ثوره الموطئين للمهدي في ضوء أحاديث أهل السنة

- مهدي حمد الفتلاوي المزيد...
364 /
3

المدخل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

*عن جابر أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تلا هذه الآية وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ فسئل: من هم؟قال: «فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس» . رواه السيوطي عن ابن مردويه.

*عن ابي هريرة أنه قال: قال ناس من اصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لم يكنوا أمثالنا؟ قال: و كان سلمان بجنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخذ سلمان و قال: «هذا و اصحابه و الذى نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس» . رواه الترمذي و الحاكم.

*عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم «يخرج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه» . رواه ابن ماجة و الطبراني في الاوسط.

*عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «تخرج من المشرق رايات لبني العباس، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار-تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان-و اصحابها من قبل المشرق يؤدون الطاعة للمهدى» . رواه ابن حماد في الفتن.

*عن محمد بن الحنفية قال «تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان اخرى سوداء قلانسهم سود و ثيابهم بيض-على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح من تميم-يهزمون اصحاب السفياني، حتى ينزل بيت المقدس يوطى‏ء للمهدي سلطانه» .

رواه ابن حماد و ابو عمر الداني.

4

-

5

الاهداء

إلى أسد اللّه الغالب، أمير المؤمنين، و قائد الغر المحجّلين، الإمام علي بن ابي طالب عليه السّلام.

إلى خليفة خاتم المرسلين، و أخيه، و وصيه، و وارث علمه، و زوج ابنته فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين و أبي سبطيه الحسن و الحسين صلوات اللّه و سلامه عليهم جميعا.

يََا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ: مَسَّنََا وَ أَهْلَنَا اَلضُّرُّ وَ جِئْنََا بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ فَأَوْفِ لَنَا اَلْكَيْلَ، وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنََا إِنَّ اَللََّهَ يَجْزِي اَلْمُتَصَدِّقِينَ.

المؤلف‏

6

-

7

مقدمة الطبعة الثانية

أخذ كتابنا هذا طريقه الى الطبعة الأولى في وقت لم تتكامل لدينا موضوعاته في فصله الثالث، لانها كانت مسودات ناقصة تفتقر اكثر افكارها و نصوصها و مصادرها الى التحقيق و التعليق، و لكن صديقنا العزيز الذي تبنى طباعته أصرّ على تقديمه للطبع على ما هو عليه، و قد فوجئنا بطباعته في دار نشر ناشئة لم تكن بمستوى المسؤولية العلمية فأثقلته بالاخطاء المطبعية و الفنية بالاضافة الى انها دمجت فصله الثالث بالثاني، و أهملت طباعة جريدة مصادره، و وضعتها في سلة المهملات من دون أن تفكر في الجهد الكبير و الوقت الثمين الذي بذلناه لاعدادها.

و لكن كانت الطبعة الاولى للكتاب تجربة ثرية بالعطاء الفكري و الوعي السياسي بما يخص موضوع البحث بالنسبة لنا، حيث ازددنا يقينا بأهمية الدراسات المهدوية، و بدورها الفاعل في حركة الصحوة الاسلامية المعاصرة.

و انطلاقا من الملاحظات القيّمة التي وصلتنا من القراء الاوفياء، أعدنا النظر من جديد في موضوعات الكتاب، فتلافينا جوانب الخطأ و النقص و الاشتباه فيه، و حذفنا منه الكلمات الثقيلة التي قد يساء فهمها من قبل مرضى القلوب ممن يقيّمون الفكر الالهي بمقاييس أبي لهب، و يتعاملون مع مفاهيم القرآن بعقلية أبي جهل، الأسيرة للنزعة القومية المقيتة.

8

واعدنا ايضا صياغة بعض موضوعات الكتاب، التي لم تكن في السابق بدرجة كافية في الوضوح، و قدمنا بعض الاضافات التوضيحية المكملة لموضوعات البحث.

و كل هذه التعديلات و التغييرات حدثت في الفصل الاول و الثاني، اما الفصل الثالث فقد أكملنا دراسة موضوعاته بحثا و تحقيقا و تعليقا و توسعنا به كثيرا لاهمية نصوصه باعتبارها تمثل الجانب التطبيقي لقانون الاستبدال على الصعيد النظري.

و كانت احاديث الموطئين في الطبعة الاولى لا تتجاوز الـ (40) حديثا، في الفصل الثالث، بينما بلغت في هذه الطبعة (146) حديثا، قدمنا من خلالها صورة متكاملة عن حركة الموطئين السياسية و الجهادية منذ انطلاقتها من بلاد المشرق حتى ظهور قائدها المنتظر عليه السّلام و تسليم رايتها له.

و من الجدير بالذكر ان الغاية من هذه الدراسة هو تسليط الاضواء على النصوص الغيبية الخاصة بقضية الموطئين، دون السعي لتطبيقها على الواقع تاركا عملية التطبيق للقراء أنفسهم.

اللّهم أجعل عملي هذا خالصا لوجهك الكريم، لا أبتغي منه إلا تبليغ رسالتك، و لا اطلب به إلا نيل رضاك. و ان يكون تحت نظر وليك الاعظم صلوات اللّه عليه و على آله الطاهرين.

لبنان-بيروت 23/ربيع الثاني/1416

9

مقدمة الطبعة الاولى‏

هذا هو الكتاب الثاني من مجموعة (دراسات في الثقافة المهدوية) التي وعدت القراء الأعزاء بإخراجها تباعا، و هو يتناول دراسة البشارة القرآنية و النبويّة بقيام ثورة الموطئين للمهدي في بلاد المشرق. و المتأمل في النصوص المبشّرة بهذه الثورة، يتأكد بأنها تتناول أهم الأحداث السياسية و العلائم الغيبيّة التي تسبق الظهور المقدّس على الإطلاق و ذلك لأمرين مهمين:

الأول: لقيامها بمهمة التمهيد للثورة الإسلامية العالمية المرتقبة، و هو معنى قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «يخرج قوم من المشرق يوطئون للمهديّ سلطانه» (1) .

و كذلك قول الإمام علي عليه السّلام: «و إن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره اللّه إذا شاء دعاة حق يقومون بإذن اللّه فيدعون إلى دين اللّه» (2) .

الثاني: لأنّها السبب المباشر لعودة الإسلام إلى الحياة السياسية من جديد لمواجهة أعدائه بقيادة المجتمع الاسلامي البديل، بعد غياب طويل كان نتيجة لانحراف أبنائه المستبدلين عن نهجه الأصيل، و هو معنى قوله تعالى:

____________

(1) سنن ابن ماجة، ج 2 ح 4088، مجمع الزوائد، ج 7 ص 318 كنز العمال، ج 14 ح 38657.

(2) شرح نهج البلاغة، ج 7 ص 48.

10

وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ (1) .

فإن المروي باسانيد صحيحة في الصحاح الستة، أن القوم المستبدلين هم العرب و البديل عنهم الفرس. و يتحقق هذا الاستبدال في آخر الزمان عندما تتحقق شروطه السلبية في المجتمع المستبدل، و الايجابية في المجتمع البديل.

و من هذا المنطلق فإن ثورة الموطئين للمهدي عليه السّلام تمثل الجانب التطبيقي الإيجابي لقانون الاستبدال الإلهي في التاريخ السياسي للامة الإسلامية قبل الثورة المهدوية.

إنّ أساس البحث-لإثبات حتمية تحقق ثورة الموطئين-يعتمد على فهم قانون الاستبدال الإلهي و دوره في عملية التغيير الاجتماعي و السياسي و في نقل مسؤولية حمل الرسالة و قيادة الأمة، من المجتمع الخائن للأمانة الإلهية إلى المجتمع البديل الذي توفّرت فيه المقومات الإيجابية لحملها و الإشراف على تجربتها الإيمانية و السياسية و الحضارية.

إن أهم عوامل الاستبدال السلبية، هو رفض رموز الخلافة الإلهية التي يجب أن تقود الامة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و هذا العامل كان السبب المباشر لاختلاف الأمة بعد نبيّها و تمزقها و ضعفها أمام أعدائها، و هو أيضا السبب الأكبر في انتقاض أحكام الاسلام و تفكك عراه، الأمر الذي أدى أخيرا الى اقصائه عن التطبيق، و انحراف اكثر المسلمين عنه كما أخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقوله: «لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، و أولهنّ نقضا الحكم و آخرهن الصلاة» (2) .

و لهذا السبب أولينا قضية الخلافة الإلهية-المرفوضة من قبل المجتمع

____________

(1) سورة محمد، الآية (38) .

(2) مجمع الزوائد، ج 7 ص 281، و قال: رواه احمد و الطبراني و رجالهما رجال الصحيح.

11

المستبدل-اهتماما كبيرا في البحث و اسهبنا في إيضاحها و دراسة الظروف التاريخية السلبيّة التي احاطت بها، باعتبارها من أهم عوامل الاستبدال ببعديه السلبي المتمثل في واقع المجتمع المستبدل الرافض لها، و الإيجابي المتجسد في حركة المجتمع البديل المتمسك بها.

و حرصا منا على توفر اكبر قدر ممكن من الموضوعية العلمية في بحث قضية الموطئين، التي قد يوحي الموقع الجغرافي و القاعدة الاجتماعية لانطلاقتها بالطابع المذهبي و الطائفي الخاص، فقد آثرنا الاقتصار على دراستها في حدود ما روي بشأنها من روايات في مصادر أهل السنة، على أمل العودة لموضوع البحث مرة أخرى و دراسته في كتاب مستقل في ضوء أحاديث مدرسة أهل بيت النبوة إن شاء اللّه تعالى.

موضوعات الكتاب‏

يتألف كتاب (ثورة الموطئين) من مدخل و ثلاثة فصول و خاتمة.

تعرض المدخل لمنهج البحث مع تقديم فكرة عامة عن قانون الاستبدال و مبدأ اتباع سنن الماضين، و بيان علاقتهما بموضوع البحث.

و تناول الفصل الأوّل تفسير أهم و أطول نصّ قرآني تعرض لقانون الاستبدال و عوامله، و تطرق للمتغيرات السياسية و الاجتماعية التي تحتم تحققه في تاريخ الأمة.

و أمّا الفصل الثاني فقد تصدى-في القسم الأوّل منه-لدراسة نصوص الاستبدال في السنّة النبويّة و قدم-في القسم الثاني-تصورا إجماليا لماضي و حاضر المجتمعين المستبدل و البديل لتسليط الأضواء على عوامل الاستبدال في مجالها التطبيقي في التاريخ الإسلامي.

و في الفصل الثالث تمت مواكبة ثورة الموطئين، في ضوء البشارة

12

النبويّة التي وصفتها بدقة منذ انطلاقتها حتى ظهور قائدها المنتظر عليه السّلام و تسليم رايتها له، و تناول هذا الفصل أيضا عددا من الأبحاث التي لها علاقة مباشرة بموضوع الكتاب، مثل تقييم اخبار الموطئين من حيث الدلالة و السند، و ذكر آراء بعض علماء أهل السنّة ممن تصدوا لدراستها، و عرض بعض الأدلة العقلية المؤيدة لمضمونها، و الردّ على الآراء المعارضة لها، ثم انتهى الفصل بوقفة قصيرة في ظلال أحاديث الموطئين للمهدي عليه السّلام، و بعد ذلك جاءت خاتمة الكتاب.

و من الجدير بالذكر اننا لم نعالج-في هذا الكتاب-الاحاديث المروية من طرق الامامية، التي يستدل بها البعض على عدم شرعية العمل الجهادي بهدف إقامة مجتمع او دولة اسلامية صالحة قبل دولة المهدي المنتظر عليه السّلام، لاننا بالأساس اقتصرنا على دراسة هذه القضية الغيبية في اطار ما روي بشأنها في مصادر أهل السنة فحسب.

و أنبه القراء الكرام بأنني هنا لا اطبق قضية الموطئين على الثورة الاسلامية المعاصرة في ايران؛ لأنّ عملية التطبيق تتطلب إحاطة علمية كاملة بجميع المواصفات المنصوص عليها للحدث الغيبي المستقبلي و هي لم تتوفر كلها في هذه الدراسة، بسبب استبعادها احاديث أهل البيت عليهم السّلام التي تميّزت باعطاء ادق المواصفات و التفاصيل لحركة الثورة الموطئة للمهدي عليه السّلام في انتصاراتها و هزائمها، و استقامتها و انحرافاتها، و في وصف قياداتها منذ انطلاقتها حتى تسليم رايتها للامام المهدي عليه السّلام.

من أهداف البحث‏

ليس الهدف من هذه الدراسة أن ألهم العاملين للإسلام روح الاسترخاء و الاستسلام لثقافة الغيب، و إنّما غرضي منها أن أضعهم في اطار المخطط

13

الإلهي الغيبي لمستقبل هذا الدين، لينطلقوا في عملهم الرسالي و الجهادي من وعي شامل للفكر الاسلامي بكل أبعاده الموضوعية و الغيبيّة، فيتميزوا بذلك عن الاحزاب الدينية الضالة و العلمانية المنحرفة، التي تصادر عنصر الغيب في فهم الأحداث السياسية و تفسيرها، و تستبعد تدخل اللّه تعالى في الصراع بين قوى الكفر و الايمان على أرض الواقع.

و في ضوء الرؤية المستقبلية المستمدة من رسالة المغيبات الإسلامية يصبح المجاهدون في مأمن من خطر الجهل بالمؤامرات الفكرية و السياسية التي تخطط لها دول الكفر و طوابير النفاق و ائمة الضلال لمواجهة قواعد الاشعاع الرسالي و الجهادي التي تتحقق على الأرض بالإمداد الغيبي و التخطيط الإلهي.

و ليعلم القراء الاعزاء ان الثقافة الغيبيّة لم تنزل من السماء إلى الأرض، و لم تصدر من مقام النبوة المقدس، ليهرب المسلم في خيالها البعيد عن واقعة الاجتماعي الملي‏ء بالمأساة، و الزاخر بالظلم و الجور و الفساد، و يعيش في ظلالها المستقبل المجهول، و يتخلى عن مسؤولياته الشرعية، بل هي رسالة الهدى الإلهي للمسلم الرسالي الواعي في صراعه مع رموز الكفر و النفاق و الضلال، فهي لا تنفصل في اهدافها التربوية و ابعادها السياسية عن أهداف الاسلام لأن الدين المحمدي كلّ لا يتجزأ في أهدافه و أبعاده.

و أخيرا لابدّ من الالتفات الى خطورة البحث في بشائر الإسلام المستقبلية لكثرة ما يلفّها من عوامل الغموض، و يحيط بها من أسباب الإبهام المتعددة نتيجة الطابع الغيبي الذي يكتنف نصوصها و أحداثها و غير ذلك من الأسباب الأخرى، كالوضع و التحريف و غيرهما. و بالإضافة الى ذلك فإنّ بحث هذا اللون من الفكر الإسلامي بحثا تحليليا هو في الواقع من الدراسات الإسلامية الجديدة المبتكرة، التي لم تكن معروفة من قبل، و لهذا اختلفت فيه‏

14

مناهج الباحثين و تعددت آراؤهم و كثرت اخطاؤهم، مما يدل على ابتعاد الجميع عن المنهج العلمي الصحيح في دراسته، و هو امر لا زالت المكتبة الاسلامية تتطلع الى الأقلام العلمية الموضوعية المبتدعة في مضماره، و من هذا المنطلق ارجو من القراء الأعزاء أن يواكبوا معي هذه التجربة الفكرية بدقة و تأمل، و يشاركوني آراءهم و يتفضلوا عليّ بكلمة هادية أو ملاحظة مرشدة أو نقد وجيه بنّاء يمكّنني من تلافي النقص و تقويم أسس البحث و إصلاح الخطأ في مادته و منهجه.

اللّهم‏ سُبْحََانَكَ لاََ عِلْمَ لَنََا إِلاََّ مََا عَلَّمْتَنََا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ عليك توكلنا و إليك أنبنا، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السلام على محمد خير خلقه و آله ائمة الهدى و صحبه النجباء...

لبنان-بيروت الخميس 9 شعبان 1412 ه

15

المدخل‏

*تفسير المغيبات القرآنية

*قانون الاستبدال الالهي‏

*مبدأ اتباع سنن الماضين‏

16

-

17

تفسير المغيبات القرآنية

ذكرنا في بحث سابق أنّ القرآن حصر مبادي‏ء الثقافة الغيبية-الخاصة بالحوادث المستقبلية-في أصول ثمانية، و أوكل مهمّة بيانها و إعطاء التفصيلات اللازمة عنها، الى السنّة النبويّة فجاء مجموع ما روي حولها، عن النبيّ و أهل بيته، ما يزيد على عشرة آلاف حديث من طريق الفريقين‏ (1) .

و قضية الموطئين للمهدي، من جملة قضايا الغيب المستقبلية التي أولاها القرآن اهتماما كبيرا، و تعرض لها في اكثر من عشر سور قرآنية، و تصدت السنّة المحمديّة لتقديم الإيضاحات و التفاصيل الدقيقة عن احداثها في اكثر من ثلاثمائة نص في مصادر الفريقين.

و قبل الدخول في صلب البحث لابد من التعريف بطريقتنا في تفسير المغيبات القرآنية، لأن تفسير القرآن يعني: إيضاح مراد اللّه تعالى في كتابه الكريم، و هو غير جائز من دون الاعتماد على منهج علمي معترف به شرعا لقوله تعالى: وَ لاََ تَقْفُ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (2) فلا يجوز الاعتماد في التفسير على أيّ دليل لم تثبت حجيته بالنقل-كالرأي و القياس و الاستحسان،

____________

(1) راجع: (مبادى‏ء الثقافة المهدوية) للمؤلف.

(2) سورة الاسراء، الآية (36) .

غ

18

و الظنون الباطلة و غيرها من الحجج الواهية-لحرمة اسناد شي‏ء الى اللّه بغير إذنه‏ قُلْ آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اَللََّهِ تَفْتَرُونَ (1) .

و لعلّ أصح المناهج العلمية في التفسير و اكثرها دقة و قدرة على إعطاء القرآن حقه من الإيضاح و البيان هو المنهج العلمي الجامع لطريقة التفسير الموضوعي التي تعتمد على تفسير القرآن بالقرآن، مع الاسترشاد بالثابت و الصحيح من السنة النبويّة بالإضافة الى ضرورة فهم مفردات النصّ القرآني في ضوء علوم العربية و تراثها المتفق عليه. فإذا جمعنا بين هاتين الطريقتين في تفسير القرآن استطعنا أن نفهم فكرته بمنطق الوحي و نوره، و بلغة النبوّة و هديها، لأنّ طريقة التفسير الموضوعي تستجلي الفكرة القرآنية، في ضوء المنطق القرآني الذي نزّله اللّه تعالى‏ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُسْلِمِينَ (2) . و أمّا التفسير بالمأثور من السنّة النبويّة فهي الطريقة الشرعية الأصيلة، التي أمرنا اللّه تعالى بأخذ تعاليم القرآن من خلالها في قوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (3) . و طبقا لهذا المنهج العلمي سنحاول-إن شاء اللّه تعالى-تفسير المغيبات القرآنية الخاصة بموضوع البحث.

قانونان إلهيان‏

تتوقف معرفة قضية الموطئين و دراستها في القرآن على ايضاح قانونين إلهيين و هما: قانون الاستبدال، و قانون السير على نهج سنن القرون الماضية

____________

(1) سورة يونس، الآية (59) .

(2) سورة النحل، الآية (89) .

(3) سورة النحل، الآية (44) .

19

و لنشرع ببيانهما باختصار:

قانون الاستبدال‏

الاستبدال، و الإبدال، و التبديل، و التبدّل، هو جعل شي‏ء مكان آخر، و هو اعم من العوض الذي باعطاء الأول يصير لك الثاني، أمّا التبديل، فقد يقال للتغيير مطلقا و إن لم يأت ببدله‏ (1) ، قال تعالى: فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ (2) . و قال تعالى: وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (3) . و قال تعالى: وَ إِذََا بَدَّلْنََا آيَةً مَكََانَ آيَةٍ (4) . و منه تبديل قوم بآخرين افضل منهم، لحمل أعباء الرسالة للعالمين، قال تعالى: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ (5) .

و لا يتحقق الاستبدال في التاريخ ما لم تتحقق شروطه و هي في المجتمع المستبدل ثلاثة: الأوّل: رفض خلفاء الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم المنصوص عليهم من قبل اللّه تعالى. الثاني: التخاذل عن الجهاد. الثالث: التخلي عن تطبيق دين اللّه تعالى و هجر مبادئه و قيمه و الانحراف عن شريعته.

و اما شروطه في المجتمع البديل، فهي أيضا ثلاثة: الأوّل: التمسك بالخلافة الإلهية. الثاني: الجهاد لحماية الأمة و تحقيق أهداف الرسالة الالهية في الحياة. الثالث: السعي لتطبيق الاسلام و اعادته لقيادة الحياة من جديد.

و ليس من الضروري أن تتوفر-حين تحقق الاستبدال-جميع شروطه

____________

(1) غريب القرآن، حرف الباء.

(2) سورة البقرة، الآية (59) .

(3) سورة النور، الآية (55) .

(4) سورة النحل، الآية (101) .

(5) سورة محمد، الآية (38) .

20

في المجتمع البديل، و انما يكفي أن تكون مقوماتها و مؤهلاتها موجودة فعلا في شخصيته الدينية، ثم تتكامل عقائديا و سلوكيا، بمرور الزمن من خلال تجاربه الجهادية و صراعه المرير مع اعدائه من اجل تحقيق اهداف الدين في الحياة.

و لقانون الاستبدال الاجتماعي في القرآن بعدان ربانيان احدهما سلبي، و الآخر إيجابي. ففي بعده السلبي هو عقوبة للمجتمع المستبدل، كما قال تعالى: إِلاََّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) . و أما في بعده الإيجابي فهو تفضيل و تكريم من اللّه تعالى للمجتمع البديل المختار لحمل الرسالة و قيادة الأمة بعد الغاء دور المجتمع المستبدل كما هو صريح قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ (2) .

هل تحقق الاستبدال في التاريخ؟

يظهر من النصوص القرآنية ان الاستبدال قد حدث فعلا مرتين في التاريخ و انه سيتحقق مرة ثالثة في المستقبل.

المرّة الأولى: وقع الاستبدال في تاريخ بني اسرائيل. و أول شرط تحقق منه حين تمردوا على خلافة هارون بقيادة السامريّ المنافق بعد ما اغواهم بعبادة العجل و صرفهم عن طاعة خليفة نبيّهم-باسم الدين-مستغلا فترة

____________

(1) سورة التوبة، الآية (39) .

(2) سورة المائدة، الآية (54) .

21

ذهاب موسى عليه السّلام الى ميقات ربّه و تأخره عن الموعد الذي حددّه لهم. و بهذا الموقف الخياني، حقق الإسرائيليون شرطين من شروط الاستبدال، في آن واحد و هما: رفض خليفة موسى عليه السّلام و هجر تعاليم رسالته. و الآيات التالية تصور لنا هذا الموقف التاريخي: وَ وََاعَدْنََا مُوسى‏ََ ثَلاََثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنََاهََا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقََاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ قََالَ مُوسى‏ََ لِأَخِيهِ هََارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لاََ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ (1) . وَ اِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى‏ََ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوََارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاََ يُكَلِّمُهُمْ وَ لاََ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَ كََانُوا ظََالِمِينَ (2) . وَ لَمََّا رَجَعَ مُوسى‏ََ إِلى‏ََ قَوْمِهِ غَضْبََانَ أَسِفاً قََالَ بِئْسَمََا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قََالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَ كََادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاََ تُشْمِتْ بِيَ اَلْأَعْدََاءَ وَ لاََ تَجْعَلْنِي مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ `قََالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنََا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ (3) .

فالشرط الأول تمثل في المؤامرة على هارون أخي نبيهم و خليفته الشرعي، و في محاولة قتله.

و الشرط الثاني للاستبدال تجسد في انحرافهم عن تعاليم موسى عليه السّلام و رجوعهم الى عبادة الاوثان التي تمثلت بعبادة العجل.

أما الشرط الثالث، و هو التثاقل عن الجهاد، فقد تحقق في تاريخهم بعد توبتهم من عبادة العجل بفترة قصيرة جدا!عندما دعاهم موسى عليه السّلام لتحرير فلسطين من سلطة الجبارين الغاصبين لها، فرفضوا أمره بحجة أن لا قوة لهم

____________

(1) سورة الاعراف، الآية (142) .

(2) سورة الاعراف، الآية (148) .

(3) سورة الاعراف، الآيتان (150 و 151) .

22

على مجابهة عساكر الجبارين. قال تعالى في تصوير هذا الموقف: و إذ قال موسى لقومه يََا قَوْمِ اُدْخُلُوا اَلْأَرْضَ اَلْمُقَدَّسَةَ اَلَّتِي كَتَبَ اَللََّهُ لَكُمْ وَ لاََ تَرْتَدُّوا عَلى‏ََ أَدْبََارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خََاسِرِينَ `قََالُوا يََا مُوسى‏ََ إِنَّ فِيهََا قَوْماً جَبََّارِينَ وَ إِنََّا لَنْ نَدْخُلَهََا حَتََّى يَخْرُجُوا مِنْهََا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهََا فَإِنََّا دََاخِلُونَ `قََالَ رَجُلاََنِ مِنَ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ اَلْبََابَ فَإِذََا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غََالِبُونَ وَ عَلَى اَللََّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ `قََالُوا يََا مُوسى‏ََ إِنََّا لَنْ نَدْخُلَهََا أَبَداً مََا دََامُوا فِيهََا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقََاتِلاََ إِنََّا هََاهُنََا قََاعِدُونَ `قََالَ رَبِّ إِنِّي لاََ أَمْلِكُ إِلاََّ نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنََا وَ بَيْنَ اَلْقَوْمِ اَلْفََاسِقِينَ `قََالَ فَإِنَّهََا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاََ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفََاسِقِينَ (1) .

و بعد أن تحققت جميع شروط الاستبدال في تاريخ بني اسرائيل حلت بهم حينئذ عقوبة الاستبدال التي تمثلت في مأساة التيه أربعين سنة في صحراء سيناء فسلبهم اللّه تعالى كل النعم التي كان يغدقها عليهم قبل التيه، كالمن و السلوى و تظليلهم بالغمام لتقيهم من حرارة الشمس و تفجير اثنتي عشرة عينا من الماء العذب، لشربهم و أرتواء مواشيهم و سقي مزارعهم، و غير ذلك من النعم الأخرى التي ذكرها اللّه تعالى في قوله: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ (2) . وَ ظَلَّلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْغَمََامَ وَ أَنْزَلْنََا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ وَ اَلسَّلْوى‏ََ كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (3) ، وَ إِذِ اِسْتَسْقى‏ََ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتََا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنََاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا مِنْ

____________

(1) سورة المائدة، الآيات (20-26) .

(2) سورة البقرة، الآية (47) .

(3) سورة البقرة، الآية (57) .

23

رِزْقِ اَللََّهِ وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (1) .

فهذه النعم كلها سلبت منهم، عندما حلّت بهم عقوبة الاستبدال التي تمثلت بالتيه، فبدأوا يحفرون الآبار بأيديهم بحثا عن المياه تحت حرارة الشمس المحرقة، و انتشروا في الصحراء الواسعة تلفحهم رياحها الحارة، برمالها الموجعة، و هم يجوبون الأرض بحثا عن مصادر عيشهم و سعيا لتأمين حياتهم. و قد اختصر القرآن هذه الفترة المرهقة من تاريخهم في آيتين و هما قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ سَيَنََالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ كَذََلِكَ نَجْزِي اَلْمُفْتَرِينَ (2) ، و قوله تعالى: قََالَ فَإِنَّهََا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاََ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفََاسِقِينَ (3) .

و في السنوات الاولى من التيه تبلورت حركة جهادية جديدة في اوساط بني اسرائيل تدعوهم للعودة الى الدين و تحثهم على الجهاد لتحرير فلسطين من سلطة الجبارين، و كان يتزعم قيادة هذه الحركة اتباع يوشع بن نون، وصي موسى بعد هارون عليهما السّلام، و معه الفرقة الناجية-من فتنة السامريّ-و هي المشار اليها بلسان الرجلين الناطقين باسمها في قوله تعالى: قََالَ رَجُلاََنِ مِنَ اَلَّذِينَ يَخََافُونَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ اَلْبََابَ فَإِذََا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غََالِبُونَ وَ عَلَى اَللََّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (4) .

و تذكر الكتب المعنية بتاريخ بني اسرائيل: أن يوشع استطاع أن يحرر فلسطين من هيمنة الجبارين مع المؤمنين بخلافته خلال حروب دامية،

____________

(1) سورة البقرة، الآية (60) .

(2) سورة الاعراف، الآية (152) .

(3) سورة المائدة، الآية (26) .

(4) سورة المائدة، الآية (23) .

24

و معارك جهادية متواصلة، دامت سبع سنوات، و بتحريرها انتهت مأساة التيه المريرة و معاناته الشاقة، -التي دامت أربعين سنة-و دخلوا فلسطين فاتحين كما اشار القرآن في قوله: وَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ وَ كُلُوا مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ وَ قُولُوا حِطَّةٌ وَ اُدْخُلُوا اَلْبََابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئََاتِكُمْ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ (1) .

و وفقا لقانون الاستبدال، تصبح الفرقة الناجية من فتنة السامريّ التي قادها وصي موسى عليه السّلام في معارك تحرير فلسطين هي القاعدة الاجتماعية البديلة عن الجيل الإسرائيلي الأول الذي اضله السامريّ، و بتحرير فلسطين، و إقامة حكم اللّه على ارضها، يكون يوشع عليه السّلام و جماعته المجاهدون الثوار، قد مهدوا للدولة التوراتية، التي وعد اللّه بتحققها في فلسطين بقيادة نبي الله داوود و ولده سليمان عليهما السّلام.

المرة الثانية: التي تحقق الاستبدال فيها، كانت أيضا في تاريخ بني اسرائيل، بعد أن ادخلوا في الدين ما لم ينزل اللّه به من سلطان، و تمادوا في الانحرافات و في قتل انبياء اللّه و اوصيائهم و تشريدهم، فباؤوا بغضب من اللّه تعالى، فاحلّ بهم عقوبة الاستبدال الكبرى، و طردهم من موقع قيادة البشرية و حمل رسالته التي فضلهم بها على العالمين، و كتب عليهم الذلّة بين شعوب العالم في طول التاريخ، و اختار بدلا منهم قوما آخرين لحمل رسالته و الاشراف على تجربتها السياسية و الحضارية، و هم العرب فقال تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ (2) ، و قال تعالى: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ وَ بََاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اَللََّهِ ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كََانُوا

____________

(1) سورة الاعراف، الآية (161) .

(2) سورة الاعراف، الآية (167) .

25

يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذََلِكَ بِمََا عَصَوْا وَ كََانُوا يَعْتَدُونَ (1) .

و قال تعالى في حسدهم للعرب الذين اختارهم منطلقا لهداية العالمين برسالة خاتم المرسلين: بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ (2) و قال تعالى: مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اَللََّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ (3) .

و قال تعالى مخاطبا القيادة و القاعدة الجديدة لرسالته بدلا من بني اسرائيل: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ (4) .

المرّة الثالثة: تقع في تاريخ الأمة الاسلامية بعد التآمر على خلفاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، من أهل بيته و اغتصاب حقهم و التخلي عن جهاد اعداء اللّه من اليهود و النصارى، و هجر شريعة القرآن، و الى هذا الاستبدال اشار القرآن في قوله تعالى: وَ قََالَ اَلرَّسُولُ يََا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هََذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً (5) ، و في قوله تعالى: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ (6) و في هذه المرة يكون المجتمع المستبدل هم-العرب قوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و المجتمع البديل هم ابناء فارس. و هذا الاستبدال هو موضع دراستنا في هذا الكتاب.

____________

(1) سورة البقرة، الآية (61) .

(2) سورة البقرة، الآية (90) .

(3) سورة البقرة، الآية (105) .

(4) سورة الزخرف، الآية (44) .

(5) سورة الزخرف، الآية (44) .

(6) سورة الفرقان، الآية (30) .

26

مبدأ اتباع سنن الماضين‏

قال الجرجاني في التعريفات: السنة في اللغة الطريقة المتبعة مرضية كانت أو غير مرضية. و جمعها سنن و يطلق عليها ايضا المثال المتبع، و قد ورد كلا التعبيرين في القرآن الكريم قال اللّه تعالى: سُنَّةَ اَللََّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اَللََّهِ تَبْدِيلاً (1) و قال تعالى: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاََّ مِثْلَ أَيََّامِ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ (2) .

و من هنا يتضح أن مبدأ اتباع سنن الماضين يستهدف وضع تجارب الرسالات و الأمم السابقة-في هداها و ضلالها و في انتصاراتها و هزائمها-بين يدي الامم اللاحقة لتستلهم منها العظات و التجارب و العبر، حتى لا تقع بالأخطاء و الانحرافات العقائدية و السياسية و الحضارية نفسها التي وقعت بها الأمم السابقة، و يمكن أن يستوحى هذا الهدف الرباني من هذا المبدأ من قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ `هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (3) .

و في ضوء تجارب الماضين تتمكن الطليعة المجاهدة من الأمم اللاحقة من وضع مسار حركتها الرسالية في الخطّ الرباني المستقيم الذي يجنبها السقوط في مهاوي الانحراف و سبل الضلال، فتعمها مبادي‏ء العدل الإلهي سياسيا و اجتماعيا في الدنيا و تفوز برضى اللّه تعالى في الآخرة.

و تشعر النصوص القرآنية و النبوية-التي تعرضت لهذا المبدأ-بحتمية مرور الأمة الاسلامية بنفس التجارب التي مرت بها الامم السابقة، في

____________

(1) سورة الاحزاب، الآية (62) .

(2) سورة يونس، الآية (102) .

(3) سورة البقرة، الآية (214) .

غ

27

استقامتها و انحرافها، في الحرب أو في السلم، قال اللّه تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسََاءُ وَ اَلضَّرََّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتََّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ (1) ، و قال تعالى: أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ `وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ (2) .

و أخرج البخاري، عن ابي سعيد الخدري، عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال:

«لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، و ذراعا بذراع، لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه!قلنا: يا رسول اللّه!اليهود و النصارى؟قال: فمن؟» (3) .

و عن المستورد بن شداد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: «لا تترك هذه الامة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه» (4) .

و عن مسروق قال: كنا جلوسا ليلة عند عبد اللّه-يعني ابن مسعود- يقرئنا القرآن، فسأله رجل فقال: يا ابا عبد الرحمن!هل سألتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كم يملك هذه الامة من خليفة؟فقال عبد اللّه: ما سألني عن هذا احد-منذ قدمت العراق-قبلك، قال‏[نعم‏]سألناه فقال: «اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل» (5) .

____________

(1) سورة البقرة، الآية (214) .

(2) سورة العنكبوت، الآيتان (2 و 3) .

(3) صحيح البخاري، ج 4، ص 206، صحيح مسلم، كتاب العلم، ابن ماجة في الفتن.

(4) مجمع الزوائد، ج 7، ص 261، و رجاله ثقات، كنز العمال، ج 11، ص 133، ص 170.

(5) مستدرك الصحيحين، ج 4، ص 501، المطالب العالية، ج 2، ص 197، رواه بسند حسن، الصواعق المحرقة، ص 20، بسند حسن، مجمع الزوائد، ج 5، ص 190، بسند حسن لاختلافهم في مجالد و بقية رجاله ثقات.

28

و عن ابن عباس قال: قدم يهودي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقال له نعثل فقال له: يا محمد انّي اسألك عن اشياء تلجلج في صدري منذ حين فان اجبتني عنها اسلمت على يدك. قال: سل يا ابا عمارة-و الحديث طويل طرح فيه جميع أسألته على النبي-ثم سأله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قائلا: يا ابا عمارة أتعرف الاسباط؟ قال: نعم يا رسول اللّه!إنهم كانوا اثني عشر اولهم لاوي بن برخيا، و هو الذي غاب عن بني اسرائيل غيبة طويلة ثم عاد فأظهر اللّه به شريعته بعد دراستها و قاتل قرشطيا الملك حتى قتله. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: إنّه كائن في أمتي ما كان في بني اسرائيل، حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة، و أن الثاني عشر من ولدي يغيب، حتى لا يرى، و يأتي على أمتي زمن لا يبقى من الإسلام الاّ اسمه و لا من القرآن الاّ رسمه فحينئذ يأذن اللّه تعالى له بالخروج فيظهر الإسلام و يجدد الدين» (1) .

و عن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني اسرائيل حذو النعل بالنعل حتى أن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في امتي من يصنع ذلك و أن بني اسرائيل تفرقت على ثنتين و سبعين فرقة و تفترق أمتي على ثلاث و سبعين ملّة كلهم في النار الاّ واحدة!قالوا: من هي يا رسول اللّه!؟ قال: ما أنا عليه و اصحابي» (2) .

و عن عوف بن مالك، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «افترقت بنو اسرائيل على احدى و سبعين فرقة و تزيد أمتي عليها فرقة ليس فيها فرقة اضر على أمتي

____________

(1) فرائد السمطين، ج 2، باب 31، ص 132.

(2) مستدرك الصحيحين، ج 4، ص 206، صحيح مسلم، ج 4، كتاب العلم، سنن ابن ماجة، الفتن ح 3994، كنز العمال، ج 11، ح 30923، شرح النهج، ج 9، ص 286.

29

من قوم يقيسون الدين برأيهم فيحلون ما حرم اللّه و يحرمون ما احل اللّه» (1) .

و يستفاد من مجموع هذه النصوص القرآنية و الاحاديث النبوية، أن الفتن و الاختلافات الدينية، و الصراعات السياسية و الدموية، التي تواجه اتباع الرسالات الالهية متشابهة جدا، في كل الأمم، و الى هذه الظاهرة العامة التي تطبع التاريخ الديني للبشرية، اشار بعض المؤرخين بقوله: «أن التاريخ يعيد نفسه» ، و وفقا لهذا المبدأ، لا بدّ أن تواجه الامة الإسلامية جميع الفتن الداخلية التي واجهت بني اسرائيل، ابتداء من فتنة الخلافة، مرورا بقضية الاختلاف العقائدي و الفرقة المذهبية، و التخاذل عن تحرير فلسطين خوفا من سطوة المستكبرين، انتهاء بحلول عقوبة الاستبدال بالمتمردين على الرموز الشرعية للخلافة الالهية، كما سنقرأ تفاصيل ذلك في الفصول القادمة إن شاء اللّه تعالى.

و في ضوء مبدأ اتباع سنن الماضين يجب أن نعي الأبعاد القرآنية التي يستهدفها الوحي من وراء عرض قصص الأمم السابقة، و خاصة ما يرتبط منها بتجربة بني اسرائيل، باعتبارها من أوسع التجارب الدينية عطاء لأنها حظيت بعدد كبير من الأنبياء و المرسلين و احتلت مساحة واسعة من التاريخ بالاضافة الى انّها أول تجربة دينية ذات أبعاد سياسية و تشريعية شاملة.

و يجسد مبدأ اتباع سنن القرون الماضية الجانب التطبيقي للاستبدال لذلك لا يستغني الباحث في احداث الاستبدال التاريخية عن دراسة تاريخ الرسالات الالهية و تجاربها السياسية و العقائدية في ضلالها و هداها، و في هزائمها و انتصاراتها.

____________

(1) مستدرك الصحيحين، ج 4، ص 430، صحيح على شرط الشيخين، و كذلك اخرجه في ج 3، ص 547، مجمع الزوائد، ج 1، ص 179، باب في القياس و التقليد، و قال: عند ابن ماجة له طرق، و من أوله رواه الطبراني في (الكبير و البزار) و رجاله رجال الصحيح.

30

-

31

الفصل الأول الاستبدال الموعود في القرآن‏

32

الاستبدال الموعود

اعتنى القرآن بموضوع الاستبدال الموعود، اكثر من الاستبدالين السابقين، و تعرض له في اكثر من عشر سور، باعتباره يمثل النقلة الالهية السياسية الأخيرة في التاريخ، التي تضع الدين الخالد على ابواب ثورته الاسلامية العالمية المرتقبة بقيادة المهدي المنتظر عليه السّلام.

و لقد أشار القرآن الكريم الى العوامل السلبية للاستبدال الموعود في تاريخ الامة، بكل صراحة و وضوح في النصوص التالية:

العامل الاول: رفض الولاية الالهية و التمرد على رموز الخلافة الشرعية المتمثلة بالإمام علي و الأئمة من أهل بيته، و هو المعني في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ*`إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ*`وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ (1) .

و سيأتي تفسير هذا النص القرآني بكامله بعد قليل ان شاء اللّه.

____________

(1) سورة المائدة، الآيات (51-56) .

33

العامل الثاني: التثاقل عن جهاد أعداء اللّه، و الركون الى مسالمتهم، و هو المعني في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمََا مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاََّ قَلِيلٌ*`إِلاََّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذََاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) .

العامل الثالث: التخلي عن مبادي‏ء الدين و التزاماته، و التراجع عن مسؤولية تطبيقه في الأمة، و هو المشار اليه في قوله تعالى: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لاََ يَكُونُوا أَمْثََالَكُمْ (2) .

و الآيات القرآنية النازلة بخصوص الاستبدال الموعود كثيرة، كقوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا اَلنََّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ، وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ ذََلِكَ قَدِيراً (3) و قوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ فَقَدْ وَكَّلْنََا بِهََا قَوْماً لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ (4) و قوله: وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمََّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ `ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ (5) .

و سنقتصر في هذا الكتاب على تفسير نصين من هذه النصوص القرآنية الخاصة بموضوع الاستبدال بشكل مفصل، أما بقية النصوص فسنتناولها بشكل مختصر خلال البحث إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) سورة التوبة، الآيتان (38 و 39) .

(2) سورة محمد، الآية (38) .

(3) سورة النساء، الآية 133.

(4) سورة الانعام، الآية 89.

(5) سورة الجمعة، الآيات 3-4.

34

تفسير النص القرآني الأول‏

قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ*`فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسََارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى‏ََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ*`وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خََاسِرِينَ*`يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ عَلِيمٌ*`إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ*`وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ (1) .

هذه الآيات من أهم النصوص القرآنية الخاصة بالاستبدال الموعود، و اكثرها استيعابا لعوامله السلبيّة و الإيجابية معا لانها تعرضت لخصائص المجتمعين-المستبدل و البديل-و فصّلت كل ما اجملته نصوص الاستبدال السابقة، من مفاهيم و أفكار و انحرافات و احداث سياسية و جهادية مستقبلية ترتبط بتاريخ هذين المجتمعين الإسلاميين، و من هنا كان لا بد لنا من الوقوف معها طويلا. و سنحاول تفسير هذه الآيات في موضوعات نتناول فيها البحث عن المراد من معنى الولاية بين اليهود و النصارى من جهة، و بينهما و بين مرضى القلوب من جهة اخرى، و نبحث ايضا عن هوية مرضى القلوب فهل هم المنافقون أم غيرهم؟و عن المقصود من الفتح هنا، هل هو فتح مكة أم فتح

____________

(1) سورة المائدة، الآيات (51-56) .

35

آخر؟و عن معنى الارتداد هل المقصود منه الارتداد عن الإسلام الى الكفر المتحقق زمن ابي بكر كما يقول الرازي؟أم المقصود منه معنى آخر يقع في حوادث أخرى كما يرى العلامة الطباطبائي؟!و كذلك نثير الكلام-كما أثاره القرآن-هنا حول هوية القوم الموعود بهم، الذين سيبعثهم اللّه تعالى يُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ وَ لاََ يَخََافُونَ لَوْمَةَ لاََئِمٍ فهل هم المقاتلون لأهل الردة، في زمن ابي بكر، كما يعتقد الرازي أم هم قوم آخرون؟كما يقول العلامة الطباطبائي؟و اخيرا نتعرض لتفسير آية إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا لنعرف هل من علاقة و ارتباط بينها و بين الآيات التي قبلها، أم لا يوجد اي نحو من الارتباط كما فسرها العلامة الطباطبائي.

الولاية بين اليهود و النصارى‏

قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ (1) .

معنى الولاية

الولاية: مصدرها ولي و تطلق في اللغة على ولاية المودة و المحبة و الحلف و النصرة و على ولاية الدين و الاعتقاد، و على ولاية الملك و الأب، و الحاكم‏ (2) . فما المراد من الولاية التي تقع بين اليهود و النصارى، و مرضى القلوب و لماذا حذر اللّه تعالى المؤمنين من خطورة التورط بها؟

____________

(1) سورة المائدة، الآية (51) .

(2) غريب القرآن، مادة: ولي.

36

رأى العلاّمة الطباطبائي‏

يرى العلامة الطباطبائي ان المراد من الولاية في هذه الآية هي ولاية المودّة و المحبة (1) .

و الظاهر عدم صحة هذا الرأي؛ لأنه لا يتفق مع ما جاء في سورة المائدة نفسها حيث اكدت ان العلاقات الاجتماعية بين افراد المجتمع اليهودي و كذلك بين افراد المجتمع النصراني تقوم دائما على أساس العداوة و البغضاء الى يوم القيامة، ففي وصف المجتمع اليهودي قال تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيََاناً وَ كُفْراً وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ كُلَّمََا أَوْقَدُوا نََاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللََّهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ (2) . و في وصف المجتمع النصراني قال تعالى: وَ مِنَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنََّا نَصََارى‏ََ أَخَذْنََا مِيثََاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمََّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ وَ سَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اَللََّهُ بِمََا كََانُوا يَصْنَعُونَ (3) .

و العداوة و البغضاء نقيض المحبّة و المودّة، و هما عقوبة إلهية على اليهود و النصارى ستبقى تتحكم في علاقاتهما الاجتماعية الى يوم القيام كما هو ظاهر هذه النصوص القرآنية، فاذا نفى القرآن إمكانية تحقق علاقة المودّة و المحبّة بين افراد المجتمع اليهودي، فكيف نتصور تحققها بينهم و بين النصارى الذين يختلفون معهم اختلافا عقائديا كبيرا، و يكنون لهم عداء تاريخيا و دينيا عميقا، و يعتقدون بأنهم و بقية الشعوب الاخرى لا يحق لهم

____________

(1) الميزان، ج 5، ص 369.

(2) سورة المائدة، الآية (64) .

(3) سورة المائدة، الآية (14) .

37

العيش في الحياة الاّ تحت حماية الحراب اليهودية و في ظل جبروتهم و سلطانهم باعتبارهم شعب اللّه المختار كما يدعون، و كذلك النصارى فهم من جهة يضمرون مشاعر العداوة و البغضاء لبعضهم، و من جهة اخرى يكنون في صدورهم نفس المشاعر الحاقدة تجاه اليهود، و كما شهد اللّه بعداوتهم لبعضهم شهد باختلافهم و عداوتهم لليهود ايضا، موكدا استمرار هذه الحالة بينهم و بين اليهود الى يوم القيامة في قوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (1) . فهذه النصوص القرآنية تنفي امكانية وقوع ولاية المودة و المحبة بين اليهود و النصارى و هو أمر من المستحيل تحققه بينهم في الحياة الدنيا مما يؤكد معارضة النص القرآني صراحة لما ذهب اليه العلامة الطباطبائي.

اما ولاية المودة و المحبة بين أهل الكتاب و المسلمين فان ذلك يقتضي رضا اليهود و النصارى عن المسلمين، و هو أمر غير متصور الاّ اذا تخلى المسلمون عن دينهم عقائديا لا سلوكيا فحسب، كما أكد القرآن ذلك في قوله تعالى: وَ لَنْ تَرْضى‏ََ عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصََارى‏ََ حَتََّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ بَعْدَ اَلَّذِي جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ مََا لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ (2) .

و بهذا يتّضح: استحالة تحقق ولاية المودّة و المحبّة بين اليهود و النصارى في طول التاريخ نظرا للعقوبة الإلهية التي تقتضي إلقاء العداوة و البغضاء داخل

____________

(1) سورة البقرة، الآية (113) .

(2) سورة البقرة، الآية (120) .

غ

38

مجتمعاتهم الى يوم القيامة، و عدم إمكانية تحققها بينهم و بين المسلمين ايضا، كما هو مفاد لن التأبيدية و حتى الشرطية التي علقت تحقق هذا النوع من الولاء على تخلى المسلمين عن عقائدهم و التزاماتهم الدينية.

رأى الفخر الرازي‏

ذهب الفخر الرازي الى أن معنى الولاية هنا الحلف و النصرة!و العجيب أنه يحاول أن يضفي على هذا التحالف المزعوم-بين اليهود و النصارى و مرضى القلوب-طابعا واقعيا، في عصر النبوّة، مع أنه لم يوجد للنصارى أي وزن اجتماعي يذكر في الجزيرة العربية حتى يمكن تصور تحالفهم مع اليهود، و نتعقل ضرورة تحذير المؤمنين من التورط في محالفتهم. و المقطوع به تاريخيا أن ولاية الحبة أو الحلف و النصرة لم تكن متحققة بين اليهود و النصارى، منذ محاولة قتل السيد المسيح عليه السّلام و منذ ذلك التاريخ الى يومنا هذا و اليهود متهمون بهذه الجريمة من قبل النصارى، و لأجل هذه التهمة شهد التاريخ معارك دينية و اختلافات سياسية و حروبا دموية طاحنة بين الطرفين، و كانت الغلبة دائما في جميع تلك المعارك للنصارى، و الهزيمة و الاضطهاد و القتل الجماعي المروع من نصيب اليهود، و هو ما يؤكد استمرار فاعلية العقوبة الإلهية المكتوبة عليهم في الدنيا الى يوم القيامة في قوله تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ (1) ، بل أخبر الله في سورة (الصف) صراحة غلبة النصارى على اليهود في طول التاريخ في قوله تعالى: قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوََارِيِّينَ مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ فَآمَنَتْ طََائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ

____________

(1) سورة الاعراف، الآية (167) .

39

وَ كَفَرَتْ طََائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ََ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظََاهِرِينَ (1) .

و الطائفة المؤمنة هي التي تنصّرت، و الكافرة هي التي بقيت على يهوديتها فأيد اللّه النصارى على اليهود و سلّطهم عليهم سياسيا و جعلهم يتحكمون بحياتهم، و بمصيرهم الى يوم القيامة (2) .

و هكذا يظهر رأي العلاّمة الرازي، اكثر غرابة من رأي العلاّمة الطباطبائي، لأنه ليس فقط اجتهادا مخالفا للنصّ القرآني المؤكد لاستمرار و ديمومة حالة الاختلاف الديني و الصراع التاريخي بين اتباع الديانتين اليهودية و النصرانية، بل هو أيضا تزوير للتاريخ و تزييف للواقع الذي شهد عداء مستحكما و حروبا دموية طاحنة بين الطرفين، بدأت منذ محاولة اليهود قتل نبي اللّه عيسى بن مريم عليه السّلام الى يومنا هذا، و اذا صح تفسير الولاية المنهي عن اقامتها من قبل المسلمين مع أهل الكتاب بالحلف و النصرة-كما يدعي الرازي-فعليه لا يجوز للمسلمين شرعا عقد اتفاقيات دفاعية و محالفات تجارية و غيرها من عهود الحلف و المناصرة الضرورية لحفظ الدولة الاسلامية و رعاية مصالح المجتمع الاسلامي مع دول أهل الكتاب و دول الكفر و الشرك الاخرى، و هذه الفتوى التي تبرع بها الرازي منافية لطبيعة التعايش البشري و لروح الإسلام و معارضة بالسيرة النبوية الثابتة، حيث عقد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم محالفات دفاع مشتركة بينه و بين يهود بني قريظة و النضير في المدينة و بينه و بين بعض القبائل العربية المشركة المعادية للزعامة القرشية، و كان هدفه من تلك المحالفات حماية الدولة الإسلامية من الاعتداءات الخارجية المحتملة،

____________

(1) سورة الصف، الآية (14) .

(2) هذا هو مقتضى الاطلاق في الآية، و سيأتي معنى تسلطهم الدائم عليهم في الموضوعات القادمة إن شاء اللّه تعالى.

40

و استمرت محالفاته مع الجميع حتى اسلمت القبائل العربية المشركة بعد فتح مكة و اظهرت القبائل اليهودية خيانتها للدولة الاسلامية فأمر باخراجها من المدينة لأنها اصبحت تهدد أمنها و استقرارها بسبب علاقتها الخفيّة بقوى المشركين خارج المدينة و دعمها لحركة النفاق و طابوره الخطير داخل المجتمع الإسلامي في المدينة.

الرأي الصحيح‏

في ضوء مناقشة الرأيين السابقين يتضح عدم صحة تفسير الولاية في قوله تعالى: لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ بولاية المودّة و المحبة، و لا بولاية الحلف و النصرة، و عليه يبقى المعنى مجملا في هذه الآية، فلا بد من اللجوء الى معاجم اللغة و السنّة النبوية لتفسيره.

قال في (النهاية) :

و الولاية تشعر بالتدبير و القدرة و الفعل. و كل من ولي امرا فهو مولاه و وليه. و قول عمر لعلي: «اصبحت مولى كل مؤمن» أيّ ولي كل مؤمن فحقيقة كلمة المولى من يلي امرا و يقوم به و يتقلده، و المحب و الحليف و الاب و الربّ و المتصرف و غيرها من المعاني هي مصاديق حقيقتها، فيطلق لفظ المولى على العبد لأنه القائم بأمر سيده، و على الحليف و النصير لانه القائم بنصرة صاحبه فيما يحتاجه من نصرة، و هكذا فاللفظ مشترك معنوي، و قد يأتي معنى الولاية في سياق الجملة مبهما لتردده بين معان عديدة، كما هو الحال في قوله تعالى:

لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ فلا يعلم هل يريد ولاية المودّة و المحبة، أم الحلف و النصرة، أم التصرف و الحاكمية. و في مثل هذه الحالة لا بد من اللجوء الى القرائن السياقية و الخارجية لتحديد

41

معناها فنقول:

في ضوء مناقشة رأي العلاّمة الطباطبائي اتضح لنا بما لا يقبل الشك أنه لا يراد من الولاية في هذه الآية المودّة و المحبة. أما ولاية الحلف و النصرة، فواقع العداء التاريخي بين اليهود و النصارى يشهد بعدم تحققها ثم ان الآية تشعر بأن تحققها بينهما لا بد أن يكون متعاصرا من جهة أخرى مع تحققها بينهما و بين مرضى القلوب من المسلمين و هو ما لم يعرفه التاريخ الإسلامي ماضيا و حاضرا اطلاقا، و لا يصح اعتبار العلاقة المعاصرة القائمة بين امريكا النصرانية و دولة اسرائيل اليهودية، على أساس ولاية الحلف و النصرة فأمريكا في غنى عن مناصرة اسرائيل لها، بل اسرائيل تتلقى الدعم الاقتصادي و الاسناد العسكري دائما منها.

و كذلك العلاقات القائمة بين الدول اليهودية و النصرانية و بين الحكومات الظالمة في العالم الاسلامي، فانها تنطلق من تبعية حكام دول العالم الاسلامي الاذلاء لدول الاستكبار المتصرفة بمصير عميلها الحاكم و شعبه المظلوم وفقا لمصالحها السياسية و الاقتصادية و العسكرية، بينما ولاية الحلف و النصرة تشعر بلون من المساواة في الحقوق و الواجبات بين الحلفاء، و بنوع من الكرامة و الحرية، و الاستقرار و الاستقلال يسود مجتمع الحلفاء في ظل عهود الحلف و المناصرة، و مثل هذا الشعور غير متحقق في ظل حكومات الدول الإسلامية المعاصرة العميلة لدول الاستكبار العالمية ذات النفوذ اليهودي و النصراني.

و لهذا نستبعد إرادة معنى الحلف و النصرة من كلمة الاولياء في هذه الآية، بل المراد منها ولاية التصرف و الحاكمية بابعادها السياسية بالاضافة الى ذلك فاننا نعتقد أن هذا الولاء السياسي بين الثالوث المشؤوم حدث غيبي، من جملة الاحداث السياسية الخطيرة التي تنبأ القرآن بحدوثها في مستقبل تاريخ‏

42

الصراع السياسي للأمة الإسلامية مع أعدائها و الفترة التاريخية التي تشهد البشرية خلالها ولادة هذا الولاء السياسي العالمي بين طواغيت اليهود و النصارى و حكام العالم الاسلامي العملاء لهم هي فترة آخر الزمان كما اصطلحت على تسميتها أخبار الملاحم، و الغاية من هذا الولاء في دوافع طواغيت اهل الكتاب هي محاولة اطفاء نور الإسلام و اخماد صوته و الحاق الهزيمة باتباعه المخلصين، بعد عودته الى الحياة السياسية و قيادة الصراع ضد اعدائه من جديد بعد غياب طويل حينما يظهر في حركة التمهيد للدولة الاسلامية العالمية الموعودة، و قد ذكرت سورة التوبة اهداف هذا الولاء السياسي بين اليهود و النصارى و هي في معرض الحديث عن مخططاتهما المعادية للإسلام في آخر الزمان بقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ `هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ (1) . و لكن هذا الولاء الشيطاني سوف لا يحقق اهدافه السلبية الخطيرة على حركة الصحوة الاسلامية الممهدة للمهدي عليه السّلام بسبب الوعد الإلهي القاضي باظهار الاسلام على الاديان كلّها و هزيمتها في الميدان بقيادة المهدي المنتظر عليه السّلام، كما يفهم صراحة من الآيات السابقة.

بداية الولاء السياسي بين اليهود و النصارى‏

كان ذلك في مطلع القرن العشرين، عندما أعطت بريطانيا-بالاتفاق مع امريكا-اليهود، وعد بلفور عام 1917 م القاضي بانشاء وطن قومي لهم على ارض فلسطين الإسلامية. و في اعقاب الحرب العالمية الأولى تأسست عصبة

____________

(1) سورة التوبة، الآيتان (32 و 33) .

43

الأمم بقيادة الدول النصرانية الكبرى التي خرجت منتصرة في الحرب و منحت بريطانيا حق الانتداب على فلسطين عام 1922 م فقامت الحكومة الانكليزية بالتخطيط لاقامة الدولة الاسرائيلية من خلال سيطرتها اداريا و اقتصاديا و عسكريا على فلسطين، فعينت مندوبا يهوديا لها عليها، هو (هربرت صموئيل) الذي استمر في حكمه ست سنوات، يشرع القوانين الادارية و العمرانية، و يصدر التعليمات و يرسم الخطط العسكرية لصالح اليهود، و لضرر المسلمين، مما شجع اليهود في العالم على الهجرة الى فلسطين، و اضطر عددا من المسلمين لمغادرة اراضيهم تحت الضغوط المختلفة الجائرة، التي كانت تمارسها سلطة الانتداب البريطاني اقتصاديا و عسكريا ضدهم، و تحت الإرهاب الوحشي الذي كان يفتعل على شكل مجازر جماعية بحق الفلسطينيين العزّل من السلاح، من قبل الجيش اليهودي الذي شكلته حكومة الانتداب و اطلقت عليه اسم (حراس المستعمرات) . و بمرور الزمن تعمّق الولاء السياسي بين الدول النصرانية، و الدويلة اليهودية اللقيطة، و استمر التعاون بينهما حتى اخذ ابعادا دولية، و اصبح امرا قانونيا عندما اصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارا بانشاء دولة لليهود في فلسطين عام 1947 م و صوتت عليه الدول النصرانية الكبرى كلها و في طليعتها الدول الدائمة العضوية في الأمم المتحدة.

و هذا الولاء السياسي الجديد بين الصليبية و اليهودية مكّن اليهود في الأرض الاسلامية و سيمهد لافسادهم و علوهم المتنبأ به في قوله تعالى:

وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ فِي اَلْكِتََابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (1) .

____________

(1) سورة الاسراء، الآية (4) .

44

و من الواضح أنه ليس باستطاعة شراذم اليهود و صعاليكهم طرد المسلمين من بلادهم و احتلال جزء كبير من اراضيهم، و أن يكون لهم موقع سياسي مكين، و عسكري مهيب في قلب العالم الإسلامي، و يمارسون إفسادهم الخلقي و عتوهم السياسي و علوهم العسكري و هم اقلية فيه، من دون أن يتلقوا الدعم الكامل و بمختلف اشكاله من الصليبية العالمية و خاصة دولها الكبرى التي لها وحدها الهيمنة و الجبروت و الاستكبار على خارطة العالم السياسية كلها.

و على كلّ حال لقد تجذرت الشجرة اليهودية الخبيثة على أرض فلسطين الاسلامية، و اصبح من الصعب على حكام العرب اجتثاثها، و العالم النصراني بسلطانه و اساطيله يسهر عليها و يرعاها. و بينما كانت حكومات الدول العربية تغط في سبات عميق اذا بها تفاجأ بالعدوان الثلاثي على دولة مصر الإسلامية بقيادة الجيوش البريطانية و الفرنسية و اليهودية عام 1956 م.

و بمباركة الاستكبار الصليبي لأطماع اليهود التوسعية تحولت دويلة إسرائيل بمرور الأيام الى قوة رهيبة مخيفة لا تقهر بنظر حكام العرب فاستسلموا أمام حروبها و جبروتها و رضخوا لمطاليبها، و اعترفوا بشرعية كيانها من دون أن يحصلوا على أي اعتراف منصف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة لا منها و لا من أوليائها المستكبرين.

و هذا الولاء بين اليهود و النصارى في صورته الجديدة لم يقم على أساس المودة و المحبة كما تصور العلاّمة الطباطبائي و لا على أساس التحالف الديني او التحالف العسكري كما ذهب العلامة الرازي، و انّما يقوم على اساس حفظ المصالح المشتركة من الخطر الاسلامي، فهو ولاء سياسي لا علاقة له بالدين لاعتقاد الطرفين بفصل الدين عن السياسة وفقا لمقولتهم المشهورة:

«ما للّه للّه و ما لقيصر لقيصر» ، فلا يتعارض هذا الولاء مع الآيات السابقة التي‏

45

نصت على اختلافهم الديني و تحكّم عقدة العداوة و البغضاء بينهم الى يوم القيامة.

نعم لا مانع أن يستخدم السياسيون من الطرفين رجال دينهم لتكريس الولاء السياسي بينهما و تعميقه و دعمه دينيا، و لم يكن بيان البابا في روما، الذي اصدره عام 1975 م لتبرئة اليهود من دم المسيح عليه السّلام الاّ محاولة دينية بدافع دبلوماسي مخطط لها لدعم هذا الولاء و مباركته دينيا لأنه كان و ما زال يواجه صعوبات مذهبية و عقبات دينية متعددة بين اتباع الديانتين لشدة العداء التاريخي المستحكم بينهما.

و كذلك لا يتعارض هذا الولاء، مع الوعد الإلهي القاضي بابقاء اليهود دائما تحت سيطرة النصارى الى يوم القيامة، لأن الدول المسيحية تمثل الطرف الاقوى فيه، و هي التي تصمم شكله و طبيعته بحكم هيمنتها على العالم، فلها ولاية التصرف و الحاكمية على اليهود و مقدراتهم لا في فلسطين فقط و إنما في العالم كله.

و من هنا يصح القول بأنّ النصارى لا يزالون ظاهرين على اليهود، كما تنبأ القرآن، و ان اختلفت طريقة ظهورهم عليهم في ظل الولاء السياسي الجديد، عن الفترات الماضية التي كانوا يمارسون فيها ضدهم مختلف اساليب القهر و الاضطهاد و الاذلال و الظلم بحقهم.

و كذلك لا يتعارض هذا الولاء السياسي بين اليهود و النصارى مع قوله تعالى: وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذََابِ (1) لان مواجهة اليهود للعذاب الى يوم القيامة، يشعر بوجود جهة تذيقهم سوء العذاب دائما، و لكن لا دليل في الآية على أن هذه الجهة محددة

____________

(1) سورة الاعراف، الآية (167) .

46

بفئة معينة، أو بالنصارى خاصة، فلئن اطمأنت قلوبهم من جهة النصارى في فترة الولاء السياسي بينهما فانها سوف لا تطمأن اطلاقا من جانب المسلمين المجاهدين الذين لا يمكن أن يساوموا على قضية فلسطين و ينسوا ابناءها المظلومين تحت قبضة اليهود و المشردين منهم وراء الحدود، فلا بد أن يذيقوهم سوء العذاب، بعملياتهم الجهادية و الاستشهادية المستمرة حتى يطهّروا الأرض المقدسة من لوثتهم و وجودهم و كان ذلك وعدا مفعولا كما نص عليه في سورة الاسراء، و كل ذلك يكون من مصاديق الوعد القرآني القاضي بديمومة العذاب الدنيوي على اليهود في فترة ولائهم السياسي مع النصارى.

موالاة مرضى القلوب لليهود و النصارى‏

قال تعالى: فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسََارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى‏ََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ (1) .

من هم مرضى القلوب؟

قال الفخر الرازي: هم المنافقون، كعبد اللّه بن أبي و اصحابه تبعا لما جاء في روايات أسباب النزول. و قال العلاّمة الطباطبائي: بل هم جماعة غير المنافقين لأن اللّه تعالى ذكرهم في آيات، و لم يذكر المنافقين، و ذكر المنافقين و لم يذكرهم، و ذكرهما معا في قوله تعالى: وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي

____________

(1) سورة المائدة، الآية (52) .

غ

47

قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مََا وَعَدَنَا اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاََّ غُرُوراً (1) ، و في قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هََؤُلاََءِ دِينُهُمْ (2) .

و هذا مما يؤكد ان مرضى القلوب جماعة غير المنافقين و الفرق بين الجماعتين، أن المنافقين جماعة آمنوا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم، و مرضى القلوب جماعة ضعفاء الايمان، يصغون لكل ناعق و يميلون مع كل ريح، فهم نمط وسط بين المنافقين و المؤمنين و لهم قابلية الالتحاق بأحد الفريقين، لأن مرض القلب قابل للزيادة و النقيصة و الشفاء و الاستفحال، على عكس النفاق، فهو كفر مستبطن، و الكفر موت للقلب-ليس مرضا فيه-فلا يصدق وصف مرضى القلوب على المنافقين و انما وصفهم القرآن في سورة البقرة (3) بذلك لبيان حال تنقلهم من مرض القلب الى الزيادة فيه، الى أن طبع اللّه تعالى على قلوبهم، و حالة الطبع موت للقلب لا مرضا فيه.

هذا هو رأي العلاّمة الطباطبائي في تحديده لهوية مرضى القلوب، و يعتقد أيضا أن حالة مرض القلب ستعم المجتمع الإسلامي في آخر الزمان بسبب هيمنة سياسة اليهود و النصارى على المسلمين و مخالطتهم لمجتمعاتهم و تأثرهم بأخلاقهم و انحرافاتهم، حينئذ يبعث اللّه تعالى قوما يحبهم و يحبونه و هم في نظره الإمام المهدي عليه السّلام و أصحابه.

و من هذا المنطلق يرى العلاّمة الطباطبائي أن جميع الأحاديث التي تصف فساد المجتمع الإسلامي و انحرافاته في آخر الزمان ما هي الاّ تفصيل و بيان لحالة مرض القلب، التي سيبتلى بها في ذلك العصر القريب من ظهور

____________

(1) سورة الاحزاب، الآية (12) .

(2) سورة الانفال، الآية (49) .

(3) سورة البقرة، الآية (10) .

48

الإمام المهدي عليه السّلام لذا يختم بحثه حول مرضى القلوب ببعض الاحاديث النبوية التي تصف الانحرافات العامة في مجتمع آخر الزمان، بعد أن يحاول أن يثبت صحتها بالدليل الإجمالي العام.

و نحن نتفق معه في أن مرضى القلوب في هذه الآية خاصة بجماعة يظهرون في آخر الزمان و هم غير المنافقين في صدر الاسلام، و نؤيد ذلك بدليلين من مضمون الآية:

الأول: قوله تعالى: نَخْشى‏ََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ الدال على خشية مرضى القلوب من سطوة اليهود و النصارى، و الخوف على مصالحهم و وجودهم من سلطانهم و جبروتهم، مما يدعوهم للمسارعة في موالاتهم حفظا لأنفسهم و رعاية لمصالحهم و هذه الحالة لا تنطبق على وضع المنافقين، و لا على وضع اليهود و النصارى في عصر النبوّة، لأن سورة المائدة نزلت في السنة الأخيرة من حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد أن كسر شوكة الكفر، و قضى على زعماء الجاهلية و حطم اصنامهم، و شيّد دولة الاسلام و مكّنها سياسيا و اقتصاديا و عسكريا، واضحت قوة عظمى تتحدى الامبراطوريتين الكسروية و القيصرية في معاقلهما. أما اليهود فقد حاصرهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم-بعد أن نكثوا عهدهم معه، و تحالفوا مع قريش في معركة الاحزاب-و مزقهم شر ممزق و اجلاهم عن ضواحي المدينة ثم كاتب فلولهم على الالتزام بالمحافظة على أمن الدولة الاسلامية، و أن يدفعوا الجزية عن يد و هم صاغرون. و أما نصارى نجران فلم يكن لهم وزن يذكر، و مع ذلك فقد فتح المسلمون نجران سنة عشر هجرية صلحا على الفي‏ء، ثم اخرجوهم من نجران و ابعدوهم الى بلاد الديلم في خلافة عمر (1) . و من يتأمل الآية يشعر بأن لليهود و النصارى نفوذا مشتركا

____________

(1) معجم البلدان، ج 5، ص 296، نجران.

49

و تسلطا عاما على بلاد المسلمين، و هذا هو الذي يجعل مرضى القلوب يراعون جانبهم و يسارعون في موالاتهم، و يخضعون لهم غير مكترثين بالمؤمنين، و كل هذه الاجواء الاجتماعية و السياسية التي تثيرها هذه الآية لا تنطبق على المنافقين و لا على اليهود و النصارى في عصر النبوّة و لا بعده من عصور الخلافة الاسلامية.

الثاني: قوله تعالى: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ (1) . فهذه الآية تدل على أن الهزيمة يوم الفتح ستلحق باليهود و النصارى و أوليائهم من مرضى القلوب، فهي لا تنطبق على فتح مكة لأن الضربة وجهت فيه لكفار قريش فقط. اما المنافقون في المدينة، فكانوا يعملون بالاحتياط و الخفاء، تحت الرقابة الأمنية المشددة من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و المؤمنين، قبل الفتح، و قد تنفسوا الصعداء بعد الفتح حيث اتصلوا بجماعتهم الطلقاء و ابناء الطلقاء و غيرهم من الموتورين بسيف علي عليه السّلام من بيوتات قريش، و من ذلك اليوم بدأوا مخططا جديدا لضرب الاسلام بالصميم، من خلال التسلّل للمواقع القيادية في الدولة، و العمل لاستلام الخلافة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و كل هذه الشواهد التاريخية تعزز الطابع الغيبي لهذا النص القرآني و تنفي علاقته بوضع المنافقين في صدر الاسلام.

أمّا روايات أسباب النزول التي استشهد بها الفخر الرازي على نزول هذه الآية بخصوص المنافقين في صدر الاسلام، فليس فيها رواية واحدة مسندة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تؤيد ذلك، بل هي مجرد اجتهادات من بعض الصحابة و التابعين و تطبيقات منهم للآية على حوادث فردية متفرقة و هي كلها اجنبية عن سياقها و مضمونها.

____________

(1) سورة المائدة، الآية (52) .

50

ولاية اليهود و النصارى على المسلمين‏

بدأت ولاية اليهود و النصارى على المسلمين سياسيا، بعد احداث الغزو الصليبي للوطن الإسلامي، و كانت الحكومات و الزعامات العربية الخائنة، أول من سارع في طاعة الغزاة المحتلين، و بعد نجاح عملية الغزو و سيطرة الغزاة على جميع مراكز الثروة و مقاليد الحكم في الاقطار الاسلامية، تطور الولاء السياسي بين المحتلين و وكلائهم الخونة من حكام المجتمعات الاسلامية، و ظهرت آثاره السلبية على الامة فكريا و خلقيا و حضاريا، مستهدفة فصلها عن عقيدتها و سلب اصالتها الدينية.

إن نظرة عامة لما يعانيه المسلمون اليوم من ظلم و فقر، و من مصادرة حرياتهم و نهب ثرواتهم و خيراتهم، و حرمانهم من اقل حقوقهم، في ظل حكوماتهم الجائرة الظالمة المستبدة، يكفي لمعرفة مدى عمق الولاء السياسي و متانته بين دول الاستكبار اليهودي و النصرانية و عملائهم من حكام و زعماء المسلمين الخونة، و كان من أبرز حلقات التآمر على الاسلام و الامة التي افرزتها مسيرة هذا الولاء السياسي بين الاسياد و العبيد في عصرنا الحاضر مبادرة السادات الذليلة، و الحرب العراقية المفروضة على الدولة الاسلامية الإيرانية و المجزرة الوحشية بحق الحجاج الذين احرقوا العلم الامريكي و الاسرائيلي في مكة و هم يعلنون البراءة من المشركين، و كذلك احتماء حكام العرب بالاحلاف الصليبيين في أزمة الكويت مع العراق، و حرب الحصار الاقتصادي و السياسي على الشعب العراقي و الشعب الليبي و غيرهما من الشعوب و الحكومات التي لا تحسن تنفيذ شروط الهيمنة الاستكبارية على بلادها.

و من حلقات هذا التآمر أيضا طبع آل سعود-وكلاء الادارة الامريكية

51

في الحجاز-لآلاف الكتب المليئة بالأكاذيب و الدجل، و توزيعها مجانا سنويا، بهدف تشويه حقيقة مذهب أهل البيت عليهم السّلام و محاربة الثورة الاسلامية الخمينية التي اعلنت عدائها الصريح لامريكا المتغطرسة بكبريائها الشيطاني في عالمنا الاسلامي و على اسرائيل المتمادية في افسادها في ارضنا المحتلة و في لبنان الاسلام و العروبة.

و كان من اخطر حلقات الولاء الشيطاني اليهودي المسيحي محاولة الالتفاف على ثورة الحجارة في الارض المحتلة للقضاء عليها تحت غطاء جهود السلام لحل ما يسمونه بأزمة الشرق الأوسط!!بالتعاون مع مرضى القلوب من الزعماء الفلسطينيين خونة القضية و المتاجرين بدماء شهدائها الأبطال.

و أخيرا و ليس آخرا العمل الدولي المشترك لمحاصرة الصحوة الاسلامية في العالم الاسلامي تحت غطاء محاربة الارهاب و الوقوف بوجه الاصولية المتشددة!و التآمر على الصيغة السياسية الديمقراطية في الجزائر و محاولة تصفية المجاهدين في هذا البلد الاسلامي، بعد أن كادوا يستلمون السلطة في بلادهم.

لقد كشفت أحداث الجزائر الاخيرة عن متانة الولاء السياسي بين المستكبرين من أهل الكتاب و وكلائهم في عالمنا الاسلامي، و زيف شعارات الدول الغربية فيما يخص حماية حقوق الانسان و الدفاع عن الديمقراطية و حرية الشعوب!و بات واضحا بأن الحرية مطلب مشروع لجميع الشعوب في العالم-و قد استطاعت الحصول عليه حتى تلك التي كانت تعيش تاريخا طويلا وراء القضبان الحمراء و الجدران الحديدية-باستثناء الشعوب الاسلامية فانها يجب أن تعيش دائما تحت رقابة العيون و الحراب اليهودية و الصليبية، و الاّ فالدبابات و المعتقلات و المشانق على موعد معها في أيّ ساحة من ساحات‏

52

الحرية التي تحلم بها. و كل هذه الأحداث و القوانين الجائرة، و المواقف الظالمة المستبدة تجاه شعوب العالم الاسلامي، تصور لنا بعدسة الواقع عزم الثالوث الشيطاني‏ (1) و جديّته في محاربة الاسلام المحمدي الاصيل حتى النفس الاخير، بهدف إخماد صوته و إطفاء نوره و إلحاق الهزيمة السياسية باتباعه المخلصين، و لكن يأبى اللّه الاّ أن يتم نوره و لو كره المشركون و الظالمون و مرضى القلوب من حكام المسلمين.

الفتح الإسلامي الموعود

قال تعالى: فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسََارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى‏ََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى‏ََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ (2) .

قال الفخر الرازي: ان المراد بهذا الفتح هو فتح مكة!و قال العلاّمة الطباطبائي: بل هو فتح اسلامي آخر لم يتحقق بعد و الصحيح هو الرأي الأخير للأدلة التالية:

أولا: من الثابت-باتفاق المفسرين-ان سورة المائدة نزلت في السنة الأخيرة من حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، بينما حدث فتح مكّة في سنة ثمان هجرية فالآية لا تنطبق عليه.

ثانيا: إنّ المنافقين لم يتضرروا في فتح مكة، و لم تنكشف نواياهم الخبيثة التي كانوا يسرونها قبل الفتح، بل التاريخ يذكر عكس ذلك تماما، حيث قويت شوكتهم، و اتسع نطاق حركتهم و نفاقهم في محاربة الاسلام من

____________

(1) الثالوث الشيطاني: هم النصارى و اليهود و اوليائهم من الحكام الظالمين في العالم الاسلامي.

(2) سورة المائدة، الآية (52) .