التعارض

- السيد محمد كاظم اليزدي المزيد...
625 /
5

مقدمة التحقيق‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي ذي المنّ و الفضل بأن منّ علينا بنبي هو أفضل الأنبياء، و بأئمة هداة ميامين قد أورثوا علم الكتاب، و ما نزل به الروح الأمين على قلب جدّهم الرسول الصادق المصدق، فبثّوا علومهم بين الأنام، خصوصا بين شيعتهم الكرام، و كان من بياناتهم الموجبة لمزيد الفضل منّة علينا أن بيّنوا «علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع»، فلم يألوا جهدا في ذلك طيلة حياتهم و ما كتبه اللّه لهم من عمر، فكانوا (عليهم السلام) خير خلفاء لجدهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، في إفاضة العلوم على أصحابهم.

و لمّا كان من سنن اللّه عزّ و جلّ اختيارهم إليه دون بقائهم بين ظهراني الناس فقد أوجبوا على أصحابهم نشر تلك العلوم و إبلاغ من لم يصل إليهم بذلك، بل شجّعوا على التفقه في الدين و حثّوا شيعتهم على الاهتمام بذلك، فكانت غاية همّ أصحابهم أن يكتبوا حديثا ورد عنهم (عليه السلام)، أو يبيّنوا فقه حديث ورد عن جدهم (صلى اللّه عليه و آله)، و كل فقيه كان يوصي من بعده بذلك، حتى وصل إلينا ما صدر عنهم من علوم جليلة، قد تضوع عنها عطور الإلهام الإلهي.

و كان من بياناتهم لشيعتهم- أيدهم اللّه- التأكيد على متابعة الفقهاء و الأخذ عنهم فمنها قولهم في بعض أصحابهم «.. أمناء اللّه على حلاله و حرامه» (1) و من أقوالهم «.. و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم، و أنا حجة اللّه ..» (2)، و غيرهما من الآثار المعصوميّة المرشدة إلى هذا المعنى، و ممّن هو الفرد الأكمل في دائرة الفقاهة، بل إنسان عين الفقه على الإطلاق آية اللّه‏

____________

(1) وسائل الشيعة: 27/ الباب 11، حديث 14.

(2) الاحتجاج: 469، الغيبة: 176، وسائل الشيعة: 27/ الباب 11 من أبواب صفات القاضي، حديث 9.

6

العظمى فقيه طائفة الإماميّة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره)، فقد حاز من الفقه قصبه المعلّى و ارتقى من أثباج العلم أعلاها، فهو بحق المصداق الكامل لمن فرّع الفروع عن الأصول، و أرجع الصغريات إلى كبرياتها، و قد دأب على ذلك طيلة حياته.

و لم يفتأ مؤلّفا، محققا، للعلماء مربيا، و للفقهاء موجها و راعيا و حافظا، على رغم ما اشتملت عليه الفترة الزمنيّة التي عاشها ممّا يوجب اشتغال البال و تشتت الحال؛ من فتن و حروب داخليّة و خارجيّة، كآثار و مجترّات فتنة الزگرت و الشمرت، و ما جرّته مسألة المستبدّة و المشروطة، و تداعيات ثورة العشرين في العراق، و ما ترتب على الاحتلال البريطاني للعراق من ويلات على الشيعة عامّة؛ و على أهل العراق خاصة، و قد حاول بحنكته السياسيّة- قدر الجهد و الطاقة- تجنيب و إبعاد الحوزة العلميّة في النجف الأشرف عن كل ذلك، رغم دعمه الجلي للمقاتلين و المجاهدين المتوجهين لمقاتلة الإنجليز آنذاك، بل كان على رأس من أرسلهم لذلك ابنه السيد محمد (1)، و كان من خيرة أفاضل النجف الأشرف و علماءها، كل ذلك حفظا لكيان التشيع عن الضياع و التشتت، و توحيدا لصفّ المؤمنين في مقابلة العدوّ المشترك، و لذا فالتاريخ قد نقل لنا الكثير من رسائله لأطراف البلاد آنذاك من شيوخ العشائر و القبائل و العلماء و المشايخ و الوكلاء عنه في النواحي داخل العراق و خارجه يحثهم على الجهاد و الحركة ضد الاستعمار آنذاك‏ (2).

فكان بحقّ الفقيه في سياسته و السياسي في تدبيره لأمور الناس، كما كان على الصعيد الفقهي المبرّز بين أقرانه و معاصريه، بل قد اشتهر بذلك جدا حتى دان له‏

____________

(1) و قد قال في رسالته للمجاهدين بعد أن أرسل ابنه السيد محمد: فإنّه لمّا دهم الخطب و استفحل البلاء و أعضلت النازلات على ثغور الإسلام ... ألا و إني رغبة إلى اللّه جلّ شأنه و ابتغاء مرضاته و حرصا على الدفاع عن دينه الأقدس و ناموسه الأعظم قد قدّمت إليكم أعزّ ما عندي و أنفس ما لدي ولدي و فلذة كبدي السيد محمد سلّمه اللّه تعالى، آثرتكم به مع مسيس حاجتي له و شدّة عوزي إليه ...، النجف الأشرف و حركة الجهاد؛ كامل سلمان الجبوري: ص 100.

(2) راجع كتاب: النجف الأشرف و حركة الجهاد عام 1914 م؛ لكامل سلمان الجبوري- الطبعة الأولى سنة 1422 ه، مطبعة العارف/ لبنان.

7

بذلك القاصي و الداني، و دانت له المرجعيّة العامة للإمامية، و لم يكن في هذا المجال فقط، بل كان أصوليّا محققا من الطراز الأول في هذا الفن، و سيأتي ذكر هذا مفصلا.

مولده الميمون:

قال في الأعيان: «ولد مترجمنا في سنة 1247 ه في قرية من قرى مدينة يزد الإيرانيّة، و قيل تسمى «كسنو» نسبة إلى ابنة يزدجرد (1) فقد كان هذا اسمها، و ينتهي نسبه الشريف إلى إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى ابن الإمام الحسن السبط (عليه السلام)».

سيرة العلمي:

كان والده مزارعا في بلدته، و لذا فقد اشتغل لبرهة من الزمن مع والده‏ (2)، ثمّ توجه لطلب العلم، و قد كانت مدينة أصفهان حاضرة العلم آنذاك و مهوى أفئدة طلابه، فهاجر إليها- بعد أن أنهى المقدمات و سطوح الفقه و الأصول في يزد- و حضر عند علمائها كالعلّامتين الآيتين عمّي صاحب الروضات، كما حضر عند ابن صاحب هداية المسترشدين الشيخ محمد باقر، كما حضر عند غيرهم من أهل الفضل و العلم، و قد شهد له هؤلاء ببلوغه مرتبة الفقاهة و الاجتهاد .. و حينئذ تعلق قلبه بمرقد فيّاض العلوم أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه و على آله)، فشدّ الرحال إلى النجف الأشرف سنة 1281 ه، و هي السنة التي توفي فيها الشيخ المرتضى الأنصاري (قدس سره)، و لذا فيخطأ من يعده ممّن حضر دروس الشيخ (قدس سره)(3).

____________

(1) الظاهر أنّه اشتباه من صاحب الأعيان؛ و ذلك لأنّ ابنة يزدجرد اسمها كسنويه.

(2) إنّ هذا المعنى قد ذكره السيد الأمين في أعيانه، و ذكر أيضا أنّه طلب العلم على الكبر، و لكنّه ليس قولا معتمدا، بل القرائن لا تساعد عليه، و ذلك لما نقله السيد الأصبهاني في أحسن الوديعة من أنّه هاجر بعد بلوغه إلى أصبهان فسكن بها مدة من الزمان ..، ج 1 ص 165، و هذا يعني أنّه هاجر لطلب العلم مبكرا كما لا يخفى!.

(3) فيكون عمره حين وصوله إلى النجف الأشرف 34 سنة تقريبا، و هو سن مناسب لمثله من حيث أنّه قد وصلها مجازا بالاجتهاد من أساتذته في أصفهان، و عليه لا تصح كلمة صاحب‏

8

هذا و قد حضر في بحوث الفقه- في النجف الأشرف- عند الفقيه الشيخ مهدي ابن الشيخ علي نجل الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء، و هو المشار إليه من قبل الشيخ بعده في المرجعية، و المتوفى سنة 1289 ه، كما حضر على فقيه العراق الشيخ راضي النجفي و المتوفى سنة 1290 ه، و حضر عند المجدد السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي فقها و أصولا قبل خروجه إلى سامراء.

قال عنه في منار الهدى: سمعت من أستاذي الشيخ محمد تقي القمشئي الأصبهاني قال سمعت من جناب السيد يقول: راجعت و نظرت في الجواهر من أول الطهارة إلى آخر الديات سبع مرّات‏ (1).

«.. و كان (قدس سره) يدرّس الفقه في الغري السري بلسانه الطلق و يلقي المطالب الجليلة على طلاب مجلسه ببيانه الذلف، و كانت حوزته الباهرة في هذه الأواخر أجمع و أوسع و أنفع من أكثر فقهاء عصره و فضلاء مصره، و من غاية تسلطه في الفقه و مهارته العجيبة أنّه لا يتأمل في المسألة كثيرا بل يمشي سريعا يطوي مراحل الفقه بأهون ما يكون، و كان يستدل على المسألة الواحدة بنظائر كثيرة لها في الفقه .. (2)

و قد اتخذ له محلا خاصا للتدريس و هو مسجد الشيخ مرتضى الأنصاري، و هو نفس المكان الذي اتخذه لنفس الغاية بعده السيد عبد الهادي الشيرازي.

أخلاقه:

لقد كان السيد (قدس سره) على جانب عال من التواضع، بحيث أنّه كان يعد نفسه كأحد الجالسين معه، و لا يستشعر في نفسه كبرا أو أنفة عن البحث و التباحث في أي مسألة، و لو كان المسائل له أقل الطلبة، كما كان محبا للخير لأهل العلم خاصة و للناس عامّة، يبذل أقصى جهده لقضاء حوائج الناس و المرتادين مجلسه، كما كان يفرّ من‏

____________

- الأعيان من أنّه طلب العلم على الكبر، نعم قد وصل إلى النجف في هذه السن التي قد تورث الاشتباه بأنّه كان بداية طلبه للعلم.

(1) منار الهدى؛ الأعلمي: ص 150.

(2) المصدر السابق: ص 151.

9

الزعامة و الرئاسة بما عنده من قدرة نفسيّة عظيمة، حقّا .. لقد أدّب نفسه بآداب أجداده الطاهرين (عليهم السلام)، و كان يهتم جدا بمساعدة الفقراء و المحتاجين، قاضيا لحوائج المؤمنين، متفانيا في رد مظالمهم.

و قبل كل ذلك كان على جانب كبير من التقوى و الورع عن محارم اللّه، بل كان محاكيا المعصوم في فعله، ملتفتا حتى للنكات الدقيقة و الصغيرة في مقام العمل، مراعيا لها، سالكا جادّة الاحتياط، مصداق قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (1)، و فردا جليّا لقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (2)، و قد حصّل تلك الدرجات الموعودة له و لأمثاله من العلماء.

قالوا عنه:

قال عنه في أحسن الوديعة (3): ... العالم الفقيه و العارف الكامل الوجيه فخر الأعاظم و البحر المتلاطم السيد الأستاذ المولى العماد السيد محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي نسبا و اليزدي مولدا و منشأ و الأصبهاني تحصيلا و الغروي مسكنا و مدفنا ..

و قال عنه الأعلمي في مناره‏ (4): عالم فاضل جليل متبحر فقيه ...

و قال عنه السيد الأمين في أعيانه‏ (5)- بعد أن ذكر ولادته و مسقط رأسه-:

«.. ينتهي نسبه إلى ابراهيم الغمر بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، كان فقيها أصوليّا محققا مدققا انتهت إليه الرئاسة العلميّة و كان معوّل التقليد في المسائل الشرعيّة عليه، و قبض على زعامة عامّة الإماميّة و سوادهم و جبيت إليه الأموال الكثيرة ممّا يقل أن يتفق نظيره ..- ثمّ ذكر بداية طلبه و أساتذته و دروسه- إلى أن قال: و كان يصلي الجماعة في الصحن الشريف و يأتم به خلق كثير و تصدى إلى‏

____________

(1) العنكبوت: 69.

(2) المجادلة: 11.

(3) أحسن الوديعة: 1/ 165.

(4) منار الهدى: 150.

(5) أعيان الشيعة: 10/ 43 بتصرف.

10

التدريس و التأليف بعد وفاة أستاذه الميرزا الشيرازي في سامراء، و كان لغويا متقنا فصيحا قيما بالعربيّة و الفارسيّة ينظم و ينثر فيهما .. جيد النقد قوي التمييز».

و قال عنه في ريحانة الأدب‏ (1): «من فحول علماء الإماميّة المتبحرين في القرن الرابع عشر الهجري، العالم المتقي العامل المحقق المدقق جامع تمام العلوم الدينيّة الفروعيّة و الأصوليّة سيد علماء الأمّة حامل لواء الشريعة من مفاخر الشيعة رئيس مذهب الفرقة المحقة بالخصوص في الفقه الجعفري كان في نهاية التبحر كان له فكر عميق و نظر دقيق مرجع أغلب الشيعة علّامة زمانه و رأس فقهاء العصر كان درسه في حوزة النجف أنفع الحوزات العلميّة و مرجع استفادة أكابر الفحول و الأساتذة كان يبين المطالب العالية من الفقه ببيان سهل يتقبله سمع الحاضرين و من كثرة إحاطته كان يحل أغلب مشكلات ذلك العلم بتقريب قريب من فهم العامّة».

أعماله:

لقد كانت الحياة الاجتماعيّة في مدينة النجف الأشرف آنذاك دائرة مدار أمره و نهيه، منقادة لأمره، و كذلك كان قطب رحى الحوزة العلميّة بحثا و تدريسا و توجيها و تقليدا، فقد كان المرجع الأعلى فيها، خاصة بعد وفاة أستاذه الميرزا محمد حسن الشيرازي سنة 1320 ه في سامراء، و من أهم إنجازاته إدارته لتوجيه المجاهدين من أهل العلم و غيرهم في حربهم ضد الإنجليز في أثناء ثورة العشرين، و كانت فتاوى بقيّة العلماء و مراجع التقليد آنذاك كلها بتبع فتواه المشهورة بوجوب الجهاد (2)، بل يظهر من بعض مراسلاته معهم أنّه قد وضع لهم بعض الخطط العسكريّة سرّا، و التي نجحت إلى حدّ ما، و كان يعيل أهالي المجاهدين من أهل النجف و خارجها، و يقوم بأمورهم، فجزاه اللّه خيرا عن الإسلام و المسلمين.

و من إنجازاته الكبيرة المدرسة المعروفة باسمه في النجف الأشرف، و هي ماثلة

____________

(1) ريحانة الأدب ل ميرزا عباس قلي تبريزي.

(2) ذكرها الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في ضمن مذكراته؛ و الملحق بكتاب النجف الأشرف و حركة الجهاد: ص 386.

11

إلى حين كتابة هذه السطور، و تعتبر من أفضل المدارس من حيث الحجم و التصميم، فهي تشتمل في مجموعها على ثمانين غرفة في ضمن طابقين، بديعة في شكلها (1)، مكسوّة جدرانها بالحجر القاشي، شرع في بناءها سنة 1325 ه و انتهى منه سنة 1327 ه، عمّرها الوزير الكبير «آستان قلي البخاري» عامر مدرسة الآخوند الوسطى، كما وقف عليها بعض الموقوفات لمصرف الماء و الضياء لما أن فضلت بعض الأموال بعد إكمال بناءها، و كان تاريخ بناءها ما قاله الشيخ علي المازندراني‏ (2) مؤرخا:

أسسها بحر العلوم و التّقى‏ * * * محمد الكاظم من آل طبا

و «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ» أتى‏ * * * تأريخها إلا بحذف ما ابتدا

تاريخ بنائها 1325 ه (3).

كما أنّ هناك مدرسة أخرى تسمى مدرسة اليزدي الثانية؛ و هي في محلّة العمارة متّصلة من الغرب بمدرسة الخليلي الصغرى و من الجنوب بمدرسة الخليلي الكبرى، و كانت قبل تحويلها لمدرسة خانقاه- أي محل سكنى الزوار- بناه السيد للزائرين يوم لم تكن فنادق أو أماكن عامة تسع الوافدين، و لمّا رأى ابنه السيد أسد اللّه أنّ هذا الخان بعد ذلك أصبح عاطلا و لا فائدة فيه رجح في نظره أن يشيده مدرسة فعرض الأمر على السيد الحكيم آنذاك فوافقه و ساعده ببعض المبالغ لتكميل بنائها، فهي الآن على أرض مساحتها 600 متر مربع و عدد غرفها 51 غرفة، و قد شرع في بنائها سنة 1384 ه، و لها أوقاف تدرّ عليها، و تسمى باسم مدرسة الوقف أيضا (4).

____________

(1) منار الهدى: ص 152.

(2) من وجوه تلاميذه؛ و شريك الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في العمل بوصيّة السيد (قدس سره) مع أخيه الشيخ أحمد كاشف الغطاء.

(3) الظاهر أنّ التاريخ يتم بدون كملة «أتى»: فكلمة في 90- و كلمة بيوت 418- و كلمة أذن 751- و لفظ الجلالة 66؛ فيكون المجموع: 1325 ه و قد اشتبه من نقل هذا الشعر و كتب تحته التاريخ 1331 ه فإنّه لا وجه له و إن أضيفت كلمة أتى، ثمّ إنّ في بعض هذا الشعر المنقول اختلاف، فبعضهم نقله بإبدال كلمة «إلا» بكلمة «و لكن»، و يوجد تاريخ شعري آخر لبنائها و لكن أهملناه لركّته.

(4) موسوعة النجف الأشرف: 6/ 428، 438.

12

أقول: فهي لم تبن على عهد السيد اليزدي إلا أنّ أصل البناء و هو الخانقاه كان بأمره (قدس سره)، فهو كان أساس هذا العمل الصالح؛ فصح أن تنسب له، جزاه اللّه عن الإسلام و أهله أفضل الجزاء.

أولاده:

1- السيد محمد؛ و هو الذي قدّمنا ذكر والده له في رسالته للمجاهدين.

و من أولاد السيد محمد ابنه السيد رضا (راجع ترجمته في منار الهدى ص 85)، و قال عنه الشيخ كاشف الغطاء: «توفي نجل الأستاذ- أدام اللّه ظله- غروب يوم الجمعة 12 جمادى الأولى سنة 1334، في بلد الكاظمية و نقل إلى النجف» (1).

2- السيد على «راجع ترجمته في أحسن الوديعة 1/ 168» و منار الهدى ص 140».

3- السيد محمود و هذا في الرتبة الثانية بعد السيد محمد، و كان ممن اشترك مع المجاهدين في مقاومة الانگليز آنذاك، و توفي في بغداد بعد أخيه السيد محمد.

4- السيد أسد اللّه؛ و هذا أصغر أولاد السيد؛ و هو الباني للمدرسة الثانية- المسمّاة باسم أبيه- بعد وفاة أبيه.

5- السيّد حسن، و لم يصلنا عنه شي‏ء.

6- السيد أحمد؛ و هذان توفّيا في حياته قبل بقيّة أولاده و قبل الشروع في مجاهدة الإنجليز.

كما أنّه خلّف عدّة بنات أيضا.

بعض من أحواله:

ذكر الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي أنّ أباه العلامة الجليل الشيخ يوسف الفقيه بعد أن وصل إلى النجف الأشرف و حضر عند علماءها و كان ذاك بين 1318 ه و 1325 ه كان ممّا حضره من البحوث بحث السيد صاحب العروة، فاستجاز السيد،

____________

(1) النجف الأشرف و حركة الجهاد: 384. مذكرات الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.

13

فطلب منه البيّنة، إلا أنّ الشيخ أراد أن يكون ذلك بالامتحان مشافهة فامتحنه مرارا في مجالس متعددة، و لكنّه قال هذا لا يكفي بل ائتني ببعض ما كتبت، و كان قد كتب شرحا مفصلا على كتاب الطهارة من الشرائع فعرضه على السيد و بعد أيام أرجعه و قد كتب عليه: «لقد أجلت فيما ألّفه نور بصري بصري، و سرّحت فيما رصّفه جلاء نظري نظري، فوجدته بحمد اللّه روضة فضل بالأزهار مشحونة، بل عيبة علم و لا عيب سوى أنّها يتيمة، أدام اللّه معالي أبيها مكنونة، فلقد بذل جهده في العلوم، و وقع من منطوقها على المفهوم، و لا زال باذلا في العلوم مساعيه، واردا أصفى مناهله، و مرتقى لأسمى مراقيه بمحمد و آله (صلوات اللّه عليهم)» (1).

و ذكر شيخنا الأستاذ آية اللّه العظمى الشيخ الوحيد الخراساني‏ (2): «أنّ السيد اليزدي بحر من العلم عميق لا يدرك غوره، ثمّ نقل هذه الرؤية فقال: رأى السيد اليزدي في عالم الرؤيا أنّ كتابه العروة الوثقى يضرب بالجدار و يسمّر بمسامير، فاستيقظ منزعجا من تلك الرؤيا، فقصّ رؤياه على من هو متخصص في تفسير الرؤيا فقال له: سوف يكون كتابك العروة الوثقى متنا و يأتي العلماء بعدك و يعلّقون عليه» و كان كما قال هذا المفسّر تماما.

وفاته:

«.. في منتصف رجب 1337 ه، توعّك السيد و أصابته حمّى شديدة، و امتنع عن الخروج للصلاة و الدرس، و في اليوم الثالث من عروض الحمى عدناه عصرا، و كان لا يأذن بالعيادة إلا لقليل من الخواص، فخلى بنا في محله الخاص فكنت و أخي الشيخ المرحوم‏ (3) و السيد (قدس سره) و لا رابع معنا إلا اللّه جلّ شأنه، فقال: أجدني لا أسلم من هذا المرض، و إنّي راحل عن قريب، و تعلمون أنّ أولادي الذين كنت أعتمد عليهم و أثق بهم قد رحلوا أمامي، و لم يبق من ولدي من أعتمد عليه، و عليّ‏

____________

(1) حجر و طين: 4/ 43- 44.

(2) ذكر هذا في مجلس الدرس المؤرخ ب 21/ 3/ 1426 ه.

(3) هو آية اللّه العلّامة الجليل الشيخ أحمد كاشف الغطاء، و كان من مراجع التقليد آنذاك، بل قيل بأنّ السيد أرشد إليه في التقليد.

14

حقوق كثيرة و أموال في البيت و عند التجّار وافرة، و أريد أن أوصي إليكم لتفريغ ذمتي، و أداء واجباتي .. فلمّا ألقى علينا تلك الكلمات و نعى إلينا نفسه الشريفة، كأنّما أطبقت السماء علينا، و اسودّت الدنيا بأعيننا.

ثمّ أخذ (رضوان اللّه عليه) يشجعنا و يسلينا و يناشدنا حق الأستاذيّة، و أنّه لا يعتمد على غيرنا، فطلبنا منه أن يشرك معنا شخصا أو شخصين للمساعدة و رفع الهمّ و ظن السوء، فأشرك الحاج محمود و الشيخ علي المازندراني من وجوه تلاميذه، ثمّ ألقى إليّ المطاليب التي في نفسه، و أمرني بكتابة الوصيّة بخطي كي يوقع عليها، فكتبتها و جئت بها إليها صباحا، فأمرني بكتابة وصيته و تشتمل على ما في الأولى و على زيادات تجددت في نظره، فكتبتها بخطي و جئت بها إليه عصرا.

و كان قد اشتدّ به مرضه، فبعث الشيخ عبد الرحيم اليزدي خادمه الخاص، و جمع له جماعة من أعيان و تجّار النجف من العجم و العرب و جماعة من طلاب العلم الأفاضل و جملة من الأعيان فحضروا ليلا و أمرني فقرأت عليهم الوصيتين، و أمرهم أن يحرروا شهادتهم فيها و وقّع عليها بخطه و خاتمه ..

و في ليلة الثامن و العشرين من رجب مقارن طلوع الفجر، انتقل إلى رحمة اللّه، و كان من جملة وصاياه إعطاء الخبز للطلاب ثلاثة أشهر، و طبع تتمات العروة الوثقى و إن زاد المال يطبع السؤال و الجواب «الاستفتاءات»، و إعطاء العبادات و الحج المقيّدة في دفاتره .. (1)

انتقل إلى رحمة اللّه بعد أن بقي أياما في مقاساة ذلك المرض (ذات الجنب) بل قيل شورا و لم يخبر أحدا عنه حتى أقعده عن التدريس، و قد حضر تشييع جنازته العامة و الخاصة و زوّار أمير المؤمنين في المبعث النبوي، و خرج أهالى النجف قاطبة لتشييعه، و قد دفن في الإيوان الجبير من الصحن الغروي ممّا يلي مسجد عمران.

فرحمة اللّه عليه يوم ولد و يوم فارقت روحه الدنيا و يوم يبعث حيا.

____________

(1) صفحات من مذكرات للشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء؛ ضمن كتاب «النجف الأشرف و حركة الجهاد 1914 م»-: كامل سلمان الجبوري- ص 393- 394، و يجدر بالذكر أنّ البعض أرّخ وفاته بسنة 1338 ه و هو اشتباه.

15

براعته في علم الأصول:

شاع في الحوزات العلميّة إلى حدّ ما أنّ السيد اليزدي فقيه، و ليس ذو باع في علم الأصول، بل لا يبعد عدم كونه من أهل الفن فيه، و لو فتّشنا في هذه الشائعة لوجدنا أن لا منشأ لها إلا أنّ مترجمنا قد برع في علم الفقه و كتب فيه و درّسه كثيرا، و لم ينقل عنه مثل هذا في علم الأصول، و أنت ترى بأنّ هذا لا يعد سببا موجبا لما ذكر فضلا عن كونه مثبتا لذلك واقعا، أو لعلّه قد عدّ كذلك في مقابل من يصنّف من علماء الأصول و البارعين فيه كصاحب الكفاية الشيخ الآخوند الخراساني، و هذا كذلك ليس من الأسباب الموجبة لما اشتهر، إذ أنّه- على فرض صحته- مجرد تصنيف بملاك اعتباري، فهو محض اعتبار لا أساس له إلا الجهل بمقام بعض الأطراف غير المطلّع على واقعها العلمي، فثبوت صفة الفقاهة لا ينفي غيرها من الصفات الممكن تحققها في الشخص فيما لو لم يكن بين ذاتي الصفتين تناف، و كم عالم عاش مجهول القدر و لم قدره إلا بعد وفاته!؟.

و في الواقع إنّ هذا في حد ذاته مورد من موارد قولهم «ربّ مشهور لا أصل له»، إذ يكفينا دليلا على كذب هذه الشائعة، و مثبتا لعكسها و أنّه من أهل الفن في علم الأصول ما سطّرته أنامله الشريفة من تفريعات فقهيّة في كتابه القيم «العروة الوثقى»، فقد يظن البعض أنّ الكتاب الفقهي لا يعطي صورة إلا عن عنوانه المحض فقط، و هو اشتباه واضح، و احتمال موهوم، فإنّ الباحث المحقق بمجرد اطلاعه على كتاب ما في علم معين بإمكانه أن يشخص مدى قدرة الكاتب العلميّة، و مدى ترابط مبانيه و قوّة تماسكها، و ليس إلا بإرجاعها للمباني الأصوليّة التي بنيت عليها تلك المسألة، و أكبر شاهد على هذا المعنى الذي ذكرناه توجه العلماء و مراجع التقليد في زمانه و إلى زماننا هذا لهذا الكتاب، بالشرح و التعليق و البيان و التوضيح لما يكون به رسالة عمليّة موافقة لمبانيهم و آراءهم، في حين أنّه كان بمثابة الرسالة العمليّة لمقلديه ليس إلا.

و شاهد آخر نعطيه للقارئ الكريم عمّا نروم الوصول إليه ما خرج عن قلمه من الشرح و التعليق على كتاب المكاسب للشيخ المحقق الأعظم الشيخ المرتضى‏

16

الأنصاري- و قد طبع حديثا في ثلاثة مجلدات من تحقيق سماحة العلّامة صاحب الفضيلة الشيخ عباس آل سباع القطيفي حفظه اللّه- فقد ملئ هذا الكتاب تحقيقا و تدقيقا و تتبعا و بسطا، إذ يعد كتابا شارحا و جارحا للمطالب التي ضمّنها الشيخ الأعظم لكتابه المكاسب، مع اشتماله على الكثير من الآراء الأصوليّة.

و لقد تتبعت بنفسي مسألة «مقدمة الواجب» فيه فوجدت ما يزيد على خمسة عشر موردا، و كلها تحكي مبنى واحدا و قولا متناسبا، و ليس من مورد مخالف لآخر من الكتاب، و كذا تتبعت بعض كلامه في مسألة الاستصحاب و أنّه يجري مطلقا أو مختص بالشك في المانع، فوجدته في عدّة موارد قد بنى كلامه على قول واحد فيها إلا و هو القول بحجيته مطلقا، فهو بالإضافة إلى دقّته الأصوليّة و قوّته العلميّة، تجد أنّ آراءه متماسكة و غير متهافتة أو يهدم بعضها بعضا.

كتاب التعارض:

و من أكبر الدلائل على مدّ عانا: هذا الكتاب الماثل بين يديك، فقد تعتقد للوهلة الأولى أنّه مجرد كتاب أصولي يجترّ بعض أفكار المتقدمين عليه في أطراف موضوعه حيث يقتبسها من هنا و هناك، و لكن ما إن تلج في صفحات الكتاب و تقرأ بعض عباراته- في أي مسألة منه شئت ذلك- سرعان ما تتغير عندك الصورة المرتسمة في ذهنك عن الكاتب له، فتراه أصوليّا كبيرا، بل من الطراز الأول في هذا الفن، بل منظّر له؛ فهو يطرح في بحوثه- هذه- البكر من الأفكار، سبّاق في تحقيق بعض المطالب ممّا لا يعلم سبق غيره عليها، بل يظهر من بعض آرائه أنّها ممّا تبناه المتأخرون عنه على أنّها من ابتكاراتهم و متفرداتهم، و لقد دفعتني هذه الفكرة لأن أحاول رد الفكرة السائدة من أنّ السيد فقيه و ليس أصوليا، ممّا دفعني لأن أبيّن في هذه المقدّمة الحق الأحق بالاتباع، و الانتصار للسيد العظيم من هذه المقولة المجحفة بحقه فيما ادعى، حتى قال بعض المراجع المعاصرين: كنت إلى فترة أعتقد بأنّ السيد ليس أصوليّا حتى وصل بين يدي كتابه التعارض فتغيرت فكرتي عنه تماما.

17

و كان من ذلك أن تتبعت ما يمكن تحصيله من آراء أصوليّة له في كل من العروة الوثقى و ملحقاتها و حاشية المكاسب، بالإضافة لهذا الكتاب .. فإليك بعض ما تحصّلت عليه من ذلك:

يشير إلى مسألة الترتب في هذا الكتاب و يذكر أنّ مختاره فيها على ما هو التحقيق عنده هو بطلان القول بالترتب بين الأهم و المهم.

يشير إلى قاعدة الملازمة بين حكم اعقل و حكم الشرع فيرى أنّ التطابق بين الحكمين إنّما تابع للموارد و ليس بنحو الإطراد دائما أو عدمه دائما، فقد يثبت بها الحكم الإرشادي لحكم العقل، و قد يثبت بها الحكم الشرعي مع شرط تحقق قابلية المحل لذلك.

يذكر نوعين من التخيير في موارد متعددة من الكتاب، و هما التخيير العملي و التخيير الأخذي، كما يذكر الآثار المترتبة على كل منهما، و لم أجد من تعرض لهذا التفريق بينهما سوى ما ذكره المحقق الميرزا الرشتي في بدائعه- ص 409-.

يرى بأنّ المجعول في الأخبار هو مؤدياتها، و يرتب عليه أثرا و هو عدم إمكان جعل المتعارضين، و عليه فلا يمكن شمول الأدلة- أدلة الحجية- لكل منهما فعلا، لا تعيينا و لا تخييرا و لا بإرادة القدر المشترك.

يرى بأنّ حيثيّة جعل الأخبار بلحاظ كشفها عن الواقع و ليس بنحو تعبدي محض، و ذلك لوجهين:

1) أنّ ظواهر أدلة حجيتها ذلك المعنى كما في آية النبأ و روايات التوثيق للرواة.

2) أن مقتضى الأصل فيما لو شك في تعبديّة أمر أو عدم تعبديّته هو عدم التعبديّة، و هو مفاد الطريقيّة.

ثمّ يعقب على ذلك بأنّ هذا هو السبب في اعتبارنا للبينة و السوق و اليد من باب‏

18

الطريقيّة لكاشفيّتها النوعيّة عند العقلاء.

ذكر في مورد اشتباه الحجة باللاحجة أنّ مجرد الاشتباه لا يخرج الحجة عن الحجية، و عليه فلا يصح الرجوع إلى الأصل المخالف لهما و إن لم يعلم صدق أحدهما، و بالنسبة لصورة تعارضهما و القول بالرجوع للأصل قال: و الحقّ أنّه يجوز الرجوع إلى الأصل العملي المطابق لأحدهما؛ لأنّ وجود الحجّة المشتبهة لا يكفي في عدم جريانه، فيكون كما لو فرض العلم بعدم الاحتمال الثالث، و دوران الأمر بين مؤدّى الخبرين، فالحجّة المشتبهة بمنزلة القطع في نفي الاحتمال الثالث؛ و يجري الأصل في تعيين الاحتمالين.

كما أنّه قال في حالة اختيار عدم جريانها قال فالحق:- على فرض الإغماض عمّا اخترنا في الثاني- التخيير لا الاحتياط، و إن كان أحد الخبرين دالا على الوجوب أو الحرمة، و الآخر على الإباحة؛ لجريان حكم العقل بالبراءة.

يرى بأنّ الحجيّة من الأحكام الوضعيّة و معناه جعل الشي‏ء طريقا موصلا إلى الواقع، فالمجعول صفة المرآتيّة و الكاشفيّة و تنزيله منزلة العلم الطريقي، و دعوى كون الكاشفية صفة واقعيّة فلا تقبل الجعل دفعها بأنّ الكاشفية الظنية النوعيّة غير مكتفى بها في الشرع مع لحاظ نواهي العمل بالظن، ثمّ يصرح بما حقق في محله من استقلال الأحكام الوضعية بالجعل.

يوجه روايات الوقوع في الهلكة بالوقوع في خلاف الواقع لا العذاب و العقاب، و به يرى أنّ ترك الاحتياط في الشبهة مستحبا لا واجبا، و لذا فهو لا يرى وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية، و يحمل أخبار التوقف في تلك المسألة على الاستحباب.

و لذا يصرح بعدم وجوب الاحتياط في الشبهة البدويّة التحريميّة مع أنّها أولى بالوجوب، و ذلك لعدم معارضة المفسدة المحتملة بالمصلحة المحتملة، و لا دليل، و قال: فمورد القاعدة في الأحكام الشرعية ما إذا دار الأمر بين ترك واجب معلوم أو

19

ارتكاب حرام معلوم، مع إمكان المنع في هذا المورد أيضا، لأنّ الأحكام ليست تابعة للمصالح و المفاسد النفس الأمريّة في الأفعال، بل يمكن أن تكون المصلحة في الجعل و التشريع، فليس المعلوم من المفسدة على تقدير العلم بالتكليف إلا العقاب؛ و هو مشترك بين الواجب و الحرام- تركا و فعلا- و هذه القاعدة غير تامّة في الاحتمالين المجرّدين عن الخبر مع العلم الإجمالي بأحدهما، فضلا عن المقام الذي ليس فيه علم إجمالي.

يرى اختصاص المقبولة بزمان الحضور لمكان قوله «فأرجه حتى تلقى إمامك» إذ أنّ القرينة فيها موجودة و هي واقعة الدين و الميراث فإنهما مما لا يمكن إرجاؤهما إلى الأبد، و به نفى صحة القول بعدم التخيير في زمن الغيبة، بل المتعين هو التخيير فيه، ثمّ لو سلم أعمية المقبولة للزمنين فالأظهريّة لكونها في زمان الحضور و أخبار التخيير أظهر بالنسبة لزمان الغيبة.

لا يرى انقلاب النسبة بين العمومات و المخصصات، فقد قال: «إذ انقلاب النسبة في المقام لا ينفع، و لو سلّمناه في سائر المقامات، إذ المسلّم منه- على فرضه- إنّما هو في ما لو كان ملاك التقديم و التأخير خصوصيّة الموضوع و عموميّته، و كان الانقلاب في غيرها، و أمّا لو كان الملاك ما ذكر و كان الانقلاب في غيرها، بل يحسب آخر، أو كان الملاك شي‏ء آخر غير الخصوصيّة و العموميّة في الموضوع مثلا؛ لا الأظهريّة في جهة، و قد فرض بقاؤها بعد الانقلاب أيضا، فلا نسلّم انقلاب الحكم»

و أما بالنسبة للنسبة بين أخبار التوقف و أخبار التخيير فبعد مناقشات كثيرة و أخذ و رد و نقض و إبرام توصل إلى أنّ أخبار التوقف أخص مطلقا من أخبار التخيير و ذلك لأنّ مفاد الأولى ليس وجوب الاحتياط بل إرجاء الواقعة و عدم التعرض لها نفيا و إثباتا فعلا و تركا إلى ملاقاة الإمام و بقرينة الدين و الميراث لم يكن المقصود

20

الإمام صاحب الزمان، بل إمام عصره خاصة.

يرى بأنّه في حال التعدي عن المرجحات لا يكفى مجرد احتمال الأقربيّة كما عليه الشيخ الأعظم بل لا بدّ من لزوم كون المرجح أمارة نوعيّة فيما يرجح فيه.

يصرح بما يرتئيه بعض المناطقة من الفرق بين تقدم ذكر العلة على المعلول و العكس، فيرى أنّ ذكر العلّة بعد ذكر حكم المعلول هو توطئة لإعطاء الكليّة علاوة على كون العلّة في مقام الاستدلال، بخلاف ذكر حكم المعلول بعد التعرض للعلّة.

لا يرى ضرورة الترتيب بين أنواع المرجحات، نعم بين أصنافها يمكن دعوى ذلك، قال: فتحصّل ممّا ذكرنا من أول المسألة إلى هنا أنّه لا ترتيب بين أنواع المرجّحات بأن يكون الصدوري مثلا مقدّما على الجهتي كليّة، أو المضموني على الصدوري كذلك- على ما اختاره الشيخ- أو بأن يكون الجهتي مقدّما عليها- على ما اختاره بعض الأفاضل- و كذا لا يقدّم بعض أصناف نوع واحد كليّة على غيره، حسبما اختاره الشيخ أيضا بالنسبة إلى موافقة الكتاب، أو الشهرة و الشذوذ، بل المدار على كون أحد المرجّحين أقوى من حيث تقوية طريقيّة الخبر، و هذا يختلف باختلاف المقامات بملاحظة الجهات الخارجيّة، و باختلاف أصناف المرجّحات و أفرادها، نعم؛ لا نضايق من تقديم بعض الأصناف على بعض مع عدم ضمّ الخصوصيّات، من حيث كونه أقوى نوعا

يظهر من بعض الموارد من هذا الكتاب أنّه يرى اقتضاء العلم الإجمالي لتنجز التكليف دون عليّته له، و إن أمكن استظهار اختياره لوجوب الموافقة القطعيّة- مختار الشيخ الأنصاري (قدس سره)- في مورد الشبهات الوجوبيّة للعلم الإجمالي الدائر بين المتباينين من موارد أخرى من الكتاب.

يرى أنّ مسألة اجتماع الأمر و النهي ليست داخلة في باب التعارض بل هي من مسائل باب التزاحم، و لذا قال هنا:

21

«و ممّا ذكرنا ظهر أنّ مسألة اجتماع الأمر و النهي ليست من باب التعارض؛ أمّا على القول بالجواز فواضح، و أمّا على القول بالمنع فلأنّها نظير باب التزاحم، بل منه من حيث إنّ النهي التعييني زاحم الأمر التخييري، و حيث إنّ الأول أولى بالتقديم فيحكم بالحرمة في مقام الفعليّة، و لذا لو فرضنا عدم المندوحة من الطرفين بأن انحصر المكان في المغضوب و دار الأمر بين ترك الصلاة أو ارتكاب الغصب لا يرجع إلى المرجحات لأحد الدليلين بل إلى مرجحات أحد التكليفين من أولويّة دفع المفسدة أو أولويّة مراعات حقّ الناس أو نحو ذلك، و إنّما قلنا إنّها من باب التزاحم لأنّ المفروض في تلك المسألة أن يكون النهي تامّ الاقتضاء و متعلّقا بجميع أفراد الطبيعة من حيث هي، و الأمر كذلك».

و الجدير بالذكر أنّ للمصنف رسالة مستقلة في مسألة اجتماع الأمر و النهي.

و من الآراء الأصوليّة التي شاع بين أهل العلم بأنّها مختار السيد ما نسب له من قوله بجواز التمسك بالعام في الشبهة الموضوعية (المصداقية) للدليل، و استظهروا ذلك من بعض مسائله في العروة، لكنّ هذا محل تأمل! و الوجه فيه أنّ التمسك بالدليل في الشبهة الموضوعيّة على شقين:

1) التمسك بالدليل في الشبهة الموضوعيّة لنفس الدليل العام.

2) التمسك بالدليل في الشبهة الموضوعيّة للدليل المخصص.

فأمّا الأول فهو مورد اتفاق في المنع عنه و أما الثاني فهو محل خلاف بينهم، و المنسوب إلى السيد تجويزه في الثاني، إلا أنّ الذي يظهر من كتابه هذا هو عدم قوله بجواز التمسك، فإنّه قال فيما لو كانت الشبهة حكميّة أمكن التمسك بالإطلاقات و العمومات، و أمّا لو كانت الشبهة موضوعيّة فلا يصح التمسك‏ (1)، نعم لو كان هنا أصل ينفي ما عدا العام من الفرد المشكوك أمكن نفيه بالأصل لا بالتمسك‏

____________

(1) لا بدّ أن يكون مراده من المطلق هنا خصوص الدليل المخصص بقرينة لجوئه إلى نفي الفسق في المثال إلى أصالة عدم الفسق ليثبت به نفس ما أراد إثباته من الدليل المخصص، و حيث إنّه لا يصح به لجأ إلى الأصل.

22

بالعام أو المطلق كما لو قلت أكرم العلماء إلا الفساق و مع الشك في أنّ زيدا فاسق أم لا، فمع إجراء أصالة عدم فسقه يجب إكرامه من جهة الأصل حيث إنّه يلزم منه دخوله في أفراد العام و ليس من جهة التمسك بعمومه و شموله له بل ببركة الأصل، قال‏ (1):

«ثمّ إنّ التمسك بالإطلاقات في نفي الترجيح عند الشك مخصوص بالشبهة الحكميّة و أمّا في الشبهة الموضوعيّة كأن شك في وجود ما هو معلوم المرجحيّة فلا يتمسك بالإطلاق، لكن إذا كان بحيث يجري فيه أصل العدم فالحكم كما ذكرنا» (2)

يعتبر هذا الكتاب من الكتب التي بحثت في مسألة الحكومة و الورود مفصلا بما لم يبحث أحد قبله و لا بعده في تينك المسألتين،

و أمّا آراء السيد الفقهيّة فكفانا العروة الوثقى مرآة لتلك الفقاهة الفريدة ذات الفروع المتشعبة و التي جعلت من الأعلام و المراجع يعتبرونها مرجعا لهم و متنا يكتبون عليه رسائلهم العمليّة لمقلديهم، و كما تتضح هذه الفقاهة من خلال حاشيته على مكاسب الشيخ الأعظم حيث الدقة و العمق و البسط في المطالب.

مؤلّفاته:

للسيد (قدس سره) مؤلفات كثيرة و رسائل متعددة و كلّها تفصح عن قوّة في بيانه و غزارة في علمه و بعد غوره في العلوم، و إليك بعضا ممّا وصلنا خبرها (3):

1) حاشية المكاسب؛ و هو كتاب قيم جدا مشحون بالمطالب الفقهيّة العالية، و هو شرح لكتاب المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري، و قد طبع أخيرا في مجلدات‏

____________

(1) كما توجد في حاشيته على المكاسب كلمة صريحة في عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة الموضوعيّة لنفس الدليل فراجع تعليقته رقم 517 و 743 و 745.

(2) إلا أنّه يمكن الإشكال على السيد في المقام- بعد إمكان تأييده بأنّ تنزله إلى الأصل بعد توجهه إلى عدم صحة التمسك بالدليل- بأنّ ما يثبت من دخول زيد في ضمن أفراد العام لازم لهذا الأصل و لا يثبت بالأصل حجيته و اعتباره إلا على الأصل المثبت و هو ليس بحجّة.

(3) نقلا عن كتاب أعيان الشيعة: 10/ 43.

23

ثلاثة من تحقيق صاحب الفضيلة سماحة الشيخ عباس آل سباع القطيفي.

2) العروة الوثقى؛ و هي رسالة عمليّة لمقلديه مليئة بالفروع و مرقّمة لتسهيل الوصول للمسألة، و هذا ممّا أشهرها و جعل العلماء يكتفون بالتعليق عليها بما يوافق فتاواهم و آرائهم، و قد طبعت عشرات المرّات مستقلة و منضمة.

3) رسالة في الظن المتعلق بأعداد الصلاة و كيفيّة الاحتياط، طبعت في خاتمة حاشية المكاسب الحجريّة.

4) رسالة منجزات المريض؛ و قد طبعت في خاتمة حاشية المكاسب الحجريّة.

5) أجوبة المسائل؛ مجلد ضخم و قد عنونه في الذريعة بالسؤال و الجواب و هو عربي طبع الجزء الأول منه في النجف (1340 ق)، جمعه تلميذه الشيخ علي أكبر الخونساري رتبه من الطهارة إلى النكاح.

6) رسالة في اجتماع الأمر و النهي مبسوطة، و قد فرغ منها سنة 1300 ه، طبعت في طهران سنة 1316 ه على الحجر وزيري، و تقع في 172 صفحة و أخطأ صاحب الذريعة في عددها فقال بأنّه 314 صفحة، وجهة الاشتباه منه ضميمة رسالة آغا جمال الخونساري في رد شبهة الاستلزام و جوابها من الملا هادي السبزواري و رد الجواب من الخونساري، فاعتقد أنّها كلها رسالة اجتماع الأمر و النهي، و قد تحصلت على نسخة منها.

7) كتاب التعارض؛ و هو الكتاب الذي بين يديك، و سيأتي الحديث عنه.

8) حاشية أنيس التجار؛ لملا مهدي النراقي، طبعت في طهران (1317 ق) مع المتن، كما تكرر طبعها سنة 1327 ه في 264 صفحة.

9) حاشية تبصرة العلّامة؛ عربي و قد طبعت في طهران سنة (1330 ق) حجري، كما تكرر طبعها في طهران سنة 1329 ه، و كذا طبعت في بغداد سنة 1338 ه، و تقع في 239 صفحة.

10) حاشية على نجاة العباد للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، و قد طبعت في طهران سنة 1324 ه.

11) الاستصحاب؛ قال صاحب الذريعة: رأيته عند تلميذه الشيخ علي أكبر

24

الخوانساري.

12) الصحيفة الكاظميّة؛ عربي طبعت سنة 1337 ه في بغداد في 46 صفحة.

13) طريق النجاة؛ رسالة عمليّة طبعت سنة 1330 ه.

14) حاشية على الجامع العباسي؛ طبعت سنة 1325 ه في طهران.

15) مجمع الرسائل؛ طبع سنة 1315 ه في بمبئي (389 صفحة)، و في طهران سنة 1332 ه (482 صفحة).

16) حاشية على رسائل الشيخ الأنصاري؛ خرج منها خصوص ما كتبه على ثالث مقدمات دليل الانسداد، و قد يقال لها (رد المقدمة الثالثة) و كانت عند تلميذه الشيخ علي أكبر الخونساري، و قد تحصلت على نسخة منها جلبتها من مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، و هي رديئة الخط و كثير الغلط و الشطب على كلماتها، و لكن مع ملاحظتها ظهر لي أنّها من تقريرات بعض تلامذته لشرحه على رسائل الشيخ الأنصاري و ليست بقلمه الشريف‏ (1).

17) رسالة في إرث الزوجة من الثمن و العقار؛ و قد ردّها شيخ الشريعة برسالة (إبانة المختار في إرث الزوجة من الثمن و العقار) و كانتا في مكتبة السيد محمد الحجّة بكربلاء.

18) بستان نياز و گلستان راز- فارسي- في المناجاة، طبع في بغداد سنة 1337 ه في 35 صفحة.

19) الكلم الجامعة و الحكم النافعة؛ كلمات قصار من إنشائه، طبعت مع العروة الوثقى سنة 1328 ه.

20) قوت لا يموت؛ في الطهارة و الصلاة، ذكره صاحب الذريعة.

21) مسالك الهداية؛ مسائل فرعيّة بطريق السؤال و الجواب.

22) منتخب الأحكام؛ رسالة عمليّة طبعت في طهران سنة 1345 ه.

23) ملحقات العروة الوثقى؛ طبعت مستقلة في جزءين منضمين، و قد اشتملت‏

____________

(1) طبع الجزء الأول من هذه الحاشية أخيرا، و هي من تقرير الشيخ محمد حسين اليزدي، و تحقيق الشيخ محمد حسين سيبويه.

25

على بحوث القضاء و الربا و الوكالة و الوقف و العدد و الهبة.

النسخ المتوفرة من الكتاب:

لقد توفرت لدينا ثلاث نسخ من كتاب التعارض و هي كالتالي:

1- نسخة مسجد گوهرشاد- مشهد- و هي المرقمة ب (1444)، و هذه النسخة جيدة الخط، إلا أنّه يتخللها النقص في الوسط في بعض الموارد التي سنشير إليها، كما أنّها ناقصة الآخر، و تختلف عن النسخة الأصل التي اعتمدنا عليها في موارد كثيرة، و قد رمزنا لها بالرمز (ب).

2- نسخة مكتبة وزيري يزد و المرقّمة ب (2373)، و قد تحصلنا عليها من مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام)، و هذه النسخة رديئة الخط، ناقصة الأول، فهي تبدأ من المقام الثاني في التعادل؛ إلا أنّها تمتاز بأنّ تاريخ كتابتها هو سنة 1309 ه، و قد كتبها السيد حسين بن السيد عبد الغفور اليزدي، و قد رمزنا لها بالرمز (د).

3- النسخة المعتمدة عندنا في التحقيق، و هي النسخة المتوافرة في بعض المكتبات الخاصة، و قد طبعت في طهران بحجم وزيري (حجري) في 296 صفحة في زمان المؤلف سنة 1316 ه، كما أنّها قد طبعت في طهران سنة 1317 ه (1)، فهي متأخرة بسبع سنوات عن كتابة النسخة الأولى، إلا أنّها تمتاز بأنّها كاملة و مصححة من قبل مجموعة من الفضلاء، علاوة على حسن خطها و سهولة قراءتها و تعنون مطالبها من قبل الفضلاء المراجعين، و لذا جعلناها النسخة الأم، و جرت مقابلة النسخ الأخرى عليها و إضافة الفروقات بينها في هامش النسخة، و نرمز لها في هامش الكتاب بالرمز (الأصل، الأم، النسخة، نسخة الأصل).

كما أنّنا لاحظنا تشابه النسختين (ب) و (د) كثيرا مع اختلاف طفيف بينهما، و على كل حال .. فإنّا نشكر القائمين على إدارة كل من مكتبتي الإمام الرضا (عليه السلام)

____________

(1) و قد اشتبه الشيخ آغا بزرك الطهراني في الذريعة بأن ذكر أنّ طباعتها كانت منضمة إلى تعليقة آغا جمال الخونساري على حاشية المحقق السبزواري، و الحال أنّ المنضم للتعليقة هو رسالة السيد اليزدي في اجتماع الأمر و النهي لا رسالة التعارض.

26

و گوهرشاد على توفير هاتين النسختين المهمتين لإكمال مهمة تحقيق الكتاب و إخراجه إلى الوجود و وضعه بين يدي العلماء و الباحثين و المحققين.

عملنا في التحقيق‏

1) قمنا أولا- بعد صف الكتاب على الكامبيوتر- بتقطيع النص المكتوب على حسب الطريقة الأدبيّة المتعارفة في التحقيق.

2) ثمّ بعد ذلك قمنا بعمليّة المقابلة بين نسخة الأصل و النسخ الأخرى على التوالي فبدأنا بمقابلتها مع النسخة (ب)، ثمّ مع النسخة (د)، و أشرنا في هامش الكتاب إلى موارد اختلاف النسخ مع الأصل، و كذا إلى موارد النقص من تلك النسخ أو النواقص منها.

3) و من ثمّ بعد تماميّة الكتاب من جهة النص بدأنا في تخريج النصوص من آيات و روايات، ثمّ تخريج المصادر التي رجع إليها المصنف (قدس سره)، و أخذ بعض العبارات أو الكلمات، فنشير إلى موردها من الكتاب المرجع.

4) كما قمنا بتوضيح بعض العبارات أو الكلمات المشكلة، و كذا نشير إلى بعض الإشكالات التي يشير لها المصنف إجمالا، و لم نقتصد كثرة التعليق على الكتاب دفعا لملالة القارئ.

5) قمنا بتصحيح الضمائر المذكرة و المؤنثة على حسب ضوابط العربيّة.

6) إضافة عناوين للكتاب على حسب الحاجة لتسهيل الرجوع للمطالب.

هذا و قد اشترك في المقابلة مع النسختين تعاقبا عدّة أفراد من أهل العلم، فلا يفوتنا تقديم جزيل الشكر لهم جميعا، و قد استغرق العمل في هذا الكتاب- بلحاظ أنّ الاشتغال به يتم في أيام العطل الدراسيّة ليس إلا- قرابة السنتين و النصف تقريبا.

محقق الكتاب‏

حلمي بن الحاج عبد الرءوف السّنان‏

27

صورة الصفحة الأولى من النسخة المعتمدة

28

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المعتمدة

29

صورة الصفحة الأولى من النسخة (ب)

30

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة (ب)

31

صورة الصفحة الأولى من النسخة (د)

32

صورة الصفحة الأخيرة من النسخة (د)

33

كتاب التعارض‏

تأليف آية اللّه العظمى استاذ الفقهاء و المجتهدين السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره) تحقيق و تعليق الشيخ حاجى عبد الرّءوف السّنان‏

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

[الخطبة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة على رسوله محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

و بعد ... فيقول الفقير إلى اللّه الغني محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي اليزدي: هذه رسالة في التعارض كتبتها إجابة لبعض الأخوان، و من اللّه التوفيق، و عليه التكلان، و به الاعتماد، و إليه المرجع و المآب، و هو أعلم بالصواب.

مقدمة فيها أمور:

الأول: عنوان المسألة بباب التعارض‏

كما صنعنا وفاقا لبعض أولى من عنوانها بباب التعادل و التراجح، لما هو واضح من أنّها من عوارضه و أقسامه، إذ التعارض قد يكون مع التعادل، و قد يكون مع الترجيح، و من المعلوم أنّ لكلي التعارض- مع قطع النظر عن قسيميه- أحكاما يتعلّق الغرض بالبحث عنها أيضا، مثل أولويّة الجمع مهما أمكن، و أنّ الأصل في المتعارضين ما ذا؟ و غيرهما.

فلا وجه لأن يقال: إنّ السرّ في العنوان بما ذكر كون الأحكام المبحوثة في الباب إنّما هي لخصوص كلّ من القسمين، و أيضا ليس البحث عن أحكام مطلق التعارض مقدمة للبحث عن أحكامهما، بل هو أيضا مقصود بالأصالة (1)، فلا وجه لدعوى كون البحث عن أحكامه إنّما هو من باب المقدميّة و التبعيّة.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ ما في القوانين‏ (2) من عنوانه ب «باب التعارض و التعادل و الترجيح» و إن كان أحسن من المذكور إلا أنّه أيضا في غير محلّه، إذ قد عرفت أنّهما (3) قسمان له، فلا ينبغي جعلهما قسما له.

____________

(1) في النسخة: الأصالة.

(2) قوانين الأصول: 2/ 393.

(3) في النسخة: أنّها.

36

ثمّ لا يخفى أنّ التعبير بالتراجيح فيه مسامحة من وجوه:

أحدها: أنّ معادل التعادل: التراجح لا التراجيح؛ إذ هو مأخوذ إمّا من العدل بمعنى الاستواء (1)، كما هو الظاهر؛ حيث إنّ المأخوذ منه في غير الثلاثي إنّما هو المصدر الثلاثي، و من العدل- بالفتح أو الكسر- بمعنى المثل، و على التقديرين معناه المساواة، فالمناسب أن يقال في مقابله التراجح الذي هو بمعنى زيادة أحد الدليلين أو الشيئين على الآخر، لا الترجيح الذي هو بمعنى إعطاء الرجحان، و جعل الشي‏ء راجحا بتقديمه على غيره، أو بغير ذلك من وجوه إعطاء الرجحان.

الثاني: أنّه أطلق الترجيح الذي عرفت معناه، و أريد منه ما يوجب الترجيح من المزايا الموجودة في أحد الدليلين، فيكون من باب استعمال اللفظ الموضوع للمسبّب في السبب.

الثالث: إتيانه بلفظة الجمع و إفراد لفظ التعادل.

و يمكن الاعتذار عن الأخير- بعد المسامحتين الأوليتين- بأنّ المناسب إنّما يكون هو الإفراد إذا أريد المعنى المقابل للتعادل، و هو التراجح، و أمّا إذا أريد منه نفس المزايا و المرجحات فالمناسب التعبير بالجمع إشارة إلى أن الغرض من البحث عن الترجيح البحث عن وجوه المزايا و المرجحات: من الشهرة، و الموافقة للكتاب، و صفات الراوي، فإنّ لكل واحد منها حكما يتعلق به، بخلاف التعادل، فإنّه و إن كان يمكن فيه أيضا لحاظ التعدد بملاحظة كل واحد من المزايا وجدانا و فقدانا، إلا أنّه لا يتعلّق الغرض بالبحث عن خصوصيّات أفراد التساوي، بل المعيار هو مطلقه من غير نظر إلى الخصوصيّات.

و ربّما يعتذر عن التعبير بالجمع بأنّ التعادل أمر عدمي، و لا تمايز في الأعدام و لا تعدد فيها، و تعدد ما أضيفت إليه لا يثمر في تعددها، بخلاف الترجيح، فإنّه أمر وجودي و يتعدد بتعدد أفراد الأخبار المشتملة على المرجحات.

و فيه:

أولا: منع كون التعادل [أمرا] عدميّا؛ إذ المساواة من الأوصاف الوجوديّة إذا كان‏

____________

(1) فتقول هذا عدل ذاك أي مساو له.

37

باعتبار الاشتمال على الوصف الوجودي.

و ثانيا: قد يكون الترجيح أيضا بالأمر العدمي، كعدم احتمال التقيّة في أحد الخبرين.

و ثالثا: إنّ تعدد الأعدام بتعدد المضاف إليه يكفي إذا كانت الخصوصيّات منظورة و متعلّقة للغرض، خصوصا إذا لوحظ التعدد من جهة تعدد الأخبار، فإنّ من المعلوم أنّ أفراد المساواة أيضا تتعدد بتعدد أفراد الأخبار، كتعدد الترجيح، فانحصر الوجه فيما ذكرنا من أنّ التعدد ملحوظ بالنسبة إلى أنواع المرجحات و هي متعلّقة للبحث من حيث الترجيح لا من حيث التعادل.

ثمّ من العجب أنّه لاحظ التعدد باعتبار تعدد الأخبار و موارد المرجّحات دون أنواعها، قائلا: إنّ تعدد الأنواع لا يوجد (1) تعدد الترجيح و المزيّة، لا بلحاظ تعدد الموارد أي أفراد الأخبار، لأنّ تلك الانواع من أسباب الترجيح و هي لا توجب تعدد المسبّب، أ لا ترى أنّ تعدد أسباب الموت لا يوجب تعدده، بخلاف تعدد الأفراد فإنّه يوجب تعدد المزيّة عند وجود سببها على حسب تعددها، إذ فيه أنّ تعدد أفراد الأخبار ليس متعلّقا للغرض و البحث، بخلاف تعدد أنواع المزايا، و كون الترجيح أمرا واحدا أو متعددا لا مدخل له بعد كون النظر إلى نفس الأسباب المتعددة، و المفروض أنّ المراد من التراجيح نفس المزايا لا المعنى المصدري.

و كيف كان فهذه المسألة من المسائل الأصوليّة، و داخلة في مقاصدها؛ بل هي أظهر مسائل الأصول‏ (2)، إذ تدخل فيها على جميع التقادير من تعريفها بالقواعد الممهدة، و بما يبحث فيه عن الأدلة مطلقا، أو بعد الفراغ عن الدليليّة، إذا البحث فيها بحث عن عوارض الدليل بعد الفراغ عن دليليّته، سواء في ذلك البحث عن أحكام مطلق التعارض أو البحث عن أحكام قسميه.

و جعل بعضهم لها خاتمة للمسائل لا ينافي ذلك، و لا يدلّ على الخروج كما قد يتخيل، لأنّ الخاتمة لا بدّ أن تكون من جنس المختوم، فالمراد أنّها آخر الأبواب،

____________

(1) هكذا في النسخة؛ و الظاهر أنّها: يوجب.

(2) في نسخة (ب): مسائل الأصوليّة.

38

و لمّا كان البحث عنها بعد الفراغ عن سائر الأبحاث، كان المناسب جعلها خاتمة، فما عن التهذيب‏ (1) من ذكرها قبل الأصول العمليّة لا وجه له، و لذا أورد عليه السيد العميدي بذلك، و عدم جريان بعض أحكام التعارض كالتخيير و الترجيح فيها لا يوجب عدم جريان أصل التعارض‏ (2).

الثاني: التعارض‏

لغة من العرض و هو بمعنى الظهور و الإظهار، و ضد الطول و المتاع، و إن كان قد يحرّك على هذا المعنى، ففي المقرب‏ (3) عرض أي أتى العروض‏ (4)، و له كذا يعرض- بالكسر- ظهر و بدا، عرض كسمع، و الشي‏ء له: أظهره عليه و أراه إيّاه، إلى أن قال:

(5) و العرض المتاع، و يحرّك، و كل شي‏ء سوى النقدين، و الجبل أو سفحه أو ناصيته‏ (6)، إلى أن قال: و خلاف الطول، و منه دعاء عريض‏ (7)، و قال: و عارضه و جانبه و عدل عنه، و سار حياله، و الكتاب: قابله .. إلى أن قال‏ (8): و فلانا بمثل صنيعه: أتى إليه مثل ما أتى، و منه المعارضة كأنّ عرض فعله كعرض فعله.

و يمكن أخذه من العرض بمعنى الظهور و الإظهار، كأنّ كلا من المتعارضين يظهر للآخر أو يظهر نفسه للآخر، و الأنسب أخذه من العرض بمعنى خلاف الطول، كأنّ كلا من المتعارضين يجعل نفسه في عرض الآخر، و كونه معنى اسميّا لا يضر بعد استعمال فعله بهذا المعنى أيضا كثيرا، على ما يظهر من الاستعمالات المذكورة في القاموس‏ (9)، و يظهر منه أيضا أخذه من هذا المعنى، حيث إنّه و المعارضة بمعنى‏

____________

(1) تهذيب الوصول- للعلّامة الحلي- مخطوط، و تقوم مؤسسة آل البيت بتحقيقه، و قد اتخذ نفس الترتيب في مبادئ الوصول- 231- فيرد عليه نفس الإشكال من السيد العميدي.

(2) في نسخة (ب): أصل التعارض فيها.

(3) الظاهر أنّه المقرب؛ من كتب اللغة، و في نسخة (ب): الق؛ فيكون إشارة للقاموس.

(4) كتب في هامش النسخة: العروض مكة و المدينة و ما حولهما.

(5) في نسخة (ب): و الفرس مرّ عارضا على جنب واحد، و قال: العروض ...

(6) في نسخة (ب): ناحيته.

(7) في نسخة (ب): و الوادي، و أن يذهب الفرس في عدوه و قد أمال رأسه و عنقه ...

(8) لا توجد هذه الكلمة (إلى أن قال) في نسخة (ب).

(9) القاموس المحيط: 2/ 333- 334 مادة عرض.

39

واحد، و أخذها بهذا المعنى حيث فسّرها بالمقابلة و الإتيان بمثل ما أتى، بل صرّح بذلك في قوله: و منه المعارضة كأنّ عرض فعله كعرض فعله.

و في اصطلاح الأصوليين عرّف بتنافي الدليلين و تمانعهما باعتبار المدلولين و بتنافي مدلولي الدليلين، و لا يخفى أولويّة الأول، إذ التعارض وصف لنفس الدليلين فالأنسب جعل التنافي الذي هو ملاكه وصفا لهما أيضا، لا مدلوليهما، و كونه بلحاظ المدلولين لا ينافي اتصافهما به أيضا بالواسطة، فثبوت التنافي للدليلين و حمله عليهما من قبيل أن يقال زيد شريف لشرافة أبيه، فإنّ شرافة الأب توجب شرافة زيد فيصح اتصافه بها حقيقة، و على التعريف الثاني يكون من قبيل‏ (1) زيد شريف الأب حيث إنّه لا يدل على شرافة زيد، و لو بالواسطة.

و منهم- كالعضدي- من زاد على التعريف المذكور قوله بحيث لا يمكن الجمع بينهما (2)، و ربّما يستظهر منه أنّ العام و الخاص المطلق خارج عنه؛ لإمكان الجمع‏ (3)؛ فلا يكونان من المتعارضين.

و فيه: أنّ الحق دخولها، و التعريف شامل أيضا، إذ المراد من عدم إمكان الجمع عدمه مع الأخذ بظاهر كلّ من الدليلين، و من المعلوم عدم إمكانه فيهما، و منهم من بدّل الزيادة المذكورة بقوله على وجه التناقض أو التضاد، و مرجعها واحد.

ثمّ التنافي أعمّ من أن يكون في تمام المدلول أو في بعضه، كما في العام و الخاص المطلقين، أو من وجه، و أعمّ من أن يكون عقليّا أو شرعيّا، كصحة العتق و عدم الملكيّة، حيث إنّه لا تنافي بين ما دلّ على الأول، و ما دلّ على الثاني عقلا، لكنّهما متنافيان شرعا، إذ لا عتق إلا في ملك، و المدلول أعمّ من أن يكون مطابقيّا أو تضمنيّا أو التزاميّا، فيشتمل التعريف‏ (4) ما إذا كان أحد الدليلين منافيا للآخر في مدلوله الالتزامي.

و لكن مع ذلك يشكل بأنّه قد لا يكون بين المدلولين تناف و لو بالالتزام، مع‏

____________

(1) في نسخة (ب): من قبيل أن يقال ...

(2) حكاه في مفاتيح الأصول: 679.

(3) في نسخة (ب): خارج عن إمكان الجمع ...

(4) لا توجد هذه الكلمة (التعريف) في نسخة (ب).

40

كونهما من المتعارضين، مثل ما دلّ على وجوب الظهر يوم الجمعة، مع ما دلّ على وجوب الجمعة، فإنّ كلا منهما (1) لا ينفي الآخر، و لو بالالتزام اللفظي، و إنّما التعارض بينهما من جهة الإجماع على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد، و لا يكون الإجماع قرينة على إرادة التعيين من كلّ من الخبرين، بأن يكون المراد من كل منهما أنّ الواجب الواحد الواقعي هو كذا، و على فرضه لنا أن نفرض صورة لا يكون كذلك.

و بالجملة إذا لم يكن تناف بين المدلولين من حيث إنّهما مدلول، و كان التنافي بين ذاتيهما من جهة أمر خارجي، لا يكون قرينة على الإرادة من الكلام ليخرج عن التعريف مع أنّه داخل في المعرّف قطعا.

و منه تعارض الأصلين من جهة العلم الإجمالي، حيث إنّ الطهارة في أحد الإنائين مثلا لا تنافي الطهارة في الآخر، فلا تنافي بين مدلولي الأصلين، من حيث إنّهما مدلول، إذ لا تثبت أصالة الطهارة في هذا الإناء أنّ الآخر نجس و بالعكس، حتى يكون التنافي بين المدلولين إلا بالأصل المثبت، و لا اعتبار به، مع أنّهما متعارضان قطعا، و هكذا إذا كان أحد الخبرين مثبتا لحكم، و الآخر لآخر، و قام الإجماع أو الدليل العقلي على عدم ثبوتهما معا بحيث لم يكونا قرينة على إرادة نفي كلّ منهما من إثبات الآخر من اللفظ، إلا أن يقال إنّ ذلك يرجع إلى المدلول الالتزامي الغير اللفظي و المراد من المدلول ذاته لا بوصف‏ (2) أنّه مدلول، فكلّ من خبري الظهر و الجمعة و إن لم يكن ناظرا إلى نفي الآخر بالدلالة اللفظيّة، إلا أنّ نفي الآخر مدلول التزامي عقلي له بعد الإجماع المذكور، و هو كاف في صدق التنافي بين المدلولين، و هكذا في الأصلين، فالمراد من تنافي المدلولين تنافي مقتضاهما، و إن لم يكن المقتضي مدلولا لفظيّا.

و من ذلك يظهر أنّ من عرّف التعارض بتنافي الدليلين في مقتضاهما، و لو بالالتزام‏

____________

(1) في النسخ: منها.

(2) في نسخة (ب): ذاته بوصف ...

41

العقلي؛ كصاحب الفصول‏ (1)، أبعد من الإشكال المذكور، إذ المقتضي أعم من أن يكون مدلولا لفظيّا أو لا، فيشمل ما إذا كان التعارض بلحاظ أمر خارجي كالإجماع و العلم الإجمالي؛ من غير إشكال.

و كيف كان فقد ظهر أنّه لا بدّ في صدق التعارض من ثبوت التنافي بين المدلولين، و لو في مقتضاهما، و لو بالالتزام العقلي، بأن يكون أحدهما نافيا لما أثبته الآخر، و إن لم يكن بالدلالة اللفظيّة، فعلى هذا مجرّد العلم بكذب أحد الخبرين‏ (2) و عدم مطابقة مدلوله للواقع لا يكفي في صدق التعارض، مثلا إذا دلّ خبر على وجوب غسل الجمعة، و خبر آخر على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و علم من الخارج أنّ أحد الخبرين‏ (3) كاذب أو أنّ أحد الحكمين مخالف للواقع، من غير أن يكون هناك ملازمة عقليّة أو شرعيّة بين ثبوت أحدهما و نفي الآخر، لا يكونان من المتعارضين، لعدم التنافي بين المدلولين، و لو في مقتضاهما، غاية الأمر العلم بعدم مطابقة أحدهما للواقع، و إلا فلا ينفي كلّ منهما الآخر، فلا تجري عليهما أحكام التعارض.

و الفرق بين هذا المثال و مثال الظهر و الجمعة، و الأصلين المتعارضين واضح، إذ بعد الإجماع على عدم وجوب صلاتين في يوم واحد يتنافى مقتضى الخبرين، و كذا بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإنائين يتنافى مقتضى الأصلين، و يكون كلّ منهما نافيا لما أثبته الآخر.

و الحاصل: إنّه يعتبر التنافي بين المدلولين في حدّ نفسهما، و لو بلحاظ أمر خارجي من إجماع أو علم إجمالي، و لا يكفي التنافي في علم المكلّف، ففي الخبرين اللذين لا ربط بينهما، بل كلّ منهما مثبت يحكم‏ (4) في موضوع مغاير للآخر، و علم كذب أحدهما يعمل بهما إن لم يلزم منه طرح تكليف منجّز معلوم، و إلا فيجب طرحهما، و العمل بالاحتياط فتدبر!

____________

(1) الفصول الغروية: ص 420.

(2) في نسخة (ب): المخبرين.

(3) في نسخة (ب): المخبرين.

(4) في نسخة (ب): لحكم، و هو الأصح.

42

ثمّ لا يخفى أنّ ذكر الدليلين في التعريف‏ (1) من باب المثال، و إلا فقد يكون التعارض بين أزيد منها، لا (2) مثل ما إذا كان في أحد الطرفين خبران و في الآخر واحد، إذ الخبران حينئذ دليل واحد، فيصدق أنّ التنافي إنّما هو بين دليلين، و لا مثل ما إذا كان هناك أخبار يكون بين مداليلها عموم من وجه، مثل قوله «يجب إكرام العلماء، و يحرم إكرام الفسّاق و يستحب إكرام الشعراء»، إذ حينئذ يكون التنافي بين كل اثنين منها أيضا، بل المراد (3) ما إذا كان قوام التعارض بأزيد من دليلين، بحيث لا يكون بين كل اثنين منها تناف، كما إذا قال «يجب إكرام زيد يوم الجمعة» و قال «يجب إكرام عمرو يوم الجمعة»، و قال «لا يجب إكرام شخصين يوم الجمعة»، فإنّه لا تعارض بين الأولين، و لا بين كلّ منهما و الثالث، و إنّما التعارض بين المجموع، و هذا (4) إذا كان الثالث أيضا ظنيا، و إلا فيكون التعارض بين الأولين فقط، و يكون هو (5) محققا للتعارض بينها، كما في مثال الظهر و الجمعة، حيث إنّ الإجماع الذي هو الثالث يكون محقّقا للتعارض بينهما (6).

و هل يلاحظ في مقام العلاج و ملاحظة المرجحات كلّ مع كلّ؟ أو الأولان مع الثالث؟ سيجي‏ء بيانه في محلّه إن شاء اللّه‏ (7).

ثمّ إنّ التنافي على وجه التضاد إنّما يكون تنافيا بملاحظة أوله‏ (8) و رجوعه إلى التناقض، فيمكن الاقتصار عليه، إذ المنافاة بين ما دلّ على استحباب شي‏ء مع ما دلّ على وجوبه إنّما هو من جهة أنّ مع الاستحباب لا يمكن أن يكون واجبا، و بالعكس، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ المراد من الدليلين أعم من الاجتهاديين و الأصلين، و المختلفين مع‏

____________

(1) في نسخة (ب): في التعريف إنّما هو ...

(2) في نسخة (ب): لا ازيد مثل ...

(3) في نسخة (ب): بل أزيد.

(4) في نسخة (ب): بين المجموع هذا ...

(5) لا توجد «هو» في النسخة (ب).

(6) من قوله «كما في مثال» إلى قوله «بينها» لا يوجد في النسخة (ب).

(7) يأتي في ضمن بحث انقلاب النسبة بين الأدلة المتعارضة.

(8) الأول: من آل يؤول الأمر إلى كذا؛ أي يصير إليه.

43

الإغماض عن حكومة الدليل أو وروده على الأصل، أو عدم القول بالحكومة.

و من ذلك يظهر أنّه لا وقع للإيراد على التعريف بشموله لتعارض الأصل و الدليل مع عدم كونه من التعارض قطعا، و لا للجواب تارة بانصراف الدليل إلى الاجتهادي، و أخرى بالالتزام بالدخول في المعرّف، و ثالثة بالالتزام بدخول تعارض الأصل اللفظي و الظنّي مع الدليل، و خروج معارضته الأصل العملي التعبّدي لعدم اتّحاد المحمول، لأنّ مفاد الأدلّة الحكم الشأني، و مفاد الأصول الحكم الفعلي، و لا مضادة بينهما، و ذلك لأنّه إذا قلنا بالورود أو الحكومة، فتخرج معارضته الأصل و الدليل بقيد التنافي، و إلا فلا وجه للحكم بالخروج.

و من الغريب حمل كلام المحقق الأنصاري (رحمه اللّه)(1)- في مقام بيان نفي المعارضة بين الأدلّة و الأصول بدعوى الورود أو الحكومة، و الحكم بعدم التنافي بينهما، من جهة تعدد الموضوع- على الجواب عن الإشكال المذكور، مع أنّه ليس بصدد بيان ذلك، و ليس نظره إلى رفع إشكال طرد التعريف، بل غرضه تحقيق الحال في صدق التعارض و عدمه، و إلا فلا إشكال في التعريف على التقديرين، كما عرفت، و أمّا حديث تعدد الموضوع أو المحمول فسيجي‏ء الكلام عليه.

ثمّ إنّ التعارض و إن كان يتحقق في الأمارتين على الموضوعات كاليد و البيّنة و نحوهما، كقول اللغوي و غيره إلا أنّ المراد من الدليلين في المقام غيرهما، بل الدليل على الحكم الشرعي الكلي، و ربّما يذكر حكم تعارض الأمارتين- أيضا- في هذا الباب‏ (2) استطرادا، و كيف كان فتحصّل أنّ مناط التعارض توارد الدليلين على حكم موضوع واحد بالنفي و الإثبات أن يكون كلّ منهما نافيا لما أثبته الآخر، و لذا قلنا إنّ التضاد لا يكون تعارضا إلا بلحاظ أوله إلى التناقض، فيعتبر فيه اجتماع الوحدات المعتبرة في التناقض‏ (3)، و في مثل تعارض الدال على وجوب الجمعة و الدالّ على‏

____________

(1) لا يوجد «(رحمه اللّه)» في النسخة (ب).

(2) من قوله «أيضا» الى قوله «الباب» لا يوجد في النسخة (ب).

(3) الوحدات المعتبرة لأجل تحقق التناقض بين قضيتين هي ثمان و قيل تسع و هي: 1- اتحاد الموضوع. 2- اتحاد المحمول. 3- اتحاد الجهة. 4- اتحاد الزمان. 5- اتحادهما في القوة-

44

وجوب الظهر، و نحوه مما يكون الموضوع متعددا نقول: إذا نفى كل منهما الآخر يكون كلّ منهما مجمعا للوجوب و عدمه، بمقتضى إثبات كلّ من الخبرين و نفي الآخر، و كذا في مثال تعارض أصالة الطهارة، فإنّ أصل الطهارة في هذا الإناء يثبت طهارته، و أصل الطهارة في الآخر ينفيها فيه، و يثبتها في الآخر، فيتّحد الموضوع و المحمول، و غيرهما ... و هكذا في سائر المقامات.

[أمور توهم كونها من التعارض‏]

و اعلم أنّ هنا أبوابا ربّما يتراءى كونها من باب التعارض، و يمكن أن يدّعى خروجها عنه، إمّا من جهة تعدد الموضوع أو المحمول‏ (1) و لو تنزيلا، أو من جهة عدم المنافاة بين المدلولين، لكون أحدهما بمنزلة الشارح و المفسّر للآخر:

أحدها: باب التزاحم‏

فإنّه قد يتخيل كونه من التعارض من حيث عدم إمكان العمل بها (2) لكنّه ليس منه، إذ يعتبر في التعارض أن يكون عدم إمكان الجمع من حيث منافاة كلّ منهما للآخر بحيث وجب طرح أحد الظهورين أو كليهما بعد الكشف عن عدم إرادة الظاهر من كلّ منهما و عدم الإمكان في باب التزاحم ليس كذلك، إذ ذلك إنّما يكون من جهة عجز المكلّف عن العمل بعد العلم بمراد الشارع من كلّ من الدليلين، و لذا يجري في القطعيين من جهة السند و الدلالة أيضا، مثلا لا إشكال في وجوب إنقاذ كلّ غريق و إطفاء كلّ حريق، و إذا فرض عجز المكلّف عن الإنقاذين معا فيرفع اليد عن أحدهما و يتركه‏ (3) من جهة العذر، لا أنّه يكشف عن عدم الإرادة من الدليل.

ففي باب التعارض الشك إنّما هو في مقدار المراد من كل من الدليلين و أنّ مورد المعارضة داخل في هذا أو ذاك، و في باب المزاحمة المراد معلوم و المكلّف عاجز عن العمل على طبقه، و لذا لا يرجع إلى المرجّحات لأحد الدليلين مثل الشهرة

____________

- و الفعل. 6- اتحادهما في الكليّة و الجزئيّة. 7- اتحاد الشرط فيهما. 8- اتحاد الإضافة فيهما. و قد يضاف أمر تاسع و هو وحدة الحمل أوليّا أو شايعا صناعيّا.

(1) في نسخة (ب) هكذا: أو من جهة تعدد المحمول.

(2) في نسخة (ب): بهما.

(3) في نسخة (ب): و يترك.

45

و الأعدليّة و نحوهما، بل يرجع في مقام التعيين إلى مثل الأهمية و كون أحدهما حق الناس و الآخر حقّ اللّه، أو كون أحد التكليفين على وجه الإلزام دون الآخر أو على وجه التعيين دون الآخر، ففي تزاحم الواجبين و التعيينيين‏ (1) يقدم الأهم إن كان و إلا فالتخيير، و كذا في تزاحم الواجب و الحرام، و قد يقال إنّه يقدم الحرام مطلقا من جهة أنّ دفع المفسدة أولى، و في تزاحم الواجب و المستحب و المكروه يقدم الواجب و في تزاحم الحرام و المكروه أو المستحب يقدم الحرام، و في تزاحم المعيّن مع المخيّر يقدم المعيّن؛ و هكذا .. فلا يقدم المستحب على الواجب في مقام المزاحمة أصلا، و لو كان من باب التعارض ربما يرجّح الدليل الدالّ على الاستحباب، و كذا بالنسبة إلى سائر الصور.

و الحاصل: أنّ في المتزاحمين ثبوت كل من المدلولين و إرادته من الدليل لا ينافي الآخر، و لذا لو قدم أحدهما لا يكون تقييدا في دليل الآخر من حيث الإرادة الواقعيّة و إن كان تقييدا في مقام الفعليّة و التنجز بحكم العقل بل يمكن أن يقال ليس تقييدا أصلا من حيث إنّ كلّا من الدليلين ناظر (2) إلى مقام التنجز و الفعليّة، بل مفاده ثبوت الحكم من حيث هو و التنجز إنّما هو بحكم العقل فليس في تقديم أحدهما و التخيير بينهما بعد ما كان مفاد كل من الدليلين التعيين مخالفة للظاهر، إذ القدر المراد من الخطاب باق بحاله، و الذي رفع عنه اليد- و هو الثبوت في مقام الفعليّة- لم يكن مستفادا من اللفظ.

فإن قلت: مقتضى ذلك عدم جواز التمسّك بالإطلاقات إذا فرض الشك في المانع لأنّها على ما ذكرت ليست متكفلة إلا لبيان المقتضي فيحتاج في إثبات الفعليّة إلى إجراء أصالة عدم المانع، و لا يجوز الأخذ بالإطلاق لدفع هذا الشك مع أنّهم يتمسّكون بالظهور اللفظي.

قلت: لا نقول إنّ الإطلاق ليس مسوقا لبيان الحكم الفعلي أصلا حتى يلزم ما ذكرت، بل نقول إنّها ظاهرة لبيان الحكم من غير جهة عجز المكلّف و قدرته، فمن‏

____________

(1) الظاهر زيادة الواو من قوله و التعيينين.

(2) في نسخة (ب): ليس ناظرا.

46

هذه الحيثيّة لا تكون ظاهرة في الفعليّة (1) من سائر الجهات ثابتة بالإطلاق، فلا يمكن إثبات التنجز بمجرّد الظهور اللفظي بل انّما هو بحكم العقل؛ فإذا قال الشارع «الغنم حلال» يؤخذ بظاهره لإثبات الحلّيّة عند الشك في أنّ كونه أبيض أو أسود أو مال الغير أو مال نفسه موجب للحرمة أو لا، إذا كان في مقام البيان بالنسبة إلى ذلك و أمّا إذا قال أنقذ الغريق فلا يمكن أن يقال إنّ مقتضى إطلاقه ثبوت الوجوب و لو مع العجز، إلا أنّ العقل يقيده بغير هذه الصورة، بل هو ليس متكفّلا لبيان ذلك أصلا فلا يكون من التقييد في شي‏ء.

فإن قلت: أ ليس القدرة من الشرائط العامّة لجميع التكاليف فكيف يمكن القول ببقاء كل من الدليلين على حاله و إثباته الوجوب مع أنّ المفروض العجز عن الإتيان بمقتضاه؟ فلا بدّ من التقييد في أحدهما أو كليهما بإثبات التنجز.

قلت: نمنع كون القدرة شرطا في جميع المقامات لأصل الحكم بل هي في بعضها شرط في الفعليّة و في بعضها شرط في أصل التكليف، و المقام من الأول، و الفرق أنّه قد يكون في الفعل مصلحة تامّة للايجاب و العجز لا يعتبره عن مصلحته إلا أن المكلّف لا يقدر على العمل على طبقه و إدراك تلك المصلحة (2) الفعل مقيدة بالقدرة بحيث لا مصلحة فيه مع العجز، ففي الصورة الأولى يثبت الحكم في حد نفسه نظير ثبوت الحكم الواقعي حال الجهل أو يكون المكلّف معذورا لعجزه فهو تارك للواجب لعذره لا أنّه ليس واجبا، و في الثانية لا يجب عليه أصلا، و لذا لو فرضنا أهميّة أحد الواجبين و حكمنا بوجوب اختياره لو أتى بالآخر الغير الأهم عصيانا، أو نسيانا، نحكم بصحته، و لو كان من باب التقييد و سقوط الطلب أصلا لم يكن وجه لصحته.

فتبيّن أنّه لا مانع من إبقاء كل من الدليلين على حاله، و عدم كونه من التقييد أصلا.

هذا و قد يقال في توجيه عدم كون المقام من التقييد أنّه إذا كان منه فلا بدّ من كون الآمر ملاحظا له في أمره و لا يمكن لحاظه فيه، لأنّ المفروض أنّ المزاحمة إنّما هي‏

____________

(1) بعدها في نسخة (ب): و إلا فالفعليّة ...

(2) بعدها في نسخة (ب): و قد تكون مصلحة ...

47

بين التكليفين فإذا قيد أحدهما بنفي الآخر يرجع إلى أن يقول افعل كذا إن لم أقل لك افعل ما يضاده و يزاحمه، و بعبارة أخرى يرجع إلى أن يقول افعل إن كنت مريدا لفعله بأن لم ألزمك بغيره في وقته فكأنّه قال افعل إن قدرت أن أقول افعل و هذا غير معقول فلا يقبل هذا التكليف من هذه الجهة إطلاقا و لا تقييدا.

و فيه: إنّ الوجه في عدم كونه من التقييد ما ذكرنا من أنّ التنجز ليس مستفادا من الإطلاق حتى يكون حكم العقل بعدمه من جهة العجز من التقييد و إلا فمع الإغماض عنه لا محذور فيه، إذ يمكن تصوير (1) التقييد بدون ملاحظة التكليف الآخر بأن يقول افعل إن لم يكن هناك الضد الفلاني كأن يقول أنقذ الغريق إن لم يكن هناك حريق؛ لأنّ ملاك التقييد و إن كان كون الضد مأمورا به و مجرّد المضادة مع عدم الأمر لا يكفي في المزاحمة الموجبة للتقييد إلا أنّه لا يعتبر لحاظ ذلك الأمر بل يكفي ملاحظة مجرّد المضادة و التقييد بعد وجود القيد، بعد الأمر به.

و على فرض التسليم نقول لا محذور في لحاظ تكليف في تكليف‏ (2) آخر، إذ لا مانع أن نقول‏ (3) افعل كذا إن لم يتعلّق بك أمر آخر بالأهم منه، و لا يرجع إلى ما ذكره و على فرض رجوعه إليه أيضا لا محذور فيه، إذ حاصله افعل كذا ما دام عقلك لا يأبى من هذا التكليف، و ما دمت قادرا على هذا التكليف بحسب عقلك فتدبّر.

فتحصّل أنّ التزاحم خارج عن التعارض من حيث إنّ شيئا من الدليلين لا يدلّ على نفي الحكم عن موضوع الآخر فلا يرد النفي و الإثبات على موضوع واحد، و ممّا ذكرنا ظهر أنّ مسألة اجتماع الأمر و النهي ليست من باب التعارض؛ أمّا على القول بالجواز فواضح، و أمّا على القول بالمنع فلأنّها نظير باب التزاحم، بل منه من حيث إنّ النهي التعييني زاحم الأمر التخييري، و حيث إنّ الأول أولى بالتقديم فيحكم بالحرمة في مقام الفعليّة، و لذا لو فرضنا عدم المندوحة من الطرفين بأن انحصر المكان في المغصوب و دار الأمر بين ترك الصلاة أو ارتكاب الغصب لا يرجع‏

____________

(1) في نسخة (ب): تصور.

(2) هذه الكلمة «في تكليف» لا توجد في نسخة (ب).

(3) في نسخة (ب): أن يقول.

48

إلى المرجحات لأحد الدليلين بل إلى مرجحات أحد التكليفين من أولويّة دفع المفسدة أو أولويّة (1) مراعات حقّ الناس أو نحو ذلك، و إنّما قلنا إنّها من باب التزاحم لأنّ المفروض في تلك المسألة أن يكون النهي تامّ الاقتضاء و متعلّقا بجميع أفراد الطبيعة من حيث هي، و الأمر كذلك؛ غاية الأمر كونه على وجه التخيير و لا يكون قصور في شي‏ء من أفراد الطبيعتين في المصلحة و المفسدة، إلا أنّ تمانع الطلبين في مقام الفعليّة و عدم امكان اجتماع العصيان و الطاعة و التحريك على الفعل و الترك معا أوجب- بحكم العقل- رفع اليد عن مقتضي الأمر في مقام الفعليّة مع بقاء الأمر على حاله، و عدم تقييده في حدّ نفسه، نظير الحليّة (2) الموجودة في الغنم الباقية في الغنم المغصوب، و إن كان الحكم الفعلي فيه الحرمة من جهة الغصب فإنّه لا ينافي كونه حلالا من حيث الغنيمة، غاية الأمر أنّ الصحّة لما كانت مترتبة و متفرعة على فعليّة الطلب يحكم بالبطلان عند عدمها و إلا فالصلاة تامّة في الصلاة به، و مصلحتها لا قصور فيها أصلا، إلا من قبل عدم فعليّة الطلب، و لذا لا يقولون بالفساد إلا حال العلم.

و أمّا حال الجهل و النسيان فيحكمون بالصحّة (3)، و لو كان من باب تخصيص الأمر أو تقييده لم يكن وجه للصحّة، لأنّ المفروض إنّ هذا الفرد خارج عن دليل الصحّة واقعا على هذا الفرض، و من ذلك قلنا بجواز الاجتماع و كفاية تعلّق الأمر بالطبيعة في الصحة بعد انطباق الفرد عليها، و إن لم يتعلّق به أمر لأنّه ليس معتبرا في الحكم بالصحّة، بل الانطباق على المأمور به كاف فيها، بل نقول في الأفراد المباحة أيضا لم يتعلّق بها أمر، و ملاك صحّتها ليس إلا تعلّق الأمر بالطبيعة و انطباقها عليها، بل قلنا

____________

(1) في نسخة (ب): و أولويّة.

(2) لا توجد كلمة «نظير» في نسخة (ب) و الموجود: كالحليّة.

(3) اختلف الأعلام في توجيه ذلك علميّا بتبع اختلافهم في حيثيّة الرفع بالنسبة للجاهل و الناسي، فعلى المشهور من أنّ الرفع في الناسي واقعي فيحكمون بالصحّة، و أمّا بالنسبة للجاهل فمنهم من يرى أنّ الرفع فيه ظاهري لا واقعي للزوم تحقق التصويب المجمع على بطلانه في حال التزام كون الرفع واقعيا- و هذا ما اختاره الشيخ الأعظم، و لو لم يكن هذا اللازم موجودا لأمكن القول بالرفع الواقعي بالنسبة للجاهل أيضا.

49

بناء على عدم جواز الاجتماع أيضا لا يحكم ببطلان‏ (1) العمل و لو حال العلم من جهة كون الفرد تام المصلحة، و يكفي في الصحة مطابقة الشي‏ء للمحبوب الواقعي و إن لم يتعلّق به أمر.

و الحاصل أنّ محلّ الكلام في تلك المسألة ما ذكرنا من كون كل من الطبيعتين تام المصلحة و المفسدة، بحيث لم يكن هناك مانع إلا تمانع الطلبين بناء على القول به و لازمه ما ذكرنا من عدم كونه من باب التعارض، و رفع اليد عن فعليّة الأمر ليس تقييدا في دليله، و يمكن أن يقال في وجه عدم كون المسألة من باب التعارض أنّ المفروض فيها شمول النهي للفرد المجمع بلا اشكال، و الحكم بحرمته، و لذا يحكم بحرمة الصلاة و لو على القول بجواز الاجتماع أيضا، و إنّما الإشكال في أنّه هل يمكن تعلّق الأمر به أيضا حتى لا يكون تقييدا في دليله أو لا حتى يجي‏ء التقييد، فعلى مذهب المانعين يحكم بالتقييد، و لا يحكم به على مذهب المجوّزين.

و هذا بخلاف باب التعارض فإنّ المعتبر فيه أن يكون الشك في أنّ مورد التعارض داخل تحت أيهما و أنّه محكوم بأي الحكمين، و دار الأمر بين رفع اليد عن أحد الظهورين لا (2) على التعيين، ففي مسألة الاجتماع بقاء النهي على ظاهره معلوم و إنّما الشك في إمكان بقاء الآخر أيضا على ظاهره و عدمه، و لذا لا فرق فيها بين كون متعلّق النهي أعم أو أخصّ، و لو كان من باب التعارض وجب تقديم النهي في الصورة الثانية من غير إشكال، فيعلم من ذلك أنّ الحرمة معلومة و لا اشكال في المراد من النهي، و إنّما الشك في جواز تعلّق الأمر عقلا، و عدمه فبناء على الإغماض عمّا ذكرنا من عدم استلزام القول بالمنع من الاجتماع للتقييد في دليل الأمر أيضا ليست المسألة من التعارض، و لو على مذهب المانعين.

نعم؛ لو فرض في مورد احتمال تخصيص النهي بغير مورد الأمر، و دار الأمر بين تقديم جانب النهي، و الحكم بالحرمة أو جانب الأمر و الحكم بالحليّة، كان من التعارض؛ لكنّه ليس داخلا في نزاع مسألة الاجتماع حينئذ، كما لو شك في أنّ النهي‏

____________

(1) في نسخة (ب): بالبطلان العمل.

(2) لا توجد هذه الكلمة «لا» في النسخة (ب).

50

عن التصرف في مال الغير يشمل مثل التصرف في الأراضي الواسعة و الصحاري المملوكة للغير أو المياه الجارية، أو لا؟ كان منشأ الشك ورود أمر آخر في المقابل بالصلاة أو الوضوء مثلا لا حيثيّة الانصراف مع قطع النظر عن الأمر فإنّه من باب التعارض، و لا بدّ فيه من الرجوع إلى قواعده، فمع تقديم الأمر لأرجحيّة دليله مثلا لا يحكم بالحرمة، و مع تقديم النهي يجي‏ء مسألة جواز الاجتماع و عدمه.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ ما ذكروه في تلك المسألة من أنّه على القول بالمنع لا بدّ من الرجوع إلى قواعد التعارض لا وجه له، إذ مورد تلك المسألة لا يرجع فيه إلى قواعد هذا الباب، و ما يرجع فيه إلى قواعده لا يكون من تلك المسألة، [و] كذا لا وجه لما استشكله بعضهم من أنّ اطلاق حكمهم في باب التعارض بالرجوع إلى المرجحات في العامين وجهه: و لو كان أحدهما أمرا و الآخر نهيا ينافي ما ذكروه في تلك المسألة من أنّه على القول بجواز الاجتماع يجمع‏ (1) بينهما، و لا حاجة إلى ما أجاب به بعضهم من أنّ مورد تلك المسألة ما إذا كان العام منطقيا، و مورد هذا الباب ما إذا كان عامّا أصوليا، بل لا وجه له لأنّ مورد هذا الباب أعم من العام المنطقي‏ (2)، نعم مورد تلك المسألة خاص بالعام المنطقي، إذ في العام الأصولي يلزم الاجتماع الآمري إذا كان العموم الأصولي من طرف الأمر.

ثانيها: باب التنزيل‏

فإنّه ليس من التعارض و إن كان موجبا للتخصيص في اللبّ مثلا إذا قال: لا صلاة إلا بالوضوء، و قال أيضا: يجوز الصلاة بالتيمم، يكون من التعارض، و لكن إذا قال:

التيمم بمنزلة الوضوء أو ما يؤدي مؤدّاه، ليس من التعارض و إن كان موجبا لرفع اليد عن العموم الأول في اللبّ و الواقع، و ذلك لأنّ لسان التنزيل في الحقيقة لسان تقرير العموم؛ غاية الأمر إنّه يجعل دائرته أوسع في عالم اللبّ، بل و كذا إذا قلنا إنّه بجعل‏

____________

(1) الجمع بين المعنونين في باب اجتماع الأمر و النهي من العناوين الخادعة؛ فالمراد بأن يجمع بينهما أي يحقق كلّا منهما خارجا فلا اجتماع بينهما واقعا و لا يلزم من تحقق أحدهما امتناع تحقق الآخر، و هذا مفاد جواز الاجتماع، و على العكس القول بعدم الجواز أي أنّه يلزم من تحقق أحدهما عدم تحقق الآخر و لا يكون في الخارج إلا معنون لعنوان واحد.

(2) في نسخة (ب): أعم من العام الأصولي و المنطقي.

51

أوسع في اللفظ أيضا، بيان ذلك: إنّه قد يقال إنّ قوله «التيمم وضوء» يكشف عن أنّ المراد من قوله «لا صلاة إلا بوضوء» أعم من الوضوء الحقيقي و التنزيل، فيكون توسيعا في اللفظ، و قد يقال- و هو التحقيق- إنّ المراد من قوله «لا صلاة إلا بوضوء» هو الحقيقي لكن الشارع أضاف إليه- بدليل التنزيل- شيئا آخر و هو التيمم لا بعنوان التخصيص و رفع اليد عنه، بل بلسان تقرير العموم على حاله و إقامة شي‏ء آخر مقام بعض أفراده، نعم يكون تخصيصا في عالم اللب، فعلى الوجهين لا يكون التنزيل من التعارض.

ثالثها: باب الورود

و هو أن يكون أحد الدليلين واقعا لموضوع الآخر حقيقته، و هو تخصص في المعنى؛ إلا أنّه أخص منه، فإنّ التخصص قد يطلق على ما إذا كان موضوع كل من الدليلين مغايرا لموضوع الآخر، و كان خارجا عنه من الأول كما إذا قال: أكرم العدول و لا تكرم الفساق، فإنّ خروج الفسّاق من الأول، و العدول من الثاني‏ (1) من باب التخصص، و لا يطلق عليه الورود، و قد يطلق أيضا على ما إذا كان ارتفاع موضوع الدليل العام الخارجي لغير المستفاد من الدليل، كما إذا قال: إذا شككت فابن على كذا، فزال شكّه من الخارج لا بسبب ورود الدليل، فلا يكون دليل هناك يطلق عليه اسم الوارد.

ثمّ إنّ ورود أحد الدليلين على الآخر قد لا يكون بجعل من الشارع، كما إذا ارتفع الشك الذي هو موضوع الأصول بسبب الدليل المفيد للعلم بالواقع، فإنّ العلم لا يحتاج إلى الجعل، و قد يكون بجعل الشارع كما إذا كان موضوع الأصل الحيرة، و كان هناك دليل ظنّي مثبت للحكم الواقعي، فإنّه- مع قطع النظر عن جعل الشارع، و حكمه باعتبار ذلك الدليل- لا يرتفع التحير الذي هو موضوع الأصل، لكن بعد جعله إيّاه حجّة يرتفع حقيقة، إذ لا تبقى حيرة بعد وجود ما جعله الشارع طريقا للواقع، و هذا هو الفرق بين الحكومة و الورود، فإنّ في الحكومة لا يرتفع الموضوع إلا جعلا و تنزيلا كما إذا جعلنا موضوع الأصل الشك في الواقع لا التحير و عدم البيان،

____________

(1) لا توجد هذه الكلمة «من الثاني» في نسخة (ب).

52

فإنّ الدليل المعتبر لا يرفع الشك إلا تنزيلا، فهو حكومة لا ورود، فالرفع في الورود حقيقي و إن كان موقوفا على دليل الاعتبار، بخلاف الحكومة؛ فإنّه فيها تنزيلي.

ثمّ لا يخفى أنّ ارتفاع موضوع الدليل المورود قد يكون من جهة كونه مقيّدا بعدم الدليل الآخر الوارد، و قد لا يكون بسبب تقيده بعدمه بل من جهة كون موضوعه أمرا خاصا يرتفع قهرا بسبب ذلك الدليل، بيان ذلك: إنّ الورود على قسمين:

أحدهما: أن يكون اعتبار الدليل المورود مقيدا بعدم الوارد كما إذا قلنا: إنّ دليل أصل البراءة مقيد بعدم ورود دليل مفيد للعلم، أو ظني معتبر من جانب الشارع فبعد ورود الدليل الكذائي يرتفع الموضوع من جهة زوال قيده، فإنّه على هذا يكون الموضوع الشك المقيّد بعدم الدليل على الواقع.

الثاني: أن يكون الموضوع أمرا خاصا كما إذا جعلنا موضوع الأصل الحيرة أو عدم البيان كما هو كذلك بالنسبة إلى أصل التخيير و أصل البراءة العقلي، فبعد ورود الدليل المعتبر يرتفع ذلك الأمر الخاص قهرا، و لو لم يكن دليله مقيدا بعدم ورود هذا، بمعنى عدم كون التقييد منظورا فيه، و إلا فهذا أيضا يقيد في عالم اللبّ، ففي القسم الأول لا إشكال في تقديم الدليل على الأصل، و إن كان ظنيا؛ لأنّ الغاية للإصلاح أحد الأمرين من العلم أو الدليل المعتبر.

و أمّا القسم الثاني فالحق فيه أيضا ذلك، لكن ربّما يستشكل فيه بأنّ التحير مثلا موجود من حيث هو و دفعه بالدليل الظني فرع تقديمه و عدم معارضته بهذا الأصل، و إلى هذا نظر المحقق الأنصاري (قدس سره) في آخر باب الاستصحاب، حيث إنّه نقل عن بعضهم أنّ سرّ تقديم الأدلّة الاجتهاديّة عليه أنّ المراد من الشك عدم الدليل و التحير (1) في العمل، و مع قيام الدليل لا حيرة، و أورد عليه بأنّه لا يرتفع التحير و لا يصير الدليل قطعي الاعتبار في مورد الاستصحاب إلا بلحاظ الحكومة، و إلا أمكن أن يقال إنّ مؤدّى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة سواء كان هناك أمارة أو لا، و قال: لا تندفع مغالطة هذا الكلام إلا بما ذكرنا من طريق الحكومة،

____________

(1) في نسخة (ب): و الحيرة.

53

و ظاهره‏ (1) أنّه مع تسليم كون الموضوع أمرا خاصا؛ و هو الحيرة لا يكفي ورود الدليل في دفعه حقيقة، لكنّ الإنصاف أنّ الحيرة ترتفع حقيقة.

و الصواب في الجواب منع كون الموضوع ذلك‏ (2)؛ بل الموضوع للاستصحاب الشك في الواقع، و حينئذ يحتاج إلى طريق الحكومة، و لذا ذكر في أول هذا الباب الأدلّة (3) الاجتهاديّة واردة على الأصول العقليّة التي موضوعاتها الحيرة و عدم البيان، كالتخيير و البراءة العقليّة، و كيف كان فعدم كون الورود من التعارض واضح إذ بعد رفع الموضوع لا يبقى حكم مناف للدليل الوارد، حتى يكون المورود معارضا له.

رابعها: باب الحكومة [و فيه مقامات‏]

و الكلام:

- تارة في بيان حقيقتها

- و أخرى في الفرق بينها و بين التخصيص.

- و ثالثة في وجه عدم كونها من التعارض.

- و نتبعها ببيان كيفيّة تقديم الأدلّة الاجتهادية على الأصول العمليّة، و أنّه من الورود أو الحكومة أو غيرها فهنا مقامات:

[المقام‏] الأول: الحكومة

أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متصرفا في الدليل الآخر و ناظرا إليه نظر شرح و تفسير، لكن لا بالتفسير الصريح؛ بل بالتفسير الضمني سواء كان بتخصيص عمومه أو تقييد إطلاقه، أو بحمله على خلاف ظاهره، أو إيجابه لعدم العمل بمقتضاه فهي قسم من القرائن المنفصلة في الحقيقة، و الفرق بينها (4) بالمدلول اللفظي لا بحكم العقل، كما في غيرها.

ثمّ إنّ نظر الحاكم قد يكون بمقتضى مدلوله كما في قوله «لا حرج ...» على ما

____________

(1) في نسخة (ب): فظاهره.

(2) في نسخة (ب): كذلك.

(3) في نسخة (ب): أن أدلة الاجتهاديّة.

(4) في نسخة (ب): و بين غيرها أنّ قرينيتها ...

54

سيأتي بيانه، و قد يكون مستفادا من السياق كما إذا قال «أكرم العلماء»، و قال «لا تكرم الفساق»، و استفيد من سياقه النظر إلى قوله «أكرم العلماء»، و أيضا قد يكون نظره عمديا مقصودا للمتكلّم، و قد يكون قهريّا لازما للمدلول من غير أن يكون نظر المتكلّم إلى الشرح، بل كان نفس المدلول شرحا و بيانا للدليل الآخر فالأول كما في دليل نفي الحرج بالنسبة إلى أدلّة التكاليف، بناء على كون المراد منه نفي وجود الحرج في أحكام الدين، فإنّ الأحكام الثابتة في الشرع لموضوعاتها- سواء كانت مجعولة سابقا أو لاحقا- مرفوعة عن‏ (1) أفرادها الحرجيّة فإنّ المتكلّم بهذا الكلام لا بدّ و أن يكون ناظرا عمدا و قصدا إلى أدلّة تلك الأحكام.

و أمّا إذا حملناه- على بعد- على إرادة بيان عدم مشروعيّة تحمل المشقّة و الحرج بأن يكون المعنى ليس الحكم الحرجي داخلا في جملة أحكام الدين، و أنّه لا يجوز تحمل المشقّة و أنّ الأفعال الشاقّة مثل الصعود على ذروة الجبال العالية و الدوران كلّ يوم ألف مرّة مثلا و نحو ذلك من الأفعال الشاقّة محرّمة أو مكروهة مثلا، فيكون حكما ابتدائيا كسائر الأحكام الابتدائيّة، و لا يكون ناظرا و لا حاكما على أدلّة التكاليف، بل يكون على هذا معارضا (2)، و على المعنى الأول يزيد مورده على مجموع موارد التكاليف، و على الثاني يشمل الأفعال التي ليست موردا للتكليف؛ كالصعود على الجبل الشاهق و نحوه.

و كذا قوله «لا شك في النافلة» بناء على كون المراد نفي أحكام الشكوك عنها، و أمّا إذا حمل- على بعده- على إرادة بيان الحكم الابتدائي و أنّ في الشك في النافلة يجوز البناء على أي طرف شاء فلا يكون حاكما.

و الثاني؛ كما في أمر الاستصحابين الحاكم أحدهما على الآخر، فإنّه لا يعقل فيه النظر القصدي لوحدة دليلهما، و لا يعقل كون دليل واحد ناظرا إلى نفسه نظرا عمديا و كما في الاجتهاديّة بالنسبة إلى الأصول العمليّة على التحقيق، فإنّه لا التفات فيها إلا إلى بيان الواقع، و لا التفات في أدلّة اعتبارها إلا إلى بيان وجوب العمل بمقتضاها،

____________

(1) في نسخة (ب): من.

(2) في نسخة (ب): معارضا لها.