مسند الإمام الكاظم أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) - ج1

- عزيز الله عطاردي‏ المزيد...
521 /
1

الجزء الأول‏

[كتاب أحواله الشخصية و فضائله و مناقبه (عليه السلام)‏]

- 1- «باب ولادته (عليه السلام)»

1- احمد بن ابي عبد اللّه البرقي (رضوان اللّه عليه): عن الوشاء، عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

حججنا مع ابي عبد اللّه (عليه السلام) في السنة التي ولد فيها ولده موسى (عليه السلام) فلمّا نزلنا الابواء وضع لنا الغداء و كان اذا وضع الطعام لاصحابه اكثره و أطابه، قال فبينا نحن نأكل اذا أتاه رسول حميدة.

فقال: إن حميدة تقول لك اني قد انكرت نفسي و قد وجدت ما كنت أجد اذا حضرتني ولادتي، و قد امرتني ان لا اسبقك بابني هذا، قال: فقام ابو عبد اللّه (عليه السلام) فانطلق مع الرّسول فلمّا انطلق قال له اصحابه: سرّك اللّه و جعلنا فداك ما صنعت حميدة؟ قال: قد سلمها اللّه و قد وهب لي غلاما و هو خير من برأ اللّه في خلقه، و لقد اخبرتني حميدة ظننت أني لا أعرفه، و لقد كنت اعلم به منها، فقلت: و ما اخبرتك به حميدة عنه؟

فقال: ذكرت انّه لمّا سقط من بطنها واضعا يده على الأرض، رافعا رأسه الى السّماء، فأخبرتها أنّ تلك امارة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و امارة الوصي من بعده، فقلت: و ما هذا من علامة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و علامة الوصي من بعده؟

فقال: يا ابا محمد إنّه لمّا أن كانت الليلة التي علقت فيها بابني هذا المولود أتاني آت فسقاني كما سقاهم، و أمرني بمثل الذي أمرهم به.

فقمت بعلم اللّه مسرورا بمعرفتي ما يهب اللّه لي فجامعت فعلقت بابني هذا المولود، فدونكم فهو و اللّه صاحبكم من بعدي، إنّ نطفة الإمام ممّا اخبرتك فانّه اذا سكنت النطفة في الرّحم أربعة أشهر و أنشأ فيه الروح، بعث اللّه تبارك و تعالى إليه ملكا يقال له‏

2

«حيوان» يكتب في عضده الأيمن‏

«وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ»

.

فاذا وقع من بطن أمه وقع واضعا يديه على الارض رافعا رأسه الى السماء، فلمّا وضع يده على الارض فان مناديا يناديه من بطنان العرش من قبل رب العزة من الافق الأعلى باسمه و اسم ابيه، يا فلان بن فلان اثبت مليّا لعظيم خلقتك، أنت صفوتي من خلقي، و موضع سري، و عيبة علمي، و أميني على وحيي، و خليفتي في أرضي، و لمن تولاك اوجبت رحمتي، و منحت جناني، و أحللت جواري.

ثمّ و عزتي لاصلين من عاداك اشدّ عذابي، و ان اوسعت عليهم في الدنيا من سعة رزقي، قال: فاذا انقضي صوت المنادي اجابه هو و هو واضع يده على الارض رافعا رأسه الى السماء، و يقول‏

«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»

فاذا قال ذلك أعطاه اللّه العلم الاول و العلم الآخر، و استحق زيارة الروح في ليلة القدر.

قلت: و الروح ليس هو جبرئيل؟ قال: لا، الروح خلق أعظم من جبرئيل، إن جبرئيل من الملائكة و إن الروح خلق أعظم من الملائكة، أ ليس يقول اللّه تبارك و تعالى:

«تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ»

[1]

. 2- البرقي: عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس و داود بن رزين، عن منهال القصاب قال:

خرجت من مكة و أريد المدينة فمررت بالابواء و قد ولد لأبي عبد اللّه موسى (عليه السلام) فسبقته الى المدينة و دخل بعدي بيوم، فاطعم الناس ثلاثا، فكنت آكل فيمن ياكل، فما آكل شيئا الى الغد حتى أعود فآكل، فمكثت بذلك ثلاثا، اطعم حتى أرتفق ثمّ لا اطعم شيئا الى الغد [2]

. 3- قال الكليني (رحمه الله):

ولد ابو الحسن موسى (عليه السلام) بالابواء سنة ثمان و عشرين و مائة و قال بعضهم: تسع و عشرين و مائة و قبض (عليه السلام) لست خلون من رجب من سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و هو ابن اربع أو خمس و خمسين سنة و قبض‏

____________

[1] المحاسن: 314.

[2] المحاسن: 418.

3

(عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك.

و كان هارون حمله من المدينة لعشر ليال بقين من شوّال سنة تسع و سبعين و مائة و قد قدم هارون المدينة منصرف من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون الى الحج و حمله معه، ثمّ انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر، ثمّ أشخصه الى بغداد، فحبسه عند السندي بن شاهك فتوفي (عليه السلام) في حبسه و دفن ببغداد في مقبرة قريش و امّه أمّ ولد يقال لها: حميدة [1]

. 4- قال المفيد (رضوان اللّه عليه):

كان مولده (عليه السلام) بالابواء سنة ثمان و عشرين و مائة [2]

. 5- قال الطبرسي (رحمه الله):

ولد (عليه السلام) بالابواء منزل بين مكة و المدينة لسبع خلون من صفر سنة ثمان و عشرين و مائة [3]

. 6- قال الاربلي:

امّا ولادته فبالابواء سنة ثمان و عشرين و مائة من الهجرة، و قيل تسع و عشرين و مائة [4]

. 7- قال ابو نصر البخاري:

ابو ابراهيم الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) ولد سنة ثمان و عشرين و مائة، امّه أمّ ولد يقال لها: حميدة المغربية [5]

. 8- قال العلامة المجلسي (رحمه الله) نقلا عن البصائر: احمد بن الحسين، عن المختار ابن زياد، عن ابي جعفر محمد بن سليم عن أبيه، عن ابي بصير قال:

كنت مع ابي عبد اللّه (عليه السلام) في السنة التي ولد فيها ابنه موسى (عليه السلام) فلمّا نزلنا الابواء وضع لنا ابو عبد اللّه (عليه السلام) الغداء و لاصحابه و اكثره و اطابه، فبينا نحن نتغدّى اذ أتاه رسول حميدة أن الطلق قد ضربني، و قد امرتني ان لا اسبقك بابنك هذا.

فقام أبو عبد اللّه فرحا مسرورا، فلم يلبث أن عاد إلينا، حاسرا عن ذراعيه ضاحكا هنّه فقلنا: أضحك اللّه سنّك، و اقرّ عينك، ما صنعت حميدة؟ فقال: وهب اللّه لي‏

____________

[1] الكافي: 1/ 476.

[2] الارشاد: 269.

[3] اعلام الورى: 286.

[4] كشف الغمة: 2/ 212.

[5] سر السلسلة العلوية: 36.

4

غلاما، و هو خير من برأ اللّه، و لقد خبرتني عنه بأمر كنت اعلم به منها، قلت: جعلت فداك و ما خبرتك عنه حميدة؟ قال: ذكرت أنه لمّا وقع من بطنها وقع واضعا يديه على الارض رافعا رأسه الى السماء، فاخبرتها أنّ تلك أمارة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمارة الامام من بعده.

فقلت: جعلت فداك و ما تلك من علامة الامام؟ فقال: إنّه لمّا كان في الليلة التي علق بجدّي فيها أتى آت جدّ ابي و هو راقد، فاتاه بكأس فيها شرية أرق من الماء، و ابيض من اللبن و ألين من الزبد، و أحلى من الشهد، و أبرد من الثلج فسقاه اياه و امره بالجماع، فقام فرحا مسرورا فجامع فعلق فيها بجدّي، و لمّا كان في الليلة التي علق فيها بأبي أتى آت جدي فسقاه كما سقا جدّ أبي و امره بالجماع فقام فرحا مسرورا فجامع فعلق بأبي.

و لمّا كان في الليلة التي علق بي فيها، أتى آت أبي فسقاه و امره كما أمرهم، فقام فرحا مسرورا فجامع فعلق بي، و لمّا كان في الليلة التي علق فيها بابني هذا، أتاني آت كما أتى جد أبي و جدّي و أبي فسقاني كما سقاهم، و أمرني كما أمرهم، فقمت فرحا مسرورا بعلم اللّه بما وهب لي، فجامعت فعلق بابني هذا المولود، فدونكم فهو و اللّه صاحبكم من بعدي [1]

. 9- قال الخطيب:

موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، ابو الحسن الهاشمي يقال إنه ولد بالمدينة في سنة ثمان و عشرين- و قيل تسع و عشرين- و مائة [2]

. 10- قال ابن خلكان:

أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب (رضي الله عنهم) احد الائمة الاثنى عشر (رضي الله عنهم اجمعين) كانت ولادته يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجر سنة تسع و عشرين و مائة، و قال الخطيب: سنة ثمان و عشرين بالمدينة [3]

.

____________

[1] البحار: 48/ 2.

[2] تاريخ بغداد: 13/ 27.

[3] وفيات الاعيان: 4/ 395.

5

- 2- «باب اسمائه و القابه (عليه السلام) و نقش خاتمه»

1- قال الكليني:

و نقش خاتم ابي الحسن (عليه السلام)

«حَسْبِيَ اللَّهُ»*

و فيه وردة و هلال في أعلاه و عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام): و نقش خاتم ابي‏

«حَسْبِيَ اللَّهُ»*

و هو الذي كنت أتختم به [1]

. 2- قال الصدوق: حدّثنا علي بن عبد اللّه الوراق (رضي الله عنه) قال: حدّثنا سعد ابن عبد اللّه، قال: حدثنا أحمد بن ابي عبد اللّه البرقي، عن ابيه، عن ربيع بن عبد الرحمن، قال:

كان و اللّه موسى بن جعفر (عليهما السلام) من المتوسمين يعلم من يقف عليه بعد موته و يجحد الامام بعد امامته فكان يكظم غيظه عليهم و لا يبدي لهم ما يعرفه منهم فسمي الكاظم لذلك [2]

. 3- روى الصدوق بسنده عن الرضا (عليه السلام) انه قال:

كان نقش خاتم أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)

«حَسْبِيَ اللَّهُ»*

قال الحسين بن خالد: و بسط ابو الحسن الرضا (عليه السلام) كفّه و خاتم ابيه في اصبعه حتى أراني النقش [3]

. 4- قال ابن شهرآشوب:

موسى بن جعفر الكاظم الامام العالم كنيته أبو الحسن الاول، و ابو الحسن الماضي، و ابو ابراهيم، و ابو علي و يعرف بالعبد الصالح و النفس الزكية و زين المجتهدين و الوفي و الصابر و الامين و الزاهر و سمي بذلك لانه زهر باخلاقه الشريفة و كرمه المضي‏ء التام و سمي الكاظم لما كظمه من الغيظ و غضّ بصره عمّا فعله الظالمون به حتى مضى قتيلا في حبسهم.

و الكاظم الممتلي خوفا و حزنا و من كظم قربته اذا شد رأسها و الكاظمة البئر الضيقة

____________

[1] الكافي: 6/ 473.

[2] عيون الاخبار: 1/ 112.

[3] عيون الاخبار: 2/ 56.

6

و السقائقة المملوءة، و قال الربيع بن عبد الرحمن: كان و اللّه من المتوسمين فيعلم من يقف عليه بعد موته و يكظم غيظه عليهم و لا يبدي لهم ما يعرفه منهم و لذلك سمي الكاظم و كان (عليه السلام) ازهر الا في الغيظ لحرارة مزاجه ربع تمام خضر حالك كثّ اللحية [1]

. 5- قال الشيخ المفيد:

كان يكنّى ابا ابراهيم و أبا الحسن و أبا علي و يعرف بالعبد الصالح و ينعت أيضا بالكاظم (عليه السلام) [2]

. 6- قال الاربلي:

و امّا اسمه فموسى و كنيته ابو الحسن، و قيل ابو اسماعيل و كان له القاب متعددة، الكاظم و هو اشهرها، و الصابر، و الصالح، و الامين [3]

. 7- قال ابن الصباغ المالكي:

امّا كنيته فابو الحسن، و القابه كثيرة اشهرها الكاظم، ثم الصابر، و الصالح، و الأمين، صفته أسمر عميق [4]

. 8- قال الگنجي الشافعي:

كان يسمى بالعبد الصالح و يعرف في العراق بباب الحوائج الى اللّه لنجح المطالب المتوسلين الى اللّه تعالى به كراماته تحار منه العقول و تقضى بان له عند اللّه تعالى قدم صدق لا تزل و لا تزول و اما اسمه فموسى و كنيته ابو الحسن و قيل ابو اسماعيل و كان له القاب كثيرة الكاظم و هو اشهرها، و الصابر، و الصالح، و الامين [5]

. 9- قال الزبيدي:

و الكاظم الساكت لقب الامام موسى بن جعفر الصادق رضي اللّه تعالى عنهما [6]

.

____________

[1] المناقب: 2/ 382.

[2] الارشاد: 270.

[3] كشف الغمة: 2/ 212.

[4] الفصول المهمة: 214.

[5] مطالب السؤل: 83.

[6] تاج العروس: 9/ 48.

7

- 3- «باب امامته و النصوص عليه (عليه السلام)»

1- قال الكليني (رضوان اللّه عليه): احمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن عبد اللّه القلا، عن الفيض بن المختار قال:

قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام): خذ بيدي من النار من لنا بعدك؟ فدخل عليه ابو ابراهيم (عليه السلام)، و هو يومئذ غلام، فقال: هذا صاحبكم، فتمسّك به [1]

. 2- عنه قال عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن ابي ايوب الخزاز، عن ثبيت، عن معاذ بن كثير، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قلت له:

اسأل اللّه الذي رزق اباك منك هذه المنزلة ان يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها، فقال: قد فعل اللّه ذلك. قال: قلت: من هو جعلت فداك؟ فاشار الى العبد الصالح و هو راقد فقال: هذا الراقد و هو غلام [2]

. 3- عنه بهذا الاسناد، عن احمد بن محمد قال: حدّثني ابو علي الارجاني الفارسي، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال:

سالت عبد الرحمن في السنة التي اخذ فيها ابو الحسن الماضي (عليه السلام) فقلت له: ان هذا الرجل قد صار في يد هذا و ما ندري الى ما يصير فهل بلغك عنه في احد من ولده شي‏ء؟ فقال لي: ما ظننت ان احدا يسألني عن هذه المسألة، دخلت على جعفر بن محمد في منزله فاذا هو في بيت كذا في داره في مسجد له و هو يدعو، و على يمينه موسى بن جعفر (عليه السلام) يؤمن على دعائه فقلت له: جعلني اللّه فداك قد عرفت انقطاعي إليك و خدمتي لك، فمن وليّ الناس بعدك؟ فقال: إن موسى قد لبس الدرع و ساوى عليه فقلت له: لا احتاج بعد هذا الى شي‏ء [3]

.

____________

[1] الكافي: 1/ 307.

[2] الكافي: 1/ 308.

[3] الكافي: 1/ 308.

8

4- عنه عن احمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن موسى الصيقل، عن المفضل ابن عمر قال:

كنت عند ابي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل ابو ابراهيم (عليه السلام) و هو غلام، فقال: استوص به، وضع امره عند من تثق به من أصحابك [1]

. 5- عنه عن احمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن يعقوب بن جعفر الجعفري قال: حدّثني اسحاق بن جعفر قال:

كنت عند أبي يوما، فسأله علي بن عمر بن علي فقال: جعلت فداك الى من نفزع و يفزع الناس بعدك؟ فقال: إلى صاحب الثوبين الاصفرين و الغديرتين- يعني الذؤابتين- و هو الطالع عليك من هذا الباب، يفتح البابين بيده جميعا، فما لبثنا ان طلعت علينا كفّان آخذة بالبابين ففتحهما ثم دخل علينا ابو ابراهيم [2]

. 6- عنه عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابى نجران، عن صفوان الجمال، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

قال له منصور بن حازم: بأبي أنت و أمي إنّ الا نفس يغدا عليها و يراح، فاذا كان ذلك. فمن؟ فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): اذا كان ذلك فهو صاحبكم، و ضرب بيده على منكب أبي الحسن (عليه السلام) الايمن- في ما أعلم- و هو يومئذ خماسي و عبد اللّه بن جعفر جالس معنا [3]

. 7- عنه عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن ابي نجران، عن عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن علي بن ابي طالب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له:

إن كان كون- و لا اراني اللّه ذلك- فبمن آتمّ؟ قال:

فأومأ الى ابنه موسى (عليه السلام). قلت: فان حدث بموسى حدث فبمن آتمّ؟ قال:

بولده. قلت: فإن حدث و ترك أخا كبيرا و ابنا صغيرا فبمن آتمّ؟ قال: بولده، ثم قال: هكذا ابدا، قلت: فإن لم أعرفه و لا أعرف موضعه؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الامام الماضي، فانّ ذلك يجزيك إن شاء اللّه [4]

. 8- عنه عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن عبد اللّه القلا، عن المفضل بن‏

____________

[1] الكافي: 1/ 308.

[2] الكافي: 1/ 308.

[3] الكافي: 1/ 309.

[4] الكافي: 1/ 309.

9

عمر قال:

ذكر ابو عبد اللّه (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام)- و هو يومئذ غلام- فقال: هذا المولود الذي لم يولد فينا مولود اعظم بركة على شيعتنا منه ثم قال لي:

لا تجفوا اسماعيل [1]

. 9- عنه عن محمد بن يحيى و احمد بن ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن الحسن ابن الحسين، عن احمد بن الحسن الميثمي، عن فيض بن المختار

في حديث طويل في أمر أبي الحسن (عليه السلام) حتى قال له ابو عبد اللّه (عليه السلام): هو صاحبك الذي سألت عنه، فقم إليه فاقرّ له بحقّه، فقمت حتى قبّلت رأسه و يده و دعوت اللّه عزّ و جلّ له، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): أما انه لم يؤذن لنا في اول منك، قال: قلت: جعلت فداك فأخبر به احدا؟

فقال: نعم أهلك و ولدك، و كان معي أهلي و ولدي و رفقائي و كان يونس بن ظبيان من رفقائي، فلمّا اخبرتهم حمدوا اللّه عز و جل و قال يونس: لا و اللّه حتى أسمع ذلك منه و كانت به عجلة، فخرج فاتبعته، فلما انتهيت الى الباب، سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) يقول له:- و قد سبقني إليه- يا يونس الامر كما قال لك فيض. قال:

فقال: سمعت و أطعت، فقال لي ابو عبد اللّه (عليه السلام): خذه إليك يا فيض [2]

. 10- عنه عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن فضيل، عن طاهر، عن أبي عبد اللّه قال:

كان ابو عبد اللّه (عليه السلام) يلوم عبد اللّه و يعاتبه و يعظه و يقول: ما منعك أن تكون مثل اخيك، فو اللّه إني لأعرف النور في وجهه، فقال عبد اللّه: لم، أ ليس أبي و أبوه واحدا و أمي و أمه واحدة؟ فقال له ابو عبد اللّه: إنّه من نفسي و أنت ابني [3]

. 11- عنه عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن محمد بن سنان، عن يعقوب السراج قال:

دخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) و هو واقف على رأس ابي الحسن موسى و هو في المهد، فجعل يسارّه طويلا، فجلست حتى فرغ، فقمت‏

____________

[1] الكافي: 1/ 309.

[2] الكافي: 1/ 309.

[3] الكافي: 1/ 310.

10

إليه فقال لي: ادن من مولاك فسلّم، فدنوت فسلمت عليه فردّ عليّ السلام بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغير اسم ابنتك التي سمّيتها أمس، فانّه اسم يبغضه اللّه، و كان ولدت لي ابنة سمّيتها بالحميراء. فقال ابو عبد اللّه: انته الى أمره ترشد، فغيّرت اسمها [1]

. 12- عنه عن أحمد بن ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد قال:

دعا ابو عبد اللّه (عليه السلام) أبا الحسن (عليه السلام) يوما و نحن عنده فقال لنا: عليكم بهذا، فهو و اللّه صاحبكم بعدي [2]

. 13- عنه عن علي بن محمد، عن سهل أو غيره، عن محمد بن الوليد، عن يونس، عن داود بن زربي، عن ابي ايوب النحوي قال:

بعث إليّ ابو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه و هو جالس على كرسي و بين يديه شمعة و في يده كتاب، قال: فلمّا سلمت عليه رمى بالكتاب إليّ و هو يبكي فقال لي: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمد قد مات.

فانّا للّه و انا إليه راجعون- ثلاثا- و أين مثل جعفر؟ ثم قال لي: اكتب، قال:

فكتبت صدر الكتاب، ثم قال: اكتب إن كان أوصي إلى رجل واحد بعينه فقدمه و اضرب عنقه قال: فرجع إليه الجواب، أنه قد اوصي إلى خمسة واحدهم ابو جعفر المنصور و محمد بن سليمان و عبد اللّه و موسى و حميدة [3]

. 14- عنه عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن النضر بن سويد

بنحو من هذا إلّا أنه ذكر أنه أوصى الى ابي جعفر المنصور و عبد اللّه و موسى و محمد بن جعفر و مولى لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: فقال ابو جعفر: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل [4]

. 15- عنه عن الحسين بن محمد، عن معلي بن محمد، عن الوشاء، عن علي بن الحسين، عن صفوان الجمال قال: سألت ابا عبد اللّه (عليه السلام) عن صاحب هذا الامر فقال:

ان صاحب هذا الامر لا يلهو و لا يلعب، و اقبل أبو الحسن موسى و هو صغير و معه‏

____________

[1] الكافي: 1/ 310.

[2] الكافي: 1/ 310.

[3] الكافي: 1/ 310.

[4] الكافي: 1/ 310.

11

عناق مكّيّة و هو يقول لها: اسجدي لربّك- فأخذه أبو عبد اللّه (عليهما السلام) و ضمّه إليه و قال: بأبي و أمي من لا يلهو و لا يلعب [1]

. 16- عنه عن علي بن محمد، عن بعض اصحابنا، عن عيسى بن هشام قال:

حدثني عمر الرماني، عن فيض بن المختار قال:

اني لعند ابي عبد اللّه (عليه السلام) اذا أقبل ابو الحسن موسى (عليه السلام)- و هو غلام- فالتزمته و قبّلته فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): انتم السفينة و هذا ملاحها، قال: فحججت من قابل و معي الفا دينار فبعثت بألف الى ابي عبد اللّه (عليه السلام) و ألف إليه، فلمّا دخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يا فيض عدلته بي؟ قلت إنّما فعلت ذلك لقولك، فقال: أما و اللّه ما أنا فعلت ذلك. بل اللّه عز و جل فعله به [2]

. 17- روى زيد النرسي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

اني ناجيت اللّه و نازلته في إسماعيل ابني ان يكون بعدي فأبى ربي الّا ان يكون موسى ابني [3]

. 18- عنه عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

ان شيطانا قد ولع بابني إسماعيل يتصور في صورته ليفتن به الناس و انه لا يتصور في صورة نبيّ و لا وصيّ فمن قال لك من الناس ان إسماعيل ابني حيّ لم يمت فانّما ذلك الشيطان تمثل له في صورة إسماعيل ما زلت ابتهل الى اللّه عز و جل في إسماعيل ابني ان يحييه لي و يكون القيم من بعدي فابى ربي ذلك و ان هذا شي‏ء ليس الى الرجل منا يضعه حيث يشاء و إنمّا ذلك عهد من اللّه عز و جل بعهده الى من يشاء شاء اللّه ان يكون ابني موسى و أبى ان يكون إسماعيل و لو جهد الشيطان ان يتمثل بابني موسى ما قدر على ذلك أبدا و الحمد للّه [4]

. 19- روى عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن الحسن بن ظريف عن ابيه ظريف بن ناصح قال:

كنت مع الحسين بن زيد و معه ابنه المسمى بعلي اذ مرّ بنا ابو الحسن موسى ابن جعفر صلّى اللّه عليه فسلّم ثم جاز، فقلت: جعلت فداك يعرف موسى قائم آل محمد قال: فقال لي: ان يكن احد يعرفه فهو، ثم قال: و كيف لا يعرفه و عنده خط علي بن‏

____________

[1] الكافي: 1/ 311.

[2] الكافي: 1/ 311.

[3] اصل زيد النرسي: ق 39.

[3] اصل زيد النرسي: ق 39.

12

أبي طالب و املاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له ابنه: كيف لم يكن ذاك عند ابي زيد بن علي.

فقال: يا بني ان علي بن الحسين (عليه السلام) و محمد بن علي سيد الناس و امامهم فلزم يا بنيّ اباك زيدا أخاه فتادّب بادبه و تفقّه بفقهه، قال: فقلت: فأراه يا أبة ان حدث بموسى يوصي الى أحد من اخوته؟ قال: لا و اللّه لا يوصي الّا الى ابنه أ ما ترى اي بني هؤلاء الخلفاء لا يجعلون الخلافة الا في أولادهم [1]

. 20- عنه عن محمد بن الحسين عن صفوان بن يحيى عن عيسى شلقان قال:

دخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) و انا اريد ان أسأله عن ابي الخطاب فقال لي مبتدئا قبل ان اجلس: يا عيسى ما منعك ان تلقى ابني فتسأله عن جميع ما تريد؟ قال عيسى: فذهبت الى العبد الصالح (عليه السلام) و هو قاعد في الكتّاب و على شفتيه اثر المداد، فقال لي مبتدئا: يا عيسى ان اللّه تبارك و تعالى اخذ ميثاق النبيين على النبوّة فلم يتحولوا عنها ابدا و أخذ ميثاق الوصيين على الوصية فلم يتحوّلوا عنها ابدا و اعار قوما الايمان زمانا ثم سلبهم ايّاه.

ان ابا الخطاب ممن اعير الايمان و سلبه اللّه، فضممته إليّ و قبّلت بين عينيه ثم قلت:

بأبي أنت و أمي‏

«ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»

ثم رجعت الى ابي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال لي: ما صنعت يا عيسى؟ فقلت له: بأبي أنت و أمي أتيته فاخبرني مبتدئا من غير أن اسأله عن جميع ما اردت ان اسأله عنه فعملت و اللّه عند ذلك انه صاحب هذا الامر، فقال يا عيسى ان ابني هذا الذي رأيت لو سألته عما بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم، ثم اخرجه ذلك اليوم من الكتّاب فعلمت ذلك اليوم انه صاحب هذا الامر [2]

. 21- قال الشيخ الصدوق (رضوان اللّه عليه): حدثنا علي بن أحمد بن محمد الدقاق (رضي الله عنه) قال: حدثنا محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي،

____________

[1] قرب الاسناد: 132.

[2] قرب الاسناد: 143 و الدلائل: 164.

13

عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن المفضل بن عمر قال:

دخلت على سيدي جعفر بن محمد (عليهما السلام)، فقلت: يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي:

يا مفضل الامام من بعدي ابني موسى و الخلف المأمول المنتظر «م ح م د» ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى [1]

. 22- عنه قال: حدثنا علي بن أحمد بن عبد اللّه بن احمد بن ابي عبد اللّه البرقي قال:

حدثنا ابي، عن جدي احمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه محمد بن خالد، عن محمد بن سنان، و أبي علي الزراد، جميعا، عن ابراهيم الكرخي‏

قال: دخلت على ابي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) و إني لجالس عنده اذ دخل ابو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، و هو غلام، فقمت إليه فقبلته و جلست فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): يا ابا ابراهيم أما إنه [ل] صاحبك من بعدي، أما ليهلكن فيه أقوام و يسعد [فيه‏] آخرون.

فلعن اللّه قاتله و ضاعف على روحه العذاب، أما ليخرجن اللّه من صلبه خير اهل الارض في زمانه، سمي جدّه، و وارث علمه و أحكامه و فضائله [و] معدن الامامة، و رأس الحكمة، يقتله جبار بني فلان، بعد عجائب طريقة حسدا له، و لكن اللّه [عزّ و جلّ‏] بالغ امره و لو كره المشركون، يخرج اللّه من صلبه تكملة أثنى عشر اماما مهديّا، اختصهم اللّه بكرامته و أحلّهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يذبّ عنه [2]

. 23- عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي، عن زكريا بن آدم، عن داود بن كثير، قال: قلت لأبي عبد اللّه:

جعلت فداك و قدمني للموت [3] قبلك ان كان كون فإلى من؟ قال: الى ابني موسى، فكان ذلك الكون فو اللّه ما شككت في موسى (عليه السلام) طرفة عين قطّ، ثم مكثت نحوا من ثلاثين سنة، ثم‏

____________

[1] كمال الدين: 334.

[2] كمال الدين: 334.

[3] كذا في الاصل و في الهامش: في بعض النسخ (الموت).

14

أتيت أبا الحسن موسى فقلت له: جعلت فداك ان كان كون فإلى من؟ قال: علي ابني، قال: فكان ذلك الكون، فو اللّه ما شككت في علي (عليه السلام) طرفة عين قطّ [1]

. 24- عنه قال: حدثنا علي بن عبد اللّه الوراق، قال: حدثنا سعد بن عبد اللّه، عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن، عن صفوان بن يحيى، عن أبي ايوب الخزاز، عن سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

أن رجلا من العجلية قال لي: كم عسى أن يبقى لكم هذا الشيخ إنمّا هو سنة أو سنتين حتى يهلك ثم تصيرون ليس لكم احد تنظرون إليه، فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): أ لا قلت له: هذا موسى بن جعفر (عليه السلام) قد ادرك ما يدرك الرجال و قد اشترينا له جارية تباح له، فكانك به إن شاء اللّه و قد ولد له فقيه خلف [2]

. 25- عنه قال: حدثنا أبي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا سعد بن عبد اللّه، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن عبد اللّه بن محمد الحجال، قال: حدثنا سعيد بن أبي الجهم عن نصر بن قابوس، قال: قلت لأبي ابراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام):

اني سألت اباك (عليه السلام) من الذي يكون بعدك؟ فأخبرني انك أنت هو. فلمّا توفي ابو عبد اللّه (عليه السلام) ذهب الناس يمينا و شمالا، و قلت أنا و اصحابي بك فاخبرني من الذي يكون بعدك؟ قال: ابني علي (عليه السلام) [3]

. 26- عنه قال: حدثنا الحاكم ابو علي الحسين بن احمد البيهقي، قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني المبرد، قال: حدثني الرياشي، قال: حدثنا ابو عاصم و رواه عن الرضا (عليه السلام)

، أن موسى بن جعفر (عليه السلام) تكلم يوما بين يدي ابيه (عليه السلام)، فاحسن، فقال له: يا بني الحمد للّه الذي جعلك خلفا من الآباء و سرورا من الابناء و عوضا عن الاصدقاء [4]

. 27- قال الكشي (رحمه الله): جعفر بن احمد عن خلف بن حماد عن موسى بن بكر الواسطي قال: سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول: قال ابي (عليه السلام)

سعد امرئ‏

____________

[1] عيون الاخبار: 1/ 22.

[2] عيون الاخبار: 1/ 29.

[3] المصدر: 1/ 31.

[4] المصدر: 2/ 127.

15

لم يمت حتى يرى منه خلفا تقربه عينه، و قد اراني اللّه عزّ و جل من ابني هذا خلفا- و اشار بيده الى العبد الصالح (عليه السلام)- ما تقر به عيني [1]

. 28- عنه عن محمد بن الحسن قال: حدثني ابو علي قال: حدثنا محمد بن الصباح قال: حدثنا إسماعيل بن عامر عن ابان، عن حبيب الخثعمي، عن ابن ابي يعفور قال:

كنت عند الصادق (عليه السلام) اذ دخل عليه موسى (عليه السلام) فجلس فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام): يا ابن ابي يعفور هذا خير ولدي و أحبّهم إليّ، غير ان اللّه عز و جل يضل قوما من شيعتنا فانهم قوم لا خلاق لهم في الآخرة و لا يكلمهم اللّه يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم.

قلت: جعلت فداك قد زاغت [2] قلبي عن هؤلاء. قال: يضل به قوم من شيعتنا بعد موته جزعا عليه فيقولون: لم يمت، و ينكرون الائمة من بعده و يدعون الشيعة الى ضلالتهم، و في ذلك ابطال حقوقنا و هدم دين اللّه، يا ابن ابي يعفور و اللّه و رسوله منهم برى‏ء و نحن منهم براء [3]

. 29- عنه عن جعفر بن احمد بن ايوب عن احمد بن الحسن الميثمي عن ابي نجيح عن الفيض بن المختار، و عنه عن علي بن اسماعيل عن ابي نجيح عن الفيض قال: قلت لأبي عبد اللّه:

جعلت فداك ما تقول في الارض اتقبلها من السلطان ثم اؤاجرها آخرين على ان ما اخرج اللّه منها من شي‏ء كان من ذلك النصف أو الثلث أو اقل من ذلك او اكثر؟ قال: لا بأس.

قال له اسماعيل ابنه: يا ابة لم تحفظ قال: فقال يا بني او ليس كذلك اعامل اكرتي، ان كثيرا ما اقول الزمني فلا تفعل. فقام اسماعيل فخرج فقلت: جعلت فداك و ما على اسماعيل ألّا يلزمك اذا كنت افضت إليه الاشياء من بعدك كما افضت إليك بعد ابيك. قال: فقال يا فيض ان اسماعيل ليس كأنا من أبي.

قلت: جعلت فداك فقد كنا لا نشك ان الرجال ينحط [4] إليه من بعدك، و قد قلت‏

____________

[1] رجال الكشي: 371.

[2] في الاصل المنقول منه: ازغت قلبي.

[3] رجال الكشي: 392.

[4] كذا و الظاهر ان الرجال ينحط.

16

فيه ما قلت فان كان ما يخاف و اسأل اللّه العافية فالى من؟ قال: فامسك عني، فقبلت ركبتيه و قلت: ارحم سيدي فانما هي النار، اني و اللّه لو طمعت ان اموت قبلك لما باليت و لكني اخاف البقاء بعدك. فقال لي: مكانك، ثم قام الى ستر في البيت فرفعه فدخل ثم مكث قليلا.

ثم صاح: يا فيض ادخل، فدخلت فاذا هو في المسجد قد صلّى فيه و انحرف عن القبلة فجلست بين يديه، فدخل إليه ابو الحسن (عليه السلام) و هو يومئذ خماسي و في يده درة فاقعده على فخذه فقال له: بأبي أنت و أمي ما هذه المخفقة بيدك؟ قال: مررت بعلي اخي و هي في يده فضرب بها بهيمة فانتزعتها من يده.

فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) يا فيض ان رسول اللّه افضت إليه صحف ابراهيم و موسى (عليهما السلام) فأتمن عليها رسول اللّه عليا، و اتمن عليها على الحسن، و اتمن عليها الحسن الحسين، و اتمن عليها الحسين علي بن الحسين، و أتمن عليها علي بن الحسين محمد بن علي، و أتمتنى عليها ابي، و كانت عندي و لقد ائتمنت عليها ابني هذا على حداثته و هي عنده، فعرفت ما اراد فقلت له: جعلت فداك زدني.

قال: يا فيض ان ابي كان اذا أراد الا ترد له دعوة اقعدني على يمينه فدعا فأمنت فلا ترد له دعوة كذلك اصنع بابني هذا، و لقد ذكرناك امس بالموقف فذكرناك بخير، فقلت له: يا سيدي زدني قال: يا فيض ان ابي كان اذا سافر و انا معه فنعس و هو على راحلته ادنيت راحلتي من راحلته فوسدته ذراعي الميل و الميلين حتى يقضي وطره من النوم، و كذلك يصنع بي ابني هذا. قال: قلت جعلت فداك زدني.

قال: اني لأجد بابني هذا ما كان يجد يعقوب بيوسف. قلت: يا سيدي زدني.

قال: هو صاحبك الذي سألت عنه فأقر له بحقه، فقمت حتى قبلت رأسه و دعوت اللّه له. فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام) اما انه لم يؤذن له في امرك منك. قلت: جعلت فداك اخبر به احدا؟ قال: نعم اهلك و ولدك و رفقاك، و كان معي اهلي و ولدي و يونس بن ظبيان من رفقائي.

فلما اخبرتهم حمدوا اللّه على ذلك كثيرا. و قال يونس لا و اللّه حتى اسمع ذلك منه‏

17

و كانت فيه عجلة فخرج فاتبعت فلما انتهيت الى الباب سمعت ابا عبد اللّه (عليه السلام) قد سبقني و قال: الأمر كما قال لك الفيض. قال: سمعت و اطعت [1]

. 30- قال ابو جعفر الطبري الامامي: حدثني ابو المفضل محمد بن عبد اللّه، قال:

حدثني ابو النجم بدر بن الطبرستاني، قال: حدثني ابو جعفر محمد بن علي الشلمغاني رفعه الى يعقوب السراج قال:

دخلت على ابي عبد اللّه و هو واقف على ابي الحسن و هو في المهد فجعل يساره طويلا فلمّا فرغ قال لي: ادن فسلّم على مولاك فدنوت فسلمت عليه، ثم قال لي: امضي فغير اسم ابنتك، و كنت قد سميتها باسم الحميراء فغيرته [2]

. 31- عنه قال: روى الحسن، قال: اخبرنا احمد، قال: حدثنا محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد، عن الحسن، عن ابيه، عن ابي بصير، قال: سمعت العبد الصالح يقول:

لما حضر أبي الموت قال: يا بني لا يلي غسلي غيرك، فإني غسلت أبي و غسل أبي أباه و الحجة يغسل الحجة، قال: فكنت أنا الذي غمضت أبي و كفنته و دفنته بيدي.

فقال: يا بني ان عبد اللّه أخاك يدعي الامامة بعدي فدعه و هو اول من يلحق بي من أهلي، فلما مضى ابو عبد اللّه أرخى ابو الحسن ستره و دعا عبد اللّه الى نفسه. قال ابو بصير: جعلت فداك ما بالك و حججت العام و نحره [3] عبد اللّه جزورا؟ قال: ان نوحا لما ركب السفينة و حمل فيها من كل زوجين اثنين حمل كل شي‏ء إلا ولد الزنا فانه لم يحمله و قد كانت السفينة مأمورة فحج نوح فيها و قضي مناسكه.

قال ابو بصير: فظننت انه عرض بنفسه و قال: امّا ان عبد اللّه لا يعيش اكثر من سنة فذهب اصحابه حتى انقضت، قال: في هذه فيها يموت، قال: فمات في تلك السنة [4]

. 32- قال النعماني: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال:

حدثنا أبو عبد اللّه جعفر بن عبد اللّه المحمدي من كتابه في رجب سنة ثمان و ستين‏

____________

[1] رجال الكشي: 302.

[2] دلائل الامامة: 161.

[3] كذا في الاصل المطبوع و الحديث مضطرب.

[4] دلائل الامامة: 163.

18

و مائتين، قال: حدثني الحسن بن علي بن فضال، قال: حدثنا صفوان بن يحيى، عن إسحاق بن عمار الصيرفي قال:

«وصف إسماعيل بن عمار أخي لأبي عبد اللّه (عليه السلام) دينه و اعتقاده، فقال: إني أشهد أن لا إله إلّا اللّه، أن محمدا رسول اللّه، و أنكم و وصفهم- يعني الأئمة- واحدا واحدا حتى انتهى إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، ثم قال: و إسماعيل من بعدك، قال: أمّا إسماعيل فلا» [1]

. 33- عنه قال: حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا حميد بن زياد، قال: حدثني الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، قال: حدثنا أبو نجيح المسمعي، عن الفيض بن المختار، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبلها من السلطان ثم اؤاجرها من أكرتي على أن ما أخرج اللّه منها من شي‏ء كان لي من ذلك النصف أو الثلث و أقل من ذلك أو أكثر، هل يصلح ذلك؟

قال: لا بأس به.

فقال له إسماعيل ابنه: يا أبتاه لم تحفظ، قال: أو ليس كذلك أعامل أكرتي يا بني؟ أ ليس من أجل ذلك كثيرا ما أقول لك: ألزمني فلا تفعل، فقام إسماعيل و خرج، فقلت: جعلت فداك فما على إسماعيل أن لا يلزمك إذ كنت متى مضيت أفضيت الأشياء إليه من بعدك كما أفضيت الأشياء إليك من بعد أبيك.

فقال: يا فيض إن إسماعيل ليس [مني‏] كأنا من أبي، قلت: جعلت فداك فقد كنت لا أشك، في أن الرحال تحط إليه من بعدك فإن كان ما نخاف- و إنا نسأل اللّه من ذلك العافية- فإلى من؟ فأمسك عني، فقبلت ركبته و قلت: ارحم شيبتي فإنما هي النار، اني و اللّه لو طمعت أن أموت قبلك ما باليت و لكني أخاف أن أبقى بعدك.

فقال لي: مكانك، ثم قام إلى ستر في البيت فرفعه و دخل فمكث قليلا، ثم صاح بي: يا فيض أدخل، فدخلت فاذا هو بمسجده قد صلّى و انحرف عن القبلة، فجلست بين يديه فدخل عليه أبو الحسن موسى (عليه السلام) و هو يومئذ غلام في يده درّة، فأقعده على فخذه و قال له: بأبي أنت و أمي ما هذه المخفقة التي بيدك؟ فقال: مررت بعليّ أخي‏

____________

[1] غيبة النعماني: 324.

19

و هي في يده و هو يضرب بها بهيمة، فانتزعتها من يده.

فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا فيض إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أفضيت إليه صحف إبراهيم و موسى فائتمن عليها عليّا، ثم ائتمن عليها علي الحسن، ثم ائتمن عليها الحسن الحسين أخاه، و ائتمن الحسين عليها علي بن الحسين، ثم ائتمن عليها علي بن الحسين محمد بن علي، و ائتمنني عليها أبي، فكانت عندي و قد ائتمنت ابني هذا عليها على حداثته و هي عنده. فعرفت ما أراد.

فقلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا فيض إن أبي كان إذا أراد أن لا ترد له دعوة أجلسي عن يمينه و دعا، فأمنت، فلا ترد له دعوة، و كذلك أصنع بابني هذا و قد ذكرت أمس بالموقف فذكرتك بخير، قال فيض: فبكيت سرورا، ثم قلت له: يا سيدي زدني، فقال: إن أبي كان إذا أراد سفرا و أنا معه فنعس و كان هو على راحلته أدنيت راحلتي من راحلته فوسدته ذراعي الميل و الميلين حتى يقضي وطره من النوم و كذلك يصنع بي ولدي هذا.

فقلت له: زدني جعلت فداك، فقال: يا فيض إني لأجد بابني هذا ما كان يعقوب يجده بيوسف، فقلت: سيدي! زدني، فقال: هو صاحبك الذي سألت عنه، قم فأقر له بحقه، فقمت حتى قبلت يده و رأسه، و دعوت اللّه له فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أما إنّه لم يؤذن لي في المرة الأولى منك، فقلت: جعلت فداك أخبر به عنك؟ قال: نعم أهلك و ولدك و رفقاءك، و كان معي أهلي و ولدي، و كان معي يونس بن ظبيان من رفقائي.

فلمّا أخبرتهم حمدوا اللّه على ذلك، و قال يونس: لا و اللّه حتى أسمع ذلك منه، و كانت به عجلة، فخرج فأتبعته فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول- و قد سبقنا-: يونس! الأمر كما قال لك فيض اسكت و اقبل، فقال: سمعت و أطعت، ثم دخلت فقال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام) حين دخلت يا فيض زرقه [زرقه‏] قلت: قد فعلت [1]

.

____________

[1] غيبة النعماني: 324.

20

34- عنه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال: حدثنا القاسم بن محمد بن الحسن بن حازم من كتابه، قال: حدثنا عبيس بن هشام، عن درست بن أبي منصور، عن الوليد بن صبيح، قال:

«كان بيني و بين رجل يقال له عبد الجليل كلام [في قدم‏] فقال لي: إن أبا عبد اللّه (عليه السلام) أوصى إلى إسماعيل، قال: فقلت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إن عبد الجليل حدثني بأنّك أوصيت إلى إسماعيل في حياته قبل موته بثلاث سنين فقال: يا وليد لا و اللّه فان كنت فعلت فإلى فلان- يعني أبا الحسن موسى (عليه السلام)- و سمّاه» [1]

. 35- عنه قال: أخبرنا عبد الواحد بن عبد اللّه بن يونس قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن رباح الزهري الكوفي، قال: حدثنا أحمد بن علي الحميري، قال: حدثني الحسن بن أيوب، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن جماعة الصائغ، قال: سمعت المفضل بن عمر يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام):

هل يفرض اللّه طاعة عبد ثم يكتمه خبر السماء.

فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): اللّه أجل و أكرم و أرأف بعباده و أرحم من أن يفرض طاعة عبد ثم يكتمه خبر السماء صباحا و مساء، قال: ثم طلع أبو الحسن موسى (عليه السلام)، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ يسرك أن تنظر إلى صاحب كتاب عليّ؟

فقال له المفضل: و أي شي‏ء يسرني إذا أعظم من ذلك، فقال: هو هذا صاحب كتاب عليّ، الكتاب المكنون الذي قال اللّه عز و جل:

«لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ»

[2]

. 36- عنه قال: حدثنا محمد بن همام قال: حدثنا حميد بن زياد، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الميثمي، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فسألته عن صاحب الأمر من بعده قال لي:

هو صاحب البهمة، و كان موسى (عليه السلام) في ناحية الدار صبيّا و معه عناق مكّيّة و هو يقول لها: اسجدي للّه الذي خلقك [3]

.

____________

[1] غيبة النعماني: 326.

[2] المصدر: 326.

[3] المصدر: 327.

21

37- عنه قال: حدثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد اللّه بن حماد الأنصاري، عن معاوية بن وهب قال:

دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)

، فرأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) و له يومئذ ثلاث سنين و معه عناق من هذه المكّيّة و هو آخذ بخطام عليها و هو يقول لها: اسجدي للّه الذي خلقك، ففعل ذلك ثلاث مرات، فقال له غلام صغير: يا سيدي قل لها تموت، فقال له موسى (عليه السلام): ويحك أنا احيي و اميت؟ اللّه يحيي و يميت [1]

. 38- عنه قال: و من مشهور كلام أبي عبد اللّه (عليه السلام) عند وقوفه على قبر إسماعيل:

غلبني الحزن لك على الحزن عليك، اللّهم إني وهبت لإسماعيل جميع ما قصر عنه مما افترضت عليه من حقّي، فهب لي جميع ما قصر عنه فيما افترضت عليه من حقّك [2]

. 39- عنه قال: و روي عن زرارة بن أعين أنه قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام)

و عن يمينه سيّد ولده موسى (عليه السلام) و قدّامه مرقد مغطّى، فقال لي: يا زرارة جئني بداود بن كثير الرقي، و حمران، و أبي بصير، و دخل عليه المفضل بن عمر، فخرجت فأحضرته من أمرني باحضاره، و لم تزل الناس يدخلون واحدا إثر واحد حتى صرنا في البيت ثلاثين رجلا، فلما حشد المجلس قال: يا داود اكشف لي عن وجه إسماعيل، فكشف عن وجهه.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا داود أ حيّ هو أم ميّت؟ قال داود: يا مولاي هو ميّت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل حتى أتى على آخر من في المجلس و انتهى عليهم بأسرهم، كلّ يقول: هو ميّت يا مولاي، فقال: اللهم اشهد، ثم أمر بغسله و حنوطه و إدراجه في أثوابه، فلما فرغ منه قال للمفضل: يا مفضل احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه فقال: أ حيّ هو أم ميّت؟ فقال: ميّت، قال: اللهم اشهد عليهم، ثم حمل إلى قبره.

____________

[1] غيبة النعماني: 327.

[2] غيبة النعماني: 327.

22

فلما وضع في لحده قال: يا مفضل اكشف عن وجهه، و قال للجماعة: أ حيّ هو أم ميّت؟ قلنا له: ميّت، فقال: اللهم اشهد و اشهدوا فإنه سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور اللّه بأفواههم- ثم أومأ إلى موسى (عليه السلام)-

«وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ‏

...

وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»

، ثم حثونا عليه التراب، ثم أعاد علينا القول، فقال: الميت المحنط المكفن المدفون في هذا اللّحد من هو؟ قلنا: إسماعيل، قال: اللهم اشهد، ثم أخذ بيد موسى (عليه السلام)، و قال هو حق و الحق منه إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها.

وجدت هذا الحديث عن بعض إخواننا، فذكر أنّه نسخة من أبي المرجي بن محمد الغمر التغلبي و ذكر أنه حدثه به المعروف بأبي سهل يرويه عن أبي الفرج وراق بندار القمي عن بندار، عن محمد بن صدقة؛ و محمد بن عمرو، عن زرارة.

أن أبا المرجي ذكر أنه عرض هذا الحديث على بعض إخوانه فقال: إنه حدثه به الحسن بن المنذر باسناد له عن زرارة، و زاد فيه أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال: و اللّه ليظهرن [عليكم‏] صاحبكم و ليس في عنقه لأحد بيعة، و قال: فلا يظهر صاحبكم حتى يشك فيه أهل اليقين‏

«قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ»

[1]

. 40- عنه قال: حدثنا أبو سليمان أحمد بن هوذة الباهلي قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي قال: حدثنا عبد اللّه بن حماد الأنصاري، عن صفوان بن مهران الجمال، قال:

سأل منصور بن حازم، و أبو أيوب الخزاز أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر معهما، فقالا: جعلنا اللّه فداك إن الأنفس يغدى عليها و يراح، فمن لنا بعدك؟ فقال: إذا كان ذلك فهذا- فضرب يده إلى العبد الصالح موسى (عليه السلام) و هو غلام خماسي بثوبين أبيضين- و قال: هذا، و كان عبد اللّه بن جعفر حاضرا يومئذ البيت [2]

. 41- قال الشيخ المفيد (رضوان اللّه عليه): أحمد بن محمد بن عيسى؛ و محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن خالد البرقي، عن فضالة بن أيوب، عن رجل من المسامعة

____________

[1] غيبة النعماني: 328.

[2] المصدر: 328.

23

اسمه مسمع بن عبد الملك و لقبه كردين، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

دخلت عليه و عنده إسماعيل ابنه و نحن إذ ذاك نأتمّ به بعد أبيه فذكر في حديث له طويل أنه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول فيه خلاف ما ظننا فيه، فأتيت رجلين من أهل الكوفة يقولان به فأخبرتهما فقال واحد منهما: سمعت و أطلعت و رضيت، و قال الآخر- و أهوى إلى جيبه بيده فشقّه.

ثم قال: لا و اللّه لا سمعت و لا رضيت و لا أطعت حتى أسمعه منه، ثم خرج متوجها نحو أبي عبد اللّه (عليه السلام) فتبعته فلما كنّا بالباب استأذنّا فأذن لي فدخلت قبل، ثم أذن له فلما دخل قال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا فلان أ يريد كلّ امرئ منكم أن يؤتى صحفا منشّرة؟ إن الذي أخبرك فلان الحق، فقال: جعلت فداك إني أحب أن أسمعه منك، فقال: إن فلانا إمامك و صاحبك من بعدي- يعني أبا الحسن موسى (عليه السلام)- لا يدّعيها فيما بيني و بينه إلّا كاذب مفتر، فالتفت إلى الكوفي و كان يحسن الكلام النبطية و كان صاحب قبالات فقال: درقه فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إن درقه بالنبطية خذها أجل فخذها [1]

. 42- قال الشيخ المفيد (رضوان اللّه عليه):

فممّن روى صريح النص بالامامة من ابي عبد اللّه (عليه السلام) على ابنه ابي الحسن موسى (عليه السلام) من شيوخ اصحاب ابي عبد اللّه (عليه السلام) و خاصّته و بطانته و ثقاته الفقهاء الصّالحين رحمة اللّه عليهم المفضل بن عمر الجعفي و معاذ بن كثير و عبد الرحمن بن الحجاج و الفيض بن المختار و يعقوب السراج و سليمان بن خالد و صفوان الجمال و غيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب و قد روى ذلك من اخويه إسحاق و علي ابنا جعفر (عليه السلام) و كانا من الفضل و الورع على ما لا يختلف فيه اثنان [2]

. 43- قال أيضا: و روى محمد بن الوليد قال: سمعت علي بن جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) يقول سمعت ابي جعفر بن محمد (عليهما السلام)

يقول الجماعة من‏

____________

[1] الاختصاص: 290.

[2] الارشاد: 270.

24

خاصته و اصحابه استوصوا بابني موسى (عليه السلام) خيرا فانه افضل ولدي و من اخلف من بعدي و هو القائم مقامي و الحجة للّه تعالى كافة خلقه من بعدي [1]

. 44- قال أيضا:

و كان علي بن جعفر شديد التمسك باخيه موسى (عليه السلام) و الانقطاع إليه و التوفر على اخذه معالم الدين منه و له مسائل مشهورة عنه و جوابات رواها سماعا منه (عليه السلام) و الاخبار فيما ذكرناه اكثر من ان تحصى على ما بيناه وصفناه [2]

. 45- قال امين الاسلام أبو علي الطبرسي (رضوان اللّه عليه):

دليل الاعتبار الذي قدّمناه كما دلّ على إمامة آبائه يدلّ على إمامته و إمامة الأئمة من ذريته و إنا دلّلنا على بطلان جميع أقوال مخالفي الشيعة القائلين بعصمة الإمام و النص، فإن الشيعة اختلفت بعد وفاة أبي عبد اللّه على أقوال قائل يقول: إنّ الصادق لم يمت و لا يموت حتى يظهر فيملأ الأرض عدلا و هم الناووسيّة و إنما سمّوا بذلك لأنّ رئيسهم في مقالتهم رجل يقال له: عبد اللّه بن الناووس و قولهم باطل بقيام الدّليل على موته كقيامه على موت آبائه (عليهم السلام) و بانقراض هذه الفرقة بأسرها و لو كانت محقة لما انقرضت.

و قائل يقول بإمامة عبد اللّه بن جعفر و هم الفطحية و قولهم يبطل بأنهم لم يعوّلوا في ذلك على نص عليه من أبيه بالإمامة و إذا عوّلوا على ذلك لأنه أكبر ولده، و أيضا فإنهم رجعوا عن ذلك، إلّا من شذّ منهم و انقرضت الجماعة الشاذة أيضا فلا يوجد منهم أحد و إنما نحكي مذهبهم على سبيل التعجّب و ما هذه صفته فلا شك في فساده.

و قائل يقول بإمامة إسماعيل بن جعفر على اختلاف بينهم، فمنهم من أنكر وفاته في حياة أبيه و زعم أنّه بقي و نص أبوه عليه و هم شذاذ.

و منهم من قال: إن إسماعيل توفّي في زمن أبيه غير أنه قبل وفاته نصّ على ابنه محمد فكان هو إمام بعده و هؤلاء هم القرامطة نسبوا إلى رجل يقال له: قرمطوية و يقال لهم:

المباركية نسبوا إلى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر (عليه السلام).

____________

[1] الارشاد: 272.

[2] الارشاد: 272.

25

و قول هؤلاء يبطل من وجهين: أحدهما أن مذهبهم يقضي ببطلان حكاية دعوى التواتر عنهم بالنص و ذلك أنّ من أصلهم المعروف أن الدّين مستور عن جمهور الخلق و إنما يدعو إليه قوم بأعيانهم لا يبلغون التواتر و لا يوجد الحق إلّا عنهم و لا يحلّ لأحد من هؤلاء أن يوعز إلى الخلق شيئا منه إلّا بعد العهود و المواثيق فقد ثبت فساد قول من ادّعى عليهم التواتر و إنما يعوّلون على أخبار آحاد و تأويلات في معنى الأعداد و قياس ذلك بالسماوات و الأرضين و النجوم و غير ذلك من الشهور و الأيام مما يجري مجرى الخرافات.

و هذا لا يعارض ما ذهبنا إليه من إيراد النصوص الظاهرة و التواتر بها من الأمم الكثيرة و المتظاهرة، و الوجه الآخر أن لا يكون نصّ من اللّه تعالى على من يعلم موته قبل إمامته من حيث يكون ذلك نقضا للغرض و يكون عبثا و كذبا و إذا لم يبق إسماعيل بعد أبيه بطل قول من ادّعى له النصّ بخلافته و لا فصل بين من أنكر وفاته في عصر أبيه و ادّعى أن ذلك كان تلبيسا و بين من أنكر موت أبي عبد اللّه من الناووسية.

كذلك من ادّعى أنه نصّ على ابنه محمد لأن الإمامة إذا لم تحصل لإسماعيل في حياة أبيه لفساد وجود إمامين معا في زمان واحد فكيف يصحّ نصه على ابنه إذ النصّ على الإمام لا يوجب الإمامة إلّا إذا كان من إمام.

و قائل يقول بإمامة موسى بن جعفر و هم الشيعة الإمامية فإذا فسدت الأقوال المتقدمة ثبتت إمامة أبي الحسن موسى و إلّا أدّى إلى خروج الحق عن جميع أقوال الأمة و أيضا فإن الجماعة التي نقلت النص عليه من أبيه وجده و آبائه (عليهم السلام) قد بلغوا من الكثرة إلى حد يمتنع معه منهم التواطؤ على الكذب إذ لا يحصرهم بلد و مكان و لا يضمهم صقع و لا يحصيهم إنسان.

و أما ألفاظ النص عليه من أبيه فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن ثبيت، عن معاذ بن كثير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أسأل اللّه الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك عن عقبك قبل الممات مثلها، فقال: فعل اللّه ذلك: قلت: من؟ جعلت فداك، فأشار إلى العبد الصالح و هو راقد فقال: هذا الرّاقد

26

و هو يومئذ غلام [1]

. 46- قال الفتال النيسابوري (رضوان اللّه عليه):

و الامام بعد ابي عبد اللّه ابو الحسن موسى و يكنّى أيضا بأبي ابراهيم و يعرف بالعبد الصالح و بالكاظم لاجتماع خصال الفضل فيه و لنص ابيه عليه بالإمامة و اعتبار الشرائط العقلية و يكنّى ابا علي أيضا قال الفيض بن المختار: قلت لابي عبد اللّه (عليه السلام) خذ بيدي من النار من لنا بعدك قال فدخل ابو ابراهيم و هو يومئذ غلام فقال: هذا صاحبكم فتمسك به [2]

. 47- قال أبو الحسن علي بن عيسى الاربلى رحمة اللّه عليه:

كان الامام كما قدمناه بعد أبي عبد اللّه (عليه السلام) ابنه أبا الحسن موسى بن جعفر العبد الصالح (عليه السلام)، لاجتماع خلال الفضل فيه و الكمال و لنص أبيه بالامامة عليه و اشارته بها إليه، و كان مولده (عليه السلام) بالابواء سنة ثمان و عشرين و مائة، و قبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك لست خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و له يومئذ خمس و خمسون سنة.

و أمه أم ولد و يقال لها: حميدة البربرية، و كانت مدة خلافته و مقامه في الامامة بعد أبيه (عليهما السلام) خمسا و ثلثين سنة، و كان يكنى أبا ابراهيم و أبا الحسن و أبا علي، و يعرف بالعبد الصالح، و ينعت أيضا بالكاظم.

ممن روى صريح النص بالامامة عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) على ابنه ابي الحسن موسى (عليه السلام) من شيوخ أصحاب ابي عبد اللّه (عليه السلام) و خاصته و بطانته و ثقاته الفقهاء الصالحين رحمة اللّه عليهم: المفضل بن عمر الجعفي؛ و معاذ بن كثير، و عبد الرحمن بن الحجاج، و الفيض بن المختار، و يعقوب السراج، و سليمان بن خالد، و صفوان الجمال، و غيرهم ممن يطول بذكرهم الكتاب [3].

و قد روى ذلك من اخوته اسحاق و علي ابنا جعفر و كانا من الفضل و الورع على ما لا يختلف فيه اثنان.

____________

[1] اعلام الورى: 288.

[2] روضة الواعظين: 181.

[3] كشف الغمة: 2/ 219.

27

فروى موسى الصيقل عن المفضل بن عمر الجعفي (رحمه الله) قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل أبو ابراهيم موسى (عليه السلام) و هو غلام، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): استوص به، وضع أمره عند من تثق به من أصحابك‏

. 48- قال المحدث الكبير ابن شهرآشوب السروي: يزيد بن اسباط قال‏

دخلت على ابي عبد اللّه (عليه السلام) في مرضته التي مات فيها فقال لي: يا يزيد أ ترى هذا الصّبي اذا رأيت الناس قد اختلفوا فيه فاشهد على باني اخبرتك ان يوسف انما كان ذنبه عند اخوته حتى طرحوه في الجب الحسد له حين اخبرهم انه رأى احد عشر كوكبا و الشمس و القمر و هم له ساجدون و كذلك لا بد لهذا الغلام من ان يحسد.

ثم دعا موسى و عبد اللّه و اسحاق و محمد و العباس و قال لهم: هذا وصّي الاوصياء و عالم علم العلماء و شهيد على الاموات و الاحياء ثم قال: يا يزيد ستكتب شهادتهم و يسألون.

و لما نص الصادق على موسى و هو غلام قال فيض بن المختار: جعلت فداك اخبر به احدا قال نعم اهلك و ولدك و رفقاك قال فاخبرت يونس بن ظبيان فقال لا و اللّه حتى اسمع ذلك منه فلما انتهى الى الباب سمعت الصادق يقول له الامر كما قاله لك فيض ثم دخلت فقال لي: يا فيض و زقه اي أحتفظ به بالنبطية.

و روى صريح النص عليه بالامامة من ابيه ثقات منهم اخوه علي و اسحاق و المفضل بن عمر الجعفي و معاذ بن كثير و عبد الرحمن بن الحجاج و الفيض بن المختار و يعقوب السراج و سليمان بن خالد و صفوان بن مهران الجمال و حمران بن اعين و ابو بصير و داود الرقي و يزيد بن سليط و يونس بن ظبيان.

و قطع عليه العصابة الا طائفة عمار الساباطي اعتبار القطع على عصمة الامام و وجوب النص عليه يوجب امامته و يبطل امامة كل من يدعى له الامامة لانهم بين من لم يكن مقطوعا على عصمته و بين من يدعى له العصمة و لم يكن مقطوعا عليه و في ثبوت الامرين ثبوت امامته خلفا عن سلف بالنص عليه من ابيه و عن آبائه و عن النبي‏

28

(عليهم السلام) [1]

. 49- قال العلامة المجلسي (رضوان اللّه عليه) نقلا عن البصائر: احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن ابيه، عن ابن ابي حمزة، عن ابي بصير، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته و طلبت و مضيت إليه ان يجعل هذا الامر الى إسماعيل، فابى اللّه الا أن يجعله لأبي الحسن موسى (عليه السلام) [2]

. 50- روى أيضا عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عمرو بن أبان عن ابي بصير قال: كنت عند أبي عبد اللّه فذكروا الاوصياء، و ذكر اسماعيل فقال:

لا و اللّه يا ابا محمد ما ذاك إلينا و ما هو إلّا الى اللّه عز و جل ينزل واحد بعد واحد [3]

.

____________

[1] المناقب: 2/ 381.

[2] بحار الانوار: 48/ 25.

[3] البحار: 48/ 25.

29

- 4- «باب سيرته و مكارم اخلاقه (عليه السلام)»

1- قال الكليني (رضوان اللّه عليه): محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم عن بعض اصحابنا قال:

أولم ابو الحسن موسى (عليه السلام) وليمة على بعض ولده فأطعم اهل المدينة ثلاثة ايام الفالوذجات في الجفان في المساجد و الازقة فعابه بذلك بعض اهل المدينة فبلغه (عليه السلام) ذلك.

فقال: ما آتى اللّه عز و جل نبيّا من انبيائه شيئا الّا و قد آتى محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) مثله و زاده ما لم يؤتهم قال لسليمان (عليه السلام):

«هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ»

و قال لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله):

«وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»

[1]

. 2- قال الشيخ ابو عبد اللّه المفيد قدس اللّه سره: أخبرني الشريف أبو محمد الحسن ابن محمد بن يحيى قال: حدثنا جدي يحيى بن الحسن بن جعفر قال: حدثنا إسماعيل بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه البكري قال:

قدمت المدينة اطلب بها دينا فاعياني فقلت لو ذهبت الى ابي الحسن موسى (عليه السلام) فشكوت إليه فاتيته بنقمي في ضيعته فخرج الي و معه غلام معه منسف فيه قديد مجزّع ليس معه غير فاكل و اكلت معه ثم سألني عن حاجتي فذكرت له قصتي فدخل و لم يقم الا يسيرا حتى خرج الي فقال لغلامه: اذهب ثم مد يده الي فدفع الي صرة فيها ثلاثمائة دينار ثم قام فولي، فقمت فركبت دابتي و انصرفت [2]

. 3- قال أيضا: و ذكر جماعة من أهل العلم‏

أن ابا الحسن (عليه السلام) كان يصل‏

____________

[1] الكافي: 6/ 281.

[2] الارشاد: 277.

30

بالمأتي دينار الى ثلث مائة دينار و كانت صرار موسى (عليه السلام) مثلا [1]

. 4- قال الفتال النيسابوري رحمة اللّه عليه:

و كان موسى (عليه السلام) يأنس بعلي بن إسماعيل و يصله و يبره ثم انفذ إليه، يحيى بن خالد يرغبه في قصد الرشيد و يعده بالإحسان إليه فعمل على ذلك و احس به موسى (عليه السلام) فدعاه فقال له الى اين يا ابن اخ قال الى بغداد قال و ما تصنع قال علي دين و انا مملق فقال له موسى (عليه السلام) فانا اقضي دينك و افعل بك و اصنع فلم يلتفت الى ذلك و عزم على الخروج فاستدعاه ابو الحسن (عليه السلام) فقال أنت خارج قال نعم لا بدّ لي من ذلك.

قال له انظر يا ابن اخي و اتق اللّه و لا تؤتم اولادي و امر له بثلاثمائة دينار و اربعة آلاف درهم فلما قام من بين يديه قال موسى (عليه السلام) لمن حضره و اللّه ليستعين في دمي و يؤتم اولادي فقالوا له جعلنا اللّه فداك و أنت تعلم هذا من حاله و تعطيه و تصله قال نعم حدثني ابي عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ان الرحم اذا قطعت فوصلت فقطعت قطعها اللّه اننى اردت ان اوصله بعد قطعه لي حتى اذا قطعني قطعه اللّه [2]

. 5- قال الطبرسي (رضوان اللّه عليه) نقلا عن كتاب البصائر: عن محمد بن جعفر بن العاصم، عن أبيه، عن جده قال:

حججت و معي جماعة من أصحابنا فأتيت المدينة فقصدنا مكانا ننزله فاستقبلنا غلام لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) على حمار له أخضر يتبعه الطعام. فنزلنا بين النخل و جاء هو فنزل. و أتي بالطست و الماء فبدأ و غسل يديه و أدير الطست عن يمينه حتى بلغ آخرنا. ثمّ أعيد من يساره حتى أتي على آخرنا. ثم قدم الطعام فبدأ بالملح.

ثم قال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم، ثم ثنّى بالخلّ. ثمّ أتي بكتف مشوي، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا طعام كان يعجب النبي (صلّى اللّه عليه و آله). ثم أتي بالخلّ و الزيت، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا طعام كان يعجب فاطمة (عليها السلام)، ثم أتي بالسكباج، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛

____________

[1] الارشاد: 278.

[2] روضة الواعظين: 186.

31

فإن هذا طعام كان يعجب أمير المؤمنين (عليه السلام).

ثم اتي بلحم مقلوّ فيه باذنجان، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا طعام كان يعجب الحسن بن علي (عليهما السلام). ثم أتي بلبن حامض قد ثرد، فقال:

كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا الطعام كان يعجب الحسين بن عليّ (عليهما السلام). ثم اتي باضلاع باردة، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا طعام كان يعجب علي بن الحسين (عليهما السلام). ثم اتي بجبن مبزّر.

فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإنّ هذا طعام كان يعجب محمد بن علي (عليهما السلام). ثم اتي بتور فيه بيض كالعجّة، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا طعام كان يعجب أبي جعفر (عليه السلام). ثم اتي بحلواء، فقال: كلوا بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ فإن هذا طعام يعجبني. و رفعت المائدة فذهب أحد ليلتقط ما كان نحتها فقال: مه إنما ذلك في المنازل تحت السقوف، فأما في مثل هذا الموضع فهو لعافية الطير و البهائم.

ثم أتي بالخلال فقال: من حق الخلال أن تدير لسانك في فمك فما أجابك تبتلعه و ما امتنع تحركه بالخلال، ثم تخرجه فتلفظه و اتي بالطست و الماء فابتدى بأول من على يساره حتى انتهى إليه فغسل، ثم غسل من على يمينه حتى اتي على آخرهم.

ثم قال: يا عاصم كيف أنتم في التواصل و التبار؟ فقال: على أفضل ما كان عليه أحد. فقال: أ يأتي أحدكم منزل أخيه عند الضيقة فلا يجده فيأمر بإخراج كيسه فيخرج فيفض ختمه فيأخذ من ذلك حاجته فلا ينكر عليه؟ قال: لا. قال: لستم على أفضل ما كان أحد عليه من التواصل (و الضيقة الفقر) [1]

. 6- قال ابن شهرآشوب رحمة اللّه عليه:

يتفقد فقراء اهل المدينة فيحمل إليهم في الليل العين و الورق و غير ذلك فيوصله إليهم و هم لا يعلمون من اي جهة هو.

و كان (عليه السلام) يصل بالمائة دينار الى الثلاثمائة دينار و كان صرار موسى مثلا.

____________

[1] مكارم الاخلاق: 165.

32

وشكا محمد البكري إليه فمد يده إليه فجعل الى صرة فيها ثلاثمائة دينار.

و حكى ان المنصور تقدم الى موسى بن جعفر بالجلوس للتهنية في يوم النيروز و قبض ما يحمل إليه فقال (عليه السلام): اني قد فتّشت الاخبار عن جدى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم اجد لهذا العيد خبرا إنّه سنّة للفرس و محاها الاسلام و معاذ اللّه ان نحيي ما محاه الاسلام.

فقال المنصور انما نفعل هذا سياسة للجند فسألتك باللّه العظيم الّا جلست فجلس و دخلت عليه الملوك و الامراء و الاجناد يهنونه و يحملون إليه الهدايا و التحف و على رأسه خادم المنصور يحصى ما يحمل فدخل في آخر الناس رجل شيخ كبير السن.

فقال له: يا ابن بنت رسول اللّه انني رجل صلعوك لا مال لي انحفك بثلاث ابيات قالها جدي في جدك الحسين بن علي (عليهم السلام):

عجبت لمصقول علاك فرندة * * * يوم الهياج و قد علاك غبار

و لا سهم نفذتك دون حرائر * * * يدعون جدك و الدموع غزار

الا تغضغضت السهام و عاقها * * * عن جسمك الاجلال و الاكبار

قال: قبلت هديتك اجلس بارك اللّه فيك و رفع رأسه الى الخادم و قال امض الى امير المؤمنين و عرفه بهذا المال و ما يصنع به فمضى الخادم و عاد و هو يقول كلها هبة مني له يفعل به ما أراد فقال موسى للشيخ اقبض جميع هذا المال فهو هبة مني لك.

و كان عمري يؤذيه و يشتم عليا (عليه السلام) فقال له بعض حاشيته دعنا نقتله فنهاهم عن ذلك فركب يوما إليه فوجده في مزرعة فجالسه و باسطه و قال له كم عزمت في زرعك هذا قال مائة دينار قال و كم ترجو ان تصيب قال مائتي دينار و قال فاخرج له صرة فيها ثلاثمائة دينار فقال: هذا زرعك على حاله يرزقك اللّه فيه ما ترجو فاعتذر العمري إليه و قال:

«اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ‏

رسالاته».

و كان يخدمه بعد ذلك موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال دخلت ذات يوم من المكتب و معي لوحي قال فاجلسني ابي بين يديه و قال يا بني اكتب تنح عن القبيح و لا ترده ثم قال: أجزه فقلت و من اوليته حسنا فزده ثم قال: ستلقى من عدوك كل كيد

33

فقلت اذا كاد العدو فلا نكده قال فقال: ذريّة بعضها من بعض [1]

. 7- قال ابو الفرج الاصفهاني: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليه السلام) يكنّى ابا الحسن و ابا ابراهيم و امّه أمّ ولد تدعى حميدة.

حدثني احمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن الحسن قال:

كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرة دنانير، و كانت صراره ما بين الثلاثمائة إلى المائتين دينار، فكانت صرار موسى مثلا

. حدثني احمد بن سعيد، قال: حدثنا يحيى:

أن رجلا من آل عمر بن الخطاب كان يشتم علي بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر، و يؤذيه إذا لقيه فقال له بعض مواليه و شيعته: دعنا نقتله، فقال: لا، ثم مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره، فصاح لا تدس زرعنا فلم يضع إليه و اقبل حتى نزل عنده فجلس معه و جعل يضاحكه.

و قال له: كم غرمت على زرعك هذا؟ قال: مائة درهم. قال: فكم ترجو ان تربح؟ قال: لا ادري. قال: إنما سألتك كم ترجو. قال مائة اخرى. قال: فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له فقام فقبل رأسه، فلما دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلم عليه و جعل يقول: اللّه اعلم حيث يجعل رسالته، فوثب اصحابه عليه و قالوا:

ما هذا؟ فشاتمهم، و كان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج يسلم عليه و يقوم له.

فقال موسى لمن قال ذلك القول: أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت [2]

. 8- قال الحافظ ابو بكر الخطيب البغدادي:

و كان يبلغه عن الرجل انه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، و كان يصر الصرر ثلاثمائة دينار، و أربعمائة دينار، و مائتي دينار، ثم يقسمها بالمدينة، و كان مثل صرر موسى بن جعفر اذا جاءت الانسان الصرة فقد استغنى‏

. أخبرنا الحسن حدثني جدي حدثنا اسماعيل بن يعقوب حدثني محمد بن عبد اللّه‏

____________

[1] المناقب: 2/ 379.

[2] مقاتل الطالبيين: 13/ 28.

34

البكري، قال:

قدمت المدينة أطلب بها دينا فاعياني، فقلت لو ذهبت الى أبي الحسن موسى بن جعفر فشكوت ذلك إليه، فأتيته بنقمي في ضيعته، فخرج إليّ و معه غلام له معه منسف فيه قديد مجزع ليس معه غيره، فأكل و أكلت معه، ثم سألني عن حاجتي، فذكرت له قصتي، فدخل فلم يقم الا يسيرا حتى خرج الي فقال لغلامه: اذهب.

ثم مد يده إلي فدفع إلي صرة فيها ثلاثمائة دينار، ثم قام فولى. فقمت فركبت دابتي و انصرفت. قال جدي يحيى بن الحسن- و ذكر لي غير واحد من أصحابنا- ان رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذيه و يشتم عليا، قال و كان قد قال له بعض حاشيته دعنا نقتله، فنهاهم عن ذلك أشد النهي، و زجرهم أشد الزجر، و سأل عن المعري فذكر له أنه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه في مزرعته فوجده فيها.

فدخل المزرعة بحماره فصاح به العمري لا تطأ زرعنا، فوطئه بالحمار حتى وصل إليه فنزل فجلس عنده وضاحكه و قال له: كم غرمت في زرعك هذا؟ قال له: مائة دينار، قال: فكم ترجو أن يصيب؟ قال: أنا لا أعلم الغيب. قال: إنما قلت لك كم ترجو أن يجيئك فيه؟ قال: أرجو أن يجيئني مائتا دينار، قال: فاعطاه ثلاثمائة دينار و قال: هذا زرعك على حاله.

قال: فقام العمري فقبل رأسه و انصرف. قال: فراح إلى المسجد فوجد العمري جالسا، فلما نظر إليه قال: اللّه أعلم حيث يجعل رسالته. قال: فوثب أصحابه فقالوا له: ما قصتك؟ قد كنت تقول خلاف هذا. قال: فخاصمهم و شاتمهم، قال: و جعل يدعو لأبي الحسن موسى كلما دخل و خرج.

قال: فقال: أبو الحسن موسى لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري: أيما كان خير، ما أردتم، أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار؟

أخبرنا سلامة بن الحسين المقرئ و عمر بن محمد بن عبيد اللّه المؤدب. قالا: أخبرنا علي بن عمر الحافظ حدثنا القاضي الحسين بن اسماعيل حدثنا عبد اللّه بن أبي سعد حدثني محمد بن الحسين بن محمد بن عبد المجيد الكناني الليثي قال: حدثني عيسى بن‏

35

محمد بن مغيث القرظي- و بلغ تسعين سنة-.

قال:

زرعت بطيخا و قثاء و قرعا في موضع بالجوّانية على بئر، يقال لها أم عظام، فلما قرب الخير، و استوى الزرع، بغتني الجراد، فاتي على الزرع كله، و كنت غرمت على الزرع و في ثمن جملين مائة و عشرين دينارا فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر ابن محمد فسلم، ثم قال: ايش حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل زرعي.

قال: و كم غرمت فيه؟ قلت مائة و عشرين دينارا مع ثمن الجملين. فقال:

يا عرفة، زن لابي المغيث مائة و خمسين دينارا فربحك ثلاثين دينارا و الجملين. فقلت يا مبارك ادخل و ادع لي فيها، فدخل و دعا و حدثني عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «تمسكوا ببقايا المصائب» ثم علقت عليه الجملين و سقيته، فجعل اللّه فيها البركة، زكت فبعت منها بعشرة آلاف.

أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا الحسن بن محمد العلوي حدثنا جدي قال: و ذكر إدريس بن أبي رافع عن محمد بن موسى قال: خرجت مع أبي إلى ضياعة بساية فاصبحنا في غداة باردة و قد دنونا منها، و أصبحنا على عين من عيون ساية، فخرج إلينا من تلك الضياع عبد زنجي فصيح مستذفر بخرقة، على رأسه قدر فخار يفور، فوقف على الغلمان فقال: أين سيدكم؟ قالوا هو ذاك، قال: أبو من يكنى؟ قالوا له: أبو الحسن.

قال: فوقف عليه، فقال يا سيدي يا أبا الحسن هذه عصيدة أهديتها إليك، قال ضعها عند الغلمان فاكلوا منها، قال: ثم ذهب فلم نقل بلغ حتى خرج على رأسه حزمة حطب، حتى وقف فقال له: يا سيدي هذا حطب أهديت إليك. قال: ضعه عند الغلمان وهب لنا نارا. فذهب فجاء بنار. قال: و كتب أبو الحسن اسمه و اسم مولاه فدفعه إلي و قال: يا بني احتفظ بهذه الرقعة حتى أسألك عنها. قال: فوردنا إلى ضياعة، و أقام بها ما طاب له، ثم قال: امضوا بنا إلى زيارة البيت، قال: فخرجنا حتى وردنا مكة.

فلما قضي أبو الحسن عمرته دعا صاعدا فقال: اذهب فاطلب لي هذا الرجل فاذا علمت بموضعه فاعلمني حتى أمشي إليه، فاني أكره أن أدعوه و الحاجة لي. قال لي صاعد

36

فذهبت حتى وقفت على الرجل، فلما رآني عرفني- و كنت أعرفه، و كان يتشيع- فلما رآني سلم علي، و قال: أبو الحسن قدم؟ قلت لا، قال: فايش أقدمك؟ قلت حوائج، و قد كان علم بمكانه بساية، فتتبعني و جعلت أتقصى منه و يلحقني بنفسه، فلما رأيت أني لا أنفلت منه، مضيت إلى مولاي و مضى معي حتى أتيته.

فقال: أ لم أقل لك لا تعلمه؟ فقلت جعلت فداك لم أعلمه، فسلم عليه فقال له أبو الحسن: غلامك فلان تبيعه؟ قال له: جعلت فداك الغلام لك و الضيعة و جميع ما أملك، قال: أما الضيعة فلا أحب أن أسلبكها، و قد حدثني أبي عن جدي أن بائع الضيعة ممحوق، و مشتريها مرزوق. قال فجعل الرجل يعرضها عليه مدلا بها، فاشترى أبو الحسن الضيعة و الرقيق منه بالف دينار و اعتق العبد و وهب له الضيعة. قال إدريس بن أبي رافع: فهو ذا ولده في الصرافين بمكة [1]

. 9- قال ابن خلكان:

كان سخيا كريما، و كان يسمع عن الرجل انه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار، و كان يصرّ الصرر ثلاثمائة دينار و اربعمائة دينار و مائتي دينار ثمّ يقسمها بالمدينة [2]

. 10- قال عز الدين عبد الحميد بن ابي الحديد:

روى أن عبدا لموسى بن جعفر (عليه السلام) قدم إليه صحفة فيها طعام حار فعجل فصبّها على رأسه و وجهه، فغضب، فقال له:

«وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ»

، قال: قد كظمت، قال:

«وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ»

قال: قد عفوت، قال:

«وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»

قال: أنت حرّ لوجه اللّه، و قد نحلتك ضيعتي الفلانية [3]

.

____________

[1] تاريخ بغداد: 13/ 27- 30.

[2] وفيات الاعيان: 4/ 393.

[3] شرح النهج: 18/ 46.

37

- 5- «باب عبادته و زهده (عليه السلام)»

1- قال ابو العباس الحميري: محمد بن الحسين عن ابراهيم بن عبد الحميد قال:

دخلت على أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) في بيته الذي يصلي فيه فاذا ليس في البيت إلّا خصفة و سيف معلق و مصحف [1]

. 2- قال الشيخ الصدوق: حدثنا أبي (رضي الله عنه) قال: حدثنا علي بن ابراهيم ابن هاشم، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن حمد بن عبد اللّه الفروي [2] عن ابيه، قال: دخلت على الفضل بن الربيع و هو جالس على سطح فقال لي:

أدن، فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي: اشرف الى بيت في الدار فاشرفت، فقال: ما ترى في البيت؟

فقلت: ثوبا مطروحا فقال: أنظر حسنا، فتأملت و نظرت فتيقنت فقلت: رجل ساجد فقال لي: تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا مولاك، قلت: و من مولاي؟ فقال: تتجاهل علي؟ فقلت: ما أتجاهل و لكني لا أعرف لي مولى.

فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) اني أتفقده الليل و النهار فلا أجده في وقت من الاوقات الا على الحال التي اخبرك بها انه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر الصلاة الى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس و قد و كل من يترصد له الزوال، فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس! اذ يثب فيبتدي الصلاة من غير أن يحدث فاعلم انه لم ينم في سجوده و لا اغفي و لا يزال الى أن يفرغ من صلاة العصر.

فاذا صلي سجد سجدة فلا يزال ساجدا الى أن تغيب الشمس، فاذا غابت الشمس‏

____________

[1] قرب الاسناد: 128.

[2] في المتن: الغروي.

38

وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثا و لا يزال في صلاته و تعقيبه الى أن يصلي العتمة فاذا صلّى العتمة أفطر على شوي يؤتى به ثم يجدد الوضوء ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومته خفيفة ثم يقوم فيجدد الوضوء ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلست ادري متى يقول الغلام ان الفجر قد طلع؟! اذ قد وثب هو لصلاة الفجر.

فهذا دأبه منذ حول الي، فقلت: اتق اللّه و لا نحدثن في أمره حدثا يكون فيه زوال النعمة، فقد تعلم انه لم يفعل احد باحد منهم سوءا الا كانت نعمته، زائلة فقال: قد ارسلوا الى غير مرة يامروني بقتله، فلم أجبهم الى ذلك و أعلمتهم اني لا أفعل ذلك و لو قتلوني ما أجبتهم الى ما سألوني فلما كان بعد ذلك حول (عليهم السلام) الى الفضل ابن يحيى البرمكي فحبس عنده اياما فكان الفضل بن الربيع يبعث إليه في كل يوم مائدة حتى مضى ثلاثة أيام و لياليها.

فلما كانت الليلة الرابعة قدمت إليه مائدة للفضل بن يحيى فرفع (عليه السلام) يده الى السماء، فقال: يا رب انك تعلم اني لو اكلت قب اليوم كنت قد أعنت على نفسي فاكل فمرض، فلما كان من الغد جاءه الطبيب فعرض عليه خضرة في بطن راحته و كان السم الذي سم به قد اجتمع في ذلك الموضع فانصرف الطبيب إليهم فقال: و اللّه لهو أعلم بما فعلتم به منكم ثم توفي (عليه السلام) [1]

. 3- قال الشيخ المفيد (رضوان اللّه عليه):

كان ابو الحسن موسى (عليه السلام) أعبد أهل زمانه و أفقههم و أسخاهم كفا و اكرمهم نفسا

. 4-

روى انه كان يصلي نوافل الليل و يصلها بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس و يخرّ للّه ساجدا فلا يرفع رأسه من الدعاء و التحميد حتى يقرب زوال الشمس و كان يدعو كثيرا فيقول: «اللهم أني أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب» و يكرر ذلك و كان من دعائه (عليه السلام) «عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من‏

____________

[1] عيون الاخبار: 1/ 106.

39

عندك» و كان يبكي من خشية اللّه حتى تخضل لحيته بالدموع و كان اوصل الناس لأهله و رحمه و كان يتفقد فقراء المدينة في الليل، فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين و الورق و الادقة و التمور، فيوصل إليهم ذلك و لا يعلمون من اي جهة هو [1]

. 5- قال أيضا: ذكر ابن عمار و غيره من الرواة

انه لما خرج الرشيد الى الحج و قرب من المدينة استقبله الوجوه من اهلها يقدمهم موسى بن جعفر (عليه السلام) على بغلة فقال له الربيع: ما هذه الدابة التي تلقيت عليها امير المؤمنين و أنت ان طلبت عليها لم تدرك و ان طلبت عليها لم تقف، فقال: انها تطأطأت عن خيلاء الخيل و ارتفعت عن ذلة العير و خير الامور اوسطها [2]

. 6- قال الطبرسي:

روى أنه كان يصلي نوافل الليل و يصلها بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس ثم يخر ساجدا فلا يرفع رأسه من الدعاء و التحميد حتى يقرب زوال الشمس، و كان يقول في سجوده: «قبح الذنب من عبدك، فليحسن العفو و التجاوز من عندك» و كان من دعائه: «اللهم اني أسألك الراحة عند الموت و العفو عند الحساب» و كان يبكي من خشية اللّه حتى تخضل لحيته بالدموع، و كان يتفقد فقراء المدينة فيحمل إليهم في الليل العين و الورق و غير ذلك فيوصلها إليهم و هم لا يعرفون من أي جهة هو [3]

. 7- و قال أيضا:

كان (عليه السلام) أحفظ الناس بكتاب اللّه تعالى و أحسنهم صوتا به و كان اذا قرأ يحزن و بكي السامعون لتلاوته و كان الناس بالمدينة يسمونه زين المجتهدين [4]

. 8- قال محمد بن علي بن شهرآشوب (رضوان اللّه عليه):

و حكي انه مغص بعض الخلفاء فعجز نجتشوع النصراني عن دوائه و اخذ جليدا فاذا به بدواء ثم اخذ ماء و عقده بدواء و قال هذا الطب الا ان يكون مستجاب دعاء ذا منزلة عند اللّه يدعو لك فقال الخليفة علي بموسى بن جعفر فأتى به فسمع في الطريق انينه فدعا اللّه سبحانه و زال مغص‏

____________

[1] الارشاد: 277.

[2] الارشاد: 278.

[3] اعلام الورى: 296.

[4] اعلام الورى: 298.

40

الخليفة فقال له بحق جدك المصطفى ان تقول بم دعوت لي فقال (عليه السلام): قلت اللهم كما اريته ذل معصيته فاره عز طاعتي فشفاه اللّه من ساعته.

محمد بن علي بن ماجيلويه قال لما حبس هارون الكاظم جن عليه الليل فجدد موسى طهوره فاستقبل بوجهه القبلة و صلّى اربع ركعات ثم دعا فقال: يا سيدي نجني من حبس هارون و خلصني من يده يا مخلص الشجر من بين رمل و طين و يا مخلص النار من بين الحديد و الحجر و يا مخلص اللبن من بين فرث و دم و يا مخلص الولد من بين مشيمة و رحم و يا مخلص الروح من بين الاحشاء و الامعاء خلصني من يد هارون الرشيد.

قال: فرأى هارون رجلا اسود بيده سيف قد سله واقفا على رأس هارون و هو يقول يا هارون اطلق عن موسى بن جعفر و الا ضربت علاوتك بسيفي هذا فخاف من هيبته ثم دعا بحاجبه فجاء الحاجب فقال له: اذهب الى السجن و اطلق عن موسى ابن جعفر.

و في رواية الفضل بن الربيع انه قال صر الى حبسنا و اخرج موسى بن جعفر و ادفع إليه ثلاثين الف درهم و اخلع عليه خمس خلع و احمله على ثلاث مراكب و خيّره اما المقام معنا او الرحيل الى اي البلاد احبّ فلما عرض الخلع عليه ابى ان يقبلها [1]

. 9- قال كمال الدين بن طلحة:

ابو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) هو الامام الكبير القدر العظيم الشأن الكثير التهجد، الجاد في الاجتهاد، و المشهود له بالكرامات، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات؛ يبيت الليل ساجدا و قائما، و يقطع النهار متصدقا و صائما، و لفرط حلمه و تجاوزه عن المعتدين عليه دعى كاظما.

كان يجازي المسي‏ء باحسانه إليه، و يقابل الجاني عليه بعفوه عنه، و لكثرة عباداته كان يسمى بالعبد الصالح، و يعرف في العراق بباب الحوائج الى اللّه لنجح المتوسلين الى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول؛ و تقضي بان له عند اللّه قدم صدق و لا يزول [2]

.

____________

[1] المناقب: 2/ 369.

[2] مطالب السؤل: 83.

41

10- قال ابو الفرج الاصفهاني: حدثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدثني محمد بن عبد اللّه المدائني قال: حدثني أبي، قال: حدثني بعض أصحابنا

، أن الرشيد لما حج لقيه موسى بن جعفر على بغلة، فقال له الفضل بن الربيع: ما هذه الدابة التي تلقيت عليها امير المؤمنين؟ فأنت إن طلبت عليها لم تدرك و ان طلبت لم تفت. قال:

إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل و ارتفعت عن ذلة العير، و خير الامور أوسطها [1]

. 11- قال الخطيب البغدادي: أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا الحسن بن محمد العلوي حدثني جدي حدثني عمار بن أبان. قال:

حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي، فسألته أخته أن تتولى حبسه- و كانت تتدين- ففعل، فكانت تلي خدمته فحكى لنا أنها قالت: كان إذا صلّى العتمة حمد اللّه و مجده و دعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فاذا زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح.

ثم يذكر قليلا حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يتهيأ و يستاك و يأكل، ثم يرقد إلى قبل الزوال، ثم يتوضأ و يصلي حتى يصلي العصر، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب و العتمة، فكان هذا دأبه. فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل، و كان عبدا صالحا [2]

. 12- قال ابن أبي الحديد:

و أين انتم عن موسى بن جعفر بن محمد! و أين انتم عن علي بن محمد الرضا، لابس الصوف طول عمره، مع سعة أمواله و كثرة ضياعه و غلاته [3]

. 13- و قال أيضا في مفاخرة بني هاشم و بني أميّة:

و من رجالنا موسى بن جعفر بن محمد- و هو العبد الصالح- جمع من الفقه و الدين و النسك و الحلم و الصبر. و ابنه علي بن موسى المرشح للخلافة، و المخطوب له بالعهد، كان أعلم الناس، و اسخى الناس، و اكرم الناس أخلاقا [4]

.

____________

[1] المقاتل: 333.

[2] تاريخ بغداد: 13/ 31.

[3] شرح النهج: 15/ 273.

[4] شرح النهج: 15/ 291.

42

14- قال ابن الوردي في حوادث سنة احدى و ثمانين و مائة:

فيها توفي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم) ببغداد في حبس الرشيد، حكت أخت سجانة السندي بن شاهك و كانت تلي خدمته: ان الكاظم كان إذا صلّى العتمة حمد اللّه و مجده و دعاه إلى أن يزول الليل.

ثم يقوم يصلي حتى يطلع الصبح فيصلي الصبح، ثم يذكر اللّه حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يرقد و يستيقظ قبل الزوال، ثم يتوضأ و يصلي حتى يصلي العصر، ثم يذكر اللّه حتى يصلي المغرب، ثم يصلي ما بين المغرب و العتمة، فكان هذا دأبه إلى أن مات رحمة اللّه عليه [1]

. 15- قال ابو اسحاق القيرواني:

و لقي موسى بن جعفر (رضي الله عنه) محمد بن الرشيد الأمين بالمدينة و موسى على بغلة، فقال للفضل بن الربيع: عاتب هذا، فقال له الفضل: كيف لقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة التي إن طلبت عليها لم تسبق و إن طلبت عليها تلحق، فقال: لست احتاج ان اطلب، و لا الى أن اطلب، و لكنها دابة تنحط عن خيلاء الخيل، و ترفع عن ذلة العير، و خير الأمور أوسطها [2]

. 16- قال ابو الفرج بن الجوزي:

موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابو الحسن الهاشمي (عليهم السلام) كان يدعى العبد الصالح لأجل عبادته و اجتهاده و قيامه بالليل و كان كريما حليما اذا بلغه عن رجل انه يؤذيه بعث إليه بمال.

روى أيضا، عن شقيق بن ابراهيم البلخي قال: خرجت حاجا في سنة تسع و أربعين و مائتين فنزلت القادسية فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم و كثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة يعلو فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان و قد جلس منفردا.

فقلت في نفسي هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس في طريقهم‏

____________

[1] تتمة المختصر: 1/ 310.

[2] زهر الآداب: 1/ 133.

43

و اللّه لأمضين إليه و لأوبخنه، فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال يا شقيق‏

«اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»

ثم تركني و مضى، فقلت في نفسي إن هذا لأمر عظيم قد تكلم علي ما في نفسي و نطق باسمي و ما هذا إلا عبد صالح لألحقنه و لأسألنه أن يحالني.

فأسرعت في أثره فلم ألحقه و غاب عن عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي و أعضاؤه تضطرب و دموعه تجري فقلت هذا صاحبي أمضي إليه و أستحله، فصبرت حتى جلس و أقبلت نحوه فلما رآني مقبلا قال يا شقيق اتل‏

«وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏»

، ثم تركني و مضى.

فقلت إن هذا الفتى من الأبدال و قد تكلم على سري مرتين، فلما نزلنا رمالا إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر و أنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء و سمعته يقول

:

أنت ريي إذا ظمئت من الماء * * * و قوتي إذا أردت الطعاما

اللهم سيدي ما لي سواها فلا تعدمنيها، قال شقيق فو اللّه لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة و ملأها ماء و توضأ و صلّى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده و يطرحه في الركوة و يحركه و يشرب، فأقبلت إليه و سلمت عليه فرد علي السلام، فقلت أطعمني من فضل ما أنعم اللّه به عليك.

فقال: يا شقيق! لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة و باطنة فاحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فذا سويق و سكر، فو اللّه ما شربت قط ألذ منه و لا أطيب ريحا منه فشبعت و رويت فأقمت أياما لا أشتهي طعاما و لا شرابا، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع و أنين و بكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل.

فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح اللّه ثم قام فصلّى الغداة و طاف بالبيت أسبوعا و خرج، فتبعته فاذا له حاشية و موال و هو على خلاف ما رأيته في الطريق و دار به الناس من حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه من هذا الفتى؟ فقال هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)،

44

فقلت قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد [1]

. 17- أضاف علي بن عيسى الاربلي بعد نقل هذه الرواية و قال:

و لقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة اقتصرت على ذكر بعضها، فقال

:

سل شقيق البلخي عنه و ما * * * عاين منه و ما الذي كان أبصر

قال لما حججت عاينت شخصا * * * شاحب اللون ناحل الجسم أسمر

سائرا وحده و ليس له‏ * * * زاد فما زلت دائما أتفكر

و توهمت انه يسأل الناس‏ * * * و لم أدر أنّه الحج الاكبر

ثم عاينته و نحن نزول‏ * * * دون فيد على الكثيب الأحمر

يضع الرمل في الاناء و يشربه‏ * * * فناديته و عقلي محير

اسقني شربة فناولني‏ * * * منه فعاينته سويقا و سكر

فسألت الحجيج من يك هذا؟ * * * قيل هذا الامام موسى بن جعفر

فهذه الكرامات العالية المقدار الخارقة للعوائد هي علي التحقيق حلية المناقب و زينة المزايا، و غرر الصفات؛ و لا يؤتاها الا من أفاضت عليه العناية الربانيّة أنوار التأييد، و مرت له اخلاق التوفيق، و أزلفته من مقام التقديس و التطهير؛ و ما يلقيها إلّا الذين صبروا و ما يلقيها إلّا ذو حظ عظيم [2]

. 18- نقل العلامة المجلسي (رضوان اللّه عليه) عن الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة قال:

لقي (عليه السلام) الرشيد حين قدومه إلى المدينة على بغلته فاعترض عليه في ذلك، فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، و ارتفعت عن ذلة العير، و خير الامور اوسطها [3]

.

____________

[1] صفة الصفوة: 2/ 103.

[2] كشف الغمة: 2/ 214.

[3] بحار الانوار: 48/ 176.

45

- 6- «باب علمه و فضائله (عليه السلام)»

1- قال أبو العباس الحميري القمي (رضوان اللّه عليه): محمد بن عيسى عن ابن فضال عن علي بن حمزة قال:

كنت عند ابي الحسن (عليه السلام) اذ دخل عليه ثلاثون مملوكا من الحبش و قد اشتروهم له فكلم غلاما منهم و كان من الحبش جميل فكلمه بكلامه ساعة حتى اتى بجميع ما يريد اعطاه درهما فقال: اعط اصحابك هؤلاء كل غلام منهم كل هلال ثلاثين درهما ثم خرجوا.

فقلت: جعلت فداك لقد رأيتك تكلم هذا الغلام بالحبشية فما ذا امرته قال امرته ان يستوصي باصحابه خيرا و يعطيهم في كل هلال ثلاثين درهما و ذلك اني لما نظرت إليه علمت انه غلام عاقل من ابناء ملكهم فاوصيته بجميع ما احتاج إليه فقبل وصيتي و مع هذا غلام صدق ثم قال: لعلك عجبت من كلامي اياه بالحبشية لا تعجب.

فما الذي خفي عليك من امر الامام اعجب و اكثر و ما هذا من الامام في علمه الّا كطير اخذ بمنقاره من البحر قطرة من ماء أ فترى الذي اخذ بمنقاره نقص من البحر شيئا قال: فان الامام بمنزلة البحر لا ينفد ما عنده و عجائبه اكثر من ذلك و الطير حين اخذ من البحر قطرة لم ينقص من البحر شيئا كذلك العالم لا ينقص علمه شيئا و لا تنفد عجائبه [1]

. 2- قال ابو جعفر الكليني (رضوان اللّه عليه): علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن الحسن ابن إبراهيم، عن يونس، عن هشام بن الحكم في حديث برية

أنه لما جاء معه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلقي أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) فحكى له هشام‏

____________

[1] قرب الاسناد: 144

.

46

الحكاية، فلما فرغ قال أبو الحسن (عليه السلام) لبرية: يا برية كيف علمك بكتابك؟

قال: أنا به عالم، ثمّ قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال: ما أوثقني بعلمي فيه، قال:

فابتدأ أبو الحسن (عليه السلام) يقرأ الانجيل؟ فقال برية: إيّاك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك، قال: فآمن برية و حسن إيمانه، و آمنت المرأة التي كانت معه.

فدخل هشام و برية و المرأة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فحكى له هشام الكلام الذي جرى بين أبي الحسن موسى (عليه السلام) و بين برية، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

ذريّة بعضها من بعض و اللّه سميع عليم، فقال برية: أنّى لكم التوراة و الانجيل و كتب الأنبياء؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرءوها و نقولها كما قالوا، إنّ اللّه لا يجعل حجّة في أرضه يسأل عن شي‏ء فيقول لا أدري [1]

. 3- قال الصدوق: حدثنا الحاكم أبو علي الحسين بن أحمد البيهقي، قال: حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني المبرد. قال: حدثني الرياشي، قال: حدثنا أبو عاصم و رواه عن الرضا (عليه السلام)

ان موسى بن جعفر (ع) تكلم يوما بين يدي أبيه (عليه السلام)، فاحسن، فقال له: يا بني الحمد للّه الذي جعلك خلفا من الآباء و سرورا من الابناء و عوضا عن الاصدقاء [2]

. 4- قال الشيخ المفيد (رضوان اللّه عليه): و قد روى الناس عن ابي الحسن موسى (عليه السلام)

فاكثروا و كان افقه اهل زمانه حسب ما قدمناه و احفظهم لكتاب اللّه و احسنهم صوتا بالقرآن و كان اذا قرأ يحزن و يبكي السامعون لتلاوته و كان الناس بالمدينة يسمونه زين المتهجدين و سميّ بالكاظم لما كظمه من الغيظ و صبر عليه من فعل الظالمين به حتى مضى قتيلا في حبسهم و وثاقهم (عليه السلام) [3]

. 5- قال الطبرسي (رضوان اللّه عليه):

قد اشتهر في الناس ان أبا الحسن موسى (عليه السلام) كان اجل ولد الصادق (عليه السلام) شأنا و اعلاهم في الدين مكانا و افصحهم لسانا و كان اعبد اهل زمانه و اعلمهم و افقههم [4]

.

____________

[1] الكافي: 1/ 227.

[2] عيون الاخبار: 2/ 127.

[3] الارشاد: 279.

[4] اعلام الورى: 295.

47

6- قال ابن شهرآشوب لريان بن شبيب: قال المأمون‏

استاذن الناس على الرشيد تحرك و مد بصره و عنقه إليه حتى دخل البيت الذي كان فيه فلما قرب منه جثا الرشيد على ركبتيه و عانقه ثم اقبل يسأل عن احواله و ابو الحسن يقول خير خير فلما قام عانقه و ودعه فقلت يا امير المؤمنين لقد رأيتك عملت بهذا الرجل شيئا على ما عملته مع احد قط فمن هذا الرجل؟

فقال: يا بني هذا وارث علم النبيين هذا موسى بن جعفر بن محمد اذا اردت العلم الصحيح فعند هذا قال المأمون فعند ذلك انغرس في قلبي حبهم. هشام بن الحكم قال موسى بن جعفر (عليه السلام) لا برهة النصراني كيف علمك بكتابك قال: انا عالم به و بتاويله قال: فابتدأ موسى (عليه السلام) يقرأ الانجيل فقال ابرهة و المسيح لقد كان يقرأها هكذا و ما قرأ هكذا الا المسيح و انا كنت اطلبه منذ خمسين سنة فاسلم على يده [1]

. 7- و قال أيضا: و اخذ عنه العلماء ما لا يحصي كثرته و ذكر عنه الخطيب في تاريخ بغداد و السمعاني في الرسالة القوامية و ابو صالح احمد المؤذن في الاربعين و ابو عبد اللّه بن بطة في الابانة و الثعلبي في الكشف و البيان.

و كان احمد بن حنبل مع انحرافه عن اهل البيت (عليهم السلام) لما روى عنه قال:

حدثني موسى بن جعفر قال: حدثني ابي جعفر بن محمد قال: حدثني ابي محمد بن علي قال: حدثني ابي علي بن الحسين قال: حدثني ابي الحسين بن علي قال: حدثني ابي علي بن ابي طالب قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثم قال:

احمد و هذا اسناد لو قرى‏ء على المجنون لافاق) [2]

. 8- قال ابن حجر العسقلاني: موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب الهاشمي العلوي ابو الحسن المدني الكاظم. روى عن ابيه و عبد اللّه بن دينار و عبد الملك بن قدامة الجمحي. و عنه اخواه علي و محمد و اولاده ابراهيم و حسين‏

____________

[1] المناقب: 2/ 372.

[2] المصدر: 2/ 378.

48

و اسماعيل و علي الرضي و صالح بن يزيد و محمد بن صدقة العنبري. قال ابو حاتم ثقة صدوق امام من أئمة المسلمين.

قال يحيى بن الحسن بن جعفر النسابة: كان موسى بن جعفر يدعى العبد الصالح من عبادته و اجتهاده. و قال الخطيب:

يقال انه ولد بالمدينة في سنة ثمان و عشرين و مائة و اقدمه المهدي الى بغداد ثم رده الى المدينة و اقام بها الى ايام الرشيد فقدم هارون منصرفا من عمرة رمضان سنة تسع و سبعين فحمله معه الى بغداد و حبسه بها الى ان توفي في محبسه.

و قال محمد بن صدقة العنبري توفي سنة ثلاث و ثمانين و مائة و قال غيره في رجب و مناقبه كثيرة. قلت: ان ثبت ان مولده سنة ثمان فروايته عن عبد اللّه بن دينار منقطعة لان عبد اللّه بن دينار توفي سنة سبع و عشرين [1]

. 9- قال عبد اللّه بن اسعد اليافعي في حوادث سنة ثلاث و ثمانين و مائة:

و فيها توفي السيد ابو الحسن موسى الكاظم ولد جعفر الصادق كان صالحا عابدا جوادا حليما كبير القدر و هو احد الأئمة الاثنى عشر المعصومين في اعتقاد الامامية و كان يدعى بالعبد الصالح من عبادته و اجتهاده و كان سخيا كريما كان يبلغه عن الرجل انه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها الف دينار و كان يسكن المدينة فاقدمه المهدي بغداد فحبسه فرأى في النوم اعني المهدي علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) و هو يقول يا محمد

«فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ»

.

قال الربيع و ارسل الي المهدي ليلا فراعني ذلك فجئته فاذا هو يقرأ هذه الآية و كان احسن الناس صوتا و قال عليّ بموسى بن جعفر فجئته به فعانقه و اجلسه الى جانبه و قال:

يا ابا الحسن اني رأيت امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النوم يقرأ عليّ كذا فتؤمنني ان تخرج عليّ او على احد من اولادي.

فقال: و اللّه لا فعلت ذلك و ما هو من شأني قال: صدقت اعطوه ثلاثة آلاف دينار

____________

[1] تهذيب التهذيب: 10/ 339.

49

و رده الى اهله الى المدينة قال الربيع: فاحكمت امره ليلا فما اصبح الا و هو في الطريق خوف العوائق ثم ان هارون الرشيد حبسه في خلافته الى ان توفي في حبسه [1]

. 10- قال ابن ابي حاتم الرازي الامام الحافظ:

موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب روى عن ابيه روى عنه ابنه علي بن موسى و اخوه علي بن جعفر سمعت ابي يقول ذلك. فاعبد الرحمن قال سئل أبي عنه فقال: ثقة صدوق امام من أئمّة المسلمين [2]

. 11- قال الذهبي:

موسى بن جعفر [ت، ق‏] بن محمد بن علي العلوي الملقب بالكاظم. عن أبيه.

قال ابن أبي حاتم: صدوق إمام. و قال أبوه و أبو حاتم الرازي: ثقة إمام.

قلت: روى عنه بنوه: عليّ الرضا، و إبراهيم، و إسماعيل، و حسين؛ و أخواه علي، و محمد؛ و إنما أوردته لأنّ العقيلي ذكره في كتابه، و قال: حديثه غير محفوظ يعني في الإيمان؛ قال: الحمل فيه على أبي الصلت الهروي.

قلت: فاذا كان الحمل فيه على أبي الصلت فما ذنب موسى تذكره؟

و في مسند الشهاب بإسناد مظلم إلى سهل بن إبراهيم، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده- متّصلا- قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، و بعده ينفي الهمّ و يصحّ البصر

. و جاء عن موسى، عن آبائه- مرفوعا:

نعم المال النخل الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل.

و قد كان موسى من أجواد الحكماء و من العباد الأتقياء. و له مشهد معروف ببغداد.

مات سنة ثلاث و ثمانين و مائة. و له خمس و خمسون سنة، و حديثه قليل جدا [3]

. 12- قال ابن عماد الفقيه الحنبلي في حوادث سنة ثلاث و ثمانين و مائة:

و فيها السيد الجليل ابو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق و والد علي بن موسى الرضا ولد

____________

[1] مرآت الجنان: 1/ 394.

[2] الجرح و التعديل: 8/ 139.

[3] ميزان الاعتدال: 4/ 201.

50

سنة ثمان و عشرين و مائة روى عن أبيه قال أبو حاتم ثقة امام من أئمة المسلمين و قال غيره كان صالحا عابدا جوادا حليما كبير القدر بلغه عن رجل الأذى له فبعث بألف دينار و هو احد الأئمة الاثنى عشر المعصومين على اعتقاد الامامية سكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد و حبسه فرأى المهدي في نومه عليا كرم اللّه وجهه و هو يقول له: يا محمد فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض و تقطعوا ارحامكم. فاطلقه على ان لا يخرج عليه و لا على أحد من بنيه و اعطاه ثلاثة آلاف و رده الى المدينة ثم حبسه هارون الرشيد في دولته و مات في حبسه و قيل ان هارون قال: رأيت حسينا في النوم قد أتى بالحربة و قال: ان خليت عن موسى هذه الليلة و الا نحرتك بها فخلاه و اعطاه ثلاثين ألف درهم و قال موسى رأيت النبي صلّى اللّه عليه و سلم و قال لي: يا موسى حبست ظلما فقل هذه الكلمات لا تبيت هذه الليلة في الحبس: يا سامع كل صوت يا سائق الفوت يا كاسي العظام لحما و منشرها بعد الموت أسألك باسمائك الحسنى و باسمك الأعظم الاكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه احد من المخلوقين يا حليما ذا اناة يا ذا المعروف الذي لا ينقطع ابدا فرج عني، و اخباره كثيرة شهيرة (رضي الله عنه) [1]

. 13- قال الحافظ سليمان القندوزي الحنفي في باب أولاد الامام جعفر الصادق (عليه السلام):

ولده الذكور ستة و الاناث واحد منهم موسى الكاظم و هو وارثه علما و معرفة و كمالا و فضلا سمي الكاظم لكثرة تجاوزه و حلمه، و كان عند أهل العراق معروفا بباب قضاء الحوائج، و كان أعبد أهل زمانه و أعلمهم و أسخاهم. و سأله الرشيد كيف تقولون أنتم إنا ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أنتم ذرية علي فتلا:

«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ»

إلى ان قال: و عيسى و ليس له أب و تلا أيضا:

«فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ ...»

الآية و لم يدع (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عند مباهلة النصارى غير علي و فاطمة و الحسن و الحسين فكان الحسن و الحسين هما الابناء (رضي الله عنهم)، و من بديع كراماته ما حكاه ابن الجوزي و الرامهرمزي و غيرهما [2]

.

____________

[1] شذرات الذهب: 1/ 304.

[2] ينابيع المودة: 435.