الأصول‏ - ج1

- الشيخ أبوالفضل النجم آبادي المزيد...
735 /
5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

المقدّمة

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أفضل الأنبياء و المرسلين محمّد و على آله الطيّبين الطاهرين سيّما بقيّة اللّه في الأرضين، و اللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

بعد أن آمن الإنسان باللّه و الإسلام و الشريعة، و عرف أنّه مسئول- بحكم عبوديّته للّه- عن امتثال أحكامه، أصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة، و الشريعة الإسلامية. و باتّخاذ الموقف العمليّ الذي تفرضه عليه تبعيّته للشريعة، و لأجل هذا كان لزاما على الإنسان أن يعيّن هذا الموقف العمليّ، و يعرف كيف يتصرّف في كلّ واقعة.

كان الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مصدر جميع الأحكام الشرعيّة و المنبع الصافي لكلّ ما يحتاجه المسلم من معارف في حياته، فكان المسلمون لا يجدون مشقّة فيما يواجههم من وقائع و أحداث، فالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بين أظهرهم يعلّمهم و يرشدهم و يبيّن لهم أحكام السّماء، فكانت أحكام الشريعة في كلّ الوقائع واضحة وضوحا بديهيّا، و كان الموقف العمليّ المطلوب تجاه الشريعة في كلّ واقعة أمرا ميسورا لكلّ أحد بوجوده المبارك (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

6

انتقل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى ربّه راضيا مرضيّا، و بوفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حرم المسلمون من المصدر الأول لتشريع السماء، و من البديهي أنّ الحرمان من صاحب الشريعة و عدم إمكان الوصول إلى أحكامه، خصوصا في الأزمنة الّتي تأخّرت عن وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و تلاعب أيدي المبتدعين و المغرضين، و أسباب كثيرة اخرى، توجب كثيرا من التعقيدات و الالتواءات في تحصيل المراد، و عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة، و اكتنافها بالغموض. و على هذا الأساس كان من الضروريّ أن يوضع علم يتولّى دفع الغموض عن الموقف العمليّ تجاه الشريعة في كلّ واقعة بإقامة الدليل على تعيينه.

و هكذا كان، فقد انشئ علم الفقه للقيام بهذه المهمّة فهو يشتمل على تحديد التكليف تجاه الشريعة تحديدا استدلاليّا، و الفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين التكليف في كلّ حدث من أحداث الحياة، و هذا ما يطلق عليه اسم (عملية استنباط الحكم الشرعي) و لأجل هذا يمكن تعريف الفقه بأنّه علم استنباط الأحكام الشرعيّة، أو: علم عمليّة الاستنباط.

و عمليّات الاستنباط الّتي يشتمل عليها علم الفقه تشترك في عناصر موحّدة و قواعد عامّة تدخل فيها. و قد تطلّبت هذه العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط وضع علم خاصّ بها لدراستها و تحديدها و تهيئتها لعلم الفقه، فكان علم الاصول.

و على هذا الأساس يمكن تعريف علم الاصول بأنّه: العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة من أدلّتها التفصيليّة.

أو: العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي.

7

أو: العلم بالكبريات التي لو انضمّت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعيّ كلّي.

أو: علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طرق استنباط الحكم الشرعي.

موضوعه: لكلّ علم- عادة- موضوع أساسيّ ترتكز جميع بحوثه عليه و تدور حوله تستهدف الكشف عمّا يرتبط بذلك الموضوع من خصائص و حالات و قوانين.

فالنحو- مثلا- موضوعه «الكلمة» لأنّه يبحث عن حالات إعرابها و بنائها و رفعها و نصبها، و الفيزياء، موضوعها الطبيعة، و بحوثها ترتبط كلّها بالطبيعة و تحاول الكشف عن حالاتها و قوانينها العامّة، و كذا بقيّة العلوم. فما هو موضوع علم الاصول الّذي تدور حوله بحوثه؟

من ملاحظتنا للتعاريف الّتي مرّت لعلم الاصول يمكن القول بأنّ علم الاصول يدرس في الحقيقة الأدلّة المشتركة في علم الفقه لإثبات دليليّتها، و بهذا صحّ القول بأنّ موضوع علم الاصول: هو الأدلّة المشتركة في عمليّة الاستنباط، أو الحجّة في الفقه، كما أصرّ عليه السيّد البروجردي‏ (1) (قدّس سرّه).

و أمّا فائدته و أهميّته: فإنّ كلّ متشرّع يعلم أنّه ما من فعل من أفعال الإنسان الاختياريّة إلّا و له حكم في الشريعة الإسلاميّة، من وجوب أو حرمة أو نحوهما من الأحكام الخمسة، و يعلم أيضا أنّ تلك الأحكام ليست كلّها معلومة لكلّ أحد بالعلم الضروري، بل يحتاج أكثرها- لإثباتها- إلى إعمال النظر و إقامة

____________

(1) نهاية الاصول: 11.

8

الدليل، أي أنّها من العلوم النظريّة، و علم الاصول هو العلم الوحيد المدوّن للاستعانة به على الاستدلال على إثبات الأحكام الشرعيّة، ففائدته إذن:

الاستعانة على الاستدلال للأحكام من أدلّتها.

و لسنا بحاجة إلى التأكيد على أهميّة علم الاصول و خطورة دوره في عمليّة الاستنباط، لأنّه ما دام يقدّم لها عناصرها المشتركة، و يضع لها نظامها العامّ، فهو عصب الحياة فيها، و بدونه يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص و الأدلّة دون أن يستطيع استخدامها و الاستفادة منها في الاستنباط، كمن يواجهه أدوات النجارة- مثلا- و يعطى منشارا و مطرقة و مسامير و ما إليها من أدوات دون أن يملك أفكارا عامّة عن عمليّة النّجارة و طريقة استخدام تلك الأدوات، فكما أنّ العناصر المشتركة ضروريّة لعمليّة الاستنباط، فكذلك العناصر الخاصّة الّتي تختلف من مسألة إلى اخرى، كمفردات الآيات و الروايات المتناثرة، فإنّها الجزء الضروري الآخر فيها، فلا يكفي مجرّد الاطّلاع على العناصر المشتركة التي يمثّلها علم الاصول.

و من يحاول الاستنباط على أساس الاطّلاع الاصولي فحسب، نظير من يملك معلومات نظريّة عامّة عن عمليّة النجارة و ليس لديه منشار و لا مطرقة و ما إليهما من أدوات النجارة، فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبي مثلا، كذلك يعجز الاصولي عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقّة العناصر الخاصّة المتغيّرة من مسألة إلى اخرى، فالعناصر المشتركة و العناصر الخاصّة قطبان مندمجان في عمليّة الاستنباط، و لا غنى للعمليّة عنهما معا.

9

نشأته‏

يرجع تأريخ علم الاصول إلى القرون الهجريّة الاولى، فبعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- كما قدّمنا- أحسّ المسلمون بالخلل الّذي حصل لهم، حيث كانوا قبل وفاته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا يواجهون مشكلة و لا حادثة إلّا و سألوا عنها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فكانت الأجوبة تأتيهم وافية شافية، لكنّهم بعد أن فقدوه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحسّوا بعظم المصيبة و فداحتها، سيّما و أنّ الإسلام بدأ ينتشر في الأصقاع، و أنّ مجتمعات و أمما كثيرة بدأت تدخل في الدين الحنيف، و بمرور الزمان بدأت حاجة المسلمين تشتدّ إلى طريق يصلون به إلى معرفة الأحكام الإسلاميّة من نصوصها الأصليّة، و إلى استنباط أحكام للقضايا الجديدة تتّفق مع الكتاب و السنّة.

تفيد الروايات الّتي وصلتنا عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) أنّ الأئمّة (عليهم السّلام) كانوا- في بعض الأحيان- يلقون إلى بعض أصحابهم كليّات بعض الامور و يوكلون إليهم تفريع الأحكام حسب هذه الكليّات.

و أوّل من فتح باب هذا العلم هو الإمام الباقر (عليه السّلام) و بعده ابنه الصادق (عليه السّلام) و قد أمليا (عليهما السّلام) على جماعة من تلامذتهما قواعد هذا العلم و مسائله، و قد جمع بعض من تلك الأمالي في كتب مستقلّة متّصلة الإسناد إلى أهل البيت (عليهم السّلام)، منها كتاب «اصول آل الرسول» و كتاب «الفصول المهمّة في اصول الأئمّة» و كتاب «الاصول الأصيلة» و كتاب «الاصول الأصليّة».

و قد أفرد بعض مباحث هذا العلم بالتصنيف تلميذ الإمام الصادق (عليه السّلام) هشام‏

10

ابن الحكم، فصنّف كتاب «الألفاظ» و مباحثها و هو أهمّ مباحث هذا العلم‏ (1).

و أمّا عند أهل السنّة؛ فإنّ أوّل من دوّن قواعد هذا العلم و بحوثه مجموعة مستقلّة و مرتّبة، و مؤيّدا كلّ ضابط منها بالبرهان، هو محمّد بن إدريس الشافعي (المتوفّى سنة 204 ه).

يقول الفخر الرازي: «كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلّمون في مسائل اصول الفقه و يستدلّون و يعترضون، و لكن ما كان لهم قانون كلّي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، و في كيفيّة معارضتها و ترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم اصول الفقه، و وضع للخلق قانونا كليّا يرجع إليه في معرفة مراتب أدلّة الشرع» (2).

و قد تكلّم بعض السابقين على الشافعي في علم الاصول، كأبي يوسف القاضي و محمّد بن الحسن الشيباني صاحبي أبي حنيفة، و لكنّ الحقّ أنّ ما ذكروه كان من قبيل القواعد و المناهج الّتي كان يسير عليها الفقهاء، و هي قواعد كانت موجودة حتّى في عصر الصحابة.

و عليه؛ فإنّ أوّل من ألّف في الاصول كتابا مستقلّا متكاملا هو الشافعي في «الرسالة»، كما هو المتّفق عليه بين العلماء (3).

و قد ابتنى البحث في علم الاصول على طريقتين، هما:

1- طريقة المتكلّمين: و هي طريقة الشافعي و الجمهور، و تبتني اصولهم على مجرّد الأدلّة المقتضية لإثبات القاعدة الاصوليّة دون النظر إلى فروع الفقهاء

____________

(1) الشيعة و فنون الإسلام: 78.

(2) الرسالة: 13 المقدّمة، نقلا عن مناقب الشافعي: 57.

(3) انظر! تأريخ بغداد: 2/ 64 و 65، معجم الادباء: 17/ 325، مناقب الشافعي: 57.

11

و أقوالهم. و قد سار على هذه الطريقة أكثر الاصوليّين من الشافعيّة و المالكيّة، و من أشهر المؤلّفين فيها:

أبو عبد اللّه محمّد بن إدريس الشافعي (204 ه) و له كتاب «الرسالة».

و شرحه جمع كبير من علماء الشافعيّة كأبي بكر الصيرفي (330 ه) و أبي الوليد النيسابوري (349 ه) و القفّال الكبير (365 ه) و أبي بكر الجوزقي النيسابوري (388 ه) و الإمام الجويني (438 ه)، و أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج (306 ه) له: «الردّ على أبي داود في إبطال القياس»، و غيرهما.

تطوّر علم الاصول في مدرسة أهل البيت (عليهم السّلام)

من المعلوم أنّ الشيعة الإماميّة كانوا في غنى عن استعمال قواعد هذا العلم إلى بداية عصر الغيبة الكبرى عام 329 ه، لسبب بسيط، و هو اعتقادهم بأنّ عصر التشريع و إن انتهى بوفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لكنّ الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) كانوا امتدادا له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بيان الأحكام و تبليغها، و تفسير القرآن و السنّة و بيان المقصود من ظاهرهما، لذا فقد كانوا مستغنين عن هذه القواعد مدّة قرنين و نصف بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ذلك لوجود المرجع و المصدر الّذي يمكن الركون إليه و الاعتماد عليه في مواجهة المستحدثات، و هو الإمام المعصوم (عليه السّلام)، و استمرّ استغناء الإماميّة إلى غيبة الإمام الثاني عشر الحجّة بن الحسن- (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)- حيث بدءوا بعدها بتطبيق القواعد الاصوليّة الّتي كانوا أخذوها و تلقّوها عن أئمّتهم (عليهم السّلام). فبدأ العصر التمهيدي في علم الاصول عند الإماميّة، و هو عصر وضع البذور الأساسيّة و جمع شتات القواعد العامّة الصادرة عن‏

12

الأئمّة (عليهم السّلام) و الّتي كانت متفرّقة في أبواب الفقه المختلفة.

و قد ذكرنا أنّ الإمام الصادق (عليه السّلام) ألقى على جماعة من خلّص أصحابه قواعد و اسسا يستنبطون منها الأحكام، و ذكرنا تأليف هشام بن الحكم لكتاب في مباحث الألفاظ، و لكن الظروف الطبيعيّة عند الشيعة، و منها طول زمان عصر النصوص إلى بداية القرن الرابع قد سبّبت تأخّر تكامل علم الاصول.

و من مصنّفي الإماميّة في علم الاصول بالإضافة إلى هشام بن الحكم، يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، فقد صنّف «كتاب علل الحديث» أو كتاب «اختلاف الحديث»، و الحسن بن موسى النوبختي و له كتاب «الخصوص و العموم» و كتاب «خبر الواحد و العمل به»، و إسماعيل بن علي بن إسحاق النوبختي، له كتاب «الخصوص و العموم و الأسماء و الأحكام» و كتاب «نقض رسالة الشافعي» و «إبطال القياس» و «النقض على عيسى بن أبان في الاجتهاد»، و الحسن بن عليّ بن أبي عقيل العماني الحذّاء، و هو أوّل من أبدع نظام الاجتهاد في الفقه الإمامي و صنّف كتابا في الفقه باسم «المتمسّك بحبل آل الرسول» و هو كتاب اجتهادي أدرج فيه آراءه الاصوليّة، و أبو منصور الصرّام النيسابوري له كتاب «إبطال القياس» و غيرهم.

و من الّذين كتبوا في هذا العلم كتابا متكاملا؛ الشيخ المفيد في كتابه «التذكرة باصول الفقه» الّذي حفظ لنا الكراجكي في كتابه «كنز الفوائد» ملخّصا له.

ثمّ كتب تلميذه السيّد المرتضى (قدّس سرّه) كتابه «الذريعة إلى اصول الشريعة» و هو أقدم كتاب اصولي عندنا، ناقش فيه آراء اصوليّي السنّة مناقشة جادّة و متينة و ردّ

13

استدلالاتهم بأدلّة أقوى، فقد ناقش الشافعي و أبا حنيفة و الجبائيّين و أبا الحسين البصري، و النظّام و القفّال و غيرهم. و كتب تلميذه الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) كتابه «عدّة الاصول».

و هذان الكتابان يعتبران المرحلة الاولى الّتي قامت على ضوء منهجيّة خاصّة في هذا الباب، و كانا يدرّسان في الحوزات العلميّة إلى عهد قريب.

لم يحدث بعدهما تطوّر له أثره حتّى جاء العلّامة الحلّي، حيث أبدع في هذا العلم و ألّف كتبا كثيرة، أهمّها: «نهاية الوصول في علم الاصول» و «تهذيب الوصول في علم الاصول» و «مبادئ الوصول في علم الاصول». و من جاءوا بعده كان همّهم شرح كتبه، و لذا نجد في كتب الفهارس مجموعة كبيرة من شروح كتبه الاصوليّة و من أشهرها «منية اللبيب» لضياء الدين الأعرجي و «شرح التهذيب» لعميد الدين الأعرجي، من أبناء اخت العلّامة الحلّي، و قد جمع الشهيد الأوّل بين هذين الكتابين و أضاف إليهما بعض تحقيقاته في كتاب سمّاه «جامع البين». و بعد مدرسة العلّامة بدأ المدّ الأخباري في العقد الرابع من القرن الحادي عشر بالتوسّع، حيث انخرط في ذلك السلك جلّ علماء الشيعة و فقهائهم، و بذلك تمكّن الأخباريّون من الهيمنة على الفقه الشيعي مدّة قرن من الزمان.

و في أواسط القرن الثاني عشر ظهر علم عظيم من أعلام التشيّع تمكّن بفكره الثاقب و نزعته الاصوليّة من القضاء على الفكر الأخباري و إعادة الطريقة الاصوليّة إلى مكانها الطبيعي في الدراسات الحوزويّة.

و هذا العلم هو استاد الكلّ محمّد باقر بن محمّد أكمل المعروف بالوحيد البهبهاني (1205 ه).

14

كانت مدرسة الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) مباركة الإنتاج حميدة الأثر في تطوّر علم الاصول، فقد كتب تلاميذ هذه المدرسة عشرات الكتب المهمّة في الاصول، و أهمّها:

1- القوانين لأبي القاسم بن الحسن الجيلاني، المعروف بالميرزا القمّي (1231 ه).

2- مفاتيح الاصول للسيد المجاهد السيّد محمّد الطباطبائي (1242 ه).

3- هداية المسترشدين لمحمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهاني (1248 ه).

4- الفصول الغرويّة، لمحمّد حسين بن محمّد رحيم الأصفهاني (1254 ه).

5- الضوابط للسيد إبراهيم القزويني (1262 ه).

ثمّ جاءت مدرسة الشيخ الأنصاري (1281 ه) لتتوّج تطوّر علم الاصول عند الشيعة و لترفّعه إلى القمّة الّتي لا تدانيها فيها مدرسة اخرى، فقد أسّس (قدّس سرّه) مدرسته الاصوليّة على اسس راسخة، و بذلك فتح آفاقا واسعة جديدة أمام الباحثين في هذا العلم، و ألّف كتابه «فرائد الاصول» الّذي يعدّ من خيرة كتب الاصول، و استمرّت مدرسته في العطاء العلمي فخرّجت المئات من فطاحل العلماء، و من هؤلاء العلماء الملّا محمّد كاظم الخراساني (1325 ه) صاحب «كفاية الاصول» و بعده الميرزا النائيني (1353 ه) و آقا ضياء الدين العراقي (1361 ه) اللذين كانا علمين بارزين من أعلام الشيعة، حيث كانت دروسهما في الفقه و الاصول تكتظّ بطلّاب العلم الّذين أصبحوا فيما بعد من العلماء الّذين يشار إليهم بالبنان أمثال آية اللّه الميرزا أبو الفضل النجم‏آبادي (رحمه اللّه) الّذي نقدّم كتابه هذا بين أيدي العلماء و الطلّاب.

15

هذا الكتاب:

الكتاب الّذي بين يديك هو ما سطّره يراع العالم الفاضل و العلم الكامل المرحوم آية اللّه الميرزا أبو الفضل النجم‏آبادي (رحمه اللّه) من تقريرات دروس استاذيه العلمين آية اللّه الميرزا النائيني و آية اللّه ضياء الدين العراقي (قدّس اللّه روحيهما) في علم الاصول، و يقع في ثلاثة مجلّدات: المجلّد الأوّل منها و هو الكتاب الرابع من آثاره (رحمه اللّه) يتضمّن أربع رسائل، و هي كما يلي:

1- المعاني الحرفيّة، من مباحث الألفاظ، و هذه الرسالة مخروم الأوّل و الآخر، و بعد الفحص في متنها و ثنايا عباراتها، و بمراجعة تقريرات العلمين النائيني و العراقي رحمهما اللّه و التدقيق في طريقتهما في البحث نفسه، لم يتبيّن لنا انتساب هذه الرسالة إلى المؤلّف مع ما اكتسبنا من خبرة في تشخيص آثاره و عباراته و اسلوبه في تأليفاته حيث لم نر تشابها بين اسلوب هذه الرسالة و رسائله و تقريراته الأخر.

على أيّة حال؛ فإنّها من جملة الرسائل الّتي زوّدنا بها ولد المرحوم، الدكتور محمّد عليّ النجم‏آبادي حفظه اللّه، و الّتي تعدّ من ذخائر بيت المؤلّف (رحمه اللّه) و نزولا عند رغبة نجل المؤلّف المذكور فقد دخلت هذه الرسالة حيّز التحقيق مع مثيلاتها و أخواتها.

2- رسالة في مباحث الألفاظ: مشتملة على بحث قسم في الأوامر، و بحث مفصّل و شامل في النواهي، و المطلق و المقيّد، و العامّ و الخاصّ و المفاهيم. و هي تقريرات استاذه الميرزا النائيني (رحمه اللّه).

3- رسالة في النواهي: مشتملة على بحث قسم من النواهي، و هي تقريرات استاذه العراقي (رحمه اللّه).

16

4- رسالة في المفاهيم و المطلق و المقيّد: و هي تقريرات استاذه العراقي (رحمه اللّه).

و يليه- إن شاء اللّه تعالى- المجلّد الثاني (و هو الكتاب الخامس من آثاره (رحمه اللّه)) و يتضمّن تقريرات درس استاذه العراقي (رحمه اللّه) في مباحث القطع، و الظنّ، و البراءة. ثمّ يليه- إن شاء اللّه تعالى- المجلّد الثالث (و هو الكتاب السادس من آثاره (رحمه اللّه)) و يتضمّن تقريرات درس استاذه العراقي (رحمه اللّه) أيضا، في مباحث الاستصحاب، و قاعدة الجمع، تضعها مؤسّسة آية اللّه العظمى البروجردي (رحمه اللّه) بين يدي العلماء و المحقّقين و طلّاب علوم أهل البيت (عليهم السّلام) متقدّمة بجزيل الشكر و الامتنان لجميع الإخوة الّذين بذلوا جهدهم و لم يدّخروا وسعا في إخراجها بهذه الحلّة القشيبة تحقيقا و تدقيقا و مراجعة، و هم حجج الإسلام و المسلمين:

السيّد محمّد الحسيني، و الشيخ محمّد الرسولي، و الشيخ علي آيةاللهي، و الشيخ علي طاهرپور، و الإخوة الأفاضل: السيّد محمّد اليوسفي و محمّد حسين الرحيميان و الحاج عبد الحسين التبريزيان و كريم راضي الواسطي، و قد كان العمل بجميع مراحله تحت إشراف و توجيه حجّة الإسلام و المسلمين الشيخ عبد اللّه المحمّدي، فللّه درّهم جميعا و عليه أجرهم، و آخر دعواهم أن الحمد للّه ربّ العالمين.

مؤسّسة آية اللّه العظمى البروجردي (رحمه اللّه) لنشر معالم أهل البيت (عليهم السّلام) 13 رجب المرجّب 1421 ه. ق مولد إمام المتّقين، باب مدينة علم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)

17

نماذج من النسخ الخطيّة

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

صورة الصفحة الاولى من نسخة رسالة المعاني الحرفيّة

20

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة رسالة المعاني الحرفيّة

21

صورة الصفحة الاولى من نسخة رسالة في مباحث الألفاظ للنائيني (قدّس سرّه)

22

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة رسالة في مباحث الألفاظ للنائيني (قدّس سرّه)

23

صورة الصفحة الاولى من نسخة رسالة النواهي للآغا ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه)

24

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة رسالة النواهي للآغا ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه)

25

صورة الصفحة الاولى من نسخة رسالة المفاهيم و المطلق و المقيّد للآغا ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه)

26

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة رسالة المفاهيم و المطلق و المقيّد للآغا ضياء الدين العراقي (قدّس سرّه)

27

المعاني الحرفيّة

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

المعاني الحرفيّة

[وقع الكلام في أنّ الحروف وضعت لمعان مغايرة و مباينة لمعاني الأسماء بحيث يكون التباين بينها ذاتيّا و جوهريّا لا من قبل الاعتبار و اللحاظ، كما هو مختار صاحب «الفصول» و صاحب «الكفاية» (1)، أو أنّ الحروف وضعت لمعان آليّة اعتباريّة، و في الواقع لا معنى للحروف، و إنّما المعنى هو المعنى الاسمي لا غير، لكن إذا لوحظ ذلك المعنى الاسمي في مقام الاستعمال باللحاظ الآلي يصير معنى حرفيّا، و إن لوحظ باللحاظ الاستقلالي يصير معنى اسميّا.

فالمعنى في الحالتين واحد لا تعدّد فيه و لا تكثّر، و إنّما الفرق نشأ من جهة كيفيّة اللحاظ من حيث الاستقلاليّة و الآليّة لمعنى آخر.

و من هذه الجهة أيضا التزموا بعموم الوضع و الموضوع له في الحروف، نظرا إلى كون ذات المعنى و الملحوظ حينئذ معنى كليّا و عدم كون اللحاظ اللآلي كاللحاظ الاستقلالي موجبا لجزئيّته.

و ذهب جماعة إلى أنّ الحروف وضعت للجزئيّات و المصاديق، فالوضع فيها عامّ، لأنّ الواضع في مقام الوضع تصوّر معنى كليّا، كالابتداء لوضع «من»

____________

(1) الفصول الغرويّة: 16، كفاية الاصول: 11.

30

و الظرفيّة لوضع «في» و الانتهاء لوضع «إلى» و هكذا.

و لكن بعد تصوّر ذلك المعنى الكلّي وضع اللفظ لجزئيّات ذلك المعنى الكلّي كالابتداء من المدرسة مثلا، و الانتهاء إلى الحرم الشريف و هكذا بالنسبة إلى المصاديق الّتي تستعمل فيها الحروف، و كالظرفيّة الحاصلة بكون زيد في الدار، أو كون الكتاب في الخزانة، فالمعنى الموضوع له للحرف جزئي كما أنّ المعنى الموضوع له للاسم كلّي، و لكن الصحيح هو أنّ الحروف لم توضع لمعنى من المعاني، بل هي علامة صرفة لتعيين جهة من جهات استعمال اللفظ كالإعراب، فهي وضعت لتعيين جهة من جهات استعمال الاسم.

فمعنى الحرف ليس بشي‏ء متقوّم في نفسه كمعنى الاسم، و حيث أنّ اللفظ حينما يراد منه المعنى و يستعمل فيه، فان فيه، و لا يلاحظ في قبال المعنى لأنّ الملحوظ هو المعنى لا غير فمعنى الحرف الّذي هو شأن من شئون استعمال اللفظ الموضوع للمعنى لا يكون ملحوظا بطريق أولى.

و عليه فمعناه لا يمكن أن يتّصف بالكليّة أو الجزئيّة، لأنّ الاتّصاف بهما فرع كون المعنى شيئا و مفهوما كمفهوم الاسم، فلا وجه لدعوى أنّ معنى الحرف كلّي كمعنى الاسم، و أنّ الحروف وضعت للمعاني الّتي وضعت لها الأسماء و أنّه لا فرق بين الحروف و الأسماء من حيث المعنى الموضوع له، و إنّما الفرق في ناحية الاستعمال فقط، أو دعوى أنّ الحروف وضعت للجزئيّات و المصاديق، و أنّ الوضع فيها عامّ و الموضوع له خاصّ، فإنّ الموضوع له للفظ «من» و «إلى»

31

و «في» على ما بيّنه العلماء كشارح «الكافية» و غيره‏ (1) هو الابتداء و الظرفيّة و الانتهاء و هكذا. و لكن من حيث كون الابتداء و الظرفيّة و الانتهاء حالة لتعرّف متعلّقه و مبيّنة لحال المتعلّق و المدخول، «فمن» وضعت للابتداء لكن لا لمطلق الابتداء، بل للابتداء الّذي يكون معرّفا لحال المتعلّق، و أنّه وقع مبدأ السير و صار مبتدأ منه، فمعنى «من» يتحقّق في غيره، و هي البصرة الّتي تكون مدخولها؛

و معنى «في» يتحقّق في مدخوله و هي الدار، و معنى «إلى» يكون في مدخولها و هو الحرم الشريف في قول القائل: سرت من المدرسة إلى الحرم، أو في لفظ الكوفة في قول القائل: سرت من البصرة إلى الكوفة و هكذا.

و هذا هو واقع المعنى الحرفي فأين الكليّة أو الجزئيّة الّتي أخذوها في معناه، و أنّ الحرف وضع للمعنى الكلّي أو للمعنى الجزئي، أ ليس هذا تغييرا للمعنى و تفسيرا للشي‏ء على خلاف الواقع؟

فالّذي يظهر من عبارة شارح «الكافية» أنّ الحرف وضع لمعنى لا يتحقّق و لا يوجد ذلك المعنى إلّا في غيره‏ (2)، فمعنى لفظ «من» و «إلى» و «في» هو الابتداء و الانتهاء و الظرفيّة الّتي توجد في مدخول هذه الحروف و غيرها من الحروف أيضا مثلها، فمعناها يتحقّق دائما في غيرها في قبال الاسم، حيث إنّ معناه يكون في نفسه لا في غيره، فما هو الدافع لهم إلى هذا التفسير؟] (3)، و أيّ‏

____________

(1) شرح الكافية: 10، لاحظ! أجود التقريرات: 1/ 39.

(2) مرّ آنفا.

(3) لا يخفى أنّ هذه الرسالة مخروم الأوّل و الآخر، كما أشرنا في المقدّمة، و ما بين المعقوفتين أثبتناه لتكميل البحث.

32

داع لهم و لغيرهم على جعل اصطلاح على خلاف نفس الأمر و الواقع؟ أ كان ذلك الاتّصاف خلافا للشرع؟

و بالجملة؛ ليس الأمر كذلك، بل بسبب عدم إقدام الطباع المستقيمة على توصيف الفعل و الحرف بالكليّة و الجزئيّة، و عدم توصيف العلماء لعدم إمكان جريان القسمين في الواقع فيهما لعدم قابليّتهما للاتّصاف، و لا يلزم ارتفاع النقيضين.

توضيحه: أنّ المقسم للكليّة و الجزئيّة و المتّصف بهما إنّما هو المعاني و المدركات و المفاهيم، و أما الألفاظ فلها لحاظان، فقد تلاحظ من حيث أنفسها و تنظر إلى هويّتها مع قطع النظر عمّا يكشف عنها و عن جهة كشفها عمّا وضعت بإزائه، فهي بهذا الاعتبار طبيعة من الطبائع، و ماهيّة من الماهيّات، و مفهوم من المفاهيم.

مثلا: إذا لاحظنا لفظ «زيد» من حيث إنّه لفظ و صوت مركّب من «الزاء» و «الياء» و «الدال» فهو مفهوم من المفاهيم متّصف بالكليّة و الجزئيّة حقيقة، و لذا هذا اللفظ مع قطع النظر عن صدوره عن شخص في زمان خاصّ نوع و كلّي، و بملاحظة صدوره عن زيد مثلا مطلقا صنف، و بملاحظة صدوره عنه في زمان خاصّ جزئيّ حقيقيّ.

و قد تلاحظ من حيث كونها كاشفة عمّا وضعت له و بقطع النظر عن طبيعتها و ماهيّتها، كما إذا نظرت إلى المرآة بملاحظة حال الوجه، فالملحوظ باللحاظ التامّ الاستقلالي هو الوجه لا غير، و أمّا المرآة فهو غير ملحوظ الوجود، و لم‏

33

يكن شيئا يصلح للحكم عليه و به، بل بهذا الاعتبار فناء محض و عدم صرف.

و كذا الحال في النور الّذي ينظر به الأشياء، و كذا الحال في العلم الّذي قد يلاحظ من حيث نفسه، فهو حينئذ كيف من الكيفيّات، و قد يلاحظ من حيث كونه مرآة للمعلوم، فهو حينئذ ليس شيئا غير المعلوم، و نحو وجود للمعلوم الّذي يعبّر عنه بالوجود الذهنيّ، و قس على ما ذكر حال اللفظ، فإذا قطع النظر عن هويّته و انحصر النظر في جهة كشفه، يكون حينئذ فانيا صرفا و عدما في جنب المعنى، و يكون الملحوظ و المقصود هو المعنى لا غير.

أ لا ترى أنّك إذا قلت: زيد قائم، لا يخطر ببالك غير الذات المعيّن و القيام الثابت له؟ و أمّا الألفاظ و الحروف و صفاتها من الحركة و السكون و غيرهما فلا، فتتلفّظ بزيد و ليس المقصود و الملحوظ «الزاء» و «الياء» و «الدال» بل الذات الكاشفة عنه، فكان هذا اللفظ بمنزلة الوجود الخارجيّ و إتيانه بمنزلة إتيانه، فكأنّه هو، و لذا يطلقون على الألفاظ بأنّها وجودات لفظيّة للمعاني، كما يقولون بأنّ الخطّ و النقش وجود كتبيّ للّفظ و المعنى، و لذا تترتّب عليه جميع الأحكام المترتّبة على اللفظ [و] المعنى.

أ لا ترى أنّ جميع أحكام القرآن و الاحترامات الثابتة له بحسب الشرع ثابتة للخطوط و النقوش الحاكية عنه من جهة أنّها عينه من جهة الحكاية، و إلّا فلا احترام لنفس الخطوط و النقوش بالنظر إلى أنفسها من حيث كونها مدادا على هيئة مخصوصة، و كذلك الحال في جميع التوابع إلى متبوعاتها، فإنّها من جهة تبعيّتها عين المتبوع تنزيلا و ليس المقام مقتضيا لبسط الكلام، فلنرجع إلى ما كنّا فيه.

34

و ممّا تقدّم ظهر لك بحول اللّه- أنّ اتّصاف زيد بالجزئيّة و الإنسان بالكليّة ليس تبعا و مجازا، فإنّه من جهة الإغماض عن مغايرة اللفظ مع المعنى و إلغاء مغايرته، و قطع النظر عن لفظيّته و هو حينئذ عين المعنى، فيتّصف بما يتّصف به المعنى من الجزئيّة و الكليّة، و أما إذا لوحظت جهة اللفظيّة فلا يتّصف بما يتّصف به المعنى و لو مجازا، لعدم المصحّح لذلك الإطلاق، بل يتّصف بصفته الثابتة لنفسه.

فلا فرق بين الأسماء و الأفعال و الحروف حينئذ فإنّه كما يحكم بأنّ لفظ «زيد» كليّ كذلك يحكم بأنّ لفظ «ضرب» و «من» أيضا كليّ، لأنّها حينئذ مفهوم من المفاهيم المتّصفة بالكليّة و الجزئيّة، و إنّما الفرق بين الاسم و الفعل و الحرف إنّما هو فيما إذا اريد منها المعنى، فحينئذ الاسم يتّصف حقيقة دون الفعل و الحرف.

أمّا الحرف فلما تقدّم مفصّلا من أوّل الكتاب إلى هنا من أنّه ليس قالبا لمعنى، و لا يستعمل في معنى، بل هو علامة صرفة وضعت لتعيين جهة من جهات استعمال اللفظ كالإعراب، فمعنى الحرف ليس بشي‏ء لأنّه جهة من جهات اللفظ، و اللفظ حينما يكشف عن المعنى عدم صرف و فناء محض بالنسبة إلى الملاحظة، و ما هو الملحوظ و المقصود هو المعنى لا غير، فشأنه و جهاته أولى بعدم اللحاظ، فلا محلّ للكليّة و الجزئيّة، و اتّصاف الشي‏ء بهما فرع كونه شيئا و مفهوما، و المعنى الحرفيّ ليس كذلك، فلا تتّصف الحروف بالكليّة و الجزئيّة.

35

و أمّا الفعل- فعلى ما هو الحقّ كما سيأتي إنشاء اللّه تعالى- فله معنى حرفيّ من حيث هيئاته الطارئة على مادّته، و معنى اسميّ من حيث المادّة، فإنّها موضوعة للمعنى المستقلّ، و هو الحدث و الهيئة موضوعة للكشف عن جهات استعمالها.

و قد عرفت أنّ جهات الاستعمال لا تتصف بشي‏ء من الكليّة و الجزئيّة، فلا يجري التقسيم بالنسبة إلى الهيئة، و أمّا بالنسبة إلى المادّة فلا مانع من جريانه، و كذلك الحال في الأسماء المتضمّنة لمعاني الحروف، فإنّ فيها جهة اسميّة و جهة حرفيّة، و يجري التقسيم في الجهة الاولى دون الثانية.

الفرق بين المعاني الحرفيّة و المعاني الاسميّة

المقام الرابع في تحقيق أنّه، هل يمكن أن يجعل الافتراق بين المعاني الاسميّة و الحرفيّة بالكليّة و الجزئيّة و العموم و الخصوص، كما التزم بذلك عامّة المتأخّرين بعد السيّد الشريف، أم لا؟

أقول: كلمات المتأخّرين من جهة عدم اهتدائهم إلى حقيقة المطلب و عدم إذعانهم بالقلب بالحقّ و إن جرى على لسانهم في أثناء كلماتهم، مضطربة.

فنحن نكشف السرّ عن المطلب أوّلا، ثمّ نتعرّض لبيان المطلب ببعض الكلمات- بعون اللّه تعالى- فنقول: إنّ كون شي‏ء اسما، و كون شي‏ء فعلا، و كون شي‏ء حرفا ليس محض الاعتبار و التسمية، بل له موازين واقعيّة، لأنّ المعاني‏

36

الواقعيّة- على ما أشرنا إليه في أوّل الرسالة- مختلفة، و نصّ عليه أمير المؤمنين (عليه السّلام)(1).

فبعض الألفاظ وضعت للإنباء عن المسمّى، و بعضها للإنباء عن حركته، و بعضها لإيجاد معنى في غيره، فتفاوت الاسم إنّما هو لأجل تفاوت المعنى الّذي يكشف عنه اللفظ، فيستحيل أن يؤثّر في المعنى كيفية وضع الواضع اللفظ له، فإنّ الوضع تابع للمعنى و مؤخّر عن وجوده، فكيف يمكن أن يكون سبب وجوده أو سبب تغيّره؟

فلا يمكن أن يتفاوت الأمر بعد كون المعنى الّذي قصد وضع اللفظ له من المعاني الحرفيّة بين وضع اللفظ بطريق العموم، أو لكلّ فرد من أفراده، و إذا لم يكن المعنى من المعاني الحرفيّة يستحيل أن يصير من المعاني الحرفيّة بسبب وضع اللفظ لكلّ فرد من أفراده.

فإن كان الابتداء مثلا من المعاني الحرفيّة فلا يتفاوت في جعل اللفظ و وضعه لنفسه أو لأفراده، و إن لم يكن من المعاني فكيف يمكن أن يصير حرفا بمجرّد وضع اللفظ لأفراده؟

و ثانيا: الوضع- كما ذكرنا- أمر ربطيّ نسبيّ ملحوظ بين اللفظ و المعنى و اختلاف الأمر الربطيّ منحصر باختلاف طرف المرتبطين دون غيره.

فإذا كان اللفظ الموضوع لفظا خاصّا و الموضوع له أيضا خاصّا يمتنع أن تختلف العلقة من جهة حالة الوضع و كيفيّة وضعه و جعله، و لا يمكن أن يختلف أخذ الثمرة أيضا.

____________

(1) بحار الأنوار: 40/ 162 ضمن الحديث 54.

37

فإذا كان الموضوع مثلا لفظ «زيد» و الموضوع له الأشخاص مثلا، فلا يتفاوت بين أن يوضع اللفظ لكلّ منها أو يجمع بين الأفراد المحصورة فيوضع اللفظ لتمامهم لفظ «زيد» مثلا مرّة فقط، أو كان الأفراد غير محصورة و لاحظ عنوانا جامعا لها، مثل كونهم ابن فلان مثلا ثمّ وضع لهم لفظ «زيد».

نعم؛ يفرق ذلك بحسب الاصطلاح، و لكن بحسب ترتّب ثمرة عليها فلا، كما ترى أنّه تحصل العلقة بين الشي‏ء و عوضه، سواء كان منفردا أو منضمّا بالغير في الإنشاء العقدي، بأن يقول: بعت هذا بهذا، أو جمع امورا متعدّدة و قال: بعت هذه الأشياء بتلك الأعواض، فإنّه ينحلّ أيضا إلى عقود كثيرة.

فلو كان المناط في الحرف خصوصيّة الموضوع له لكان جميع الأعلام الشخصيّة حروفا، لأنّها موضوعة لمعان خاصّة، و كيفيّة الوضع لا تغيّر الشي‏ء عمّا هو عليه، كما علمت.

و ثالثا: أرباب هذه التفرقة- و هو الفرق بين الجزئيّة و الكليّة- لا يلتزمون بذلك، كما عرفت في ما سبق من كلام السيّد الشريف، حيث قال: (و لك بعد ملاحظته على هذا الوجه أن تقيّده بمتعلّق مخصوص فتقول مثلا: ابتداء السير البصرة، و لا يخرجه ذلك عن الاستقلال و صلاحيّة الحكم عليه و به) (1) انتهى.

فترى يعرّف بأنّ الابتداء الجزئيّ أيضا من المعاني الاسميّة و معنى مستقلّ، فالتفاوت بين الابتداء الاسميّ و الحرفيّ إنّما هو بحسب اللحاظ، كما صرّح بذلك، فإنّه قد يكون ملحوظا في ذاته، و قد يكون ملحوظا من حيث كونه آلة لتعيين حالة اللفظ الآخر، و هو السير و البصرة مثلا، فتمام المناط هذا لا الجزئيّة و الكليّة.

____________

(1) انظر! أجود التقريرات: 1/ 39، تعليقة الشريف على المطول: 374.

38

و لا يخفى أنّ صيرورة المعنى الحرفيّ جزئيّا قهريّ لا بدّ منه، لأنّه مبيّن لجهة الاستعمال، و الاستعمال لا يمكن أن يكون كليّا، فكلّ معنى حرفيّ لا محالة يصير جزئيّا و لو كان الموضوع له كليّا، كما سيتّضح إنشاء اللّه تعالى لا أنّ كلّ معنى جزئيّ يكون من المعاني الحرفيّة.

و يشهد على ما ذكرنا- من عدم التزامهم في التفرقة بمجرّد الكليّة و الجزئيّة- عبارة شارح «الكافية» حيث يقول: و الحاصل أنّ لفظ الابتداء موضوع لمعنى كليّ و لفظة «من» موضوعة لكلّ واحد من جزئيّاته المخصوصة المتعلّقة من حيث إنّها حالات لها، و آلات لتعرّف أحوالها (1)، انتهى.

فترى أنّه لم يكتف بكون معنى «من» الابتداء الجزئيّ، بل قيّده بقوله:

المتعلّقة من حيث إنّها حالات متعلّقاتها، و لا يخفى أنّ هذا القيد يغنينا في التفرقة بينهما، و لا نحتاج إلى الجزئيّة و الكليّة.

فنقول- كما قال جميع العلماء و الأساطين من المتقدّمين-: إنّ معنى «من» هو الابتداء، و «في» هو الظرفيّة، و لكن من حيث كونهما حالتين لتعرّف حال متعلّقاتهما، و الجزئيّة في معناهما إنّما يجي‏ء من قيد الحيثيّة، و من خصوصيّة هذا السنخ من المعنى لا من اعتبار الواضع الجزئيّة في الموضوع له، فالتفرقة بالكليّة و الجزئيّة مع أنّها باطلة لا يلتزم بها القائلون به.

و الحاصل؛ أنّ المعاني على قسمين:

قسم منها ما لا يمكن لحاظه إلّا باللحاظ الاستقلاليّ الذاتيّ، كالضرب و المنع و القتل و النصر و غيرها من أسماء المعاني، و كذلك تمام أسماء الأعيان.

____________

(1) شرح الكافية: 10 مع اختلاف.

39

و لكن طائفة من أسماء المعاني يمكن أن تلاحظ باللحاظين: الاستقلاليّ و التبعيّ، و هي ما كان صفة للألفاظ تارة، و كاشفة عن معانيها تارة اخرى، كالفاعليّة و المفعوليّة، و الظرفيّة و الابتدائيّة و الانتهائيّة و الاستعلائيّة، و هكذا من الخبريّة و الإنشائيّة و الاستفهاميّة و المشاراليهيّة، و المخاطبيّة و الأمريّة و النهييّة و الدرائيّة و غيرها ممّا لا يتناهى من المعاني الحرفيّة.

فهذه المعاني إن قصدت من ألفاظها الموضوعة لها تكون من المعاني الاسميّة لا محالة، و لكن إن قصدت و جعلت صفة للألفاظ و كشف عنها الحروف أو ما ينوب منابها من الإعراب و غيره، تكون من المعاني الحرفيّة و تكون غير ملحوظة باللحاظ الاستقلاليّ.

و هذا تمام الفرق الّذي نبّه عليه الأساطين من القدماء، و صرّح به نجم الأئمّة (رحمه اللّه) كما نقلنا عنه مرارا، حيث قال: (إنّ معنى «من» و لفظ الابتداء سواء، إلّا أنّ معنى الابتداء في لفظه، و معنى «من» في لفظ غيره، و هذا هو الفرق الّذي لا بدّ منه أن يلاحظ بينهما، لا الفرق بالجزئيّة و الكليّة و العموم و الخصوص) (1).

و السيّد الشريف لمّا [لم‏] يهتد إلى حقيقة الحال و لم يتفطّن بالمقصود من المعاني فكلامه في غاية الاضطراب، كأنّه أخذ الكلام الحقّ من غيره تقليدا من دون تأمّل، فإنّه قد يقرّر المقصود على أحسن البيان، و قد يعترض على الشارح الرضيّ (رحمه اللّه) و غيره من الأعلام الكاشف عن عدم تعقّله للمقام، ثمّ تابعة على ذلك من تأخّر عنه، فبقي المطلب في الحجاب إلى زمان بعض المحقّقين- قدّست أسرارهم- فنبّه عليه في الجملة.

____________

(1) شرح الكافية: 10.

40

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الواضع لم يضع لفظة «من» مثلا للابتداء الجزئيّ، و لم يعتبر الجزئيّة في الموضوع له، بل وضعها للابتداء الّذي كان مرآة لحال متعلّقها مطلقا، أيّ متعلّق «كان»، و لكن تحقّق مرآتيّته للمتعلّق لا يمكن إلّا في ضمن متعلّق خاصّ.

فالخصوصيّة ليست باعتبار الواضع، بل لخصوصيّة في هذا السنخ من المعنى، و كذلك الحال في أسماء الإشارة، و محصّله ما قدّمناه لك من أنّ الواضع لاحظ مطلق الذات المفرد و المذكّر، و وضع لفظ «ذا» و لكن تصرّف في مورد استعمال لفظ «ذا» فيه، و اعتبر أن يكون في محلّ الإشارة بهذا اللفظ حين استعماله في معناه، كما هو شأن المعاني الحرفيّة، فإنّك قد عرفت أنّها طبعا و ذاتا مؤخّرة عن معاني الأسماء، فإنّها حالات و جهات لاستعمال ألفاظها فيها، فلا بدّ أن يكون معنى الأسماء أوّلا، و وضع اللفظ له ثانيا، و كان استعمال اللفظ فيه متصوّرا على وجوه ثمّ توضع الحروف لتعيين تلك الوجوه.

و كذلك إذا اعتبر الواضع المعنى الحرفيّ في الأسماء، فإنّه محال أن يجعله جزء الموضوع له لتلك الأسماء، بل لا بدّ أن يعتبره بغير اعتبار الموضوع له في مقام استعمال اللفظ في الموضوع له و كشفه عنه.

فالقول بأنّ الواضع تصوّر المفهوم المشار إليه المفرد المذكّر و وضع «ذا» لأفراده ناشئ عن الغفلة في كيفيّة اعتبار الإشارة في هذه الأسماء، فإنّها معنى حرفيّ محال أن يعتبر في الموضوع له و تعلّق به القصد في مقام وضع الألفاظ الاسميّة، بل الموضوع له هو الذات.

و كذلك المتصوّر حين الوضع و الإشارة اعتبار في مقام استعمال كاشفها

41

و لفظها فيها، لا أنّها ملحوظة مستقلّة، أو أنّها الموضوع له، أو أفرادها موضوعة لها، ثمّ ضايقهم بعد ما لم يطّلعوا على حقيقة الحال على كلام المتقدّمين بعض الشبهات، فلم يجدوا مفرّا من ذلك إلّا القول بأنّ الموضوع له خصوصيات ذلك المعنى و جزئيّاته، و نحن نذكر شبهاتهم و استدلالاتهم على ذلك حتّى يتّضح المرام.

منها: أنّه إذا وضعت تلك الأسماء للمعاني الكليّة فلا بدّ أن يكون جائزا استعمالها فيها، و الثاني باطل، بيان الملازمة ظاهر، فإنّ الوضع أقوى سبب للاستعمال، و لا يكون الغرض منه إلّا ذلك، فكيف يمكن أن يكون المعنى الكلّي موضوعا له مع عدم إمكان الاستعمال فيه؟ و بيان بطلان اللازم إطباقهم على عدم جواز ذلك.

و منها: استلزام ذلك كون المجاز بلا حقيقة، و هو باطل، و لو سلّم فلا داعي إلى الالتزام بذلك في تلك الألفاظ، مع أنّ مثبت ذلك التجأ و اضطرّ إلى التمثيل له بالأمثلة النادرة، فإن كانت تلك المذكورات من هذا القبيل فكان هو أقوى شاهد عليهم، و لم يكن وجه لتكلّفاتهم و التجائهم في الاستشهاد.

و منها: تبادر المعاني الخاصّة منها عند الإطلاق، و عدم تبادر المعاني الكليّة، و هما من علائم الحقيقة و المجاز.

و منها: أنّ مقتضى ذلك أن تفهم المعاني الكليّة منها عند الإطلاق ثمّ بواسطة القرينة الصارفة عنها بعد الالتفات إليها تفهم الجزئيّات كما هو الحال في جميع المجازات، و من المعلوم بطلان ذلك.

و منها: أنّ البناء على ذلك موجب لاتّحاد معاني الحروف و الأسماء، إذ

42

حينئذ معنى «من» هو الابتداء المطلق مثل المعنى الاسمي، و هو ظاهر الفساد، ضرورة تغاير معانيها بحسب المفهوم.

و منها: أنّهم صرّحوا بأنّ للحروف و غيرها معان حقيقيّة و مجازيّة، و ذلك حسن إذا قلنا بوضعها للمعاني الجزئيّة، و إلّا لكانت جميع الاستعمالات مجازا فلا وجه للتفصيل.

و الجواب أمّا عن الأوّل فبأنّ هذا الاستدلال من أقوى الشواهد على غفلتهم من المرام من معاني الحروف و كيفيّة اعتبارها في الأسماء، فإنّ الابتداء الكليّ الّذي يفهم من الحرف هو صفة اللفظ، و جهة الاستعمال و داعيه، و يحدث ذلك في اللفظ بسبب الحرف، كما صرّحوا به.

فلفظ «من» وضع لإفضاء الحدث إلى مبدئه، فهو معنى يحصل بإيراده في الكلام و التلفّظ به، و يحدث ذلك في المدخول معنى إذا لوحظ باللحاظ الاستقلاليّ يعبّر عنه بالابتدائيّة، مع أنّ المدخول في نفسه خال عنه.

و لذا لا يدلّ المدخول على هذا إلّا إذا انضمّ بلفظ الحروف، و ليس المراد بالابتداء هو الابتداء الاسميّ الّذي هو معنى لفظ الابتداء، فإنّه مطلقا أعمّ من أن يكون كليّا أو جزئيّا معنى اسميّ ملحوظ بالاستقلال. و لا يمكن أن يكون معنى للحروف، بل لا يتوهّم ذو مسكة أنّه إذا قيل: ابتداء داري أحسن من انتهائها أنّ الابتداء و الانتهاء بواسطة تعيّنها و تشخّصها معنى حرفيّ.

إذا عرفت ذلك تعرف حال هذا الاستدلال؛ لأنّه إن أراد بالمعنى الكلّي هو المعنى الاسمي فهو ليس بجميع أفراده ل «من» و لا يتوهّمه أحد إلّا نفسه، و إن أراد المعنى الحرفيّ و هو الابتدائيّة الّتي هي آلة ليعرف حال السير و البصرة،

43

فالامتناع لأجل خصوصيّة فيه؛ لأنّه معنى حرفيّ و جهة الاستعمال و اللفظ، و يمتنع أن يكون الاستعمال و اللفظ كليّا إلا أن يكون المعنى الحرفيّ مبنيّا لجهاتهما، و لأجل خفاء ذلك عليهم قد أعرب سيّد محقّقيهم حيث تعرّض على نجم الأئمة الرضيّ (رحمه اللّه) بقوله: اعلم! أنّ الشارح تبع في هذا المقام ما وقع في عبارات المتقدّمين من النحاة، و لم يدقق النظر فيها ليطّلع على مقاصدها (1)، انتهى.

وليته احتمل ذلك في حقّ نفسه و يدقّ النظر في ما أحكم بيانه و شيّد بنيانه، لعلّه يصل إلى حقيقة المراد، و يكفّ لسانه عن التشنيع و الإيراد، و بظنّي أنّ [ما قاله‏] الشارح الرضيّ (رحمه اللّه) لم يخطر بباله و لا طيف خياله.

و كم من عائب قولا صحيحا * * * [فآفته من الطبع السقيم‏]

هذا حال الحروف و كذلك حال المبهمات، فإنّ الإشارة فيها مثلا و كذلك التكلّم و الخطاب ليس معان اسميّة، بل هي معان حرفيّة مبيّنة كيفيّة حال الذات حين كونها مرادة من لفظ الاسم و استعماله فيها، و ذلك خاصّ و معيّن لا محالة.

فلفظ «ذا» مثلا و إن وضع لمطلق الذات مع كونها في محلّ الإشارة حين الإرادة من لفظها أعمّ من أن يكون زيدا أو عمرا أو غيرهما، و لكن تحقّق الإشارة و وجودها لا يمكن إلّا إلى مشار إليه خاصّ معيّن، فالخصوصيّة معتبرة لأجل خصوصيّة المعنى، لا أنّها معتبرة في الموضوع.

و لذا قالوا بأنّ الموضوع له عامّ و المستعمل فيه خاصّ، و كذلك غيرها، و قد تقدّم بيانه في السابق مفصّلا، فارجع إليه.

____________

(1) شرح الكافية: 1/ 10 (الهامش).

44

و ممّا ذكرنا يتّضح الجواب عن الثاني أيضا، لأنّه مبنيّ على ما توهّموه من المعنى الحرفيّ، و أمّا على ما هو الواقع و الصواب في معاني الحروف فقد عرفت.

و كذا عن الثالث؛ لأن التبادر مسلّم و لكن هو من جهة خصوصيّة في المعنى الحرفيّ؛ لعدم تصوّر وجوده مطلقا بل يتوقّف تحقّقه على الاستعمال؛ لأنّه مبيّن لجهاته، و هو لا يمكن أن يكون جزئيّا فكذلك أيضا المعنى الحرفيّ، و ذلك لا ينافي عموم الموضوع له، مثلا وضع «من» لإفضاء الحدث إلى مبدئه مطلقا أيّ حدث كان، و أيّ مبدإ كان من البصرة و الكوفة و مكّة و غيرها و لكن إفادته الإفضاء لا يمكن حتّى يفضي الحدث الخاصّ إلى المبدا الخاصّ.

و كذلك أيضا يظهر الجواب عن الرابع، لأنّ ما ذكروه شبهة منشأها تخيّل أنّ الموضوع له هو المعاني الكليّة الاسميّة، مثلا تخيّلوا أنّ الموضوع له لاسم الإشارة هو المشار إليه، و قد عرفت أنّه خيال فاسد ناشئ عن عدم التأمّل و التعمّق في كلمات أهل التحقيق من القدماء، بل الموضوع له هو الذات المبهم و لكن مع كونها مشارا إليها بذلك اللفظ الموجب لإحضارها حين الكشف عنها.

و كذلك الجواب عن الخامس؛ لأنّهم لم يفرّقوا بين الابتداء الّذي يلاحظ بالاستقلال الموضوع له لفظ الابتداء و بين الابتداء الّذي هو جهة في اللفظ و صفة حادثة فيه و ملحوظ باللحاظ الآليّ، كما مرّ بيانه.

و يظهر أيضا الجواب عن السادس؛ لأنّا قد ذكرنا أنّ الاستعمال في المعاني الجزئيّة ليس مجازا بل حقيقة، مع أنّ التصريح بثبوت المجازيّة غلط و اشتباه من المصرّح به من أهل العربيّة، و أمّا الأساطين و أهل التحقيق فلا يرون المجازيّة فيها، بل في مدخولها، كما عرفت من السكّاكيّ.

45

و قد تقدّم في السابق بيان معاني بعض الحروف و أنّه ليس لها إلّا معنى واحد، و ليس فيها معنى المجازيّة.

ثمّ اعلم! أنّ بعض التابعين للقدماء كالتفتازانيّ و غيره لم يلتفتوا إلى حقيقة المعنى الحرفيّ كما هو هو، فتوهّموا أنّ استلزام المعنى الحرفيّ للخصوصيّة و الجزئيّة من جهة اشتراط من الواضع في وضع الحروف و المبهمات، فإنّه وضعها لامور كليّة يشترط أن لا يستعمل إلّا في جزئيّاتها (1).

و السيّد الشريف لما اطّلع على ذلك حكم بركاكته و استصوب القول الآخر (2).

و أنت خبير بأنّ هذا الاشتراط إنّما وقع في كلام من لم يتفطّن بالمعنى الحرفيّ، و المتقدّمون من الأساطين منزّهون عن مثل هذا الغلط، و قد علمت كرارا أنّ الجزئيّة و الخصوصيّة من لوازم تحقّق هذا السنخ من المعنى و هو المعنى الحرفيّ، فإنّه مرآة ملاحظة حال لفظ غيره، فما لم يتحقّق لفظ مخصوص لم يتحقّق مرآتيّته الّتي وضع الحرف لها، و ليس ذلك من جهة اشتراط الواضع، بل من جهة طبيعته و حقيقته من دون توقّفه على الاشتراط.

____________

(1) انظر! أجود التقريرات: 1/ 22.

(2) شرح الكافية: 1/ 10.

46

تقسيم اللفظ باعتبار الموضوع‏

و قد يقسّم اللفظ باعتبار الموضوع إلى ثلاثة أقسام، فإنّه إمّا وضع شخصيّ، و هو أن يلاحظ الواضع شخصا من اللفظ معيّنا بمادّته و هيئته و يضعه بإزاء المعنى.

و وجه التسمية أنّه وضع يتعلّق بشخص خاصّ غير صادق على ألفاظ مختلفة.

و إمّا وضع نوعيّ، و هو أن لا يلاحظ شخصا من اللفظ من حيث المادّة و لا من حيث الهيئة، مثل وضع المجازات على القول به، فإنّه رخّص الواضع استعمال لفظ كلّ ما شابهه شي‏ء في مشابهه على النحو المعتبر.

و وجه التسمية ظاهر؛ لأنّ الموضوع أمر كلّي شامل لألفاظ متعدّدة مختلفة، نظير شمول النوع لأفراده.

و إمّا وضع قانوني، و هو أن لا يكون ملحوظا شي‏ء من اللفظ بحسب المادّة، و لكن كان ملحوظا باعتبار الهيئة هيئة خاصّة سارية في الموارد، مثل ما إذا جعل قانونا و قاعدة كلّية، مثل أنّ اسم الفاعل من الثلاثي يكون على وزن فاعل، ثمّ وضع كلّ لفظ على هذا الوزن لمن قام به مبدؤه، و هذا القسم يسمّى بالوضع القانونيّ عند أهل العربيّة لا النوعيّ.

فعلى هذا فالهيئة العارضة للأفعال و المشتقّات و إن كانت في المعنى مثل الحروف- كما ذكرنا في السابق- و لكن مفترقة عنها في جهتين:

الاولى؛ في الوضع؛ لأنّ وضع الحروف وضع شخصيّ بخلاف الهيئة، فإنّ وضعها قانونيّ.

47

الثانية؛ إنّ الحروف كلمات مستقلّة، و الهيئات ليست بكلمة، و إنّما هي عوارض للكلمة.

ثمّ إنّ هنا فائدة نافعة متوقّفة عليها كثير من المطالب لا ضير في الإشارة إليها و إن كانت خارجة عن المرام، لئلّا تخلو رسالتنا عنها، و هي: إنّ الجمهور من العلماء- أي علماء العربيّة و الاصول- ذكروا أنّ المجاز أيضا لا بدّ فيه من الوضع و الترخيص، و لكن نوعا لا آحاده، كما نسب إلى قول لم يعرف قائله.

و استدلّ الجمهور بأنّ الأمر في باب الألفاظ توقيفيّ فلا يجوز التعدّي عن مقتضى ما ثبت من الواضع، فاللازم الرجوع إليه في استعمال الألفاظ و المعاني.

و لكن ما يشاهد بالعيان و يعلم بالبرهان أنّ المجاز لا يحتاج إلى الترخيص و الوضع لا نوعا و لا شخصا، بل هو- أي استعمال اللفظ في غير ما وضع له من جهة مناسبة ذاتيّة واقعيّة- لا يحتاج إلى وضع الواضع و ترخيص الجاعل، بل إذا كانت تلك المناسبة موجودة يجوز الاستعمال و لو منع عنه الواضع و لم يرخّص الاستعمال، رغما لأنفه، و لو لم تكن موجودة لا يجوز الاستعمال و لو رخّص فيه و أذن صريحا.

فهذا يكشف كشفا قطعيّا عن أنّ ذلك ليس دائرا مدار إرادته و ترخيصه و ميله، بل مداره واقعه و علاقته، كما ترى بالعيان أنّ والد «حاتم» و واضع لفظ «رستم»- مثلا- و كذلك الحال بالنسبة إلى الواضع الأوّل، فإنّه لم يخطر ببالهما و لا طيف خيالهما حين الوضع صيرورة الولد، و الموسوم برستم جوادا و شجاعا حتّى يلتفت إلى الترخيص في استعمالهما في مطلق الجواد و الشجاع، بل لو التفت و منع من ذلك لا يثمر منعه.

48

و كذلك إذا لم يكن كلّ مائع متّصفا بصفاته الذاتيّة يجد كلّ أحد من الصبيان و النسوان من نفسه صحّة إطلاق الماء عليه، و يطلقونه بلا تأمّل في أنّه هل فيه الترخيص أم لا؟ و أنّ واضعه و صاحبه راض بذلك أو لا، و لا يلتفتون أصلا إلى أنّه لا بدّ أن نعلم أنّه هل ورد الترخيص من الواضع أو استعمل على هذا النحو أهل اللسان أم لا؟

بل يطلقون الألفاظ المجازيّة بلا التفات إلى هذه المزخرفات بمقتضى طبعهم و جبلّتهم، كما ترى بالعيان عمل الصبيان و النسوان مع عدم كونهم من أهل العلم حتّى يطّلعوا على هذه الشبهات و الوساوس في الضروريّات.

و لعمري إنّ ذلك من أجلى البديهيّات، و السرّ فيه أنّ ذلك ليس أمرا راجعا ابتداء إلى اللفظ حتّى يمكن أن يرجع إلى الواضع، بل هذا أمر معنويّ واقعيّ، فإنّه إذا ناسب شي‏ء مع شي‏ء مناسبة تامّة في أظهر صفاته نرى أنّه يصحّ حمله عليه ادّعاء و تشبيهه به، مثل هذا أسد أو كالأسد، و هذان لا يتوقّفان على اللفظ كما في حمل الأخرس و تشبيهه.

و على فرض التوقّف لم يتفوّه أحد و لم يتخيّل متخيّل في أنّ هذين أيضا لا بدّ فيهما من الإذن و الترخيص، بل عدم توقّفهما عليه إجماعيّ، و عدم مدخليّته اتّفاقيّ، فإذا صحّ و جاز حمل شي‏ء على شي‏ء بسبب المناسبة بينهما فإتيان كاشفه و قالبه و لباسه عارية لمناسبة و مشابهة أولى بالجواز، و لا يتوقّف ذلك على شي‏ء غير المشابهة و المناسبة بالمعنى الّذي هو صاحب اللباس.

و أمّا توقّف الإعارة على إذن من ملكه أوّلا فمقطوع العدم، لعدم ارتباطه الآن به، و عدم رجوعه إليه، فاللفظ و إن صار قالبا لمعناه بوضع الواضع و لكن‏

49

إتيانه عارية في محلّ إفادة معنى مشابه لمعناه لغرض و نكتة لا يتوقّف على أزيد من وجود الشباهة و المناسبة في أظهر الصفات بين المعنيين.

و أمّا على ترخيص واضعه و إذنه فلا، بل كما عرفت قد لا يخطر ببال الواضع حصول تلك الصفة للموضوع له، فضلا عن خطور ترخيصه لاستعمال اللفظ في ما حصل له مثل هذه الصفة.

و يحتمل إرجاع ما نقل عن العلماء- من احتياج المجاز إلى الترخيص بأن يستعمل نوعه لأهل اللسان و أهل العرف الّذين يتخاطبون بذلك الكلام- إلى ما ذكرنا، لأنّهم لم يشترطوا حصول الإذن من شخص معيّن، بل يعنون أنّ المراد بالترخيص هو أن يستعمل نوعه أهل اللسان، و هذا عبارة اخرى من أنّه لا بدّ في المجاز من المناسبة التامّة الذاتيّة، بحيث يفهمها طبعا أهل العرف و أهل اللسان.

و أهل اللسان أيضا لا خصوصيّة لهم في فهم تلك المناسبة، بل هو من باب المثل، فإنّ جميع أفراد نوع الإنسان يدركون ذلك، و لذا لا يختصّ المجاز لمشابهة بلغة دون اخرى، بل يجري في الجميع من العربيّة و الفارسيّة و التركيّة و الروميّة و الهنديّة و غيرها إلى ما شاء اللّه.

نعم؛ القدرة على استعمال المجاز في كلّ لغة تتوقّف على كون الشخص من أهل اللسان و عارفا به.

و الحاصل؛ أنّ مرادهم بتوقّف صحّة التجوّز على استعمال أهل اللسان هو التوقّف على المناسبة الذاتيّة الّتي يدركها أهل اللسان، فهو من قبيل ذكر الملزوم و إرادة اللازم، و أمّا مدخليّة استعمالهم في التجوّز ففسادها أوضح من أن يبيّن، و لم يلتزم به أحد.

50

و لكن ما ذكرناه من التوجيه مناف لما سبق إلى بعض الأوهام من أنّ مرادهم من استعمال أهل اللسان أنّ استعمال أهل اللسان يكشف عن ترخيص الواضع ذلك النوع، و يكشف لهم أخذهم و سماعهم من الواضع، و الواضع قد اعتبر هذه العلاقات بخصوصها و نصّ عليها كما نسبه التفتازاني إليهم مدّعيا عليه الوفاق‏ (1).

على أنّه لو فرضنا أنّ مرادهم ذلك، فهذه دعوى مقطوع الفساد، خصوصا على رأي من يزعم أنّ الواضع ليس الناس، بل هو اللّه تعالى؛ للقطع بأن ليس هناك نقل ينتهي إلى الواضع و لا ادّعاه أحد، و إنّما القوم تصفّحوا كلمات العرب فوجدوهم يطلقون بعض الألفاظ على ما يناسب معانيها الأصليّة فعمدوا إلى تلك المناسبة فوجدوها في موضع مناسبة المشابهة، و في آخر السببيّة، إلى غير ذلك، فعبّروا عن كلّ باسم يخصّه، و ليس لهم إلّا مجرّد استعمالهم، و هو لا يستلزم ما ادّعوه، بل هو أقرب إلى ما ذكرنا و ليس لهم مستند سواه.

مع أنّه لو كان الأمر كما ذكروا لما كان وجه للاختلاف في أنواع العلائق؛ لأنّ هذا الاختلاف ليس اختلافا في الرواية عن الواضع، بل من جهة التفات ببعض العلائق الّذي لم يلتفت إليه الآخر، و لنقل اللغويّون أقلّ في مقام من المقامات أنّ الأمر الفلاني علاقة للتجوّز لأنّه أيضا راجع إلى الواضع، و لكان مطّردا استعمال النوع الّذي تثبت الرخصة فيه في جميع جزئيّاته، مع أنّه لم يطّرد من أنواع العلاقة إلّا المشابهة على الوجه المعتبر، لأنّه بعد ما اعتبر إطلاق اسم السبب على المسبّب مثلا فغير معقول مدخليّة الموارد و الجزئيّات في ذلك و تأثيرها في امتناعه.

____________

(1) لاحظ! مختصر المعاني: 218- 222.

51

فإن قلت: إنّك كما تقول: إنّ مطلق المشابهة لا يكفي في إطلاق اسم المشبّه به على المشبّه فكذلك نقول: إنّ مطلق السببيّة مثلا أيضا لا يكفي.

قلت: صدقت، و لكن نحن نطالب بالميزان الّذي باعتباره يصحّ إطلاق اسم السبب على المسبّب كما نحن جعلنا الميزان في المشابهة أن يكون في أظهر الصفات، و محال أن يجعل ميزانا كليّا بين غير المشابهة من العلائق على وجه يطرّد في جميع الجزئيّات و لو اعتبر فيها جميع الخصوصيّات.

فإن قلت: على ما ذكرت أيضا من أنّ المجاز في الكلمة موقوف على المناسبة بين المعنيين، و لا يحتاج إلى الترخيص بردّ السؤال من وجه عدم الاطّراد في العلائق الّتي ضبطوها إلى نيّف و عشرين غير المشابهة، فإنّه مطّرد في جميع جزئياته.

قلت: ما يقتضيه التأمّل في أساليب الكلام و التدبّر في خصوصيّات المقام أنّ ما هو المشهور من العلائق اشتباه ظاهر و خلط واضح، و ليس مجاز في الكلمة إلّا الاستعارة، و لا علاقة إلّا علاقة التشبيه، و أمّا غيرها من المجاز المرسل فليس مجازا في الكلمة، فهو إمّا مجاز عقليّ أو حقيقة استعمل اللفظ في معناه مع خصوصيّات تجدها الأذهان المستقيمة بعد التنبيه عليها، لا أنّه استعمل في غير معناه و اعتمد على العلائق المذكورة، حتّى يرد سؤال عدم الاطّراد.

و توضيح هذا الاحتمال يتوقّف على أن نسوق الكلام إلى بيان حال العلائق الّتي ضبطوها.

52

الكلام في علاقة العموم و الخصوص‏

فنقول- و منه الاستعانة-: من العلائق المذكورة عندهم علاقة العموم و الخصوص، و لم يذكرها البيانيّون، بل الاصوليّون قالوا: هي مصحّحة لاستعمال اللفظ الموضوع لمعنى عامّ في الخاصّ، و عليها بنوا كلامهم في مجازيّة العامّ المخصوص، و لم يصرّح أحد منهم بجواز العكس إلّا بعضهم في بعض الموارد الغير المعلوم الحال و اللازم ذلك كعلاقة الكلّ و الجزء؛ لأنّ هذه مناسبة واحدة متساوية بين الطرفين، و ليس لها أصل و فرع حتّى يجوز أحدهما بدون الآخر.

أمّا حال العامّ المخصّص و استعماله في بعض أفراده فقد أوضحناها في ما سبق، فليراجع، و نزيد البيان في هذا المقام بعون الملك العلّام و نقول: تخصيص العامّ سواء كان بالمتّصل أو بالمنفصل لا يخلو عن امور:

الأوّل؛ أن يكون مسوقا لبيان المانع، نحو: أكرم العلماء إلّا الفسّاق، فإنّ التخصيص مبيّن أنّ الفسق مانع من تحقّق الحكم، و معلوم عدم اقتضاء انتفاء نفس المقتضي حال وجود المانع، فإنّ علم الفاسق مقتض لإكرامه قطعا.

و حينئذ فالعلماء مستعمل في ما وضع له من المعنى العامّ، و بيان المانع غير موجب لاستعمال اللفظ في غير ما وضع له.

فإذا قيل: كلّ علم مقتض للإكرام، فلا ريب في عمومه و عدم تخصيصه، فكذلك هذه القضيّة فإنّها بمنزلته، و هذا في غاية الظهور، و كذلك حال غير هذا المثال ممّا تكفّل بذلك.

الثاني؛ أن يكون مسوقا لبيان الشرط، نحو: أكرم العلماء إن كانوا عدولا،

53

فإنّه يفيد شرطيّة العدالة لوجوب الإكرام، و هو كسابقه في عدم استلزامه قصر المقتضي في الاستعمال على من وجد فيه الشرط من المعنى العامّ؛ لأنّ العلم في غير العادل مقتض لوجوب الإكرام و إن انتفى شرطه، فاللفظ مستعمل في ما وضع له.

الثالث؛ أن يكون مساقه قصر الإفادة و تحديد موضوع الحكم، نحو أكرم العلماء إلّا النحويّين، فإنّه بيان لقصر وجوب الإكرام على ما عدا النحويّين، و هنا يمكن توهّم استعمال العامّ في الخاصّ مجازا، و يكون المخصّص قرينة هذا التجوّز، كما قالوا في دفع التناقض، و لكنّا بيّنا فساده في ما سبق.

و أمّا حال استعمال الخاصّ في العامّ فأوضح أن يبيّن، لأنّ التتبّع و الوجدان شاهدا صدق على عدم ثبوت هذا النحو من الاستعمال في لغة العرب و عدم صحته، فإنّ الطبع قاض باستهجان استعمال لفظ «زيد» في مطلق الإنسان مثلا، أو غيره ممّا هو أعمّ منه، و لو مع وجود القرينة الظاهرة فيه، فلا يقال: زيد خير من المرأة، أي الإنسان خير منها، أو جاءني زيد، أي جاءني العلماء، إلّا بالادّعاء، مع أنّه مرجعها- أي تلك العلاقة- إلى علاقة الكلّ و الجزء، فلا وجه بعدّها مستقلّا؛ لأنّ العموم إمّا أفراديّ، فيكون الاستعمال من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للجزء، كالإنسان في الكلّ و هو الأفراد، و إمّا مجموعيّ يكون من قبيل استعمال ما وضع للكلّ كالعشرة في [الواحد] و القوم و الجماعة في الجزء، أو بالعكس و هو أبعاضها.

و منها: علاقة الكلّ و الجزء، و لها طرفان، لأنّه إمّا أن يكون استعمال لفظ الكلّ في الجزء أو بالعكس.

54

أمّا الأوّل؛ فقد علم ممّا قدّمناه في الاستثناء أنّه ليس مورد استعمال الكلّ في الجزء و كلّ مورد يتوهّم فيه ذلك ليس مستعملا لفظ الكلّ في الجزء، بل استعمل في معناه، و ذكر توطئة لتعليق الحكم على أبعاضه، نحو اشتريت الدار إلّا نصفها، أو العبد إلّا ثلثه، أو الخبز إلّا ربعه.

و كذلك إذا لم يكن قرينة في اللفظ و علم من الخارج ذلك.

و أمّا الثاني؛ فقد اشترطوا فيه شرطا لم يشترطوه في عكسه، و هو كون الجزء بحيث إذا انتفى انتفى الكلّ بانتفائه، و مثّلوا له بالرقبة في الشخص في مثل أعتق رقبة، و اليمين فيه، كملك اليمين، و اللسان في الترجمان، كلسان السلطان، و العين في الربيئة، كعين القوم، و نظائر ذلك.

أقول:- قبل توضيح المقام-: إنّه غير مستقيم.

أمّا أوّلا؛ فمن جهة هذا الاشتراط، فإنّه مؤذن بأنّ التعويل ليس على مجرّد المناسبة و العلقة و إلّا لم يكن وجه لتخصيص ذلك الاشتراط فيه دون عكسه، لأنّه لا يكون لو كان تحقّق المناسبة بين الكلّ و الجزء موقوفا على هذا الاشتراط، بحيث إذا لم يكن لا يصحّ الاستعمال المجازيّ، فلا وجه لإلقائه في العكس، لأنّه بدونه لا يتحقّق المناسبة المصحّحة للاستعمال و لو لم يكن متوقّفة عليها، فلا وجه لاعتبارها.

و الحاصل؛ أنّ التفكيك بين طرفي العلاقة الواحدة غير معقول.

و أمّا ثانيا؛ فلعدم الاطّراد لا بالنسبة إلى أفرادها، و لا بالنسبة إلى موارد الفرد الواحد، و لا بالنسبة إلى ألفاظه؛ إذ لا يجوز ذلك في الرأس و القلب، و الصدر و الكبد، و الأمعاء و البطن، و لا فيما إذا بدّل الحكم المخصوص بحكم‏