مسند الإمام الهادي أبي الحسن علي بن محمد(ع)

- عزيز الله عطاردي‏ المزيد...
400 /
5

كلمة المؤتمر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

عبد السّلام بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن الرّضا (عليه السلام) يقول:

رحم اللّه عبدا أحيا أمرنا، فقلت له: كيف يحيي أمركم؟ قال: يتعلّم علومنا و يعلّمها النّاس، فانّ النّاس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا.

مسند الامام الرّضا (عليه السلام) أما بعد:

انّ الهدف الرئيسي من وراء تأسيس المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام) هو إحياء أمر الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) في أبعاده المختلفة، و التعريف بشخصياتهم و سيرتهم و حياتهم المشعّة بالنور و العامرة بالعطاء، و ابراز علومهم و معارفهم للأمّة الاسلامية.

من أجل تحقق هذا الهدف الاساسي: نشعر كخطوة بضرورة جمع الأحاديث الواردة عن كل إمام من الأئمّة المعصومين، و تدوينها و تنظيمها في مجموعة واحدة، إنّ هذا العمل بالإضافة إلى أنّه يساعد على تيسير سبل معرفة الأئمّة (عليهم السلام) و التعرف على منهجهم من الحياة بالنسبة للمجتمع الاسلامي، فانه يقدم للعلماء و الباحثين و الكتّاب وجهات نظر جامعة و شاملة عن الأئمّة، حتى يقوموا بدراسات تحقيقية لحياة الأئمّة

6

بوعي أوسع و اطلاع أعمق و تفرّغ أكثر، و يثيروا دفائن علومهم و معارفهم.

و هذا الكتاب (مسند الامام الهادي (عليه السلام)) يتحدث عن حياة الامام (عليه السلام) و يحتوي على مجموعة رواياته و أحاديثه، مع نبذة مختصرة عن حياة رواته، تم إعداده و تحقيقه من قبل العالم الباحث حجة الاسلام الشيخ عزيز اللّه العطاردي دامت إفاضاته.

إنّ هذا الكتاب القيم الذي يعتبر مصدرا أساسيا فذا في دراسة حياة الإمام الهادي (عليه السلام) و أبعاد شخصيته المختلفة حلقة من حلقات موسوعة كبيرة التي تخلو منها كتب الحديث تحت عنوان «مسانيد الأئمة» من المؤمل أن تبلغ (30) مجلدا إن شاء اللّه، حيث يقوم المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام) لأوّل مرّة بطبعه و نشره ليكون في متناول أيدي المتتبعين من أصحاب الرأي و التقويم، و محبي أهل البيت (عليهم السلام).

إنّ المؤتمر العالمي للامام الرضا (عليه السلام)، إذ يثمن تلك الجهود المحمودة التي بذلها العالم الفاضل الشيخ العطاردي، فانه يشكره جزيل الشكر و يدعو اللّه تعالى له بالتوفيق لإكمال بقية أجزاء مسانيد الأئمة (عليهم السلام)، كذلك يبتهل المؤتمر الى اللّه أن يساعده لنشر هذه الموسوعة العظيمة، و أن يتقبل بكرمه هذه الخدمة المتواضعة.

و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته المؤتمر العالمي للإمام الرضا (عليه السلام)

7

الإهداء

إلى إمام الأتقياء و وصي الأوصياء، الإمام النقي و الولي الصّفي، الناطق بالحقّ و خليفة اللّه على الخلق، أمين اللّه في بلاده و حجّته على عباده، أبي الحسن علي ابن محمّد الهادي (عليهما السلام)، الذي طاعته فرض على الحاضر و البادي.

السّلام عليك يا سيّدي و مولاي اهدي إليك هذا الكتاب و أرجو من حضرتك أن تشفع لي و لوالدي في يوم المآب و الحشر معكم و في زمرتكم في دار القرار مع شيعتكم الأخيار.

العطاردي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة المؤلف‏

بسم اللّه الرحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، الصلاة و السلام على سيدنا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين، الذين هم عماد الدين و اركان المؤمنين و ورثة الأنبياء و المرسلين، من تمسّك بهم نجى و من تخلّف عنهم هلك و غوى، ينابيع العلوم و الحكمة و معادن السنن و الأحكام و الإمامة و الولاية صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين.

أمّا بعد فيقول العبد المحتاج إلى رحمة اللّه و غفرانه، الشيخ عزيز اللّه العطاردي الخبوشاني جعل اللّه مستقبل أمره خيرا من ماضيه و حشره مع مواليه: انّ هذا الكتاب الذي نقدّمه الى العلماء الكرام و الفضلاء العظام الباحثين في الأخبار و الأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، هو الكتاب الحادي عشر من موسوعتنا الكبيرة «مسانيد اهل البيت» (سلام الله عليهم).

سميته بمسند الامام الهادي أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام)، نبحث في هذا الكتاب عن حياة الامام ابي الحسن الثالث (عليه السلام) و ما جرى بينه و الخلفاء المعاصرين له و فضائله و مناقبه و أخباره و أحاديثه الواردة في العقائد و الاحكام و الآداب و السنن.

أخذناها عن المصادر المعروفة و المصنّفات المشهورة عند علماء الإمامية (رضوان الله عليهم) الّتي عليه المدار في القرون و الاعصار، و روايات الامام‏

10

الهادي (عليه السلام) قليلة بالنسبة إلى احاديث آبائه (عليهم السلام) لانّه (سلام الله عليه) كان مقيما بسرّمن‏رأى تحت مراقبة الحكومة العباسية و لم يتيسّر له نشر العلوم و المعارف الإلهيّة حتى توفّى هناك.

ثمّ ان الرواة يعبّرون عنه بأسماء مختلفة عند نقل الحديث و يروون عنه بعنوان أبي الحسن الهادي، أبي الحسن الثالث، أبي الحسن الاخير، أبي الحسن العسكري، الرّجل، الطيب، الأخير، الصادق ابن الصادق، الفقيه و الفقيه العسكري و المقصود منها علي بن محمّد (عليهما السلام) و ذلك للتّقية أو لعلل اخرى.

أخرجت روايات الامام أبي الحسن (عليه السلام) عن المصادر و جمعتها في مسنده و ما ادّعى انّ هذا المسند حاو لجميع رواياته و يمكن ان تكون في المصادر أحاديث اخرى فات عنّي عند التحقيق أرجو من العلماء الكرام و الباحثين اذا وجدوا رواية عن الامام الهادي (عليه السلام) و لم نذكرها في هذا الكتاب الدلالة الى مصدر الحديث حتى نستدركه.

أروي روايات الامام أبي الحسن الثالث (سلام الله عليه) عن مشايخي العظام بالإسناد المتّصل حتى ينتهي إليه (عليه السلام) و ذكرنا أسمائهم في مقدمة مسند الامام الرضا (عليه السلام).

ثم إنّ هذا الكتاب مرتّب على ثلاثة أقسام:

القسم الاول: حياة الامام أبي الحسن (عليه السلام) و فضائله و مناقبه و النّص على إمامته و ما وقع بينه و الخلفاء و شهادته و أولاده و إخوانه.

القسم الثاني: الأخبار و الأحاديث المرويّة عنه في التوحيد و الإمامة و الآداب و السنن و غيرها و رتّبناها على حسب المواضيع بالابواب أوّله باب التوحيد و آخره باب الحكم و الآداب.

القسم الثالث: معجم الرواة عن الإمام الهادي (عليه السلام) الّذين‏

11

حدّثوا عنه و رتبناها على حروف المعجم و ذكرنا مختصرا من حالاتهم و ما قيل فيهم من المدح و الجرح.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

- 1- باب مولده (عليه السلام)

1- قال الكليني ((رحمه الله)):

ولد (عليه السلام) للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة و مائتين، و روى: أنه ولد (عليه السلام) في رجب سنة أربع عشرة و مائتين. [1]

2- قال المفيد ((رضوان الله عليه)):

كان مولده بصريا، بمدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة و مائتين. [2]

3- قال الطوسي ((رحمه الله)):

علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام)، الامام المنتجب ولي المؤمنين (عليه السلام)، كنيته ابو الحسن (عليه السلام)، ولد بالمدينة للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة و مائتين من الهجرة. [3]

4- قال الطبرسي (رحمة اللّه عليه):

ولد (عليه السلام) بصربا من المدينة في النصف من ذي الحجة، سنة اثنتي عشرة و مائتين، و في رواية ابن عياش: يوم الثلثاء الخامس من رجب. [4]

5- قال شيخ الطائفة: و ذكر ابن عياش‏

مولد أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوم الثاني من رجب. و ذكر أيضا انه كان يوم الخامس. [5]

____________

[1] الكافي: 1/ 497.

[2] الارشاد: 307.

[3] التهذيب: 6/ 92.

[4] اعلام الورى: 339.

[5] مصباح المتهجد: 560.

14

6- قال الفتال النيسابوري ((رحمه الله)):

كان مولده بمدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الثلثاء للنصف من ذي الحجة، سنة اثنتي عشرة و مائتين. [1]

7- قال محمد بن علي بن شهرآشوب ((قدس سره )):

ولد بصريا من المدينة للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة و مائتين، ابن عياش: يوم الثلثاء الخامس من رجب سنة أربع عشرة. [2]

8- قال كمال الدين بن طلحة ((رحمه اللّه تعالى)):

أما مولده ففي رجب من سنة مأتين و أربع عشرة للهجرة. [3]

9- روى الاربلي عن الحافظ عبد العزيز بن الاخضر الجنابذي ((رحمه الله)):

أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) مولده سنة أربع عشرة و مأتين. [4]

10- قال ابن الجوزي:

مولده في رجب سنة اربع عشر و مأتين. [5]

11- قال الحافظ ابو بكر الخطيب البغدادي:

أخبرني التنوخي، أخبرني الحسن ابن الحسين النعالي، أخبرنا احمد بن عبد اللّه الذارع، حدثنا حرب بن محمد، حدثنا الحسين بن محمد العمي البصري؛ و حدثنا أبو سعيد الازدي سهل بن زياد. قال: ولد أبو الحسن العسكري- علي بن محمد- في رجب سنة مائتين و أربع عشرة من الهجرة. [6]

12- قال ابن الصباغ: قال ابن الخشاب في كتابه مواليد اهل البيت (عليهم السلام):

ولد ابو الحسن علي العسكري في رجب سنة أربع عشر و مائتين. [7]

13- قال ابن الوردي:

و مولد علي في رجب سنة أربع عشرة و قيل: ثلاث عشرة و مائتين، و قيل له: العسكري، لأن سرّ من رأى يقال لها: العسكر، لسكنى العسكر

____________

[1] روضة الواعظين: 211.

[2] المناقب: 2/ 442.

[3] مطالب السؤل: 88.

[4] كشف الغمة: 2/ 375.

[5] تذكرة الخواص: 362.

[6] تاريخ بغداد: 12/ 57.

[7] الفصول المهمة: 277.

15

بها، و كانت سكن علي و هو عاشر الأئمة الاثني عشر و والد الحسن العسكري. [1]

14- قال الكفعمي: ذكر ابن عياش‏

ان مولد الهادي (عليه السلام) كان في ثاني رجب او في خامسه على الخلاف. [2]

15- قال اليافعي:

كانت ولادته في ثالث عشر رجب، و قيل: في يوم عرفة سنة أربع و قيل: ثلاث عشرة و مائتين، و قيل له: العسكري، لانه لما كثرت السعاية في حقه عند المتوكل احضره من المدينة و كان مولده بها، و اقره بسر من رأى و هي تدعى بالعسكر لان المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره، فقيل له: العسكر، ثم نسب ابو الحسن المذكور إليها لانه اقام بها عشرين سنة و أشهرا، و توفي بها و دفن في داره رحمة اللّه عليه. [3]

____________

[1] تتمة المختصر: 1/ 348.

[2] المصباح: 509.

[3] مرآة الجنان: 1/ 160.

16

- 2- باب ألقابه و نقش خاتمه (عليه السلام)

1- قال الطبرسي:

و لقبه: النقي، و العالم، و الفقيه، و الأمين و الطيب و يقال له: ابو الحسن الثالث. [1]

2- قال ابن شهرآشوب:

اسمه عليّ و كنيته أبو الحسن لا غيرها، و ألقابه:

النجيب، المرتضى، الهادي، النقي، العالم، الفقيه، الأمين، الطيب، المتوكل، العسكري، و يقال له: ابو الحسن الثالث و الفقيه العسكري. [2]

3- قال الصدوق في حديث معاني أسماء الأئمة (عليهم السلام):

و سمّي الامامان علي بن محمد و الحسن بن علي (عليهما السلام) العسكريين لأنهما نسبا الى المحلة التي سكناها بسرّمن‏رأى و كانت تسمّى عسكرا. [3]

4- قال ابن الصباغ المالكي:

اما القابه فالهادي و المتوكل و الناصح و المتقي و المرتضى و الفقيه و الأمين و الطيب و أشهرها الهادي و المتوكل و كان يأمر اصحابه ان يعرضوا عن تلقيبه بالمتوكل لكونه يومئذ لقبا للخليفة جعفر المتوكل ابن المعتصم، صفته أسمر اللون، و نقش خاتمه «اللّه ربي و هو عصمتي من خلقه». [4]

5- قال ابن الجوزي:

كنيته: أبو الحسن العسكري، و إنما نسب الى العسكري لأن جعفر المتوكل أشخصه من المدينة الى بغداد الى سرّ من رأى فقام بها عشرين سنة و تسعة أشهر و يلقب بالمتوكل و النقي. [5]

____________

[1] اعلام الورى: 339.

[2] المناقب: 2/ 442.

[3] معاني الاخبار: 65.

[4] الفصول المهمة: 277.

[5] تذكرة الخواص: 359.

17

6- قال كمال الدين ابن طلحة:

و اما اسمه: فعلي، و كنيته: ابو الحسن، و اما القابه: فالناصح و المتوكل و الفتاح و النقي و المرتضى، و أشهرها المتوكل و كان يخفى ذلك و يأمر أصحابه ان يعرضوا عن ذكره لكونه كان لقب الخليفة امير المؤمنين المتوكل يومئذ. [1]

____________

[1] مطالب السؤل: 88.

18

- 3- باب النصوص على إمامته (عليه السلام)

1- الكليني، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران قال:

لمّا اخرج أبو جعفر (عليه السلام) من المدينة إلى بغداد في الدّفعة الاولى من خرجتيه، قلت له عند خروجه: جعلت فداك إنّي أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ فكرّ بوجهه إليّ ضاحكا و قال: ليس الغيبة حيث ظننت في هذه السنة، فلمّا اخرج به الثّانية إلى المعتصم صرت إليه فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتّى اخضلّت لحيته، ثمّ التفت إليّ فقال: عند هذه يخاف عليّ، الأمر من بعدي إلى ابني عليّ. [1]

2- عنه، عن الحسين بن محمّد، عن الخيرانيّ، عن أبيه أنّه قال:

كان يلزم باب أبي جعفر (عليه السلام) للخدمة الّتي كان وكّل بها و كان أحمد بن محمّد بن عيسى يجي‏ء في السحر في كلّ ليلة ليعرف خبر علّة أبي جعفر (عليه السلام) و كان الرّسول الّذي يختلف بين أبي جعفر (عليه السلام) و بين أبي إذا حضر قام أحمد و خلا به أبي، فخرجت ذات ليلة و قام أحمد عن المجلس و خلا أبي بالرسول و استدار أحمد فوقف حيث يسمع الكلام.

فقال الرّسول لأبي: إنّ مولاك يقرأ عليك السلام و يقول لك: إنّي ماض و الأمر صائر إلى ابني عليّ و له عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي، ثمّ مضى الرسول و رجع أحمد إلى موضعه و قال لأبي: ما الّذي قد قال لك؟ قال: خيرا، قال: قد

____________

[1] الكافي: 1/ 323.

19

سمعت ما قال، فلم تكتمه؟ و أعاد ما سمع، فقال له أبي: قد حرّم اللّه عليك ما فعلت لأنّ اللّه تعالى يقول: «و لا تجسّسوا» فاحفظ الشهادة لعلّنا نحتاج إليها يوما ما و إيّاك أن تظهرها إلى وقتها.

فلمّا أصبح أبي كتب نسخة الرّسالة في عشر رقاع و ختمها و دفعها إلى عشرة من وجوه العصابة و قال: إن حدث بي حدث الموت قبل أن اطالبكم بها فافتحوها و اعلموا بما فيها، فلمّا مضى أبو جعفر (عليه السلام) ذكر أبي أنّه لم يخرج من منزله حتّى قطع على يديه نحو من أربعمائة إنسان و اجتمع رؤساء العصابة عند محمّد بن الفرج يتفاوضون هذا، فكتب محمّد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماعهم عنده و أنّه لو لا مخافة الشهرة لصار معهم إليه و يسأله أن يأتيه، فركب أبي و صار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لأبي: ما تقول في هذا الأمر؟ فقال أبي لمن عنده الرّقاع: احضروا الرّقاع، فأحضروها، فقال لهم: هذا ما امرت به، فقال بعضهم: قد كنّا نحبّ أن يكون معك في هذا الأمر شاهد آخر؟

فقال لهم: قد آتاكم اللّه عزّ و جلّ به هذا أبو جعفر الأشعريّ يشهد لي بسماع هذه الرّسالة و سأله أن يشهد بما عنده، فأنكر أحمد أن يكون سمع من هذا شيئا، فدعاه أبي إلى المباهلة، فقال لمّا حقّق عليه، قال: قد سمعت ذلك و هذا مكرمة كنت أحبّ أن تكون لرجل من العرب لا لرجل من العجم، فلم يبرح القوم حتّى قالوا بالحقّ جميعا. [1]

3- عنه، عن محمّد بن جعفر الكوفيّ، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن محمّد ابن الحسين الواسطيّ أنّه سمع أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر يحكي أنّه أشهده على هذه الوصيّة المنسوخة: شهد أحمد بن أبي خالد مولى أبي جعفر أنّ أبا جعفر محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) أشهده أنّه أوصى إلى عليّ ابنه‏

بنفسه و أخواته و جعل أمر موسى إذا بلغ‏

____________

[1] الكافي: 1/ 324.

20

إليه و جعل عبد اللّه بن المساور قائما على تركته من الضياع و الأموال و النفقات و الرّقيق و غير ذلك إلى أن يبلغ عليّ بن محمّد.

صيّر عبد اللّه بن المساور ذلك اليوم إليه، يقوم بأمر نفسه و أخواته و يصيّر أمر موسى إليه، يقوم لنفسه بعدهما على شرط أبيهما في صدقاته الّتي تصدّق بها و ذلك يوم الأحد لثلاث ليال خلون من ذي الحجّة سنة عشرين و مائتين، و كتب أحمد بن أبي خالد شهادته بخطّه و شهد الحسن بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب (عليهم السلام) و هو الجوّاني على مثل شهادة أحمد بن أبي خالد في صدر هذا الكتاب و كتب شهادته بيده و شهد نصر الخادم و كتب شهادته بيده. [1]

قال الشيخ ابو عبد اللّه المفيد: و كان الإمام بعد ابي جعفر (عليه السلام) ابنه ابا الحسن عليّ بن محمّد (عليهما السلام) لاجتماع خصال الإمامة فيه و تكامل فضله و انّه لا وارث لمقام ابيه سواه و ثبوت النصّ عليه بالإمامة و الإشارة إليه من ابيه بالخلافة. [2]

قال الطبرسي بعد نقل الروايات عن الكليني التي ذكرناها في صدر الباب:

و الأخبار في هذا الباب كثيرة و في إجماع العصابة على إمامته و عدم من يدّعي فيه إمامة غيره غناء عن إيراد الأخبار في ذلك، هذا و ضرورة أئمّتنا (عليهم السلام) في هذه الأزمنة في خوفهم من أعدائهم و تقيّتهم منهم أحوجت شيعتهم في معرفة نصوصهم على من بعدهم إلى ما ذكرناه من الاستخراج، حتّى أنّ أوكد الوجوه في ذلك عندهم دلائل العقول الموجبة للإمامة و ما اقترن إلى ذلك من حصولها في ولد الحسين و فساد أقوال ذوي النحل الباطلة، و باللّه التوفيق. [3]

قال ابن شهرآشوب: روى النّص عليه جماعة منهم اسماعيل بن مهران و ابو جعفر الاشعري و الخيراني، و الدّليل على امامته اجماع الاماميّة على ذلك و طريق النصوص و العصمة و الطّريقان المختلفان من العامّة و الخاصّة من نصّ النّبي على امامة الاثني‏

____________

[1] الكافي: 1/ 325.

[2] الارشاد: 307.

[3] اعلام الورى: 339.

21

عشر و طريق الشّيعة النّصوص على امامته عن آبائه (عليهم السلام). [1]

4- الخزاز القمي قال: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا عبد الواحد بن محمد ابن عبدوس العطار، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدثنا حمدان بن سليمان، قال: حدثنا الصقر بن ابي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا (عليهم السلام) يقول:

الامام بعدي ابني علي، أمره أمري، و قوله قولي و طاعته طاعتي، و الامام بعده ابنه الحسن أمره امر أبيه و قوله قول أبيه و طاعته طاعة أبيه. ثم سكت، فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الامام بعد الحسن؟

فبكى (عليه السلام) بكاء شديدا ثم قال: ان بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه و لم سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره و ارتداد اكثر القائلين بإمامته. فقلت له: و لم سمي المنتظر؟ قال: لأن له غيبة يكثر أيامها و يطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون و ينكره المرتابون و يستهزى‏ء به الجاحدون و يكذب فيها الوقاتون و يهلك فيها المستعجلون و ينجو فيها المسلمون. [2]

5- عنه قال: حدثنا علي بن محمد السندي، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن احمد بن هلال، عن [أميّة بن علي‏] القيسي، قال: قلت لابي جعفر الثاني (عليه السلام): من الخلف من بعدك؟ قال:

ابني علي. ثم قال: انه سيكون حيرة. قال: قلت: الى أين؟ فسكت ثم قال: الى المدينة، قلت: و الى أي مدينة؟ قال: مدينتنا هذه، و هل مدينة غيرها؟. [3]

6- عنه قال: قال احمد بن هلال: أخبرني محمد بن اسماعيل بن بزيع أنه حضر أمية بن علي و هو يسأل أبا جعفر الثاني (عليه السلام)

عن ذلك، فأجابه بمثل ذلك الجواب. [4]

7- روى المجلسي عن عيون المعجزات: روى الحميريّ، عن أحمد بن محمّد بن‏

____________

[1] المناقب: 2/ 443.

[2] كفاية الاثر: 279.

[3] كفاية الاثر: 280.

[4] كفاية الاثر: 280.

22

عيسى، عن أبيه أنّ أبا جعفر (عليه السلام)

لمّا أراد الخروج من المدينة إلى العراق و معاودتها أجلس أبا الحسن في حجره بعد النصّ عليه و قال له: ما الّذي تحبّ أن اهدي إليك من طرائف العراق؟ فقال (عليه السلام): سيفا كأنّه شعلة نار، ثمّ التفت إلى موسى ابنه و قال له: ما تحبّ أنت؟ فقال: فرسا، فقال (عليه السلام): أشبهني أبو الحسن، و أشبه هذا امّه. [1]

____________

[1] بحار الانوار: 50/ 123.

23

- 4- باب فضائله و مناقبه (عليه السلام)

1- الكليني عن بعض أصحابنا، عن محمّد بن عليّ قال: أخبرني زيد بن عليّ ابن الحسن بن زيد قال:

مرضت فدخل الطبيب عليّ ليلا فوصف لي دواء بليل آخذه كذا و كذا يوما فلم يمكنّي، فلم يخرج الطبيب من الباب حتّى ورد عليّ نصر بقارورة فيها ذلك الدّواء بعينه فقال لي: أبو الحسن يقرئك السّلام و يقول لك خذ هذا الدواء كذا و كذا يوما فأخذته فشربته فبرئت، قال محمّد بن عليّ: قال لي زيد بن عليّ:

يأبى الطاعن أين الغلاة عن هذا الحديث. [1]

2- قال الطبرسي: و مما شاهده ابو هاشم داوود بن القاسم الجعفري من دلائله و أسنده عن السيد الصالح أبي طالب القميّ، عن أبي عبد اللّه أحمد بن محمّد بن عيّاش قال: حدّثني أبو طالب عبد اللّه بن أحمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسين بن أحمد المالكيّ الأسديّ قال: أخبرني أبو هاشم الجعفريّ قال: كنت بالمدينة حين مرّ بها بغاء أيّام الواثق في طلب الأعراب.

فقال أبو الحسن (عليه السلام):

اخرجوا بنا حتّى ننظر إلى تعبية هذا التركيّ، فخرجنا فوقفنا فمرّت بنا تعبيته فمرّ بنا تركيّ فكلّمه أبو الحسن (عليه السلام) بالتركيّة فنزل عن فرسه فقبّل حافر دابّته، قال: فحلفت التركيّ و قلت له: ما قال لك الرّجل؟

قال: هذا نبيّ؟ قلت: ليس هذا بنبيّ، قال: دعاني باسم سميّت به في صغري في بلاد الترك ما علمه أحد إلى الساعة. [2]

____________

[1] الكافي 1/ 502 و روضة الواعظين: 209.

[2] اعلام الورى: 343.

24

3- عنه، قال: قال أبو عبد اللّه بن عيّاش: و حدّثني عليّ بن حبشي بن قوفي قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك قال: حدّثنا أبو هاشم الجعفريّ قال:

دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فكلّمني بالهنديّة فلم أحسن أن أردّ عليه و كان بين يديه ركوة ملأ حصا فتناول حصاة واحدة و وضعها في فيه فمصّها مليّا، ثمّ رمى بها إليّ فوضعتها في فمي فو اللّه ما برحت من عنده حتّى تكلّمت بثلاثة و سبعين لسانا أوّلها الهنديّة. [1]

4- عنه، قال: قال ابن عيّاش: و حدّثني عليّ بن محمّد المقعد قال: حدّثني يحيى بن زكريّا الخزاعي، عن أبي هاشم قال:

خرجت مع أبي الحسن إلى ظاهر سر من رأى نتلقّى بعض الطالبيّين فأبطأ حرسه فطرحت لأبي الحسن غاشية السرج فجلس عليها و نزلت عن دابّتي و جلست بين يديه و هو يحدّثني، و شكوت إليه قصر يدي فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالسا فناولني منه أكفّا و قال: اتّسع بهذا يا أبا هاشم و اكتم ما رأيت.

فخبأته معي فرجعنا فأبصرته فإذا هو يتّقد كالنيران ذهبا أحمر فدعوت صائغا إلى منزلي و قلت له: أسبك لي هذا، فسبكه و قال: ما رأيت ذهبا أجود منه و هو كهيئة الرّمل، فمن أين لك هذا؟ فما رأيت أعجب منه. قلت: هذا شي‏ء عندنا قديما تدّخره لنا عجائزنا على طول الأيّام. [2]

5- عنه، قال: قال ابن عيّاش: و حدّثني أبو طاهر الحسن بن عبد القاهر الطّاهري قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الأشتر العلويّ قال:

كنت مع أبي على باب المتوكّل و أنا صبيّ في جمع من الناس ما بين طالبيّ إلى عبّاسيّ و جعفريّ، و نحن وقوف إذ جاء أبو الحسن ترجّل الناس كلّهم حتّى دخل، فقال بعضهم لبعض: لم نترجّل لهذا الغلام و ما هو بأشرفنا و لا بأكبرنا و لا بأسنّنا، و اللّه لا ترجّلنا له.

فقال أبو هاشم الجعفريّ: و اللّه لتترجّلنّ له صغرة إذا رأيتموه فما هو إلّا أن أقبل و بصروا به حتّى ترجّل له الناس كلّهم، فقال له أبو هاشم الجعفريّ: أ ليس زعمتم‏

____________

[1] اعلام الورى: 343.

[2] اعلام الورى: 343.

25

أنّكم لا ترجّلون له؟ فقالوا له: و اللّه ما ملّكنا أنفسنا حتّى ترجّلنا. [1]

6- عنه، قال: قال: و حدّثني أبو القاسم عبد اللّه بن عبد الرّحمن الصالحيّ من آل إسماعيل بن صالح‏

و كان في أهل بيته بمنزلة من السادة و عليهم مكاتبين لهم أنّ أبا هاشم الجعفريّ شكا إلى مولانا أبي الحسن عليّ بن محمّد ما يلقى من الشوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد.

و قال له: يا سيّدي ادع اللّه لي فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه، فقال: قوّاك اللّه يا أبا هاشم و قوّى برذونك، قال: فكان أبو هاشم يصلّي الفجر ببغداد و يسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سرّ من رأى و يعود من يومه إلى بغداد إذ شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من أعجب الدّلائل الّتي شوهدت. [2]

7- روى ابن شهرآشوب انه: قال المتوكّل لابن السّكيت اسأل ابن الرّضا مسألة عوصاء بحضرتي. فسأله، فقال: لم بعث اللّه موسى بالعصا و بعث عيسى بابراء الأكمه و الأبرص و احياء الموتى، و بعث محمّدا بالقرآن و السّيف؟ فقال ابو الحسن (عليه السلام):

بعث اللّه موسى بالعصا و اليد البيضاء في زمان الغالب على اهله السّحر، فاتاهم من ذلك ما قهر سحرهم و بهرهم و اثبت الحجّة عليهم، و بعث عيسى بابراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى باذن اللّه في زمان الغالب على أهله الطّب فاتاهم من ابراء الاكمه و الأبرص و احياء الموتى باذن اللّه فقهرهم و بهرهم.

و بعث محمّدا بالقرآن في زمان الغالب على اهله السّيف و الشّعر فأتاهم من القرآن الزاهر و السّيف القاهر ما بهر به شعرهم و بهر سيفهم و اثبت الحجّة عليهم، فقال ابن السّكيت: فما الحجّة الآن؟ قال: العقل، يعرف به الكاذب على اللّه فيكذّب.

فقال يحيى بن اكثم: ما لابن السّكيت و مناظرته و انما هو صاحب نحو و شعر و لغة، و رفع قرطاسا فيه مسائل فاملى عليّ بن محمّد (عليهما السلام) على ابن السّكيت‏

____________

[1] اعلام الورى: 343.

[2] اعلام الورى: 344.

26

جوابها و أمره ان يكتب:

سألت عن قول اللّه تعالى قال الّذي عنده علم الكتاب: فهو و آصف بن برخيا و لم يعجز سليمان عن معرفة ما عرفه آصف و لكنه أحب ان يعرف امّته من الجنّ و الانس انّه الحجّة من بعده و ذلك من علم سليمان اودعه آصف بامر اللّه ففهّمه ذلك، لئلّا يختلف في امامته و ولايته من بعده و لتاكيد الحجة على الخلق.

و امّا سجود يعقوب لولده: فانّ السّجود لم يكن ليوسف و إنمّا كان ذلك من يعقوب و ولده طاعة للّه تعالى و تحيّة ليوسف، كما انّ السّجود من الملائكة لم يكن لآدم فسجد يعقوب و ولده و يوسف معهم شكرا للّه تعالى باجماع الشّمل أ لم تر انّه يقول في شكره في ذلك الوقت‏

«رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ»

الآية.

و امّا قوله فان كنت في شكّ ممّا انزلنا إليك فاسئل الّذين يقرءون الكتاب فانّ:

المخاطب بذلك رسول اللّه و لم يكن في شكّ ممّا أنزل اللّه إليه و لكن قالت الجهلة:

كيف لم يبعث نبيّا من الملائكة و لم لم يفرق بينه و بين النّاس في الاستغناء عن المأكل و المشرب و المشي في الأسواق؟ فاوحى اللّه الى نبيّه فاسئل الّذين يقرءون الكتاب بمحضر من الجهلة هل بعث اللّه نبيّا قبلك إلّا و هو ياكل الطّعام و يشرب الشّراب و لك بهم اسوة يا محمّد.

و إنمّا قال: فان كنت في شك و لم يكن للنّصفة كما قال:

«فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ»

و لو قال تعالوا نبتهل فنجعل لعنة اللّه عليكم، لم يكونوا يجيبوا الى المباهلة و قد علم اللّه انّ نبيّه مودّ عنه رسالته و ما هو من الكاذبين و كذلك عرف النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) بانّه صادق فيما يقول و لكن احبّ ان ينصف من نفسه.

و اما قوله:

«وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ»

الآية، فهو كذلك لو انّ اشجار الدّنيا اقلام و البحر مداد يمدّه سبعة ابحر مدّا حتى انفجرت الارض عيونا كما انفجرت في الطّوفان ما نفدت كلمات اللّه، و هي عين الكبريت و عين اليمن و عين برهوت و عين الطبريّة و حمّة ما سيدان تدعى لسان و حمّة افريقيّة تدعى سيلان و عين‏

27

باحوران و نحن الكلمات الّتي لا تدرك فضائلنا و لا تستقصى.

و امّا الجنّة: ففيها من الماكل و المشرب و الملاهي ما تشتهي الانفس و تلذ الاعين و اباح اللّه ذلك لآدم، و الشّجرة الّتي نهى اللّه آدم عنها و زوجته ان ياكلا منها شجرة الحسد، عهد اللّه إليهما ان لا ينظر الى من فضّله اللّه عليهما و الى خلايقه بعين الحسد فنسى و لم يجد له عزما.

و امّا قوله:

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَ إِناثاً

فانّ اللّه تعالى زوّج الذّكران المطيعين و معاذ اللّه ان يكون الجليل العظيم عني ما لبست على نفسك تطلب الرّخص لارتكاب المحارم و من يفعل ذلك يلق اثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة و يخلد فيه مهانا ان لم يتب.

فامّا شهادة امرأة و حسدها الّتي جازت: فهي القابلة الّتي جازت شهادتها مع الرّضا فان لم يكن رضى، فلا اقل من امراتين تقوم المرأتان بدل الرّجل للضّرورة، لانّ الرّجل لا يمكنه ان يقوم مقامها فان كانت وحدها قبل قولها مع يمينها.

فامّا قول عليّ (عليه السلام) في الخنثى: فهو كما قال يرث من المبال و ينظر إليه قوم عدول ياخذ كل واحد منهم مرآة و يقوم الخنثى خلفهم عريانة و ينظرون الى المرأة فيرون الشّي‏ء و يحكمون عليه.

و امّا الرّجل النّاظر الى الرّاعي و قد نزا على شاة: فان عرفها ذبحها و أحرقها و ان لم يعرفها قسّمها الامام نصفين و ساهم بينهما فان وقع السّهم على احد القسمين فقد اقسم النصف الآخر ثمّ يفرق الّذي وقع عليه السّهم نصفين و يقرع بينهما فلا يزال كذلك حتّى يتقي اثنتان فيقرع بينهما، فايتهما وقع السهم عليها ذبحت و أحرقت و قد نجا سائرهما و سهم الامام سهم اللّه لا يخب.

و امّا صلاة الفجر و الجهر فيها بالقراءة: لأنّ النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان يغلس بها فقراءتها من اللّيل.

و امّا قول امير المؤمنين (عليه السلام): بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار لقول رسول اللّه صلى‏

28

اللّه عليه و آله و كان ممّن خرج يوم النّهروان فلم يقتله امير المؤمنين بالبصرة، لأنّه علم انّه يقتل في فتنة النّهروان.

و امّا قولك: انّ عليّا قاتل اهل صفّين مقبلين و مدبرين و اجهز على جريحهم و انّه يوم الجمل لم يتبع مولّيا و لم يجهز على جريحهم و كلّ من القى سيفه و سلاحه آمنه: فانّ اهل الجمل قتل امامهم و لم يكن لهم فئة يرجعون إليها و إنمّا رجع القوم الى منازلهم غير محاربين و لا محتالين و لا متجسّسين و لا مبارزين.

فقد رضوا بالكفّ عنهم و كان الحكم فيه رفع السّيف و الكفّ عنهم اذ لم يطلبوا عليه اعوانا، و اهل صفين يرجعون الى فئة مستعدّة و امام منتصب يجمع لهم السّلاح من الرماح و الدّروع و السّيوف و يستعدّ لهم و يسنى لهم العطاء و يهيئ لهم الاموال و يعقّب مريضهم و يجبر كسيرهم و يداوي جريحهم و يحمل راجلهم و يكسو حاسرهم و يردّهم فيرجعون الى محاربتهم و قتالهم.

فانّ الحكم في اهل البصرة: الكفّ عنهم لما القوا اسلحتهم، اذ لم تكن لهم فئة يرجعون إليها. و الحكم في اهل صفين: ان يتبع مدبرهم و يجهز على جريحهم فلا يساوى بين الفريقين في الحكم، و لو لا امير المؤمنين و حكمه في اهل صفّين و الجمل لما عرف الحكم في عصاة اهل التّوحيد فمن ابى ذلك عرض على السّيف.

و امّا الرّجل الّذي اقرّ باللّواط: فانّه اقرّ بذلك متبرّعا من نفسه و لم تقم عليه بيّنة و لا اخذه سلطان و اذا كان للامام الّذي من اللّه ان يعاقب في اللّه فله ان يعفو في اللّه، أ ما سمعت اللّه يقول لسليمان:

هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏

فبدأ بالمنّ قبل المنع.

فلمّا قرأ ابن اكثم قال للمتوكّل: ما نحبّ ان تسأل هذا الرّجل عن شي‏ء بعد مسائلي هذه و انه لا يرد عليه شي‏ء بعدها الّا دونها و في ظهور علمه تقويّه للرّافضة. [1]

8- عنه، باسناده عن جعفر بن رزق اللّه قال:

قدم الى المتوكّل رجل نصرانيّ‏

____________

[1] المناقب: 2/ 443

29

فجر بامرأة مسلمة فاراد ان يقيم عليه الحدّ فاسلم، فقال يحيى بن اكثم: الايمان يمحو ما قبله. و قال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. و كتب المتوكّل الى عليّ بن محمّد النّقي يسأله فلمّا قرأ الكتاب كتب: يضرب حتّى يموت. فانكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلة؟ فقال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فلمّا رأوا باسنا قالوا امنا باللّه وحده و كفرنا بما كنّا به مشركين. قال: فامر المتوكّل فضرب حتّى مات. [1]

9- عنه ((رحمه الله)) باسناده عن عليّ بن محمد النوفلي قال: سمعت ابا الحسن (عليه السلام) يقول:

اسم اللّه الاعظم ثلاثة و سبعون حرفا و إنمّا كان عند آصف حرف واحد فتكلّم به فانخرق له الأرض فيما بينه و بين سبا، فتناول عرش بلقيس حتّى صيّره الى سليمان، ثمّ انبسطت الأرض في أقلّ من طرفة عين و عندنا منه اثنان و سبعون حرفا و حرف واحد عند اللّه مستاثر به في علم الغيب. [2]

10- عنه، باسناده عن ابي محمّد الفحّام قال:

سأل المتوكّل ابن الجهم من اشعر النّاس؟ فذكر شعراء الجاهليّة و الاسلام، ثمّ انّه سأل ابا الحسن، فقال الجماني حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابة * * * بمدّ خدود و امتداد اصابع‏

فلمّا تنازعنا المقال قضى لنا * * * عليهم بما نهوى نداء الصّوامع‏

ترانا سكوتا و الشّهيد بفضلنا * * * عليهم جهير الصّوت في كلّ جامع‏

فان رسول اللّه احمد جدّنا * * * و نحن بنوه كالنّجوم الطّوالع‏

قال: و ما نداء الصّوامع يا ابا الحسن؟ قال: اشهد ان لا إله الّا اللّه و اشهد انّ محمّدا رسول اللّه جدّي أم جدّك؟ فضحك المتوكّل ثمّ قال: هو جدّك لا ندفعك عنه. [3]

11- قال محمد بن طلحة:

اما مناقبه: فمنها ما حل في الاذان محل حلاها باشنافها و اكتنفته شغفا به اكتناف اللئالي الثمينة بأصدافها و شهد لأبي الحسن ان‏

____________

[1] المناقب: 2/ 443.

[2] المناقب: 2/ 446.

[3] المناقب: 2/ 446.

30

نفسه موصوفة بنفائس اوصافها و انها نازلة من الدّرجة النبوية في ذرى اشرافها و شرفات اعرافها، و ذلك ان ابا الحسن كان يوما قد خرج من سرّ من رأى الى قرية لمهم عرض له، فجاء رجل من الاعراب يطلبه، فقيل له: قد ذهب الى الموضع الفلاني فقصده.

فلما وصل إليه قال: انا رجل من اعراب الكوفة المتمسكين بجدك علي بن ابي طالب و قد ركبني دين قادح اثقلني حمله و لم ار من اقصده لقضائه غيرك. فقال له ابو الحسن: طب نفسا وقر عينا، ثم انزله فلما اصبح ذلك اليوم قال له ابو الحسن:

اريد منك حاجة اللّه اللّه ان تخالفني فيها. فقال له الاعرابي: لا اخالفك فيها.

فكتب ابو الحسن ورقة بخطه معترفا فيها ان للاعرابي مالا عينه فيها يرجح على دينه و قال: خذ هذا الخط، فاذا وصلت الى سرّ من راى احضر الي و عندي جماعة فطالبني به و اغلظ القول علي في ترك ايفائك اياه و اللّه اللّه في مخالفتي، فقال: افعل و اخذ الخط، فلما وصل ابو الحسن الى سرّ من راى و حضر عنده جماعة كثيرون من اصحاب الخليفة و غيرهم خرج ذلك الرجل و اخرج الخط و طالبه و قال كما اوصاه فألان له ابو الحسن القول و رققه له و جعل يعتذر إليه و وعده بوفائه و طيبة نفسه.

فنقل ذلك الى الخليفة المتوكل فامر ان يحمل الى ابي الحسن ثلاثون الف درهم، فلما حملت إليه تركها الى ان جاء الاعرابي فقال: خذ هذا المال اقض منه دينك و انفق الباقي على عيالك و اهلك و اعذرنا. فقال الاعرابي: يا ابن رسول اللّه و اللّه ان املي كان يقصر عن ثلث هذا و لكن اللّه اعلم حيث يجعل رسالاته، فاخذ المال و انصرف.

فهذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الاخلاق و قضى له بالمناقب المحكوم بشرفها بالانفاق. [1]

12- روى ابن الصباغ عن بعض أهل العلم‏

فضل أبي الحسن علي بن محمد الهادي: قد ضرب على الحرة قبابه و مدّ على نجوم السماء اطنابه فما تعد منقبة الا و إليه نحيلتها و لا تذكر كريمة الا و له فضيلتها، و لا تورد محمدة الا و له تفضيلها و جملتها، و لا

____________

[1] مطالب السؤل: 88.

31

تستعظم حالة سننية الا و تظهر عليه ادلتها، استحق ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرد بخصائصه و مجد حكم فيه على طبعه الكريم يحفظه من الشرب حفظ الراعي لقلائصة.

فكانت نفسه مهذبة و أخلاقه مستعذبة و سيرته عادلة و خلاله فاضلة و ميازه الى العفاة واصلة و زموع المعروف بوجود وجوده عامرة آهلة، جرى من الوقار و السكون و الطمأنينة و العفة و النزاهة و الخمول في النباهة على وتيرة نبوية و شنشنة علوية و نفس زكية و همة علية، لا يقاربها أحد من الأنام و لا يدانيها و طريقة حسنة لا يشاركه فيها خلق و لا يطمع فيها. [1]

____________

[1] الفصول المهمة: 282.

32

- 5- باب ما جرى بينه (عليه السلام) و المتوكل‏

1- محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن بعض أصحابنا قال:

أخذت نسخة كتاب المتوكّل إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) من يحيى بن هرثمة في سنة ثلاث و أربعين و مائتين و هذه نسخته:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقّك، يقدّر من الامور فيك و في أهل بيتك ما أصلح اللّه به حالك و حالهم و ثبّت به عزّك و عزّهم و أدخل اليمن و الأمن عليك و عليهم، يبتغي بذلك رضاء ربّه و أداء ما افترض عليه فيك و فيهم و قد رأى أمير المؤمنين صرف عبد اللّه بن محمّد عمّا كان يتولّاه من الحرب و الصلاة بمدينة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك و استخفافه بقدرك و عند ما قرفك به و نسبك إليه من الأمر الّذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه و صدق نيّتك في ترك محاولته و أنّك لم تؤهّل نفسك له و قد ولّى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّد بن الفضل و أمره بإكرامك و تبجيلك و الانتهاء إلى أمرك و رأيك و التقرّب إلى اللّه و إلى أمير المؤمنين بذلك و أمير المؤمنين مشتاق إليك يحبّ إحداث العهد بك و النظر إليك.

فإن نشطت لزيارته و المقام قبله ما رأيت شخصت و من أحببت من أهل بيتك و مواليك و حشمك على مهلة و طمأنينة، ترحل إذا شئت و تنزل إذا شئت و تسير كيف شئت، و إن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين و من معه من الجند مشيّعين لك، يرحلون برحيلك و يسيرون بسيرك و الأمر في ذلك إليك حتّى توافي‏

33

أمير المؤمنين.

فما أحد من إخوته و ولده و أهل بيته و خاصّته ألطف منه منزلة و لا أحمد له أثرة و لا هو لهم أنظر و عليهم أشفق و بهم أبرّ و إليهم أسكن منه إليك إن شاء اللّه تعالى و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته؛ و كتب إبراهيم بن العباس و (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). [1]

2- عنه، عن الحسين بن الحسن الحسني قال: حدّثني أبو الطيّب المثنّى يعقوب ابن ياسر قال: كان المتوكّل يقول:

و يحكم قد أعياني أمر ابن الرّضا، أبى أن يشرب معي أو ينادمني أو أجد منه فرصة في هذا، فقالوا له: فإن لم تجد منه فهذا أخوه موسى قصّاف عزّاف يأكل و يشرب و يتعشّق.

قال: ابعثوا إليه فجيئوا به حتّى نموّه به على النّاس و نقول ابن الرّضا، فكتب إليه و اشخص مكرما و تلقّاه جميع بني هاشم و القوّاد و الناس على أنّه إذا وافى أقطعه قطيعة و بنى له فيها و حوّل الخمّارين و القيان إليه و وصله و برّه و جعل له منزلا سريّا حتّى يزوره هو فيه، فلمّا وافى موسى تلقّاه أبو الحسن في قنطرة و صيف و هو موضع تتلقّا فيه القادمون، فسلّم عليه و وفّاه حقّه.

ثمّ قال له: إنّ هذا الرّجل قد أحضرك ليهتكك و يضع منك فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذا قطّ، فقال له موسى: فإذا كان دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال: فلا تضع من قدرك و لا تفعل فإنّما أراد هتكك، فأبى عليه فكرّر عليه. فلمّا رأى أنّه لا يجيب قال: أما إنّ هذا مجلس لا تجمع أنت و هو عليه أبدا.

فأقام ثلاث سنين، يبكّر كلّ يوم، فيقال له: قد تشاغل اليوم فرح فيروح، فيقال: قد سكر فبكّر، فيبكّر، فيقال: شرب دواء، فما زال على هذا ثلاث سنين حتّى قتل المتوكّل و لم يجتمع معه عليه. [2]

3- عنه، عن عليّ بن محمّد، عن إبراهيم بن محمّد الطاهري قال:

مرض المتوكّل من خراج خرج به و أشرف منه على الهلاك، فلم يجسر أحد أن يمسّه بحديدة،

____________

[1] الكافي: 1/ 501.

[2] الكافي: 1/ 502.

34

فنذرت امّه إن عوفي أن تحمل إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد مالا جليلا من مالها و قال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرّجل فسألته فإنّه لا يخلو أن يكون عنده صفة يفرّج بها عنك.

فبعث إليه و وصف له علّته، فردّ إليه الرّسول بأن يؤخذ كسب الشاة فيداف بماء ورد فيوضع عليه. فلمّا رجع الرّسول فأخبرهم أقبلوا يهزءون من قوله، فقال له الفتح:

هو و اللّه أعلم بما قال و أحضر الكسب و عمل كما قال و وضع عليه فغلبه النوم و سكن، ثمّ انفتح و خرج منه ما كان فيه و بشّرت أمّه بعافيته، فحملت إليه عشرة آلاف دينار تحت خاتمها.

ثمّ استقلّ من علّته فسعى إليه البطحائي العلوي بأنّ أموالا تحمل إليه و سلاحا، فقال لسعيد الحاجب: اهجم عليه باللّيل و خذ ما تجد عنده من الأموال و السلاح و احمله إليّ، قال إبراهيم بن محمّد: فقال لي سعيد الحاجب: صرت إلى داره باللّيل و معي سلّم فصعدت السطح، فلمّا نزلت على بعض الدرج في الظلمة لم أدر كيف أصل إلى الدّار.

فناداني: يا سعيد مكانك حتّى يأتوك بشمعة، فلم ألبث أن أتوني بشمعة فنزلت فوجدته عليه جبّة صوف و قلنسوة منها و سجّادة على حصير بين يديه، فلم أشكّ أنّه كان يصلّي، فقال لي: دونك البيوت فدخلتها و فتّشتها فلم أجد فيها شيئا و وجدت البدرة في بيته مختومة بخاتم أمّ المتوكل و كيسا مختوما و قال لي: دونك المصلّى، فرفعته فوجدت سيفا في جفن غير ملبّس، فأخذت ذلك و صرت إليه.

فلمّا نظر إلى خاتم امّه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه، فأخبرني بعض خدم الخاصّة أنّها قالت له: كنت قد نذرت في علّتك لمّا آيست منك إن عوفيت حملت إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه و هذا خاتمي على الكيس و فتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار.

فضمّ إلى البدرة بدرة اخرى و أمرني بحمل ذلك [إليه‏] فحملته و رددت السيف‏

35

و الكيسين و قلت له: يا سيّدي عزّ عليّ، فقال لي: «سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون». [1]

4- قال الشيخ ابو عبد اللّه المفيد:

كان سبب شخوص ابي الحسن (عليه السلام) من المدينة الى سرّ من رأى انّ عبد اللّه بن محمّد كان يتولّى الحرب و الصّلاة بمدينة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فسعى بابي الحسن (عليه السلام) الى المتوكّل و كان يقصده بالأذى و بلغ ابا الحسن (عليه السلام) سعايته به، فكتب الى المتوكّل يذكر تحامل عبد اللّه ابن محمّد عليه و كذبه فيما سعى به فتقدّم المتوكّل بإجابته عن كتابه و دعائه فيه الى حضور العسكر على جميل من الفعل و القول فخرجت نسخة الكتاب و هي:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم امّا بعد فانّ امير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقّك، مقدّر من الأمور فيك و في اهل بيتك ما يصلح اللّه به حالك و حالهم و يثبّت به عزّك و عزّهم و يدخل الأمن عليك و عليهم، يبتغي بذلك رضى ربّه و اداء ما افترض عليه فيك و فيهم.

قد راى امير المؤمنين صرف عبد اللّه بن محمّد عما كان يتولّاه من الحرب و الصّلاة بمدينة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) اذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك و استخفافه بقدرك و عند ما قرفك به و نسبك إليه من الأمر الّذي قد علم امير المؤمنين براءتك منه و صدق نيّتك في برّك و قولك و انّك لم تؤهّل نفسك لما قرفت بطلبه.

و قد ولّى امير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمّد بن الفضل و أمره باكرامك و تبجيلك و الانتهاء الى امرك و رأيك و التقرّب الى اللّه و الى امير المؤمنين بذلك، و امير المؤمنين مشتاق إليك يحبّ احداث العهد بك و النّظر إليك، فان نشطت لزيارته و المقام قبله ما احببت شخصت و من اخترت من اهل بيتك و مواليك و حشمك على مهلة و طمأنينة ترحل إذا شئت و تنزل إذا شئت و تسير كيف شئت.

و ان احببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى امير المؤمنين و من معه من الجند،

____________

[1] الكافي: 1/ 499.

36

يرحلون برحلك و يسيرون بسيرك، فالأمر في ذلك إليك و قد تقدّمنا إليه بطاعتك فاستخر اللّه حتّى توافي امير المؤمنين، فما احد من إخوانه و ولده و أهل بيته و خاصّته ألطف منه منزلة و لا احمد له اثرة و لا هو لهم انظر و لا عليهم أشفق و بهم أبرّ و إليهم أسكن منه إليك و السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، و كتب ابراهيم بن العبّاس في شهر جمادي الآخر من سنة ثلاث و اربعين و مائتين.

فلمّا وصل الكتاب الى ابي الحسن (عليه السلام) تجهّز للرحيل و خرج معه يحيى بن هرثمة حتّى وصل الى سرّ من رأى، فلمّا وصل إليها تقدّم المتوكّل بأن يحجب عنه في يومه فنزل في خان يعرف بخان الصّعاليك و اقام فيه يومه ثمّ تقدّم المتوكّل بافراد دار له فانتقل إليها. [1]

5- روى الطبرسي عن ابن جمهور قال: حدّثني سعيد بن عيسى قال:

رفع زيد ابن موسى إلى عمر بن الفرج مرارا يسأله أن يقدّمه على ابن أخيه و يقول: إنّه حدث و أنا عمّ أبيه فقال عمر ذلك لأبي الحسن (عليه السلام) فقال: افعل واحدة اقعدني غدا قبله، ثمّ انظر فلمّا كان من الغد أحضر عمر أبا الحسن (عليه السلام) فجلس في صدر المجلس.

ثمّ أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن (عليه السلام) فلمّا كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قبله فجلس في صدر المجلس ثمّ أذن لأبي الحسن (عليه السلام) فدخل فلمّا رآه زيد قام من مجلسه و أقعده في مجلسه و جلس بين يديه.

قال أيضا: أشخص أبا الحسن المتوكّل من المدينة إلى سرّ من رأى و كان السبب في ذلك أنّ عبد اللّه بن محمّد كان والي المدينة سعى به إليه فكتب المتوكّل إليه كتابا يدعو به فيه إلى حضور العسكر على جميل من القول.

فلمّا وصل الكتاب إليه تجهّز للرحيل و خرج مع يحيى بن هرثمة حتّى وصل إلى سرّ من رأى، فلمّا وصل إليها تقدّم المتوكّل أن يحتجب عنه في منزله فنزل في خان يعرف‏

____________

[1] الارشاد: 313 و روضة الواعظين: 210.

37

بخان الصعاليك فقام فيه يومه، ثمّ تقدّم المتوكّل بإفراد دار له فانتقل إليها. [1]

قال أيضا: كان المتوكّل يجتهد في إيقاع حيلة به و يعمل على الوضع من قدره في عيون الناس، فلا يتمكّن من ذلك و له معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب فيها آيات له و دلالات ذكرنا بعضها و في إيراد جميعها خروج عن الغرض في الإيجاز. [2]

6- الطوسي باسناده عن ابن الفحام قال: حدّثني المنصوري قال: حدّثني عمّي قال:

دخلت يوما على المتوكل و هو يشرب فدعاني، فقلت: يا سيدي ما شربته قط.

فقال: أنت تشرب مع علي بن محمد، فقلت له: ليس تعرف من في يديك إنّما يضرّك و لا يضرّه و لم اعد ذلك عليه.

فقال: فلما كان يوما من الأيام قال لي الفتح بن خاقان: قد ذكر الرجل يعني المتوكل خبر مال يجي‏ء من قم و قد أمرني ان أرصده لأخبره له، فقل لي: من أي طريق يجي‏ء حتى اجيئه، فجئت الى الامام علي بن محمد (عليهما السلام) فصادفت عنده من احتشمه فتبسم و قال لي: لا يكون الا خير يا ابا موسى، لم لم تعد الرسالة الاولة؟

فقلت: اجللتك يا سيدي. فقال لي: المال يجي‏ء الليلة و ليس يصلون إليه فبت عندي، فلما كان من الليل و قام الى ورده قطع الركوع بالسلام و قال لي: قد جاء الرجل و معه المال و قد منعه الخادم الوصول الي فاخرج خذ ما معه.

فخرجت فاذا معه زنفيلجة فيها المال، فأخذته و دخلت به إليه، فقال: قل له هات المحنقة التي قالت له القمية انها ذخيرة جدتها، فخرجت له فأعطانيها، فدخلت بها إليه، فقال لي: قل له الجبة التي ابدلتها منها ردّها إليها، فخرجت إليه فقلت له ذلك، فقال: نعم كانت ابنتي استحسنتها فأبدلتها بهذه الجبة و انا امضي فأجي‏ء بها.

فقال: اخرج فقل له ان اللّه تعالى يحفظ ما لنا و علينا هاتها من كتفك، فخرجت الى الرجل فأخرجها من كتفه فغشى عليه، فخرج إليه (عليه السلام) فقال له: قد كنت شاكا فتيقنت. [3]

____________

[1] اعلام الورى: 437.

[2] اعلام الورى: 438.

[3] أمالي الشيخ: 1/ 282 و المناقب: 2/ 451.

38

7- عنه، باسناده عن محمد الفحام قال: حدثني ابو الحسن محمد بن احمد قال:

حدّثني عمّ ابي قال:

قصدت الإمام (عليه السلام) يوما فقلت: يا سيدي إنّ هذا الرجل قد أطرحني و قطع رزقي و ملّني و ما اتهم في ذلك الا علمه بملازمتي لك، فاذا سألته شيئا منه يلزمه القبول منك فينبغي ان تتفضل عليّ لمسألة. فقال: تكفى إن شاء اللّه.

فلمّا كان في الليل طرقني رسل المتوكل رسول يتلو رسولا فجئت و الفتح على الباب قائم، فقال: يا رجل ما تأوي في منزلك بالليل كدني هذا الرجل مما يطلبك، فدخلت و اذا المتوكل جالس في فراشه فقال: يا ابا موسى نشتغل عنك و تنسينا نفسك، أي شي‏ء لك عندي؟

فقلت: الصلة الفلانية و الرّزق الفلاني و ذكرت أشياء، فأمرني بها و بضعفها، فقلت للفتح: وافى علي بن محمد الى هاهنا؟ فقال: لا. فقلت: كتبت رقعة؟ فقال:

لا. فوليت منصرفا فتبعني فقال لي: لست أشك انك سألته دعاء لك فالتمس لي منه دعاء.

فلما دخلت إليه (عليه السلام) فقال لي: يا ابا موسى هذا وجه الرضا. فقلت:

ببركتك يا سيدي و لكن قالوا لي: انك ما مضيت إليه و لا سألته. فقال: ان اللّه تعالى علم منا انا لا نلجأ في المهمات الا إليه و لا نتوكل في الملمات الا عليه، و عودنا اذا سألنا الاجابة و نخاف ان نعدل فيعدل بنا.

قلت: ان الفتح قال لي كيت و كيت. قال: إنه يوالينا بظاهره و يجانبنا بباطنه، الدعاء لمن يدعو به اذا أخلصت في طاعة اللّه و اعترفت برسول اللّه (ص) و بحقنا أهل البيت و سألت اللّه تبارك و تعالى شيئا لم يحرمك. قلت: يا سيدي فتعلمني دعاء اختص به من الأدعية.

قال: هذا الدعاء كثيرا ما ادعو اللّه به، و قد سألت اللّه ان لا يخيب من دعا به في مشهدي بعدي و هو «يا عدتي عند العدد و يا رجائي و المعتمد و يا كهفي و السند و يا واحد يا احد و يا قل هو اللّه أحد أسألك اللهم بحق من خلقته و لم تجعل في خلقك‏

39

مثلهم احدا ان تصلي عليهم و تفعل بي كيت و كيت». [1]

8- عنه، باسناده عن محمد الفحام قال: حدثني ابو الطيب احمد بن محمد بن ربطة قال: حدثني خير الكاتب قال: حدثني شميلة الكاتب و كان قد عمل اخبار سر من رأى قال:

كان المتوكل ركب إلى الجامع و معه عدد ممن يصلح للخطابة، و كان فيهم رجل من ولد العباس بن محمد فقلت: بهريسته و كان المتوكل يحقره.

فتقدم إليه ان يخطب يوما فخطب و احسن، فتقدم المتوكل يصلي فسابقه من قبل ان ينزل من المنبر، فجاء فجذب منطقته من ورائه و قال: يا امير المؤمنين من خطب يصلي. فقال المتوكل: اردنا أن نخجله فأخجلنا، و كان احد الاسرار.

فقال يوما للمتوكل: ما يعمل احد بك اكثر مما تعمله بنفسك في علي بن محمد، فلا يبقى في الدار الا من يخدمه و لا يتبعونه بشيل ستر و لا فتح باب و لا شي‏ء، و هذا اذا علمه الناس قالوا: لو لم يعلم استحقاقه للأمر ما فعل به هذا، دعه اذا دخل عليه يشيل الستر لنفسه و يمشي كما يمشي غيره فيمسه بعض الجفوة.

فتقدم الا يخدم و لا يشال بين يديه ستر، و كان المتوكل ما رأى احدا ممن يهتم بالخبر مثله. قال: فكتب صاحب الخبر إليه: ان علي بن محمد دخل الدار فلم يخدم و لم يشل أحد بين يديه ستر فهب هواء رفع الستر له فدخل، فقال: اعرفوا حين خروجه، فذكر صاحب الخبر ان هواء خالف ذلك الهواء شال الستر له حتى خرج، فقال: ليس نريد هواء يشيل الستر شيلوا الستر بين يديه.

و قال: و دخل يوما على المتوكل فقال: يا ابا الحسن من أشعر الناس و كان قد سأل قبله ابن الجهم، فذكر شعراء الجاهلية و شعراء الاسلام، فلما سأل الامام (عليه السلام) قال: فلان ابن فلان العلوي. قال ابن الفحام: و احسبه الجماني. قال حيث يقول:

لقد فاخرتنا من قريش عصابة* بمط خدود و امتداد اصابع فلما تنازعنا القضاء قضي لنا* عليهم بما نهوى نداء الصوامع‏

____________

[1] أمالي الشيخ: 1/ 291.

40

قال: و ما نداء الصوامع يا ابا الحسن؟ قال: أشهد ان لا إله الا اللّه و ان محمدا رسول اللّه جدي أم جدك؟ فضحك المتوكل ثم قال: هو جدك لا ندفعك عنه. [1]

9- عنه، باسناده قال: قال ابو محمد الفحام: حدثني أبو الطيب‏

و كان لا يدخل المشهد و يزور من وراء الشباك فقال لي: جئت يوم عاشوراء نصف نهار ظهر و الشمس تغلي و الطريق خال من أحد و أنا فزع من الزعار و من أهل البلد أتخفى إلى أن بلغت الحائط الذي امضي منه الى الشباك، فمددت عيني فاذا برجل جالس على الباب ظهره الي كأنه ينظر في دفتر.

فقال لي: يا ابا الطيب، بصوت يشبه صوت حسين بن علي بن جعفر بن الرضا.

فقلت: هذا حسين قد جاء يزور اخاه؟ قلت: يا سيدي أمهلني أزور من الشباك و اجيئك فأقضي حقك. قال: و لم لا تدخل يا ابا الطيب؟ فقلت له: الدار لها مالك لا ادخلها من غير اذنه.

فقال: يا ابا الطيب تكون مولانا رقا و توالينا حقا و نمنعك تدخل الدار، ادخل يا ابا الطيب. فقلت: امضي أسلم عليه و لا أقبل منه، فجئت الى الباب و ليس عليه احد فيشعرني فبادرت الى عند البصري خادم الموضع، ففتح لي الباب و دخلت فكان يقول: أ ليس كنت لا تدخل الدار؟ فقال: أما انا فقد أذنوا لي بقيتم انتم. [2]

10- ابن شهرآشوب باسناده عن أبي محمّد الفحام بالإسناد عن سلمة الكاتب قال: قال خطيب يلقّب بالهريسة للمتوكّل:

ما يعمل احد بك ما تعمله بنفسك في عليّ بن محمد فلا في الدّار الّا من يخدمه و لا يتعبونه يشيل السّتر لنفسه، فأمر المتوكّل بذلك فرفع صاحب الخبر انّ عليّ بن محمّد دخل الدّار فلم يخدم و لم يشل احد بين يديه السّتر فهبّ هواء فرفع السّتر حتّى دخل و خرج فقال: شيلوا له السّتر بعد ذلك فلا نريد ان يشيل له الهواء. [3]

____________

[1] أمالي الشيخ: 1/ 292.

[2] أمالي الشيخ: 1/ 293.

[3] المناقب: 2/ 446.

41

11- عنه قال: و في تخريج ابي سعيد العامري رواية عن صالح بن الحكم بيّاع السّابري قال: كنت واقفيّا فلما أخبرني حاجب المتوكّل بذلك اقبلت استهزئ به اذ خرج ابو الحسن فتبسّم في وجهي من غير معرفة بيني و بينه، قال:

يا صالح انّ اللّه تعالى قال في سليمان و سخّرنا له الرّيح، تجري بأمره رخاء حيث اصاب و نبيّك و اوصياء نبيّك اكرم على اللّه تعالى من سليمان، قال: و كانّما انسلّ من قلبي الضّلالة فتركت الوقف. [1]

12- عنه، باسناده عن الحسين بن محمّد قال:

لمّا حبس المتوكّل أبا الحسن و دفعه الى عليّ بن كركر قال ابو الحسن (عليه السلام): انا اكرم على اللّه من ناقة صالح تمتّعوا في داركم ثلاثة ايّام وعد غير مكذوب، قال: فلمّا كان من الغد أطلقه و أعتذر إليه، فلمّا كان في اليوم الثالث وثب عليه باغر و تامش و معلون فقتلوه و اقعدوا المنتصر ولده خليفته. [2]

13- عنه ((رحمه الله)) قال: في رواية أبي سالم‏

انّ المتوكل امر الفتح بسبّه فذكر الفتح له ذلك فقال له تمتعوا في داركم ثلاثة ايّام الآية فانهى ذلك الى المتوكّل و الفتح فقال اقتله بعد ثلاثة ايّام فلمّا كان اليوم الثّالث قتل المتوكّل و الفتح. [3]

14- عنه، باسناده عن الحسين بن الحسن الحسني قال: حدّثني ابو الطيّب المديني، قال: كان المتوكّل يقول:

اعياني أمر ابن الرّضا فلا يشاربني، فقيل له:

فهذا أخوه موسى قصّاف عزّاف فأحضره و أشهره فانّ الخبر يسمع عن ابن الرّضا و لا يفرّق في فعلهما. و أمر باحضاره و استقباله و أمر له بصلات و اقطاع و بنى له فيها من الخمارين و القينات.

فلمّا وافى موسى تلقّاه ابو الحسن في قنطرة و صيف فسلّم عليه ثمّ قال: انّ هذا الرّجل قد أحضرك ليهتك و يضع منك فلا تقرّ له انّك شربت نبيذا قطّ و اتّق اللّه يا اخي‏

____________

[1] المناقب: 2/ 446.

[2] المناقب: 2/ 447.

[3] المناقب: 2/ 447.

42

ان ترتكب محظورا. فقال موسى: و إنمّا دعاني لهذا فما حيلتي، قال: فلا تضع من قدرك و لا تعص ربّك و لا تفعل ما يشينك، فما غرضه الّا هتكك. فابى عليه موسى و كرّر ابو الحسن عليه القول و الوعظ و هو مقيم على خلافه.

فلمّا رأى انّه لا يجيب قال: اما انّ الّذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت و هو ابدا. قال: فاقام ثلاث سنين يبكر كلّ يوم الى باب المتوكّل و يروح فيقال له: قد سكر او قد شرب دواء حتّى قتل المتوكّل. [1]

15- قال أيضا:

وجّه المتوكل عتاب بن ابي عتاب الى المدينة يحمل عليّ بن محمد (عليه السلام) الى سرّ من راى و كانت الشّيعة يتحدّثون انّه يعلم الغيب، فكان في نفس عتاب من هذا شي‏ء فلمّا فصل من المدينة راه و قد لبس لبادة و السّماء صاحية فما كان اسرع من ان تغيّمت و امطرت و قال عتاب هذا واحد.

ثمّ لمّا وافى شطّ القاطول رآه مقلق القلب، فقال له: ما لك يا ابا احمد؟ فقال:

قلبي مقلق بحوائج التمستها من أمير المؤمنين. قال له: فانّ حوائجك قد قضيت، فما كان باسرع من ان جاءه البشارات بقضاء حوائجه. قال: الناس يقولون انّك تعلم الغيب و قد تبيّنت من ذلك خلّتين. [2]

16- عنه، قال: و في كتاب البرهان عن الدّهني:

انّه لما ورد به سرّ من راى كان المتوكل برّا به و وجّه إليه يوما بسلّة فيها تين، فأصاب الرّسول المطر فدخل الى المسجد ثمّ شرهت نفسه الى التّين ففتح السّلّة و أكل منها، فدخل و هو قائم يصلّي.

فقال له: ما قصّتك فعرّفه القصّة. قال له: او ما علمت انّه قد عرف خبرك و ما اكلت من هذا التّين، فقامت على الرّسول القيامة و مضى مبادرا حتّى اذا سمع صوت البريد ارتاع هو و من في منزله بذلك الخبر. [3]

17- عنه، باسناده عن ابي الهلقام، و عبد اللّه بن جعفر الحميري، و الصّقر

____________

[1] المناقب: 2/ 448.

[2] المناقب: 2/ 451.

[3] المناقب: 2/ 452.

43

الجبلي، و ابو شعيب الحناط، و علي بن مهزيار قالوا:

كانت زينب الكذّابة تزعم انّها بنت عليّ بن ابي طالب فاحضرها المتوكّل و قال: اذكري نسبك. فقالت: انا زينب بنت عليّ و انّها كانت حملت الى الشّام فوقعت الى بادية من بني كلب فاقامت بين ظهرانيّهم. فقال لها المتوكّل: انّ زينب عليّ قديمة و أنت شابّة. فقالت: لحقتني دعوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بان يردّ شبابي في كلّ خمسين سنة.

فدعا المتوكّل وجوه آل ابي طالب فقال: كيف يعلم كذبها؟ فقال الفتح: لا يخبرك بهذا الّا ابن الرّضا. فأمر باحضاره و سأله فقال (عليه السلام): انّ في ولد عليّ علامة. قال: و ما هي قال: لا تعرض لهم السّباع، فالقها الى السّباع فان لم تعرض لها فهي صادقة. فقالت: يا امير المؤمنين اللّه اللّه فيّ، فانّما اراد قتلي و ركبت الحمار و جعلت تنادي الا انّني زينب الكذّابة.

و في رواية انّه عرض عليها ذلك فامتنعت فطرحت للسّباع فاكلتها قال: عليّ بن مهزيار: فقال عليّ بن الجهم: جرّب هذا على قائله فاجيعت السّباع ثلاثة ايّام، ثمّ دعي بالامام و اخرجت السّباع فلمّا رأته لاذت به و بصبصت باذنابها، فلم يلتفت الامام إليها و صعد السّقف و جلس عند المتوكّل، ثمّ نزل من عنده و السّباع تلوذ به و تبصبص حتّى خرج (عليه السلام). [1]

قال: كان شخوصه (عليه السلام) من المدينة الى سرّ من رأى سعاية عبد اللّه بن محمّد الى المتوكل فكتب الامام الى المتوكّل يحامل عبد اللّه و يكذبه لؤمه فيما سعى به فدعاه المتوكّل باحسن كتاب و اجلّ خطاب و اوفر موعود و خرج معه يحيى بن هرثمة، ثمّ كان منه ما كان و اقام بسرّمن‏رأى حتّى مضى. [2]

18- عنه، باسناده عن ابي محمّد الفحّام، عن المنصوري، عن عمّه، عن ابيه قال: قال يوما الامام عليّ بن محمد:

يا ابا موسى اخرجت الى سرّ من راى كرها و لو اخرجت عنها اخرجت كرها. قال: قلت: و لم يا سيّدي؟ فقال: لطيب هوائها

____________

[1] المناقب: 2/ 453.

[2] المناقب: 2/ 454.

44

و عذوبة مائها و قلّة دائها، ثمّ قال: تخرب سرّ من رأى حتّى يكون فيها خان وقفا للمارّة و علامة خرابها تدارك العمارة في مشهدي من بعدي دخلنا كارهين لها فلمّا الفناها خرجنا مكرهينا. [1]

19- روى الاربلي باسناده عن ابي الطيب يعقوب بن ياسر:

كان يقول المتوكل و يحكم قد أعياني أمر ابن الرضا و جهدت ان يشرب معي او يناد مني فامتنع و جهدت ان اجد فرصة في هذا المعنى فلم اجدها، فقال له بعض من حضر: ان لم تجد من ابن الرضا ما تريد من هذا الحال، فهذا أخوه موسى قصاف عزاف يأكل و يشرب و يعشق و يتخالع، فأحضره و أشهره فان الخبر يشيع عن ابن الرضا بذلك؛ فلا يفرق الناس بينه و بين أخيه، و من عرفه اتهم أخاه بمثل فعاله.

فقال: أكتبوا بأشخاصه مكرما، فأشخص مكرما و تقدم المتوكل أن يلقاه جميع بني هاشم و القواد و ساير الناس، و عمل على أنه اذا رآه أقطعه قطيعة و بنى له فيها، و حوّل إليها الخمارين و القيان و تقدم بصلته و بره و أفرد له منزلا سريا يصلح أن يزوره هو فيه، فلما وافى موسى تلقاه أبو الحسن في قنطرة و صيف و هو موضع يتلقى فيه القادمون، فسلم عليه و وفاه حقه.

ثم قال له: ان هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك و يضع منك فلا تقر له انك شربت نبيذا قط، و اتق اللّه يا أخي أن ترتكب محظورا، فقال له موسى: انما دعاني لهذا فما حيلتي؟ قال: فلا تضع من قدرك و لا تعص ربك و لا تفعل ما يشينك، فما غرضه الا هتكك، فأبى عليه موسى فكرر عليه أبو الحسن (عليه السلام) القول و الوعظ و هو مقيم على خلافه.

فلما رأى أنه لا يجيب قال له: أما ان المجلس الذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت و هو أبدا؛ فأقام موسى ثلاث سنين يبكر كل يوم الى باب المتوكل فيقال له: قد تشاغل اليوم فيروح، ثم يعود فيقال له: قد سكر؛ و يبكر فيقال له: انه‏

____________

[1] المناقب: 2/ 454.

45

قد شرب دواء فما زال على هذا ثلاث سنين حتى قتل المتوكل و لم يجتمع معه على شراب. [1]

20- روى الشيخ رجب البرسي باسناده عن محمد بن الحسن الحضيني قال:

حضر مجلس المتوكل مشعبذ هندي فلعب عنده بالحقق فأعجبه، فقال له المتوكل:

يا هندي الساعة يحضر مجلسنا رجل شريف فاذا حضر فالعب عنده بما يخجله، قال:

فلما حضر ابو الحسن المجلس لعب الهندي فلم يلتفت إليه، فقال له: يا شريف أ ما يعجبك لعبي، كانك جائع؟

ثم أشار إلى صورة مدورة في البساط على شكل الرغيف و قال: يا رغيف مر الى هذا الشريف، فارتفعت الصورة فوضع ابو الحسن يده على صورة سبع في البساط و قال: قم فخذ هذا، فصارت السورة سبعا، فابتلع الهندي و عاد الى مكانه في البساط، فسقط المتوكل لوجهه، و هرب من كان قائما. [2]

21- و روى أيضا عن محمد بن داوود القمي؛ و محمد الطلحي قال:

حملنا مالا من خمس و نذور، و هدايا و جواهر، اجتمعت في قم و بلادها، و خرجنا نريد بها سيدنا أبا الحسن الهادي (عليه السلام) فجاءنا رسوله في الطريق أن ارجعوا فليس هذا وقت الوصول إلينا، فرجعنا الى قم و احرزنا ما كان عندنا فجاءنا أمره بعد أيام ان قد انفذنا إليكم إبلا غبراء فاحملوا عليها ما عندكم، و خلوا سبيلها فحملناها و اودعناها للّه، فلما كان من قابل قدمنا عليه، قال: انظروا الى ما حملتم إلينا، فنظرنا فاذا المنائح كما هي. [3]

22- المجلسي، عن عيون المعجزات: روي أنّ بريحة العبّاسيّ كتب إلى المتوكّل:

إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج عليّ بن محمّد منها فانّه قد دعا الناس إلى نفسه و اتّبعه خلق كثير، ثمّ كتب إليه بهذا المعنى زوجة المتوكّل فنفذ يحيى بن هرثمة و كتب‏

____________

[1] كشف الغمة: 2/ 381.

[2] مشارق الانوار: 99.

[3] مشارق الانوار: 100.

46

معه إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتابا جيّدا يعرّفه أنّه قد اشتاق إليه و سأله القدوم عليه و أمر يحيى بالمسير إليه و كتب إلى بريحة يعرّفه ذلك.

فقدم يحيى المدينة، و بدأ ببريحة، و أوصل الكتاب إليه ثمّ ركبا جميعا إلى أبي الحسن (عليه السلام) و أوصلا إليه كتاب المتوكّل فاستأجلها ثلاثة أيّام، فلمّا كان بعد ثلاثة عادا إلى داره فوجدا الدوابّ مسرّجة و الأثقال مشدودة، قد فرغ منها فخرج (صلوات الله عليه) متوجّها إلى العراق و معه يحيى بن هرثمة.

و روي أنّه لمّا كان في يوم الفطر في السنة الّتي قتل فيها المتوكّل أمر المتوكّل بني هاشم بالترجّل و المشي بين يديه، و إنّما أراد بذلك أن يترجّل أبو الحسن (عليه السلام).

فترجّل بنو هاشم و ترجّل أبو الحسن (عليه السلام) و اتّكأ على رجل من مواليه فأقبل عليه الهاشميّون و قالوا: يا سيّدنا ما في هذا العالم أحد يستجاب دعاؤه و يكفينا اللّه به تعزّز هذا، قال لهم أبو الحسن (عليه السلام): في هذا العالم من قلامة ظفره أكرم على اللّه من ناقة ثمود لمّا عقرت الناقة صاح الفصيل إلى اللّه تعالى فقال اللّه سبحانه:

تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ‏

فقتل المتوكّل يوم الثالث. [1]

23- عنه، عن كتاب الاستدراك: عن ابن قولويه باسناده إلى محمّد بن العلا السرّاج قال: أخبرني البحتريّ قال:

كنت بمنبج بحضرة المتوكّل، إذ دخل عليه رجل من أولاد محمّد بن الحنفيّة، حلو العينين، حسن الثياب، قد قرف عنده بشي‏ء فوقف بين يديه و المتوكّل مقبل على الفتح يحدّثه.

فلمّا طال وقوف الفتى بين يديه و هو لا ينظر إليه قال له: يا أمير المؤمنين إن كنت أحضرتني لتأديبي فقد أسأت الأدب، و إن كنت قد أحضرتني ليعرف من بحضرتك من بحضرتك من أوباش الناس استهانتك بأهلي فقد عرفوا.

فقال له المتوكّل: و اللّه يا حنفيّ لو لا ما يثنيني عليك من أوصال الرحم و يعطفني‏

____________

[1] بحار الانوار: 209.

47

عليك من مواقع الحلم لانتزعت لسانك بيدي، و لفرّقت بين رأسك و جسدك و لو كان بمكانك محمّد أبوك، قال: ثمّ التفت إلى الفتح فقال: أ ما ترى ما نلقاه من آل أبي طالب؟ إمّا حسنيّ يجذب إلى نفسه تاج عزّ نقله اللّه إلينا قبله، أو حسينيّ يسعى في نقض ما أنزل اللّه إلينا قبله، أو حنفيّ يدلّ بجهله أسيافنا على سفك دمه.

فقال له الفتى: و أيّ حلم تركته لك الخمور و إدمانها؟ أم العيدان و فتيانها و متى عطفك الرحم على أهلي و قد ابتززتهم فدكا إرثهم من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فورثها أبو حرملة، و أما ذكرك محمّدا أبي فقد طفقت تضع عن عزّ رفعه اللّه و رسوله، و تطاول شرفا تقصر عنه و لا تطوله، فأنت كما قال الشاعر:

فغضّ الطرف إنّك من نمير * * * فلا كعبا بلغت و لا كلابا

ثمّ ها أنت تشكو لي علجك هذا ما تلقاه من الحسنيّ و الحسينيّ و الحنفيّ فلبئس المولى و لبئس العشير.

ثمّ مدّ رجليه ثمّ قال: هاتان رجلاي لقيدك، و هذه عنقي لسيفك، فبوء باثمي و تحمّل ظلمي فليس هذا أوّل مكروه أوقعته أنت و سلفك بهم، يقول اللّه تعالى‏

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

فو اللّه ما أجبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فورثها أبو حرملة، و أما ذكرك محمّدا أبي فقد طفقت تضع عن عزّ رفعه اللّه و رسوله، و تطاول شرفا تقصر عنه و لا تطوله، فأنت كما قال الشاعر:

فغضّ الطرف إنّك من نمير * * * فلا كعبا بلغت و لا كلابا

ثمّ ها أنت تشكو لي علجك هذا ما تلقاه من الحسنيّ و الحسينيّ و الحنفيّ فلبئس المولى و لبئس العشير.

ثمّ مدّ رجليه ثمّ قال: هاتان رجلاي لقيدك، و هذه عنقي لسيفك، فبوء باثمي و تحمّل ظلمي فليس هذا أوّل مكروه أوقعته أنت و سلفك بهم، يقول اللّه تعالى‏

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏

فو اللّه ما أجبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن مسألته و لقد عطفت بالمودّة على غير قرابته، فعمّا قليل ترد الحوض، فيذودك أبي و يمنعك جدّي (صلوات الله عليهما).

قال: فبكى المتوكّل ثمّ قام فدخل إلى قصر جواريه، فلمّا كان من الغد أحضره و أحسن جائزته و خلّى سبيله. [1]

24- عنه، عن الكتاب المذكور بإسناده أنّ المتوكّل قيل له:

إنّ أبا الحسن يعني عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا (عليهم السلام) يفسّر قول اللّه عزّ و جلّ‏

يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى‏ يَدَيْهِ‏

الآيتين في الأوّل و الثاني، قال: فكيف الوجه في أمره؟ قالوا: تجمع له الناس و تسأله بحضرتهم فان فسّرها بهذا كفاك الحاضرون أمره و إن فسّرها بخلاف ذلك‏

____________

[1] بحار الانوار: 50/ 213.

48

افتضح عند أصحابه، قال: فوجّه إلى القضاة و بني هاشم و الأولياء و سئل (عليه السلام) فقال: هذان رجلان كنّى عنهما، و منّ بالسّتر عليهما أ فيحبّ أمير المؤمنين أن يكشف ما ستره اللّه؟ فقال: لا احبّ. [1]

25- قال المسعودي: حدثنا ابن الأزهر، قال: حدثني القاسم بن عباد، قال:

حدثني يحيى بن هرثمة، قال:

وجّهني المتوكل إلى المدينة لإشخاص علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر لشي‏ء بلغه عنه، فلما صرت إليها ضجّ أهلها و عجوا ضجيجا و عجيجا ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم و أحلف لهم أني لم أومر فيه بمكروه، و فتشت بيته، فلم أجد فيه إلا مصحفا و دعاء، و ما أشبه ذلك، فأشخصته و تولّيت خدمته و حسنت عشرته.

فبينا أنا [نائم‏] يوما من الأيام، و السماء صاحية، و الشمس طالعة؛ إذ ركب و عليه ممطر، و قد عقد ذنب دابته فعجبت من فعله، فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها، و نالنا من المطر أمر عظيم جدا، فالتفت إلي، و قال:

أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت، و توهمت أني علمت من الأمر ما لا تعلمه، و ليس ذلك كما ظننت، و لكن نشأت بالبادية.

فأنا أعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما أصبحت هبّت ريح لا تخل و شممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك، فلما قدمت مدينة السلام بدأت بإسحاق ابن إبراهيم الطاهري- و كان على بغداد- فقال لي: يا يحيى، إن هذا الرجل قد ولده رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و المتوكل من تعلم، و إن حرضته على قتله كان رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) خصمك.

فقلت: و اللّه ما وقفت له إلا على كل أمر جميل؛ فصرت إلى سامرا، فبدأت بوصيف التركي، و كنت من أصحابه، فقال: و اللّه لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون المطالب بها غيري، فعجبت من قولهما، و عرفت المتوكل ما وقفت‏

____________

[1] بحار الانوار: 50/ 214.

49

عليه، و ما سمعته من الثناء عليه، فأحسن جائزته، و أظهر بره و تكرمته. [1]

26- عنه، قال:

كتب بريحة العباسي صاحب الصلاة بالحرمين الى المتوكل: ان كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منهما فانه قد دعا الى نفسه و اتبعه خلق كثير و تابع بريحة الكتب في هذا المعنى، فوجه المتوكل بيحيى بن هرثمة و كتب معه الى ابي الحسن كتابا جميلا يعرفه أنه قد اشتاقه و يسأله القدوم عليه و أمر يحيى بالمسير معه كما يحب و كتب الى بريحة يعرفه ذلك.

فقدم يحيى بن هرثمة المدينة فأوصل الكتاب الى بريحة و ركبا جميعا إلى أبي الحسن فأوصلا إليه كتاب المتوكل فاستأجلهما ثلاثا، فلما كان بعد ثلاث عاد إلى داره فوجد الدّواب مسرجة و الأثقال مشدودة قد فرغ منها و خرج متوجها نحو العراق و اتبعه بريحة مشيعا.

فلما صار في بعض الطريق قال له بريحة: قد علمت وقوفك على أني كنت السبب في حملك و علي حلف بايمان مغلظة، لئن شكوتني الى أمير المؤمنين أو الى احد من خاصته و ابنائه لأجمرن نخلك و لأقتلن مواليك و لأعورن عيون ضيعتك و لأفعلن و لأصنعن.

فالتفت إليه ابو الحسن فقال له: ان اقرب عرضي اياك على اللّه البارحة و ما كنت لأعرضنك عليه، ثم لأشكونك إلى غيره من خلقه قال فانكب عليه بريحة و ضرع إليه و استعفاه فقال له: قد عفوت عنك. [2]

27- عنه، قال: و روى عن يحيى بن هرثمة قال:

رأيت من دلائل ابي الحسن الأعاجيب في طريقنا منها، انا نزلنا منزلا لا ماء فيه، فأشفينا دوابنا و جمالنا من العطش على التلف و كان معنا جماعة و قوم قد تبعونا من أهل المدينة، فقال ابو الحسن:

كأني اعرف على أميال موضع ماء. فقلنا له: ان نشطت و تفضلت عدلت بنا إليه و كنا معك فعدل بنا عن الطريق.

فسرنا نحو ستة اميال فأشرفنا على واد كأنه زهو الرياض فيه عيون و أشجار و زروع‏

____________

[1] مروج الذهب: 4/ 170.

[2] إثبات الوصية: 225.

50

و ليس فيها زراع و لا فلاح و لا احد من الناس، فنزلنا و شربنا و سقينا دوابّنا و اقمنا الى بعد العصر، ثم تزودنا و ارتوينا و ما معنا من القرب و رحنا راحلين فلم نبعد أن عطشت.

و كان لي مع بعض غلماني كوز فضة يشده في منطقته و قد استسقيته فلجلج لسانه بالكلام و نظرت فاذا هو قد أنسى الكوز في المنزل الذي كنا فيه فرجعت اضرب بالسوط على فرسي لي جواد سريع و اغد السير حتى اشرفت على الوادي، فرأيته جدبا يابسا قاعا محلا لا ماء و لا زرع و لا خضرة و رأيت موضع رحالنا و رؤث دوابنا و بعر الجمال و مناخاتهم و الكوز موضوع في موضعه الذي تركه الغلام فأخذته و انصرفت و لم اعرفه شيئا من الخبر.

فلما قربت من القطر و العسكر وجدته (عليه السلام) ينتظرني فتبسم و لم يقل لي شيئا و لا قلت له سوى ما سأل من وجود الكوز، فأعلمته اني وجدته.

قال يحيى: و خرج في يوم صائف آخر و نحن في ضحو و شمس حامية تحرق فركب من مضربه و عليه ممطر و ذنب دابته معقود و تحته لبد طويل.

فجعل كل من في العسكر و اهل القافلة يضحكون و يقولون هذا الحجازي ليس يعرف الري فسرنا أميالا حتى ارتفعت سحابة من ناحية القبلة و اظلمت و اضلتنا بسرعة و اتى من المطر الهاطل كأفواه القرب فكدنا نتلف و غرقنا حتى جرى الماء من ثيابنا الى ابداننا و امتلأت خفافنا و كان أسرع و أعجل من ان يمكن ان نحط و نخرج اللبابيد، فصرنا شهرة و ما زال (عليه السلام) يتبسم تبسما ظاهرا تعجبا من أمرنا.

قال يحيى: و صارت إليه في بعض المنازل امرأة معها ابن لها أرمد العين و لم تزل تستذل و تقول معكم رجل علوي دلوني عليه حتى يرقى عين ابني هذا فدللناها عليه، ففتح عين الصبي حتى رأيتها و لم اشكلت انها ذاهبة فوضع يده عليها لحظة يحرك شفتيه ثم نحاها فاذا عين الغلام مفتوحة صحيحة ما بها علة. [1]

____________

[1] إثبات الوصية: 225.

51

28- عنه، قال: قدم به (عليه السلام) بغداد و خرج اسحاق بن ابراهيم و جملة القواد فتلقوه، فحدث ابو عبد اللّه محمد بن احمد الحلبي القاضي قال: حدثني الخضر بن البزاز و كان شيخا مستورا ثقة يقبله القضاة و الناس قال:

رأيت في المنام كأني على شاطئ الدجلة بمدينة السلام في رحبة الجسر و الناس مجتمعون خلق كثير يزحم بعضهم بعضا و هم يقولون قد أقبل بيت اللّه الحرام.

فبينا نحن كذلك إذ رأيت البيت بما عليه من الستار و الديباج و القباطي، قد أقبل مارا على الارض يسير حتى عبر الجسر من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي و الناس يطوفون به و بين يديه حتى دار خزيمة و هي التي آخر من ملكها بعد عبيد اللّه بن عبد اللّه ابن طاهر القمي و ابو بكر المفتي ابن اخت اسماعيل بن بلبل بدر الكبير الطولوي المعروف بالحمامي فانه أقطعها.

فلما كان بعد أيام خرجت في حاجة انتهيت إلى الجسر فرأيت الناس مجتمعين و هم يقولون: قدم ابن الرضا من المدينة فرأيته قد عبر من الجسر على شهري تحته كبير يسير عليه المسير رفيقا و الناس بين يديه و خلفه و جاء حتى دخل دار خزيمة بن حازم فعلمت أنه تأويل الرؤيا التي رأيتها.

ثم خرج الى سر من رأى فتلقاه جملة اصحاب المتوكل حتى دخل إليهم فأعظمه و اكرمه و شهد له، ثم انصرف عنه الى دار اعدت له و أقام بسر من رأى. [1]

29- عنه، قال:

قد كان سعي بأبي الحسن علي بن محمد إلى المتوكل، و قيل له:

إن في منزله سلاحا و كتبا و غيرها من شيعته، فوجه إليه ليلا من الأتراك و غيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه مدرعة من شعر، و لا بساط في البيت إلا الرمل و الحصى، و على رأسه ملحفة من الصوف متوجها إلى ربّه يترنم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد.

فأخذ على ما وجد عليه، و حمل إلى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه‏

____________

[1] إثبات الوصية: 228.

52

و المتوكل يشرب و في يده كأس، فلما رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه، و لم يكن في منزله شي‏ء ما قيل فيه، و لا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خامر لحمي و دمي قط، فاعفني منه، فعافاه، و قال: أنشدني [شعرا أستحسنه، فقال: إني لقليل الرواية للأشعار، فقال: لا بد أن تنشدني‏] فأنشده:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم‏ * * * غلب الرجال فما أغنتهم القلل‏

و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم‏ * * * فأودعوا حفرا، يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد ما قبروا * * * أين الأسرة و التيجان و الحلل؟

أين الوجوه التي كانت منعمة * * * من دونها تضرب الأستار و الكلل؟

فأفصح القبر عنهم حين سائلهم‏ * * * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل‏

قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا * * * فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا

و طالما عمروا دورا لتحصنهم‏ * * * ففارقوا الدور و الأهلين و انتقلوا

و طالما كنزوا الأموال و ادخروا * * * فخلفوها على الأعداء و ارتحلوا

أضحت منازلهم قفرا معطلة * * * و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا

قال: فأشفق كل من حضر على علي، و ظن أن بادرة تبدر منه إليه، قال: و اللّه لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلت دموعه لحيته، و بكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له: يا أبا الحسن، أ عليك دين؟ قال: نعم أربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها إليه، و رده إلى منزله من ساعته مكرما. [1]

30- قال ابن الجوزي: قال علماء السير:

و انما اشخصه المتوكل من مدينة رسول اللّه الى بغداد لأن المتوكل كان يبغض عليا و ذريته فبلغه مقام علي بالمدينة و ميل الناس إليه فخاف منه فدعى يحيى بن هرثمة و قال: اذهب الى المدينة و انظر في حاله و أشخصه إلينا.

____________

[1] مروج الذهب: 4/ 93.

53

قال يحيى: فذهبت الى المدينة فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما ما سمع الناس بمثله خوفا على علي و قامت الدنيا على ساق لأنه كان محسنا إليهم ملازما للمسجد لم يكن عنده ميل الى الدنيا. قال يحيى: فجعلت اسكنهم و أحلف لهم اني لم أومر فيه بمكروه و انه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف و ادعية و كتب العلم فعظم في عيني و توليت خدمته بنفسي و احسنت عشرته.

فلما قدمت به بغداد بدأت باسحاق بن ابراهيم الطاهري و كان واليا على بغداد، فقال لي: يا يحيى ان هذا الرجل قد ولده رسول اللّه و المتوكل من تعلم فان حرّضته عليه قتله و كان رسول اللّه خصمك يوم القيامة، فقلت له: و اللّه ما وقعت منه إلا على كل أمر جميل.

ثم صرت به إلى سر من رأى فبدأت بوصيف التركي فاخبرته بوصوله، فقال:

و اللّه لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك. قال: فعجبت كيف وافق قوله قول اسحاق، فلما دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته و سلامة طريقه و ورعه و زهادته و اني فتشت داره فلم اجد فيها غير المصاحف و كتب العلم و ان أهل المدينة خافوا عليه فأكرمه المتوكل و أحسن جايزته و أجزل بره و أنزله معه سر من رأى. [1]

31- عنه، قال: قال يحيى بن هرثمة:

فاتفق مرض المتوكل بعد ذلك بمدة فنذر ان عوفي ليتصدقن بدراهم كثيرة فعوفي فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم فرجا فبعث الى علي فسأله. فقال: يتصدق بثلاثة و ثمانين دينارا. فقال المتوكل: من أين لك هذا؟ فقال من قوله تعالى:

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ‏

.

و المواطن الكثيرة هي هذه، و ذلك لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غزى سبعا و عشرين غزاة و بعث خمسا و ستين سرية و آخر غزواته يوم حنين. فعجب المتوكل و الفقهاء من هذا الجواب و بعث إليه بمال كثير. فقال على هذا الواجب فتصدق أنت‏

____________

[1] تذكرة الخواص: 359

54

بما أحببت. [1]

32- عنه، قال:

و حكى ان سبب شخوص أبي الحسن علي بن محمد من المدينة إلى سر من رأى ان عبد اللّه بن محمد كان ينوب عن الخليفة المتوكل الحرب و الصلاة بالمدينة الشريفة، فسعى بأبي الحسن إلى المتوكل و كان يقصده بالأذى، فبلغ أبو الحسن سعايته فكتب إلى المتوكل يذكر تحامل عبد اللّه بن محمد عليه و قصده له بالأذى.

فتقدم المتوكل بالكتابة إليه و أجابه عن كتابه و جعل يعتذر إليه فيه و يلين له القول و دعاه فيه الى الحضور إليه على جميل من القول و الفعل و كانت صورة الكتاب الذي كتبه إليه المتوكل بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد ان امير المؤمنين عارف بقدرك راع لقرابتك. [2]

(الى آخر الحديث الذي رويناه عن الارشاد و مرّ تحت الرقم 4).

____________

[1] تذكرة الخواص: 360.

[2] تذكرة الخواص: 360 و الفصول المهمة: 279.