الأنوار البهية في القواعد الفقهية

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
211 /
3

[مقدمة المؤلف‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

يا صاحب الزمان يا أبا صالح المهدي أغثني‏

الحمد للّه و الصلاة على محمّد و آله: و بعد فإن اللّه تبارك و تعالى وفّقني في شهر رمضان سنة الألف و الأربعمائة و التاسع عشر من الهجرة النبوية للبحث حول عدة قواعد فقهية و قد حضر الأبحاث و المحاضرات عدة من الأفاضل و الأعلام و كتبت ما خلج ببالي القاصر و أحببت أن أقدّمه للطبع و النشر كي يكون نفعه عاما و يكون ذخرا ليوم فقري و فاقتي الذي‏ لا يَنْفَعُ‏ فيه‏ مالٌ وَ لا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ‏ و على اللّه التوكّل و التكلان هو حسبي‏ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏.

تقي الطباطبائي القمي‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

القاعدة الأولى قاعدة من ملك‏

من القواعد الفقهية قاعدة من ملك شيئا ملك الإقرار به و ينبغي أن يتكلم حول هذه القاعدة من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في بيان المراد من هذه الجملة

، فنقول: تارة نلاحظ ما هو المستفاد من الجملة بحسب المتفاهم العرفي و اخرى نلاحظ ما يراد منها عند الأصحاب فيقع الكلام في موردين:

أما المورد الأول فالمستفاد من الجملة أن من يكون مالكا لعين كالدّار مثلا أو مالكا لمنفعة كمنفعة الدكان، مالك لأن يعترف بالنسبة الى تلك العين أو تلك المنفعة بأن يعترف بانتقالهما الى الغير بأحد الأسباب أو بما يكون من هذا القبيل.

و الوجه فيما نقول أن ظهور الألفاظ حجة ما دام لم يقم على خلافه دليل، هذا من ناحية و من ناحية أخرى أن الملكية لها معان:

منها الملكية الحقيقة التي يعبّر عنها بالإضافة الإشراقية و هي الملكية المخصوصة بذاته تبارك و تعالى لا مؤثر في الوجود إلّا اللّه:

أزمّة الأمور طرّا بيده‏* * * و الكلّ مستمدة من مدده‏

لِمَنِ الْمُلْكُ‏ ... لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.

و منها الملكية العرضيّة المقولية التي تعبر عنها بمقولة الجدة و هي الواجدية كهيئة الراكب على المركوب و هذه الملكية من الأعراض و من الأمور الواقعية.

6

و منها الملكية الاعتبارية التي تكون من باب الاعتبار و لا واقع لها الّا الاعتبار.

و من الظاهر أنّ المراد من الملك في هذه الجملة ليس المعنى الأول و لا الثاني بل المراد منها المعنى الثالث.

و من الظاهر أيضا أن الملكية الاعتبارية بحسب المتفاهم العرفي عبارة عن ربط اعتباري بين الإنسان أو غيره و بين عين من الأعيان أو منفعة من المنافع و أما إذا لم يكن كذلك فالظاهر عدم صدق عنوان الملكية و لا المالكية و لا المملوكية.

مثلا إذا فرضنا أن زيدا مالك لدار يقال: الدار الفلانية مملوكة لزيد و لكن لا يقال: زيد مالك لبيع الدار الفلانية كما أنه لا دليل من الخارج أن زيدا مالك لبيع الدار و قس عليه بقية الموارد.

و أما لفظ الإقرار فالمستفاد من التبادر و أهل العرف و اللغة أنه عبارة عن الاعتراف بشي‏ء و من الظاهر أنه أشرب في مفهوم الاعتراف أن متعلقه على ضرر المعترف.

و على هذا الأساس يستفاد من الجملة أن المالك للعين إذا أقرّ و اعترف بكون العين مملوكة للغير ينفذ إقراره و قد استعمل لفظ الملك في قولهم ملك الاقرار به مجازا إذ معنى اللفظ معلوم و من ناحية أخرى أصالة الحقيقة لا تكون أصلا تعبديا فالنتيجة أن المستفاد من الجملة أن المالك اعترافه نافذ بالنسبة الى مملوكه.

و لا يخفى أن الإقرار بماله من المفهوم العرفي عبارة عن الإخبار و لا يكون إنشاء فالحاصل:

أن المستفاد من الجملة بحسب المتفاهم العرفي أنّ المالك لشي‏ء إذا أخبر و أقرّ بالنسبة الى ذلك الشي‏ء يكون اخباره نافذا فلو أخبر بأن هذه العين انتقلت إلى غيري يكون اخباره نافذا و جائزا.

و أما المورد الثاني: فالمستفاد من كلمات القوم أن من يكون مسلطا على أمر

7

كعقد أو إيقاع أو غيرهما أصالة أو نيابة أو وكالة أو ولاية إذا أقر بذلك الأمر يكون إقراره نافذا أعم من أن يكون ذلك الإقرار له أو عليه أو لا هذا و لا ذاك.

مثلا لو كان وكيلا لتزويج امرأة لنفسه و أخبر بالتزويج يقبل قوله و هكذا.

و لا يخفى أن استعمال لفظ الإقرار بحسب ما هو المصطلح عند القوم استعمال لفظ الإقرار بحسب ما هو المصطلح عند القوم استعمال اللفظ في غير ما وضع له إذ الإقرار إخبار على ما يكون ضررا على المخبر و الحال أن الإقرار عند القوم أعم من ذلك أي ربما يكون إخبارا بماله نفع للمخبر كما لو كان وكيلا عن المرأة في تزويجها لنفسه فأخبر بالتزويج لنفسه و أيضا يكون استعمال الملك في غير ما وضع له إذ الإنسان مالك للعين مثلا و لا يكون مالكا لبيع العين.

الجهة الثانية: في أن هذه المسألة من المسائل الأصولية أو من القواعد الفقهية؟

و الحق أنها من الطائفة الثانية فإن المسألة الأصولية ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلي الفرعي الإلهي كمسألة مقدمة الواجب فإن نتيجة ذلك البحث التلازم بين وجوب ذي المقدمة و وجوب مقدمته فإن هذه الكبرى تقع في طريق الاستنباط فنقول صلاة الظهر واجبة و لها مقدمات و تلك المقدمات مقدمات الواجب و كل واجب يستلزم وجوب مقدمته فتلك المقدمات واجبة.

و أما القاعدة الفقهية فهي بنفسها متكفلة لحكم فرعي للمصاديق التي تحت ذلك الكلي، و بعبارة أخرى لا فرق بين قوله (الصلاة واجبة) و بين قوله: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) غاية الأمر دائرة القاعدة الفقهية أوسع و أشمل و لذا نرى قاعدة ضمان الصحيح و الفاسد تشمل البيع الفاسد و بقية العقود الفاسدة التي يوجب صحيحها الضمان.

الجهة الثالثة: في الفرق بين هذه المسألة و مسألة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز

، و الاظهر أن الفارق بين المقامين أن مسألة إقرار العقلاء تختص بمورد اعتراف‏

8

المقر بما عليه و يتضرر به.

و أما في المقام فلا فرق بين كون الإقرار ضررا عليه أو لم يكن ضررا بل ربّما يكون نافعا و النسبة بين القاعدتين عموم من وجه فإنّ مادّة الاجتماع ما لو أخبر مالك العين بوقفها فإن الإخبار المذكور إقرار على نفسه فيكون مصداقا لإقرار العقلاء على أنفسهم و أيضا اخبار عن أمر يكون مسلطا عليه و مالكا له و هو الوقف.

و أما مادة الافتراق من ناحية قاعدة إقرار العقلاء ما لو اعترف بإتلاف مال الغير فإن الاعتراف المذكور اعتراف بما يكون ضررا عليه و لا يكون مسلطا على الفعل المقرّ به اذ من الواضح أنه ليس لأحد إتلاف مال غيره.

و مادّة الافتراق من ناحية هذه القاعدة ما لو كان وكيلا عن المرأة في تزويجها لنفسه فأخبر به فإنه إخبار بما يكون نافعا له و لا يكون إقرارا على ما يكون ضررا عليه.

الجهة الرابعة: في الوجوه التي يمكن أن تذكر في تقريب المدعى‏

: الوجه الأول: ثبوت الملازمة بين السلطنة على وجود الشي‏ء و ثبوته و بين السلطنة على إثباته فإذا كان زيد مسلطا على تزويج المرأة يكون مسلطا على إثباته فلو أخبر به يكون إخباره نافذا.

و يرد عليه أولا بالنقض و ثانيا بالحل أما الأول فلو أخبر عن كون العين الفلانية التي لا تكون تحت يده مملوكة له بالإحياء يلزم أن يكون إخباره نافذا اذ له السلطنة على تملكها بالإحياء.

و كذلك لو أخبر بكون العين الفلانية مملوكة له بالحيازة و هل يمكن الالتزام به؟

كلا.

و أيضا لو كان أجيرا في عمل كالصلاة مثلا ثم أخبر بأنّه صلى و برأت ذمته و لم‏

9

يكن ثقة يلزم قبول قوله لأنه مسلط على الإتيان بها فيكون مسلطا على إثباتها و الحال أنا نرى الأصحاب يقولون إنما يقبل قوله إذا كان ثقة إلى غيرها من الموارد.

و أما الحل فلعدم دليل على هذه الدعوى و إذا وصلت النوبة إلى الشك يكون مقتضى الأصل الأوّلي عدم الاعتبار فهذا الوجه ليس تحته شي‏ء.

الوجه الثاني: قاعدة: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)، بتقريب أن المقام من صغريات تلك القاعدة.

و الجواب: أنه قد ظهر مما تقدم أن هذه القاعدة غير تلك القاعدة و لا ربط بين المقامين.

الوجه الثالث: الإجماع‏ و ربما يرد في هذا الوجه أن اتفاق الأصحاب في مورد أو موارد لا يستلزم الإجماع على الكلية فلا يمكن الحكم بهذه الكبرى الكلية.

و يمكن أن يجاب عن الإيراد المذكور بأن المدعى- كما في كلام الشيخ (قدّس سرّه)- الإجماع على القاعدة.

إن قلت: كيف يمكن الإجماع على الكلية و الاختلاف في بعض المصاديق و الحال أن السالبة الجزئية تناقض الموجبة الكلية؟

قلت: يمكن أن يكون الاختلاف في المصداق مسببا عن عدم انطباق ذلك الكلي على هذا الفرد فلا يضرّ بالإجماع.

لكن هذا الوجه أيضا مخدوش لأن الإجماع المدعى إما محصل أو منقول أو يكون كاشفا عن رأي المعصوم (عليه السّلام) من باب أن اتفاق المرئوسين يكشف عن أن رأي الرئيس كذلك.

و بعبارة أخرى الإجماع المدعى إما دليل بالأصالة في قبال بقية الأدلة الشرعية و إما بالعرض أي باعتبار كونه كاشفا عن رأي المعصوم أرواحنا فداه.

إما المحصل منه فغير حاصل و أما المنقول منه فغير حجة بل قد ثبت في محله أن‏

10

الإجماع المحصل غير حجة كالمنقول.

و أما كون الاتفاق كاشفا فيرد عليه أولا: أن الاتفاق محل الكلام و الإشكال و مع الشك فيه لا يحصل المطلوب.

و ثانيا: أنه كيف يمكن الحكم بكونه كاشفا مع احتمال استناد المجمعين الى وجه من الوجوه المذكور في المقام.

و إن شئت قلت: الاتفاق المذكور محتمل المدرك.

الوجه الرابع: السيرة العقلائية بل سيرة المتشرعة فإنّها جارية على إنفاذ إخبار الأولياء و الوكلاء على تحقق موارد ولايتهم و وكالتهم.

و الإنصاف أن الجزم بهذه السيرة في موارد الشك و عدم الوثوق بالخبر مشكل و إذا وصلت النوبة الى الشك يبطل الاستدلال كما هو ظاهر، مضافا الى أن هذا الوجه إن تمّ يكون أخصّ من المدعى إذ ربما يكون الشخص مالكا لأمر و لا يكون وكيلا و لا وليّا كما لو أخبر عن كون العين الفلانية مملوكة له بالحيازة و لكن الظاهر أن الوكيل في أمر أو الولي إذا أخبر بقيامه بمورد الوكالة أو الولاية يقبل قوله.

و بعبارة أخرى: يرى العقلاء الوكيل و الولي مقام الموكل و المولّى عليه فكأن الموكل أو المولّى عليه يخبر عن الوقوع و لكن هذا المقدار لا يكفي لإثبات الكبرى الكلية و صفوة القول أن القاعدة المدعاة تامة في الجملة لا بالجملة.

الوجه الخامس: النصوص الدالة على قبول قول الأمين‏ و الظاهر أن الوجه المذكور أوهن الوجوه بحيث لا يمكن تقريبه و مقتضى الدليل عدم كونه ضامنا الّا مع التعدي أو التفريط.

الجهة الخامسة: في أن هذه القاعدة على تقدير تماميتها هل تختص بزمان‏

و ظرف يكون المخبر مالكا و مسلطا على ذلك الأمر أو تعم حتى ما بعد انقضاء ذلك الزمان؟ فلو أخبر الولي بتزويج الصغيرة بعد بلوغها ينفذ إخباره على القول بعدم‏

11

الاختصاص و لا ينفذ على القول به.

ربما يقال: إن دليل القاعدة إذا كان هو الإجماع لا بد من القول بالاختصاص للزوم الاقتصار على القدر المعلوم منه.

و بعبارة أخرى: لا يكون فيه الإطلاق و لا مجال لإسراء الحكم الى ما بعد زوال ذلك الزمان بالاستصحاب لانتفاء الموضوع و تغيّره و اشتراط بقاء الموضوع في الاستصحاب فإن الموضوع هو المالك و المفروض زوال العنوان، مضافا الى أن استصحاب الحكم الكلي معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد.

و يمكن أن يجاب عن التقريب المذكور بأن المدعى تحقق الإجماع على العنوان أي قام الإجماع على «جملة من ملك شيئا ملك الإقرار به».

و مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين إقرار المالك في زمان كونه مالكا و بين زمان عدم كونه كذلك.

إلا أن يقال أن الحكم مترتب على المالك و مع عدم كونه مالكا لا يكون الموضوع صادقا و مع عدم صدق الموضوع لا يترتب الحكم و الذي يهون الخطب أن القاعدة لا أصل لها فلاحظ.

12

القاعدة الثانية قاعدة الإعانة على الإثم‏

و من القواعد المذكورة «قاعدة الإعانة على الإثم» و يتكلّم فيها من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في تفسير هذه الكلمة و بيان ما يستفاد منها

. قال في المنجد: أعانه على الشي‏ء ساعده.

و الظاهر أن معنى اللفظ واضح ظاهر و هل يشترط في صدق الإعانة أن يكون المعين ذا شعور و على فرض الاشتراط المذكور هل يشترط أن يكون بداعي تحقق المعان عليه أم لا؟

الحق هو الثاني و يتضح المدعى بموارد الاستعمالات لاحظ قول القائل:

(أعانتني هذه العصا على المشي)، و لاحظ قوله تعالى: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ* و قوله (عليه السّلام): (و أعانني عليها شقوتي)، و قوله: (من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه) إلى بقية الموارد.

و من الظاهر أن صحة الاستعمال بلا عناية و صحة الحمل علامة الحقيقة كما أن عدم صحة السلب علامة الحقيقة أيضا و العرف ببابك.

و هل يشترط في صحة الاستعمال و تحقق الإعانة حصول المعان عليه أم لا؟

الحق هو الثاني لاحظ قول القائل: (أعان جمع على أن يمشي زيد الى الحج و الزيارة لكن زيد لم يمش) فإن الإعانة تصدق بما لها من المفهوم فلا يشترط صدق العنوان على تحقق المعان عليه.

13

الجهة الثانية: في حكم الإعانة على الإثم و ما يمكن أن يذكر في مستند القول بحرمتها وجوه‏

: الوجه الأول: قوله تعالى: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ (1).

بتقريب أن المستفاد من الآية الشريفة النهي عن الإعانة على الإثم.

و يرد عليه أن التعاون غير الإعانة و هذا العرف ببابك و المنهي عنه في الآية هو الأول لا الثاني.

الوجه الثاني: النصوص‏، منها عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: من أعان على مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة اللّه‏ (2).

و فيه أولا: أن السند مخدوش فإن عنوان غير واحد لا يستلزم التواتر بل أعم منه.

و ثانيا: أن الحكم المذكور وارد في إطار خاص و دائرة مخصوصة و لا وجه لإسرائه الى غيره من الموارد.

و إن شئت فقل: لا وجه للقياس بين مورد الحديث و بقية الموارد.

و منها ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من أكل الطين فمات فقد أعان على نفسه‏ (3).

و فيه أولا: أن السند مخدوش و ثانيا: أن الحديث وارد في واقعة خاصة و لا مجال لإسراء الحكم إلى غير مورده بلا دليل و إلّا يلزم التشريع.

و منها الأحاديث الواردة في أعوان الظلمة.

لاحظ ما رواه أبو حمزة عن علي بن الحسين (عليه السّلام) في حديث قال: إيّاكم‏

____________

(1) المائدة: 3.

(2) الوسائل: الباب 2 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 4.

(3) فروع الكافى: ج 6 ص 266، الحديث 8.

14

و صحبة العاصين و معونة الظالمين‏ (1) إلى غيره من الروايات.

و فيه أنّها واردة في إعانة خاصة و لا دليل على عموم الحكم.

و منها ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الخمر عشرة: غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمولة إليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها (2).

بتقريب أن المستفاد من الحديث أن الإعانة على الإثم حرام و لذا قد استحق اللعن الجماعة المشار إليهم في الرواية لكونهم أعوانا عليه.

و فيه أولا: الإشكال في السند و ثانيا: أن الموجبة الجزئية لا تكون دليلا على الكلية و من الظاهر أن الجزم بالحكم الشرعي يتوقف على الدليل، و مما ذكرنا يظهر الإشكال فيما يكون متحدا مع هذه الرواية في المفاد.

الوجه الثالث: إن رفع المنكر واجب لوجوب النهي عن المنكر.

و فيه أولا: أن لازمه وجوب الترك لا حرمة الفعل.

و ثانيا: أنّه لا دليل على وجوب دفع المنكر و ملاكات الأحكام الشرعية لا تنالها عقولنا.

الوجه الرابع: الإجماع المنقول‏، و فيه أن الإجماع المنقول غير حجة بل المحصل منه كذلك و أما الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) فلا يمكن تحصيله إذ على فرض تحققه محتمل المدرك.

الوجه الخامس: حكم العقل‏، بتقريب: أن العقل حاكم بقبح المعصية لكونها مبغوضة للمولى و حيث أن الإثم مبغوض للمولى فالمعين للآثم مبغوض عمله و يلزم بحكم العقل تركه.

____________

(1) الوسائل: الباب 42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) الوسائل: الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4.

15

و يرد عليه: أن العقل إنما يحكم و يدرك لزوم الإطاعة دفعا للضرر المحتمل و أما كون شي‏ء مبغوضا للمولى فلا يكون الزام من قبل العقل بتركه ما دام لم يتعلق به نهي من قبل الناهي.

مضافا إلى أن كون شي‏ء مبغوضا لا يستلزم مبغوضية مقدماته و قد حقق في الأصول عدم كون مقدمة الحرام حراما و هذا الوجه أوهن الوجوه المذكورة في المقام و لا يرجع الى محصل.

فانقدح بما ذكرنا عدم قيام دليل على المدّعى و يضاف الى ذلك كله أن هناك نصوص تدل على جواز الإعانة منها ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر قال:

سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل أن يقبض الثمن فقال:

لو باع ثمرته ممن يعلم أنه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس فأما إذا كان عصيرا فلا يباع الّا بالنقد (1).

و منها ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمرا قال: إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس‏ (2) و منها ما رواه محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن بيع عصير العنب ممّن يجعله حراما فقال: لا بأس به تبيعه حلالا ليجعله حراما فأبعده اللّه و أسحقه‏ (3).

و منها ما رواه عمر بن أذينة قال: كتبت الى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أسأله عن رجل له كرم أ يبيع العنب و التمر ممن يعلم أنه يجعله خمرا أو سكرا، فقال: إنما باعه‏

____________

(1) الوسائل: الباب 59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(2) نفس المصدر الحديث 2.

(3) نفس المصدر: الحديث 4.

16

حلالا في الابان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه‏ (1).

و منها ما رواه أبو كهمس قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن العصير فقال: لي كرم و أنا أعصره كل سنة و أجعله في الدنان و أبيعه قبل أن يغلي قال: لا بأس به و إن غلا فلا يحل بيعه‏ (2).

و منها ما رواه رفاعة بن موسى قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و أنا حاضر عن بيع العصير ممّن يخمره، قال: حلال ألسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا (3).

و منها ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه سئل عن بيع العصير ممّن يصنعه خمرا فقال:

بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إليّ و لا أرى بالأول بأسا (4).

و منها ما رواه يزيد بن خليفة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سأله رجل و أنا حاضر قال: إن لي الكرم قال: تبيعه عنبا قال فإنه يشتريه من يجعله خمرا قال:

فبعه إذا عصيرا قال فإنه يشتريه مني عصيرا فيجعله خمرا في قربتي قال: بعته حلالا فجعله حراما فأبعده اللّه ثم سكت هنيهة ثم قال:

لا تذرن ثمنه عليه حتى يصير خمرا فتكون تأخذ ثمن الخمر (5).

و يضاف إلى جميع ما ذكر أن الإعانة على الاثم لو كانت حراما لكان سقي الناصب حراما لأن الماء ينفعل بملاقاة شفته فيكون شرب الماء حراما عليه فإن الكافر مكلف بالفروع كما يكون مكلفا بالأصول على ما حقّقناه.

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 5.

(2) نفس المصدر: الحديث 6.

(3) نفس المصدر: الحديث 8.

(4) نفس المصدر: الحديث 9.

(5) نفس المصدر: الحديث 10.

17

ثم إنه على القول بالحرمة هل يكون إعانة المكلف على الإثم الذي يصدر عن نفسه حراما أم لا؟

الظاهر هو الثاني فإن الظاهر من الجملة المذكورة أن المعين غير المعان.

مضافا الى أن القول بالتعميم يستلزم القول بحرمة مقدمة الحرام و قد حقق في محله أنّ مقدمة الحرام لا تكون حراما.

أضف إلى ذلك: أن القول بالتعميم يستلزم القول بأنّه لو كان عشرون مقدمة يكون المرتكب لذلك الحرام معاقبا بعدد تلك المقدمات و هل يمكن الالتزام به؟

ثم إنه لو لم نقل بالحرمة- كما لا نقول- فهل يستحق العقاب من يكون معينا إذا كان قاصدا لتحقق ذلك الحرام أي يعينه لأن يشرب الخمر و يكون تحقق الحرام غاية للإعانة؟

الظاهر أنه لا دليل على الحرمة في هذه الصورة أيضا نعم إذا كان الغرض من الإعانة هتك مقام المولى- نستجير باللّه- الظاهر عدم إمكان التشكيك في الحرمة بل لو ادعى أحد أنه يوجب عنوان النصب و صيرورة المعين ناصبيا و يصير بذلك أنجس من الكلب و الخنزير لعله لا يكون مجازفا في القول.

18

القاعدة الثالثة قاعدتا الفراغ و التجاوز

يقع الكلام في المقام من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في أنهما قاعدتان‏

إذ تارة يكون مورد الشك مفروض الوجود غاية الأمر يشك في صحته و فساده كما لو فرغ من الصلاة و شك في أنها صحيحة أو فاسدة و أخرى يشك في أصل الوجود كما لو شك في أنه ركع أم لا أو سجد أم لا إلى غير ذلك من الموارد فإن كان الشك في صحة الموجود يكون مورد قاعدة الفراغ و إن كان الشك في أصل الوجود يكون مورد قاعدة التجاوز.

الجهة الثانية: إنه ربما يقال مورد قاعدة التجاوز الشك في مفاد كان التّامة و مورد قاعدة الفراغ الشك في مفاد كان النّاقصة

و لا يمكن الجمع بين الأمرين في استعمال واحد و لا يرتفع الإشكال باستعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد إذ مرجعه إلى التعدد و الكلام في الاستعمال الواحد.

و ربما يذبّ الإشكال بأن الجامع بين الأمرين الحكم بالوجود الصحيح.

و أورد عليه بأنه يستلزم القول باعتبار المثبت الذي لا نقول به.

و أجيب عن الإشكال المذكور: بأن القاعدة من الأمارات و لوازم الأمارة تثبت و بعبارة واضحة: إنه تارة يشكّ في صحّة الركوع- مثلا- و اخرى في أصل و جوده و القاعدة تحكم بتحقّق الوجود الصحيح و لازمه تحقق الرّكوع و حيث أن لازم الإمارة حجة يثبت أن الركوع تحقق.

19

و لقائل أن يقول يمكن أن يتكفل دليل واحد لبيان حكم كلتا القاعدتين أما على القول بجواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى فارد فواضح و ظاهر و أمّا إرادة الجامع بين الأمرين فالظاهر إمكانه في مقام الثبوت و التصوّر و ذلك بأنّ المولى يلاحظ كلا الموردين و يرى المصلحة في اعتبار الصحة فيقول إذا شككت في شي‏ء أعم من أن يكون الشك في صحة الموجود أو الشك في أصل الوجود فابن عليه و لا إشكال فيه أصلا.

و لعمري أن هذا أوضح من أن يخفى فتحصل ممّا تقدم أمران: أحدهما أن قاعدة التجاوز غير قاعدة الفراغ، ثانيهما أنه يمكن تصوير الجامع بين القاعدتين في مقام الثبوت و التصور.

الجهة الثالثة: في بيان الأدلة التي تدل على الاعتبار

و العمدة النصوص الواردة في هذا المجال بل الدليل منحصر فيها إذ السيرة و الإجماع على فرض تسلمهما لا تكونان دليلين في قبال النصوص.

و بعبارة أخرى: النصوص منشأ الإجماع و السيرة فلا بدّ من ملاحظة كل واحد من هذه النصوص و مقدار دلالته بعد تمامية سنده.

فنقول: من تلك النصوص ما رواه زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) رجل شك في الأذان و قد دخل في الاقامة قال: يمضي قلت: رجل شك في الأذان و الإقامة و قد كبّر قال: يمضي قلت: رجل شك في التكبير و قد قرأ قال:

يمضي قلت: شك في القراءة و قد ركع قال: يمضي قلت: شك في الركوع و قد سجد قال: يمضي على صلاته ثم قال: يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء (1).

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 1.

20

و هذه الرواية تامة سندا و أما من حيث الدلالة فهل تكون دليلا على قاعدة التجاوز أو ناظرة الى قاعدة الفراغ أو ناظرة الى كلتا القاعدتين؟

الظاهر أنها ناظرة الى قاعدة الفراغ إذ الميزان في استفادة المراد من الكلام ما يكون ضابطا كليا و نرى أنه (عليه السّلام) بعد جواب أسئلة السائل أعطى في الذيل ميزانا كليّا و حكما عاما بقوله: «يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء».

و من الواضح أن الخروج من الشي‏ء يتوقف على تحققه و حصوله فلا يشمل الشك في أصل الوجود و حمل كلامه على الخروج عن المحل خلاف صريح كلامه روحي فداه لا يصار إليه.

إن قلت: الخروج عن الشي‏ء لا يجتمع مع الشك فيه قلت: إذا كان الشك في صحّة ما خرج منه، يصدق الخروج مع الشك فيه.

و صفوة القول: إن الميزان بذيل كلامه حيث إنّه (عليه السّلام) تصدّى من تلقاء نفسه بلا سبق سؤال لإعطاء قاعدة كلية تجري في جميع الموارد فلا بد من الأخذ و إن أبيت و قلت: الصدر يشمل الشك في أصل الوجود و في صحة الموجود.

قلت: الذيل بصراحته في إرادة قاعدة الفراغ يقيد الصدر.

إن قلت: الظاهر من الصدر الشك في أصل الوجود فيقع التعارض بين الصدر و الذيل و لا وجه لتقديم الذيل على الصدر.

قلت: أولا: مقتضى الإطلاق شمول الصدر لكلا الأمرين.

و ثانيا: لا بد من رفع اليد عن ظهور الصدر في الشك في أصل الوجود على فرض تسليمه و هذا العرف ببابك فإن للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من اللواحق ما دام متشاغلا بالكلام و يرى العرف أنّ الميزان بحسب سوق الكلام بالذيل.

21

و ثالثا: أنّ إرادة المحل من الشي‏ء و تقديره يستلزم الاستخدام إذ عليه يكون المراد من الشي‏ء محله و يكون المراد من الضمير العائد إليه نفسه و الاستخدام على خلاف الأصل.

إلّا أن يقال: يكون الصدر قرينة على كون المراد من الذيل خصوص قاعدة التجاوز فلا يستلزم الاستخدام.

و رابعا: ان استعمال لفظ الشي‏ء في محله غلط كما لو قال أحد: خرجت من دار زيد و أراد الأرض التي كانت في زمان أرض داره و بعد ذلك انهدمت و بقيت الأرض فلاحظ.

و خامسا: سلمنا ما رامه الخصم لكن نقول: غاية ما في الباب وقوع المعارضة بين الصدر و الذيل و تكون النتيجة الاجمال فلا يكون الحديث قابلا للاستدلال به على قاعدة التجاوز.

و العجب كل العجب عمّا جاء في بعض الكلمات من أن الخروج عن الشي‏ء له مصداقان: أحدهما: الخروج عن نفس الشي‏ء ثانيهما: الخروج عن محله و لهما الجامع و بهذا الاعتبار الحديث و ما يكون مثله يكون دالا على كلتا القاعدتين.

وجه العجب أن المستفاد من قوله (عليه السّلام): «إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره» لزوم تحقق المشكوك فيه و كون الشاكّ فيه قبل ذلك.

و إن شئت فقل: لا جامع بين ما فرض وجوده و ما لا وجود له.

إن قلت: إذا كان صدر الحديث ظاهرا في الشك في أصل الوجود نرفع اليد عن ظهور الذيل في الشك في صحة الموجود فإن الكلي الوارد في الذيل ناظر الى الجمع بين الصدر و بقية الموارد فيكون الحديث ناظرا إلى قاعدة التجاوز فيكون المراد من الشي‏ء الوارد في كلام الإمام (عليه السّلام) محله فالنتيجة اختصاص الحديث بقاعدة التجاوز.

22

قلت: تارة نقول استعمال اللفظ في غير ما وضع له صحيح و لا يحتاج الى مناسبة و علاقة و حسن و أخرى نقول لو لا العلاقة و التناسب أو الحسن يكون الاستعمال غلطا أما على الأول فيجوز استعمال لفظ الشي‏ء في مورده و محله و أما على الثاني فلا يجوز و يكون غلطا و لا يمكن حمل كلام الإمام (عليه السّلام) عليه إذ كيف يمكن الالتزام بكون استعماله غلطا و الحال أنّ الاستعمال الغلط إما ناش عن الجهل و إما عن الغفلة و هل يمكن الالتزام بأحدهما بالنسبة الى مخزن الوحي؟ كلا ثم كلا.

هذا من ناحية و من ناحية اخرى: أنه لا يجوز استعمال اللفظ في غير ما وضع له الّا مع المجوز و هذا العرف ببابك مثلا: لو كان مكان قبل عشر سنوات مكانا للبحر و الآن غرفة تجارة هل يجوز أن يقول أحد إني خرجت من البحر و أراد الخروج من تلك الغرفة و عليه يدور الأمر بين الصدر و الذيل و النتيجة الإجمال كما تقدم.

و لنا لإثبات أنّ الذيل ناظر الى قاعدة الفراغ و لا مجال لحمله على بيان قاعدة التجاوز تقريب آخر و هو: أن حمله على قاعدة التجاوز يستلزم الاستخدام الذي يكون خلاف القاعدة الأولية إذ بناء على إرادة التجاوز إما نقدر كلمة محل و نضيفه الى لفظ الشي‏ء و إما نستعمل لفظ الشي‏ء في المحل و على كلا التقديرين يلزم الاستخدام أما على الأول فظاهر إذ عليه يراد من المخرج، المحل و يراد من الضمير العائد، الشي‏ء إذا خرجت من محل الأذان مثلا و دخلت في غير الأذان و أما على الثاني: فأيضا الأمر كذلك إذ مرجع الكلام الى الصورة الأولى لأنه لا بد من إضافة المحلّ إلى حاله كما أنّه لا بدّ من إرجاع الضمير الى الحالّ أي الشي‏ء المشكوك فيه.

أضف إلى ذلك، إن الذيل صريح في قاعدة الفراغ و غير قابل لحمله على التجاوز و ذلك لأن الإمام روحي فداه بعد فرض خروج المكلف عن الشي‏ء يقول:

«ثم دخلت في غيره» فقد فرض (عليه السّلام) الخروج عن الشي‏ء أولا ثم دخوله في غيره ثانيا و الحال أن التجاوز قوامه بالدخول في الغير و بدونه لا يعقل فلا مجال لتقريب‏

23

التجاوز و لعمري ما بينت غير قابل للخدش و لعله لم يسبقني إليه سابق.

و من تلك النصوص ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كلّما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو (1) و هذه الرواية تدل بوضوح على اعتبار قاعدة الفراغ إذ قد فرض في الحديث مضي المشكوك فيه حيث قال: «كلّما شككت فيه ممّا قد مضى».

و من الظاهر أنه مع الشك في أصل الوجود لا يعقل مضيّ المشكوك فيه و هذا العرف ببابك.

و منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله و تمسحه ممّا سمّى اللّه ما دمت في حال الوضوء فإذا قمت عن الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‏ء عليك فيه فإن شككت في مسح رأسك فأصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قدميك فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك و أمض في صلاتك و إن تيقّنت أنّك لم تتم وضوئك فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء ... الحديث‏ (2).

و هذه الرواية تدل على اعتبار قاعدة الفراغ في باب الوضوء.

و منها ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء إنّما الشك إذا كنت‏

____________

(1) الوسائل: الباب 23 من أبواب الخلل، الحديث 3.

(2) الوسائل: لا باب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 1.

24

في شي‏ء لم تجزه‏ (1).

و المستفاد من ذيل الرواية بيان الضابط الكلي لاعتبار قاعدة الفراغ و أنّ المكلّف إذا شك في تمامية شي‏ء بعد التجاوز عنه و الدخول في غيره لا يعتدّ بشكه.

و منها ما رواه محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل شكّ في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة، قال: يمضي على صلاته و لا يعيد (2).

و هذه الرواية تدل على جريان قاعدة الفراغ في الصلاة بعد الفراغ منها من ناحية الشك في الوضوء.

و منها ما رواه إسماعيل بن جابر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث، قال: إن شك في الركوع بعد ما سجد فليمض و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شي‏ء شك فيه ممّا قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه‏ (3).

و المستفاد من هذه الرواية اعتبار قاعدة التجاوز بشرط الدخول في غير ما شك فيه.

و بعبارة أخرى: إذا قلنا أن ظاهر قوله (عليه السّلام): (إن شك في الركوع بعد ما سجد) الشك في أصل الركوع كما هو ليس ببعيد تكون الرواية في مقام اعتبار القاعدة في مورد الشك في أصل الوجود لا الشك في صحة الموجود و لا الجامع بين الأمرين لكن السند مخدوش لاحتمال كون المراد من محمد الراوي عن ابن المغيرة البرقي و هو مخدوش عندنا. لكن قد رجعنا عن المقالة المشار إليها و قلنا أنه ثقة حسب الصناعة نعم هنا اشكال في اصل الدلالة كما تعرضنا له بالنسبة الى حديث زرارة و هو أن التجاوز عن محل الشي‏ء لا يتحقق الا بالدخول في الغير و الحال ان المستفاد

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 2.

(2) نفس المصدر: الحديث 5.

(3) الوسائل: الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 4.

25

من الحديث انّ مع التجاوز تارة دخل في الغير و اخرى لا فلا بد من حمل الحديث على قاعدة الفراغ.

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الرجل يشك بعد ما ينصرف من صلاته قال: فقال: لا يعيد و لا شي‏ء عليه‏ (1).

و أيضا ما رواه عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كلما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض و لا تعد (2).

و المستفاد من الحديثين جريان قاعدة الفراغ في الصلاة بعد الفراغ منها.

و في المقام عدة نصوص واردة في الشك في الركوع:

منها ما رواه حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أشك و أنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا، قال: امض‏ (3).

و منها ما رواه أيضا قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أشك و أنا ساجد فلا أدري ركعت أم لا فقال: قد ركعت امضه‏ (4).

و منها ما رواه الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أستتم قائما فلا أدري ركعت أم لا؟ قال: بلى قد ركعت فامض في صلاتك فإنما ذلك من الشيطان‏ (5).

و منها ما رواه إسماعيل بن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السّلام): إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض كل شي‏ء شك‏

____________

(1) الوسائل: الباب 27 من أبواب الخلل، الحديث 1.

(2) نفس المصدر: الحديث 2.

(3) الوسائل: الباب 13 من أبواب الركوع، الحديث 1.

(4) نفس المصدر: الحديث 2.

(5) نفس المصدر: الحديث 3.

26

فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه‏ (1).

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام)، قال: سألته عن رجل شك بعد ما سجد أنّه لم يركع؟ قال: يمضي في صلاته‏ (2).

و منها ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل أهوى الى السجود فلم يدر أ ركع أم لم يركع، قال: قد ركع‏ (3).

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) في رجل شك بعد ما سجد أنه لم يركع فقال: يمضي في صلاته حتى يستيقن ... الحديث‏ (4).

و هذه الروايات تدل على جريان قاعدة التجاوز في الشك في الركوع و لا تدل على اعتبارها على نحو الإطلاق نعم الحديث الثالث من الباب قد ذيّل بقوله (عليه السّلام):

(فإنما ذلك من الشيطان) و لقائل أن يقول: إن مقتضى عموم العلة سريان الحكم الى بقية الموارد.

و يرد عليه أنه (عليه السّلام) علل حكمه بالصحة بقوله: (فإنما ذلك من الشيطان) فيعلم أنه روحي فداه ناظر الى صورة كثرة الشك الناشئة عن‏ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ‏ فلا تشمل الرواية الشك العادي الذي يعرض للمصلي بحسب الطبع فلا يكون الحديث قابلا للاستدلال به على المدعى.

فتحصل مما ذكرنا أنه لا دليل على قاعدة التجاوز على نحو العموم أو الإطلاق، نعم بالنسبة الى الشك في الركوع قد تمّ الدليل على تمامية القاعدة و قد أشرنا الى النصوص الدالة عليه.

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 4.

(2) نفس المصدر: الحديث 5.

(3) نفس المصدر: الحديث 6.

(4) نفس المصدر: الحديث 7.

27

و أما بالنسبة الى السجود ففي المقام حديثان يدلان على عدم الاعتبار بالشك في السجود بعد ما قام أحدهما ما رواه إسماعيل بن جابر (1).

و ثانيهما ما رواه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث قال: و إن شك في السجود بعد ما قام فليمض‏ (2). لكن تقدم الكلام فيه.

الجهة الرابعة: في أنّه هل يشترط في جريان قاعدة الفراغ الدخول في الغير

أم لا؟ و على الأول هل يعتبر أن يكون ذلك الغير مترتبا أم لا؟ و على الأول هل يعتبر أن يكون ترتبه شرعيا أم يكفي مطلق الترتب؟

فهنا موارد من البحث:

المورد الأول: أنه هل يشترط في جريان القاعدة الدخول في الغير؟ الأدلة بالنسبة الى هذه الجهة متعارضة فإنّ ذيل حديث زرارة (3) و هو قوله (عليه السّلام):

«يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء»، إلى آخر كلامه يدلّ على توقف جريانها على الدخول في الغير و يعارضه حديث ابن مسلم‏ (4).

فإن مقتضى هذه الرواية كفاية مضيّ الشي‏ء في جريان القاعدة فيقع التعارض بين منطوق حديث ابن مسلم و مفهوم حديث زرارة و النسبة بين الحديثين عموم من وجه فإن ما به الافتراق من ناحية حديث زرارة ما لو لم يخرج عن الشي‏ء فإن مقتضاه عدم جريان القاعدة و لا يعارضه حديث ابن مسلم إذ المفروض عدم المضيّ.

و ما به الافتراق من ناحية حديث ابن مسلم ما لو مضى و دخل في الغير فإن‏

____________

(1) لاحظ ص 24.

(2) الوسائل: الباب 15 من أبواب السجود، الحديث 5.

(3) لاحظ ص 19.

(4) لاحظ ص 23.

28

مفهوم حديث زرارة لا يعارضه.

و ما به الاجتماع ما لو مضى و لكن لم يدخل في شي‏ء آخر فإن مقتضى حديث زرارة عدم جريان القاعدة و مقتضى حديث ابن مسلم الجريان.

فربّما يقال: بتقديم حديث ابن مسلم على حديث زرارة بدعوى أن العموم الوضعي قابل لأن يكون قرينة على التصرف في العام الإطلاقي إذ الإطلاق معلّق حدوثا و بقاء على عدم قيام قرينة على خلافه.

و إن شئت فقل: إن ظهور العموم الإطلاقي تعليقي و ظهور العام الوضعي تنجيزي فطبعا لا يبقى مجال للتعليقي مع وجود التنجيزي لارتفاع موضوعه.

و هذا كلام شعري و لا أصل له فإنه لا فرق بين الأمرين و الميزان في تحقق الإطلاق تمامية مقدمات الحكمة في أول الأمر نعم إذا قامت قرينة منفصلة ترفع اليد عن الظهور بلا فرق بين الإطلاق و العموم.

إن قلت: العموم الوضعي أقوى دلالة فلا بدّ من تقديمه.

قلت: هذه الدعوى كالدعوى الأولى ليس تحتها شي‏ء و لم يرد في هذا الباب آية و لا رواية فإن الميزان في التقديم كون أحد الدليلين قرينة على الآخر في المتفاهم العرفي و لذا نرى تقديم قوله (يرمي) على قوله: (رأيت أسدا) مع أن ظهور الأسد في الحيوان المفترس وضعي و ظهور لفظ يرمي في الرمي بالنبال إطلاقي فالحاصل تحقق التعارض.

و ربما يقال: إن نتيجة التعارض إذا كان على نحو التباين الجزئي كما في المقام سقوط كلا الدليلين.

و هذه الدعوى أيضا غير تامة فلنا دعويان:

الأولى: عدم الفرق بين الوضع و الإطلاق.

الثانية: أنّ التباين الجزئي كالكلي داخل في المتعارضين فلا بد من إعمال قوانين‏

29

باب التعادل و الترجيح و قد بنينا في ذلك الباب على أن المرجح الوحيد في باب الترجيح الأحدثية و حيث إن حديث زرارة أحدث حيث أنه صادر عن الصادق (عليه السّلام) و حديث ابن مسلم صادر عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقدّم حديث زرارة على حديث ابن مسلم و مثل حديث ابن مسلم في الدلالة حديث ابن أبي يعفور (1).

فإن المستفاد من ذيل الحديث أن الميزان في جريان القاعدة صدق التجاوز عن مورد الشك و مقتضى الإطلاق عدم اعتبار الدخول في الغير فيقع التعارض بين الحديثين في مورد الاجتماع و حيث إنّ الأحدث غير معلوم يدخل المقام في كبرى اشتباه الحجّة بغيرها فتصل النوبة الى الأصل العملي و مقتضى القاعدة، الاشتراط إذ مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان و لا دليل على الإجزاء إلّا بعد الدخول في الغير بل مقتضى الأصل عدم جعل الاعتبار الّا فيما يتحقق الدخول في الغير فالنتيجة اشتراط الدخول في الغير.

المورد الثاني: أنّه هل يشترط الترتب في المدخول فيه على المخرج عنه؟

الظاهر عدم الدليل على اعتبار الترتيب.

المورد الثالث: أنه هل يشترط على تقدير الترتب بكونه شرعيا؟ الظاهر عدم الاعتبار كل ذلك لعدم الدليل.

و في المقام فروع:

الفرع الأول: أنّه لو شك في أثناء الوضوء في تحقق بعض الأجزاء

كما لو كان مشتغلا بغسل يده و شك في غسل وجهه و عدمه لا تجري لا قاعدة التجاوز و لا قاعدة الفراغ أما الاولى فلعدم دليل عليها و أما الثانية فلعدم تحقق الموضوع إذ المفروض أن الشك في أصل الوجود مضافا الى حديث زرارة (2) فإنه يدل‏

____________

(1) لاحظ ص 23.

(2) لاحظ ص 23.

30

بالصراحة على عدم جريان قاعدة التجاوز أثناء الوضوء و أما لو شك في صحة بعض أجزائه و فساده فالظاهر عدم مانع عن جريان قاعدة الفراغ فإن حديث ابن مسلم بعمومه الوضعي يدل على الجريان فالمقتضي للجريان موجود و المانع مفقود فلاحظ.

الفرع الثاني: مقتضى عموم بعض النصوص و إطلاق بعضها الآخر جريان قاعدة الفراغ في جميع الموارد

بلا خصوصيّة للصلاة و لا للوضوء، إذ الميزان بعموم الجواب أو إطلاقه لا بخصوص مورد السؤال.

و هل تختص بالعبادات أو تعم التوصليات و هل تعم الأمور الوضعية أو تختص بالتكليفيات؟

الظاهر أنه لا وجه للاختصاص لاحظ حديث زرارة (1).

فلو طلق زوجته و بعد الفراغ عن الصيغة شك في أدائها صحيحة أو باطلة و كان داخلا في الغير تجري القاعدة بلا محذور.

الفرع الثالث: أنه لو شك في الإتيان بجزء من أجزاء المركب فتارة يكون محلّ التدارك باقيا و اخرى لا

، أما على الأول فيجب التدارك إذ مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان به و لا دليل على قاعدة التجاوز.

و أما على الثاني فتارة نقول بجريان قاعدة لا تعاد في الأثناء و أخرى نقول بعدمه أما على الأول فلو كان الشك في الأثناء تكون الصلاة صحيحة و أما إذا كان الشك بعد الصلاة فالأمر أوضح.

و أما على الثاني فلا بدّ من التفصيل بأن نقول: إن كان الشك في الأثناء تكون الصلاة باطلة و إن كان بعدها تكون صحيحة.

____________

(1) لاحظ ص 19.

31

إن قلت: لازم هذا الكلام أن المصلي لو دخل في العصر و شكّ في أنّه هل أتى بالركوع في صلاة الظهر أم لا؟ يحكم ببطلان الظهر إذ مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان به و من ناحية أخرى لا يمكن التدارك و من ناحية ثالثة قاعدة لا تعاد لا تشمل الأركان و من ناحية رابعة لا دليل على قاعدة التجاوز.

قلت: بعد الفراغ عن الظهر لو شك في ركوعها يكون من مرجع الشك في صحة ما فرغ منه و مقتضى قاعدة الفراغ الحكم بالصحة.

مضافا الى النص الخاص الوارد في الحكم بالصحة بعد الفراغ من الصلاة.

إن قلت: على هذا يلزم أنه لو كان المصلي في الركعة الرابعة من صلاة الظهر مثلا لو شك في ركوع الركعة الأولى لا بد من الحكم بالصحة لقاعدة الفراغ إذ المفروض أنه فرغ عن الركعة الأولى.

قلت: الركعة الأولى جزء من المركب و ليس كل جزء من المركب الواجب واجبا بوجوب في قبال بقية الأجزاء بل للمركب بما هو مركب أمر واحد و وجوب فارد فلو شك في ركوع الركعة الأولى يكون مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان به إذ المفروض عدم الدليل على قاعدة التجاوز.

و أما قاعدة الفراغ فلا موضوع لها إذ المفروض أن الشك في أصل الوجود و أما الركعة الأولى بما هي فلا تكون واجبة كي يقال انطباق المأمور به على المأتي به يكون منشأ للصحة فلاحظ.

الجهة الخامسة: في أن القاعدة من الأمارات أو من الأصول؟

و الكلام يقع في هذه الجهة تارة في الآثار المترتبة على القولين و أخرى في الدليل على كونها أمارة فيقع الكلام في موضعين:

الموضع الأول: في بيان الآثار المترتبة.

الأثر الأول: تقدم القاعدة على الاستصحاب فإنه لو كانت القاعدة من‏

32

الأمارات تكون متقدمة على الاستصحاب كتقدم بقية الإمارات عليه.

و يرد عليه أن القاعدة تتقدم على الاستصحاب و لو على القول بكونها من الأصول إذ لو كان الاستصحاب مقدما عليها فما فائدة جعلها و اعتبارها فإن الاستصحاب دائما ينافي مفاد القاعدة إلّا في أقل قليل جدا.

كما أن البينة مقدمة على القاعدة و لو قلنا بكونها من الأمارات فلو شك المكلف في صحة الحمد و قد دخل في السورة و قامت البينة على عدم صحة الحمد لا بدّ من الإعادة و لا تجري القاعدة.

و الوجه فيه أن المأخوذ في مورد القاعدة الشك، لقوله (عليه السّلام): (يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء).

و أما البينة فتلغي الشك و يعتبر من قامت عنده عالما و من الظاهر أنّه لا يبقى مجال لحكم الشاك.

و إن شئت فقل: إن دليل البيّنة حاكم على دليل القاعدة.

و أما إذا قامت شهادة عدل واحد أو ثقة واحد في مقابل القاعدة فهل يقع التعارض بين الطرفين أو تقدم القاعدة أو يقدم قول العدل أو الثقة.

لا يبعد أن يكون التقدم لقول العدل أو الثقة بعين التقريب المتقدم.

و صفوة القول: أن القاعدة بيان حكم المكلف عند الشك و مع قيام الدليل على إزالة الشك لا يبقى مجال للقاعدة.

الأثر الثاني: أنه لو كانت القاعدة من الأمارات تترتب عليها اللوازم العقلية فلو كان المكلف محدثا ثم شكّ في الطهارة ثمّ صلّى صلاة الظهر مثلا و بعد الصلاة شك في الطهارة تجري القاعدة بالنسبة الى صلاته و يحكم بصحتها.

فلو كانت القاعدة أمارة يحكم بتحقق الطهارة و لا حاجة الى تجديدها بالنسبة الى الصلوات الآتية و أما على تقدير كونها من الأصول فلا.

33

و يرد عليه: أنه لا فرق من هذه الجهة بين القولين إذ لا دليل على ترتب اللوازم العقلية على الأمارة و إنما قلنا به في لوازم الإخبار من باب السيرة العقلائية كما هو مقتضى الإقرار أو من باب أن الإخبار بالملزوم إخبار باللازم فاعتبار حجية الخبر مرجعه الى اعتبار إخباره بالنسبة الى اللوازم أيضا.

الأثر الثالث: أنه على القول بكونها أمارة يستلزم اعتبار الأذكريّة في الجريان و مع العلم بالغفلة لا تجري.

و يرد عليه: ان الميزان بإطلاق الدليل فلو تم الإطلاق نأخذ به و لو مع العلم بكون المكلف غافلا حال العمل.

و أما الموضع الثاني: فما يمكن أن يستدل به على كونها أمارة و على اشتراط احتمال كون المكلف محتملا لكونه ذاكرا حين العمل طائفة من النصوص.

منها ما رواه بكير بن أبي أعين، قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ قال:

هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك‏ (1).

و هذه الرواية ضعيفة سندا ببكير إذ أنّه لم يوثق.

و مجرد قول الإمام (عليه السّلام) حين وصول خبر وفاته إليه: (أنزله اللّه بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين (عليه السّلام))، لا يدل على أنه كان ثقة و كان عادلا بل فوق العدالة إذ نرى أن السيد الحميري مع كونه متجاهرا بالفسق حين وفاته ابيضّ وجهه بعد اسوداده، و قال: و اللّه دخلت الجنة.

و أيضا نرى أن الحر الشهيد الرياحي مع تلك المواجهة مع سيد الشهداء (عليه السّلام) المواجهة التي انتهت الى أن قتل (سلام اللّه عليه) وصل الى مرتبة صار قبره و مدفنه مزارا لعامة الشيعة فلا ملازمة بين الأمرين.

____________

(1) الوسائل: الباب 42 من أبواب الوضوء، الحديث 7.

34

مضافا إلى أنه نفرض أنّه كان صدوقا بل عادلا بل وليّا من أولياء اللّه لكن لا دليل على أن صدور الحديث عنه كان مقارنا مع زمان وثاقته و عدالته و ولايته فهذه الرواية ساقطة عن الاعتبار.

و منها ما روا محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه قال: إن شك الرجل بعد ما صلّى فلم يدر أثلاثا صلّى أم أربعا و كان يقينه حين انصراف أنه كان قد أتمّ لم يعد الصلاة و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك‏ (1).

و هذه الرواية لا بأس بسندها و تقريب الاستدلال بها أنه روحي فداه بعد حكمه بالإتمام و عدم الإعادة علل الحكم بقوله (عليه السّلام): (و كان حين انصرف أقرب الى الحق) و العلّة تعمم و تخصّص فيكون الحكم بالإتمام مختصّا بمورد يكون أقرب الى الحق فيفهم من الحديث أن في جريان القاعدة يلزم احتمال الذكر و أما مع العلم بالغفلة فلا مجال لجريانها.

أقول: قد صرح في كلامه (عليه السّلام) بما مضمونه: أن المصلي إذا فرغ من الصلاة و كان حين الفراغ قاطعا يكون صلاته تامة ثم شك في صحة صلاته على نحو الشك الساري لا تجب عليه الإعادة و كان حين الانصراف أقرب الى الواقع.

و من الظاهر أن الأصحاب لا يشترطون في جريان القاعدة كون المكلف حين الفراغ متوجها و قاطعا بتمامية عمله.

و بعبارة أخرى: الإمام (عليه السّلام) بين حكم مورد جزئي من موارد الشك الساري و المستفاد من الرواية بحسب المفهوم أن المصلي بعد فراغه عن الصلاة لو لم يكن قاطعا بالصحة يلزم أن يعتني بالشك في صحة صلاته و حيث إنّ الحديث وارد في خصوص الصلاة يكون مخصّصا لما يدل بالإطلاق و العموم على عدم الاعتداد

____________

(1) الوسائل: الباب 27 من أبواب الخلل، الحديث 3.

35

بالشك كحديثي زرارة و ابن أبي يعفور فلا يرتبط مفاد الحديث بالمدعى أصلا.

هذا أولا و ثانيا أنّه بأيّ تقريب يدعى أن الجملة الواقعة في هذه الرواية أو تلك الرواية علة للحكم و لما ذا لا تكون حكمة للجعل و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

و ثالثا إنّا نفرض كون الجملة علة للحكم لكن نقول لا إشكال في عدم التنافي بين الاثباتين فلو قال المولى في دليل لا تشرب الخمر لأنه مسكر يستفاد منه أن الحرمة دائرة مدار الإسكار فلو ورد في دليل آخر لا تشرب الحلو هل يكون الدليل الثاني منافيا للدليل الأول أو تكون النتيجة أن الحرمة دائرة مدار أحد الأمرين و هما الحلاوة و الإسكار؟

و رابعا: إن المذكور في حديث بكير الأذكرية و في حديث ابن مسلم الأقربية الى الحق فنسأل أنه ما المراد بالأذكرية أو الأقربية فهل يكون المراد من الكلمة الأذكرية و الأقربية النوعية أو الشخصية أما النوعية فلا تنافي اعتبار القاعدة مع العلم بالغفلة و أما الشخصية فلا بد من القطع بها و مع القطع لا يحتمل النقصان الّا من حيث العمد و احتمال العمد مدفوع باستصحاب عدمه.

فالنتيجة أنه لا دليل على اشتراط جريان القاعدة باحتمال الذكر بل مقتضى القاعدة هو الجريان على الاطلاق.

و يؤيد المدعى حديثان واردان في باب الوضوء أحدهما ما رواه الحسين بن أبي العلاء قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الخاتم إذا اغتسلت قال:

حوله من مكانه و قال في الوضوء تديره فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة (1).

____________

(1) الوسائل: الباب 41 من أبواب الوضوء، الحديث 2.

36

ثانيهما ما رواه محمد بن علي بن الحسين قال: إذا كان مع الرجل خاتم فليدوّره في الوضوء و يحوّله عند الغسل، قال: و قال الصادق (عليه السّلام): و إن نسيت حتى تقوم من الصلاة فلا آمرك أن تعيد (1).

فإن الحديثين يدلان على جريان القاعدة حتى مع العلم بالنسيان حين العمل.

الجهة السادسة: في أنّ القاعدة من المسائل الأصولية أو من المسائل الفرعية الفقهية؟

و الحق أنها من الثانية كما تقدم منّا قريبا و صفوة القول: أن القاعدة الفقهية لا ترتبط بالأصول فإن المسألة الأصولية تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي و لا تتعرض لحكم من الأحكام الشرعية الفرعية و أما القاعدة الفقهية فإنها ناظرة و متعرضة للحكم الفرعي الإلهي.

و بعبارة اخرى: لا فرق بين قاعدة الفراغ و وجوب صلاة الجمعة غاية ما في الباب أن القاعدة بمفهومها الواسع تتعرض لكثير من الموارد التي تكون تحت جامع واحد.

و إن شئت فقل: أن مفاد قاعدة: (ما يضمن بصحيحه ...) مثل وجوب العمل بالشرط و مثل وجوب العمل بالنذر فإن مصداق النذر قد يكون هو الصوم و أخرى الاعتكاف و ثالثة الحج و رابعة الازدواج فلاحظ.

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 3.

37

القاعدة الرابعة قاعدة حجية البيّنة

اعلم أن المراد من البيّنة في المقام شهادة عدلين بموضوع خارجي.

و الكلام يقع حولها في جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في الوجوه القابلة للاستدلال بها على اعتبار البينة

. الوجه الأول: جملة من الآيات منها قوله تعالى: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ‏ (1).

بتقريب أن المستفاد من الآية اعتبار شهادة رجلين.

و فيه أوّلا لا تعرض في الآية لعدالة الشاهدين.

و ثانيا أن الآية راجعة الى الدين و الموجبة الجزئية لا تكون دليلا على الإيجاب الكلي الذي هو المقصود.

و منها قوله تعالى: وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا (2).

بتقريب أن المستفاد من الآية اعتبار شهادة شاهدين و بعبارة أخرى وجوب أداء الشهادة يستلزم اعتبار قول الشاهد.

و فيه ما تقدم آنفا من الإشكال طابق النعل بالنعل.

و منها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ‏

____________

(1) البقرة: 282.

(2) البقرة: 282.

38

الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏ (1).

و تقريب الاستدلال ظاهر و يرد عليه أولا: أنّه جعل العدل للعادل فإنّ قوله تعالى: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏ مطلق يشمل غير العادل مضافا الى ان غير الامامي الاثني عشري لا يتصور كونه عادلا.

و ثانيا: أنّه قد مرّ قريبا أن الإيجاب الجزئي لا يكون دليلا على الكلية.

و منها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (2).

و التقريب هو التقريب و الإشكال هو الإشكال.

و منها قوله تعالى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (3).

و التقريب هو التقريب و الإشكال هو الإشكال.

و على الجملة: لا يمكن استفادة الكلية من هذا المقدار من الموارد الجزئية مضافا الى أنه كما تقدم لا تعرض في بعض هذه الآيات للعدالة.

الوجه الثاني: الروايات منها ما رواه مسعدة ابن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة أو المملوك عندك و لعلّه حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به‏

____________

(1) المائدة: 106.

(2) المائدة: 95.

(3) الطلاق: 2.

39

البيّنة (1).

و تقريب الاستدلال على المدعى بالحديث: أن المستفاد منه أنّ البيّنة حجّة في جميع الموضوعات الخارجية.

و فيه أن الحديث ضعيف سندا فلا يعتد به.

و ربما يقال كما قيل: أن عمل المشهور بالخبر الضعيف يوجب انجباره و يوجب صيرورته موثوقا به و موضوع الحجة الخبر الموثوق به.

و يرد على هذا البيان:

أولا: أنّه كيف يمكن الجزم بأن المشهور عملوا بهذا الخبر و الحال أن الوجوه القابلة للاستدلال متعددة.

و ثانيا: أن الالتزام بكون عمل المشهور جابرا و إعراضهم مسقطا من غرائب الكلام و يستلزم التناقض إذ في الأصول يحكمون بعدم اعتبار الشهرة الفتوائية و في الفقه يحكمون بكون العمل أو الإعراض جابرا و مسقطا و لا يمكن الجمع بين القولين.

و صفوة القول: أنّه إن كان الورع و الفضيلة يوجبان العلم لوصولهم الى دليل معتبر فكلا المقامين من واد واحد و إن قلنا أنّه يحتمل أن يكون العمل أو الإعراض ناشئا عن الاجتهاد فلا أثر لعملهم و لا لإعراضهم.

و ثالثا: أنه أيّ دليل دلّ على أنّ الميزان في الحجية الوثوق بصدور الخبر لا بكون الراوي ثقة و الحال أن السيرة العقلائية التي هي العمدة في دليل اعتبار الأخبار الآحاد جارية على العمل بخبر الثقة.

و يؤكد المدعى بل يدل عليه ما ورد في بعض الروايات حين يسأل الراوي‏

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 ..

40

الإمام (عليه السّلام) عن كون فلان ثقة بقوله أ يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني.

و رابعا: كيف يمكن دعوى أن الميزان الوثوق بالصدور و الحال أنّه قلّما يتّفق تحقق الوثوق بالصدور.

و خامسا: أنه لو كان الميزان الوثوق بالصدور لم يكن وجه لهذا البحث الطويل في حجية الخبر الواحد إذ اعتبار الاطمئنان من الواضحات الأوليّة فإن القطع حجة عقلا و الاطمئنان حجة عقلائية فالنتيجة أن الحديث غير تام سندا.

و أما من حيث الدلالة فالبينة عبارة عن الحجة و بعبارة أخرى:

البينة مرادفة مع البرهان و ما قيل في هذا المقام أن البيّنة في لسان الشرع عبارة عن شهادة عدلين، بلا بينة.

كما أن ما قيل من أنّه لو كان المراد من البينة الحجة الواضحة لكان قسم الشي‏ء قسيما له، لا شي‏ء تحته فإن البينة قسيم العلم.

و منها ما رواه عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الجبن قال:

كل شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة (1).

و تقريب الاستدلال بالحديث ظاهر.

و يرد عليه أوّلا: أن الرواية لا يعتد بها سندا فإن عبد اللّه بن سليمان لم يوثق.

و ثانيا: أن المذكور فيها عنوان شاهدين بلا قيد فيشمل بإطلاقه حتى المشرك فلا يرتبط بالمقام أصلا.

و منها النصوص الواردة في ثبوت الهلال بشاهدين عدلين كحديث الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أن عليّا (عليه السّلام) كان يقول: لا أجيز في الهلال الّا شهادة رجلين عدلين‏ (2).

____________

(1) الوسائل: الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.

(2) الوسائل: الباب 11 من أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

41

و فيه أنّه قد تقدّم منّا أن ثبوت المدعى في مورد جزئي لا يدل على الكليّة فإن الأحكام الشرعية أمور تعبدية لا تنالها عقولنا: «مه يا أبان السنة إذا قيست محق الدين» آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏.

و منها النصوص الواردة في باب القضاء و دلت على اعتبار قول عادلين و يثبت به ادعاء المدعي حتى فيما يكون مورد الدعوى عينا تحت يد الغير فإذا فرض اعتبار شهادة عدلين حتى في قبال الأمارة و تكون الشهادة حاكمة عليها فكيف ببقية الموارد التي لا تكون كذلك.

و بعبارة اخرى: بالأولوية تدل على ثبوت الموضوعات الخارجية كنجاسة لباس زيد و كرّيّة حوض المدرسة الفلانية.

و يرد عليه: أنه لا وجه للأولوية إذ الأولوية إنما تتصور فيما يكون مناط حكم المولى معلوما كما في قوله تعالى حيث نهى عن قول‏ أُفٍ‏ بالنسبة الى الوالدين فإن العرف يفهم أن الوجه في النهي التحفظ على كرامتهما فيفهم بالأولويّة أشدّية الشتم و الضرب.

و أما في المقام فالملاك عندنا غير معلوم و لعلّ مصلحة قطع النزاع تقتضي الاعتبار بالنسبة الى شهادة عدلين بخلاف المورد الآخر.

الوجه الثالث: الإجماع و عن الجواهر: نفي وجدانه للخلاف في إثبات النجاسة بها و نقل خلاف القاضي و ابن البراج و الكاتب و الشيخ و مع الاختلاف كيف يمكن دعوى الإجماع.

مضافا الى أنّه قد ثبت في الأصول عدم حجية الإجماع لا منقولا و لا محصّلا.

الوجه الرابع: السيرة العقلائية في جميع الأمصار و الأعصار فإن سيرتهم جارية على قبول شهادة شخصين غير متهمين و لا معروفين بالكذب و لا مغرضين بالنسبة الى المشهود عليه.

42

و يرد عليه أولا: أنّه كيف يمكن الجزم بتحقق السيرة المدّعاة.

و ثانيا: أن المدعى أخص من مورد السيرة المدعاة.

و بعبارة اخرى: السيرة المدعاة لا تنطبق على مورد الكلام.

و إن شئت قلت: السيرة المدعاة دائرتها أوسع من دائرة محل الكلام و لا خصوصية في نظر هم لشهادة عدلين.

و ثالثا: أنّه إذا كان الغرض مع المشهود عليه مانعا عن القبول فمجرد احتماله يكفي في عدم الاعتبار إذ لا يجوز الأخذ بالعام في الشبهة المصداقية.

لا يقال: بالاستصحاب يحرز عدم الغرض فإنه يقال لا يترتب على الأصل المذكور تحقق السيرة إلّا على القول بالمثبت الذي لا نقول به، و بعبارة اخرى:

السيرة لا إطلاق فيها كي يقال: بأن بالاستصحاب يحرز الموضوع بل السيرة دليل لبيّ و لا بد فيها من الاقتصار على المتيقن منها فلاحظ.

الوجه الخامس: السيرة الجارية بين أهل الشرع مضافا الى ارتكازهم و أذهانهم فإنه لا مجال لإنكار هذه السيرة القطعية المسلمة عند المتشرعة و من الظاهر أن هذه السيرة الجارية مسببة عن سبب شرعي و إلّا فكيف يمكن تحققها بلا نكير من أحد.

و إن شئت قلت: وضوح اعتبارها بحدّ لا يكون قابلا للإنكار.

الوجه السادس: النصوص الدالة على اعتبار شهادة العدل منها: ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم فقال:

أن تعرفوه بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك و الدلالة على ذلك كلّه أن‏

43

يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين و أن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الّا من علة فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلاة الخمس فإذا سئل عنه في قبيله أو محلته قالوا ما رأينا منه الّا خيرا مواظبا على الصلوات متعاهدا لأوقاتها في مصلّاه فإن ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين و ذلك أن الصلاة ستر و كفارة للذنوب و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلي إذا كان لا يحضر مصلاه و يتعاهد جماعة المسلمين و إنما جعل الجماعة و الاجتماع الى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممّن لا يصلي و من يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع و لو لا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح لأن من لا يصلي لا صلاح له بين المسلمين فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) همّ بأن يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين و قد كان فيهم من يصلي في بيته فلم يقبل منه ذلك و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللّه عزّ و جلّ و من رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه الحرق في جوف بيته بالنار و قد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة (1).

و المستفاد من هذه الرواية بالصراحة اعتبار شهادة العادل و لكن الإشكال في سند الحديث فإنّ له طريقين أحدهما تام و الآخر غير تام أما الطريق الأول الذي يكون تاما فقد حذف منه ما يفيدنا في المقام و أما الطريق الثاني فهو مشتمل على ما يفيدنا لكن غير تام من حيث السند فلا يعتد بهذه الرواية.

____________

(1) الوسائل: الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1.

44

و منها ما عن تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام) في تفسيره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، قال في قوله تعالى: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ‏، قال:

ليكونوا من المسلمين منكم فإن اللّه إنما شرّف المسلمين العدول بقبول شهادتهم و جعل ذلك من الشرف العاجل لهم و من ثواب دنياهم‏ (1).

إن قلت: المستفاد من الحديث اعتبار شهادة العدل و لو كان واحدا.

قلت: على فرض تسلم هذه الدعوى نقول: نرفع اليد عن الإطلاق بهذا المقدار فيتم الأمر فتحصل أن شهادة عادلين حجة.

بقي الكلام في العدل الواحد و الثقة الواحد أما العدل الواحد فيمكن الاستدلال على اعتبار قوله مضافا الى السيرة الجارية بين أهل الشرع بل الجارية بين العقلاء ما في تفسير الإمام (عليه السّلام) فإن المستفاد من الحديث اعتبار قول المسلم العادل.

و يؤيد المدعى إن لم يكن دليلا تجويز الشارع الأقدس الاقتداء به في الصلاة مع كونها معراج المؤمن و أعظم أركان الدين و إن قبلت قبل ما سواها و إن ردّت ردّ ما سواها.

بل لنا أن نستدل على المدعى بآية النبأ حيث أن المستفاد من الآية أن علّة عدم اعبتار قول الفاسق أن الركون إليه و جعل قوله طريقا الى الواقع في معرض حصول الندامة فإن الندامة إنّما تحصل فيما يكون العمل بلا رويّة و تكون نتيجة لسلوك طريق غير عقلائي.

و بعبارة واضحة: أن الإنسان إذا أقدم على أمر و سلك سلوكا على طبق القواعد لا يحصل له الندم و إن لم يصل الى مطلوبه، نعم كثيرا ما يتأثّر.

مثلا إذا فرضنا أن المريض راجع الى طبيب حاذق مشار إليه بالبنان و لكن‏

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 22.

45

الطبيب اشتبه في التداوي و بالنتيجة صار المريض أسوأ حالا بحيث لا يكون قابلا للعلاج لا معنى لأن يصير المريض نادما من عمله و لكن يتأثر من عدم حصول مطلوبه و هذا أمر آخر.

و المستفاد من الآية أن علة المنع أن الركون الى الفاسق الذي لا يكون في طريق الحق سفاهة و أمّا إذا لم يكن كذلك فلا مانع عن الركون و لعمري هذا وجه وجيه و إن كان قارعا للأسماع.

و أما شهادة الثقة الواحد فيمكن الاستدلال على اعتبارها بالسيرة أيضا فإن الظاهر أن السيرة العقلائية جارية على العمل بقوله و لم يردع السيرة المذكورة من قبل الشارع الأقدس.

بل يظهر من جملة من النصوص إمضائها منها ما رواه أحمد بن اسحاق عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: سألته و قلت: من أعامل و عمن آخذ و قول من أقبل؟

فقال: العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدي و ما قال لك عنّي فعني يقول فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون‏ (1).

و منها ما رواه إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السّلام): أما ما سألت عنه أرشدك اللّه و ثبتك- إلى أن قال- و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه و أما محمد بن عثمان العمري رضي اللّه عنه و عن أبيه من قبل فإنه ثقتي و كتابه كتابي‏ (2).

و منها ما رواه الحسن بن علي بن يقطين عن الرضا (عليه السّلام) قال: قلت: لا أكاد

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

(2) نفس المصدر: الحديث 9.

46

أصل إليك أسألك عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم‏ (1).

و منها ما رواه علي بن المسيّب الهمداني قال: قلت للرضا (عليه السّلام): شقّتي بعيدة و لست أصل إليك في كل وقت فممّن آخذ معالم ديني؟ قال: من زكريا ابن آدم القمي المأمون على الدين و الدنيا، قال علي بن المسيب: فلما انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم فسألته عمّا احتجت إليه‏ (2).

و منها ما رواه أحمد بن إبراهيم المراغي قال: ورد على القاسم بن العلاء و ذكر توقيعا شريفا يقول فيه: فإنه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرّنا و نحملهم إياه إليهم‏ (3).

فإن المستفاد من هذه الطائفة أن حجية قول الثقة أمر واضح على نحو الكبرى الكلية و إنما الكلام في تشخيص المصداق.

أضف إلى ذلك أنا نرى أن الشيخ الطوسي و المفيد و الصدوق و أضرابهم مع كون عصرهم قريبا من عصر الإمام (عليه السّلام) يرتّبون الأثر على شهادة الثقة كان أمرا مغروسا في أذهانهم و قانونا مسلّما عندهم فلو لم يكن قول الثقة معتبرا عند الشارع لذاع و شاع و لم يكن أمرا مستورا تحت الستار.

و في المقام حديث عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث أن عليا (عليه السّلام) قال: لا أقبل شهادة الفاسق الّا على نفسه‏ (4).

____________

(1) نفس المصدر: الحديث 33.

(2) نفس المصدر: الحديث 27.

(3) نفس المصدر: الحديث 40.

(4) الوسائل: الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 7.

47

ربما يقال بأن المستفاد منه أنه لا اعتبار بشهادة الفاسق و إن كان ثقة.

و في قبال التقريب المذكور يمكن أن يقال: إن قلنا بأن المستفاد من الحديث أنه لا يقبل قوله في مقام الدعاوي و المحاكمات فالأمر سهل إذ من الواضح ان الشهادة في مورد القضاء و إثبات الدعوى مشروط بكون الشاهد عادلا و إن قلنا بأن الحديث مطلق أي المستفاد منه عدم قبول قول الفاسق على الإطلاق فيمكن أن يقال بأن المناسبة بين الحكم و الموضوع تقتضي أن الامام روحي فداه ناظر الى صورة عدم الأمن من الكذب و أما لو كان ثقة و أمينا في الكلام فالحديث غير ناظر إليه.

و إن أبيت و قلت: المحكم إطلاق الحديث فيشمل الثقة الفاسق قلت: حيث انّ اعتبار قول الثقة واضح و كما بيّنا من الصدر الأول كان ديدن الأعاظم على ترتيب الأثر بقول الثقة بلا نكير نخصّص الحديث و نقول: لا اعتبار بقول الفاسق الّا إذا كان ثقة فلاحظ.

الجهة الثانية: أنّه هل يشترط في حجيّة البيّنة كون الشاهدين العادلين رجلين أم لا؟

الظاهر هو الاشتراط إذ لا دليل على الإطلاق و مقتضى الأصل في الأمور الوضعية الضيق.

الجهة الثالثة: انّه لا اختصاص لمورد دون آخر بل البيّنة حجّة في جميع الموضوعات‏

بلا كلام و لا يتصور في مورد عدم أثر شرعي إذ أقل ما يترتب على الشهادة جواز الإخبار فلاحظ.

الجهة الرابعة: في حكم صورة تعارض البيّنة مع غيرها

فنقول: لا إشكال في تقدمها على الأصول العملية التي أخذ في موضوعاتها عنوان الشك فإنها حاكمة عليها كما هو ظاهر.

48

و أيضا تقدم على الاستصحاب حتى على القول بكونه أمارة إذ مضافا الى أن المأخوذ في موضوعه عنوان الشك لو كان الاستصحاب معارضا مع البيّنة و لم نقل بتقدّمها عليه تكون لغوا.

و أمّا لو عارضت قاعدة الفراغ أو الصحة فأيضا تقدم عليهما إذ قد مرّ و تقدم منّا أن القاعدة لا تكون أمارة.

و أما فيما يقع التعارض بينها و قاعدة اليد أو السوق و أمثالهما فأيضا تقدم عليها فإنّ عمدة الدليل على تلك القواعد السيرة و لا بدّ من الاقتصار على مورد لا تكون في قبالها بينة.

و مما ذكر يعلم وجه تقدّمها على قول الثقة و أما إذا وقع التعارض بينها و بين الإقرار فالظاهر لو لا الدليل الخارجي تقدم الإقرار فإن السيرة العقلائية جارية عليه و لم يتحقق الردع من قبل الشارع الأقدس.

بل يمكن أن يقال: أن المرتكز في أذهان أهل الشرع عدم قيام دليل في قبال الإقرار و أما لو وقع التعارض بينها و بين قول العدل الواحد فمقتضى القاعدة الأولية تحقق التعارض و نتيجة التعارض التساقط و هل يمكن الجزم به أو يحتاج الأمر الى مزيد من التأمل و اللّه العالم بحقائق الأمور و عليه التوكّل و التكلان.

49

القاعدة الخامسة قاعدة اليد

و يقع البحث فيها من جهات:

[جهات البحث‏]

الجهة الأولى: في المراد من اليد

، و الظاهر أن المراد منها الاستيلاء الخارجي و هذا المعنى يختلف بحسب إختلاف الموارد، و لا وجه لإطالة البحث في هذه الجهة إذ الاستيلاء أمر عرفي و لا يكون أمرا مجهولا فتارة محرز فيترتب عليه الأثر و أخرى يكون مشكوكا فيه فلا يترتب الأثر عليه بل في مورد الشك يمكن إحراز عدمه بالاستصحاب إذ ذكرنا كرارا أنه لا مانع من جريان الاستصحاب في الشبهة المفهومية.

الجهة الثانية: في الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على المدعى‏

: الوجه الأول: السيرة الجارية بين العقلاء و المتشرعة فإنه لا إشكال في أن العقلاء في جميع العالم يرون اليد أمارة على كون ذيها مالكا لما فيها و من الظاهر الواضح أنه لم يردع عن هذه السيرة من قبل الشارع.

الوجه الثاني: الإجماع، و فيه الإشكال الساري في جميع الإجماعات المنقولة و أنه لا اعتبار بها و لا اعتبار بمحصله و إنما الاعتبار بالإجماع الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السّلام) و أنّى لنا بذلك.

الوجه الثالث: جملة من النصوص منها ما رواه عثمان بن عيسى و حماد بن عثمان جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث فدك أن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال لأبي بكر:

50

أ تحكم فينا بخلاف حكم اللّه في المسلمين؟ قال: لا قال: فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدّعيه على المسلمين، قال: فإذا كان في يدي شي‏ء فادّعى فيه المسلمين تسألني البيّنة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بعده و لم تسأل المؤمنين البيّنة على ما ادّعوا عليّ كما سألتني البيّنة على ما ادّعيت عليهم، إلى أن قال: و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): البيّنة على من ادّعى و اليمين على من أنكر (1).

و منها ما رواه جميل بن صالح قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): رجل وجد في منزله دينارا، قال: يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير، قال: هذا لقطة، قلت:

فرجل وجد في صندوقه دينارا، قال: يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئا؟ قلت: لا قال: فهو له‏ (2).

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق فقال: إن كانت معمورة فيها أهلها فهي لهم و إن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحق به‏ (3).

فإنّه يستفاد من هذه النصوص اعتبار اليد و العرف ببابك.

و أما حديث حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه له، قال: نعم قال الرجل:

أشهد أنه في يده و لا أشهد أنه له فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): أ فيحل الشراء منه؟ قال: نعم فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): فلعله لغيره.

____________

(1) الوسائل: الباب 25 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوى، الحديث 3.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

(3) الوسائل: الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

51

فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه و لا يجوز أن تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك، ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق‏ (1).

فلا يعتد به سندا فلا تصل النوبة الى ملاحظة دلالته و في باب ميراث الأزواج نصوص توهم بعض دلالتها على المدعى منها ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألني: هل يقضي ابن أبي ليلى بالقضاء ثم يرجع عنه فقلت له: بلغني أنه قضى في متاع الرجل و المرأة إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحي و ورثة الميت أو طلقها فادّعاه الرجل و ادّعته المرأة المرأة بأربع قضايا فقال: و ما ذاك؟ قلت: أما أوّلهن فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي كان يجعل متاع المرأة الذي لا يصلح للرجل للمرأة و متاع الرجل الذي لا يكون للمرأة للرجل و ما كان للرجال و النساء بينهما نصفان ثم بلغني أنه قال أنهما مدعيان جميعا فالذي بأيديهما جميعا (يدعيان جميعا) بينهما نصفان ثم قال: الرجل صاحب البيت و المرأة الداخلة عليه و هي المدعية فالمتاع كله للرجل الّا متاع النساء الذي لا يكون للرجال فهو للمرأة ثم قضى بقضاء بعد ذلك لو لا أني شهدته (لم أروه عنه) ماتت امرأة منا و لها زوج و تركت متاعا فرفعته إليه فقال: اكتبوا المتاع فلما قرءاه قال للزوج: هذا يكون للرجال و المرأة فقد جعلناه للمرأة الا الميزان فإنه من متاع الرجل فهو لك فقال (عليه السّلام) لي: فعلى أي شي‏ء هو اليوم؟ فقلت: رجع الى أن قال بقول إبراهيم النخعي أن جعل البيت للرجل ثم سألته (عليه السّلام) عن ذلك فقلت: ما تقول أنت فيه فقال: القول الذي أخبرتني إنك شهدته و إن كان قد رجع عنه فقلت: يكون المتاع للمرأة؟ فقال: أ رأيت إن‏

____________

(1) الوسائل: الباب 25 من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعاوى، الحديث 2.

52

أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج فقلت شاهدين فقال: لو سألت من بين لابتيها يعني الجبلين و نحن يومئذ بمكة لأخبروك أن الجهاز و المتاع يهدى علانية من بيت المرأة الى بيت زوجها فهي التي جاءت به و هذا المدّعي فإن زعم أنه أحدث فيه شيئا فليأت عليه البيّنة (1).

و منها ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة قال: ما كان من متاع النساء فهو للمرأة و ما كان من متاع الرجال و النساء فهو بينهما و من استولى على شي‏ء منه فهو له‏ (2).

و منها ما رواه رفاعة النخاس عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، قال: إذا طلق الرجل امرأته و في بيتها متاع فلها ما يكون للنساء و ما يكون للرجال و النساء قسّم بينهما قال: و إذا أطلق الرجل المرأة فادّعت أن المتاع لها و ادعى الرجل أن المتاع له كان له ما للرجال و لها ما يكون للنساء و ما يكون للرجال و النساء قسّم بينهما (3).

و لكن هذه الروايات لا تدل على المدعى أما الرواية الأولى فتدل على أن الدليل قائم على أن ما في البيت مملوك للمرأة و لا تدلّ على اعتبار اليد.

و أما الحديث الثالث و الرابع فمضافا إلى ضعف سند الثالث لا يدلان على اعتبار اليد بل يدلان على مطلب آخر كما هو واضح عند المراجع.

أضف الى ذلك الحديث الثاني من الباب و هو ما رواه سماعة قال: سألته عن رجل يموت ماله من متاع البيت؟

____________

(1) الوسائل: الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

(2) نفس المصدر: الحديث 3.

(3) نفس المصدر: الحديث 4.