التنقيح - ج5

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
474 /
5

المقام الثاني في الاستصحاب‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقام الثاني في الاستصحاب‏

[مقدمات‏]

[الاستصحاب لغة و اصطلاحا]

و هو لغة: أخذ الشي‏ء مصاحبا

1

، و منه: استصحاب أجزاء ما لا

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

اللهم أعن و وفق و سدد يا أرحم الراحمين.

____________

(1) الظاهر ان الأخذ غير دخيل في المعنى، لعدم دخله لا في مادة الاستصحاب و لا في هيئته.

أما المادة فلوضوح أن الصحبة قد لا تكون مع الأخذ كصحبة الرفيق في الطريق.

نعم قد تتوقف عليه خارجا لخصوصية في المستصحب، لكونه مما لا يستقل بنفسه، كما في استصحاب اجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة، و نحوه.

و أما الهيئة فعدم دخل الأخذ فيها أوضح ضرورة صدقها مع ما لا يقبل‏

8

يؤكل لحمه في الصلاة.

و عند الأصوليين عرف بتعاريف‏

1

، أسدها و أخصرها: (إبقاء ما كان)، و المراد بالإبقاء الحكم بالبقاء، و دخل الوصف‏

2

في الموضوع مشعر بعليته للحكم، فعلة الإبقاء هو أنه كان‏

3

، فيخرج إبقاء الحكم لأجل وجود علته أو دليله.

الأخذ كالاستعجال و الاستعمار و استصحاب الصديق و الاستقذار و الاستهجان و غيرها.

ثم إن هيئة الاستفعال:

تارة: تفيد جعل المادة و تحقيقها خارجا، كما في استصحاب الصديق و استعمال الشي‏ء و استعمار الأرض.

و أخرى: تفيد طلب المادة، كما في الاستغفار و الاسترضاء.

و ثالثة: تفيد ادعاء المادة و الحكم بها و البناء عليها، كما في الاستحسان و الاستقذار و الاستهجان اما الاستصحاب في المقام فلا يبعد رجوعه إلى الوجه الثالث، من حيث ان مقتضاه الحكم بمصاحبة المتيقن السابق في الزمان اللاحق و عدم انقطاعه بانقطاع اليقين.

نعم ربما يرجع المعنى الثالث إلى المعنى الأول بتكلف تنزيل الوجود الادعائي منزلة الوجود الحقيقي. فلاحظ.

____________

(1) قال بعض المحشين: «بلغت إلى نيف و عشرة».

(2) و هو وصف الموضوع بأنه كان.

(3) لكن المستفاد من دليله ان العلة العلم بأنه كان لا مجرد سبق وجوده، فالعلم في المقام مقوم للموضوع لا كاشف عنه و طريق له. و يأتي بعض الكلام في ثمرة ذلك في الأمر الخامس إن شاء اللّه تعالى.

9

و إلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة بأنه: «إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا

1

على ثبوته في الزمان الأول»، بل نسبه شارح الدروس إلى القوم، فقال: إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه.

[تعريف صاحب القوانين و المناقشة فيه‏]

و أزيف التعاريف تعريفه بأنه: «كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق»

2

، إذ لا يخفى‏

3

أن كون حكم أو وصف كذلك، هو محقق مورد الاستصحاب و محله، لا نفسه.

و لذا صرح في المعالم- كما عن غاية المأمول-: بأن استصحاب الحال، محله أن يثبت حكم في وقت، ثم يجي‏ء وقت آخر، و لا يقوم دليل على انتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان، و هو الاستصحاب؟ انتهى.

و يمكن توجيه التعريف المذكور

4

: بأن المحدود هو الاستصحاب المعدود من الأدلة

5

، و ليس الدليل إلا ما أفاد العلم أو الظن بالحكم،

____________

(1) هذا قد يشعر بكون الثبوت في الزمان السابق دليلا و امارة على ثبوته في الزمان اللاحق.

و هو مبني على كون الاستصحاب من الامارات و التحقيق انه من الأصول، لانحصار الدليل عليه في الأخبار الظاهرة في ذلك كما يتضح في محله.

(2) حكي هذا التعريف عن المحقق القمي (قدّس سرّه).

(3) بيان لوجه بطلان التعريف المذكور.

(4) و هو التعريف المحكي عن المحقق القمي (قدّس سرّه).

(5) يعني: أن التعريف المذكور إنما صدر ممن يرى أن الاستصحاب من الأدلة لا من الأصول.

10

و المفيد للظن بوجود الحكم في الآن اللاحق ليس إلا كونه يقيني الحصول في الآن السابق، مشكوك البقاء في الآن اللاحق‏

1

، فلا مناص عن تعريف الاستصحاب المعدود من الأمارات إلا بما ذكره (قدّس سرّه).

لكن فيه: أن الاستصحاب- كما صرح به هو (قدّس سرّه) في أول كتابه- إن اخذ من العقل كان داخلا في دليل العقل، و إن اخذ من الأخبار فيدخل في السنة، و على كل تقدير، فلا يستقيم تعريفه بما ذكره، لأن دليل العقل هو حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي، و ليس هنا إلا حكم العقل ببقاء ما كان على ما كان‏

2

، و المأخوذ من السنة ليس إلا وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، فكون الشي‏ء معلوما سابقا مشكوكا فيه لاحقا لا ينطبق على الاستصحاب بأحد الوجهين‏

3

.

[تعريف شارح المختصر]

نعم ذكر شارح المختصر

4

: «أن معنى استصحاب الحال أن الحكم الفلاني قد كان و لم يظن عدمه، و كل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء».

____________

(1) ما ذكره (قدّس سرّه) لو تم فانما يتم في اليقين السابق، دون الشك اللاحق، لوضوح ان الشك اللاحق لا أثر له في الظن بالبقاء.

(2) و أما اليقين السابق فهو أمر حقيقي تكويني، لا دخل لحكم العقل فيه، بل يكون هو موضوعا لحكم العقل المذكور.

(3) هذا و إن كان مسلما، إلا أنه مبني على عدم كون الاستصحاب بنفسه أمارة الحكم، و إنما هو نفس الحكم، أما لو قيل بأنه بنفسه أمارة تعين ما سبق من تعريفه بنفس اليقين في الزمان السابق.

(4) و هو العضدي في شرحه لمختصر ابن الحاجب.

11

فإن كان الحد هو خصوص الصغرى‏

1

انطبق على التعريف المذكور

2

، و إن جعل خصوص الكبرى‏

3

انطبق على تعاريف المشهور

4

.

[تعريف صاحب الوافية]

و كأن صاحب الوافية استظهر منه كون التعريف مجموع المقدمتين‏

5

، فوافقه في ذلك، فقال: الاستصحاب هو التمسك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت أو في غير تلك الحال، فيقال: إن الأمر الفلاني قد كان و لم يعلم عدمه، و كل ما كان كذلك فهو باق، انتهى. و لا ثمرة مهمة في ذلك‏

6

.

____________

(1) و هي قوله: «إن الحكم الفلاني قد كان و لم يظن عدمه».

(2) و هو تعريف المحقق القمي (قدّس سرّه).

(3) و هي قوله: «كلما كان كذلك فهو مظنون البقاء».

(4) هذا لا يخلو عن اشكال، لأن تعاريف المشهور راجعة إلى أنه نفس الحكم بالبقاء و الحكم المذكور ليس عين الظن بالبقاء- الذي هو مفاد الكبرى- بل هو مترتب على الظن المذكور. فلاحظ.

(5) ظاهر كلام الوافية أن الاستصحاب نفس الحكم بالبقاء الراجع إلى التمسك بثبوت الشي‏ء في حال على بقائه فيما بعد ذلك الحال.

و أما القياس الذي ذكره فظاهره أن الصغرى مذكورة تمهيدا للاستصحاب الذي هو الكبرى، فيكون راجعا إلى تعريف المشهور. فتأمل جيدا.

(6) لوضوح ان عنوان الاستصحاب لم يؤخذ في لسان أدلته، و إنما هو عنوان اصطلاحي ماخوذ من مفاد الأدلة، فالنزاع فيه راجع إلى النزاع في الاصطلاح لا في مفاد الأدلة، و لا ثمرة في ذلك.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بقي الكلام في أمور:

الأول‏

[الأمر الأول: هل الاستصحاب أصل عملي أو أمارة ظنية؟]

ان عد الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشي‏ء بوصف كونه مشكوك الحكم- نظير أصل البراءة و قاعدة الاشتغال- مبني على استفادته من الأخبار

1

، و أما بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظني‏

2

اجتهادي، نظير القياس و الاستقراء، على القول بهما.

____________

(1) فإنه حينئذ يكون أصلا تعبديا غير ملحوظ فيه الكشف.

اللهم إلا أن يقال: المستفاد من الأخبار الاشارة إلى القضية الارتكازية العقلائية و امضاؤها، و هي قضية عدم نقض اليقين بالشك، فلو فرض كون القضية المذكورة مبنية على الامارية و الكشف كانت الأخبار دالة على حجية تلك الامارة، و لا يكون حينئذ الاستصحاب المستفاد من الأخبار اصلا، كما هو الحال فيما دل على امضاء قاعدة اليد، فإنه لو فرض كون اليد من الامارات عند العقلاء كان مفاد تلك الأدلة أماريتها و حجيتها و لا تكون أصلا.

(2) هذا ممنوع إذ لا يبعد كونه حينئذ أصلا عقلائيا أو حكما عقليا في مقام العمل، نظير حكم العقل بلزوم الاحتياط مع الشك في القدرة و بالبراءة مع الشك في التكليف، من دون أن يبتني على كونه أمارة، فيكون نظير قاعدة المقتضي عند الشك‏

14

[المختار كونه من الأصول العملية]

و حيث إن المختار عندنا هو الأول، ذكرناه في الأصول العملية المقررة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم، لكن ظاهر كلمات الأكثر- كالشيخ و السيدين و الفاضلين و الشهيدين و صاحب المعالم- كونه حكما عقليا، و لذا لم يتمسك أحد هؤلاء فيه بخبر من الأخبار.

نعم، ذكر في العدة- انتصارا للقائل بحجيته- ما روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من: «أن الشيطان ينفخ بين أليتي المصلي فلا ينصرفن أحدكم إلا بعد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا».

و من العجب أنه انتصر بهذا الخبر الضعيف المختص بمورد خاص، و لم يتمسك بالأخبار الصحيحة العامة المعدودة- في حديث الأربعمائة- من أبواب العلوم‏

1

.

و أول من تمسك بهذه الأخبار- فيما وجدته- والد الشيخ البهائي (قدّس سرّه)، فيما حكي عنه في‏

2

العقد الطهماسبي، و تبعه صاحب الذخيرة و شارح الدروس، و شاع بين من تأخر عنهم.

في المانع فإنها- لو تمت- من الأصول العقلائية غير المبنية على الكشف و الامارية على عدم وجود المانع.

و منه يظهر انه لا مجال لقياس الاستصحاب بالاستقراء و القياس، لوضوح كون الكاشفية ملازمة لهما سواء كانا ظنيين أم قطعيين. فلاحظ.

____________

(1) لا تخلو هذه العبارة عن غموض، و كذا عبارة بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه) حيث قال: «المعدود بعضها في حديث الأربعمائة».

(2) متعلق بقوله: «تمسك ...» لا بقوله: «حكي عنه».

15

نعم، ربما يظهر من الحلي في السرائر الاعتماد على هذه الأخبار، حيث عبر عن استصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره من قبل نفسه، ب:

«عدم نقض اليقين إلا باليقين».

و هذه العبارة، الظاهر أنها مأخوذة من الأخبار

1

.

____________

(1) ذكر بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه) أن الاتفاق في التعبير مع الروايات لا يدل على الاستناد إليها، و إلّا فالتعبير بذلك موجود في كلام الشيخ (قدّس سرّه) في مواضع من مبسوطه ... إلى آخر ما ذكره و هو في محله كما اعترف به المصنف (قدّس سرّه) حيث حكى عن الحلي أنه عبر عن قاعدة اليقين بالعبارة المذكورة عنهم في روايات الاستصحاب، ثم ذكر أن تعبيره بذلك لا يدل على أخذه لها من تلك الروايات فراجع ما يأتي منه (قدّس سرّه) في الشرط الثاني لجريان الاستصحاب في الخاتمة.

16

الثاني‏

[الأمر الثاني: الوجه في عدّ الاستصحاب من الأدلة العقلية]

إن عد الاستصحاب- على تقدير اعتباره من باب إفادة الظن- من الأدلة العقلية، كما فعله غير واحد منهم، باعتبار

1

أنه حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي بواسطة خطاب الشارع، فنقول: إن الحكم الشرعي الفلاني ثبت سابقا و لم يعلم ارتفاعه، و كل ما كان كذلك فهو باق، فالصغرى شرعية

2

، و الكبرى عقلية ظنية، فهو و القياس و الاستحسان و الاستقراء- نظير المفاهيم و الاستلزامات- من العقليات الغير المستقلة

3

.

____________

(1) خبر (إن) في قوله: «إن عدّ الاستصحاب ...».

(2) كون الصغرى شرعية موقوف على أن موضوع الاستصحاب نفس ثبوت الحكم سابقا، أما بناء على ان موضوعه اليقين بالثبوت سابقا، فالصغرى ليست شرعية، بل متفرعة على حكم شرعي. فلاحظ.

(3) الأحكام العقلية المستقلة هي الأحكام أو المدركات العقلية التي يثبت بها الحكم الشرعي بلا توسط جعل شرعي أو غيره، كحكم العقل بقبح الظلم و حسن‏

17

العدل، و الأحكام العقلية غير المستقلة هي الأحكام العقلية التي لا يثبت بها وحدها الحكم الشرعي بل بتوسط جعل شرعي أو غيره، كباب الملازمات العقلية، مثل ملازمة وجوب الشي‏ء لوجوب مقدمته و حرمة ضده، فإن اثبات وجوب خصوص مقدمة شرعية كالوضوء مشروط بثبوت وجوب ذي المقدمة شرعا، و إلّا فمجرد الملازمة لا ينهض به، لأن صدق الشرطية لا يستدعي صدق طرفيها. و الاستصحاب في المقام كذلك، لأن اثبات الحكم الشرعي في الزمان اللاحق موقوف مع الحكم العقلي المذكور على ثبوته شرعا في الزمان السابق. فلاحظ.

و منه يظهر الحال في مثل المفاهيم و انها ليست من المستقلات، فإن العقل إنما يحكم بلزوم ارتفاع الحكم عند ارتفاع علته التامة، و اثبات الحكم الشرعي بذلك موقوف على اثبات ظهور القضية الشرطية في علية الشرط للجزاء مثلا.

نعم ليس ذلك أمرا شرعيا، بل ظهورا عرفيا، و على كل حال فالعقل لا يستقل باثبات الحكم الشرعي و ما ذكرناه هنا تابعنا فيه بعض أعاظم المحشين في الجملة. فراجع و تأمل جيدا.

18

الثالث‏

[الأمر الثالث: هل الاستصحاب مسألة أصولية أو فقهية؟]

أن مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الأحكام العقلية مسألة أصولية يبحث فيها عن كون الشي‏ء دليلا على الحكم الشرعي، نظير حجية القياس و الاستقراء.

[بناء على كونه حكما عقليا فهو مسألة أصولية]

نعم، يشكل ذلك بما ذكره المحقق القمي (قدّس سرّه) في القوانين و حاشيته:

من أن مسائل الأصول ما يبحث فيها عن حال الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا

1

، لا عن دليلية الدليل.

و على ما ذكره (قدّس سرّه)، فيكون مسألة الاستصحاب- كمسائل حجية الأدلة الظنية، كظاهر الكتاب و خبر الواحد

2

و نحوهما- من المبادئ‏

____________

(1) إذ حينئذ يكون البحث عن دليلية الدليل بحثا عما يتقوم به موضوع علم الأصول فيكون من المبادئ، لا بحثا عن عوارضه الذاتية الثابتة له بوصف كونه موضوعا كي يدخل في مسائل العلم.

(2) لكن تقدم من المصنف (قدّس سرّه) في مسألة خبر الواحد تقريب دخولها في المسائل الأصولية حينئذ، بدعوى: ان البحث فيها بحث عن ثبوت السنة بخبر

19

التصديقية للمسائل الأصولية، و حيث لم تتبين في علم آخر احتيج إلى بيانها في نفس العلم، كأكثر المبادئ التصورية.

نعم ذكر بعضهم‏

1

: أن موضوع الأصول ذوات الأدلة

2

من حيث يبحث عن دليليتها أو عما يعرض لها بعد الدليلية.

و لعله موافق لتعريف الأصول بأنه: (العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الفرعية من أدلتها)

3

.

[بناء على كونه من الأصول العملية ففي كونه من المسائل الأصولية غموض‏]

و أما على القول بكونه من الأصول العملية، ففي كونه من المسائل الأصولية غموض، من حيث إن الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنة، و ليس التكلم فيه تكلما في أحوال السنة

4

، بل هو نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب و السنة

5

، و المسألة الأصولية هي التي‏

الواحد، فهو بحث عن عوارض السنة بعد الفراغ عن دليليتها. فراجع.

____________

(1) كما هو المحكي عن صاحب الفصول (قدّس سرّه).

(2) فيكون البحث عن دليليتها بحثا عن عوارض الموضوع، فيدخل في العلم و لا يكون من المبادئ.

(3) لأن دليلية الدليل ممّا يتوقف عليه استنباط الأحكام الفرعية.

(4) كي يكون بحثا عن عوارض الموضوع و يدخل في العلم.

(5) لكن إذا فرض كون القواعد المذكورة مما يترتب عليه استنباط الأحكام الفرعية- كما في الاستصحاب- كانت داخلة في التعريف المتقدم للمسألة الأصولية.

و إن كان لا يلائم فرض كون الموضوع هو الأدلة بناء على أن الموضوع هذا الذي يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية.

20

بمعونتها يستنبط هذه القاعدة من قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشك»، و هي المسائل الباحثة عن أحوال طريق الخبر و عن أحوال الألفاظ الواقعة فيه، فهذه القاعدة- كقاعدة (البراءة) و (الاشتغال)

1

- نظير قاعدة (نفي الضرر و الحرج)، من القواعد الفرعية المتعلقة بعمل المكلف.

نعم، تندرج تحت هذه القاعدة مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب‏

2

، كما تندرج المسألة الأصولية أحيانا تحت أدلة نفي الحرج، كما ينفى وجوب الفحص عن المعارض حتى يقطع بعدمه‏

3

بنفي الحرج.

[الإشكال في كون الاستصحاب من المسائل الفرعية]

نعم، يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية: بأن إجراءها

و بعبارة أخرى: التعريف المتقدم لا يلائم كون الموضوع هو الأدلة لا بذواتها و لا بما هي أدلة، فلا بد من رفع اليد عن أحد الأمرين، و لا يبعد رفع اليد عن الثاني، كما حقق في محله فيتعين كون الاستصحاب من المسائل الأصولية فتأمل.

____________

(1) الكلام فيهما هو الكلام في الاستصحاب. نعم يفترقان عنه بأنهما لا يقعان في طريق استنباط حكم فرعي، و إنما هما من القواعد الباحثة في المعذرية و المنجزية.

و من ثم أضاف المحقق الخراساني (قدّس سرّه) إلى تعريف المسألة الأصولية ما يوجب دخول هاتين المسألتين و نحوهما. فراجع.

و أما قاعدتا نفي الضرر و الحرج، فهما يتضمنان بنفسيهما رفع الحكم الحرجي و الضرري، الذي هو من الأحكام الفرعية، فيتعين كونهما من القواعد الفقهية و لا وجه لقياسهما بالمقام.

(2) كما في موارد استصحاب الحجية و نحوها.

(3) بل يكتفي بالفحص حتى يحصل اليأس، كما سبق الكلام فيه في شروط جريان أصل البراءة.

21

في موردها- أعني: صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي السابق، كنجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره- مختص بالمجتهد

1

و ليس وظيفة للمقلد، فهي مما يحتاج إليه المجتهد فقط و لا ينفع للمقلد، و هذا من خواص المسألة الأصولية

2

، فإن المسائل الأصولية لما مهدت للاجتهاد و استنباط الأحكام من الأدلة اختص التكلم فيها بالمستنبط، و لا حظّ لغيره فيها.

فإن قلت: إن اختصاص هذه المسألة بالمجتهد، لأجل أن موضوعها- و هو الشك في الحكم الشرعي و عدم قيام الدليل الاجتهادي عليه- لا يتشخص إلا للمجتهد، و إلا فمضمونه و هو: العمل على طبق الحالة السابقة و ترتيب آثارها، مشترك بين المجتهد و المقلد.

قلت: جميع المسائل الأصولية كذلك، لأن وجوب العمل بخبر الواحد و ترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصا بالمجتهد. نعم، تشخيص مجرى خبر الواحد و تعيين مدلوله و تحصيل شروط العمل به مختص‏

____________

(1) لأنه الذي يتسنى له تمييز موارد فقد الدليل على الحكم الشرعي الذي هو شرط في جريان الاستصحاب.

(2) هذا غير ظاهر، بل قد تكون المسألة الفرعية مما يرجع في تشخيص مواردها و تطبيقها على جزئياتها إلى المجتهد، كما إذا أخذ في موضوعها أمر لا يتسنى للعامي تشخيصه، كما في وجوب التفقه على الزوجة لو فرض الشك فيه من جهة الشك في زوجية المعقود عليها بالعقد الفارسي، فإنه لا سبيل للعامي حينئذ إلى تشخيص كون المورد من صغريات مسألة وجوب التفقه على الزوجة بل لا بد من رجوعه إلى المجتهد في ذلك.

فجعل ذلك من خواص المسألة الأصولية في غير محله.

22

بالمجتهد، لتمكنه من ذلك و عجز المقلد عنه، فكأن المجتهد نائب‏

1

عن المقلد في تحصيل مقدمات العمل بالأدلة الاجتهادية و تشخيص مجاري الأصول العملية، و إلا فحكم اللّه الشرعي في الأصول و الفروع مشترك بين المجتهد و المقلد.

[كلام السيد بحر العلوم (قدّس سرّه) فيما يرتبط بالمقام‏]

هذا، و قد جعل بعض السادة الفحول‏

2

الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده‏

3

، و جعل قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» دليلا على الدليل- نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحد- حيث قال: إن استصحاب الحكم المخالف للأصل في شي‏ء، دليل شرعي رافع لحكم الأصل، و مخصص لعمومات الحل- إلى أن قال في آخر كلام له سيأتي نقله‏

4

-: و ليس عموم قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» بالقياس‏

____________

(1) لا ملزم بذلك، بل الظاهر أن المجتهد يفحص ليحصل العلم و العامي يتبعه في علمه بعد عجزه عن إحراز الحكم و تشخيص موضوعه، فالحكم الأصولي و إن كان شاملا للعامي، إلا أن عجز العامي عن تشخيص مورده و موضوعه موجب لسقوطه في حقه و عدم كونه فعليا، فالعامي يقلد الفقيه في الحكم الفرعي الذي علم به بسبب الفحص، لا في تشخيص موضوع الحكم الأصولي. فتأمل.

هذا و في بعض النسخ: «فكأن المجتهد نائب عنه».

(2) حكي عن السيد بحر العلوم الطباطبائي (قدّس سرّه).

(3) و حينئذ فيكون من الأدلة، و تكون المسألة التي يبحث فيها عن حجيته من المسائل الأصولية بناء على ما سبق من انه يعتبر في المسألة الأصولية البحث عن أصول الأدلة، لأن موضوع علم الأصول هو الأدلة من حيث هي.

(4) يأتي التعرض لنظير هذا الكلام في التنبيه العاشر من تنبيهات الاستصحاب.

23

إلى أفراد الاستصحاب و جزئياته، إلا كعموم آية النبأ بالقياس إلى آحاد الأخبار المعتبرة، انتهى.

أقول: معنى الاستصحاب الجزئي في المورد الخاص- كاستصحاب نجاسة الماء المتغير- ليس إلا الحكم بثبوت النجاسة في ذلك الماء النجس سابقا، و هل هذا إلا نفس الحكم الشرعي‏

1

؟! و هل الدليل عليه إلا قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشك»

2

؟! و بالجملة: فلا فرق بين الاستصحاب و سائر القواعد المستفادة من العمومات‏

3

.

هذا كله في الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية المثبت للحكم الظاهري الكلي.

[الاستصحاب الجاري في الشبهة الموضوعية]

و أما الجاري في الشبهة الموضوعية- كعدالة زيد و نجاسة ثوبه و فسق‏

____________

(1) يعني: الظاهري.

(2) و الحاصل: ان مفاد الاستصحاب في الموارد الجزئية ابقاء الحكم السابق، و هو عين مفاد القضية الكلية المستفادة من قولهم (عليهم السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» بخلاف مفاد خبر الواحد مثلا، فإنه يتضمن الحكم الفرعي، و هو مغاير لمفاد آية النبأ التي فرض دلالتها على حجية خبر الواحد، لاختلاف سنخ الحكم فيهما و اختلاف موضوعه، فلا وجه لقياس الاستصحاب بذلك.

و يأتي في آخر التنبيه العاشر كلام للسيد المذكور (قدّس سرّه) مبني على ما ذكره هنا، و يأتي تعقيبه هناك إن شاء اللّه تعالى.

(3) عرفت الفرق بينه و بينها من حيث وقوعه في طريق استنباط الأحكام الفرعية دونها، لأنها هي بنفسها متعرضة للحكم الفرعي.

24

عمرو و طهارة بدنه- فلا إشكال في كونه حكما فرعيا

1

، سواء كان التكلم فيه من باب الظن، أم كان من باب كونها قاعدة تعبدية مستفادة من الأخبار، لأن التكلم فيه على الأول، نظير التكلم في اعتبار سائر الأمارات، ك (يد المسلمين) و (سوقهم) و (البينة) و (الغلبة) و نحوها في الشبهات الخارجية. و على الثاني، من باب أصالة الطهارة و عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ، و نحو ذلك.

____________

(1) لتعرضه للأحكام الشرعية الجزئية.

25

الرابع‏

[الأمر الرابع: مناط الاستصحاب بناء على كونه من باب التعبد]

أن المناط في اعتبار الاستصحاب على القول بكونه من باب التعبد الظاهري‏

1

، هو مجرد عدم العلم بزوال الحالة السابقة

2

.

و أما على القول بكونه من باب الظن، فالمعهود من طريقة الفقهاء عدم اعتبار إفادة الظن في خصوص المقام‏

3

، كما يعلم ذلك من حكمهم بمقتضيات الأصول كلية

4

مع عدم اعتبارهم أن يكون العامل بها ظانا ببقاء الحالة السابقة، و يظهر ذلك بأدنى تتبع في أحكام العبادات‏

____________

(1) يعني: المستفاد من الأخبار.

(2) يعني: سواء ظن ببقائها أم لا، ظن بارتفاعها أم لا. و يأتي التعرض لوجهه في التنبيه الثاني عشر.

(3) يعني: لا يعتبر حصول الظن الشخصي في مورده.

(4) قال بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه) في توضيحه: «و يدل عليه كما في الكتاب حكمهم بمقتضيات الأصول المثبتة و النافية من أول الفقه إلى آخره من دون الاشتراط بشي‏ء من افادتها الظن في اشخاص الموارد أو عدم قيام الظن على الخلاف».

26

و المعاملات و المرافعات و السياسات‏

1

.

[كلام الشيخ البهائي (قدّس سرّه) في أن المناط الظن الشخصي‏]

نعم، ذكر شيخنا البهائي (قدّس سرّه) في الحبل المتين- في باب الشك في الحدث بعد الطهارة- ما يظهر منه اعتبار الظن الشخصي، حيث قال:

لا يخفى أن الظن الحاصل بالاستصحاب فيمن تيقن الطهارة و شك في الحدث، لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا، بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان، بل ربما يصير الراجح مرجوحا، كما إذا توضأ عند الصبح و ذهل عن التحفظ، ثم شك عند المغرب في صدور الحدث منه، و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت.

و الحاصل: أن المدار على الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه و إن ضعف.

انتهى كلامه، رفع في الخلد مقامه.

[ظاهر شارح الدروس ارتضاؤه ذلك‏]

و يظهر من شارح الدروس ارتضاؤه، حيث قال بعد حكاية هذا الكلام:

و لا يخفى أن هذا إنما يصح لو بنى المسألة على أن ما تيقن بحصوله في وقت و لم يعلم أو يظن طرو ما يزيله، يحصل الظن ببقائه، و الشك في‏

____________

(1) و هذا مؤيد لما سبق منا من أن استفادة الاستصحاب من حكم العقل لا يستلزم كونه من الأمارات، لإمكان كونه أصلا عقلائيا عمليا.

و دعوى: أن الملحوظ فيه الظن النوعي لا الشخصي، فلا مانع من كونه امارة مع عدم افادته الظن الشخصي.

بعيدة عن المرتكزات، و إن كانت ممكنة في نفسها، بل ظاهرة من بعض كلماتهم.

27

نقيضه‏

1

لا يعارضه، إذ الضعيف لا يعارض القوي.

لكن، هذا البناء ضعيف جدا، بل بناؤها على الروايات مؤيدة بأصالة البراءة في بعض الموارد، و هي تشمل الشك و الظن معا، فإخراج الظن منها مما لا وجه له أصلا، انتهى كلامه.

و يمكن استظهار ذلك من الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى حيث ذكر أن:

قولنا: «اليقين لا ينقضه الشك»، لا نعني به اجتماع اليقين و الشك، بل المراد أن اليقين الذي كان في الزمن الأول لا يخرج عن حكمه بالشك في الزمان الثاني، لأصالة بقاء ما كان، فيؤول إلى اجتماع الظن و الشك في الزمان الواحد، فيرجح الظن عليه، كما هو مطرد في العبادات‏

2

، انتهى كلامه.

و مراده من الشك مجرد الاحتمال‏

3

، بل ظاهر كلامه أن المناط في‏

____________

(1) و هو ارتفاع الحالة السابقة. و المراد من الشك هنا الوهم المقابل للظن الحاصل معه، لا ما يتساوى معه الطرفان الذي يمتنع اجتماعه مع الظن، كما لا يخفى.

(2) الذي يظهر من بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه) أن مراده الاشارة إلى حجية الظن في عدد الركعات و في الافعال.

(3) إذا كان الشك بمعنى تساوى الطرفين لا يجتمع مع الظن، و حينئذ فيكون مشعرا أو ظاهرا في اعتبار كون الاحتمال موهوما.

لكن يأتي من المصنف (قدّس سرّه) في التنبيه الثاني عشر دفع ذلك أيضا بما حاصله: أن كون الاحتمال موهوما إنما هو بملاحظة جريان أصالة بقاء ما كان، و أما مع قطع النظر عن ذلك فلا ملزم بكونه موهوما، و حينئذ فلا يكون مراد الشهيد اعتبار الظن الشخصي في المقام، لإمكان حصول الظن بانتقاض الحالة السابقة، إلا أنه بملاحظة

28

اعتبار الاستصحاب من باب أخبار عدم نقض اليقين بالشك، هو الظن أيضا

1

، فتأمل.

أصالة بقاء ما كان يظن ببقائها. فراجع، و تأمل.

____________

(1) يعني: أنه يظهر من كلام الشهيد اعتبار الظن في جريان الاستصحاب حتى بناء على كونه حكما تعبديا مأخوذا من الأخبار.

و كأن وجهه تعبير الشهيد (قدّس سرّه) بعبارة النصوص بدعوى ظهوره في أخذه منها.

و قد عرفت الإشكال في ذلك في الأمر الأول.

خصوصا مع قول الشهيد: «قولنا: اليقين ...» حيث لم ينسب العبارة للنصوص، بل ظاهره نسبتها للعلماء أو له (قدّس سرّه)، كما نبه إلى ذلك بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه).

29

الخامس‏

[الأمر الخامس: تقوم الاستصحاب بأمرين: اليقين بالحدوث، و الشك في البقاء]

أن المستفاد من تعريفنا السابق- الظاهر في استناد الحكم بالبقاء إلى مجرد الوجود السابق- أن الاستصحاب يتقوم بأمرين:

أحدهما: وجود الشي‏ء في زمان، سواء علم به في زمان‏

1

وجوده أم لا.

نعم، لا بد من إحراز ذلك حين إرادة الحكم بالبقاء بالعلم أو الظن المعتبر

2

، و أما مجرد الاعتقاد بوجود شي‏ء في زمان مع زوال ذلك الاعتقاد

____________

(1) تقدم أن موضوع الاستصحاب ليس مجرد وجود الشي‏ء في زمان، بل العلم به، فالعلم مأخوذ في موضوع حكم الاستصحاب، لا طريق محرز لموضوعه.

(2) الاكتفاء بالظن المعتبر بناء على مختار المصنف من كون الموضوع هو الثبوت الواقعي و العلم طريقي لا غير واضح الوجه، لما سبق في أول الكتاب من قيام الامارات مقام القطع الطريقي بلا اشكال.

و أما بناء على ما ذكرناه من كون العلم مأخوذا في موضوع الاستصحاب.

فقد أطال المتأخرون عن المصنف (قدّس سرّه) في توجيهه.

30

في زمان آخر

1

، فلا يتحقق معه الاستصحاب الاصطلاحي و إن توهم بعضهم: جريان عموم (لا تنقض) فيه، كما سننبه عليه‏

2

.

[الاستصحاب القهقرى‏]

و الثاني: الشك في وجوده في زمان لاحق عليه، فلو شك في زمان سابق عليه فلا استصحاب، و قد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى‏

3

مجازا

4

.

ثم المعتبر هو الشك الفعلي‏

5

الموجود حال الالتفات إليه، أما لو لم‏

و لعل الوجه فيه: ظهور الأدلة الشرعية في إمضاء القضية الارتكازية للاستصحاب، و موضوع القضية الارتكازية ليس هو العلم بما هو صفة خاصة، بل بما هو حجة، فيقوم مقامه سائر الحجج المجعولة للشارع، على ما سبق الكلام فيه في أوائل الكتاب. فلاحظ.

____________

(1) و هو المعبر عنه بقاعدة الشك المساوي.

(2) يأتي الكلام في القاعدة في الرواية الرابعة من روايات الاستصحاب، و في الشرط الثاني من شروط الاستصحاب في مباحث الخاتمة.

(3) و كأن أصالة عدم النقل عند الشك فيه مبنية عليه. و إن كان التحقيق أنها كسائر الأصول اللفظية ليست مبنية على الاستصحاب التعبدي، بل هي أصل عقلائي قائم بنفسه. يأتي التعرض على ذلك في آخر التنبيه السابع من تنبيهات الاستصحاب.

(4) المجازية بلحاظ المعنى الاصطلاحي، و إلا فالجميع مناسب للمعنى اللغوي. فلاحظ.

(5) لظهور الأدلة فيه، كما في جميع العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام، لظهورها في الموضوعات الحقيقية الفعلية لا التقديرية.

و منه يظهر أن اليقين المعتبر هو الفعلي أيضا لا التقديري، بناء على ما سبق منا

31

يلتفت فلا استصحاب و إن فرض الشك فيه على فرض الالتفات.

فالمتيقن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق فشك، جرى الاستصحاب في حقه، فلو غفل عن ذلك و صلى بطلت صلاته، لسبق الأمر بالطهارة

1

، و لا يجري في حقه حكم الشك في الصحة بعد الفراغ عن العمل، لأن مجراه الشك الحادث بعد الفراغ، لا الموجود من قبل‏

2

.

نعم، لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث و صلى، ثم التفت و شك في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهرا، جرى في حقه قاعدة الشك بعد الفراغ، لحدوث الشك بعد العمل و عدم وجوده قبله حتى يوجب الأمر بالطهارة

3

و النهي عن الدخول فيه بدونها.

من أخذه في موضوع الاستصحاب.

____________

(1) هذا لا يصلح تعليلا للاعادة بعد فرض كون الأمر بالطهارة ظاهريا استصحابيا متقوما بالشك و اليقين، فمع ارتفاعهما بالغفلة حين الصلاة يرتفع الأمر المذكور، و لا وجه لتأثيره، كما أوضحناه في شرح الكفاية.

مع أن الاستصحاب لو جرى مع الغفلة كفت قاعدة الفراغ في الحكومة عليه لو فرض جريانها، كما يأتي في صورة عدم الالتفات إلا بعد الفراغ من الصلاة، فالعمدة ما يأتي من منع جريانها، فلا مخرج عن مقتضى استصحاب الحدث الجاري بعد الفراغ.

(2) لقصور أدلة قاعدة الفراغ عن شموله. و قد عرفت أن هذا هو العمدة في بطلان الصلاة في محل الكلام.

(3) عرفت أنه لا أثر للأمر بالطهارة مع الغفلة عنه حين الصلاة. فالعمدة في‏

32

نعم، هذا الشك اللاحق يوجب الإعادة بحكم استصحاب عدم الطهارة، لو لا حكومة

1

قاعدة الشك بعد الفراغ عليه، فافهم.

الفرق بين هذا الفرع و سابقه جريان قاعدة الفراغ فيه دون الفرع السابق.

و منه يظهر أنه لا وجه لما ذكره المصنف (قدّس سرّه) من تفريع الفرق بين الفرعين على عدم عموم موضوع الاستصحاب للشك التقديري و اختصاصه بالشك الفعلي.

____________

(1) يأتي الكلام فيها في الشرط الثالث لجريان الاستصحاب في مباحث الخاتمة.

33

السادس [تقسيم الاستصحاب من وجوه‏]

في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام، ليعرف أن الخلاف في مسألة الاستصحاب في كلها أو في بعضها، فنقول:

إن له تقسيما باعتبار المستصحب.

و آخر: باعتبار الدليل الدال عليه‏

1

.

و ثالثا: باعتبار الشك المأخوذ فيه.

____________

(1) يعني: على المستصحب، لا على الاستصحاب، إذ سيأتي الفرق من حيث كون الدليل الدال على المستصحب اجماعا أو حكما عقليا و غير ذلك.

34

[تقسيم الاستصحاب باعتبار المستصحب‏]

أما بالاعتبار الأول فمن وجوه:

الوجه الأول: [المستصحب اما وجودى و اما عدمى‏]

من حيث إن المستصحب قد يكون أمرا وجوديا- كوجوب شي‏ء أو طهارة شي‏ء أو رطوبة ثوب أو نحو ذلك- و قد يكون عدميا.

و هو على قسمين:

أحدهما: عدم اشتغال الذمة بتكليف شرعي، و يسمى عند بعضهم ب (البراءة الأصلية) و (أصالة النفي).

و الثاني: غيره، كعدم نقل اللفظ عن معناه، و عدم القرينة، و عدم موت زيد و رطوبة الثوب و حدوث موجب الوضوء أو الغسل، و نحو ذلك.

و لا خلاف في كون الوجودي محل النزاع.

[كلام شريف العلماء (قدّس سرّه) في خروج العدميات من محل النزاع‏]

و أما العدمي، فقد مال الأستاذ (قدّس سرّه) إلى عدم الخلاف فيه، تبعا لما حكاه عن استاذه السيد صاحب الرياض (رحمه اللّه): من دعوى الإجماع على اعتباره في العدميات. و استشهد على ذلك- بعد نقل الإجماع المذكور- باستقرار

35

سيرة العلماء على التمسك بالأصول العدمية، مثل: أصالة عدم القرينة و النقل و الاشتراك و غير ذلك، و ببنائهم هذه المسألة

1

على كفاية العلة المحدثة للإبقاء

2

.

أقول: ما استظهره (قدّس سرّه) لا يخلو عن تأمل:

أما دعوى الإجماع، فلا مسرح لها في المقام مع ما سيمر بك من تصريحات كثير بخلافها، و إن كان يشهد لها ظاهر التفتازاني في شرح الشرح، حيث قال: «إن خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنما هو في الإثبات دون النفي الأصلي»

3

.

[قيام السيرة على التمسك بالأصول الوجودية و العدمية في باب الألفاظ]

و أما سيرة العلماء، فقد استقرت في باب الألفاظ على التمسك‏

____________

(1) يعني: مسألة حجية الاستصحاب.

(2) يعني: انهم بنوا مسألة حجية الاستصحاب على النزاع في البقاء هل يحتاج إلى علة مستقلة، أو يكفي فيه علة الحدوث، فعلى الأول لا يكون الاستصحاب حجة و على الثاني يكون حجة، و من الظاهر أن هذا يقتضي الاتفاق على حجية الاستصحاب في العدميات، لعدم الإشكال في أنه يكفي في استمرار العدم عدم العلة المحدثة له. فلاحظ.

(3) فإنه دال على أن الحنفية متفقون مع غيرهم في حجية الاستصحاب في النفي الأصلي.

لكن هذا قد يظهر منه اتفاق الحنفية مع غيرهم في جريان الاستصحاب في البراءة الأصلية لا في مطلق العدميات.

مع أنه مختص بالحنفية و لا يدل على عدم خلاف غيرهم في الاستصحاب النفي الأصلي فصلا عن غيره من العدميات.

36

بالأصول الوجودية

1

و العدمية كلتيهما.

[كلام الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه) في ذلك‏]

قال الوحيد البهبهاني في رسالته الاستصحابية- بعد نقل القول بإنكار اعتبار الاستصحاب مطلقا عن بعض، و إثباته عن بعض، و التفصيل عن بعض آخر- ما هذا لفظه:

لكن الذي نجد من الجميع- حتى من المنكر مطلقا- أنهم يستدلون بأصالة عدم النقل، فيقولون: الأمر حقيقة في الوجوب عرفا، و كذا لغة، لأصالة عدم النقل، و يستدلون بأصالة بقاء المعنى اللغوي، فينكرون الحقيقة الشرعية، إلى غير ذلك، كما لا يخفى على المتتبع، انتهى.

و حينئذ، فلا شهادة في السيرة الجارية في باب الألفاظ على خروج العدميات.

[ما يظهر منه الاختصاص بالوجوديات و مناقشته‏]

و أما استدلالهم على إثبات الاستصحاب باستغناء الباقي عن المؤثر

2

الظاهر الاختصاص‏

3

بالوجودي- فمع أنه معارض‏

____________

(1) كأصالة بقاء المعنى اللغوي، على ما يأتي في كلام الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه).

(2) لا يخفى أن قصور الدليل عن الدعوى لا يدل على خصوص الدعوى و عدم عمومها، إلا أن الذي تقدم الاستشهاد به على اختصاص النزاع بالوجوديات.

ليس هو الاستدلال على الاستصحاب باستغناء الباقي عن المؤثر، بل هو بناؤهم الكلام في حجية استصحاب على النزاع في كفاية العلة المحدثة للإبقاء، و ظاهر ذلك انحصار الدليل بذلك، و هو مستلزم للاتفاق في العدميات. فلاحظ.

(3) يعني: في اختصاص النزاع بالوجودي مع كون جريان الاستصحاب في العدمي متفقا عليه.

37

باختصاص بعض أدلتهم الآتية بالعدمي‏

1

، و أنه يقتضي أن يكون النزاع مختصا بالشك من حيث المقتضي لا من حيث الرافع‏

2

- يمكن توجيهه:

بأن الغرض الأصلي هنا لما كان هو التكلم في الاستصحاب الذي هو من أدلة الأحكام الشرعية، اكتفوا بذكر ما يثبت الاستصحاب الوجودي‏

3

.

مع أنه يمكن أن يكون الغرض تتميم المطلب في العدمي بالإجماع المركب، بل الأولوية، لأن الموجود إذا لم يحتج في بقائه إلى المؤثر فالمعدوم كذلك بالطريق الأولى.

نعم، ظاهر عنوانهم للمسألة ب (استصحاب الحال)، و تعريفهم له، ظاهر الاختصاص بالوجودي، إلا أن الوجه فيه: بيان الاستصحاب الذي هو من الأدلة الشرعية للأحكام، و لذا عنونه بعضهم- بل الأكثر- ب (استصحاب حال الشرع).

و مما ذكرنا يظهر عدم جواز الاستشهاد على اختصاص محل النزاع بظهور قولهم في عنوان المسألة: (استصحاب الحال)، في الوجودي، و إلا لدل تقييد كثير منهم العنوان ب (استصحاب حال الشرع)، على اختصاص‏

____________

(1) و هو ظاهر في وقوع النزاع فيه إذ لو كان اتفاقيا لم يحتج إلى الاستدلال فتأمل.

(2) إذ استغناء الباقي عن المؤثر لا ينافي احتمال المانع، فلا بد من فرض المفروغية عن جريان الاستصحاب في الشك في المانع، كي ينفع استصحاب الأمر الوجودي بناء على استغناء الباقي عن المؤثر. فلاحظ.

(3) لكن الاستصحاب العدمي ممّا ينفع في الأحكام الشرعية أيضا كاستصحاب البراءة الأصلية.

38

النزاع بغير الامور الخارجية.

و ممن يظهر منه دخول العدميات في محل الخلاف الوحيد البهبهاني فيما تقدم منه، بل لعله صريح في ذلك بملاحظة ما ذكره قبل ذلك في تقسيم الاستصحاب‏

1

.

و أصرح من ذلك في عموم محل النزاع، استدلال النافين في كتب الخاصة و العامة: بأنه لو كان الاستصحاب معتبرا لزم ترجيح بينة النافي، لاعتضاده بالاستصحاب، و استدلال المثبتين- كما في المنية-: بأنه لو لم يعتبر الاستصحاب لانسد باب استنباط الأحكام من الأدلة، لتطرق احتمالات فيها لا تندفع إلا بالاستصحاب‏

2

.

و ممن أنكر الاستصحاب في العدميات صاحب المدارك، حيث أنكر اعتبار استصحاب عدم التذكية الذي تمسك به الأكثر لنجاسة الجلد المطروح‏

3

.

____________

(1) قال بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه): «لأنه قسم الاستصحاب قبل الكلام المذكور إلى أقسام عديدة منها التقسيم باعتبار كون المستصحب وجوديا و عدميا، فنسب انكار اعتباره مطلقا بعده إلى جماعة».

(2) فإن الاستصحاب المنافي للاحتمالات المذكورة هو الاستصحاب العدمي، كأصالة عدم القرينة و عدم التخصيص و غير ذلك.

(3) قال بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه): «حكى الاستاذ العلامة أنه علل انكار الاستصحاب المذكور بوجهين: احدهما: المنع من اعتبار الاستصحاب مطلقا ثانيهما: معارضته باستصحاب عدم موت الحتف. فكلامه صريح في المنع عن اعتبار الاستصحاب حتى في العدميات».

39

[التتبع يشهد بعدم خروج العدميات عن محل النزاع‏]

و بالجملة: فالظاهر أن التتبع يشهد بأن العدميات ليست خارجة عن محل النزاع، بل سيجي‏ء- عند بيان أدلة الأقوال- أن القول بالتفصيل بين العدمي و الوجودي- بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظن- وجوده بين العلماء لا يخلو من إشكال، فضلا عن اتفاق النافين عليه، إذ ما من استصحاب وجودي إلا و يمكن معه فرض استصحاب عدمي يلزم‏

1

من الظن به الظن بذلك المستصحب الوجودي، فيسقط فائدة نفي اعتبار الاستصحابات الوجودية. و انتظر لتمام الكلام.

و مما يشهد بعدم الاتفاق في العدميات: اختلافهم في أن النافي يحتاج إلى دليل أم لا؟ فلاحظ ذلك العنوان تجده شاهد صدق على ما ادعيناه.

[ظاهر جماعة خروج بعض العدميات عن محل النزاع‏]

نعم، ربما يظهر من بعضهم خروج بعض الأقسام من العدميات من محل النزاع، كاستصحاب النفي المسمى ب (البراءة الأصلية)، فإن المصرح به في كلام جماعة- كالمحقق و العلامة و الفاضل الجواد-: الإطباق على العمل عليه. و كاستصحاب عدم النسخ، فإن المصرح به في كلام غير واحد- كالمحدث الأسترابادي و المحدث البحراني-: عدم الخلاف فيه، بل مال الأول إلى كونه من ضروريات الدين، و ألحق الثاني بذلك استصحاب عدم المخصص و المقيد.

____________

(1) يعني: و حيث فرض أن الاستصحاب من الامارات و كانت الامارات حجة في لوازم مؤدياتها تعين البناء على اثبات مضمون الاستصحاب الوجودي لملازمته للاستصحاب العدمي فلا أثر لانكار حجية الاستصحاب الوجودي مع الاعتراف بجريان الاستصحاب العدمي. و يأتي تمام الكلام في ذلك في محله.

40

و التحقيق: أن اعتبار الاستصحاب- بمعنى التعويل في تحقق شي‏ء في الزمان الثاني على تحققه في الزمان السابق عليه- مختلف فيه، من غير فرق بين الوجودي و العدمي. نعم، قد يتحقق في بعض الموارد قاعدة اخرى توجب الأخذ بمقتضى الحالة السابقة، ك (قاعدة قبح التكليف من غير بيان)

1

، أو (عدم الدليل دليل العدم)

2

، أو (ظهور الدليل الدال على الحكم في استمراره أو عمومه أو إطلاقه)

3

، أو غير ذلك، و هذا لا ربط له باعتبار الاستصحاب.

ثم إنا لم نجد في أصحابنا من فرق بين الوجودي و العدمي. نعم، حكى شارح الشرح هذا التفصيل عن الحنفية.

الوجه الثاني: [المستصحب اما حكم شرعى و اما من الامور الخارجية]

أن المستصحب قد يكون حكما شرعيا، كالطهارة المستصحبة

4

____________

(1) التي مقتضاها البناء على البراءة الأصلية.

(2) التي قد يتمسك بها للبراءة الأصلية، خصوصا في المسائل التي تعم بها البلوى، لكنها حينئذ من الأدلة لا من الأصول.

(3) التي يرفع اليد بها عن احتمال النسخ و التخصيص و التقييد. و منه يظهر أن الأصول المذكورة لا تبتني على الاستصحاب المصطلح، بل هي أصول عقلائية لا دخل للاستصحاب فيها بوجه، و لذا اتفقوا عليها مع خلافهم في الرجوع للاستصحاب، أمكن التمسك بها في نفس دليل الاستصحاب، مع أنها لو كانت مبنية عليه لكان التمسك بها فيه دوريا. فلاحظ.

(4) بناء على ما هو الظاهر من أنها من الأحكام الشرعية، لا الامور الواقعية التي كشف عنها الشارع الاقدس، و كذا الحال في النجاسة.

41

بعد خروج المذي، و النجاسة المستصحبة بعد زوال تغير المتغير بنفسه‏

1

، و قد يكون غيره، كاستصحاب الكرية، و الرطوبة، و الوضع الأول عند الشك في حدوث النقل أو في تأريخه.

[وقوع الخلاف في كليهما]

و الظاهر بل صريح جماعة وقوع الخلاف في كلا القسمين.

نعم، نسب إلى بعض التفصيل بينهما بإنكار الأول و الاعتراف بالثاني، و نسب إلى آخر العكس، حكاهما الفاضل القمي في القوانين.

و فيه نظر، يظهر بتوضيح المراد من الحكم الشرعي و غيره، فنقول:

الحكم الشرعي يراد به تارة الحكم الكلي الذي من شأنه أن يؤخذ من الشارع، كطهارة من خرج منه المذي أو نجاسة ما زال تغيره بنفسه، و اخرى يراد به ما يعم‏

2

الحكم الجزئي الخاص في الموضوع الخاص، كطهارة هذا الثوب و نجاسته، فإن الحكم بهما- من جهة عدم ملاقاته للنجس أو ملاقاته- ليس وظيفة للشارع. نعم، وظيفته إثبات الطهارة كلية لكل شي‏ء شك في ملاقاته للنجس و عدمها

3

.

و على الإطلاق الأول جرى الأخباريون، حيث أنكروا اعتبار الاستصحاب في نفس أحكام اللّه تعالى، و جعله الأسترابادي من أغلاط

اللهم إلا أن يكون مرادهم من الحكم الشرعي ما يعم ذلك.

____________

(1) يعني: النجاسة المستصحبة في الماء المتغير بالنجاسة الذي زال تغير من قبل نفسه.

(2) يعني: ما يعم الحكم الكلي و الحكم الجزئي الخاص.

(3) الذي هو مفاد أصالة الطهارة. لكنه حكم ظاهري لا يراد استصحابه.

42

من تأخر عن المفيد، مع اعترافه باعتبار الاستصحاب في مثل طهارة الثوب و نجاسته و غيرهما مما شك فيه من الأحكام الجزئية لأجل الاشتباه في الامور الخارجية.

و صرح المحدث الحر العاملي: بأن أخبار الاستصحاب لا تدل على اعتباره في نفس الحكم الشرعي، و إنما تدل على اعتباره في موضوعاته و متعلقاته.

و الأصل في ذلك عندهم: أن الشبهة في الحكم الكلي لا مرجع فيها إلا الاحتياط

1

دون البراءة أو الاستصحاب، فإنهما عندهم مختصان بالشبهة في الموضوع.

و على الإطلاق الثاني‏

2

جرى بعض آخر.

قال المحقق الخوانساري في مسألة الاستنجاء بالأحجار:

و ينقسم الاستصحاب إلى قسمين، باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي و غيره.

و مثل للأول بنجاسة الثوب أو البدن، و للثاني برطوبته، ثم قال:

ذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه، و بعضهم إلى حجية القسم الأول فقط، انتهى.

إذا عرفت ما ذكرناه، ظهر أن عد القول بالتفصيل بين الأحكام‏

____________

(1) هذا مختص عندهم بالشبهة التحريمية، أما الشبهة الوجوبية فلا يقول بوجوب الاحتياط فيها الا نادر، كما سبق في محله.

(2) يعني: الذي يراد بالحكم الشرعي فيه ما يعم الكلي و الجزئي.

43

الشرعية و الامور الخارجية قولين متعاكسين ليس على ما ينبغي، لأن المراد بالحكم الشرعي:

إن كان هو الحكم الكلي الذي أنكره الأخباريون فليس هنا من يقول باعتبار الاستصحاب فيه و نفيه في غيره‏

1

، فإن ما حكاه المحقق الخوانساري و استظهره السبزواري هو اعتباره في الحكم الشرعي بالإطلاق الثاني الذي هو أعم من الأول.

و إن اريد بالحكم الشرعي الإطلاق الثاني الأعم، فلم يقل أحد باعتباره في غير الحكم الشرعي و عدمه في الحكم الشرعي، لأن الأخباريين لا ينكرون الاستصحاب في الأحكام الجزئية

2

.

ثم إن المحصل من القول بالتفصيل بين القسمين المذكورين في هذا التقسيم ثلاثة:

الأول: اعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعي مطلقا

3

- جزئيا كان كنجاسة الثوب، أو كليا كنجاسة الماء المتغير بعد زوال التغير- و هو

____________

(1) لأن القائل بنفيه في غير الحكم الشرعي يريد به نفيه في الموضوع الخارجي، لا الحكم الجزئي.

(2) و الحاصل ان الحكم الشرعي الجزئي يتفق الطرفان على جريان الاستصحاب فيه و يتعاكسان في الحكم الكلي و الموضوع الخارجي لا غير، فليس التعاكس بين القولين تاما بل ناقصا.

(3) يعني دون الأمور الخارجية. و هذا القول هو الذي جعله المصنف (قدّس سرّه) القول الرابع من الأقوال في الاستصحاب فيما ياتي.

44

الظاهر مما حكاه المحقق الخوانساري‏

1

.

الثاني: اعتباره في ما عدا الحكم الشرعي الكلي و إن كان حكما جزئيا، و هو الذي حكاه في الرسالة الاستصحابية عن الأخباريين‏

2

.

الثالث: اعتباره في الحكم الجزئي دون الكلي و دون الامور الخارجية

3

، و هو الذي ربما يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد (قدّس سرّه) في تحريم استعمال الماء النجس و المشتبه.

الوجه الثالث [المستصحب إما حكم تكليفي و إما حكم وضعي‏]

من حيث إن المستصحب قد يكون حكما تكليفيا، و قد يكون وضعيا شرعيا كالأسباب و الشروط و الموانع.

و قد وقع الخلاف من هذه الجهة، ففصل صاحب الوافية بين التكليفي و غيره، بالإنكار في الأول دون الثاني.

و إنما لم ندرج هذا التقسيم في التقسيم الثاني مع أنه تقسيم لأحد قسميه‏

4

، لأن ظاهر كلام المفصل المذكور و إن كان هو التفصيل‏

____________

(1) يعني: في كلامه السابق. و قد سبق أن السبزواري قد استظهر القول المذكور.

(2) و هو الذي جعله المصنف (قدّس سرّه) فيما يأتي القول الخامس من الأقوال في الاستصحاب بعد استثناء أصالة عدم النسخ.

(3) و هو الذي جعله المصنف (قدّس سرّه) فيما يأتي القول السادس من الأقوال في الاستصحاب.

(4) و هو الحكم الشرعي.

45

بين الحكم التكليفي و الوضعي، إلا أن آخر كلامه ظاهر في إجراء الاستصحاب في نفس الأسباب و الشروط و الموانع‏

1

، دون السببية و الشرطية و المانعية

2

، و سيتضح ذلك عند نقل عبارته عند التعرض لأدلة الأقوال.

____________

(1) التي هي قد تكون من الأمور الخارجية.

(2) التي هي من الأحكام الوضعية.

46

[تقسيم الاستصحاب باعتبار دليل المستصحب‏]

و أما بالاعتبار الثاني‏

1

، فمن وجوه أيضا:

احدها [دليل المستصحب إما الإجماع و إما غيره‏]

من حيث إن الدليل المثبت للمستصحب إما أن يكون هو الإجماع، و إما أن يكون غيره. و قد فصل بين هذين القسمين الغزالي، فأنكر الاستصحاب في الأول. و ربما يظهر من صاحب الحدائق- فيما حكي عنه في الدرر النجفية- أن محل النزاع في الاستصحاب منحصر في استصحاب حال الإجماع. و سيأتي تفصيل ذلك عند نقل أدلة الأقوال إن شاء اللّه.

الثانى [المستصحب إما يثبت بالدليل العقلي و إما بالدليل الشرعي‏]

من حيث إنه قد يثبت بالدليل الشرعي، و قد يثبت بالدليل العقلي.

و لم أجد من فصل بينهما، إلا أن في تحقق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي- و هو الحكم العقلي المتوصل به إلى حكم شرعي- تأملا، نظرا إلى أن الأحكام العقلية كلها مبينة مفصلة من حيث مناط الحكم‏

2

،

____________

(1) يعني: تقسيم الاستصحاب باعتبار الدليل الدال على المستصحب.

(2) اذ الحكم العقلي عبارة عن حكم الانسان نفسه و يمتنع جهل الحاكم‏

47

و الشك في بقاء المستصحب و عدمه لا بد و أن يرجع إلى الشك في موضوع الحكم، لأن الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن و القبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف، الذي هو الموضوع. فالشك في حكم العقل حتى لأجل وجود الرافع لا يكون إلا للشك في موضوعه، و الموضوع لا بد أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب، كما سيجي‏ء.

و لا فرق فيما ذكرنا، بين أن يكون الشك من جهة الشك في وجود الرافع، و بين أن يكون لأجل الشك في استعداد الحكم، لأن ارتفاع الحكم العقلي لا يكون إلا بارتفاع موضوعه، فيرجع الأمر بالأخرة إلى تبدل العنوان‏

1

، أ لا ترى أن العقل إذا حكم بقبح الصدق الضار، فحكمه‏

بمناط حكمه.

____________

(1) لكن المراد بالموضوع الذي يعتبر بقاؤه في الاستصحاب ليس هو العنوان المأخوذ في موضوع الحكم، بل معروض الحكم، بنحو يصدق كان هذا كذا فهو كما كان، سواء تبدل عنوانه أم لا كما سيأتي.

نعم تبدل العنوان إنما يوجب ارتفاع الموضوع إذا كان الموضوع أمرا كليا احتمل كون العنوان قيدا له، كالصدق المقيد بعنوان الضار أما إذا كان أمرا خارجيا- كهند المعروضة لعنوان الزوجية- فتبدل عنوانه لا يستلزم ارتفاع الموضوع حتى يمتنع الاستصحاب، كما و هذا هو المعيار في جريان الاستصحاب في الأحكام المستفادة من الأدلة الشرعية أيضا، على ما يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى فلا فرق بين الأحكام المستفادة من الأدلة الشرعية و العقلية في ذلك.

ثم أنه قد تمتاز الأحكام المستفادة من الأدلة الشرعية بأنه قد يستفاد من دليلها أن بعض الخصوصيات و العناوين غير مقومة للموضوع الكلي، بل هي خارجة عنه و إن احتمل دخلها في الحكم، فلا يكون انخرامها موجبا لتبدل الموضوع حتى يمتنع‏

48

يرجع إلى أن الضار من حيث إنه ضار حرام، و معلوم أن هذه القضية غير قابلة للاستصحاب عند الشك في الضرر مع العلم بتحققه سابقا، لأن قولنا: «المضر قبيح» حكم دائمي لا يحتمل ارتفاعه أبدا، و لا ينفع في إثبات القبح عند الشك في بقاء الضرر.

و لا يجوز أن يقال: إن هذا الصدق‏

1

كان قبيحا سابقا فيستصحب‏

الاستصحاب، بخلاف الأحكام المستفادة من الأدلة العقلية فإنه لا يبعد كون جميع ما يؤخذ فيها قيودا راجعة إلى الموضوع يكون انخرامها موجبا لتبدله، و لا أقل من احتمال ذلك فيمتنع الاستصحاب، إذ المعتبر فيه العلم ببقاء الموضوع و لا يكفي الشك.

و ينحصر استصحابها بما إذا كان الحكم واردا على الموضوع الخارجي الجزئي، لما ذكرنا.

لكن هذا فرض لا واقع له على الظاهر، لأن الأحكام العقلية لا تكون الا كلية لموضوعات كلية و بمناطات كلية.

ثم إنه يظهر من المصنف (قدّس سرّه) أن مناط الحكم العقلي- كالضرر في المثال السابق- هو موضوعه، فمع الشك فيه يشك في بقاء الموضوع، بخلاف مناط الحكم الشرعي المستفاد من الأدلة، فإنه قد يكون أمرا آخر غير الموضوع فالشك فيه لا يستلزم الشك في بقاء الموضوع و ما ذكره من الفرق و إن كان قريبا جدا إلا أنه محتاج إلى التأمل.

____________

(1) إن أريد به الاشارة إلى الصدق الخارجي المتشخص بوجوده فليس له حالة سابقة و لا أثر عملي لمعرفة حكمه، لوقوعه على كل حال.

و إن أريد الاشارة إلى كلي الصدق فليس هو موضوع الحكم الشرعي و لا العقلي، بل موضوعهما خصوص الضار منه فلا يحرز انطباقه مع فرض الشك في الضرر، بل يعلم بعدم انطباقه مع العلم بعدم الضرر.

49

قبحه، لأن الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضر، و الحكم له مقطوع البقاء، و هذا بخلاف الأحكام الشرعية، فإنه قد يحكم الشارع على الصدق بكونه حراما، و لا يعلم أن المناط الحقيقي فيه باق في زمان الشك أو مرتفع‏

1

فيستصحب الحكم الشرعي‏

2

.

فإن قلت: على القول بكون الأحكام الشرعية تابعة للأحكام العقلية

3

، فما هو مناط الحكم و موضوعه في الحكم‏

نعم لو كان المتعلق الأمور الجزئية الشخصية الجزئية التي لها نحو استقرار في الوجود فلا مانع من استصحاب حكمه مع تبدل عنوانه، لعدم كون العنوان مقوما له، و قد ذكرنا قريبا عدم تحقق ذلك في متعلقات الأحكام العقلية. نعم سيأتي إمكان ذلك في غير متعلق التكليف كما في المكلف.

____________

(1) بناء على ما أشرنا إليه من عدم كون موضوع الحكم الشرعي هو مناطه، بل أمر آخر.

(2) هذا مختص بما اذا ظهر من الدليل عدم أخذ الخصوصية التي يشك مع ارتفاعها في بقاء الحكم- قيدا في الموضوع و أنها على تقدير اعتبارها قيد للحكم لا غير.

أما لو ظهر من الدليل أو احتمل كونها قيدا في الموضوع الكلي امتنع الاستصحاب لما أشرنا إليه و يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى.

(3) المراد بتبعية الأحكام الشرعية للأحكام العقلية هنا ليس بتبعيتها للأحكام العقلية الفعلية التي تكون دليلا عليها- بناء على قاعدة الملازمة- كحرمة الظلم التابعة لحكم العقل فعلا بقبحه المستدل عليها به.

و ذلك لسوق هذا المطلب في مقام الاشكال على ما ذكره اخيرا من جريان الاستصحاب في الأحكام المستفادة من الأدلة الشرعية و الفرق بينها و بين ما يستفاد من الأحكام العقلية كما سبق.

50

العقلي‏

1

بقبح هذا الصدق فهو المناط و الموضوع في حكم الشرع بحرمته، إذ المفروض بقاعدة التطابق، أن موضوع الحرمة و مناطها هو بعينه موضوع القبح و مناطه.

قلت: هذا مسلم، لكنه‏

2

مانع عن الفرق بين الحكم الشرعي‏

بل المراد هو تبعية الأحكام الشرعية المستفاد من الأدلة الشرعية للأحكام العقلية الشأنية التقديرية.

و مراده بذلك الاشارة إلى قاعدة تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و كون الأحكام الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية الراجعة إلى دعوى ان الحكم الشرعي لا يكون إلا بلحاظ المصالح و المفاسد الخفية التي لو اطلع العقل عليها لحكم على طبقها و عدم حكمه بها فعلا إنما هو لعدم اطلاعه عليها.

إذا عرفت هذا فمراد المستشكل أنه لا فرق بين الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلة الشرعية و الأحكام الشرعية المستفادة من الأحكام العقلية في عدم جريان الاستصحاب، لأن ما هو الموضوع و المناط في الأحكام الشرعية المستفادة من الأدلة الشرعية هو الموضوع و المناط في الحكم العقلي لو فرض التفات العقل للمناط المذكور، فمع الشك في الحكم الشرعي للشك في مناطه لا مجال للاستصحاب، لعدم إحراز الموضوع في الحكم العقلي التقديري الذي حكم الشارع تبعا له، فلا يحرز موضوع الحكم الشرعي أيضا، كما سبق في الأحكام الشرعية المستفادة من الأحكام العقلية الفعلية.

____________

(1) يعني التقديري الشأني.

(2) يعني: أنما ذكر في الاشكال إنما يقتضي عدم الفرق بين الأحكام الشرعية المستفادة من الأحكام العقلية و الأحكام المستفادة من الأدلة الشرعية في جريان الاستصحاب بناء على أن الاستصحاب من الأمارات الظنية، و ذلك لأنه إذا شك في بقاء الحكم فقد شك في بقاء المناط، فاذا فرض حصول الظن من الاستصحاب‏

51

و العقلي من حيث الظن بالبقاء في الآن اللاحق‏

1

، لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب و عدمه، فإنه تابع لتحقق موضوع المستصحب و معروضه بحكم العرف، فإذا حكم الشارع بحرمة شي‏ء في زمان، و شك في الزمان الثاني، و لم يعلم أن المناط الحقيقي واقعا- الذي هو المناط و الموضوع في حكم العقل‏

2

- باق هنا أم لا، فيصدق هنا أن الحكم الشرعي الثابت لما هو الموضوع له في الأدلة الشرعية كان موجودا سابقا و شك في بقائه‏

3

، و يجري فيه أخبار الاستصحاب. نعم، لو علم مناط

ببقاء المناط و الموضوع الواقعي لزم الظن ببقاء الحكم الشرعي سواء كان مستفادا من الدليل الشرعي أم من الحكم العقلي، و إلا لم يحصل الظن في المقامين.

أما بناء على أن الاستصحاب من الأصول التعبدية المستفادة من الأخبار فالوجه المذكور لا يمنع من الفرق بين الحكمين، و ذلك لأن المعيار في التعبد الاستصحابي على بقاء الموضوع العرفي المستفاد للعرف من الأدلة لا على إحراز بقاء الموضوع و المناط الواقعيين، فلو فرض الشك في المناط مع إحراز الموضوع عرفا أمكن الاستصحاب، بخلاف ما إذا كان الحكم الشرعي مستفادا من الحكم العقلي فإن الموضوع فيه ليس إلّا الموضوع العقلي، و قد عرفت انه تابع للمناط، فمع الشك في حصول المناط يشك في الموضوع فيمتنع الاستصحاب.

هذا حاصل ما يقال في المقام، رجعنا فيه إلى ما ذكره بعض أعاظم المحشين (قدّس سرّه) في شرح كلام المصنف (قدّس سرّه) الذي هو غامض جدا. فلاحظ.

____________

(1) يعني: بناء على كون الاستصحاب من الامارات الظنية.

(2) يعني: حكم العقل الشأني و التقديري.

(3) الضمير يرجع إلى الحكم الشرعي.

52

هذا الحكم و موضوعه المعلق عليه في حكم العقل‏

1

لم يجر الاستصحاب، لما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع.

[عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية و الشرعية المستندة إليها]

و مما ذكرنا يظهر: أن الاستصحاب لا يجري في الأحكام العقلية

2

، و لا في الأحكام الشرعية المستندة إليها، سواء كانت وجودية أم عدمية، إذا كان العدم مستندا إلى القضية العقلية

3

، كعدم وجوب الصلاة مع‏

____________

(1) بأن كان الحكم مستفادا من الحكم العقلي الفعلي الذي سبق الكلام فيه أول الأمر، أما لو استفيد من الأدلة الشرعية و علم بموضوعه و مناطه الواقعي إلا أنه شك في بقاء المناط و كان الموضوع العرفي محرزا معلوم البقاء فلا مانع من جريان الاستصحاب، لما عرفت من أن المدار فيه على إحراز الموضوع العرفي، لا الواقعي التابع للمناط.

(2) الوجه فيه- مضافا إلى ما سبق-: أن دليل التعبد بالاستصحاب مختص بالأحكام الشرعية و موضوعاتها، و لا يجري في غيرها كالأحكام العقلية.

و دعوى: أن الحكم العقلي موضوع للحكم الشرعي بناء على الملازمة بين الأحكام الشرعية و العقلية.

ممنوعة، لأن مجرد الملازمة بينهما لا يقتضي موضوعيته له، إذ المراد بالموضوع ما أخذ في كبرى القضية الشرعية، و القضية العقلية لا دخل لها في موضوع القضية الشرعية و إن كانت كاشفة عنها.

نعم قد يدعي جريان الاستصحاب لإحراز المناط في القضية العقلية المتتبع للحكم العقلي، بناء على جريان الاستصحاب بحكم العقل.

لكنه استصحاب عقلي، و ليس من الاستصحاب الشرعي الذي نحن بصدده.

(3) عرفت أن المعيار في المنع من جريان الاستصحاب كون الموضوع أمرا كليا قابلا للتقييد مع احتمال كون الخصوصية الزائلة قيدا له، فلو لم يكن كليا بل‏

53

السورة على ناسيها، فإنه لا يجوز استصحابه بعد الالتفات‏

1

، كما صدر

جزئيا- كزيد- أو كان كليا و علم بعدم أخذ الخصوصية قيدا فيه فلا مانع من جريان الاستصحاب من دون فرق بين الحكم المستفاد من الأدلة الشرعية و العقلية.

____________

(1) أشرنا إلى أن الخصوصية الزائلة إن لم يحتمل كونها قيدا في متعلق الحكم و إنما احتمل كونها شرطا في الحكم مع إطلاق المتعلق فلا مانع من جريان الاستصحاب، و ذلك كما يجري في الأحكام المستفادة من الأدلة الشرعية كذلك يجري في الأحكام المستفادة من الأحكام العقلية، و من الظاهر أن النسيان ليس قيدا في السورة التي يسقط وجوبها، بل هو غاية ما يحتمل كونه شرطا في سقوط وجوب السورة و حينئذ فاذا احتمل سقوط السورة حتى بعد الالتفات فلا مانع من استصحاب. عدم وجوبها و إن كان سقوطها حال النسيان مستفادا من حكم العقل.

إن قلت: لما كان مناط حكم العقل هو قبح تكليف الناسي فمع فرض ارتفاع النسيان يعلم بارتفاع المناط، فيعلم بارتفاع حكم الشارع السابق.

نعم يحتمل حكم الشارع بالاجزاء بملاك آخر غير ملاك قبح تكليف الناسي و هو حكم شرعي تعبدي غير الحكم السابق فلا مجال لإحرازه بالاستصحاب، بل الأصل عدمه.

قلت: ارتفاع ملاك الحكم العقلي لا يستلزم ارتفاع الحكم الشرعي، لاحتمال بقائه بملاك آخر، و تعدد المناط لا يوجب تعدد الحكم حتى يمتنع الاستصحاب.

فالعمدة في منع الاستصحاب في المقام: أن المتيقن سابقا حين النسيان ليس هو ارتفاع الوجوب واقعا بل ظاهرا، و حينئذ فبعد انكشاف الحال و ارتفاع النسيان يعلم بارتفاع الحكم الظاهري، لامتناع جعل الحكم الظاهري مع العلم بالحال، و إنما يحتمل الاجزاء واقعا، و هو حكم جديد لا دليل على ثبوته، و الأصل عدمه.

بل قد يقال: إن مقتضى إطلاق دليل الواجب التام بقاؤه ما لم يمتثل سواء

54

من بعض من مال إلى الحكم بالإجزاء في هذه الصورة و أمثالها من موارد الأعذار العقلية الرافعة للتكليف مع قيام مقتضيه.

و أما إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضية العقلية، بل كان لعدم المقتضي و إن كان القضية العقلية موجودة أيضا، فلا بأس باستصحاب العدم المطلق بعد ارتفاع القضية العقلية.

[استصحاب حال العقل لا يستند إلى القضية العقلية]

و من هذا الباب استصحاب حال العقل، المراد به في اصطلاحهم استصحاب البراءة و النفي، فالمراد استصحاب الحال‏

1

التي يحكم‏

جي‏ء بالناقص نسيانا أم لا، و الاطلاق المذكور مانع من جريان استصحاب عدم وجوب المقام من حين النسيان، بناء على ما هو الظاهر من الرجوع في امثال ذلك إلى عموم العام لا إلى استصحاب حكم المخصص، هذا مع قطع النظر عما عرفت من عدم جريان الاستصحاب ذاتا. فتأمل جيدا.

____________

(1) لكن حتى لو فرض كون مرادهم استصحاب الحال المستندة إلى العقل فلا مانع منه، لما أشرنا إليه من أن الحالة المتبدلة إذا كانت من طارئة على الأمر الجزئي المستقر في الوجود فتبدلها لا يوجب تعدد الموضوع، لعدم إمكان تقييد الجزئي بل ليس الموضوع إلا الأمر الواحد المعروض للحالتين المتبادلتين و هو في المقام ذات المكلف الذي سبق له عدم التمييز، و من الظاهر أن عدم التمييز ليس من الحالات المأخوذة في نفس الفعل الذي يتمسك في نفي التكليف عنه بالبراءة الأصلية، حتى يمكن فرض كونه قيدا له، لأنه أمر كلي، بل في نفس المكلف لأن من شروط التكليف هو التمييز، و هو أمر لا يقبل التقييد، كما ذكرنا. فلاحظ.

و من جميع ما سبق يظهر أن الخصوصية المحتمل دخلها ان احتمل أخذها في متعلق الحكم التكليفي و هو فعل المكلف الكلي امتنع الاستصحاب، و إن احتمل أخذها قيدا في الحكم كما هو مفاد القضية الشرطية أو في المكلف فلا مانع من‏