مورد نادر، أو يخرج عنه مورده، إلى آخر المحاذير

41

الأربعة عند تقديم طرفه عليه.

ثمّ لا يخفى أنّ الأنسب هو عدّ القسم الثاني من هذه الملحقات من قبيل القدر المتيقّن الخارجي، و عدّ الأوّل و الرابع منها من قبيل القدر المتيقّن في مقام التخاطب، فإنّ كلًا منهما يكون مكتنفاً بما يصلح للقرينية، أمّا الأوّل فهي مناسبة الحكم و الموضوع كما شرحناه فيما حرّرناه عنه (قدس سره)، و أمّا الثاني فهي كون العام وارداً في مورده، و لكن مع ذلك لا فائدة فيه في المطلوب- أعني تقديمه على المطلق الآخر- إلّا من ناحية كون المورد متيقّن الارادة، و مجرّد أنّ مورد الاجتماع متيقّن الارادة من أحد العامين لا يوجب تقدّمه على العام الآخر، مثال ذلك ما لو قال: كلّ مائع طاهر، ثمّ قال: المسكر نجس، و نحن من الخارج نعلم بأنّه لا يمكن أن يريد من الثاني خصوص الجامد، بل هو- أعني الحكم بالنجاسة على المسكر- إمّا شامل للمائع و الجامد، أو أنّه مختصّ بخصوص المائع الذي هو مورد المعارضة، لا من جهة أنّ الجامد نادر، و لا من ناحية أُخرى توجب كون المائع قدراً متيقّناً في مقام التخاطب، بل ليس المثال إلّا من قبيل القدر المتيقّن الخارجي، و ليس ذلك بمجرّده موجباً للتقديم.

و لو فتحنا هذا الباب لانسدّ علينا باب التعارض في المطلقات المتباينة، إذ ما من مطلق إلّا و فيه قدر متيقّن مثل اعتق رقبة و لا تعتق رقبة، فإنّ المؤمنة قدر متيقّن من الأوّل و الكافرة قدر متيقّن من الثاني، و كذا مثل «ثمن العذرة سحت» و مثل «لا بأس بثمن العذرة» فالأوّل قدر متيقّن في العذرة النجسة و الثاني قدر متيقّن في الطاهرة، و مثل الزوجة لا ترث من غير المنقول و الزوجة ترث منه فالأوّل قدر متيقّن في غير ذات الولد و الثاني قدر متيقّن في ذات الولد و هكذا.

و قد احترز شيخنا (قدس سره) عن أمثال ذلك بأنّه لا بدّ في القدر المتيقّن من منشأ

42

عقلائي يفهمه أهل اللسان بحيث يكون قابلًا لأن يكون قرينة على التصرّف في الآخر. و لكن لا يخفى أنّه إن كان بمرتبة من الظهور على وجه يوجب الاختصاص خرج عمّا نحن فيه، لكونه من قبيل التخصيص فيما هو خاصّ الدلالة، و إلّا فلا يكون قرينة على التصرّف في الآخر.

ثمّ إنّه يمكن‏ أن يقال: إنّ مورد لزوم تخصيص الأكثر يوجب انقلاب النسبة إلى كون العام الذي يلزم من تخصيصه تخصيص الأكثر أخصّ من العام الآخر، فإنّا لو فرضنا أنّ العالم غير الشاعر أقل قليل بالنسبة إلى العالم الشاعر، و قال: أكرم العلماء و لا تكرم الشعراء، يكون أكرم العلماء أخصّ من لا تكرم الشعراء، نظراً إلى قلّة انفراد العالم عن الشاعر على وجه يلحق بالعدم، و ذلك كما يقال في الفرض إنّه لو قال: لا تكرم العالم الشاعر، يكون هذا القول بحسب نظر أهل اللسان مبايناً لقوله: لا تكرم العلماء، نظراً إلى أنّه لا يزيد عليه إلّا في فرد واحد و هو العالم غير الشاعر، و هو لقلّته بحكم العدم، و يجري على المثالين حكم التباين لا العام و الخاصّ المطلق.

و بعد إخراج الصورة المشار إليها عمّا نحن فيه يبقى الكلام في باقي الصور، و يمكن القول فيها بتقديم صاحب المزية لا من جهة النصوصية، بل من جهة كونه في نظر أهل اللسان من قبيل القرينة على التصرّف في الآخر، لكن لا بدّ من كون تلك الجهة داخلة في هذه العلّة- أعني القرينية العرفية عند أهل اللسان- لا مجرّد اعتبار صرف، فلا يرد النقض بالمتباينين اللذين يكون القدر المتيقّن فيهما متعاكساً، كما في مثل الزوجة ترث و مثل الزوجة لا ترث، فتأمّل.

أمّا القسم الثالث، أعني كون أحدهما وارداً مورد التحديد، فقد قال (قدس سره) فيما حرّرته عنه: الثالث أن يكون أحد العامين أو الاطلاقين المتعارضين وارداً في مقام‏

43

التحديد، بحيث يفهم منه لأجل كونه وارداً في ذلك المقام أنّ المراد منه تمام الأفراد، و أنّ المتكلّم لم يعتمد في إرادة خلاف الظاهر على القرينة المنفصلة، إذ ليس للحكيم أن يعتمد في ذلك المقام على القرينة المنفصلة، فيكون العام أو المطلق الوارد في ذلك المقام بمنزلة النصّ في شموله لتمام الأفراد، على وجه لا يقدّم عليه ما يعارضه إلّا إذا كان في أقصى درجات قوّة الدلالة، فيلحق التعارض الواقع بين مثل هذا المطلق أو العام و بين غيره ممّا لم يكن في ذلك المقام بباب النصّ و الظاهر، انتهى.

قلت: و مثال ذلك أن يقول: إنّ الميزان في وجوب الاكرام الذي يكون عليه المدار وجوداً و عدماً هو كون الشخص عالماً، و بمثل هذا اللسان أو هذا المقام يقدّم هذا الدليل على مثل قوله لا تكرم الفسّاق بالنسبة إلى مورد المعارضة أعني العالم الفاسق، و لعلّ هذا المورد و أمثاله هو أحد الموارد التي يقال عنها إنّ هذا العام آب عن التخصيص. و على كلّ حال إنّ هذا المطلب لا دخل [له‏] بما في التحرير (1) من المقادير و الأوزان و المسافة، فلاحظ.

ثمّ لا يخفى أنّ الذي حرّرته عنه (قدس سره) في الأوّل الذي هو كون القدر المتيقّن في مقام التخاطب و لو بمعونة مناسبة الحكم و الموضوع مناسبة عرفية، و مثّل لذلك بما في هذا التحرير من قوله: أكرم العلماء و قوله: لا تكرم الفسّاق، و شرحه بما في هذا التحرير (2) من أنّ المتكلّم لا يحبّ إكرام فاسق العلماء، ثمّ قال ما هذا لفظه على ما حرّرته عنه: و إنّما قيّدنا المناسبة بكونها عرفية احترازاً عمّا ذكره‏

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 729.

(2) فوائد الأُصول 4: 728.

44

الشهيد (قدس سره)(1) في الأخبار الدالّة على إرث الزوجة مطلقاً و الأخبار الدالّة على عدم الإرث، بحمل الأُولى على ذات الولد و الثانية على غير ذات الولد، من جهة مناسبة الحكم للموضوع المستفادة من التعليل الوارد في بعض أخبار المنع بأنّها تدخل عليهم من لا يحبّون، فإنّه يستفاد منه كون غير ذات الولد قدراً متيقّناً، و إنّما احترزنا عنه لأنّ هذه المناسبة ليست مناسبة عرفية يطلع عليها كلّ أحد، فلا تكون موجبة لكون موردها قدراً متيقّناً في مقام التخاطب كي يكون نصّاً فيها، انتهى.

فهو (قدس سره) لم يناقش في مرجّحية القدر المتيقّن في مقام التخاطب و لم ينكره أصلًا، و إنّما ناقش في صغرى خاصّة ممّا ادّعاه الشهيد (قدس سره) من صغرياته، و هي ما أفاده في الأخبار المذكورة.

و من ذلك يظهر لك التأمّل فيما نسبه إليه السيّد سلّمه اللَّه في تحريره من قوله: و لكنّك عرفت في بحث المطلق و المقيّد- إلى قوله- فالحقّ سقوط هذا المرجّح عن المرجّحية من أصله‏ (2)، فراجع و تأمّل.

ثمّ لا يخفى أنّ هذا المثال و هو قوله الزوجة ترث و قوله الزوجة لا ترث، خارج عمّا نحن فيه من تحقّق القدر المتيقّن في أحد الدليلين اللذين بينهما العموم من وجه دون الآخر، فإنّ هذا المثال من قبيل المتباينين اللذين يكون‏

____________

(1) [لعلّه (قدس سره) استفاد ذلك من عبارة الشهيد الثاني (رحمه اللَّه) في شرح اللمعة: «و التعليل الوارد فيها له و هو الخوف من إدخال المرأة على الورثة من يكرهون، شامل لهما أيضاً و إن كان في الخالية من الولد أقوى» فراجع الروضة البهيّة 8: 176 أو من عبارته (رحمه اللَّه) في رسالته المفردة في إرث الزوجة: «و وجه الجمع حمل تلك الأخبار على غير ذات الولد و هذه على ذات الولد لمناسبة كلّ واحدة لحكمها دون العكس». فراجع رسالة في إرث الزوجة (ضمن رسائل الشهيد الثاني (رحمه اللَّه)) 1: 468].

(2) أجود التقريرات 4: 292.

45

لأحدهما قدر متيقّن في صنف و للآخر قدر متيقّن في صنف آخر. نعم إن لازم ما ذكره (قدس سره) فيما نحن فيه من تقديم ذي القدر المتيقّن على غيره هو لزوم الجمع في المتباينين، بحمل كلّ منهما على ما يكون قدراً متيقّناً فيه.

و من ذلك ما حكاه الشيخ (قدس سره) في نكاح الإماء من ملحقات المكاسب فيما لو شرط مالك الجارية على زوجها الحرّ رقّية أولادها منه، من الجمع بين الأخبار القائلة بأنّ الأولاد أرقّاء مثل رواية أبي بصير، قال (عليه السلام): «لو أنّ رجلًا دبّر جارية ثمّ زوّجها من رجل فوطئها كانت جاريته و ولده منها مدبّرين، كما لو أنّ رجلًا أتى قوماً فتزوّج إليهم مملوكتهم، كان ما ولد لهم مماليك» (1) فإنّ ظاهرها الحكم برقّية الولد، لكنّه محمول على ما إذا اشترط على الأب رقّية الولد، لأنّ الأخبار (2) المستفيضة الدالّة على حرّية الولد بحرّية أحد أبويه ناصّة في الحرّية مع عدم اشتراط الرقّية، لأنّه المتيقّن من أفرادها، ظاهرة فيها مع اشتراط الرقّية، و هذه الرواية نصّ في الرقّية في صورة الاشتراط، لأنّها المتيقّنة من إطلاقها، ظاهرة فيها في صورة عدم الاشتراط، فينبغي رفع اليد من ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر- إلى أن قال- لكن الإنصاف أنّ روايات الحرّية على الاطلاق أقوى دلالة و أكثر عدداً، مع أنّ الجمع المذكور لا شاهد عليه- إلى أن قال- و أمّا حديث وجوب الوفاء بالشروط و العقود المتضمّنة لها فلا ربط له بما نحن فيه، لأنّ رقّية الولد ليس ممّا يملكه الشخص حتّى يلتزم به، فإنّ الحقّ فيه للَّه سبحانه و لا تسلّط للعباد عليه، فليس رقّية الولد قابلًا لأن يلتزم به الشخص حتّى يجب الوفاء به، كما لا يجوز

____________

(1) وسائل الشيعة 21: 123/ أبواب نكاح العبيد و الإماء ب 30 ح 10 (مع اختلاف يسير).

(2) المصدر المتقدّم: ب 30.

46

اشتراط رقّية ولد الحرّين، و هذا واضح‏ (1)، انتهى كلامه (قدس سره).

و لا يخفى أنّه لو تمّ ذلك- أعني لزوم حمل كلّ من المتباينين على ما هو القدر المتيقّن منه- لانسدّ باب التعارض في المتباينين حتّى في مثل أكرم العلماء و لا تكرم العلماء، بحمل الأوّل على خصوص العدول منهم و الثاني على خصوص الفسّاق منهم، إذ ما من متباينين إلّا و لكلّ منهما قدر متيقّن.

و لكن شيخنا (قدس سره) احترز عن ذلك بكون القدر المتيقّن في مقام التخاطب، فيخرج عنه ما له قدر خارجي لا في مقام التخاطب كما في مثل الأمثلة المذكورة، بل إنّه (قدس سره) ضيّق الدائرة بما هو أزيد من ذلك، و ذلك باعتبار كون القدر المتيقّن في مقام التخاطب الذي هو عبارة عمّا يكون مقروناً بما يحتمل القرينية من قبيل [ما] يقتنع به العرف على وجه يكون صالحاً للقرينية بنظر العرف، فلا عبرة بالاعتبارات الاحتمالية الصرفة التي لا يحتملها العرف، و ذلك مثل ما أفاده الشهيد (قدس سره) من التعليل بأنّها تدخل عليهم من لا يحبّون.

و لا يخفى أنّ ما أفاده (قدس سره) من القرينة في مثال أكرم العلماء و لا تكرم الفسّاق من أنّ المتكلّم لا يريد إكرام العالم الفاسق، و أنّه بنظره أسوأ حالًا من الفاسق غير العالم، هي أضعف احتمالًا من القرينة التي أفادها الشهيد (قدس سره)، لإمكان أن يقال إنّ القرينة بالعكس، فلعلّ الفاسق غير العالم أسوأ حالًا من الفاسق العالم باعتبار اشتماله على صفة العلم، فلعلّ أن يكون مبغوضية الفسق في غيره أقوى منها فيه، و إن كانت كلّها احتمالات لا يعتنى بها في مقام الجمع و التقديم، فلاحظ.

و لو سلّمنا كون الفاسق غير العالم أبغض عليه من الفاسق العالم لم يكن ذلك موجباً لتقديم أكرم العلماء عليه، إذ لا يكون مورد الاجتماع هو القدر

____________

(1) كتاب النكاح: 182- 183.

47

المتيقّن، و إنما يكون مورد انفراد لا تكرم الفسّاق قدراً متيقّناً و هو غير نافع في مورد الاجتماع.

و الخلاصة: هي أنّ القدر المتيقّن الخارجي بل و كذلك القدر المتيقّن في مقام التخاطب‏ (1) لا أثر له ما لم يكن موجباً لقوّة الظهور في مورد المعارضة بحيث يكون أقوى ظهوراً و لا ينفع في التقديم، و لأجل ذلك لم يعتنوا به في مقام التباين كما في مثل ثمن العذرة سحت، و مثل لا بأس بثمن العذرة، و جعلوا ذلك من الجمع التبرّعي. نعم في مثل مورد العام، و مثل ما لو كان موجباً لبقائه على فرد نادر، ربما كان موجباً لأقوائية الظهور على الطرف المقابل فيقدّم عليه.

[تقديم العام الأُصولي على المطلق الشمولي‏]

قوله: و لكن شمول العام الأُصولي لمورد الاجتماع أظهر من شمول المطلق له، لأنّ شمول العام لمادّة الاجتماع يكون بالوضع، و شمول المطلق له يكون بمقدّمات الحكمة، و من جملتها عدم ورود ما يصلح أن يكون بياناً للتقييد و العام الأُصولي يصلح لأن يكون بياناً ... الخ‏ (2).

لا يخفى أنّ هذا الأخير هو العمدة في توجيه التقديم، و أمّا مجرّد الأظهرية و كون أحدهما بالوضع و الآخر بالاطلاق فلا أثر له، فالعمدة هو كون العام الأُصولي رافعاً لمقدّمات الحكمة في الاطلاق الشمولي، و شرح هذا يتوقّف على تفسير البيان في قولهم: إنّ المتكلّم في مقام البيان و لم يبيّن.

فتارةً يكون المراد منه هو البيان في هذه الجملة، بمعنى أنّه كان بصدد إفادة

____________

(1) كما لو قال أكرم العالم، و قال: لا تكرم الفاسق، و اعتن بالكاتب، و صدّق المخبر إذا كان عالماً، فينحصر حجّية قوله: لا تكرم الفاسق بما إذا كان عالماً من جهة القرينة في مقام التخاطب [منه (قدس سره)‏].

(2) فوائد الأُصول 4: 730.

48

جميع ما له الدخل في موضوع حكمه في هذه الجملة التي ألقاها إلى السامع، و لو بمعونة القرائن الظاهرة الحالية أو المقالية التي تعدّ من القرائن المتّصلة، بحيث تكون بياناً في مقام التخاطب.

و أُخرى يكون المراد منه هو إظهار مراده و لو بمعونة القرائن المنفصلة، فلو قال: اعتق رقبة، و لم يذكر الإيمان فيها، ثمّ بعد ذلك عثرنا على دليل يدلّ على اعتبار الإيمان فيها، فعلى الأوّل‏ يكون هذا الدليل الثاني كاشفاً عن خطئنا في المقدّمة الأُولى القائلة إنّ المتكلّم في مقام بيان مراده في مقام التخاطب و إظهاره بواسطة تلك الجملة السابقة، من دون فرق في ذلك بين كون ذلك الدليل على التقييد سابقاً على تلك الجملة و كونه لاحقاً لها، و على هذا التقدير لو صدر منه قوله: أكرم العالم، ثمّ بعد ذلك عثرنا على قوله: لا تكرم الفسّاق، فقوله: لا تكرم الفسّاق، نظراً إلى أنّ عمومه لا يتوقّف على مقدّمة من المقدّمات لفرض كونه وضعياً، و مع فرض هذا الدليل الحاكم بمقتضى أصالة العموم فيه أنّه يحرم إكرام كلّ فاسق حتّى العالم الفاسق، تكون المقدّمة الأُولى من مقدّمات إطلاق قوله أكرم العالم ساقطة، لأنّ هذا العموم كاشف عن أنّ مراده هو خصوص العالم غير الفاسق، و بناءً عليه نقول إنّه لم يكن عند صدور قوله «أكرم العالم» في مقام بيان مراده. هذا من ناحية العام الأُصولي.

و أمّا من ناحية ذلك المطلق الشمولي فلا يمكن أن نجعله قرينة على التصرّف في قوله لا تكرم الفسّاق، بإخراج العالم منهم أو معارضته له فيه، إلّا بعد ثبوت إطلاقه المتوقّف على جريان المقدّمة الأُولى التي عرفت أنّ العام الأُصولي رافع لها و كاشف عن عدم تحقّقها، من دون فرق في ذلك بين كون هذا العام الأُصولي سابقاً على ذلك المطلق أو كونه لاحقاً له، هذا بناءً على التفسير الأوّل‏

49

للبيان المذكور في مقدّمتي الحكمة.

و أمّا بناءً على التفسير الثاني فالأمر أيضاً كذلك، غير أنّه بناءً عليه يكون العثور على دليل التقييد المنفصل كاشفاً عن الخطأ في المقدّمة الثانية لو كان سابقاً على المطلق و عن الخطأ في المقدّمة الأُولى لو كان لاحقاً، إن كان المراد بالمقدّمة الأُولى هو خصوص البيان المقارن الأعمّ من المتّصل و المنفصل، و إن كان المراد منها هو الأعمّ من البيان المتّصل و البيان المنفصل الأعمّ من المقارن و المتأخّر، فلا يكون كاشفاً إلّا عن خطأ الثانية القائلة إنّه لم يبيّن، استناداً إلى أصالة عدم القرينة الأعّم من السابقة و اللاحقة بمعنى عدم لحوقها.

و على كل، يكون العام الأُصولي رافعاً لإحدى مقدّمتي الحكمة في المطلق الشمولي فيقدّم عليه، بخلاف المطلق الشمولي فإنّ معارضته للعام الأُصولي أو تخصيصه له لا يمكن إلّا بعد ثبوت ظهوره الاطلاقي المتوقّف على تمامية المقدّمات التي يكون ذلك العام الأُصولي رافعاً لها.

و من ذلك كلّه تعرف أنّ الوجه في هذا التقديم ليس هو صلوح العام الأُصولي للقرينية، بل هو كونه رافعاً لمقدّمة الحكمة في المطلق الشمولي، كما أنّك عرفت أنّ هذا التقديم لا يبتني على كون المراد بالبيان هو البيان الواقعي أو البيان في مقام التخاطب، فإنّك قد عرفت التقديم على كلّ من الوجهين المذكورين.

و أمّا ما أفاده المرحوم صاحب الكفاية (قدس سره) في فوائده‏ (1) من أنّ اللازم علينا جمع كلمات الأئمّة (عليهم السلام) المتفرّقة الخ فهو غير مناف لهذا الذي حرّرناه من الحكومة و التقديم، و كذلك ما نقله عنه شيخنا (قدس سره) بقوله: و دعوى- إلى قوله-

____________

(1) المطبوع مع حاشية كتاب فرائد الأُصول: 328.

50

واضحة الفساد (1) لا ينافي أيضاً ما حرّرناه، فإنّه لو سلّمنا أنّ المراد من البيان هو البيان في مقام التخاطب، و هذا المتأخّر و إن لم يمكن أن يكون بياناً في مقام التخاطب، فلا يكون هادماً للمقدّمة الثانية، إلّا أنّه بأصالة الظهور يكشف عن أنّ مراد المتكلّم من العالم هو غير الفاسق، فيهدم المقدّمة الأُولى، من دون صلاحية للمطلق الشمولي أن يعارضه لكونه رافعاً لموضوعه.

و لا يخفى أنّ هذا الذي نقله شيخنا (قدس سره) هو عين مطلبه في الكفاية في باب التعادل و التراجيح، فإنّه بعد أن ذكر الوجه في تقديم العام الأُصولي على المطلق، بكون ظهور العام تنجيزياً، و ظهور الاطلاق معلّقاً على عدم البيان و العام يصلح للبيانية، قال ما نصّه: و فيه أنّ عدم البيان الذي هو جزء المقتضي في مقدّمات الحكمة إنّما هو عدم البيان في مقام التخاطب لا إلى الأبد (2).

و هذا الكلام منه (قدس سره) و إن كان منافياً لما نقله عنه شيخنا (قدس سره) في فوائده ممّا ظاهره توسعة البيان للبيان المنفصل و لو متأخّراً، إلّا أنّك قد عرفت أنّ ردّه لا يتوقّف على تفسير البيان بالبيان الواقعي، لما عرفت من حكومة العموم على الاطلاق برفع إحدى مقدّماته حتّى لو كان المراد به البيان في مقام التخاطب الذي هو عبارة عن القرينة المتّصلة.

و لكن مع ذلك كلّه فللتأمّل فيما ذكرناه من وجه التقديم مجال، فإنّ المطلق الشمولي و إن توقّف على مقدّمات الحكمة و كان العام الأُصولي رافعاً لإحداها، إلّا أنّ العام الأُصولي ليس بحجّة بالذات، بل يحتاج في حجّيته إلى أصالة عدم القرينة بناءً على توقّفه على ذلك، أو لا أقل من عدم ثبوت حجّة على الخلاف بناءً

____________

(1) فوائد الأُصول 4: 731.

(2) كفاية الأُصول: 450.