البداية والكفاية

- الشيخ محمد تقي الفقيه المزيد...
213 /
1

المقدمة و فيها اثنا عشر أمرا:

الأمر الأول: في الموضوع و ما يتعلق به.

الأمر الثاني: في الوضع و شئونه.

الأمر الثالث: في صحة استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

الأمر الرابع: في إطلاق اللفظ و إرادته.

الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة و عدمها.

الأمر السادس: في وضع المركبات.

الأمر السابع: في علامات الحقيقة.

الأمر الثامن: في حكم تعارض الأحوال.

الأمر التاسع: في الحقيقة الشرعية.

الأمر العاشر: في الصحيح و الأعم.

الأمر الحادي عشر: في الاشتراك و الترادف.

الأمر الثاني عشر: في المشتق.

2

الأمر الأول: في الموضوع و ما يتعلق به.

مباحث الموضوع‏

جرت عادة معظم المصنفين في علم الأصول و غيره أن يبحثوا عن موضوع كل علم أولا ثم عن موضوعة ثانيا، لأنّ معرفة كلّي الموضوع تستوجب معرفة موضوع العلم المبحوث عنه في الجملة، لأنّه مصداق من مصاديقه و فرد من أفراده، و طريق معرفة موضوع العلم عند أهله واضحة فإنّ كلّ علم لا بد و أن يبحث فيه عن أمور، و تلك الأمور لا استقلال لها ذاتا، بل هي مفتقرة إلى أمر تعرض عليه و تنسب إليه، و تسمى تلك الأمور العارضة ب (مسائل العلم)، و يسمى ذلك الغير الذي تعرض عليه المسائل (موضوعه).

و ينبغي التنبه إلى أنّ كل مسألة لها موضوع على حدة يسمى موضوع المسألة، و إلى أن الجامع لموضوعات المسائل كلها يسمى موضوع العلم، فالعلم عبارة عن نفس المسائل، فإنّها هي التي يبحث فيه عنها، و موضوع العلم هو الجامع لموضوعات تلك المسائل، فكل ما يصلح جامعا نسميه موضوعا و هو يتحد معها اتحاد الكلي الطبيعي و مصاديقه.

و مما ذكرنا يتضح بطلان العبارة المشهورة، أعني قولهم: أنّ موضوع كل علم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و ذلك لأنّ العلم يبحث فيه عن الأحكام العارضة لموضوعات مسائله سواء كانت من العوارض الذاتية أم الغريبة، أم كانت مؤلفة منهما.

و مما مرّ عليك ينفتح باب البحث عن العوارض بقسميها، و عن المسائل و عن الواسطة في العروض و الثبوت و الإثبات، لأنّ الواسطة في العروض جعلت ضابطا

3

للعرض الغريب في (الكفاية)، و إنّما نشير إليها ليكون الطالب على بصيرة منها، ثم بعد ذلك نتعرض إلى موضوع علم الأصول و إلى وجه الحاجة للبحث عن الموضوع و إلى مائز العلوم و إلى المبادئ.

العوارض‏

العوارض سبعة بالحصر العقلي، لأنّ العارض إمّا أن يعرض للشي‏ء بلا واسطة أصلا، كعروض الحرارة للنار، و البرودة للماء بناء على بساطة العناصر، و إمّا بواسطة، و الواسطة إمّا أن تكون جزءا من أجزاء الماهية التي يعرض عليها ذلك العارض، كعروض المشي للإنسان بواسطة كونه حيوانا، و نسميه عارضا له بواسطة جزئه الأعم، و كعروض التعجب للإنسان بواسطة كونه ناطقا، و نسميه عارضا له بواسطة جزئه الأخص، و إنّما نسميه (أخص) بالإضافة إلى جزء الماهية الأعم، و إمّا أن لا تكون جزءا من الماهية بل تكون الواسطة أمورا خارجة عنها عارضة عليها، و الواسطة الخارجة عن الماهية، إمّا أن تكون مباينة للماهية أو مساوية لها، أو أعم منها أو أخص، كعروض الحرارة للماء بواسطة النار، و كعروض الضحك للإنسان بواسطة التعجب، و كعروض الحركة للإنسان بواسطة المشي، و كعروض الضحك للحيوان بواسطة التعجب.

و الحاصل أنّ الشي‏ء العارض إمّا أن يعرض لغيره بلا واسطة أصلا و إمّا بواسطة و لا ثالث لذلك.

و العارض بالواسطة: إمّا أن تكون تلك الواسطة خارجة عن أجزاء المعروض عليه، و إمّا أن تكون أحد جزئي ماهيته و لا ثالث لها أيضا.

و العارض بواسطة الأمر الخارج عن الماهية منحصر عقلا في المباين و المساوي و الأعم و الأخص، و العارض بواسطة جزء الماهية أيضا منحصر في الجنس‏

4

و الفصل، لأنّ الشي‏ء لا يتألف من مباينة و لا من مساويه هوية و ماهية بالضرورة، و إنّما يتألف من أمرين ذاتيين أحدهما أعم منه و هو الجنس و الآخر أخص من ذلك الأعم و هو الفصل.

ثم أنّه يظهر من تقريرات شيخنا النائيني (ره) أنّ بعضها ذاتي بالاتفاق، و بعضها غريب بالاتفاق، و بعضها محل خلاف.

ثم أنّه استدل على ذاتية بعضها بأنّا نجد المبحوث عنه في العلوم منه، فيكشف ذلك عن ذاتيته، و مثّل لذلك بالرفع العارض للكلمة بواسطة الفاعل الذي هو جزئيّها، و خارج عن حقيقتها، لا أنّه جزء منها، و لكن في مثل هذا الاستدلال نظر، لابتنائه على ثبوت أمر مفروغ عنه، يستكشف باللم، و هو كون كلّ أمر مبحوث عنه في العلوم يكون من العوارض الذاتية، و لكنّه هو محل الكلام.

و التحقيق أنّ تعميم البحث في العلوم لمطلق العوارض أولى من تخصيصه بما يسمونه بالعوارض الذاتية، و يشهد لذلك أنّ جملة من المباحث لا تطرد مع دعواهم.

و لعلّه من أجل هذا عدل صاحب الكفاية عن هذا المذهب المشهور، و فسّر العرض الذاتي بتفسير ينطبق على جملة من العوارض التي جعلوها من العوارض الغريبة.

ثم إنّه ينبغي التنبه إلى أنّ لفظ زيد في قولنا: جاء زيد، مرفوع و أنّ رفعه كان بواسطة الفاعلية، و هي مباينة لكل من الكلمة و الكلام، و ليس مرفوعا بواسطة كلمة زيد التي هي جزئيّ من جزئيات الكلمة، و إلا كان لفظ زيد في‏

5

الجملة المذكورة واسطة لرفع نفسه، و لو كان كذلك لكان مرفوعا حيث وجد، و هذا واضح الفساد.

تحديد الوسائط

و نحن و إن كنّا في غنى عن تحديد الوسائط، لأنّنا أثبتنا أنّ كل شي‏ء يعرض لموضوع العلم أو لموضوعات مسائله، يكون من ذلك العلم سواء كان عروضه بلا واسطة في العروض أو بأية واسطة من الوسائط، إلا أنّه لا بد منه لأنّه مفيد في نفسه، و يساعد على فهم كلمات العلماء.

و قد قيل: أنّ ما يفتقر في عروضه إلى واسطة تفتقر إلى واسطة أخرى أو وسائط فهو عارض بواسطة في العروض بخلاف غيره، و قيل أيضا: إنّما ينسب للواسطة حقيقة، و لذيها مجازا هو الواسطة في العروض، و قيل غير ذلك.

و إذا عرفنا الواسطة في الثبوت و الإثبات أمكننا القول أنّ ما عداهما هو الواسطة في العروض، هذا مضافا إلى أنّ هذه التعاريف ليست حدودا، و إنّما هي لبيان شرح الاسم، و بهذا يسقط البحث عن كون الواسطة خفية تارة و جلية تارة أخرى، و أمّا الواسطة في الثبوت فهي عبارة عن كون الواسطة علّة لثبوت العرض للمعروض، أو ما يصح أن يحلّ محلّها- كلمة- (لأنّه)، و أمّا الواسطة في الإثبات فهي ما تكون علّة للعلم بالثبوت.

ثم أنّه لا ريب في كون ما يعرض للواسطة حقيقة، و لذيها مجازا من العوارض الغريبة، كما في قولنا جرى الميزاب، و ذلك لأنّ الجريان ليس من عوارض الميزاب بوجه، و إنّما هو من عوارض الماء، و لكنّه إذا حمل على الميزاب فإنّما يحمل عليه و ينسب إليه من باب المجاز في الإسناد، بعلاقة الحالّ و المحل،

6

و لا ريب أنّ هذا النوع خارج عن العوارض السبعة و لو أدعي انطباق أحدها عليه جدلا كان من العوارض الغريبة عن ذات الموضوع كما هو واضح.

موضوع العلم و غايته‏

وجه الحاجة لمعرفة موضوع العلم و غايته‏

لا ريب أنّ العاقل لا يطلب الشي‏ء إلا بعد تصوره و رغبته فيه، و لا ريب أنّ تصور المجهول جهلا مطلقا مستحيل.

و يتفرع على ذلك: أنّه يستحيل على العاقل أن يطلب علما من العلوم قبل تصوره، و لو تصورا إجماليا، و لا ريب أنّ معرفة موضوع العلم و غايته توجب تصوره في الجملة، و من أجل ذلك وجب البحث عنهما ليعرفهما الطالب قبل الشروع في مسائل العلم، لأنّ الطالب إذا عرف العلم و عرف فائدته رغب في طلبه.

هذا مضافا إلى أنّ ذلك العلم إنّما يتميز عن غيره من العلوم إمّا بالموضوع المطلق و إمّا بالموضوع المحيّث بالغاية، و من أجل ذلك لا بد من معرفة الموضوع أو الغاية.

مائز العلوم‏

بيان ما به يمتاز علم عن علم آخر:

اختلف الأصوليون منذ عهد صاحب الفصول حتى الساعة في ما يتميز به بعض العلوم عن بعضها الآخر على أقوال:

فقد قيل: إنّ التمايز يكون بالموضوعات المرسلة، و قيل إنّه بالموضوعات المحيثة، و قيل: إنّه بالأغراض و الغايات، و لا ريب أنّ ذلك كله ممكن و إن نوقش فيه.

7

و قد أورد على القول بتمايزها بالموضوعات المرسلة بأمور:

أولها: لزوم كون جملة من العلوم علما واحدا لاشتراكها في الموضوع كالعلوم العربية فإنّ موضوعها أجمع هو الكلام العربي.

ثانيها: دخول بعض العلوم في بعضها الآخر، كعلم التفسير و الدراية و غيرهما مما يتعلق بالكتاب و السنة، لأنّ موضوع الأصول هو الأدلة الأربعة و موضوعاتها الكتاب و السنة، فيكونان جزئيين من جزئيات علم الأصول.

و قد أجيب عن ذلك باختلافهما باختلاف الحيثيات، فإنّ موضوع النحو مثلا هو الكلمة و الكلام من حيث الإعراب و البناء، و موضوع الصرف هو الكلمة و الكلام من حيث اختلاف الهيئات بالاشتقاق، و موضوع الأصول الأدلة الأربعة من حيث الحصول على الكبريات التي تقع في طريق الاستنباط، و موضوع التفسير هو الكتاب من حيث معرفة مفرداته و مركباته، و أسباب نزوله و ما أشبه ذلك. سواء اتصلت بالفقه و الأصول أم لم تتصل.

و فيه: أنّ الحيثية إن كانت تقييدية رجع إلى القول بالتمايز بالأغراض، و إن كانت تعليلية كان ذلك ارتكابا لأمر ممكن، و لكنّه غير ضروري، و هو مع ذلك يرجع إلى التمايز بالأغراض.

ثالثها: بأنّ جملة من العلوم تشترك في جملة من المسائل و من المعلوم أنّ موضوع كلّ علم أمر كلّي ينطبق على موضوعات مسائله المتعددة انطباق الكلّي على أفراده، و لازم ذلك كون النسبة بين العلمين أو العلوم العموم من وجه، و يلزم من ذلك أن يكون اتفاقها بما يكون به افتراقها، و هو كما ترى.

8

رابعها: بأنّ موضوعات المسائل متعددة بتعددها بالضرورة، و لازم ذلك انحلال العلم الواحد إلى علوم متعددة، لأنّ موضوع كل مسألة يغاير الأخرى، و الجواب: أنّ ما به التمايز هو الجامع لتلك الموضوعات.

و أورد على القول بتمايزهما بالأغراض بأمرين:

أولهما: أنّ الغرض أمر واحد بسيط، فلا بد من صدوره عن واحد لئلا يلزم صدور الواحد عن متعدد، و مع تعدد الموضوعات يلزم صدوره عن متعدد.

و أجيب عنه أولا: بأنّه يمكن أن يكون لموضوعات المسائل جامع واحد كلّى تترتب عليه الأغراض.

و ثانيا: بأنّ ذلك إنّما هو في الواحد الشخصي لا الجنسي.

و ثالثا: بأنّه إنّما هو في الأمور الحقيقية لا الاعتبارية، و بأنّه إنّما هو في العلل لا المقتضيات، و المقام من باب المقتضيات، لأنّ الملاحظة دخيلة في ترتب الغرض و لا سيما فيما إذا كان للمسألة الواحدة غرضان أو أغراض.

ثانيهما: عدم معقولية ذلك بعد تداخل العلوم في بعض المسائل.

و الجواب: أنّه لا مانع من كون الشي‏ء الواحد له أثران أو آثار و لا زمان أو لوازم، و يكون البحث فيه في كل علم بملاحظة أحد لوازمه، و يكون دخوله في العلم الآخر باعتبار الأثر الآخر.

و فيه: أنّه لا بد من رجوعه إلى أخذ الحيثية، و التحقيق: أنّه لا مانع من كون التمايز بالموضوعات المحيثة لا الأغراض.

المبادئ‏

اعلم أنّ المبادئ على قسمين: (تصورية و تصديقية) و زادوا في علم الأصول قسما ثالثا، و عبّروا عنه بالمبادئ الأحكامية، و قد قيل: إنّ المبادئ‏

9

التصورية هي التي يبحث فيها عن نفس المحمولات و الموضوعات من غير انتساب، و التصديقية هي التي يبحث فيها عن نفس المحمولات و الموضوعات بحثا يوجب التصديق بالانتساب، و أمّا المبادئ الأحكامية فهي مختصة بعلم الأصول، كالبحث عن الأحكام الوضعية، و عن أنّها مجعولة استقلالا أو تبعا، و البحث عن اجتماع بعضها مع بعض كاجتماع الأمر و النهي، أو عن استلزام بعضها لبعض، كالبحث في مقدمة الواجب و الضد، و قيل في تعريف القسمين- الأوّل و الثاني- غير ما ذكرناه.

المسائل‏

و فيها أقوال، فقيل: أنّها هي القضية، و هو مختار صاحب الكفاية (قده).

و قيل: هي المحمولات المنتسبة، و هو اختيار صاحب المعالم.

و قيل: هي النسب الجزئية، و هو الذي اختاره شيخنا المقدس الشيخ عبد الحميد ناجي النجفي‏ (1)، و هو الأقرب، و استدل له قائلا: لأنّ ما يبحث عنه في العلوم و يطلب التصديق به بإقامة البرهان عليه هو نفس تلك النسب، هذا مضافا إلى أنّه مناسب لعدّهم الموضوع جزءا من أجزاء العلوم في قبال المسائل، و هذا بخلاف ما لو قلنا أنّ المسألة هي مجموع القضية، فإنّه يندرج فيها، و لا معنى لعدّه جزأ آخر في قبالها، و يمكن إرجاع الثاني إلى ما اخترناه، لأنّ ما يثبت بالدليل ليس نفس المحمول بل نسبته إلى الموضوع (انتهى)، و هو جيد.

____________

(1)- كنّا حضرنا عنده في أوّل أمرنا في الكفاية، فباحثنا الموضوع و المعنى الحرفي في أكثر من سنة، و ذلك سنة 1349 ه، و كنت يومئذ أقيم في مدرسة الخليلي المعروفة أحيانا بخان القطب، و كان يزورني و يلقنني مطلبه حرفيا.

10

موضوع علم الأصول‏

إذا عرفت ما قدمناه، عرفت أنّ علم الأصول كغيره من العلوم، له موضوع يختص به و هو عبارة عن أمر يجمع موضوعات مسائله المتشتتة، و ينطبق عليها انطباق الكلّي على مصاديقه، و يتحد معها خارجا، و يغايرها مفهوما. فإن عرفناه بكنهه و حقيقته فهو المطلوب، و إلا أمكننا الاستغناء بالإشارة إليه بخواصه و آثاره، و لا يجب في مقام معرفته أكثر من ذلك، و ذلك لأجل الحصول على الغرض المطلوب منه، و بعبارة أخرى: أنّ موضوع كل علم هو عبارة عن الشي‏ء الذي يجمع موضوعات مسائله، فإن كان ذاتيا سمي ذلك الجامع جامعا ذاتيا، و إن كان عرضيا كالخواص و الآثار سمي ذلك الجامع جامعا عرضيا.

إذا عرفت هذا كله فاعلم أنّ المشهور كما عليه صاحب القوانين، أنّ موضوع علم الأصول هو الأدلة الأربعة بما هي أدلة، و قد أورد عليهم بلزوم كون المبحوث عنه في جملة من مسائله هو ذات الموضوع، و لازم ذلك كونها من المبادئ، مع أنّ المعروف عندهم أنّها من مسائل الأصول.

بيان ذلك: أنّ البحث عن الحجج بأسرها إنّما هو بحث عن ثبوت ذات الموضوع بها أو عدمه، فالبحث عن حجية ظواهر الكتاب، يرجع إلى أنّه هل يثبت المقصود الواقعي من الكتاب بما يظهر من الألفاظ المسطورة فيه أو لا؟

و البحث عن حجية خبر الواحد، يرجع إلى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد أولا، و مثله البحث عن حجية الراجح من الخبرين المتعارضين، و هكذا سائر الحجج، لرجوع البحث فيها إلى البحث عن ثبوت أصل الدليل أعني السنة بمفاد كان التامة، لا بمفاد كان الناقصة، فلا يكون البحث فيها بحثا عن عوارض الدليل، بل عن الدليل نفسه.

11

و لعلّه لأجل هذا حكي عن صاحب الفصول، انه عدل عن هذا المذهب، فجعل الموضوع هو الأدلة الأربعة بما هي هي، معرّاة عن كل شي‏ء فيكون البحث عما يتعلق بها بحثا عن عوارضها لا عنها نفسها.

و التحقيق: أنّه إن أريد بالسنة الأعم من الحاكي و المحكي، كان البحث عن حجية الخبر بحثا عنه بمفاد كان الناقصة، و يكون بحثا عن عوارض الدليل.

و مما ذكرنا يتضح الحال بالنسبة للبحث في باب الملازمات، كالبحث عن إمكان اجتماع الأمر و النهي و عدمه، و عن اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده و عدمه، و عن كون الأحكام الوضعية مجعولة تبعا أو استقلالا، أو ليست مجعولة أصلا، و عن تبعية المقدمة في الوجوب لذيها و عدمه، و أنّه بحث عن نفس الحكم العقلي لا عن عوارضه و شئونه.

تعريف علم الأصول‏

اعلم أنّهم ذكروا له عدة تعاريف، و لا ريب أنّ المقصود منها واحد، و لا ريب في إمكان إرجاع بعضها إلى بعض، و الأولى تعريفه بأنّه:

العلم بالقواعد التي إذا انضمت إليها صغرياتها أنتجت حكما شرعيا.، و الظاهر أنّه لا مانع من إضافة قولهم أو التي ينتهى إليها في مقام العمل، و إن كانت غير مانعة من دخول المسائل الفقهية.

في الفرق بين المسألة الأصولية و المسألة الفقهية

الفرق بين المسألة الأصولية و الفقهية أن الأصولية تقع كبرى في طريق استنباط الحكم الفرعي الكلي و يختص بها المجتهد، بخلاف الفقهية فإن موضوعها فعل المكلف و محمولها الأحكام التكليفية- كما قيل- بل ربما يقال ان محمولها مطلق الأحكام تكليفية و وضعية فتأمل، و هي ايضا لا تقع في طريق استنباط الحكم الكلي‏

12

و إنما يستنبط بها حكم جزئي، و يشترك فيه المجتهد و المقلد و لا ينافي ذلك وقوعها في طريق استنباط الحكم الجزئي، و ربما يعبر عنه بتطبيق الكبرى على صغرياتها، مثلا حرمة شرب الخمر حكم فقهي يشترك فيه المجتهد و المقلد فإذا وجد مائع و ثبت أنه خمر يقول المكلف هذا خمر و كل خمر حرام، فالصغرى وجدانية و الكبرى أخذها المجتهد من طريق الاجتهاد و أخذها العامي من طريق التقليد، و لا يخفى أن هذا الشكل ارتكازي و لذلك لا يرتبه المجتهد و لا المقلد، و هو مع ذلك صوري لأن الوسط ليس علة لإثبات المحمول للموضوع، بل الموضوع علة لإثبات الحكم للموضوع فإن المشار اليه بقولنا (هذا) هو الخمر لا غير بخلاف قولنا العالم حادث لأنه متغير فإن التغير علة لثبوت الحدوث للعالم و هي خارجة عن الحكم و موضوعه بخلاف إثبات الحرمة للخمر الخارجي فإنه من إثبات الحرمة للخمر الجزئي لكونه خمرا و هو تعليل للشي‏ء بنفسه.

و تقول في المسألة الأصولية الصوم واجب و كل واجب تجب مقدماته فالصوم تجب مقدماته.

فائدة

ينبغي التنبه إلى أنّ جلّ التعاريف، بل كلّها لفظية، يقصد منها شرح الاسم، و ذلك لخفاء الفصول الحقيقية، حتى قيل: إنّه لا يعرفها إلا مكونها.

و لو سلم إمكان معرفتها، فإنّ ذلك متعذر بالنسبة للأمور الاعتبارية، فإنّها ليس لها أجناس حقيقية قريبة تجمعها، و لا فصول حقيقية فكيف يمكن تعريفها بالحد التام المؤلف من الجنس و الفصل، إلا أن يقال: إنّ جنس كلّ شي‏ء و فصله بحسبه.

13

ثم إنّ العلماء و إن عاملوا هذه الرسوم معاملة الحدود، فأكثروا فيها النقض و الإبرام بعدم الاطراد و الانعكاس، إلا أنّ المحققين منهم متنبهون لما قلناه.

إن قلت: أنّ هذا إنّما يتم بالنسبة لأوّل تعريف صدر منهم، أمّا بالنسبة للتعاريف المتأخرة عنه فلا، قلت: لا مانع من كونهم تنبهوا لما ذكرناه، و مع ذلك اهتموا في أمر الاطراد و الانعكاس طلبا للرسم الأوضح.

ثم أنّ الظاهر أنّ المرتكز من مفهوم كلّ علم عند أهله أوضح مما يذكر له من التعاريف المذكورة في كتبهم، و يشهد لذلك أنّ مصدر النقض و الإبرام إنّما هو بالمرتكز في أذهانهم الذي كانت تلك التعاريف غير جامعة أو مانعة بالنسبة له.

مرتبة علم الأصول‏

اعلم أنّ لبعض العلوم تقدما رتبيا على بعض، و إنّما يتقدم أحدها على الآخر لتوقف معرفته عليه، فالنحو مثلا متقدم على المعاني و البيان و هما معا يتقدمان على علم التفسير، و التفسير على علم الأصول، و الأصول مقدم على الفقه، و السبب في ذلك هو اشتمال السابق على مبادئ اللاحق و توقف فهمه عليه.

ثم إنّ هذا العلم في عرض جملة من العلوم كالعلوم الرياضية لعدم توقف شي‏ء منهما على الآخر.

14

الأمر الثاني: في الوضع و شئونه:

حقيقة الوضع‏

الكلام في الوضع من جهات:

الأولى: اعلم أنّ اللفظ يسمى موضوعا، و المعنى موضوعا له، و فاعل الوضع يسمى واضعا، و نتيجة ذلك كله تسمى وضعا، بمعنى اسم المصدر.

الثانية: اختلف الناس في الواضع، فقيل: هو اللّه سبحانه، بواسطة الرسل، أو بنحو الإلهام، و قيل: البشر، و قيل: إنّ دلالة اللفظ على المعنى طبيعية و هو المحكي عن الصيمري، و قيل غير ذلك، و قد سئل الصميري عن معنى لفظ (سنك)، و هو لفظ فارسي معناه الحجر، فأطرق ثم قال: إنني أجد فيه قساوة و أظنه الحجر.

الثالثة: اعلم أنّ الواضع عند ما يريد الوضع، لا بد و أن يتصور المعنى، ثم يستحضر اللفظ ثم يضعه، و لا ريب أنّه لا علاقة بين اللفظ و المعنى قبل الوضع، و لا ريب أنّ العلقة تحدث بينهما بعد الوضع، و من لوازمها بعد العلم بالوضع حضور صورة المعنى في ذهن السامع بمجرد سماع اللفظ، و هذه العلقة منتزعة عن إضافته له، فيقال: معنى لفظ (قام) مثلا، كذا.

ثم إنّ هذه العلقة هل هي من الأمور الانتزاعية التابعة لواقعها الذي هو منشأ انتزاعها لواقعها نظير الفوقية و التحتية، أو أنّها من الأمور الاعتبارية التي لا واقع لها بدون اعتبار المعتبر، احتمالان: أقربهما الأوّل، و يتفرع عليه أنّه على الثاني لا بد و ان تكون ملحوظة للواضع و مجعولة له مستقلة أو تبعا.

الرابعة: اعلم أن اللفظ الذي يضعه الواضع، هو طبيعي اللفظ لا شخصه سواء كان معناه خاصا أم عاما، فإنّ لفظ (زيد) مثلا يحكي عن طبيعة هذا

15

اللفظ من أي لافظ كان، و لا يمكن أن يكون شخص اللفظ الذي تلفظ به الواضع هو الموضوع لانعدامه بمجرد الانتهاء من تلفظه به، مضافا إلى أنّه يلزم أن تكون الاستعمالات كلها مجازات بلا حقيقة، و لا يلتزم به أحد، و توضيح الحال أن يقال: إنّ الوضع إنّما هو للصورة الذهنية من حيث حكايتها عن الخارج، لأنّ الآثار تتبع الخارج، و بعبارة ثانية: الآثار تتبع حقيقة الشي‏ء لا صورته، و لا مفهومه كما في حرارة النار و برودة الماء.

ثم إنّ الذي يلقى بالألفاظ في حال الاستعمال و يحكى بها هي الصورة التي تكون في ذهن المستعمل التي يكون إيجادها باللفظ سببا لحدوث مثلها في ذهن السامع، و يجمع هذه الصور جامع واحد و هو الحاكي عنها، و هي الحاكية عن الخارج، و لها لحاظان (آلي) و (استقلالي)، و لا يشترط مطابقة بعضها لبعض واقعا، لا خارجا و لا ذهنا بالضرورة، نعم لا بد من اعتقاد المطابقة، و من المعلوم أنّ العلم لا يسري إلى الخارجيات.

ثم اعلم أنّه لا يمكن الوضع للموجود الخارجي، لأنّ الاستعمال ليس فيه، و إنّما هو في صورته، و يدلك على ذلك أنّ الخارجي قد ينعدم، و مع ذلك لا يشك أحد في صحة الاستعمال، و يدلك على ذلك أيضا أنّ اللفظ قد يوضع للشي‏ء قبل وجوده، بل لأمر لا نتصور كيفية وجوده، كما هو الحال بالنسبة لذات الباري تعالى و للشريك، و إنّما نشير إليه بالخواص، فيكون الوضع للصور المشار إليها التي ندعي أنّ لها مطابقا تنطبق عليه.

أقسام الوضع‏

اعلم أنّ الوضع له تقسيمان: أحدهما باعتبار اللفظ، الآخر باعتبار المعنى، أمّا باعتبار اللفظ فإنّه ينقسم إلى شخصي و نوعي لا غير، و المراد بالشخصي‏

16

اللفظ الحاكي عن الألفاظ المتحدة معه في السنخ، كلفظ (زيد)، فإنّ اللفظ الذي ننطق به حين تسميتنا للمولود ب (زيد) ينعدم بعد الانتهاء من النطق به، و الألفاظ التي نعبر بها عن ذات زيد عند ما نخبر عنه أو نناديه أو نأمره بقولنا هذا هو زيد.، أو يا زيد، متحدة سنخا، و بهذا اللحاظ نسميه شخصيا.

و المراد بالنوعي، اللفظ الحاكي عن ألفاظ مختلفة السنخ، و لكنها متحدة بلحاظ آخر، يجمعها جامع واحد، كقولنا كل ما كان على وزن فاعل فهو اسم فاعل، و كل ما كان على وزن مفعول فهو اسم مفعول، فإنّ المراد به كل لفظ على هذا الوزن، سواء كانت مشتقة من مادة فعل أو ضرب أو أكل أو غيرها.

فأعلم أنّ الصور المتصورة للوضع في مرحلة الثبوت أربعة، و هي: الوضع العام و الموضوع له العام و المستعمل فيه عام، كأسماء الأجناس، و الوضع الخاص و الموضوع له الخاص و المستعمل فيه خاص كالأعلام الشخصية، و الوضع العام و الموضوع له خاص، و الوضع الخاص و الموضوع له عام.

إذا عرفت هذا، عرفت أنّ الصور المتصورة للوضع في مرحلة الثبوت أربعة، و لا ريب في إمكان الأوّلين و لا في وقوعهما، و أمّا الأخيران فقد قيل بإمكان الثالث، لأنّ العام يصلح عنوانا للخاص، و وجها يشار به إليه في الجملة، و قد ادعي وقوعه و مثّلوا له بالحروف، و أسماء الإشارة و الضمائر، و ممن ادعاه صاحب المعالم في مبحث العام و الخاص، و أمّا الرابع: فالتحقيق أنّه غير ممكن لأنّ الخاص لا يصلح وجها للعام، بل إمّا أن لا نتصوره أصلا فيكون مجهولا، و لا يصلح الوضع للمجهول، و إمّا أن نتصوره و حينئذ يكون من الوضع العام و الموضوع له العام.

17

و قد اتضح من هذا أنّ مراتب الوضع ثلاثة، مرحلة الثبوت، و الإمكان، و الوقوع.

و ادعى المحقق صاحب الكفاية، عدم وقوع الثالث، و إن كان ممكنا، و قال:

إنّ الوضع و الموضوع له، بل و المستعمل فيه عام في جميع الحروف، و ما الحق بها، كالضمائر و أسماء الإشارة، و وافقه الشيخ عبد الكريم في الدرر.

و يمكن تقريب مذهب المشهور في المعنى الحرفي و ما ألحق به بأمور:

أولها: أنّ معنى الحروف ربطي، و مثله لا يصدق على كثيرين بالضرورة، لاستدعاء الربط تصوره أو تحققه بين طرفين.

و فيه: أنّ كلي الربط، لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين بخلاف الربط الخاص، و الربط الخاص المتحقق خارجا، مصداق من مصاديق كلي الربط، و هذا الاستدلال مبني على الخلط بين المصداق و المفهوم.

ثانيها: أنّ معنى الحرف معنى قائم في غيره، فهو نظير العرض بالنسبة لمحله، و يظهر ما فيه مما قدمناه آنفا.

ثالثها: أنّ (من) مثلا حرف معناه كلي الابتداء، و أنّها موضوعة لخصوصيات الابتداء، و أنّها تستعمل في مصاديقه و أفراده استعمالا حقيقيا، و مثلها سائر الحروف، و أسماء الإشارة، و الضمائر، فعند ما يقول القائل: سرت من البصرة يقصد الابتداء المتشخص، و لا ريب أنّ هذا الاستعمال حقيقي لا مجازي، و لو كان الموضوع له و المستعمل فيه عاما لاستعمل فيه و لو مرّة، و لو كان حقيقة فيه دون الموارد الخاصة للزم كونه مستعملا في الموارد الخاصة مجازا، و لا يلتزم به أحد.

و يمكن تقريب ما ادعاه في الكفاية بما قرّبه به و هو:

18

أنّ هذه الخصوصية المدعاة، إن كانت هي الخصوصية الخارجية ففيه أنّ المستعمل فيه فيها قد لا يكون خاصا خارجيا، كما في قولنا (سر من البصرة) أو (سأسير من البصرة) و الاعتذار بأنّه جزئي إضافي، لا يخرجه عن كونه كليا و ليس جزئيا خارجيا.

و حينئذ نقول أنّ استعمالها في الموارد الخصوصية الخارجية هو الذي أوجب دعوى كون الموضوع له فيها خاصا، و المستعمل فيه فيها خاصا، فلما ذا لا يكون استعمالها في غيرها كما في المثال المتقدم موجبا لدعوى كون الموضوع له فيها عاما و المستعمل فيه فيها عاما، و كون الأوّل أكثر وجودا بخلاف الثاني لا يوجب الجزم بكون الوضع له دونه.

هذا مضافا إلى أنّ الخصوصية الآتية من قبل الاستعمال لا يعقل كونها مأخوذة في الموضوع له و المستعمل فيه لترتبها على الوضع ترتب المعلول على العلّة.

و إن كان المراد بالخصوصية الخصوصية الذهنية، ففيه أنّ هذه الخصوصية تكون في رتبة متأخرة عن الوضع و الموضوع له، لأنّها من شئون الاستعمال، و الاستعمال في رتبة المعلول بالنسبة للوضع و الموضوع له، فلا يعقل أخذها جزءا أو قيدا في متعلق الوضع، للزوم كونها حينئذ في رتبة علة نفسها.

و يلزم أيضا أن يكون هذا اللحاظ ملحوظا حين الاستعمال لأنّه إن كان مأخوذا في الموضوع له وجب تصوره قبل الاستعمال كما هو الشأن في كل موارد الاستعمال بالنسبة للمستعمل فيه، و هو غير معقول لامتناع تعلق اللحاظ باللحاظ، و لأنّ اللحاظ من الأمور التي تنعدم بعد وجودها نظير سائر الصور التي تمر في الذهن، و أوضح من ذلك كلّه، أنّنا عند ما نستعمل الحروف و ما ألحق بها في مواردها لا نجد لذلك في أنفسنا عينا و لا أثرا.

19

و يلزم أيضا عدم القدرة على امتثال مثل (سر من البصرة) لعدم القدرة على إيجاد ابتداء سير منها مشتملا على الخصوصية الذهنية التي ادعي أنّها أخذت قيدا أو جزءا في معنى (من) كما هو واضح.

و قد ظهر من جميع ما قدمناه، أنّ المعنى الاسمي إخطاري بمعنى أنّه له دلالة تصورية تحصل منه عند السامع بمجرد سماع اللفظ الدال عليه سواء كان منفردا أو مركبا مع غيره، بخلاف معنى الحرف فإنّه لحاظي بمعنى أنّه لا يتصور له معنى إلا بلحاظه مع غيره، فلو نطق به الناطق منفردا لم يكن له معنى أصلا.

و ظهر أيضا، أنّ المعنى الاسمي له نحو تقرر، وجود قبل الاستعمال بخلاف المعنى الحرفي، فإنّ تقرره و وجوده باستعماله.

و ظهر أيضا، أنّ مفهوم الابتداء الذي وضع له الإسم يباين مفهوم الابتداء الذي وضع له الحرف، و من أجل ذلك لا يمكن استعمال أحدهما في مورد الآخر، لا حقيقة لأنّه لا يؤدي معناه، و لا مجازا لأنّه ليس بين معنيهما علاقة يصح معها استعماله فيه مجازا، خلافا لما ادعاه في الكفاية.

و ظهر أيضا أن الابتداء الاسمي يكون ملحوظا للمتكلم عند استعماله للفظ الابتداء في معناه. بخلاف الحرفي فانه يكون مغفولا عنه عند استعمال الحرف في معناه.

و أمّا ما ذكره في الكفاية بقوله: أن قلت على هذا لم يبقى فرق بين الأسماء و الحروف، و لزم كون مثل كلمة (من) و لفظ (الابتداء) مترادفين ... الخ، فإنّه يتضح إشكالا و جوابا بما قدمناه، كما يتضح ضياع المحشين و المعلقين على الكفاية في هذا المبحث في هذا المقام.

20

و يظهر لي بعد مزاولة هذا البحث في فترات الدرس و التدريس إمكان الجمع بين الأقوال و ذلك بأن يقال:

يمكن أن يحمل قول من يقول بأنّ الموضوع له في الحروف و ما ألحق بها خاص، و المستعمل فيه فيها خاص، ناشئ و ناظر إلى موارد الاستعمال لأنّها مما يمتنع فيها الصدق على كثيرين، فلا يمكن أن يكون عاما.

و يمكن أن يحمل قول من يقول بأنّه عام، و المستعمل فيه عام أنّه ناشئ و ناظر إلى استحالة أخذ خصوصيات الاستعمال التي هي متأخرة رتبة عن الموضوع له فيهما.

كل ذلك بعد اتفاق كلا الطرفين على أنّ معنى الحرف معنى ربطيّ، و أنّه لحاظيّ و أنّه قائم في غيره، و لكنهما غفلا عن أنّ المقصود بالربط كليّ الربط بين الابتداء و المبتدأ منه، و أنّ هذا المعنى موجود في جميع الحروف و ما ألحق بها، و أنّ هذا المعنى لا يظهر من لفظ (من)، و لا يتحقق خارجا إلا في مقام استعمالها، و أنّ جميع ما نحن فيه نظير الكلي الطبيعي و مصاديقه في التكوينيات، فمفهوم الإنسان هو الحيوان الناطق، و هو مفهوم عام لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين، و لكن تحققه خارجا و تشخصه لا ينفك عن الخصوصيات المميزة للفرد الذي وجد فيه عن سائر الأفراد، و قد غفلوا عن أنّ قولنا زيد إنسان نظير قولنا من للابتداء الربطي، و ان مفهوم الابتداء الربطي نظير مفهوم الإنسان، و ان (من) في قولنا سرت من البصرة، نظير ولادة زيد من بطن أمه، و ان هذه‏

الخصوصيات المفرّدة في (من) و في (زيد) لا توجب دخول خصوصياتها في مفهوم الإنسان، و لا في مفهوم الابتداء.

21

و غفلوا عن أن لفظ الابتداء موضوع للابتداء الإخطاري، المستعمل في الابتداء المتصور بنفسه، و ان مفهوم الابتداء اللحاظي الذي هو مفاد (من) موضوع للابتداء الربطي في غيره، و ان كلا من المفهومين يباين الآخر، و من أجل ذلك لا تكون (من) مرادفة للفظ الابتداء و لا يصح استعمال أحدهما في مكان الآخر، و من هذا يتضح أنّ قولنا في زيد الموجود خارجا هذا إنسان، نظير قولنا (من) في سرت من البصرة للابتداء، و أنّ هذا الحمل ليس حملا ذاتيا أوليا، كما هو الحال في قولنا الإنسان حيوان ناطق، بل هو نظير الحمل الشائع الصناعي في قولنا زيد إنسان و من للابتداء.

و ربما يكون هذا الحمل ضربا ثالثا من ضروب الحمل، و حينئذ يكون الحمل على ثلاثة أنواع:

الأوّل: الحمل الذاتي الأوّلي و هو حمل الحد على المحدود كقولنا الإنسان حيوان ناطق، فانهما أمر واحد ذهنا و خارجا، و لا يختلفان إلا بالإجمال و التفصيل.

الثاني: الحمل الشائع الصناعي كقولنا. زيد كاتب و خالد شاعر فانهما متحدان خارجا و مختلفان مفهوما.

الثالث: حمل الشي‏ء على نفسه كقولنا هذا زيد، و سعيد كرز، و لا ريب في عدم صحته إلا بالتأويل، و لذا أوّله النحاة و قالوا إنّ مرجعه إلى هذا: صاحب هذا الإسم.

(خاتمة)

قيل إنّ مبحث المعنى الحرفي لا ثمرة له، و لكن ربما تظهر الثمرة في باب الواجب المشروط بالنسبة لرجوع القيد فيه إلى الهيئة أو إلى المادة، و في جواز

22

التمسك بإطلاقه إذا كان الشرط راجعا إلى الهيئة، و عدم الجواز إذا كان راجعا إلى المادة، و يمكن أن تظهر الثمرة أيضا في باب مفهوم الشرط عند البحث في أنّ الذي ينتفي بانتفاء الشرط هو سنخ الحكم أو شخصه، و في التمسك فيه بالإطلاق لا ثبات كون الشرط على نحو العلة المنحصرة، و تحقيق كل من هذه الموارد سيجي‏ء في محله.

فائدة تتعلق باللفظ الموضوع و المعنى الموضوع له‏

اعلم إنّ الموضوع له و الموضوع هو سنخ صورة اللفظ لسنخ صورة المعنى، و أمّا إرادة الشخصي منها، فهي غير معقولة، لانعدامها، بل الشخص الواحد إذا استعمل لفظ (زيد) مرتين، كان كل لفظ صدر منه مغايرا لما قبله، و كل منهما ينعدم بمجرد وجوده، و هما معا متماثلان، و مثلهما ما يوجد بعدهما من سنخ هذا اللفظ، كما أنّ ما استعملت فيه هذه الألفاظ هي الصورة الجزئية الحاكية عن المعنى لا شخص المعنى، و كل صورة منها مغايرة للأخرى، لأنّها مصاديق لسنخ تلك الصور.

فالموضوع له إذا هو الصورة الذهنية، باعتبار حكايتها عن سائر الصور، و الملقى في مقام الاستعمال هو صور أخرى، بمعنى إحداث صورة في ذهن السامع مطابقة للصورة التي هي في ذهن المتكلم، من حيث الحكاية، لا من حيث الخصوصيات، فإنّها مثلها لا عينها.

و مما ذكرناه ظهر أنّ الاستعمال دائما يكون في المصاديق لا في المفاهيم.

انتهى‏

23

الأمر الثالث: صحة استعمال اللفظ في غير ما وضع له كالمجاز و غيره- هل هو بالوضع أو بالطبع؟

لا ريب في صحة إطلاق اللفظ و إرادة غير ما وضع له منه، كالمجازات و ما شاكلها و إنّما الخلاف في كون إطلاقها كذلك هل هو بالوضع أو بالطبع، قولان، أظهرهما أنّه بالطبع، و حكى الأستاذ الحكيم في تعليقته على الكفاية عن الجمهور أنّه موضوع بالوضع النوعي، و يمكن الاستدلال لكونه بالطبع بأمور:

[الاستدلال لكونه بالطبع‏]

أولها: الوجدان،

و يمكن تقريبه بأنّ الترخيص بذلك إن كان شخصيا لزم عدم صحة استعمال المجاز و الكنايات و الاستعارات المستحدثة، مع انه لا ريب في صحتها و استحسانها، و لا ريب أن أرباب الأدب إنّما يفضل بعضهم على بعض بقدر ما يبتكرون و يستحدثون من هذه الأمور المستحسنة عندهم و المستملحة لديهم.

و ان كان نوعيا لزم صحة استعمال المجازات بمجرد وجود نوع العلاقة بين المعنى الحقيقي و المجازي مع انه لا ريب في عدم الصحة في الموارد التي لا يستحسنها الطبع، أ لا ترى انه يصح بل يحسن أن يقول القائل: إنّي أراني أعصر خمرا، و يريد بالخمر العنب بعلاقة الأول، و لا يصح استعمال ما يؤول إليه الأكل فيما يؤول إليه مع وجود علاقة الأول فيهما على السواء، فلا يصح أن يقال لمن أكل اللحم و الخبز، رأيته يأكل الدم و العذرة، و ان كان ما يأكله يؤول إليهما.

ثانيها: عدم المقتضى للوضع،

بيان ذلك هو أن الغاية في مثل هذه الاستعمالات هو تفاهم الناس فيما بينهم بأساليب يفهمها بعضهم من بعض و هذه الغاية حاصلة بدون الوضع بالضرورة.

24

ثالثها: لا ريب في اشتراط التناسب في الجملة بين المعنى الحقيقي و المعنى المجازي الذي يريده المتكلم،

بل و غيره من المعاني الأخرى غير الحقيقية، و لا ريب أنّ التناسب بين المعاني أمر ذاتي و معه يكون الوضع لغوا، و لا ريب أن الواضع حكيم و ان الحكيم منزه عن العبث.

رابعها: لا ريب في اشتراط وجود القرينة في تلك الموارد

و معها لا مقتضي للوضع لكفايتها بأداء الغرض المطلوب.

و أمّا المشهور، فقد قيل إنّه لا دليل لهم إلا قياسه على الحقيقة، و فيه أنّه قياس باطل لعدم وجود الجهة المشتركة المصححة للقياس.

الأمر الرابع: في إطلاق اللفظ و إرادته:

لا ريب في صحة إطلاق اللفظ و إرادته منه، كقولنا ديز لفظ، و لا ريب أنّه بالطبع لا بالوضع، و إلا كانت المهملات موضوعة، كما في الكفاية، و في هذا التعليل نظر، لأنّ كونها غير موضوعة لغيرها لا ينافي كون غيرها موضوعا لها.

و قد وقع الكلام فيه فيما بينهم في أنّ هذا الإطلاق هل هو بنحو الاستعمال أو الإحضار و الإلقاء، و المراد بالاستعمال هو كون اللفظ الذي أطلقه اللافظ حاكيا عن لفظ آخر مقصود له، و المقصود بالإحضار هو كون اللفظ المقصود هو ذات اللفظ المحضر، و هو المحكوم عليه في القضية اللفظية.

و توضيح ذلك أن يقال: إنّ المقصود للمتكلم على ثلاثة أنحاء:

أحدها: أن يكون مفهوما كليا صالحا للانطباق على كثيرين، و قد عبّروا عنه بإطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو جنسه أو صنفه.

ثانيها: أن يكون فردا مماثلا لما تلفظ به، و قد عبّروا عنه بإطلاق اللفظ و إرادة مثله.

25

ثالثها: أن يكون شخص ما تلفظ به، و قد عبروا عنه بإطلاق اللفظ و إرادته.

و قالوا أو نسب إليهم: أن الأوّل يكون بنحو الاستعمال و الإلقاء، و الثاني يتعين كونه بنحو الاستعمال لا غير، و حكي عن بعضهم تعين كون الثالث بنحو الإلقاء، و ادعى آخر انه يمكن أن يكون بكل من النحوين.

و التحقيق أن الأوّل و الثاني لا يمكن أن يكونا إلا بنحو الاستعمال، و أمّا الثالث فانه يتعين كونه بدوا بنحو الإلقاء، و لكن مقتضى صناعة الحمل المتلقاة من كلمات علماء العربية كونه مثلهما، لكن بنتيجة التجوز و التأويل.

بيان ذلك كلّه: أمّا تعين الاستعمال بالنسبة لإطلاقه و إرادة مثله، فلان المثل جزئي و الجزئيات متباينة، و لا ريب أن المثلين جزئيان، و لا ريب انه يستحيل إحضار أحد المتباينين بإحضار مباينة لأنّ الإلقاء يستدعي العينية و المفروض أن المثلين متباينان.

و أمّا بالنسبة لإطلاقه و إرادة جنسه فلأنّ المقصود من قول القائل ضرب فعل ماضي، الذي يقصد به جنس ضرب، لا يمكن فيه الإلقاء، لان (ضرب) في قولنا ضرب فعل ماضي، مبتدأ، و المبتدأ لا يكون إلا اسما، و الإسم لا يكون مصداقا للفعل الماضي، فكيف يمكن إحضاره به، و لأجل ذلك يتعين كونه بنحو الاستعمال.

و مما ذكرناه يتضح أنّ ما حاوله المحقق صاحب الكفاية من إمكان إحضار (ضرب) التي هي فعل ماضي، و إحضار الطبيعة بها، و الحكم عليها بأنّه فعل ماضي، بعيد عن مذاق العرف العام الذي يطلق الألفاظ و يريد بها لفظا آخر.

26

و أمّا إطلاقه و إرادة شخصه، فعن الفصول منع الاستعمال، لأنّ شخص اللفظ إن كان دالا لزم اتحاد الدالّ و المدلول، و هو محال لكون الأوّل من صفات الألفاظ و الثاني من صفات المعاني، و للزم اجتماع اللحاظين الآلي و الاستقلالي، و لاختلافهما رتبة، فإنّ نسبة المدلول للدال نسبة العلّة للمعلول نظير الكاشف و المنكشف، فيلزم تقدم الشي‏ء على نفسه.

و إن لم يكن دالا لزم تركب القضية اللفظية من جزءين، محمول و نسبة فقط، لعدم وجود لفظ يحكي عن الموضوع في القضية اللفظية، فيلزم وجود نسبة بدون منتسبين، و ظاهر الكفاية إمكان الاستعمال فيه فإنّه سلّم الاتحاد الخارجي، و ادعى التغاير الاعتباري، فبما أنّه صادر دالّ، و بما أنّه مقصود مدلول.

و فيه: أنّ التغاير الاعتباري لو سلم فإنّما نسلمه في العرضيين، كما في باب مسألة اجتماع الأمر و النهي، و أمّا المترتبان ترتبا طوليا فلا، و إلا لأمكن ادعاءه في الدور، فيقال: إنّ الشي‏ء الواحد من حيث كونه مؤثرا يكون علّة، و من حيث كونه محلا للتأثر يكون معلولا، و هو كما ترى.

و ادعى أيضا كونها ثلاثية، لكون الموضوع في القضية اللفظية هو نفس اللفظ لا محكية، و بالجملة نحن نسلم وجوب تثليث الأجزاء في القضية إذا لم يكن المحكوم عليه محضرا بنفسه، و أمّا إذا كان محضرا فلا.

27

الأمر الخامس: في تبعية الدلالة للإرادة و عدمها:

اعلم أنّه ربما يعنونون هذا البحث تارة بتبعية الدلالة للإرادة و عدمها، و أخرى بان اللفظ هل هو موضوع للمعنى بما هو أو بما هو مراد، و يتضح ذلك كله في ضمن أمور:

الأوّل: الظاهر بل هو المحكي أنّ منشأ تحرير هذه المسألة و وقوع الخلاف فيها، هو قول الشيخ الرئيس و المحقق الطوسي بأنّ الدلالة تتبع الإرادة.

الثاني: الظاهر أنّ المقصود بالإرادة هو الإرادة الاستعمالية، أعني إرادة استعمال اللفظ في المعنى و إفنائه فيه، سواء كان حقيقة أو مجازا. خبرا أو إنشاء، و لا ريب في امتناع أخذ هذه الإرادة في الوضع و في الموضوع له، سواء أخذت بنحو الجزئية أو الشرطية، لكونها من الانقسامات اللاحقة لهما، المترتبة عليهما ترتب المعلول على العلّة، فكيف يعقل كونها جزءا منهما أو قيدا لهما و هما في رتبة علّتها.

هذا مضافا إلى أنّ أخذها في أحدهما يستلزم تعلق اللحاظ باللحاظ و امتناعه ضروري، مضافا إلى استلزامه كون المحمول و الموضوع في القضايا الحملية بل و غيرها مجردا عنها، كما هو المشاهد المحسوس، و لازم ذلك كون الاستعمالات كلها مجازية لأنّ ألفاظها بناء على ذلك تكون مستعملة في جزء الموضوع له، هذا مضافا إلى استلزام ذلك كون ما استعمل فيه اللفظ ليس مصداقا لما وضع له، و كل ذلك مخالف لضروري اللغة، و يدل عليه مضافا إلى ما قدمناه أنّ ذلك لا دليل عليه، بل و لا مقتضي له.

الثالث: أنّ الدلالة على نحوين:

28

أولهما: الدلالة التصورية، و هي دلالة اللفظ على معناه و إحضاره في ذهن السامع بمجرد سماعه.

ثانيهما: الدلالة التصديقية، و هي دلالة الكلام بعد انتهاء المتكلم منه على ما يريده منه.

إذا عرفت هذا فاعلم أن كلام العلمين ناظر للدلالة التصديقية، و هو كلام صحيح لا شك فيه و لا ريب يعتريه.

و يحتمل أن يكون كلام المانعين ناظرا إلى الإرادة الاستعمالية، و كلّ من هذين الأمرين متفق عليه، و بذلك يصبح هذا المبحث غير مستحق للتدوين.

29

الأمر السادس: في وضع المركبات:

لا ريب أنّ مواد المفردات موضوعة بالوضع الشخصي كالأعلام و أسماء الأجناس و مواد المشتقات، و لا ريب أن هيئاتها موضوعة بالوضع النوعي كالمشتقات الثمانية بل التسعة بناء على أنّ المصدر هيئة في مقابلها.

و لا ريب أيضا في دلالة الجملة بهيئتها التركيبية على أمر زائد على دلالة مدلول مفرداتها كالحصر المستفاد من إضافة المصدر و تقديم المسند إليه.

و كالتأكيد، و كالتحقير و التعظيم المستفاد من الإشارة بهذا أو بذلك و غيرها من الفوائد التي تستفاد من بعض التراكيب دون بعض.

و يمكن أن يقع الكلام في أنّ هذه الدلالة هل هي بالوضع أو بالطبع، و على تقدير كونها بالوضع فلا ريب انه نوعي لا شخصي، كما مرّ في باب استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و ربما كان الأمر هنا أوضح.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لا إشكال في وضع مواد المركبات أعني مفردات الجملة، و أمّا هيئاتها اعني نفس الجملة التركيبية فلا ريب في استفادة معنى منها زائدا عما يستفاد من مفرداتها، و إنّما الريب في أنّه دالّ على ذلك بالطبع أو انه ناشئ عن ثبوت وضعين للمركب، وضع بمادته و وضع بهيئته؟

و التحقيق: كما عليه جماعة هو العدم.

و قرّبه سيدنا الأستاذ مدّ ظله في حقائق الأصول بوجهين: أحدهما: لزوم العبث بالوضع إن كان بلا مقتض، و بلزوم تحصيل الحاصل ان كان بقصد التوصل إلى التفهيم لحصوله بالوضع الأوّل.

30

و ثانيهما: لزوم الدلالة على المعنى مرتين، مرة بملاحظة وضع المواد و الهيئات في المفردات، و مرة بملاحظة وضع المركب بما هو مركب، مع أننا لا نرى بالوجدان إلا دلالة واحدة.

ثم ناقش بأنّ حكومة الوجدان بوحدة الدلالة لا تمنع من ثبوت وضعين لإمكان كونه من قبيل اجتماع علتين على معلول واحد، و يكون الأثر حينئذ مستندا إلى أسبق العلل، أو إلى الجامع بينهما، و بالجملة العمدة في إثبات عدم الوضع للمركبات هو أنّه لا دليل عليه.

إذا عرفت هذا كله فاعلم: أن كلمات الأعلام المتعلقة بهذا المبحث غير واضحة.

فالمحقق صاحب الكفاية كأنّه جرى فيه على ما ذكرناه، و لكن في تقرير الفاضل الآملي لدرس المحقق المعاصر الآقا ضياء عن بعض الأعاظم دعوى وضع الجمل الاسمية، و التشكيك في وضع الجمل الفعلية، و في تقريرات الخوئي لدرس شيخ مشايخنا المعاصر المحقق النائيني (ره): أنّ المراد من وضع المركبات هو وضع الهيئات التركيبية الاسمية في الكلام العربي كزيد قائم، فقد جرى النزاع فيها في أنّ الموضوع للربط الكلامي هل هو الإعراب كما ذهب إليه بعض، أو الضمير المقدّر أي لفظ (هو) كما اختاره جماعة من أهل الميزان، و أمّا الجمل الأخرى كضرب زيد، و كان زيد قائما، فالربط المستفاد منها إنّما هو مستفاد من هيئة الفعل الماضي، أو لفظ (كان).

و فيه: أنّ علامات الإعراب مشتركة، و أنّ الضمير موضوع لمفهوم اسمي استقلالي فلا يكون مفيدا للمعنى الربطي الموجود في الجمل، الذي هو معنى حرفي آليّ.

31

و أمّا ما يتوهم من أنّ المراد من وضع المركب وضعه بما هو مركب فليس له محصل معقول.

ثم إنّ الخوئي ذكر في تقريراته أمورا في هذا الموضع لم نعرف لها محصلا (انتهى).

32

الأمر السابع: علامات الحقيقة

اعلم إنّنا إنما نحتاج إلى هذه العلامات عند الجهل بمعنى اللفظ الحقيقي جهلا مطلقا، أو عند الشك في كون المعنى الذي استعمل فيه اللفظ حقيقيا أو مجازيا، و أما إذا علمنا ذلك بواسطة إعلام الواضع لنا بما وضعه مشافهة أو نقل عنه بالتواتر أو بحجة شرعية، فإنّه لا يبقى حاجة لهذه العلامات.

العلامة الأولى: التبادر:

و هو عبارة عن فهم المعنى من اللفظ عند أهل المحاورة بلا قرينة، و بعد اطلاع السامع المستعلم على ذلك يقطع بكونه حقيقة فيه، و حجية هذه العلامة ليست ذاتية فهي متفرقة إلى الدليل، و هو إمّا القطع و إمّا استقرار طريقة العقلاء و تقرير الشارع.

و ربما يقال: بأنّه لا طريق لإحراز التقرير، و عدم الردع هنا ليس تقريرا، إذ لا صلاحية للشارع في ذلك فإنّه ليس من شئونه، و هذا الكلام مطرد في سائر العلامات الآتية فلا تغفل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ التبادر على نوعين، (حاقيّ) و هو ما استند إلى نفس اللفظ العاري عن القرينة، و إنّما سمي حاقيّا لاستناده إلى كونه حقيقة فيه، و (إطلاقيّ) و هو ما يستند إلى كثرة الإطلاق و الاستعمال بواسطة القرينة كالمجاز المشهور مثلا، فإنّ المعنى المجازي المشهور يفهم من اللفظ عند تجرده من القرائن الخاصة لكون الشهرة حينئذ قرينة عامة عليه، و لا يشترط في قرينة الشهرة الالتفات إليها تفصيلا بل يكفي الاعتماد عليها إجمالا و لو بمقتضى الارتكاز، و على هذا الغرار كل تبادر مسبب عن القرائن، لفظية كانت أم مقامية أم غيرها.

ثم أنّه ربما يقع الشك في كون التبادر حاقيّا أو إطلاقيا، و الظاهر عدم ثبوت علاميته حينئذ لانتفاء القطع، و لانتفاء بناء العقلاء، و التمسك بأصالة عدم‏

33

القرينة هنا لا مجال له لأنّ حجيتها الثابتة من بناء العقلاء عليها و تقرير الشارع إنّما هي في باب حجية الظواهر بعد إحراز الظهور في مقام نفي ما يزاحمه، و في مقام إثبات إرادة المتكلم ما يقتضيه لا في مقام تشخيص ما استند إليه الظهور، فهي حجة في مقام تشخيص المراد لا في مقام تشخيص الاستناد، و الفارق استقرار طريقة العقلاء، و عدم ردع الشارع في الأوّل دون الثاني.

و أما استصحاب عدم القرينة الشرعي فليس بحجة، لأنّ ما يراد إثباته به ليس حكما شرعيا و لا موضوعا لحكم شرعي، و هذا النوع يسمى باصطلاح الأصوليين بالأصل المثبت.

ثم انه قد نوقش في التبادر بلزوم الدور لتوقفه على العلم بالموضوع، و توقف العلم به عليه، أجيب عنه:

تارة: باختلاف العلمين بالإجمال و التفصيل، و توضيح ذلك: أنّ علم المستعلم تفصيلا إذا كان غير عربي مثلا بكون اللفظ العربي الكذائي حقيقة فيما استعمل فيه إنما يحصل بعد تبادر ذلك المعنى من اللفظ عند العربي المستعلم منه الذي استعمل ذلك اللفظ و فهم منه ذلك المعنى بمقتضى معلوماته الارتكازية الوراثية الإجمالية، و بهذا يرتفع الدور لأنّ‏

العلم المتوقف (بكسر القاف) تفصيلي و العلم المتوقف (بفتح القاف) إجمالي.

و أخرى باختلاف العالمين لأنّ التبادر علامة عند المستعلم، فعلمه متوقف على التبادر، و أمّا المستعلم منه فإنّ علمه ليس موقوفا على التبادر المذكور و حينئذ فلا دور.

34

و مبنى هذين الجوابين هو أنّ شرط الدور وحدة الموقوف و الموقوف عليه شخصيا، و أمّا الوحدة النوعية و الصنفية فلا، و العلم في المقام و إن كان متحدا صنفا أو نوعا إلا أنّه مختلف شخصا.

العلامة الثانية و الثالثة: صحة الحمل و عدم صحة السلب،

كما أنّ عدم صحة الحمل، و صحة السلب علامة المجاز.

و قد نوقش فيهما بما مرّ في التبادر و الجواب الجواب.

أقسام الحمل:

ثم أنّهم ذكروا للحمل معنيين:

أحدهما: الحمل الذاتي الأوّلي،

كحمل الحد التام على المحدود، و في قولنا الإنسان حيوان ناطق، و ملاكه اتحادهما حقيقة و خارجا، و اختلافهما مفهوما.

ثانيهما: الحمل الشائع الصناعي،

كحمل الكلي على جزئيه، كقولنا زيد قائم و زيد إنسان، و لا فرق في الكلي المحمول هنا على جزئيه بين كونه ذاتيا كالجنس و الفصل أو عرضيا كالعرض العام و العرض الخاص، و ملاكه اتحاد المحمول و المحمول عليه من جهة و اختلافهما من جهة، فزيد هو القائم خارجا، و القائم خارجا هو زيد، و مفهوم زيد غير مفهوم قائم كما هو واضح، و إنّما اشترطنا ذلك في هذا النوع من الحمل ضرورة عدم جواز حمل المباين على مباينة، و لا حمل الشي‏ء على نفسه، لأنّ الحمل ضرب من الإضافة و النسبة الموجبة لنوع من الهوهوية و التعدد، و كل ذلك غير معقول بالنسبة للمتباينين و المتساويين.

ثم انه ينبغي أن يسمى حمل المرادف على مرادفه في موارد حمله كقولنا الإنسان بشر، حملا هو هويا لأنّه هو هو واقعا، و إنّما يختلفان بالتأويل.

35

ثم أن وجه التسمية في الأوّل ذاتيا هو كون المحمول فيه ذات المحمول عليه، و أوّليا بسبب السبق في الوجود، و أمّا تسمية الثاني بالشائع الصناعي فلشيوعه و لموافقته للصناعة العلمية، فإنّه يشترط في المحمول و المحمول عليه التغاير مفهوما و الاتحاد خارجا كما عرفته آنفا.

تنبيه: اعلم أنّ ما يحكى عن السكاكي من إنكار المجاز في الكلمة الذي لم نتحققه من محكي كلامه لا ينبغي أن يشار إليه فيما نحن فيه، فان صحة الحمل الادّعائي في باب المجاز لا ينافي صحة السلب الحقيقي، و الذي لاحظته من محكي كلامه أنّه لا يخالف المشهور في الواقع، و إنّما يخالفهم في التعاريف التي ذكروها في هذا الباب.

و سنتعرض لأقسام الحمل تفصيلا في مبحث المشتق في الأمر الرابع منه إن شاء اللّه تعالى.

العلامة الرابعة: الاطراد:

و حقيقته أنّ اطراد استعمال اللفظ في موارده الجزئية يكشف عن كونه حقيقة في القدر الجامع بينها، فاستعمال‏

لفظ رجل في الإنسان الذكر و لفظ (هذا) في المفرد المذكر يكشف عن وضعهما للقدر الجامع بين موارد الاستعمال، و ربما ينتقض باستعمال الماهيات في مصاديقها فانه مطرد مع أنّه ليس حقيقة قطعا و باطراد المجازات الشخصية، أمّا النوعية فإنّها لا تطرد.

و يمكن الذب عن الأوّل بأنّه يكشف عن وضعه للقدر الجامع و هو المطلوب، نعم لو كشف عن وضعه لها على نهج وضع رجل للمفرد المذكر كان نقضا، و أمّا المجازي فلا يمكن الذب عنه، و لما كان منتقضا باطراد المجاز الشخصي كان‏

36

لا بدّ من قيد الحقيقة في الحقيقي و المجاز في المجازي، و معه لا حاجة للعلامة، و بدونه لا ينفع الإطراد، و بما ذكرناه يظهر أنّه لا أهمية للدور و لا لدفعه.

(انتهى)

37

الأمر الثامن: في حكم تعارض الأحوال:

اعلم أنّ للفظ أحوالا خمسة و هي: التجوز و الاشتراك و التخصيص و النقل و الإضمار، و أنّه عند تعارض هذه الأحوال إمّا أن يكون المراد معلوما و الشك في كيفية إرادته، و إمّا أن لا يكون معلوما، بل يكون الكلام ظاهرا فيه و السامع يحتمل إرادة غير ذلك الظاهر، و إمّا أن لا يكون المراد معلوما و لا ظاهرا، فالأقسام ثلاثة:

أمّا الأوّل: فيؤخذ فيه بالمراد قطعا لفرض وجود العلم، و لا ثمرة للبحث عن كيفية الإرادة، و أنّها بأي نحو من الأنحاء كانت، فلو علم المراد من اللفظ و دار الأمر بين كون ذلك اللفظ مشتركا معنويا أو مشتركا لفظيا أو حقيقة و مجاز، فلا أثر لمعرفة ذلك.

و أمّا الثاني: فيؤخذ فيه بالظهور، و تنتفي المحتملات بالأصول العقلائية، و قد أوضحنا ذلك في حجية الظواهر من الجزء الثاني من هذا الكتاب، و هذا يكون غالبا في دوران الأمر بين الحقيقة و بين غيرها من التجوز و الحذف و الإضمار، و قد ذكر لكل منها مرجحات.

و أمّا الثالث: فإنّه يكون غالبا عند دوران الأمر بين التجوز و الإضمار و الحذف، و قد ذكر لكلّ منها غير واحد من المرجحات.

و التحقيق: أنّ كلّ مرجح ذكر من تلك المرجحات فهو أمر استحساني معارض بمثله، مضافا إلى أنه ظني و الظن ليس حجة.

فمن تلك المرجحات: أنّ الاشتراك اللفظي أولى من المجاز، لأنّ المجاز يفتقر إلى قرينتين، صارفة و معينة، و أمّا الاشتراك اللفظي فإنّه يفتقر إلى قرينة معينة فقط.

38

و منها: أنّ المجاز أولى لأنّه أكثر شيوعا في اللغة العربية من الحقيقة.

و منها: أنّ المجاز دائما يستعمل لعلاقة بين المعنيين، بخلاف الاشتراك فإنّه لا يحتاج إلى علاقة بين معنييه، كما في ألفاظ الأضداد كالقرء و الجون.

إلى آخر ما قيل أو يقال عند الدوران بين حالين من هذه الأحوال.

39

الأمر التاسع: في الحقيقة الشرعية.

و الكلام فيها في ثلاثة مواضع:

الموضع الأول: و فيه أمور نافعة.

الموضع الثاني: فيما يمكن الاستدلال به لثبوت الحقيقة الشرعية.

الموضع الثالث: في الثمرة.

الموضع الأوّل: و فيه أمور:

الأمر الأوّل: [فى أقسام الوضع‏]

قد عرفت في مبحث الوضع أنّ الوضع على قسمين، تعييني و تعيني، و أنّ التعييني أيضا ينقسم إلى قسمين، تعييني تصريحي، و تعييني استعمالي.

أمّا التعيّني: فهو عبارة عن استعمال اللفظ في غير معناه، حتى يشتهر و يهجر المعنى الأوّل و يصبح المتبادر منه بدون قرينة هو الثاني.

و أمّا التعييني التصريحي: فهو أن يضع الواضع اللفظ بإزاء المعنى مصرحا بذلك كأن يقول أحدنا سميت ولدي حسنا.

و أمّا التعييني الاستعمالي: فهو عبارة عن استعمال اللفظ في معنى لم يكن موضوعا له سابقا و يقصد بذلك حكاية هذا اللفظ عن ذلك المعنى، و يقصد أيضا إنشاء الوضع له بذلك، فيكون وضعا فعليا لا قوليا، و هذا بخلاف الاستعمال المجازي، فإنّ المجاز هو استعمال لفظ موضوع لمعنى في معنى آخر غير ما وضع له لعلاقة بينهما، و هذا النوع يحتاج- مضافا إلى وجود العلاقة بين المعنيين الحقيقي و المجازي- إلى قرينة صارفة و أخرى معينة.

و قد أورد على الوضع الاستعمالي:

40

تارة بأنّ مثل هذا الاستعمال ليس بحقيقيّ و لا مجازيّ، أمّا كونه ليس بحقيقي فلأنّ شرط الاستعمال الحقيقيّ سبق الوضع على الاستعمال، و هو هنا مفقود، و أما كونه ليس مجازيا فلأن شرط الاستعمال المجازي وجود العلاقة المصححة للاستعمال بين المعنى المجازي و المعنى الحقيقي، و ملاحظتها حال الاستعمال، و كل ذلك مفقود.

و الجواب: أنّا نسلم ذلك و نقول: أنّه لا محذور فيه بعد كونه مما يستحسنه الطبع.

و أخرى: بأنّ اللفظ في حال الوضع يكون ملحوظا باللحاظ الاستقلالي، و في حال الاستعمال يكون ملحوظا باللحاظ الآلي، فإذا كان واضعا و مستعملا في آن واحد يلزم اجتماع اللحاظين الآلي و الاستقلالي، و يلزم أيضا كون الاستعمال في عرض الوضع، مع أنّه متأخر عنه رتبة.

و الجواب: أنّ الاستعمال الحقيقي متأخر رتبة عن الوضع، و هذا لا ينافي وحدتهما زمانا.

الأمر الثاني: لا ينبغي الريب في أنّ الكلام إنّما هو بالنسبة للمخترعات الشرعية كالصلاة، دون المقررات.

و لكن عن الباقلاني أنّها كلها مقررة لكونها موجودة في الشرائع السابقة، و استدل له بقوله تعالى‏ (وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا) و بقوله تعالى‏ (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً).

و فيه: أنّا نقطع بالمغايرة، و يشهد له قوله تعالى‏ (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)، فإنّ الصوم بهذا المعنى غير الصوم بالمعنى الشرعي. و بالجملة خلاف الباقلاني من قبيل الاجتهاد في الضروريات.

41

و دعوى أنّ المغايرة بينهما فيما لا يوجب المغايرة بالكنه و الحقيقة، فيكون ما اعتبره الشارع زائدا من قبيل جزء الفرد و شرطه، لا من قبيل جزء الماهية و شرطها، ممنوع أشد المنع، و الشواهد عليه كثيرة.

الأمر الثالث: الأقوال في المسألة أربعة،

بل خمسة: قول بثبوت الحقيقة الشرعية مطلقا، و قول بعدم ثبوتها مطلقا، و قال ثالث بالثبوت في زمن الهجرة و بالعدم قبلها، و قال رابع بالثبوت في العبادات دون المعاملات، و قال قوم بثبوتها في عصر التابعين دون عصره (ص).

الموضع الثاني: يمكن الاستدلال لثبوت الحقيقة الشرعية بأمور:

الأوّل: أنّها موضوعة بالوضع التعييني الاستعمالي.

و نوقش فيه (تارة): بأنّ الاستعمال متأخر رتبة طبعا عن الوضع تأخر المعلول عن العلة، و معه يمتنع حصولهما دفعة واحدة. و فيه: أنّه مسلّم و لكن التأخر الرتبي حاصل، نعم وجودهما الخارجي مقترن زمانا كاقتران العلّة و المعلول، كما هو الحال بالنسبة للنار و الإحراق، و التأخر الرتبي لا يتنافى مع تحققهما دفعة واحدة من حيث الزمان.

و (أخرى) بأنّ هذا الاستعمال ليس حقيقة و لا مجازا، أمّا كونه ليس مجازا فلأنّ قوام المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، و هذا ليس منه، و أمّا كونه ليس حقيقة فلأنّ قوام الحقيقة هو استعمال اللفظ في معناه بعد سبق وضعه له، و ما نحن فيه ليس كذلك، و يتفرع على هذا إمّا عدم صحة هذا النوع، و إمّا كونه ليس بحقيقة و لا مجاز.

42

و الجواب: أنّه لا مانع من صحة هذا الاستعمال بعد استحسان الطبع له، و قد تقدم نظيره في إطلاق اللفظ و إرادته، و أمّا كونه ليس بحقيقة و لا مجاز فلنا أن ندعي أنّه مسلّم و أنّه قسم ثالث من أقسام الاستعمال، و لا ضير فيه.

و التحقيق: أنّ هذا الاستدلال إنّما يثبت إمكان الوضع التعيينيّ الاستعمالي، و أمّا وقوعه من النبي (ص) فلا، و من أجل ذلك فهو يفتقر إلى الدليل.

الثاني: عدم صحة استعمال الألفاظ الموضوعة لغيرها فيها مجازا،

و ذلك لانتفاء العلاقة المصححة بين الصلاة بمعنى الدعاء و الصلاة الشرعية.

إن قلت: يمكن الاستعمال مجازا بعلاقة الجزء و الكل.

قلت: كلا، لأنّ استعمالها كذلك إنّما يصح إذا كان الجزء مقوما للكل كالرقبة بالنسبة للإنسان، و ما نحن فيه ليس كذلك، لأنّ الدعاء ليس مقوما للصلاة الشرعية.

و يمكن أن يقال: إنّ العلاقة ليست منحصرة فيما ذكر، بل يمكن استعمالها فيها بعلاقة المشابهة من حيث ترتب الأثر، فإنّ التوجه إلى اللّه و الانقطاع إليه و القرب منه كما يحصل بالصلاة يحصل بالدعاء، و أي علاقة مصححة أفضل من هذه العلاقة.

ثم إنّ ما ذكر لا يستلزم ثبوت الوضع الشرعي، لاحتمال وجود علاقة مصححة عندهم لا نعرفها نحن، و عدم وجداننا لا يدل على عدم الوجود.

الثالث: التبادر،

فإنّ الصلاة إذا أطلقت لا يفهم منها أحد إلا الصلاة الشرعية.

43

و فيه: أنّ ذلك مسلّم في زماننا، و هو يثبت كونها حقيقة فيها في هذا الزمان، و هذا مما لا خلاف فيه، و أمّا دعوى كونها حقيقة في زمن الشارع فهي مفتقرة إلى إثبات التبادر في زمانه (ص)، و أنّى لنا بذلك.

إن قلت: يمكن إثباته بالاستصحاب القهقري، أو بأصالة عدم النقل.

قلت: كلاهما لا أصل له، لعدم انطباق الاستصحاب الشرعي الثابت شرعا على شي‏ء منهما، و لعدم قيام دليل خاص على كل منهما.

و قد تحصّل من جميع ما ذكرناه، أنّه لا دليل على ثبوت الحقيقة الشرعية.

الموضع الثالث: في الثمرة،

و هي على تقدير ثبوت الحقيقة الشرعية إنّما تظهر بالنسبة للأحاديث الواردة عن النبي (ص) دون ما عداها، للقطع بكونها كانت حقيقة عند المتشرعة بعده (ص)، فإنّها إن صدرت من النبي (ص) قبل الوضع تحمل على المعاني اللغوية و أن صدرت منه (ص) بعد الوضع تحمل على المعاني الشرعية لظهورها حينئذ فيها، هذا إذا علم تاريخهما.

أمّا إذا علم تاريخ أحدهما و جهل تاريخ الآخر، كما لو علم تاريخ الوضع و جهل تاريخ صدور الحديث، فيمكن أن يقال: بأنّ مقتضى أصالة تأخر الحادث المنتزع عن استصحاب عدم الاستعمال يثبت تأخر الاستعمال عن الوضع.

و لو علم تاريخ الاستعمال و جهل تاريخ الوضع، كان مقتضى أصالة تأخر الحادث المنتزع عن استصحاب عدم الوضع إلى حين الشك هو تأخر الوضع.

و فيه: أنّه إن أريد به الاستصحاب الشرعي كان من أوضح الأصول المثبتة، لأنّ الأثر لا يترتب عليه إلا بعد أكثر من واسطة، و إن أريد به غيره فهو من الظن الذي لم يقم دليل على حجيته.

44

و أمّا إذا جهل التاريخان فأصالة عدم أحدهما معارضة بأصالة عدم الآخر، هذا مضافا إلى إمكان دعوى عدم جريان هذا الأصل من رأس لعدم إحراز اتصال اليقين بالشك، للقطع بانقطاع أحدهما. و الحمد للّه رب العالمين (انتهى).

45

الأمر العاشر في الصحيح و الأعم:

الكلام في الصحيح و الأعم يقع تارة في العبادات و أخرى في المعاملات، فهنا مقامان:

المقام الأوّل: في العبادات و البحث فيه في ثلاثة مواضع.

الموضع الأوّل: في بيان عدة أمور سيالة يتوقف عليها توضيح المقام.

الموضع الثاني: في الأقوال و في تحقيق الحق منها.

الموضع الثالث: في ثمرة النزاع.

أمّا الموضع الأوّل ففيه أمور ستة.

الأمر الأوّل: في بيان ما له دخل في الماهية و بيان ما له دخل في الفرد.

و سبب الحاجة إليه هو التمييز بين ما يكون نقصه موجبا لاختلال المسمى و بين ما ليس كذلك.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما يلحظ جزءا أو شرطا أو مانعا في شي‏ء فلا محيص عن اختلال ذلك الشي‏ء بفقده، و هذا بالنسبة للماهيات الحقيقية واضح، و أما بالنسبة للماهيات الاعتبارية فليس كذلك، فقد يدل الدليل على خلافه، فان كثيرا من الأجزاء و الشرائط و الموانع لا تختل الصلاة بتركها سهوا أو جهلا أو اضطرارا.

ثم إن اخذ الجزء أو الشرط فيها على أربعة أنحاء:

النحو الأول: أن يكون جزءا مقوّما للماهية في جميع الحالات كأركان الصلاة، فيكون نظير الجنس و الفصل بالنسبة للماهيات الحقيقية.

46

النحو الثاني: أن يكون شرطا لهما مقارنا أو متقدما أو متأخرا، كالطهارة و كالاستقبال بالنسبة للصلاة، و كغسل المستحاضة لصومها قبل الفجر و بعد الغروب عند بعضهم.

النحو الثالث: أن يكون وجوده موجبا لتعنون المأمور به بعنوان حسن أو أحسن كقراءة بعض السور في الصلاة، أو يكون حالة له كالصلاة في المسجد، أو في حال مزاحمة الأخبثين.

النحو الرابع: أن يكون المأمور به ظرفا لأمر آخر، و له أربع صور، فانه قد يكون مستحبا في واجب، أو مستحبا في مستحب، كالقنوت في الفريضة و في النافلة، و قد يكون واجبا في واجب أو في مستحب، كالقنوت المنذور فعله في أثناء الفريضة أو في أثناء النافلة.

الأمر الثاني: في بيان المعنى المقصود من الصحة و الفساد هنا،

و يتوقف توضيح ذلك على أمور:

أولها: أن الصحيح يطلق على ما يقابل المعيب تارة، و على ما يقابل الفاسد أخرى.

ثانيها: أن الطبيعة لا تتصف بالصحة و لا بالفساد، و إنما تتصف بالوجود و العدم، و الذي يتصف بهما إنما هو الفرد بعد وجوده و انطباق الماهية عليه.

ثالثها: أن الصحة و الفساد من الأمور المتقابلة، و أن تقابلهما من باب تقابل العدم و الملكة، لا التضاد و لا الإيجاب و السلب، فصلاة المسافر مثلا صحيحة بالنسبة له و فاسدة بالنسبة للحاضر، و بالعكس.

رابعها: أن منشأ الفساد في العبادة بل و غيرها إما نقصان جزء و إما نقصان شرط، و إما اقترانها بالمانع، و نظيرها غيرها من سائر المركبات.

47

إذا عرفت هذا فاعلم‏ إنه ربما يتوهم إن الصحة ذات معان متعددة، لأنها بنظر الفقيه إسقاط القضاء، و بنظر المتكلم موافقة الشريعة، و بنظر الطبيب اعتدال الطبائع، و بنظر النحوي أو الصرفي أو اللغوي أو غيرهم أمور أخرى، و التحقيق إن معناها عند الجميع واحد و لا يبعد إن يكون هو التمامية، و أما ما ذكر لها من المعاني فهو من قبيل لوازمها، و حينئذ يكون كل واحد من أرباب العلوم قد عرّفها باللازم الذي يهمه، و يحتمل أن يكون المقصود بالصحيح ما يترتب عليه الأثر المطلوب منه، و بالفاسد عدمه.

و اعلم أيضا أنه لا يمكن أن يراد من الصحة في المقام موافقة الأمر و لا إسقاط القضاء، لكونهما من الانقسامات اللاحقة للأمر و للمأمور به العارض على وجود فرد من أفراد الطبيعة بعد فرض تحقق الأمر و المأمور به.

و ربما يقال إن الصحة تدور وجودا و عدما مدار وجود الأجزاء فقط دون الشرائط، لأن الشروط ليست مقومة للماهية، و إنما هي أمور خارجة عنها، لازمة لها بعد فرض وجودها.

و فيه: أن الشروط بالنسبة للماهيات الاعتبارية شطور في نظر العقل، و الشطور شروط، و بالجملة لا ريب إن الصحة بالمعنى المذكور هي من الانقسامات المترتبة، فلا يعقل أخذها في المأمور به، و حينئذ يسقط بحث الصحيح و الأعم من أصله.

و التحقيق: هو أن الصحة المأخوذة في الموضوع له، و المأمور به هي الصحة بوجودها التصوري، و هي في رتبة الموضوع له بلا ريب، و أما الصحة التي يتصف بها الفرد بعد وجوده فهي الصحة الواقعية لا التصورية، و بذلك يختلف‏

48

الموقوف و الموقوف عليه، و بالجملة الصحة نظير العلة الغائيّة، فإنها علة بوجودها التصوري، و معلولة بوجودها الخارجي.

الأمر الثالث: لا ريب في تفرع هذا البحث على ثبوت الحقيقة الشرعية،

و ذلك واضح فانه يقال حينئذ: هل وضع الشارع لفظ الصلاة التي هي من الماهيات المخترعة للصلاة الجامعة لجميع الأجزاء و الشرائط و الفاقدة لجميع الموانع، فتكون موضوعة للصحيح، أو انه وضعها لماهية مشتركة بين الجامع لها و الفاقد لبعضها، فتكون اسما للأعم.

و أما بناء على كونها ماهيات مخترعة، و على انه كان يستعمل الألفاظ اللغوية فيها مجازا فيمكن تصوير النزاع بان يقال: هل استعملها مجازا أولا في الصحيح لعلاقة بينه و بين المعنى اللغوي، ثم استعملها في الأعم، لعلاقة بينه و بين المجاز الأول، أو بالعكس، و ان رأيه استقر على انه إذا أطلقها و لم ينصب قرينة يريد المجاز الأول، و انه إذا أراد الثاني نصب قرينة عليه؟

و أما إذا استعملها في كل واحد منهما لعلاقة بينه و بين المعنى اللغوي فلا مجال لجريان النزاع.

و لا ريب إن ذلك إنما ينفع إذا ثبت كونها ماهيات مخترعة، و إذا ثبت أيضا إن رأيه استقر على استعمالها فيهما مجازا على نحو الطولية، و على إثبات إن رأيه استقر على إرادة المجاز الأول عند الإطلاق، و دون إثبات هذه المقدمات خرط القتاد.

و أما بناء على ما نسب إلى الباقلاني، من القول بأنها حقائق لغوية، و بأن زيادة بعض الأجزاء و الشرائط فيها لا يوجب تعدد الماهية، لأنه من مقومات الفرد لا من مقوماتها، و يشهد له ظواهر الآيات الكريمة كقوله تعالى‏ وَ أَوْصانِي‏

49

بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا، و قوله تعالى‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ و قوله تعالى‏ وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ.

فانه يمكن تصوير النزاع بان يقال: هل استقر رأي الشارع و طريقته على إرادة الجامع لجميع الأجزاء و الشرائط عند الإطلاق، و انه إذا أراد غيره نصب قرينة عليه، أو لا؟

و هذه الدعوى و ان كانت ممكنة، إلا إن إثبات استقرار طريقته على أحد الأمرين في غاية الإشكال.

الأمر الرابع: لا بد من كلا القولين من قدر جامع يجمع بين أصناف العبادة الواحدة،

و الوجه في ذلك أحد أمرين:

الأول: انه لولاه للزم تعدد الوضع، لتعدد أصناف كل واحدة من أصناف العبادات، و ذلك خلاف المقطوع به.

الثاني: أن أصناف كل عبادة تشترك في اثر واحد، و وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر، و لو لا وحدة المؤثر للزم صدور الواحد عن متعدد كما يقال، و لا ريب إن وحدة المعلول تستدعي وحدة العلة، لامتناع اجتماع العلل المتعددة على معلول واحد، و لا ريب أيضا في اشتراط وحدة السنخ بين العلة و المعلول.

إن قلت: إن هذا بالنسبة للتكوينيات مسلم عندهم، و أما بالنسبة للماهيات الاعتبارية فهو غير واضح.

قلت: هذا الإيراد وجيه و لكن الصناعة العلمية تستدعي المساواة بين الماهيات الحقيقية و الاعتبارية.

الأمر الخامس: في تصوير الجامع.

و قد ذكروا لذلك صورا كثيرة:

50

و التحقيق: انه يمكن تصويره على كلا القولين، و انه مع ذلك لا يجب معرفته بكنهه و حقيقته، بل يمكن إن يشار إليه بخواصه و لوازمه، فيشار للجامع بين أفراد الصلاة الصحيحة بأنها معراج و قربان مثلا، و يشار للجامع بين الأفراد الصحيحة و الأفراد الفاسدة معا بعنوان يجمع بينها، فيقال أن لفظ الصلاة موضوع لما يكون معراجا أو ما يشبهه في الشكل أو في احتوائه على كثير من أجزائه، و لكنه باطل لسبب ما.

و يمكن إن يقال: بأنه لا حاجة لتصوير الجامع، إما لعدم الحاجة إليه، و إما لامتناعه، و إذا امتنع الجامع للأفراد الصحيحة امتنع الجامع لها و للفاسدة بطريق أولى، أما عدم الحاجة إليه فلما تقدم من إمكان الاستغناء عنه بالإشارة إليه بخواصه و لوازمه، و أما امتناعه فلأن هذا الجامع إما ذاتي، و إما عرضي:

أما امتناع الجامع الذاتي بالنسبة للأفراد الصحيحة- و هو لا يكون إلا مركبا لتركّب الماهيات إما من الجنس و الفصل، و إما مما هو بمنزلتهما- فلأن العبادات و أوضحها الصلاة مركبة من عدة أمور ترجع إلى مقولات متباينة، و يمتنع انضواء المتباينات تحت جامع ذاتي قريب.

و أما امتناع الجامع العرضي للأفراد الصحيحة- و هو لا يكون إلا بسيطا فإنه لا يخلو إما أن يكون هو عنوان المطلوب، أو أمر آخر ملازم له واقع في مرتبته، و لكنه ليس مترتبا على الصلاة كترتب عنوان المطلوب، كالناهية عن الفحشاء، و المعراجية، و مسقطية القضاء و أمثالها- فلأنه يستلزم أمورا لا يمكن الالتزام بها:

أحدها: انه يلزم الترادف بين ما ذكر جامعا بسيطا و بين لفظ الصلاة، مع انه ليس كذلك بالضرورة.