أصول الفلسفة

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
233 /
3

مقدمات التحقيق‏

كلمة الفيلسوف الإسلامي الكبير في حقّ الترجمة و المترجم:

بسم اللََّه وله الحمد

مقالات فلسفية تسير بقارئها حتى توقفه على أُفق عال من النظر ويشرف منه على خلاصة النظريات التي حصّلتها الأبحاث الموروثة من قدماء الفلاسفة من كلدة ومصر وإيران واليونان وغيرهم ثم تحملها فلاسفة الإسلام، ويطّلع على الأبحاث والآراء التي أضافتها إليها الفلسفة الغربية الحديثة، ثمّ يقف على القضاء الحرّ والرأي الحقّ الذي لا مناص عنه للنظر المصيب.

قد كنت سردتها قبل بضع سنين أيّام ألقيتها للدراسة بالفارسية فطبعت وانتشرت على الوصف ثمّ لاح لي أن أكسوها بحلية العربية، والوقت لا يسمح والسعي لا ينجح فاستدعيت شيخنا المحقّق صاحب الفضيلة الشيخ جعفر السبحاني - سلّمه اللََّه تعالى - أن يتصدّى ذلك وهو ممّن جال مضمارها، وشقّ غبارها، وقد حضر دراستها مرّة بعد مرّة فأجابني بهذا الذي نقدّمه إلى القراء الكرام ولا أراه سلّمه اللََّه إلاّ أتى بأجمل ممّا كنت أقدّره، وجاء بأغزر ممّا كنت أؤملّه. أشكره على ما استفرغ في تقرير مقاصده من الوسع وقام بأمانة النقل وإيضاح أغراض الفن أحسن القيام، شكر اللََّه سبحانه جميل مسعاه.

محمّد حسين الطباطبائي

9 ذي القعدة 1378 هـ

17 مايس 1959 م

4

كلمة للشيخ مرتضى آل ياسين‏

من أعلام النجف الأشرف‏

بسم اللََّه وله الحمد

وصلّى اللََّه على محمّد وآل محمد

وبعد؛ فإنّ الكلمة في مثل هذا الكتاب ليست لمثلي وإنّما هي للفطاحل من فلاسفة الإسلام الذين ساقهم حسن التوفيق إلى الإضطلاع بهذه البحوث فعالجوها بعقولهم النيّرة ومواهبهم الخيّرة فاحسنوا علاجها وفتحوا وقاحها وتوغلوا في مناهجها ومعارجها حتى تبوّؤا الصدارة بين العلماء والمتألهين والعرفاء الربانيين.

هؤلاء العلماء هم الذين يجب أن يقولوا كلمتهم في مثل هذا الكتاب الفذ يستوحونها من خبراتهم الواسعة التي أفادوها من دراسات هذا الفن بما فيه من عمق ودقة لكي تكون كلمة مُواتية لما يستحقه الكتاب من تثمين وتقييم وما يستحقه مؤلّفه السيد الجليل من تقدير وتبجيل.

بيد أنّ ذلك مهما كان حقَّا لا يعني منع الآخرين من ابداء شعورهم تجاه الكتاب أو تجاه مؤلّفه فيما إذا أرادوا أن يدُلوا ب‏آرائهم إلى جنب غيرها من الآراء.

ولأجل ذلك جاز لنا أن نقول أنّ كتاب (أُصول الفلسفة) الذي يجده القارئ الكريم بين يديه قد حفل بمزايا وخصائص امتاز بها امتيازاً ظاهراً ونجح بها

5

نجاحاً باهراً.

ومن خصائصه البارزة جمعه بين الفلسفتين القديمة والحديثة ثم تيسره للمسائل العويصة المعضلة تيسيراً يجعلها في متناول أكثر الأفهام وربّما حلل بعضها تحليلاً وجدانياً يغني القارئ عن التماس البرهان والدليل وبهذا استطاع أن يوجّه للفسلفة المادية ضربة قاضية وأن يثبت لأولئك الأغوار الذين فتنتهم تلك الفلسفة بأنّ الفلسفة الإلهية كانت ولا تزال أرسخ قدماً من أن تزلزلها مزاعم الماديين الزائفة مهما طبّلوا لها وزّمروا وإنّ كتاباً له مثل هذه الخصائص القيمة لجدير بأن يصبح في حيازة كل انسان من شبابنا المثقف لئلا يحرم من فوائده الجمة وعوائده المهمة التي دبجتها يراعة الفيلسوف الإسلامي الكبير العلامة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي - دام تأييده -.

وأنّي لأدعو هواة الفلسفة من الشباب العربي إلى اقتناء هذا السفر الجليل ليستنيروا ب‏آرائه الصائبة ويستمدّوا من براهينه الدامغة ما يجعلهم أشدّ إيماناً وأقوى يقيناً، ومن الحق على قراء اللغة العربية أن يتقدموا بجزيل الشكر إلى فضيلة العلامة المجاهد الشيخ جعفر السبحاني الذي أخرج هذا الكتاب من لغته الفارسية إلى لغة القرآن وقدّمه إلى قرائها بهذا اللسان العربي المبين فجزاه اللََّه عن الحق خير جزاء المحسنين والحمد للََّه أوّلاً وآخراً وصلّى اللََّه على محمد وآله الطاهرين.

مرتضى آل ياسين‏

6

مقدمة الطبعة الثانية للمترجم:

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

أُصول الفلسفة

دراسات ومحاضرات ألقاها الأُستاذ الأكبر حكيم الإسلام وفيلسوف الشرق السيد محمد حسين الطباطبائي - تغمده اللََّه برحمته الواسعة -. ألقاها يوم كان للمادية صولة في مجالي السياسة والاقتصاد. وكانت الفكرة المادية خداعة للشباب تغري كثيراً من المثقفين الجامعيين. بفروضها الجديدة واصطلاحاتها الثورية وقد أثرت في أبناء وطننا الإسلامي وهزت العقائد في بعض النفوس.

استشعر الأُستاذ المغفور له بواجبه فألَّف تلك الموسوعة لغاية التقريب بين فلسفتي الشرق والغرب تقريباً موضوعياً و الفصل بينهما وقد نقد خلال ذلك الأفكار المادية الموروثة من ماركس وانجلز التي نشرتها الشيوعية السوفياتية بألوان مختلفة وقد كان للموسوعة أثرها الخاص يوم ظهورها وانتشارها بين العلماء والمثقفين.

7

وقد أمرني الأُستاذ - يوم ذاك - بتعريبها استشعاراً منه بوجود المؤهلات في تلميذه الصغير وقد أديت بعض الواجب بنقل بعض أجزائه إلى العربية وقد انتشرت قبل نحو أربعين سنة.

وها هي يُجدد طبعها الآن وتنشر بصورة جميلة باهرة.

ولقائل أن يقول أنّ الشيوعية والماركسية والأفكار المادية قد قضي عليها في هذه الآونة الأخيرة عن طريق التجزئة السياسية للاتحاد السوفياتي فلم يبق للمادية عمود يركن إليه، وقد تبددت اشلاؤها وتفككّت انحاؤها ولكن الكاتب يوافق ذلك القائل بعض الموافقة فانّ الماركسية وإن كانت حسب الوصف المذكور ولكنها انحلّت سياسياً واقتصادياً لا فكرياً ومنهجياً، فلا يعد معسكراً شرقياً مقابل المعسكر الغربي ولكن الفكر المادي وأصوله الهدامة بعد موجودة في بعض الأدمغة وَتدَّرس في الجامعات، وأساتذتها بعد في محاولة للتجديد فعلى ذلك ليس من صحيح الرأي تصغير العدو وهو بعد بصدد جمع العدة للهجوم على المثل الدينية.

وهذا ما دعا الكاتب أن يدفع الكتاب إلى الناشر لنشره بثوب جديد مع تغييرات يسيرة في التعبير واصلاحٍ قليل في المضمون والمحتوى.

أسأله سبحانه أن يوحد صفوف الإلهيين ضد الماديين وينشر كلمة التوحيد ويببدد صفوف المشركين والمنافقين.

قم

الجامعة العلمية

جعفر السبحاني

1 ذي الحجة الحرام 1414

8

مقدمة الطبعة الأُولى للمترجم:

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للََّه ربّ العالمين وصلّى اللََّه على محمد وآله الطاهرين‏

أمّا بعد: فهذه محاضرات فلسفية ومقالات ممتعة حول الفلسفة الإسلامية، والفلسفة الدارجة في الجوامع الفلسفية الغربية، ألقاها سيّدنا الأُستاذ الحكيم العلاّمة الحجة السيد محمد حسين الطباطبائي - دام ظله -، وهو من كبار أساطين العلم والفلسفة في الهيئة العلمية -، على تلاميذه في حلقة تدريسه من رواد العلم، وطلاّب الفضيلة.

غير أنّه لما كان ما حرّره بقلمه الشريف باللغة الفارسية أمرني - دام ظله - أن أنقلها إلى لغة الضاد، لغة القرآن الكريم ولغة النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم لحسن ظنّه بنقلي وترجمتي، فقد حضرت أبحاثه الفلسفية دورة بعد أُخرى وحرّرت من آرائه وأفكاره الشي‏ء الكثير فجاءت الترجمة على هذه الصورة التي تمثّلت بين يدي القارئ.

ولست أدّعي بأنّي قمت بترجمة عبائره حرفياً بل كلما أدّعيه أنّني قد استوفيت مقاصد الكتاب بأوضح العبارات وأيسرها جهد الإمكان.

وأمّا التعاليق التي علّقها على الكتاب زميلنا العلاّمة المطهري، فقد قمنا بترجمة خصوص ما كان يرجع إلى مقاصد الكتاب، من تحقيقه وتوضيحه وتركنا غيره لئلاّ يزيد الفرع على الأصل.

ومنه تعالى نستمد العون وعليه التكلان.

جعفر السبحاني

9

مقدمة الكتاب‏

بسم اللََّه الرحمن الرحيم‏

مرّت على البشر قرون وأدوار، وهو يعرج في خلالها من حضيض الوحشية إلى مدارج المدنية ويخطو خطوات واسعة في سبيل ثقافته، يضحّي للحصول عليها بالنفوس والأموال.

وربّما يحسب أنّ غرضه الأكبر من هذا الجهد المستمر، هو تأمين الحياة وتمهيد طرقها، أو شعوره بأنّ العلوم كحصون منيعة، وقلاع مستحكمة، تقيه شرّ الحوادث ومحن الكوارث.

لكنّه حسبان باطل، إذ في تاريخ سير العلوم، وغضون المعاجم، وكتب التراجم، ما يكذب هذه المزعمة فإنّ طلب العلم ما برح مقروناً بالتعب والوصب، ولم يزل روّاده وحماته محرومين من لذائذ الحياة، مكتفين بما يمد عيشهم، مواصلين ليلهم بنهارهم، معتكفين في الزوايا، معرضين عن ملاذ الحياة، وما يتنافس فيه الناس، سائرين مع الرجرجة الدهما سيراً سجحاً مواجهين الشدائد والنوازل، إلى غير ذلك من ملمّات وحوادث.

10

ولو كان الهدف لحماة العلم في جهودهم الجبّارة التي تحمّلوها في سبيله وكشف كنوزه، هو التمتع بزهرة الحياة والتوصل به إلى لذاتها المادية، وشهواتها الطبيعية، لكان الخسران قريناً لهم، ولو كان المحرّك لهم إلى تلك المصاعب والأتعاب، ما يهمّ القوى الشهوية والغايات البهيمية، فالاضطهاد في طريقه لماذا، والحرمان عن لذائذ الحياة لأيّ جهة؟

والذي يقضي به الوجدان السليم، ويؤيّده السير في سير العلوم، والامعان فيما جرى على علمائها، هو أنّ الانسان مفطور على حبّ العلم، والولع بفنونه، وأنّ العلّة المحرّكة له نحوه لا تشبه العلل المادية، والرابطة التي تربطه بعلومه لا تسانخ الروابط الجسمانية، بل هي علّة فوق مستوى الطبيعة، ورابطة أعلى من أن يحدّها البيان - ولأجلها - نجد الإنسان العالم صابراً على المكاره، ومتثبّتاً في طريق تحصيله وان اقترن بالمكاره.

الكون ومشاكله:

لا شك أنّ العلم كلما كان أشد طرداً للريب والجهالة ونازلاً حريم اليقين، وكان كلّي القواعد، واسع النطاق خارقاً للحجب الضخام، كان أوقع في النفوس بحيث ترتاح إليه القلوب، وتشد إليه المواكب، وتناخ دونه الرواحل.

ولا شك أنّ الإنسان بطبعه وفطرته، يريد أن يعلم ما يجد نفسه جاهلة به، ويحاول أن يهتك حجاب الجهل عن وجوه ما خفي عليه، غير أنّه يجد في نفسه عناية شديدة بتحليل مشاكل الكون، وما يجري في نظام الخلقة من قوانين كلّية، وما تحيطه من الأسرار والرموز. ويجد في نفسه رغبة أوفر وأوفى،

11

لأن يحوم حول مسائل كلّية، ومعاني مرسلة أعني ما لا تختص بمكان دون مكان، وبعلم دون علم، مثل الوحدة والكثرة والمتناهي وغير المتناهي والعلّة والمعلول، والواجب والممكن إلى غير ذلك من الأُمور العامة الكلّية الجارية في نظام الوجود، ومدارج الكون التي يبحث عنها وعمّا يسانخها في الفن الأعلى من الفلسفة.

وهذا الشوق الوافر، يحث البشر على الإمعان في رموز الكون وقوانينه حتى يتمثّل في ذهنه ما في الوجود من النظام ويصير شخصاً مفكّراً، قاضياً ومبرماً فيما يلوح في فكره، حسب الأُصول والقواعد الصحيحة.

ما هي الفلسفة وماهي أهدافها؟

إفاضة الكلام في تحديد الفلسفة وتوضيح أهدافها ومقدار تأثيرها في التفكير الإنساني، تحتاج إلى مقال مستقل لا يسعه نطاق مقالنا، غير أنّا نأتي في المقام صورة إجمالية من هذا البحث الضافي قائلين بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور فنقول:

الفلسفة: هي البحث عن نظام الوجود، والقوانين العامة السارية فيه، وجعل الوجود بشراشره هدفاً للبحث والنظر.

فيلزم على الإنسان المتفكّر، أن يتّخذها دليلاً يهديه في ظلمات البحث، أو سلّماً يعرج عليه في سماء التفكير، ويرتقي به إلى ما يحاول الوصول إليه، فإنّ الفلسفة والفكرة الصحيحة توأمان، لا تفترق إحداهما عن الأُخرى قدر شعرة.

فلو كانت الفكرة الصحيحة دارجة في القرون الغابرة بين الأُمم

ـ

12

الماضية، فقد كانت الفلسفة أساساً لها، لضرورة التلازم بين الفكرة الصحيحة والفلسفة التي هي الوقوف على القوانين العامّة التي لا تختصّ بموجود دون آخر.

ومن ذلك يقف القارئ الكريم على أنّ الفلسفة بما أوعزنا إليه من المعنى الصحيح، لا تختصّ بدورة أو دار ولا بنقطة دون غيرها، حتى نعد تلك الدورة مبدأ لحدوثها بين أصّحابها، ففي أيّ دور أو كورة وجد التفكير الصحيح فقد وجد فيها الفلسفة، فإنّ الاستنتاج الصحيح لا يستقيم أمره إلاّ بها، ولا تستقال عثراته إلاّ بالتمسّك بأذيالها، فلا يعقل تقدّمه على الفلسفة.

والبشر المتفكّر، منذ تمكّن من التفكير وإعطاء النظر، ومنذ استطاع أن يجيل نظره في نظام الكون ويقف على ما يجري في الوجود من القوانين الكلية، مارس التفكير الفلسفي بصورة من صوره.

مراكز الفلسفة:

يرشدنا التاريخ إلى أنّ بيئات مصر وإيران والهند والصين واليونان كانت في يوم ما، تزدهر بمصابيح الفلسفة وتزدحم في معاهدها أساتذتها وطلاّبها، وتشهد على علوّ كعبهم وسمو فكرهم آثارهم الباقية إلى هذه العصور مما أفلت من أيدي حوادث الدهر المدمرة.

هذه الآثار تعرّفنا مكانتهم من العلم والعرفان، وتبرهن على قوة استعدادهم ومثابرتهم على الجهود الجبارة في اكتساح الجهل والأُمية، وتأسيس معاهد علمية وفلسفية وعقد حلقات التدريس في شتى العلوم.

13

فقد كانت اليونان وضواحي آسيا الصغرى يوماً ما مركزاً للمعارف العقلية والمسائل الفلسفية، وأُسست بيد رجالها في تلك البلاد، حوزات علمية ومعاهد فكرية، وقد بقيت تلك المعاهد تزدهر في سنوات متطاولة بمئات من المتخرّجين وعشرات من الأساتذة.

ثم بعد لأي‏من الدهر غادرها الفضلاء، والأساتذة وقفلوا إلى الاسكندرية، وما زالت مدارسها معمورة ومعاهدها مزدهرة إلى أن استولى عليها امبراطور الروم الشرقي حوالي سنة 529 الميلادي، فقضى على محافلها العلمية، وهدم معاهدها العالية وأزعج الأساتذة والجهابذة.

وبينما هو يحكم في تلك البلاد بالعسف والطغيان، ومناوأة العلم والعرفان، إذ أزهر كوكب الإسلام الدرّي وأشرقت الأرض والسماء بنور نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم فأخذت تلك الظلمات تنحسر أمام نوره الوهّاج، وأخذ هو صلى الله عليه و آله و سلم يصدع بكلام اللََّه ويخاطب المجتمع البشري بقوله: «هَلْ يَستَوِي الَّذِينَ يَعلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ» (1)

قام نبي الإسلام داعياً إلى العلم، حامياً عن أهله بكتابه المبين وسنّته النيّرة، هكذا كان رأيه ودأب من بعده من المقتفين أثره، فقد خطى المسلمون بعده صلى الله عليه و آله و سلم خطوات واسعة متواصلة حتى تأسّست بيد رجالات الدين كلّيات ومعاهد ومجامع علمية لا يستهان بها، فأشرق بنور العلم مدنها وعواصمها.

كانت نتائج هذه الجهود، أن حدثت مدنية تعد من أرقى المدنيات التي حفظها التاريخ، إذ صارت العلوم الداثرة دارجة، والمتفرّقات مجتمعة،

____________

(1) سورة الزمر : 9.

14

فأعاد المسلمون تلك المآثر والآثار التي هدّمتها يد الجور والطغيان، وجمعوا شتات العلوم من الكتب الواصلة إليهم، التي كاد الدهر أن يقضي عليها، فقد شدّوا الرحال إلى تحصيل المعارف وجابوا البلاد لاستحصال هذه النفائس، ولاقوا من التعب والوصب ما لا يستهان به، وقد بلغت الأُمّة الإسلامية في مدة قليلة شأواً عظيماً في العلم، بحيث صارت العواصم الإسلامية معاهد للعلوم ومراكز للفضائل يقصدها الشرقي والغربي ويطوف عليها رواد الفضيلة، وهذا التاريخ يحدّثنا حديثاً قطعياً، بأنّه كانت الرحال تشد من الغرب إلى العواصم الإسلامية التي كانت من النقاط الخصبة بالعلوم والمعارف، كان الأمر على هذا المنوال إلى أن أفاق الغرب من سباته، فأحدث مدنية أُُخرى قوية جداً، وأحدث وسائل جديدة إلى ما يحاول العلمبه.

والحق أنّ العهد الإسلامي من أشرف الأدوار التي مضت على البشر ومعارفه الكلية وعلومه العقلية، فقد وضع في ذلك العهد حدوداً للنظر، وأُصولاً للمعقولات ورسم دوائر يستفاد منها حال ما يمكن وجوده وما يستحيل، إلى غير ذلك من القواعد.

أجل إنّ الإسلام والمسلمين المنتشرين في الشرق وإن أخذوا أساس تلك الثروة الطائلة والكنوز العالية من اليونان، غير أنّها كانت بضاعة لهم في القرون الغابرة قبل أن تظهر طلائع المدنية في اليونان، فردّت اليونان إلى الشرق والمسلمين بضاعتهم التي كانوا أخذوها منهم، فقد كان اليونانيون متطفّلين على موائد الشرقيين من كهنة مصر وغيرها في العلوم الطبيعية والفلسفية.

15

الشرق وأدوارها الثلاثة:

مضت على الشرق أدوار ثلاثة مختلفة: دور العلم والتفكير، وذلك قبل أن يطلع في اليونان كوكب العلم، ودور التباعد عن العلوم والمعارف بعد ما كان مبتكرها، وكانت الأحوال على هذه حتى ظهرت طلائع التمدّن الإسلامي بظهور نور الإسلام وأعاد ذلك النور في عواصم المسلمين وبلدانهم بقوّة حججه، وصلابة منطقه، فعمرت المكتبات الإسلامية بألوف من الكتب وغصّت دور العلماء وحلقات التدريس بطلاّب الفضيلة وروّاد العلم.

هذه دراسات تاريخية توقفك (إذا تحرّيت الصدق في المقال والعدالة في القضاء) على عظمة الشرق وعظمة معارفه في الدورتين، وانّ المعارف والعلوم والفلسفة التي كانت دارجة بين الشرقيين قبل عصور الأغارقة في اليونان، قد لعبت دوراً عظيماً في المدنية اليونانية وعلومها وأفكارها.

والتاريخ يحدّثنا ويقرأ علينا فصلاً مبسوطاً عن الأُمّة الإسلامية فيما تحمّلوها من الأتعاب في تكميل ما حصلوا عليه من التراث اليوناني وأخذوه من تلك الأُمّة البائدة وتهذيب ما وصل إليهم منهم، من زوائد الكلام وفضول المقال وبذلك صار الشرقيون عمداً للعلم في كلتا الدورتين: الأُولى والثالثة.

وقد استمرّ البحث والتنقيب حول المسائل الفلسفية الكلية، والعلوم الطبيعية إلى أجيال تربوا إلى عشرات القرون.

هذه نواحي فنية من تاريخ الفلسفة، أشرنا إليها لتكون كنموذج يعرف القارئ الكريم به الحقيقة في تلك العصور الماضية، غير أنّ بسط المقال فيها يحتاج إلى تأليف كتاب مفرد خارج عمّا يهمّنا فعلاً.

16

التطوّر النهائي في الفلسفة:

ظهر هذا التطوّر في العصور الأخيرة الإسلامية أي‏بعد القرن العاشر الإسلامي، فهو بلا شك أدهش العقول وحيّر أصحاب الفكر. أحدثه رجل العلم والفضيلة، البطل المقدام في ميادين العلم والمعرفة، سيّد نوابغ العالم، أسوة الحكماء والمتألهين: محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بصدر الدين، وصدر المتألهين (971-1050) أسّس أساساً حديثاً، ورسم قواعد ودوائر لم يسبق إليها أحد، وأتى بأفكار أبكار، وآراء ناضجة، لم يقف على مغزاها إلاّ ثلّة قليلة من بغاة العلم والفلسفة.

ولو تتبّعت موارد أنظاره وكتبه ورسائله، لعلمت أنّه المؤسّس في المسائل الفلسفية، وأنّه المبتكر الوحيد في إبداع أُصول لم تعهد، وتفريع فروع لم تسمع، وإحداث طريق للبحث والتحليل لم يشاهد.

كان من الفرض اللازم، قيام أُمّة كبيرة من أصحاب الفضيلة بأعباء ترجمة آرائه ومسائله وأجوبته وما أسّسه من أساس وطيد، حتى يقف العالم الغربي على علوّ كعبه ومدى فلسفته، وسمو معناها، ويقف على أنّ الشرق قد أنشأ رجالاً يليق أن تفتخر بها المجتمعات البشرية يوم كان الغرب مغموراً في ظلمات، ومما يؤسف له أنّ هذه الأُمنية قد بقيت في بوتقة الإجمال والإهمال، ولأجل هذا التسامح والتساهل ترى شباب العصر متطفّلين على موائد الغربيين حتى في تراثنا الفلسفي الذي نقله الغربيون من الشرق، ولعمر اللََّه تلك خسارة يعسر جبرانها، وخلأ فكري أحدثتها يد أثيمة بين أبنائنا في تلك البلاد.

هذا هو سيّدنا المؤسّس الشيرازي، وهذا تراثه الفكري، وكتبه القيّمة، ورسائله، إلاّ أنّ شبابنا في العواصم الشرقية، لا يعرفون من تلك الأفكار الغالية شيئاً غير ما كتبه الأجانب في هذا الباب.

17

حول الفلسفة الإسلامية

في القرن الحادي عشر

أسّس سيّدنا الصدر الشيرازي هذه الفلسفة الإسلامية وأسماها بالحكمة المتعالية، فصارت محوراً للدراسات الفلسفية في الجوامع العلمية في بلادنا وما يقارنها فعكف عليها روّاد العلم وعشّاق الحقيقة، منذ وضع المؤسّس حجرها الأساسي وشاد بنيانها ورفع قواعدها.

وجّه سيّدنا المؤسّس فكرته إلى تحليل المباحث الهامة وشرحها تحت مشراطه العلمي وعطف نظره إلى القواعد العامّة الجارية في نظام الوجود من غير أن يختصّ بموجود دون آخر، فدقّق النظر فيها في بابها الخاص أعني الفن الأعلى، كما أنّه بحث بحثاً وافياً عن الإلهيات وأتقنها أيّ إتقان.

وقد استعان رحمه الله فيما أحدث من المدرسة الجديدة للفلسفة وفيما جاء من المنهج الجديد والتفكير الحديث، بما وصل إليه من الأغارقة الأقدمين ولا سيما أفلاطون وأرسطو ونظرائهما، وضمّ إلى تلك الأنظار الجليلة ما استفاده من أساتذة الشرق وفلاسفتهم ممّا سمحت بها أذهانهم ونشرتها أقلامهم، منذ حدث التمدّن الإسلامي إلى عصره - أعني منتصف القرن الحادي عشر الإسلامي.

ولا شك أنّه لاحظ وتأمّل ما كتبه فطاحل المشائيين وأساتذة

18

الاشراقيين، والعرفاء الشامخين، فجاء مؤسّساً بما اخترعه من المنهج الجديد، وهذا المسلك الحديث مع ما فيه من التجديد والابتكار رهين تلك الجهود التي تحمّلها روّاد الفلسفة الإسلامية وأساتذتها، ومن تقدّمهم من فلاسفة الاغريق، وأعانه في تأسيسه ذوقه المستقيم، وعارضته القوية.

ومن أياديه على أبناء الفلسفة أنّه أتى بنظام بديع في المسائل الفلسفية، فقدّم ما حقّه التقديم وأخّر ما حقّه التأخير فأصبحت المسائل الفلسفية، كالمسائل الرياضية يستمد الثاني من ماضيه.

نهض بهذا العب‏ء الثقيل ولا نصير له سوى براعته وهمّته القعساء، وعقل كبير، وقلب بصير، جاء مهبطاً للعلوم والمعارف وصار بذلك بطلاً مقداماً في تلك الميادين.

ولقد توفّق رحمه الله كل التوفيق في الجمع بين الآراء الباقية من أفلاطون (مؤسّس مدرسة الاشراق) وتلميذه الجليل أرسطو (مبتكر منهج المشاء) وكان الأوّل من المعلمين داعياً إلى تهذيب النفس وتصفية الباطن، قائلاً بأنّ الطريق الوحيد إلى اقتناص شوارد الحقائق واكتشاف دقائق الكون هو هذا المنهج ليس غير، وكان الثاني منهما مخالفاً له في أساس منهجه، قائلاً بأنّ الدليل للوصول إلى الحقائق المكنونة، والدقائق المجهولة، هو التفكير والاستدلال والبرهنة الصحيحة، فكان يخطو على ضوء البرهان العقلي من مقدمة إلى أُخرى، إلى أن يصل إلى الحقيقة التي يتوخّاها بسيره النظري.

ولم يزل التشاجر قائماً على ساقيه بين العلمين وأتباعهما في اليونان والاسكندرية وأوربا في القرون الوسطى، إلى أن سرى هذا الاختلاف إلى الفلاسفة الإسلاميين وهم بين مشائي لا يقيم للاشراق وزناً، واشراقي لا يجنح إلى فلسفة المشاء.

19

وقد قضى مؤسّسنا الشيرازي على هذا التشاجر والنقاش الذي أشغل أعمار الفلاسفة من الأغارقة والمسلمين طول هذه القرون والأجيال البالغة إلى ألفي سنة فختم بأفكاره وأسلوبه، ونهجه، على هذه المناظرات، ومن كان له المام بأساسه الرصين يعرف كيف رفع هذا المبتكر الفذّ تلك المشاجرات، وكيف ألغى بالأُصول المحرّرة تقابل المسلكين، وتضاربهما، بحيث لا يكاد يصحّ بعد هذه الأُصول أن يعد أحدهما مقابلاً للآخر.

وقصارى القول: إنّه قد حاز قصب السبق في ميدان الابتكار على فلاسفة الأغارقة من اليونانيين، وأُمّة كبيرة من المسلمين، فجاء بأفكار عالية جديدة على عهده لا توجد في زبر الأوّلين ولا في خواطر الآخرين، وضمّ إلى تلك الأنظار نتائج جهود أُمّة كبيرة من الأُمّة الإسلامية وخلاصة دروسهم العالية ومحاضراتهم القيّمة، ولباب مجاهداتهم طوال القرون الثمانية منذ ظهور الفلسفة في البيئات الإسلامية إلى عصر المؤسّس.

وكان على عاتق الأجيال اللاحقة، بث تلك الثروة الطائلة والكنوز الدفينة حتى يقف عليها الغربي، والشرقي، ويقتصها القاصي والداني.

كان على عاتقهم نقلها إلى اللغات الحيّة العالمية لكنّه مع الأسف قد وقعت تلك الأُمنية في هوة الإهمال وقد مضت على تأسيسها أربعة قرون وما زالت هي كالكنوز الدفينة في طبقات الثرى.

نعم جاء البروفسور ادوارد براون (1) (ذلك المستشرق الأجنبي) معرّفاً لتلك الشخصية الفذة فقال في الجزء الرابع من تاريخ آدابه:

«إنّ الفلسفة الإسلامية التي أسّسها صدر الدين الشيرازي، كسبت في إيران شهرة عظيمة، وصارت محور الدروس الفلسفية في بلادها ولم أجد لها

____________

(1) 1- ADWARD. BROWN-

20

ترجمة صحيحة وافية، باللغات الأوربية، نعم قد كتب المستشرق «كنت كوبينو» في توضيحها عدة صحائف ولكنّها لا تسمن ولا تغني بل يكشف عن قصور باعه وقلّة اطّلاعه - إلى أن قال: - استخبر مدى اطّلاعه عن تحليل منهج المؤسّس الشيرازي حيث قال في حقّه يمشي مشي المشائيين ويستضئ من أنوارهم فهو عديل الشيخ أبي علي في عصره، مع أنّ مؤلّف الروضات نسبه إلى الاشراق وأنّه كان يجنح إليه شديداً وأنّه كان منقّحاً أساسه بما لا مزيد عليه» .

«نعم كتب الأُستاذ محمد اقبال الباكستاني رسالةً باللغة الانجليزية يوم كان من طلاب كلية «كمبريج» وأسماه: «تطور الحكم في الإسلام» ، شرح فيها مكانة الفلسفة الإسلامية وعرّف قوة برهانه، وحسن منهجه، ولعل تلك الرسالة اتقن ما في هذا الباب، ثم قال البروفسور: إنّ لصدر المتألّهين مصنّفات أشهرها الأسفار الأربعة والشواهد الربوبية، وقد توهّم الكاتب «كنت كوبينو» وتخيّل أنّ الأسفار جمع السفر -بالفتحـ مع أنّ جمع السفر -بالسكونـ بمعنى الكتاب» .

ولا شك أنّ الكاتب (ادوارد براون) من أهل الفضل والتتبّع، وقد أثنى عليه العلاّمة القزويني في مقال نشره عام 1344هـ الذي توفّي فيه البروفسور.

وممّا جاء في هذا المقال: انّه أحد كبار المستشرقين، ممّن تحمّل جهوداً كبيرة في الإحاطة بعلوم الشرق ولغاته، بحيث أحاط ب‏آداب اللغة الفارسية وأتقنها غاية الإتقان، ولم يسبقه أحد في هذا الباب، وكان يحب بلادنا من صميم قلبه.

وقد أثنى الأُستاذ القزويني على قرين البروفسور وزميله، أعني: «كنت

21

كوبينو» وقال: كان من حملة الأقلام وانّ له كتاباً في التاريخ والمذاهب والعلوم الفلسفية والاجتماعية، غادر موطنه قاصداً إيران وأقام في عاصمتها «طهران» ، من سنة 1278هـ إلى 1280هـ، حاملاً سمة الوزارة من دولة فرنسا» .

ومع هذا الإطراء والثناء، يجد لهم القارئ الخبير في كلامهما زلاّت لا تستقال، وعثرات في ضبط تاريخ الشرق وآدابه وفلسفته، وقد وافاك انّ «كنت كوبينو» عرّف شيخنا المؤسس الشيرازي بأنّه من المشائيين، وجاء بعده البروفسور «ادوارد» ناقماً عليه بأنّه من الإشراقيين مستشهداً بما نقله عن الروضات.

وقد خفى على الرجلين، أنّ الحكيم الإسلامي، صدر المتألّهين، ليس بمشائي ولا إشراقي، بل له نهج جديد وأساس حديث، لا يعرج في أبحاثه على أحد من المسلكين ولا يعتمد في أنظاره على واحد من المنهجين، بل يستنتج على ضوء البرهان سواء وافق رأي المشائيين أم الإشراقيين أم خالفهما.

وتشاجرهما في معنى «الأسفار» أهو بمعنى السفر بالفتح أو بالسكون أوضح دليل على عدم إلمامهما بحقيقة تلك الحكمة المتعالية، وانّ الرادّ والمردود عليه، لم يلاحظا أوائل تلك الصحيفة المكرمة فإنّ شيخنا المؤسس الشيرازي صرّح في كتابه بأنّ الأسفار ليس بمعنى السفر ولا الكتاب.

ولا غرو فإنّ الكاتب «كنت كوبينو» تلقّى ما تلقّاه من الفلسفة الإسلامية عن يهودي يدعى بـ «ملاّ لاله زار» وكان قاصراً في كل شي‏ء حتى في فنّه اللصيق به.

وإن تعجب فعجب قول ذلك المستشرق بأنّ السيّد الداماد (ذلك

22

المحقّق الحكيم المتضلّع) كان رجلاً جدلياً وأنّ صدر الدين (ذلك الحكيم المؤسّس) تتلمذ عليه ولم يزل يختلف على أندية دروسه حتى طار صيته بالفصاحة والبلاغة.

وهو حقاً أمر مضحك، فأيّة رابطة ومناسبة بين تتلمذ شيخنا المؤسّس على أُستاذه الحكيم الداماد في العلوم الفلسفية، واشتهاره بالفصاحة والبلاغة وأيّ تلازم بين مقدمته ونتيجته، وأنت إذا حاولت أن تستقصي ما للمستشرقين من الزلاّت لزم عليك تأليف مجلّدات ضخمة، وليست هذه الزلاّت غريبة منهم، فإنّهم بعيدون عن الشرق والشرقي وسجاياه وخباياه وزواياه.

ولا يترقّب ذو مسكة من أجنبي لم يتفيّأ ظل البيئة الإسلامية ولم يألف سمعه جرس هذه العلوم ونغمتها، أن يقضي قضاءً صحيحاً في العلوم الشرقية ويأتي بصورة صحيحة من تراجم مفاخر الشرق وأكابره.

ولعمر الحق أنّ الأُمّة الحية تسعى بكل وسيلة في تعريف نفسها ولا تجعل عب‏ء اشتهارها على عاتق غيرها حتى يختلط الحابل بالنابل (1) وتسعى بكل قدرتها لاسماع أُذن الدنيا صوت حضارتها وحسن نضارتها.

إنّ من الواجبات الاجتماعية على أيّة أُمّة استيقظت بعد طول سبات، وتقدّمت في معترك الحياة، أن تتحمّل الأعباء الباهضة في عرض علومها وآدابها على من سواها من دون أن تترقّب من أجنبي ذلك، فإنّه: ما حكّ ظهري مثل ظفري (2) ، والأجانب بعد أجانب، غرباء عن علومنا وآدابنا وأخلاقنا لم يتفيأوا في بلادنا ولم يمارسوا علومنا ودروسنا ولم يحفظوا إلاّ

____________

(1) مثل يضرب.

(2) . مثل سائر.

23

ألفاظاً عابرة.

ولو جرّد المستشرق نفسه من النزعات القومية والأهواء النفسية، لما توفق إلاّ ما قل للقضاء الصحيح والحكم العادل، ولما نجا من الأغلاط والاشتباهات في أوضح الأُمور حتى في بيان الأُمور العادية والمراسم الدارجة فضلاً عمّا يحتاج إلى التخصّص الفني والتدرب الكامل كالفلسفة والأخلاق.

ولا تجعل ذلك تعييراً منّا في أفهامهم وادراكاتهم فإنّ لهم الفضل الأوفر والسهم الأكبر فيما يرجع إلى معارفهم، غير أنّ زلتهم في ترجمة علومنا إنّما هي لأجل بعدهم عن بيئات الشرق ولغاته وتراكيبه، وعدم تألفهم بالاصطلاحات الخاصة بالفنون الرائجة فيها، أضف إليه ما فيها من العبارات الوجيزة تشاربها إلى المقاصد الدقيقة والمغازي العميقة، وما فيها من كنايات ترمى بها إلى مقاصد خفية، وههََنا شواهد على غفلاتهم في بيانبعض الكنايات الدارجة في الألسن الشرقية، طوينا عن ذكرها كشحاً.

حول القرنين:

أصبح القرن الحادي عشر الهجري والسادس عشر الميلادي عصراً ذهبياً وأصبحت الإنسانية تسير فيه سيراً حثيثاً إلى معرفة الحقائق وتمييزها عن الأوهام، ولا أحسب أن يعد من المغالات في القول إذا قلنا: إنّه عصر النور والشعور، تجلّت فيه الحقائق وظهرت البواطن وقام في زوايا الآفاق رجال الفحص والتنقيب.

24

وفي الوقت الذي قام سيدنا صدر المتألّهين بأعباء الحكمة النظرية طلعت طلائع المدنية الحديثة الغربية، بسعي رجل العلم والتفكير العلاّمة الشهير «ديكارت» الفرنسي حيث هجر التقليد وأخذ بالتحقيق والبرهنة على أوضح الأُمور إلى أخفاها، فجاء بنغمة جديدة في تحليل المسائل وحل المجهولات، ووقف قلمه وتفكيره على تحقيق المسائل العلمية والفلسفية منعزلاً عن ملاذ الحياة والشهوات.

وقد كانت مقدمات هذه النهضة متهيّأة قبل قرون فجاء العلاّمة «ديكارت» وبنى أفكاره على تلك الأُسس، وصارت أفكاره كالحجر الأساسي للتمدّن الحديث الغربي، والمخترعات البديعة، والفنون الدقيقة، وعلى اثر ذلك صارت العلوم مشتملة على قواعد وطيدة وأُصول جديدة، وأوجد ذلك الباحث الكبير ضجة كبرى في كيفية البحث والبرهنة، وقد اقتفى أثره جهابذة عصره، ومن جاء بعده حذا حذوه.

والحق أنّ هذا القرن من القرون الميمونة الذي فتح أمام البشر أبواب العلوم والصنائع والفنون، وأحدث خططاً جديدة علمية وفلسفية في الشرق.

كان زعيم هذه النهضة في الشرق سيدنا الصدر الشيرازي فأحدث منهجاً خاصاً وبحث عن مسائل منسية أو غير معنونة، وكان قائدها في الغرب هو العلاّمة «ديكارت» فقام بتكميل الفلسفة الدارجة في الغرب طول القرون الوسطى، وتهذيبها بحيث صارت الفلسفة الغربية بعده ذات خطة خاصة، فأدخل فيها مسائل أصلية غير معروفة في الفلسفة الاغريقية، نعمإنّه حذف بعض ما كان له المكانة الكبرى في الفلسفة الإسلامية واليونانية.

25

نتائج النهضة الجديدة في الغرب:

صارت تلك النهضة العلمية في الغرب مبدأ لظهور مذاهب فلسفية جديدة يختلف بعضها عن بعض اختلافاً كبيراً، ومال الأساتذة إلى اليمين واليسار فمن متمسّك بالفلسفة التعقّلية البحتة، قائلاً بأنّ المسائل الفلسفية لا تحل إلاّ بالبراهين العقلية، إلى قائل بكون الأساس في الوصول إلى الحقائق هو التجربة في المسائل العلمية والفلسفية، وأنّ مسائلهما لا يحل عقدها إلاّ من ذلك الطريق، إلى ثالث مفرط في البحث عن الأُمور العامة الدارجة في الفلسفة، وعن المسائل الإلهية نابذاً غيرهما وراءه ظهرياً، مدّعياً بأنّه لا ينبغي للفيلسوف الغور في ما عداهما، إلى رابع خلص نفسه عن جهد البحث وكدّ الطلب فآثر طريقة السوفسطائيين الذين قضى الدهر وحوادث الزمان عليهم وعلى آرائهم حتى صاروا من الفرق البالية، وإنّما كان يذكرهم بعض المؤرّخين لاستيعاب الحديث عن فرق مدّعي الفلسفة فصارت تلك الطريقة البائدة دارجة في هذه العصور وعادت تلك النغمات مرة جديدة إلى حياة الإنسان.

ثمّ إنّ متخرّجي هذه المسالك الأربعة بين إلهي في عقائده يرى انتهاء سلسلة الموجودات إلى مبدأ واجب مختار، ومادي لا يرى مبدأ لسلسلة النظام إلاّ نفس المادة ولا يرى لغيرها وزناً ولا قيمة.

مشكلة التقريب بين تلك المسالك:

كانت بعض الفرص تدفع أحياناً بعض المفكّرين إلى محاولة التقريب بين هذه المسالك المختلفة الحديثة والفلسفة الإسلامية المنتشرة في الشرق، ولكن هذه - أي أُمنية التوحيد وتقريب المسافة بين الاتجاهين وتضييق دائرة

26

الخلاف - كانت تعد من الأُمور الغامضة.

لأنّ الفلسفة الدارجة في هذه العصور في أوربا ونواحيها قد أسقطت المسائل الأساسية المعنونة في الفن الأعلى «الأُمور العامّة» فأصبحت منحرفة عن محورها الأصلي بعدما كانت مبنية عليها في عصور الأغارقة وبرهة من القرون الوسطى.

وهذه المسائل المغفولة عنها في الفلسفة الغربية، المعنونة في الفلسفة الإسلامية هي من النقاط الحساسة التي بها يحصل الفصل والقضاء البات بين المسالك وتعدّ مبادئ البرهان لغيرها، ولأجل ذلك صارت أُمنية التقريب أُمنية بعيدة، لإهمال فلاسفة الغرب المباحث المهمة التي منها تستخرج جذور المسائل الفرعية، ولذلك يصعب على المفكر جمعها في نقطة واحدة.

نعم لو كانت الفلسفة الغربية باحثة عن المسائل المهمة لتسنّى لأصحاب البحث ومحبّي التقريب لمّ هذا الشعث وجمع هذا الشمل المتفرق.

فإنّ المحور الذي يدور عليه حل أكثر المسائل الفلسفية إنّما هو البحث عن الأُمور العامّة وشرحها على ضوء التفكير الصحيح، ولكن مع الأسف كلّه انّ الفلسفة الحديثة الغربية تركت البحث عن هذه النقاط الحسّاسة والمواضع المهمة.

ونحن على يقين من أنّ الباحث المفكّر إذا بحث عن هذه الأُمور والقواعد وأتقن البحث فيها وأقام دعائمها ورفع قواعدها، لتخلّص من التلوّن في القول والتشكيك في الرأي، ولو غفل عن تحليلها باتقان أو أسدل عليها حجاب النسيان لآل إلى السفسطة في إنتاجاته وإلى التناقض في القول.

فالواجب على محبّي الفضيلة وطلاب الفلسفة وفي طليعتهم الزمرة

27

الباحثة عن الفلسفتين، الذين يعملون لتوحيد الاتجاهات الفكرية فيها، البحث عن الأُمور العامّة والقواعد الجارية في مراتب الوجود عامّة، ونظام الكون كلياً.

وأظن أنّ السبب الرئيسي في تكثّر المسالك الفلسفية في الغرب هو انحرافهم عمّا هو المحور الأصلي لتحليل المسائل الفلسفية، فإنّ إتقان البحث في هذه الأُمور الكلية يسهّل البحث في غيرها ويكون ميزاناً صحيحاً لمعرفة المسائل الأُخرى.

وهنا زلّة أُخرى أو آفة ثانية للفلسفة الغربية الحديثة، فإنّ القوم أدخلوا فيها ما لا يرتبط بها إقحاماً، فترى أنّ كتب الفلسفة صارت تبحث عن المسائل الرياضية والطبيعية، وبذلك خرجت الفلسفة عن مستواها وأصبحت بين طلابها لُغزاً ليس لها عندهم مفهوم واضح.

ولعمر الحق: أنّ للفلسفة الإسلامية في هذه المقامات خطوات كبيرة، وهذه الخطوات فضيلة لا يصح الإغضاء عنها فضلاً عن إنكارها، كيف وقد أخرج المسلمون الفلسفة الإغريقية من مراحل النقص إلى الكمال، وأضافوا إليها أضعافاً مضاعفة، فإنّ ما وصل إلى المسلمين يوم تُرجمت الفلسفة الإغريقية لم يكن أزيد من مائتي مسألة وأصبحت اليوم بين أيديهم تناهز السبعمائة مسألة.

على أنّ لهم أيادٍ بيضاء في إصلاح أُصولها وتوضيح مسائلها وتحليل رموزها وتعليم البرهنة على إثباتها، كل ذلك نتيجة جهود وأتعاب متواصلة، حتى أصبحت المسائل الفلسفية في أيديهم كالمسائل الرياضية، تستنتج ثانيتها من أولاها وثالثتها ممّا تقدمها، وسيتضح لك حقيقة الأمر ومدى تلك الجهود إذا وقفت على أجزاء هذا الكتاب بأجمعها.

ـ

28

مساهمة الشرق والغرب:

إنّ تيسير المواصلات وسرعة وسائل النقل الأرضية والجوية قد رفعت كثيراً من الموانع والعوائق التي كانت حاجزة بين روّاد العلم وآمالهم، فقد أصبح العالم كلّه مرتبطاً ببعض، وصارت العلوم لأجل ذلك التيسير تنتقل إلى عامّة نقاطه مع ما بين النقاط من البعد، فالشرقي يمد يده إلى الغرب فيتناول ما احتضنه من العلوم وكذلك العكس.

وقد قام غير واحد في عصرنا ممّن لهم العناية بالعلوم والمعارف، بترجمة الرسائل الفلسفية المؤلّفة بيد أفاضل الغرب المثقّفين.

ولعل الكاتب المستشرق «كنت كوبينو» أوّل من فتح الباب على الأُمّة الإيرانية بمصراعيه وقام بأعباء ترجمة رسالة ألّفها العلاّمة «ديكارت» قبل قرون وأعانه في الترجمة أحد أساتذته في عاصمة إيران «طهران» .

وقد صار من المحسوسات التي لا شك فيها: أنّه كلّما خطى الأوربيون خطوات في نشر الثقافة وكشف المجاهيل امتدت أعناق الشرقيين إلى علومهم، لسد هذا الفراغ والمساهمة مع الغربيين، قام فضلاء في الشرق بترجمة ما يطبع وينشر في الغرب حول العلوم وشتّى البحوث.

والحق أنّ الجرائد والمجلاّت العربية قد أعانت على نشر الثقافة الغربية الفلسفية بين أبناء الشرق، فهذه الصحف المنشورة بلغة الضاد، كانت أحسن وسيلة لنشر المعارف الدارجة في الغرب، في أقطار الشرق ومعاهده.

وهنا سانحة أُخرى ما زالت عالقة بها ضمائر كثير ممّن يعتنون بالمباحث الحديثة والقديمة المعنونة في الفلسفتين، ألا وهي أُمنية التوفيق بين الآراء الحديثة والقديمة في الفلسفة بانتخاب الأصح ونبذ الفاسد، حديثاً

29

كان أو غيره.

ومن المؤسف أنّ تلك الخواطر الطيبة والأُمنية الكبرى لم تزل خاملة في زوايا الخواطر ومكنونة في الصدور مع سائر الأماني، فلم أجد فيما بأيدينا من الكتب والرسائل الفلسفية، ما يسدّ هذا الفراغ أو يشير إلى هذه المحاولة أو يبشّر بميلادها، بل لم نزل نجد كل ما يتألّف في هذه العصور بين شارح للآراء المتقدّمة الواصلة إلينا من الأغارقة، شرحاً يحاول أن يوفيه بحق البيان في عامّة أبوابها حتى في طبيعيّها وفلكيّها التي أصبحت قواعدها في العصر الحاضر كحديث أمس الدابر، وقد شطب قلم العلم عليها، وصار التحدّث عنها أشبه شي‏ء بقصص القصّاصين، وبين ناقل آراء علماء الغرب في الأبحاث الفلسفية بلا تصرّف في شي‏ء منها. غير أنّك لا تجد الباحثين عن الحقائق العقلية والمعارف التكوينية على وتيرة واحدة، بل تجدهم على نزعات مختلفة، فهم بين عاكف على الفلسفة الإغريقية مقدّساً آراءها عن النقص والشين، نافياً كلّ ما يحدث في العالم من عجائب الأنظار وغرائب الأفكار، وبين غالٍ في المناهج الحديثة في الفلسفة والمعارف.

وهنا ثلّة قليلة هم طلاّب الحق وعشّاق الفضيلة، أينما وجدوها، لا يرون الحداثة فضيلة، ولا يعدّون القدمة عيباً، ولذلك ما زالت ضمائرهم عالقة على تحقيق تلك الأُمنية، أي‏أُمنية تأسيس قواعد جديدة تبتنى عليها ثقافة إسلامية، وتشير إلى الآراء الفلسفية الصحيحة الإسلامية وما ركن عليه فلاسفة الغرب، حتى تكون تلك الخطة صلة بين القديم والجديد.

ولا شك أنّ أمام هذه الأُمنية عقبات، ولا يتوصّل إليها بوقت يسير وجهود قليلة، وانّ تحقّق هذه الأُمنية يحتاج إلى جهود متواصلة، فإنّ الفصل بين المنهجين في تحليل المسائل وإقامة البرهان كثير جداً، فإنّ الفلسفة

30

الإسلامية تعتمد في أبحاثها على البراهين العقلية البحتة وتلك تعتمد على التجاريب العملية والقضايا الحسية.

أضف إلى ذلك أنّ بعض المسائل كان لها دور كبير في الفلسفة الإسلامية وصارت أساساً لتفريعات كثيرة، كما أنّه وجدت في الفلسفة الحديثة مسائل مهمة كان لها الأثر الكبير في قوة التفكير وحلّ المجاهيل. وعلى أيّ حال فكلّما أمعنت النظر في العقبات التي تجابه هذه المحاولة في الطريق تجد بينك وبين أُمنيتك عراقيل.

ولعلّ هذا الكتاب الذي تمرّ عليك فصوله وأبوابه قد سدّ هذا الفراغ، وهو فاتحة خير، قام بها مؤلفه للوصول إلى تلك الأُمنية، فلا غرو إذا قلنا: إنّه ابتدع وابتكر وسبق غيره، وكتب في موضوع لم يسبقه إليه سابق وما جرى فيه يراع كاتب، فحاز فضيلة السبق والابتكار وأسدى ما في مقدرته من النوال، وسوف يقف الباحث المثقّف على مدى الجهود التي بذلها في سد هذا الفراغ حتى أوقفنا على صورة صحيحة من الفلسفتين.

شرح المؤلف معظم المسائل الفلسفية بطريقته العلمية وحلّلها وأتقنها بما لا مزيد عليه، وراعى جانب السهولة في التعبير، واجتنب عن مزج الكلام باصطلاحات العلوم والفنون ليسهل الأمر على كل من له ذوق فلسفي، معرضاً عن الإطناب، مقتصراً على أسهل البراهين وأبسطها، جامعاً بين الآراء القديمة والحديثة.

أعطى الكتاب قسطاً وافراً للمسائل التي لعبت دوراً هاماً في الفلسفة الإسلامية، وأصبحت ذات أهمية كبرى في حل المشاكل بل حاول البحث عن مسائل لم تسمعها أُذن الدهر ولا تجد لها أثراً في الفلسفتين.

ولو سبرت المقالة الخامسة والسادسة لتمثّلت لك حقيقة الأمر،

31

وأيقنت أنّ المؤلف ابتكر مسائل وأسس قواعد لا تجد لها مثالاً في زبر الأوّلين ولا في رسائل الآخرين، بل لو سبرت المقالة السادسة فقط لحكمت أنّ كلّما تكلّمنا به عن الكتاب لما بلغنا مداه، إذ حاول المؤلف في تلك المقالة شرح الإدراكات العقلائية شرحاً يعجز عنه التقرير وأدّى حق المقال حول الإدراكات الحقيقية والاعتبارية وعيّن قيمة كلا الإدراكين، ونبّه على أغلاط دائرة منذ قرون دخلت في العلوم والفلسفة حتى أوصله البحث إلى الاعتقاد بأنّ المنشأ الوحيد لتطرّق الأغلاط إنّما هو الخلط بين العلوم الحقيقية والاعتبارية.

وإذا وقفت على أفكاره وآرائه عرفت خطته التي لابد أن تتمسك بأهدابها ولا تتخلف عنها لئلاّ تزل.

على أنّ الكتاب قد حوى مزية أُخرى إذ أنّه لم يمزج الأبحاث الفلسفية بمسائل العلوم، بل جاءت مواد المباحث متصورة بأحسن الصور الفلسفية مع التحفّظ التام على الرابطة الموجودة بين الفلسفة والعلوم، ولو احتاج في استنباط مسألة فلسفية إلى المسائل الطبيعية والفلكية لاعتمد على الآراء المسلّمة في العصر الحاضر.

عبقرية المؤلّف:

لا عتب على اليراع إن وقف عن الإفاضة في تحديد شخصية تعد من زمرة النوابغ القلائل الذين يضن بهم الزمن إلاّ في فترات متقطعة، فإنّ مؤلف هذا الكتاب وعاقد سمطه وناظم درره، من تلك الطبقة العليا، ومن أعاظم الفلاسفة وأكابر المحقّقين في الفلسفة الإسلامية وشتّى علومها.

32

صرف برهة من عمره في تحصيل الفلسفة وتدريسها حتى استبطن دقائقها وأحصى مسائلها، وأحاط على وجه التحقيق على آراء أساتذتها الأكابر الذين يعدّون من النوابغ الذين تبزغ شمسهم في الفينة بعد الفينة أمثال: الفارابي وأبي علي وشيخ الإشراق وصدر المتألّهين.

ولكنّه - دام ظلهـ لم يكتف بما استحصله طول هذه السنين من الآراء القديمة، بل دأب يفحص عن الآراء الحديثة في المسائل الفلسفية التي أطلّ بها الغرب على المعاهد العلمية، وطفق يحلّلها بذوقه وفطرته السليمة ونبوغه الممتاز.

نعم، ليس كل من رمى أصاب الغرض، وليست الحقائق رمية للنبال وإنّما يصل إليها الأمثل فالأمثل، وأنت إذا دقّقت النظر في آثار سيدنا الأُستاذ ومآثره العلمية وتآليفه القيّمة في مختلف العلوم الإسلامية، لعرفت أنّه البطل العظيم الذي يضن بمثله الدهر إلاّ في فترات متباعدة، وآثاره الخالدة هي الحجة البالغة على تضلّعه في العلوم والفلسفة الإسلامية، إذ هو المؤسّس في أكثر مسائلها، وكفانا صيته الطائر في الجامعات العلمية وحوزاتها عن مؤنة الإطراء والتوصيف.

على أنّه لم يوجّه فكرته إلى ناحية خاصة، بل أصبح نبوغه الوهّاج ميّالاً إلى كلّ علم وفضيلة، مشاركاً في الفنون والفضائل، ومتخصّصاً في بعض النواحي فضرب في كل علم بسهم وافر، حتى أتقن كل ما تصبو إليه نفسه من الفنون والمعارف، فأصبح من أعاظم المتخصّصين في الفقه وأُصوله، وعلوم القرآن وتفسيره، ومن المتضلّعين في الحكمة الإلهية، وقد حضرنا دروسه العالية في الفلسفة.

33

الغرض من تأليف هذا الكتاب:

كانت فكرة التقريب تجول في خاطره مدة أعوام وكان على شوق حافز إلى سدّ هذا الفراغ، بتأليف كتاب يجمع في غضونه نتيجة ما حقّقه الأكابر من أساطين الفلسفة الإسلامية طوال عشرة قرون، وما جاد به فلاسفة الغرب من الآراء الحديثة في الفلسفة، حتى تقارن هذه بهذه ويؤلف بينهما.

إذ الفلسفتان (الحديثة والقديمة) أصبحتا على وجه يتخيّل في بادئ الأمر أنّهما أمران مختلفان لا تشابه بينهما وأنّ كل واحدة منهما فن على حدةٍ.

على أنّه -دام ظلهـ رام في تأليفه هذا هدفاً آخر لا يكاد يخفى على القارئ الكريم، حيث أثبت بتأليفه هذا قوة الفلسفة الآلهية وأنّها محكمة ببراهينها الواضحة وأنّها كجبل لا تحرّكه العواصف ولا تزحزحه الهواجس المادية مهما يقول الماديون، ومهما يعتقدون من انهيار الفلسفة الإلهية وتلاشي أُصولها. فأوضح - دام ظلهـ كذب هذه المزاعم وأثبت أنّ المعاول الهدامة العلمية قد قضت على أُصول المادية وأنّها بعد كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماءً.

شاهد -دام ظلهـ وجود النهضة الفلسفية في المعاهد العلمية بإيران وانكياب الشباب المثقّفين على الفلسفة الأوربية، حتى ما زالت المطابع في إيران تخرج إلى الأسواق كل يوم ترجمة أو تأليفاً أو رسالة في ذلك الفن، ولم يسجل تاريخ العلم عصراً يتسابق الطلاب فيه إلى الفلسفة مثل هذا العصر، وهذا التنافس يحكي عن حركة علمية وفلسفية جديدة في هذا العصر.

شاهد - دام ظلهـ الدعايات المادية، ونفوذها في المثقّفين بلطف مداخلها ووضوح تفسيراتها بحيث صاروا كأنّهم يديفون السم بالعسل،

34

وأعانهم على ذلك الزعماء الشيوعيون أيضاً، فلعبوا دوراً عظيماً في نشرها وبذلوا أموالاً طائلة في سبيلها حتى يتسنّى لهم اصطياد أولئك الشباب والبسطاء من الأُمّة الإيرانية.

رأى - حفظه اللََّهـ أنّ المادّي في البلاد الإسلامية يقول : لا وجود للعالم غير ما نراه ولا فاعل فوق النواميس الطبيعية وينشر من سموم الغرور العلمي! ما لفظته بُنية العالم الغربي.

هذه الوجوه وغيرها أكّدت عزمه على القيام بأمر واجب حتى يدافع عن شرف ملّته وكيان نحلته، ويذبّ عن الفلسفة الإلهية ويجابه هذه الكوارث والمحن بنكات بالغة وحكم نافعة.

وكان - سلّمه اللََّه - موفّقاً كل التوفيق فيما كان يرومه، حتى أُتيح له في هذه الظروف تأسيس لجنة علمية فلسفية من أكابر الفضلاء في جامعة قم، وكان يلقي عليهم كلّ ما كان يحرّره من آرائه وأفكاره مكتفياً في كل أسبوع بليلتين.

ولأجل التمحيص عن وجه الحقيقة كان باب النقد والرد مفتوحاً لمن يستمع إلى تلك المحاضرات القيّمة، وكنت أحد أعضاء هذا المجمع العلمي، وهو بعد باقٍ على حاله، وقد أصبح له شهرة عظيمة في الحوزة العلمية وخارجها، ومن نتائجه هذه المقالات العلمية التي ستمر عليك.

ولعمر الحق أنّ ما اتّخذه الأُستاذ - دام ظلهـ يعد من أحسن المسالك وأتقنها، وهو نهج جديد فتحه الأُستاذ على روّاد العلم وأسدى إليهم به أيادي تشكر، وقد صارت الفلسفة القديمة والجديدة دارجة بين الأفاضل في الحوزة العلمية، وأضحوا متمكّنين من الدفاع عن الحق بفروض جديدة واستعدّوا لخوض معركة البحث والنقد، وأصبح من الواضح: أنّ الفروض

35

العلمية لا تُزَحزِح أركان المذهب ولا تُضعضِع أُصول الفلسفة الإلهية، وانّ للحق دولة وللباطل جولة.

كانت تلك المقالات المحرّرة طول تأسيس تلك اللجنة تدور بين المحافل العلمية ويُستكتب منها عدّة نسخ، حتى اشتد إلحاح الملحّين من أهل العلم والمعرفة بطبعها ونشرها مقترحين عليه - دام ظلهـ أن يعلّق عليها بعض التعليقات حتى يتسنّى الاستفادة منها لكل من له إلمام بهذه الأبحاث، فكان - دام ظلهـ يتربّص الفرص.

وبينما كان الأمر كذلك حداني التقدير إلى مغادرة جامعة قم، بعدما أقمت فيها خمسة عشر عاماً، فغادرتها إلى طهران.

ومن جرّاء المشاغل الكثيرة التي حاقت بالأُستاذ لم يستطع أن يقوم بما اقترحوه، فأمرني -دام ظلهـ أن أُعلّق عليها بعض التعاليق، فجاء ما أمتثل به أمره بصورة مقدّمة وعدّة فصول وتعليقات تتراوح بين الشرح والتفسير، والتحقيق والإمعان، والمسؤول في هذه المواضع إنّما هو ذمّة كاتبها.

وهذا الجزء الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء يحتوي على أربع مقالات مع تعاليقها وسنواصل التعليق إلى آخر المقالات بفضل وتوفيق منه تعالى حتى نؤدي بذلك بعض حقوقه، وإليك فهرس المقالات:

المقالة الأُولى : في تحديد الفلسفة وتفسيرها.

المقالة الثانية: في الصراع بين الفلسفة والسفسطة.

المقالة الثالثة: في العلم والإدراك.

المقالة الرابعة: في قيمة علومنا ومقدار اعتبارها.

المقالة الخامسة: في حدوث الكثرة في العلم.

36

المقالة السادسة: في الإدراكات الاعتبارية.

المقالة السابعة: في البحث عن الوجود وأحكامه.

المقالة الثامنة: في الإمكان والوجوب والجبر والاختيار.

المقالة التاسعة: في العلّة والمعلول.

المقالة العاشرة: في القوة والفعل والحركة والزمان.

المقالة الحادية عشرة: في الحدوث والقدم.

المقالة الثانية عشرة: في الوحدة والكثرة.

المقالة الثالثة عشرة: في الجواهر والأعراض وأحكام الماهيات.

المقالة الرابعة عشرة: في إله العالم وصفاته.

وقد تضمّنت هذه المقالات الآراء الحديثة لأصحابها من غير فرق بين الإلهي والمادّي مع النقد العلمي. نعم قد استقصى الأُستاذ - دام ظلهـ في مقالاته كلّ ما اعتمد عليه فلاسفة المادّيين المعاصرين وأكابرهم الذين يقتفون أثر الفلسفة المادية الجدلية (1) والذين لم يزالوا يغرون بأصولهم عقول البسطاء بحيث اتّخذوها حقائق راهنة.

وقد قضى في الكتاب بأُصوله وطرقه على أُصولهم المادّية وأبطلها وأزاح عنها ستار الخداع، وأبعد الشباب عن تلك الدعاوى الفارغة. وستوقفك تلك الصحائف على صدق مقالنا إذا أمعنت النظر فيها متجرّداً عن كل رأي سابق لا دليل عليه وعن النزعات والتعصبات.

____________

(1) . 1- Materialisme. Dialecti

ـ

37

تاريخ المذهب المادي:

هل لمسلك الإلحاد والماية أصالة؟

يرجع الماديون بأصل مذهبهم إلى نحو القرن السادس قبل ميلاد المسيح، ويدّعون أنّ المذهب المادي تكوّن من عهد الفيلسوف كاليس المولود عام 638 أو 639 ق م. ويعتبرون كل من أتى بعده من تلاميذه إلى نحو 150 سنة قبل الميلاد، أسلافاً لأنفسهم يمتّون إليهم بأواصر وثيقة من القرابة المذهبية.

ولكن ليس لهذه المزعمة مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، بل كلها دعايات ودعاوي فارغة !!

نعم، إذا سبرنا الكتب المؤلّفة في الفلسفة في عصور الأغارقة والعصور الإسلامية نجد في غضون تلك الكتب أقوالاً لهذه الطائفة، فراجع الأبواب التالية:

1- حاجة النواميس الطبيعية إلى علّة فوقها.

2- لكل شي‏ء علّة غائية.

3- الروح الإنسانية مجرّدة عن المادة.

فتجد في ذيل تلك العناوين أقوالاً للماديين في نفي العلّة الأُولى والعلة الغائية أو تجرّدها عن المادة ، وغير ذلك من الكلمات التي تدور عليها رحى الإلحاد والمادية.

غير أنّ مثل تلك الأقوال من الماديين لا يدل على وجود نظام فلسفي لهم في عامّة المباحث الفلسفية، وإنّ الماديّة كانت إحدى المسالك الفلسفية

38

في القرون الماضية وإن كان الماديون يدّعونه اليوم، بل الغاية من سرد تلك الأقوال هي استيفاء الاحتمالات والكلمات الصادرة.

نعم، المادي يصر على أصالة الفلسفة الإلحادية وقدمها ورواجها بين المفكّرين، ويدّعي أنّ الفلسفة المادية رسمت في بدء نشوئها طوال القرون المتمادية دوائر للممكنات والمستحيلات، وأنّ لها أُصولاً وقواعد ما زالت رائجة ودارجة ... الخ. لكنّها أساطير لفّقها المادّيون، وتعلم موقفهم من الصدق وأمانتهم في النقل إذا سبرت تاريخ الفلسفة.

نعم، منذ تكوّنت الفلسفة وراجت بين أبنائها كان البحث عن النواميس الطبيعية وغيرها قائماً على قدم وساق، ثم تدرّج هذا البحث في مدارج التطوّر والتكامل حسب تكامل الإنسان وعلومه.

والتاريخ يحدّثنا أنّ أوّل من أحدث مسلكاً فلسفياً ورسم نظاماً خاصاً هو الحكيم المشهور «هرمس» ، ثمّ اقتفى تلاميذه أثره وأشاعوا مذهبه واشتهروا بالهرامسة لأجل تهالكهم في تحكيم ما تلقّوه من أُستاذهم، وتلك الطائفة كانت مؤمنة بالعوالم غير الطبيعية، وكانت الفلسفة يومذاك تطلق على البحث عن علل الأشياء، فراجع كتاب (العلل) المنسوب إلى «بليناس» .

ثم جاء بعدهم الفلاسفة المالطيين وظهرت في المسائل الفلسفية آراء وعقائد، وتطوّرت الفلسفة تطوّراً بارزاً فوق تكامها في عصور الهرامسة، ولم تختلف هذه الدورة عمّا قبلها، فقد كان البحث عن العوالم الغيبية قائماً على قدم وساق، يشهد بذلك الآراء والعقائد المنقولة عنهم في الكتب الفلسفية والتاريخ الصحيح.

وأمّا اليونانيون فقد قام منهم نوابغ يعدّون من أكابر الأساتذة في

39

الفلسفة، تابعوا هذه المباحث الواصلة إليهم، على أنّ جماعة منهم عاصروا المالطيين وبقوا برهة بعد انقراضهم، وقد عرفت أنّ البحث عمّا وراء الطبيعة كانت دارجة عندهم.

والهنود والصينيون لهم في تحكيم الفلسفة وعطف الأنظار إلى العلل غير الطبيعية خطوات واسعة، فقد برز منهم فلاسفة قبل ظهور المالطيين وعاشوا مدة بعد اشتهارهم.

والحاصل: أنّك لا ترى مسلكاً فلسفياً طوال هذه القرون وما قبلها وما بعدها إلاّ وقد خاض في البحث عن الإله وصفاته وشؤونه ومجرداته، وهذه كلّها شواهد بيّنة على أنّه لم يكن طوال هذه السنين نظام فلسفي مادي متميّز عمّا سواه حتى يلوذ به اللائذون، ولم يكن الإلحاد مذهباً فلسفياً تجاه سائر المذاهب الفلسفية.

وأمّا الدهريون فهم الشاكّون في تلك العوالم الغيبية، وهم يزعمون أنّ البراهين الواصلة إليهم من الإلهيين ليست مقنعة، لكن الشاك غير المنكر، والمادي يدّعي أصالة الإنكار وقدمه، والتاريخ لا ينبئ عن وجود تلك الطائفة.

نعم، تهيّأت البيئة الفكرية للرأي المادي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر بصورة قوية وقد أعلن الماديون في هذه الفترة الحرب على الفلسفة الإلهية، وتمخّض الصراع بين الفلسفتين في هذه الفترة عن اتجاه مسلكي ونظام خاص للاتجاه المادي، تجاه سائر المسالك الفلسفية، كل ذلك لعلل ستقف عليها فيما بعد.

وفي هذين القرنين بلغ غرور الماديين إلى حد عجيب، حسبوا أنّ الحقائق المطلقة التي يخضع لها الناس، هي الأحكام التي تصدرها دور

40

التشريح ومراصد الكواكب ومعامل الطبيعة والمختبرات العلمية، وأنّه ليس في الدار غير المادة وآثارها ديار.

لكن الفلسفة المادية أفاقت من غرورها في طلائع القرن العشرين، وجاءت المعاول العلمية من النقد الصحيح على ما بنوه في القرنين فهدمت ما أشادوه وفرقت ما جمعوه وحسبوه حقائق، وعرفوا أنّ ما نسجوه من الأوهام أقرب وإلى الوهم والخيال منه إلى الحقائق.

فلا تجد إذن للمذهب المادّي أصالة وقدمة، وإنّما انعقدت نطفة نظامه الفلسفي في أوّليات القرن الثامن عشر، ثم لم يمكث حتى تزعزع صرحه العلمي الفلسفي فجأة بشدة وظهر عليها التناقص والتهافت بصورة واضحة.

نعم، تدّعي الماديّة حتى اليوم بالقدمة والأصالة، حتى أصبحت تدّعي أنّ المخترعين والمستكشفين ومؤسسي العلوم مادّيون، حتى تستغوي بذلك السواد الأعظم، وغدا يعرف أرسطو (ذلك الحكيم الإلهي) ممّن يتراوح بين المادية والسفسطة والشيخ الأعظم أبا علي رجلاً مادياً -ـإقرأ واضحكـ.

وهذه رسائل المادّيين ومنشوراتهم الشهرية والاسبوعية تراها مليئة بالغلو في الأصالة والقدمة، حتى زعموا أنّ اليونايين من المالطيين من أوّلهم إلى سقراط كلّهم من أتباع المذهب المادّي.

وقد عرّف «بوخنر» الألماني - من أعلام المادّنيين في القرن التاسع عشر جماعة كبيرة من العلماء الذين صرفوا برهة من أعمارهم في العلوم الطبيعية، مادّيين وأسلافاً للمسلك المادّي، غافلاً عن أنّ كون الرجل عالماً طبيعياً غير كونه مادّياً غير مؤمن بالعالم الروحاني، فإنّ كون الرجل طبيعياً يرجع إلى أنّه كان باحثاً عن العلوم الطبيعية تجاه الرياضي الذي يبحث عن خواص

41

الأعداد، والسوفسطائي الذي ينكر الحقائق الخارجية الطبيعية، أو يرجع معناه إلى أنّ الرجل كان من المتخصّصين في العلوم الطبيعية ومتوغّلاً فيها يوم كان علم الطبيعة في دور السذاجة والبداءة.

وإليك أسماء بعض من ذكرهم الكاتب الألماني أسلافاً لمنهجه مع ذكر بعض آرائهم:

1- كاليس: زعم أنّ المادّة الأوّلية هي الماء، فبتكاثفه وجدت الأرض، وبتمدده تولد الهواء والنار.

2- انكزيماندر (انكسمند روس) : يرى أنّ مادّة المواد هي الهيولى المبهمة واللانهاية المطلقة، أي‏الحالة غير المحدودة التي يخرج ويعود إليها كل كائن.

3- انكزيمين (انكسمين) : يعتقد أنّ المادّة الأُولى هي الهواء.

4- هراكليت (هرقليطوس) : يعتقد أنّ النار هي المادّة الأُولى.

5- امبيدو كل (أبناذقلس) : يذهب إلى أنّ أصل المادّة الماء والتراب والهواء والنار مجتمعة.

6- ديمو كريت (ذيمقراطيس) (1) : يرى أنّ المادّة تتألّف من ذوات صغيرة جدّاً.

إنّ هؤلاء ومن لفّ لفّهم من المتوغّلين في البحث عن مظاهر الطبيعة، وهم الذين يعتبرهم المادي أسلافاً لنفسه، اغتراراً بتعليلهم الحوادث الطبيعية بعللها ومظاهرها بحقائقها، وتوغلّهم في كشف الروابط الموجودة في النظام الطبيعي، لكنّه فاته أنّ الإيمان بالنواميس والعلل المادية لا يلازم

____________

(1) . ما بين القوسين إشارة إلى اشتهارهم بهذه الأسماء في الكتب الفلسفية الإسلامية.

42

الإلحاد والإنكار، وإلاّ يلزم أن يكون كلّ الإلهيين من الأغارقة والإسلاميين من الملاحدة بل الأنبياء العظام والصلحاء من أوليائهم كلّهم من الملاحدة.

وما زعمه المادّي دليلاً لإلحادهم فهو من أفحش الأغلاط، إذ الأكابر من الإلهيين وأصاغرهم لا يختلفون قط في أنّ هنا مادة واحدة تنحل إليها البواقي، وأنّ لمظاهر الحياة عللاً طبيعية، وأنّ الحوادث والسوانح تنتهي إلى عوامل مادّية.

ضع يدك على المئات المؤلّفة من كتبهم تجدها مليئة بالبحث عن المادة الأُولى والعلل الطبيعية، ولكن ذلك لم يصدّهم من التألّه والإيمان بما ورائها.

على أنّ آراء تلك الطبقة التي عدّهم المادّي أسلافاً لنفسه في المباحث الإلهية ترد تلك المزاعم، فإنّ لـ «كاليس» و «انكسيمانوس» رأياً خاصاً في علم الباري - عزّ شأنهـ خصّه أصحاب الفلسفة الإلهية بالبحث والتنقيح.

نعم، ناقض «بوخنر» قوله بما نقله عن «هراكليت» في نفس الإنسان من أنّها شعلة وهاجة تأججت من الأزلية الإلهية.

بلى، ناقض قوله في مكان آخر أيضاً حيث نقل عن «ابناذقلس» أنّه كان يرى الخلود لنفس الإنسان، بعد موت الإنسان حتى تصل إلى غاية معينة من الراحة والشوق والحب.

أجل، أبطل مدّعاه بما رواه عن «هراكليت» أنّه قال: إنّا نرى الأشياء ثابتة ولكنّها في الحقيقة في حالة الزوال والتجدّد ولا ثبات لها أصلاً، وأنّ العالم كالنار الشحناء تتأجج تارة وتنطفي أُخرى، وهي لعبة بعض الآلهة (1) .

____________

(1) . راجع في جميع هذه النقول إلى ما ألّفه «بوخنر» حول نظرية «دارون» ونقله إلى العربية شبلي شمّيل اللبناني.

43

وليس يخفى على النابه أنّ تلك الكلمات رموز لحقائق لم تقصد ظواهرها، بل لهم في غايات، وقد نقل صدر المتألّهين في أواخر السفر الثالث كلمات من هؤلاء الأعلام ثم قال: إنّ كلماتهم كانت مشحونة بالألغاز والرموز، وأنّ النقلة قد نقلوها من غير تدبّر وتعمّق، وقد أرجع تلك الكلمات إلى القول بحدوث العالم وكونه متحرّكاً ومتغيّراً بحركة جوهرية، وليس هنا أيّ دليل على كونهم مادّيين سوى وجوه أوعزنا إليها وقلنا: إنّ المادّي والإلهي في هاتيك الوجوه سواسية، لأنّ الاعتقاد بمادة المواد، أو تعليل الحوادث بعلل طبيعية، أو الاعتقاد بأن نظام الوجود نظام وجوب وضرورة، أو الإذعان بأنّ الموجود الطبيعي ليس يوجد من كتم العدم، أو العناية بالتجارب والتدريب في تحقيق المسائل الطبيعية ... كل ذلك لا يختص بالمادّي بل هو عند المادّي والإلهي سواء.

والمادّي - لأجل بُعده عن المسائل الإلهية ونظامها الخاصـ زعم أنّ تلك العقائد تنافي القول بالعوالم الروحانية، ومن جراء ذلك رمى‏ََ كل من تفوّه بهذه المبادئ العلمية الطبيعية بالمادّية والإلحاد، وإن كان يصرّح بالإيمان بمبدأ غيبي وراء الأُفق المادّي.

وقد صار ذلك منشأ لأغلاط واشتباهات، حتى عمّت وسرت إلى كُتّاب تاريخ الفلسفة. وسنوقفك على حقيقة الحال ومبلغ علمهم وقيمة قضائهم عند البحث عن العلّة والمعلول والحدوث والقدم، فتربّص حتى حين.

نعم، قد صح عن «ذيمقراطيس» (ديمو كريت) و «ابيكور» وأتباعهما، إنكار تجرّد النفس وخلودها بعد الموت.

44

سلطان المادية على العقول:

هلّ القرن السادس عشر وظهرت بعض الآراء العلمية في الفلكيات والعلوم الطبيعية، وكان ذلك سبباً لإيقاظ الشكوك الكامنة في النفوس وتوليد الشبهات، وكان أوّل من اجترأ على إحياء المذهب المادّي الفيلسوف الإيطالي «بطرس بومباتيوس» فنشر عام 1516م كتاباً ثار فيه على نظرية «أرسطو» في خلود النفس، ولكن مع ذلك فقد نقل «بوخنر» في مقالته السادسة أنّ «بطرس بومباتيوس» كان من حماة الدين وحماة تعاليم المسيح، غير أنّه أضاف جملة أُخرى: أنّ التظاهر بالديانة كان أمراً دارجاً بين العلماء الطبيعيين، لسلطان رجال الكنيسة أو لرسوخ الإيمان الوراثي في قلوبهم.

وفي عام 1770 م نشر «البارون هولباخ» الألماني كتابه الذي أسماه (نظام الطبيعة) وممّا جاء فيه: أنّ كل شي‏ء محصور في الطبيعة وانّ كل ما يتخيّل وراءها وهم في وهم.

وقد أخرج أوّل دائرة معارف بالفرنسية في القرن الثامن عشر، وكان من أعضاء لجنتها «ديدرو» و «هولباخ» و «دلامبرت» وكان الأوّل مادّياً محضاً، وقد صرّح في رسالته التي أسماها (المادّة والحركة) بأنّ ما نراه من خروج كائن حي من البيضة بواسطة الحرارة وحدها ينقض تعاليم اللاهوتيين.

نقل «بوخنر» أنّ «دلامبرت» كان من المتوقّفين في العوالم الروحانية.

جاء القرن التاسع عشر، وقد قطعت العلوم الفرعية شوطاً بعيداً من التقدّم وأثمرت ثمراتها اليانعة في الصناعة والزراعة واستخدام القوى الطبيعية، وصارت البيئة الغربية بيئة مادّية صرفة لم يبق فيها من العقائد الدينية إلاّ شي‏ء لا يعتد به.

ـ

45

وبينما الناس على هذا الوضع يكاد ينهار صرح عقائدهم فإذا بحادث جلل حدث في العلوم الطبيعية عام 1859م، فقضى على البقية الباقية، ألا وهو مذهب «دارون» الذي جاء بنظرية حديثة في تحليل وجود الأنواع الحيّة وفسّره بناموس الانتخاب الطبيعي، فكان لظهوره أثراً عميقاً في تزعزع المذهب الإلهي وبحدوثه قطعت الرابطة القديمة بين المادّيين والإلهيين، فتفرّدت المادّية بالسلطان وبلغ الغرور العلمي أقصى ما يمكن أن يبلغه.

أجل لم يكن «دارون» مادّياً في عقائده وإن استفاد منه المادّيون لتحكيم مبادئهم. قال الدكتور شبلي شميل في مقدمة كتابه (فلسفة النشوء والارتقاء) : إنّ نظرية التطوّر في الحيوانات الحيّة ليست إلاّ تحليلاً علمياً عند «دارون» لا فلسفياً، ولم يكن الغرض منه إلاّ تحليل تلك التطوّرات من طريق العلم دون الفلسفة وإن جعلها بعض أصحاب الفلسفة المادّية أساساً لبنائها وسنداً لصحّتها، ولكن «دارون» مع أنّه المؤسس لمذهب التطوّر لم يتوفّق لاستنتاج عامّة ما يترتّب عليه من النتائج.

وينقل عن «دارون» هذه الجملة: إنّ الموجودات الحيّة كلّها منقادة بنظام خاص ونواميس ميكانيكية، وانّ الأنواع كلّها مشتقّة من أصل واحد، وهذا الأصل أوّل موجود حيّ هبط إلى دار الوجود وقد نفخ فيه الخالق روح الحياة.

وهذا تصريح من الرجل باعتقاده بالمبدأ الحي الذي منه يستمد الموجودات، وأنّ ظهور الحياة في النوع الأوّل كان مستنداً إلى خالق أوجدها ثم تنوّعت الحياة والأنواع حسب الانتخاب الطبيعي.

وفي أواسط هذا القرن (التاسع عشر) بلغ الغرور العلمي للمادّيين إلى حدّ تخيّلوا أنّهم قد حلّوا طلاسم الطبيعة وفكّوا معميات الحقيقة، وكشفوا

46

غوامض القوى الكونية وانّ أحكامهم لا تتحمل نقداً ولا ردّاً، وقد أعانتهم في تدعيم طريقهم الأُصول الدارونية حتى استولت المادّية على السواد الأعظم، ولم يسجّل تاريخ العلم مذهباً كان له مثل تأثير المادّية على النفوس في عصر من العصور، وما زالت سماسرة الأهواء يبثّون الإلحاد بين الناشئة الجديدة حتى حسبوها حقائق راهنة.

أظهرت المادّية سلطانها حينما ظهر هذا الحادث الجلل وبلغت إلى أوجها، حتى جاءت الأقوال البالية تباع وتشترى بصورة خاصة غير مسبوقة، ولبست المادّية لبوس الفلسفة، وجاءت في تطوّرها النهائي بصورة الفلسفة المادّية الجدلية (1) ووضع حجرها الأساس «كارل ماركس» 1818-1883م، ووازره في ذلك قرينه «فردريك انجلس» 1820-1895م وعند ذلك خلعت المادّية لباس الجمود ورفضت التمسّك بأُصول ثابتة دائمة.

أخذ مبتكر المذهب المادّي في هذا القرن الأُصول الفلسفة الجدلية الديالكتيكية عن أُستاذه «هيجل» لكن الأُستاذ لم يكن مادّياً وإن استحسن تلميذه جل ما أخذه عنه في الفلسفة الإلحادية.

الغاية للقالة عند المادّيين:

ليست الغاية لقالتهم البحث عن المسائل المعضلة المعنونة في الفلسفة، وتحقيق ما هو الحق حسب الموازين العقلية على ما هو دأب عامة الفلاسفة على اختلاف مشاربهم ومسالكهم، بل الغاية تحليل المسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من طريق الفلسفة المادّية التحوّلية، وجعلها على ذلك الأساس كما هو غير خفي على من مارس كتبهم.

____________

(1) . 1- Materialisme. Dialecti

47

وهؤلاء قد تخلّفوا عن صفوف الفلاسفة بترك التعمّق في المسائل المعضلة، وعدم التفكّر فيما عسر حلّه على العلم. وأوّل شي‏ء شغل بالهم هو التحزّب والتكتيكات السياسية.

هذه مجلة «انترناسيوناليست» التي كانت تنشر في عاصمة إيران (طهران) عام 1945م قد نشرت صورة كاملة عن حياة «كارل ماركس» وهذه الصورة - مع ما فيها من علائم الإغراق والغلو توقفنا على مكانته في العلوم والمعارف العقلية وعلى مقدار جهوده في تحصيلها، فالدقّة في نواحي حياته توقفنا على أنّه لم يكن مرتاضاً في العلوم بحيث يواصل ليله بنهاره بالتفكّر والتدبّر في زوايا المكتبات والمعاهد العلمية على ما هو دأب عامة النوابغ والمؤسّسين، بل كان رجلاً سياسياً غارقاً في بحارها، وإليك نبذة ممّا جاء فيها:

نال «كارل ماركس» درجة الدكتوراه وحاز على الشهادة العلمية وهو في العقد الثالث من عمره، ثمّ تحزّب بعده بأيام قليلة وخاض في ميادين السياسة، ومن جرّاء القلاقل نفي من باريس إلى لندن، وما زال يعيش في منفاه مكافحاً مخالفيه حتى أُطلق سراحه، وألقى رحله مدة في «ألمانيا» ومرة أُخرى في «باريس» وثالثة في «بروكسل» ، وقد شغلت باله نزعاته السياسية، وميوله الحزبية، وقد قام في أيام إقامته في «بروكسل» بتحرّر برنامج تام للحزب «البلشفي» ، فألّف كتاباً أسماه «مانيفست» وعدّه «لينين» مظهراً تاماً للآراء المادية من وجهة التاريخ والفلسفة، وجعل فروضه من أحسن الفروض لرفع اختلاف الطبقات ونشر التعاليم الاجتماعية وسرد الأُصول الاقتصادية.

ثمّ غادر «بروكسل» ، عام 1851 م وقفل إلى «لندن» إلى أن مات فيها،

48

وفي خلال إقامته في لندن كتب كتابه الشهير بـ «كابيتال» وهو يحتوي على آرائه في طريق الاقتصاد وفروضه الاجتماعية والسياسية.

وقد اقتفى أثره في حياته ومبارزاته وتحزّبه وجملة شؤونه قرينه «انجلس» فإنّه ترك الجامعات العلمية وهو ابن ثمان عشرة سنة وغادر وطنه متوجهاً إلى «برلين» قاصداً دائرة الجيش، وهو بينما يشتغل بالأُمور الجندية والوظائف العسكرية، لم يزل يحضر المؤتمرات المنعقدة في «برلين» ، وبالأخص في الحفلات التي كانت تعقد من قبل ذوي الآراء الاشتراكية، إلى أن غادر «برلين» وقفل إلى «باريس» ، واجتمع هناك صدفة بعديله «كارل ماركس» وحصل بينهما تآلف في العقيدة، وتحالفا على نشر المبادئ الاشتراكية، وهذا الاجتماع صار مبدأ لنهضة الشعب البلشفي في البلاد التي جالا فيها.

هذا نموذج من حياة «انجلس» يوقفك على شي‏ء من أحواله وأنّه ترك مراكز العلم والثقافة وهو لم يزل ابن ثمان عشرة سنة، ودخل في المجامع السياسية وخاض غمارها وهو في ريعان شبابه ومقتبل حياته.

وبعد ذلك صارت الفلسفة المادّية في خدمة المبادئ الاشتراكية، وصارت تنفذ في القلوب بنفوذها، والحق أنّ الشعب الاشتراكي قد بذل جهوداً كثيرة في نشرها وجلب القلوب إليها، بحيث صارت الفلسفة المادّية لعبة السياسة في البلاد البلشفية، تترفّع برفعتها وتتدهور بتدهورها.

أُنظر ماذا ترى في البلاد الإسلامية، ترى أنّ المجلات والرسائل التي تتبنّى نشر العقائد المادّية تدار في شوارعها وأسواقها ومكتباتها، طلباً لسيطرة المبادئ الاشتراكية الهدّامة لكل فضيلة عالية، وليس هذا إلاّ مما جنته أيدي أولئك الساسة الذين يلعبون ليلاً ونهاراً بالمقدّرات من وراء الستار.

والدول الإسلامية مع أنّها تناضل وتكافح ليلاً ونهاراً لقطع تلك

49

الجراثيم عن أديم الأرض لكن ترى ما ترى ...

ثمّ إنّ من المبادئ الأوّلية للأحزاب البلشفية كون الغاية تبرر الوسيلة والوصول إلى الهدف يبيح كل جناية، وعلى ذلك يستباح لتقريب الأهداف ونيل الأغراض الافتراء على المذاهب الإلهية ورميهم بكل فرية شائنة والكذب عليهم وسرد الحقائق على غير ما هي عليها والانتقاد على غير وجه الحق، فإذا كان الوصول إلى الهدف قائماً على إبطال الحق وإحياء الباطل فلابأسبه.

نعم، يجتنبون بعض الاجتناب عن الفرية في الرسائل المنشورة لنشر الفلسفة المادّية المجرّدة عن السياسة.

هل الفلسفة المادّية تسير بسير العلوم؟

اعتقد كثير من الماديين أنّ المباحث الطبيعية وسير العلوم تكون نصيرة الفلسفة المادية على الفلسفة الإلهية، ولذلك شاع الإلحاد في أكثر الطبقات بعد طلوع نيرّ العلم في هذه القرون، وأغرق بعضهم فقال: إنّ الفلسفة المادية ما زالت تسير بسير العلوم وتتوسّع بتوسّعها، وانّها من نتائجها المستقيمة التي تستنبط منها استنباطاً صحيحاً مستقيماً - إلى أن قال: - وممّا يقضي منه العجب أنّ بعض المؤسّسين والمخترعين كانوا في زمرة المؤمنين بما وراء العلوم، مع أنّ العلوم تصرّح على رؤوس الأشهاد بأنّها تقدر أن تحل جميع معضلات الكون من غير أن يلجأ إلى فرض يتعالى عن فرضه ويترفّع عن تمحيصه.

أُنظر إلى الغرور الباطل والجهل المطبق، أُنظر إلى سراية هذا الغرور من

50

كبارهم إلى صغارهم ومقلّديهم من المنتمين إليهم، فخيّل أنّهم باطّلاعهم على آثار زعمائهم أعرف بالكون وجوانبه، وبالعوامل التي تعمل فيه، من صاحب الدكان بمحتويات دكّانه ومن المستبضع بما تحت أردانه.

أعد النظر إلى ما تلوكه أشداقهم من الحشو الرثّ والدعاوي الباطلة والمزاعم العاطلة حيث يقولون: إنّ للإنسان المفكّر الذي يريد أن يحل مشاكل القضايا طريقين: إمّا أن يقتفي أثر الفلسفة الإلهية ويمشي على أُصولها ويعتقد وجوداً يمتنع إدراكه وفهمه، ولا مفرّ له بعد هذا من إنكار العلوم والصنائع المستحدثة والفنون المستكشفة. وإمّا أن يقتفي أثر العلوم والصنائع ثم ينكر الإله وشؤونه.

وأقل فائدة تعود للقارئ الكريم من قراءة هذا الكتاب، هو وقوفه على هذه الأساطير وما فيها، وانّ الفلسفة المادّية التحوّلية على رغم حماتها مقطوعة عن العلوم ونتائجها، وما ادّعاه من أنّ الفلسفة المادّية من نتائج العلوم ومواليدها خيال في خيال، وما مهّدوا من الأُصول زاعمين أنّها من نتائج العلوم كلّها تحريفات نسجوها على حسب ميولهم واستنباطات شخصية لا ترتبط بالعلم والكشف.

وأقوى دليل لهم في هذا المضمار أنّ الفلسفة المادّية قد استولت على العالم وظهر سلطانها يوم بلغت العلوم الفرعية شأواً بعيداً من التقدّم وأثمرت ثمراتها اليانعة، ولكن هذا التقارن غير كاف في إثبات مزاعمهم، إذ لو كان التقارن دليلاً على كونها من نتائج العلوم فلتكن السفسطة من نتائجها، فإنّ الآراء السفسطية قد ظهرت في أوربا في القرون الأخيرة يوم ظهر سلطان العلوم، فقد ظهر أُناس عمدوا إلى تشكيك الناس في الأُصول الأوّلية وعلومها الضرورية.

51

أجل إنّ الفلسفة المادّية ظهر سلطانها يوم ظهور بعض الحقائق الطبيعية، غير أنّ هذا التقارن ليس لأجل كونها من نتائج العلوم، بل الوجه هو ما يلي:

إنّ القرن السادس عشر وما بعده من القرون كان زمن ظهور باكورة الآراء في العلوم الطبيعية والفلكية، فقد أبطل بعض المسلّمات في القرون الماضية، وقدّم العلماء فروضاً علمية أُخرى، من كروية الأرض وكونها كوكباً يدور حول مركزه، وغير ذلك ممّا يبطل أساس العلوم الطبيعية والفلكية الموروثة من اليونان.

تلك المكتشفات التي كانت لا تقف عند حد، قد كشفت اللثام عن الظنّيات التي كان الناس يتنافسون على تعلّمها، وأصبح الناس يرون الأُصول التي كانت ذات قاعدة، قد قامت مقامها قواعد أُخرى تناقضها وتضادها، فتخيّلوا بعد هذا التحوّل أنّ العلم والفلسفة كانا في القرون الخالية في دور من الفوضى.

والتطور العلمي - مع أنّه كان في حريم العلوم الطبيعية - ولكن أودع في القلوب شكوكاً في عامة المسائل حتى فيما لا يمس بالعلوم كالأُصول الاعتقادية، فتخيّلوا أنّهم كانوا مخدوعين، وطفقوا يتساءلون فيقول بعضهم لبعض: إنّه إذا كانت الأُصول المكونة في المعارف الطبيعية فروضاً أدبية تحجب تحت غشائها الجهل، فما الدليل على أنّ العقائد الدينية والعوالم الروحانية التي يخدمها البشر ألوف السنوات ليست كذلك؟

وبالجملة: أورث سير العلم والتحول في العلوم شكوكاً وأغرس شبهاً مازالت تخطر في القلوب وأوجب تشتتاً في الأفكار، وصار الإنسان يشك في كل شي‏ء حتى في عقائده الواضحة وأُصول دينه التي لا مساس لها بالمادة.

ـ

52

وقد أثار هذا الشك الخاطئ التشتت في الرأي في البلاد الغربية، حتى ظهرت مسالك متناقضة في الفلسفة: طائفة يعتقدون بأُصول، وطائفة ينفونها حرفاً بحرف ...

إلى عشرات من العقائد والأُصول.

وههََنا علّة أُخرى لظهور تلك الآراء المتبددة، وهي فقر الغرب وعدم تجهّزه بالفلسفة الإلهية، إذ لم يكن يوم أظهرت المادّية سلطانها فلسفة إلهية دارجة في هذه النواحي تسير مع سير العلوم وتلتئم معها في عامّة المدارج، لأنّ الفلسفة الإسلامية لا تتخلف عن العلوم قدر أنملة، كيف وهي تنادي بأعلى صوتها باعتبارها وتعترف بالعلل المادّية، وتحلّل الحوادث الكونية بالعوامل الطبيعية، وتجمع شتاتها بأُصولها وترجع فروعها إلى مبادئها، فهي لا تنكر المادة ولا آثارها ولا الأعمال الكيمياوية ولا خواص الأجسام وآثار مركّباتها إلى غير ذلك ممّا أثبتته العلوم.

وأمّا الفلسفة الإلهية الدارجة في تلك الأيام في الغرب فحدّث عنها ولا حرج، فإنّها ضمّت الدرة إلى الذرة، والغث بالسمين، والصحيح بالزائف، فجاء علبة السفاسف والمخازي والدعاوى الفارغة، ولولا تلك الأساطير الباطلة لما تحامل المادّي بالسباب والشتم والنيل منه، لأنّه لا يرى للإلهي الغربي ملجأً علمياً يلتجئ إليه، ولم يفكّر في أنّ الفلسفة الإلهية الواقعية منزّهة عن لوث الشرك وحبائل الأغلاط وأنّ ما بأيدي هؤلاء المتألّهة صورة ناقصة مملوءة بالخرافات والسفاسف.

قال العلاّمة الفلكي «كاميل فلامريون» في تأليفه «اللََّه في الطبيعة» : إنّا نجد الإنسان المتمدّن يميل في البيئات الفكرية إلى ميلين مختلفين: نرى طائفة من المتمدّنين فرضوا على أنفسهم أن لا يسلّموا وجود شي‏ء أو عدمه إلاّ بدليل محسوس، ووضعوا جميع المسلّمات القديمة على ميزان التحليل،