الاجتهاد والتقليد

- الميرزا هاشم الآملي المزيد...
464 /
5

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الاجتهاد و التقليد التصدير حول الاجتهاد و التّقليد الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين الى يوم الدّين‏

إنّ الإسلام عقيدة و عمل، و هو مشتمل على الأصول و الفروع. فالأصول هى المعتقدات الدينيّة الّتى فرض اللّه الإيمان بها على الناس، فمن لم يكن مؤمنا بها فليس بمسلم.

و المتكفّل لبيان اصول عقائد الدّين الاسلامى و اثباتها بالحجج و البراهين، هو الفلسفة الإسلامية و علم الكلام.

و امّا الفروع فهى الأحكام المتعلقة بالأفعال العباديّة للمكلفين، او الصّادرة عنهم فى سبيل معاشهم و حوائجهم الاجتماعية او الفرديّة.

و قد فرض الإسلام على كل مسلم، العمل باحكامه، و من لم يعمل بها فليس بمطيع للّه تعالى و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله).

و المتكفّل لبيان الأحكام الفرعيّة الإسلامية، هو علم الفقه، مستندا بالكتاب و السنة.

و من البديهى انّ العمل بكل حكم موقوف على العلم به عن دليله. اذ الجهل بالحكم يسدّ طريق الوصول اليه، فالعلم مقدّم على العمل و مقدّمة له.

و تحصيل المعرفة بالأحكام الفرعيّة الإسلاميّة من طريقين. الاجتهاد لمن طلبه و تمكّن اليه، او التّقليد لمن لم يتمكّن او لم يطلب.

6

و اليك هذه الرسالة الّتى تبحث عن الاجتهاد، و يتلوه بحث التّقليد و الاحتياط، بحثا جيّدا و جامعا عمّا يترتّب عليه من المسائل العلميّة، و الوظائف الشرعيّة، و المناصب الإسلامية، على ما ستعرف فى فصول خاصّة إنشاء اللّه تعالى.

و من اللّه التوفيق و عليه التكلان، انّه خير ناصر و معين.

(المؤلّف)

7

الجزء الأوّل فى مباحث الاجتهاد

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مكانة الاجتهاد شرفا و قيمة

10

مكانة الاجتهاد

المصحف هو الدستور الالهى:

المصحف الكريم هو الدستور الالهى، و قد انزله اللّه تعالى عزّ و جلّ على رسوله العزيز، بقوله تعالى شأنه: نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ.

و قوله: لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.

جاء النّبى (ص) بالشّرع الحنيف:

و قد جاء النبى المعظّم (صلّى اللّه عليه و آله)، من اللّه تعالى بالشّرع الحنيف، الى البشر عامّة بقوله تعالى شأنه: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً.

الشّرع مجموع التكاليف:

و الشّرع هو مجموع التكاليف الإلهيّة، للبشر، يجب على الناس تطبيقها فى العقيدة و

11

العمل فى حياتهم.

و قد انزل اللّه تعالى على رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، القرآن العظيم، كتابه الخالد تبيانا لكلّ شى‏ء، ناصحا و هاديا الى الرشاد.

و الأمة الإسلامية تحت ظلاله ابدا، معتقدين به فى جميع شئونهم و احوالهم الشخصيّة و حوائجهم الاجتماعية.

فلا بدّ لهم من المعرفة فى احكامه. حلاله و حرامه، سننه و فرائضه، رخصه و عزائمه، خاصّه و عامّه، ناسخه و منسوخه، الى غير ذلك.

النّبى (ص) عنده جميع التّكاليف و احكامها:

ثم انّه سبحانه و تعالى، قد اودع عند رسوله (ص) جميع احكامه، و عرّفها له بالوحى و الإلهام، و قد نصبه علما للعالمين شارعا للدين، لقوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى‏.

فكانت سنّته هى الأصل الثانى بعد الكتاب الكريم للّه تعالى. و كان هو (صلّى اللّه عليه و آله)، يدأب فى بثّ شريعته و نشر دعوته، من يوم بعثه الى يوم رحلته، ليلا و نهارا، سرّا و جهارا.

اودع النبى (ص) تكاليف الشريعة عند اهل البيت (ع):

و قد اودع النبي (ص) هذه الأحكام الالهيّة، و الشّريعة العظيمة الكافلة القويمة، للسعادة البشرية، عند اهل بيته الطاهرين، و عترته المعصومين (صلوات الله عليهم اجمعين).

النّصوص محكّمة في التمسّك باهل البيت (ع):

و اصدر بذلك فى نصوص محكمة، و كلمات جامعة متواترة، بطرق الفريقين. و منها قوله (صلّى اللّه عليه و آله): انى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتى، هم اهل بيتى، ما ان تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.

12

و هذا الحديث قد صدر منه (صلّى اللّه عليه و آله) بكلمات شتّى فى مواضع كثيرة عند عيون الصحابة.

الأصل للشريعة هو الكتاب و السنة:

فالأصل الأصيل للاحكام الشريعة الالهيّة، هو الكتاب العزيز و السنة النبوية و اهل بيته المعصومين (عليهم صلوات اللّه اجمعين). و الاطّلاع عليهما جامعة، يلزم معرفة الفنّ الاجتهادي، و استخراجه من المبانى الدينيّة المستنبطة.

يجب العلم بالدّلالات و المعانى فى الكتاب و السنّة:

يجب العلم من مواضع دلالات الالفاظ على معانيها، فى اوامرها و نواهيها، و عامّها و خاصّها، منطوقها و مفهومها، الى غير ذلك مما ورد فى علم الاصول للفقه الاسلامى.

و لا بد أيضا من معرفة الحاكى للسنة و هو الاخبار الواردة عنه (ص) و عن المعصومين من اهل بيته، فى منابعها الاصيلة بانواعها، من التواتر، و آحادها، و تعارضها، و مطلقها، و مقيّدها، الى غير ذلك ممّا ورد فى الأصول الروائي و الكتب الاخباريّة المنقولة عنهم (عليهم السلام).

و كذا يلزم، معرفة الإجماع عند القوم بأنواعه، و كيفيّة حجيّته، و كذا الشهرة عند القدماء، و الى غير ذلك مما يكون له دخل هنا.

و هكذا معرفة ما يدلّ عليه العقل، حين الشك فى اصل التكليف، او فى المكلف به من الحكم بالاحتياط فى العمل، او إجراء اصل البراءة او الإباحة، او الحكم بالتّخيير ابتداء او استدامة.

فيجب معرفة اجراء كل واحد من هذه الأمور فى موارده، و معرفة شروطه و لوازمه و كلّها فنون شتى، يجمعها، الفن الاجتهاد العلمى فى استنباط الحكم الشرعى، و استخراجه من المبانى الدينيّة الإسلامية المستندة.

13

لزوم الاجتهاد فى العلم بالأحكام:

و ليس يحصل ذلك الا للمجتهد المجد الخبير العارف ذى نفس صائبه، و ملكة عظيمة علميّة، يقتدر بها على الاستنباط من مواضيع الأحكام، و عرف دقيقا مواردها، و كيفيّة اجرائها و توابعها و صغرياتها ..

و قد كان الصحابى من الفقهاء فى زمن النبى الأعظم و الأئمّة المعصومين، فى سعة و فسحة فى فهم الحكم، و الاجتهاد فى ذلك اليوم خفيف المئونة، حيث انهم فى عصر الحضور، فيرون ما سمعوا و يفتون ما تحملوا مشافهة من النبى الاعظم (ص) و ما شاهدوه من أعماله و أقواله، و كذا من الأئمة المعصومين من اهل بيته (عليهم السلام). و لم يكن دائرة الفقه الاسلامى فى ذلك العصر القويم واسعة جدّا بهذا التوسّع الحالى.

اتّساع نطاق الإسلام و الحوادث الجديدة:

و لمّا اتّسع نطاق الإسلام زمن الغيبة، و حدثت ابتلاءات فى الفروع الفقهيّة و المسائل الجديدة، و اتّسعت دائرة الفقه اتّساعا. و كلّما بعد العهد من زمن الحضور تكثّرت الآراء و الانظار و دخل فيها الدسّ و الوضع، و توفّرت الدواعى للكذب ايضا، فصعب الأمر على المجتهد فى معرفة الأحكام.

يجب التّحقيق فى تحصيل الوظيفة:

و من هذه الجهة، اشكل على الفقيه، سلامة الحديث المرويّة، فيلزم عليه فى هذه العصور المتاخرة عنهم (عليهم السلام)، فى صدور الحكم الدينى، من التّحقيق و التفتيش، مزيد مئونة و استفراغ وسع للنظر و الاطّلاع على الصحّة للسنّة و الاطّلاع على كيفيّة الصدور، و الاطمينان بالرواة الناقلين له، و كشف السليم عن السقيم من الروايات الواردة، على التفصيل الذى دوّن فى كتب علم الرجال و الدراية، و من جهة آخر انّه ربّما تسقط القرائن الحاليّة او المقاليّة عند ذكر الرواية ايضا، و كان الصحابى‏

14

قد يسمع حكما او رواية من الشارع فى واقعة، و سمع صحابى آخر فى مثل ذلك، خلافه. و يكون هناك خصوصيّة تقتضى تغاير حكمها، و قد غفل الراوى عن ذلك الخصوصيّة، او التفت، و لكن غفل او نسى عن نقلها عند نقل الحديث، فيقع التعارض بين الحديثين ظاهرا من دون ذكر القرائن و الخصوصيّات، مع انه لا تنافى واقعا لو ذكر ذلك، و اشكل على المجتهد الفقيه استخراج الحكم من بينهما.

لزوم الدقّة للفقيه فى معرفة الأحكام:

و من ذلك كلّه، احتاج الفقيه فى معرفة الأحكام الى النّظر الدقيق فى الرّواية، و ضمّ بعضها الى البعض، و عرضها على الكتاب و السنة المسلّمة، و التوجّه الى القرائن فى صحّة الحديث، و معرفة الناقلين له.

فقد يكون للرواية ظاهر و مراد الشارع خلافه، اعتمادا على القرينة التى كانت فى المقام، و الحديث قد نقل و ترك القرينة.

و كان الرّاوى، تارة يروى نفس الفاظ الحديث، فيكون هو فى هذا الحال راوى الحديث فقط. و تارة يذكر الحكم المستفاد من الحديث بحسب نظره و فهمه، بدون ذكر لفظ الحديث، فهو فى هذا الحال يكون مفتى الحكم، و مجتهد فى فهم الحكم من الحديث.

يلزم مراجعة الفقيه الى الأدلّة:

فيلزم للفقيه مراجعة دليله، و نفس الحديث، فربّما يتفاوت بينهما، فى نظر الفقيه الآخر، و يرى هذا الحكم و ذلك الحديث الذى يكون مستند ذلك الحكم متفاوتا. و الى غير ذلك من الموارد الكثيرة الشتّى، تكون دخيلة فى الاجتهاد و الاستنباط.

فللفقيه ان ينظر الى جميع اطراف مستندات الحكم، حتّى يحصل له القطع او الاطمينان فى صدور الحكم الشرعى، لعمل نفسه او لغيره من المقلّدين له.

فهذا فنّ الاجتهاد فى الفقه الاسلامى، عزيز قدره، عظيم شأنه و اعلى قيمته، و

15

أشرف حملته، الّذين هم ورثة علم النّبيين و الحافظون للشريعة، و امناء الدين.

باب الاجتهاد مفتوح من زمن النّبى و الائمّة (ع):

و من يعط النظر حقّه فى تاريخ الفقه الاسلامى و مبدئه، يتّضح له انّ باب الاجتهاد كان مفتوحا فى عصر النبىّ الأعظم (ص) بين الصحابى، فضلا عن سائر الازمنة من بعده، لاتّساع الفقه الاسلامى و ضرورة الاجتهاد فى استنباط حكم الفروع المستحدثة و ربطها بالمبانى، و لا يزال معروفا فى زمن الائمّة المعصومين (عليهم السلام)، و انه بمرأى و مسمع منهم (عليهم السلام)، حسب ما هو الموجود فى الروايات من الدلائل و الشواهد، و المصرّحات كثيرا، بل الائمة (عليهم السلام) يرشدون اصحابهم الى الاجتهاد و فهم الفروع من الأصول، على ما ستعرف البيان فى ذلك فى خلال المباحث إن شاء اللّه‏

الاجتهاد له شرف عظيم:

و على هذا فللاجتهاد شرف عظيم فى الإسلام، و كان الاجتهاد هو الطريق الاصيل و نبع يزود الإنسان العارف بالمواقف الحقّة الالهية فى الحياة، فيشعر معه باطمينان فى القلب و وضوح فى الرؤية و انسجام تامّ مع الأحداث الواقعة الجديدة، دون ان يفقد قيادة لها. و كان مذهب اهل البيت (عليهم السلام)، قد شرّف التمسك بالاجتهاد و صيانته فى خلال التاريخ مسلسلة. و هذه نبذة من مكانة الاجتهاد، قيمة و شرفا للمجتهد الفقيه و ما اغلى هذا الثمن، لما تضمّن سعادة البشر و كرامة الإنسان و لا ثمن اغلى منه.

اهميّة الاجتهاد فى سلسلة التاريخ الإسلامى:

فالاجتهاد اهمّ موضوع فى سلسلة التاريخ فى الفقه الاسلامى من زمن الحضور الى عصر الغيبة و الى زماننا هذا و حملة العلم الاجتهادي فى الفقه الاسلامى، هم حملة التكاليف الالهى للبشر الى اقطار العالم و قد نشروا و انتشروا ما تحمّلوا من العلوم و

16

المعارف شتّى فنون الدينى و الفقه الاسلامى حسب اجتهادهم و دراساتهم فى المدارس الالهيّة العلمية و قابليّتهم العقلية و الاستعداديّة.

و هنيئا لهم، و للّه درّهم و عليه اجرهم و الى الرفيق الأعلى حشرهم. آمين آمين.

***

17

الاجتهاد عند الشيعة و اهل السنّة

الاجتهاد عند الشيعة:

لا يخفى عليك بانّ الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة، عبارة عن استقصاء الوسع فى طريق كشف الأحكام من الأدلّة، فهو استنباط الفروع من الأصول المأثورة فى الدّين.

و قد بنى الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة على اصلين اصيلين، و هما الكتاب و السنّة.

امّا الكتاب فهو المصحف الشّريف الالهى على ما فيه من الأحكام الدينيّة و التكاليف و الأحكام.

و امّا السنّة فهى المحكية عن النبى (صلّى اللّه عليه و آله)، و الائمّة المعصومين من اهل بيته (عليهم السلام)، الّذين اذهب اللّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا. بنقل ثقات الصّحابة كلامهم او فعلهم او تقديرهم.

و امّا الإجماع عند الشّيعة الإماميّة فهو ليس بحجّة مستقلّة، بل يعدّ حاكيا للسّنّة، اذ منه يستكشف عن رأى المعصومين (عليهم السلام).

18

قال الفقيه الهمدانى فى مصباح الفقيه:

انّ مدار حجيّة الإجماع، على ما استقرّ عليه رأى المتأخّرين، ليس على اتّفاق الكلّ، و لا على اتّفاقهم فى عصر واحد. بل على استكشاف رأى المعصوم، بطريق الحدس، من فتاوى علماء الشيعة الحافظين للشّريعة. و هذا ممّا يختلف باختلاف الموارد.

فربّ مسألة لا يحصل فيها الجزم بموافقة الإمام (ع) و ان اتّفقت فيها آراء الاعلام.

كبعض المسائل المبتنية على مبادى عقليّة، او نقلية القابلة للمناقشة، و ربّ مسئلة يحصل فيها الجزم بالموافقة، و لو من الشهرة.

و امّا العقل عند الشيعة الإماميّة، فهو الحاكم فى مقام امتثال الأحكام الشرعيّة، و ليس بحاكم فى مقام اصل التشريع. نعم يصير حكم العقل طريقا الى معرفة الحكم الشرعى من الشارع الحكيم.

و هذا معنى الاجتهاد عند الشيعة الإمامية.

الاجتهاد عند اهل السنّة:

و امّا الاجتهاد عند اهل السنّة، فهو اصل مستقلّ عندهم تجاه الكتاب و السنّة، فلذا قد جعل البحث عنه، فى كتبهم فى اصول الفقه، فى فصل مستقلّ.

و ذلك لأنّ اهل السنّة، لمّا لم يعتقدوا بامامة الائمّة الاثنى عشر المعصومين (ع) من اهل بيت النّبى (صلّى اللّه عليه و آله)، و حجيّة اقوالهم فى الشريعة، و لم تكن الاخبار الواردة النبويّة الموجودة عندهم كافية لبيان جميع الأحكام الفقهيّة، يلزم الاحتياج فى استنباط احكام الحوادث الواقعة الجديدة الى القول بحجيّة القياس.

ثم لمّا كان لم يف القياس الى جميع الأحكام، بحثوا الى الاستحسانات العقلية، و الى الحكم على طبق ما يرونه من المصالح و المفاسد الظنّيّة.

و من المعلوم، انّه لو صار باب هذا الاجتهاد منفتحا فى الدين، فجاز دخول كلّ شي‏ء خارج عن الدين، فى الدين لوجود الاستحسانات و غيرها، و اين هذا هو الاجتهاد

19

فى الدين؟

و امّا الإجماع عند اهل السنّة، فهو اصل قوىّ بل يكون اقوى من الاجتهاد، و هو ايضا دليل مستقلّ عندهم، تجاه الكتاب و السنّة.

و هم يستندون لهذا الإجماع، ما روى عن النبى (صلّى اللّه عليه و آله)، انّه قال (ص): لن تجتمع أمّتى على الخطأ.

و يفسّرون الإجماع، باتّفاق المجتهدين من هذه الامّة فى عصر، على امر من الأمور، و لا يخفى ما فيه من الإشكال.

لأنّ اطلاق النصّ، شامل لجميع الامّة، فلا يختصّ بطائفة خاصّة منهم فى عصر واحد.

كما أنّ اطلاق الامّة، يعمّ جميع الطّوائف الإسلامية، فلا يختصّ باهل السنّة منهم.

فحينئذ كان الإجماع بحسب هذا المعنى الجامع، شامل لجميع الامّة الإسلامية. و يلزم من ذلك ان المعصوم (ع) داخل فى الإجماع ايضا. و على هذا فالشّيعة الإماميّة ايضا يقولون بحجيّة مثل هذا الإجماع بالمعنى الّذى يشمل الجميع.

فلا يصحّ على ما قالوا به من اتّفاق المجتهدين فقط فى عصر واحد.

و هذا مكانة الاجتهاد عند الشيعة و اهل السنّة، مع ما فيه من الدقّة اللازمة فى نظر الشيعة، و ارجاع الإجماع بالسنّة من قول المعصوم (عليه السلام).

***

20

معنى الاجتهاد

اختلف التعابير فى معنى الاجتهاد:

قيل انّه فى اللّغة عبارة عن تحمّل المشقّة. و فى الاصطلاح هو استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعى.

و قيل انّه ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعى.

و عن شيخنا الاستاد العراقى (قدّه): انّه استفراغ الوسع لتحصيل الحجّة الشرعيّة.

و كذا عن استادنا المحقّق النائينى (قدّه) مثل هذا التعريف.

و التّحقيق فى المقام يستدعى بيان ما له دخل فى تنقيح ما افاده الاعلام.

فنقول مستعينا باللّه تعالى:

انّ البحث عن الاجتهاد قد يلاحظ بالمعنى اللغوى، و قد يلاحظ بالمعنى الاصطلاحى الّذى هو المقصود الأصلى فى هذا الباب.

و لمّا كان الاطّلاع عن المعنى اللّغوى لا يخلو عن الفائدة فى طريق البحث، بدأنا الكلام فيه اولا.

21

الاجتهاد بالمعنى اللّغوى:

قال ابن اثير: الاجتهاد بذل الوسع فى طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد و الطاقة.

و قال ايضا: الجهد بالضمّ، الوسع و الطاقة، و بالفتح، المشقّة.

قال الفيّومى: الجهد بالضمّ فى الحجاز، و بالفتح فى غيرهم، الوسع و الطاقة.

و قيل المضموم، الطاقة، و المفتوح المشقّة.

و قال ايضا: اجتهد فى الأمر، بذل وسعه و طاقته فى طلبه ليبلغ مجهوده، و يصل الى نهايته.

قال فى اقرب الموارد: الاجتهاد بذل الوسع فى تحصيل امر مستلزم للكلفة، تقول اجتهد فى حمل الحجر، و لا تقول، اجتهد فى حمل الخردلة.

و قال ايضا: الجهد بالفتح، مصدر جهد الطاقة، يقال افرغ جهده، اى طاقته، و المشقة يقال، اصاب جهدا اى مشقّة. و الجهد بالضمّ، الطاقة.

قال العلائلي: فى مرجعه، الاجتهاد، بذل غاية الوسع و اقصاه فى نيل المقصود، و لا يستعمل الّا فى ما فيه كلفة و مشقة.

اقول:

ظاهر كلام هؤلاء اللّغويين الّذين هم ائمّة اهل اللّغة، انّ الاجتهاد مأخوذ من الجهد الّذى بمعنى الوسع و الطّاقة للوصول الى المقصود، سواء كان بالفتح ام بالضمّ. و لم يقل احد منهم، انّ الاجتهاد من الجهد، الّذى بمعنى المشقّة، كما انّ كلّ من فسّر منهم الاجتهاد، فسرّه بذل الوسع فى طلب امر، و لم يفسره بتحمّل المشقّة.

فظهر انّ ما ذكره المحقّق الخراسانىّ من المعنى اللغوى للاجتهاد، بتحمّل المشقّة، غير صحيح.

قال (قدّه) فى الكفاية: الاجتهاد لغة، تحمّل المشقّة ....

و يرد عليه، ان المستفاد من كلمات هؤلاء اللّغويين، انّ نحوا من الطلب داخل فى‏

22

مفهوم الاجتهاد اللّغوى.

فلا ينطبق على مطلق تحمّل المشقّة و ان كان يقارنه فى المعنى.

و هذا الإشكال بعينه وارد على شيخنا الاستاد (قدّه) لانّه قال فى المقالات: الاجتهاد مأخوذ من الجهد بمعنى المشقّة. فيرد عليه ما يرد على صاحب الكفاية.

و هذه نبذة من الكلام فى المعنى اللّغوى للاجتهاد.

الاجتهاد بالمعنى الاصطلاحى:

و امّا الاجتهاد فى معناه الاصطلاحى عند القوم، فقد عرّفوا الاجتهاد بحسب المعنى الاصطلاحي بتعاريف.

قول ابن حاجب:

منها: ما قاله ابن حاجب على ما حكى عنه: الاجتهاد هو استفراغ الوسع فى تحصيل الظنّ بالحكم الشّرعى.

و هذا المعنى و ان كان يناسب المعنى اللّغوى للاجتهاد و لكن لا يناسب المعنى الاصطلاحي عند القوم.

لأنّ اصحابنا الإماميّة، غير قائلين بحجيّة مطلق الظنّ من اىّ طريق قد حصل، سواء كان فى حال التمكّن من تحصيل العلم و انفتاح بابه، ام فى حال عدم التمكّن منه و انسداد باب العلم. و التعريف يلزم ان يكون جامعا و مانعا.

كلام المحقّق الخراسانى:

منها: ما قاله المحقّق الخراسانى فى تعريف الاجتهاد على مذهب الإماميّة فى كتابه الكفاية:

قال الأولى تبديل الظنّ بالحكم، بالحجّة عليه، فيكون الاجتهاد بالمعنى المصطلح‏

23

عند الكلّ هو استفراغ الوسع فى تحصيل الحجّة على الحكم الشرعى‏ (1).

ثم قال (قدّه): ان المناط هو تحصيلها قوّة و فعلا، لا تحصيل الظنّ بما انّه ظنّ، حتّى عند القائلين حجيّة الظنّ مطلقا، او عند بعض الخاصّة القائل بحجيّة الظنّ عند انسداد باب العلم بالأحكام.

فانّ الظنّ بنحو الإطلاق، او فى حال الانسداد عند القائلين به من اضداد الحجّة.

و لا شبهة فى انّ التعريف يشمل هذا و يشمل غيره من اضداد الحجّة، سواء كان الغير من قبيل العلم بالحكم ام غيره من الإمارات و الطرق التعبديّة الّتى يفيد فى تحصيل الحجّة على الحكم».

و لكن يرد على هذا التعريف انّه اعمّ من المعرّف، لشموله، الاستفراغ الّذى يستعمله غير صاحب الملكة فى تحصيل الحجّة، مع انّ الاجتهاد متقوّم بالملكة النفسانيّة فى المجتهد.

كلام شيخنا البهائى:

منها: ما قاله شيخنا البهائى (قدّه) على ما حكى عنه: «انّ الاجتهاد ملكة يقتدر بها على الاستنباط الحكم الشرعى الفرعى من الأصل فعلا، او قوّة قريبة».

و لا يخفى على ما فى هذا التّعريف، لانّه غير مبيّن لحقيقة الاجتهاد، اذ الاجتهاد ليس نفس الملكة، و الّا لكانت اضافة الملكة الى الاجتهاد، اضافة بيانيّة. و الحال ان اضافة الملكة هنا، مثل لإضافة الملكة الى صفة العدالة او صفة الشّجاعة و السخاوة و غير ذلك.

مضافا الى انّه لا يصدق على من حصلت له هذه الملكة، العناوين الواردة فى النصوص مثل قوله (ع) من عرف احكامنا، و نظر فى حلالنا و حرامنا.

فانّ الظّاهر من الملكة انّه امر نفسانىّ و بالقوّة، و لذلك قال فى التّعريف: يقتدر بها،

____________

(1)- كفاية الأصول للخراسانى.

24

مع انّ ظاهر النصّ، انّ العارف بالأحكام، و الناظر من الحلال و الحرام، هو امر بالفعل.

و الظّاهر، انّ نحوا من الطّلب داخلا فى مفهوم الاجتهاد.

و التّعريف المقبول، هو انّ الاجتهاد استخراج الحكم من الحجّة ناشئا عن الملكة.

ما قاله المحقّق الكمبانى:

منها: ما عرّفه المحقّق الكمبانى (قدّه) فى تعليقه على الكفاية: بانّه استنباط الحكم من دليله.

و قال: هو لا يكون إلّا عن ملكة. فالمجتهد هو المستنبط عن ملكة، و هو موضوع الأحكام باعتبار انسياق الفقيه و العارف بالأحكام.

ثمّ قال: و هذه الملكة، تحصل دائما بسبب معرفة العلوم الّتى يتوقّف عليها الاستنباط و ليست ملكة الاستنباط الّا تلك القوّة الحاصلة من معرفة هذه العلوم، و ليست بقوّة اخرى تسمّى بالقوّة القدسيّة، فانّ الاجتهاد بمعنى استفراغ الوسع فى تحصيل الحجّة على الحكم الشرعى ممكن الحصول للعالم، انتهى.

و هذا الكلام منه (قدّه)، كلام حسن قريب الى المعنى الاصطلاحي للاجتهاد، الّا انّه لا يخلو من النّظر و سيظهر لك فى تحقيقنا فى المقام. و هذه كلمات القوم فى معنى الاجتهاد، و للّه درّهم و عليه اجرهم.

التّحقيق فى المقام:

و التّحقيق فى المقام انّه لا يخفى عليك انّ المراد بالمجتهد فى اصطلاح الفقهاء و الأصوليّين ليس من يصدق عليه فى اللّغة انّه اجتهد و سعى الى ذلك فهو مجتهد، و الّا لزم ان يشمل عنوان المجتهد لكلّ من هو كذلك فى مبادى الاستنباط ايضا، مثل من اجتهد فى علم النّحو او الصّرف او المنطق و صار صاحب رأى و نظر، فيقال بانّه مجتهد.

بل المراد من المجتهد فى تعريف المصطلح عند القوم، هو الفقيه الّذى عرف‏

25

الحلال و الحرام عن الأدلّة الشرعيّة من الدّين، و هو الموضوع لجواز التّقليد عنه، كما يكون التعبير كذلك فى الرّوايات بأنّه عرف حلالنا و حرامنا فليرضوا به حكما، و هذا هو المعنى الّذى ينطبق عليه جميع الآثار. فحينئذ لا ينطبق عليه التعاريف المذكورة من القوم فى المعنى الاصطلاحي للاجتهاد. و من يكون واصلا الى درجة الاجتهاد و حصل له القوّة و الملكة، و لم يستنبط الأحكام بمقدار معتدّ به، لا يصدق عليه انّه مجتهد و يصدق التّعاريف عليه، لأنّ صرف وجود القوّة لا يكفى كونه من اهل الذّكر الّذى يكون الأمر بالرجوع اليه.

و هكذا من استفرغ الوسع فى مقدار قليل من الأدلّة الّذى لا يعتنى به، فلا يصدق عليه انّه العارف بالأحكام.

فالتعبير في التّعريف بانّه استفراغ الوسع لتحصيل الظنّ، او لتحصيل الحجّة كما عن المحقّق الخراسانى، و ابن حاجب غير تامّ. لأنّ تحصيل الوظيفة الشرعيّة ايضا يكون كافيا فى التعريف. كما انّه لا يكفى مجرّد وجود الملكة، او مجرّد الاستنباط كما عن شيخنا البهائى و المحقّق الكمبانى.

التعريف الصحيح للاجتهاد:

فالصّحيح فى التعريف، انّ الاجتهاد ملكة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعيّة عن ادلّتها التفصيلية بالفعل. فمن كان له ملكة الاجتهاد و قد استنبط مقدارا معتنى به من الأحكام بحيث يصدق عليه انّه العارف بالحلال و الحرام عن مقتضى الأدلّة، فهو مجتهد يجوز له الفتوى و الحكم بين النّاس. و لا فرق فى ذلك بين ان يكون السند له الآية او الرواية او اصل من الأصول المحرزة كالاستصحاب و غير محرز كالبراءة، فانه و ان لم يكن له العلم بالحكم فى صورة اجرائه البراءة، لكنّه عارف بالوظيفة الشرعيّة من هذا الوجه.

فيكون رأى المجتهد حجّة لنفسه و لمقلّديه، و هو الخبرة فى الدين، فلا بدّ من الرجوع اليه من حيث انّه عارف بالأحكام حسب مقتضى ادلّتها، فلا يسأل المقلّد

26

عنه عن دليله تفصيلا كما انّ ساير الخبراء ايضا فى هذا الشأن.

شبهة الأخباريين:

و على هذا، انّ الشبهة بين اصحابنا الأخباريين الّذين يقولون بانّه لا معنى للاجتهاد فى الدّين، و المرجع الوحيد فى الأحكام انّما هو الرّوايات فقط، و بين الأصوليين الّذين يقولون بلزوم الاجتهاد فى الأحكام، لا محصّل له.

لأنّ فهم الحكم الشرعى من الأخبار ايضا هو الاجتهاد و العرفان بالحلال و الحرام حسب مقتضى الدليل، و هذا المعنى هو رأى الاصولى و اجتهاده. فالملاك بين الاصولى و الاخبارى واحد و هو تحصيل الوظيفة المقرّرة فى الشّريعة حسب الدّليل الشرعى من الأخبار و الآيات.

فلا وجه لتأبّى علمائنا الاخباريين عن لفظ الاجتهاد، اذ لو لم يكن الاجتهاد فى البين، لا نسدّ باب معرفة الأحكام فى غير الضروريّات من الدّين.

و يظهر من اخبار اهل البيت (ع) و آثارهم انّ الاجتهاد بالمعنى المتعارف الذى هو الموجود فى اعصارنا، هو موجود و متعارف فى اعصارهم (عليهم السلام)، و انّهم مضافا الى عدم ردعهم عن الاجتهادات التى كانت تقع على اساس القرآن العظيم و السنّة النبويّة و اخبار اهل البيت (عليهم السلام)، انّ هذا الاجتهاد بمرأى و مسمع منهم (ع). و قد كانوا يعلّمون الأصحاب طريق الاجتهاد الصحيح فى كلماتهم (ع) و يرشدون اليه و يأمرون به. و قد نشأ و تربّى فى تلك الاعصار، ببركة هذه التربية، فقهاء مجتهدون و المحدّثون من رواة الحديث ممّن يكون فى عصرهم و من تلامذتهم.

و الرّوايات الّتى يستفاد منها هذا الأمر كثيرة جدّا، و فيها روايات صحاح و موثّقات تدلّ على امرهم (ع) اصحابهم الى تفريع الفروع على الاصول المسلمة.

و عن الشّيخ الطوسى: باسناده عن ابن محبوب عن على بن الحسن بن رباط عن عبد الاعلى مولى آل سامان، قال قلت لابى عبد اللّه (ع)، عثرت فانقطع ظفرى فجعلت‏

27

على اصبعى مرارة فكيف اصنع بالوضوء؟

قال (ع): يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ قال اللّه تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏، امسح عليه. (1)

و عن الصّدوق باسناده الى زرارة قال قلت لأبى جعفر (ع)، أ لا تخبرنى من اين علمت و قلت أنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟

فضحك و قال (ع): يا زرارة قال رسول اللّه (ص) و نزل به الكتاب من اللّه عزّ و جلّ:

قال‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏، فعرفنا ان الوجه كلّه ينبغى ان يغسل، ثمّ قال، و ايديكم الى المرافق، فوصل اليدين الى المرفقين بالوجه، فعرفنا انّه ينبغى ان يغسله الى المرفقين، ثم فصّل بين الكلام و قال و امسحوا برءوسكم، فعرفنا حين قال برءوسكم، انّ المسح ببعض الرأس، لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال و ارجلكم الى الكعبين، فعرفنا حين وصلها بالرأس، انّ المسح على بعضها، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه (ص)، فضيّعوه، الحديث. (2)

و رواه الكلينى باسناده عن زرارة، ايضا و عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: انّما علينا ان نلقى اليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا. (3)

و عن احمد بن محمّد بن ابى نصر عن الرّضا (ع) قال: علينا القاء الاصول و عليكم التفريع. (4)

و لا ريب انّ تفريع الفروع على الاصول هو العمدة فى باب الاجتهاد. و هذا دليل على انهم (عليهم السلام) يعلّمون اصحابهم طريق الاستنباط، و هذا أكبر شاهد على انّ الاجتهاد بمرأى و مسمع و ممضاة عندهم.

و امّا دليل العقل، فهو المتّبع دائما، اذ العقل هو الرّسول الباطن، لا يجوز ردعه.

____________

(1)- وسائل الشيعة ج 1/ 327 ابواب الوضوء.

(2)- وسائل الشيعة ج 1/ 291 ابواب الوضوء.

(3)- وسائل الشيعة ج 18/ 40 من ابواب صفات القاضى.

(4)- وسائل الشيعة ج 18/ 41 من ابواب صفات القاضى.

28

و امّا الإجماع، فهو حجّة من باب الكشف عن وجود قول المعصوم (ع).

فلا مشكل بين الأخباريين و الاصوليين. نعم ربّما كان الإباء من ناحية الاخباريين بالنّسبة الى بعض ما يقوله المجتهد الأصولى بحجيّته، مثل اصل البراءة، و الاخبارى فى مثل هذا المورد قائل بالاحتياط. و هذا من صغريات و كلّ يعمل على رأيه، فلا يضرّ وحدة المطلوب عندهما.

و على هذا يصير النزاع بين الأخباريّين و الأصوليّين صغرويّا و ذلك غير مضرّ بصحّة نفس الاجتهاد.

و لعلّ مخالفة الاخبارى من جهة مفهوم الاجتهاد، لا مصداقه و حقيقته.

فقد زعم الأخبارى بأنّ المجتهد الأصولى يقصد من الاجتهاد، الحكم من ناحية القياس و الاستحسان، مع انّ علمائنا الإماميّة الأصوليين لا يقولون بذلك أصلا، و قد صرّحوا بذلك. و تفصيل الكلام فى النّزاع بين الأخبارى و الاصولى موكول الى محلّ آخر.

***

29

علم الاجتهاد

الاجتهاد علم مستقلّ:

الاجتهاد علم مستقلّ اسلامى غير داخل فى علم الفقه و لا فى علم اصول الفقه، و له عرض عريض فى أحكام الإسلام، و تاريخ مسلسل فى بطون الاجيال، يبدأ بانقطاع امر الوحى النّبوى الى هنا. و هو الغاية لعلم اصول الفقه الذى هو العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الإسلامية.

فلا يصير البحث عن الاجتهاد داخلا فى مباحث علم اصول الفقه، و الّا يلزم دخول البحث عن الغاية فى المعنى.

و لمّا كان الاجتهاد من الموضوعات الخارجيّة، و انّه ليس بحكم شرعى فرعى فلا يكون البحث عن الاجتهاد داخلا فى مباحث علم الفقه، فانّه علم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن ادلّتها التفصيليّة، و الاجتهاد طريق الى تحصيلها و مقدّمة لها.

ثمّ إنّ البحث عن الاجتهاد ليس من مباحث علم اصول الدّين الّذى مهّده الفلسفة الإسلامية و الكلام فى العقائد الدينيّة، لانّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الفرعى الشرعى من الحجّة، و اين هذا من ذاك؟

30

الاجتهاد علم مستقلّ اسلامى:

فالبحث عن الاجتهاد، علم مستقلّ من العلوم الإسلامية، و ليس من مباحث الفقه و لا من مباحث اصول الفقه، و لا من مباحث اصول الدّين الاسلامى. و بما ذكرنا تبيّن الحال فى البحث عن التّقليد ايضا.

فإنّ بحث التّقليد غير داخل فى ابحاث اصول الفقه لما عرفت و ستعرف تفصيلا، كما انّه ليس بداخل فى ابحاث علم الفقه الّذى موضوعه فعل المكلّف فانّ التّقليد ليس نفس فعل المكلّف و انّما هو من العوارض الطّارية لفعله، على المعنى الصحيح عند القوم و إن قيل بانّه نفس فعل المكلّف.

فالبحث عن التّقليد ايضا علم مستقلّ من العلوم الإسلامية على التفصيل الّذى ستعرف مواضعه، إن شاء اللّه تعالى.

***

31

الاجتهاد واجب كفائى تخييرى‏

الاجتهاد واجب كفائى:

الاجتهاد واجب كفائىّ فى الإسلام.

فاذا اقام به بعض و تمّ اسقط الوجوب عن الباقين، و ان لم يقم به احد، أثم جميع المسلمين المكلّفين فى ذلك العصر الّذى لا يوجد فيه مجتهد.

و الدّليل على وجوبه الكفائى قوله تعالى:

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ... (1)

و التفقه فى الدّين هو الاجتهاد فى أحكام الدّين الّذى قد وجب بحكم الهى لمكان هذه الآية الكريمة، على طائفة من كلّ فرقة من المسلمين فى كلّ عصر و مصر، اذ النّفر لا يجب على جميعهم بمقتضى صريح هذه الآية الكريمة.

و العقل حاكم بوجوبه الكفائى:

من حيث انّه لو لا وجود المجتهد الفقيه العالم بالأحكام الدينى، لما امكن اطاعة اللّه تعالى، و لا اطاعة رسوله، و لا اطاعة اولى الأمر من بعده و من جانبه، فما امكن معرفة الأحكام الدينية الإسلامية الالهيّة. فوجوب الاجتهاد، وجوب طريقى عند العقل و الشّرع الى الوصول لإطاعة احكام اللّه تعالى المتعلّقة بافعال المكلّفين، و

____________

(1)- سورة توبة 9/ 122

32

صيانتها عن الاندراس، و وجوب الاحتفال عن الشريعة المقدّسة عن الاضمحلال.

و يؤيّد ما ذكرنا، ما ورد من الأخبار كثيرا فى تفسير هذه الآية المباركة على الطريق الّذى ذكرناه. (1)

فالاجتهاد حينئذ يكون واجبا كفائيا لذلك المهمّ الشرعى الدّينى الاسلامى.

الاجتهاد واجب تخييرى:

ثمّ انّ الاجتهاد واجب تخييرى، و عند هذا المنظر يكون هو، عديل اخويه من التّقليد و الاحتياط.

و قد قسّموا الواجب التّخييرى فى صناعة علم اصول الفقه الى تخيير عقلىّ و تخيير شرعىّ. و يقصدون من التّخيير العقلى، هو التّخيير بين افراد طبيعة واحدة واجبة، كتخيير المكلّف بين افراد صلاة واجبة، باتيانها من حيث الافراد و المكان و الزمان.

و يقصدون بالتّخيير الشرعى، ما اذا لم يكن بين عدلى التّخيير جامع حقيقى، و يكون الواجب كلّ واحد من الأمرين، لكنّه بحيث لو أتى باحدهما، فقد عمل بالواجب، و سقط الآخر عن عهدة الوجوب، كالتّخيير بين خصال الكفارة.

و نقصد بتخيير المكلّف بين الاجتهاد و التّقليد و العمل بالاحتياط، هو انّ الواجب عند العقل احد هذه الأمور الثلاثة من الاجتهاد و التّقليد و الاحتياط على سبيل منع الخلوّ فى اصطلاح المنطقيين.

فالمراد من هذا التّخيير، هو انّ العقل حاكم بانحصار طريق الاطاعة فى العمل باحد هذه الطّرق الثلاثة، لكلّ مكلّف يؤمن باللّه تعالى و برسوله، و يعلم أنّ تشريع الأحكام، من اللّه سبحانه، الزاميّة حتميّة، و يعلم انّه ليس بمهمل من جانب اللّه فى افعاله، فامتثال تلك الأحكام واجب حتمىّ عند العقل من المكلّف لتحصيل الأمن من العقاب.

____________

(1)- وسائل الشيعة ج 27/ 141.

33

من له قوّة الاستنباط

وجوب الاجتهاد لمن له قوّة الاستنباط:

و الكلام هنا فيمن له قوّة الاستنباط فعلا، و لم يتصدّ للاجتهاد بالفعل، فهل يجوز له التّقليد عن الغير، او يتعيّن عليه تحصيل الاجتهاد؟

و الموضوع لعدم جواز الرجوع الى الغير فى التّكليف، و عدم جواز تقليده عن الغير، هو وجود قوّة الاستنباط للاحكام من الأدلّة، و امكانه، و لو لم يستنبط شيئا منها بالفعل. فلو فرض حصولها لشخص من الممارسة فى مقدّمات الاجتهاد، من غير الرجوع الى مسئلة واحدة فى الفقه، لا يجوز له الرجوع الى غيره فى الفتوى مع جودة قوّة الاستنباط له فعلا، و امكانه له، من غير فرق بين من له قوّة مطلقة، او فى بعض ابواب الفقه، او فى بعض الأحكام.

لأنّ الدّليل على جواز رجوع الجاهل الى العالم، هو بناء العقلاء، و لا دليل لفظىّ هنا يتمسّك باطلاقه، و لم يثبت بناء العقلاء فى مثله من الرجوع الى غيره، فانّ من له قوّة الاستنباط و تتهيّأ له اسبابه، و يحتمل ان يكون الغير مخطئا فى اجتهاده، مع انّ له امكان طريق فعليّة الى احراز تكليفه بحسب وجود ملكة يقتدر بها استنباط الحكم، فلا يكون هذا الشخص معذورا عند العقلاء فى رجوعه الى غيره.

34

مقتضى العلم الاجمالى:

و مقتضى العلم الاجمالى، تنجّز الأحكام الواقعية على من له ملكة الاستنباط و الاجتهاد، فلا بد عليه من خروجه عن عهدة التكليف المنجّزة فى حقّه، و تحصيل المؤمن من العقاب، و لا يدرى انّ فتوى الغير فى حقّه مع احتمال الخطاء فى نظره، و انّ العمل على طبق فتوى الغير مؤمن من العقاب، ام لا؟

لانا نحتمل ان يجب عليه العمل على فتوى نفسه و اجتهاده، و مع الشكّ فى حجيّة نظر الغير فى حقّه، يرجع الى اصالة عدم الحجيّة كما هو الواضح.

الفاقد للملكة فى الاستنباط:

و هذا بخلاف الفاقد للملكة اصلا لعدم احتمال وجوب الاجتهاد فى حقّه و أنّ الاجتهاد واجب كفائىّ، و ليس بواجب عينىّ عليه، فلا يجب عليه نفسه تحصيل الاجتهاد و الاستنباط فى الحكم، فيجوز له الرّجوع الى غيره.

و بالجملة: ان موضوع بناء العقلاء ظاهرا، هو الجاهل الّذى لا يتمكّن من تحصيل الطريق فعلا الى الواقع، لا مثل هذا الشّخص الّذى تكون له طريق الى الواقع بحسب وجود الملكة العلميّة عنده، و لم يكن الفاصل بينه و بين العلم الواقع، الّا النّظر و الرجوع الى الدّلائل الموجودة المصرّحة فى الكتب المدوّنة لذلك، فيجب عليه عقلا، الاجتهاد و بذل الوسع لتحصيل الأحكام الشرعيّة بحسب نظره.

الاجتهاد واجب عقلىّ:

و ان شئت قلت، انّ الاجتهاد بالنّظر الى اعمال نفس المجتهد واجب عقلىّ، و الأمر به ارشادى لا محالة.

فاذا فرغنا انّ المكلّف يتمكّن بحسب وجود ملكة الاستنباط فيه من تحصيل الحكم الشّرعى على طبق نظره و اجتهاده، فيجب عليه الاستنباط فلا يجوز له الرجوع الى‏

35

غيره. نعم من لم يكن له قوّة الاستنباط فعلا، و الحال انّ تحصيل الاجتهاد واجب كفائىّ، و انّه يتمكّن من التّقليد فقط، او العمل بالاحتياط، فهو قد تخيّر بين الأمور الثلاثة.

و من لم يتمكّن من ذلك، كما اذا فرضنا عدم وجود مجتهد حىّ يجوز تقليده، و لم يجز تقليد الميّت ابتداء، و كان العمل بالاحتياط ايضا مخلّا للنظام، او المكلّف لم يعلم كيفيّة العمل بالاحتياط، او لم يمكن الاحتياط له فى مثل دوران الأمر بين المحذورين، تعيّن فى هذه الصورة، وجوب الاجتهاد على مثله.

و امّا اذا لم يتمكّن من ذلك لعدم اهليّته، فلا سبيل له الى تحصيل الوظيفة و امتثالها، الّا بالتّقليد عن المجتهد الميّت ضرورة، فيجوز له التّقليد عن المجتهد الميّت الّا علم على تشخيصه، لعدم جواز إهمال الأحكام و ترك التصدّى لها.

و الضّرورة تقدر بقدرها.

القول بالجواز عند البعض:

و قد نسب جواز ذلك الى علماء الأخباريّين، و وافقهم من الأصوليين، المحقّق القمّى فى كتاب جامع الشتات فى موردين. (1)

و ذهبت العامّة الى جوازه مطلقا، كما هو المعروف منهم.

و امّا المشهور بين اصحابنا الإماميّة، عدم الجواز مطلقا ابتداء، لأنّ تقليد الميّت ابتداء، غير مشروع عندهم.

الى غير ذلك من الكلام فى المقام، و التّحقيق فى ذلك يأتى فى محلّه فى باب التّقليد.

***

____________

(1)- جامع الشتات للميرزا القمى ج 1/ 27- ج 2/ 42

36

مبادى الاجتهاد

قد تقرّر فى محلّه انّ الاجتهاد عبارة عن استخراج الحكم الشّرعى من الحجّة.

الاجتهاد فى عصر الحضور:

و على هذا لم يكن الاجتهاد فى عصر الحضور عند امام المعصوم (ع)، متوقّفا على مقدّمات علميّة، اذا امكن السائل بين يدى المعصوم (ع)، و استفادة الحكم الشرعى من كلامه الشريف مشافهة، فانّ ذلك هو الاجتهاد نفسه و الوصول الى وظيفة الهىّ الشرعى حقيقة دون غيره. اذ الحجّة هى كلام المعصوم (عليه السلام) على مبنى القرآن و السنّة.

نعم، اذا تعدّدت الاسئلة او تعدّدت الأجوبة على الافراد و اختلفت كلماته (ع) بحسب العموم و الخصوص، او الظاهر و الأظهر، و غير ذلك ممّا يمكن عند الحضور بحسب الشرائط الموجودة فى عصرهم (عليهم السلام)، كان الاستنباط فى هذه الأمور فى ذلك العصر يستدعى الدقّة اللازمة و النظر الى قرائن الحال و المقال. فيلزم حمل الظاهر على الأظهر، و تقييد المطلق بالمقيّد، و نحو ذلك من القواعد الّتى يجريها العقلاء فى محاوراتهم العرفيّة، بل يجرى الإنسان بعضها حسب مجرى الفطرة. و الصناعة الاصوليّة فى اصول الفقه سهّل الأمر فى ذلك، متكفّلة للبحث‏

37

عنها، و ان لم تكن هذه الصناعة بهذه الوسعة فى زمن الحضور. فيجوز التخلّص، و فهم المعنى بحسب القرائن و فهم الفطرى العرفى على ما دلّ عليه المحاورة فى كلّ عصر، و التطبيق على ما صرّح به الإمام المعصوم (ع) من الشواهد و الدلائل فى ذلك الزمان.

الاجتهاد فى عصر الغيبة:

و امّا الاجتهاد فى عصر الغيبة، كما فى عصرنا هذا، فاستخراج الحكم من الحجّة، موقوف على معرفة علوم، بها يتمكّن الفقيه المجتهد من الاستنباط، و تسمّى تلك العلوم، مقدّمات الاجتهاد فى معرفة الأحكام، و مباديه.

و امّا المبادى للاجتهاد:

اللّغة العربيّة:

فمنها معرفة اللّغة العربيّة، و هى انّ المصحف الشريف، قد نزل بهذه اللّغة و هكذا، السنّة من الرّوايات الواردة من النبى الأعظم و من الائمّة المعصومين (عليهم السلام).

العلوم العربيّة:

و منها معرفة العلوم العربيّة، اذ يكون الوصول الى معانى الالفاظ فى كتابه العزيز و السنّة الواردة، يتوقّف على معرفة الصرف و النحو و المعانى و البيان و الظرائف المطويّة فى الكلام، فلا يمكن معرفة الكلام و الوصول الى معناه إلّا بهذا الطريق المصطلح فى العرف العربيّة.

علم التفسير:

و منها معرفة التفسير فى الآيات الكريمة فيما هو المرتبط بالأحكام لأنّ معرفة تفسير

38

الآيات الكريمة لها دخل عظيم فى معرفة آيات الأحكام فى المصحف الشريف.

فانّ الآيات الواردة فى الكتاب فى كلّ باب من الأحكام الشرعيّة، تستدعى الاطّلاع على مواضع الآيات و مفهومها و الخصوصيّات الواردة معها على التفصيل الذى كان فى علم التفسير.

صناعة المنطق:

و منها معرفة صناعة المنطق، لأنّ لها دخل فى الاستدلال، لانّ معرفة صناعة المنطق توصل الى معرفة كيفيّة الاستدلال فى الاحتجاجات العقليّة فى فهم الحكم الاسلامى الشرعى على ما هو المدوّن فى محلّه تفصيلا، و معرفة الاستدلال فى الأحكام و المعارف الدينيّة موقوفة على معرفة هذه الصناعة الدقيقة.

علم الرجال:

و منها معرفة علم الرّجال فى اسناد الحديث فإنّ معرفة علم الرّجال بمقدار يتمكّن من تمييز الحديث الموثوق الصدور عن غيره، لها دخل عظيم فى الاطمئنان بالنّسبة الى صحّة الرواية و الصدور عن المعصوم (عليهم السلام).

اصول الفقه:

و منها معرفة علم اصول الفقه و فى هذا العلم دخل عظيم فى الاجتهاد لانّ استخراج الحكم عن الحجّة متوقّف على إجراء القواعد عقليّة و القواعد اللفظيّة المقدّرة فى علم الاصول على التفصيل.

و لا شبهة فى ان الاستنباط للحكم الفقهى الإلهىّ يحتاج الى هذه العلوم كلّها، و خصوصا الاخير منها، من ناحية الفقيه المجتهد لتحصيل الأحكام الشرعيّة، لا بدّ من الاطّلاع الجامع فى تلك العلوم المذكورة كلّها، فلا يصدق عنوان العارف بالأحكام، على من كان مقلّدا للغير فى ذلك العلوم. فصرف قول النحوى او اللّغوى او

39

الاصولى، او المنطقى، او الرجالى، او المفسّر، لا يكفى فى احراز ما نحن بصدده فى هذه الأبواب من العلوم. بل لا بدّ له من الاجتهاد و الاطّلاع اللازم مع الدقّة فيما يحتاج اليه من هذه العلوم المذكورة.

العمدة فيما يتوقّف عليه الاجتهاد:

و العمدة فيما يتوقّف عليه الاجتهاد بعد معرفة العلوم المذكورة، و قواعدها علمان:

احدهما: علم اصول الفقه:

و إحساس الحاجة اليه فى الاجتهاد ممّا لا يكاد يخفى.

لأنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الأمور الضروريّة الّتى لا يحتاج اثباتها الى الدليل، بل انّما هى امور نظريّة دقيقة يتوقّف تحصيلها على الدليل و البرهان، و المتكفّل لادلّة الأحكام و براهينها من الحجج و الامارات و غيرهما ممّا يؤدّى الى معرفة الأحكام الشرعيّة، هو علم اصول الفقه.

فما من حكم نظرى، الّا و يستنبط من تلك الأدلّة، فعلى الفقيه ان يتقنها و يحصّلها بالنظر و الاجتهاد، لانّها لو كانت تقليديّة لأدّى الى التّقليد فى الأحكام، و النتيجة تتّبع اخسّ المقدمتين.

ثانيهما: علم الرجال:

لأنّ جملة من الأحكام الشرعيّة، و ان كانت تستفاد من الكتاب، الّا انّه قليل، و غالبها يستفاد من الأخبار المأثورة عن اهل البيت (عليهم السلام). و على ذلك ان قلنا بانّ الاخبار المدوّنة فى الكتب الاربعة، مقطوعة الصّدور، او انّها ممّا تطمئنّ بصدورها، و الأصحاب قد عملوا على طبقها و لم يناقشوا فى اسنادها، و هذا يفيد الاطمئنان بالصدور، فقد استرحنا من علم الرّجال و الامر سهل، لعدم مساس الحاجّة الى معرفة احوال الرجال فى الحديث.

40

ما سلك اليه المحقّق الهمدانى:

و قد سلك الى ذلك المحقّق الهمدانى، حيث قال: ليس المدار عندنا فى جواز العمل بالرّواية، على اتّصافها بالصحّة المطلوبة. و الّا فلا يكاد يوجد خبر يمكننا اثبات عدالة رواتها على سبيل التّحقيق لو لا البناء على المسامحة فى طريقها، بل المدار على وثاقة الراوى او الوثوق بصدور الرّواية و ان كان بواسطة القرائن الخارجيّة الّتى عمدتها، كونها مدوّنة فى الكتب الأربعة او المأخوذة من الأصول المعتبرة مع اعتناء الأصحاب بها و عدم الاعراض عنها. و لأجل ذلك جرت السّيرة على ترك الفحص عن حالهم ..».

و حينئذ كان اللّازم حال الرواية عند الأصحاب، من حيث انّها معمول بها عندهم فتكون حجّة او انّها غير معمول بها و انّهم معرض عنها فتسقط اعتبار حجيّة الرّواية.

و فى هذه الصورة، لا تمسّ الحاجّة الى علم الرجال الا قليلا فيما اذا لم يظهر لنا عمل الأصحاب بالنّسبة الى الرواية من العمل بها او معرض عنها.

المسلك الصحيح عندنا:

و امّا على ما بنينا ممّا هو الصّحيح عندنا و هو انّ المتّبع حسب سيرة العقلاء الّتى هى العمدة فى حجيّة الخبر، و انّما تدلّ على اعتبار الخبر الموثوق به او الممدوح رواته، حتّى يعتمد عليه فى الحكم الشرعى. فلا محالة تزداد الحاجة الى علم الرجال، فإنّ به يعرف حال الثّقة عن الضعيف، و به يتميّز الغثّ عن السمين. فلا مناص الّا الرجوع الى تفتيش حال الرواة فى سلسلة السند واحدا بعد واحد حتّى يظهر الحال انّه موثوق به ليؤخذ خبره، او انّه ضعيف معرض عنه فلا يعتمد على اخباره. و المتحصّل من الكلام، هو انّ علم الرجال من أهمّ ما يتوقّف عليه رحى الاستنباط و الاجتهاد، بعد علم اصول الفقه فى دخله فى ذلك جدّا و بقيّة العلوم الّتى ذكرناها اجمالا فلها دخل فى حدّ ذاتها بالنّسبة الى ما يتوقّف عليها من الحاجّة فى طريق‏

41

تحصيل الحكم من المدارك فى الكتاب و السنّة من الرّوايات الواردة من النبىّ الاعظم او من الائمّة الأطهار (عليهم السلام).

الإشكال و جوابه:

و حينئذ فما ذكر من الإشكال من انّ المجتهد فى الفقه و الأحكام الشرعيّة، لا يكون مجتهدا، فى العلوم المذكورة، بل يعلم قليلا فكيف يكون مجتهدا و يفتى فى الأحكام الفقهى، مندفع.

بانّ الاطّلاع من ذلك العلوم المذكورة بمقدار لازم فى طريق تحصيل الحكم الشرعى و الاطّلاع على فهم المدارك، كاف للفقيه فى الاجتهاد، فلا يجب عليه الاطّلاع الجامع، بحيث يكون هو مجتهدا فى كلّ واحد من هذه العلوم مستقلّا.

نعم يكون فى العلماء من يجتهد فى علم العربية جامعة مثل ابن حاجب و غيره او يكون مجتهدا فى اللّغة مثل الفيّومى و العلائلي او كان مجتهدا عالما فى التفسير مثل الطبرسى و الزمخشرى و غيرهما.

بل كان علم اصول الفقه فى زماننا هذا فى سعة ممّا يحتاج الفقيه من هذا العلوم.

مثل بحث المشتق، فانّه متكفّل لفهم تركيبات الجملة بتحليل منه الى المادّة و الهيئة و الاطّلاع على هيئة الفاعل و غير ذلك. و هكذا البحث عن العامّ و الخاصّ من مباحث الالفاظ فى علم اصول الفقه، بنحو يجى‏ء ذهن المجتهد الى الاستعارة و الكناية، او الحقيقة و المجاز ممّا دوّن فى المعانى و البيان.

و بعض ما ذكر من العلوم، يبحث عنه فى الفقه بنحو اضبط من الكتب المدوّنة فى ذلك. مثل آيات الأحكام يفسّر فى الفقه بنحو جامع من كتب التفسير.

مثل آية التيمم فى الطهارة، فهل ترى من مفسر فى كتابه، بهذا النحو الّذى ذكر الفقهاء من الإطالة فى بيان ما هو الدلالة. و مثلها ساير الآيات فى الأحكام.

و كذا فى علم اللّغة، اذا احتاج الفقيه بالرّجوع الى كتبه، فانّه فى تحقيقه أدقّ من اللّغوى زائدا على ما جاء به اللّغوى فى دقّته.

42

و هكذا الأمر فى علم الرجال، و ان كان له شأن و دخل عظيم فى الوثوق بالرّوايات و هو يتلو فى الأهميّة بعد اصول الفقه، الّا انّه يتحقّق الوثوق بواسطة موافقته مع الشهرة، فلا تصل النوبة الى الدقّة فى رجال الحديث. نعم على فرض عدم قبول بعض اقسام الشهرة مثل شهرة الفتوائية مثلا، فنحتاج الى علم الرّجال و هو المطلوب.

و مع ذلك، فالاجتهاد و الوثوق بالرّواية سهل، لأنّ بعض رجال الحديث لا نحتاج فى شأنهم الفحص و التّحقيق حيث انّ فى مثل زرارة و محمّد بن مسلم و غيرهما من اصحاب الإجماع الّذين كثروا نقل الحديث، و هم كالشّمس فى رابعة النّهار من علوّ شأنهم. و من يحتاج الى الفحص عن حاله من الرّواة، رجال معدودون اذ لكلّ امام معصوم (ع) صحابة و رواة معلوم حالهم و قد بحثوا فى الفقه عنهم حتّى يحصل الوثوق.

اهميّة علم اصول الفقه فى الاجتهاد:

فتحصّل من جميع ما ذكرنا انّ ما لا محيص عنه من هذا العلوم فى مبادى الاجتهاد هو علم الأصول بهذا المنهج الّذى بايدينا جامعا و مانعا، و الفقيه لا بدّ منه بحيث اذا لم يكن لم يحصل الاجتهاد له، فهو الأصل الوحيد فى المرتبة فى باب مقدّمات الاجتهاد و يتلوه علم رجال الحديث فى بعض الموارد على ما فصّلناه.

و من العجب عن بعض اخواننا الأخباريين، حيث قالوا بانّ علم الاصول بهذا النحو بدعة، و هذا القول منهم فى غاية البعد و الاعجاب. لأنّهم ان ارادوا من قولهم، انّه بدعة، هو ان العلم بالترتيب الّذى يكون بايدينا من الابواب و المباحث و فصول، لم يكن بهذا الترتيب فى زمن الائمة (عليهم السلام) فهو صحيح الّا انّه لا يفيد مطلوبهم. لان علم التفسير ايضا كذلك و كذا ساير العلوم ايضا لم يكن بهذا الترتيب الّذى يكون الآن دارجا فى الكتب المدوّنة، فى زمن الائمّة (عليهم السلام). فكما انّ هذه لم تكن بدعة فى شى‏ء، فكذلك علم الاصول ايضا.

43

فإنّ سند الاصول هو الرّوايات الواردة فى كتب الحديث عنهم (عليهم السلام)، بعد كتاب اللّه العظيم. و الاخبار ايضا يحكى بذلك، فلا وجه للتفكيك بين الاخبارى و الأصولى فى مدارك الأحكام. مضافا الى أن بعض المسائل ممّا لا بدّ من الفحص فى الاصول فى فهمهما مثل الخمس فى انّه من العبادات التعبّدية او التوصّلية و لا يتّضح ذلك الّا فى الاصول، بأنّ اطلاق الخطاب هل يقتضى التعبّدية او التوصلية؟

و لنا كلام فى تحقيق المقام بين الاصول و الاخبارى و التوفيق بينهما. و كيف كان فتلخيص الكلام ان العلوم و ان كانت لها دخل فى الاجتهاد و الوصول الى الحكم الشرعى، الّا انّه لا شبهة فى لزوم علم الاصول و دخله فى الاجتهاد، عظيم دخل و أشدّ قيمة، بحيث لا اجتهاد الّا بالاجتهاد فى علم الاصول.

و هذا تمام الكلام فى مبادى الاجتهاد.

***

44

ادلّة الأحكام‏

ما يحتاج اليه الفقيه من الأدلّة:

ادلّة الأحكام الّتى يحتاج اليها الفقيه عند الكلّ فى استنباط الأحكام الشرعيّة، و هى الطرق الموصلة الى الأحكام، اربعة. و هى الكتاب، و السنّة، و الإجماع، و دليل العقل.

و قد اتّفق المسلمون كافة على انّ هذه الأربعة هى الأدلّة فى الأحكام الشرعيّة الإسلامية.

و هناك ادلّة اخرى اختلفوا فيها.

مثل القياس و الاستحسان و المصالح المرسلة.

فهى حجّة عند علماء اهل السنّة، و استدلّوا بها فى احكامهم. و لكن الشيعة الإماميّة لا يعملون بها و يعتقدون بعدم حجيّتها، لانّها عليل غير صحيح الاستناد عندهم و لا بأس بالتعرّض اليها جميعا، و التحليل فى كيفيّة دلالتها على ضوء البحث العلمى اجمالا. فنقول:

الكتاب العزيز:

امّا الكتاب، فهو المصحف الشريف الّذى هو الدستور الالهى الباحث لوظائف المسلمين كافّة، دينيّا، من الأحكام العمليّة و الأخلاق النفسانيّة، و المعتقدات القلبيّة. فتكون الأحكام الشرعيّة من جملة الوظائف المقدّرة فى الشريعة للمسلمين‏

45

فى المصحف الكريم.

و الوظائف المقرّرة العمليّة فى الفاظ آياته الكريمة، امّا بالنصّ، او بالظّاهر، و هما معا دليلان فى الشريعة الدينيّة للانسان المسلم.

و يحتاج ذلك الى معرفة، دلالات الالفاظ، و معرفة المحكم و المتشابه، و الحقيقة و المجاز، و الأمر و النهى، و العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، و المجمل و المبين و الظّاهر و المؤوّل، و النّاسخ و المنسوخ، الى غير ذلك من العناوين الّتي كلّها مدوّنة فى علم الأصول تحقيقا، ممّا يلزم الاطّلاع عليها للفقيه حسب مداليل الآيات الكتاب الكريم. فيجب على المجتهد الفقيه ان يراجع فى معرفة هذه العوارض المذكورة الى علم اصول الفقه، فانّه المستوفى فى التّحقيق بالنّسبة الى هذه الأمور.

آيات الأحكام:

و امّا بالنّسبة الى الجزئيّات المستنبطة فى الأحكام الشرعيّة، يراجع الى آيات الأحكام فى هذا الكتاب الكريم، و هى خمسمائة و نيف آية الّتى هى مدار الأحكام الفقهيّة الإسلامية.

تفسير آيات الأحكام:

فيراجع المجتهد الى تفسير هذه الآيات من الكتب التفاسير المدوّنة من مؤلّفيها مثل كتاب تفسير البيان للشيخ الطوسى و تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسى و غيرهما.

و هكذا الكتب المدوّنة من مؤلّفيها فى خصوص آيات الأحكام.

الكتب المدوّنة فى آيات الأحكام:

مثل كتاب شرح آيات الأحكام للشيخ قطب الدّين الراوندى. و كتاب منهاج الهداية (1)

____________

(1)- فى سنة 573 هق‏

46

فى تفسير آيات الأحكام للشيخ البارع احمد بن متوّج و زبدة البيان للمحقق الأردبيلى و كتاب كنز العرفان فى فقه القرآن للشيخ الفاضل المقداد بن عبد اللّه الحلّى و مسالك الافهام للشيخ جواد الكاظمى.

و هذه الأخيرة احسن الكتب الاربعة فى هذا الفن، لاشتمالها على المباحث بشكل مستوفى بالنّسبة الى كل آية فى الأحكام‏ (1)، و من بيان اختلاف اقوال المفسرين.

فيحتاج الناظر الى قوّة عمليّة حتّى يعمل ترجيح بعضها على بعض، و معرفة الأقرب منها الى المعنى الّذى يقتضى وضع اللّفظ فى الآية الكريمة. و كذا كتاب زبدة البيان فى آيات الأحكام للمقدّس الاردبيلى (قدّه).

و للفقيه المجتهد ان اراد ان يتوسّع الاطّلاع العلمى فى آيات الأحكام بالرجوع الى كتب التفاسير المطوّلة ايضا و يفيد له مزيد اطّلاع و دقّة.

السنّة الشريفة:

و امّا السنّة الشريفة فهى الأوامر و النّواهى للنّبى المعظّم و المعصومين من اهل بيته (عليهم السلام) فإنّ اقوالهم الّتى نطقوا بها، و كذا افعالهم الّتى قاموا بها بعنوان الوجوب او الاستحباب، فتدلّ على وجوب ذلك العمل او استحبابه ما لم يكن من الخصائص لهم، مثل نوافل اللّيل الّتى من خصائص النّبى (صلّى اللّه عليه و آله)، وجوبه. و هكذا تقريرهم، لمن يعمل من اصحابهم عملا بمحضره الشريف.

القول و الفعل و التقرير:

فالقول و الفعل و التّقرير، كلّها سنّة منهم (عليهم السلام) للعمل بالوظيفة الشرعيّة (- فى سنة 830 ه ق)

(- فى سنة 826 ه ق)

____________

(1)- و هذا الكتاب الأخير قد انتشر مع استخراج المصادر و المنابع فى سلسلة منشوراتنا الفقهيّة و ترجّم الى اللّغة الفارسيّة ايضا و يدرّس فى الحوزات العلميّة و الجامعات و منشورات مكتب نويد اسلام قم.

47

للمسلمين. فحينئذ يحتاج الاستنباط منها و معرفة دلالة الالفاظ على الأحكام المقدّرة، الى معرفة عوارض الالفاظ المذكورة، فيلزم ان يراجع الفقيه فيها الى علم اصول الفقه المتكفّل لبيان هذه العوارض، كما قلنا.

اقسام الأحاديث:

و ينقسم الحديث الوارد فى السنّة، الى المتواتر و الآحاد، فى اقسامه: المشهور و الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف.

الحديث المتواتر:

الحديث المتواتر ما هو طريق مسلّم، و تختلف احواله بالنّسبة إلى الأشخاص باختلاف وصول التواتر اليهم.

الأحاديث الآحاد:

و امّا الآحاد من الحديث، فامّا مشهور و هو ما زاد رواته على الثلاثة، و يسمى هذا، الخبر المستفيض، و حكمه كالمتواتر فى الاعتماد عليه، و يختلف حاله كاختلاف المتواتر. و يكتفى فى معرفة الحديث المشهور، بمراجعة الكتب و المصنّفات الفقيهة و الحديثية.

اقسام الحديث: (1)

و امّا الحديث الآحاد الغير المشهور، هو عند اصحابنا على اربعة اقسام.

الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف.

____________

(1)- و للحديث اقسام عديدة الرئيسية و الفرعية، المذكورة فى الكتب المعنونة لهذا الفن.

48

الحديث الصحيح:

و هو ما رواه العدل المعلوم العدالة الصحيح المذهب بطرق عدول كلّها متّصلا الى المعصوم.

الحديث الحسن:

و الحديث الحسن، هو ما رواه الممدوح الّذى لم يبلغ مدحه التصريح بعدالته، او كان احد رواته كذلك.

الحديث الموثق:

و هو ما رواه العدل الغير المرضىّ فى دينه المأمون من تعمد الكذب فى نقله، او كان فى الطريق فى سلسلة السند ما هو كذلك.

الحديث الضعيف:

الحديث الضعيف، و هو ما كان راويه الإمامى الغير الموثّق او الفاسق.

الحديث المرسل:

و قد يكون الحديث مرسلا:

و هو ما قد عرّفه الشهيد الثانى: بما رواه عن المعصوم (ع) و لم يدركه و اسقط الواسطة فى النقل و اسند مستقيما الى الإمام المعصوم (ع) على التفسير المشهور، او اسقط بعض رواته على التفسير الخاص. (1)

مراسيل الثّقات:

____________

(1)- قواعد الحديث الغريفى ص 72

49

و لا يعمل اصحابنا من المراسيل الّا بما عرف ان مرسله لا يرسل الى عن الثقات فى الحديث، و هم اصحاب الإجماع.

اصحاب الإجماع:

و اصحاب الإجماع على ما نقله الكشىّ فى رجاله ثمانية عشر رجالا و قد قسّمهم الى طوائف ثلث كل ستّة منهم طائفة، الّذين هم من اصحاب ابى جعفر الباقر (ع) و اصحاب ابى عبد اللّه الإمام الصادق (ع) و طائفة ثالثة من اصحاب الإمام الكاظم و الإمام الرضا (عليهم السلام) و هم الّذين اجمعت العصابة على تصديقهم و تصحيح ما يصحّ عنهم فى نقل الرّواية. و أفقههم زرارة و جميل بن درّاج و يونس بن عبد الرّحمن و صفوان بن يحيى و قد نظم السيد بحر العلوم اصحاب الإجماع الّذى نقله الكشى تفصيلا. بقوله:

قد اجمع الكلّ على تصحيح ما* * * يصحّ عن جماعة فليعلما

و هم أولو نجابة و رفعة* * * اربعة و خمسة و تسعة

فالستّة الأولى من الامجاد* * * اربعة منهم من الأوتاد

زرارة كذا بريد قد اتى‏* * * ثمّ محمد و ليث يا فتى‏

كذا الفضيل بعده معروف‏* * * و هو الّذى ما بيننا معروف‏

و الستّة الوسطى أولو الفضائل‏* * * رتبتهم ادنى من الاوائل‏

جميل الجميل مع ابان‏* * * و العبد لان ثم حمّادان‏

و الستّة الاخرى هم صفوان‏* * * و يونس عليهم الرضوان‏

ثمّ ابن محبوب كذا محمّد* * * كذاك عبد اللّه ثمّ احمد

و ما ذكرناه الأصحّ عندنا* * * و شذّ قول من به خالفنا (1)

____________

(1)- نقلنا ذلك من ملحق خلاصة الرجال للعلامة ص 185.

50

و قد ذكر الكشى هؤلاء الاجلّاء من اصحاب الائمّة (عليهم السلام) ممّن اجمع الكلّ على تصحيح ما يصحّ عنهم فى كتاب رجاله تفصيلا بطوائف ثلثه.

الطّائفة الاولى من اصحاب ابى جعفر (ع) و هم صاحب الفضائل فى الفقه و العمل، ثمّ الطائفة الثانيّة من اصحاب ابى عبد اللّه (ع) و هم صاحب الأمجاد فى الفقه بعد الأولى.

ثمّ الطائفة الثالثة و هم ذو مجد و عزّة من فقهاء اصحاب الإمام الكاظم، و اصحاب الإمام الرضا (ع) و فى المرتبة بعد الثانية.

و كلّهم اصحاب الإجماع و قد اجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم. (1)

و امّا الستة الثالثة الّذين هم من اصحاب الإمام الكاظم و اصحاب الرضا عليهما

____________

(1)- و اليك ما قاله الكشى فى رجاله على ما نقله الغريفى فى قواعد الحديث.

قال الشيخ الكشى فى الرجال، انّ اصحاب الإجماع الّذى قالوا على تصحيح ما يصحّ عنهم او تصديقهم فى روايت الحديث، ثمانية عشر رجلا، الى طوائف ثلاث، كل ستّة منهم طائفة.

و قد اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء و هم من اصحاب ابى جعفر الإمام الباقر (عليه السلام) و من اصحاب ابى عبد اللّه الصادق (عليه السلام) و ثالثة من اصحاب الإمام ابى ابراهيم الكاظم (عليه السلام) و اصحاب ابى الحسن الرضاء (عليه السلام).

فالستّة الاول: زرارة، معروف به خربوذ، بريد، ابو بصير الاسدى، فضل بن يسار، محمّد بن مسلم الطائفى، وافقه الستة زرارة. و قال بعض مكان ابو بصير الاسدى، ابو بصير المرادى و هو ليث بن البخترى.

فالستة الثانيّة: و هم من اصحاب ابى عبد اللّه (عليه السلام) و هم جميل بن درّاج، عبد اللّه بن مسكان، عبد اللّه بن بكير، حمّاد بن عثمان، حمّاد بن عيسى، ابان بن عثمان، وافقه هؤلاء جميل بن درّاج، و هم احداث اصحاب ابى عبد اللّه (ع).

و اما الستة الثالثة الذين هم اصحاب الامام الكاظم و اصحاب الرضا (عليهما السلام): يونس بن عبد الرحمن، صفوان بن يحيى، بيّاع السابرى، محمد بن ابى عمير، عبد الله بن المغيرة، حسن بن محبوب، احمد بن محمد بن ابى نصر. قال بعضهم مكان حسن بن محبوب، حسن بن على بن فضّال و قال بعضهم مكان فضّالة بن ايوب، عثمان بن عيسى. وافقه هؤلاء، يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى. (رجال الكشى ص 155 و 239 و 334).

51

السلام، يونس بن عبد الرحمن، صفوان بن يحيى، بيّاع السابرى، محمّد بن ابى عمير، عبد اللّه بن المغيرة، حسن بن محبوب، احمد بن محمّد بن ابى نصر.

و قال بعضهم مكان حسن بن محبوب، حسن بن على بن فضّال، و قال بعضهم مكان فضالة بن ايّوب، عثمان بن عيسى. وافقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن و صفوان بن يحيى‏ (1).

مراسيل المتأخّرين:

و الّذى اخذناه فى مراسيل المتأخّرين من اصحابنا، هو العمل بمراسيل الشيخ جمال الدّين الحسن بن يوسف بن على بن المطهّر الحلى‏ (2)، و كذا ولده فخر المحقّقين محمّد بن الحسن‏ (3)، و مراسيل الشيخ المقداد و الشيخ احمد بن فهد الحلى‏ (4).

فاذا تعارض الأخبار، فكيفيّة العمل، انّه قدّم الصحيح، فاذا لم يكن فالحسن، و بعده الموثّق، و لا يعمل بالضعيف.

كيفيّة معرفة صفات الحديث:

و امّا كيفية معرفة هذه الصفات فى الحديث، بمراجعة الروايات و الاطلاع على‏

____________

(1)- رجال الكشى ص 155- 239- 344.

(2)- جمال الدين، ابو منصور الحسن بن يوسف بن على بن المطهر الحلى المشتهر به (العلامة الحلى) و قد ولد سنة 648 ه و توفى سنة 726 ه، و هو من اكابر اعلام الفقه الإمامية، و من مؤلّفاته: القواعد، و التهذيب، و المنتهى، و التحرير، و المختلف و تذكرة الفقهاء، و الخلاصة فى علم الرجال.

(3)- فخر المحقّقين، و هو محمّد بن الحسن العلامة، قد ولد سنة 682 ه و توفّى 771 ه و من اعظم فقهاء الإماميّة، و له مؤلّفات: ايضاح الفوائد فى شرح القواعد، و حاشية الارشاد، و شرح نهج المسترشدين.

(4)- احمد بن فهد الحلى، الاسدى من اجلّاء فقهاء الإمامية قد ولد سنة 757 ه و توفى سنة 841 ه و من مؤلفاته المهذب البارع فى شرح المختصر النافع، و الموجز، و التحرير، و عدّة الداعى.

52

احوال رجالها. و هو ممّا يصعب على المبتدى، و ان كان العلماء قد نصّوا على الاكتفاء فى الجرح و التعديل بما نصّ عليه المجتهدون من فقهائنا (قدّس اللّه اسرارهم)، و اشار اليه فى الخلاصة (1)، و رجال ابن داود (2).

الطرق السهلة فى معرفة الحديث:

و هنا طريق اسهل و اضبط، و هو ان الشيخ جمال الدين العلامة الحلى، قد الّف فى هذا الفنّ، و استعمل فى كتبه خصوصا كتاب المختلف‏ (3)، ان يذكر الصحيح فى الحديث بوصفه، و الحسن بوصفه، و الموثق بوصفه، و يترك الضعيف بغير علامة، و هو علامة على ضعفه.

و قد ذكر هو فى كتابه الخلاصة (4)، ان الطريق فى كتاب الاستبصار (5)، و كتاب التهذيب‏ (6)، و كتاب من لا يحضره الفقيه‏ (7)، الى فلان صحيح و الى فلان موثّق و الى‏

____________

(1)- الخلاصة، خلاصة الاقوال فى معرفة الرجال للعلامة الحلى قد الف سنة 693 ه و يعدّ من اهم مصادر رجال الرواية.

(2)- ابن داود، هو الحسن بن على بن داود الحلى، المتوفى سنة 368 ه هو من فقهاء الإماميّة و من الرجاليّين المعروفين فى هذا الفنّ، و له كتاب الرجال المعروف به (رجال ابن داود).

(3)- المختلف، مختلف الشيعة فى احكام الشريعة قد جمع مؤلّفه العلّامة الحلّى فى هذا الكتاب، المسائل الخلافيّة بين فقهاء الإمامية.

(4)- الخلاصة، خلاصة الاقوال فى معرفة الرجال، للعلامة الحلى‏

(5)- الاستبصار، الاستبصار فيما اختلف من الاخبار للشيخ الطوسى و هو المرجع فى استنباط الأحكام للفقهاء الإماميّة.

(6)- التهذيب، تهذيب الأحكام للشيخ الطوسى و هو احد كتب الاربعة الحديثية عند الإمامية و هو كتاب مرجع للفقيه فى الاستنباط.

(7)- من لا يحضره الفقيه، هذا الكتاب من مؤلّفات الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) و هو احد الكتب الاربعة الحديثية و هو المرجع للفقيه و هكذا كتاب الكافى للشيخ الكلينى رابعها فى المرجعية للاستنباط

53

فلان حسن و الى فلان ضعيف، و قد جعل ذلك دستورا، يرجع اليه فيكتفى المبتدى فى معرفة صفات هذه الروايات الاربع بالرجوع الى هذا الدستور و اعتمده.

و من تأخّر عنه كلّهم اعتمدوا على هذا الطريق السهلة، كما عمل به الشيخ فخر الدين ابن العلّامة فى كتابه، ايضاح الفوائد فى شرح القواعد. و كذا عمل بهذا الطريق الشهيد فى كتبه خصوصا فى كتاب الذكرى و كتاب شرح الارشاد. و هكذا عمل به ابن فهد الحلى فى كتابه، المهذّب البارع فى شرح المختصر النافع. و عمل بهذا الطريق ايضا، الشيخ المقداد فى كتاب، التنقيح. (1)

الجوامع الاربعة الأوّليّة:

و من اصول اصحابنا الإماميّة فى الاعتماد و العمل، الكتب الاربعة الحديثيّة المسمّاة بالجوامع الأوّليّة لمحمّدون الثلاثة الأول.

و هى كتاب الكافى للشيخ الكلينى‏ (2).

و كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق‏ (3). و كتاب التهذيب و كتاب الاستبصار، كلاهما للشيخ الطوسى‏ (4).

الجوامع الثانوية:

____________

(1)- التنقيح الرابع فى المختصر النافع للشيخ المقداد و هذا الكتاب شرح للمسائل الّتى تردّد فيها المحقّق الحلى فى كتابه المختصر النافع.

(2)- الشيخ الكلينى، هو محمّد بن يعقوب الكلينى الرازى الملقّب به (ثقة الإسلام الكلينى) و هو من اكابر اعلام المحدّثين الإماميين المتوفّى 329 ه

(3)- الشيخ الصدوق، و هو محمّد بن على بن بابويه القمّى رئيس المحدّثين و من اعلام الإماميين المتوفى 381 ه

(4)- الشيخ الطوسى، و هو محمّد بن الحسن المشتهر بشيخ الطائفة و كان من اعاظم اعلام الفقه الإمامى المتوفى 460 ه و له كتب كثيرة فى العلوم الإسلامية و منها كتاب التهذيب و كتاب الاستبصار فى مجلّدات عديدة.

54

ثمّ بعد قرون متطاولة، قد اهتمّ الفقهاء المحدّثون (رحمهم اللّه تعالى)، على تجميع الأحاديث الواردة عن المعصومين (عليهم السلام). اكثر ممّا سبق فى الجوامع الاوليّة، و قد دوّنوا جوامع أخر حديثية، و جمعوا فيها تمام الأحاديث ممّا ورد عنهم (ع) على ما بايديهم، و اشتهر عند الاعلام بالجوامع الثانويّة.

و هى كتاب الوافى للفيض الكاشانى [المتوفّى 1091 ه]، و كتاب بحار الانوار للمجلسى [المتوفّى 1111 ه]، و كتاب وسائل الشيعة للحرّ العاملى [المتوفّى 1104 ه]، و كتاب مستدرك الوسائل للمحدّث النورى [المتوفّى 1320 ه] و له مزايا جيدة فى التأليف و التصحيح ممّا سبق، و جامع احاديث الشيعة لفقيه للأمة آية الله السيد حسين البروجردى المتوفّى 1381 ه ق) و للّه درهم و عليه اجرهم.

الكتب الأدلّة الرئيسية:

و من الكتب الأدلّة الرئيسيّة آخر للفقه و الاستنباط. و هى كتاب المختلف، و كتاب التذكرة، للشيخ الأجلّ جمال الدّين المطهّر الحلّى. و كتاب الايضاح لولده ابن المطهر.

و هكذا كتاب المهذّب البارع للشيخ الأجل ابن فهد الحلّى. و كتاب التنقيح للشيخ الأجل الفاضل المقداد (1).

الكتب الرجاليّة المعروفة:

و من اهمّ الكتب الرجاليّة المعروفة عند القوم. كتاب الخلاصة للعلامة الحلّى. و كتاب ابن داود الحلّى. و الدستور الّذى اعتمده العلّامة فى كتابه الخلاصة و قد اوضحناه سابقا، طريقة سهلة لمعرفة رجال الحديث، و هو مغن عن المراجعة فى ساير الكتب الرجاليّة. و أخيرا كتاب الرجال للاردبيلى و معجم رجال الحديث لآية

____________

(1)- و قد اوضحنا فيما سبق ترجمة هذا الرجال العظيمة، فراجع.