مسند الإمام الجواد أبي جعفر محمد بن علي الرضا(ع)

- عزيز الله عطاردي‏ المزيد...
335 /
5

كلمة المؤتمر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

عبد السّلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن الرّضا (عليه السّلام) يقول:

رحم اللّه عبدا أحيا أمرنا، فقلت له: كيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلّم علومنا و يعلّمها النّاس، فإنّ النّاس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا.

مسند الامام الرّضا (عليه السّلام) أما بعد:

ان الهدف الرئيسي من وراء تأسيس المؤتمر العالمي للامام الرّضا (عليه السّلام) هو احياء أمر الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في أبعاده المختلفة، و التعريف بشخصياتهم و سيرتهم و حياتهم المشعة بالنور و العامرة بالعطاء، و ابراز علومهم و معارفهم للأمة الاسلامية.

من أجل تحقق هذا الهدف المنشود: نشعر كخطوة بضرورة جمع الاحاديث الواردة عن كل إمام من الأئمة المعصومين، و تدوينها و تنظيمها في مجموعة واحدة، ان هذا العمل بالاضافة إلى انه يساعد على تيسير سبل معرفة الأئمة (عليهم السلام) و التعرف على منهجهم من الحياة بالنسبة للمجتمع الاسلامي، فانه يقدم للعلماء و الباحثين و الكتاب و جهات نظر جامعة و شاملة عن الأئمة، حتى يقوموا بدراسات تحقيقية لحياة الأئمة بوعي أوسع و اطلاع أعمق و تفرغ‏

6

أكثر، و يثيروا دفائن علومهم و معارفهم. و هذا الكتاب (مسند الامام الجواد (عليه السّلام)) يتحدث عن حياة الامام (عليه السّلام) و يحتوي مجموعة رواياته و أحاديثه، مع نبذة مختصرة عن حياة رواته، تم إعداده و تحقيقه من قبل العالم الباحث حجة الاسلام الشيخ عزيز اللّه العطاردي دامت إفاضاته.

إنّ هذا الكتاب القيم الذي يعتبر مصدرا أساسيا فذا في دراسة حياة الإمام الجواد (عليه السّلام) و أبعاد شخصيته المختلفة حلقة من حلقات موسوعة كبيرة التي تخلو منها كتب الحديث تحت عنوان «مسانيد الأئمة» من المؤمل أن تبلغ (30) مجلدا إن شاء اللّه، و هذا مسند الامام الجواد (عليه السّلام) حيث يقوم المؤتمر العالمي للإمام الرّضا (عليه السّلام) لأول مرة بطبعه و نشره ليكون في متناول أيدي المتتبعين من أصحاب الرأي و التقويم، و محبي أهل البيت (عليهم السلام).

إنّ المؤتمر العالمي للامام الرّضا (عليه السّلام)، إذ يثمن تلك الجهود المحمودة التي بذلها العالم الفاضل الشيخ العطاردي، فانه يشكره جزيل الشكر و يدعو اللّه تعالى له بالتوفيق لاكمال بقية أجزاء مسانيد الأئمة (عليهم السلام)، كذلك يبتهل المؤتمر الى اللّه أن يساعده لنشر هذه الموسوعة العظيمة، و أن يتقبل بكرمه هذه الخدمة المتواضعة.

و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته المؤتمر العالمي للإمام الرّضا (عليه السّلام)

7

الاهداء الى الامام التقي و الوصي الرضي، حجة اللّه على العباد و امينه في البلاد، الشهيد المظلوم و الولي المعصوم، البدر الطالع و النور الساطع.

الى سيدي و مولاي أبي جعفر الجواد (عليه السّلام) اهدي هذا الكتاب و ارجو منه أن يقبل مني و يشفع لي و لوالدي في يوم الحساب.

المؤلف‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين، الصلاة و السّلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطيبين الطاهرين المعصومين.

اما بعد: فيقول العبد الفقير الى اللّه سبحانه و تعالى الشيخ عزيز اللّه العطاردي الخبوشاني- جعل اللّه مستقبله خيرا من ماضيه-: هذا الكتاب الذي نقدمه الى الفضلاء الاعلام و العلماء الكرام هو القسم العاشر من موسوعة أهل البيت (عليهم السلام) في حالات الامام التاسع أبي جعفر الجواد (عليه السّلام) و اخباره و آثاره و احوال رواته.

ان الامام أبي جعفر الثاني (عليه السّلام) استشهد في شبابه و عمره يوم شهادته خمسة و عشرون سنة و لذلك ترى اخباره و احاديثه قليلة بالنسبة الى روايات آبائه (عليهم السلام) و تظهر من هذه الاخبار شخصيته البارزة و تفوقه على العلماء و الفقهاء في مجلس المناظرة كاحتجاجه مع يحيى بن اكثم عند المأمون.

تفحصنا كتب الاحاديث و المصادر المعتبرة عند أهل العلم و الفقه و الدراية و استخرجنا روايات الامام الجواد (عليه السّلام) و اخباره و رتبناها على حسب الموضوع على الابواب لتسهيل المراجعين، و ما ندعي ان هذا الكتاب جامع لاحاديثه (عليه السّلام) و لعل في المصادر توجد روايات اخرى فات عني عند التحقيق.

نرجو من العلماء الاعلام اذا وجدوا رواية عن أبي جعفر محمد بن على‏

10

الجواد (عليهما السلام) من كتاب مطبوع أو مخطوط و لم يذكر في هذا الكتاب ان يدلونا الى مصدر الحديث حتى نستدركه.

جمعنا رواياته و اخباره (عليه السّلام) و كذا حالاته و فضائله و مناقبه في أربعين بابا اوله باب ولادته (عليه السّلام) و آخره باب الحكم و السنن و المواعظ، و ذكرنا في الذيل رواته و اوردنا مختصرا من حالاتهم و ما قيل في شأنهم من الجرح و التعديل.

11

- 1- باب مولده (عليه السّلام)

1- الكليني قال: ولد (عليه السّلام) في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و مائة و قبض (عليه السّلام) سنة عشرين و مائتين في آخر ذي القعدة و هو ابن خمس و عشرين سنة و شهرين و ثمانية عشر يوما، و دفن ببغداد في مقابر قريش عند قبر جدّه موسى (عليه السّلام) و قد كان المعتصم أشخصه إلى بغداد في أوّل هذه السنة الّتي توفّي فيها (عليه السّلام) و أمّه أمّ ولد، يقال لها: سبيكة نوبيّة و قيل أيضا: إنّ اسمها كان خيزران. و روي أنّها كانت من أهل بيت مارية أمّ إبراهيم بن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). (1)

2- الطوسي قال: محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، كنيته ابو جعفر، ولد بالمدينة في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة من الهجرة، و قبض ببغداد في آخر ذي القعدة سنة عشرين و مائتين، و له يومئذ خمس و عشرون سنة، و أمه أمّ ولد يقال لها: الخيزران و كانت من اهل بيت مارية القبطية ((رحمة الله عليها)) و دفن ببغداد في مقابر قريش في ظهر جده موسى (عليه السّلام). (2)

3- الطبري قال: قال ابو محمد الحسن بن علي العسكري الثاني (عليه السّلام):

ولد بالمدينة ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان سنة مائة و خمس و تسعين من الهجرة.

و حدثني أبو المفضل محمد بن عبد اللّه قال: حدثني أبو النجم بدر بن عمارة قال:

حدثنا أبو جعفر محمد بن علي، قال: حدثني عبد اللّه بن أحمد عن صفوان بن يحيى عن‏

____________

(1) الكافي: 1/ 492

(2) التهذيب: 6: 90

12

حكيمة بنت أبي الحسن موسى (عليه السّلام).

قالت: لما علقت أم ابي جعفر كتبت إليه: جاريتك سبيكة قد علقت، فكتب إلى انها علقت ساعة كذا من يوم كذا من شهر كذا فاذا هي ولدت فالزميها سبعة أيام، قالت: فلما ولدته قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، فلما كان اليوم الثالث عطس فقال:

الحمد للّه و صلى اللّه على محمد و على الأئمة الراشدين. (1)

4- قال الشيخ المفيد: و كان مولده (عليه السّلام) في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة بالمدينة. (2)

5- قال الفتال النيسابوري: ولد ابو جعفر (عليه السّلام) بالمدينة ليلة الجمعة لتسع عشر ليلة خلت من شهر رمضان و يقال: النصف من شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة من الهجرة. (3)

6- الطبرسي قال: ولد في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و مائة لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر و قيل للنصف منه ليلة الجمعة.

و في رواية ابن عيّاش: ولد يوم الجمعة للنصف من رجب، و قبض ببغداد في آخر ذي القعدة سنة عشرين و مائتين و له يومئذ خمس و عشرون سنة، و كانت مدّة خلافته بعد أبيه سبع عشرة سنة، و كانت في أيّام إمامته بقيّة ملك المأمون و قبض في أوّل ملك المعتصم. (4)

7- قال ابن شهرآشوب: ولد بالمدينة ليلة الجمعة التاسع عشر من شهر رمضان، و يقال: للنصف منه، و قال ابن عياش: يوم الجمعة لعشر خلون من رجب سنة خمس و تسعين و مائة. (5)

8- و روى أيضا عن حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السّلام) قالت:

لما حضرت ولادة الخيزران أم أبي جعفر (عليه السّلام) دعاني الرّضا فقال لي: يا حكيمة

____________

(1) دلائل الامامة: 201

(2) الارشاد: 297

(3) روضة الواعظين: 208.

(4) اعلام الورى: 329

(5) مناقب آل طالب: 2/ 426- 437

13

احضري ولادتها و ادخلي و اياها و القابلة بيتا؟ و وضع لنا مصباحا و اغلق الباب علينا فلما اخذها الطلق طفى المصباح و بين يديها طست فاغتممت بطفإ المصباح، فبينا نحن كذلك اذ بدر أبو جعفر (عليه السّلام) في الطست و اذا عليه شي‏ء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاه البيت فأبصرناه فاخذته فوضعته في حجري و نزعت عنه ذلك الغشاء.

فجاء الرّضا (عليه السّلام) ففتح الباب و قد فرغنا من امره، فأخذه فوضعه في المهد و قال لي: يا حكيمة الزمي مهده. قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره الى السماء ثم نظر يمينه و يساره ثم قال: أشهد ان لا إله الا اللّه و اشهد ان محمدا رسول اللّه، فقمت ذعرة فزعة فأتيت ابا الحسن (عليه السّلام) فقلت له: لقد سمعت من هذا الصبي عجبا، فقال: و ما ذاك؟ فأخبرته الخبر، فقال: يا حكيمة ما ترون من عجائبه اكثر. (1)

9- قال الإربلي: فاما ولادته ففي ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان سنة مائة و خمس و تسعين للهجرة، و قيل: عاشر رجب منها. (2)

10- و روى أيضا عن الحافظ عبد العزيز بن الاخضر الجنابذي ((رحمه الله)):

ابو جعفر محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) ولد سنة خمس و تسعين و مائة و يقال: ولد بالمدينة في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و مائة. (3)

11- روى ابو جعفر الطوسي عن ابن عيّاش قال: و خرج الى اهلي على يد الشيخ ابي القاسم (رضي الله عنه) في مقامه عندهم هذا الدعاء في ايّام رجب: اللهم اني أسألك بالمولودين في رجب محمد بن علي الثّاني و ابنه علي بن محمد المنتجب و اتقرّب بهما إليك خير القرب يا من إليه المعروف طلب و فيما لديه رغب و أسألك سؤال مقترف مذنب قد

____________

(1) مناقب آل ابي طالب: 2/ 426- 430.

(2) كشف الغمة: 2/ 343

(3) كشف الغمة: 2/ 345

14

اوبقته ذنوبه و اوثقته عيوبه فطال على الخطايا دؤبه و من الرزايا خطوبه.

يسألك التوبة و حسن الأوبة و النزوع عن الحوبة و من النار فكاك رقبته و العفو عما في ربقته فانت مولاي أعظم أمله و ثقته اللهم و أسألك بمسائلك الشريفة و وسائلك المنيفة أن تتغمّدني في هذا الشهر برحمة منك واسعة و نعمة وازعة و نفس بما رزقتها قانعة إلى نزول الحافرة و محلّ الآخرة و ما هي إليه صائرة. (1)

12- المجلسي قال: قال الشهيد في الدروس: ولد (عليه السّلام) بالمدينة في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة و قبض ببغداد في آخر ذي القعدة، و قيل يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة، سنة عشرين و مائتين. (2)

13- روى المجلسي عن تاريخ الغفاري: ولد (عليه السّلام) ليلة الجمعة الخامس عشر من شهر رمضان. (3)

14- و روى أيضا عن عيون المعجزات: عبد الرّحمن بن محمّد، عن كليم ابن عمران قال: قلت للرضا (عليه السّلام): ادع اللّه أن يرزقك ولدا، فقال: إنّما ارزق ولدا واحدا و هو يرثني، فلما ولد أبو جعفر (عليه السّلام) قال الرّضا (عليه السّلام) لأصحابه:

قد ولد لي شبيه موسى بن عمران، فالق البحار، و شبيه عيسى بن مريم قدّست أمّ ولدته، قد خلقت طاهرة مطهّرة.

ثمّ قال الرّضا (عليه السّلام): يقتل غصبا فيبكي له و عليه أهل السّماء، و يغضب اللّه تعالى على عدوّه و ظالمه، فلا يلبث إلّا يسيرا حتّى يعجّل اللّه به إلى عذابه الأليم و عقابه الشديد، و كان طول ليلته يناغيه في مهده. (4)

15- قال المسعودي: روى أنه (عليه السّلام) ولد ليلة الجمعة لاحدى عشر ليلة بقيت من شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة فلما ولد قال ابو الحسن لأصحابه: في تلك الليلة قد ولد لي شبيه موسى بن عمران، فالق البحار قدست أم ولدته فلقد خلقت طاهرة مطهرة، ثم قال: بأبي و أمي شهيد يبكي عليه اهل السماء يقتل غيظا و يغضب‏

____________

(1) مصباح المتهجد: 741

(2) بحار الأنوار: 50/ 14- 15

(3) بحار الأنوار: 50/ 14- 15

(4) بحار الأنوار: 50/ 14- 15

15

اللّه على قاتله، فلا يلبث إلا يسيرا حتى يعجل اللّه به الى عذابه الأليم و عقابه الشديد.

و روى عبد الرحمن بن محمد عن كلثم بن عمران قال: قلت للرضا: أنت تحب الصبيان فادع اللّه أن يرزقك ولدا، فقال: انما ارزق ولدا واحدا و هو يرثني فلما ولد ابو جعفر كان طول ليلته يناغيه في مهده فلما طال ذلك على عدة ليال، قلت: جعلت فداك قد ولد للناس أولاد قبل هذا فكل هذا تعوذه. فقال: ويحك ليس هذا عوذة انما اغره بالعلم غرا. و كان مولده و منشؤه على صفة مواليد آبائه (عليهم السلام). (1)

16- قال الخطيب البغدادي: و كان مولده سنة مائة و خمس و تسعين. (2)

17- قال ابن خلكان: و كانت ولادته يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان و قيل:

منتصفه سنة خمس و تسعين و مائة. (3)

____________

(1) اثبات الوصية: 209

(2) تاريخ بغداد: 3/ 55

(3) وفيات الاعيان: 3/ 315

16

- 2- باب أسمائه و القابه (عليه السّلام)

1- الطبري الامامي: و نسبه: محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

و كنيته: ابو جعفر، و ابو علي الخاص.

و لقبه: الزكي، و المرتضى، و التقي، و القانع، و الرضي، و المختار، و المتوكل، و الجواد. (1)

2- قال الشيخ المفيد: و كان منعوتا بالمنتجب و المرتضى. (2)

3- قال الطبرسي: و لقبه (عليه السّلام) التقي و المنتجب و الجواد و المرتضى و يقال له: ابو جعفر الثاني. (3)

4- قال الاربلي: و اما اسمه فمحمد، و اما كنيته فابو جعفر بكنية جدّه محمد الباقر (عليه السّلام) و له لقبان: القانع و المرتضى. (4)

5- قال الفتال النيسابوري: و كان ابو جعفر (عليه السّلام) منعوتا بالمرتضى و بالمنتجب. (5)

6- قال ابن شهرآشوب: اسمه: محمد، و كنيته أبو جعفر؛ و الخاص أبو علي.

و القابه: المختار؛ و المرضي، و المتوكل، و المتقي، و الزكي، و التقي، و المنتجب‏

____________

(1) دلائل الامامة: 209

(2) الارشاد: 307

(3) اعلام الورى: 330

(4) كشف الغمة: 2/ 343

(5) روضة الواعظين 203

17

و المرتضى، و القانع؛ و الجواد؛ و العالم الرباني، ظاهر المعاني قليل التواني المعروف بأبي جعفر الثاني؛ المنتجب المرتضى، المتوشح بالرضا، و المستسلم للقضاء، له من اللّه أكثر الرّضا ابن الرّضا، توارث الشرف كابرا عن كابر، و شهد له بذا الصوامع استسقى عروقه من منبع النبوة، و رضعت شجرته ثدي الرسالة، و تهدلت أغصانه ثمر الامامة.

و حساب الجمل و حساب الهند و طبقات الاسطرلاب تسعة تسعة، و محمد بن علي تاسع الأئمة. و لنا

فديت امامي ابا جعفر * * * جوادا يلقب بالتاسع‏ (1)

7- قال محمد بن طلحة: كنيته ابو جعفر و له لقبان: القانع و المرتضى، و قال الحافظ عبد العزيز: و يلقب بالجواد. (2)

8- قال ابن الصباغ المالكي: و اما كنيته: فأبو جعفر كنية جدّه محمد الباقر (عليه السّلام)، و اما القابه: فالجواد و القانع و المرتضى و اشهرها الجواد، صفته ابيض معتدل، نقش خاتمه: نعم القادر اللّه. (3)

____________

(1) المناقب: 2/ 426

(2) مطالب السؤل: 87

(3) الفصول المهمة: 266

18

- 3- باب إمامته (عليه السّلام)

1- ابو جعفر الكليني، عن عليّ بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن محمّد ابن الوليد، عن يحيى بن حبيب الزيّات قال: أخبرني من كان عند أبي الحسن الرّضا (عليه السّلام) جالسا، فلمّا نهضوا قال لهم: القوا أبا جعفر فسلّموا عليه و أحدثوا به عهدا، فلمّا نهض القوم التفت إليّ فقال: يرحم اللّه المفضّل إنّه كان ليقنع بدون هذا. (1)

2- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن معمر بن خلّاد قال:

سمعت الرّضا (عليه السّلام) و ذكر شيئا فقال: ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي و صيّرته مكاني و قال: إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذّة بالقذّة. (2)

3- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن أبيه محمّد ابن عيسى قال: دخلت على أبي جعفر الثاني (عليه السّلام) فناظرني في أشياء، ثمّ قال لي: يا أبا عليّ ارتفع الشكّ ما لأبي غيري. (3)

4- عنه، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن جعفر بن يحيى، عن مالك بن أشيم، عن الحسين بن بشّار قال: كتب ابن قياما إلى أبي الحسن (عليه السّلام) كتابا يقول فيه: كيف تكون إماما و ليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن الرّضا (عليه السّلام)- شبه المغضب-: و ما علمك أنّه لا يكون لي ولد و اللّه لا تمضي الأيّام و اللّيالي حتّى يرزقني ولدا ذكرا يفرّق به بين الحقّ و الباطل. (4)

____________

(1) الكافي: 1/ 320

(2) الكافي: 1/ 320

(3) الكافي: 1/ 320

(4) الكافي: 1/ 320

19

5- عنه، عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عليّ، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي نصر قال: قال لي ابن النجاشي: من الإمام بعد صاحبك؟ فأشتهي أن تسأله حتّى أعلم، فدخلت على الرّضا (عليه السّلام) فأخبرته، قال: فقال لي: الإمام ابني، ثمّ قال: هل يتجرّى أحد أن يقول ابني و ليس له ولد. (1)

6- عنه، عن أحمد بن مهران، عن محمّد بن علي، عن معمر بن خلّاد قال:

ذكرنا عند أبي الحسن (عليه السّلام) شيئا بعد ما ولد له أبو جعفر (عليه السّلام)، فقال: ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي و صيّرته في مكاني. (2)

7- عنه، عن أحمد، عن محمّد بن عليّ، عن ابن قياما الواسطيّ قال: دخلت على عليّ بن موسى (عليه السّلام) فقلت له: أ يكون إمامان؟ قال: لا إلّا و أحدهما صامت، فقلت له: هو ذا أنت، ليس لك صامت- و لم يكن ولد له أبو جعفر (عليه السّلام) بعد- فقال لي: و اللّه ليجعلنّ اللّه منّي ما يثبت به الحقّ و أهله، و يمحق به الباطل و أهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر (عليه السّلام)، و كان ابن قياما واقفيّا. (3)

8- عنه، عن أحمد، عن محمّد بن عليّ، عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن (عليه السّلام) جالسا، فدعا بابنه و هو صغير فأجلسه في حجري، فقال لي:

جرّده و انزع قميصه، فنزعته فقال لي: انظر بين كتفيه، فنظرت فإذا في أحد كتفيه شبيه بالخاتم داخل في اللّحم، ثمّ قال: أ ترى هذا؟ كان مثله في هذا الموضع من أبي (عليه السّلام). (4)

9- عنه، عن احمد، عن محمّد بن عليّ، عن أبي يحيى الصنعانيّ قال: كنت عند أبي الحسن الرّضا (عليه السّلام) فجي‏ء بابنه أبي جعفر (عليه السّلام) و هو صغير، فقال: هذا المولود الّذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه. (5)

10- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن صفوان بن يحيى قال:

____________

(1) الكافي: 1/ 320

(2) الكافي: 1/ 321

(3) الكافي: 1/ 321

(4) الكافي: 1/ 321

(5) الكافي: 1/ 321

20

قلت للرضا (عليه السّلام): قد كنّا نسألك قبل أن يهب اللّه لك أبا جعفر (عليه السّلام) فكنت تقول: يهب اللّه لي غلاما، فقد وهبه اللّه لك، فأقرّ عيوننا، فلا أرانا اللّه يومك فإن كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السّلام) و هو قائم بين يديه، فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين؟! فقال: و ما يضرّه من ذلك فقد قام عيسى (عليه السّلام) بالحجّة و هو ابن ثلاث سنين. (1)

11- عنه، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمد، عن محمّد بن جمهور، عن معمر بن خلّاد قال: سمعت إسماعيل بن إبراهيم يقول للرضا (عليه السّلام): إنّ ابني في لسانه ثقل، فأنا أبعث به إليك غدا تمسح على رأسه و تدعوا له فانّه مولاك، فقال: هو مولى أبي جعفر فابعث به غدا إليه. (2)

12- عنه، عن الحسين بن محمّد، عن محمّد بن أحمد النهديّ، عن محمّد بن خلّاد الصيقل، عن محمّد بن الحسن بن عمّار قال: كنت عند عليّ بن جعفر بن محمّد جالسا بالمدينة و كنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما يسمع من أخيه- يعني أبا الحسن (عليه السّلام)- إذ دخل عليه أبو جعفر محمّد بن عليّ الرّضا (عليه السّلام) المسجد- مسجد الرسول (صلى اللّه عليه و آله)- فوثب عليّ بن جعفر بلا حذاء و لا رداء فقبّل يده و عظّمه.

فقال له أبو جعفر (عليه السّلام): يا عمّ اجلس رحمك اللّه، فقال: يا سيّدي كيف أجلس و أنت قائم، فلمّا رجع عليّ بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه و يقولون: أنت عمّ أبيه و أنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا إذا كان اللّه عزّ و جلّ- و قبض على لحيته- لم يؤهّل هذه الشيبة و أهّل هذا الفتى و وضعه حيث وضعه، انكر فضله؟! نعود باللّه ممّا تقولون، بل أنا له عبد. (3)

13- عنه، عن الحسين بن محمّد، عن الخيراني، عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن (عليه السّلام) بخراسان فقال قائل: يا سيّدي إن كان كون فإلى من؟

____________

(1) الكافي: 1/ 321

(2) الكافي: 1/ 321

(3) الكافي: 1/ 322

21

قال: إلى أبي جعفر ابني، فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر عليه السلام، فقال أبو الحسن عليه السلام: إنّ اللّه تبارك و تعالى بعث عيسى بن مريم رسولا نبيّا، صاحب شريعة مبتداة في أصغر من السنّ الّذي فيه أبو جعفر عليه السلام. (1)

14- عنه، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه؛ و عليّ بن محمّد القاسانيّ جميعا، عن زكريّا بن يحيى بن النعمان الصيرفيّ قال: سمعت عليّ بن جعفر يحدّث الحسن ابن الحسين بن عليّ بن الحسين فقال: و اللّه لقد نصر اللّه أبا الحسن الرضا عليه السلام، فقال له الحسن: إي و اللّه جعلت فداك لقد بغى عليه إخوته.

فقال عليّ بن جعفر: إي و اللّه و نحن عموته بغينا عليه، فقال له الحسن: جعلت فداك كيف صنعتم فإنّي لم أحضركم؟ قال: قال له إخوته و نحن أيضا: ما كان فينا إمام قطّ حائل اللّون فقال لهم الرضا عليه السلام هو ابني، قالوا: فإنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد قضى بالقافة فبيننا و بينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم فأمّا أنا فلا، و لا تعلموهم لما دعوتموهم و لتكونوا في بيوتكم ..

فلمّا جاءوا أقعدونا في البستان و اصطفّ عمومته و إخوته و أخواته و أخذوا الرضا عليه السلام و ألبسوه جبّة صوف و قلنسوة منها و وضعوا على عنقه مسحاة و قالوا له: ادخل البستان كأنّك تعمل فيه، ثمّ جاءوا بأبي جعفر عليه السلام فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه، فقالوا: ليس له هاهنا أب و لكن هذا عمّ أبيه، و هذا عمّ أبيه، و هذا عمّه، و هذه عمّته، و إن يكن له هاهنا أب فهو صاحب البستان، فإنّ قدميه و قدميه واحدة فلمّا رجع أبو الحسن عليه السلام قالوا: هذا أبوه.

قال عليّ بن جعفر: فقمت فمصصت ريق أبي جعفر عليه السلام ثمّ قلت له:

أشهد أنّك إمامي عند اللّه، فبكى الرّضا عليه السلام، ثمّ قال: يا عمّ! أ لم تسمع أبي و هو يقول: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): بأبي ابن خيرة الإماء ابن النوبيّة الطيّبة الفم، المنتجبة الرحم، و يلهم لعن اللّه الاعيبس و ذرّيّته، صاحب الفتنة، و يقتلهم‏

____________

(1) الكافي: 1/ 322.

22

سنين و شهورا و أيّاما يسومهم خسفا و يسقيهم كأسا مصبّرة، و هو الطريد الشريد الموتور بأبيه و جدّه صاحب الغيبة، يقال: مات أو هلك، أيّ واد سلك؟! أ فيكون هذا يا عم إلّا منّي، فقلت: صدقت جعلت فداك. (1)

15- الصدوق قال: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه) قال:

حدثنا عليّ بن ابراهيم بن هاشم عن أبيه، عن محمد بن سنان قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام قبل أن يحمل الى العراق بسنة و عليّ ابنه عليه السلام بين يديه، فقال لي: يا محمد فقلت: لبيك قال: انه سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع منها ثم أطرق و نكت بيده في الارض و رفع رأسه إلي و هو يقول: «و يضل اللّه الظالمين و يفعل ما يشاء» قلت: و ما ذاك جعلت فداك؟

قال: من ظلم ابني هذا حقه و جحد امامته من بعدي، كان كمن ظلم عليّ بن أبي طالب عليه السلام حقه، و جحد امامته من بعد محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فعلمت انه قد نعى الى نفسه، و دل على ابنه فقلت: و اللّه لئن مد اللّه في عمري لا سلمن إليه حقه، و لأّن له بالامامة، و أشهد أنه من بعدك حجة اللّه تعالى على خلقه و الداعي الى دينه، فقال لي: يا محمّد يمد اللّه في عمرك و تدعوا الى امامته و امامة من يقوم مقامه من بعده.

فقلت: من ذاك جعلت فداك؟ قال: محمّد ابنه، قال: قلت: فالرضا و التسليم، قال: نعم، كذلك وجدتك في كتاب امير المؤمنين عليه السلام أما انك في شيعتنا ابين من البرق في الليلة الظلماء، ثم قال: يا محمّد، ان المفضل كان أنسي و مستراحي، و أنت انسهما و مستراحهما حرام على النار ان تمسك أبدا. (2)

16- عنه قال: حدثنا عليّ بن عبد اللّه الوراق، قال: حدثنا أبو الحسين محمّد ابن جعفر الكوفي الاسدي، قال: حدثنا الحسن بن عيسى الخراط، قال: حدثنا جعفر ابن محمد النوفلي، قال: أتيت الرضا و هو بقنطرة اربق فسلمت عليه، ثم جلست و قلت:

____________

(1) الكافي: 1/ 322

(2) عيون الاخبار: 1/ 32

23

جعلت فداك ان أناسا يزعمون ان أباك حي، فقال كذبوا لعنهم اللّه و لو كان حيا ما قسم ميراثه و لا نكح نساؤه، و لكنه و اللّه ذاق الموت كما ذاقه عليّ بن ابي طالب عليه السلام.

قال: فقلت له، ما تأمرني؟ قال: عليك بابني محمد من بعدي، و أما أنا فاني ذاهب في وجه الأرض لا ارجع منه بورك قبر بطوس و قبران ببغداد، قال: قلت:

جعلت فداك قد عرفنا واحدا، فما الثاني؟ قال: ستعرفونه، ثم قال عليه السلام:

قبري و قبر هرون الرشيد هكذا و ضم باصبعيه. (1)

17- عنه قال: حدثنا الحاكم ابو عليّ الحسين بن احمد البيهقي؛ قال: حدثني محمّد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا عون بن محمّد، قال: حدثنا ابو الحسين بن محمّد ابن أبي عباد و كان يكتب للرضا عليه السلام ضمه إليه الفضل بن سهل؛ قال: ما كان عليه السلام يذكر محمّدا ابنه الا بكنيته يقول: كتب إليّ ابو جعفر عليه السلام و كنت اكتب الى أبي جعفر عليه السلام و هو صبي بالمدينة، فيخاطبه بالتعظيم و ترد كتب ابي جعفر عليه السلام في نهاية البلاغة و الحسن، فسمعته يقول: ابو جعفر وصيي و خليفتي في أهلي من بعدي. (2)

18- الكشي قال: حدثني حمدويه بن نصير قال: حدثني محمد بن عيسى، عن محمد بن عمر بن سعيد الزيات، عن محمد بن حريز قال: حدثني بعض اصحابنا من كان عند ابي الحسن الثاني عليه السلام جالسا فلما نهضوا قال لهم: القوا أبا جعفر عليه السلام فسلموا عليه و احدثوا به عهدا، فلما نهض القوم التفت الي و قال: يرحم اللّه المفضل انه كان ليكتفي بدون هذا. (3)

19- عنه قال: حمدويه و ابراهيم قالا: حدثنا ابو جعفر محمد بن عيسى قال:

اخبرني مسافر قال: امرني ابو الحسن عليه السلام بخراسان فقال: ألحق بأبي جعفر فانه‏

____________

(1) عيون الاخبار: 2/ 216

(2) عيون الاخبار: 2/ 240

(3) رجال الكشي: 277

24

صاحبك. (1)

20- عنه قال: حمدويه بن نصير قال: حدثنا الحسن بن موسى عن عبد الرحمن ابن ابي نجران عن الحسين بن بشار قال: استأذنت انا و الحسين بن قياما على الرضا عليه السلام في صربا فأذن لنا. قال: افرغوا من حاجتكم. قال له الحسين: تخلو الارض من ان يكون فيها امام؟ فقال: لا. قال: فيكون فيها اثنان؟

قال: لا، الا واحد صامت لا يتكلم. قال: قد علمت انك لست بامام. قال و من اين علمت؟ قال: انه ليس لك ولد و انما هي في العقب. فقال له: فو اللّه لا تمضي الأيام و الليالي حتى يولد ذكر من صلبي يقوم مثل مقامي يحي الحق و يمحي الباطل. (2)

21- عنه، قال: و وجدت بخط جبرئيل بن احمد: حدثني محمد بن عبد اللّه ابن مهران، عن احمد بن محمد بن ابي نصر؛ و محمد بن سنان جميعا قالا: كنا بمكة و ابو الحسن الرضا فيها فقلنا له: جعلنا اللّه فداك نحن خارجون و أنت مقيم، فان رأيت ان تكتب لنا الى ابي جعفر عليه السلام كتابا لنسلم به، فكتب إليه فقدمنا للموقف.

فقلنا له: اخرجه إلينا، فأخرجه إلينا و هو في صدر موقف فأقبل يقرأه و يطويه و ينظر فيه و يتبسم حتى اتى على آخره يطويه من اعلاه و ينشره من اسفله. قال محمد ابن سنان: فلما فرغ من قراءته حرك رجله و قال: ناج ناج. فقال احمد: ثم قال ابن سنان عند ذلك: فطرسية فطرسية. (3)

22- الكشي، عن حمدويه قال: حدثنا ابو سعيد الآدمي، عن محمد بن مرزبان، عن محمد بن سنان قال: شكوت الى الرضا عليه السلام وجع العين فأخذ قرطاسا فكتب الى أبي جعفر عليه السلام و هو اول شي‏ء، فدفع الكتاب الى الخادم و امرني ان اذهب معه و قال: اكتم، فأتيناه و خادم قد حمله، قال: ففتح الخادم الكتاب بين يدي ابي جعفر عليه السلام فجعل ابو جعفر عليه السلام ينظر في الكتاب و يرفع رأسه الى السماء

____________

(1) رجال الكشي: 426

(2) رجال الكشي: 463

(3) رجال الكشي: 488

25

و يقول: ناج، ففعل ذلك مرارا فذهب كل وجع في عيني و ابصرت بصرا لا يبصره احد.

قال: فقلت لأبي جعفر عليه السلام جعلك اللّه شيخا على هذه الامة كما جعل عيسى بن مريم شيخا على بني اسرائيل. قال: ثم قلت له: يا شبيه صاحب فطرس.

قال: و انصرفت و قد امرني الرضا عليه السلام ان اكتم فما زلت صحيح البصر حتى اذعت ما كان من ابي جعفر عليه السلام في امر عيني فعاودني الوجع. قال: قلت لمحمد بن سنان: ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب فطرس؟

فقال: ان اللّه غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس فدق جناحه و رمى به في جزيرة من جزائر البحر، فلما ولد الحسين عليه السلام بعث اللّه عز و جل جبرئيل الى محمد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم )ليهنئه بولادة الحسين عليه السلام، و كان جبرئيل صديقا لفطرس فمرّ به و هو في الجزيرة مطروح فخبره بولادة الحسين عليه السلام و ما امر اللّه به، فقال له: هل لك ان احملك على جناح من اجنحتي و امضي بك الى محمد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم )ليشفع فيك؟

فقال فطرس: نعم، فحمله على جناح من اجنحته حتى اتى به محمدا (صلى اللّه عليه و آله و سلّم )فبلغه تهنئة ربه تعالى ثمّ حدثه بقصة فطرس فقال محمد (صلى اللّه عليه و آله) و سلم لفطرس:، امسح جناحك على مهد الحسين و تمسح به، ففعل ذلك فطرس فجبر اللّه جناحه و رده الى منزله مع الملائكة. (1)

23- الطبري قال: حدثني ابو المفضل محمد بن عبد اللّه قال: حدثني ابو النجم بدر بن عمار الطبرستاني، قال: حدثني ابو جعفر محمد بن علي، قال: روى محمد المحمودي عن ابيه، قال: كنت واقفا على رأس الرضا بطوس فقال له بعض اصحابه:

ان حدث حادث فالى من؟ قال: الى ابني ابي جعفر. قال: استصغر سنه، فقال له ابو الحسن عليه السلام: ان اللّه بعث عيسى بن مريم قائما بشريعة في دون السن التي‏

____________

(1) رجال الكشي: 487

26

يقوم فيها ابو جعفر على شريعته. (1)

24- العياشي، عن محمد بن عيسى بن زياد قال: كنت في ديوان ابن عباد فرأيت كتابا ينسخ فسألت عنه؟ فقالوا: كتاب الرضا الى ابنه (عليهما السلام) من خراسان فسألتهم أن يدفعوه إليّ فدفعوه إليّ فاذا فيه: بسم اللّه الرحمن الرحيم أبقاك اللّه طويلا و اعاذك من عدوّك يا ولدي فداك أبوك، قد فسرت لك مالي و انا حيّ سويّ رجاء ان يمنّك [اللّه‏] بالصلة لقرابتك و لموالي موسى و جعفر (رضي الله عنهما).

فامّا سعيدة فانها امرأة قويّ الجزم في النحل و الصواب في رقة الفطر و ليس ذلك كذلك قال اللّه «من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة» و قال: «لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللّه» و قد اوسع اللّه عليك كثيرا يا بنيّ فداك أبوك لا يستر في الامور بحسبها فتحظى حظّك و السلام. (2)

25- المفيد قال: فممّن روى النصّ عن ابي الحسن الرضا عليه السلام على ابنه ابي جعفر عليه السلام بالإمامة: عليّ بن جعفر بن محمّد الصّادق (عليهم السلام)، و صفوان بن يحيى، و معمّر بن خلّاد، و الحسين بن بشّار، و ابن ابي نصر البزنطي، و ابن قياما الواسطي، و الحسن بن الجهم، و ابو يحيى الصّنعاني، و الخيراني، و يحيى ابن حبيب الزّيات في جماعة كثيرة يطول بذكرهم الكتاب. (3)

26- عنه قال: اخبرني ابو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن عليّ ابن ابراهيم بن هاشم عن أبيه، و عليّ بن محمّد القاساني، عن زكريّا بن يحيى بن النعمان البصري، قال: سمعت عليّ بن جعفر بن محمّد يحدّث الحسن بن الحسين بن عليّ ابن الحسين، فقال في حديثه: لقد نصر اللّه أبا الحسن الرضا عليه السلام لمّا بغى عليه اخوته و عمومته، و ذكر حديثا طويلا حتّى انتهى الى قوله.

فقمت و قبضت على يد ابي جعفر محمّد بن عليّ الرضا، و قلت له: اشهد انّك‏

____________

(1) دلائل الامامة: 204

(2) تفسير العياشي: 1/ 131

(3) الارشاد: 297

27

امامي عند اللّه عزّ و جلّ، فبكى الرّضا عليه السلام ثمّ قال: يا عمّ أ لم تسمع أبي و هو يقول: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: بابي ابن خيرة الاماء النّوبية الطيبة، يكون من ولده الطّريد الشّريد الموتور بأبيه و جدّه صاحب الغيبة، فيقال: مات أو هلك أو أيّ واد سلك؟ فقلت: صدقت جعلت فداك. (1)

27- عنه قال: حدّثني ابو القاسم جعفر بن محمّد عن محمّد بن يعقوب عن بعض أصحابه عن محمّد بن عليّ عن معاوية بن حكيم عن ابن ابي نصر البزنطي قال: قال لي ابن النجاشي من الإمام بعد صاحبك فاحبّ ان تسأله حتى أعلم؟ فدخلت على الرضا عليه السلام فأخبرته، قال: فقال لي: الإمام ابني ثمّ قال: هل يجترئ أحد أن يقول ابني و ليس له ولد؟ و لم يكن ولد ابو جعفر عليه السلام، فلم تمض الايّام حتّى ولد. (2)

28- عنه قال: اخبرني ابو القاسم جعفر بن محمّد عن محمّد بن يعقوب عن احمد ابن مهران عن محمّد بن عليّ عن ابن قياما الواسطي و كان واقفيّا قال: دخلت على عليّ ابن موسى (عليهما السلام) فقلت له: أ يكون امامان؟ قال: لا إلّا أن يكون أحدهما صامتا، فقلت له: هو ذا أنت ليس لك صامت؟ فقال: بلى و اللّه ليجعلنّ اللّه منّي ما يثبت به الحقّ و أهله، و يمحق به الباطل و أهله، و لم يكن في الوقت له ولد، فولد له ابو جعفر عليه السلام بعد سنة. (3)

29- عنه قال: اخبرني ابو القاسم جعفر بن محمّد عن محمّد بن يعقوب عن احمد ابن مهران عن محمد بن عليّ عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام جالسا، فدعى بابنه و هو صغير فاجلسه في حجري، و قال لي: جرّده و انزع قميصه، فنزعته فقال لي: انظر بين كتفيه. قال: فنظرت فاذا في إحدى كتفيه شبه الخاتم داخل في اللّحم، ثمّ قال لي: أ ترى هذا؟ مثله في هذا الموضع كان من أبي‏

____________

(1) الارشاد: 297

(2) الارشاد: 298

(3) الارشاد: 298

28

عليه السلام. (1)

30- قال الطبرسي: يدلّ على إمامته بعد طريقة الاعتبار و طريقة التواتر اللّتين تقدّم ذكرهما في إمامة آبائه ما ثبت من إشارة أبيه إليه بالإمامة.

و روى الثقات من أصحابه و أهل بيته منه مثل عمّه عليّ بن جعفر الصادق عليه السلام و صفوان بن يحيى، و معمر بن خلّاد، و ابن أبي نصر البزنطي، و الحسين بن بشار و غيرهم. (2)

31- قال الشهيد السعيد الفتال النيسابوري: و الامام بعد ابي الحسن علي ابن موسى الرّضا عليه السلام ابنه ابو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) لنصّ ابيه عليه و اشارته إليه و اعتبار الأدلّة الّتي مضت و كان ابو جعفر منعوتا بالمرتضى و بالمنتجب.

قال ابو يحيى الصنعاني: كنت عند ابي الحسن الرّضا فجي‏ء بابنه ابي جعفر عليه السلام و هو صغير، فقال: هذا المولود الّذي لم يولد مولود اعظم على شيعتنا بركة منه.

و روى انّ قائلا يقول لابي الحسن الرّضا عليه السلام: يا سيّدي ان كان كون فالى من؟ قال: الى ابي جعفر ابني، فكان القائل استصغر سنّ ابي جعفر، فقال ابو الحسن عليه السلام: إنّ اللّه تعالى بعث عيسى بن مريم عليه السلام رسولا نبيّا صاحب شريعة مبتدأة في اصغر من السّن الّذي فيه ابو جعفر.

قال صفوان بن يحيى: قلت لابي الحسن الرّضا عليه السلام: قد كنّا نسألك قبل ان يهب اللّه لك ابا جعفر فكنت تقول يهب اللّه لي غلاما فقد وهب اللّه لك و اقرّ عيوننا فلا أراني اللّه يومك فان كان كون فإلى من؟ فاشار بيده الى ابي جعفر و هو قائم بين يديه.

فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين. قال: و ما يضرّه من ذلك، قد قام عيسى بالحجّة و هو ابن اقلّ من ثلاث سنين.

____________

(1) الارشاد: 298

(2) اعلام الورى: 330

29

قال يحيى بن حبيب الزّيات: اخبرني من كان عند ابي الحسن جالسا فلمّا نهض القوم قال له ابو الحسن الرّضا عليه السلام: القوا ابا جعفر فسلّموا عليه و اجدّوا به عهدا فلمّا نهض القوم التفت إليّ فقال: يرحم اللّه المفضل انّه كان ليقنع بدون هذا. (1)

32- قال ابن شهرآشوب: و الدليل على امامته اعتبار القطع على العصمة و وجوب كونه أعلم الخلق بالشريعة و اعتبار القول بامامة الاثني عشر و تواتر الشيعة. و اما قول الكيسانية و الفطحية و غيرهم فكلهم قد انقرضوا و لو كانوا محقين لما جاز انقراضهم لأن الحق لا يجوز ان يخرج عن امة محمّد.

و قد ثبت بقول الثقات اشارة ابيه إليه، منهم: عمّه عليّ بن جعفر الصادق، و صفوان بن يحيى، و معمر بن خلاد، و ابن أبي نصر البزنطي؛ و الحسين بن يسار، و الحسن بن جهم؛ و ابو يحيى الصنعاني، و يحيى بن حبيب الزيات.

و كان بابه عثمان بن سعيد السمان. (2)

33- عنه، قال: في خبر: انه لما مضى الرضا جاء محمّد بن جمهور العمي، و الحسن بن راشد، و عليّ بن مدرك، و عليّ بن مهزيار؛ و خلق كثير من سائر البلدان الى المدينة و سألوا عن الخلق بعد الرضا فقالوا بصريا، و هي قرية اسسها موسى بن جعفر عليه السلام على ثلاثة أميال من المدينة فجئنا و دخلنا القصر فاذا الناس فيه متكابسون فجلسنا معهم اذ خرج علينا عبد اللّه بن موسى و هو شيخ.

فقال الناس: هذا صاحبنا، فقال الفقهاء، قد روينا عن ابي جعفر و أبي عبد اللّه عليه السلام انه لا تجتمع الامامة في أخوين بعد الحسن و الحسين و ليس هذا صاحبنا، فجاء حتى جلس في صدر المجلس فقال رجل: ما تقول أعزك اللّه في رجل [أتى حمارا فقال: تقطع يده و يضرب الحد و ينفى من الأرض سنة ثمّ قام إليه آخر فقال: ما تقول اصلحك اللّه في رجل‏] طلق امرأته عدد نجوم السماء؟ قال: بانت منه بصدر الجوزاء و النسر الطائر و النسر الواقع فتحيرنا في جرأته على الخطأ اذ خرج علينا ابو جعفر

____________

(1) روضة الواعظين: 203

(2) المناقب: 2/ 427

30

و هو ابن ثمان سنين.

فقمنا إليه فسلم على الناس و قام عبد اللّه بن موسى من مجلسه فجلس بين يديه و جلس ابو جعفر في صدر المجلس ثم قال: سلوا رحمكم اللّه، فقام إليه الرجل الاول و قال: ما تقول اصلحك اللّه في رجل أتى حمارة؟ قال: يضرب دون الحد و يغرم ثمنها و يحرم ظهرها و نتاجها و تخرج الى البرية حتى تأتي عليها منيتها سبع أكلها ذئب أكلها.

ثم قال بعد كلام: يا هذا ذاك الرجل ينبش عن ميتة فيسرق كفنها و يفجر بها يوجب عليه القطع بالسرق و الحد بالزنا و النفي اذا كان عزبا فلو كان محصنا لوجب عليه القتل و الرجم. فقال الرجل الثاني: يا ابن رسول اللّه ما تقول في رجل طلق امرأته عدد نجوم السماء؟

قال: تقرأ القرآن؟ قال: نعم قال اقرأ سورة الطلاق الى قوله: «وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ» يا هذا لا طلاق الا بخمس: شهادة شاهدين عدلين في طهر من غير جماع بارادة عزم، ثم قال بعد كلام: يا هذا هل ترى في القرآن عدد نجوم السماء؟ قال؛ لا، «الخبر». (1)

34- روى أيضا عن بنان بن نافع قال: سألت عليّ بن موسى الرضا عليه السلام فقلت: جعلت فداك من صاحب الامر بعدك؟ فقال لي: يا ابن نافع يدخل عليك من هذا الباب من ورث ما ورثته من قبلي و هو حجة اللّه تعالى من بعدي فبينا أنا كذلك اذ دخل علينا محمد بن عليّ عليه السلام فلما بصر بي قال لي: يا ابن نافع الا احدثك بحديث انا معاشر الائمة اذا حملته أمه يسمع الصوت من بطن أمه اربعين يوما فاذا اتى له في بطن امّه اربعة اشهر رفع اللّه تعالى له أعلام الارض فقرب له ما بعد عنه حتى لا يعزب عنه حلول قطرة غيث نافعة و لا ضارة، و ان قولك لابي الحسن من حجة الدهر و الزمان من بعده فالذي حدثك أبو الحسن ما سألت عنه هو الحجة عليك فقلت انا اول العابدين، ثم دخل علينا أبو الحسن فقال لي: يا ابن نافع سلم و اذعن له بالطاعة فروحه‏

____________

(1) المناقب: 2/ 429

31

روحي و روحي روح رسول اللّه. (1)

35- المسعودي بسنده عن عبد الرحمن بن محمد، عن كلثم بن عمران قال: قلت للرضا: أنت تحب الصبيان فادع اللّه أن يرزقك ولدا. فقال: انما ارزق ولدا واحدا و هو يرثني فلما ولد ابو جعفر كان طول ليلته يناغيه في مهده، فلما طال ذلك على عدة ليال قلت: جعلت فداك قد ولد للناس أولاد قبل هذا فكل هذا تعوذه، فقال: و يحك ليس هذا عوذة انما اغره بالعلم غرا. و كان مولده و منشؤه على صفة مواليد آبائه. (2)

36- عنه، عن الحميري عن احمد بن محمد بن عيسى الاشعري عن الحسن بن بشار الواسطي قال: سألني الحسن بن قيام الصيرفي أن أستأذن له على الرضا ففعلت فلما صار بين يديه قال ابن قياما: أنت امام؟ قال: نعم. فاني اشهد انك لست بامام.

قال له: و ما علمك؟ قال: لأني رويت عن ابي عبد اللّه أنه قال:

الامام لا يكون عقيما و قد بلغت هذا السن و ليس لك ولد، فرفع رأسه الى السماء ثم قال: اللهم اني اشهدك أنه لا تمضي الايام و الليالي حتى ترزقني ولدا يملأ الارض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا فعددنا الوقت فكان بينه و بين ولادة ابي جعفر شهور الحمل. (3)

37- عنه، باسناده عن محمد بن الحسين عن عليّ بن اسباط قال: خرج عليّ ابو جعفر فجعلت انظر إليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر، فقال لي: يا عليّ بن اسباط ان اللّه احتج في الامامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: «و آتيناه الحكم صبيا» و قال:

«و لما بلغ أشده آتيناه حكما و علما» فقد يجوز أن يؤتي الحكم صبيا و يؤتاه ابن اربعين.

و روى: أنه كان يتكلم في المهد. (4)

38- عنه، باسناده عن زكريا بن آدم قال: اني لعند الرضا إذ جي‏ء بأبي جعفر و سنّه نحو اربع سنين فضرب الى الارض و رفع رأسه الى السماء فأطال الفكر، فقال له‏

____________

(1) المناقب: 2/ 432

(2) اثبات الوصية: 210

(3) اثبات الوصية: 210

(4) اثبات الوصية: 211

32

الرضا عليه السلام: بنفسي أنت فيم تفكر طويلا منذ قعدت؟ قال: فيما صنع بامي فاطمة، أما و اللّه لأخرجنهما ثم لأحرقنهما ثمّ لأذرينهما ثمّ لأنسفنهما في أليم نسفا فاستدناه و قبل ما بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت و أمي أنت لها يعني الامامة. (1)

39- عنه عن موسى بن القاسم عن محمد بن عليّ بن جعفر قال: كنت مع الرضا فدعا بأبي جعفر ابنة و هو صبي صغير فأجلسه ثمّ قال لي: جرّده، فنزعت قميصه فأراني في احد كتفيه كالخاتم داخلا في اللحم، ثم قال: ترى هذا؟ كان مثله في هذا الموضع من ابي ابراهيم عليه السلام. (2)

40- عنه، عن الحميري عن محمد بن عيسى الاشعري عن الاسدي عن ابي خداش عن حنان بن سدير قال: قلت للرضا: يكون امام ليس له عقب فقال لي أما أنه لا يولد لي إلا واحد و لكن اللّه ينشي‏ء منه ذرية كثيرة، و لم يزل ابو جعفر مع حداثته و صباه يدبّر أمر الرضا بالمدينة و يأمر الموالي و ينهاهم لا يخالف عليه احد منهم. (3)

41- عنه، باسناده عن الحسن بن الجهم قال: دخلت على الرضا و ابو جعفر صغير بين يديه فقال لي بعد كلام طويل جرى: لو قلت لك يا حسن إن هذا امام ما كنت تقول؟ قال: قلت: ما تقوله لي جعلت فداك. قال: أصبت ثمّ كشف عن كتف ابي جعفر فأراني مثل رمز اصبعين، فقال لي: مثل هذا كان فيّ مثل هذا الموضع من أبي موسى. (4)

42- عنه، باسناده عن الحميري عن أيوب بن نوح عن صفوان بن يحيى قال: قال لي أبو الحسن الرضا: كان ابو جعفر محدثا. (5)

43- عنه، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن ابي نصر قال: دخلت و صفوان بن يحيى على الرضا و ابو جعفر عنده نائم له ثلاث سنين، فقلنا له: جعلنا فداك إنا نعوذ باللّه من حدث يحدث لا ندري من القائم بعدك؟ قال: ابني هذا. فقلت:

____________

(1) اثبات الوصية: 211

(2) اثبات الوصية: 211

(3) اثبات الوصية: 211

(4) اثبات الوصية: 212

(5) اثبات الوصية: 212

33

و هو في هذا السن؟! فقال: إن اللّه تعالى احتج بعيسى بن مريم و هو ابن السنتين و إن الامامة تجري مجرى النبوة. (1)

44- عنه، باسناده عن محمد المحمودي عن أبيه أن حاضنة أبي جعفر قالت له يوما: ما لي أراك مفكرا كأنك شيخ؟ فقال لها: إن عيسى بن مريم كان يمرض و هو صبي، فيصف لامّه ما تعالجه به فاذا تناوله بكى، قالت: يا بني انما اعالجك بما علمتني فيقول لها الحكم حكم النبوة و الخلقة خلقة الصبيان. (2)

45- الطوسي، باسناده عن محمّد بن يعقوب الكليني عن محمّد بن الحسن عن سهل بن زياد عن محمّد بن علي بن عبد اللّه بن المرزبان عن ابن سنان قال: دخلت على ابي الحسن موسى عليه السلام من قبل ان يقدم العراق بسنة و علي ابنه جالس بين يديه فنظر الي و قال: يا محمّد سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك، قال: قلت و ما يكون جعلني اللّه فداك فقد اقلقتني؟

قال: اصير الى هذا الطاغية أما انه لا يبدأني منه سوء و من الذي يكون بعده.

قال: قلت: و ما يكون جعلني اللّه فداك؟ قال: «يضل اللّه الظالمين و يفعل اللّه ما يشاء» قال: قلت: و ما ذلك جعلني اللّه فداك؟ قال: من ظلم ابني هذا حقه و جحده امامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب عليه السلام امامته و جحده حقه بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

قال: قلت: و اللّه لئن مد اللّه لي في العمر لأسلمن له حقه و لأقرن بامامته، قال:

صدقت يا محمد يمد اللّه في عمرك و تسلم له حقه (صلى اللّه عليه و آله) و تقر له بامامته و امامة من يكون بعده، قال: قلت: و من ذاك؟ قال: ابنه محمّد، قال: قلت له:

الرضا و التسليم. (3)

46- المجلسي، عن كفاية الاثر: محمّد بن عليّ، عن أبيه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أبي أبي الخطّاب و أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن بزيع، عن أبي الحسن الرّضا

____________

(1) اثبات الوصية: 212

(2) اثبات الوصية: 212

(3) غيبة الشيخ: 24

34

عليه السلام أنّه سئل أو قيل له: أ تكون الامامة في عمّ أو خال؟ فقال: لا. فقال: في أخ؟ قال: لا، قال: ففي من؟ قال: في ولدي و هو يومئذ لا ولد له. (1)

47- عنه، عن الكفاية: عليّ بن محمّد، عن محمّد بن الحسن، عن الحميري، عن ابن عيسى عن البزنطي، عن عقبة بن جعفر قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: قد بلغت ما بلغت و ليس لك ولد، فقال: يا عقبة إنّ صاحب هذا الأمر لا يموت حتّى يرى خلفه من بعده. (2)

48- عنه، عن الكفاية: بهذا الاسناد، عن عبد اللّه بن جعفر قال: دخلت على الرضا عليه السلام أنا و صفوان بن يحيى و أبو جعفر عليه السلام قائم قد أتى له ثلاث سنين، فقلنا له: جعلنا اللّه فداك إن- و أعوذ باللّه- حدث فمن يكون بعدك؟

قال: ابني هذا و أومأ إليه، قال: فقلنا له: و هو في هذا السنّ؟ قال: نعم، و هو في هذا السنّ إنّ اللّه تبارك و تعالى احتجّ بعيسى عليه السلام و هو ابن سنتين. (3)

____________

(1) بحار الانوار: 50/ 35

(2) بحار الانوار: 50/ 35

(3) بحار الانوار: 50/ 35

35

- 4- باب مناقبه و فضائله عليه السلام‏

1- المفيد، باسناده عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم قال: حدّثني أبي قال: لمّا مات أبو الحسن الرّضا عليه السلام حججنا فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام و قد حضر خلق من الشيعة من كلّ بلد لينظروا إلى أبي جعفر عليه السلام فدخل عمّه عبد اللّه ابن موسى و كان شيخا كبيرا نبيلا عليه ثياب خشنة و بين عينيه سجّادة فجلس، و خرج أبو جعفر عليه السلام من الحجرة و عليه قميص قصب و رداء قصب و نعل جدد بيضاء.

فقام عبد اللّه فاستقبله و قبّل بين عينيه و قام الشيعة و قعد أبو جعفر عليه السلام على كرسيّ و نظر النّاس بعضهم إلى بعض و قد تحيّروا لصغر سنّه فابتدر رجل من القوم فقال لعمّه: أصلحك اللّه ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: تقطع يمينه و يضرب الحدّ.

فغضب أبو جعفر عليه السلام ثمّ نظر إليه فقال: يا عمّ اتّق اللّه اتّق اللّه إنّه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي اللّه عزّ و جلّ فيقول لك: لم أفتيت النّاس بما لا تعلم.

فقال له عمّه: أستغفر اللّه يا سيّدي أ ليس قال هذا أبوك (صلوات الله عليه)؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: إنّما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي:

تقطع يمينه للنّبش و يضرب حدّ الزنا فإنّ حرمة الميتة كحرمة الحيّة، فقال: صدقت يا سيّدي و أنا أستغفر اللّه، فتعجّب النّاس و قالوا: يا سيّدنا أ تأذن لنا أن نسألك؟ قال:

نعم فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها و له تسع سنين. (1)

2- عنه، قال: أخبرني ابو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن‏

____________

(1) الاختصاص: 102

36

الحسين بن محمّد، عن معلى بن محمّد، عن محمّد بن علي، عن محمّد بن حمزة، عن محمد بن عليّ الهاشمي قال: دخلت على ابي جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) صبيحة عرسه ببنت المأمون و كنت تناولت من اللّيل دواء فاوّل من دخل عليه في صبيحته انا و قد اصابني العطش و كرهت ان ادعو بالماء، فنظر ابو جعفر عليه السلام في وجهي و قال: اراك عطشان. قلت أجل. قال: يا غلام اسقنا ماء.

فقلت في نفسي: الساعة ياتونه بماء مسموم و اغتممت لذلك، فاقبل الغلام و معه الماء فتبسّم في وجهي ثمّ قال: يا غلام ناولني الماء فتناول الماء فشرب، ثمّ ناولني فشربت و اطلت عنده فعطشت فدعى بالماء ففعل كما فعل في المرّة الاولى فشرب، ثم ناولني و تبسّم. قال محمد بن حمزة: فقال لي محمّد بن عليّ الهاشمي: و اللّه انّي اظن انّ ابا جعفر يعلم ما في النّفوس كما يقول الرّفضة. (1)

3- عنه، قال: اخبرني ابو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من اصحابه، عن احمد بن محمّد عن الحجّال و عمرو بن عثمان، عن رجل من اهل المدينة عن المطرفي قال: مضى ابو الحسن الرّضا عليه السلام ولي عليه اربعة آلاف درهم لم يكن يعرفها غيري و غيره.

فارسل إليّ ابو جعفر عليه السلام اذا كان في غد فائتني فاتيته من الغد، فقال لي:

مضى ابو الحسن عليه السلام و لك عليه اربعة آلاف درهم، قلت: نعم، فرفع المصلّى الّذي كان تحته فاذا تحته دنانير فدفعها إليّ فكان قيمتها في الوقت اربعة آلاف درهم. (2)

4- عنه ((رحمه الله)) قال: اخبرني ابو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد ابن يعقوب، عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد قال: خرج على ابو جعفر عليه السلام حدثان موت ابيه فنظرت الى قدّه لأصف قامته لأصحابنا، فقعد، ثمّ قال:

يا معلّى انّ اللّه احتجّ في الامامة بمثل ما احتجّ به في النبوّة، فقال: و آتيناه الحكم‏

____________

(1) الارشاد: 305

(2) الارشاد: 306

37

صبيّا. (1)

قال الطبرسي: كان قد بلغ في كمال العقل و الفضل و العلم و الحكم و الآداب و رفعة منزلة ما لم يساوه فيها أحد من ذوي السنّ من السادات و غيرهم و لذلك كان المأمون مشغوفا به لما رأى من علوّ رتبته و عظم منزلته في جميع الفضائل، فزوّجه ابنته أمّ الفضل و حملها معه إلى المدينة و كان متوفّرا على تعظيمه و توقيره و تبجيله.

5- قال أيضا: و في كتاب أخبار أبي هاشم الجعفريّ للشيخ أبي عبد اللّه أحمد ابن محمّد بن عيّاش الّذي أخبرني بجميعه السيّد أبو طالب محمّد بن الحسين الحسينيّ القصيّ الجرجاني قال: أخبرني والدي السيّد أبو عبد اللّه الحسين بن القصيّ، عن الشريف أبي الحسين طاهر بن محمّد الجعفريّ عنه قال: حدّثني أبو عليّ أحمد بن محمّد ابن يحيى العطّار القميّ، عن عبد اللّه بن جعفر الحميريّ قال:

قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ: دخلت على أبي جعفر الثاني و معي ثلاث رقاع غير معنونة فاشتبهت عليّ فاغتممت لذلك غمّا، فتناول إحداهنّ و قال:

هذه رقعة ريّان بن شبيب، ثمّ تناول الثانية فقال: هذه رقعة محمّد بن حمزة، و تناول الثالثة و قال: هذه رقعة فلان. فبهت فنظر إليّ و تبسّم عليه السلام.

قال الحميريّ: و قال لي أبو هاشم: و أعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار و أمرني أن أحملها إلي بعض بني عمّه و قال: أما إنّه سيقول لك دلّني على حريف يشتري لي بها متاعا فدلّه عليه، قال: فأتيت بالدنانير فقال لي: يا أبا هاشم دلّني على حريف يشتري بها متاعا ففعلت.

قال أبو هاشم: و كلّفني جمّال أن أكلّمه ليدخله في بعض اموره فدخلت عليه لاكلّمه فوجدته يأكل مع جماعة فلم يمكنني كلامه، فقال: يا أبا هاشم كل، و وضع بين يديّ ثمّ قال- ابتداء منه من غير أن أسأله-: يا غلام انظر الجمّال الّذي أتانا أبو هاشم فضمّه إليك.

____________

(1) الارشاد: 306

38

قال أبو هاشم: و دخلت معه ذات يوم بستانا فقلت له: جعلت فداك إنّي مولع بأكل الطّين فادع اللّه لي، فسكت فقال لي بعد أيّام ابتداء منه: يا أبا هاشم قد أذهب اللّه عنك أكل الطين، قال أبو هاشم: فما شي‏ء أبغض إليّ منه. (1)

6- قال ابو جعفر الطبري الامامي: فلما مضى الرضا و ذلك في سنة اثنتين و مائتين و سن ابي جعفر ست سنين و شهورا و اختلف الناس في جميع الأمصار، اجتمع الريان بن الصلت و صفوان بن يحيى و محمد بن حكيم و عبد الرحمن بن الحجاج في بركة زلزل يبكون و يتوجعون من المصيبة فقال لهم يونس: دعوا البكاء من لهذا الامر يفتي المسائل الى أن يكبر هذا الصبي- يعني ابا جعفر- و كان له ست سنين و شهور، ثم قال: انا و من مثلي.

فقال إليه الريان بن الصلت فوضع يده في حلقه و لم يزل يلطم وجهه و يضرب رأسه، ثم قال له: يا ابن الفاعلة ان كان امر من اللّه جل و علا فابن يومين مثل ابن مائة سنة، و ان لم يكن من عند اللّه فلو عمر الواحد من الناس خمسة آلاف سنة كان يأتي بمثل ما يأتي به السادة او بعضه و هذا مما ينبغي أن ينظر فيه.

و أقبلت العصابة على يونس تعذله و قرب الحج و اجتمع من فقهاء بغداد و الأمصار و علمائهم ثمانون رجلا و خرجوا إلى المدينة و أتوا دار ابي عبد اللّه، فدخلوها و بسط لهم بساط احمر، و خرج إليهم عبد اللّه بن موسى فجلس في صدر المجلس و قام مناد فنادى:

هذا ابن رسول اللّه فمن أراد السؤال فليسأل. فقام إليه رجل من القوم فقال له: ما تقول في رجل قال لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء؟

قال: طلقت ثلاث دون الجوزاء. فورد على الشيعة ما زاد في غمهم و حزنهم، ثم قام إليه رجل آخر فقال: ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ قال: تقطع يده و يجلد مائة جلدة و ينفى. فضج الناس بالبكاء و كان قد اجتمع فقهاء الأمصار فهم في ذلك إذ فتح باب من صدر المجلس و خرج موفق.

____________

(1) اعلام الورى: 333

39

ثم خرج ابو جعفر و عليه قميصان و ازار و عمامة بذؤابتين، احداهما من قدام و الاخرى من خلف و نعل بقبالين فجلس و أمسك الناس كلهم، ثم قام إليه صاحب المسألة الاولى فقال: يا ابن رسول اللّه ما تقول فيمن قال لامرأته أنت طالق عدد نجوم السماء؟ فقال له: يا هذا اقرأ كتاب اللّه قال اللّه تبارك و تعالى‏ «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» في الثالثة قال: فان عمك افتاني بكيت و كيت، فقال: يا عم اتق اللّه و لا تفت و في الامة من هو اعلم منك.

فقام إليه صاحب المسألة الثانية فقال له: يا ابن رسول اللّه ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: يعزر و يحمى ظهر البهيمة و تخرج من البلد لا يبقى على الرجل عارها، فقال: ان عمك أفتاني بكيت و كيت فالتفت و قال بأعلى صوته: لا إله إلا اللّه يا عبد اللّه انه عظيم عند اللّه ان تقف غدا بين يدي اللّه فيقول لك افتيت عبادي بما لا تعلم و في الامة من هو أعلم منك.

فقال عبد اللّه بن موسى: رأيت اخي الرضا و قد أجاب في هذه المسألة بهذه الجواب. فقال ابو جعفر: انما سئل الرضا عن نباش نبش قبر امرأة ففجر بها و أخذ ثيابها فأمر بقطعه للسرقة و جلده للزنا و نفيه للمثلة، ففرح القوم. (1)

7- عنه، قال: قال ابو خداش المهري: حضرت مجلس الرضا علي بن موسى فأتاه رجل فقال له: جعلت فداك أمّ ولد لي و هي عندي صدوق أرضعت جارية بلبن ابني أ يحرم عليّ نكاحها؟ قال ابو الحسن: لا رضاع بعد فطام. فسأله عن الصلاة في الحرمين؟ فقال: ان شئت قصرت و ان شئت اتممت. قال له: فالخصي يدخل على النساء؟ فأعرض بوجهه. قال: فحججت بعد ذلك فدخلت على ابي الحسن الرضا فسألته عن المسائل فأجابني بالجواب.

و قال: حضرت مجلس ابي جعفر في ذلك الوقت قال: فقلت: جعلت فداك ان أمّ ولد لي ارضعت جارية لي بلبن ابني أ يحرم علي نكاحها؟ فقال: لا رضاع بعد فطام.

____________

(1) دلائل الامامة: 204

40

قال: قلت: الصلاة في الحرمين؟ قال: ان شئت قصرت و ان شئت اتممت. قال:

قلت: الخادم يدخل على النساء؟ فحول وجهه ثم استدناني فقال: و ما نقص منه الجنابة الواقعة عليه. (1)

8- ابن شهرآشوب، باسناده عن ابراهيم بن هاشم قال: استأذنت ابا جعفر عليه السلام لقوم من الشيعة، فاذن لهم فسألوا في مجلس واحد عن ثلاثين الف مسألة، فاجاب فيها و هو ابن عشر سنين. (2)

9- عنه، قال: كان عليه السلام شديد الادمة فشك فيه المرتابون و هو بمكة فعرضوه على القافة فلما نظروا إليه خروا لوجوههم سجدا ثم قاموا فقالوا: يا ويحكم أ مثل هذا الكوكب الدري و النور الزاهر تعرضون على مثلنا و هذا و اللّه الحسب الزكي و النسب المهذب الطاهر ولدته النجوم الزواهر و الارحام الطواهر و اللّه ما هو الا من ذرية النبي و أمير المؤمنين و هو في ذلك الوقت ابن خمس و عشرين شهرا فنطق بلسان أرهف من السيف و افصح من الفصاحة.

يقول: الحمد للّه الذي خلقناه من نوره و اصطفانا من بريته و جعلنا امناء على خلقه و وجيه معاشر الناس أنا محمّد بن علي الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمد الباقر ابن علي سيد العابدين ابن الحسين الشهيد ابن امير المؤمنين علي بن أبي طالب و ابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى (عليهم السلام) أجمعين أ في مثلي يشك و على اللّه تبارك و تعالى و على جدي يفترى؟ و اعرض على القافة! اني و اللّه لأعلم ما في سرائرهم و خواطرهم و اني و اللّه لأعلم الناس أجمعين بما هم إليه صائرون.

أقول حقا و أظهر صدقا، علما قد نبأه اللّه تبارك و تعالى قبل الخلق أجمعين و قبل بناء السماوات و الارضين، و أيم اللّه لو لا تظاهر الباطل علينا، و غواية ذرية الكفر و توثب اهل الشرك و الشك و الشقاق علينا لقلت قولا يعجب منه الاولون و الآخرون.

ثم وضع يده على فيه ثم قال: يا محمد اصمت كما صمت آباؤك، و اصبر كما

____________

(1) دلائل الامامة: 206

(2) المناقب: 2/ 430

41

صبر اولوا العزم من الرسل، و لا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون.

ثم أتى الى رجل بجانبه فقبض على يده فما زال يمشي يتخطى رقاب الناس و هم يفرجون له، قال: فرأيت مشيخة اجلاءهم ينظرون إليه و يقولون اللّه اعلم حيث يجعل رسالته، فسألت عنهم فقيل: هؤلاء قوم من بني هاشم من أولاد عبد المطلب.

فبلغ الرضا عليه السلام و هو في خراسان ما صنع ابنه فقال: الحمد للّه، ثم ذكر ما قذفت به مارية القبطية ثم قال: الحمد للّه الذي جعل في ابني محمّد اسوة برسول اللّه و ابنه ابراهيم. (1)

10- عنه، باسناده عن محمّد بن احمد بن يحيى في نوادر الحكمة عن أميّة بن علي قال: دعا ابو جعفر عليه السلام يوما بجارية فقال: قولي لهم يتهيّئون للمأتم، قالوا:

مأتم من؟ قال: مأتم خير من على ظهرها، فاتى خبر ابي الحسن بعد ذلك بأيام فاذا هو قد مات في ذلك اليوم. (2)

11- عنه قال: و في كتاب معرفة تركيب الجسد عن الحسين بن احمد التميمي روى عن ابي جعفر الثاني انه استدعى فاصدا في ايام المأمون فقال له: افصدني في العرق الزاهر؛ فقال له: ما اعرف هذا العرق يا سيدي و لا سمعته، فأراه اياه فلما فصده خرج منه ماء أصفر فجرى حتى امتلأ الطست، ثم قال له: امسكه، فأمر بتفريغ الطست ثم قال: خلّ عنه، فخرج دون ذلك فقال: شده الآن.

فلما شدّ يده أمر له بمائة دينار فأخذها و جاء الى خناس فحكى له ذلك فقال:

و اللّه ما سمعت بهذا العرق مذ نظرت في الطب و لكن هاهنا فلان الأسقف قد مضت عليه السنون فامض بنا إليه فان كان عنده علمه و الا لم نقدر على من يعلمه فمضيا و دخلا عليه و قص القصص فاطرق مليا ثم قال: يوشك ان يكون هذا الرجل نبيّا او من ذرية نبيّ. (3)

____________

(1) المناقب: 2/ 431

(2) المناقب: 2/ 433

(3) المناقب: 2/ 433

42

12- عنه، باسناده عن ابي سلمة قال: دخلت على ابي جعفر عليه السلام و كان بي صمم شديد فخبر بذلك لما ان دخلت عليه فدعاني إليه فمسح يده على اذني و رأسي ثم قال: اسمع و عه، فو اللّه اني لا سمع الشي‏ء الخفي عن اسماع الناس من بعد دعوته. (1)

13- عنه، باسناده عن محمّد بن حمزة الهاشمي قال: اصابني العطش عند ابي جعفر عليه السلام فنظر في وجهي و قال: أراك عطشانا؟ قلت: أجل، قال:

يا غلام اسقنا ماء، فقلت: الساعة يأتونه بماء مسموم من بيت المأمون و اغتممت لذلك، فتبسم في وجهي ثم قال: يا غلام ناولني الماء، فتناول الماء فشرب ثم ناولني فشربت فعطشت مرة اخرى فدعا بالماء ففعل كما فعل أوّلا. فقال محمّد الهاشمي: و اللّه اظن أبا جعفر يعلم ما في نفوس كما تقول الرافضة. (2)

14- عنه، باسناده عن الحسن بن علي ان رجلا جاء الى التقي عليه السلام و قال: ادركني يا ابن رسول اللّه فان ابي قد مات فجأة و كان له ألفا دينا و لست أصل إليه و لي عيال كثير، فقال: اذا صليت العتمة فصل على محمّد و آله مائة مرة ليخبرك به. فلما فرغ الرجل من ذلك رأى أباه يشير إليه بالمال، فلما أخذه قال: يا بني اذهب به الى الامام و اخبره بقصتي فانه امرني بذلك. فلما انتبه الرجل أخذ المال و اتى ابا جعفر و قال: الحمد للّه الذي اكرمك و اصطفاك.

و في رواية ابن اسباط: و هو اذ ذاك خماسي، الا انه لم يذكر موت والده. (3)

15- قال الاربلي: و اما مناقبه فما اتسعت له حلبات مجالها، و لا امتدت له أوقات آجالها بل قضت عليه الاقدار الالهية بقلة بقائه في الدنيا بحكمها و أسجالها، فقلّ في الدنيا مقامه، و عجل القدوم عليه لزيارة حمامه؛ فلم تطل بها مدّته، و لا امتدت فيها أيامه، غير أن اللّه جلّ و علا خصّه بمنقبة متألفة في مطالع التعظيم.

____________

(1) المناقب: 2/ 434

(2) المناقب: 2/ 434

(3) المناقب: 2/ 435

43

بارقة أنوارها، مرتفعة في معارج التفضيل، قيمة أقدارها، بادية لا بصار ذوي البصائر، بيّنة منارها، هادية لعقول أهل المعرفة آية آثارها، و هي و ان كانت صورتها واحدة فمعانيها كثيرة، و صيغتها و ان كانت صغيرة فدلالتها كبيرة. (1)

16- روى المجلسي، عن عيون المعجزات: لما قبض الرضا عليه السلام كان سنّ أبي جعفر عليه السلام نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد و في الأمصار، و اجتمع الريّان بن الصلت، و صفوان بن يحيى، و محمّد بن حكيم، و عبد الرّحمن بن الحجّاج و يونس ابن عبد الرّحمن، و جماعة من وجوه الشيعة و ثقاتهم في دار عبد الرّحمن بن الحجّاج في بركة زلزل يبكون و يتوجّعون من المصيبة.

فقال لهم يونس بن عبد الرّحمن: دعوا البكاء! من لهذا الأمر و إلى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر عليه السلام.

فقام إليه الريّان بن الصلت، و وضع يده في حلقه، و لم يزل يلطمه، و يقول له:

أنت تظهر الايمان لنا و تبطن الشكّ و الشرك، إن كان أمره من اللّه جلّ و علا فلو أنّه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم و فوقه، و إن لم يكن من عند اللّه فلو عمّر ألف سنة فهو واحد من الناس، هذا ممّا ينبغي أن يفكّر فيه. فأقبلت العصابة عليه تعذله و توبّخه.

و كان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد و الأمصار و علمائهم ثمانون رجلا فخرجوا إلى الحجّ و قصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر عليه السلام فلمّا وافوا أتوا دار جعفر الصادق عليه السلام لأنّها كانت فارغة، و دخلوها و جلسوا على بساط كبير، و خرج إليهم عبد اللّه بن موسى، فجلس في صدر المجلس و قام مناد و قال:

هذا ابن رسول اللّه فمن أراد السؤال فليسأله فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب، فورد على الشيعة ما حيّرهم و غمّهم، و اضطربت الفقهاء، و قاموا و همّوا بالانصراف، و قالوا في أنفسهم: لو كان أبو جعفر عليه السلام يكمل لجواب المسائل لما

____________

(1) كشف الغمة: 2/ 343

44

كان من عبد اللّه ما كان، و من الجواب بغير الجواب.

ففتح عليهم باب من صدر المجلس و دخل موفّق و قال: هذا أبو جعفر! فقاموا إليه بأجمعهم و استقبلوه و سلّموا عليه فدخل (صلوات الله عليه) و عليه قميصان و عمامة بذؤابتين و في رجليه نعلان و جلس و أمسك الناس كلّهم، فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائلة فأجاب عنها بالحقّ.

ففرحوا و دعوا له و أثنوا عليه و قالوا له: إنّ عمّك عبد اللّه أفتى بكيت و كيت، فقال: لا إله إلّا اللّه يا عمّ إنّه عظيم عند اللّه أن تقف غدا بين يديه فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم، و في الامة من هو أعلم منك. (1)

17- عنه، قال: و روي عن عمر بن الفرج الرّخجيّ قال: قلت لأبي جعفر:

إنّ شيعتك تدّعي أنّك تعلم كلّ ماء في دجلة و وزنه؟ و كنّا على شاطئ دجلة، فقال عليه السلام لي: يقدر اللّه تعالى أن يفوّض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه أم لا؟ قلت:

نعم، يقدر، فقال: انا اكرم على اللّه تعالى من بعوضة و من اكثر خلقه. (2)

18- قال ابن الصباغ المالكي في ذكر أبي جعفر محمد الجواد بن علي الرضا عليه السلام:

و هو الامام التاسع و تاريخ ولادته و مدة امامته و مبلغ عمره و حين وفاته و عدد اولاده و ذكر نسبه و كنيته و لقبه و غير ذلك مما يتصل به: قال صاحب كتاب مطالب السؤل في مناقب آل الرسول.

هو ابو جعفر الثاني فانه تقدم في آبائه ابو جعفر محمد و هو الباقر بن علي فجاء هذا باسمه و كنيته فهو اسم جده فعرف بابي جعفر الثاني و ان كان صغير السن فهو كبير القدر، رفيع الذكر، القائم بالامامة بعد علي بن موسى الرضا ولده ابو جعفر محمد الجواد للنص عليه و الاشارة له بها من ابيه كما اخبر بذلك جماعة من الثقات العدول.

عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا: قد كنا نسألك قيل ان يهب اللّه لك ابا

____________

(1) بحار الانوار: 50/ 99

(2) بحار الانوار: 50/ 100

45

جعفر من القائم بعدك فتقول يهب اللّه لي غلاما و قد وهبك اللّه و اقر عيوننا به فان كان كون و لا أرانا اللّه لك يوما فالى من؟ فاشار بيده الى ابي جعفر و هو قائم بين يديه و عمره اذ ذاك ثلاث سنين. فقلت: و هو ابن ثلاث، قال: و ما يضر من ذلك فقد قام عيسى بالحجة و هو ابن اقل من ثلاث سنين. (1)

19- عنه قال: قال، الشيخ كمال الدين بن طلحة: مناقب ابي جعفر محمد الجواد ما اتسعت جلباب مجالها و لا امتدت اوقاف آجالها بل قضت عليه الأقدار الالهية بقلة بقائه في الدنيا بحكمها و سجالها فقلّ في الدنيا مقامه و عجل عليه فيها حمامه فلم تطل لياليه و لا امتدت ايامه غير ان اللّه خصه بمنقبة انوارها متألقة في مطالع التعظيم و اخبارها مرتفعة في معاريج التفضيل و التكريم. (2)

____________

(1) الفصول المهمة: 265- 266

(2) الفصول المهمة: 265- 266

46

- 5- باب ما جرى بينه عليه السلام و المأمون‏

قال المفيد: كان المأمون قد شغف بابي جعفر عليه السلام لمّا رأى من فضله مع صغر سنّه و بلوغه في العلم و الحكمة و الأدب و كمال العقل، ما لم يساوه فيه احد من مشايخ أهل الزّمان، فزوّجه ابنته أمّ الفضل و حملها معه الى المدينة، و كان متوفرا على اكرامه و تعظيمه و اجلال قدره.

1- عنه قال: روى الحسن بن محمّد بن سليمان عن عليّ بن ابراهيم بن هاشم عن ابيه عن الرّيان ابن شبيب قال: لمّا اراد المأمون ان يزوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السلام بلغ ذلك العبّاسيين، فغلظ عليهم و استكبروه، و خافوا أن ينتهي الأمر معه الى ما انتهى إليه مع الرّضا عليه السلام، فخاضوا في ذلك و اجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه.

فقالوا: ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين ان تقيم على هذا الأمر الّذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فانا نخاف أن تخرج به عنّا أمرا قد ملّكناه اللّه، و تنزع منّا عزّا قد البسناه، فقد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا، و ما كان عليه الخلفاء الرّاشدون قبلك من تبعيدهم و التصغير بهم، و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتّى كفانا اللّه المهمّ من ذلك؟ فاللّه اللّه ان تردّنا الى غمّ قد انحسر عنّا، و اصرف رأيك عن ابن الرّضا، و اعدل الى من تراه من اهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

فقال لهم المأمون: امّا ما بينكم و بين آل أبي طالب فانتم السّبب فيه، و لو

47

أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، و اما ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعا للرّحم، و أعوذ باللّه من ذلك، و و اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرّضا، و لقد سألته أن يقوم بالأمر و انزعه عن نفسي فأبى، و كان أمر اللّه قدرا مقدورا.

و امّا ابو جعفر محمّد بن علي قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنّه، و الاعجوبة فيه بذلك، و أنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه، فيعلموا أنّ الرّأي ما رأيت فيه.

فقالوا: انّ هذا الفتى و ان راقك منه هديه، فانه صبّي لا معرفة له و لا فقه، فأمهله ليتأدّب و يتفقه في الدّين ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم: و يحكم انّي اعرف بهذا الفتى منكم، و انّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه، و موادّه و الهامه، لم يزل آباؤه اغنياء في علم الدّين و الأدب عن الرّعايا النّاقصة عن حدّ الكمال، فان شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله.

قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شي‏ء من فقه الشّريعة، فان أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصّة و العامّة سديد رأي أمير المؤمنين، و ان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه، قال لهم المأمون: شأنكم و ذاك متى أردتم.

فخرجوا من عنده و اجتمع رأيهم على مسئلة يحيى بن اكثم و هو يومئذ قاضي الزّمان، على أن يسأله مسئلة لا يعرف الجواب فيها، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك، و عادوا الى المأمون، فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم الى ذلك، فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه، و حضر معهم يحيى بن اكثم، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست و يجعل له فيه مسورتان، ففعل ذلك فخرج أبو جعفر عليه السلام و هو يومئذ ابن تسع سنين و أشهر. فجلس بين المسورتين، و جلس يحيى بن أكثم بين يديه، و قام النّاس في مراتبهم و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السلام.

48

فقال يحيى بن اكثم للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين ان أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أ تأذن لي جعلت فداك في مسئلة؟ قال له أبو جعفر عليه السلام: سل ان شئت.

قال يحيى: ما تقول جعلني اللّه فداك في محرم قتل صيدا؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: قتله في حلّ أو حرم، عالما كان المحرم أم جاهلا، قتله عمدا أو خطاء، حرّا كان المحرم أم عبدا، صغيرا كان او كبيرا، مبتدئا بالقتل أم معيدا، من ذوات الطّير كان الصّيد أم من غيرها، من صغار الصّيد كان أم من كباره، مصرّا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصّيد أم نهارا، محرما كان بالعمرة اذ قتله أو بالحج كان محرما، فتحيّر يحيى بن اكثم و بان في وجهه العجز و الانقطاع، و لجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس امره.

فقال المأمون: الحمد للّه على هذه النّعمة و التّوفيق لي في الرّأي، ثم نظر الى أهل بيته و قال لهم: أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثمّ اقبل على أبي جعفر عليه السلام فقال له: أ تخطب يا أبا جعفر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك، فقد رضيتك لنفسي و انا مزوّجك أمّ الفضل ابنتي، و ان رغم قوم لذلك، فقال أبو جعفر عليه السلام: الحمد للّه اقرارا بنعمته و لا إله الا اللّه اخلاصا لوحدانيّته و صلّى اللّه على محمّد سيّد بريّته و الأصفياء من عترته.

أمّا بعد فقد كان من فضل اللّه على الأنام، ان أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: «وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ».

ثمّ انّ محمّد بن عليّ بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون و قد بذل لها من الصّداق مهر جدّته فاطمة بنت محمد (عليهما السلام)، و هو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصّداق المذكور؟ قال المأمون: نعم قد زوجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصّداق المذكور، فهل قبلت النّكاح؟ فقال أبو جعفر

49

عليه السلام: قد قبلت ذلك و رضيت به، فأمر المأمون ان يقعد النّاس على مراتبهم في الخاصّة و العامّة.

قال الرّيّان: و لم نلبث ان سمعنا أصواتا تشبه اصوات الملّاحين في محاوراتهم، فاذا الخدم يجرّون سفينة مصنوعة من الفضة، مشدودة بالحبال من الابريسم، على عجل مملوّة من الغالية، فامر المأمون ان يخضب لحاء الخاصّة من تلك الغالية، ثم مدّت الى دار العامّة، فطيّبوا منها و وضعت الموائد فأكل النّاس و خرجت الجوائز الى كلّ قوم على قدرهم.

فلمّا تفرّق الناس و بقى من الخاصّة من بقى، قال المأمون لأبي جعفر عليه السلام: ان رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه فيما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصّيد لنعلمه و نستفيده؟

فقال ابو جعفر عليه السلام: نعم انّ المحرم اذا قتل صيدا في الحلّ و كان الصّيد من ذوات الطّير و كان من كبارها فعليه شاة، فان أصابه في الحرم فعليه الحمل و قيمة الفرخ، و ان كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة، و ان كان نعامة فعليه بدنة، و ان كان ظبيا فعليه شاة، فان قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، و اذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه و كان احرامه بالحجّ نحره بمنى، و ان كان احرامه بالعمرة نحره بمكّة، و جزاء الصيد على العالم و الجاهل سواء، و في العمد له المأثم و هو موضوع منه في الخطأ، و الكفّارة على الحرّ في نفسه، و على السيّد في عبده، و الصغير لا كفّارة عليه، و هي على الكبير واجبة، و النّادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، و المصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة. فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن اللّه إليك.

فان رأيت ان تسأل يحيى عن مسئلة كما سألك؟ فقال أبو جعفر عليه السلام ليحيى: أسألك؟ قال: ذلك إليك جعلت فداك، فان عرفت جواب ما تسألني و الّا استفدته منك، فقال له أبو جعفر عليه السلام: اخبرني عن رجل نظر الى امرأة في أول‏

50

النّهار، فكان نظره إليها حراما عليه، فلمّا ارتفع النّهار حلّت له، فلمّا زالت الشّمس حرمت عليه، فلمّا كان وقت العصر حلّت له، فلمّا غربت الشّمس حرمت عليه، فلمّا دخل وقت عشاء الآخرة حلّت له، فلمّا كان انتصاف اللّيل حرمت عليه، فلمّا طلع الفجر حلّت له؟ ما حال هذه المرأة؟ و بما ذا حلّت له و حرمت عليه؟

فقال له يحيى بن اكثم: و اللّه ما أهتدي الى جواب هذا السّؤال، و لا اعرف الوجه فيه، فان رأيت أن تفيدناه؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: هذه امة لرجل من النّاس نظر إليها اجنبيّ في أوّل النّهار، فكان نظره إليها حراما عليه، فلمّا ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلّت له فلما كان عند الظهر اعتقها فحرمت عليه.

فلما كان وقت العصر تزوّجها فحلت له فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلمّا كان وقت العشاء الآخر كفّر عن الظّهار فحلّت له، فلمّا كان في نصف اللّيل طلّقها واحدة فحرمت عليه، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له.

قال: فاقبل المأمون على من حضره من أهل بيته فقال لهم: هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب؟ أو يطرف القول فيما تقدّم من السّؤال؟ قالوا: لا و اللّه انّ امير المؤمنين أعلم بما راى.

فقال لهم: و يحكم انّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل، و انّ صغر السّنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال، أ ما علمتم انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و سلم افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و هو ابن عشر سنين، و قبل منه الاسلام و حكم له به و لم يدع أحدا في سنّة غيره، و بايع الحسن و الحسين (عليهما السلام) و هما ابنا دون ستّ سنين، و لم يبايع صبيّا غيرهما، فلا تعلمون الآن ما اختصّ اللّه به هؤلاء القوم و انّهم ذريّة بعضها من بعض يجري لآخرهم ما يجري لاوّلهم؟ قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين.

ثمّ نهض القوم فلمّا كان من الغد حضر النّاس و حضر أبو جعفر عليه السلام، و صار القوّاد و الحجاب و الخاصّة و العامّة لتهنئة المأمون و أبي جعفر عليه السلام، فاخرجت‏

51

ثلاثة اطباق من الفضّة، فيها بنادق مسك و زعفران معجون في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة باموال جزيلة، و عطايا سنيّة و اقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة اخرج الرّقعة الّتي فيها، و التمسه فاطلق له و وضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد و غيرهم، و انصرف النّاس و هم اغنياء بالجوائز و العطايا، و تقدّم المأمون بالصدقة على كافة المساكين، و لم يزل مكرما لابي جعفر عليه السلام، معظّما لقدره مدة حياته، يؤثره على ولده و جماعة أهل بيته.

قد روى النّاس انّ أمّ الفضل كتبت الى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر عليه السلام، و تقول: انّه يتسرّى عليّ و يغيرني فكتب إليها المأمون: يا بنية انّا لم نزوّجك ابا جعفر عليه السلام لنحرّم عليه حلالا، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها.

لمّا توجّه ابو جعفر عليه السلام من بغداد منصرفا من عند المأمون، و معه أمّ الفضل قاصدا بها المدينة، صار الى شارع باب الكوفة و معه النّاس يشيّعونه، فانتهى الى دار المسيّب عند مغيب الشمس نزل و دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعى بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النّبقة و قام عليه السلام و صلّى بالنّاس صلاة المغرب، فقرأ في الاولى منها الحمد و اذا جاء نصر اللّه، و قرأ في الثّانية الحمد و قل هو اللّه، و قنت قبل ركوعه فيها، و صلّى الثالثة و تشهّد و تسلّم.

ثمّ جلس هنيهة يذكر اللّه جلّ اسمه و قام من غير أن يعقّب فصلّى النّوافل أربع ركعات، و عقّب تعقيبها، و سجد سجدتي الشّكر ثمّ خرج، فلمّا انتهى الى النبقة رآها النّاس و قد حملت حملا حسنا، فتعجّبوا من ذلك و أكلوا منها، فوجدوا نبقا حلوا لا عجم له، و ودّعوه و مضى من وقته الى المدينة، فلم يزل بها الى ان أشخصه المعتصم في اوّل سنة خمس و عشرين و مائتين الى بغداد، فأقام بها حتّى توفّى في آخر ذي القعدة من هذا السّنة، فدفن في ظهر جدّه ابي الحسن موسى عليه السلام. (1)

2- ابن شهرآشوب، عن الريان بن شبيب، و يحيى الزيات و غيرهما: ان المأمون‏

____________

(1) الارشاد: 299- 304

52

قد شغف بابي جعفر عليه السلام لما رأى من فضله مع صغر سنة فعزم ان يزوجه بابنته أمّ الفضل فغلظ ذلك على العباسيين فاجتمعوا عنده و قالوا: ننشدك اللّه يا امير المؤمنين ان تقيم على هذا الامر الذي قد عزمت فتخرج به عنان امر قد ملكناه اللّه و تنزع منا عزا قد البسناه اللّه و قد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا و ما كان عليه الخلفاء من التصغير بهم و قد كنا في وهله من عملك مع الرضا حتى انه مات.

فأجابهم المأمون لكل كلمة جوابا ثم قال: و اما ابو جعفر فقد برز على كافة أهل الفضل مع صغر سنه، فقالوا: ان هذا الفتى و ان راقك منه هديه لا معرفة له فامهل ليتأدب ثم افعل ما تراه، فقال المأمون: و يحكم اني اعرف به منكم و ان اهل هذا البيت علمهم من اللّه و مواده و الهامه فان شئتم فامتحنوه، فقالوا: قد رضينا بذلك و اجتمع رأيهم على ان يسأله قاضي القضاة يحيى بن اكثم مسألة لا يعرف الجواب فيها و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك.

فجلس المأمون في دست و ابو جعفر في دست؛ فسأله يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟

فقال عليه السلام: قتل في حل او حرم، عالما كان المحرم أم جاهلا، عمدا كان او خطئا، حرا كان او عبدا، صغيرا كان أم كبيرا، مبتدئا او معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها من ذوات الظلف، من صغار الصيد كان أم من كبارها، مصرا على ما فعل او نادما، في الليل كان قتله للصيد أم نهارا، محرما كان بالعمرة اذ قتله أم بالحج كان محرما؟ فانقطع يحيى.

فسأله المأمون عن بيانه فأجابه بما هو مسطور في كتب الفقه؛ ثم التمس منه ان يسأل يحيى، فقال عليه السلام: رجل نظر اول النهار الى امرأة فكان نظره إليها حراما فلما ارتفع النهار حلت له و عند الزوال حرمت و عند العصر حلت و عند الغروب حرمت و عند العشاء حلت و عند انتصاف الليل حرمت و عند الفجر حلت و عند ارتفاع النهار حرمت و عند الظهر حلت.

53

تفسيره: هذا رجل نظر الى أمة غيره ثم ابتاعها ثم اعتقها ثم تزوجها ثم ظاهرها ثم كفّر عن الظهار ثمّ طلقها طلقة واحدة ثم راجعها ثم خلعها ثم استأنف العقد و ذلك بالاجماع. و في رواية انه ارتد عن الاسلام ثم تاب.

و قد اتاه ابن اكثم جدلا * * * فانصاع لما يعلمه قطعه‏

فقال المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك. فقال: الحمد للّه اقرارا بنعمته و لا إله الا اللّه اخلاصا لوحدانيته؛ و صلى اللّه على محمّد سيد بريته، و الاصفياء من عترته.

اما بعد فقد كان من فضل اللّه على الانام، ان اغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه‏ «وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى‏ مِنْكُمْ وَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» ثم ان محمّد بن علي بن موسى يخطب أمّ الفضل بنت عبد اللّه المأمون و قد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمّد و هو خمسمائة درهم جياد فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟ قال: نعم زوجتك يا أبا جعفر أمّ الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ قال:

قد قبلت. (1)

3- عنه، عن الخطيب في تاريخ بغداد عن يحيى بن اكثم ان المأمون خطب فقال: الحمد للّه الذي تصاغرت الامور لمشيته، و لا إله الا اللّه اقرارا بربوبيته، و صلى اللّه على محمّد عبده و خيرته. اما بعد فان اللّه جعل النكاح الذي رضيه لكما سبب المناسبة الا و اني قد زوجت زينب ابنتي من محمّد بن علي بن موسى الرضا أمهرناها عنه أربعمائة درهم. و يقال: انه كان عليه السلام ابن تسع سنين و أشهر و لم يزل المأمون متوفرا على اكرامه و اجلال قدره.

و قد روى الناس ان أمّ الفضل كتبت الى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر و تقول انه يتسرّى عليّ و يغيرني إليها، فكتب إليها المأمون: يا بنية انا لم نزوجك أبا جعفر لنحرم عليه حلالا فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها. (2)

____________

(1) المناقب: 2/ 428

(2) المناقب: 2/ 427

54

4- علي بن عيسى الاربلي قال: لما توفّى والده علي الرضا و قدم الخليفة المأمون الى بغداد بعد وفاته لسنة، اتفق أنه خرج يوما الى الصيد فاجتاز بطرف البلد في طريقه؛ و الصبيان يلعبون و محمّد واقف معهم، و كان عمره يومئذ احدى عشرة سنة فما حولها.

فلما أقبل المأمون انصرف الصبيان هاربين و وقف أبو جعفر محمّد عليه السلام فلم يبرح مكانه، فقرب منه الخليفة فنظر إليه و كان اللّه عز و علا قد ألقى عليه مسحة من قبول؛ فوقف الخليفة و قال له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟ فقال له محمّد مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي؛ و لم تكن لي جريمة فأخشاها، و ظني بك حسن انك لا تضر من لا ذنب له فوقفت؛ فأعجبه كلامه و وجهه.

فقال له: ما اسمك؟ قال: محمّد قال: ابن من أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا ابن علي الرضا فترحّم على أبيه و ساق الى وجهته، و كان معه بزاة فلما بعد عن العمارة أخذ بازيّا فأرسله على دراجة فغاب عن عينه غيبة طويلة، ثم عاد من الجو و في منقاره سمكة صغيرة، و بها بقايا الحياة، فتعجب الخليفة من ذلك غاية التعجب.

ثم أخذها في يده و عاد الى داره في الطريق الذي أقبل منه، فلما و صل الى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم فانصرفوا كما فعلوا أول مرة، و أبو جعفر لم ينصرف و وقف كما وقف أوّلا، فلما دنا منه الخليفة قال: يا محمّد، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ما في يدي؟

فألهمه اللّه عز و علا أن قال: يا أمير المؤمنين ان اللّه تعالى خلق بمشيته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك و الخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل بيت النبوة، فلما سمع المأمون كلامه عجب منه و جعل يطيل نظره إليه و قال: أنت ابن الرضا حقّا، و ضاعف احسانه إليه.

و في هذه الواقعة منقبة تكفيه عن غيرها؛ و يستغني بها عن سواها.

أقول: اني رأيت في كتاب لم يحضرني الآن اسمه، و لعلي أراه بعد هذا، ان البزاة