المهدي حقيقة ... لاخرافة

- محمد بن اسماعيل المزيد...
240 /
3

مقدمة الطبعة الثانية

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

إن الحمد للّه، و الاستعانة به، و الرهبة منه، و الرغبة إليه، لا يهزم جنده، و لا يخلف وعده، و لا ينفع ذا الجد منه الجد، سبحانه و بحمده.

و صلاة اللّه و سلامه و بركاته على عبده و رسوله محمد الذى بيّن للناس غاية البيان، و حذّرهم من سبيل الشيطان، أرسله تعالى بالهدى و دين الحق، بين يدى الساعة بشيرا و نذيرا، و علّمه من علم الغيب ما أثبت به نبوته، و قرّر به رسالته، فقامت له بذلك الحجّة، و ظهرت به للناس المحجة، فمن سلكها اهتدى، و من تنكبها ضل و غوى، و المهتدي لا يضره من ضل، و الضال لا ينفعه من اهتدى، و على آله و أصحابه و التابعين لهم بإحسان.

و بعد فما أحسن ما قال الأصفهانى: (إنى رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا فى يوم إلا قال فى غده: «لو غيّر هذا لكان أحسن، و لو زيد كذا لكان يستحسن، و لو قدّم هذا لكان أفضل، و لو ترك هذا لكان أجمل» ، و هذا من أعظم العبر، و هذا دليل على استيلاء النقص على البشر) .

و هذه هى الطبعة الثانية لكتاب «المهدى حقيقة لا خرافة» مهذبة و منقحة عما كانت عليه الطبعة الأولى التى صدرت على عجل عقب أحداث الحرم المكى الشريف.

و منذ ذلك الحين تفجرت قضية «المهدية فى الإسلام» ، و صارت حديث الخاصة و العامة، أما الخاصة: فقد خرج كثير منهم عن الاعتدال فى هذه المسألة فبالغ طائفة فى الإنكار حتى ردّوا جملة من الأحاديث الصحيحة، و قابلهم آخرون فبالغوا فى الإثبات حتى قبلوا الموضوعات، و الحكايات المكذوبة. و أما العامة

4

فصاروا فى حيرة و تذبذب، ما بين مصدق و مكذب، و لا يكاد الخلاف ينقضى عبر صفحات الجرائد و الكتب التى صنّفت، و تحقق بها صدق قول القائل: «لو سكت من لا يعلم؛ لقل الخلاف» .

و كما أن من مقتضيات الشهادة بأن محمدا صلى اللّه عليه و على آله و سلم رسول اللّه: طاعته فيما أمر، و اجتناب ما نهى عنه و زجر، و أن لا يعبد اللّه إلا بما شرع، كذلك من مقتضياتها الأولية تصديقه صلى اللّه عليه و على آله و سلم بكل ما أخبر.

و قد أخبر صلى اللّه عليه و على آله و سلم عن رجال من الماضين بقصص كثيرة:

-مثل حديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، فتوسلوا إلى اللّه تعالى بصالح أعمالهم، ففرج عنهم.

-و حديث الأبرص، و الأقرع، و الأعمى.

-و حديث الرجل الذى اشترى من رجل عقارا، فوجد فى العقار جرة فيها ذهب.

-و حديث الرجل الذى قتل تسعة و تسعين نفسا، ثم سأل: هل له من توبة؟

-و حديث الرجل الذى ركب البقرة، فكلمته البقرة، و الرجل الذى كلّمه الذئب.

و هذه الأحاديث كلها فى الصحيحين.

-و حديث الرجل الذى استسلف من رجل ألف دينار، و هو فى صحيح البخارى، و مسند الإمام أحمد.

و كذا تنبأ صلى اللّه عليه و على آله و سلم بأمور كثيرة تقع فى المستقبل.

و باب النبوءات باب عظيم من أعلام نبوة الأنبياء-عليهم و على نبينا الصلاة و السلام-، و إذا تنبأ الرسول بشى‏ء من النبوءات فلا مجال للشك فى وقوعها كما أخبر، قال تعالى: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ

5

مِنْ رَسُولٍ (2) الآية، و رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه و على آله و سلم الذى لا ينطق عن الهوى‏ إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ (3) ، كان له من النبوءات الحظّ الوافر الذى أيّد اللّه به رسالته‏ (4) .

عن عمرو بن أخطب الأنصارى رضى اللّه عنه قال: «صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم يوما الفجر، و صعد على المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صعد المنبر، حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، و بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال: «فأعلمنا أحفظنا» (5) ، و عن حذيفة رضى اللّه عنه قال: «قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم مقاما، فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدّثه، حفظه من حفظه، و نسيه من نسيه، قد علمه أصحابى هؤلاء، و إنه ليكون منه الشى‏ء قد نسيته، فأراه، فأذكر، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه» (6) . و عن عمر رضى اللّه عنه قال: (قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم مقاما، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، و أهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، و نسيه من نسيه) (7) .

____________

(2) (الجن: 26-27) .

(3) (النجم: 4) .

(4) انظرها مفصلة فى «الصحيح المسند من دلائل النبوة» لفضيلة الشيخ مقبل بن هادى الوادعى حفظه اللّه-ص (309-424) .

(5) أخرجه مسلم رقم (2892) فى الفتن: باب إخبار النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم فيما يكون إلى قيام الساعة.

(6) رواه البخارى رقم (6604) (11/433) - «فتح» فى القدر: باب‏ وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ قَدَراً مَقْدُوراً، و مسلم رقم (2891) فى «الفتن» باب إخبار النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم فيما يكون إلى قيام الساعة، و أبو داود رقم (4240) فى «الفتن» باب ذكر الفتن و دلائلها.

(7) رواه البخارى (6/207) فى بدء الخلق: باب ما جاء فى قوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. تعليقا مجزوما به، و وصله الطبرانى، و أبو نعيم.

6

و من هنا روى الصحابة رضى اللّه عنهم عنه صلى اللّه عليه و على آله و سلم تنبوءه بكثير من الأشياء الغيبية التى أظهره اللّه عليها تأييدا لنبوته: فقد تنبأ صلى اللّه عليه و على آله و سلم بخروج الدجّال، و ذكر صفته على التفصيل، و أخبر أن عيسى عليه السلام ينزل من السماء، و يقتل الدجال، فى أحاديث بلغت حد التواتر.

عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان من المسلمين، فيكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة» (8) .

و عنه رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون دجّالون، قريبا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول اللّه» (9) .

و عن أسماء بنت أبى بكر رضى اللّه عنها أنها قالت للحجاج بن يوسف:

سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم يقول: «إن فى ثقيف كذابا و مبيرا» ، «فأما الكذاب فقد رأيناه، و أما المبير فلا إخالك إلا إياه» (10) .

____________

(8) رواه البخارى (3/72) فى الفتن: باب خروج النار، و فى الأنبياء، و فى استتابة المرتدين، و مسلم رقم (157) فى الإيمان: باب بيان الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان، و فى الفتن: باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.

(9) رواه البخارى فى «صحيحه» (4/234) ، و اللفظ له، و مسلم فى «صحيحه» (4/2240) ، و أبو داود فى «سننه» (4/171) ، و الترمذى فى «سننه» (6/465) -تحفة الأحوذى، و الإمام أحمد فى «المسند» (2/439) .

و اعلم أنه ليس المراد بالبعث فى هذا الحديث الإرسال المقارن للنبوة، بل هو كقوله تعالى:

أَ لَمْ تَرَ أَنََّا أَرْسَلْنَا اَلشَّيََاطِينَ عَلَى اَلْكََافِرِينَ الآية. [مريم: 83].

(10) أخرجه مسلم رقم (2545) فى «فضائل الصحابة» : باب ذكر كذاب ثقيف و مبيرها.

7

هذا فى جانب التنبؤ بالأشرار، أما التنبؤ بالأخيار:

فقد قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «إن اللّه يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (11) ، و عن يسير بن جابر (أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر رضى اللّه عنه، و فيهم رجل ممّن كان يسخر بأويس، فقال عمر: «هل ههنا أحد من القرنيّين» ؟فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم قد قال: «إن رجلا يأتيكم من اليمن، يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أمّ له، قد كان به بياض، فدعا اللّه، فأذهبه عنه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم» ، و فى رواية: «إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، له والدة، و كان به بياض، فمروه، فليستغفر لكم» ، و فى رواية: [كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه إذا أتى عليه أمداد (12) أهل اليمن سألهم: «أفيكم أويس بن عامر؟» حتى أتى على أويس، فقال: «أنت أويس بن عامر؟» قال:

«نعم» ، قال: «من مراد ثم من قرن؟» قال: «نعم» ، قال: «فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟» قال: «نعم» ، قال: «لك والدة؟» قال:

«نعم» ، قال: (سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم يقول: «يأتى عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن، و كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على اللّه لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» ، فاستغفر لى، فاستغفر له) (13) الحديث. فهنا

____________

(11) رواه أبو داود رقم (4291) فى الملاحم: باب ما يذكر فى قرن المائة، و الحاكم فى «المستدرك» (4/522) ، و سكت عليه هو و الذهبى، و قواه ابن حجر، و قال السيوطى: «اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح» ، و صححه الزين العراقى، و السخاوى، و المناوى، و غيرهم، انظر بحث «التجديد فى الإسلام» بالعدد الأول من مجلة «البيان» اللندنية ص (15-17) .

(12) الأمداد: جمع مدد، و هم الأعوان الذين كانوا يجيئون لنصر الإسلام.

(13) رواه مسلم فى «صحيحه» ، رقم (2542) فى فضائل الصحابة: باب من فضائل أويس القرنى رضى اللّه عنه.

8

ترى النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قد تنبأ برجل صالح يظهر بعد زمانه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و ذكر اسمه، و نسبه، و بعض تفاصيل أحواله، و قد وقع كما أخبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و على آله و سلم لم يتخلف منه شى‏ء، فما الغريب إذن فى أن يخبر النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم بخروج رجل صالح من أمته، خليفة عادل من أهل بيته صلى اللّه عليه و على آله و سلم، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا؟!

أى شى‏ء يسوّغ إنكار مثل هذا الخبر و قد ثبت بالنقل الصحيح، و لم يعارضه عقل صريح؟، و لو توهّم عقل قاصر معارضته لقدّم النقل عليه و لا شك:

فكم عائب قولا سليما # و آفته من الفهم السقيم‏

إنّ المهدىّ المبشّر به لا يدعى نبوة، بل هو من أتباع النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و ما هو إلا خليفة راشد مهدى من جملة الخلفاء الذين قال فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «فعليكم بسنتى و سنة الخلفاء الراشدين المهديين» الحديث‏ (14) .

و هو عند أهل السنة و الجماعة بشر من البشر، ليس بنبى و لا معصوم، و ما هو إلا رجل من أهل بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و حاكم عادل يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يخرج فى وقت تكون الأمة أحوج ما تكون إليه، فيحيى السنة، و يزيل الجور، و يبسط العدل. كيف إذن يورد بعض الناس إشكالا على أحاديث المهدى، و يزعمون-جهلا منهم و ضلالا-أنها تنافى عقيدة إسلامية راسخة؛ ألا و هى: ختم النبوة برسول اللّه محمد صلى اللّه عليه و على آله و سلم‏ (15) ؟!

____________

(14) قطعة من حديث رواه أبو داود فى «السنة» رقم (4607) باب لزوم السنة، و الترمذى فى «العلم» رقم (2676) : باب 16، و الإمام أحمد فى «المسند» (4/126، 127) ، و ابن ماجة فى المقدمة رقم (42) ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، و قال الترمذى: «هذا حديث حسن صحيح» .

(15) انظر: «عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية» للأستاذ أحمد بن سعد بن حمدان الغامدى، طبع دار طيبة-الرياض-1405 هـ.

9

فيشبّهون على ضعفة الأفهام، و يطلقون الكلام بغير خطام و لا زمام!و إذا كان نبى اللّه عيسى عليه و على نبينا الصلاة و السلام الذى هو أحد أولى العزم من الرسل، إذا نزل فى آخر الزمان، إنما يحكم بالكتاب و السنة، و لا يأتى بكتاب جديد، و لا بدين جديد، فغيره من الناس أولى و أولى أن لا يأتى بكتاب جديد، و لا بدين جديد، بعد أن أنزل تعالى قوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً (16) الآية.

ألا فليتق اللّه هؤلاء الذين يهرفون بما لا يعرفون، و ليخلصوا النية للّه فى البحث عن الحق؛ فإن الحق متاح لمن أراد أن ينطلق به، و لن يذهب عن الحق بعيدا من سعى بصدق نية فى طلبه، قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا وَ إِنَّ اَللََّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ (17) .

و لا بد أن يأتى اليوم الذى يتحقق فيه ما أخبر به الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و على آله و سلم تماما كما أخبر ليقول المؤمنون عندئذ: هََذََا مََا وَعَدَنَا اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ (18) الآية، وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (19) ، و الحمد للّه رب العالمين.

***

____________

(16) [المائدة: 3].

(17) [العنكبوت: 69].

(18) [الأحزاب: 22].

(19) [ص: 88].

10

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

مقدمة الطبعة الأولى‏

الحمد للّه رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، و العاقبة للمتقين، و لا عدوان إلا على الظالمين.

و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة أتخلص بها من عذاب يوم الدين، يَوْمَ لاََ يَنْفَعُ مََالٌ وَ لاََ بَنُونَ `إِلاََّ مَنْ أَتَى اَللََّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (20) يَوْمَ لاََ يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ `إِلاََّ مَنْ رَحِمَ اَللََّهُ إِنَّهُ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ (21) .

وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظََّالِمُ عَلى‏ََ يَدَيْهِ يَقُولُ: يََا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً، يََا وَيْلَتى‏ََ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاََناً خَلِيلاً، `لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جََاءَنِي، وَ كََانَ اَلشَّيْطََانُ لِلْإِنْسََانِ خَذُولاً (22) .

و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الذى بلّغ البلاغ المبين، و بيّن للناس ما نزّل إليهم، و لعلهم يتفكرون، و ترك أمته على محجة بيضاء نقية ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك مفتون، صلى اللّه و سلم و بارك عليه و على آله و صحبه و حزبه الذين قضوا بالحق، و به كانوا يعدلون.

أما بعد: فإلى اللّه عز و جل وحده المشتكى من غربة الإسلام، و اشتعال نار الملمات، و عموم الفتن و البليات، و تواتر النوازل و الآفات فى كل قطر من أقطار الأرض، و ظهور البدع و المنكرات، و غلبة الشهوات و الشبهات، و استحلال المحرمات.

____________

(20) [الشعراء: 88-89].

(21) [الدخان: 41-42].

(22) [الفرقان: 27-29].

11

لقد عاد الحليم فى هذا الزمان حيران، يقلب وجهه فى السماء باحثا عن نجم يضى‏ء له الطريق، و يعيّن له الهدف، و يحدّد له الاتجاه، و قد تلبّد الجو بغيوم الأوهام التى أمطرت وابلها على الأرض المجدبة، فأنبتت لفيفا من الأقوام المتصارعة آراؤهم، المتدابرة قلوبهم، و قد جعل اللّه بأسهم بينهم.

لقد أرخى الليل سدوله بأنواع المصائب و الفتن ليميز اللّه الخبيث من الطيب، و نبغ فى هذا الزمان أقوام أعرضوا عن المحجة البيضاء، و زاغوا عنها، فهلكوا مع الهالكين، و راحوا يخوضون مع الخائضين، (فمنذ مطلع هذا القرن أو قبله وجدت فئة تدعو إلى ما يسمى بـ «التحرر الفكرىّ» ، و تتصدر ما يسمى «بحركة الإصلاح الدينى» (23) ، و تعمل لإحياء المفاهيم الإسلامية فى نفوس المسلمين، و لكنهم فى سبيل ذلك عمدوا إلى إنكار كثير من المغيّبات التى وردت بها النصوص الصريحة المتواترة، الأمر الذى لا يجعل ثبوتها محل جدال أو ريبة، و لا سند لهم فى هذا الإنكار سوى الجموح الفكرى و الغرور العقلى، و قد راجت بتأثيرهم تلك النزعة الفلسفية الاعتزالية التى تقوم على تحكيم العقل فى أخبار الكتاب و السنة، و عمّت فتنتها حتى تأثر بها بعض الأغرار ممن تستهويهم زخارف القول، و تغرهم لوامع الأسماء و الألقاب و المناصب، و من هنا لزم أن يوضع الحقّ فى نصابه تنبيها لأولئك الشاردين عن منهج الرشد أنّ تلك الأمور التى يمارون فيها ثابتة ثبوتا قطعيا بأدلة لا تقبل الجدل و لا المكابرة، و أنّ من يحاول ردّها أو يسوّغ الطعن فيها فهو مخاطر بدينه، و هو-فى الوقت نفسه-قد فتح

____________

(23) ينبغى التحفظ من مثل هذه الإطلاقات لما قد تنطوى عليه من أفكار خبيثة، فالدين كما عرفه العلماء (وضع إلهى سائق لذوى العقول السليمة لما فيه صلاح دنياهم، و سعادة آخرتهم) ، و هذا التعريف مأخوذ من قوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً، و حيث كان الأمر كذلك فلا يمكن لبشر أن يتناول الدين بإصلاح أو تهذيب، لأن ما وضّحه اللّه و أكمله، لا يتصور أن يتناول بإصلاح، إلا أن يقصد بذلك الإصلاح تجديد الدين بإحياء السنن و الشرائع و إماتة البدع و الحوادث، و الاجتهاد الصادر من أهله المحصلين لشروطه، و اللّه تعالى أعلم.

غ

12

بابا للطعن فيما هو أقلّ منها ثبوتا من قضايا الدين الأخرى، و بذلك نكون أمام موجة من الإنكار و التكذيب لا أول لها و لا آخر، و تصبح قضايا العقيدة كلها عرضة لتلاعب الأهواء و تنازع الآراء) (24) .

و هذه محاولة لبيان صحة الاعتقاد فى ظهور المهدى المنتظر الذى أخبر بظهوره نبىّ اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم نقدمها لتكون تبصرة لإخواننا و معذرة إلى اللّه عز و جل: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (25) .

أسأل اللّه عز و جل أن ينفع بها حزب الحق و الإيمان، و أن يقمع بها أهل الزيغ و البهتان، إنه كريم منّان، و قد قدّمت بين يديها هذه التنبيهات لمسيس الحاجة إليها فى دين المسلم عامة، و فيما نحن بصدده خاصة، و الحمد للّه رب العالمين.

الإسكندرية فى الإثنين الموافق‏

الواحد و العشرين من شهر اللّه المحرم 1400 ه

العاشر من ديسمبر 1979 م‏

***

____________

(24) «فصل المقال فى رفع عيسى عليه السلام حيّا، و فى نزوله و قتله الدّجال» للدكتور محمد خليل هراس رحمه اللّه، ص (3-4) .

(25) [الأنفال: 42].

13

تنبيهات عامة

الأول: تنقسم الملة المحمدية إلى اعتقادات و عمليات‏

الأول: اعلم-رحمك اللّه-أن الملة المحمدية تنقسم إلى اعتقاديات و عمليات.

فالاعتقاديات هى علم التوحيد و الصفات و أصول الدين، و عمل القلب فيها التصديق و تسمى: (أصلية) .

أما العمليات فهى ما تعلّق بكيفية العمل من الشرائع و الأحكام، و تسمى (فرعية) .

و علم التوحيد هو: «العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية» ، و عليه فمسائل الاعتقاد هى صلب الإسلام و أصله الأصيل، و بها يمتاز المؤمن من الكافر، و أصحاب الجنة من أصحاب الجحيم، إذا علمت هذا، فلا تغتر بقول من خالف أهل السنة و الجماعة فى عقائدهم، و شذ عن إجماعهم مدّعيا أن هذه مسائل نظرية لا يترتب عليها عمل، و لا تهم المسلم فى قليل أو كثير (26) .

الثانى: المسائل العلمية الخبرية مما ابتلى اللّه به عباده ليمتحن تصديقهم‏

الثانى: أن المسائل العلمية الخبرية ممّا ابتلى اللّه تبارك و تعالى به عباده ليمتحن إيمانهم، و يميز الخبيث من الطيب، و المصدّق من المكذّب، فإن قيل «بل لا تدخلوا هذه المداخل، فإن صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم لم يدخلوا فى شى‏ء من هذه الأمور، و قد يسعكم ما وسعهم» .

فالجواب: نعم كان يسعنا ما وسعهم رضى اللّه عنهم ما لم نبتل بمن يثير الشبهات، و يشكّك العوام فى دينهم، و مثلنا معكم كمثل رجل فى نهر عظيم كثير الماء كاد أن يغرق من قبل جهله بالمخاضة (27) ، فيقول له آخر: «اثبت مكانك،

____________

(26) انظر ص (99) ، و انظر «معجم المعانى اللفظية ص (49) .

(27) خاض الماء يخوضه خوضا و خياضا: دخله و اقتحمه. «مختار القاموس ص (197) .

14

و لا تطلبن المخاضة» ، و يسعنا ما وسعهم رضى اللّه عنهم، لكن ليس بحضرتنا مثل الذى كان بحضرتهم، و قد ابتلينا بمن يطعن علينا، فلا يسعنا أن لا نعلم من المخطى‏ء منا و المصيب، مع أن الرجل إذا كفّ لسانه عن الكلام فيما اختلف الناس فيه-و قد سمع ذلك-لم يطق أن يكف قلبه، لأنه لا بد للقلب من أن يكره أحد الأمرين، أو الأمرين جميعا، أما أن يحبهما جميعا-و هما مختلفان- فهذا ما لا يكون، و إذا مال القلب إلى الجور أحبّ أهله، و إذا أحبّ القوم كان منهم، و إذا مال القلب إلى الحق و أهله، كان لهم وليّا، و ذلك لأن تحقيق الأعمال لا يكون إلا من قبل القلب‏ (28) .

الثالث: تنازع السلف فى كثير من مسائل الأحكام، و لم يتنازعوا فى قضايا التوحيد

الثالث: تنازع السلف فى كثير من مسائل الأحكام، و لم يتنازعوا بحمد اللّه فى مسائل التوحيد بل أثبتوها و صدّقوا بها بغير تأويل و لا تبديل و لا تكذيب، فسمّوا أهل السنة و الجماعة خلافا لأهل البدع و الافتراق، ذلك أن الخلاف فى الفروع دائر بين الخطأ و الصواب، و صاحبه المجتهد دائر بين الأجر مع العذر، و بين الأجر مع الشكر، أما الخلاف فى أصول الدين فدائر بين الحق و الضلال، و صاحبه دائر بين الكفر و الإيمان، و بين الهلاك و النجاة، و لا سبيل إليها إلا باتباع مذهب السلف، و المراد بمذهب السلف فى العقائد ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان اللّه عليهم، و أعيان التابعين لهم بإحسان، و أئمة الدين ممن شهدت لهم الأمة الوسط بالإمامة، و عرف عظم شأنهم فى الدين، و تلقى الناس كلامهم خلف عن سلف، دون من رمى ببدعة، أو اشتهر بقلب غير مرضىّ، مثل الخوارج، و الشيعة، و القدرية، و المرجئة.

الرابع: منشأ فساد الدين إنما هو تقديم الرأى على الوحى، و الهوى على الشرع‏

الرابع: و منشأ فساد الأمم و الأديان إنما هو تقديم الرأى على الوحى، و الهوى على الشرع، و العقل على النقل، و ما استحكمت فى أمة إلا تم خرابها، و أصل ضلال الفرق أنهم يبتدعون أصولا توافق أهواءهم، ثم يقدمونها على النصوص

____________

(28) انظر: «العالم و المتعلم» المنسوب إلى أبى حنيفة النعمان ص (34-35) .

15

الصريحة فيتحكمون بها فى الأدلة النقلية و قد أمروا أن يتحاكموا إليها، أما الأحاديث فيكذّبونها، و أما الآيات فيؤوّلونها و يحرفونها عن مواضعها.

قال الحافظ ابن حجر فى «الفتح» فى شرحه لحديث حذيفة رضى اللّه عنه:

(تلزم جماعة المسلمين و إمامهم) : «و يؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب و السنة، و جعلهما فرعا لذلك الأصل الذى ابتدعوه، و فيه وجوب رد الباطل، و كلّ ما خالف الهدى النبوى، و لو قاله من قاله، من رفيع أو وضيع» (29) ا هـ.

الخامس: وجوب التسليم لنصوص الوحى، و عدم معارضتها بالرأى‏

الخامس: من لم يسلم للمنقول، و قابله بالرد المعقول فهو ضال مخبول، قال الطحاوى رحمه اللّه: «ما سلم فى دينه إلا من سلّم للّه عز و جل، و لرسوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و ردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه» ، و هذا هو ما سلكه السلف الصالح رضى اللّه عنهم، و من لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه، و من يتكلم برأيه، و ما يظنّه دين اللّه عز و جل، و لم يتلق ذلك من الكتاب و السنة فهو مأثوم و إن أصاب الحق، و من أخذ من الكتاب و السنة فهو مأجور و إن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره، و قال الطحاوى أيضا: «و لا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم و الاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، و لم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد و صافى المعرفة و صحيح الإيمان» (30) ا هـ.

و قال العلامة محمد حبيب اللّه الشنقيطى رحمه اللّه:

(هذه السمعيات التى صحت الأحاديث فيها ليس للمسلم السليم العقيدة إلا تصديقها دون تزلزل فى العقيدة، إذ لا مجال للعقل-عند أهل السنة-إلا بقدر ما ثبت من النقل، كما أشار إليه ابن عاصم فى «مرتقى الوصول إلى علم الأصول» بقوله:

____________

(29) «فتح البارى» (13/37) .

(30) «شرح الطحاوية» ص (140) ، (155) .

16

(إذ ليس للعقل مجال فى النّظر # إلا بقدر ما من النّقل ظهر) (31)

ا هـ.

السادس: الاختلاف فى تعيين الفرقة الناجية، و ترجيح أنهم أهل العلم و أصحاب الحديث‏

السادس: و الفرقة الناجية هى التى تتبع مذهب السلف، و هى باقية إلى قيام الساعة لقوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم و قد سئل عن صفتها فقال: «هى ما أنا عليه و أصحابى» (32) و قوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» (33) ، و عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال: «الجماعة ما وافق الحق، و إن كنت وحدك» ، قال نعيم بن حمّاد: «يعنى إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، و إن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ» (34) ، و عن سفيان الثورى قال:

«لو أن فقيها على رأس جبل لكان هو الجماعة» (35) .

و الفرقة الناجية فى هذه الأزمان ليست هى «السواد الأعظم» لأن كثرة العدد لا تأثير لها فى ميزان الحق، قال تعالى: وَ مََا أَكْثَرُ اَلنََّاسِ وَ لَوْ حَرَصْتَ

____________

(31) «فتح المنعم» (2/174) .

(32) عجز حديث رواه الترمذى رقم (2641) ، و قال: (حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه) ، و الحاكم (1/128-129) ، «و الآجرى فى الشريعة» ص (15) ، و فى سنده «عبد الرحمن بن زياد» و هو ضعيف، انظر:

«تهذيب التهذيب» (6/173) ، و انظر أيضا: «السلسلة الصحيحة» رقم (203) .

(33) حديث صحيح مستفيض عن جماعة من الصحابة رضى اللّه عنهم، رواه الإمام أحمد، و الشيخان من طريق معاوية و المغيرة بن شعبة، و مسلم و الترمذى و ابن ماجة و أحمد و أبو داود، و الحاكم من طريق ثوبان، و مسلم من طريق عقبة بن نافع، و عن أبى أمامة فى «المسند» ، و فيه و فى أبى داود و الحاكم من طريق عمران بن حصين، و فى المستدرك أيضا من طريق عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه.

(34) «الباعث على إنكار البدع و الحوادث» لأبى شامة ص (22) ، و عزاه إلى البيهقى فى «المدخل» ، و انظر: «شرح أصول الاعتقاد» للالكائى (1/109) .

(35) «شرح السنة» (1/279) .

17

بِمُؤْمِنِينَ (36) ، و قال تعالى: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ (37) ، و قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «و تفترق أمتى على ثلاث و سبعين فرقة: اثنتان و سبعون فى النار، و واحدة فى الجنة» (38) .

و لا تقتصر الفرقة الناجية على الصحابة رضى اللّه عنهم و إن كانوا خير أمة أخرجت للناس، و هم الأسوة لمن بعدهم، و هم أفضل القرون، و هم الفرقة الناجية فى عصرهم، أما بعدهم فهى موجودة فى طائفة غيرهم لقوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» (39) .

و قد رجّح كثير من الأئمة فى تعريف الفرقة الناجية أنهم «أهل الحديث، و أصحاب الأثر» ، و ما ذاك إلا لأنهم أقرب الناس إلى تحقيق ما كان عليه السلف، و أتبعهم لهم رضى اللّه عنهم.

[قال عبد اللّه بن المبارك فى حديث «لا تزال طائفة» : «هم عندى أصحاب الحديث» ، و قال على بن المدينى: «هم أصحاب الحديث» ، و قال أحمد بن حنبل: «إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدرى من هم» ، و قال الإمام محمد بن إسماعيل البخارى فى نفس الحديث: «يعنى أصحاب الحديث» ، و قال أحمد بن سنان: «هم أهل العلم و أصحاب الأثر» ] (40) .

و قال الإمام أبو المظفر منصور بن محمد السمعانى رحمه اللّه:

(لما سئل النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا

____________

(36) [يوسف: 103].

(37) [الأنعام: 116].

(38) رواه بنحوه ابن ماجة رقم (3993) ، و ابن أبى عاصم فى «السنة» (1/32) ، و انظر: «السلسلة الصحيحة» رقما (203) ، (1492) .

(39) تقدم آنفا برقم (33) .

(40) انظر: «شرف أصحاب الحديث» للخطيب البغدادى ص (25-27) .

18

عليه و أصحابى» (41) فلا بد من تعرف ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و أصحابه، و ليس طريق معرفته إلا النقل، فيجب الرجوع إلى ذلك، و قد قال النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «لا تنازعوا الأمر أهله» (42) .

فكما يرجع فى مذاهب الفقهاء الذين صاروا قدوة فى هذه الأمة إلى أهل الفقه، و يرجع فى معرفة اللغة إلى أهل اللغة، و فى النحو إلى أهل النحو، و كذا يرجع فى معرفة ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و أصحابه إلى أهل الرواية و النقل، لأنهم عنوا بهذا الشأن، و اشتغلوا بحفظه، و الفحص عنه و نقله، و لولاهم لاندرس علم سنة النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و لم يقف أحد على هديه و طريقته صلى اللّه عليه و على آله و سلم.

فإن قيل: «فقد كثرت الآثار فى أيدى الناس، و اختلطت عليهم» ؟فالجواب أن نقول: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم و الدنانير، فيميزون زيوفها، و يأخذون خيارها، و لئن دخل فى أغمار الرواة من وسم بالغلط فى الأحاديث؛ فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث، و ورثة العلماء، حتى إنهم عدوا أغاليط من غلط فى الإسناد و المتون، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم فى كم حديث غلط؟و فى كم حرف حرّف؟و ماذا صحّف؟) (43) ا هـ بتصرف يسير.

____________

(41) تقدم برقم (32) .

(42) أصل الحديث رواه البخارى (13/167) فى الأحكام: باب كيف يبايع الإمام الناس، و مسلم رقم (1709) فى الإمارة، و الموطأ (2/445) ، و النسائى (7/137-138) ، و ابن ماجة رقم (2866) من حديث عبادة بن الصامت رضى اللّه عنه قال: «بايعنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم على السمع و الطاعة فى العسر و اليسر، و المنشط و المكره، و على أثرة علينا، و على ألا ننازع الأمر أهله» الحديث.

(43) نقله عنه الإمام المحقق ابن القيم رحمه اللّه فانظره فى: «مختصر الصواعق المرسلة» (2/410) .

19

و قال الإمام الحميدى صاحب «الجمع بين الصحيحين» من قصيدة له وافرة:

و لو لا رواة الدين ضاعت و أصبحت # معالمه فى الآخرين تبيد

همو حفظوا الآثار من كل شبهة # و غير همو عما اقتنوه رقود

و هم هاجروا فى جمعها و تبادروا # إلى كل أفق و المرام كؤود

و قاموا بتعديل الرواة و جرحهم # قيام صحيح النقل و هو حديد

بتبليغهم صحّت شرائع ديننا # حدود تحرّوا حفظها و عهود

و صح لأهل النقل منها احتجاجهم # فلم يبق إلا عاند و حقود (44)

و قال الإمام أبو بكر الخطيب البغدادى-رحمه اللّه-فى «شرف أصحاب الحديث» :

(و قد جعل اللّه تعالى أهله-أى الحديث-أركان الشريعة، و هدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء اللّه من خليقته، و الواسطة بين النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم و أمته، و المجتهدين فى حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، و فضائلهم سائرة، و آياتهم باهرة، و مذاهبهم ظاهرة، و حججهم قاهرة، و كل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه، أو تستحسن رأيا تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث، فإن الكتاب عدتهم، و السنة حجتهم، و الرسول قدوتهم، و إليه نسبتهم، لا يعرّجون على الأهواء، و لا يتلفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، و هم المأمونون عليه و العدول، حفظة الدين و خزنته، و أوعية العلم و حملته، إذا اختلف فى حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، منهم كل عالم فقيه، و إمام رفيع نبيه، و زاهد فى قبيلة، و مخصوص بفضيلة، و قارى‏ء متقن، و خطيب محسن، و هم الجمهور العظيم، و سبيلهم السبيل المستقيم، و كل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، و على الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه اللّه، و من عاندهم خذله اللّه، لا يضرهم من خذلهم، و لا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، و بصر الناظر إليهم بالسوء حسير، و إن اللّه على نصرهم لقدير) .

____________

(44) نقله القاسمى فى «قواعد التحديث» ص (403) .

20

و قال أيضا رحمه اللّه: (فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حراس الدين، و صرف عنهم كيد المعاندين، لتمسكهم بالشرع المتين، و اقتفائهم آثار الصحابة و التابعين، فشأنهم حفظ الآثار، و قطع المفاوز و القفار، و ركوب البرارى و القفار، فى اقتباس ما يشرع الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأى و لا هوى، قبلوا شريعته قولا و فعلا، و حرسوا سنته حفظا و نقلا، حتى ثبّتوا بذلك أصلها، و كانوا أحقّ بها و أهلها، و كم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، و اللّه تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ لأركانها، و القوامون بأمرها، و شأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها، فهم دونها يناضلون، أولئك حزب اللّه، ألا إن حزب اللّه هم المفلحون) . ا هـ.

السابع: كل حديث صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فالإيمان به واجب على كل مسلم‏

السابع: كل حديث صح إسناده إلى النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم فالإيمان به واجب على كل مسلم، و ذلك من تحقيق الشهادة بأن محمدا صلى اللّه عليه و على آله و سلم رسول اللّه، و قد قال النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه، و يؤمنوا بى و بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللّه» (45) .

قال الإمام الشافعى رحمه اللّه تعالى:

«إذا حدّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فهو ثابت، و لا يترك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم حديث أبدا، إلا حديث وجد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم آخر يخالفه» . ا هـ. (46)

____________

(45) البخارى (3/211) فى أول الزكاة، (12/233) فى استتابة المرتدين، و مسلم رقم (21) فى الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، و الترمذى رقم (2610) فى الإيمان: الباب الأول، و النسائى (5/14) فى الزكاة، باب مانع الزكاة، و أبو داود رقم (2640) فى الجهاد: باب على ما يقاتل المشركون من حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه.

(46) نقله فى «الرد القويم على المجرم الأثيم» ص (2-3) .

غ

21

و قال الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى:

«كل ما جاء عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم بإسناد جيد أقررنا به، و إذا لم نقر بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه و على آله و سلم و دفعناه، و رددناه رددنا على اللّه أمره، قال اللّه تعالى: وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (47) .

و روى القاضى أبو الحسين فى «طبقات الحنابلة» من طريق أبى بكر الآدمى المقرى حدثنا الفضل بن زياد القطان قال: سمعت أبا عبد اللّه-يعنى أحمد بن حنبل-يقول: «من ردّ حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فهو على شفا هلكة» (48) .

و ذكر القاضى أبو الحسين أيضا فى ترجمة الحسن بن على بن خلف أبى محمد البربهارى-و هو من أعيان العلماء فى آخر القرن الثالث و أول القرن الرابع من الهجرة-أنه قال فى كتابه: «شرح السنة» : (إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، و لا يقبلها، أو ينكر شيئا من أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل ردى‏ء المذهب و القول، و إنما يطعن على رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و على أصحابه، لأنا إنما عرفنا اللّه، و عرفنا رسوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و عرفنا القرآن، و عرفنا الخير و الشر، و الدنيا و الآخرة بالآثار) (49) ا هـ.

و قال البربهارى أيضا: «و إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام، و لا تشك أنه صاحب هوى مبتدع» (50) ا هـ.

و ذكر القاضى أبو الحسين فى ترجمة إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان بن

____________

(47 و 48) نقله فى «الرد القويم على المجرم الأثيم» ص (2-3) .

(49) «طبقات الحنابلة» (2/25) .

(50) «السابق» (2/36) .

22

شاقلا أنه قال: «من خالف الأخبار التى نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع فى سندها، و لا جرح فى ناقليها، و تجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام، لأن الإسلام و أحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت» (51) ا هـ.

و قال الموفق أبو محمد المقدسى فى «لمعة الاعتقاد» :

(و يجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و صح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق و صدق، و سواء فى ذلك ما عقلناه، و جهلناه، و لم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء و المعراج، و من ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال، و نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، فيقتله، و خروج يأجوج و مأجوج، و خروج الدابة، و طلوع الشمس من مغربها، و أشباه ذلك مما صح به النقل) (52) ا هـ.

و قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه اللّه تعالى:

(و التحقيق أن كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم حق، و ليس أحد أعلم باللّه من رسوله، و لا أنصح لأمته منه، و لا أفصح و لا أحسن بيانا منه، فإذا كان كذلك، كان المتحذلق، و المنكر عليه من أضل الناس، و أجهلهم، و أسوئهم أدبا، بل يجب تأديبه و تعزيره، و يجب أن يصان كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم عن الظنون الباطلة، و الاعتقادات الفاسدة) (53) ا هـ.

***

____________

(51) نقله عن «السابق» الشيخ حمود التويجرى حفظه اللّه فى «الرد القويم على المجرم الأثيم» ص (4) .

(52) «لمعة الاعتقاد» ص (20-21) .

(53) نقله عنه الشيخ زكريا على يوسف رحمه اللّه فى «مشكلات الأحاديث» ص (159 -160) .

23

الباب الأول‏

الفصل الأول: بعض الأحاديث الواردة فى شأن المهدى.

الفصل الثانى: اهتمام العلماء بأحاديث المهدى.

الفصل الثالث: نصوص أهل العلم فى إثبات حقيقة المهدى.

24

الباب الأول‏ حول الاحاديث‏

الفصل الأول بعض الأحاديث الواردة فى شأن المهدى‏

المطلب الأول جملة أحاديث فيها التصريح بلقب المهدى‏

الحديث الأول: حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه: «يخرج فى آخر أمتى المهدى.... »

عن أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «يخرج فى آخر أمتى المهدىّ، يسقيه اللّه الغيث، و تخرج الأرض نباتها، و يعطى المال صحاحا، و تكثر الماشية، و تعظم الأمة، و يعيش سبعا أو ثمانيا» (54) يعنى حججا.

الحديث الثانى: حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه: «لا تقوم الساعة حتى تمتلى‏ء الأرض ظلما... »

قال الإمام أحمد فى مسنده: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن أبى الصديق الناجى عن أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«لا تقوم الساعة حتى تمتلى‏ء الأرض ظلما و عدوانا، قال: ثم يخرج رجل من عترتى أو من أهل بيتى، يملؤها قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما

____________

(54) أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (4/557-558) قال:

أخبرنى أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبى بمرو ثنا سعيد بن مسعود-و الصواب:

سعد بن مسعود المروزى-ثنا النضر بن شميل ثنا سليمان بن عبيد و هو السلمى، ثنا أبو الصديق الناجى و هو بكر بن عمرو عن أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه به. و قال الألبانى حفظه اللّه: «و هذا سند صحيح، رجاله ثقات» ا هـ. من «سلسلة الأحاديث الصحيحة» رقم (711) .

25

و عدوانا» (55) .

____________

(55) رواه الإمام أحمد (3/36) ، و ابن حبان (1880) - «موارد» ، و الحاكم (4/557) ، و قال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجاه» ، و وافقه الذهبى، و أبو نعيم فى «الحلية» (3/101) ، و محمد بن جعفر هو المعروف بغندر، و هو ثقة ثبت روى له الجماعة كلهم، و وثقه ابن معين، و ابن سعد، و العجلى، و ابن حبان و غيرهم، و قال الذهبى: «أحد الأثبات المتقنين لا سيما فى شعبة انظر «التهذيب» (9/96-98) ، و أما عوف فهو ابن أبى جميلة الأعرابى، و هو ثقة ثبت، روى له الجماعة كلهم، و وثقه ابن معين، و أحمد، و النسائى، و ابن سعد، و ابن حبان، و غيرهم، و قال النسائى: «ثقة ثبت» ، و قال الذهبى: «ثقة مشهور» ، و انظر «التهذيب» (8/166) ، و أما أبو الصديق الناجى و اسمه بكر بن عمرو، و قيل: بكر بن قيس، فهو ثقة روى له الجماعة كلهم، و وثقه ابن معين، و أبو زرعة، و النسائى، و ابن حبان، و انظر: «التهذيب» (1/486) .

و حكم الألبانى بتواتره عن أبى الصديق عن أبى سعيد الخدرى فى «السلسلة الصحيحة» رقم (1529) ص (39) ، و حكى عن أبى نعيم قوله عقبه:

«مشهور من حديث أبى الصديق عن أبى سعيد» ، ثم قال:

(فإنه بقوله: «مشهور» يشير إلى كثرة الطرق عن أبى الصديق، كما تقدم، و أبو الصديق اسمه بكر بن عمرو، و هو ثقة اتفاقا محتج به عند الشيخين و جميع المحدثين، فمن ضعّف حديثه هذا من المتأخرين، فقد خالف سبيل المؤمنين، و لذلك لم يتمكن ابن خلدون من تضعيفه، مع شططه فى تضعيف أكثر أحاديث المهدى، بل أقر الحاكم على تصحيحه لهذه الطريق و الطريق الآتية، فمن نسب إليه أنه ضعّف كل أحاديث المهدى فقد كذب عليه سهوا أو عمدا) ا هـ من «السلسلة الصحيحة» رقم (1529) ص (40) ، و قد استبعد من غلظ حجابهم معنى هذا الحديث، و قالوا: كيف يملأ الأرض عدلا فى سبع سنين، و ظنوا أن ذلك يقتضى تفضيله على النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و سيأتى إن شاء اللّه جواب هذا الوهم، فانظر ص (140) ، الشبهة العقلية الثانية.

26

الحديث الثالث: حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه: «المهدى منى، أجلى الجبهة... »

عن أبى سعيد الخدري رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«المهدىّ منّى‏ (56) ، أجلى الجبهة (57) ، أقنى الأنف‏ (58) ، يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا، و يملك سبع سنين» (59) .

الحديث الرابع: رواية الترمذى للحديث السابق: «إن فى أمتى المهدى.. »

و فى رواية الترمذى قال: «خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا نبى اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم؟فقال: «إن فى أمتى المهدىّ يخرج، يعيش خمسا، أو سبعا، أو تسعا-زيد العمّى الشاك-قال: قلنا: و ما ذاك؟قال:

سنين، قال: فيجى‏ء إليه الرجل، فيقول: يا مهدىّ، أعطنى، أعطنى، قال:

____________

(56) أى من نسلى و ذريتى.

(57) أجلى الجبهة: هو انحسار مقدم الرأس من الشعر، أو نصف الرأس، أو هو دون الصلع، فمعنى «أجلى الجبهة» منحسر الشعر من مقدم رأسه، أو واسع الجبهة.

(58) أقنى الأنف: قال فى «النهاية» (4/116) : «القنا فى الأنف طوله، و دقة أرنبته، مع حدب فى وسطه، يقال: رجل أقنى، و امرأة قنواء» ا ه

قال القارى: «و المراد أنه لم يكن أفطس، فإنه مكروه الهيئة» ا هـ. من «المرقاة» (5/180) .

(59) رواه أبو داود (4/107) رقم (2485) ، و قال فى «تخريج السنن» :

(و فيه عمران القطان البصرى، استشهد به البخارى، و وثقه عفان بن مسلم، و أحسن الثناء عليه يحيى القطان، و ضعفه ابن معين و النسائى) ا هـ. (6/161) .

و فى «الخلاصة» : «و قال أحمد: «أرجو أن يكون صالح الحديث» ا هـ. انظر «عون المعبود» (11/375) .

و قال ابن القيم فى «المنار المنيف» : «إسناده جيد» ص (74) ، و أورده البغوى فى «مصابيح السنة» فى فصل الحسان، و رمز السيوطى فى «الجامع الصغير» لصحته ، و قال الألبانى فى «تخريج المشكاة» : «إسناده حسن» (3/1501) .

27

«فيحثى له فى ثوبه ما استطاع أن يحمله» (60) .

الحديث الخامس: حديث علىّ رضى اللّه عنه: «المهدى منا أهل البيت... »

عن علىّ رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«المهدىّ منّا أهل البيت، يصلحه اللّه فى ليلة»

____________

61

.

(و قوله: «يصلحه اللّه فى ليلة» يحتمل معنيين:

أحدهما: أن يكون المراد بذلك أن اللّه يصلحه للخلافة، أى يهيؤه لها.

و الثانى: أن يكون متلبسا ببعض النقائص، فيصلحه اللّه، و يتوب عليه)

____________

62

ا هـ و هذا المعنى هو الذى قرره الحافظ ابن كثير رحمه اللّه حيث قال:

(و معنى قوله: «يصلحه اللّه فى ليلة» أى: يتوب عليه، و يوفقه، و يلهمه

____________

ق- (و قوله «يملأ الأرض» أى يملأ وجه الأرض جميعا، أو أرض العرب، و ما يتبعها، و المراد أهلها) . اهـ. من «المرقاة» (5/179) .

(60) رواه الترمذى رقم (2233) فى «الفتن» : باب رقم (53) ، و رواه الإمام أحمد فى «المسند» (3/21-22) ، و ابن ماجة (2/518) ، و فى سنده زيد بن الحوارى العمى، و هو ضعيف، و قال الترمذى: «هذا حديث حسن، و قد روى من غير وجه عن أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه» ، و حسنه الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى» رقم (1820) - (2347) بترقيمه، و كذا فى «صحيح ابن ماجة» رقم (4083) ، و انظر: «المسند» للإمام أحمد (3/5، 38، 48-49، 60-96، 98) .

(61) أخرجه ابن ماجة (2/519) رقم (4151) ، و الإمام أحمد فى «المسند» (1/84) ، و فيه ياسين العجلى، قال فى «الميزان» عن البخارى: «فيه نظر» ، ثم ساق له هذا الخبر، و لم يورده فى «الضعفاء الصغير» ، انظر «الفيض» (6/278) ، و ذكر ابن أبى حاتم عن ابن معين و أبى زرعة أنهما قالا: «ليس به بأس» ، و عن ابن معين أنه قال: «صالح» ، و وثقه العجلى و ابن حبان، و بقية رجاله ثقات، و انظر: «تهذيب التهذيب» (11/173) ، و قال فى «التقريب» «لا بأس به» (2/341) ، و زاد الألبانى فى تخريجه: العقيلى، و ابن عدى، و أبا نعيم، و أحال على «الروض النضير» (2/53) ، و رمز السيوطى لحسنه «فيض القدير» (6/278) ، و صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على «المسند» رقم (645) ، و صححه الألبانى فى «صحيح الجامع» رقم (6611) .

(62) «الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدى المنتظر» ص (263) ط. ثانية.

28

رشده، بعد أن لم يكن كذلك)

____________

63

ا هـ.

و قال القارى فى «المرقاة» :

( «يصلحه اللّه فى ليلة» : أى يصلح أمره، و يرفع قدره فى ليلة واحدة، أو فى ساعة واحدة من الليل، حيث يتفق على خلافته أهل الحل و العقد فيها)

____________

*

ا هـ.

تنبيه:

قدح بعض العصريين فى هذا الحديث لاستبعاد معناه، (و أى غرابة فى معناه و اللّه على كل شى‏ء قدير، و هو الفعال لما يريد، و من يهده اللّه فهو المهتد، و من يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا؟!

و من أوضح الأمثلة فى ذلك ما حصل لمن هو أفضل من المهدى، و من سائر الأمة سوى أبى بكر رضى اللّه عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، فقد كان من أشد الناس على المسلمين ثم تحول بقدرة اللّه و توفيقه، فصارت شدته على أعداء الإسلام و المسلمين، و أصبح ذلك الرجل العظيم الذى إذا سلك فجّا سلك الشيطان فجّا غيره كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى اللّه عليه و على آله و سلم)

____________

64

ا هـ.

الحديث السادس: حديث أم سلمة رضى اللّه عنها: «المهدى من عترتى.. »

عن أم سلمة رضى اللّه عنها قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم يقول:

____________

(63) «نهاية البداية و النهاية» (1/43) .

(*) «من مرقاة المفاتيح» (5/180) .

(64) «الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة فى المهدى» لفضيلة الشيخ عبد المحسن العباد ص (79) .

29

«المهدىّ من عترتى‏

____________

65

، من ولد فاطمة»

____________

66

رضى اللّه عنها.

الحديث السابع: حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه: «يكون فى أمتى المهدى... »

عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال:

____________

(65) قال الخطابى: (العترة: ولد الرجل لصلبه، و قد يكون العترة أيضا الأقرباء، و بنو العمومة، و منه قول أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه يوم السقيفة: «نحن عترة رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم» ا هـ.

و قال فى «النهاية» (عترة الرجل أخص أقاربه، و عترة النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم بنو عبد المطلب، و قيل: قريش، و المشهور المعروف أنهم الذين حرّمت عليهم الزكاة) ا هـ. باختصار (3/177) .

(66) رواه أبو داود (4/107) فى كتاب المهدى رقم (4284) ، و سكت عليه، (و فيه زياد بن بيان، قال ابن عدى: «زياد سمع على بن نفيل جد النفيلى، و فى إسناده نظر، سمعت ابن حماد يذكره، عن البخارى» ، و ساق الحديث، و قال:

«و البخارى إنما أنكر من حديث زياد بن بيان هذا الحديث، و هو معروف به» ، و قال غيره: «و هو كلام معروف من كلام سعيد بن المسيب، و الظاهر أن زياد بن بيان و هم فى رفعه» كذا فى «تخريج السنن» (6/160) ا هـ. من «أعذب الموارد فى تخريج جمع الفوائد» (2/733) .

و قال الحافظ فى زياد بن بيان: «صدوق عابد» ا هـ. من «التقريب» (1/265) . و الحديث أورده البغوى فى «مصابيح السنة» فى فصل الحسان، و رمز له السيوطى فى «الجامع الصغير» بالصحة، و قال العزيزى فى «السراج المنير شرح الجامع الصغير» : «إسناده حسن» ، و هو عند ابن ماجة بلفظ «المهدى من ولد فاطمة» كتاب الفتن، باب خروج المهدى (2/519) رقم (4152) .

و كذا أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (4/557) و سكت عليه هو و الذهبى.

و أخرجه أبو عمرو الدانى فى «السنن الواردة فى الفتن» (99-100) ، و كذا العقيلى (139 و 300) ، -ذكره الألبانى، ثم قال: (و هذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات، و له شواهد كثيرة) ا هـ. من «سلسلة . الأحاديث الضعيفة» ، (1/108) ، و انظر: «نقد المنقول» ص (76) ، و «كتاب المجروحين» لابن حبان (1/307) ، «فيض القدير» (6/277-278) .

غ

30

يكون فى أمتى المهدىّ، إن قصر

____________

67

فسبع، و إلا فثمان، و إلا فتسع، تنعم أمتى فيها نعمة لم ينعموا مثلها، ترسل السماء عليهم مدرارا، و لا تدّخر الأرض شيئا من النبات، و المال كدوس‏

____________

68

، يقوم الرجل يقول: يا مهدىّ أعطنى، فيقول: خذ»

____________

69

.

الحديث الثامن: حديث جابر رضى اللّه عنه: «ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدى... »

قال الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه اللّه تعالى:

[و قال الحارث بن أبى أسامة فى مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

( «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدىّ: «تعال صلّ بنا» ، فيقول: «لا، إن بعضهم أمير بعض تكرمة اللّه لهذه الأمة» ) ، و هذا إسناد جيد]

____________

70

.

____________

(67) إن قصر: (على بناء المفعول من القصر، و هو خلاف المد، أى إن قصر بقاؤه فيكم) ا هـ. من «حاشية السندى على ابن ماجة» (2/518) .

(68) كدوس: (ضبط بضم الكاف، قال السيوطى: أى مجتمع) ا هـ. من «السابق» .

(69) قال الهيثمى: (رواه الطبرانى فى «الأوسط» و رجاله ثقات) ا هـ. من «مجمع الزوائد» (7/317) ، و نقل فى «الإذاعة» عن الشوكانى قوله: (و رواه البزار أيضا، و رجاله ثقات) ا هـ. ص (125) ، و رواه عن أبى سعيد الخدرى رضى اللّه عنه ابن ماجة (2/518) رقم (4149) ، و الحاكم فى «المستدرك» (4/558) ، و فيه زيد العمى ضعيف، و انظر الحديث الرابع.

(70) بالرجوع إلى ما قاله أهل هذا الفن فى سند الحديث، تجد أن هذا السند متصل من أوله إلى آخره، لا انقطاع فيه:

فإسماعيل بن عبد الكريم: قال عنه الحافظ فى «التقريب» : «صدوق من التاسعة» (1/72) ، و ذكر فى «التهذيب» أنه روى عن عمه إبراهيم بن عقيل كما هو الحال فى هذا الحديث (1/315) ، و ذكر أنه روى عن إسماعيل المذكور جماعة منهم أحمد بن حنبل، و الحارث بن أبى أسامة، و قال الحافظ فى «التهذيب» أيضا: -

31

____________

ق- (قال النسائى: «ليس به بأس» ، و ذكره ابن حبان فى «الثقات» ، و قال ابن معين:

«ثقة رجل صدق» ) ، و قال الحافظ: (و أما قول ابن القطان الفاسى: «لا يعرف» فمردود عليه، و قال مسلمة بن قاسم: «جائز الحديث، و لم يزد فى «خلاصة تذهيب الكمال» عن قول ابن معين فيه: «ثقة صدوق» و قال: قال ابن سعد: «توفى سنة عشر و مائتين» ) ، و هو من رجال أبى داود فى «سننه» ، و ابن ماجة فى «التفسير» كما رمز الحافظ لذلك فى «تقريب التهذيب» .

و أما إبراهيم بن عقيل بن معقل الصنعانى فهو ابن عم إسماعيل المتقدم ذكره، قال الحافظ فى «التقريب» (1/40) : «صدوق من الثامنة» ، و رمز لكونه من رجال أبى داود، و قال فى «تهذيب التهذيب» (1/146) : (روى عن أبيه، و عنه أحمد بن حنبل، و ابن عمه إسماعيل بن عبد الكريم و غيرهم، قال ابن معين: «لم يكن به بأس» ، و قال العجلى:

«ثقة» ) ، و قال الحافظ: (قلت: و أخرج له ابن خزيمة، فى «صحيحه» ، و كذا ابن حبان، و الحاكم، و ذكر ابن أبى خيثمة عن يحيى بن معين قال: «إبراهيم ثقة، و أبوه ثقة» ، و قال ابن حبان فى «الثقات» : «إنه يروى عن عم أبيه وهب بن منبه» ) ا هـ. (1/146) .

و أما عقيل بن معقل: فقال الحافظ فى «التقريب» : «هو ابن أخى وهب» و قال:

«صدوق من السابعة» (2/29) ، و رمز لكونه من رجال أبى داود، و ذكر فى «تهذيب التهذيب» أنه روى عن عميه همام، و وهب، و عنه: ابنه إبراهيم، و أناس آخرون سماهم، و ذكر أنه وثقه أحمد بن حنبل و ابن معين، و قال: (و ذكره ابن حبان فى «الثقات» ، و علق له البخارى عن جابر فى تفسير سورة النساء أثرا فى الكهان، و قد جاء موصولا من رواية عقيل هذا عن وهب بن منبه عن جابر) ا هـ (7/255) ، و لم يزد فى «الخلاصة» عن قوله: (عقيل بن معقل بن منبه اليمانى عن عميه همام، و وهب، و عنه ابنه إبراهيم، و عبد الرزاق، قال أحمد: «ثقة، قرأ التوراة و الإنجيل» ) ا هـ.

و أما وهب بن منبه بن كامل اليمانى: فقال عنه فى «التقريب» : «ثقة من الثالثة» ، و رمز لكونه من رجال الصحيحين، و أبى داود، و الترمذى، و النسائى، و ابن ماجة فى «التفسير» (2/339) .

و قال فى «تهذيب التهذيب» : (روى عن أبى هريرة، و أبى سعيد، و ابن عباس، و ابن عمر، و ابن عمرو بن العاص، و جابر، و أنس، و عمرو بن شعيب، و أبى خليفة البصرى، و أخيه همام بن منبه، و غيرهم) ، و ذكر أنه روى عنه (ابناه عبد اللّه، و عبد الرحمن، و أبناء أخيه عبد الصمد، و عقيل بن معقل بن منبه) ، و قال: (قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: كان من أبناء فارس، و قال العجلى: تابعى ثقة، و كان على قضاء صنعاء، -

32

____________

ق-و قال أبو زرعة، و النسائى: «ثقة» ، و ذكره ابن حبان فى «الثقات» ) ا هـ (11/167) . و قال الحافظ أيضا فى «التهذيب» : (روى له البخارى حديثا واحدا من روايته عن أخيه عن أبى هريرة: «ليس أحد أكثر حديثا منى إلا عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب، و لا أكتب» ، و قال: قلت: و قال عمرو بن على الفلاس: «كان ضعيفا» ) ا هـ (11/168) .

و أما الحارث بن أبى أسامة صاحب المسند فقد ترجم له الذهبى فى «الميزان» ، و قال فيه: (و كان حافظا عارفا بالحديث، عالى الإسناد بالمرة، تكلّم فيه بلا حجة، قال الدارقطنى: «قد اختلف فيه، و هو عندى صدوق» ، و قال ابن حزم: «ضعيف، و ليّنه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية» ) ا هـ. (1/422) . و ترجم له الذهبى أيضا فى «تذكرة الحفاظ» ، و سمى جماعة روى عنهم، و جماعة رووا عنه، ثم قال: (وثقه إبراهيم الحربى مع علمه بأنه يأخذ الدراهم، و أبو حاتم و ابن حبان، و قال الدارقطنى: «صدوق، و أما أخذ الدراهم على الرواية فقد كان فقيرا كثير البنات» ، و قال أبو الفتح الأزدى و ابن حزم: «ضعيف» ) ا هـ.

و قال ابن العماد فى «شذرات الذهب» : (و فيها-أى فى سنة 282 هـ-توفى الحافظ أبو محمد الحارث بن أبى أسامة البغدادى صاحب المسند يوم عرفة، و له 96 سنة، سمع على ابن عاصم، و عبد الرحمن بن عطاء، و طبقتهما، قال الدارقطنى: «صدوق» ، و قيل: فيه لين كان لفقره يأخذ على الحديث أجرا) ا هـ.

***

33

المطلب الثانى ذكر أحاديث فيها صفة المهدى، و بعض أحواله‏

الحديث التاسع: التاسع: حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم... »

عن ابن مسعود رضى اللّه عنه عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم أنه قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم‏

____________

71

لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا منى أو من أهل بيتى يواطى‏ء اسمه اسمى، و اسم أبيه اسم أبى»

____________

72

، زاد فى حديث فطر: «يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا» .

و فى رواية للترمذى «لا تذهب-أو: لا تنقضى-الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتى يواطى‏ء اسمه اسمى»

____________

73

.

____________

(71) قال الشعرانى: (يعنى من أيام الرب سبحانه المشار إليه بقوله تعالى: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمََّا تَعُدُّونَ ا هـ. من «اليواقيت و الجواهر فى بيان عقائد الأكابر» ص (142) .

(72) فيكون اسمه (محمد بن عبد اللّه) ، و فيه رد على الشيعة الذين يقولون: إنه محمد ابن الحسن العسكرى. و معنى «يبعث» أى يظهر.

(73) رواه أبو داود رقم (4282) فى المهدى، و الترمذى رقم (2231) ، و رقم (2232) فى الفتن، باب ما جاء فى المهدى، و قال الترمذى: «هذا حديث حسن صحيح» . و الحديث سكت عنه أبو داود، و المنذرى، و كذا ابن القيم فى «تهذيب السنن» ، و أشار إلى صحته فى «المنار المنيف» ص (84) ، و صححه شيخ الإسلام ابن تيمية فى «منهاج السنة النبوية» (4/211) ، و أورده البغوى فى «مصابيح السنة» فى فصل الحسان، و حسن إسناده الألبانى فى «تخريج أحاديث المشكاة» ، و انظر: «عون المعبود» (11/372) ، و «تحفة الأحوذى» (6/486) ، و «فيض القدير» (5/332) .

و مدار الحديث على عاصم بن أبى النجود، و حاصل الكلام فيه أنه ثقة على-

34

الحديث العاشر: حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه: «لا تقوم الساعة حتى يلى رجل.. »

قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا عاصم عن زر عن عبد اللّه رضى اللّه عنه عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال:

«لا تقوم الساعة حتى يلى رجل من أهل بيتى يواطى‏ء اسمه اسمى»

____________

74

.

____________

ق-رأى أحمد و أبى زرعة، و حسن الحديث صالح للاحتجاج على رأى غيرهما، و لم يكن فيه إلا سوء الحفظ، و قال الحاكم فى «المستدرك» (4/557) : (و طرق عاصم عن زر عن عبد اللّه كلها صحيحة، إذ عاصم من أئمة المسلمين) ا هـ، و هو أحد القراء السبعة، قال فيه الحافظ ابن حجر: (صدوق من السادسة، أى ليس له من الحديث إلا القليل، و لم يثبت فيه ما يترك حديثه لأجله) ا هـ. من «التقريب» (1/4) ، قال فى «عون المعبود» : (فرد الحديث بعاصم ليس من دأب المنصفين، على أن الحديث قد جاء من غير طريق عاصم أيضا، فارتفعت عن عاصم مظنة الوهم و اللّه أعلم) ا هـ. (11/372) و أفاد نحوه العلامة أحمد شاكر رحمه اللّه فى تعليقه على «المسند» . (5/196-197) .

و قوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «حتى يملك العرب» :

قال القارى: (أى و من تبعهم من أهل الإسلام، فإن من أسلم فهو عربى...

و قال الطيبى رحمه اللّه: «لم يذكر العجم، و هو مراد أيضا، لأنه إذا ملك العرب، و اتفقت كلمتهم، و كانوا يدا واحدة، قهروا سائر الأمم، و يؤيده حديث أم سلمة... » ا هـ.

و يمكن أن يقال: ذكر العرب لغلبتهم فى زمنه، أو لكونهم أشرف، أو هو من باب الاكتفاء، و مراده: العرب و العجم، كقوله تعالى: سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ أى: و البرد، و الأظهر أنه اقتصر على ذكر العرب لأنهم كلّهم يطيعونه بخلاف العجم بمعنى ضد العرب، فإنه قد يقع منهم خلاف فى طاعته، و اللّه تعالى أعلم) ا هـ.

من «مرقاة المفاتيح» (5/179) .

(74) و رواه أيضا عن يحيى بن سعيد عن سفيان الثورى: حدثنى عاصم، فذكره، و رواه أيضا عن عمر بن عبيد الطنافسى عن عاصم-انظر «المسند» (1/376) (و هذه أسانيد صحيحة رجالها كلهم من رجال الصحيحين) -انظر: «الاحتجاج بالأثر» ص (132-133) و عاصم ثقة أخرج له البخارى و مسلم مقرونا بغيره، و لو كان غير موثوق به عندهما لما أخرجا له شيئا، و روى له بقية الجماعة كما قدمنا.

و الحديث صححه العلامة أحمد شاكر رحمه اللّه فى «تحقيق المسند» (5/196) -

35

الحديث الحادى عشر: حديث على رضى اللّه عنه: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم... »

و الحديث رواه الإمام أحمد عن على رضى اللّه عنه بلفظ: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث اللّه رجلا من أهل بيتى يملؤها عدلا، كما ملئت جورا»

____________

75

، و فى لفظ: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث اللّه عز و جل رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا» .

***

____________

ق-رقم (3571) . و الحديث رواه الإمام أحمد عن عبد اللّه أيضا بلفظ: «لا تنقضى الأيام، و لا يذهب الدهر حتى يملك... » الحديث فى «المسند» (1/376) ، (1/448) .

و صححه العلامة أحمد شاكر فى «تحقيق المسند» (5/199) رقم (3572) .

(75) «المسند» (1/99) ، و أبو داود (4/107) رقم (4283) ، و سكت عنه هو و المنذرى، و قال شمس الحق: «سنده حسن قوى» انظر «عون المعبود» (11/372-373) ، و «فيض القدير» (5/331) ، «الاحتجاج بالأثر» للتويجرى ص (14-15) ، (134-136) ، و صحح إسناديه العلامة أحمد شاكر فى «تحقيق المسند» (2/117) رقم (733) ، و صححه الألبانى فى «صحيح الجامع» (5/71) رقم (5181) .

36

المطلب الثالث ذكر أحاديث يحتمل كونها فى شأن المهدى‏

الحديث الثانى عشر: حديث جابر رضى اللّه عنه: «يوشك أهل العراق لا يجى‏ء إليهم.. »

عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنهما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «يوشك أهل العراق لا يجى‏ء إليهم قفيز

____________

76

و لا درهم» ، قلنا:

من أين ذاك؟قال: «من قبل العجم، يمنعون ذلك» ، ثم قال: «يوشك أهل الشام أن لا يجى‏ء إليهم دينار و لا مديّ»

____________

77

قلنا: من أين ذلك؟قال:

«من قبل الروم» ، ثم سكت هنيهة، ثم قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «يكون فى آخر أمتى خليفة

____________

78

يحثى المال حثيا، لا يعده عدّا» قال الجريرى: قلت لأبى نضرة و أبى العلاء: (أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟فقالوا: لا)

____________

79

.

و فى لفظ لمسلم من حديث أبى سعيد و جابر رضى اللّه عنهما أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال: «يكون خليفة من خلفائكم فى آخر الزمان، يحثو المال، و لا يعدّه» و فى رواية: «يعطى الناس بغير عدد»

____________

80

.

____________

(76) القفيز: مكيال لأهل العراق ثمانية مكاكيك.

(77) المدى: مكيال لأهل الشام يسع خمسة و أربعين رطلا.

(78) قال صاحب «التاج الجامع للأصول» : (هذا هو المهدى رضى اللّه عنه بدليل الحديث الآتى-يعنى حديث أبى سعيد المتقدم «الرابع» و ذلك لكثرة الغنائم و الفتوحات مع سخاء نفسه، و بذله الخير لكل الناس) ا هـ. من «التاج» (5/342) .

(79) أخرجه مسلم رقم (2913) فى الفتن: باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، و الإمام أحمد فى «المسند» (3/38، 317، 333) .

(80) أخرجه مسلم رقم (2913) و (2914) فى السابق.

37

الحديث الثالث عشر: حديث عائشة رضى اللّه عنها: «العجب أن ناسا من أمتى يؤمون البيت... »

عن عائشة أم المؤمنين رضى اللّه عنها قالت:

«عبث‏

____________

81

رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم فى منامه، فقلنا:

«يا رسول اللّه!صنعت شيئا فى منامك لم تكن تفعله» فقال: «العجب أن ناسا من أمتى يؤمون‏

____________

82

البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء

____________

83

خسف بهم» ، فقلنا: «يا رسول اللّه!إن الطريق قد يجمع الناس» ، قال: «نعم، فيهم المستبصر

____________

84

، و المجبور

____________

85

، و ابن السبيل، يهلكون مهلكا واحدا، و يصدرون مصادر شتى‏

____________

86

، يبعثهم اللّه على نياتهم»

____________

87

.

الحديث الرابع عشر: حديث أم سلمة رضى اللّه عنها: «يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث... »

عن عبيد اللّه بن القبطية قال:

(دخل الحارث بن أبى ربيعة و عبد اللّه بن صفوان، و أنا معهما، على أم سلمة

____________

(81) عبث: بكسر الباء، أى تحرك جسمه الشريف، أو بعضه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و قيل: حرّك أطرافه كمن يأخذ شيئا، أو يدفعه، انظر «شرح النووى» (18/6-7) .

(82) يؤم البيت: يقصده.

(83) البيداء: المفازة، و هى الأرض الواسعة القفر، و فى رواية: «ببيداء المدينة» ، و فى رواية أبى يعلى عن أم سلمة رضى اللّه عنها: «بالبيداء من ذى الحليفة» ، و البيداء أرض واسعة ملساء بين مكة و المدينة، و هى معروفة بالقرب من ذى الحليفة.

(84) المستبصر: المستبين للأمر، القاصد له.

(85) المجبور: المكره المقهور.

(86) (المصادر: المراجع، ورد ثم صدر، أى: جاء ثم رجع، شتى: متفرقة، و المقصود أن مهلك هذا الجيش مهلك واحد يخسف بهم جميعا، إلا أنهم يصدرون عن الهلكة مصادر متفرقة، فواحد إلى الجنة، و آخر إلى النار، على قدر أعمالهم و نياتهم) ا هـ.

من «جامع الأصول» (9/279) .

(87) رواه البخارى (4/284، 285) فى البيوع: باب ما ذكر فى الأسواق، و مسلم -و اللفظ له- (4/2210) رقم (2884) فى الفتن: باب الخسف بالجيش الذى يؤم البيت.

غ

38

أم المؤمنين رضى اللّه عنها، فسألاها عن الجيش الذى يخسف به-و كان ذلك فى أيام ابن الزبير-فقالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

يعوذ عائذ

____________

88

بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»

____________

89

، فقلت: «يا رسول اللّه فكيف بمن كان كارها؟»

____________

90

، قال: «يخسف به معهم، و لكنه يبعث يوم القيامة على نيته»

____________

91

)

____________

92

.

و فى رواية زهير عن عبد العزيز بن رفيع قال: (فلقيت أبا جعفر، فقلت:

إنها إنما قالت: «ببيداء من الأرض» ، فقال أبو جعفر: «كلا و اللّه، إنها لبيداء المدينة» ) .

قال الطيبى: (و هو المهدى، بدليل إيراد أبى داود هذا الحديث فى باب المهدى)

____________

93

ا هـ.

و ذهب الشيخ ابن حجر الهيتمى إلى أن (ذلك العائذ هو المهدى، و أن تلك

____________

(88) العائذ: اللاجى‏ء إلى الشى‏ء المحتمى به، الممتنع على من يطلبه.

(89) أخرج نعيم عن عمرو بن العاص رضى اللّه عنه قال: «علامة خروج المهدى إذا خسف بجيش فى البيداء» ، قال القرطبى: «هذا الجيش الذى يخسف به هو خارج لمكة لقتال المهدى» ا هـ. من «مختصر التذكرة للقرطبى» ص (142) .

(90) كارها: أى غير راض بما قصدوا.

(91) فيجازى على حسبها.

(92) رواه مسلم رقم (2882) فى الفتن: باب الخسف بالجيش الذى يؤم البيت، و الترمذى رقم (1272) و قال: «حسن غريب من هذا الوجه» ، فى الفتن باب رقم (10) ، و أبو داود مختصرا فى كتاب المهدى من سننه، و الحاكم فى «المستدرك» (4/429-430) و صححه على شرط الشيخين، و أقره الذهبى، و ابن أبى شيبة فى «مصنفه» (15/44) ، رقم (19066) .

(93) انظر: «عون المعبود» (11/380) ، «تحفة الأحوذى» (6/417) ، و قال فى «التاج الجامع للأصول» : (رواه الأربعة فى كتاب الفتن، إلا أبا داود فإنه رواه فى كتاب المهدى جزما منه بأن الجيش الذى يخسف به هو الذى يأتى لقتال المهدى) -انظر «التاج» (5/341) .

39

البيداء الحليفة)

____________

94

.

الحديث الخامس عشر: حديث أم المؤمنين رضى اللّه عنها:

«سيعوذ بهذا البيت قوم ليست لهم منعة.. »

و عن عبد اللّه بن صفوان عن أم المؤمنين رضى اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال:

«سيعوذ بهذا البيت-يعنى الكعبة-قوم ليست لهم منعة

____________

95

و لا عدد و لا عدّة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»

____________

96

.

الحديث السادس عشر: حديث حفصة رضى اللّه عنها: «ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه... »

و فى رواية عنه عن أم المؤمنين حفصة رضى اللّه عنها أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال:

«ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم، و ينادى أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذى يخبر عنهم»

____________

97

فقال رجل: أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، و أشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم.

____________

(94) «الزواجر عن اقتراف الكبائر» (1/204) .

(95) منعة: فلان فى عزّ و منعة، و قد تسكّن: إذا كان له من يمنعه عمن يريده، و يعزّه عمن يريد هوانه، و قيل: المنعة: جمع مانع، مثل كافر و كفرة.

(96) رواه مسلم برقم (2883) فى الفتن: باب الخسف بالجيش الذى يؤم البيت، و فى رواية أن عبد اللّه بن صفوان قال: «أما و اللّه ما هو بهذا الجيش» يعنى الآتى من الشام إلى مكة لقتال عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما.

قال فى «التاج» : (حقّا ليس هو هذا الجيش لأنه لم يخسف به، و ما سمعنا بجيش خسف به للآن، و لو وقع لاشتهر أمره كأصحاب الفيل) ا هـ.

(97) رواه الإمام أحمد (6/286) ، و مسلم فى السابق، و النسائى (5/207) فى الحج:

باب حرمة الحرم، و ابن ماجه فى الفتن: باب جيش البيداء (2/503) رقم (1468) ، و انظر: «فيض القدير» (5/348) (7538) ، و «شرح النووى» (18/5-6) .

40

الحديث السابع عشر: حديث أم سلمة رضى اللّه عنها: «جيش من أمتى يجيئون من قبل الشام... »

و عن أم المؤمنين أم سلمة رضى اللّه عنها قالت: (بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم مضطجعا فى بيتى إذ احتفز جالسا، و هو يسترجع، قلت:

«بأبى أنت و أمى ما شأنك يا رسول اللّه تسترجع؟» ، قال:

«جيش من أمتى يجيئون من قبل الشام يؤمون البيت لرجل يمنعه اللّه منهم، حتى إذا كانوا بالبيداء من ذى الحليفة خسف بهم، و مصادرهم شتى» ، فقلت: «يا رسول اللّه!كيف يخسف بهم جميعا، و مصادرهم شتى؟» ، فقال: «إن منهم من جبر، إن منهم من جبر» ثلاثا)

____________

98

.

و للحديث طرق أخرى عن أم سلمة رضى اللّه عنها، و فى أحدها زيادات، إن صحت فهى تشير إلى أن ذلك الرجل الذى يأتى مكة هو المهدى، و لفظه:

عن أم سلمة رضى اللّه عنها أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال:

«يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة

____________

99

، فيأتيه ناس من أهل مكة، فيخرجونه‏

____________

100

و هو كاره، فيبايعونه بين الركن و المقام‏

____________

101

، و يبعث‏

____________

102

إليهم بعث‏

____________

103

من الشام‏

____________

104

و فى نسخة:

____________

(98) رواه الإمام أحمد (6/259) ، و أبو يعلى (4/1668) ، و قال الهيثمى فى «المجمع» : (و فيه على بن زيد، و هو حسن الحديث، و فيه ضعف، و روى بإسناده عن عائشة عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال: بمثله، و رجاله ثقات) ا هـ.

(7/316) .

(99) انظر «الحاوى» للسيوطى (2/70) .

(100) أى من بيته.

(101) أى بين الحجر الأسود و مقام إبراهيم عليه السلام.

(102) أى يرسل إلى حربه و قتاله.

(103) أى: جيش.

(104) قال البرزنجى: (فى بعض الروايات أن الجيش الذى يخسف به يبعث من الشام، و فى بعضها من العراق، و لا منافاة كما قال ابن حجر لأن البعث من العراق لكن لما كانوا من أهل الشام نسبوا إليها فى الروايات الأخرى) ا هـ. من «الإشاعة» ص (96) .

41

«من أهل الشام-فيخسف بهم‏

____________

105

بالبيداء بين مكة و المدينة، فإذا رأى الناس ذلك‏

____________

106

أتاه أبدال الشام‏

____________

107

، و عصائب أهل العراق‏

____________

108

، فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا، فيظهرون عليهم، و ذلك بعث كلب‏

____________

109

، و الخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، و يعمل فى الناس بسنة نبيهم، و يلقى الإسلام بجرّانه‏

____________

110

فى الأرض، فيلبث سبع سنين، ثم يتوفّى و يصلّى عليه المسلمون»

____________

111

.

____________

(105) أى بالجيش.

(106) أى ما ذكر من خرق العادة، و ما جعل للمهدى من العلامة.

(107) قيل: هم الأولياء و العباد، انظر «عون المعبود» (11/377) .

(108) أى خيارهم.

(109) أى فيظهر رجل من قريش، فيستعين بأخواله من بنى كلب، فيجيشون جيشا لقتال المهدى، فينتصر المهدى عليهم، و يغنم جيشه من بنى كلب مالا عظيما.

(110) قال الخطابى فى «معالم السنن» : (الجرّان: مقدم العنق، و أصله فى البعير إذا مد عنقه على وجه الأرض، فيقال: ألقى البعير جرانه، و إنما يفعل ذلك إذا طال مقامه فى مناخه، فضرب الجران مثلا للإسلام إذا استقر قراره، فلم يكن فتنة و لا هيج، و جرت أحكامه على العدل و الاستقامة) ا هـ.

(111) رواه الإمام أحمد (6/316) ، و أبو داود (4286) من طريق هشام عن قتادة عن أبى الخليل عن صاحب له عن أم سلمة مرفوعا.

و أخرجه أبو داود (4288) ، و ابن أبى شيبة فى «المصنف» (15/45- 46) ، و الطبرانى فى «الأوسط» (9613) من طريق أبى العوام عمران بن داور القطان قال: نا قتادة عن أبى الخليل، عن عبد اللّه بن الحارث عن أم سلمة عن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم به.

قال الهيثمى فى «مجمع الزوائد» : «و رجاله رجال الصحيح» ا هـ.

(7/315) . لكن فى الطريق إلى عبد اللّه بن الحارث عمران بن داور القطان قال فيه البخارى: «صدوق بهم» ، و قال الدارقطنى: «كان كثير المخالفة و الوهم» ، و قال الذهبى فى «التخليص» : «أبو العوام عمران ضعفه غير واحد، و كان خارجيّا» ا هـ. «المستدرك» (4/431) . و رواه ابن حبان فى «صحيحه» (1881) - «موارد» من طريق أبى يعلى (4/1651) عن محمد بن يزيد-

42

الحديث الثامن عشر: الثامن عشر: حديث صفية رضى اللّه عنها: «لا ينتهى الناس عن غزو هذا البيت... »

عن صفية أم المؤمنين رضى اللّه عنها قالت: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«لا ينتهى الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خسف بأولهم و آخرهم، و لم ينج أوسطهم» ، قالت:

قلت: «يا رسول اللّه!أرأيت المكره منهم؟» ، قال: «يبعثهم اللّه على ما فى أنفسهم»

____________

112

) .

الحديث التاسع عشر: حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه:

«يبايع لرجل بين الركن و المقام... »

و عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال: (قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«يبايع لرجل بين الركن و المقام‏

____________

113

، و لن يستحلّ البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب، ثم يأتى الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده أبدا

____________

114

، و هم الذين يستخرجون...................

____________

ق-أبى هشام الزماعى قال الحافظ فى «التقريب» : «ليس بالقوى» ، و نقل عن البخارى قوله: «رأيتهم مجمعين على ضعفه» ا هـ (2/219) .

و فى أسانيدهم اختلاف شديد على قتادة، فمن العلماء من أثبته كابن القيم رحمه اللّه فإنه قال بعده: (إسناده حسن، و مثله مما يجوز أن يقال فيه:

«صحيح» ) ، و قد ضعفه الألبانى فى «الضعيفة» رقم (1965) .

____________

(112) رواه الإمام أحمد (6/337) ، و الترمذى فى الفتن، رقم (2184) ، و قال:

«حسن صحيح» ، و ابن أبى شيبة فى «المصنف» كتاب الفتن رقم (19071) (15/46) ، و من طريقه ابن ماجة فى «الفتن» : باب جيش البيداء-رقم (4130) ، (2/504) .

(113) راجع حديث أم سلمة المذكور تحت الحديث السابع عشر بلفظ: «يكون اختلاف عند موت خليفة» الحديث.

(114) قال الحافظ فى «الفتح» : (و للفاكهانى من طريق مجاهد نحوه، و زاد: «قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير الكعبة، جئت أنظر إليه هل أرى الصفة التى-

43

كنزه» )

____________

115

.

تنبيه: قال الحافظ ابن حجر فى «فتح البارى» :

[قد يقال: إن هذا الحديث يخالف قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً، و لأن اللّه حبس عن مكة الفيل، و لم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، و لم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟

أجيب: بأن ذلك محمول على أنه يقع فى آخر الزمان قرب قيام الساعة، حيث لا يبقى فى الأرض أحد يقول: (اللّه اللّه) ، كما ثبت فى صحيح مسلم:

«لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض: اللّه اللّه» ، و لهذا وقع فى رواية سعيد بن سمعان «لا يعمر بعده أبدا» و قد وقع قبل ذلك فيه من القتال، و غزو أهل الشام له فى زمن يزيد بن معاوية، ثم من بعده فى وقائع كثيرة من أعظمها وقعة القرامطة بعد الثلاثمائة، فقتلوا من المسلمين فى المطاف من لا يحصى كثرة، و قلعوا الحجر الأسود

____________

116

فحولوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدة طويلة، ثم

____________

ق-قال عبد اللّه بن عمرو، فلم أرها» ) ا هـ، و جاء فى «صحيح البخارى» : باب هدم الكعبة «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» أى رجل من الحبشة له ساقان دقيقان.

(115) رواه الإمام أحمد فى «المسند» (2/291) ، (312) ، (328) ، (351) ، و أبو داود الطيالسى فى «مسنده» ، و الحاكم فى «المستدرك» ، و سكت عليه الحافظ فى «الفتح» (3/461) ، و قال الهيثمى: «رجاله ثقات» ، و قال العلامة أحمد شاكر فى «تحقيق المسند» : «إسناده صحيح» (5/196-197) ، و قال العلامة الألبانى فى «السلسلة الصحيحة» : «و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سعيد بن سمعان، و هو ثقة» ا هـ. (2/120) رقم (579) .

(116) (و قيل: إن الذى اقتلعه صاح: يا حمير، أنتم قلتم‏ وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً [آل عمران: 97]

فأين الأمن؟قال رجل: «فاستسلمت، و قلت: إن اللّه أراد: و من دخله فأمّنوه» ، فلوى فرسه، و ما كلّمنى) ا هـ. من «سير أعلام النبلاء» -

44

غزى مرارا بعد ذلك، و كل ذلك لا يعارض قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً لأن ذلك إنما وقع بأيدى المسلمين فهو مطابق لقوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «و لن يستحل هذا البيت إلا أهله» فوقع كما أخبر به النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم و هو من علامات نبوته، و ليس فى الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها، و اللّه أعلم)

____________

117

ا هـ.

الحديث العشرون: العشرون: حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق... »

عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة

____________

118

من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافّوا قالت الروم:

____________

ق- (15/321-322) .

و هذا هو الراجح أن الأمان و تحريم القتل و نحوهما ثبتت فى الحرم الشريف بالشرع لا بالقدر، فصورة الآية خبر، و معناها أمر، تقديرها: و من دخله فأمّنوه، كقوله: فَلاََ رَفَثَ وَ لاََ فُسُوقَ وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ أى: لا ترفثوا، و لا تفسقوا، و لا تجادلوا، و انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبى (2/407) ، (4/140) .

(117) «فتح البارى» (3/461-462) .

(118) هناك جملة من الآثار-لو صحت-لفسّرت ما أجمل هنا فى حديث مسلم، حيث بينت أن المهدى يكون على رأس هذا الجيش، و عيّنت هذه الآثار قائد الجيش و وصفته بأنه من عترة رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، يواطى‏ء اسمه اسمه، و من هذه الآثار:

أ-عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«يحيس الروم على وال من عترتى يواطى‏ء اسمه اسمى، فيقتتلون بمكان يقال له:

«العماق» فيقتتلون، فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الآخر فيقتل من المسلمين الثلث أو نحو ذلك، ثم يقتتلون اليوم الثالث، فيكرّون على أهل الروم، فلا يزالون حتى يفتتحون القسطنطينية، فبينما هم يقتسمون فيها بالأتراس، إذ أتاهم صارخ أن الدجال قد خلفكم فى ذراريكم» [أخرجه الخطيب‏]- (الإذاعة ص 131) ، و عنه أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم-

غ

45

«خلّوا بيننا و بين الذين سبوا منا نقاتلهم» ، فيقول المسلمون: «لا و اللّه، لا نخلّى بينكم و بين إخواننا» ، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث‏

____________

119

لا يتوب اللّه عليهم أبدا، و يقتل ثلثهم-أفضل الشهداء عند اللّه‏

____________

120

، و يفتح الثلث لا يفتنون أبدا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علّقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: «إنّ المسيح‏

____________

121

قد خلفكم فى أهليكم» ، فيخرجون-و ذلك باطل-فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدّون للقتال، يسوّون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم-عليه و على نبينا السلام-فأمّهم‏

____________

122

، فإذا رآه عدّو اللّه ذاب كما يذوب الملح فى الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، و لكن يقتله اللّه بيده، فيريهم دمه‏

____________

123

فى

____________

ق-قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّله اللّه حتى يملك رجل من أهل بيتى جبل الديلم و القسطنطينية» [رواه ابن ماجة، و هو ضعيف، انظر: «السلسلة الضعيفة» (5/50) ، «فيض القدير» (5/332/7491) ، و رواه أبو نعيم، و قال: «و هذا هو المهدى بلا شك» (نور الأبصار 171) ، و رواه يحيى بن عبد الحميد الحمانى عنه أيضا بلفظ: «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتى، يفتح القسطنطينية و جبل الديلم، و لو لم يبق إلا يوم طوّل اللّه ذلك اليوم حتى يفتحها» ، قال ابن القيم: «يحيى بن عبد الحميد: و ثقه ابن معين و غيره، و تكلّم فيه أحمد» «نقد المنقول» ص (87) .

(ب) -و عن على رضى اللّه عنه قال: «لا يخرج المهدى حتى يقتل ثلث، و يموت ثلث، و يبقى ثلث» «الحاوى» (2/68) ، و فى حديث نعيم عن أبى جعفر قال: «فيبعث بالبيعة إلى المهدى، و يبعث المهدى جنوده فى الآفاق، و يميت الجور و أهله، و تستقيم له البلدان، و يفتح اللّه على يديه القسطنطينية» «الحاوى» (2/71-72) .

(119) أى: من المسلمين.

(120) لصبرهم حتى استشهدوا.

(121) يعنى المسيح الدجال.

(122) فأمّهم: أى قصدهم و توجه إليهم.

(123) أى فيظهر سيدنا عيسى عليه السلام للناس دم الدجال فى حربته ليتحققوا من هلاكه.

46

حربته»

____________

124

.

الواحد و العشرون: حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، و إمامكم منكم؟»

عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم:

«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم‏

____________

125

، و إمامكم منكم؟»

____________

126

.

و فى رواية: «فأمّكم» ، و فى أخرى: «فأمكم منكم» قال ابن أبى ذئب:

تدرى ما «أمكم منكم» ؟قلت: تخبرنى، قال: فأمّكم بكتاب ربكم عز و جل، و سنة نبيكم صلى اللّه عليه و على آله و سلم» .

غير أن هناك روايات صحيحة لا تعارض تفسير ابن أبى ذئب، لكنها تفيد أن عيسى عليه السلام يصلى أول نزوله مأموما:

الثانى و العشرون: حديث جابر رضى اللّه عنه: «لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق... »

منها ما رواه جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنهما قال: سمعت رسول اللّه

____________

(124) رواه مسلم (18/21-22) ، و اللفظ له، و الحاكم، و قال: على شرط مسلم، و أقره الذهبى «المستدرك» (4/482) .

(125) قال المناوى رحمه اللّه فى (فيض القدير) : (و هذا-أى قوله صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «كيف أنتم» إلخ-استفهام عن حال من يكونون أحياء عند نزول عيسى كيف يكون سرورهم بلقاء هذا النبى الكريم؟و كيف يكون فخر هذه الأمة و عيسى روح اللّه يصلى وراء إمامهم؟و ذلك لا يلزم انفصال عيسى من الرسالة لأن جميع الرسل بعثوا بالدعاء إلى التوحيد، و الأمر بالعبادة و العدل، و النهى عما خالف ذلك من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار فى المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها مراعى فيه صلاح من خوطب به، فإذا نزل المتقدم فى أيام المتأخر نزل على وفقه، و لذلك قال صلى اللّه عليه و على آله و سلم: «لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعى» تنبيها على أن اتباعه لا ينافى الإيمان به بل يوجبه» ا هـ. (5/58) .

(126) أخرجه البخارى فى «صحيحه» (6/358) ، و مسلم فى «صحيحه» (2/193) ، و الإمام أحمد فى «المسند» (1/336) .

47

صلى اللّه عليه و على آله و سلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم‏

____________

127

:

«تعال صلّ لنا» ، فيقول: «لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة اللّه هذه الأمة»

____________

128

.

و عند الإمام أحمد من حديث جابر رضى اللّه عنه أيضا:

«... فإذا هم بعيسى ابن مريم، فتقام الصلاة، فيقال له: «تقدم يا روح اللّه» ، فيقول: «ليتقدم إمامكم، فليصلّ بكم»

____________

129

.

قال العلامة محمد حبيب اللّه الشنقيطى رحمه اللّه: [لم يعين الإمام هنا باسمه، بل أطلق، و ورد مقيدا بأنه المهدى فى أحاديث أخر منها:

ما أخرجه أبو نعيم عن أبى سعيد و الحارث بن أبى أسامة فى مسنده عن جابر أن النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم قال: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدى: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمير، تكرمة اللّه لهذه الأمة»

____________

130

.

قال ابن القيم بعد ذكره لحديث الحارث: «و هذا إسناد جيد»

____________

131

، و منها

____________

(127) قال فى «التاج» : «أميرهم هو المهدى حينذاك» ا هـ (5/344) .

(128) أخرجه الإمام أحمد (3/384) ، و مسلم فى «صحيحه» (2/193) ، و أخرجه أبو يعلى فى «مسنده» بلفظ «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم، فيقول إمامهم: «تقدم» ، فيقول: «أنت أحق به، و إن بعضكم على بعض أكرم اللّه بهذه الأمة» ) .

(129) «المسند» (3/368) . و قد أورد الشيخ صديق حسن خان رحمه اللّه تعالى فى «الإذاعة» جملة كبيرة من أحاديث المهدى، جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثم قال عقبه: «و ليس فيه ذكر المهدى، و لكن لا محمل له و لأمثاله من الأحاديث إلا المهدى المنتظر، كما دلت على ذلك الأخبار المتقدمة، و الآثار الكثيرة» ا هـ. ص (144) .

(130) تقدم تحقيقه فى الحديث الثامن.

(131) «نقد المنقول» ص (87) .

48

ما أخرجه ابن ماجه و الرويانى، و ابن خزيمة، و أبو عوانة، و الحاكم، و أبو نعيم، و اللفظ له، عن أبى أمامة رضى اللّه عنه قال: خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و ذكر الدجال، و قال: «فتنفى المدينة الخبث كما ينفى الكير خبث الحديد، و يدعى ذلك اليوم يوم الخلاص» ، قالت أم شريك: «فأين العرب يا رسول اللّه يومئذ؟» قال: «هم يومئذ قليل، و جلهم ببيت المقدس، و إمامهم المهدى رجل صالح، فبينما إمامهم المهدى تقدم يصلى بهم الصبح، إذ نزل عيسى ابن مريم وقت الصبح، فيرجع ذلك الإمام ينكص يمشى القهقرى، ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: «تقدم، فإنها لك أقيمت» ، فيصلى بهم إمامهم»

____________

132

.

و قد بين لفيف من أئمة العلم و الهدى أنه يجب حمل اللفظ المطلق الوارد فى الصحيحين على المقيد خارجهما، على حد قول ابن القيم فى «الكافية الشافية» :

فعليك بالتفصيل و التمييز فا # لإطلاق و الإجمال دون بيان

قد أفسدا هذا الوجود و خبّطا الـ # أذهان و الآراء كلّ زمان‏

و هاك بعض نصوصهم:

(و قال الإمام أبو الحسن الأبدى‏

____________

133

فى «مناقب الشافعى» : تواترت الأخبار بأن المهدىّ من هذه الأمة، و أن عيسى يصلى خلفه) .

و قال الحافظ فى «الفتح» : (قال ابن الجوزى: لو تقدم عيسى إماما لوقع فى النفس إشكال، و لقيل: أتراه نائبا أو مبتدئا شرعا، فيصلى مأموما لئلا يتدنّس

____________

(132) «فتح المنعم» (1/329-330) ، سكت عنه الحافظ فى «الفتح» (6/493) ط. السلفية، و أورده الألبانى بطوله فى «ضعيف سنن ابن ماجه» ص (329 -333) ، و قال: «ضعيف» .

(133) كذا فى «فتح البارى» (6/493) ط السلفية و الصواب: (أبو الحسن محمد بن الحسين الآبرى السجستانى) كما فى (طبقات الحفاظ) للذهبى ص (383) ، و «سير أعلام النبلاء» (16/299) .

49

بغبار الشبهة)

____________

134

.

و قال الحافظ ابن كثير رحمه اللّه: (و أظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى بن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث)

____________

135

ا هـ.

و قد أشار الحافظ فى «الفتح» إلى أن خروج المهدى قبل نزول عيسى عليه السلام‏

____________

136

.

و قال الحافظ السيوطى رحمه اللّه: (إن صلاة عيسى عليه السلام خلف المهدى ثابتة فى عدة أحاديث صحيحة بإخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و هو الصادق المصدوق)

____________

137

.

و قد بين العلامة محمد أنور الكشميرى رحمه اللّه تعالى فى (فيض البارى بشرح صحيح البخارى)

____________

138

أن الراجح أن الإمام يكون هو المهدى، و إليه ذهب أيضا الشيخ ابن حجر الهيتمى‏

____________

139

، و العلامة المناوى‏

____________

140

.

و قال البرزنجى: (و من العلامات التى يعرف بها المهدى أنه يجتمع بعيسى ابن مريم عليه السلام، و يصلى عيسى خلفه)

____________

141

.

و قال الشيخ محمد حبيب اللّه الشنقيطى رحمه اللّه: (فيحمل المطلق و هو حديث الصحيحين على المقيّد كما هو الأصل المعلوم عند الأصوليين، قال فى مراقى السعود:

____________

(134) «فتح البارى» (6/494) .

(135) «نهاية البداية و النهاية» (1/37) .

(136) «فتح البارى» (13/81) .

(137) «نزول عيسى ابن مريم آخر الزمان» للحافظ السيوطى ص (56) .

(138) «فيض البارى» (4/45-48) .

(139) «القول المختصر فى علامات المهدى المنتظر» (ص 34) .

(140) «فيض القدير» (5/301) ، (6/17) ، (6/279) .

(141) «الإشاعة» ص (91) .

50

و حمل مطلق على ذاك وجب # إن فيهما اتحد حكم و سبب‏

أى وجب حمل المطلق على ذلك أى المقيد إن اتحد الحكم و السبب فيهما)

____________

142

ا هـ.

***

____________

(142) «فتح المنعم حاشية على زاد المسلم» (1/330) .

51

ردّ شبهة، و دفع استشكال‏

أنكر بعضهم ما ورد من أن عيسى عليه السلام إذا نزل يصلى خلف المهدى صلاة الصبح، و صنف فى ذلك كتابا، و قال فى توجيه ذلك:

(إن النبى «عليه السلام» أجل مقاما من أن يصلى خلف غير نبى) ! و جواب هذا من وجوه:

(الأول) : أن صلاة عيسى خلف المهدى ثابتة فى عدة أحاديث بإخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم و هو الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى‏ إِنْ هُوَ إِلاََّ وَحْيٌ يُوحى‏ََ و قد تقدم ذكرها.

(الثانى) : أن الحكمة من ذلك كما نقلنا عن ابن الجوزى آنفا أن لا يتدنس عيسى عليه السلام بغبار الشبهة، إذ لو تقدم عيسى إماما لوقع فى النفس إشكال، و لقيل: أتراه نائبا أو مبتدئا شرعا؟

(الثالث) : (لا شك أن عيسى أكمل من المهدى لأنه نبى اللّه)

____________

143

إلا أن الثابت شرعا جواز إمامة المفضول للفاضل، و هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و هو من أجل الأنبياء مقاما و أرفعهم درجة قد صلى-فى غزوة تبوك-خلف عبد الرحمن بن عوف رضى اللّه عنه، ففى حديث المغيرة بن شعبة رضى اللّه عنه قال: (فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدّموا عبد الرحمن بن عوف قد صلى لهم، فأدرك النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم إحدى الركعتين معه، و صلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلّم عبد الرحمن، قام رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم، و أتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، و أكثروا التسبيح، فلما قضى النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم صلاته أقبل

____________

(143) نقل هذه العبارة فى «الإذاعة» ص (135) عن الشوكانى فى «التوضيح» .

52

عليهم، ثم قال: «أحسنتم» ، أو قال: «أصبتم» يغبطهم أن صلّوا الصلاة لوقتها)

____________

144

.

و عن أنس رضى اللّه عنه قال: (آخر صلاة صلاّها رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و سلم مع القوم، صلى فى ثوب واحد متوشّحا خلف أبى بكر)

____________

145

.

و عن عائشة رضى اللّه عنها قالت: (صلّى النبى صلى اللّه عليه و على آله و سلم خلف أبى بكر فى مرضه الذى مات فيه قاعدا)

____________

146

.

و فى الباب عن جابر، و سهل بن سعد، و أبى موسى رضى اللّه عنهم.

و جزم بعض العلماء بأن عيسى يقتدى بالمهدى أولا ليظهر أنه نزل تابعا لنبينا حاكما بشرعه، ثم بعد ذلك يقتدى المهدى به على أصل القاعدة من اقتداء المفضول بالفاضل، و ممن ذهب إلى ذلك السعد التفتازانى، و المناوى، و الكشميرى حيث قال: (المراد به-أى حديث جابر-أنه لا يؤم فى تلك الصلاة حتى لا يتوهم أن الأمة المحمدية سلبت الولاية، فبعد تقرير ذلك، فى أول مرة يكون الإمام هو عيسى عليه السلام لكونه أفضل من المهدى، فالجواب الأصلى لأمير المسلمين هو قوله: «لا، فإنها لك أقيمت» كما عند ابن ماجه و غيره عن أبى أمامة

____________

147

، و بعد أن كانت أقيمت له لو تقدم عيسى عليه السلام أوهم عزل الأمير، بخلاف ما بعد ذلك، و هذا كإشارة نبينا صلى اللّه عليه و على

____________

(144) رواه الشافعى فى «مسنده» (1/28، 29، 32) ، و مسلم رقم (274) (1/317) فى الصلاة: باب تقديم الجماعة من يصلى بهم إذا تأخر الإمام، و لم يخافوا مفسدة بالتقديم.

____________

(145) رواه النسائى (2/79) فى الإمامة: باب صلاة الإمام خلف رجل من رعيته، و الترمذى رقم (363) فى الصلاة: باب إذا صلى الإمام قاعدا، فصلوا قعودا، و فى روايته: (صلّى فى مرضه خلف أبى بكر، قاعدا فى ثوب متوشّحا به) أى ملتحفا به.

(146) رواه الترمذى رقم (362) فى الصلاة: باب ما جاء إذا صلى الإمام قاعدا، فصلوا قعودا.

(147) راجع حاشية رقم (132) .