التعليق والشرح المفيد للحلقة الأولى‏ - ج1

- السيد محمد علي الحسيني المزيد...
317 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

الإهداء

إلى الّذي جمع العلم مع العمل و الجهاد مع الشهادة فخرج من الدنيا شهيدا و سيكون في الآخرة سعيدا الإمام الشهيد محمد باقر الصدر (رحمه اللّه) و إلى الزينبية اخته الشهيدة بنت الهدى (ره) الّتي أبت إلّا أن تكون في سفينته‏

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة

السلام على آل يس‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و نشكره في السرّاء و الضرّاء، و في آناء الليل و أطراف النهار، و نصلّي على النبي الأمّي الهاشميّ محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و على آله الأوصياء المعصومين، من أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) إلى خاتم الأوصياء الحجّة المهديّ المنتظر- أرواحنا فداه- و اللعنة الدائمة على أعدائهم من الإنس و الجنّ، من الأولين و الآخرين، إلى قيام يوم الدين.

أمّا بعد:

6

فإنّ الاستضعاف مفهوم له مصاديق متعدّدة، منها ما ينطبق على استضعاف البشر، و منها ما ينطبق على استضعاف الحيوان، و منها ما ينطبق على استضعاف كتاب.

و من الكتب الّتي جرى استضعافها الحلقة الأولى من دروس في علم الأصول للإمام الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه اللّه).

فكثير من علمائنا و أساتذتنا- أعزّهم اللّه- استضعفوا هذه الحلقة بالتقليل من أهميتها أو تصغير شأنها، فتراهم يقولون للتلميذ: يمكنك قراءتها وحدك من دون الحاجة إلى الأستاذ، أو لعلّ بعضهم يصفها بالتاريخ أو التعريف بالمصطلح الأصولي. و بين رأي هذا و وصف ذاك، استضعفت الحلقة الأولى و تركت من غير تدريس، أو لنقل: من غير شرح أو توضيح على الأقلّ، اسوة بأختيها الحلقة الثانية و الثالثة، و ليكون العمل تامّا و كاملا فرحم اللّه امرأ عمل عملا فأكمله و أتمه.

الحلقات الأصولية للسيد الشهيد (رحمه اللّه) هي عبارة عن دروس منهجية في علم الأصول. رتّبها السيد الشهيد (رحمه اللّه) على أساس ثلاث حلقات، الأولى و الثانية و الثالثة. فما قاله في الحلقة الأولى لا يعيده في الحلقة الثانية، و ما قاله في الثانية لا يكرّره في الثالثة، بل كما هو الشاهد من كلامه (رحمه اللّه) ليرجعك إلى الحلقة الأولى أو الثانية إذا مرّ الكلام على مسألة معيّنة، كان قد بحثها و أشار إليها أو فصّلها بكلامه السابق.

7

لذا لا يمكن دراسة الحلقة الثانية أو الثالثة من دون الاطلاع أو الدراسة للحلقة السابقة أو الأولى؛ لأنّ مبدأ الحلقات هكذا.

فمن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة الحلقة الأولى، و لإكمال العمل و إتمامه علينا شرحها أو توضيح بعض الأمور المبهمة فيها، أو الّتي تحتاج إلى توضيح أكثر.

فلمّا رأينا القوم قد استضعفوا هذه الحلقة، مع أهميّتها، فأهملت و قعد الناس عنها، استخرنا اللّه تحت القبّة المطهّرة القمّية لمولاتنا و سيدتنا فاطمة بنت موسى الكاظم (عليهما السلام) فخرجت الآية:

تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها (1).

فشمّرنا عن سواعدنا و توكّلنا على ربّنا و تشفّعنا بأئمّتنا و باشرنا بشرحنا للحلقة الأولى من حلقات السيد الشهيد (رحمه اللّه).

و أسميناها ب «التعليق و الشرح المفيد للحلقة الأولى للسيد الشهيد».

فأسأل اللّه بمحمد و آل محمد أن ينفع بها المؤمنين، و تساعد الطلاب المبتدئين في دراسة علم الأصول، و كلّ من يريد التعرّف و الاطّلاع على أصول الفقه الإسلامي.

____________

(1). إبراهيم: 25.

8

و ألتمس من جميع إخواننا المؤمنين الدعاء، خصوصا عند مظانّ الإجابة.

و السلام على آل يس و الحمد للّه رب العالمين‏ (1)

قم المقدسة محمد علي الحسيني‏www .banihashem .org تلفون لبنان: 009613961846

____________

(1). التماس خاصّ من كلّ مستفيد و قارئ للكتاب ان يقرأ لنا سورة الفاتحة و يدعو لنا إن كنا أحياء بالتوفيق و الثبات و حسن العاقبة و أن نكون من جند الإمام صاحب العصر و الزمان المهدي المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).

9

التمهيد (1)

____________

(1). شرع سيدنا (رحمه اللّه) بعدة مباحث، منها تعريف علم الأصول و موضوعه و أهميّته و حاجته و دوره مع الفقه و حاجة الفقه إليه إلى تاريخ نشوئه و بحث كامل حول مصطلح الاجتهاد و مقارنته بين السنّة و الشيعة، و إلى الانتهاء بالحكم الشرعي و تقسيماته. و هذه البحوث كلّها لا دخل لها بأصل علم الأصول، إنما وصفها كبحوث تمهيدية لعلم الأصول.

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

التعريف بعلم الأصول‏ كلمة تمهيدية بعد أن آمن الإنسان باللّه و الإسلام و الشريعة، و عرف أنّه مسئول بحكم كونه عبدا للّه تعالى عن امتثال أحكامه، يصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة و الشريعة، و باتخاذ الموقف العملي الّذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة، و لأجل هذا كان لزاما على الإنسان أن يعيّن هذا الموقف العملي‏ (1)، و يعرف كيف يتصرّف في كلّ واقعة.*

[التمهيد]

* شرع السيد الشهيد (رحمه اللّه) بمقدّمة مهمّة تحتوي على نقاط أساسية، منها:

1. العقيدة باللّه تعالى:

فالعقل فرض علينا معرفة واجد الكون و خالق الخلق و علّة العلل، و هو اللّه جلّ جلاله، و لا يخفى أنّ وجوب معرفة واجب الوجود هو وجوب عقليّ ناتج عن وجوب دفع الضرر المحتمل، و وجوب شكر المنعم، و ما هناك من أدلّة دالّة على وجوب معرفة اللّه، حيث إنّ دفع الضرر و وجوب شكر المنعم لا يتمّان إلّا بالمعرفة. إذا فمعرفة اللّه‏

____________

(1) إما بالاجتهاد، أو بالتقليد، أو بالاحتياط.

12

.......

____________

واجبة، و معرفته لها طرق بعدد أنفاس الخلائق، منها برهان النظم، و البرهان العلّي، و الأثر و غيرها، فيثبت وجود اللّه، فنعتقد به. (1)

2. الإيمان باللّه تعالى:

فبعد ما عرف الإنسان عبر الأدلّة العقلية أنّ اللّه هو خالق الخلائق و علّة الوجود آمن به.

3. الإيمان برسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):

بعد الإيمان باللّه تعالى جاءنا رسول من عنده اسمه محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) مبشرا بالثواب و الجنّة، و منذرا بالعقاب و النار، حاملا معه القرآن الكريم كتاب اللّه المعجز، أوجب علينا طاعة اللّه، و أخبرنا أنها الغاية لخلقنا فصدّقناه و اتّبعناه.

4. الإيمان بالإسلام:

بعد الإيمان بنبوّة نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هدانا إلى الإسلام و شريعة ربّ الأنام، فالإسلام هو دين اللّه، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (2).

و الشريعة هي الأحكام الّتي أتانا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هي‏

____________

(1). راجع كتابنا: معرفة العقائد الإسلامية: 23.

(2). آل عمران: 19.

13

تحتوي على كلّ شي‏ء.

5. عبادة اللّه تعالى:

عرفنا عن طريق الشرع الإسلامي أننا مأمورون بعبادة اللّه تعالى، بل هي الهدف من خلقنا، كما قال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‏ (1).

و يجب علينا إطاعة اللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ‏ (2).

إذا فالإنسان مكلّف بعبادة ربّه و طاعته و الالتزام بأحكامه الشرعية الّتي أتانا بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هذه الأحكام شاملة لكل شي‏ء؛ قال تعالى: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ (3).

و جاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام):

«ما من شي‏ء إلّا و فيه كتاب أو سنّة» (4).

و كذلك عنه (عليه السلام):

«ما من حادثة إلّا و للّه فيها حكم» (5).

____________

(1). الذاريات: 56.

(2). آل عمران: 32.

(3). النحل: 89.

(4). أصول الكافي: 1/ 595.

(5). الوسائل: 27/ 52.

14

خلاصة الكلام:

إنّ الإنسان بعد إيمانه باللّه و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عرف عن طريق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ هناك تكاليف و أحكاما شرعيّة شاملة لكلّ مجالات الحياة و أنّه ما من واقعة إلّا و للّه فيها حكم.

فعليه الالتزام بها و العمل على أساسها.

بعبارة أخرى: إنّ الإيمان بالشريعة فرع الإيمان بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و فرع الإيمان باللّه تعالى الّذي فرض علينا طاعته و إطاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الالتزام بشريعته الإسلامية المحمّدية السمحاء.

15

و لو كانت أحكام الشريعة في كلّ الوقائع واضحة وضوحا بديهيا للجميع، لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشريعة في كلّ واقعة أمرا ميسورا لكلّ أحد، و لما احتاج إلى بحث علميّ و دراسة واسعة، و لكن عوامل عديدة، منها بعدنا الزمنيّ عن عصر التشريع‏ (1) أدّت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة (2) و اكتنافها بالغموض.*

بعد ما تبيّن أنّ هناك أحكاما شرعية لكلّ الوقائع و شتى المجالات الحياتية، تبين أيضا أنّ هذه الأحكام ليست واضحة و سهلة مفهومة لدى جميع الناس، حتّى يمكن معرفتها و العمل في ضوئها، بل أحكام الشريعة تحتاج إلى أهل الاختصاص لاستنباطها و معرفتها و تطبيقها.

و ليس كلّ شخص يمكنه فعل ذلك، بل لا بدّ من دراسة هذه العلوم، خصوصا في زماننا هذا، للتمكن من استنباط الأحكام، كالنحو و الصرف و المنطق و الرجال و الدراية و الأصول و الفقه الخ ... و هذا لم يكن يحتاج إليه في عصر التشريع، أي مع وجود النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام)؛ لأنّ الأحكام كانت تؤخذ منهم مباشرة و بكلّ سهولة، و من دون أي شكّ أو مانع.

بيد أنّ هذا الأمر في زماننا أصبح فيه صعوبة، و السبب يعود

____________

(1). و هو عصر وجود الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام).

(2). و كذلك إدخال نصوص مزورة أو موضوعة، و العمل بالتقية الخ ...

16

للبعد الزماني عن عصر الأئمة (عليهم السلام) فضلا عن عصر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛ إضافة إلى بعض العوامل و الظروف الأخرى، و منها ضياع و فقدان بعض النصوص و الروايات، و وجود بعض الظروف السياسية و الاجتماعية الّتي أدّت إلى العمل بالتقية (1) و إدخال نصوص مزوّرة أو موضوعة، كلّ هذا أدّى إلى فقدنا لكثير من الأدلّة على بعض الأحكام أو إلى عدم وضوح عدد كبير منها.

____________

(1). التقية هي كتمام الإيمان و إظهار ما يخالفه، قال تعالى: وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ‏ غافر: 28.

فإن التقية مبدأ إسلامي عام شرّعه اللّه تعالى في القرآن الكريم و دلّت عليه نصوص السنّة الشريفة. كما دلّت عليه النصوص المتظافرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

17

و على هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولّى دفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كلّ واقعة بإقامة الدليل على تعيينه.*

و هكذا كان، فقد أنشئ علم الفقه للقيام بهذه المهمّة، فهو يشتمل على تحديد الموقف العمليّ تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا، و الفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العمليّ في كلّ حدث من أحداث الحياة، و ما نطلق عليه اسم عملية استنباط الحكم الشرعي.**

* أي بعد ما عرفنا أن ليس كلّ الأحكام واضحة و سهلة و بديهية، كان لا بد لنا من إيجاد علم ما لمعرفة الأحكام، لكلّ حادثة و واقعة عبر إقامة البرهان و الدليل عليها.

فبدأ الأمر بجمع الروايات و الأحاديث الواردة في الأحكام، و نشأ علم الحديث، لكنّه لم يف بالغرض؛ لأنّه اقتصر على الطريقة أو الأسلوب العادي الّذي يفهمه الناس. بيد أنّ المطلوب هو وجود طريقة علمية عميقة لفهم الروايات و استخراج الأحكام بدقّة كبيرة.

** بعد ما عرفنا أنّ العمل بالشريعة يحتاج إلى علم يتولّى دفع الغموض عن الموقف العمليّ تجاه الشريعة في كلّ واقعة بإقامة الدليل، و لم تف جمع الأحاديث أو علم الحديث بالغرض، فنشأ علم الفقه ليتولّى‏

18

هذه المهمّة و دراسة المصادر بدقّة و عمق، و استخراج الفروع من الأصول و النظر في محتواها و مداليلها، و الاجتهاد في توضيح الحدود و تمييز المواقف، و هذا ما أطلق عليه عملية الاجتهاد أو الاستنباط للأحكام الشرعية.

و من يقوم بهذه العملية الفقهية يقال له: فقيه أو مجتهد، حيث يقوم باستفراغ الوسع لتحديد و تعيين الحكم الشرعي لكلّ واقعة عبر إقامة الدليل و البرهان عليها، مستندا إلى أحد مصادر الشريعة المقرّرة.

19

و لأجل هذا يمكن القول بأنّ علم الفقه هو: «علم استنباط الأحكام الشرعيّة، أو علم عملية الاستنباط بتعبير آخر».*

* بعد ما تقدّم يمكننا تعريف علم الفقه بأنّه علم يهتم باستنباط الحكم الشرعي‏ (1)، أي استخراجه من مصادره المقررة، إمّا القرآن الكريم المصدر الأوّل و الأساسي، أو السنّة و هي ما تشمل قول أو فعل أو تقرير المعصوم، أو العقل أو الإجماع في تفصيل يأتي إن شاء اللّه.

و العملية الّتي يقوم بها الفقيه لاستخراج الحكم الشرعي من مصدره تسمّى بعملية «الاستنباط» أو «الاجتهاد» و تسمّى القضايا المستنبطة، بالأحكام الشرعيّة، كما إذا استنبط الفقيه وجوب ردّ السلام من مصدر شرعيّ كالقرآن، بدليل الآية الكريمة: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها (2).

فوجوب ردّ السلام حكم شرعيّ يجب الالتزام و العمل به.

____________

(1). قد عرفنا الحكم الشرعي بأنّه: «القوانين الصادرة من اللّه لتنظيم حياة الإنسان». يمكنك مراجعة كتابنا: الحكم الشرعي و تقسيماته: 16.

(2). النساء: 86.

20

و تحديد الموقف العمليّ بدليل يتمّ في علم الفقه بأسلوبين:

أحدهما: تحديده بتعيين الحكم الشرعي.

و الآخر: تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك بعد استحكام الشك و تعذّر تعيينه.

و الأدلّة الّتي تستعمل في الأسلوب الأوّل نسمّيها بالأدلة، أو الأدلّة المحرزة، إذ يحرز بها الحكم الشرعي.

و الأدلّة الّتي تستعمل في الأسلوب الثاني تسمّى بالأدلة العملية أو الأصول العملية.*

* هناك أسلوبان لاستنباط الحكم الشرعيّ، الأسلوب الأوّل: نحصل على دليل سواء من القرآن أو السنّة أو أي مصدر من مصادر التشريع، (1) و هذا الدليل يكشف لنا عن الحكم الشرعي و نوعه. فقد يكون واجبا بمعنى وجود المصلحة الملزمة للمكلّف كوجوب الصوم، و قد يكون محرّما بمعنى وجود مفسدة ملزمة للمكلّف، كحرمة شرب الخمر، و قد يكون مستحبّا بمعنى وجود مصلحة غير ملزمة كصلاة الليل، و قد يكون مكروها بمعنى وجود مفسدة غير ملزمة، كالأكل على جنب، و قد يكون مباحا، للمكلف الخيار فيه، كشرب الماء.

و هذا الحكم يسمّى حكما شرعيّا تكليفيّا، و هو موجه بشكل‏

____________

(1). راجع كتابنا: مصادر الشريعة الإسلامية.

21

مباشر لأفعال الإنسان، مقابل الحكم الشرعي الوضعي الّذي لا يكون موجّها بشكل مباشر للإنسان في أفعاله و سلوكه، من قبيل وجوب النفقة، فهو حكم شرعي وضعي، فبعد أن تصبح المرأة زوجة للرجل تلزم بواجباتها الزوجية، و كذلك يلزم الرجل بوجوب النفقة و غيرها، و هذا ما يسمّى بالحكم الشرعيّ الوضعيّ، و هناك حكم شرعيّ واقعيّ و ظاهريّ، فنحن لسنا بصدد التعرض و التقسيم للحكم الشرعي، بل نحن نعرّف الأسلوب أو الطريقة الأولى الّتي تتم بها عملية الاستنباط، فهي مع وجود الدليل، فيكون الحكم موجودا على أساس الدليل، و يسمّى بالدليل المحرز أو الدليل الّذي يحرز به ليعرف الحكم الشرعي.

و الأسلوب الثاني: إذا لم نحرز دليلا شرعيا يكشف لنا عن الحكم، فلا بدّ من أصل أو قاعدة تبيّن لنا تكليفنا تجاه هذا و هذه الواقعة المجهول حكمها. و هذه القاعدة تسمّى بالأصول العملية الّتي لا تعدّ دليلا محرزا، بل هي تحدّد الوظيفة العلمية تجاه الحكم المجهول.

22

و في كلا الأسلوبين يمارس الفقيه في علم الفقه استنباط الحكم الشرعي، أي يحدّد الموقف العملي تجاهه بالدليل.*

* الفقيه يمارس استنباط الحكم الشرعي بأسلوبين:

الأوّل: استنباط الحكم القائم على أساس دليل محرز للواقع.

الثاني: استنباط الحكم القائم على أساس تحديد وظيفة عملية.

و في كلا الأسلوبين يكون الحكم ناتجا عن دليل، بيد أنّ الدليل بالأسلوب الأوّل يكون فيه كشف عن الواقع، أو درجة كبيرة من الكشف، كالأمارات مثلا، لذا يسمّى بالدليل المحرز.

و الأسلوب الثاني يكون الحكم فيه ناتجا عن دليل كذلك، لكنه يختلف عن الأوّل بأنّه لا كاشفية له، بل هو يحدّد الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك من دون إحراز أو كشف، و يسمّى بالأصل العملي.

كأصالة البراءة.

23

و عمليات الاستنباط الّتي يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعدّدها و تنوّعها تشترك في عناصر موحّدة و قواعد عامّة، تدخل فيها على تعدّدها و تنوّعها، و قد تطلّبت هذه العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وضع علم خاصّ بها، لدراستها و تحديدها و تهيئتها لعلم الفقه، فكان علم الأصول.*

تعريف علم الأصول: و على هذا الأساس نرى أن يعرّف علم الأصول بأنّه:

«العلم بالعناصر المشتركة (1) في عملية استنباط الحكم الشرعي».

* مرّ بنا أن عملية استنباط الحكم في الفقه نوعان و لها أسلوبان قائمان على أساس دليل محرز أو أصل عمليّ.

و مع تعدّد عملية الاستنباط و تنوّع الأسلوب، إلّا أنّ هناك عناصر موحّدة و مشتركة بين الأسلوبين، لا تختصّ باستنباط حكم شرعيّ خاصّ، بل تعمّ عمليّة الاستنباط بنوعيها كالظهور العرفي، و حجية خبر الثقة، فتطلّبت هذه العناصر المشتركة و القواعد العامّة إنشاء علم خاصّ بها سمّي بعلم الأصول. أي أصول الفقه.

____________

(1). العناصر المشتركة في عملية الاستنباط هي: العناصر الّتي تدخل و تشترك في عمليات استنباط أحكام عديدة و مختلفة، كحجية خبر الثقة مثلا، فإنها لا تختصّ في مورد معيّن أو في مسألة خاصّة، فإن خبر الثقة قد يستنبط منه الحكم بوجوب ... أو الحكم بحرمة ... أو الحكم بوجوب ...

الخ فهو عنصر مشترك إذن، بل تشترك في مختلف أنواع العمليات الاستنباطية للأحكام المختلفة و المتنوعة. و سيأتيك التفصيل أكثر.

24

و لكي نستوعب هذا التعريف يجب أن نعرف ما هي العناصر المشتركة في عمليّة الاستنباط.*

و لنذكر- لأجل ذلك- نماذج بدائية (1) من هذه العمليّة في صيغ مختصرة، لكي نصل عن طريق دراسة هذه النماذج و المقارنة بينها إلى فكرة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.**

[تعريف علم الأصول‏]

* و على هذا الأساس أي، على أنّه هناك عناصر مشتركة، و قواعد عامّة في عملية الاستنباط كانت نشأة علم الأصول الملبيّ لهذه الدعوة.

فعرّف السيد الشهيد (رحمه اللّه) علم الأصول بأنّه «العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي». و لم يشأ تفسير التعريف لعلة عدم استيعابه إلّا بمعرفة العناصر المشتركة، فعندها يتّضح معنى التعريف.

** بعد أن بيّن السيد الشهيد (رحمه اللّه) أنّ معرفة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط ضرورية لاستيعاب و فهم التعريف، شرع بإعطاء عدّة أمثلة أولية كنماذج سهلة و بسيطة، يمكننا بمقارنتها مع بعضها الوصول لفهم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

و برأينا هذا شي‏ء جميل و أسلوب عمليّ، فعملية اقتران النظرية مع التطبيق شي‏ء مهمّ و مفيد للطالب، و لعلّ هذا الأسلوب هو

____________

(1). لكلّ مقام مقال، و في هذه الحلقة الأولى لدراسة علم الأصول نكتفي بهذا المقدار و الأسلوب و النماذج. ليأتي معك التّدرج في دراسة الحلقات إن شاء اللّه.

25

أفضل الأساليب، و أهمّ المميّزات الّتي تميّزت بها هذه الحلقات.

فلا يبقى الطالب في عالم النظرية، بل ينزل إلى عالم التطبيق مباشرة، ليعرف أين تكمن كلّ قاعدة، و أين موقعها و مكانها، و بنفس الوقت ليتفاعل مع العملية النظرية بالعملية التطبيقية، فترسخ الفكرة عنده، فيتمّ الغرض و تحصل الفائدة إن شاء اللّه.

26

افرضوا أنّ فقهيا واجه هذه الأسئلة:

1. هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء؟

2. هل يجب على الشخص إذا ورث مالا من أبيه أن يؤدّي خمسه؟

3. هل تبطل الصلاة بالقهقهة في أثنائها؟

فإذا أراد الفقيه أن يجيب على هذه الأسئلة، فإنّه سوف يجيب على السؤال الأوّل بالإيجاب، و أنّه يحرم الارتماس على الصائم، و يستنبط ذلك بالطريقة التالية:

قد دلّت رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق (عليه السلام) على حرمة الارتماس على الصائم، فقد جاء فيها:

«لا يرتمس المحرم في الماء و لا الصائم» (1).

و الجملة (2) بهذا التركيب تدلّ في العرف العام‏ (3) على الحرمة، و راوي النص يعقوب بن شعيب ثقة، و الثقة و إن كان قد يخطئ أو يشذّ أحيانا، و لكن الشارع أمرنا بعدم اتهام الثقة بالخطإ (4) أو الكذب، و اعتبره‏

____________

(1). الوسائل: 10/ 36.

(2). الجملة تتألف من كلمتين أو أكثر، و قد تكون جملة تامة مفيدة و قد تكون ناقصة، و تتصف بالفعلية أو الاسمية، و إخبارية و إنشائية و سوف يأتيك التفصيل عن كل هذا لاحقا.

(3) سيأتي توضيح العرف.

(4) أقول: لعل هذه الكلمة ليست في محلّها، بل هي كذلك لأنّ إعطاء صفة الوثاقة لا يعني عصمة الراوي. بل أقصى ما يمكن هو حجيّة خبره لا أكثر. بمعنى جواز الاعتماد عليه شرعا.

27

حجّة (1)، و النتيجة هي أنّ الارتماس حرام.*

* شرع السيد (رحمه اللّه) بإعطاء النماذج لفهم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، فأعطى ثلاثة أمثلة و شرع بتحليلها و الوصول من خلالها إلى توضيح فكرة العناصر المشتركة، ففي المثال الأوّل استعان بفهم العرف أو ما يسمّى بالظهور العرفي في رواية يعقوب بن شعيب الدالة على حرمة الارتماس للصائم و المحرم.

مع ثقة الراوي. فهناك عاملان في الجواب الأوّل اساسيان:

1. فهم العرف أو ظاهر الكلام الّذي يعدّ حجّة علينا.

2. و خبر الثقة الّذي اعتبر الشارع المقدّس أنّه حجّة.

فهمنا بل استدللنا على حرمة الارتماس في الماء أثناء الصّوم و الإحرام.

____________

(1). الحجّة عند الأصوليين يراد بها المنجّزية و المعذّرية، و المنجّزية هي المسئولية و الثبوت في العهدة، و المعذّرية هي انتفاء المسئولية و صحة الاعتذار.

28

و يجيب الفقيه على السؤال الثاني بالنفي؛ لأنّ رواية علي بن مهزيار جاءت في مقام تحديد الأموال الّتي يجب فيها الخمس، و ورد فيها «أنّ الخمس ثابت في الميراث الّذي لا يحتسب من غير أب و لا ابن» (1)، و العرف العام يفهم من هذه الجملة أنّ الشارع‏ (2) لم يجعل خمسا على الميراث الّذي ينتقل من الأب إلى الابن، و الراوي ثقة (3) حجّة، و النتيجة هي أنّ الخمس في تركة الأب غير واجب.*

* كذلك في المثال الثاني استعنّا بفهم العرف و بحجّية رواية علي بن مهزيار لنستدلّ على عدم وجوب الخمس في ميراث الأب المنتقل للابن، مع وثاقة الراوي فنستخلص عاملين:

1. فهم العرف العام الّذي يعدّ حجّة علينا.

2. خبر الثقة الّذي اعتبره الشارع أيضا حجّة علينا.

استفدنا بل استدللنا على عدم وجوب الخمس في الإرث المنتقل من الأب للابن.

____________

(1). الوسائل: 9/ 501.

(2). و هو اللّه سبحانه تعالى.

(3). معناه أن الراوي صادق، ضابط عادل يعتمد عليه.

29

و يجيب الفقيه على السؤال الثالث بالإيجاب، بدليل رواية زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «القهقهة لا تنقض الوضوء و تنقض الصلاة». (1)

و العرف العامّ يفهم من النقض أنّ الصلاة تبطل بها، و زرارة ثقة، و خبر الثقة حجّة، فالصلاة مع القهقهة باطلة إذن.*

* كذلك في المثال الثالث ببركة فهم العرف و حجّية رواية زرارة استفدنا بطلان الصلاة مع القهقهة، مع وثاقة زرارة، فالنتيجة هي:

1. فهم العرف العام الّذي يعدّ حجّة علينا.

2. وجود خبر الثقة الّذي اعتبره الشارع حجّة علينا.

فهمنا و استدللنا على بطلان الصلاة بالقهقهة.

لا بأس بالإشارة إلى مسألة العرف العام و حجيّته و الّتي تعني الأمر المألوف و المعروف عند الناس، فقد يكون في بعض الأحيان كاشفا عن الحكم الشرعي، إذا كان هذا التعارف في زمن المعصوم (عليه السلام)، و كان بمرأى منه و مسمع، و لم يكن ثمّة مانع عن الردع، و كذلك يقال: إنّ حكم العرف يكون عند ما لا يتصدّى الشارع لتشخيص موضوعات الأحكام و بيان حدودها. فتكون المرجعيات للعرف في ذلك.

____________

(1). الوسائل: 1/ 261.

30

و بملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد أنّ الأحكام الّتي استنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى من الفقه، و أنّ الأدلّة الّتي استند إليها الفقيه مختلفة، فبالنسبة إلى الحكم الأوّل استند إلى رواية يعقوب بن شعيب، و بالنسبة إلى الحكم الثاني استند إلى رواية علي بن مهزيار، و بالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة.

و لكلّ من الروايات الثلاث متنها و تركيبها اللفظي الخاصّ الّذي يجب أن يدرس بدقّة و يحدّد معناه.*

* إذا لاحظنا هذه الأمثلة أو الروايات الثلاث الّتي مرّت علينا نجد أنّ الأحكام الّتي استنبطت كانت من أبواب متفرّقة من الفقه، فالرواية الأولى في باب الصوم، و الرواية الثانية في باب الإرث، و الرواية الثالثة في باب الصلاة، و أنّ رواة هذه الروايات متعدّدون، فالراوي للرواية الأولى يعقوب بن شعيب، و الرواية الثانية علي بن مهزيار، و الرواية الثالثة زرارة.

و في الجملة أنّ الروايات الثلاث لها مواضيع و أحكام متنوّعة و مختلفة. و كذلك لها متنها و تركيبها اللفظي الخاصّ بها. و هذا يتطلّب دراسة كلّ رواية على حدة بدقّة، و تحديد مدلولها و الحكم المستفاد منها.

31

و لكن توجد في مقابل هذا التنوّع و هذه الاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة، أدخلها الفقيه في عمليّة الاستنباط في المواقف الثلاثة جميعا. فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العامّ في فهم الكلام الصادر عن المعصوم (عليه السلام)، و هو ما يعبّر عنه بحجّية الظهور العرفي، فحجّيّة الظهور إذن عنصر مشترك في عمليّات الاستنباط الثلاث، و كذلك يوجد عنصر مشترك آخر، و هو حجّية خبر الثقة.*

* بعد ما عرفنا من خلال الأمثلة أو الروايات الثلاث أنّها من أبواب فقهية متنوّعة و مختلفة. نجد بنفس الوقت مع وجود هذا التنوّع و الاختلاف أنّ هناك نقاطا و عناصر مشتركة بينها، منها الرجوع إلى العرف العام لفهم دلالة الرواية لاستنباط الحكم. كذلك هناك عنصر آخر مشترك في الروايات الثلاث، و هو حجّية خبر الثقة، و الّذي من خلاله تصبح الرواية حجّة علينا و يلزم الأخذ بها من ناحية وثاقة الراوي و حجّية قوله.

و بعبارة أسهل، كما أنّ هناك عناصر مختلفة في الروايات الثلاث المتقدّمة حول الارتماس و الإرث و القهقهة، كذلك هناك عناصر مشتركة أيضا، كالفهم العرفي، و حجّيّة خبر الثقة اللذين اشتركا في عمليات الاستنباط الثلاث.

32

و هكذا نستنتج أنّ عمليات الاستنباط تشتمل على عناصر مشتركة كما تشتمل على عناصر خاصّة، و نعني بالعناصر الخاصّة تلك العناصر الّتي تتغيّر من مسألة إلى أخرى، فرواية يعقوب بن شعيب عنصر خاصّ في عملية استنباط حرمة الارتماس؛ لأنّها لم تدخل في عمليات الاستنباط الأخرى، بل دخلت بدلا عنها عناصر خاصّة أخرى، كرواية عليّ بن مهزيار و رواية زرارة. و نعني بالعناصر المشتركة القواعد العامّة الّتي تدخل في عمليات استنباط أحكام عديدة في أبواب مختلفة.

و في علم الأصول تدرس العناصر المشتركة، و في علم الفقه تدرس العناصر الخاصّة في كلّ مسألة.*

* بعد ما اتضح أنّ هناك عناصر مشتركة في عمليات الاستنباط، كالظهور العرفيّ و حجّيّة خبر الثقة، و عناصر خاصة كذلك تتغير و تختلف و تختصّ في باب دون باب آخر من أبواب الفقه، كرواية يعقوب بن شعيب، فإنها تختصّ في باب الصوم، و في خصوص مسألة الارتماس، و كذلك رواية عليّ بن مهزيار، فإنّها تختصّ في باب الإرث، و في خصوص مسألة الخمس فيه، و رواية زرارة كذلك تختصّ في باب الصلاة، و في مسألة القهقهة و حكمها أنها تبطل الصلاة. فهذه غير مشتركة بعمليات الاستنباط، بل هي عناصر خاصّة تتغيّر من مسألة إلى أخرى، كما هو واضح.

33

و بعد كلّ هذه المقدّمات و الأمثلة و التوضيحات نصل إلى معنى العناصر المشتركة أو القواعد العامّة في عملية استنباط الحكم، و الّتي تعني في تعريف علم الأصول: كلّ قاعدة عامّة أو عنصر يشترك في عملية استنباط الحكم الشرعي و في علم الأصول يدرس و يبحث في هذه العناصر المشتركة.

و في علم الفقه يدرس و يبحث في العناصر الخاصّة لكلّ مسألة.

34

و هكذا يترك للفقيه في كل مسألة أن يفحص بدقّة الروايات و المدارك الخاصة الّتي ترتبط بتلك المسألة و يدرس تلك الروايات، و يحاول فهم ألفاظها و ظهورها العرفي و أسانيدها.

بينما يتناول الأصوليّ البحث عن حجّية الظهور و حجّية الخبر و هكذا. و علم الأصول لا يحدّد العناصر المشتركة فحسب، بل يحدّد أيضا درجات استعمالها و العلاقة بينها كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاء اللّه تعالى.*

* تبيّن إذا أنّ الفقه يهتمّ بالعناصر الخاصة لكلّ مسألة، بينما الأصول فإنّه يهتمّ بالعناصر العامّة المشتركة في عملية استنباط الحكم.

و الفقيه يهتمّ في كلّ مسألة و جزئياتها، بل يدقّق بها و يتفحّص مداركها و مصدرها سواء أ كان من القرآن أم السنّة أم غيرهما مع رعاية صحّة أسانيدها و فهم ألفاظها و ظهورها العرفي.

و الأصولي لا يتعلق غرضه بتحديد العناصر المشتركة في عملية الاستدلال فحسب، و يعمل على تطبيق العناصر المشتركة و بين العلاقة القائمة في ما بينها. انتهى.

35

موضوع علم الأصول: لكلّ علم- عادة- موضوع أساسيّ ترتكز جميع بحوثه عليه و تدور حوله، و تستهدف الكشف عمّا يرتبط بذلك الموضوع من خصائص و حالات و قوانين، فالفيزياء مثلا موضوعها الطبيعة، و بحوث الفيزياء ترتبط كلّها بالطبيعة، و تحاول الكشف عن حالاتها و قوانينها العامّة.

و النحو موضوعه الكلمة؛ لأنّه يبحث عن حالات إعرابها و بنائها و رفعها و نصبها.*

[موضوع علم الأصول‏]

* جرت العادة عند دراسة كلّ علم أن يذكر تعريفه و موضوعه و غايته.

و هذا ما جرى عليه سيدنا (رحمه اللّه)، فبعد الانتهاء من تعريف علم الأصول شرع بذكر موضوعه بمصادرة (1) مفادها أنّ لكل علم موضوعا، على أساس أنّه بالموضوعات تتمايز العلوم عن بعضها، و أعطى مثلا علم الفيزياء، حيث يتميّز عن سائر العلوم باختصاصه بالطبيعة، و كذلك المثال الثاني موضوع علم النحو الكلمة من حيث إنها جامعة لموضوع مسائله من حيث الفعل و الاسم و الحرف و البناء و الإعراب و الرفع و النصب و الجر.

فتكون النتيجة أنّه بالموضوعات تتميّز العلوم عن بعضها، إذا فلا بدّ لكل علم من موضوع حتّى يتميز عن غيره، فيكون موضوع علم‏

____________

(1). استدلّ أو ادّعى على وجود موضوع لكلّ علم- و لو عادة- و هذا يحتاج إلى تسليم بالمدّعى المتنازع فيه بين الأعلام. و هو ضرورة وجود موضوع لكلّ علم و عدمه.

36

النحو الكلمة و موضوع علم الفيزياء الطبيعة و هكذا.

و قد يقال أيضا: بالغرض يتميّز كلّ علم عن الآخر، فالنحو غرضه صون اللسان عن الخطأ، و المنطق غرضه صون التفكير عن الخطأ، فيكون الغرض هو المائز بين العلوم‏ (1). فتدبّر جيدا.

____________

(1). سيأتي إليك التفصيل أكثر و أوسع في الحلقة الثالثة.

37

فما هو موضوع علم الأصول الّذي تدور حوله بحوثه؟

و نحن إذا لاحظنا التعريف الّذي قدّمناه لعلم الأصول استطعنا أنّ نعرف أن علم الأصول يدرس في الحقيقة الأدلّة المشتركة في علم الفقه لإثبات دليليتها، و بهذا صحّ القول بأنّ موضوع علم الأصول هو الأدلّة المشتركة في عملية الاستنباط.*

* بعد الانتهاء من أنّ لكل علم موضوعا يأتي السؤال: ما هو موضوع علم الأصول؟ و ما هي البحوث الّتي تدور حوله؟

في الجواب نقول: إنّ موضوع علم الأصول كلّ ما يصلح أن يدخل بشكل مشترك كخبر الثقة و الإجماع و القطع و السيرة في عملية الاستدلال الفقهي، و بعبارة أوضح: «كلّ ما من شأنه أن يكون دليلا مشتركا في عملية الاستنباط للحكم الشرعي» و البحث يدور حول ثبوت حجّيته، كحجّية خبر الثقة مثلا، و عدم ثبوت حجّيته كالقياس و الاستحسان.

فهذا هو موضوع علم الأصول.

إذن موضوع علم الأصول هو: كلّ ما من شأنه أن يكون دليلا مشتركا في عملية الاستنباط للحكم الشرعي.

و البحث الأصولي يدور حول: ثبوت حجّيته، و عدم ثبوت حجّيته.

38

علم الأصول منطق الفقه: و لا بدّ أنّ معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدمه كمثال لعلم الأصول، (1) فإنّ علم المنطق- كما تعلمون- يدرس في الحقيقة عمليّة التفكير مهما كان مجالها و حقلها العلميّ، و يحدّد النظام العامّ الّذي يجب أن نتّبعه لكي يكون التفكير سليما، مثلا يعلّمنا علم المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال بوصفه عمليّة تفكير لكي يكون الاستدلال صحيحا؟ كيف نستدلّ على أنّ سقراط فان؟ و كيف نستدلّ على أن النار الّتي في الموقد الموضوع أمامي محرقة؟ و كيف نستدلّ على أنّ مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين؟ و كيف نستدلّ على أنّ الخطّ الممتدّ بدون نهاية مستحيل؟ كلّ هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامّة للاستدلال، كالقياس و الاستقراء، فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقا.*

[علم الأصول منطق الفقه‏]

* ففي البرنامج التحصيلي الحوزي يبدأ الطالب بدراسة النحو و البلاغة و المنطق، مما يسمّى بالمقدمات في الحوزة، و بعدها يشرع الطالب بدراسة الأصول و الفقه الاستدلالي. إذن دراسة المنطق متقدمة على دراسة الأصول، فلا بد للطالب الّذي وصل إلى دراسة علم الأصول أن يكون قد انتهى من دراسة المنطق.

____________

(1). بالتأكيد لأن دراسة علم الأصول تأتي بعد الانتهاء من دراسة المقدّمات و منها دراسة علم المنطق.

39

فإذا اتّضح هذا، فنأتي إلى عملية التشبيه بأنّ علم الأصول منطق الفقه، لكن علينا أن نعيد عليك هذه المعلومات، فإنّ في الإعادة إفادة.

فإنّ المنطق علم يدرس و يبحث فيه عن عملية التفكير الصحيحة، أي كيفيّة الاستدلال، أي غرضه إعطاء مناهج و قواعد للتفكير و الاستدلال الصحيح، و مع مراعاتها و العمل بها تمنع الإنسان من الوقوع في الخطأ في عملية الاستدلال. و يشرع سيدنا (رحمه اللّه) بإعطاء الأمثلة المختلفة و المتنوّعة لكيفية الاستدلال عبر القياس و عملية الاستقراء، فتكون النتيجة أنّ علم المنطق يهتمّ بعملية الاستدلال و التفكير الصحيح بشكل مطلق و غير محدود.

40

و علم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية، غير أنّه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير، أي عن عملية التفكير الفقهي في استنباط الأحكام، و يدرس العناصر المشتركة الّتي يجب أن تدخل فيها؛ لكي يكون الاستنباط سليما، فهو يعلّمنا كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم، أو كيف نستنبط اعتصام ماء الكر؟ و كيف نستنبط الحكم باستحباب صلاة العيد أو وجوبها؟ و ذلك بوضع المناهج العامّة و تحديد العناصر المشتركة لعمليّة الاستنباط.

و على هذا الأساس يصحّ أن يطلق على علم الأصول اسم منطق علم الفقه؛ لأنّه بالنسبة إليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشري بصورة عامّة.*

* بعد أن فهمنا المراد من علم المنطق و غرضه نأتي إلى علم الأصول لتشبيهه بعلم المنطق بالنسبة للفقه.

وجه التشبيه أنّه كما أنّ علم المنطق يدرس و يبحث فيه عن عملية الاستدلال و التفكير الصحيح، ليعطينا منهاجا و قواعد عامّة للتفكير و الاستدلال الصحيح، و مع مراعاتها و العمل بها لا نقع بالاستدلال الخاطئ.

كذلك علم الأصول بالنسبة للفقه يدرس و يبحث فيه عن العناصر المشتركة الّتي يصلح أن تدخل في عملية الاستنباط، بل يضع‏

41

لنا الأسس و القواعد العامّة المشتركة لعمليات الاستدلال أو الاستنباط الصحيح.

فيكون علم الأصول منطقا بالنسبة للفقه، لكن يختلف عنه بأنّ علم المنطق يبحث في مطلق عمليات الاستدلال و التفكير، بيد أنّ علم الأصول يختصّ بجهة واحدة خاصّة من عملية الاستدلال و التفكير، و هي المختصّة بعملية الاستدلال الفقهي، و ما يدور في فلكها و يشترك فيها من عناصر.

42

أهمية علم الأصول في عملية الاستنباط: و لسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على أهمّيّة علم الأصول و خطورة دوره في عالم الاستنباط؛ لأنّه ما دام يقدّم لعملية الاستنباط عناصرها المشتركة، و يضع لها نظامها العامّ فهو عصب الحياة فيها.*

و بدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص و الأدلّة دون أن يستطيع استخدامها و الاستفادة منها في الاستنباط، كإنسان يواجه أدوات النجارة و يعطي منشارا و فأسا و ما إليها من أدوات دون أن يملك أفكارا عامّة عن عمليّة النجارة و طريقة استخدام تلك الأدوات.**

[أهمية علم الأصول في عملية الاستنباط]

* بعد أن عرفنا أنّ علم الأصول بمنزلة المنطق للفقه يؤكّد السيد (رحمه اللّه) الارتباط بينهما. و هذه الأهمية و هذا الدور الفعّال لعلم الأصول طالما أنّه يقوم بمهمّته الأصلية و يقدّم خدماته ضمن النظام و المنهج الصحيح لعملية الاستنباط.

و لهذا السبب و الأهمّية وصف السيد (رحمه اللّه) علم الأصول بأنّه عصب الحياة لعملية استنباط الأحكام الشرعية.

** يعود السيد (رحمه اللّه) ليبيّن لنا أهمية أخرى لعلم الأصول في عملية استنباط الأحكام، حيث يشبّه الفقه من دون علم الأصول كشخص يمتلك أدوات النجارة من منشار و فأس و غيرهما لكنّه لا

43

يحسن استعمالها و استخدامها في المكان المناسب، و لا يوجد لديه أفكار حول كيفية استخدام هذه الأدوات و كيفية عملها، بعكس ما لو كان هذا الشخص يمتلك الأفكار العامّة لعملية النجارة، و يعرف كيفية استخدامها، و أين يمكن استعمالها، فإنّه بذلك يستطيع مع وجود النظرية و الأفكار العامة أن يطبّقها على أرض الواقع باستخدامها و استعمالها.

فبوجود علم الأصول و فهم هذه القواعد العامّة و العناصر المشتركة و أين تستعمل و كيف تطبّق في عملية الاستنباط لا يعاني الفقيه بعد ذلك مع النصوص و الأدلّة المتناثرة أبدا.

بل بفضل علم الأصول ينظّم كلّ هذه الأمور من دون أن يواجه أيّ مشكلة بعملية الاستنباط طالما كان مراعيا للقواعد العامّة، و عارفا بكيفية التعامل و الاستعمال للعناصر المشتركة في عملية استنباط الأحكام.

44

و كما أنّ العناصر المشتركة ضرورية لعملية الاستنباط، فكذلك العناصر الخاصّة الّتي تختلف من مسألة إلى أخرى، كمفردات الآيات و الروايات المتناثرة، فإنّها الجزء الضروري الآخر فيها، فلا يكفي مجرّد الاطّلاع على العناصر المشتركة الّتي يمثلها الأصولي فحسب، نظير من يملك معلومات نظريّة عامّة عن عمليّة النجارة و لا يوجد لديه فأس و لا منشار و ما إليهما من أدوات النجارة، فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبي مثلا، كذلك يعجز الأصولي عن الاستنباط إذا لم يفحص بدقّة العناصر الخاصة المتغيّرة من مسألة إلى أخرى.

فالعناصر المشتركة و العناصر الخاصّة قطبان مندمجان في عملية الاستنباط، و لا غنى عنهما معا.*

* قد مرّ بنا أنّ هناك عناصر مشتركة في عملية الاستنباط يستعملها الأصولي، كحجّية خبر الثقة، و كذلك هناك عناصر خاصّة لكلّ مسألة يستعملها الفقيه، و لا يستغني عنها الأصولي.

بل لعلّها تكون جزءا ضروريا في عملية الاستنباط، كبعض مفردات الآيات فإنّها تعدّ عنصرا خاصا في عملية الاستنباط، لكن هي ضرورية و لا يستغنى عنها، ككلمة الصعيد في قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (1).

____________

(1). النساء: 43.

45

فإنّها عنصر خاص يدخل ضمن عملية الاستنباط، فلا يمكن للأصولي الاستغناء عنه، خصوصا في عملية الاستنباط، نظير النجّار الّذي لديه معرفة و علم بكيفية صناعة الطاولة، لكنّه يحتاج إلى أدوات النجارة، فلا تكفي المعرفة وحدها لصناعة الطاولة، بل تحتاج إلى أدوات أيضا. كذلك هنا لا تكفي العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، بل تحتاج أيضا إلى العناصر الخاصّة، فهما قطبا الرحى لعملية الاستنباط، و لا يستغني أحدهما عن الآخر.

46

الأصول و الفقه يمثّلان النظرية و التطبيق: و نخشى أن نكون قد أوحينا إليكم بتصوّر خاطئ، حيث أوضحنا أنّ المستنبط يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة و يحدّدها، و يتناول في بحوث علم الفقه العناصر الخاصة ليكمل بذلك عملية الاستنباط، إذ قد يتصوّر البعض أنّا إذا درسنا في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، و عرفنا مثلا حجّية الخبر و حجّية الظهور و ما إليهما من العناصر الأصولية، فلا يبقى علينا بعد ذلك أيّ جهد علميّ، إذ لا نحتاج ما دمنا نملك تلك العناصر إلّا إلى مجرّد استخراج الروايات و النصوص من مواضعها؛ لكي تضاف إلى العناصر المشتركة و يستنبط منها الحكم الشرعيّ، و هو عمل سهل بطبيعته لا يشتمل على جهد علميّ.*

[الأصول و الفقه يمثّلان النظرية و التطبيق:]

* قبل أن يخبرنا السيد (رحمه اللّه) أنّ علم الأصول يمثّل النظرية، و علم الفقه يمثّل التطبيق لهذه النظرية، أي أنّ الأصول يعني النظرية و الفقه يعني التطبيق- استدرك قليلا ليدفع تصوّرا خاطئا قد يتصوّره بعض منّا، حيث بعد ما اتّضح لنا أنّ علم الأصول لا يبحث في العناصر المشتركة فحسب، بل قد يحتاج إلى العناصر الخاصّة، و بها تكتمل عمليّة الاستنباط، لذا قد يستسهل البعض عملية الاستنباط و يقول: ليس فيها جهد عمليّ سوى معرفة العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، كحجّية الظهور مثلا، و نأتي بالروايات و نضيفها إلى العناصر المشتركة، فنستخرج الحكم الشرعيّ، فهل العملية لا تتطلب منّا أي مجهود علميّ، بل هي عملية تطبيق سهلة؟ فهذا ما قد يظنّه و يتصوّره البعض.

47

و لكنّ هذا التصوّر خاطئ إلى درجة كبيرة؛ لأنّ المجتهد إذا مارس العناصر المشتركة لعملية الاستنباط و حدّدها في علم الأصول لا يكتفي بعد ذلك بتجميع أعمى للعناصر الخاصّة من كتب‏ (1) الأحاديث‏ (2) و الروايات‏ (3) مثلا، بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة و نظريّاتها العامّة على العناصر الخاصّة، و التطبيق مهمّة فكرية بطبيعتها، تحتاج إلى درس و تمحيص، و لا يغني الجهد المبذول أصوليا عن بذل جهد جديد في التطبيق، فلنفرض مثلا أنّ المجتهد آمن في علم الأصول بحجيّة الظهور العرفي، فهل يكفيه أن يضع إصبعه على رواية عليّ بن مهزيار الّتي حدّدت مجالات الخمس مثلا، ليضيفها إلى العنصر المشترك، و يستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الأب؟

أ و ليس المجتهد بحاجة إلى تدقيق مدلول النص في الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العامّ و دراسة كلّ ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفي من قرائن و أمارات داخل إطار النصّ أو خارجه، لكي يتمكّن بأمانة من‏

____________

(1). أهم كتب الأحاديث عندنا هي: وسائل الشيعة، أصول و فروع الكافي، الاستبصار، التهذيب، ما لا يحضره الفقيه، بحار الأنوار.

(2). الحديث خاصّ بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بل مطلق المعصوم، و المراد به نفس قول المعصوم، فلا يشمل الحاكي له.

(3). الخبر المنتهى بطريق النقل من ناقل إلى ناقل حتّى ينتهي إلى المنقول عنه من المعصوم (عليه السلام).

48

تطبيق العنصر المشترك القائل بحجّية الظهور العرفي؟*

* فإنّ تصور البعض سهولة الاستنباط من دون مجهود علمي هو تصور خاطئ بدرجة كبيرة؛ لأنّه كما عرفنا أنّ المجتهد في عملية الاستنباط لا يكتفي بالعناصر المشتركة و الخاصّة و استخراج الروايات، مع ما لهذا من مجهود علمي، بل عليه كذلك استفراغ الوسع و بذل الجهد و التعامل مع الروايات بعمق، و التدقيق في مدلولها و التحقّق من سندها، و النظر فيها، و التحقّق من عدم وجود معارض لها، بحيث يطبّق العناصر المشتركة و يستخرج الحكم الشرعي بأمانة و جهد علميّ حقيقيّ، كما اتّضح ذلك في المتن.

49

و في هذا الضوء نعرف أنّ البحث الفقهي عن العناصر الخاصّة في عملية الاستنباط ليس مجرّد عملية تجميع، بل هو مجال التطبيق للنظريات الأصولية.

و تطبيق النظريات العامّة له دائما موهبته الخاصّة و دقّته.

و مجرّد الدقّة في النظريات العامّة لا يغني عن الدقّة في تطبيقها، أ لا ترون أنّ من يدرس بعمق النظريات العامّة في الطبّ يحتاج في مجال تطبيقها على حالة مرضية إلى دقّة و انتباه كامل و تفكير في تطبيق تلك النظريات على المريض الّذي بين يديه.*

* أي في ضوء ما تقدّم ذكره يتّضح لنا أنّ البحث في العناصر الخاصّة لا يعني استخراج الروايات و النظر في العناصر الخاصّة فحسب، بل هناك عملية التطبيق الأصولية، أي العناصر المشتركة كذلك تحتاج إلى دقّة و ذوق خاصّ في تطبيقها. فكما النظرية يجب فيها الدقّة، و تحتاج إلى ذوق خاص، كذلك تطبيقها.

خلاصة الكلام:

إنّ علم الأصول يمثل النظرية العامّة للفقه، و هذه النظرية تحتاج إلى عناية و عمق و دقّة في تطبيقها في الفقه، حيث يمثّل التطبيق للنظرية الأصولية.

50

التفاعل بين الفكر الأصولي و الفكر الفقهي: عرفنا أنّ علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه، و العلاقة بينهما علاقة النظرية و التطبيق، و هذا الترابط الوثيق بينهما يفسّر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الأصولية على صعيد النظريات من ناحية، و بين الذهنية الفقهية على صعيد التطبيق من ناحية أخرى؛ لأنّ توسّع بحوث التطبيق يدفع بحوث النظرية خطوة إلى الأمام؛ لأنّه يثير أمامها مشاكل، و يضطرّها إلى وضع النظريات العامّة لحلولها، كما أنّ دقة البحث في النظريات الأصولية تنعكس على صعيد التطبيق، إذ كلّما كانت النظريات أوفر و أدقّ تطلّبت طريقة تطبيقها دقّة و عمقا أكبر. و هذا التفاعل بين الذهنيتين الأصولية و الفقهية يؤكّده تاريخ العلمين على طول الخط، و تكشف عنه بوضوح دراسة المراحل الّتي مرّ بها البحث الفقهي و البحث الأصولي في تاريخ العلم، فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه، كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث.*

[التفاعل بين الفكر الأصولي و الفكر الفقهي‏]

* شرع (رحمه اللّه) بتهذيب المطالب السابقة، و أعاد التذكير بأمرين، و هما أنّ علم الأصول يعدّ منطق الفقه، و علم الأصول يمثّل النظرية و الفقه التطبيق، لينتج من ذلك تفاعل و تحريك بين العلمين، فإنّ توسّع دائرة التطبيقات الفقهية كانت عاملا لتحريك عجلة البحوث النظرية، و كذلك عمق و دقّة البحوث النظرية انعكست على التطبيق، بل أوجبت الاهتمام و التركيز و التطبيق كذلك بشكل أعمق و أدقّ؛ لأنّ عملية التفاعل‏

51

لازمة بين الأصول و الفقه، و هذا التفاعل يدلّ عليه تاريخ العلمين، حيث تجد أنّه كلّما اتسعت دائرة البحث الفقهي استلزم كذلك اتّساع و تطور علم الأصول. (1)

ثم إنّ علم الحديث كما أشرنا سابقا هو الّذي نشأ في البداية، بيد أنّه لم يف بالغرض؛ لأنّه اقتصر على الأسلوب العادي الّذي يفهمه الناس، مما تطلّب وجود علم آخر، و هو علم الفقه الّذي قام بمهمّة دراسة المصادر الشرعية بدقّة و عمق، و النظر في محتواها و مداليلها، ثم خرج منه علم الأصول بعد التعرّف على العناصر المشتركة في عملية الاستنباط. و هكذا فإنّ علم الأصول نشأ من علم الفقه، و هو من علم الحديث.

____________

(1). ننصح بالرجوع إلى تاريخ و تطوّر الفقه و الأصول: للسيد محمد جعفر الحكيم فهو كاف و واف.

52

و لم يكن علم الأصول مستقلّا عن علم الفقه في البداية (1)، و من خلال نموّ علم الفقه و اتّساع افق التفكير الفقهي أخذت الخيوط العامّة و العناصر المشتركة في عملية الاستنباط تبدو و تتكشّف، و أخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون عمليات الاستنباط في عناصر عامّة لا يمكن استخراج الحكم الشرعي بدونها، و كان ذلك إيذانا بمولد علم الأصول و اتّجاه الذهنية الفقهية اتجاها أصوليا، فانفصل علم الأصول عن علم الفقه في البحث و التصنيف، و أخذ يتّسع و يثرى تدريجا من خلال نموّ الفكر الأصولي من ناحية، و تبعا لتوسّع البحث الفقهيّ من ناحية أخرى؛ لأنّ اتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة، فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة، و تتّخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول.

و كلّما بعد الفقيه عن عصر النصّ تعدّدت جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية، و تنوّعت الفجوات في عملية الاستنباط نتيجة للبعد الزمنيّ، فيحسّ أكثر فأكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامّة يعالج بها جوانب الغموض، و يملأ بها تلك الفجوات، و بهذا كانت الحاجة إلى علم الأصول تاريخيّة، بمعنى أنها تشتدّ و تتأكّد كلّما ابتعد الفقيه تاريخيا عن عصر النصّ، و تراكمت الشكوك على عملية الاستنباط

____________

(1). أي كما حاله الآن، بل كان علم الأصول داخلا في الفقه مباشرة و الفقيه يمارس علم الأصول من دون استقلالية عن الفقه.