مسند الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي(ع) - ج2

- عزيز الله عطاردي‏ المزيد...
571 /
3

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

41- باب ما جرى فى ليلة عاشوراء

1- قال الصدوق: فقام الحسين (عليه السلام) فى أصحابه خطيبا فقال‏

اللّهمّ انّى لا أعرف أهل بيت أبرّ و لا أزكى و لا أطهر من أهل بيتى، و لا أصحابا هم خير من أصحابى، و قد نزل بى ما قد ترون، و أنتم فى حلّ من بيعتى ليست لى فى أعناقكم بيعة، و لا لى عليكم ذمّة، و هذا اللّيل قد غشيكم، فاتّخذوه جملا و تفرقوا فى سواده فان القوم إنمّا يطلبونى و لو ظفروا بى لذهلوا عن طلب غيرى.

فقام إليه عبد اللّه بن مسلم بن عقيل بن أبى طالب، فقال يا ابن رسول اللّه ما ذا يقول لنا الناس ان نحن خذلنا شيخنا و كبيرنا و سيّدنا و ابن سيّد الاعمام و ابن نبيّنا سيد الأنبياء، لم نضرب معه بسيف و لم نقاتل معه برمح لا و اللّه أو نرد موردك و نجعل أنفسنا دون نفسك و دماءنا دون دمائك فاذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا و خرجنا ممّا لزمنا.

و قام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلى، فقال يا ابن رسول اللّه وددت أنى قتلت ثمّ نشرت، ثمّ قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت ثم نشرت، فيك و فى الدين معك‏

4

مائة قتله و أن اللّه دفع بى عنكم أهل البيت، فقال له و لاصحابه جزيتم خيرا [1]

. 2- قال المفيد:

فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء، قال علىّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) فدنوت منه لا سمع ما يقول لهم، و أنا اذ ذاك مريض، فسمعت أبى يقول لأصحابه: أثنى على اللّه أحسن الثناء و أحمده على السراء و الضرّاء، اللّهمّ إنّى أحمدك على أن كرّمتنا بالنبوّة، و علّمتنا القرآن و فقّهتنا فى الدّين و جعلت لنا أسماء و أبصارا و أفئدة فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد فانّى لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابى، و لا أهل بيت أبّر و لا أوصل من أهل بيتى، فجزاكم اللّه عنّى خيرا ألا و انّى لا أظنّ يوما لنا من هؤلاء إلّا و انّى قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا فى حلّ ليس عليكم منّى ذمام، هذا اللّيل قد غشيكم، فاتّخذوه جملا، فقال له اخوته و ابناؤه و بنوا أخيه و ابنا عبد اللّه ابن جعفر لم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العبّاس ابن على (عليهما السلام) و اتّبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثله و نحوه.

فقال الحسين (عليه السلام) يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم، قالوا سبحان اللّه فما يقول الناس يقولون: إنّا تركنا شيخنا و سيّدنا و بنى عمومتنا خير الأعمام، و لم نرم معهم بسهم و لم نطعن معهم برمح، و لم نضرب معهم بسيف، و لا ندرى ما صنعوا لا و اللّه ما نفعل، و لكن نفديك بأنفسنا و أموالنا و أهلينا و نقاتل معك حتّى نرد موردك فقبح اللّه العيش بعدك و قام إليه مسلم بن عوسجة.

فقال أ نحن نخلّى عنك و بما نعتذر إلى اللّه فى أداء حقّك، أما و اللّه حتّى أطعن‏

____________

[1] أمالى الصدوق 95.

5

فى صدورهم برمحى و أضربهم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى و لو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة و اللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه انّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك، أما و اللّه لو قد علمت أنّى اقتل نمّ أحيى ثمّ أحرق ثمّ أحيى ثمّ اذرى يفعل ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقى حمامى دونك، و كيف لا أفعل ذلك و إنمّا هى فتلة واحدة ثمّ هى الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبدا، و قام زهير ابن القين رحمة اللّه عليه.

فقال و اللّه لوددت انّى قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى اقتل هكذا ألف مرّة، و انّ اللّه عزّ و جلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء، الفتيان من أهل بيتك، و تكلّم جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد فجزاهم الحسين (عليه السلام) خيرا و انصرف الى مضربه.

قال علىّ بن الحسين (عليهما السلام): انّى جالس فى تلك العشية التي قتل أبى فى صبيحتها و عندى عمّتى زينب تمرّضنى إذ اعتزل أبى فى خباء له و عنده جون مولى أبى ذر الغفّارى و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبى يقول:

يا دهر افّ لك من خليل‏ * * * كم لك بالاشراق و الأصيل‏

من صاحب أو طالب قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنمّا الأمر إلى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ سالك سبيل‏

فاعادها مرّتين أو ثلثا حتّى فهمتها و عرفت ما أراد، فخنقتنى العبرة، فرددتها و لزمت السكوت و علمت أنّ البلاء قد نزل، و أمّا عمّتى، فانّها سمعت ما سمعت و هى امرأة و من شان النساء الرقّة و الجزع، فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ ثوبها و إنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه فقالت وا ثكلاه ليت الموت أعد منى الحياة، اليوم ماتت امّى فاطمة و أبى علىّ و أخى الحسن (عليهم السلام) يا خليفة الماضين و ثمال‏

6

الباقين.

فنظر إليها الحسين (عليه السلام) فقال لها يا أخية لا يذهبنّ حلمك الشيطان، و ترقرقت عيناه بالدّموع، و قال لو ترك القطا لنام، فقالت يا ويلتاه أ فتغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أقرح لقلبى و أشدّ على نفسى، ثمّ لطمت وجهها، و هوت الى جيبها فشقّته و خرّت مغشيا عليها، فقام إليها الحسين (عليه السلام) فصبّ على وجهها الماء و قال لها أيها.

يا أختاه اتّقى اللّه و تعزّى بعزاء اللّه و اعلمى أنّ أهل الأرض يموتون و أهل السماء لا يبقون، و أنّ كلّ شي‏ء هالك إلّا وجه اللّه الّذي خلق الخلق بقدرته، و يبعث الخلق و يعيدهم، و هو فرد وحده، جدّى خير منّى و أبى خير منّى و امّى خير منّى، و أخى خير منّى، ولى و لكلّ مسلم برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أسوة فعزّاها بهذا و نحوه و قال لها يا أخيّة انّى اقسمت عليك فأبرّى قسمى لا تشقّى علىّ جيبا و لا تخمشى علىّ وجها و لا تدعى علىّ بالويل و الثبور إذا أنا هلكت.

ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندى، ثمّ خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرب بعضهم بيوتهم من بعض و أن يدخلوا الأطناب بعضها فى بعض و أن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد، و البيوت من ورائهم، و عن ايمانهم، و عن شمالهم، قد حفّت بهم إلّا الوجه الّذي يأتيهم منه عدوّهم، و رجع (عليه السلام) إلى مكانه فقام الليل كلّه يصلّى و يستغفر و يدعو و يتضرّع و قام أصحابه كذلك يصلّون و يدعون و يستغفرون.

قال الضحّاك بن عبد اللّه و مرّ بنا خيل لابن سعد تحرسنا و انّ حسينا (عليه السلام) ليقرأ «و لا تحسبنّ ...

الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ‏

7

الطَّيِّبِ»

فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد اللّه بن سمير و كان مضحاكا، شجاعا بطلا فارسا فاتكا فقال نحن و ربّ الكعبة الطيّبون، ميّزنا منكم فقال له:

برير بن خضير: يا فاسق أنت يجعلك اللّه من الطّيبين، فقال له من أنت، ويلك فقال له أنا برير بن خضير فتسابّا [1]

. 3- قال ابن شهرآشوب:

فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه، و حمد اللّه و اثنى عليه ثمّ قال بعد دعاء و كلام كثير، و إنّى قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا فى حلّ، ليس عليكم منّى ذمام، هذا اللّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملا، و ليأخذ كلّ رجل بيد رجل من أهل بيتى، و تفرّقوا فى سوادكم و مدائنكم، فانّ القوم إنّما يطلبوننى و لو قد أصابونى لهوا عن طلب غيرى، فأبوا ذلك كلّهم.

فقال مسلم بن عوسجة الأسدي: و اللّه لو علمت انّى اقتل ثمّ أحيى ثمّ أحرق، ثمّ اذرى يفعل بى ذلك سبعين مرّة، ما تركتك، فكيف و إنمّا هى قتلة واحدة ثمّ الكرامة إلى الأبد، و تكلّم سعد بن عبد اللّه الحنفى و زهير بن القين و جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا.

فاوصى الحسين (عليه السلام) أن لا يشقّوا عليه جيبا و لا يخمشوا وجها و لا يدعى بالويل و الثبور، و باتوا قارءين راكعين ساجدين، قال علىّ بن الحسين (عليهما السلام) انّى لجالس فى تلك اللّيلة الّتي قتل فى صبيحتها و كان يقول:

يا دهر افّ لك من خليل‏ * * * كم لك بالاشراق و الأصيل‏

من صاحب و طالب قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنمّا الأمر إلى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ فالى سبيل‏

____________

[1] الارشاد: 214.

8

ما اقرب الوعد من الرحيل قالت زينب كأنّك تخبر أنّك تغصب نفسك اغتصابا، فقال لو ترك القطا ليلا لنام، فلمّا اصبحوا عبّى الحسين (عليه السلام) أصحابه و أمر بأطناب البيوت فقربت حتّى دخل بعضها فى بعض، و جعلوها وراء ظهورهم، ليكون الحرب من وجه واحد، و أمر بحطب و قصب كانوا أجمعوه وراء البيوت فطرح ذلك فى خندق جعلوه و ألقوا فيه النار و قال لا تؤتى من ورائنا [1]

. 4- قال ابن طاوس: قال الراوى و جلس الحسين (عليه السلام) فرقد ثمّ استيقظ، فقال:

يا اختاه إنّى رأيت الساعة جدّى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أبى عليّا و أمّى فاطمة و أخى الحسن و هم يقولون يا حسين انك رائح إلينا عن قريب و فى بعض الروايات غدا، قال الراوى فلطمت زينب وجهها و صاحت و بكت، فقال لها الحسين مهلا لا تشمتى القوم بنا ثمّ جاء اللّيل فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه فحمد اللّه و اثنى عليه ثمّ أقبل عليهم فقال:

أمّا بعد فانّى لا أعلم أصحابا أصلح منكم، و لا أهل بيت أبّر و لا أفضل من أهل بيتى، فجزاكم اللّه جميعا عنّى خيرا و هذا اللّيل قد غشيكم، فاتّخذوه جملا، و ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى و تفرّقوا فى سواد هذا اللّيل و ذرونى و هؤلاء القوم، فانّهم لا يريدون غيرى، فقال له إخوته و أبناؤه و ابناء عبد اللّه بن جعفر، و لم نفعل ذلك لنبقى بعدك، لا أرانا اللّه ذلك أبدا، بدأهم بذلك القول العبّاس ابن علىّ (عليه السلام) ثمّ تابعوه.

قال الراوى ثمّ نظر إلى بنى عقيل فقال: حسبكم من القتل بصاحبكم مسلم‏

____________

[1] المناقب: 2/ 216

9

اذهبوا فقد أذنت لكم [1]

. 5- عنه روى من طريق آخر، قال‏

فعندها تكلّم إخوته و جميع أهل بيته و قالوا: يا ابن رسول اللّه فما يقول الناس لنا و ما ذا نقول لهم إنّا تركنا شيخنا و كبيرنا و ابن بنت نبيّنا لم نرم معه بسهم، و لم نطعن معه برمح، و لم نضرب بسيف، لا و اللّه يا ابن رسول اللّه لا نفارقك أبدا و لكنّا نقيك بأنفسنا حتّى نقتل بين يديك، و نردّ موردك، فقبح اللّه العيش بعدك.

ثمّ قام مسلم بن عوسجة و قال: نحن نخليك هكذا و ننصرف عنك، و قد أحاط بك هذا العدوّ لا و اللّه لا يرانى اللّه أبدا و أنا أفعل ذلك حتّى اكسر فى صدورهم رمحى و أضاربهم بسيفى، ما ثبت قائمه بيدى، و لو لم يكن لى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، و لم أفارقك أو أموت معك، قال و قام سعيد بن عبد اللّه الحنفى.

فقال: لا و اللّه يا ابن رسول اللّه لا نخليك أبدا حتّى يعلم اللّه أنا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و لو علمت انّى اقتل فيك، ثمّ أحيى ثمّ أخرج حيا ثمّ أذرى يفعل ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتك حتّى القى حمامى دونك و كيف لا أفعل ذلك و إنمّا هى قتلة واحده ثمّ أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

ثمّ قام زهير بن القين و قال و اللّه يا ابن رسول اللّه لوددت انّى قتلت ثمّ نشرت ألف مرّة، و أنّ اللّه تعالى قد دفع القتل عنك و عن هؤلاء الفتية، من إخوانك و ولدك، و أهل بيتك و تكلّم جماعة من أصحابه بنحو ذلك و قالوا: أنفسنا لك الفداء نقيك بأيدينا و وجوهنا فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفّينا لربنا و قضينا ما علينا.

____________

[1] اللّهوف: 39.

10

قيل لمحمّد بن بشير الحضرمى فى تلك الحال قد اسر ابنك بثغر الرّى، فقال عند اللّه احتسبه و نفسى ما كنت أحبّ أن يوسر و أنا أبقى بعده، فسمع الحسين (عليه السلام) قوله، فقال: رحمك اللّه أنت فى حلّ من بيعتى، فاعمل فى فكاك ابنك، فقال اكلتنى السباع حيا إن فارقتك، قال فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها فى فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.

قال الراوى: و بات الحسين (عليه السلام) و أصحابه تلك اللّيلة و لهم دوىّ كدوىّ النحل، ما بين راكع و ساجد و قائم و قاعد، فعبر عليهم فى تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان و ثلاثون رجلا و كذا كانت سجيّة الحسين (عليه السلام) فى كثرة صلاته و كمال صفاته [1]

. 6- قال الفتال: فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء قال علىّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):

فدنوت منهم لأسمع ما يقول لهم، و أنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبى (عليه السلام) يقول لأصحابه: اثنى على اللّه أحسن الثناء و أحمده على السرّاء و الضرّاء، اللّهمّ انّى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة، و علّمتنا القرآن و فهّمتنا فى الدين، و جعلت لنا أسماعا و أبصارا و أفئدة، فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد فإنّى لا أعلم أصحابا و لا أهل بيت أبرّ و لا أوصل من أصحابى، و أهل بيتى، فجزاكم اللّه عنّى خيرا ألا و إنّى لأظنّ يوما لنا من هؤلاء، إلّا و قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا فى حلّ ليس عليكم من ذمام، هذا اللّيل، قد غشيكم فاتّخذوه جملا، فقال إخوته و أبناءه و بنى أخيه و ابنا عبد اللّه بن جعفر لم نفعل لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك اليوم أبدا بدأهم بهذا القول العبّاس بن على رضى اللّه عنه، و اتبعته‏

____________

[1] اللهوف: 40.

11

الجماعة عليه فتكلّموا بمثله و نحوه.

فقال الحسين (عليه السلام): يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم، قالوا سبحان اللّه ما نقول للنّاس نقول انّا تركنا شيخنا و سيّدنا و بنى عمومتنا خير الأعمام، و لم نرم معهم بسهم و لم نطعن معهم برمح، و لم نضرب معهم بسيف، و لا ندرى ما صنعوا لا و اللّه لا نفعل و لكن نفديك أنفسنا و أموالنا و أهلينا و نقاتل معك حتّى نرد موردك فقبّح اللّه العيش بعدك.

قال مسلم بن عوسجة و اللّه لو علمت أنّى اقتل ثمّ أحيا ثمّ احرق ثمّ أحيا ثمّ احرق ثمّ أذرى، يفعل بى ذلك سبعين مرّة ما فارقتك، حتّى ألقى حمامى من دونك، و كيف لا أفعل ذلك، و إنّما هى قتلة واحدة، ثمّ هى الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبدا، و قام زهير بن القين (رحمه الله).

فقال و اللّه لوددت انّى قتلت حتّى أقتل، هكذا ألف مرّة، و إنّ اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك، و عن أنفس هؤلاء الفتيان، من أهل بيتك، و تكلّم بعض أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد، فجزاهم الحسين خيرا و انصرف الى مضربه، قال علىّ بن الحسين (عليهما السلام) بينا أنّى جالس فى تلك العشية الّتي قتل فى صبيحتها أبى، و عندى عمّتى زينب تمرّضنى إذا اعتزل أبى فى خباء و عنده فلان مولى أبى ذر الغفارى رضى اللّه عنه و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبى يقول:

يا دهر افّ لك من خليل‏ * * * كم لك فى الاشراق و الأصيل‏

من صاحب و طالب قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنّما الامر الى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ سالك سبيل‏

فأعادها مرّتين أو ثلثا حتّى فهمتها و علمت ما أراد فخنقتنى العبرة فرددتها و لزمت السكوت، و علمت انّ البلاء قد نزل، قال الضحّاك بن عبد اللّه و مرّ بنا

12

خيل لابن سعد، يحرسنا و أنّ حسينا (عليه السلام) ليقرأ «و لا تحسبنّ ...

الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»

[1]

. 7- قال أبو الفرج:

كان عبيد اللّه بن زياد- لعنه اللّه- قد ولى عمر بن سعد الرى فلمّا بلغه الخبر وجه إليه أن سر إلى الحسين أوّلا فاقتله فاذا قتلته رجعت و مضيت الى الرى فقال له: اعفنى أيّها الأمير قال: قد أعفيتك من ذلك و من الرى، قال: اتركنى أنظر فى أمرى فتركه، فلمّا كان من الغد غدا عليه فوجه معه بالجيوش، لقتال الحسين، فلمّا قاربه و توافقوا قام الحسين فى أصحابه خطيبا فقال:

اللّهمّ إنّك تعلم انّى لا أعلم أصحابا خيرا من أصحابى، و لا أهل بيت خيرا من أهل بيتى فجزاكم اللّه خيرا، فقد آزرتم و عاونتم و القوم لا يريدون غيرى و لو قتلونى لم يبتغوا غيرى أحدا، فاذا جنكم اللّيل فتفرّقوا سواده و انجوا بأنفسكم فقام إليه العبّاس بن على أخوه و علىّ ابنه و بنو عقيل فقالوا له: معاذ اللّه و الشهر الحرام، فما ذا نقول للنّاس إذا تركنا سيدنا و ابن سيدنا و عمادنا و تركناه غرضا للنبل و دريئة للرماح و جزرا للسباع، و فررنا عنه رغبة فى الحياة معاذ اللّه بل نحيا بحياتك و نموت معك فبكى و بكوا عليه، و جزاهم خيرا ثم نزل (صلوات الله عليه) [2]

. 8- عنه حدّثنى عبد اللّه بن زيدان البجلى، قال حدّثنا محمّد بن زيد التميمى، قال حدّثنا نصر بن مزاحم، عن أبى مخنف، عن الحرث بن كعب، عن علىّ بن الحسين (عليه السلام) قال:

انّى و اللّه لجالس مع أبى فى تلك اللّيلة و أنا عليل و هو يعالج سهاما له و بين يديه جون مولى أبى ذر الغفارى إذ ارتجز الحسين (عليه السلام):

____________

[1] روضة الواعظين: 157.

[2] مقاتل الطالبيين: 74.

13

يا دهر أف لك من خليل‏ * * * كم لك فى الاشراق و الأصيل‏

من صاحب و ما جد قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنّما الأمر الى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ سالك السبيل‏

قال: و أمّا أنا فسمعته و رددت عبرتى، و أمّا عمّتى فسمعته دون النساء فلزمتها الرقة و الجزع فشقت ثوبها و لطمت وجهها، و خرجت حاسرة تنادى:

وا ثكلاه وا حزناه، ليت الموت أعدمنى الحياة يا حسيناه يا سيّداه يا بقيّة أهل بيتاه استقلت و يئست من الحياة، اليوم مات جدّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمّى فاطمة الزهرا و أبى على و أخى الحسن يا بقيّة الماضين و ثمال الباقين.

فقال لها الحسين يا اختى، لو ترك القطا لنام، قالت: فانّما تغتصب نفسك اغتصابا، فذاك اطول لحزنى و أشجى لقلبى و خرّت مغشيا عليها فلم يزل يناشدها و احتملها حتّى أدخلها الخباء [1]

. 9- قال اليعقوبى: فروى عن علىّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال:

أنى جالس فى العشية التي قتل أبى الحسين بن على فى صبيحتها و عمّتى زينب تمرّضنى إذ دخل أبى و هو يقول:

يا دهر أف لك من خليل‏ * * * كم لك فى الاشراق و الاصيل‏

من صاحب و ما جد قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنمّا الأمر الى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ سالك السبيل‏

ففهمت ما قال و عرفت ما أراد و خنقتنى عبرتى و رددت، دمعى و عرفت أنّ البلاء قد نزل بنا فأمّا عمّتى زينب فانّها لما سمعت ما سمعت و النساء من شأنهنّ‏

____________

[1] مقاتل الطالبيين: 75.

14

الرقة و الجزع، فلم تملك أن و ثبت تجرّ ثوبها حاسرة و هى تقول وا ثكلاه ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم ماتت فاطمة و علىّ و الحسن بن على أخى فنظر إليها فردّد غصّته، ثمّ قال يا أختى اتقى اللّه فانّ الموت نازل لا محالة فلطمت وجهها و خرّت مغشيا عليها و صاحب وا ويلاه وا ثكلاه.

فتقدّم إليها فصبّ على وجهها الماء و قال لها يا أختاه تعزّى بعزاء اللّه فانّ لى و لكلّ مسلم أسوة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال: انّى أقسم عليك فأبرى قسمى لا تشقى علىّ جيبا و لا تخمشى علىّ وجها و لا تدعى علىّ بالويل و الثبور، ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندى و انّى لمريض مدنف و خرج الى أصحابه، فلمّا كان من الغد خرج فكلم القوم و عظم عليهم حقّه و ذكرهم اللّه عزّ و جلّ و رسوله و سألهم أن يخلوا بينه و بين الرجوع.

فأبوا إلّا قتاله أو أخذه حتّى يأتوا به عبيد اللّه بن زياد، فجعل يكلّم القوم بعد القوم و الرجل بعد الرجل فيقولون ما ندرى ما تقول، فأقبل على أصحابه، فقال: إنّ القوم ليسوا يقصدون غيرى و قد قضيتم ما عليكم، فانصرفوا فأنتم فى حلّ فقالوا لا و اللّه يا ابن رسول اللّه حتّى تكون أنفسنا قبل نفسك فجزاهم الخير [1]

. 10- قال الطبرى: قال أبو مخنف: حدّثنى عبد اللّه بن عاصم الفائشى، عن الضحاك بن عبد اللّه المشرقى بطن من همدان، أنّ الحسين بن على (عليهما السلام) جمع أصحابه، قال أبو مخنف: و حدّثنى أيضا الحارث بن حصيرة، عن عبد اللّه بن شريك العامرى، عن علىّ بن الحسين قالا: جمع الحسين أصحابه بعد ما رجع عمر بن سعد و ذلك عند، قرب المساء، قال علىّ بن الحسين: فدنوت منه لأسمع و أنا مريض‏

____________

[1] تاريخ اليعقوبى: 2/ 230.

15

فسمعت أبى و هو يقول لأصحابه‏

.

أثنى على اللّه تبارك و تعالى أحسن الثناء و أحمده على السّراء و الضرّاء اللّهمّ إنّى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوّة و علّمتنا القرآن و فقّهتنا فى الدين و جعلت لنا أسماعا و أبصارا و أفئدة، و لم تجعلنا من المشركين، أمّا بعد، فانّى لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابى و لا أهل بيت أبرّ و لا أوصل من أهل بيتى، فجزاكم اللّه عنّى جميعا خيرا ألا و انى أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ألا و إنّى قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا فى حلّ، ليس عليكم منّى ذمام هذا ليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا [1]

. 11- عنه قال أبو مخنف: حدّثنا عبد اللّه بن عاصم الفائشى- بطن من همدان- عن الضحّاك بن عبد اللّه المشرقى، قال:

قدمت و مالك بن النضر الأرحبى على الحسين فسلّمنا عليه، ثمّ جلسنا إليه فردّ علينا و رحّب بنا، و سألنا عما جئنا له فقلنا:

جئنا لنسلّم عليك، و ندعوا اللّه لك بالعافية و نحدث بك عهدا و نخبرك خبر الناس و إنّا نحدّثكم أنّهم قد جمعوا على حربك فرأيك.

فقال الحسين (عليه السلام): حسبى اللّه و نعم الوكيل قال: فتذممنا و سلّمنا عليه و دعونا اللّه له قال: فما يمنعكما من نصرتى، فقال مالك ابن النضر: علىّ دين ولى عيال، فقلت له: انّ علىّ دينا و انّ لى لعيالا، و لكنّك ان جعلتنى فى حلّ من الانصراف، إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك ما كان لك نافعا و عنك دافعا.

قال: فأنت فى حلّ، فأقمت معه فلمّا كان الليل قال: هذا الليل قد غشيكم، فاتّخذوه جملا ثمّ ليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتى تفرّقوا فى سوادكم و مدائنكم حتّى يفرج اللّه، فانّ القوم إنّما يطلبونى و لو قد أصابونى لهوا، عن طلب‏

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 418.

16

غيرى، فقال له إخوته و أبناؤه و بنو أخيه و ابنا عبد اللّه بن جعفر: لم نفعل لنبقى بعدك، لا أرانا اللّه ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العبّاس بن على، ثمّ انّهم تكلّموا بهذا و نحوه.

فقال الحسين (عليه السلام): يا بنى عقيل حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم قالوا: فما يقول الناس! يقولون إنّا تركنا شيخنا و سيّدنا و بنى عمومتنا، خير الأعمام، و لم نرم معهم بسهم، و لم نطعن معهم برمح، و لم نضرب معهم بسيف، و لا ندرى ما صنعوا! لا و اللّه لا نفعل، و لكن نفديك أنفسنا و أموالنا و أهلونا، و نقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبح اللّه العيش بعدك [1]!

12- عنه قال أبو مخنف: حدّثنى عبد اللّه بن عاصم، عن الضحاك بن عبد اللّه المشرقى، قال:

فقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي، فقال: أ نحن نخلّى عنك و لمّا نعذر الى اللّه فى أداء حقّك! أما و اللّه حتّى أكسر فى صدورهم رمحى، و أضربهم بسيفى، ما ثبت قائمه فى يدى، و لا أفارقك، و لو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، دونك حتّى أموت معك.

قال: و قال سعيد بن عبد اللّه الحنفى: و اللّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللّه أنا حفظنا غيبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيك، و اللّه لو علمت أنى أقتل ثمّ أحيا ثمّ أحرق حيّا ثمّ أذرى، يفعل ذلك بى سبعين مرّة ما فارقتك، حتّى ألقى حمامى دونك، فكيف لا أفعل ذلك! و إنّما هى قتلة واحدة ثمّ هى الكرامة الّتي لا انقضاء لها أبدا.

قال: و قال زهير بن القين: و اللّه لوددت أنى قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّى أقتل كذا ألف قتلة، و أنّ اللّه يدفع بذلك القتل، عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتية

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 418

17

من أهل بيتك، قال: و تكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا فى وجه واحد، فقالوا: و اللّه لا نفارقك، و لكنّ أنفسنا لك الفداء، نقيك بنحورنا و جباهنا و أيدينا، فاذا نحن قتلنا كنّا وفّينا، و قضينا ما علينا [1]

. 13- عنه قال أبو مخنف: حدّثنى الحارث بن كعب، عن الضحّاك، عن علىّ ابن الحسين بن علىّ قال:

إنّى جالس فى تلك العشية التي قتل أبى فى صبيحتها، و عمّتى زينب عندى تمرّضنى، اذ اعتزل أبى بأصحابه فى خباء له، و عنده حوىّ، مولى أبى ذر الغفارى، و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبى يقول:

يا دهر أفّ لك من خليل‏ * * * كم لك فى الاشراق و الأصيل‏

من صاحب و ماجد قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنمّا الأمر الى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ سالك السبيل‏

قال: فأعادها مرّتين أو ثلاثا حتّى فهمتها، فعرفت ما أراد، فخنقتنى عبرتى، فرددت دمعى و لزمت السكون، فعلمت أنّ البلاء قد نزل، فأمّا عمّتى فانّها سمعت ما سمعت، و هى امرأة، و فى النساء الرقّة و الجزع، فلم تملك نفسها أن و ثبت تجرّ ثوبها، و إنّها لحاسرة حتّى انتهت إليه، فقالت: وا ثكلاه! ليت الموت أعدمنى الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمّى و علىّ أبى، و حسن أخى، يا خليفة الماضى، و ثمال الباقى، قال: فنظر إليها الحسين (عليه السلام) فقال:

يا أخيّة، اتّقى اللّه و تعزّى بعزاء اللّه، و اعلمى أنّ أهل الأرض يموتون، و أنّ أهل السماء لا يبقون، و أنّ كلّ شي‏ء هالك إلّا وجه اللّه الذي خلق الأرض بقدرته، و يبعث الخلق فيعودون، و هو فرد وحده، أبى خير منّى، و أمّى خير منّى، و أخى‏

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 419.

18

خير منّى، ولى لهم و لكلّ مسلم برسول اللّه أسوة، قال: فعزّاها بهذا و نحوه، و قال لها:

يا أخيّة، إنّى أقسم عليك فأبرّى قسمى، لا تشقّى علىّ، جيبا، و لا تخمشى علىّ وجها، و لا تدعى علىّ بالويل و الثبور إذا أنا هلكت، قال: ثمّ جاء بها حتّى أجلسها عندى، و خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرّبوا بعض بيوتهم من بعض، و أن يدخلوا الأطناب بعضها فى بعض، و أن يكونوا هم بين البيوت إلّا الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم [1]

. 14- عنه قال أبو مخنف: عن عبد اللّه بن عاصم، عن الضحّاك بن عبد اللّه المشرقى، قال:

فلمّا أمسى حسين و أصحابه قاموا اللّيل كلّه يصلّون و يستغفرون و يدعون و يتضرّعون قال: فتمرّ بنا خيل لهم تحرسنا، و إنّ حسينا ليقرأ:

«وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ»

فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا، فقال: نحن و ربّ الكعبة الطيّبون، ميّزنا منكم.

قال: فعرفته فقلت لبرير بن خضير: تدرى من هذا؟ قال: لا: قلت هذا أبو حرب السبيعى عبد اللّه بن شهر- و كان مضحاكا بطالا، و كان شريفا شجاعا فاتكا، و كان سعيد بن قيس ربما حبسه فى جناية- فقال له برير بن خضير: يا فاسق، أنت يجعلك اللّه فى الطيّبين! فقال له: من أنت؟ قال: أنا برير بن خضير، قال:

إنّا للّه! عزّ علىّ! هلكت و اللّه هلكت و اللّه يا برير! قال: يا أبا حرب، هل لك أن تتوب إلى اللّه من ذنوبك العظام! فو اللّه إنّا لنحن الطيّبون، و لكنّكم لأنتم الخبيثون، قال: و أنا على ذلك من الشاهدين، قلت:

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 420.

19

ويحك! أ فلا ينفعك معرفتك! قال: جعلت فداك! فمن ينادم يزيد بن عذرة العنزى من عنز بن وائل! قال: ها هو ذا معى، قال: قبح اللّه رأيك على كلّ حال! أنت سفيه، ثمّ انصرف عنّا [1]

. 15- قال عبد الرزاق المقرم:

و فى هذا الحال قيل لمحمّد بن بشير الحضرمى، قد أسرا ابنك بثغر الرى فقال: ما أحبّ أن يؤسر و أنا أبقى بعده حيّا فقال له الحسين:

أنت فى حلّ من بيعتى، فاعمل فى فكاك ولدك، قال: لا و اللّه لا أفعل ذلك أكلتنى السباع حيّا إن فارقتك، فقال (عليه السلام): إذا اعط ابنك هذه الأثواب الخمسة ليعمل فى فكاك أخيه و كان قيمتها ألف دينار.

و لما عرف الحسين منهم صدق النية و الاخلاص فى المفاداة دونة أوقفهم على غامض القضاء فقال: إنّى غدا اقتل و كلّكم تقتلون معى و لا يبقى منكم أحد حتّى القاسم و عبد اللّه الرضيع إلّا ولدى على زين العابدين لأنّ اللّه لم يقطع نسلى منه، و هو أبو أئمة ثمانية.

فقالوا بأجمعهم الحمد للّه الّذي أكرمنا بنصرك و شرفنا بالقتل معك أو لا ترضى أن نكون معك فى درجتك يا ابن رسول اللّه، فدعا لهم بالخير و كشف عن أبصارهم فرأوا ما حباهم اللّه من نعيم الجنان، و عرفهم منازلهم فيها و ليس ذلك فى القدرة الإلهية بعزيز، و لا فى تصرّفات الامام بغريب، فان سحرة فرعون لما آمنوا بموسى (عليه السلام) و أراد فرعون قتلهم أراهم النبيّ موسى منازلهم فى الجنّة.

فى حديث أبى جعفر الباقر (عليه السلام) قال لأصحابه: أبشروا بالجنّة فو اللّه إنّا نمكث ما شاء اللّه بعد ما يجرى علينا ثمّ يخرجنا اللّه و إيّاكم حتّى يظهر قائمنا فينتقم من‏

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 421.

20

الظالمين، و أنا و أنتم نشاهدهم فى السلاسل و الأغلال و أنواع العذاب فقيل له من قائمكم يا ابن رسول اللّه قال: السابع من ولد ابنى محمّد بن على الباقر و هو الحجّة بن الحسن بن على بن محمّد بن على بن موسى بن جعفر بن محمّد بن على ابنى و هو الّذي يغيب مدّة طويلة ثمّ يظهر و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا [1]

. 16- عنه‏

خرج (عليه السلام) فى جوف اللّيل إلى خارج الخيام، يتفقّد التلاع و العقبات فتبعه نافع بن هلال البجلى، فسأله الحسين عمّا أخرجه، قال: يا ابن رسول اللّه أفزعنى خروجك الى جهة معسكر هذا الطاغى، فقال الحسين: انّى خرجت أتفقد التلاع و الروابى، مخافة أن تكون مكمنا لهجوم الخيل يوم تحملون و يحملون ثمّ رجع (عليه السلام) و هو قابض على يد نافع و يقول: هى هى و اللّه وعدا لا خلف فيه.

ثمّ قال له: أ لا تسلك بين هذين الجبلين فى جوف اللّيل، و تنجو بنفسك فوقع نافع على قدميه يقبلهما و يقول: ثكلتنى امى إن سيفى بألف و فرسى مثله، فو اللّه الذي منّ بك علىّ لا فارقتك حتّى يكلأ عن فرى و جرى، ثمّ دخل الحسين خيمة زينب و وقف نافع بازاء الخيمة ينتظره فسمع زينب تقول له: هل استعلمت من أصحابك نياتهم، فانى أخشى أن يسلّموك عند الوثبة، فقال لها: و اللّه لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلّا الأشوس الأقعس يستأنسون بالمنية دونى استيناس الطفل الى محالب امّه.

قال نافع: فلمّا سمعت هذا منه بكيت و أتيت حبيب بن مظاهر و حكيت ما سمعت منه، و من اخته زينب.

قال حبيب: و اللّه لو لا انتظار أمره لعاجلت بسيفى هذه اللّيلة، قلت: إنّى‏

____________

[1] مقتل الحسين: 235.

21

خلفته عند اخته و أظنّ النساء أفقن و شاركنها فى الحسرة، فهل لك أن تجمع أصحابك و تواجهوهنّ بكلام يطيب قلوبهنّ فقام حبيب و نادى يا أصحاب الحميّة و ليوث الكريهة فتطالعوا من مضاربهم كالاسود الضارية.

فقال لبنى هاشم ارجعوا الى مقرّكم لا سهرت عيونكم، ثمّ التفت إلى أصحابه و حكى لهم ما شاهده و سمعه نافع، فقالوا بأجمعهم: و اللّه الّذي منّ علينا بهذا الموقف، لو لا انتظار أمره لعاجلناهم بسيوفنا الساعة فطب نفسا و قرّ عينا فجزاهم خيرا، و قال هلمّوا معى لنواجه النسوة، و نطيب خاطرهنّ فجاء حبيب و معه أصحابه و صاح يا معشر حرائر رسول اللّه، هذه صوارم فتيانكم آلوا ألا يغمدوها إلّا فى رقاب من يريد السوء فيكم، و هذه أسنّة غلمانكم أقسموا ألّا يركزوها إلّا فى صدور من يفرق ناديكم.

فخرجن النساء إليهم ببكاء و عويل، و قلن أيّها الطيّبون حاموا عن بنات رسول اللّه و حرائر أمير المؤمنين. فضجّ القوم بالبكاء حتّى كأنّ الأرض تميد بهم، و فى السحر من هذه اللّيلة خفق الحسين خفقة ثمّ استيقظ و أخبر أصحابه بأنّه رأى فى منامه كلابا شدّت عليه تنهشه و أشدّها عليه كلب أبقع و انّ الّذي يتولّى قتله من هؤلاء رجل أبرص. و إنّه رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك و معه جماعة من أصحابه و هو يقول له:

أنت شهيد هذه الامّة و قد استبشر بك أهل السموات و أهل الصفيح الأعلى و ليكن افطارك عندى اللّيلة عجّل و لا تؤخّر فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك فى قارورة خضراء [1]

.

____________

[1] مقتل الحسين: 240.

22

42- باب ما جرى فى يوم عاشوراء

1- قال الصدوق:

انّ الحسين (عليه السلام) أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق و أمر فحشيت حطبا و أرسل عليّا ابنه (عليه السلام) فى ثلثين فارسا و عشرين راجلا ليستقوا الماء و هم على وجل شديد، و أنشأ الحسين (عليه السلام) يقول:

يا دهر أف لك من خليل‏ * * * كم لك فى الاشراق و الأصيل‏

من صاحب و ما جد قتيل‏ * * * و الدهر لا يقنع بالبديل‏

و إنمّا الأمر الى الجليل‏ * * * و كلّ حىّ سالك السبيل‏

ثمّ قال لأصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم و توضئوا و اغتسلوا و اغسلوا ثيابكم، لتكون اكفانكم، ثمّ صلى بهم الفجر، و عبأهم تعبية الحرب و أمر بحفيرته التي حول عسكره فاضرمت بالنار، ليقاتل القوم من وجه واحد و أقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرس له يقال له ابن أبى جويرية المزنى فلمّا نظر الى النار تتقد صفق بيده و نادى يا حسين و أصحاب حسين ابشروا بالنار فقد تعجلتموها فى الدنيا.

فقال الحسين (عليه السلام): من الرجل فقيل ابن أبى جويرية المزنى، فقال الحسين (عليه السلام): اللّهمّ أذقه عذاب النار فى الدنيا فنفر به فرسه و ألقاه فى تلك النار، فاحترق، ثمّ برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يقال له تميم بن الحصين الفزارى، فنادى يا حسين و يا أصحاب حسين أ ما ترون الى ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيات و اللّه لاذقتم منه قطرة حتّى الموت جرعا.

23

فقال الحسين (عليه السلام) من الرجل؟ فقيل تميم بن حصين، فقال الحسين (عليه السلام) هذا و أبوه من أهل النار اللّهمّ اقتل هذا عطشا فى هذا اليوم، قال فخنقه العطش حتّى سقط عن فرسه فوطئته الخيل بسنابكها فمات ثمّ أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد، يقال له محمّد بن أشعث بن قيس الكندى، فقال يا حسين بن فاطمة أية حرمة لك من رسول اللّه ليست لغيرك.

قال الحسين (عليه السلام): هذه الآية

«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً»

الآية، ثمّ قال: و اللّه ان محمّدا لمن آل إبراهيم و إنّ العترة الهادية لمن آل محمّد من الرجل فقيل محمّد بن اشعث بن قيس الكندى فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه الى السماء فقال: اللّهم أر محمّد بن الأشعث ذلّا فى هذا اليوم لا تعزّه بعد هذا اليوم أبدا فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز فسلّط اللّه عليه عقربا فلدغه فمات بادى العورة.

فبلغ العطش من الحسين (عليه السلام) و أصحابه فدخل عليه رجل من شيعته يقال له يزيد بن الحصين الهمدانيّ، قال إبراهيم بن عبد اللّه راوى الحديث هو خال أبى إسحاق الهمدانيّ، فقال يا ابن رسول اللّه أ تأذن لى فأخرج إليهم، فاكلّمهم فاذن له فخرج إليهم، فقال يا معشر الناس إنّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا بالحقّ بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه باذنه و سراجا منيرا، و هذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد، و كلابها و قد حيل بينه و بين ابنه فقالوا يا يزيد فقد اكثرت الكلام فاكفف فو اللّه ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله.

فقال الحسين اقعد يا يزيد ثمّ وثب الحسين (عليه السلام) متوكّيا على سيفه فنادى بأعلى صوته فقال: انشدكم اللّه هل تعرفونى قالوا نعم أنت ابن رسول اللّه و سبطه، قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن جدّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قالوا اللّهم نعم، قال أنشدكم اللّه هل تعلمون ان امّى فاطمة بنت محمّد قالوا: اللّهمّ نعم، قال أنشدكم اللّه‏

24

هل تعلمون ان أبى على بن أبى طالب قالوا: اللّهمّ نعم، قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون ان جدّتى خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الامّة إسلاما قالوا اللّهم نعم.

قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أنّ سيد الشهداء حمزة عمّ أبى قالوا: اللّهم نعم قال: أنشدكم اللّه هل تعلمون أن جعفر الطيّار فى الجنّة عمّى قالوا: اللّهم نعم، قال:

فانشدكم اللّه هل تعلمون ان هذا سيف رسول اللّه و انا متقلّده قالوا: اللّهم نعم، قال: فانشدكم اللّه هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول اللّه أنا لابسهما قالوا: اللّهم نعم.

قال: فانشدكم اللّه هل تعلمون انّ عليا كان أولهم اسلاما و أعلمهم علما و أعظمهم حلما و انّه ولىّ كلّ مؤمن و مؤمنة قالوا: اللّهم نعم، قال فبم تستحلّون دمى و ابى الذائد عن الحوض، غدا يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن الماء و لواء الحمد فى يدى جدّى يوم القيمة، قالوا قد علمنا ذلك كلّه و نحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشا.

أخذ الحسين (عليه السلام) بطرف لحيته و هو يومئذ ابن سبع و خمسين سنة، ثمّ قال:

اشتدّ غضب اللّه على اليهود حين قالوا: عزير بن اللّه و اشتدّ غضب اللّه على النصارى حين قالوا: المسيح بن اللّه، و اشتد، غضب اللّه على المجوس حين عبدوا النار من دون اللّه، و اشتدّ غضب اللّه على قوم قتلوا نبيّهم و اشتدّ غضب اللّه على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن نبيّهم [1]

. 2- قال المفيد:

و اصبح الحسين (عليه السلام) فعبّأ أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلثون فارسا و أربعون راجلا، فجعل زهير بن القين فى ميمنة أصحابه و حبيب بن مظاهر فى ميسرة أصحابه و أعطى رايته العبّاس أخاه، و جعلوا البيوت فى ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت ان يترك فى خندق كان قد

____________

[1] أمالى الصدوق: 95.

25

حفر هناك و أن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.

أصبح عمر بن سعد فى ذلك اليوم و هو يوم الجمعة و قيل يوم السبت فعبّأ أصحابه و خرج فيمن معه من الناس نحو الحسين (عليه السلام)، و كان على ميمنته عمرو بن الحجّاج، و على ميسرته شمر بن ذى الجوشن، و على الخيل عروة بن قيس، و على الرجالة شبث بن ربعى، و أعطى الراية دريدا مولاه فروى عن علىّ بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) انّه قال:

لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسين (عليه السلام) رفع يديه و قال: اللّهمّ أنت ثقتى فى كلّ كرب و أنت رجائى فى كلّ شدّة و أنت لى فى كلّ أمر نزل بى ثقة و عدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد و تقلّ فيه الحيلة، و يخذل فيه الصديق و يشمت فيه العدوّ أنزلته بك و شكوته إليك رغبة منّى إليك، عمّن سواك ففرّجته عنّى و كشفته فانت ولىّ كلّ نعمة و صاحب كلّ حسنة و منتهى كلّ رغبة.

قال و أقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين (عليه السلام) فيرون الخندق فى ظهورهم، و النار تضطرم فى الحطب و القصب الّذي كان القى فيه، فنادى شمر بن ذى الجوشن بأعلى صوته يا حسين أ تعجّلت النار قبل يوم القيامة فقال الحسين (عليه السلام) من هذا كأنّه شمر بن ذى الجوشن فقالوا له: نعم، فقال له يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا و رام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك.

فقال له دعنى حتّى أرميه فانّه الفاسق من أعداء اللّه و عظماء الجبّارين، و قد أمكن اللّه منه، فقال له الحسين (عليه السلام) لا ترمه فانّى أكره أن أبدأهم ثمّ دعى الحسين (عليه السلام) براحلته فركبها و نادى بأعلى صوته يا أهل العراق و جلّهم يسمعون، فقال:

أيّها الناس أسمعوا قولى، و لا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم علىّ و حتّى اعذر إليكم فان أعطيتمونى النصف كنتم بذلك أسعد و إن لم تعطونى النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم.

26

ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ»

ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه و ذكر اللّه تعالى بما هو أهله، و صلّى على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و على ملائكته و أنبيائه فلم يسمع متكلّم قطّ قبله و لا بعده أبلغ فى منطق منه، ثمّ قال: أمّا بعد فانسبونى فانظروا من أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم و عاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلى و انتهاك حرمتى أ لست ابن بنت نبيّكم و ابن وصيّه و ابن عمّه و أوّل المؤمنين المصدّق لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بما جاء به من عند ربّه.

أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّى أو ليس جعفر الطيّار فى الجنّة بجناحين عمّى، أو لم يبلغكم ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لى و لأخى هذان سيّدا شباب أهل الجنّة، فان صدّقتمونى بما أقول، و هو الحقّ و اللّه ما تعمّدت كذبا منذ علمت انّ اللّه يمقت عليه أهله و ان كذبتمونى فانّ فيكم من ان سألتموه عن ذلك أخبركم سلوا جابر بن عبد اللّه الانصارى و أبا سعيد الخدرى، و سهل بن سعد الساعدىّ و زيد بن أرقم و أنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لى و لأخى، أما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمى.

فقال له شمر بن ذى الجوشن هو يعبد اللّه على حرف ان كان يدرى ما يقول فقال له حبيب بن مظاهر: و اللّه انّى لأراك تعبد اللّه على سبعين حرفا و أنا أشهد أنّك صادق ما تدرى ما يقول قد طبع اللّه على قلبك، ثمّ قال لهم الحسين (عليه السلام) فان كنتم فى شك من هذا فتشكّون انّى ابن بنت نبيّكم، فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبىّ غيرى فيكم، و لا فى غيركم، ويحكم أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة فاخذوا لا يكلّمونه.

فنادى يا شبث بن ربعى و يا حجّار بن أبجر و يا قيس بن الأشعث، و يا يزيد بن الحارث، أ لم تكتبوا الىّ أن قد أينعت الثمار و اخضرّ الجنات، و إنمّا تقدم‏

27

على جند لك مجنّد، فقال له قيس بن الأشعث ما ندري ما تقول و لكن انزل على حكم بنى عمّك فانّهم لم يروك إلّا ما تحبّ فقال له الحسين (عليه السلام): لا و اللّه لا أعطيكم بيدى إعطاء الذليل و لا افرّ فرار العبيد، ثمّ نادى يا عباد اللّه‏

«إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ‏

أعوذ

بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ»

ثمّ انّه اناخ راحلته و أمر عقبة بن سمعان فعقلها فأقبلوا يزحفون نحوه [1]

. 3- قال الطبرسى:

أصبح (عليه السلام) و عبّاء أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا فجعل زهير بن القين فى ميمنة أصحابه، و حبيب بن مظهّر فى ميسرة أصحابه، و أعطى الراية العبّاس أخاه، و جعل البيوت فى ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك فى خندق كان هناك قد حضروه أن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.

أصبح عمر بن سعد فى ذلك اليوم و هو يوم الجمعة و قيل: يوم السبت فعبّأ أصحابه فجعل على ميمنته عمرو بن الحجّاج، و على ميسرته شمر بن ذى الجوشن، و على الخيل عروة بن قيس، و على الرجالة شبث بن ربعى، و نادى شمر- لعنه اللّه- بأعلى صوته- يا حسين تعجّلت بالنار قبل يوم القيامة فقال: يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّا، و رام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم.

فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك، فقال له: دعنى حتّى أرميه فانّ الفاسق من عظماء الجبّارين، و قد أمكن اللّه منه فقال: أكره أن أبدأهم، ثمّ دعا الحسين (عليه السلام) براحلته فركبها و نادى بأعلى صوته و كلّهم يسمعونه فقال: أيّها النّاس اسمعوا قولى و لا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ عليكم، و حتّى أعذر إليكم فإن أعطيتمونى النصف كنتم بذلك أسعد و ان لم تعطونى النصف من أنفسكم، فاجمعوا رأيكم ثمّ لا يكن‏

____________

[1] الارشاد: 216.

28

أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إلىّ و لا تنظرون، إنّ وليّى اللّه الّذي نزّل الكتاب و هو يتولّى الصالحين.

ثمّ حمد اللّه و أثنى عليه، و صلّى على النبيّ فلم يسمع متكلّم قطّ بعده و لا قبله أبلغ فى منطق منه، ثمّ قال: أمّا بعد فانسبونى و انظروا من أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم، و عاتبوها، فانظروا هل يصلح لكم قتلى و انتهاك حرمتى؟ أ لست ابن بنت نبيّكم و ابن وصيّه و ابن عمّه و أوّل المؤمنين المصدّقين لرسول اللّه و بما جاء به من عند ربّه؟

أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبى؟ أو ليس جعفر الطيّار بجناحين عمّى، أو لم يبلغكم ما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لى و لأخى: «هذان سيّدا شباب أهل الجنّة».

فان صدقتمونى بما أقول و هو الحقّ فو اللّه ما تعمّدت كذبا منذ علمت أنّ اللّه تعالى يمقت عليه و إن كذّبتمونى فإنّ فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري، و أبا سعيد الخدرى، و سهل بن سعد الساعدى، و زيد بن أرقم، و أنس بن مالك يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لى و لأخى، أما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمى؟ فقال له شمر: هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدرى ما تقول:

فقال له حبيب بن مظهّر: و اللّه انّى لأراك تعبد اللّه على سبعين حرفا، و أنا أشهد أنّك صادق ما تدرى ما تقول قد طبع اللّه على قلبك، فقال لهم الحسين: فان كنتم فى شكّ من هذا أ فتشكّون أنّى ابن بنت نبيّكم فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبىّ غيرى فيكم و يحكم أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة؟ فأخذوا لا يكلّمونه.

فنادى يا شبث بن ربعى، يا حجّار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، أ لم تكتبوا الىّ أن قد أينعت الثمار و اخضرّ الجنات، و إنّما تقدم على جند لك مجنّد؟ فقال له قيس بن الأشعث: ما ندرى ما تقول، و لكن انزل على حكم ابن‏

29

عمّك، فانّهم لم يريدوا بك الّا ما تحبّ، فقال الحسين (عليه السلام): لا و اللّه لا أعطيكم بيدى إعطاء الذليل و لا أفرّ فرار العبيد، ثمّ نادى يا عباد اللّه‏

«إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ‏

و أعوذ

بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ»

ثمّ انّه نزل عن راحلته و أمر عقبة بن سمعان فعقلها و أقبلوا يزحفون نحوه [1]

. 4- قال ابن طاوس:

فلمّا كان الغداة أمر الحسين (عليه السلام) بفسطاط فضرب فأمر بجفنة فيها مسك كثير و جعل عندها نورة ثمّ دخل ليطلى، فروى انّ برير بن خضير الهمدانيّ و عبد الرحمن بن عبد ربه الانصارى، وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعد فجعل برير يضاحك عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن يا برير أ تضحك ما هذه ساعة ضحك و لا باطل فقال برير لقد علم قومى اننى ما أحببت الباطل كهلا و لا شابا و إنمّا افعل ذلك استبشارا بما نصير إليه، فو اللّه ما هو الا ان نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة، ثمّ نعانق الحور العين [2]

. 5- عنه قال الراوى:

و ركب أصحاب عمر بن سعد لعنهم اللّه فبعث الحسين (عليه السلام) برير بن خضير، فوعظهم فلم يستمعوا و ذكرهم فلم ينتفعوا، فركب الحسين (عليه السلام) ناقته و قيل فرسه فاستنصتهم فانصتوا، فحمد اللّه و اثنى عليه، و ذكره بما هو أهله و صلّى على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على الملائكة و الأنبياء و الرسل و أبلغ فى المقال ثمّ قال:

تبّا لكم أيتها الجماعة و ترحا حين استصرختمونا والهين، فاصرخنا لكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا فى أيمانكم و حششتم علينا نارا اقتدحناها على عدوّنا و عدوّكم، فأصبحتم ألباء لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل افشوه فيكم و لا أمل أصبح لكم فيهم، فهلّا لكم الويلات تركتمونا و السيف مشيم و الجأش طامن و الراى‏

____________

[1] اعلام الورى: 236

[2] اللهوف: 41

30

لما يستحصف، و لكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا و تداعيتم إليها كتهافت الفراش.

فسحقا لكم يا عبيد الامّة و شذاذ الأحزاب و نبذة الكتاب، و محرّفي الكلم و عصبة الآثام و نفثة الشيطان، و مطفئ السنن أ هؤلاء تعضدون و عنّا تتخاذلون أجل و اللّه غدر فيكم قديم و شجت إليه اصولكم، و تأزرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر شجا للناظر و أكلة للغاصب، ألا و أن الدعىّ ابن الدعىّ قد ركز بين اثنين بين السلة و الذلة و هيهات منّا الذلة يأبى اللّه ذلك لنا و رسوله، و المؤمنون و حجور طابت و طهرت، و انوف حمية و نفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ألا و إنّى زاحف بهذا الأسرة مع قلّة العدد، و خذلة الناصر، ثمّ أوصل كلامه بابيات فروة بن مسيك المرادى:

فان نهزم فهزامون قدما * * * و ان نغلب فغير مغلبينا

و ما ان طبّنا جبن و لكن‏ * * * منايانا و دولة آخرينا

إذا ما الموت رفع عن اناس‏ * * * كلا كله أناخ بآخرينا

فأفنى ذلكم سرواة قومى‏ * * * كما افنى القرون الاوّلينا

فلو خلد الملوك إذا خلدنا * * * و لو بقى الكرام إذا بقينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا * * * سيلقى الشامتون كما لقينا

ثمّ أيم اللّه لا تلبثون بعدها الاكريث ما يركب الفرس حتّى تدور بكم دور الرحى، و تقلق بكم قلق المحور عهد عهده الىّ أبى عن جدّى،

«فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏

...

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»

.

اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء، و ابعث عليهم سنين كسنى يوسف و سلّط عليهم غلام ثقيف فيسومهم كأسا مصبرة، فانّهم كذبونا و خذلونا و أنت ربنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير، ثمّ نزل (عليه السلام) و دعا بفرس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المرتجز

31

فركبه و عبّى أصحابه للقتال [1]

. 6- عنه باسناده، عن الباقر (عليه السلام)

انّهم كانوا خمسة و أربعين فارسا و مائة راجل و روى غير ذلك [2]

. 7- عنه قال الراوى‏

فتقدم عمر بن سعد فرمى نحو عسكر الحسين (عليه السلام) بسهم، و قال: اشهد و الى عند الامير أنى أول من رمى و أقبلت السهام من القوم كانها القطر، فقال (عليه السلام) لأصحابه قوموا رحمكم اللّه إلى الموت الذي لا بدّ منه، فان هذه السهام رسل القوم إليكم، فاقتتلوا ساعة من النهار حملة و حملة، حتّى قتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) جماعة.

قال فعندها ضرب الحسين (عليه السلام) بيده الى لحيته و جعل يقول اشتدّ غضب اللّه تعالى على اليهود اذ جعلوا له ولدا و اشتدّ غضب اللّه تعالى على النصارى، اذ جعلوه ثالث ثلاثة و اشتدّ غضبه على المجوس اذ عبدوا الشمس و القمر دونه، و اشتدّ غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم، أما و اللّه لا أجيبهم الى شي‏ء ممّا يريدون حتّى ألقى اللّه تعالى و انا مخضب بدمى [3]

. 8- عنه روى عن مولانا الصادق (عليه السلام) انّه قال: سمعت أبى يقول:

لما التقى الحسين (عليه السلام) و عمر بن سعد لعنه اللّه و قامت الحرب أنزل اللّه تعالى النصر حتّى رفرف على رأس الحسين (عليه السلام)، ثمّ خيّر بين النصر على أعدائه و بين لقاء اللّه فاختار لقاء اللّه رواها أبو طاهر محمّد بن الحسين النرسى فى كتاب معالم الدين [4]

. 9- عنه قال الراوى‏

ثمّ صاح (عليه السلام) أ ما من مغيث يغيثنا لوجه اللّه أ ما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول اللّه، قال فإذا الحرّ بن يزيد قد أقبل الى عمر بن سعد، فقال‏

____________

[1] اللهوف: 42.

[2] اللهوف: 43.

[3] اللهوف: 43.

[4] اللهوف: 44.

32

أ مقاتل أنت هذا الرجل قال: اى و اللّه قتالا أيسره أن تطير الرءوس و تطيح الأيدى [1]

. 10- أبو جعفر المشهدى باسناده: عن الصادق (صلوات الله عليه)، قال:

لمّا تهيّأ الحسين (عليه السلام) للقتال أمر باضرام النار فى الخندق الذي حول عسكره، ليقاتل القوم من وجه واحد، فأقبل رجل من عسكر ابن سعد لعنه اللّه، يقال له: ابن أبى جويرية المزنىّ، فلمّا نظر إلى النار تتقد صفق بيده و نادى: يا حسين، و يا أصحاب الحسين، أبشروا بالنار، فقد تعجّلتموها فى الدنيا.

فقال الحسين (صلوات الله عليه): من الرجل؟ فقيل: ابن أبى جويرية المزنىّ، فقال (صلوات الله عليه): اللّهمّ أذقه عذاب النار فى الدنيا قبل الآخرة. فنفر به فرسه، فألقاه فى تلك النار فاحترق [2]

. 11- عنه، قال:

ثمّ برز من عسكر عمر بن سعد لعنه اللّه رجل يقال له: تميم ابن الحصين فنادى: يا حسين، و يا أصحاب الحسين، أ ما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنّه بطون الحيات، و اللّه لاذقتم منه قطرة، حتّى تذوقوا الموت جزعا، فقال الحسين (صلوات الله عليه): هذا و أبوه من أهل النار، اللّهمّ اقتل هذا عطشا فى هذا اليوم، قال: فخنقه العطش حتّى سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها حتّى مات لعنه اللّه [3]

. 13- قال الدينورى: قالوا:

و أمر الحسين أصحابه أن يضمّوا مضاربهم بعضهم من بعض، و يكونوا أمام البيوت، و أن يحفروا من وراء البيوت أخدودا، و أن يضرموا فيه حطبا و قصبا كثيرا، لئلّا يؤتوا من أدبار البيوت، فيدخلونها.

____________

[1] اللهوف: 44.

[2] الثاقب: 340.

[3] الثاقب فى المناقب: 340.

33

قالوا: و لما صلّى عمر بن سعد الغداة نهد بأصحابه، و على ميمنته عمرو بن الحجّاج، و على ميسرته شمر بن ذى الجوشن- و اسمه شرحبيل بن عمرو بن معاوية، من آل الوحيد، من بنى عامر بن صعصعة- و على الخيل عزرة بن قيس، و على الرجالة شبث ابن ربعى، و الراية بيد زيد مولى عمر بن سعد [1]

. 13- عنه‏

عبّى الحسين (عليه السلام) أيضا أصحابه، و كانوا اثنين و ثلاثين فارسا و أربعين راجلا، فجعل زهير بن القين على ميمنته، و حبيب بن مظاهر على ميسرته، و دفع الراية الى أخيه العباس بن على، ثمّ وقف، و وقفوا معه أمام البيوت [2]

. 14- قال اليعقوبى:

خرج زهير بن القين على فرس له فنادى: يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب اللّه نذار، عباد اللّه ولد فاطمة أحقّ بالودّ و النصر من ولد سميّة فان لم تنصروهم فلا تقاتلوهم. أيّها الناس انّه ما أصبح على ظهر الأرض ابن بنت نبى الا الحسين، فلا يعين أحد على قتله و لو بكلمة إلّا نغصه اللّه الدنيا و عذبه أشد عذاب الآخرة، ثمّ تقدموا رجلا رجلا حتّى بقى وحده ما معه أحد من أهله و لا ولده و لا أقاربه [3]

. 15- قال الطبرى:

عبّأ الحسين أصحابه، و صلّى بهم صلاة الغداة، و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا، فجعل زهير بن القين فى ميمنة أصحابه، و حبيب بن مظاهر فى ميسرة أصحابه، و أعطى رأيته العبّاس بن علىّ أخاه، و جعلوا البيوت فى ظهورهم، و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.

قال: و كان الحسين (عليه السلام) أتى بقصب و حطب إلى مكان من ورائهم منخفض‏

____________

[1] الاخبار الطوال: 256.

[2] الاخبار الطوال: 256.

[3] تاريخ اليعقوبى: 2/ 231.

34

كأنّه سياقة، فحفروه فى ساعة من الليل، فجعلوه كالخندق، ثمّ ألقوا فيه ذلك الحطب و القصب، و قالوا: إذا عدوا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا تؤتى من ورائنا، و قاتلنا القوم من وجه واحد. ففعلوا، و كان لهم نافعا [1]

. 16- عنه قال أبو مخنف: حدّثنى فضيل بن خديج الكندى، عن محمّد بن بشر عن عمرو الحضرمى، قال:

لما خرج عمر بن سعد بالناس كان على ربع أهل المدينة يومئذ عبد اللّه بن زهير بن مسلم الأزدى، و على ربع مذحج و أسد عبد الرحمن بن أبى سبرة الجعفىّ، و على ربع ربيعة و كندة قيس بن الأشعث بن قيس، و على ربع تميم و همدان الحرّ بن يزيد الرياحى.

فشهد هؤلاء كلّهم مقتل الحسين إلّا الحرّ بن يزيد فانّه عدل الى الحسين، و قتل معه، و جعل عمر على ميمنته عمرو بن الحجّاج الزبيدىّ، و على ميسرته شمر ابن ذى الجوشن بن شرحبيل بن الأعور بن عمر بن معاوية- و هو الضبّاب بن كلاب- و على الخيل عزرة بن قيس الأحمسى، و على الرجالة شبث بن ربعى الرياحى، و أعطى الراية ذويدا مولاه [2]

. 17- عنه قال أبو مخنف: حدّثنى عمرو بن مرّة الجملى، عن أبى صالح الحنفى، عن غلام لعبد الرّحمن بن عبد ربه الأنصاري، قال:

كنت مع مولاى، فلمّا حضر الناس و أقبلوا الى الحسين، أمر الحسين بفسطاط فضرب، ثمّ أمر بمسك فميث فى جفنة عظيمة أو صحفة؛ قال ثمّ دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلى بالنورة. قال: و مولاى عبد الرحمن بن عبد ربه و برير ابن خضير الهمدانيّ على باب الفسطاط تحتكّ مناكبهما، فازدحما أيهما يطلى على أثره، فجعل بريرها زل عبد الرحمن.

فقال له عبد الرحمن: دعنا، فو اللّه ما هذه بساعة باطل، فقال له برير: و اللّه‏

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 422.

[2] الطبرى: 5/ 422.

35

لقد علم قومى أنا ما أحببت الباطل شابا و لا كهلا، و لكن و اللّه إنّى لمستبشر بما نحن لاقون، و اللّه إن بيننا و بين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، و لوددت أنّهم قد مالوا علينا بأسيافهم. قال: فلمّا فرغ الحسين دخلنا فاطّلينا؛ قال: ثمّ إنّ الحسين ركب دابّته و دعا بمصحف فوضعه أمامه، قال: فاقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديدا، فلمّا رأيت القوم قد صرعوا أفلت و تركتهم [1]

. 18- عنه قال أبو مخنف: عن بعض أصحابه، عن أبى خالد الكابلى، قال: لما صبّحت الخيل الحسين رفع الحسين يديه، فقال:

اللّهمّ أنت ثقتى فى كلّ كرب، و رجائى فى كلّ شدّة، و أنت لى فى كلّ أمر نزل بى ثقة و عدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، و تقلّ فيه الحيلة، و يخذل فيه الصديق، و يشمت فيه العدوّ، أنزله بك، و شكوته إليك، رغبة منى إليك عمّن سواك، ففرّجته و كشفته، فأنت ولىّ كلّ نعمة، و صاحب كلّ حسنة، و منتهى كلّ رغبة [2]

. 19- عنه قال أبو مخنف: فحدّثنى عبد اللّه بن عاصم، قال: حدّثنى الضحّاك المشرقى، قال:

لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم فى الحطب و القصب، الذي كنّا ألهبنا فيه النار من ورائنا، لئلّا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجل يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلّمنا حتّى مرّ على أبياتنا، فنظر إلى أبياتنا فاذا هو لا يرى إلّا حطبا تلتهب النار فيه، فرجع راجعا، فنادى بأعلى صوته، يا حسين، استعجلت النار فى الدنيا قبل يوم القيامة.

فقال الحسين: من هذا؟ كأنّه شمر بن ذى الجوشن! فقالوا: نعم، أصلحك اللّه هو هو، فقال: يا ابن راعية المعزى، أنت أولى بها صليّا، فقال له مسلم بن عوسجة:

يا ابن رسول اللّه، جعلت فداك! ألّا أرميه بسهم! فإنّه قد أمكننى، و ليس يسقط:

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 422.

[2] تاريخ الطبرى: 5/ 423.

36

منّى سهم، فالفاسق من أعظم الجبّارين؛ فقال له الحسين: لا ترمه، فإنّى أكره أن أبدأهم، و كان مع الحسين فرس له يدعى لاحقا حمل عليه ابنه علىّ بن الحسين.

قال: فلمّا دنا منه القوم عاد براحلته فركبها، ثمّ نادى بأعلى صوته يسمع جلّ الناس: أيّها الناس، اسمعوا قولى، و لا تعجلونى حتّى أعظكم بما الحقّ لكم علىّ، و حتّى أعتذر إليكم من مقدمى عليكم، فان قبلتم عذرى، و صدّقتم قولى، و أعطيتمونى النّصف، كنتم بذلك أسعد، و لم يكن لكم علىّ سبيل، و إن لم تقبلوا منّى العذر، و لم تعطوا النصف من أنفسكم‏

«فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏

...،

إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ»

.

قال: فلمّا سمع أخواته كلامه هذا صحن و بكين، و بكى بناته فارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس بن على و عليّا ابنه، و قال لهما: أسكتاهنّ، فلعمرى ليكثرنّ بكاؤهنّ، قال: فلمّا ذهبا ليسكتاهنّ قال: لا يبعد ابن عبّاس، قال:

فظنّنا أنّه إنّما قالها حين سمع بكاؤهنّ، لأنّه قد كان نهاه أن يخرج بهنّ، فلمّا سكتن حمد اللّه و أثنى عليه، و ذكر اللّه بما هو أهله، و صلّى على محمّد صلى اللّه عليه و على ملائكته و أنبيائه، فذكر من ذلك ما اللّه أعلم و ما لا يحصى ذكره.

قال: فو اللّه ما سمعت متكلّما قطّ قبله و لا بعده أبلغ فى منطق منه، ثمّ قال: أمّا بعد، فانسبونى فانظروا من أنا، ثمّ ارجعوا الى أنفسكم و عاتبوها، فانظروا، هل يحلّ لكم قتلى و انتهاك حرمتى؟ أ لست ابن بنت نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله) و ابن وصيّه و ابن عمّه و أوّل المؤمنين باللّه و المصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه! أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبى! أو ليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّى! أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه و آله قال لى و لأخى: «هذان سيّدا شباب أهل الجنّة».

37

فان صدّقتمونى بما أقول- و هو الحق- فو اللّه ما تعمّدت كذبا مذ علمت أنّ اللّه يمقت عليه أهله، و يضرّ به من اختلقه، و ان كذّبتمونى فانّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد اللّه الانصارى، أو أبا سعيد الخدرى، و سهل ابن سعد الساعدى، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لى و لأخى، أ فما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمى! فقال له شمر بن ذى الجوشن: هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدرى ما يقول! فقال له حبيب مظاهر: و اللّه إنّى لأراك تعبد اللّه على سبعين حرفا، و أنا أشهد أنّك صادق ما تدرى ما يقول، قد طبع اللّه على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسين: فان كنتم فى شكّ من هذا القول أ فتشكون أثرا ما أنّى ابن بنت نبيّكم! فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبىّ غيرى منكم و لا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة، أخبرونى، أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلّمونه، قال: فنادى: يا شبث بن ربعى، و يا حجّار بن أبجر، و يا قيس بن الأشعث، و يا يزيد بن الحارث.

أ لم تكتبوا الىّ أن قد أينعت الثمار، و اخضرّ الجنات، و طمّت الجمام، و إنّما تقدّم على جند لك مجنّد، فأقبل! قالوا له لم نفعل، فقال: سبحان اللّه! بلى و اللّه، لقد فعلتم، ثمّ قال: أيّها النّاس، إذ كرهتمونى فدعونى أنصرف عنكم إلى مأمنى من الأرض، قال: فقال له قيس بن الأشعث: أو لا تنزل على حكم بنى عمّك، فإنّهم لم يروك الّا ما تحبّ، و لن يصل إليك منهم مكروه؟

فقال الحسين: أنت أخو أخيك، أ تريد أن يطلبك، بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل، لا و اللّه لا أعطيهم بيدى اعطاء الذليل، و لا أفرّ فرار العبيد عباد اللّه «انّى عذت بربّى و ربّكم أن ترجمون أعوذ بربّى و ربّكم من كلّ متكبر لا يؤمن بيوم الحساب» قال: ثمّ انّه أناخ راحلته، و أمر عقبة بن سمعان فعقلها، و اقبلوا

38

يزحفون نحوه [1]

. 20- عنه قال أبو مخنف: حدّثنى علىّ بن حنظلة بن أسعد الشبامى، عن رجل من قومه شهد مقتل الحسين حين قتل يقال له كثير بن عبد اللّه الشعبى، قال:

لما زحفنا قبل الحسين خرج إلينا زهير بن قين على فرس له ذنوب، شاك فى السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب اللّه نذار! إنّ حقّا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، و نحن حتّى الآن إخوة، و على دين واحد و ملّة واحدة، ما لم يقع بيننا و بينكم السيف، و أنتم للنصيحة منا أهل، فاذا وقع السيف انقطعت العصمة، و كنا أمّة و أنتم أمّة.

إنّ اللّه قد ابتلانا و إيّاكم بذريّة نبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) لينظر ما نحن و أنتم عاملون، إنّا ندعوكم الى نصرهم و خذلان الطاغية عبيد اللّه بن زياد، فانّكم لا تدركون منهما الّا بسوء عمر سلطانهما كلّه، ليسملان أعينكم و يقطّعان أيديكم و أرجلكم، و يمثّلان بكم، و يرفعانكم على جذوع النخل، و يقتّلان أماثلكم و قرّاءكم، أمثال حجر بن عدىّ و أصحابه، و هانى بن عروة و أشباهه، قال: فسبّوه، و أثنوا على عبيد اللّه بن زياد، و دعوا له و قالوا: و اللّه لا نبرح حتّى نقتل صاحبك و من معه، أو نبعث به و بأصحابه الى الأمير عبيد اللّه سلما.

فقال لهم: عباد اللّه، إنّ ولد فاطمة (رضوان الله عليها) أحقّ بالودّ و النصر من ابن سميّة، فان لم تنصروهم فأعيذكم باللّه أن تقتلوهم، فخلّوا بين الرجل و بين ابن عمّه يزيد بن معاوية، فلعمرى إنّ يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، قال: فرماه شمر بن ذى الجوشن بسهم و قال: اسكت أسكت اللّه نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك! فقال له زهير: يا ابن البوّال على عقبيه، ما ايّاك أخاطب، إنّما أنت‏

____________

[1] تاريخ الطبرى 5/ 423

39

بهيمة، و اللّه ما أظنّك تحكم من كتاب اللّه آيتين، فابشر بالخزى يوم القيامة و العذاب الاليم.

فقال له شمر: إنّ اللّه قاتلك و صاحبك عن ساعة، قال: أ فبالموت تخوّفنى! فو اللّه للموت معه أحبّ إلىّ من الخلد معكم، قال: ثمّ أقبل على الناس رافعا صوته، فقال: عباد اللّه، لا يغرّنكم من دينكم هذا الجلف الجافى، و أشباهه، فو اللّه لا تنال شفاعة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) هراقوا دماء ذرّيته، و أهل بيته، و قتلوا من نصرهم و ذبّ عن حريمهم، قال: فناداه رجل فقال له: إنّ أبا عبد اللّه يقول لك: أقبل، فلعمرى لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه و أبلغ فى الدعاء، لقد نصحت لهؤلاء و أبلغت لو نفع النصح و الابلاغ! [1]

. 21- روى ابن عبد ربه: عن علىّ بن عبد العزيز قال: حدّثنى الزبير قال:

حدّثنى محمّد بن الحسن قال:

لما نزل عمر بن سعد بالحسين و أيقن أنّهم قاتلوه، قام فى أصحابه خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: قد نزل بى ما ترون من الأمر، و إنّ الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت، و أدبر معروفها و اشمعلّت، فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء الأخنس، عيش كالمرعى الوبيل. أ لا ترون الحقّ لا يعمل به، و الباطل لا ينهى عنه؟ ليرغب المؤمن فى لقاء اللّه، فإنّى لا أرى الموت إلّا سعادة، و الحياة مع الظالمين الا ذلّا و ندما [2]

. 22- الحافظ ابن عساكر: أخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقى: أنبأنا أبو محمّد الشيرازى، أنبأنا أبو عمر الخزاز، أنبأنا أبو الحسن الخشاب، أنبأنا الحسين بن محمّد أنبأنا محمّد بن سعد، أنبأنا علىّ بن محمّد عن أبى الأسود العبدى: عن الأسود بن قيس العبدى، قال:

قيل لمحمّد بن بشير الحضرمى و هو مع الحسين فى كربلا: قد أسر

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 426.

[2] العقد الفريد: 4/ 380.

40

ابنك بثغر الرى، قال: عند اللّه احتسبه و نفسى، ما كنت أحبّ أن يؤسر و لا أن أبقى بعده، فسمع قوله الحسين (عليه السلام) فقال له: رحمك اللّه أنت فى حلّ من بيعتى فاعمل فى فكاك ابنك! قال: أكلتنى السباع حيّا إن فارقتك! قال: فأعط ابنك هذه الأثواب البرود تستعين بها فى فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار [1]

23- قال عبد الرزّاق المقرّم: قال ابن قولويه و المسعودى: لما أصبح الحسين يوم عاشوراء و صلّى بأصحابه صلاة الصبح قام خطيبا فيهم، حمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:

إنّ اللّه تعالى أذن فى قتلكم و قتلى فى هذا اليوم فعليكم بالصبر و القتال، ثمّ صفّهم للحرب و كانوا اثنين و ثمانين ما بين فارس و راجل، فجعل زهير بن القين فى الميمنة و حبيب بن مظاهر فى الميسرة، و ثبت هو (عليه السلام) و أهل بيته فى القلب و أعطى رأيته أخاه العبّاس.

اقبل عمر بن سعد نحو الحسين (عليه السلام) فى ثلاثين ألفا و كان رؤساء الأربعة بالكوفة يومئذ: عبد اللّه بن زهير بن سليم الأزدى على ربع أهل المدينة، و عبد الرحمن بن أبى سبرة الحنفى على ربع مذحج و أسد، و قيس بن الأشعث على ربع ربيعة و كندة، و الحرّ بن يزيد الرياحى على ربع تميم و همدان، و كلّهم اشتركوا فى حرب الحسين الّا الحرّ الرياحى و جعل ابن سعد على الميمنة عمرو بن الحجّاج الزبيدى، و على الميسرة شمر بن ذى الجوشن العامرى، و على الخيل عزرة بن قيس الأحمسى و على الرجالة شبث بن ربعى و الراية مع مولاه ذويد.

ثمّ أقبلوا يجولون حول البيوت فيرون النار تضطرم فى الخندق، فنادى شمر بأعلا صوته يا حسين تعجلت بالنار قبل يوم القيامة، فقال الحسين من هذا كأنه شمر ابن ذى الجوشن، قيل نعم، فقال (عليه السلام): يا ابن راعية المعزى أنت اولى بها منّى صليّا

____________

[1] ترجمة الامام الحسين: 154.

41

و رام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين و قال أكره أن أبدأهم بقتال.

لما نظر الحسين (عليه السلام) إلى جمعهم كأنّه السيل رفع يديه بالدعاء و قال: اللّهم أنت ثقتى فى كلّ كرب و رجائى فى كلّ شدّة، و أنت لى فى كلّ أمر نزل بى ثقة و عدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، و تقلّ فيه الحيلة و يخذل فيه الصديق، و يشمت فيه العدو أنزلته بك و شكوته إليك رغبة منّى إليك، عمّن سواك فكشفته و فرجته فأنت ولى كلّ نعمة و منتهى كلّ رغبة.

ثمّ دعا براحلته فركبها و نادى بصوت عال يسمعه جلّهم: أيّها الناس اسمعوا قولى و لا تجعلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم علىّ و حتّى اعتذر إليكم من مقدمى عليكم فان قبلتم عذرى و صدقتم قولى و أعطيتمونى النصف من أنفسكم كنتم بذلك أسعد و لم يكن لكم علىّ سبيل، و إن لم تقبلوا منى العذر، و لم تعطوا النصف من أنفسكم‏

«فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏

...

إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ»

.

فلمّا سمعن النساء هذا منه صحن و بكين و ارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس و ابنه على الأكبر، و قال لهما اسكتاهنّ فلعمرى ليكثر بكاؤهنّ، و لما سكتن حمد اللّه و اثنى عليه و صلّى على محمّد و على الملائكة و الأنبياء و قال فى ذلك ما لا يحصى ذكره و لم يسمع متكلّم قبله و لا بعده أبلغ منه فى منطقه، ثمّ قال:

الحمد للّه الّذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء و زوال متصرفة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرّته و الشقىّ من فتنته فلا تغرّنكم هذه الدنيا فانّها تقطع رجاء من ركن إليها و تخيب طمع من طمع فيها، و اراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم اللّه فيه عليكم و اعرض بوجهه الكريم عنكم و أحلّ بكم نقمته و جنبكم رحمته فنعم الرب ربنا و بئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة و آمنتم بالرسول محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ انّكم زحفتم الى ذرّيته و عترته تريدون قتلهم لقد استحوذ عليكم الشيطان،

42

فأنساكم ذكر اللّه العظيم، فتبا لكم و لما تريدون إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين، أيّها الناس انسبونى من أنا ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم و عاتبوها و انظروا هل يحلّ لكم قتلى و انتهاك حرمتى، أ لست ابن بنت نبيّكم و ابن وصيّه و ابن عمّه و أوّل المؤمنين باللّه و المصدق لرسوله بما جاء من عند ربّه، أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبى، أو ليس جعفر الطيّار عمّى، أو لم يبلغكم قول رسول اللّه لى و لاخى: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة، فان صدقتمونى بما أقول و هو الحقّ و اللّه ما تعمّدت الكذب منذ علمت أنّ اللّه يمقت عليه أهله و يضرّ به من اختلقه و ان كذّبتمونى فان فيكم من أن سألتموه عن ذلك أخبركم.

سلوا جابر بن عبد اللّه الانصارى، و أبا سعيد الخدرى، و سهل بن سعد الساعدى و زيد بن أرقم و أنس بن مالك يخبرونكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه لى و لأخى، أما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمى، فقال الشمر، هو يعبد اللّه على حرف إن كان يدرى ما تقول، فقال له حبيب بن مظاهر: و اللّه إنّى أراك تعبد اللّه على سبعين حرفا و أنا أشهد أنّك صادق ما تدرى ما يقول قد طبع اللّه على قلبك.

ثمّ قال الحسين (عليه السلام): فان كنتم فى شك من هذا القول أ فتشكّون إنّى ابن بنت نبيّكم، فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبىّ غيرى فيكم و لا فى غيركم، و يحكم أ تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة، فأخذوا لا يكلّمونه، فنادى: يا شبث بن ربعى، و يا حجار بن أبجر، و يا قيس بن الأشعث و يا زيد بن الحارث أ لم تكتبوا إلىّ أن أقدم قد أينعت الثمار و اخضر الجنات، و إنّما تقدم على جند لك مجنّدة؟

فقالوا: لم نفعل. قال: سبحان اللّه بلى و اللّه لقد فعلتم، ثمّ قال: أيّها الناس إذا

43

كرهتمونى فدعونى أنصرف عنكم الى مأمنى من الارض، فقال له قيس بن الأشعث: أولا تنزل على حكم بنى عمّك؟ فانّهم لن يروك الّا ما تحبّ و لن يصل إليك منهم مكروه، فقال الحسين (عليه السلام): أنت أخو أخيك أ تريد أن يطلب بنو هاشم أكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا و اللّه لا أعطيهم بيدى اعطاء الذليل، و لا أفرّ فرار العبيد عباد اللّه‏

«إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ‏

، أعوذ

بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ»

ثمّ أناخ راحلته و أمر عقبة بن سمعان فعقلها.

ثمّ إنّ الحسين (عليه السلام) ركب فرسه و أخذ مصحفا و نشره على رأسه و وقف بإزاء القوم و قال: يا قوم إنّ بينى و بينكم كتاب اللّه و سنّة جدّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدّسة ما عليه من سيف النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و درعه و عمامته فأجابوه بالتصديق، فسألهم عما أقدمهم على قتله قالوا: طاعة للأمير عبيد اللّه بن زياد.

فقال (عليه السلام): تبا لكم أيتها الجماعة و ترحا أ حين استصرختمونا و الهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا فى أيمانكم و حششتم علينا نارا اقتدحناها على عدوّنا و عدوّكم فأصبحتم ألبا لأعدائكم على أوليائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، و لا أمل أصبح لكم فيهم، فهلّا لكم الويلات تركتمونا و السيف مشيم و الجأش طامن و الرأى لما يستحصف و لكن أسرعتم إليها كطيرة الدبا و تداعيتم عليها كتهافت الفراش، ثمّ نفضتموها، فسحقا لكم يا عبيد الأئمّة و شذاذ الأحزاب و نبذة الكتاب و محرّفي الكلم و عصبة الاثم و نفثة الشيطان و مطفى السنن.

ويحكم أ هؤلاء تعضدون و عنا تتخاذلون أجل و اللّه غدر فيكم قديم و شجت عليه أصولكم و تأزرت فروعكم فكنتم أخبث ثمر شجى للناظر و أكلة للغاصب، ألا و إنّ الدعىّ بن الدعىّ قد ركز بين اثنتين بين السلّة و الذلّة و هيهات منا الذلّة يأبى اللّه لنا ذلك و رسوله و المؤمنون، و حجور طابت و طهرت و أنوف‏

44

حمية و نفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا و إنّى زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد و خذلان الناصر، ثمّ أنشد أبيات فروة بن مسيك المرادى:

فان نهزم فهزامون قدما * * * و إن نغلب فغير مغلّبينا

و ما أن طبنا جبن و لكن‏ * * * منايانا و دولة آخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا * * * سيلقى الشامتون كما لقينا

إذا ما الموت رفع عن أناس‏ * * * بكلكله أناخ بآخرينا

أما و اللّه لا تلبثون بعدها إلّا كريثما يركب الفرس حتّى تدوركم دور الرحى و تقلق بكم قلق المحور عهد عهده إلىّ أبى عن جدّى رسول اللّه‏

«فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ‏

...

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»

.

ثمّ رفع يديه نحو السماء و قال: اللّهمّ احبس عنهم قطر السماء و ابعث عليهم سنين كسنى يوسف و سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبّرة، فانّهم كذبونا و خذلونا و أنت ربنا عليك توكّلنا و إليك المصير، و اللّه لا يدع أحدا منهم الّا انتقم لى منه قتلة بقتلة، و ضربة بضربة، و إنّه لينتصر لى و لأهل بيتى و أشياعى.

استدعى عمر ابن سعد فدعى له و كان كارها لا يحبّ أن يأتيه فقال: أى عمر أ تزعم أنّك تقتلنى و يولّيك الدعى بلاد الرى و جرجان، و اللّه لا تتهنأ بذلك عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع فانّك لا تفرح بعدى بدنيا و لا آخرة، و كأنّى برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة و يتّخذونه غرضا بينهم فصرف بوجهه عنه مغضبا [1]

.

____________

[1] مقتل الحسين: 256.

45

24- الحافظ أبو نعيم: حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا علىّ بن عبد العزيز، ثنا الزبير بن بكّار، حدثني محمّد بن الحسين، قال:

لما نزل القوم بالحسين و أيقن أنّهم قاتلوه، قام فى أصحابه خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال: قد نزل من الأمر ما ترون، و أنّ الدنيا قد تغيّرت و تنكرت و أدبر معروفها، و انشمرت، حتّى لم يبق منها إلّا كصبابة الإناء، إلّا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أ لا ترون الحقّ لا يعمل به، و الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن فى لقاء اللّه و إنّى لا أرى الموت إلّا سعادة، و الحياة مع الظالمين إلّا جرما [1]

. 25- الهيتمى باسناده: عن محمّد بن الحسن، قال لما نزل عمر بن سعد بالحسين، و أيقن أنهم قاتلوه قام فى أصحابه خطيبا فحمد اللّه عزّ و جلّ و أثنى عليه ثمّ قال:

قد نزل ما ترون من الأمر، و أنّ الدنيا تغيرت و تنكّرت و أدبر معروفها و انشمر حتّى لم يبق منها إلّا صبابة الإناء إلّا خسيس عيش كالمرعى الوبيل، أ لا ترون الحقّ لا يعمل به و الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن فى لقاء اللّه، فانّى لا أرى الموت إلّا سعادة و الحياة مع الظالمين إلّا برما [2]

. 43- باب شهادة الحرّ بن يزيد

1- قال الصدوق:

فضرب الحرّ بن يزيد فرسه و جاز عسكر عمر بن سعد لعنه اللّه إلى عسكر الحسين (عليه السلام) واضعا يده على رأسه و هو يقول: اللّهمّ إليك أنبت فتب علىّ فقد ارعبت قلوب أوليائك و أولاد نبيّك، يا ابن رسول اللّه هل لى من توبة

____________

[1] حلية الاولياء: 2/ 39

[2] مجمع الزوائد: 9/ 192.

46

قال نعم تاب اللّه عليك، قال يا ابن رسول اللّه أ تأذن لى فأقاتل عنك، فأذن له فبرز و هو يقول:

أضرب فى أعناقكم بالسيف‏ * * * عن خير من حلّ بلاد الخيف‏

فقتل منهم ثمانية عشر رجلا، ثمّ قتل فاتاه الحسين (عليه السلام) و دمه يشخب، فقال بخّ بخّ يا حرّ أنت حرّ كما سميت فى الدنيا و الآخرة، ثمّ أنشأ الحسين يقول:

لنعم الحرّ حرّ بنى رياح‏ * * * و نعم الحرّ عند مختلف الرماح‏

و نعم الحرّ اذ نادى حسينا * * * فجاد بنفسه عند الصباح‏

[1]

2- قال المفيد:

فلمّا رأى الحرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسين (عليه السلام)، قال لعمر بن سعد: أى عمر أ مقاتل أنت هذا الرجل قال: أى و اللّه قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس و تطيح الأيدى قال: أ فما لكم فيما عرضه عليكم رضى قال عمر: اما لو كان الأمر الىّ لفعلت، و لكن أميرك قد أبى، فأقبل الحرّ حتّى وقف من الناس موقفا و معه رجل من قومه يقال له قرّة بن قيس فقال له يا قرّة هل سقيت فرسك اليوم، قال لا قال: فما تريد أن تسقيه قال قرّة و ظننت و اللّه انّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال:

فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له لم اسقه و أنا منطلق لأسقيه، فاعتزل ذلك المكان الّذي كان فيه، فو اللّه لو أنّه اطّلعنى على الّذي بريد لخرجت معه الى الحسين (عليه السلام)، فاخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا، فقال له المهاجرين أوس ما تريد يا ابن يزيد تريد أن تحمل فلم يجبه و أخذه مثل الا فكل و هى الرّعدة فقال له المهاجر انّ أمرك لمريب و اللّه ما رأيت منك فى موقف قطّ مثل هذا و لو قيل لى من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك فما هذا الّذي أرى منك.

____________

[1] أمالى الصدوق: 97.

47

فقال له الحرّ: انّى و اللّه اخيّر نفسى بين الجنّة و النار، فو اللّه لا اختار على الجنّة شيئا، و لو قطّعت و حرقت، ثمّ ضرب فرسه و لحق بالحسين (عليه السلام)، فقال له جعلت فداك يا ابن رسول اللّه أنا صاحبك الّذي حبستك عن الرجوع و سايرتك فى الطريق و جعجعت بك فى هذا المكان، و ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم و لا يبلغون منك هذه المنزلة، و اللّه لو علمت أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الّذي ركبت، فانّى تائب إلى اللّه ممّا صنعت فترى لى من ذلك توبة.

فقال له الحسين (عليه السلام) نعم يتوب اللّه عليك فانزل، قال فأنا لك فارسا خير منّى راجلا اقاتلهم لك على فرسى ساعة و إلى النزول آخر ما يصير أمرى، فقال له الحسين (عليه السلام) فاصنع يرحمك اللّه، ما بدا لك، فاستقدم أمام الحسين (عليه السلام)، فقال يا أهل الكوفة لامّكم الهبل و العبر أ دعوتم هذا العبد الصالح، حتّى إذا جاءكم أسلمتموه و زعمتم انّكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه و أمسكتم بنفسه و أخذتم بكظمه و احطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه فى بلاد اللّه العريضة.

فصار كالأسير فى أيديكم لا يملك لنفسه نفعا و لا تدفع عنها ضرّا و جلأتموه و نسائه و صبيته و أهله عن ماء الفرات الجارى يشربه اليهود و النصارى و المجوس و تمرغ فيه خنازير السواد، و كلابه، فها هم قد صرعهم العطش بئس ما خلّفتم محمّدا فى ذرّيته لا سقاكم اللّه يوم الظّماء، فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فاقبل حتّى وقف أمام الحسين (عليه السلام) [1]

. 3- قال ابن شهرآشوب:

فحرّك الحرّ دابّته حتّى استامن الى الحسين و قال له: بأبى و أمّى ما ظننت أنّ الامر ينتهى بهؤلاء القوم إلى ما أرى، فامّا الآن جئتك‏

____________

[1] الارشاد: 218.

48

تائبا و مواسيا لك حتّى أموت بين يديك، أ ترى إلى ذلك توبة قال: نعم يتوب اللّه عليك و يغفر لك. ثمّ برز و هو يرتجز:

إنّى أنا الحرّ و مأوى الضيف‏ * * * أضرب فى أعناقكم بالسيف‏

عن خير من حلّ بلاد الخيف‏ * * * أضربكم و لا أرى من حيف‏

فقتل نيفا و أربعين رجلا [1]

. 4- قال ابن طاوس:

فمضى الحرّ و وقف موقفا من أصحابه و أخذه مثل الافكل، فقال له المهاجر بن أوس: و اللّه إنّ أمرك لمريب، و لو قيل لى من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الّذي أرى منك، فقال و اللّه إنّى أخير نفسى بين الجنّة و النار، فو اللّه لا أختار على الجنّة شيئا، و لو قطعت و احرقت، ثمّ ضرب فرسه قاصدا الى الحسين (عليه السلام) و يده على رأسه هو يقول: اللّهم إليك أنبت، فتب علىّ فقد أرعبت قلوب أوليائك و أولاد بنت نبيّك.

قال للحسين (عليه السلام) جعلت فداك أنا صاحبك الّذي حبسك عن الرجوع و جعجع بك و ما ظننت أنّ القوم يبلغون منك ما أرى و أنا تائب الى اللّه تعالى، فهل ترى لى من توبة، فقال الحسين (عليه السلام): نعم يتوب اللّه عليك فنزل فقال أنا لك فارسا خير منّى لك راجلا و إلى النزول يصير آخر أمرى.

ثمّ قال فاذا كنت أوّل من خرج عليك، فأذن لى أن أكون أوّل قتيل بين يديك لعلّى أكون ممّن يصافح جدّك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) غدا فى القيامة و إنّما أراد أوّل قتيل من الآن، لأنّ جماعة قتلوا قبله، كما ورد، فأذن له فجعل يقاتل أحسن قتال حتّى قتل جماعة من شجعان و أبطال، ثمّ استشهد فحمل الى الحسين (عليه السلام) فجعل يمسح التراب عن وجهه يقول أنت الحرّ كما سمتك أمك حرّا فى الدنيا و الآخرة [2]

.

____________

[1] المناقب: 2/ 216- 217.

[2] اللهوف: 44.

49

5- قال الطبرى: قال أبو مخنف: عن أبى جناب الكلبى، عن عدى بن حرملة، قال:

ثمّ انّ الحرّ بن يزيد لما زحف عمر بن سعد، قال له: أصلحك اللّه! أ مقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إى و اللّه قتالا أيسره أن تسقط الرءوس و تطيح الأيدى قال: أ فما لكم فى واحدة من الخصال الّتي عرض عليكم رضا؟ قال عمر بن سعد، أما و اللّه لو كان الأمر إلىّ لفعلت، و لكنّ أميرك قد أبى ذلك، قال: فأقبل حتّى وقف من الناس موقفا، و معه رجل من قومه يقال له قرّة بن قيس.

فقال: يا قرّة، هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: إنّما تريد أن تسقيه؟

قال: فظننت و اللّه أنه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، و كره أن أراه حين يصنع ذلك، فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت له: لم اسقه، و أنا منطلق فساقيه، قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي، كان فيه، قال: فو اللّه لو أنّه اطلعني على الّذي يريد لخرجت معه إلى الحسين، قال: فأخذ يدنو من حسين قليلا قليلا.

فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا ابن يزيد؟ أ تريد أن تحمل؟ فسكت و أخذه مثل العرواء، فقال له يا ابن يزيد، و اللّه إنّ أمرك لمريب، و اللّه ما رأيت منك فى موقف قطّ مثل شي‏ء أراه الآن، و لو قيل لى: من أشجع أهل الكوفة رجلا ما عدوتك، فما هذا الّذي أرى منك! قال: إنّى و اللّه أخير نفسى بين الجنّة و النار، و و اللّه لا أختار على الجنّة شيئا و لو قطّعت و حرّقت، ثمّ ضرب فرسه فلحق بحسين (عليه السلام).

فقال له: جعلنى اللّه فداك يا ابن رسول اللّه! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، و سائرك فى الطريق، و جعجعت بك فى هذا المكان، و اللّه الّذي لا إله إلّا هو ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبدا، و لا يبلغون منك هذه المنزلة، فقلت فى نفسى: لا أبالى أن أطيع القوم فى بعض أمرهم، و لا يرون أنى خرجت من طاعتهم، و أما هم فيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم.

50

و اللّه لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك، و إنّى قد جئتك تائبا ممّا كان منى إلى ربّى، و مواسيا لك بنفسى حتّى أموت بين يديك، أ فترى ذلك لى توبة؟

قال: نعم، يتوب اللّه عليك، و يغفر لك، ما اسمك؟ قال: أنا الحرّ بن يزيد، قال: أنت الحرّ كما سمّتك أمك، أنت الحرّ ان شاء اللّه فى الدنيا و الآخرة، انزل، قال: أنا لك فارسا خير منّى راجلا، أقاتلهم على فرسى ساعة، و إلى النزول ما يصير آخر أمرى قال الحسين: فاصنع يرحمك اللّه ما بدا لك. فاستقدم أمام أصحابه ثمّ قال:

أيّها القوم، أ لا تقبلون من حسين خصلة من هذه الخصال الّتي عرض عليكم فيعافيكم اللّه من حربه و قتاله؟ قالوا: هذا الأمير عمر بن سعد فكلّمه، فكلّمه بمثل ما كلمه به قبل، و بمثل ما كلّم به أصحابه، قال عمر: قد حرصت، لو وجدت الى ذلك سبيلا فعلت، فقال: يا أهل الكوفة، لامّكم الهبل و العبر إذ دعوتموه حتّى إذا أتاكم أسلمتموه، و زعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه.

ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، و أخذتم بكظمه، و أحطتم به من كلّ جانب، فمنعتموه التوجّه فى بلاد اللّه العريضة حتّى يأمن و يأمن أهل بيته، و أصبح فى أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا، و لا يدفع ضرّا، و حلأتموه و نساءه و صبيته و أصحابه عن ماء الفرات الجارى الذي يشربه اليهودىّ و المجوسىّ و النصرانيّ، و تمرّغ فيه خنازير السواد و كلابه، و ها هم أولاء قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمّدا فى ذرّيته! لا سقاكم اللّه يوم الظماء إن لم تتوبوا و تنزعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا فى ساعتكم هذه، فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل، فأقبل حتّى وقف أمام الحسين [1]

. 6- قال الدينورى:

و انحاز الحرّ بن يزيد الّذي كان جعجع بالحسين إلى‏

____________

[1] تاريخ الطبرى: 5/ 427.

51

الحسين، فقال له: قد كان منّى الّذي كان، و قد أتيتك مواسيا لك بنفسى، أ فترى ذلك لى توبة ممّا كان منّى؟ قال الحسين: نعم، إنّها لك توبة، فابشر، فأنت الحرّ فى الدنيا، و أنت الحرّ فى الآخرة، إن شاء اللّه [1]

. 44- باب شهادة أصحاب الحسين (عليه السلام)

1- قال الشيخ أبو عبد اللّه المفيد:

فصاح عمرو بن الحجّاج بالناس يا حمقاء أ تدرون من تقاتلون تقاتلون فرسان أهل المصر و تقاتلون قوما مستميتين لم يبرز إليهم منكم أحد فانّهم قليل و قلّ ما يبقون، و اللّه لو لم ترموهم إلّا بالحجارة لقتلتموهم، فقال له عمر بن سعد صدقت، الرأى ما رأيت، فأرسل الى الناس من يعزم عليهم أن لا يبارز رجل منكم رجلا منهم.

ثمّ حمل عمرو بن الحجاج و أصحابه على الحسين (عليه السلام)، من نحو الفرات فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي رحمة اللّه عليه، و انصرف عمرو و أصحابه و انقطعت الغبرة فوجدوا مسلما صريعا، فمشى إليه الحسين (عليه السلام)، فاذا به رمق، فقال رحمك اللّه يا مسلم «منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلا» و دنى منه حبيب بن مظاهر، فقال عزّ علىّ مصرعك يا مسلم، ابشر بالجنّة فقال له مسلم قولا ضعيفا بشرك اللّه بخير، فقال له حبيب لو لا أنّى أعلم أنّى فى أثرك من ساعتى هذه لا حببت ان توصينى بكلّ ما اهمّك.

ثمّ تراجع القوم إلى الحسين (عليه السلام) فحمل شمر بن ذى الجوشن فى الميسرة

____________

[1] الاخبار الطوال: 256.

52

على أهل الميسرة فثبتوا له و طاعنوه و حمل على الحسين (عليه السلام) و أصحابه من كلّ جانب، و قاتلهم أصحاب الحسين (عليه السلام) قتالا شديدا، فاخذت خيلهم تحمل، و إنمّا هى اثنان و ثلثون فارسا، فلا تحمل على جانب من خيل الكوفة إلّا كشفته، فلمّا رأى ذلك عروة بن قيس، و هو على خيل أهل الكوفة، بعث الى عمر بن سعد أ ما ترى ما يلقى خيلى هذا اليوم من هذه العدّة اليسيرة، ابعث إليهم الرجال و الرماة فبعث إليهم بالرماة فعقر بالحرّ بن يزيد فرسه و نزل عنه فجعل يقول:

ان تعقرونى فانا ابن الحرّ * * * اشجع من ذى لبد هزبر

ضربهم بسيفه فتكاثروا عليه فاشترك فى قتله أيّوب بن مسرح و رجل آخر من فرسان أهل الكوفة و قاتل أصحاب الحسين (عليه السلام) القوم أشدّ قتال حتّى انتصف النهار، فلمّا رأى الحصين بن نمير و كان على الرماة صبر أصحاب الحسين (عليه السلام)، تقدّم إلى أصحابه و كانوا خمسمائة نابل ان يرشقوا أصحاب الحسين (عليه السلام) بالنبل فرشقوهم، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم و جرحوا الرجال و أرجلوهم، و اشتدّ القتال بينهم ساعة و جاءهم شمر بن ذى الجوشن فى أصحابه.

فحمل عليهم زهير بن القين فى عشرة رجال من أصحاب الحسين (عليه السلام) فكشفوهم عن البيوت و عطف عليهم شمر بن ذى الجوشن فقتل من القوم و ردّ الباقين إلى مواضعهم، و كان القتل بيّن فى أصحاب الحسين (عليه السلام) لقلّة عددهم، و لا تبيّن فى أصحاب عمر بن سعد، لكثرتهم و اشتدّ القتال و التحم و كثر القتل و الجراح فى أصحاب أبى عبد اللّه الحسين (عليه السلام)، الى أن زالت الشمس فصلّى الحسين (عليه السلام) بأصحابه صلاة الخوف [1]

. 2- قال الطبرسى:

ثمّ حمل عمرو بن الحجّاج بأصحابه على أصحاب الحسين‏

____________

[1] الارشاد 221.