أصول مهذبة

- غلام حسين التبريزي المزيد...
136 /
1

-

2

[كلام المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

اعلم يا أخي أني كثيرا ما صاحبت العلماء العظام (دامت بركاتهم) و كانوا يظهرون التنفر و الانزجار من الإطناب في أصول الفقه و كان يقول بعضهم يا ليت واحدا من الأعاظم (ممن يرجع إليهم) شمر ذيله لهذا المهم و لخصه و هذبه و خلص طلاب العلوم الدينية من هذا الضيق و الضنك الذي ابتلوا به بسبب إطالته و إني (و إن كنت ممن لا يعتنى بقوله) توكلت على اللّه و أقدمت على هذا الأمر الذي فيه رضاء اللّه و رضاء أوليائه مستعينا به راجيا منه نيل المقصود بفضله فإنه تعالى كثيرا ما يجري الأمور العظام بأيدي الضعفاء الأذلاء ليظهر قدرته فمن وقف فيه على ركاكة في- العبارة أو غفلة عن المرام فليصلحه أو يمر به كريما فإن أول كل شي‏ء و ابتداءه قد يكثر فيه الغلط و الغفلة و لعل اللّه يوفق قوما صلحاء من بعد يصلحون و يهذبون ما أسسته فإن اللّه على كل شي‏ء قدير و كان ذلك في سنة ثلاثمائة و سبعون بعد الألف من الهجرة النبوية على هاجرها ألف ألف تحية.

و أنا الأقل غلام حسين تبريزي مقيم مشهد

3

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذا الكتاب المسمى بخلاصة الأصول للعلامة التحرير جامع المعقول و المنقول حجة الإسلام و المسلمين الحاج شيخ غلام حسين المجتهد التبريزي و قد فرغت من نسخته في شوال 1372 و أنا أقل المحصلين سيد جواد علم الهدى خراساني بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة على محمد و آله الطاهرين أما بعد فهذه أفكار فطرية يقبلها الذوق السليم الذي لا يشوبه تقليد و لا يدنسه أهواء (قل هذه سبيلي فمن شاء فليقبل و من شاء فليعرض) اعلم هداك اللّه و إيانا إلى الصراط المستقيم أن للناس في كل شي‏ء أميالا و أهواء و لكن الحق أحق أن يتبع و إن صدر ممن لا يعبأ به من الناس فإن الحكمة ضالة المؤمن يغتنمها حيثما وجدها و قد كان يقول مولانا و أستاذنا الشريعة الأصبهاني طيب اللّه و رمسه أن الناس في العلوم يميلون إلى كل ما اقتضت أهواؤهم فقد كان في برهة من الدهر الفضيلة و المنقبة في علم النحو فأقبل إليه الناس و ألفوا فيه كتبا و أطنبوا فيه غاية الإطناب و اجتهدوا فيه غاية الاجتهاد حتى ظهر منهم نوابغ في هذا العلم من سيبويه‏

4

و أخفش و أمثالهما ثم انتقلت الفضيلة و السيادة إلى علم المعاني و البيان فألفوا في هذه الصناعة كتبا مطولة مشروحة بشروح كثيرة مطنبة فكلما نبغ في هذا العلم نابغ أشاروا إليه بالبنان و أقبل إليه الناس من الصقع و من كل مكان و هكذا كانت تلك السيادة في برهة من الأزمنة باقتضاء الأحوال و الأمكنة في علم الفلسفة و الرياضيات و الحكمة و بعد الوحيد البهبهاني (قدس سره) انتقلت تلك السيادة في الشيعة إلى علم أصول الفقه الذي كان في بدئه مقدمة للفقه فحاز السبق من ذي المقدمة و ظن أنه أعلى و أشرف مننه و أنه الغاية العظمى و المقصد الأسنى فأقبل المحصلون إليه بجد و اشتياق حتى غفل بعضهم عن علم الفقه الذي هو بعد علم الكلام أشرف العلوم و أهمها و أوجبها فكانوا يشتغلون و يباحثون في المعنى الحرفي شهرين مثلا و في مقدمة الواجب ستة أشهر و في موضوع العلم و تعريفه أياما و أحقابا و يطنبون في تنقيح مباحث الأصول التي أكثرها فطريات و ارتكازيات غاية الإطناب و كان لا يكون أحد منهم مجتهدا في هذا العلم كله إلا بعد تضييع أعوام كثيرة من عمره بل كان اجتهاده بعد صرف عمره في ذلك العلم عشرين سنة مثلا. في ريب و ارتياب كما هو المشهود المحسوس لكل من له أدنى خبروية و اطلاع فلذا غفل بعضهم عن الفقه و التفسير و الحديث و سائر العلوم المهمة اللازمة فلو أنهم اقتصروا على مقدميته المحضة كما هو دأب [1] علمائنا السابقين (رضوان اللّه عليهم)

____________

[1] و نزيدك وضوحا أن الشيخ الطوسي و المحقق و العلامة و الشهيدين و أمثالهم رضوان‏

5

أجمعين لما وقعوا في ريب و ارتياب و نحن نقتصر منها على المباحث اللازمة و نستعين من اللّه أنه خير معين‏

[مقدمة] (في تعريف أصول الفقه)

1- فصل لا ريب أن أصول الفقه معناها واضح من معاني مفردات ألفاظها و تعريفها مستفاد من معناها و المقصود [1] من تعريفها ليس ببيان حقائقها و ماهياتها بنحو يكون جامعا للأفراد و مانعا للأغيار حتى يكون محلا للنقض و الإبرام بل هو بمنزلة التعريف اللفظي أو هو عينه للإشارة إجمالا إليه قبل الشروع و يكفينا أن نعلم في بدئها أنها قواعد مهدت‏

____________

اللّه عليهم أجمعين قد كانوا مجتهدين جامعين شرائط الاستنباط محققا و ما كان علم الأصول في أزمنتهم بهذا الطول و التفصيل بل الشهيد الثاني (قدس اللّه سره) بعد ما حقق في باب القضاء أن الاجتهاد لا يحتاج في مقدماته إلى التطويل و إن صرف العمر في ذلك تضييع للعمر و بعد ما قال إن كثيرا من مختصرات أصول الفقه كالتهذيب لابن الحاجب يشتمل على ما يحتاج إليه من شرائط الدليل المدون في علم الميزان استدرك و قال نعم يشترط مع ذلك كله أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع إلى أصولها و استنباطها منها و هذه هو العمدة في هذا الباب و إلا فتحصل تلك المقدمات قد صارت سهلة لكثرة، حققه العلماء فيها و في بيان استعمالها و إنما تلك القوة بيد اللّه يؤتيها من يشاء إلخ ...

أقول أيها الروح الطيب القدسي إنك حي مرزوق عند اللّه انظر بالعين التي أعطيكها اللّه إلى ما ابتلوا طلاب العلوم الدينية بالتطويلات التي لا طائل فيها و تحصيل المقدمات قد صارت صعبة لكثرة ما طول فيها حتى اختلطوا فيها ما ليس منها كالفلسفة اليونانية التي لا مساس لها بها فيا أيها الأساتيذ الكرام لخصوا الأصول و هذبوها ما استطعتم إن سعيكم عند اللّه مشكورا و علموها الطلاب بألفاظ عذبة غير مغلقة و مشكلة يجزيكم ربكم جزاء المحسنين‏

[1] و نزيدك وضوحا أنه لم تنزل علينا آية محكمة تدل على أن التعريف لا بد أن يكون جامعا للأفراد و مانعا للأغيار و في تفسير اللفظ لا مانع من العمومية كما في سعدانة نبت بل حسن التعريف و عدمه أنما يكون بكفايته بالمرام العقلائي الذي قصد منه و بعدمها مثلا

6

لاستنباط الأحكام الشرعية عن دلائلها و مداركها و لا يهمنا [1] البحث في أوان الشروع أن موضوعها عنوان الدليل أو الكتاب و السنة و الإجماع و العقل التي يقال لها الأدلة الأربعة و أن الموضوع ما هو و إن تعدد العلوم‏

____________

المرام العقلائي لمن يقصد أصفهان أو التبريز أو غيرهما للتنزه و التفرج يكفيك أن تعرفه بأن بلدة أصفهان لها باغات و بساتين و أنهار جارية و فيها أراضي مبسوطة ذات أشجار ملتفة تنزه بها القلوب و تنشط بها النفوس و لا ينافي ذلك كون تبريز أو سائر البلدان كذلك و هكذا من يقصدها للتجارة أو غيرها من الأغراض فتعرفها من هذه الجهة و قد يتعلق بمعرفتها في الجملة و لن يعلم أنه اسم بلدة فيقال في هذا المقام إن أصفهان بلدة و قد يتعلق المرام بمعرفتها بجميع مشخصاتها و مميزاتها فلا بد في هذا المقام أن يكون تعريفها مانعا للأغيار و قد يتعلق بمعرفة ماهيته بأعراضها و خواصها و قد يتعلق بمعرفة ماهيته بحقائقها كما هي حقها ففي أي مورد كان التعريف كافيا للمرام كان حسنا و إلا فلا فما قاله في الكفاية من كون هذه التعريفات في بداية العلوم أو الأبواب بمنزلة تفسير اللفظ في غاية الجودة لأن المقصود ليس تعريف المبتدئ و من يشرع في العلوم بحقائقها و جميع مميزاتها بل المقصود تعريفها في الجملة ليكون على بصيرة في مقام الشروع و كيف يمكن تعريفها لها بجميع مشخصاتها مع أن مهرة الفن يختلفون فيها و قلما يخلو التعارض من الخدشة، و قد أشار إلى ما ذكر علماء المعقول في بيان أن الحد لا يطلق فقط على بيان الماهية بجنسها و فصلها بل له معان أخر غير ذلك‏

[1] و يدلك على هذا أن مهرة هذا الفن قد اختلفوا في أن موضوعه هو عنوان الدليل أو الأدلة الأربعة (الكتاب و السنة و الإجماع و العقل) من حيث إنها أدلة للفقه و الحيثية مشخصة جهة البحث فيها- أو الموضوع هو الحجة للمكلف أو أنه ليس منحصرا بشي‏ء و لا يلزمنا انتزاع جامع للموضوعات المتكثرة لأن وحدة العلم و تعدد العلوم ليس بوحدة الموضوع و تكثره بل بوحدة الغرض و تعدد الأغراض و المقاصد فإذا كان هذا حال أساتيذ الفن فكيف يكلف من يشرع في علم أصول الفقه أن يحقق قبلا موضوعه ليكون ذلك ميزانا لكل من ساءله أ ما ترى أن صاحب المعالم (قدس اللّه سره) مع كون كتاب المعالم من الكتب المبسوطة في أصول الفقه في زمانه لم يعرف أصول الفقه و لم يبين موضوعه في ديباجته بل اكتفى بتعريف الفقه لكونه مقدمة له‏

7

هل هو بتعدد الموضوعات أم بتعدد الأغراض و أن مسائل [1] العلم هي العوارض الذاتية لهذا الموضوع و أن العرض الذاتي ما هو و أن العرض الغريب ما هو فإن هذه كلها مسائل لا طائل لها فيما نحن فيه فلو أعرض عنها الأساتيذ الكرام لكان أولى و أحق‏

(فصل في حجية الظواهر)

حجية ظواهر الألفاظ أمر فطري إلهي أودعها معلم البيان لئلا يختل النظام و تتم بها الحجة و البرهان (بيان ذلك) أن الذي جبلت عليه العقول و فطر عليه بارئها حتى يعرفه الطفل المميز بفطرته في جميع الملل و الأقوام و في جميع الألسنة أن يلقوا مقاصدهم بلغاتهم المستعملة بينهم و الأنبياء (عليهم السلام) لم يبعثوا إلا بلسان قومهم كما دلت عليه الآية الشريفة (و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) و ما كلموا الناس إلا بما يعرفونه بمقتضى لغاتهم و عرفهم حتى إنهم (عليهم السلام) لو كانت لهم اصطلاحات مخصوصة لبينوها بما يعرفه الناس بلغاتهم و عرفياتهم و توضيح ذلك بذكر مقدمات فطرية (الأولى) أنه لا ريب في أنه إن كان في ضمير أحد أن يطلب الماء مثلا من ابنه المميز و لم يقل له و لم يطلب منه الماء فذمه بترك إتيان الماء أو ضربه لذلك فيقول له ولده لم تذمني أو تضربني أ قلت لي جئني بالماء فلم آتك به فاستحق بذلك ذمك أو ضربك فالآن أنت تظلمني بمجازاتك لي فاللّه الذي خلقه أودع في فطرته أن العقاب‏

____________

[1] و إن شئت قلت إن مسائل العلم هي محمولات الموضوع و لا تقل العوارض لتبتل بهذه المتاعب التي ابتلوا بها طلاب علوم الدينية

8

بلا بيان قبيح و ظلم لا ينبغي صدوره من عاقل «الثانية» لو طلبت منه الماء بلسانه الذي يفهمه و بلغته التي يعرفها عربيا كان أو فارسيا أو غيرهما ثم لم يأتك بالماء عد نفسه مقصرا بفطرته و إن عاقبته لم يعدك بفطرته مرتكبا للقبيح و ليس ذلك إلا لأن اللفظ بالنسبة إلى معناه المستفاد منه لغة و عرفا بيان بالفطرة التي فطر الناس عليها بل ليس من باب بناء العقلاء و إن كان بناء العقلاء عليها بل لأنه هو المنشأ لبناء العقلاء «الثالثة» أنه لا ريب أن في جميع اللغات أمرا أو نهيا و مطلقا و مقيدا و عاما و خاصا و شرطا و مشروطا و غاية و مغيا و مستثنى و مستثنى منه و كل الناس يستعملونها ليلا و نهارا في محاوراتهم و يستفاد منها معانيها بالفطرة التي فطر الناس عليها و بسنته التي أجراها بينهم (سنة اللّه فلن تجد لسنة اللّه تبديلا) و الأنبياء و أوصياؤهم (صلوات اللّه عليهم جمعيا) قد جروا بهذه السنة الإلهية و الوديعة الفطرية لإتمام الحجة و هداية الأمة و لو كان لهم اصطلاح خاص لبينوه بهذه الفطرة السليمة فلذا كان أصحاب نبينا و أئمتنا (صلى الله عليه و آله و سلم) يفهمون ما يلقى إليهم من دون أن يدرسوا مباحث الألفاظ في الأصول لأن اللغة العربية كسائر اللغات من هذه الجهة و النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يبعث إلا بلسان قومه و الأوصياء المرضيون لم يكلموا الناس إلا بما يعرفون من لغاتهم و بهذه تمت الحجة الإلهية البالغة «قل فللّه الحجة البالغة فاتضح أن حجية ظواهر الألفاظ أمر فطري إلهي لا حاجة لنا فيها إلى تجشم الأدلة و تكلفها فإن اتضح في لفظ معناه اللغوي أو العرفي فهو الحجة و هو المبين و إن لم يتضح فهو المجمل و المتشابه و لا يحصل البيان به و لا تتم به‏

9

الحجة و لا يحصل به البيان و نحن نجري بهذا المنوال في تحرير مباحث الأصول (و قد أطنبنا هذه المقالة لكونها أساسا لمطالبنا الآتية 3- فصل قد استدل الإمام (عليه السلام) في الروايات الصحيحة أو المعتبرة بألفاظ الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج الواردة في الكتاب الكريم أو في السنة النبوية المجردة من القرائن على هذه الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج المشروعة و الاستدلال لا يصح إلا حيث تكون هذه الألفاظ ظاهرة في هذه المعاني المعروفة سواء كان بوضع الشارع لها أو بوضعها قبل شرعنا و كونها حقائق لغوية كما قاله في الكفاية و استشهد عليه بقوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم: و قوله تعالى و أذن في الناس بالحج إلخ و قوله تعالى (و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا الآية) و كيف كان فهي ظاهرة في هذه المعاني المعروفة في كل ما ورد في الكتاب العزيز و السنة النبوية و هو يكفينا و لا يهمنا البحث فيما زاد عن ذلك فمن تلك الروايات صحيحة معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم و أحب ذلك إلى اللّه تعالى عز و جل ما هو فقال (عليه السلام) ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة أ لا ترى إلى العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا 2- و منها حسنة زرارة التي كالصحيحة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية قال زرارة فقلت و أي شي‏ء من ذلك أفضل فقال (عليه السلام) الولاية أفضل لأنها مفتاحهن‏

10

و الوالي هو الدليل عليهن قلت ثم الذي يلي ذلك في الفضل فقال الصلاة قلت ثم الذي يليها في الفضل فقال الزكاة لأنه تعالى قرنها بها و بدأ بالصلاة قبلها قلت فما الذي يليها في الفضل قال الحج قلت ما ذا يليه قال الصوم الحديث فقد استدل (عليه السلام) أفضلية الصلاة بمعناها المعروفة بأن اللّه بدأ بها قبل الزكاة و على أفضلية الزكاة بأنه تعالى قرنها بها و الروايات الدالة على ما ذكرنا كثيرة جدا بل قد يستفاد من الآية الشريفة التي أشار إليها في صحيحة معاوية بن وهب و من آية (و أذن في الناس بالحج) إلخ أنها كانت مستعملة في هذا المعاني قبل شرعنا و إنما كان الاختلاف في الكيفيات نظير اختلاف الكيفيات في شرعنا باختلاف الأحوال و الظاهر أن معنى كل منهما ما هو أعم [1] من الصحيح و الفاسد و إن كان المقصود حين ما أمر بها هو الصحيح لكنه غير المعنى الذي استعمل فيه اللفظ و بهذا الاعتبار قد يصح السلب عن غير الصحيح بنحو من التنزيل كما في سائر المفاهيم العرفية و اللّه العالم‏

____________

[1] و يؤيد ذلك أو يدل عليه أمور منها تقسيمها إلى الصحيحة و الفاسدة و المقسم لا بد أن يكون أعم و منها أن هذه الألفاظ كما أشرنا إليه كانت مستعملة في المعاني المخصوصة بها قبل شرعنا و إنما كان الاختلاف في الكيفيات كاختلاف شرعنا في الكيفيات و لم توضع كهذه المعاني في شرعنا فتكون حقائق شرعية حتى يبحث عنها في أنها وضعت للصحيحة منها أو الفاسدة و منها أن لصحيحة لها أنواع مختلفة مثلا لصلاة الصحيحة لها أنواع و أقسام ربما يكون بالكيفية المخصوصة في حال صحيحة و غير صحيحة و حال أخرى و ليس لها مفهوم جامع بجميع مصاديق مختلفة العوارض و منها أن الصحة و الفساد من الأوصاف و الأوصاف لا تكون داخلة في أصل المفهوم‏

11

«الكلام في الحقيقة و المجاز»

4- فصل كل معنى أو معان لم يحتج استعمال اللفظ فيه أو فيها إلى مئونة التنزيل و دعوى و اعتبار و علاقة فاستعمال اللفظ فيه أو فيها يكون على نحو الحقيقة فمن لوازم ذلك التبادر و عدم صحة السلب و الاطراد في جميع أفرادها و كل معنى أو معان احتاج استعمال اللفظ فيه أو فيها إلى الاعتبار و تنزيل و علاقة يكون استعماله فيه أو فيها على المجاز فالأول مثل لفظ الأسد بالنسبة إلى الحيوان المفترس المعهود و الثاني استعماله بالنسبة إلى الرجل الشجاع لتنزيله منزلة الأسد و من لوازم ذلك صحة السلب و عدم الاطراد في جميع أفراد الإنسان و

____________

و السبب في ذلك أن اللفظ إذا تعين لمعنى لغة أو عرفا لا يحتاج في استعماله في هذا المعنى المعين له في هذه اللغة أو العرف إلى تكلف و دعوى و تنزيل لأنه المعين له و هو المستفاد منه في اللغة أو العرف و لذا لا يتبادر منه هذا المعنى عند أهل هذه العرف أو اللغة و لا يصح سلبه عنه عندهم و يكون التبادر و عدم صحة السلب عندهم دليلا لغيرهم على كونه حقيقة فيه عندهم و بهذا يرتفع الإشكال الذي يورد على جعل التبادر و عدم صحة السلب دليلا على كونه حقيقة فيه من استلزامه الدور المحال و أما إذا استعمل في غير المعنى المعين له فلا بد أن يكون ذلك لمناسبة و علاقة يصح بها تنزيله منزلة معناه و جعله هو ادعاء و تنزيله لمشابهة و لعلاقة تقتضي ذلك و إلا كان استعماله فيه غلطا لأنه ليس معناه و ليس بينه و بين معناه علاقة تصلح بها إقامة مقامه و العلائق غير مضبوطة و لا منحصرة تعدد بل كلما يصلح عند العقلاء و أهل العرف أقامه مقامه بهذه العلاقة و يصح بها ادعاؤه أنه هو تنزيلا جاز بها استعماله فيها و ليس محتاجا إلى الوضع و إجازة الواضع كما زعم بعض لعدم الدليل على ذلك و لما كان المعنى المجازي غير المعنى اللغوي أو العرفي و إنما جعل مقامه ادعاء و تنزيلا فلذا يصح سلبه عنه عندهم و لا يتبادر ذلك من حاق اللفظ عندهم و على هذا يصح جعل صحة السلب و عدم التبادر علاقة المجاز و لا يأتي إشكال الدور الذي أشرنا إليه فيما سبق‏

12

عدم التبادر و من لوازم عدم التبادر احتياج استفادة المعنى منه إلى قرينة و اللّه العالم.

الكلام في صحة استعمال في أكثر من معانيه‏

5- فصل قد عرفت أن أصول الفقه أنما هي قواعد مهدت لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن مداركها فهذا التعريف و الغاية لا بد أن يكونا ملحوظين في مباحثنا فنقول اللفظ إن كان له [1] معاني متعددة في العرف و اللغة فإن كانت قرينة على إرادة واحدة منها أو على إرادة أكثر من معنى واحد كأن يقول المولى إني كلما قلت لك ائتني بعين أريد

____________

[1] معاني متعددة إلخ قد أحال الاشتراك اللفظي بعضهم و قال إنه نقض للمرام لأن المقصود من الوضع التفهيم و التفهم و هو لا يحصل مع تعدد المعاني وصفا له فهو فكل ما كان من هذا القبيل راجع إلى معنى جامع و لكنك خبير أنه قد يتعلق الغرض العقلائي بالتفهيم و التفهم الإجمالي هذا مضافا إلى أنه اجتهاد في اللغة مخالف للحس و أنه لا يقصد المعنى الجامع و لا يستعمل فيها غالبا و لا ينظر إليه و قد لا يكون بينها جامع يناسبها.

و ذهب صاحب الكفاية بعد اختيار جوازه و وقوعه إمكان إرادة المعاني المتعددة مستقلا كل منها في استعمال واحد و استدل عليه بما لا يهمنا ذكره و خلاصة القول فيه أنه لا إشكال في إمكان إرادتها و لو باستعماله في معنى جامع مجازا و لا إشكال في أنه إذا كان للفظ معاني متعددة لا يكون ظاهرا في واحد منهما بالخصوص فحينئذ فإن لم تكن قرينة على إرادة واحدة منها بالخصوص أو على إرادة أكثر منها بالخصوص فلا إشكال في إجمال اللفظ و عدم الحكم بشي‏ء منها و الرجوع إلى القواعد الأخر و إن نصبت قرينة و كانت القرينة أيضا مجملة فيسري إجماله إلى إجمال اللفظ و إن كانت القرينة واضحة معينة فيعمل بها و هذا المقدار يكفينا في هذا المقام و لا يهمنا البحث عن سائر الجهات التي جعلوها مورد البحث و أطالوا فيها و قد كان بعض الأساتيذ كثيرا يقول في الدرس هذا مبحث علمي و إن لم يكن له فائدة فقهية و ليكن نقول الغاية القصوى من أصول الفقه هي هذه و لو لم تكن لمبحث هذه الفائدة فإعراضنا عنه أولى كما أشار إليه الشهيد الثاني (قدس اللّه سره)

13

منك الذهب فقط أو قال أريد منك الذهب و الجارية كل واحد منهما فاللازم أن يتبع ما دلت عليه القرينة و إن لم تكن قرينة على إرادة واحدة منها أو أكثر كان اللفظ من المتشابهات و لا تتم به الحجة و لا يحصل به البيان سواء في ذلك المفرد و التثنية و الجمع حقيقة فإنه لا إشكال في أنه يمكن إرادة الأكثر و لو بإرادة عموم المجاز و هذا المقدار يكفينا فيما نحن بصدده و لا يلزمنا البحث في أنه هل يمكن إرادة معنيين مستقلين في استعمال واحد أولا يمكن أو أنه بطريق الحقيقة أو المجاز أو أنه في المفرد مجاز و في التثنية و الجمع حقيقة فإنه لا إشكال في أنه يمكن إرادته و لو بإرادة عموم المجاز بأن يريد المسمى بعين مثلا في المثال السابق و لا إشكال أيضا في أنه ليس ظاهرا في واحدة منها بالخصوص أو في أكثر منها و لو في التثنية و الجمع لأنهما و إن كانا ظاهرين في إرادة أكثر من فرد و لكنهما ليسا ظاهرين في إرادة المعاني المتعددة و لا إشكال أيضا في أنه إذا نصبت قرينة على واحدة أو أكثر أو على إرادة المعاني المتعددة في المفرد أو التثنية أو الجمع فيتبع ما دلت عليه القرينة و بها يتم البيان و الحجة و بدونها يكون من المتشابهات فيجب أن يرجع إلى المحكمات و لا يبغي تأويلها بالرأي فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا اللّه و اللّه تعالى أعلم‏

الكلام في أنه هل يجوز إرادة المعنى الحقيقي أو المجازي في استعمال واحد

6- فصل إن استعمل اللفظ و لم تنصب قرينة على إرادة المعني‏

14

المجازي وحده أو إرادته مع المعنى الحقيقي فلا إشكال في أنه يحمل على المعنى الحقيقي و إن نصب قرينة على إرادة المعنى المجازي وحده أو نصبت قرينة على إرادة المعنى المجازي و الحقيقي لزم اتباعها على حسب ما دلت عليه القرينة و لا يهمنا البحث في أنه هل يجوز إرادة المعنى الحقيقي و المجازي في استعمال واحد أو يجوز الأعلى نحو إرادة عموم المجاز بأن يريد مجازا معناها ما شاملا للمعنى الحقيقي و المجازي كأن يريد بقوله لا أضع قدمي في دار فلأن مطلق الدخول الشامل لوضع القدم و لغيره الذي هو المعنى المجازي و في أنه على تقدير الجواز هل هو مجاز فيهما أو حقيقة بالنسبة إلى المعنى الحقيقي و مجاز بالنسبة إلى المعنى المجازي لأن الفرض أنه أراد و نصب قرينته على إرادته و لا يلزم التفتيش عن كيفية إرادته بعد ما كانت جائزة في بعض صورها و اللّه العالم‏

الكلام في المشتقات‏

7- فصل لا إشكال في أن اللغة العربية كسائر اللغات التي أرشد اللّه عباده إليها و جعل من آياته اختلافها (و من آياته اختلاف ألسنتكم و ألوانكم) فيها أسماء للذوات من دون اعتبار اتصاف الذات بصفة من الصفات و أسماء باعتبار اتصافه بصفة من الصفات و في كل اللغات أسماء للفاعل و أسماء للمفعول و أسماء للمعاني و غيرها يعبر عنها بالمشتقات و في كل اللغات قد يقصد بها الفعلية و الشأنية و الحرفة و الصناعة و الملكة يعرف كل ذلك جميع أهل اللغة بطبيعتهم الفطرية التي جعلها اللّه في فطرتهم و بها هداهم و لا شك أن إطلاقها باعتبار حال التلبس و إن كان ماضيا أو مستقبلا

15

أو حالا حقيقة لا مجاز مثلا إطلاق المقتول على سيد الشهداء (عليه السلام) أرواحنا فداه باعتبار مقتوليته يوم العاشوراء في الأيام الماضية و القرون السابقة حقيقة كما أن إطلاق المقتول على من يقتل غدا أو حالا باعتبار حال تلبسه كأن نقول فلان مقتول غدا أو حالا باعتبار وقوع القتل عليه حالا أو غدا حقيقة و أما إذا أطلق على غير حال التلبس باعتبار تنزيله بنحو من الاعتبارات منزلة حال التلبس كأن يقال للسيد الشهداء المقتول يوم الإثنين و يوم قبض النبي (صلى الله عليه و آله) و ارتقى إلى أعلى منازل درجات المقربين باعتبار من الاعتبارات التي يعرفها كل أحد أو أنه المقتول الآن بنحو من الاعتبارات فلا شك في كونه تجوزا يحتاج إلى قرينة تدل عليه و لا يتفاوت في ذلك تفاوت أنواع التلبسات من الفعلية و الشأنية و الحرفة و الصناعة فاتضح أن إطلاق المشتقات باعتبار حال التلبس سواء كان التلبس ماضيا أو حالا أو مستقبلا حقيقة و باعتبار غير حال التلبس بنحو من الاعتبارات و التنزيلات مجاز سواء كان ذلك ماضيا أو حالا أو مستقبلا و من ذلك يعلم أن الاستشهاد على كونه حقيقة في الماضي باستدلال الإمام (عليه السلام) و استعماله تأسيا بالنبي (صلى الله عليه و آله) كما في غير واحد من الأخبار بقوله تعالى لا ينال عهدي الظالمين على عدم لياقة من عبد صنما لمنصب الإمامة تعريضا بمن تصدى لها ممن عبد الصنم مدة مديدة لا يدل عليه لأن الإمام لم يستشهد بإطلاق الظالم فعلا على من ظلم سابقا لأن صحة الاستدلال لا يكون مبنيا على إطلاق الظالم فعلا بنحو من الاعتبارات على من كان ظالما سابقا بل مبنى الاستدلال على أن من تلبس بالظلم و لو في وقت من الأوقات ليس قابلا

16

للإمامة بمقتضى الآية الكريمة و هذا هو الموضوع في الآية و هذا لا ينافي ما ذكرناه.

الكلام في الأوامر

8- فصل البحث في أن لفظ [1] الأمر مشترك لفظا بين معان منها الطلب الإلزامي و أنه إذا استعمل في مقام الطلب ظاهر في الإلزام و أن ما كان بمعنى الطلب جمعه على أوامر و ما كان بمعنى غيره جمعه على أمور كما في قوله تعالى و إلى اللّه تصير الأمور راجع إلى مباحث اللغة و ليس من مباحث أصول الفقه التي هي القواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية و إنما المهم أن البحث في أن صيغة الأمر بأي لفظ كان هل هو ظاهر في الوجوب لتكون قاعدة في مقام استنباط الأحكام الوجوبية من الأوامر اللفظية فنقول اللغة العربية كسائر اللغات لها صيغ تستعمل في مقام الطلب في جميع اللغات يعرفها جميع أهل اللسان من كل الملل و الأقوام بفطرياتهم المركوزة فيهم لطفا من اللّه الذي علمهم البيان حتى يعرفها بتلك الفطرة كبارهم و صغارهم المميزون و الشارع لم يحدث طريقة جديدة بل أرسله اللّه بلسان قومه (و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) و اللغة العربية ليست ممتازة منها بطريقة خاصة و إنما الاختلاف في الألفاظ و الصيغ و لا شك أن التركي إذا قال لولده المميز (سو گتي) أو الفارس‏

____________

[1] قد عنون بعضهم لمناسبة ما مبحث الطلب و الإرادة و أنهما متغايران بناء على ما يقول الأشاعرة أو أنهما متحدان كما تقوله المعتزلة و أصحابنا ثم انجر كلامه بناء على اتحاد الطلب و الإرادة إلى أنه تعالى طلب الأحكام التكليفية و أرادها فحينئذ كيف يتخلف ما أراده اللّه و طلبه فالتكاليف الشرعية لا تخلو من أن تكون أرادها اللّه و طلبها فحينئذ كيف‏

17

قال له «آب بيار» أو العربي قال له ائتني بماء يفهم الطفل المميز من العربي و التركي و الفارسي مثلا إنه يلزمه إتيان الماء و لم يعذر نفسه من عدم إتيانه إلا أن يجيزه مولاه في تركه و هذه سنة اللّه التي أودعها في فطرتهم و بها تتم الحجة و يحصل بها البيان الذي لولاه يكون العقاب قبيحا مع المخالفة بل لم يعد مخالفة لولاه نعم لو أجاز المولى مع أمره في تركه لم يكن مذموما في تركه فخلاصة الكلام أنه يلزم حمل الأوامر الواردة في كلام اللّه و النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) بمقتضى الفطرة الربانية و السنة الإلهية المودعة على الإلزام و اللزوم ما لم نجد في كلامهم ما يصرفنا عن ذلك و ما استدلوا به من الروايات و الآيات و العرف أساسه هذه الفطرة الإلهية و لا يلزمنا إثبات العرف أولا ثم إثبات اللغة ثانيا بأصالة عدم النقل نعم يمكن أن يقال إن ذلك لا لأن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب و مجاز في الندب أو غيره بل لأن المولى إذا طلب ممن يليه بأي لفظ كان و لو بلفظ اطلب منك كذا بصيغة المتكلم تلزمه فطرته أن يأتي بما طلبه مولاه ما لم يكن مأذونا في تركه و ذلك مقتضى إطلاق الطلب لا لأن الأمر كان حقيقة فيه و مجازا في غيره و لذا إن أمرنا بأمور و أجاز في ترك بعضها و لم يأذن في ترك بعض الأخر لزمنا إتيان تلك البعض و لا يكون ذلك قرينة على استعماله في الندب أو القدر المشترك و بهذه الفطرة السليمة فهم أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) أوامر النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة و كلام اللّه تعالى من دون أن يستحكموا مباحث الأوامر و يجثوا فيها و اللّه العالم‏

18

الكلام في أن صيغة الأمر بنفسها لا تدل على كونه نفسيا أو غيريا

9- فصل لا دلالة في صيغة الأمر في أي لغة كانت على كون المأمور به مطلوبا نفسيا أو غيريا و لا على كونه توصليا أو تعبديا و إنما تدل على كونه مطلوبا نعم يمكن أن يقال إن الغيرية بمنزلة القيد للمطلق يحتاج إلى دليل و قرينة تدل عليها و مع عدمها تحمل على كونه مطلوبا بنفسه و إن لم يكن التعبد به و قصد الامتثال من قيود المأمور به و لكن اعتباره يحتاج إلى البيان و بدونه لا تتم الحجة و بدونها لا يمكن المؤاخذة من قادر حكيم متعال‏

(الكلام في كيفيات استعمال صيغة الأمر)

10- فصل كل الناس يستعملون صيغ الأوامر الواردة في لغاتهم بمقتضى فطرياتهم المركوزة من دون أن يعلمهم معلم في مقام التهديد مثل اعملوا ما شئتم الآية و في مقام التعجيز (مثل فأتوا بسورة من مثله) و في مقام الترخيص مثل قوله تعالى كلوا و اشربوا، و إنما المقام قرينة على ذلك فكما أن المقام يكون قرينة على كونها مستعملة في التهديد أو التعجيز كذلك يكون قرينة على الترخيص إذا وردت في مقام رفع الحذر و القرائن في المقامات قد تكون مختلفة في الوضوح و الخفاء فإن اتضحت القرينة فقدتم البيان و إلا فتلحق بالمتشابهات أو يؤخذ بما دلت عليه الصيغة بنفسها و اللّه العالم‏

19

«الكلام في المرة و التكرار»

11- فصل في جميع الألسنة و اللغات إذ أمر المولى عبيدهم و السلاطين رعاياهم في مقام تنظيم القوانين و تعيين الدستور يستفاد منه أنه لا ينحصر بمرة بل يتكرر بحسب تقنينهم و دستورهم و من هذا القبيل أوامر الصلاة و الصوم و لا يدل ذلك على كون الأمر مفيدا للتكرار كما استدل بذلك فإن التكرار فيما كان من هذا القبيل مستفاد من القرائن و كذا قد يستفاد المرة أيضا من القرينة كان قال المولى لعبده في يوم افتح صندوقي و ائتني بالثوب الفلاني فإنه لا يسوغ له أن يفتح كل يوم صندوقه و يأتي بثوبه و لكن إن لم تكن قرينة مقامية أو حالية و لا مقالية على أحدهما فإنما يستفاد منه طلب نفس الفعل من دون أن يكون مقيدا بالتكرار أو المرة و لكنه إن أتى به مرة واحدة فقد أتى بما أمره و امتثله و أجزأه و سقط أمره لامتثاله فكفاية المرة لا لكون الصيغة بنفسها دالة عليها حقيقة فيكون استعماله في التكرار مجازا بل هو أمر بالفعل من دون تقييد و قد امتثل و أجزأ و سقط أمره لامتثاله و اللّه العالم‏

الكلام في الفور و التراخي‏

12- فصل كل الناس باختلاف ألسنتهم و لغاتهم قد يأمرون عبيدهم و أولادهم بصيغتهم المستعملة في ألسنتهم و يشهد حالهم أو القرائن الحالية تدل على أن مقصودهم أن يفعلوا ما أمروا به على الفور و قد يأمرونهم و تشهد القرائن أن مرادهم أن يفعلوا ما أمروا به على التراخي فالصيغة بنفسها قابلة للتقييد بكل منهما نعم يمكن أن يقال إن الصيغة بنفسها تدل على طلب الفعل‏

20

و هو يصح بإطلاقه للفورية و التأخير بحيث إذا استعملت في مقام الفورية أو التراخي لم يكن مجازا و لكن لما كان إيجاد الطلب في حال التكلم فالعقل لا يجوّز للعبد بعد طلب مولاه أن يتسامح بتراخي مطلوبه أياما أو شهورا أو أعواما ما لم يجوّز مولاه و يقل له إن أمرك لا يدل على الفور و أما ما استدل به على الفور من الآيات مثل قوله و سارعوا إلى مغفرة من ربكم الآية و كذا قوله تعالى فاستبقوا الخيرات فهي بنفسها تدل على أن ما يؤتى به بغير استياق و مسارعة [من الخيرات و أسباب المغفرة] فهي بعكس المطلوب أقوى دلالة و لو فرض دلالتها لكانت الفورية بأمر خارج عن مفاد الصيغة و اللّه العالم‏

البحث في الإجزاء

13- فصل [1] في اقتضاء الأمر الإجزاء أقول لا ريب في أنه إذ أتى العبد ما أمر به المولى كما أمر به لا يعقل أن لا يجزئ فإن أمر المولى ثانيا كان ذلك أمرا آخر يقتضي امتثالا آخر و لا يتفاوت في ذلك أن يكون ما أمر به المولى‏

____________

[1] قبل هذا البحث نزيد مبحثا آخر و هو أن صيغة فعل المضارع المستعملة في مقام الطلب كلفظ يصلي أو يتوضأ هل هي ظاهرة في الوجوب لكونه المتبادر بعد عدم استعمالها في الأخبار أو ليست بظاهرة فيه بل هي ظاهرة في مطلق الطلب سواء كان استحبابيا أو وجوبيا لتعدد المجازات فيها و ليس الوجوب أقربها فلا تكون ظاهرا فيه بعد عدم كونها مستعملة في معناه المعنى الحقيقي و هو الأخبار عن وقوع فعل في المستقبل أو الحال قلت هذه الصيغة إذا استعملت في مقام بيان الوظائف الراجعة إلى الصلاة أو الوضوء أو غيرهما ظاهرة في استمرار هذه الوظيفة و إنها لازمة له و هذا مقتضى الوجوب و لو أغمضنا عن ذلك و قلنا إنها ظاهرة في مطلق الطلب فقد ذكرنا أيضا أن المولى إذا طلب من عبده شيئا فمقتضى لزوم إطاعته امتثاله و إتيانه ما لم يرخص المولى في تركه فتأمل‏

21

عنوانا ثانويا أو عنوانا أوليا فكما أنه إذا أمر المولى مثلا بالوضوء التام بعنوانه الأولي و صلى به العبد يكون مجزيا فكذلك إذا أمر بالوضوء الجبيري أو بالتيمم فأتى به العبد كما أمر به فقد عمل بتكليفه الفعلي و خرج عن العهدة فلو أمر [1] به ثانيا لكان أمرا آخر فكذا كانت الأبدال مجزية و يعد العبد في إتيانها مطيعا لأنها الأوامر الفعلية للمولى و التكاليف الفعلية للعبد

____________

[1] و نزيد استدراكا أن الأوامر الظاهرية التي هي مفاد الأمارات الجعلية ليست في الحقيقة أحكاما واقعية ثانوية في قبال الأحكام الواقعية الأولية بل هي في مورد المصادفة للواقع عين الأحكام الواقعية و ليست أحكاما ثانوية واقعية حتى يجتمع المثلان و في مورد المخالفة عذر للمكلف لم يحدث بها حكما مخالفا للواقع فالعمل بمفادها في مورد مخالفتها لا يجزئ عن الواقع و ليست أحكاما ثانوية واقعية ليكون امتثالها مجزيا عن الواقع فمن أخبره عدلان بدخول الليل فأفطر لا يجزئ صومه عن الواقع نعم لو قام دليل آخر على اكتفاء المولى به اكتفى به لهذا لدليل كمن أخل بإحرامه نسيانا أو جهلا حتى جاز الميقات فإنه دل الحديث الصحيح على صحة إحرامه من حيث أمكن إذا لم يمكن الرجوع إلى الميقات مثلا إذا قامت أمارة أو استصحاب على بقاء الوضوء أو قطع به ثم صلى و انكشف له عدم بقائه لزم إعادة صلاته التي صلبها به بخلاف إذا توضأ جبيريا ثم برأ فإنه لا يلزم إعادة صلاته نعم في الشرائط التي ليست بشرائط مطلقا كالطهارة من النجاسات فإنها ليست بشرط مطلقا حتى لو صلى بالنجاسة جاهلا لا يلزم إعادتها فإذا قامت أمارة على الطهارة أو استصحب الطهارة و صلى بهائم انكشف خلافها لم يلزم إعادتها و من هذا القبيل الترتيب بين صلاة الظهر و العصر فإنه لو صلى عامدا و عالما بخلاف الترتيب لم تصح صلاته و لو صلى كذلك ناسيا صحت صلاته فعلى هذا لو قطع بأنه صلى الظهر أو قامت أمارة على ذلك ثم صلى العصر و انكشف خلافه صحت صلاة العصر فمن اعتقد بوجوب صلاة الجمعة فصلاها ثم صلى العصر جاز أن يقتدي به من لا يعتقد بوجوب صلاة- الجمعة عينا أو تخيرا أو يحتاط لما ذكرنا من كون صلاة عصره صحيحة حقيقة لأن الترتيب ليس بشرط مطلقا كما يدل على ذلك ما ذكروا في مسألة الاختلاف في اختصاص أول الوقت بالظهر و آخر الوقت بالظهر أن ثمرة ذلك تظهر فيما لو قدم العصر على- الظهر غير عامد فإن كان في وقت الاختصاص بطل عمله لأنه أحل بالوقت و هو شرط مطلقا و لو كان في وقت المشترك فيصح لأنه أخل بالترتيب غير عامد و هو ليس بشرط مطلقا و قد ورد في الصحيح أنه لا تعاد الصلاة إلا من خمسة و ليس الترتيب من الخمسة

22

و كل من أتى بتكليفه الفعلي و امتثل أمر المولى المتوجه إليه فعلا فقد خرج عن العهدة فلو أمره المولى ثانيا لكان ذلك تكليفا آخر يحتاج إلى دليل آخر نعم لو كان العبد معذورا بنسيانه أو جهله أو اضطراره في ترك العمل الواقعي كأن يكون معذورا في إفطار الصوم أو في ترك الصلاة أو في ترك الحج أو غير ذلك لم يكن ذلك مجزيا عن عمله مثلا لو أمرنا بالوضوء و الصلاة و الحج على طريقة العامة و كان تكليفنا الواقعي الفعلي هذا النحو من الوضوء و الصلاة و الحج و عملنا كما أمرنا به فقد أتينا بتكليفنا الواقعي و لو كان واقعيا ثانويا فلو أمرنا بها ثانيا لكان تكليفا يحتاج إلى أمر آخر بخلاف ما كنا معذورين في ترك الوضوء أو ترك بعض أجزائه أو إفطار الصوم أو ترك الحج فتركنا كذلك لما كان مجزيا فلذا قلنا لو أفطر تقية من العامة لحكمهم بثبوت الهلال لوجوب القضاء و لكن لو عمل الحج على طريقتهم لحكمهم بثبوت الهلال لكان مجزيا لأنه عمل بتكليفه الفعلي و اللّه العالم‏

الكلام في مقدمة الواجب‏

14- فصل لا ريب أن أكثر الأمور لا يحصل إلا بمقدمات عديدة اختيارية فإذا أمرت مثلا ولدك الصغير المميز بإتيان الماء و هو لا يمكن إلا بمقدمات اختيارية من أخذ ظرف الماء و إملائها من المخزن و غيرها فهو بوجدانه و عقله يلزم نفسه بهذه المقدمات الاختيارية الممكنة لتحصيل المطلوب و ليس هنا مطلوبات متعددة و حتى لو أمكن إتيانه بدونها و اقتصر على إتيانه لكان ممتثلا نعم لو كان لبعض المقدمات في نظره‏

23

خصوصية و بيّنها كأن قال ائتني بالماء في الظرف البلور كلما طلبت الماء لكان الأمر بالماء أمرا به بالتبع و ما ذكرنا من الوجدانيات التي لا يشك ذو طبع سليم فيه و بذلك فهم أصحاب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السلام) ما أمروا به من التكاليف الشرعية و لو توقف هي على مقدمات عقلية أو عادية لأتوا بها في مقام امتثالها و لكن ليست هذه المقدمات واجبات شرعية مولوية و لو بالتبع إلا أن تكون [1] هذه المقدمات مقدمات جعلية شرعية كالطهور فإن لها حينئذ وجوب شرعي تبعي فلذا قال (عليه السلام) في الصحيح إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة

تنبيهات‏

الأول‏

أن أمر المولى [2] بشي‏ء بشرط حصول مقدمة من مقدماته كما أمر بالحج في الشرع في صورت الاستطاعة لم يلزم العقل و لم يحكم الوجدان بلزوم تحصيله لأنه لم يجب قبل الاستطاعة حتى‏

____________

[1] لا يخفى أنه كما يكون لشي‏ء مقدم دخلا في تأثير دواء كذلك قد يكون تأثيره أو رفع بعض مضاره منوطا بشي‏ء مؤخر عنه بزمان و كذلك أيضا قد يكون بشي‏ء مقدم في نظر الشارع دخلا في كون المأمور به ذا حسن أو ذا مصلحة و قد يكون لشي‏ء آخر مؤخر دخلا في كونه كذلك فإن الحسن و المصالح يبدل بالاعتبارات و الإضافات فيشترط الشارع تقدمه في الأول و في الثاني تأخره فلذا، لا إشكال في الشرط المتقدم و المتأخر شرعا فإن شرطيته بجعل المولى و الشارع و هو للمصالح و المحاسن التي تتفاوف بالاعتبارات و الإضافات فلا إشكال في اشتراط صحة صوم المستحاضة بالغسل الليل المتأخرة لو قام عليه دليل فيكون للشرط الشرعي أيضا وجوب تبعي بواسطة وجوب المأمور به أو هو عينه باعتبار و غيره باعتبار نفسه كالإجزاء

[2] اعلم أنهم قد قسموا الواجب إلى مطلق و مشروط و لكنهما إضافيان لأن كل واجب بالنسبة إلى بعض الشروط و لا أقل بالنسبة إلى القدرة و العقل و البلوغ مشروط و بالنسبة إلى بعض آخر مطلق‏

24

يجب تحصيلها و إنما يجب بعد الاستطاعة و حينئذ لا يلزم التحصيل لأنه تحصيل للحاصل و لا واجب قبلها حتى يجب الإتيان بمقدماته.

الثاني‏

المقدمات على ضربين منها ما يكون مقدمة للوجود و منها ما يكون مقدمة للعلم و اليقين بالامتثال كغسل شي‏ء زائد على أعضاء الوضوء لتحصيل اليقين بغسل العضو فيلزم العقل و الوجدان في الأول بإتيان المقدمة لتوقف إتيان ذي المقدمة عليه و في الثاني لتحصيل اليقين بالامتثال و للقطع بفراغ الذمة و ليس بيانه من وظيفة الفقيه و ليس هو من الأحكام الشرعية الفقهية

الثالث‏

قد يكون أمر سببا و علة اختيارية لأمر غير اختياري و هو المسبب فإذا أمر بالمسبب فقد يقال إنه أمره عرفا بعين السبب الاختياري فالواجب في الحقيقة هو ذلك السبب الاختياري دون المسبب الذي هو أمر غير اختياري و اللّه العالم‏

بحث الأضداد

15- فصل لا ريب أن كل فعل من الأفعال له أضداد لا تعد و لا تحصى لا يمكن جمعه مع واحد منها في آن واحد و أنت لو خليت و طبعك ترى أنك لو أمرت ولدك و عبيدك و من تلي أمره بفعل من الأفعال تطلب منهم صدور هذا الفعل من دون أن تتوجه إلى أضداده الخاصة التي لا تحصى و لا تعدّ فلفظ الأمر في نفسه لا دلالة فيه على النهي عنها بواحدة من الدلالات و قد يكون فعلان ضدين اجتمع زمانهما في آن واحد بحيث لا يمكن إتيانهما معا في هذا الآن و يكون كل منهما مطلوبا لك كإنقاذ

25

الغريقين في آن واحد بحيث لا يمكن إلا إنقاذ واحد منهما و أنت لا تكلف عبيدك بإنقاذهما لا لقصور فيهما أو في مطلوبيتهما بل لقصور في الزمان و عدم سعته إلا لواحد منهما فهما في أنفسهما مطلوبان و لكن الزمان لا يسع كليهما فإن لم يكن في أحدهما ترجيح فالوجدان و العقل الفطري [الذي يبعث العبد باقتضاء عبوديته بامتثاله لأوامر مولاه‏] يخيّره في إنقاذ كل منهما و لا يعذره في تركهما و إن كان رجحان في أحدهما كأن كان أحدهما عالما برا تقيا و قد كان يعلم العبد أنّ إنقاذه أشد حبا لمولاه فعقله و فطرته يحكم بتقديمه عليه في مقام الامتثال و الانقياد فلو أنه ترك إنقاذهما في هذه المقام كان مسئولا أيضا بتركهما معا لأنه ترك أمرين كل منهما مطلوب لمولاه في نفسه و إن ترك الأهم كان مسئولا أيضا بتركه و لكنه لو أتى بغير الأهم كان آتيا لمطلوبه الآخر الذي لا يكون مهما و كان صحيحا و موجبا للتقرب إن كان تعبديا و أتى به متقربا إليه و هكذا إن كان زمان أحدهما مضيقا و زمان الآخر موسعا و كان مطلوبيتهما في أنفسهما في عرض سواء فالعقل الفطري يحكم بلزوم تقديم المضيق لأنه يفوت وقته دون الآخر و لو أنه تركه و أتى بالموسع فقد خالف في تركه المضيق و لكنه امتثل في إتيان الموسع و إن شئت [1] قلت في جميع ذلك بأنه‏

____________

[1] لا يخفى عليك أن اللّه تعالى جل شأنه و عظم سلطانه منزه عن توارد الحوادث عليه و ليس هو محلا للحوادث فالطلب و الإرادة لا يتواردان عليه و إنما إنشاء و قرر الأحكام لمصالح يعلمها و إذا تزاحم الحكمان فليس القصور في الحقيقة من جانبها و عدم الإمكان أنما أتى من جهة قصور الوقت و عدم سعته فبكل منهما أتى فقد أتى بما هو مطلوب و محبوب للمولى بالمعنى الذي ذكرنا و إن كان العقل يلزمه بأن يأتي بما هو أهم أو بما هو يضيق فافهم‏

26

يستحيل من المولى الحكيم أن يوجه أمرا بشيئين متزاحمين في أن واحد إلى عبده و لكن الاستحالة لعدم إمكان الامتثال لهما و لكن ذلك لا ينافي محبوبيتهما في أنفسهما و هو ملاك الأمر فيهما و الصحة تابعة له فيصح لو أتى بالموسع و ترك المضيق كذا يصح لو أتى بغير الأهم و ترك الأهم و من ذلك اتضح أن الأمر بالشي‏ء لا ينهى عن ضده في الأوامر الشرعية و أنه لو أتى بغير الأهم أو بالموسع كما لو صلى الظّهر مثلا مع سعة وقته فيما إذا كان مديونا قادرا على أدائه و لم يرضى صاحب الدين بتركه كانت صلاته صحيحة و لا يلزم منه اجتماع الأمر و النهي الناشئ عن الأمر بأداء الدين في موضوع واحد و هكذا نظائره و قس عليه البواقي تنبيه- قد يعبر عن الضد بالترك و يقال إن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده و هو الترك و يقال له الضد العام و لا يخفى عليك أن الأمر بالشي‏ء بصيغة افعل كأنه عبارة أخرى عن صيغة لا تتركه و لا فائدة مهمة في البحث عن ذلك و اللّه العالم‏

الكلام في أنه قد تكون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به‏

16- فصل أنت إذا راجعت نفسك ترى أنك قد تأمر أولادك بأشياء و ما تريد وقوعها و إنما تريد، أن تختبرهم و تميز مطيعهم عن غيرهم و إذا أتوا ببعض مقدماتها تنسخ أمرك و تظهر ما في قلبك و قد تأمرهم بأشياء و أنت تعلم أنهم مطيعون لك في جميع أوامرك لتظهر شأنهم أو جلالتك لغيرك ثم إذا هيئوا أنفسهم في مقام امتثالك و ظهر شأنهم‏

27

أو جلالتك تنسخ أمرك و قد تأمرهم و تريد، أن يأتوا بما أمروا به فخلاصة الكلام أن مصالح الأمر التي يبعثك إليه لا تنحصر في مصالح المأمور به و قد لا يكون فيه مصلحة و تكون المصلحة في نفس الأمر و بها يجوز أمرك و أوامر الشارع الأقدس نظيرها قد تكون المصلحة في نفس المأمور به كأكثر الواجبات الشرعية و قد تكون المصلحة في نفس الأمر كأمر اللّه تعالى إبراهيم على نبينا و آله و (عليه السلام) بذبح ابنه مع أنه لا يريد وقوعه في الخارج فحينئذ يجوز الأمر مع علم الأمر بانتفاء شرطه و لعل من منع ذلك نظره إلى الأول و من أجازه نظره إلى الثاني و به يرتفع النزاع عن البين و لكن غفل بعضهم عن ذلك و أجاب عن قضيته إبراهيم بما لا يخلوا عن إشكال و اللّه العالم.

الكلام في متعلق الأمر

17- فصل كل صغير و كبير إذا طلب شيئا و أمر به فإنما يطلب إيجاد مفهوم و معنى مطلق أو مقيد لم يوجد فالوجدان يحكم بأن متعلق الأمر الطبيعة الكلية المطلقة أو المقيدة بقيود يتعلق بها الغرض و ليس متعلق الأمر الفرد الخارجي لأنه ما لم يتحقق لم يكن فردا خارجيا و بعده لا معنى لطلبه لأنه تحصيل للحاصل و أنه يتعلق الطلب بإيجاد المعنى و هذا معنى ما قاله العلماء الأصوليون من أن متعلق الأوامر الطبائع و يعرف ذلك كل أحد بوجدانه كما استدل بذلك عليه في الكفاية و لا يحتاج ذلك إلى معرفة أصالة الماهية أو الوجود و إنه بناء على الأول متعلق الأمر نفسها لكن بجعلها نفسها من الأعيان الثابتة و بناء على الثاني‏

28

متعلق الأمر نفس وجودها باعتبار الإضافة الإشراقية بمعنى إضافة الوجود إليها و الأولى أن لا يختلط [1] هذه المباحث بمباحث أصول الفقه التي‏

____________

[1] اعلم هداك اللّه و إيانا على الصراط المستقيم الذي أنعم اللّه على أوليائه أن الفلسفة- اليونانية التي ترجمت بالعربية في الدولة العباسية و ضل بذلك كثير ممن درسوها و ما نجا منهم إلا قليل ممن أتقنوا عقائدهم بالمحكمات الدينية من الآيات الباهرة و الأحاديث المتقنة و الفطريات السليمة كانت موهونة عند فقهائنا الربانيين من الأصوليين و المحدثين (رضوان اللّه عليهم أجمعين) لوجهين أحدهما ما رأوا من انحراف كثير ممن قرءوها و درسوها عن طريقة الأنبياء و المرسلين و أوصيائهم المرضيين و اعتقادهم بخلاف ضروريات الدين من حدوث العالم (و قدمه زمانا بقدم علته كما قاله الحكماء و ذهب إليه كبراؤهم ممن أتقنوا بزعمهم الحكمة و الفلسفة كصاحب المنظومة و غيره و من ذلك أيضا اعتقادهم بأن عالم الآخرة ليس ماديا و إلا انقلبت الأخرى دنيا كما صرح به صاحب المنظومة في حاشيتها و من ذلك قولهم بأن النفس يكون لها مقام خلاقية يخلق بها الحور و القصور بواسطة الأخلاق الحسنة و المعارف الحقة و يخلق بها العقرب و الحيات و النار بركوز الأخلاق السيئة كما زعم صاحب المنظومة و قال إن بذلك يندفع الشبهة التي أوردوها على قوله تعالى و جنة عرضها السماوات و الأرض مع كون الأفلاك منطبقة بعضها على بعض و بعد الفلك التاسع لا خلاء و لا ملاء و هذه الشبهة كبيت العنكبوت بنيت على موهومات سطرها المتفلسفون الأولون و أورثوها لقوم آخرين و كم من خرافات تشبه بعضها بعضا نسجها الضالون المضلون تعالى اللّه عما يقولون و ثمانيهما أن أكثر مباني الفقهية مبتنية على فهم ظواهر الكتاب و السنة و هو لا يلائم كثيرة لمشرب الفلاسفة و المتفلسفين و قد قلت لمولانا الحائري آقا شيخ عبد الكريم نزيل قم (قدس اللّه سره الزكي) حين ما لقيته عند مسافرتي إلى المشهد الرضوي (صلوات الله عليه) إني سمعت أن جنابكم لا تميلون إلى دراسة المنظومة و أمثالها من الكتب الحكمية و لا ترضون بأن يدرسوا طلاب العلوم الدينية هذه الكتب و نعم ما تفعلون لأن أكثرهم يشتغلون بدرسها قبل أن يستحكموا عقائدهم الدينية بالدلائل المحكمة فيقعون في ريب و ارتياب و لا يقدرون على رد شبهاتهم و يخوضون في عمرانها فيهلكون و يضلون من حيث لا يشعرون فقال طيب اللّه مضجعه إن مشرب الفلسفة المتداولة مع قطع النظر عن سقمه و فساده لا يلائم مشرب الفقاهة و بينهما بون بعيد و نحن مشغولون بفهم الأحكام الإلهية عن الآيات و الآثار المعصومية التي أمرنا بالتمسك بهما و بذلك نجاتنا عن الضلالة الدائمة و الشقاوة الأبدية و قد قال لي سيدنا المعظم آية اللّه الخوئي دامت بركاته العالية إني كنت برهة من‏

29

قد عرفت أنها قواعد ممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها

الكلام في الأحكام الخمسة و ما بقي منها بعد نسخها

18- فصل إن الأحكام الخمسة التي هي الإباحة بمعنى تساوي الطرفين الفعل و الترك و الاستحباب و الوجوب و الكراهة و الحرمة أحكام بسيطة يحللها العقل إلى جنس و فصل يرتفع جنسها بارتفاع فصلها إذ قوام الجنس بالفصل و ليس في الخارج لهما تركب مادي بحيث يكونان جزءين محسوسين لا يرتفع أحدهما بارتفاع الآخر فليس معنى نسخ الحرمة رفع المنع من الفعل مع بقاء الكراهة أو الجواز بالمعنى الأعم و كذلك ليس معنى نسخ الوجوب رفع المنع من الترك مع بقاء الاستحباب أو الإباحة فلا يدل بإحدى الدلالات نسخ الحكم الواجبي على بقاء الجواز أو

____________

الزمان مشتغلا بتدريس الأسفار ثم تنبهت بعون اللّه و منه بأن أدنى الضرر و الفساد الناشئ منه أن الإنسان المشتعل به لا يهتم بالآثار النبوية و الأحاديث الإمامية و يزعم أنها قشريات موهونة فتركت تدريسها تمسكا بالأئمة الطاهرة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و العجب من بعض المتفلسفين يتمسك بالآيات القرآنية بتجليل الحكمة اليونانية و يزعم بجهالة أو بولعه بها أن الآية الشريفة و يعلمهم الكتاب و الحكمة و نظائرها تقدسها (سبحان اللّه) أو ما يتدبر هذا الجاهل بالآيات إلهية أم على قلوب أقفالها يعلم أن القرآن المجيد يبين المراد من الحكمة فإنها بعد ما بينت الآداب الدينية و الأحكام الإلهية و الأخلاق الفاضلة قال تعالى في سورة الإسراء ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة هذا مضافا إلى أن القرآن المجيد نزل بلسان عربي مبين و نزل بلسان قومه فلا ينزل و لا يحمل على اصطلاح ابتدعوا بعد مائة سنة أو أزيد حين ما ترجم الكتب اليونانية إلى العربية فخلاصة الكلام أن الحكمة اليونانية التي إثمها أكبر من نفعها و مع ذلك لا تفيد في رفع الشبهات الحاضرة قد كانت موهونة عند علمائنا الأصوليين و المحدثين و لم يكن دراستها رائجة بينهم حتى خلط بعض الأعاظم من المتأخرين دامت تأييداتهم شطرا من اصطلاحاتها و مباحثها بأصول الفقه و بذلك راجت بينهم حتى خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و اللّه يحكم بينهم فيما فيه يختلفون‏

30

الاستحباب نعم قد يكون في اللفظ قرينة حالية أو مقالية أو لفظية على رفع الإلزام و إثبات الجواز فيتبع ما ظهر من اللفظ و قد يكون في اللفظ إجمال باحتفافه بقرينة مجملة فلا يحكم ببقاء الجنس مع ذهاب فصله لعدم الدليل عليه إلا ما يتوهم من استصحاب الجنس بعد ذهاب فصله من قبيل استصحاب الكلي بعد ذهاب فرده أو نوعه و هو غير صحيح لعدم الدليل على هذا الاستصحاب و اللّه العالم‏

الكلام في الحكم الذي موضوعه نفس الطبيعة المطلقة

19- فصل إن الحكم قد يتعلق بنفس الطبيعة من دون نظر إلى أفرادها الخارجية و إن كان تعلقه بها من حيث الوجود كأكثر الأحكام التي موضوعها الإنسان و الرجل و المرأة و الذكر و الأنثى و الشاة و الإبل و البقر في الزكاة فحيث ما وجدت هذه الطبيعة تعلق بها حكمها و لا نحتاج في ذلك إلى إجراء مقدمات الحكمة و ليس هذا من الموارد التي ينصرف فيه المطلق إلى الفرد الكامل أو الأفراد الشائعة أو يحتاج في تعميمه إلى إجراء مقدمات الحكمة و قد يكون موضوع الحكم في الحقيقة الأفراد الخارجية و أخذ المطلق في الموضوع لبيانها كأخبار الحمام الواردة في زمان المعصومين و في بلادهم فإنها قد اشترط فيها وجود المادة و لا شك أن الحمامات التي كانت متعارفة في بلادنا مشتملة على أكثر من عشرين كرّا مثلا لا يشترط فيها وجود مادة أخرى لها و قد ورد فيها أن ماء الحمام بمنزلة ماء النهر أو الجاري يطهر بعضه بعضا

31

و لا شك أن الحمامات التي في بلادنا عاصمة بنفسها عن النجاسة لكريتها و لا يحتاج إلى تطهير البعض البعض الآخر فما ورد من هذا القبيل يمكن أن يكون منصرفا إلى الأفراد الشائعة و إلا كمل أو يؤخذ بالشمول من باب إجراء مقدمات الحكمة و اللّه العالم‏

الكلام في الواجب التخييري‏

20- فصل لا ريب أنك إذا رجعت وجدانك تجد، أنك قد تأمر أولادك بأشياء و أنواع لانطباقها على كلي واحد و في الحقيقة أن الذي تأمر به هو هذا الكلي و إنما أمرت بهذه الأنواع لانطباقها عليها مثلا قد يكون مطلوبك الفاكهة مطلقا لإقراء ضيفك و تأمر ولدك أو خدمك إحضار العنب أو الرمان أو التفاح أو البطيخ مخيرا فيها و لكن مطلوبك الفاكهة مطلقا و التخيير فيها نظير التخيير بين أفراد الواجب الكلي و في الحقيقة الواجب واحد لا تخيير فيه و إنما التخيير فيها في مقام الامتثال بين الأفراد و الأنواع و ليس هذا من الواجب التخييري و قد يكون مطلوبك كل واحد من الأنواع بخصوصية مستقلا و لكن لا تريد جميعها إما لعدم الإمكان أو للعسر أو لمصالح أخرى و تخير ولدك أو عبيدك في إتيان واحد منها و هذا هو الواجب التخييري و ليس مطلوبك واحد لا بعينه أو واحد منطبقا لكل منها بل مطلوبك كل منها مخيرا فيها و نظير ذلك في الواجبات الشرعية الواجبات التخييرية فاتضح أن من قال غير ذلك لا وجه له.

تنبيه‏

قد لا يمكن التخيير بين الأقل و الأكثر التدريجي كما

32

في التحديدات مثلا لا يمكن أن يكون الإنسان مخيرا في الكر فيما بين سبع و عشرين شبرا و ستة و ثلاثين أو اثنين و أربعين فإنه إذا بلغ الماء سبعا و عشرين شبرا مثلا فإما أن يكون كافيا في حصول الكر فما زاد يكون على الاستحباب لو ورد التحديد به أو لم يكن كافيا فيطرح الخبر الوارد فيه و قد يكون كل منهما محدودا بحدوده مطلوبا مستقلا فيمكن التخيير بينهما و اللّه العالم‏

البحث في الواجب الكفائي‏

21- فصل الواجب الكفائي ما كان المقصود حصوله من كل من خوطب به و لو مرة واحد منهم كإنقاذ الغريق و دفن الموتى و غياث المضطر فإن تركه كل من خوطب بل كانوا مؤاخذين و إن أتى به واحد منهم سقط عن الكل و إن شاركوا فيه لكان كل منهم مأجورين و إنكار الوجوب الكفائي إنكار للوجدان و اللّه العالم‏

البحث في الموسع و المضيق‏

22- فصل قد لا يكون للوقت خصوصية في المطلوب فيكون غير موقت و قد يكون له خصوصية فإن كان الوقت حينئذ موسعا فيكون المكلف مخيرا في إتيانه في أي جزء منه شاء مثل صلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء و الصبح في أوقاتها و إنكاره سفسطة و إنكار للوجدان و قد يكون مضيقا كمن لم يدرك من وقت الظهرين إلا بمقدار ثماني ركعات من آخر الوقت و ليس معناه تطبيق أول جزء من الواجب بأول جزء من الوقت و تطبيق آخره بآخره حتى يكون محالا أو كالمحال و كل ذلك‏

33

واقع فضلا عن إمكانه و اللّه العالم.

في الواجب الموقت‏

23- فصل لا دلالة للأمر الموقت على تعدد المطلوب و إن وجوده مطلوب في نفسه و كونه في الوقت مطلوب آخر بل إنما يدل هو على مطلوبيته في الوقت و وجوبه بعد وقته سواء كان بعنوان القضاء أولا يحتاج إلى دليل آخر إلا أن يكون الأمر الأول مطلقا و الذي دل على التوقيت لم يكن مقيدا له و إنما دل على مطلوبيته في الوقت فيتمسك بإطلال الدليل الأول على مطلوبيته بعد الوقت و اللّه العالم‏

في الأمر بالواسطة

24- فصل إن أمر المولى بعض عبيده أن يأمر البعض الآخر بشي‏ء و كان مقصود المولى كونه واسطة في التبليغ و غرضه صدور هذا الشي‏ء المأمور به فلا إشكال في كونه في الحقيقة أمرا بالثاني و من هذا القبيل أمر اللّه تعالى رسوله و نبيه بتبليغ أحكامه و قد يكون المقصود أمره فقط من دون أن يكون نظر إلى أمر الثاني كما أمرنا الشارع أن نأمر أولادنا بالصلاة و هذا كله مستفادة من القرائن فلا دلالة في نفس الأمر بالأمر على كونه أمرا به و اللّه العالم‏

الكلام في تأكيد الأمر

25- فصل إذا ورد أمر بشي‏ء بعد الأمر به قبل امتثاله فتكرار

34

الأمر لا يدل عرفا على تكرار المأمور به فإن قال المولى اسقني و قبل الامتثال قال بلا فصل أو مع فصل اسقني فهو لا يدل عرفا على تكرار المأمور به و كون التأسيس أولى من التأكيد لا يثبت الدلالة العرفية و الميزان في دلالة الألفاظ هو الدلالة العرفية لا الترجيحات الاستحسانية التي لا توجب الدلالة العرفية كقولهم المجاز خير من الاشتراك اللفظي لكونه أكثر منه أو المجاز خير من الإضمار أو هو خير منه فإن هذه كلها كأمثالها لا طائل تحتها و إن أطنب فيها بعض فافهم و لا تغفل و اللّه العالم‏

الكلام في للنواهي‏

26- فصل في جميع الألسنة و اللغات المتداولة فيما بين أصناف البشر نواهي كما لهم أوامر لا اختلاف بينهم إلا من جهة الصيغ و الألفاظ فتارة بمقتضى الاحتياجات أو لحاظ المصالح يأمرون و تارة ينهون و لا يأمرون إلا في مقام البعث إلى الفعل و لا ينهون إلا في مقام الزجر عنه الذي يعبر عنه بطلب الترك بل يمكن أن يقال إن الحيوانات كلها أو بعضها أيضا يستعملون أصواتا في مقام الطلب من أولادهم مثلا و يستعملون أصواتا في مقام الزجر كما هو المشاهد المحسوس من بعضهم و في مقام الطلب يطلبون شيئا و في مقام الزجر ينهون عن شي‏ء بكيفيات أصواتهم و دعوى أن النهي عبارة عن طلب الكف عن الفعل لأن الترك أمر عدمي و الأعدام لا ميز فيها و لا يتعلق بها شي‏ء لأنها ليست باختيار الإنسان سفسطة

35

مخالفة للبداهة و لأن الترك لو لم يكن باختيار الإنسان لم يكن الفعل باختياره لأن المقدور ما كان الإنسان قادرا على فعله و تركه و جميع أفراد البشر صغيرهم و كبيرهم بل جميع الحيوانات ينهون و لا يطلبون إلا ترك الفعل و لا يتصور أحد منهم الكف أبدا و اللّه العالم‏

النهي بإطلاقه يقتضي ترك جميع أفراده‏

27- فصل النهي عن فعل بلا قيد يقتضي ترك جميع أفراده الدفعية و التدريجية فلا يحصل الامتثال إلا بتركه مطلقا في جميع الأزمنة و لا يدل ذلك على كون النهي للتكرار بخلاف الأمر فإنه طلب الفعل و هو يحصل بامتثاله مرة فلا يقاس على النهي حتى يقال إنه للتكرار و الأمر نظيره فيلزم أن يكون الأمر للتكرار أو يقال إن الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده و النهي للدوام فالأمر أيضا للدوام فإن كل ذلك مباحث لا طائل تحتها و الميزان في الدلالة هو الذي سبق كرارا و به تتم الحجة و البرهان و على اللّه التكلان‏

الكلام في اجتماع الأمر و النهي‏

28- فصل في اجتماع الأمر و النهي و خلاصة القول فيها أنه قد يكون شخص واحد في آن واحد مقصرا و خاطئا من جهة و مطيعا و ممتثلا من جهة أخرى كإنقاذ غريق بيده اليمنى مثلا و غرقه الآخر باليسرى فهو في‏

36

هذا الآن مطيع و عاص فلا إشكال في إمكانه و وقوعه و إنما الإشكال في أنه هل يمكن أن يكون فعل واحد محرما من جهة و طاعة و محبوبا من جهة أخرى كأن يكون حركة واحدة إنقاذا لأحد و إهلاكا للآخر فهل يمكن أن يكون هذا الحركة أو التحريك حراما من جهة و واجبا من جهة أخرى فقد يقال نعم لأن المأمور به و المنهي عنه هو الطبائع و قد جمعه المكلف بسوء اختياره في فرد واحد و ليس المأمور به و المنهي عنه الأفراد حتى يجتمع الأمر و النهي و لكن هذا لا يخلو عن إشكال ضرورة أن الطبيعة و الماهية من حيث هي مع قطع النظر عن الوجود ليست إلا هي و لا يتعلق بها أمر و لا نهي و إنما يتعلق بها من حيث الإيجاد و المفروض وحدة الإيجاد فكيف يكون متعلق الأمر و النهي معا مطلوبا و مبغوضا في أن واحد بعبارة أخرى إذا فرضنا أن الصلاة و الركوع و السجود مثلا بعينها كانت تصرفا في ملك الغير فإما أن تكون هذا الصلاة و الركوع و السجود مما أمر به الشارع و طلبه و هي مطلوبة و محبوبة له فلازم ذلك تجويز الشارع هذا التصرف الذي يكون في ملك الغير و معه لا يكون حراما و منهيا و إما أن تكون هذه الصلاة مبغوضة للشارع فلا تكون مما أمر به بل الصلاة التي أمر بها الشارع الصلاة التي أسست على التقوى و أنها لا يتقبل إلا من المتقين و لا يصح عمل بلا تقوى فهذه الصلاة هي تصرف في ملك الغير فتكون فاسدة فلم يجتمع الأمر و النهي و هو المطلوب و اللّه العالم‏

37

الكلام في دلالة النهي على الفساد و عدم دلالته‏

29- فصل هل يدل النهي على الفساد في العبادات و المعاملات أم لا المشهور على أنه يدل على الفساد في العبادات و لا يدل عليه في المعاملات أما الأول فلأن العبادة المنهي عنها لا يتقرب بها إلى اللّه و العبادة لا بد أن تكون مما يتقرب به إلى اللّه تعالى فلا يتصور قصد التقرب بها بعد ورود النهي عنها و بدونه لا يتحقق موضوع العبادة و أما الثاني فلأنه لا يلزم في المعاملات قصد التقرب حتى ينافي النهي و لا ملازمة بين النهي و عدم التأثير و الصحة في المعاملات ليست إلا كونها مؤثرة في النقل و الانتقال فيمكن أن يكون شي‏ء مبغوضا للّه و يكون مفيدا للنقل و الانتقال كالبيع وقت النداء يوم الجمعة هذا و لكن العلماء (رضوان اللّه عليهم) مع قولهم بأن النهي في المعاملات لا يدل على الفساد حملوا أكثر النواهي الواردة في البيوع و النكاح على الفساد و لعل السر في ذلك أن المقنن أو المشرّع الحكيم في مقام التقنين أو التشريع إذا نهى عن معاملة فهو باعتبار هذا المقام ظاهر في عدم اعتبار هذه المعاملة عنده إلا أن يكون النهي لأمر خارج كالنهي عن البيع عند النداء يوم الجمعة لإيجاب الحضور لصلاة الجمعة و إن شئت قلت إن نبينا إذا بعث لتشريع الشرائع و شرع شرائع و حكم و نهى عن التصرف في مال الغير و الغصب و كانت الملكية الدائرة السائرة فيما بينهم بمعاملات جارية فيهم فما لم ينههم عن معاملة فمقتضى حكمه ألا يتصرف أحد في‏

38

مال الغير إلا بإذنه إمضاء معاملاتهم التي بها دور الملكية عندهم إلا أن ينهاهم عن معاملة فإن نهيهم عن معاملة كان نهيه بلحاظ ما ذكرنا ظاهرا في عدم صحة هذه المعاملة فلذلك كان أغلب ما ورد في الشرع في مقام بيان عدم الصحة و عدم ترتب الأثر على المعاملة بلفظ النهي و هو يكشف عن ظهوره في الفساد و لو بالقرينة التي ذكرناها و اللّه العالم‏

البحث في المفاهيم‏

30- فصل في المفاهيم و قد أطنبوا في تعريفها و في النقض و الإبرام فيها و كلها لا طائل في بحثها و تفسيرها اللفظي المراد منها معلوم لكل من له أدنى تحصيل و تعلم و فيها مقاصد

المقصد الأول في مفهوم الشرط

و قد اختلفوا فيه على قولين فمنهم من يقول إنه حجة و منهم من ينكره و الأول يرجع إلى أن له مفهوم عرفي يستفاد منه عند أهل العرف و الثاني يرجع إلى إنكاره فنقول إن جميع اللغات و الألسنة لها جمل شرطية و لها أداة الشرط و جميع الناس يستعملونها و لا اختلاف إلا في أداتها و ألفاظها و كلهم حتى أطفالهم المميزين يفهمونها بمقتضى فطرتهم التي فطر اللّه الناس عليها و هو البيان الذي علمه اللّه تعالى بعد خلقة الإنسان مثلا إذا قال قروي فارسي لولده الصغير المميز بلسانه الفارسي (اگر حسين قباى مرا دوخت به او پنج تومان بده) أو قال عرب بدوي لولده الصغير إن خاط الحسين قباي فأعطه دينارا يستفيد منه مراده و إن مفاد لفظه و مفهومه أنه إن لم بخطه‏

39

لا تعطه فلو أعطاه مع عدم خياطتة يذمه و يقول له إني قلت لك إن خاطه فأعطه إن كان عربيا و إن كان فارسيا يقول بلسانه (من به تو گفته بودم اگر قباى مرا دوخت پنج تومان بده من نگفته بودم بده بدون دوختن) و إن لم يعطه مع عدم خياطته و طالبه الحسين الخياط الدينار يقول الطفل بمقتضى فطرته إن مولاي قال إن خاطه فأعطه و أنت لم تخطه و إن كان فارسيا يقول (آقاى من به من گفته هر گاه قباى مرا دوخت بده تو كه ندوخته‏اى) و هكذا جميع اللغات و الألسنة سواء كان عبرانيا أو سريانيا أو غيرهما و قد أشرنا كرارا أن الأنبياء (عليهم السلام) لم يتكلموا الناس إلا بالبيان الذي علمهم اللّه تعالى بعد خلقهم كما قال في كتابه العزيز خلق الإنسان علمه البيان و به تتم الحجة و لا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل و بعد بيانهم و هذا معنى حجية مفهوم الشرط ثم إنه لا يستفاد من الشرط أزيد من ذلك عرفا و لا يستفاد منه عرفا أن هذا الارتباط بين الشرط و الجزاء للعلية و المعلولية بينهما أو لكونهما معلولين لعلة واحدة أو لكونهما متلازمين بل استفادة هذه محتاجة إلى القرائن الأخر كما قد يستفاد من القرينة الأخرى أن الشرط قد ينوب عنه شرط آخر لا ينتفي الجزاء بانتفاء الشرط الذي وقع في كلامه و قد يستفاد من القرينة أن سوق الشرط لنكتة أخرى لا لانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط فجميع ما يستدل به على عدم حجية المفهوم من هذا القبيل‏

40

تنبيهان‏

إذا تعدد [1] الشرط و اتحد الجزاء

مثلا إذا قال إذا لم تسمع الأذان فقصر و إذا خفي الجدران فقصر فالمستفاد منه عرفا أن كلا من الشروط يترتب عليه الجزاء فكل منهما حصل يكتفى به في القصر و إنما يتم إذا لم يحصل واحد منهما و عليه المعول و لا يعتنى بما يقال إن الواحد بما هو واحد لا يرتبط بالاثنين كما أن الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد فإن هذه كلها لا يرتبط بالشروط الشرعية الجعلية التي يمكن كونها ملازما للعلة الواحدة الحقيقية أو معرفات و علامات لها و المثال و الممثل لو سلم فإنما هو في العلل الطبيعية المحضة لا في العلل الشرعية و لا ما كان المنشأ فيها هو القدرة و الاختيار و لعمري إن خلط هذه المباحث مع ما فيها بمباحث الألفاظ يوجب اختلال الذهن و إثمها أكبر من نفعها.

التنبيه الآخر

إذا تعدد الشرط و اتحد سنخ الجزاء كأن قال المولى لخادمه أعط فلانا إذا خلط قباي دينارا ثم قال إذا خاط قميصي أعطه دينارا فالظاهر عرفا كون كل منهما حكما على حدة إلا أن يدل دليل على التداخل كما في الأغسال و أسباب الوضوء إلا أن يكون الموضوع عنوانا واحدا جامعا لعنوانين كأن قال أضف عالما و أكرم‏

____________

[1] لا يخفى عليك أن هذا إذا لم يكن المجموع من حيث المجموع شرطا فإن الشرط في الحقيقة واحد حينئذ كما إذا قال المولى بعبده إن خاط زيد قبائي و خاط قميصي فأعط دينارا فإن الجزاء مترتب على خياطتهما و ليس الشرط في الحقيقة متعددا و لوضوح ذلك لم نتعرض له‏

41

هاشميا فأضاف عالما هاشميا مكرما بإضافته و نظيره أن يقول من صلى بين المغرب و العشاء ركعتين و قرأ في أولاهما و ذا النون إلخ و في الثانية آية و عنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلخ و قرأ في قنوته اللهم إني أسألك إلخ و سأل حاجته قضى اللّه حاجته و غفر له فمن صلى نافلة المغرب بهذا المنوال فقد أتى بالوظيفتين لصدق العوانين نعم يجوز له أن يفرقهما

المقصد الثاني قد عرفت أن الحجة لا تتم إلا بالبيان‏

الذي يكون الأغلب باللسان بالنحو الذي يستفاد منه عند أهل اللسان حتى يعرفه كل من هو من أهله و من البديهي أن إثبات الحكم لموصوف لا يدل على نفيه لغيره حتى يكون للوصف مفهوم و بذلك يكون حجة فمعنى قولهم أن مفهوم الوصف ليس بحجة أنه ليس للوصف مفهوم عند أهل العرف و اللغة حتى يكون حجة و كذا أن مفهوم اللقب ليس بحجة لأنه ليس للقب مفهوم عند أهل العرف و اللغة نعم قد يكون في تعليق الحكم بالوصف إشعارا بالعلة و لكن الإشعار ليس بيانا تتم به الحجة إلا أن يكون هناك قرينة تدل عليه فيتبع مدلول القرينة كيف ما دلت عليه القرينة و من قبيل ذلك مفهوم العدد فإنه لا مفهوم لها إلا ما ورد في مقام التحديدات [1]

المقصد الثالث قد يكون عند أهل كل لسان حكم‏

____________

[1] فإن التحديد بنفسه قرينة على أن العدد المذكور في هذا المقام له مفهوم و مفاد ضرورة على أن العدد المحدود في الواقع لو كان أقل أو أكثر و لم يذكر في الكلام لكان التحديد به لغوا بل كذبا فمعنى التحديد به إن الحد منحصر به‏

42

علق على الأدنى ليستفاد منه حكم الأعلى بطريق أولى و يعبر عنه بمفهوم الموافقة كأن يقول الفارسي لولده (فلانى را به گوشه چشمت توهين مكن و فلانى را با كوچكترين لفظى مرنجان) و العربي يقول لا تقل لفلان أف و لا تنظر إليه نظرة توهين و يستفاد من جميع ذلك أن المقصود منه عدم تحقيره و توهينه و إيذائه بكل أنواع التوهينات و تتم بذلك الحجة لكونه بيانا عند العقلاء و أهل اللسان و نظير ذلك في الشرع قوله تعالى و لا تقل لهما أف و في الحديث لو كانت كلمة أدنى من كلمة أف في مقام الإيذاء لنهى اللّه عنه انتهى و قد نقلناه لمضمونه و ليس من مفهوم الموافقة ما استنبط العلة و يعبر عنها بالمناط القطعي من دون أن تكون عليه دلالة لفظية أو قرينة حالية ثم قيس على ما نص ما لم ينص بأولوية قطعية عند القائس فإن ذلك من القياس المنهي عنه في الأخبار الشريفة ففي رواية أبان بن تغلب من الصادق (عليه السلام) قال قلت قطع إصبعين قال (عليه السلام) عشرون قلت قطع ثلاثا قال ثلاثون قلت قطع أربعا قال عشرون قلت سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون و يقطع أربعا فيكون عشرون كان يبلغنا هذا و نحن بالعراق فقلنا إن الذي جاء به الشيطان قال (عليه السلام) مهلا يا أبان هذا حكم رسول اللّه إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغ الثلث رجع إلى النصف يا أبان إنك أخذتني بالقياس و السنة إذا قيست محق الدين لا يخفى عليك أن أبان بن تغلب الذي كان من علماء الشيعة و كبرائهم قد رد الرواية الحقة الصادقة بمخالفتها للأولوية القطعية عنده و حكم بخلافها لموافقته لها في نظره و لكن‏

43

الصادق (عليه السلام) أبطل ما زعمه و جعله من القياس و هكذا جعل الأولوية القطعية بزعم القائس من القياس المنهي عنه في الأخبار الواردة في مقايسة إبليس و أنه أول من قاس نعم قد يصرح بالعلة و يستفاد منها عرفا أن الحكم يدور مدارها فيعم الحكم و يخصص فيقال مثلا لا تأكل الرمان لأنه حامض فإنه يستفاد منه أن العلة و المناط هي الحموضة فيعم كل حامض و يخص الحكم أيضا بالرمان الحامض لا الرمان الحلو و هذا النحو من الاستفادة أيضا من الاستفادة اللفظية بمقتضى الفطرة الارتكازية و مقتضى المفهوم اللغوي نعم لو استنبط العلة و حكم عليها بالحدس و جعل اسمها المناط القطعي لكان من القياس في الدين و لو فرض حجتيها في بعض الأحيان لكان ذلك بالنسبة إلى قاطعها لا على غيره ممن يقلده لعدم شمول أدلة التقليد له‏

المقصد الرابع لا ريب أن كل الناس و جميع العقلاء من جميع الملل و الأقوام لهم في مقاصدهم غايات‏

و في أحكامهم العرفية و المولوية نهايات يفهمونها بألسنتهم مع اختلاف لغاتهم بحروفها الدالة عليها و اللغة العربية أيضا من هذه اللغات التي جعل اللّه من آياته في الآية الشريفة و من آياته اختلاف ألسنتكم إلخ لا فرق بينها و بين هذه اللغات على كثرتها إلا في الألفاظ و الأدوات و كل الناس بفطرتهم حتى الأطفال المميزين يفهمون من مفهوم هذه الأدوات أن ما بعد الغاية غير المغيا في الحكم و المقصد إلا أن يدل دليل آخر على خلاف ظاهره و قد يريد المولى أن يشتغل العبد بفعل إلى الليل مثلا و لكن يريد أن لا يكون في‏

44

نظره شاقا فيقول له افعل إلى الظهر فإذا اشتغل إلى الظهر فبعده يقول اشتغل إلى الليل و هكذا قد يريد الأمراء أن يسوقوا الجيوش إلى مكان معين في نظرهم و لكن نظرياتهم تقتضي أن لا يفهمونهم فيأمرونهم أن يسيروا إلى مكان قريب و بعد ما ساروا إليه يأمرونهم إلى مكان آخر حتى يوصلوهم إلى مقاصدهم و لكن كل هذه لمصالح تقتضيها و القرائن تدل عليها فاتضح مما بيناه أن حروف الغاية لها مفاهيم تدل عليها ما لم يكن قرينة على خلافها

القصد الخامس في الاستثناء

لا شك أنك إذا قلت لولدك لا تشتر اللحم إلا من عمرو يفهم ولدك المميز بطبعه السليم أنك نهيته من شراء اللحم من كل أحد و أجزت له شراءه من عمرو فيفهم من الاستثناء من النهي و النفي إجازته و إثباته للمستثنى و كذا إذا قلت اشتر اللحم من كل أحد إلا من عمرو يفهم أنك أجزت له الشراء من كل أحد ما سوى عمر و فيفهم من الاستثناء من الأمر و الإثبات النهي و النفي من المستثنى و قول أبي حنيفة بخلاف ذلك لا يوافق الذوق الصحيح و الطبع السليم و الاستناد في ذلك إلى قوله (عليه السلام) لا صلاة إلا بطهور و أمثال ذلك سفسطة لأن من المعلوم أن المقصود أن الصلاة إذا تمت جميع أجزائها و شرائطها و لم تكن واجدة للطهور لا تصح و معه تصح فحينئذ تقيد الاستثناء من النفي إثباتا

تنبيه‏

قد أشكلوا في كيفية إفادة كلمة التوحيد (لا إله إلا اللّه) التوحيد الحقيقي بأنه إن كان الاستثناء من نفي الوجود فيفيد إثبات الوجود و لا يفيد نفي إمكان غيره تعالى و إن كان الاستثناء من نفي الإمكان‏

45

فلا يفيد إثبات الوجود له تعالى و لكن الإشكال في غير محله لأن هذه الكلمة المقدسة في قبال المشركين الذين يعبدون من دون اللّه آلهة فهو في مقام نفي الوجود المعبود الحق لكل معبود سواه نعم نفي الوجود لكل معبود عند العقلاء مستلزم لنفي الإمكان لأنه إن كان جائزا وجوده وجب وجوده لأن اللّه لا يكون إلا واجب الوجود الغني بالذات و كل معبود سواه باطل فنفي وجود إله غيره مستلزم لنفي إمكانه‏

تنبيه آخر

في مفهوم أنما و بل و المسند إليه و المعرف باللام و خلاصة القول فيها أنها قد تفيد الحصر و لكنها ليست في أنفسها ظاهرة في ذلك بل تفيده بمعونة القرائن و لا إشكال في ذلك إذا دلت القرائن الواضحة و بدونها لا تتم الحجة و لا يحصل به البيان و اللّه العالم‏

البحث في العام و الخاص‏

(31- فصل في العام و الخاص‏

و فيه مباحث‏

) المبحث الأول‏

لا ريب أن في كل لغة من لغات العالم التي علمها اللّه تعالى لبني آدم ليصلحوا أمورهم و يشكروا ربهم و يظهروا ما في ضمائرهم بمقتضيات حاجاتهم ألفاظ عموم و ألفاظ خصوص يعرفها كل ذي لغة كما يعرفون سائر ألفاظهم من كبيرهم إلى صغيرهم و قرويهم و بدويهم و لا فرق إلا في ألفاظها مثلا لفظ العموم في اللغة العربية كل و في الفارسية (همه) و في التركي (هامو) فاستدلال بعضهم على أن هذه الألفاظ أنما وضعت للخصوص و إن استعمل في العموم فعلى طريق المجاز بأن الخصوص هو المتيقن أو بأنه أكثر استعمالا من العموم حتى قيل ما من‏

46

عام إلا و قد خص فلو قيل إنها وضعت للعموم للزم التجوز في أكثر الاستعمالات فقلنا بأنها وضعت للخصوص تقليلا للمجاز سفسطة من قدماء الأصوليين و استناد في اللغة إلى الاجتهادات الباردة التي لا تسمن و لا تغني من جوع.

ثم إن معنى العام و الخاص لمن عرف اللغة و تفسيرها اللفظي لا يحتاج إليه لأنه ليس لفظ أوضح معنى في اللغة منهما حتى يفسرهما و ليس المقام مقام بيان الماهية (و يزيدك وضوحا ما في كتب المنطقيين و من جملتها اللئالئ للسبزواري قال فيه و من ثم ما في بدو تعليم شرح للاسم) و ليس شرحا الحقيقة حتى يحتاج إلى تعريف الماهية بجنسها و فصلها جامعا للأفراد و مانعا للأغيار حتى يكون محلا للنقض و الإبرام.

المبحث الثاني قد تتعلق الأغراض العقلائية و تحصل المقاصد بالعموم البدلي‏

كأن يقول أحد منهم لغلامه أو لخادمه أعط واحدا من كل المتعلمين دينارا فيحصل الامتثال بإعطاء واحد من جميع من كان متعلما دينارا و قد لا تحصل المقصود إلا بإعطاء مجموعهم من حيث المجموع فيقول أضف جميعهم و كلهم بحيث لا يتخلف واحد منهم فإن نقض واحد منهم لم يحصل الضيافة من العبد و يسمى ذلك بالعام المجموعي و قد تتعلق بكل فرد فرد منهم و يكون إعطاء كل منهم دينارا تكليفا مستقلا فيقول أعط كل واحد من المحصلين دينارا فكل من أعطى له فقد امتثل في حقه و يسمى هذا بالعموم الأفرادي و لكن هذه كلها ليست‏

47

تغييرا في معنى اللفظ بل لفظ العام استعمل في معناه الذي هو العموم و إنما الاختلاف في المقاصد و استفيد ذلك بالقرائن فيحتاج في ذلك إلى القرائن فإذا لم تكن قرينة يمكن أن يقال إذا كان حكم واحد موضوعه الكل فمقتضاه تعلق الحكم بمجموعهم إلا أن يدل دليل و قرينة على خلافه و لم يكن في الكلام ظهور في إحداهما بالخصوص فيرجع إلى سائر الدلائل في ذلك.

المبحث الثالث إذا تعلق النهي و النفي بماهية شي‏ء فيسري الحكم إلى جميع أفرادها

لأن وجود واحد من تلك الماهية ينافي نفيها أو نهيها فلذا كانت لاء النافية للجنس و النكرة في سياق النفي مفيدة للعموم لا أن العموم معناها بل هو من لوازم معناها في كل لسان و لغة ثم إنه قد تجعل نفس الطبيعة من دون نظر إلى أفرادها الخاصة موضوعا لحكم فيسري الحكم إلى جميع أفراد الطبيعة لأن موضوع الحكم أينما وجد وجد الحكم فلذا كان الجنس المعرف باللام يفيد العموم لأن اللام فيها للإشارة إلى نفس الجنس و أن الجنس من حيث هو موضوع للحكم فلذا أفاد العموم و صح الاستثناء كما في الآية الكريمة و العصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا إلخ كما أن الجمع المحلى باللام إذا كانت للإشارة إلى نفس الجميع من دون خصوصيات ملحوظة في أفرادها سرى الحكم إلى جميع الأفراد فلذا كان الجمع المحلى باللام مفيدا للعموم و صح الاستثناء منه فاتضح مما بيناه وجه إفادة العموم‏

48

في جميع ما ذكر و لا حاجة لنا إلى التطويل‏

المبحث الرابع في أن العام المخصص حجة في ما بقي‏

لا ريب أن الحجية في الدلائل اللفظية ليست باعتبار كونها منصوصة من المعصوم و إن كان لو نص لكان حجة بل باعتبار حصول البيان بمقتضى الفطرة الارتكازية التي أودعها في الإنسان معلّم البيان كما سبق في أول الكتاب فكل دليل لفظي كان محل النزاع بين علماء الأعلام فالمرجع في تنقيح الدلائل و تهذيب المباني هو الذي مر إليه الإشارة غير مرة فنقول إن قلت لولدك الصغير أو خادمك اشتر اللحم أو الخبز أو الفاكهة أو ما أردت من كل أحد إلا الفلاني و خصصت واحدا من الكسبة لا شك في أنه بمقتضى فطرته السلمية يشتري ما تريد من كل أحد إلا ممن خصصته و كذا إذا قلت أكرم العلماء إلا من كان معينا للظالم فهو يرى بمقتضى فطرته أن وظيفته الإكرام لكل العلماء إلا من خصصته و كذا إذا قلت أكرم العلماء من دون استثناء ثم قلت بعد يوم أو يومين و لا تكرم من العلماء من كان معينا للظالم يحكم وجدانه أن وظيفته الإكرام لجميع العلماء إلا من خصصته بمخصص منفصل فالفطرة السليمة تحكم بأن العام المخصص حجة فيما بقي و ما قالوا في مقابل الارتكازيات التي هي من نعم اللّه تعالى من أن التخصيص قرينة على إرادة التجوز من العام و مراتب التجوز متعددة مختلفة و ليس في التخصيص قرينة على واحدة منها فلا يكون العام المخصص حجة فيما بقي غفلة عن الفطرة التي فطر الناس عليها و بها تمت الحجة و عظمت النعمة و لا حاجة لنا إلى الجواب‏

49

بأن أقرب المجازات إلى الحقيقة هو ما بقي بل الحق أن تخصيص العام ليس إلا كالتقييد نظير ضيّق فم الركية أو ليس استعمالا في غير ما وضع له و التخصيص بالمنفصل ليس إلا مثل بيان القيودات بدليل خارج منفصل فهو مثل التقييد بالصفة المتصلة مثل أكرم العلماء العدول أو من تقديم الأظهر على الظاهر فيما خصص لا رفعا للظاهر و تركا له بالكلية كما قال في الكفاية و كيف كان فمرجعنا هو الحاكم الذي جعله اللّه في وجداننا

المبحث الخامس العام إذا خصص بمجمل‏

فإن كان المخصص متصلا يسري إجماله إلى العام سواء كان إجماله من جهة دورانه بين الأقل و الأكثر أو من جهة دورانه بين المتباينين لأن الكلام لا يتم بيانه و ظهوره إلا بتمامه فيؤخذ بالمتيقن من العام و إن كان منفصلا و كان إجماله من جهة دورانه بين المتباينين و لم يكن العام حجة في واحد منهما لأنه إذا خصص بواحد من المتباينين و لم يعلم و لم يشخص واحد منهما لم يكن العام حجة في واحد منهما و إن كان إجماله من جهة دورانه بين الأقل و الأكثر كان العام حجة فيما لم يعلم تخصيصه و لا يسري إجماله إلى العام ثم إذا كان المخصص مبينا غير مجمل و لكن شك في بعض أفراده أنه من أفراد العام أو الخاص فلا يجوز التمسك بالعام في الفرد المشكوك فيه لأنه لم يعلم أنه من أفراد الخاص أو العام هذا إذا كان المخصص لفظيا و إن كان لبيا فقد قال في الكفاية إن كان مما يصح أن يتكل المتكلم عليه إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب فهو كالمتصل حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلا في الخصوص و إن لم يكن كذلك‏

50

فالظاهر بقاء العام في المشتبه على حجيته كظهوره فيه و علل ذلك بأن الكلام الملقى من السيد حجة و ليس إلا ما اشتمل على العام الكاشف بظهوره عن إرادته للعموم فلا بد من اتباعه ما لم يقطع بخلافه مثلا إذا قال المولى أكرم جيراني و قطع بأنه لا يريد من كان عدوا له يلزم عليه إكرام من شك في عداوته بالطريقة المعروفة و السيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء التي هي ملاك حجية أصالة الظهور انتهي ملخصا لكن يمكن أن يقال إنه إذا قال أكرم جيراني و علم أنه لا يريد إكرام جيرانه الواقعة في طرف شمال داره أو في طرف خلفه و شك في شخص أنه من جيرانه الشمالية أو الخلفية لا يجب إكرامه لعدم جريان السيرة العقلائية بالتمسك بالعام في أمثاله و أما وجوب الإكرام في المثال المذكور فلو سلم فلعله لكون العداوة من الأمور الطارئة الثانوية يلزم في ترتيب حكمها إحرازها

المبحث السادس‏

فلا يشك أحد أن الخطباء في كل قوم و لسان يخطبون الناس في مقام الإرشاد و الهداية في أمور المعاش و المعاد و لا يكون مقصودهم من خطابهم و بياناتهم الحاضرين دون الغائبين أو المشافهين فقط بل مقصودهم في أمثال هذه كل من كان أهلا للخطاب من الحاضر و الغائب و الموجود و من سيأتي و كذلك العلماء العظام و الفلاسفة يؤلفون الكتب و الصحائف و يدونون الدفاتر و الزبر في كل علم و فن و حكمة و يخاطبون في مؤلفاتهم بتناسب يقتضيه المقام و ليست‏