التنقيح - ج6

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
497 /
5

[تتمة المقصد الثالث‏]

خاتمة [في شرائط العمل بالاستصحاب:]

ذكر بعضهم للعمل بالاستصحاب شروطا، كبقاء الموضوع، و عدم المعارض، و وجوب الفحص.

و التحقيق: رجوع الكل إلى شروط جريان الاستصحاب‏

1

.

و توضيح ذلك: أنك قد عرفت أن الاستصحاب عبارة عن إبقاء

____________

(1) يعني: شروط العمل به بعد فرض جريانه.

و كأن الفرق بينهما أن شروط الجريان هي التي تتوقف عليها أركان الاستصحاب، و شروط العمل هي التي تغير بعد فرض تحقق الأركان.

و ما ذكره (قدّس سرّه) تام بالإضافة إلى بقاء الموضوع.

و أما بالإضافة إلى عدم المعارض و الفحص، فهو مبني على أن المعارض وارد على الاستصحاب رافع لموضوعه، و على أن الموجب للفحص هو العلم الإجمالي بانتفاض الحالة السابقة و أن العلم الإجمالي مانع من شمول دليل الاستصحاب للمورد، و الظاهر عدم تمامية الأمرين، بل يأتي من المصنف (قدّس سرّه) إنكار الأول، و إن التزم بالثاني. فلاحظ.

6

ما شك في بقائه، و هذا لا يتحقق إلا مع الشك في بقاء القضية المحققة في السابق بعينها في الزمان اللاحق.

و الشك على هذا الوجه لا يتحقق إلا بأمور:

الأول [شروط بقاء الموضوع‏]

بقاء الموضوع في الزمان اللاحق، و المراد به معروض المستصحب.

فإذا اريد استصحاب قيام زيد، أو وجوده، فلا بد من تحقق زيد في الزمان اللاحق على النحو الذي كان معروضا في السابق، سواء كان تحققه في السابق بتقرره ذهنا أو بوجوده خارجا، فزيد معروض للقيام في السابق بوصف وجوده الخارجي‏

1

، و للوجود بوصف تقرره ذهنا، لا وجوده الخارجي‏

2

.

و بهذا اندفع ما استشكله بعض في كلية اعتبار بقاء الموضوع في الاستصحاب، بانتقاضها باستصحاب وجود الموجودات عند الشك‏

____________

(1) قد يظهر من المصنف (قدّس سرّه) فيما يأتي أن المراد بالوجود الخارجي هنا هو الحياة المقابلة للموت لا الوجود المقابل للعدم. و الظاهر أنه في غير محله، لأن الحياة كالقيام من طوارئ الذات. نعم القيام من طوارئ الذات في ظرف تشخصها بالوجود.

فمع عدم تشخصها لا موضوع للقيام، بخلاف الوجود، فإنه مما يطرأ على الذات في رتبة سابقة على تشخصها فهو يقتضي تشخصها. فلاحظ.

(2) لامتناع طروء الوجود على الموجود بما هو موجود.

7

في بقائها، زعما منه أن المراد ببقائه وجوده الخارجي الثانوي، و غفلة عن أن المراد وجوده الثانوي على نحو وجوده الأولي الصالح لأن يحكم عليه بالمستصحب و بنقيضه، و إلا لم‏

1

يجز أن يحمل عليه المستصحب‏

2

في الزمان السابق. فالموضوع في استصحاب حياة زيد هو زيد القابل لأن يحكم عليه بالحياة تارة و بالموت اخرى، و هذا المعنى لا شك في تحققه عند الشك في بقاء حياته‏

3

.

[الدليل على هذا الشرط]

ثم الدليل على اعتبار هذا الشرط في جريان الاستصحاب واضح، لأنه لو لم يعلم تحققه لا حقا، فإذا أريد إبقاء المستصحب العارض له المتقوم به:

____________

(1) يعني: لو كان الموضوع في القضية المتيقنة خصوص الوجود الخارجي.

(2) و هو الوجود.

(3) لكن إطلاق التحقق على مثل ذلك لا يخلو عن تسامح.

فالظاهر أن التعبير عن الشرط المذكور ببقاء الموضوع في غير محله، بل الأولى التعبير عنه بلزوم اتحاد القضية المشكوكة المحرزة بالاستصحاب مع القضية المتيقنة المستصحبة، بنحو يصدق: كان كذا فهو كما كان، لأن مفاد الاستصحاب ليس إلا التعبد ببقاء الأمر المتيقن، فلا بد من اتحاد المتيقن مع المشكوك، حتى يكون التعبد به بقاء له، و من الظاهر أن وحدة القضيتين موقوفة على وحدة موضوعهما كمحمولهما، و إلا كانت قضيتين متباينتين، و ليست إحداهما بقاء للأخرى.

و منه يظهر أنه لا بد من العلم باتحاد القضيتين في الموضوع، إذ مع الشك في ذلك لا يحرز النقض على الحكم بعدم القضية المشكوكة، فلا يعلم بدخوله في عموم النهي عن نقض اليقين بالشك فالتمسك فيه به من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. و لكن يظهر من المصنف (قدّس سرّه) اعتبار العلم ببقاء الموضوع في الخارج و سيأتي الكلام فيه.

8

فإما أن يبقى في غير محل و موضوع، و هو محال.

و إما أن يبقى في موضوع غير الموضوع السابق، و من المعلوم أن هذا ليس إبقاء لنفس ذلك العارض‏

1

، و إنما هو حكم بحدوث عارض مثله في موضوع جديد، فيخرج عن الاستصحاب، بل حدوثه للموضوع الجديد كان مسبوقا بالعدم، فهو المستصحب دون وجوده.

و بعبارة أخرى: بقاء المستصحب لا في موضوع محال، و كذا في موضوع آخر، إما لاستحالة انتقال العرض، و إما لأن المتيقن سابقا وجوده في الموضوع السابق، و الحكم بعدم ثبوته لهذا الموضوع الجديد ليس نقضا للمتيقن السابق‏

2

.

[المعتبر هو العلم ببقاء الموضوع‏]

و مما ذكرنا يعلم: أن المعتبر هو العلم ببقاء الموضوع، و لا يكفي احتمال البقاء، إذ لا بد من العلم بكون الحكم بوجود المستصحب إبقاء، و الحكم بعدمه نقضا

3

.

____________

(1) هذا موقوف على استحالة انتقال العرض عن موضوعه لموضوع آخر، كما سيأتي.

(2) هذا موقوف على كون خصوصية كونه في الموضوع السابق دخيلة في ترتب الأثر، أما لو لم تكن دخيلة فيه لا يهم تخلفها في جريان الاستصحاب و ترتب الأثر، لان المستصحب هو العرض الشخصي الذي كان موجودا في الموضوع السابق المفروض بقاؤه بنفسه في الموضوع الآخر بناء على كان إمكان انتقال العرض عن موضوعه.

نعم لا يبعد كون محل كلام المصنف (قدّس سرّه) ما إذا كانت خصوصية الموضوع دخيلة في ترتب الأثر، فيكون ما ذكره في محله.

(3) هذا و إن كان مسلما، و إلا امتنع التمسك بعموم الاستصحاب لأنه‏

9

[هل يجوز إحراز الموضوع في الزمان اللاحق بالاستصحاب؟]

فإن قلت: إذا كان الموضوع محتمل البقاء فيجوز إحرازه في الزمان اللاحق بالاستصحاب.

قلت: لا مضايقة من جواز استصحابه في بعض الصور، إلا أنه لا ينفع في استصحاب الحكم المحمول عليه.

بيان ذلك: أن الشك في بقاء الحكم الذي يراد استصحابه: إما أن يكون مسببا عن سبب غير الشك في بقاء ذلك الموضوع المشكوك البقاء

تمسك بالعام في الشبهة الموضوعية من طرف العام الذي لا اشكال في امتناعه، إلا أن ذلك لا يتوقف على العلم ببقاء الموضوع، ضرورة أنه مع الشك في بقائه يشك في بقائه متصفا بالعرض فاستصحاب اتصافه بالعرض إبقاء المتيقن، لا لأمر آخر.

و بعبارة أخرى: الشك في بقاء القضية كما يكون من جهة الشك في بقاء محمولها مع العلم ببقاء موضوعها كذلك يكون مع الشك في بقاء موضوعها.

و مما ذكرنا يظهر أن ما تقدم منّا في توجيه هذا الشرط بأن المراد منه اعتبار اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة لا ينهض بإثبات لزوم العلم بتحقق الموضوع.

نعم قد يقال: إن موضوع الأثر لما كان هو مفاد القضية الحملية فاستصحابها متعذر في المقام لأن مفاد القضية الحملية إنشائية كانت- كهند طالق- أم خبرية- كالماء بارد- أم تعبدية- كما في مقام الاستصحاب- هو التعرض للمحمول- إنشاء أو اخبارا أو تعبدا- مع المفروغية عن تحقق الموضوع في ظرف انتساب المحمول له من ذهن أو خارج، فمع عدم المفروغية عنه في ظرفه و الشك فيه- كما في الفرض- لا تصدق القضية الحملية بأي نحو كانت و يمتنع التعبد بها بالاستصحاب.

و لعله لذا كان المرتكز امتناع الاستصحاب فيما لو وجب التصدق إن كان ما في الحوض كرا، ثم شك في كرية ما في الحوض للشك في وجود ماء في الحوض.

و قد أطلنا الكلام في توضيح ذلك في حاشية الكفاية. فراجع و تأمل جيدا.

10

- مثل أن يشك في عدالة مجتهده‏

1

مع الشك في حياته- و إما أن يكون مسببا عنه.

فإن كان الأول، فلا إشكال في استصحاب الموضوع عند الشك، لكن استصحاب الحكم كالعدالة- مثلا- لا يحتاج إلى إبقاء حياة زيد، لأن موضوع العدالة: زيد على تقدير الحياة، إذ لا شك فيها إلا على فرض الحياة، فالذي يراد استصحابه هو عدالته على تقدير الحياة

2

. و بالجملة:

فهنا مستصحبان، لكل منهما موضوع على حدة: حياة زيد، و عدالته على تقدير الحياة، و لا يعتبر في الثاني إثبات الحياة.

و على الثاني‏

3

، فالموضوع: إما أن يكون معلوما معينا شك في بقائه،

____________

(1) يعني: لاحتمال طروء موجبات الفسق.

(2) يعني: فالمستصحب هو العدالة التعليقية بنحو القضية الشرطية التي لا تتوقف على فعلية الشرط.

لكن هذا غير ظاهر الوجه، فإن موضوع الأثر هو العدالة الفعلية، لا التقديرية، و ليست العدالة التقديرية أمرا مجعولا حتى يمكن استصحابها كالأحكام الشرعية بناء على جريان الاستصحاب فيها مع التعليق.

نعم الظاهر أن الحياة ليست موضوعا للعدالة بل موضوعها الإنسان و هو المعروض لها و ليست الحياة إلا شرطا تكوينيا لعروض العدالة بمعنى الملكة الفعلية- عليه- فهي خارجة عما نحن فيه، و لا يحتاج إلى إحرازها في المقام.

إلا أن تكون بنفسها دخيلة نظير الالتفات في الأثر فتستصحب بنفسها، كما هو الحال بناء على اشتراط الحياة في المفتي. فلاحظ.

(3) و هو ما إذا كان الشك في الحكم مسببا عن الشك في الموضوع.

11

كما إذا علم أن الموضوع لنجاسة الماء هو الماء بوصف التغير، و للمطهرية هو الماء بوصف الكرية و الإطلاق، ثم شك في بقاء تغير الماء الأول و كرية الماء الثاني أو إطلاقه.

و إما أن يكون غير معين، بل مرددا بين أمر معلوم البقاء و آخر معلوم الارتفاع، كما إذا لم يعلم أن الموضوع للنجاسة هو الماء الذي حدث فيه التغير آناً ما، أو الماء المتلبس فعلا بالتغير. و كما إذا شككنا في أن النجاسة محمولة على الكلب بوصف أنه كلب، أو المشترك بين الكلب و بين ما يستحال إليه من الملح أو غيره.

أما الأول، فلا إشكال في استصحاب الموضوع، و قد عرفت- في مسألة الاستصحاب في الأمور الخارجية- أن استصحاب الموضوع، حقيقته ترتيب الأحكام الشرعية المحمولة على ذلك الموضوع الموجود واقعا

1

،

____________

(1) لكن هذا مختص بما إذا كان المستصحب من أحكام الموضوع الشرعية كالأمثلة التي ذكرها (قدّس سرّه)، بخلاف ما لو لم يكن كذلك، كما لو شك في كرية ما في الحوض أو برودته للشك في بقاء شي‏ء من الماء في الحوض، فإن استصحاب الموضوع و هو وجود الماء في الحوض لا يقتضي البناء على كريته أو برودته إلا بناء على الأصل المثبت، لأن موضوعية الماء للكرية أو البرودة ليست شرعية، بل تكوينية خارجية، كما لا يخفى.

فما ذكره (قدّس سرّه) لا يمنع من استصحاب العرض المشكوك بعد استصحاب الموضوع في مثل ذلك، فيقال مثلا: كان في الحوض ماء فهو كما كان، ثم يقال: كان ماء الحوض كرا أو باردا فهو كما كان.

فالعمدة في الإشكال في مثل ذلك: أنه لا مجال لاستصحاب الموضوع، لان‏

12

فحقيقة استصحاب التغير و الكرية و الإطلاق في الماء

1

، ترتيب أحكامها

وجود الموضوع و إن كان له دخل في الأثر الشرعي، إلا أن دخله فيه ليس شرعيا مستندا إلى أخذه في كبرى شرعية، لفرض أن القضية الشرعية لم تتعرض إلا لمفاد القضية الحملية المتعرضة للمحمول- كالبرودة و الكرية- بعد الفراغ عن الموضوع، و إنما هو عقلي ناش من امتناع صدق القضية الحملية دون إحراز موضوعها، و هو لا يكفي في جريان الأصل.

و قد أطلنا الكلام في ذلك في حاشية الكفاية بما لا مجال له هنا.

هذا مع أن ما ذكره (قدّس سرّه) خارج عما نحن فيه، إذ محل الكلام هنا هو الموضوع بمعنى معروض المستصحب كالماء المعروض للكرية أو البرودة، و ما ذكره إنما هو في الموضوع الشرعي الذي هو عبارة عما له الدخل شرعا في ترتب الأثر و إن كان خارجا عن المعروض، و إلا فمن الظاهر أن معروض النجاسة هو الماء بنفسه، و ليس التغير مقوما له، و إنما هو من الحالات الدخيلة شرعا في اتصاف الماء بالنجاسة، فهو خارج عما نحن فيه.

هذا و اختلاط الموضوع بمعنى المعروض الذي هو محل الكلام بالموضوع الشرعي هو الذي أوجب اضطراب كلام المصنف (قدّس سرّه) جدا، بل اضطراب كلام غيره ممن تأخر عنه. فلاحظ.

____________

(1) لا اشكال في استصحاب التغير، لأنه عارض على الماء زائد عليه أخذ موضوعا للأثر الشرعي. و أما الكرية فاستصحابها مبني على كفاية التسامح العرفي فى موضوع الاستصحاب و قد أشرنا غير مرة إلى أنه في غير محله، كما سيأتي الكلام فيه أيضا.

و أما الإطلاق فيشكل استصحابه لعدم كونه مأخوذا شرطا في الماء بمفاد كان الناقصة شرعا، بل لا دليل على اعتباره إلا ما دل على أن المطهر هو الماء بعد عدم شموله لغير المطلق منه لغة و عرفا، و حينئذ فمرجع استصحابه إلى استصحاب مائية

13

المحمولة عليها، كالنجاسة في الأول، و المطهرية في الأخيرين.

فمجرد استصحاب الموضوع يوجب إجراء الأحكام، فلا مجال لاستصحاب الأحكام حينئذ، لارتفاع الشك‏

1

، بل لو أريد استصحابها لم يجر، لأن صحة استصحاب النجاسة- مثلا- ليس من أحكام التغير الواقعي ليثبت باستصحابه، لأن أثر التغير الواقعي هي النجاسة الواقعية، لا استصحابها، إذ مع فرض التغير لا شك في النجاسة

2

.

مع أن قضية ما ذكرنا من الدليل على اشتراط بقاء الموضوع في الاستصحاب، حكم العقل باشتراط بقائه فيه‏

3

، فالمتغير الواقعي إنما

الماء، و لا مجال لاستصحابها بمفاد كان الناقصة لانها ليست من عوارض الماء، كما لا مجال لاستصحاب وجود الماء بمفاد كان التامة لانه لا يحرز كون المغسول به ماء.

فتأمل جيدا.

____________

(1) على ما يأتي في الأصل السببي و المسببي.

(2) هذا إنما يتم في الموضوع الشرعي، لا الموضوع بمعنى المعروض الذي هو محل الكلام، أما المعروض فتحققه شرط في صحة الاستصحاب لا في ثبوت المستصحب. نعم شرطيته في صحة الاستصحاب ليست شرعية، بل عقلية، كما ذكرنا و سيأتي منه.

(3) إما لاستحالة انتقال العرض عن موضوعه، و غيره مما تقدم منه، أو لامتناع التعبد بالقضية الحملية إلا بعد الفراغ عن تحقق موضوعها في ظرف ثبوته للمحمول له كما ذكرنا.

لكن هذا إنما يتم في الموضوع بمعنى المعروض، لا في الموضوع الشرعي كالتغير، فإنه لا يعتبر إحرازه في الاستصحاب لا شرعا و لا عقلا، بل يكون المستصحب من آثاره، فإحرازه إحراز له مغن عن استصحابه، كما تقدم منه في الوجه‏

14

يجوز استصحاب النجاسة له بحكم العقل، فهذا الحكم- أعني ترتب الاستصحاب على بقاء الموضوع- ليس أمرا جعليا حتى يترتب على وجوده‏

1

الاستصحابي، فتأمل.

و على الثاني‏

2

، فلا مجال لاستصحاب الموضوع و لا الحكم.

أما الأول، فلأن أصالة بقاء الموضوع لا يثبت كون هذا الأمر الباقي متصفا بالموضوعية

3

، إلا بناء على القول بالأصل المثبت، كما تقدم في‏

السابق. و منه يظهر اضطراب كلام المصنف (قدّس سرّه) بسبب اختلاط المراد من الموضوع فى كلامه.

____________

(1) الضمير يعود إلى (الموضوع).

(2) و هو ما إذا كان الموضوع أمرا مجملا مرددا بين معلوم البقاء و معلوم الارتفاع.

لكن الظاهر أن هذا إنما يتصور في الموضوع الشرعي، لانه أمر واقعي تابع للشارع قابل للاختفاء و الإجمال دون الموضوع بمعنى المعروض للقضية المتيقنة، إذ بعد فرض كون القضية متيقنة يكون موضوعها متيقنا تبعا لها و لا يتصور فيه الشك.

(3) ليس المدعي هنا التمسك باستصحاب التغيير أو المتغير- مثلا- بمفاد كان التامة حتى يرد ما ذكره، بل استصحاب التغير بمفاد كان الناقصة، فيقال: كان هذا الماء متغيرا فهو كما كان، فلا مجال للإيراد عليه بما ذكره (قدّس سرّه).

بل العمدة في الإشكال فيه أنه من استصحاب المفهوم المردد، فمثل التغير المأخوذ موضوعا للنجاسة شرعا مردد بين التغير الفعلي الحالي و ما يعم التغير السابق، و الأول معلوم الارتفاع و الثاني معلوم البقاء، و العنوان المردد بينهما ليس موضوعا للأثر الشرعي على إبهامه و إجماله، بل ليس الموضوع إلا أحدهما بمفهومه‏

15

أصالة بقاء الكر المثبتة لكرية المشكوك بقاؤه على الكرية، و على هذا القول فحكم هذا القسم حكم القسم الأول‏

1

.

و أما أصالة بقاء الموضوع بوصف كونه موضوعا فهو في معنى استصحاب الحكم، لأن صفة الموضوعية للموضوع ملازم لإنشاء الحكم من الشارع باستصحابه‏

2

.

و أما استصحاب الحكم، فلأنه كان ثابتا لأمر لا يعلم بقاؤه، و بقاؤه قائما بهذا الموجود الباقي ليس قياما بنفس ما قام به أولا، حتى يكون إثباته‏

الخاص، و كلاهما غير قابل للاستصحاب، لعدم تمامية أركانه فيه.

____________

(1) لم يتضح عاجلا المراد بهذه العبارة، و في بعض الحواشي: «يعني عدم جريان استصحاب الحكم».

و هو غير ظاهر أولا: من جهة أنه يأتي منه التعرض لاستصحاب الحكم.

و ثانيا: من جهة أن القسم الأول المقابل لهذين القسمين قد حكم فيه بجريان استصحاب الحكم بنحو التعليق على وجود الموضوع، لا بعدم جريان استصحاب الحكم و القسم الأول من هذين القسمين قد حكم فيه بعدم جريان استصحاب الحكم من جهة حكومة استصحاب الموضوع عليه، و كلا الأمرين لا مجال له هنا، فلاحظ.

(2) هذا لا يصلح للمنع من جريان استصحاب الموضوع بوصف كونه موضوعا، كما لعله ظاهر.

فالعمدة أن موضوعية الموضوع ليست مجعولة شرعا، بل ليست هي إلا منتزعة من جعل الحكم له كشرطية الشرط و سببية السبب، فلا مجال لاستصحابها.

كما أنها ليست موضوعا لأثر شرعي، بل ليس موضوع الأثر الشرعي إلا الموضوع بعنوانه الأولي، كالتغير و الكرية و نحوهما.

16

إبقاء و نفيه نقضا

1

.

[الشك في الحكم من جهة الشك في القيود المأخوذة في الموضوع‏]

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم: أنه كثيرا ما يقع الشك في الحكم من جهة الشك‏

2

في أن موضوعه و محله هو الأمر الزائل و لو بزوال قيده المأخوذ في موضوعيته، حتى يكون الحكم مرتفعا، أو هو الأمر الباقي، و الزائل ليس موضوعا و لا مأخوذا فيه، فلو فرض شك في الحكم كان من جهة أخرى غير الموضوع، كما يقال: إن حكم النجاسة في الماء المتغير، موضوعه نفس الماء

3

، و التغير علة محدثة للحكم، فيشك في عليته للبقاء.

____________

(1) هذا يتم فيما لو لم يكن الباقي عين ما قام به أولا، بل كانا مختلفين قطعا أو احتمالا، بحيث لا يصدق هذا ذاك، كما في موارد الاستحالة كاستحالة الكلب ملحا، و اتحادهما دقة لو تم لا يجدي مع غفلة العرف عن ذلك، كما لعله يأتي.

أما بخلاف ما لو كان عينه، و الاختلاف بينهما إنما هو في الخصوصيات الزائدة التي يحتمل أخذها في الموضوع شرعا مع العلم بعدم كونها مقومة للموضوع بمعنى المعروض، كالتغير، لما هو المعلوم من أن معروض النجاسة هو ذات الماء، و ليس التغير إلا شرطا شرعيا فيه لا يوجب انسلاخه و تعدد الماء، فإنه لا مانع من الاستصحاب حينئذ، لصدق النقض بدونه بلا إشكال.

و كأن ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) مبني على الخلط بين الموضوع الشرعي و الموضوع بمعني المعروض، كما أشرنا إليه آنفا و يظهر من كثير من فقرات كلامه. فلاحظ.

(2) الشك بالنحو المذكور إنما يكون غالبا بالإضافة إلى الموضوع الشرعي، الذي هو عبارة عن تمام ما يعتبر في ترتب الحكم، لا الموضوع بمعنى المعروض الذي هو محل الكلام و إلا فهو كثيرا ما يتيقن ببقائه مع احتمال ارتفاع الحكم، بل مع اليقين بارتفاعه، كما لعله سيتضح، و أشرنا إليه قريبا.

(3) لا إشكال في أن الموضوع بمعنى المعروض هو الماء، و التغير من الصفات‏

17

[ما يميز به القيود المأخوذة في الموضوع أحد أمور:]

فلا بد من ميزان يميز به القيود المأخوذة في الموضوع عن غيرها، و هو أحد أمور:

[العقل‏]

الأول: العقل، فيقال: إن مقتضاه كون جميع القيود قيودا للموضوع مأخوذة فيه، فيكون الحكم ثابتا لأمر واحد يجمعها، و ذلك لأن كل قضية و إن كثرت قيودها المأخوذة فيها راجعة في الحقيقة إلى موضوع واحد و محمول واحد

1

، فإذا شك في ثبوت الحكم السابق بعد زوال بعض تلك القيود، سواء علم كونه قيدا للموضوع أو للمحمول أو لم يعلم أحدهما، فلا يجوز الاستصحاب، لأنه‏

2

إثبات عين الحكم السابق لعين‏

غير المقومة له لعدم قابلية الماء الجزئي للتقييد، فهو لو كان معتبرا في النجاسة كان علة شرعية فهو خارج عن محل الكلام.

____________

(1) لكن هذا إنما يمنع من استصحاب مفاد القضية الكلية، لا من استصحاب الحكم في المورد الشخصي لو كان موضوعه أمرا جزئيا خارجيا كالنجاسة الطارئة على الماء، لما هو المعلوم من أن الأمر الجزئي لا يقبل التقييد، فلا بد من رجوع جميع القيود في القضية الكلية إلى العلل في ثبوت الحكم للأمر الجزئي الخارجي الذي لا يتبدل قطعا بتبدلها.

نعم لو أريد استصحاب الحكم الوارد على الموضوع الكلي كما في الأحكام التكليفية التي معروضها فعل المكلف فقد يتوجه ما ذكره (قدّس سرّه)، لأن الأمر الكلي قابل للتقييد.

على أنه لا يتم كلية، لما تحقق في محله من الفرق بين شروط التكليف و شروط المكلف به، فاللازم امتناع جريان الاستصحاب مع الشك في بقاء شرط المكلف به الذي هو معروض الحكم التكليفي كما تقدم في حجة القول السابع.

(2) الضمير يعود إلى: (الاستصحاب).

18

الموضوع السابق، و لا يصدق هذا مع الشك في أحدهما. نعم، لو شك بسبب تغير الزمان المجعول ظرفا للحكم‏

1

- كالخيار

2

- لم يقدح في جريان الاستصحاب، لأن الاستصحاب مبني على إلغاء خصوصية الزمان الأول‏

3

.

فالاستصحاب في الحكم الشرعي لا يجري إلا في الشك من جهة الرافع‏

4

ذاتا أو وصفا

5

، و فيما كان من جهة مدخلية الزمان. نعم، يجري في الموضوعات الخارجية بأسرها

6

.

ثم لو لم يعلم مدخلية القيود في الموضوع كفى في عدم جريان الاستصحاب الشك في بقاء الموضوع، على ما عرفت مفصلا.

[لسان الدليل‏]

الثاني: أن يرجع في معرفة الموضوع للأحكام إلى الأدلة، و يفرق بين‏

____________

(1) لكن الزمان كسائر القيود المحتمل دخلها في الحكم، فيجري عليه ما يجري عليها.

(2) يعني: لو شك في كونه فوريا.

(3) لكن مع انحفاظ الموضوع، فإذا فرض احتمال دخل الزمان فيه امتنع الاستصحاب.

(4) لكن جعل الرافع مستلزم لقصور موضوع الحكم في القضية الشرعية الكلية عن شمول صورة وجوده و لو بنحو نتيجة التقييد. فهو مستلزم القصور الموضوع بالمعنى المذكور.

(5) يعني: الشك في وجود الرافع، أو في رافعية الموجود اعتراف إحراز الموضوع.

(6) كالعدالة التي موضوعها ذات الإنسان الذي لا تكون صفاته مقومة له.

19

قوله: «الماء المتغير نجس»، و بين قوله: «الماء ينجس إذا تغير»، فيجعل الموضوع في الأول الماء المتلبس بالتغير، فيزول الحكم بزواله، و في الثاني نفس الماء فيستصحب النجاسة لو شك في مدخلية التغير في بقائها، و هكذا. و على هذا فلا يجري الاستصحاب فيما كان الشك من غير جهة الرافع‏

1

إذا كان الدليل غير لفظي لا يتميز فيه الموضوع، لاحتمال مدخلية القيد الزائل فيه.

[العرف‏]

الثالث: أن يرجع في ذلك إلى العرف، فكل مورد يصدق عرفا أن هذا كان كذا سابقا جرى فيه الاستصحاب و إن كان المشار إليه لا يعلم بالتدقيق أو بملاحظة الأدلة كونه موضوعا، بل علم عدمه.

مثلا: قد ثبت بالأدلة أن الإنسان طاهر و الكلب نجس، فإذا ماتا و اطلع أهل العرف على حكم الشارع عليهما بعد الموت، فيحكمون بارتفاع طهارة الأول و بقاء نجاسة الثاني‏

2

، مع عدم صدق الارتفاع و البقاء فيهما بحسب التدقيق، لأن الطهارة و النجاسة كانتا محمولتين على الحيوانين المذكورين، فلا معنى لصدق ارتفاع الأول و بقاء الثاني، و قد

3

ارتفعت الحيوانية بعد صيرورته جمادا

4

.

و نحوه حكم العرف باستصحاب بقاء الزوجية بعد موت أحد

____________

(1) أما الشك من جهة الرافع فهو ملازم لإحراز الموضوع بالمعنى المذكور.

(2) مع أن البقاء و الارتفاع في الأعراض موقوفان على بقاء موضوعاتها.

(3) الواو حالية.

(4) لكن موضوع النجاسة و الطهارة هو الجسم الذي لا يرتفع بالموت.

20

الزوجين‏

1

، و قد تقدم حكم العرف ببقاء كرية ما كان كرا سابقا، و وجوب الأجزاء الواجبة سابقا قبل تعذر بعضها

2

، و استصحاب السواد فيما علم زوال مرتبة معينة منه و يشك في تبدله بالبياض أو بسواد خفيف‏

3

، إلى غير ذلك.

____________

(1) لم يتضح حكمهم بذلك، بل لعل الحياة عندهم من مقومات الموضوع، لعدم قيام الزوجية بالجسم نفسه. و ليست كالنجاسة و الطهارة. فتأمل.

(2) لكن تقدم في التنبيه الحادي عشر الإشكال في ذلك.

(3) تقدم في استصحاب الكلي أن هذا لا يبتني على التسامح العرفي.

ثم إنه يظهر من المصنف (قدّس سرّه) البناء على هذا الوجه، و جعله هو المعيار جريان الاستصحاب و إن لم يتعرض للدليل عليه.

و كأن وجهه لزوم تنزيل الخطابات الشرعية- و منها خطاب. لا تنقض اليقين بالشك- على ما عند العرف.

و فيه: أن الرجوع إلى العرف إنما هو شرح مفهوم الخطاب، لا في تطبيقه بعد معرفة مفهومه على المصاديق الخارجية بنحو يكتفي بالتسامح العرفي في التطبيق.

و لذا لا إشكال عندهم في عدم الاكتفاء في المقادير- كالصاع و الرطل و الفرسخ- بما يتسامح العرف في تطبيق العناوين عليه مما زاد أو نقض قليلا، بل لا بد بعد الرجوع إلى العرف في تحديد مفاهيمها من كون تطبيقها حقيقيا فلا يجتزأ إلا بالأفراد الحقيقية.

نعم إذا كان التسامح مما يغفل عنه العرف بحيث يرى صدق العنوان معه حقيقة لا مجازا و لا محتاجا إلى عناية التنزيل لم يبعد الاكتفاء به فمقتضى الإطلاق المقامي للخطاب، إذ لو لم يكن مجزيا كان اللازم على المتكلم الحكيم التنبيه عليه لعدم صلوح الخطاب له بعد فرض غفلة العرف عنه، و إلا كان مخلا بغرضه.

21

و لعله عليه يبتني الاجتزاء في تطبيق الصاع من الحنطة مثلا على المخلوط منها بالتراب بالقدر المتعارف و عدم اعتبار الخلوص الدقي مع وضوح أن التراب مباين للحنطة حقيقة.

إذا عرفت هذا يتضح الحال في المقام، فانه لا إجمال في مفهوم النقض، لما هو المعلوم من أن المراد به رفع اليد عن الأمر الثابت سابقا، و لازم ذلك اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعا و محمولا.

لكن الموضوع الذي يعتبر الاتحاد فيه ليس هو الموضوع الشرعي الذي يراد به جميع ما يعتبر في الحكم من شرط أو ظرف أو غيرهما، بل معروض الأمر المستصحب، كالماء المعروض للنجاسة و الصلاة المعروضة للوجوب، فإن هذا هو المعيار في اتحاد القضيتين، لما هو المعلوم من وحدة العرض مع وحدة معروضه، بنحو يصدق على عدمه معه النقض و على وجوده البقاء و إن اختلفت علله أو شروطه، فإذا كان الماء واحدا كانت حرارته واحدة، و إن كان حدوثها مسببا عن الشمس و بقاؤها مستندا للنار، بحيث يصدق البقاء بوجودها و الارتفاع بعدمها، و لا أثر لوحدة العلة في ذلك.

و عليه فاللازم تنقيح الموضوع بالمعنى المذكور في القضية المتيقنة ثم التزام بقائه حقيقة، و لا وجه للاكتفاء بالتسامح العرفي فيه.

و من ثم منعنا من استصحاب الكرية، و وجوب المركب مع تعذر بعض أجزائه، لابتنائهما على تنزيل الناقص منزلة التام، كما تقدم في التنبيه الحادي عشر و غيره.

و أما استصحاب نجاسة الماء بعد زوال تغيره فهو ليس مبنيا على التسامح العرفي، لما هو المعلوم من أن المستصحب هو النجاسة الشخصية الثابتة للماء الخارجي الشخصي الباقي حقيقة لا تسامحا، و ليس التغير إلا صفة له، لا قيدا مقوما، لعدم‏

22

قبول الأمر الجزئي للتقييد.

من دون فرق بين كون القضية الشرعية بلسان: ينجس الماء إذا تغير، و كونها بلسان: الماء المتغير نجس، بل لا بد من تنزيل التقييد على بيان دخل التغير في الحكم شرعا، لا دخله في موضوعه قيدا.

و إنما يتجه التفصيل المذكور لو كان موضوع المستصحب هو الأمر الكلي، كما في التكليفية، فيلزم الرجوع للأدلة الشرعية في تنقيح الموضوع، بمعنى المعروض لقابلية الأمر الكلي للتقييد.

و لا يكتفى بتسامح العرف في ذلك للتغافل عن التقييد المحتمل، كما تقدم فى ذيل الكلام في حجة القول السابع.

نعم لو كان البقاء أو الارتفاع عقليين دقيين، بنحو يغفل العرف عنهما فلا عبرة بهما، كما في باب الاستحالة و الاستهلاك، كاستحالة الخشب دخانا أو رمادا، و الماء بخارا، و الكلب ملحا، و استهلاك البول في الماء الكثير، فإن العرف يرى المتجدد فى الاستحالة متولدا من السابق لا بقاء له، و يرى المستهلك منعدما، و إن كان الموجود السابق باقيا حقيقة و دقة.

و مثله ما قد يدعى من أن الأجسام الحية تتبدل في مدة من الزمان، بحيث يكون اللاحق مبانيا للسابق لا بقاء له. فانه لو تم لا يمنع من جريان الاستصحاب، لغفلة العرف عن ذلك و صدق البقاء بنظرهم بلا عناية و لا كلفة.

هذا حاصل ما ينبغي ذكره في المقام. و بعد الاحاطة به يتضح حال الفروع الكثيرة المتفرقة التي أشار إليها المصنف (قدّس سرّه) و غيرها. كما يتضح اضطراب كلام المصنف (قدّس سرّه) بسبب خلطه بين الموضوع الشرعي- الذي هو عبارة عما يعتبر في الحكم شرعا- و الموضوع بمعنى المعروض. و خلطه في الرجوع للعرف بين ما يبتني على النظر العرفي الحقيقي و التسامحي إلى غير ذلك مما يتضح بالتأمل. و اللّه سبحانه العالم‏

23

[كلام الفاضلين تأييدا لكون الميزان نظر العرف‏]

و بهذا الوجه‏

1

يصح للفاضلين (قدّس سرّهما)- في المعتبر و المنتهى- الاستدلال على بقاء نجاسة الأعيان النجسة بعد الاستحالة: بأن النجاسة قائمة بالأعيان النجسة، لا بأوصاف الأجزاء، فلا تزول بتغير أوصاف محلها، و تلك الأجزاء باقية، فتكون النجاسة باقية، لانتفاء ما يقتضي ارتفاعها، انتهى كلام المعتبر.

و احتج فخر الدين للنجاسة: بأصالة بقائها، و بأن الاسم أمارة و معرف، فلا يزول الحكم بزواله، انتهى.

و هذه الكلمات و إن كانت محل الإيراد، لعدم ثبوت قيام حكم الشارع بالنجاسة بجسم الكلب المشترك بين الحيوان و الجماد، بل ظهور عدمه، لأن ظاهر الأدلة تبعية الأحكام للأسماء

2

، كما اعترف به في‏

العاصم و له الحمد.

____________

(1) ما ذكره الفاضلان ظاهر في الاستدلال على بقاء النجاسة واقعا لا ظاهرا بالاستصحاب نعم كلام فخر المحققين صريح في إرادة الاستصحاب.

لكن جريان الاستصحاب فيه مبني على النظر الدقي لا العرفي، كما ذكرنا.

(2) إن أريد به أن الأحكام تابعة للاسماء وجودا و عدما، فكما يكون وجود الاسم مستتبعا للحكم كذلك ارتفاع الاسم يستتبع ارتفاع الحكم، فلا ظهور للأدلة في ذلك.

و لذا كان المشهور عدم ثبوت مفهوم الوصف، مع أن المراد من الاسماء ما يعم الوصف. و إن كان المراد أن دلالة الدليل على ثبوت الحكم موقوفة على ثبوت الاسم فلو ارتفع الاسم كان دليله قاصرا عن إثبات الحكم و إن أمكن ثبوته واقعا، بحيث لو دل عليه دليل آخر لم يناف الدليل الأول، فهو في محله.

24

المنتهى في استحالة الأعيان النجسة، إلا أنه شاهدة على إمكان اعتبار موضوعية الذات المشتركة بين واجد الوصف العنواني و فاقده، كما ذكرنا في نجاسة الكلب بالموت، حيث إن أهل العرف‏

1

لا يفهمون نجاسة أخرى حاصلة بالموت، و يفهمون ارتفاع طهارة الإنسان، إلى غير ذلك مما يفهمون الموضوع فيه مشتركا بين الواجد للوصف العنواني و الفاقد.

[الفرق بين نجس العين و المتنجس عند الاستحالة]

ثم إن بعض المتأخرين فرق بين استحالة نجس العين و المتنجس، فحكم بطهارة الأول لزوال الموضوع، دون الثاني، لأن موضوع النجاسة فيه ليس عنوان المستحيل- أعني الخشب مثلا- و إنما هو الجسم‏

2

و لم يزل بالاستحالة.

[الإشكال في هذا الفرق‏]

و هو حسن في بادئ النظر، إلا أن دقيق النظر يقتضي خلافه، إذ لم يعلم أن النجاسة في المتنجسات محمولة على الصورة الجنسية و هي الجسم، و إن اشتهر في الفتاوى و معاقد الإجماعات: أن كل جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما فهو نجس، إلا أنه لا يخفى على المتأمل أن التعبير بالجسم لبيان عموم الحكم لجميع الأجسام الملاقية من حيث سببية الملاقاة

إلا أنه لا ينافى إمكان إثبات الحكم بعد ارتفاع الاسم بالاستصحاب فيما إذا لم يكن الاسم مقوما للمعروض، بل كان من حالاته عرفا. فلاحظ.

____________

(1) عرفت أنه ناش من كون معروض النجاسة هو الجسم الباقي بعد الموت.

(2) فإن أدلة النجاسة بالملاقاة، لم تشتمل على العناوين الخاصة كالثوب و الخشب، و إنما المستفاد منها أن كل جسم لاقي نجسا فهو نجس، فموضوع الحكم فيها هو الملاقي بعنوان كونه جسما.

25

للنجاسة، لا لبيان إناطة الحكم بالجسمية

1

.

و بتقرير آخر: الحكم ثابت لأشخاص الجسم، فلا ينافي ثبوته لكل واحد منها من حيث نوعه أو صنفه المتقوم به عند الملاقاة.

فقولهم: «كل جسم لاقى نجسا فهو نجس» لبيان حدوث النجاسة في الجسم بسبب الملاقاة من غير تعرض للمحل الذي يتقوم به، كما إذا قال القائل: «إن كل جسم له خاصية و تأثير» مع كون الخواص و التأثيرات من عوارض الأنواع‏

2

.

و إن أبيت إلا عن ظهور معقد الإجماع في تقوم النجاسة بالجسم، فنقول: لا إشكال في أن مستند هذا العموم هي الأدلة الخاصة الواردة في الأشخاص الخاصة- مثل الثوب و البدن و الماء و غير ذلك- فاستنباط القضية

____________

(1) هذا خلاف ظاهر كلماتهم، بل لعله خلاف ظاهر الأدلة، لظهورها في خصوصية الجسم كسائر الموضوعات المأخوذة في أدلة الأحكام، فالعمدة في الجواب هو أن أدلة النجاسة بالملاقاة لا تتضمن إلا سببية الملاقاة لحدوث النجاسة و لا نظر لها لبقائها فلا بد في بقائها من الرجوع إلى دليل آخر، و ليس هو في المقام إلا الاستصحاب و قد عرفت عدم جريانه في موارد الاستحالة، لغفلة العرف عن كون الموجود اللاحق بقاء للسابق، بل هو بنظرهم كالمتولد منه، فهو مباين له عرفا.

فراجع.

(2) لا يخفى أن الحكم في القضية المذكورة إنما هو بثبوت الخاصية و الأثر للجسم، لا بثبوت خاصية و أثر خاصين، و من الظاهر أن ثبوت الخاصية و الأثر من أحكام عنوان الجسم، لا من أحكام افراده الخاصة، و ليس أثر الفرد الخاص إلا الأثر الخاص. فلاحظ.

26

الكلية المذكورة منها ليس إلا من حيث عنوان حدوث النجاسة

1

، لا ما يتقوم به، و إلا فاللازم إناطة النجاسة في كل مورد بالعنوان المذكور في دليله‏

2

.

و دعوى: أن ثبوت الحكم لكل عنوان خاص من حيث كونه جسما، ليست بأولى من دعوى كون التعبير بالجسم في القضية العامة من حيث عموم ما يحدث فيه النجاسة بالملاقاة، لا من حيث تقوم النجاسة بالجسم‏

3

. نعم، الفرق بين المتنجس و النجس: أن الموضوع في النجس معلوم الانتفاء في ظاهر الدليل، و في المتنجس محتمل البقاء

4

.

[عدم الفرق بناء على كون المحكّم نظر العرف‏]

لكن هذا المقدار لا يوجب الفرق بعد ما تبين‏

5

أن العرف هو

____________

(1) إن رجع هذا إلى ما ذكرناه فهو في محله و إلا فلم يتضح وجهه.

(2) كالثوب و البدن و الماء و غيرها.

(3) الظاهر أن المستفاد من مجموع أدلة التنجيس عدم دخل خصوصيات الجسم في الحكم به. نعم الحكم المذكور لا يتضمن إلا حدوث النجاسة لا بقائها و يحتاج في بقائها للاستصحاب، كما ذكرنا.

(4) إن أريد بالموضوع الموضوع الشرعي الذي يكون ثبوت الحكم معه مقتضي الدليل، فهو كما يرتفع في النجس يرتفع في المتنجس، لما عرفت من أن مفاد الدليل في المتنجس حدوث النجاسة و لا نظر له إلى بقائها، فموضوعه مختص بحال الحدوث. و إن أريد بالموضوع المعروض للحكم خارجا فهو في باب الاستحالة باق دقة، و مرتفعة عرفا، من دون فرق بين النجس و المتنجس.

(5) لا دخل لذلك في عدم الفرق، و إنما يبتني عدم الفرق على ما تقدم منه من أن الاستصحاب موقوف على العلم ببقاء الموضوع، و لا يكفي الشك فيه، و ما تقدم منا من أنه يعتبر العلم باتحاد القضية المشكوكة مع القضية المتيقنة.

27

المحكم في موضوع الاستصحاب‏

1

. أ رأيت أنه لو حكم على الحنطة أو العنب بالحلية أو الحرمة أو النجاسة أو الطهارة، هل يتأمل العرف في إجراء تلك الأحكام على الدقيق و الزبيب‏

2

؟! كما لا يتأملون في عدم جريان الاستصحاب في استحالة الخشب دخانا و الماء المتنجس بولا لمأكول اللحم، خصوصا إذا اطلعوا على زوال النجاسة بالاستحالة

3

.

كما أن العلماء أيضا لم يفرقوا

4

في الاستحالة بين النجس و المتنجس، كما لا يخفى على المتتبع، بل جعل بعضهم الاستحالة مطهرة للمتنجس بالأولوية الجلية

5

، حتى تمسك بها في المقام من لا يقول بحجية مطلق‏

____________

(1) تقدم الكلام في ذلك منا، و لم يتقدم منه (قدّس سرّه) ما يثبت ذلك.

(2) الظاهر أن هذا لا يبتني على الاستصحاب، بل على استفادة الحكم من إطلاق أدلة الأحكام المذكورة، لأن المستفاد منها عرفا و لو بمناسبة خاصة كون موضوع الحكم شرعا هو نفس الماهية و ذكر العناوين الخاصة للإشارة إليها، لا لخصوصيتها فيه، فيكون الإطلاق شاملا لصورة ارتفاع العناوين المذكورة. و إن كان هذا لا يخلو عن غموض في بعض الموارد، فيحتاج فيها للرجوع للأصول. و تمام الكلام في الفقه.

(3) زوال النجاسة بالاستحالة مبني على عدم جريان الاستصحاب، فلا يكون موجبا لوضوح عدم جريانه.

(4) لكن هذا ما لم يبلغ مرتبة الإجماع التعبدي لا يكون حجة على من فرق.

(5) هذا لو تم موقوف على كون مطهرية الاستحالة واقعية كمطهرية الغسل بالماء، فيكون أجنبيا عما نحن فيه.

أما لو كانت ظاهرية ناشئة من عدم جريان الاستصحاب لعدم الموضوع الموجب للرجوع لأصالة الطهارة فلو فرض بقاء الموضوع في المتنجس المقتضي‏

28

الظن‏

1

.

و مما ذكرنا يظهر وجه النظر فيما ذكره جماعة- تبعا للفاضل الهندي (قدّس سرّه)-: من أن الحكم في المتنجسات ليس دائرا مدار الاسم حتى يطهر بالاستحالة، بل لأنه جسم لاقى نجسا، و هذا المعنى لم يزل.

[مراتب التغير و الأحكام مختلفة]

فالتحقيق: أن مراتب تغير الصورة في الأجسام مختلفة، بل الأحكام أيضا مختلفة، ففي بعض مراتب التغير يحكم العرف بجريان دليل العنوان من غير حاجة إلى الاستصحاب‏

2

، و في بعض آخر لا يحكمون بذلك و يثبتون الحكم بالاستصحاب، و في ثالث لا يجرون الاستصحاب أيضا، من غير فرق- في حكم النجاسة- بين النجس و المتنجس.

فمن الأول: ما لو حكم على الرطب أو العنب بالحلية أو الطهارة أو النجاسة، فإن الظاهر جريان عموم أدلة هذه الأحكام للتمر و الزبيب، فكأنهم يفهمون من الرطب و العنب الأعم مما جف منهما فصار تمرا أو زبيبا

3

، مع أن الظاهر تغاير الاسمين، و لهذا لو حلف على ترك أحدهما

لجريان الاستصحاب لم تمنع الأولوية منه، لأن الأولوية واقعية، فالتمسك بها مبني على الأصل المثبت لعدم الدليل على الطهارة في النجس إلا أصالة الطهارة فالتعدي منه إلى المتنجس بالأولوية مبني على حجية الأصل في لازم مجراه. و لو أمكن ذلك لكان مقتضي الاستصحاب في المتنجس عدم مطهرية الاستحالة في النجس.

فلاحظ.

____________

(1) يعني: فيكشف ذلك عن كون الأولوية قطعية.

(2) بل بمقتضى إطلاق الحكم، كما أشرنا إليه قريبا.

(3) عرفت أن هذا مبني على كون المستفاد من الأدلة أن ذكر العنوان لمحض‏

29

لم يحنث بأكل الآخر

1

. و الظاهر أنهم لا يحتاجون في إجراء الأحكام المذكورة إلى الاستصحاب.

و من الثاني: إجراء حكم بول غير المأكول إذا صار بولا لمأكول و بالعكس‏

2

، و كذا صيرورة الخمر خلا

3

، و صيرورة الكلب أو الإنسان جمادا بالموت‏

4

، إلا أن الشارع حكم في بعض هذه الموارد بارتفاع الحكم السابق، إما للنص، كما في الخمر المستحيل خلا، و إما لعموم ما دل على حكم المنتقل إليه‏

5

، فإن الظاهر أن استفادة طهارة المستحال إليه إذا كان بولا لمأكول ليس من أصالة الطهارة بعد عدم‏

الإشارة للماهية المتحققة بعد انسلاخ العنوان، لا لخصوصية في الحكم.

____________

(1) الظاهر أن هذا غير مطرد، بل هو موقوف على كون ذكر العنوان لخصوصيته لا لمحض الإشارة إلى الماهية. و هو يختلف باختلاف القرائن. نعم مع فرض عدمها فالأصل يقتضي خصوصية العنوان.

(2) الظاهر امتناع الاستصحاب في المقام، لتبدل الموضوع عرفا، لان البول بنظر العرف من سنخ المتولد من الماء الذي يشربه الحيوان، بنحو لا يصدق أن هذا كان كذا إلا بالنظر الدقي الذي عرفت عدم العبرة به في المقام.

(3) هذا في محله لعدم كون الانقلاب هنا موجبا لانعدام الموضوع السابق عرفا بحيث يكون الموضوع اللاحق متولدا من السابق، بل هو بنظرهم بقاء له، فهو من باب تبدل الحالات.

(4) هذا في محله أيضا لما تقدم.

(5) كعموم طهارة بول مأكول اللحم الشامل لما إذا شرب بول غير المأكول، و عموم نجاسة بول غير الماكول الشامل لما إذا شرب بول الماكول.

30

جريان الاستصحاب‏

1

، بل هو من الدليل، نظير استفادة نجاسة بول المأكول إذا صار بولا لغير مأكول‏

2

.

و من الثالث: استحالة العذرة دودا أو الدهن المتنجس دخانا، و المني حيوانا. و لو نوقش في بعض الأمثلة المذكورة، فالمثال غير عزيز على المتتبع المتأمل.

[معنى قولهم: «الأحكام تدور مدار الأسماء»]

و مما ذكرنا يظهر أن معنى قولهم: «الأحكام تدور مدار الأسماء»، أنها تدور مدار أسماء موضوعاتها التي‏

3

هي المعيار في وجودها و عدمها

4

، فإذا قال الشارع: العنب حلال، فإن ثبت كون الموضوع هو مسمى هذا الاسم، دار الحكم مداره، فينتفي عند صيرورته زبيبا، أما إذا علم من العرف أو غيره‏

5

أن الموضوع هو الكلي الموجود في العنب المشترك بينه‏

____________

(1) يعني: لتبدل الموضوع.

(2) فانه لو لا الدليل فيه لكان مقتضى الأصل الطهارة لا النجاسة. أقول: لا إشكال في كون تبدل الحكم في أمثال ذلك للدليل، إلا أن الظاهر أنه لو لا الدليل لكان المرجع هو أصالة الطهارة في الموردين، لا الاستصحاب لتبدل الموضوع، كما ذكرنا.

(3) صفة لقوله: «موضوعاتها».

(4) يعني: وجود الأحكام و عدمها.

لكن عرفت أن ارتفاع الموضوع المستفاد من الدليل لا يقتضي ارتفاع الحكم، بحيث يوجب الحكم بارتفاعه، بل يقتضي قصور الدليل عن إثبات الحكم معه، فهو غير متعرض له، بل يرجع فيه للأصل، كالاستصحاب لو كان الموضوع بمعنى المعروض باقيا.

(5) يعني: من القرائن الخاصة و المناسبات الموجبة لظهور الكلام في عموم‏

31

و بين الزبيب، أو بينهما و بين العصير، دار الحكم مداره أيضا.

نعم، يبقى دعوى: أن ظاهر اللفظ في مثل القضية المذكورة كون الموضوع هو العنوان، و تقوم الحكم به، المستلزم لانتفائه بانتفائه‏

1

.

لكنك عرفت: أن العناوين مختلفة، و الأحكام أيضا مختلفة، و قد تقدم حكاية بقاء نجاسة الخنزير المستحيل ملحا عن أكثر أهل العلم‏

2

، و اختيار الفاضلين له.

و دعوى: احتياج استفادة غير ما ذكر

3

من ظاهر اللفظ إلى القرينة الخارجية، و إلا

4

فظاهر اللفظ كون القضية ما دام الوصف العنواني‏

5

، لا تضرنا فيما نحن بصدده‏

6

، لأن المقصود مراعاة العرف في تشخيص الموضوع و عدم الاقتصار في ذلك على ما يقتضيه العقل على‏

الموضوع و لو فرض الاجمال لزم الاقتصار على المتيقن، و يرجع في غيره للأصل، و قد عرفت أنه لا بأس بالرجوع للاستصحاب مع بقاء الموضوع بمعنى المعروض.

____________

(1) عرفت أنه لا ينتفي بانتفائه، بل يكون الدليل ساكتا عن حكم صورة انتفائه، فيرجع فيه إلى الأصول.

(2) هذا لم يتقدم، و إنما تقدم كلام الفاضلين و فخر المحققين لا غير.

(3) و هو الاقتصار على خصوص العنوان المأخوذ في الأدلة.

(4) يعني: مع عدم القرينة الخارجية.

(5) ظاهر القضية ثبوت الحكم مع تحقق الوصف العنواني، و لا ظهور لها فى ارتفاعه بارتفاعه، بل يرجع فيه للأصول، كما عرفت.

(6) يعني: في تحقيق الموضوع الذي يعتبر في الاستصحاب.

32

وجه الدقة، و لا على ما يقتضيه الدليل اللفظي إذا كان العرف بالنسبة إلى القضية الخاصة على خلافه‏

1

.

و حينئذ، فيستقيم أن يراد من قولهم: «إن الأحكام تدور مدار الأسماء» أن مقتضى ظاهر دليل الحكم‏

2

تبعية ذلك الحكم لاسم الموضوع الذي علق عليه الحكم في ظاهر الدليل، فيراد من هذه القضية تأسيس أصل، قد يعدل عنه بقرينة فهم العرف أو غيره، فافهم.

____________

(1) لكن فهم العرف على خلاف الدليل اللفظي راجع إلى قيام القرينة على خلاف مقتضى الأصل في اللفظ الموجب لتنزيل اللفظ على ما يفهمه العرف، فيكون ما يفهمه العرف هو مفاد الدليل اللفظي و لو بضميمة القرينة الخارجية، لا على خلافه لكن هذا كله أجنبي عما نحن فيه، فإنه يقتضي إثبات الحكم بمقتضى إطلاق الدليل، بلا حاجة إلى الاستصحاب، و لا يرجع إلى الاستصحاب إلا مع قصور الدليل، لعدم تحقق موضوعة المستفاد من دليله و حينئذ يتجه الكلام في موضوع الاستصحاب و قد سبق الكلام في ضابطه.

و كلام المصنف (قدّس سرّه) كما ترى مبني على الخلط بين المقامين الأمر الذي أوجب اضطراب الكلام، كما يظهر بملاحظة ما علقناه عليه و التدبر فيه جيدا. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم، و له الحمد وحده.

(2) هذا مبني على أن المراد بالاسم هو العنوان المذكور في القضية اللفظية مع الجمود على معناه الحقيقي. أما ما سبق فهو مبني على أن المراد به المعنى المستفاد من العنوان و لو بقرينة خارجية. و على كل حال فذلك أجنبي عما نحن فيه، كما سبق.

33

[الأمر الثاني‏] [اشتراط الشك في البقاء]

مما يعتبر في تحقق الاستصحاب: أن يكون في حال الشك متيقنا بوجود المستصحب في السابق، حتى يكون شكه في البقاء.

فلو كان الشك في تحقق نفس ما تيقنه سابقا- كأن تيقن عدالة زيد في زمان، كيوم الجمعة مثلا، ثم شك في نفس هذا المتيقن، و هو عدالته يوم الجمعة، بأن زال مدرك اعتقاده السابق، فشك في مطابقته للواقع، أو كونه جهلا مركبا- لم يكن هذا من مورد الاستصحاب لغة، و لا اصطلاحا.

[الدليل على اعتبار هذا الشرط]

أما الأول، فلأن الاستصحاب- لغة- أخذ الشي‏ء مصاحبا

1

، فلا بد من إحراز ذلك الشي‏ء حتى يأخذه مصاحبا، فإذا شك في حدوثه‏

____________

(1) لكن صدق المعنى المذكور حتى في الاستصحاب المصطلح ليس حقيقيا، بل مجازيا، فلا يراد به إلا البناء على تحقق المستصحب عملا، تنزيلا للبناء العملي منزلة الاستصحاب الحقيقي. و حينئذ فالبناء العملي كما يكون مع اليقين بالوجود كذلك يكون مع عدمه، فإن المتوقف على وجود المستصحب هو الاستصحاب الحقيقي لا غير و قد تقدم في أول الاستصحاب ما له دخل في المقام. و كيف كان فتحقيق المعنى اللغوي لا أهمية له بعد عدم اشتمال الأدلة الشرعية على لفظ الاستصحاب.

34

من أصله فلا استصحاب.

و أما اصطلاحا، فلأنهم اتفقوا على أخذ الشك في البقاء- أو ما يؤدي هذا المعنى- في معنى الاستصحاب‏

1

.

[قاعدة اليقين و الشك الساري‏]

نعم، لو ثبت أن الشك بعد اليقين بهذا المعنى ملغى في نظر الشارع، فهي قاعدة أخرى‏

2

مباينة للاستصحاب، سنتكلم فيها بعد دفع توهم من توهم أن أدلة الاستصحاب تشملها، و أن مدلولها لا يختص بالشك في البقاء، بل الشك بعد اليقين ملغى مطلقا، سواء تعلق بنفس ما تيقنه سابقا، أم ببقائه.

و أول من صرح بذلك‏

3

الفاضل السبزواري- في الذخيرة- في مسألة من شك في بعض أفعال الوضوء، حيث قال:

[تصريح الفاضل السبزواري بأن أدلة الاستصحاب تشمل قاعدة (اليقين)]

و التحقيق: أنه إن فرغ من الوضوء متيقنا للإكمال، ثم عرض له الشك، فالظاهر عدم وجوب إعادة شي‏ء، لصحيحة زرارة: «و لا تنقض‏

____________

(1) يعني: و أخذ الشك في البقاء ظاهر في المفروغية عن أصل الوجود و عدم الشك فيه.

لكن ما ذكره (قدّس سرّه) و إن كان مسلما إلا أن تحقيق المعنى المصطلح لا أهمية له بعد عدم الاستدلال على الاستصحاب بالإجماع، كما سبق، و عمدة أدلته الأخبار فاللازم تحقيق مفادها. و سيأتي الكلام في ذلك.

(2) و هي المعبر عنها بقاعدة اليقين. أو قاعدة الشك الساري.

(3) يعني: بعموم الأخبار للاستصحاب و قاعدة اليقين معا، و عدم اختصاصها بالاستصحاب حيث إنه صرح هنا باستفادة قاعدة اليقين من الأخبار المذكورة و تقدم منه الاستدلال بها على الاستصحاب.

35

اليقين أبدا بالشك»، انتهى.

و لعله (قدّس سرّه)، تفطن له من كلام الحلي في السرائر، حيث استدل على المسألة المذكورة: بأنه لا يخرج عن حال الطهارة إلا على يقين من كمالها، و ليس ينقض الشك اليقين، انتهى.

لكن هذا التعبير من الحلي لا يلزم أن يكون استفاده من أخبار عدم نقض اليقين بالشك‏

1

. و يقرب من هذا التعبير عبارة جماعة من القدماء.

لكن التعبير لا يلزم دعوى شمول الأخبار للقاعدتين، على ما توهمه غير واحد من المعاصرين، و إن اختلفوا بين مدع لانصرافها إلى خصوص الاستصحاب، و بين منكر له عامل بعمومها.

[دفع التوهم المذكور و توضيح مناط قاعدة الاستصحاب و قاعدة اليقين‏]

و توضيح دفعه: أن المناط في القاعدتين مختلف بحيث لا يجمعهما مناط واحد، فإن مناط الاستصحاب هو اتحاد

2

متعلق الشك و اليقين مع قطع النظر عن الزمان، لتعلق الشك ببقاء ما تيقن سابقا، و لازمه كون القضية المتيقنة- أعني عدالة زيد يوم الجمعة- متيقنة حين الشك‏

3

أيضا

____________

(1) لكن تقدم منه (قدّس سرّه) في آخر الأمر الأول بعد تعريف الاستصحاب أن تعبير الحلي عن الاستصحاب بعبارة النصوص ظاهر في أخذه منها. فراجع.

(2) لعل الأولى أن يقول: هو اتحاد متعلقيهما ذاتا و إن اختلفا زمانا من حيث كون اليقين متعلقا بحدوث الشي‏ء و الشك باستمراره و بقائه.

(3) لزوم بقاء اليقين حين الشك ليس ناشئا من اتحاد متعلقيهما ذاتا، كما و لا من اختلافهما زمانا، لأنه إنما يقتضي إمكان بقاء اليقين حين الشك لا لزومه.

36

من غير جهة الزمان‏

1

. و مناط هذه القاعدة

2

اتحاد متعلقيهما من جهة الزمان، و معناه كونه في الزمان اللاحق شاكا فيما تيقنه سابقا بوصف وجوده في السابق.

فإلغاء الشك في القاعدة الأولى عبارة عن الحكم ببقاء المتيقن سابقا- حيث إنه متيقن- من غير تعرض لحال حدوثه‏

3

، و في القاعدة الثانية هو الحكم بحدوث ما تيقن حدوثه من غير تعرض لحكم بقائه، فقد يكون بقاؤه معلوما أو معلوم العدم أو مشكوكا.

[عدم إرادة القاعدتين من قوله (عليه السلام): «فليمض على يقينه»]

و اختلاف مؤدى القاعدتين، و إن لم يمنع من إرادتهما من كلام واحد- بأن يقول الشارع‏

4

: إذا حصل بعد اليقين بشي‏ء شك له تعلق‏

فالعمدة في لزوم بقاء اليقين ظهور دليل حرمة النقض في وجود المنقوض و بقائه حين إرادة النقض، فإذا قيل: لا تنقض خبر زيد بخبر عمرو، فالقضية مختصة عرفا بما إذا أريد نقض خبر زيد حين إصرار زيد على إخباره، و لا يشمل ما لو عدل زيد عن خبره و شكك فيه حين إخبار عمرو بخلافه، كما لا يخفى.

____________

(1) الظاهر أنه لا حاجة لقوله: (من غير جهة الزمان) فإن اغفال الزمان في الاستصحاب إنما يحتاج إليه لتصحيح وحدة المتعلقين، لا لتصحيح بقاء اليقين بما يتقن به سابقا. فلاحظ.

(2) و هي قاعدة اليقين.

(3) بل المرجع في الحدوث هو اليقين به الذي هو حجة ذاتا.

(4) لا يخفى أن استفادة القاعدتين معا من هذا الكلام ليست ناشئة من إطلاقه، بل من التنصيص فيه على التعميم المستفاد من قوله: «سواء تعلق ...» الذي هو راجع إلى استفادة القاعدتين من كلامين. و لولاه لبقي الكلام مترددا بين القاعدتين، لأن قوله: «شك له تعلق بذلك الشي‏ء» إن بقي على إطلاقه شمل‏

37

بذلك الشي‏ء فلا عبرة به، سواء تعلق ببقائه أو بحدوثه، و الحكم بالبقاء في الأول، و بالحدوث في الثاني- إلا أنه مانع عن إرادتهما من قوله (عليه السلام):

«فليمض على يقينه»، فإن المضي على اليقين السابق- المفروض تحققه في القاعدتين- أعني عدالة

1

زيد يوم الجمعة، بمعنى‏

2

الحكم بعدالته في ذلك اليوم من غير تعرض لعدالته فيما بعده- كما هو مفاد القاعدة الثانية- يغاير المضي‏

3

عليه بمعنى‏

4

عدالته بعد يوم الجمعة من غير تعرض لحال يوم الجمعة- كما هو مفاد قاعدة الاستصحاب- فلا يصح إرادة المعنيين منه.

فإن قلت: إن معنى المضي على اليقين عدم التوقف من أجل الشك‏

شكوكا أخر لها أدنى تعلق بالمتيقن ليس بناؤهم على إرادتها، كالشك في سبقه على حال اليقين الذي هو موضوع الاستصحاب القهقري.

و تخصيصه بخصوص الشكين المأخوذين في الاستصحاب و قاعدة اليقين بعيد عن الظاهر جدا، لأن تعلق الشك الاستصحابي بالمتيقن من حيث كونه شكا في بقائه، و تعلق الشك في قاعدة اليقين به من حيث كونه شكا فيه بنفسه، و لا جامع بينهما مختص بهما عرفا، ليحمل الكلام عليه.

بل لعل الثاني أقرب، لظهور الكلام في تعقب الشك لليقين و كونه بعده الظاهر في كونه بنفسه بعده، لا من حيث متعلقه، كما في الاستصحاب. فلاحظ.

____________

(1) اللازم أن يقول: أعني اليقين بعدالة ...

(2) متعلق بالمضي في قوله: «فإن المضي ...».

(3) خبر (إن) في قوله: «فإن المضي ...».

(4) اللازم أن يقول: بمعنى الحكم بعدالته ...

38

العارض و فرض الشك كعدمه، و هذا يختلف باختلاف متعلق الشك، فالمضي مع الشك في الحدوث‏

1

بمعنى الحكم بالحدوث، و مع الشك في البقاء

2

بمعنى الحكم به.

قلت: لا ريب في اتحاد متعلقي الشك و اليقين‏

3

و كون المراد المضي على ذلك اليقين المتعلق بما تعلق به الشك، و المفروض أنه ليس في السابق إلا يقين واحد، و هو اليقين بعدالة زيد، و الشك فيها ليس له هنا فردان‏

4

يتعلق أحدهما بالحدوث و الآخر بالبقاء.

و بعبارة أخرى: عموم أفراد اليقين باعتبار الأمور الواقعية، كعدالة زيد و فسق عمرو، لا باعتبار تعدد ملاحظة اليقين بشي‏ء واحد، حتى‏

____________

(1) الذي هو المعتبر في قاعدة اليقين.

(2) الذي هو المعتبر في الاستصحاب.

(3) كما هو مقتضى ظاهر النقض، فإنه لا يصدق عرفا إلا مع تنافي الأمرين المتوقف على اتحاد متعلقهما، فإذا قيل: لا تنقض خبر زيد بخبر عمرو، لم يشمل ما إذا اختلف متعلق الخبرين، فأخبر زيد بطلوع الشمس، و أخبر عمرو بسفر الحاج.

و منه يظهر أن تطبيق النقض في مورد الاستصحاب ادعائي، لإغفال اختلاف المتعلقين في الزمان، و تنزيلهما منزلة المتحدين بلحاظ اتفاقهما ذاتا.

(4) يعني: من اليقين، فإنه الآن بصدد بيان اتحاد اليقين مقدمة لاتحاد الشك، لا بصدد بيان اتحاد الشك، كما يشهد به بقية الكلام.

و أما إثبات اتحاد الشك فقد تعرض له بقوله: «و حينئذ فإن اعتبر المتكلم ...».

و منه يظهر أن ما هنا أولى مما في بعض النسخ من إبدال قوله: «و الشك فيها و ليس هنا فردان ...» بقوله: «و الشك ليس له هنا فردان».

39

ينحل اليقين بعدالة زيد إلى فردين‏

1

يتعلق بكل منهما شك.

و حينئذ

2

فإن اعتبر المتكلم في كلامه الشك في هذا المتيقن من دون تقييده بيوم الجمعة، فالمضي على هذا اليقين عبارة عن الحكم باستمرار هذا المتيقن‏

3

، و إن اعتبر الشك فيه مقيدا بذلك اليوم، فالمضي على ذلك المتيقن الذي تعلق به الشك عبارة عن الحكم بحدوثه من غير تعرض للبقاء، كأنه قال: من كان على يقين من عدالة زيد يوم الجمعة فشك فيها، فليمض على يقينه السابق، يعني ترتب آثار عدالة زيد فيه، فالمضي على عدالة زيد و ترتيب آثاره يكون تارة بالحكم بعدالته في الزمان اللاحق، و أخرى بالحكم بعدالته في ذلك الزمان المتيقن، و هذان لا يجتمعان في الإرادة

4

.

____________

(1) يعني: يتعلق أحدهما بحدوث الشي‏ء و الآخر ببقائه، لعدم فرض اليقين في البقاء لا في قاعدة اليقين، و لا في الاستصحاب، و لا في لسان الأدلة المشار إليها.

(2) يعني: بعد فرض وحدة اليقين، و وحدة متعلق اليقين و الشك.

(3) كما هو مفاد الاستصحاب، حيث أنه لا يعتبر فيه الاتحاد بين المشكوك و المتيقن إلا في الذات فقط، و لا يعتبر فيه الاتحاد في الزمان. لكن سيأتي بعض الكلام في ذلك.

(4) كأنه لأن الأول مبني على اتحاد متعلق الشك و اليقين في الذات لا بشرط الاتحاد في الزمان، و الثاني مبني على اتحادهما في الذات بشرط الاتحاد في الزمان، و لا جامع بين اللابشرط و بشرط شي‏ء، حتى يمكن حمل إطلاق الشك عليه، بل لا بد من الحمل على أحدهما لا غير.

لكن من الظاهر أن المأخوذ في موضوع الاستصحاب ليس مطلق الشك المتحد مع اليقين في المتعلق ذاتا لا بشرط الاتحاد في الزمان، بل خصوص الشك المتحد ذاتا بقيد الاختلاف في الزمان، بحيث يكون المشكوك متأخرا عن المتيقن‏

40

و بقاء له.

فليس الفرق بينهما هو الفرق بين بشرط شي‏ء و لا بشرط، بل هو الفرق بين بشرط شي‏ء و بشرط لا، و من الظاهر إمكان اللحاظ الجامع بينهما، و هو لحاظ الاتحاد في الذات لا بشرط من حيث الاتحاد في الزمان و عدمه، لأن اللابشرط هو الجامع بين بشرط لا و بشرط شي‏ء.

فلو فرض ملاحظته في المقام كانت الأدلة شاملة للقاعدتين معا.

نعم لازم ذلك شمولها للشك في الاستصحاب القهقري أيضا، و لا يلتزم به أحد و ليس هناك جامع عرفي يشمل الشك في قاعدة اليقين و الشك الاستصحاب معا، و يختص بهما- بان بقيد متعلق الشك بخصوص المتحد مع متعلق اليقين في الزمان و المتأخر عنه، دون المتقدم عليه- يمكن حمل الكلام عليهما، و يتجه شمول الأدلة للقاعدتين معا.

هذا مضافا إلى أن بعض روايات الباب و إن كان مطلقا من حيث تأخر اليقين عن الشك و سبقه عليه، إلا أنه لا بد من حمله على صورة سبق اليقين، إما بقرينة الروايات الأخر، و إما لاستلزام الإطلاق الشمول للاستصحاب القهقري، و حينئذ فسبق اليقين المأخوذ في الأدلة إن كان حقيقيا اختصت بقاعدة اليقين، و إن كان تنزيليا بعناية سبق متعلقه على متعلق الشك اختصت بالاستصحاب، و لا جامع بين الأمرين عرفا كي يتجه شمولها للقاعدتين معا.

ثم لو غض النظر عن جميع ذلك كان الحمل على العموم لا على خصوص إحدى القاعدتين خلاف ظاهر الروايات من وجه آخر.

و حاصله: أن ظاهر النهي عن نقض شي‏ء بشي‏ء- كالنهي عن نقض خبر زيد بخبر عمرو- اعتبار أمرين:

الأول: تنافي مضمونيهما، و هو موقوف على اتحاد موضوعهما و متعلقهما من‏

41

[عدم إرادة القاعدتين من سائر الأخبار أيضا]

و قس على هذا سائر الأخبار الدالة على عدم نقض اليقين بالشك، فإن الظاهر اتحاد متعلق الشك و اليقين، فلا بد أن يلاحظ المتيقن و المشكوك غير مقيدين بالزمان‏

1

، و إلا لم يجز استصحابه، كما تقدم في رد شبهة من‏

جميع الجهات- حتى الزمان، كما أشرنا إليه قريبا.

الثاني: تحقق المنقوض في زمان الناقض و عدم ارتفاعه معه، إذ نقض الشي‏ء فرع تمامة اقتضائه للعمل، و لا اقتضاء له مع ارتفاعه، كما أشرنا إليه أيضا.

و من الظاهر أنه لا مجال لاعتبار الأمرين معا في أخبار النهي عن نقض اليقين بالشك، لاستحالة اجتماع اليقين و الشك في زمان واحد مع وحدة متعلقهما من جميع الجهات حتى الزمان، فلا بد لتصحيح الكلام إما من التنازل عن الأول و الاكتفاء بوحدة المتعلقين ذاتا مع اختلافهما زمانا، بعناية كفاية ذلك في تحقق التنافي بينهما، مع إبقاء الثاني عملا بمقتضى ظاهر النقض، و إما من العكس بالتنازل عن الثاني دون الأول.

و الأول يقتضي اختصاص النصوص بالاستصحاب، و الثاني يقتضي اختصاصها بقاعدة اليقين.

و لا مجال للتنازل عن الأمرين معا فيشمل القاعدتين معا، للزوم الاقتصار في مخالفة الظاهر على مقدار الضرورة التي يتوقف عليها تصحيح الكلام، و هي تندفع بالتنازل عن أحد الأمرين. و مقتضى ذلك التردد بين القاعدتين لا شمول الأدلة لهما معا. فلاحظ و تأمل و جيدا.

____________

(1) عرفت أن عدم تقييدهما بالزمان لا يقتضي الاختصاص بالاستصحاب، بل العموم للقاعدتين معا و الاستصحاب القهقري أيضا، و أنه لا بد في طرد الاستصحاب القهقري إما من تقييدهما بالاتفاق في الزمان أيضا كسائر الخصوصيات، فتخصص الأدلة بقاعدة اليقين، أو بتقييدهما بتأخر المشكوك عن المتيقن، فتختص بالاستصحاب، و لا جامع بين الأمرين.

42

قال بتعارض الوجود و العدم في شي‏ء واحد.

و المفروض في القاعدة الثانية كون الشك متعلقا بالمتيقن السابق بوصف وجوده في الزمان السابق.

و من المعلوم عدم جواز إرادة الاعتبارين من اليقين و الشك في تلك الأخبار.

و دعوى: أن اليقين بكل من الاعتبارين فرد من اليقين، و كذلك الشك المتعلق فرد من الشك، فكل فرد لا ينقض بشكه.

مدفوعة: بما تقدم، من أن تعدد اللحاظ و الاعتبار في المتيقن السابق، بأخذه تارة مقيدا بالزمان السابق و أخرى بأخذه مطلقا، لا يوجب تعدد أفراد اليقين‏

1

. و ليس اليقين بتحقق مطلق العدالة في يوم الجمعة و اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة فردين من اليقين تحت عموم الخبر، بل الخبر بمثابة أن يقال: من كان على يقين من عدالة زيد أو فسقه أو غيرهما من‏

نعم لا يعتبر في إرادة الاستصحاب لحاظ الزمان قيدا في موضوع الحكم المستصحب، بل يكفي لحاظه ظرفا للحكم المتيقن، في قبال قاعدة اليقين المعتبر فيها لحاظ الاتفاق في الزمان.

و منه يظهر أنه لا دخل له بما مضى في رد شبهة تعارض استصحاب الوجود و العدم، فإن ذلك مبني على الفرق بين كون الزمان ظرفا و كونه قيدا للمتعلق، أما الكلام هنا فهو مبني على الفرق بين لحاظ الاتفاق حتى في الزمان و لحاظ الاختلاف فيه و لو لكونه ظرفا. فلاحظ.

____________

(1) إذ ليس المفروض هنا إلا يقين واحد بالحدوث لا غير. كما تقدم أن فرض اليقين الواحد يقتضي فرض كون الملحوظ هو الشك الواحد بالحدوث أو البقاء.

43

حالاته‏

1

فشك فيه، فليمض على يقينه بذلك، فافهم.

[اختصاص مدلول الأخبار بقاعدة الاستصحاب‏]

ثم إذا ثبت عدم جواز إرادة المعنيين، فلا بد أن يخص مدلولها بقاعدة الاستصحاب، لورودها في موارد تلك القاعدة

2

، كالشك في الطهارة من الحدث و الخبث، و دخول هلال شهر رمضان أو شوال.

هذا كله، لو أريد من القاعدة الثانية إثبات نفس المتيقن عند الشك، و هي عدالة زيد في يوم الجمعة مثلا.

أما لو أريد منها إثبات عدالته من يوم الجمعة مستمرة إلى زمان الشك و ما بعده إلى اليقين بطروء الفسق، فيلزم استعمال الكلام في معنيين، حتى لو اريد منه القاعدة الثانية فقط

3

، كما لا يخفى، لأن الشك في عدالة زيد يوم الجمعة غير الشك في استمرارها إلى الزمان اللاحق‏

4

. و قد تقدم‏

____________

(1) يعني: فالعموم بلحاظ الحالات المتباينة لا بلحاظ اختلاف الحالة الواحدة فى الحدوث و البقاء.

(2) هذا إنما يتم في بعض الروايات المتقدمة، دون مثل الرواية الرابعة و الخامسة لخلوهما عن المورد، و من ثم سبق أنهما صالحتان لكل من القاعدتين مرددتان بينهما لو لا اتفاقهما مع روايات الاستصحاب لسانا الموجب لقرب حملهما عليه.

(3) لأن مفاد القاعدة الثانية يكون مركبا من مفاد القاعدتين معا على الوجه الأول، فيكون المأخوذ في موضوعها، كلا الشكين لا شك واحد، فيجري ما سبق.

(4) و المفروض أن الأدلة لم تتعرض في المقام إلا لشك واحد، و لا مجال لحمله على الجامع بين الشكين، لعدم الجامع بينهما. و لا على كل منهما لاستلزامه الاستعمال في معنيين متباينين، فيتعين الحمل على أحدهما بخصوصه.

44

نظير ذلك في قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم أنه قذر»

1

.

ثم لو سلمنا دلالة الروايات على ما يشمل القاعدتين، لزم حصول التعارض في مدلول الرواية المسقط له عن الاستدلال به على القاعدة الثانية

2

، لأنه إذا شك في ما تيقن سابقا، أعني عدالة زيد في يوم الجمعة، فهذا الشك معارض لفردين من اليقين، أحدهما: اليقين بعدالته المقيدة بيوم الجمعة، الثاني: اليقين بعدم عدالته المطلقة قبل يوم الجمعة

3

، فتدل بمقتضى القاعدة الثانية على عدم نقض اليقين بعدالة زيد يوم الجمعة باحتمال انتفائها في ذلك الزمان، و بمقتضى قاعدة الاستصحاب على عدم نقض اليقين بعدم عدالته قبل الجمعة باحتمال حدوثها في الجمعة، فكل من‏

____________

(1) فقد تقدم امتناع حمله على قاعدة الطهارة و الاستصحاب معا، لأن الحكم في القاعدة بأصل الطهارة من دون نظر لاستمرارها. و في الاستصحاب باستمرارها بعد الفراغ عن أصل وجودها، و لا جامع بين الأمرين، فهو نظير المقام.

(2) و أما الاستصحاب فلا شبهة في دلالة الروايات عليه، لقرينة المورد فيتعين صرفها إليه بعد فرض لزوم التناقض و التعارض من شمولها للقاعدتين معا.

(3) بل المقيدة بيوم الخميس.

و حاصل تقريب المعارضة: أنه لو علم بعدم عدالة زيد يوم الخميس، ثم علم بحصول العدالة يوم الجمعة، ثم تبدل اليقين بالعدالة يوم الجمعة بالشك، فمقتضى قاعدة اليقين البناء على العدالة يوم الجمعة، و مقتضى الاستصحاب البناء على عدمها استصحابا له من يوم الخميس.

نعم هذا مشروط بالعلم يوم الخميس مثلا بالحالة السابقة. فلو كانت مجهولة لم يجر الاستصحاب حتى يعارض قاعدة اليقين.

45

طرفي الشك معارض لفرد من اليقين.

و دعوى: أن اليقين السابق على الجمعة قد انتقض باليقين في الجمعة، و القاعدة الثانية تثبت وجوب اعتبار هذا اليقين الناقض لليقين السابق‏

1

.

مدفوعة: بأن الشك الطارئ في عدالة زيد يوم الجمعة و عدمها، عين الشك في انتقاض ذلك اليقين السابق‏

2

. و احتمال انتقاضه و عدمه معارضان لليقين بالعدالة و عدمها، فلا يجوز لنا الحكم بالانتقاض و لا بعدمه.

ثم إن هذا من باب التنزل و المماشاة، و إلا فالتحقيق ما ذكرناه: من منع الشمول بالتقريب المتقدم، مضافا إلى ما ربما يدعى: من ظهور الأخبار في الشك في البقاء

3

.

____________

(1) فهو نظير دليل الأمارة بالإضافة إلى الاستصحاب في الحكومة عليه.

(2) لكن الشك في انتفاض اليقين السابق إنما يصلح لنقضه لو بقي وحده، أما بعد فرض قيامه في مورد قاعدة اليقين فمقتضى القاعدة البناء على مقتضى اليقين، فيكون هو الناقض لليقين السابق لا الشك.

و بالجملة: قاعدة اليقين بمنزلة الأمارة، فكما يتعين نقض اليقين السابق بالأمارة كذلك يتعين نقض اليقين السابق بمقتضى قاعدة اليقين و عدم جريان الاستصحاب، لما يأتي من الوجه. و لذا لا يظن من المصنف (قدّس سرّه) الالتزام بالمعارضة لو فرض استفادة قاعدة اليقين من أدلة أخر، نظير قاعدة الفراغ، بل يتعين تقديم قاعدة اليقين. فلاحظ.

(3) لعل الوجه فيه: الترتيب في بعض الروايات بين الشك و اليقين. لكنه‏

46

كما يمكن أن يكون بلحاظ ترتب متعلقيهما كذلك يمكن أن يكون بلحاظ ترتبهما بأنفسهما مع وحدة متعلقهما. بل لعل الثاني أظهر لو لا القرائن الأخر التي أشرنا إليها هنا و عند الكلام في الرواية الرابعة و الخامسة من روايات المسألة.

47

[قاعدة اليقين‏]

[هل يوجد مدرك لقاعدة (اليقين) غير هذه الخبار؟]

بقي الكلام في وجود مدرك للقاعدة الثانية غير عموم هذه الأخبار، فنقول: إن المطلوب من تلك القاعدة:

إما أن يكون إثبات حدوث المشكوك فيه و بقائه مستمرا إلى اليقين بارتفاعه.

و إما أن يكون مجرد حدوثه في الزمان السابق بدون إثباته بعده، بأن يراد إثبات عدالة زيد في يوم الجمعة فقط.

و إما أن يراد مجرد إمضاء الآثار التي ترتبت عليها سابقا و صحة الأعمال الماضية المتفرعة عليه، فإذا تيقن الطهارة سابقا و صلى بها ثم شك في طهارته في ذلك الزمان، فصلاته ماضية.

[لو أريد من القاعدة إثبات الحدوث و البقاء معا]

فإن أريد الأول، فالظاهر عدم دليل يدل عليه، إذ

1

قد عرفت أنه‏

____________

(1) هذا إنما يحتاج إليه لو فرض الاستدلال على القاعدة بعموم الأخبار المتقدمة و المفروض في محل الكلام هو النظر في الدليل عليها غير العموم المذكور.

48

لو سلم اختصاص الأخبار المعتبرة لليقين السابق بهذه القاعدة، لم يمكن أن يراد منها إثبات حدوث العدالة و بقائها، لأن لكل من الحدوث و البقاء شكا مستقلا

1

.

نعم، لو فرض القطع ببقائها على تقدير الحدوث، أمكن أن يقال:

إنه إذا ثبت حدوث العدالة بهذه القاعدة ثبت بقاؤها، للعلم ببقائها على تقدير الحدوث. لكنه لا يتم إلا على الأصل المثبت‏

2

، فهو تقدير على تقدير

3

.

[ضعف الاستدلال بأصالة الصحة في الاعتقاد]

و ربما يتوهم: الاستدلال لإثبات هذا المطلب بما دل على عدم الاعتناء

____________

(1) يعني: فلا تنهض الأخبار المتقدمة بالغاء كلا الشكين، بل أحدهما لا غير.

نعم لو فرض تمامية الدليل على هذه القاعدة بنحو يقتضي الحدوث فقط و تمامية الدليل على الاستصحاب أيضا غير دليل هذه القاعدة كان مقتضى القاعدتين معا البناء على الحدوث و البقاء معا، و يكون المقام نظير استصحاب مؤدى الأمارة، بناء على أن قاعدة اليقين نظير الأمارة. فلاحظ.

(2) لعدم كون البقاء مفادا للقاعدة، بل لازما خارجيا لمفادها.

(3) أحد التقديرين وجود الدليل على القاعدة، و الدليل الآخر حجية الأصل المثبت. و قد عرفت عدم الدليل على القاعدة كما لا مجال لحجية الأصل المثبت، لعين ما سبق في الاستصحاب.

اللهم إلا أن يفرق بينهما بأن الاستصحاب ليس من الأمارات عرفا، بخلاف قاعدة اليقين، فإنها عرفا من الأمارات التي يمكن التعبد بلوازمها فيمكن حمل التعبد الشرعي بها على ما يعمم التعبد باللازم.

لكن تقدم أن ذلك و إن كان ممكنا إلا أنه موقوف على إطلاق دليل التعبد بالأمارة بنحو يقتضي التعبد باللازم، و هو في المقام غير ظاهر. فلاحظ.

49

بالشك في الشي‏ء بعد تجاوز محله.

لكنه فاسد، لأنه على تقدير الدلالة

1

لا يدل على استمرار المشكوك، لأن الشك في الاستمرار ليس شكا بعد تجاوز محله.

و أضعف منه: الاستدلال له بما سيجي‏ء، من دعوى أصالة الصحة في اعتقاد المسلم‏

2

. مع أنه كالأول في عدم إثباته الاستمرار. و كيف كان فلا مدرك لهذه القاعدة بهذا المعنى.

[تفصيل كاشف الغطاء (قدّس سرّه)‏]

و ربما فصّل بعض الأساطين بين ما إذا علم مدرك الاعتقاد بعد زواله و أنه غير قابل للاستناد إليه، و بين ما إذا لم يذكره، كما إذا علم أنه اعتقد في زمان بطهارة ثوبه أو نجاسته ثم غاب المستند و غفل زمانا فشك في طهارته و نجاسته، فيبنى على معتقده هنا لا في الصورة الأولى.

و هو و إن كان أجود من الإطلاق. لكن إتمامه بالدليل مشكل. و إن أريد بها الثاني‏

3

فلا مدرك له- بعد عدم دلالة أخبار الاستصحاب- إلا ما تقدم من أخبار عدم الاعتناء بالشك بعد تجاوز المحل لكنها لو تمت‏

4

فإنما تنفع في الآثار المرتبة عليه سابقا، فلا يثبت بها إلا صحة ما ترتب‏

____________

(1) يعني: على التعبد بأصل وجود المشكوك. و سيأتي الكلام فيه عند الكلام في المعنى الثاني من المعاني الثلاثة التي ذكرها المصنف (قدّس سرّه) للقاعدة.

(2) يجي‏ء الكلام فيه في ذيل الكلام في أصالة الصحة، و يأتي هناك أنه لا دليل على القاعدة المذكورة.

(3) و هو التعبد بنفس حدوث المتيقن من دون نظر إلى استمراره.

(4) ظاهره التشكيك في تماميتها في نفسها و هو غريب.

50

عليها، و أما إثبات نفس ما اعتقده سابقا، حتى يترتب عليه بعد ذلك الآثار المرتبة على عدالة زيد يوم الجمعة و طهارة ثوبه في الوقت السابق فلا، فضلا

1

عن إثبات مقارناته الغير الشرعية، مثل كونها على تقدير الحدوث باقية.

و إن أريد بها الثالث‏

2

فله وجه، بناء على تمامية قاعدة الشك بعد الفراغ و تجاوز المحل‏

3

، فإذا صلى بالطهارة المعتقدة ثم شك في صحة اعتقاده و كونه متطهرا في ذلك الزمان بنى على صحة الصلاة.

لكنه ليس من جهة اعتبار الاعتقاد السابق، و لذا لو فرض في السابق غافلا غير معتقد لشي‏ء من الطهارة و الحدث بنى على الصحة أيضا من جهة أن الشك في الصلاة بعد الفراغ منها لا اعتبار به‏

4

على المشهور بين الأصحاب، خلافا لجماعة من متأخري المتأخري كصاحب المدارك و كاشف اللثام، حيث منعا البناء على صحة الطواف إذا شك بعد الفراغ في كونه مع الطهارة. و الظاهر- كما يظهر من الأخير- أنهم يمنعون القاعدة المذكورة في غير أجزاء العمل‏

5

.

و لعل بعض الكلام في ذلك سيجي‏ء في مسألة أصالة الصحة في‏

____________

(1) هذا أمر آخر غير داخل في الدعوى.

(2) و هو مجرد إمضاء الآثار التي ترتبت على الأمر المعتقد به سابقا.

(3) كما يأتي الكلام فيه قريبا إن شاء اللّه تعالى.

(4) يعني: مع قطع النظر عن سبق اليقين و عدمه.

(5) يعني: فلا يجري في الشروط، كالطهارة بالإضافة إلى الطواف و الصلاة.

51

الأفعال إن شاء اللّه.

و حاصل الكلام في هذا المقام هو أنه: إذا اعتقد المكلف قصورا أو تقصيرا بشي‏ء في زمان موضوعا كان أو حكما، اجتهاديا أو تقليديا، ثم زال اعتقاده، فلا ينفع اعتقاده السابق في ترتب آثار المعتقد، بل يرجع بعد زوال الاعتقاد إلى ما يقتضيه الأصول‏

1

بالنسبة إلى نفس المعتقد و إلى الآثار المترتبة عليه سابقا أو لاحقا

2

.

____________

(1) كالاستصحاب، و قاعدة الفراغ و التجاوز و الصحة، و غيرها مما يرجع إليه، و يختلف باختلاف الموارد.

(2) عرفت أن المرجع فيما ترتب سابقا هو قاعدة التجاوز أو الفراغ الجارية بعد الفراغ من العمل أو مضي محله، و أنها لا تبتني على حجية اليقين السابق، لجريانها مع الغفلة أيضا.

52

[الأمر] الثالث‏ 1 [اشتراط عدم العلم بالبقاء أو الارتفاع‏]

أن يكون كل من بقاء ما أحرز حدوثه سابقا و ارتفاعه غير معلوم، فلو علم أحدهما فلا استصحاب‏

2

.

و هذا مع العلم بالبقاء أو الارتفاع واقعا من دليل قطعي واقعي واضح، و إنما الكلام فيما أقامه الشارع مقام العلم بالواقع، فإن الشك الواقعي في البقاء و الارتفاع لا يزول معه‏

3

، و لا ريب في العمل به دون الحالة السابقة.

[حكومة الأدلة الاجتهادية على أدلة الاستصحاب‏]

لكن الشك في أن العمل به من باب تخصيص أدلة الاستصحاب أو من باب التخصص؟ الظاهر أنه من باب حكومة أدلة تلك الأمور على أدلة الاستصحاب، و ليس تخصيصا بمعنى رفع اليد عن عموم أدلة الاستصحاب في بعض موارده، كما رفع اليد عنها في مسألة الشك‏

____________

(1) يعني: من الأمور التي يتوقف عليها جريان الاستصحاب.

(2) إذ لا إشكال في لزوم العمل باليقين اللاحق، لحجيته الذاتية، و لا مجال معها للتعبد الظاهري.

(3) فيبقى معه موضوع الاستصحاب، و لا يكون رافعا لموضوعه كالعلم.

53

بين الثلاث و الأربع و نحوها بما دل على وجوب البناء على الأكثر

1

، و لا تخصصا بمعنى خروج المورد بمجرد وجود الدليل عن مورد الاستصحاب، لأن هذا مختص بالدليل العلمي المزيل وجوده للشك المأخوذ في مجرى الاستصحاب‏

2

.

[معنى الحكومة]

و معنى الحكومة على ما سيجي‏ء في باب التعارض و التراجيح أن يحكم الشارع في ضمن دليل بوجوب رفع اليد عما يقتضيه الدليل الآخر لو لا هذا الدليل الحاكم أو بوجوب العمل في مورد بحكم لا يقتضيه دليله لو لا الدليل الحاكم. و سيجي‏ء توضيحه إن شاء اللّه تعالى‏

3

.

____________

(1) فإن البناء على مقتضى الأكثر في الصلاة على خلاف مقتضى الاستصحاب، فيكون دليله مخصصا لدليل الاستصحاب، لعدم الوجه في تقديمه عليه سوى ذلك بعد عدم تحقق ملاك الحكومة الآتي.

(2) خروج المورد عن العموم إن كان مسببا عن التعبد الشرعي كان في الاصطلاح ورودا، كما في خروج موارد الحجج عن الأصول العقلية، فإن موضوع الأصول العقلية ناشئة من دليل التعبد بها. و إن لم يكن مسببا عن دليل التعبد الشرعي كان تخصصا في الاصطلاح، كما في خروج موارد الأدلة العلمية عن الأصول الشرعية، فإن موضوع الأصول المذكورة هو عدم العلم، و حصول العلم من الأدلة المذكورة تابع لذاتها لا الدليل التعبد بها. فلاحظ.

(3) يأتي الكلام في ذلك منا في تعقيب كلام المصنف (قدّس سرّه) إنشاء اللّه تعالى و اللازم هنا الجري على ما ذكره (قدّس سرّه). و حاصله: أن للحكومة نحوين:

الأول: أن يكون الدليل الحاكم مضيفا لمفاد الدليل المحكوم مخرجا لبعض مدلوله عنه، كما في: «لا شك في النافلة» بالإضافة إلى إطلاقات أحكام الشك.

الثاني: أن يكون الحاكم موسعا لمفاد المحكوم موجبا لدخول ما ليس منه فيه،

54

ففيما نحن فيه إذا قال الشارع: اعمل بالبينة في نجاسة ثوبك، و المفروض أن الشك موجود مع قيام البينة على نجاسة الثوب، فإن الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبينة برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبينة

1

التي منها استصحاب الطهارة.

كما في: «الطواف بالبيت صلاة» مع إطلاقات أحكام الصلاة. و لا بد في كلا القسمين من كون الحاكم له نحو نظر للدليل المحكوم، كما هو مقتضى التنزيل للتعبد، فإنه يستلزم النظر لأحكام ذي المنزلة و أحكام الأمر التعبدية، كما لا يخفى.

____________

(1) هذا وحده لا يكفي في الحكومة، فإنه كما كان مقتضى أدلة البينة إلغاء آثار الاحتمال المخالف، كذلك مقتضى أدلة الاستصحاب ترتيب أثر الاحتمال المذكور و عدم نقض اليقين به المستلزم لإلغاء البينة، و هذا راجع إلى تعارض دليلي الاستصحاب و البينة لا حكومة الثاني على الأول.

نعم إذا كان مفاد دليل البينة إلغاء احتمال الخلاف تعبدا و تنزيلها منزلة العلم توجهت دعوى الحكومة بناء على ما سبق في تفسيرها، لارتفاع موضوع الاستصحاب و هو الشك تعبدا، نظير: «لا شك في النافلة».

و لعل هذا هو مراد المصنف (قدّس سرّه) كما يشهد به ما في بعض النسخ لكن الشأن في كون مفاد دليل البينة و غيرها من الحجج و الأمارات إلغاء الشك و تنزيل الأمارة منزلة العلم، فإنه لا شاهد عليه و لا يقتضيه لسان الدليل المذكور، و المتيقن منه التعبد بمفاد الأمارة و جعل حجيتها لا غير، و هذا و إن كان مستلزما لإلغاء احتمال الخلاف عملا و عدم العمل عليه، إلا أن محض عدم احتمال العمل باحتمال الخلاف لا يقتضي إلغاء الاحتمال شرعا و التعبد بعدمه.

و قد أطلنا الكلام في ذلك و في بعض الوجوه الأخر لتقريب الحكومة وردها في شرح الكفاية. فراجع و تأمل جيدا.