نفائس التأويل - ج1

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
5

المجلد الاول‏

مقدمة المحقق‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطيّبين الطاهرين لا سيّما بقيّة اللّه في العالمين.

التعريف بالكتاب‏

ما بين يدي القاري‏ء الكريم مجموعة آراء في تفسير القران الكريم تمّ اقتباسها من التراث العلمي الّذي تركه سيّد الطائفة الإماميّة علم الهدى عليّ بن الحسين الموسوي المعروف بالشريف المرتضى رحمه اللّه. حيث صيغت لتكون تفسيرا ترتيبيّا لتراث هذا العالم الكبير.

و تتّضح أهميّة هذا النتاج من خلال المقدّمة الّتي دوّنّاها و أردنا لها أن تكون مقدّمة لهذه المجموعة. حيث سنشير هنا إلى بيان المنهج الكلّي لهذا الكتاب.

يمكن تصنيف التراث العلمي الذي تركه السيّد المرتضى إلى الموضوعات التالية:

1-التفسير الموضوعي للقرآن الكريم؛ و هو ما نجده في كتب من قبيل تنزيه الأنبياء، و الأمالي و بعض الرسائل المطبوعة مما دوّنه السيّد المرتضى.

2-فقه الخلاف؛ و المتوافر في كتب من قبيل الانتصار و الناصريّات و بعض الرسائل المطبوعة من رسائل السيّد المرتضى.

3-أصول الفقه؛ و هو ما نجده في كتاب الذريعة و بعض رسائله الّتي تمّ طبعها و عرفت برسائل المرتضى.

4-علم الكلام؛ و هو ما نجده في كتبه من قبيل الملخص، و الذخيرة، و الشافي في الإمامة و بعض رسائله الّتي تمّ طبعها و عرفت برسائل المرتضى.

6

5-العلوم الأدبيّة و المسائل المتفرّقة و المتوفّرة في رسائله المطبوعة في رسائل المرتضى.

و قد دوّنت هذه الكتب و بطبيعة موضوعها بطريقة خاصّة، و هذا ما سبّب أن يكون الاستناد إلى الآيات القرآنية مبتنيا على حاجة هذا العلم إلى تلك الآية.

و لهذا فإنّك تجد أن هذه المجموعة المقتناة من هذه الكتب غير متناسقة السياق، حيث يلاحظ أن طرح آية و تفسيرها لا يعني الغور في جميع وجوهها، إلاّ أن ما لا يمكن إنكاره في هذا السياق هو أنّ جلّ ما يتناوله البحث هو الآيات المتشابهه، ذلك لأنه و كما سيأتي فإنّ المنهجية الرئيسية للسيّد المرتضى هي البحث في الآيات المتشابهة و المسائل الخلافية. فحتى ما دوّنه من التفسير- و رغم أنّه لم يتجاوز في بحثه الآية الأولى من سورة البقرة و توقّف هذا التفسير لأسباب غير واضحة-كان يهدف البحث عن الآيات المتشابهة و الإجابة على شبهات المخالفين‏ (1) و على كلّ حال فإنّ الموارد الّتي تمّ العثور عليها و رغم أنّها لا تشمل القرآن بأجمعه إلاّ أنّ بالإمكان أن تكون مظهرا للخطوط العامّة للفكر التفسيري لذلك الرجل العظيم.

منهجنا

المقالة الأولى:
كان هدفنا في البداية التعرف على جميع موارد التفسير في كتب السيّد المرتضى. ثمّ بحثنا في الموارد الّتي تمّ العثور عليها، فصار في نهاية المطاف إثنا عشر قسما. و سنذكر فيما يلي كلّ واحدة منها و سنشير إلى سياق منهجنا في هذا الاطار:

1) سنكتفي بنقل عيني للمورد الّذي ورد في كتب السيّد المرتضى لمرّة واحدة و ذكر له تفسيرا واحدا عينا.

____________

(1) سيأتي كلامه في مقدّمة هذه الرسالة قبل سورة الحمد إن شاء اللّه تعالى.

7

2) سنكتفي بذكر الموارد المكرّرة و المتشابهة بشكل تامّ لمرّة واحدة لكن مع الإشارة إلى مصدر الموردين.

3) في الموارد المتكرّرة و الّتي يرد توضيح أوسع لإحداهما، يذكر المورد الذي ورد له توضيح أوسع كمورد أصلي و أمّا الثاني فيكتفي بالإشارة إلى مورده.

4) في الموارد الّتي نجد فيها أرجحيّة لتفسير على تفسير في جوانب فإنّه يصار إلى تلفيق بين التفسيرين و ذلك وفق الموازين العلميّة و يعمد إلى ذكر مصدر كلّ واحد بشكل منفصل.

5) إن تكرار الموارد لا يعني انها متشابهة بشكل مطلق فالملاحظ وجود أفضلية و قوّة لأحدهما على الآخر. لكن قد لا يخلو ذكر الاثنين من فائدة، لذلك يصار إلى ذكر الآية في البداية و من ثم يذكر الرأيين مع الإشارة إلى الأمر المذكور.

6) في الموارد الّتي يستنبط فيها من آية معيّنة في مجال الأبواب الفقهية عدّة أحكام، فإنّه يصار إلى ذكر الآية ثمّ يشار بعبارة «و فيها أمور» أو «أمران» ثمّ تذكر بالترتيب الموارد الّتي تمّ العثور عليها و ذلك حسب التسلسل الطبيعي.

7) في الموارد الّتي تمّ تفسير عدّة آيات في موضوع واحد يصار إلى تجزئة و تفكيك التفاسير و إرجاع تفسير كلّ آية إلى محلّها[في السورة الّتي يتمّ البحث بها] و ذلك فيما لو لم يخلّ هذا التفكيك بالترتيب الّذي استساغه السيّد المرتضى.

8) عمدنا في الموارد الكثيرة الّتي وجدنا فيها إضافة إلى تفسير آية تفاسير لآيات أخرى في نفس السياق و كان التفكيك يضرّ بالترتيب الّذي ذكره السيّد المرتضى عمدنا إلى ذكر المورد؛ و من ثمّ ذكرنا الآيات الأخرى الّتي قام بتفسيرها في نفس المقام مع الإشارة إلى ذكر الآية و مصدر الآية الّتي تمّ التفسير ضمنها و في محلّه.

9) في الموارد الّتي كان البحث فيها بحثا تفسيريا، لكن السيّد المرتضى لم يطرح البحث في سياق تفسير آية معيّنة، بل ذكر الموضوع و تمّ التطرّق ضمن‏

8

البحث إلى الآيات التي ترتبط بهذا البحث ففي مثل هذه الحالة ارتأينا اختيار احدى الآيات الّتي ترتبط بهذا البحث استنادا على الأسس و الموازين العلميّة و إدراج البحث المذكور في ذيل ذلك.

10) في الموارد الّتي طرح السيّد المرتضى فيها مباحث قرآنية ضمن بحث كلامي أو روائي و كان من الصعب تفكيك تلك الموارد، فإنّ البحث سيذكر في إطار الآية الّتي ترتبط و هذا البحث‏ (1) .

11) في الموارد الّتي تمّ التعرّف فيه على كلمة من آية و ذكر المعنى أو تمّ تعريف المصطلح، فهنا يصار إلى اقتطاع هذا المورد و نقله إلى ذيل الآية دون الإشارة إلى البحث الّذي تمّ من خلاله الإشارة إلى المورد.

12) اضطررنا في موارد خاصّة و للحفاظ على التناسق بين أجزاء الكتاب إلى عدم رعاية الترتيب الّذي كان موجودا في المصدر الأصلي و اتّخذنا ترتيبا جديدا، لكن وضع هذا الترتيب بأكمله داخل معقوفتين و تمّ الإشارة إلى ذلك في الهامش و الملاحظة المهمّة في هذا الإطار هو اننا عمدنا إلى إدخال كلمات على النصّ الأصلي و ذلك للحفاظ على الهدف الرئيسي للبحث و هو إيجاد تفسير ترتيبي، لكننا و حفاظا على الأمانة العلميّة جعلنا المورد بين معقوفتين.

تذكير مهم:
إنّ الآثار العلميّة الّتي طبعت للسيّد المرتضى ليست على نسق واحد من حيث الطباعة و التحقيق و هذا ما جعل البحث يواجه بعض المشاكل؛ لأن بعض هذه الآثار إمّا انها لم تحقّق أبدا أو أنّ التحقيق لم يلحظ فيه وحدة المقاييس التحقيقية. و لذلك جهدنا قدر المستطاع لإيجاد تنسيق بين أجزاء الكتاب و قد شمل هذا الأمر ذكر المصادر الروائية، و الأشعار و تصحيح العلائم و الإشارات و إليكم المؤلّفات الّتي تمّ الاستناد عليها في هذا الجهد التفسيري:

____________

(1) الآية 67 من سورة المائدة و 142 من سورة الأعراف و الآيتين 26 و 27 من سورة البقرة هي من هذا القبيل.

9

1-تنزيه الانبياء و الأئمة، انتشارات الشريف الرضي، الطبعة الأولى سنة 1376 شمسي‏[1997 م‏]. و قد تمّ اصداره من قبل انتشارات بوستان كتاب و تمّ تحقيقه من قبل الأستاذ فارس الحسّون.

2-أمالي المرتضى، انتشارات ذوي القربى الطبعة الأولى سنة[2005 م‏] و قام بتحقيقه محمد أبو الفضل إبراهيم، و قد تمّ نقل الحواشي الّتي اضيفت إلى الكتاب و ارتأينا ذكرها في بحثنا التفسيري.

3-الإنتصار، المطبعة الحيدريّة، سنة 1971، قدّم له محمد رضا الخرسان، و قد تمّ اصداره من قبل الانتشارات التابعة لجامعة المدرسين‏[في قم‏] و قام بتحقيقه جملة من الأعلام.

4-مسائل الناصريات، انتشارات رابطة الثقافة و العلاقات الإسلاميّة، الطبعة الأولى، سنة 1417 و قام بتحقيقه مركز البحوث و الدراسات العلميّة.

5-رسائل الشريف المرتضى، دار القرآن الكريم-قم، الطبعة سنة 1405، اعداد السيّد الرجائي و بإشراف السيّد أحمد الحسيني.

6-الطيف و الخيال، مطبوعات وزارة الثقافة و الإرشاد القومي القاهرة، سنة 1962 م، تحقيق الأستاذ حسن كامل الصيرفي.

7-الشافي في الإمامة، انتشارات مؤسّسة الصادق، الطبعة الثانية سنة 1426 تحقيق السيّد عبد الزهراء الحسيني الخطيب.

8-الذريعة إلى أصول الشريعة، انتشارات جامعة طهران، لم يذكر الطبعة -سنة 1997[1376 م‏]تحقيق الدكتور أبو القاسم كرجي، و كذا طبعة انتشارات مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام تحقيق اللجنة العلميّة في مؤسّسة الإمام الصادق عليه السّلام و بإشراف العلاّمة الفقيه آية اللّه الشيخ السبحاني دام علاه.

9-الذخيرة في علم الكلام، طبعة انتشارات جامعة المدرّسين‏[في قم‏]، لم يذكر الطبعة، سنة 1411 تحقيق السيّد أحمد الحسيني.

10-الملّخص في أصول الدين، مركز نشر دانشگاهي‏[الجامعي‏]و مكتبة

10

مجلس الشورى الإسلامي، الطبعة الأولى، سنة 2002[1381 م‏]تحقيق محمّد رضا أنصاري قمّي.

يذكر أنّ كتاب «الموضح عن جهة إعجاز القرآن» تمّ طبعه من قبل انتشارات الروضة الرضويّة للإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام لكنّنا لم نذكره لكونه مطولا أضف إليه أنّه بحث كلامي، و مع ذلك فقد ذكرنا بحث الإعجاز نقلا عن كتاب الذخيرة و ذلك لأنّه كتاب مختصر و كاف و أوردنا هذا البحث في سياق الآية 23 من سورة البقرة.

و لم ننقل عن رسالة المحكم و المتشابه و ذلك لعدم وجود دليل يؤكّد أنها من تأليفات السيّد المرتضى؛ و ذلك لأن السلف من علمائنا كالنجاشي‏ (1) في رجاله و الشيخ الطوسي‏ (2) في فهرسته و محمد بن محمّد البصروي‏ (3) في إجازته حيث إنّه نقل آثاره و مضافاته فيها و ابن شهر آشوب‏ (4) في معالم العلماء لم يشيروا إليها، لكن يظهر أن أوّل من نقلها هو الشيخ الحرّ العاملي‏ (5) و معاصره العلاّمة المجلسي في مقدّمة بحار الأنوار (6) ثمّ دخلت ضمن موسوعة كتب الفقهاء.

فالملاحظ أنّ لا شاهد يمكن الاعتماد عليه في إثبات نسبة هذه الرسالة إلى السيّد المرتضى، و ذلك لأنّ منظومة الكتاب بأسرها هي نقل لرواية مفصّلة، الأمر الّذي يختلف عن سياق السيّد المرتضى في كتاباته؛ لأنّ السيّد المرتضى كان معروفا باستقلالية السياق و الإبداع في جميع تأليفاته. فهو لا ينقل الرواية إلاّ في إطار موضوعات كتابه. و على كلّ حال فنسبة الكتاب إلى السيد المرتضى نسبة ضعيفة، كما أن انتساب الرسالة إلى النعماني أمر يمكن البحث فيه‏ (7) .

____________

(1) رجال النجاشي: 270.

(2) الفهرست: 164 و 165.

(3) رياض العلماء، 4: 34.

(4) معالم العلماء: 61.

(5) على سبيل المثال في وسائل الشيعة المجلّد الأوّل: 27 و موارد أخرى منه و أيضا في أمل الامل، 2: 184.

(6) بحار الأنوار، 1: 10، إلاّ أنه في متن البحار يسنده إلى النعماني، و انظر البحار و 5: 208.

(7) فصليّة «الانتظار» 9، 8 مقالة «النعماني و مصادر الغيبة» للاستاذ محمّد جواد الشبيري؛ نقلناها باختصار.

11

المقالة الثانية:
لا يخفى على الباحث أن للسيّد المرتضى آراء خاصّة في خبر الواحد و الإجماع و قد استند عليها كثيرا في مؤلّفاته. كما يلاحظ في كتاباته بعض مسائل القرائات (هرمنطيقا) و العلوم القرآنية و الّتي لا يمكن اعتبارها بعيدة عن علم التفسير و هي من جملة الموارد الّتي يختلف فيها عن القوم كما ورد في مقدّمة الذريعة (1) و لذلك كان من المناسب ذكر هذه الآراء ضمن مقدّمات و قبل الخوض في هذه المجموعة و ذلك كي لا يصاب القاري‏ء الكريم بالحيرة و الذهول عند استناد السيّد لهذه الأدلّة و الآراء؛ و قد اختيرت هذه المباحث من كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة. فحيث أنّ كتاب الذريعة كتب في أصول الفقه فقد سعي أن تكون الموارد المنقولة عنه مرتبطة بالجانب التفسيري و لهذا عمدنا إلى نقل ما له ارتباط بالتفسير و كان ضروريا.

و إضافة لما قيل و لأن جزءا يعتدّ به من الموارد التفسيرية قد نقل من كتاب تنزيه الانبياء و الّذي يبتنى بأجمعه على النظرية الكلاميّة في تنزيه الأنبياء عن جميع الذنوب كان من اللازم أن تضمّ مقدّمته على هذا الكتاب إلى هذه المجموعة و قد نضمت هذه المباحث ضمن 7 مقدّمات و حسب التفصيل الآتي:

1-المقدّمة الأولى في الخطاب و أقسامه و أحكامه؛

2-المقدّمة الثالثة في العموم و الخصوص؛

3-المقدّمة الرابعة في النسخ؛

4-المقدّمة الخامسة في الأخبار؛

5-المقدّمة السادسة في الإجماع؛

6-المقدّمة السابعة في أن الأنبياء و الأئمّة منزّهون عن جميع المعاصي.

و بعد هذه المقدّمات فقد ذكرنا الموارد المكتشفة بعد مقدّمة «رسالة تفسير

____________

(1) انظر مقدّمة كتاب الذريعة إلى أصول الشريعة.

12

الآيات المتشابه من القرآن» حسب ترتيب السورة و الآية. و لاشتمال هذا الأثر المنيف على تأويلات نفيسة و ممتعة رأينا أن نسمّيه بـ «نفائس التأويل» و نهدي ثوابه إلى صاحبه الشريف الأجل ذي المجدين المرتضى علم الهدى أعلى اللّه درجته و رفع في الخلد مقامه.

و قبل أن نشرع في موضوعنا سنتناول و من خلال فصول ثلاثة البحث في حياة السيّد المرتضى و طريقته العلميّة و منهجيّته العلميّة و التفسيريّة.

و في الختام لا بدّ لي أن أقدّم شكري لكلّ من ساعدني و ساهم معي في إتمام هذا الجهد و أسأله تعالى أن يهبهم الأجر و الثواب.

و الشكر أيضا لمؤسسة الأعلمي للمطبوعات في بيروت التي تبنت هذا المشروع و قامت بطبعه بحلة قشيبة رائعة

و اسأل اللّه تعالى بجلاله و كرمه أن يجعل هذا الجهد خالصا لوجهه و أن يصفح عن مؤلّف هذه السطور قصوره و تقصيره سواء في جهده هذا أو باقي أعماله، انّه ولي التوفيق.

و السلام عليكم و رحمة اللّه عيد الأضحى المبارك/1429/ /قم المقدّسة

مجتبى أحمد الموسوي‏غ

13

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

تمهيد

لا يمكن لمقالة أو مقدّمة أن تنناول أبعاد شخصية السيّد المرتضى، كما يعجز الشخص لوحده أو مع جمع من أن يدرك تفاصيل حياته الزاخرة بالعطاء.

لأنّ للسيّد المرتضى منظومة فكرية يرتبط كلّ بعد من أبعادها ارتباطا وثيقا مع بقيّة الأبعاد. كما أن إبداء الرأي حول كلّ واحد منها و الإحاطة بجوانبها و دقائق أمورها بحاجة إلى سنين من البحث العلمي و التعرّف على المذاهب الفكريّة في ذلك الموضوع. و يزداد هذا الأمر صعوبة إذا ما كانت هناك آراء خاصّة للسيّد المرتضى تخالف رأي المشهور بعده، و لهذا يظهر أن من غير المتيسّر التعرف على السيرة العلميّة لشخصية من قبيل السيّد المرتضى إلاّ بتكوين مجاميع متخصّصة في كلّ فنّ تبحّر فيه تعمل تحت إشراف أحد العلماء.

و لهذا فإنّ بحثنا لا يروم الخوض في جميع الجوانب العلميّة للسيّد المرتضى بل يحاول الإجابة على بعض الأسئلة الّتي تبدر في ذهن القارئ بالنسبة للتراث العلمي لهذا الرجل الكبير. فقد يسأل عن سبب الاهتمام الكبير للسيّد المرتضى بالنسبة لتفسير القرآن‏ (1) أو عن السرّ في استدلال السيّد المرتضى الّذي يعدّ عالما شيعيّا بروايات أهل السنّة أكثر من الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السّلام و السؤال الآخر هو عن المنهجية التفسيريّة الّتي ينتهجها السيّد المرتضى.

و سنذكر قبل الخوض في الإجابة على هذه الأسئلة و في الفصل الأوّل

____________

(1) يعلم هذا بمراجعة هذا الكتاب و قد وصفه العلاّمة الطهراني بأنّه من المكثرين في التفسير.

الذريعة 4: 414.

14

الأرضية الّتي سببت ازدهاره العلمي ثمّ نتناول في الفصل الثاني منهجيته العلميّة و في فصل ثالث منهجيته التفسيريّة.

الفصل الأوّل‏

إنّ تكوينة الشخصيّة الإنسانيّة رهن بعوامل متعدّدة، كما أنّ مستوى درجة التأثير في كلّ واحدة تناسب ارتباط الشخص بذلك العامل. فهذه العوامل تنقسم إلى عوامل الوراثة (1) و البيئة. كما أنّ العوامل البيئية بالذات لها اقسام متعدّدة.

إن دراسة حياة السيّد المرتضى و العوامل المؤثّرة في تكوينة شخصيّته مع ملاحظة العوامل الوراثيّة و البئيّة، هي في الواقع مقدّمة للإجابة على الأسئلة المذكورة و لذلك سنعمد إلى دراسة هذه العوامل ضمن مقالتين:

المقالة الأولى:

لا يخفى على أحد تأثير عامل الوراثة على السيّد المرتضى؛ ذلك لأنّه كان ينتسب إلى البيت العلوي من أبويه معا. فقد كان أبائه لأمّه من كبار العلماء و زعماء السياسة فيما اقترن اسم أجداده لأبيه بالعلم و الرئاسة و نقابة العلويّين و سيتّضح هذا خلال بحثنا لهذا النسب الشريف:

نسبه من أبيه‏
أبوه الشريف أبي أحمد الحسين بن موسى بن محمّد الأعرج ابن موسى

____________

(1) أظنّ أنه يكفي في بيان أهمّيّة عامل الوراثة ما نقله أصحاب السير من وقعة جمل قال ابن أبي الحديد المعتزلي: دفع أمير المؤمنين عليه السّلام يوم الجمل رايته إلى محمّد ابنه و قد استوت الصفوف و قال له احمل فتوقّف قليلا فقال له احمل فقال يا أمير المؤمنين أما ترى السهام كأنّها شآبيب المطر في صدره فقال إدركك عرق من أمّك ثمّ أخذ الراية فهزها ثمّ قال: اطعن بها طعن أبيك تحمد لا خير في الحرب إذا لم توقد بالمشرفي و القنا المسدّد ثمّ حمل و حمل الناس خلفه فطحن عسكر البصرة. شرح نهج البلاغة، 1: 244 و لا يخفى أن قوله عليه السّلام: «ادركك عرق من أمّك» لا يعني إلاّ عامل الوراثة.

15

الملقّب أبا سبخة ابن إبراهيم ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمّد الباقر ابن الإمام عليّ زين العابدين ابن الإمام السبط الشهيد بكربلاء الحسين ابن الإمام عليّ بن أبي طالب عليهم أفضل التحيّة و السلام‏ (1) .

قال العمري بعد أن ذكر نسبه الشريف المتقدّم: و هذا البيت أجلّ بيت لبني الكاظم عليه السّلام اليوم‏ (2) .

كان سيّدا عظيما مطاعا، كانت هيبته أشدّ من هيبة الخلفاء، خاف منه عضد الدولة فاستصفي أمواله، و كانت منزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل، و لقبه بالطاهر، و الأوحد، و ذي المناقب، و كان فيه كلّ الخصال الحسنة (3) .

و وصفه العمري بقوله: أبو أحمد الموسوي، و كان بصريّا، أجل من وضع على كتفه الطيلسان، و جرّ خلفه رمحا-أريد أجل من جمع بينهما-و هو نقيب نقباء الطالبيّين ببغداد، يلقب الطاهر، ذا المناقب، و كان قوي المنّة، شديد العصبية، و كانت لأبي أحمد مع عضد الدولة سير، لأنه كان في حيز بختيار بن معزّ الدولة، فقبض عليه و حبسه في القلعة، و ولّى على الطالبيّين أبا الحسن عليّ بن أحمد العلوي العمري، فولّي نقابة الطالبيّين أربع سنين، فلمّا مات عضد الدولة خرج أبو الحسن العمري إلى الموصل‏ (4) .

قال السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في تاريخ مصر و القاهرة» ما لفظه:

كان الشريف أبو أحمد سيّدا عظيما مطاعا، و كانت هيبته أشدّ هيبة، و منزلته عند بهاء الدولة أرفع المنازل، و لقبه بالطاهر الأوحدي، و ذي المناقب و كان فيه كلّ الخصال الحسنة، إلاّ أنّه كان رافضيّا هو و أولاده على مذهب القوم.

لقد حسب السيوطي الرفض و التشيّع في أبي أحمد رضى اللّه عنه عيبا و شنارا و ذنبا

____________

(1) مقدّمة الناصريات: 7.

(2) المجدي في أنساب الطالبيّين: 125.

(3) قاله ابن تغردي بردي في النجوم الزاهرة، 4: 223.

(4) المجدي في أنساب الطالبيّين: 124-125.

16

غير مغفور، إذ لم يجد في شخصه أيّ ضعف و هوان فبعد أن بالغ في الثناء عليه اردف قوله بذلك الكلام الهزيل القارص، و قد قيل من قبل: الحسّاد يحسدون أكثر ممّا في المحسود لأنّ بعضهم يظنّ عند المحسود مالا يملك فيحسده عليه‏ (1) .

بقي رضوان اللّه تعالى عليه سجينا، بعيدا عن أبنائه، إلى أن مات عضد الدولة البويهي سنة 372 هجرية، فأطلق ولده شرف الدولة سراح الشريف أبي أحمد الحسين، فرجع إلى بلده معزّزا مكرّما، إلى أن وافقته المنية، ليلة السبت لخمس بقين من جمادى الأولى سنة أربعمائة للهجرة، فالتحق بالرفيق الأعلى عن سبع و تسعين سنة، و دفن في داره أولا، ثم نقل جثمانه الطاهر إلى مشهد جدّه الإمام الحسين عليه السّلام بمدينة كربلاء، و وري جسده الطاهر في رواق الروضة المقدّسة عند جده إبراهيم بن الإمام موسى بن جعفر عليهما السّلام‏ (2) .

نسبه من أمّه‏
أمّه السيّدة الجليلة العلويّة فاطمة بنت الناصر الصغير الحسن ابن أبي الحسين أحمد الناصر الكبير صاحب جيش أبيه بن علي بن الناصر لدين اللّه أبي محمّد الحسن بن أبي الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن عمر الأشرف ابن الإمام عليّ زين العابدين ابن الإمام الحسين السبط الشهيد ابن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام‏ (3) .

نشأت السيّدة فاطمة في بيت الإمامة، و الولاية، و الزعامة، و الرئاسة، و القيادة، فإن آباؤه كانوا جميعا من ملوك طبرستان ببلاد الديلم.

يقول السيّد المرتضى بصدد هذا في مقدّمته على كتاب الناصريات:

و أنا بتشييد علوم هذا الفاضل البارع كرم اللّه وجهه أحقّ و أولى؛ لأنّه جدّي من جهة والدتي؛ لأنها فاطمة بنت أبي محمّد الحسن بن أحمد أبي الحسين،

____________

(1) الشريف الرضي (الأميني) : 19.

(2) مقدّمة الناصريات: 10-11.

(3) مقدّمة الناصريات: 8.

17

صاحب جيش أبيه الناصر الكبير أبي محمّد الحسن بن عليّ بن الحسن بن عليّ ابن عمر بن عليّ السجّاد زين العابدين ابن الحسين السبط الشهيد ابن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، و الطاهرين من عقبه عليهم السّلام و الرحمة.

و الناصر: كما تراه من أرومتي، و غصن من أغصان دوحتي، و هذا نسب عريق في الفضل و النجابة و الرئاسة.

أما أبو محمّد الحسن: الملقّب بالناصر ابن أبي الحسين أحمد، الّذي شاهدته و كاثرته، و كانت وفاته ببغداد في سنة ثمان و ستّين و ثلاث مائة، فإنّه كان خيرا فاضلا دينا، نقي السريرة، جميل النيّة، حسن الأخلاق، كريم النفس، و كان معظما مبجلا، مقدما في أيّام معزّ الدولة و غيرها رحمه اللّه لجلالة نسبه و محلّه في نفسه، و لأنه كان ابن خالة بختيار عزّ الدولة، فإن أبا الحسين أحمد والده تزوج كنز حجير بنت سهلان السالم الديلمي، و هي خالة بختيار و أخت زوجة معزّ الدولة و لوالدته هذه بيت كبير في الديلم و شرف معروف.

و ولي أبو محمّد الناصر-جدّي الأدنى-النقابة على العلويّين بمدينة السلام عند اعتزال والدي رحمه اللّه لها سنة اثنتين و ستّين و ثلاث مائة.

فأمّا أبو الحسين أحمد بن الحسن فإنّه كان صاحب جيش أبيه، و كان له فضل و شجاعة و نجابة و مقامات مشهورة يطول ذكرها.

و أمّا أبو محمّد الناصر الكبير و هو: الحسن بن عليّ، ففضله في علمه و زهده و فقهه أظهر من الشمس الباهرة، و هو الّذي نشر الإسلام في الديلم حتّى اهتدوا به بعد الضلالة، و عدلوا بدعائه عن الجهالة، و سيرته الجميلة أكثر من أن تحصى، و أظهر من أن تخفى، و من أرادها أخذها من مظانها.

فأمّا أبو الحسن عليّ بن الحسين فإنّه كان عالما فاضلا.

و أمّا الحسن بن عليّ فإنّه كان سيّدا مقدما مشهور الرئاسة.

و أما عليّ بن عمر الأشرف، فإنّه كان عالما، و قد روى الحديث.

و أمّا عمر بن عليّ بن الحسين و لقبه الأشرف، فإنّه كان فخم السيادة، جليل‏

18

القدر و المنزلة في الدولتين معا الأمويّة و العبّاسيّة، و كان ذا علم، و قد روي عنه الحديث.

و روى أبو الجارود زياد بن المنذر، قال: قيل لأبي جعفر الباقر عليه السّلام: أي إخوتك أحبّ إليك و أفضل؟فقال عليه السّلام: (أمّا عبد اللّه فيدي الّتي أبطش بها- و كان عبد اللّه أخاه لأبيه و أمّه-و أمّا عمر فبصري الّذي أبصر به، و أمّا زيد فلساني الّذي أنطق به، و أمّا الحسين فحليم يمشي على الأرض هونا، و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (1) (2) .

____________

(1) الناصريات: 62.

(2) قد يقال بأن آباء السيّد المرتضى من أمّه ينتحلون مذهب الزيدية و رمي بها أيضا أخوه الشريف الرضي رحمه اللّه عليه؛ لكنّه نسبة واهية قال العلاّمة الشيخ عبد الحسين الحلّي في مقدّمة حقائق التأويل ردّا على هذه المزعمة: «ان تلك التهمة-الزيدية-قد لصقت به من قبل آبائه لامّة، بني الناصر الكبير، أبي محمّد (الحسن الأطروش) صاحب الديلم.

لكن هذا قد ثبت لدى علماء الرجال من الإمامية، و في طليعتهم السيّد الشريف المرتضى علم الهدى، في كتابه: شرح المسائل الناصرية نزاهته، و نزاهة جميع بنيه عن تلك العقيدة المخالفة العقيدة أسلافهم. سوى ان اصطلاح الكتاب أخيرا، جرى على تسمية الثائر في وجه الخلافة زيديا، و لمن كان بريئا من عقائد الزيدية، يريدون: انه زيدي النزعة، لا العقيدة. و ربّما تطرفوا، فجعلوا لفظ «زيدي» لقبا لكلّ من تحمس للثورة، و طالب بحق، زعم أنّه أهله، و ان لم يجرد سيفا، و لم يحد قيد شعرة عن مذهب الإمامية في الإمامة، و لا عن طريقة الجماعة... و لقد كان أبو حنيفة في نقل أبي الفرج الاصبهاني زيديا، و كذا أحمد، و سفيان الثوري، و أضرابهم من معاصريهم. و مراده من زيديتهم: أنهم يرون أن الخلافة الزمنية جائرة، و أن الخارج آمر بالمعروف أحقّ بالاتباع و البيعة...

و قال أيضا: الّذي يقال: إنّه إمام الزيدية هو الملقّب بالداعي إلى الحقّ، و هو الحسن بن زيد...

توفّي بطبرستان سنة 250... و أمّا الحسن بن عليّ، الملقّب بالناصر للحقّ الكبير، و هو الاطروش، أحد أجداد الشريف لامّه، و الحسن أو الحسين ابن عليّ (أو ابن أحمد) ، الملقّب بالناصر الأصغر، و هو والد أم الشريف، فليسا من أئمّة الزيدية. و من زعم أن الناصر إمام الزيدية، فقد اشتبه عليه الداعي للحق، بالناصر للحقّ، و لا يبعد دعوى اتباعه أنه زيدي، لكنّه برى‏ء عن تبعة اعتقادهم إلخ مقدّمة حقائق التأويل: 80 و ارتضاه العلاّمة السيّد جعفر المرتضى العاملي في كتابه «أكذوبتان حول الشريف الرضي: 21 و 22» على أن السيّد الرضي ردّ هذه الأوهام في كتابه خصائص الأئمّة حيث قال: ... بعض الرؤساء-ممّن غرضه القدح في صفاتي، و الغمز لقناتي، و التغطية على مناقبي، و الدلالة على مثلبة-إن كانت لي-لقيني، و أنا-

19

المقالة الثانية:

ذكرنا في ما مضى التأثير البالغ للعوامل البيئية في تربية الشخص. و يمكن البحث عن هذه العوامل في المحيط العائلي، و المجتمع، و الأصدقاء و الأقارب؛ فالسيّد المرتضى كان قد توفرت له تلك العوامل بشكل تام و كامل.

و من هذه العوامل يمكن أن نشير له إلى ما يلي:

1-لقد مرّ أن أسرة السيّد المرتضى سواء من جانب والده أو والدته كانت تمتاز بمكانتها الرفيعة حاملة لواء العلم و السياسة فهو و منذ أن فتح عينيه على الدنيا لم يلحظ إلاّ بيتا عامرا بالتقوى و الدين و العلم و الجهاد و النضال فمثل هذه البيئة-كما هو واضح-يمكن أن تلعب دورا بارزا في تربية الإنسان المستعدّ.

لكن ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أنّ هذه البيئة لا يمكنها لوحدها أن تكون كفيلة بتربية و تكامل و تقويم شخصية ما، بل ينبغي أن تتوفّر أرضية تربوية أخرى.

2-يظهر أنّ أهمّ أرضية كانت قد توفّرت للسيّد المرتضى و ساعدت في تطوره و تكامله هي البيئة الثقافية في مدينة بغداد. فهذه المدينة و رغم أنها كانت قد أنشأت لتكون حصنا[موقعا]عسكريا إلاّ أنها سرعان ما تحوّلت إلى مدينة ثقافية.

و كان علماء و كبار الشيعة قد لعبوا دورا مؤثّرا في تطوّر هذا المظهر الجديد لمدينة بغداد فقد كانوا إمّا من ساكني هذه المدينة من الأساس أو ممّن يتردّدون عليها و قد ورد في أحوال هشام بن الحكم الكلامي المعروف و الّذي كان من

____________

ق-متوجّه عشية عرفة من سنة ثلاث و ثمانين هجرية، إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر، و أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى عليهما السّلام، للتعريف هناك، فسألني عن متوجّهي فذكرت له إلى أين مقصدي، فقال لي: متى كان ذلك؟يعني أن جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف، و البراءة ممّن قال بالقطع، و هو عارف بأن الإمامة مذهبي، و عليها عقدي و معتقدي، و إنّما أراد التنكيت لي، و الطعن على ديني، فأجبته في الحال بما اقتضاه كلامه، و استدعاه خطابه، و عدت و قد قوى عزمي، على عمل هذا الكتاب إعلانا لمذهبي، و كشفا عن مغيبي، و ردّا على العدوّ الّذي يتطلب عيبي، و يروم ذمّي و قصبي خصائص الأئمّة: 37 و 38.

غ

20

أصحاب الإمام الصادق و الكاظم عليهما السّلام أنّه كوفي تحوّل إلى بغداد من الكوفة... و كان ينزل الكرخ من مدينة السلام‏ (1) و قد ذكر في أحوال محمّد بن أبي عمير: بغدادي الأصل و المقام‏ (2) .

فلسنا هنا بصدد الحديث عن تاريخ مدينة بغداد أو منطقة الكرخ أو دور الشيعة في إيجاد هكذا بيئة علمية لكننا سنشير إجمالا إلى الثقافة الرفيعة الّتي كان يتمتّع بها شيعة بغداد:

لقد نشأ الجيل العلمي الأوّل لعلماء الشيعة في مدينة الكوفة. و يرجح الاحتمال القائل بأن مدينة قم هي أوّل مدينة كانت قد تأثّرت بالتشيّع المنبثق من مدينة الكوفة. و أنّ لمدينة الكوفة اليد الطولى على جميع ما نتج من ازدهار و نموّ للعلماء و المجاميع العلميّة في مدينة قم و كانت مدينتي «الري» و من ثمّ بغداد المدينتين اللتين تأثّرتا بالمدّ الشيعي الاثني عشري بعد مدينة قم. فمن بين العلماء الّذين ورد اسمهم و عنوانهم في أمّهات الكتب الرجالية القديمة كعلماء بارزين يلاحظ أنّ الكوفة كانت تتقدّم على غيرها من المدن من حيث عدد العلماء، فقد ورد في مثل هذه المصادر عبارات من قبيل «أصله الكوفة و سكن بغداد» و «كوفي نشأ ببغداد» و «كوفي الأصل» و «سكن بغداد» و الكثير من أمثال هذه العبارات. و على هذا فبغداد تدين إلى الكوفة بما تزخر به من محيط علمي أوّلا ثمّ تأتي بعدها قم و «الري» فالصدوق و ابن قولويه من قم، و الكليني من الري و هشام ابن الحكم و جابر بن حيّان على احتمال من الكوفة كانوا قد توجّهوا صوب بغداد.

إنّ نفوذ التشيّع بشكل عام في الحكم العبّاسي و بأنحاء مختلفة كما نلحظه بالنسبة لآل نوبخت هو مثال بارز لهذا التوجّه فقد وصل رجال هذه العائلة إلى مناصب مختلفة في الدولة و كانوا يمثلون عاملا آخر في نموّ الثقافة الشيعية؛ كما

____________

(1) فهرست الشيخ الطوسي: 259 و انظر أيضا النجاشي: 433-434.

____________

(2) رجال النجاشي: 326.

21

و يمكن الإشارة إلى تسلم آل فرات مقام الوزارة في الدولة العباسيّة في فترات عديدة ما يجعلها عاملا مستقلاّ و ذلك لاهميّة جهودها في هذا المضمار. خصوصا و أن هذه العائلة كانت قد سعت بشكل حثيث في تقوية و تأييد و دعم التشيّع و بذلت بسخاء للعلماء و المفكّرين و دعمتهم أفضل دعم.

و لعلّ العامل المهم الآخر لتحوّل بغداد إلى محلّ مهي‏ء لنموّ الثقافة و العلم عند المجتمع الشيعي البغدادي هو الحضور الممتد لنوّاب الإمام المهدي عجّ اللّه فرجه الشريف الأربعة في بغداد.

فقد لعبت إقامة النوّاب الأربعة في هذه المدينة دورا يمكن تحديده بما يلي: أوّلا ساهم في نموّ التشيّع و زيادة عدد الشيعة في بغداد و الكرخ. ثانيا:

ساهم ارتباط الإمام بالأمّة في تطوّر الجانب العلمي لدى الشيعة. ثالثا: إنّ المركزية الّتي حدثت من خلال إقامتهم خلال عشرات السنين ساهمت في جذب و انتقال الكثير من علماء الشيعة العظام إلى بغداد و من سائر المناطق. و قد ساهم هذا العامل بحدّ ذاته في تكامل الثقافة و المعارف الشيعيّة في هذه المدينة.

و يلاحظ هذا الأمر من خلال ما ورد من حضور عليّ بن محمّد بن همام الإسكافي مجلس وصيّة محمّد بن عثمان العمري مع مجموعة مثلت كبار علماء الشيعة حيث حضروا عنده و هو مسجّى على فراشه. و قد ورد في أبي علي محمّد ابن همام الإسكافي انه «شيخ أصحابنا و متقدّمهم له منزلة عظيمة كثير الحديث» (1) أو أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختي و الّذي ورد فيه: «شيخ المتكلّمين من أصحابنا ببغداد» (2) (3) .

فحضور الكليني‏ (4) و عليّ بن بابويه‏ (5) ...

____________

(1) رجال النجاشي: 379.

(2) الفهرست: 49.

(3) كتاب الغيبة (للطوسي) : 371.

(4) في رجال النجاشي: 377: «و مات أبو جعفر رحمه اللّه ببغداد. سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة» .

(5) في رجال النجاشي: 261. «كان قدم العراق و اجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح رحمه اللّه» و لا-

22

و ابن قولويه‏ (1) و الصدوق‏ (2) في أثناء الغيبة الكبرى أو بعدها بقليل في مدينة بغداد دليل على قدرة وسعة المجتمع الشيعي و مكانته و قوّة السنة العلمية الشيعيّة في هذه المدينة.

و بعد فترة و جيزة من انتهاء الغيبة الصغرى في بغداد نشأ أوّل عصر للمرجعيّة الشيعيّة و الحوزة العلميّة بمفهومها العصري للحوزة اليوم. و كان أوّل من انشأ تلك الحوزة الشيخ محمّد بن محمّد النعمان المشهور بالشيخ المفيد.

و إذا ما أضفنا نفوذ الحكومة الشيعية الّتي أوجدها البويهيون إلى جهود الشيخ و تلامذته لا تضح لنا صدق كلام ابن كثير المؤرّخ الشامي بأنّ أكثر الناس في تلك الفترة مالوا إلى التشيّع.

لقد كان درس الشيخ ينعقد في مسجده في ممرّ درب الرياح الواقع في منطقة الكرخ أو في بيته الّذي يقع في تلك المنطقة بالذات. و كانت هذه المجالس منتجعا علميّا لجميع العلماء و الدارسين، و كان من مكانة هذا الرجل الاجتماعية أن كان يزوره عضد الدولة الديلمي في بيته أو يحضر في حلقة درسه‏ (3) .

لقد كانت هذه الكلمات خلاصة لما كانت تعيشه بغداد الّتي نما و نشأ فيها السيّد المرتضى، و يتّضح من خلال ما مرّ أنّ بغداد كانت تمثل الأرضية المناسبة

____________

ق-يخفى أنّ الشيخ حسين بن روح النوبختي توفّي سنة 326 و هكذا يعلم أنّه رحمه اللّه قدم بغداد أكثر من مرّة إذ قال النجاشي: «أخبرنا أبو الحسن العبّاس بن عمر بن العبّاس بن محمّد بن عبد الملك بن أبي مروان الكلوذاني رحمه اللّه قال: أخذت إجازة عليّ بن الحسين بن بابويه لما قدم بغداد سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة بجميع كتبه» . رجال النجاشي: 261 و 262.

(1) استاذ الشيخ المفيد في الفقه؛ قال النجاشي في رجاله؛ 123: «و عليه قرأ شيخنا أبو عبد اللّه الفقه و منه حمل» و وصفه الشيخ المفيد في كتاب مصابيح النور بالصدوق؛ قال: «أخبرني الشيخ الصدوق أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه رحمه اللّه» رجال النجاشي: 447.

(2) في رجال النجاشي: 389: «محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي أبو جعفر، نزيل الري، شيخنا و فقيهنا و وجه الطائفة بخراسان، و كان ورد بغداد سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة، و سمع منه شيوخ الطائفة و هو حدث السن» و قيل: إنّ الجملة الأخيرة ترتبط بوروده ببغداد؛ و فيه نظر.

(3) تلخيص و تعريب من مقالات مؤتمر تكريم الشريف الرضي رحمه اللّه.

23

لازدهار و نموّ اناس مستعدين. فهذه المدينة يمكن اعتبارها عاملا مستقلاّ و مهمّا في مسير تكوين شخصيّة السيّد المرتضى.

3-لقد كان لأساتذة و معلّمي السيّد المرتضى الّذين كانوا يعتبرون أساطين في العلم الركيزة المهمّة الأخرى في تعالي شخصيّة السيّد المرتضى و من أبرز هؤلاء يمكن الإشارة إلى:

أ-شيوخه في الأدب العربي: 1) أبو عليّ النحوي:
هو أبو عليّ الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، أحد ائمّة العربية ولد بفسا من أرض فارس، و قدم بغداد فاستوطنها، أخذ من علماء النحو، و علّت منزلته في النحو حتّى قال قوم من تلامذته: هو فوق مبرد و أعلم‏ (1) كما أقام بحلب عند سيف الدولة مدّة، و جرت بينه و بين أبي الطيب المتنبي مجالس‏ (2) و قد صنّف كتبا لم يسبق إلى مثلها منها: كتاب التذكرة، و الإيضاح، و المقصور و الممدود، و الحجّة في القرءات‏ (3) . و قد ذكره السيّد المرتضى في موضعين من كتبه. و ذكر صاحب رياض العلماء أنه من شيوخ المرتضى في النحو (4) توفّي سنة 337.

2) المرزباني:
أبو عبد اللّه محمّد بن عمران بن موسى بن سعيد (5) ، أصله من خراسان‏ (6) بغدادي المولد (7) ، راوية صادق اللهجة، واسع المعرفة بالروايات كثير السماع‏ (8) . روي عن البغوي، و ابن دريد، و أبي بكر بن داود السجستاني، و آخرين‏ (9) . و كان أبو علي النحوي يقول: هو من محاسن الدنيا (10) . و له من

____________

(1) أنباه الرواة، 1: 273.

(2) شذرات الذهب، 3: 88.

(3) أنباه الرواة، 1: 273.

(4) رياض العلماء، 1: 53.

(5) الفهرست (لابن النديم) : 146.

(6) نفس المصدر.

(7) مرآة الجنان، 22: 418.

(8) الفهرست (لابن النديم) : 146.

(9) البداية و النهاية، 11: 314.

(10) نفس المصدر.

24

الكتب: الكتاب المونق في أخبار الشعراء على حروف المعجم و كتاب الموشح، وصف فيه ما أنكره العلماء على بعض الشعراء (1) . هذا و أكثر روايات السيّد المرتضى في أماليه عن أبي عبد اللّه المرزباني. توفّي المرزباني سنة 384 هـ و كان مولده في جمادي الآخر سنة 297 ه (2) .

3) سهل بن احمد الديباجي:
هو سهل بن أحمد بن عبد اللّه أبو أحمد الديباجي‏ (3) . حدث عن محمّد بن العبّاس اليزيدي و محمّد بن الدريد و أبي بكر بن الأنباري‏ (4) و روي عنه الأزهري و القاضي أبو العلاء الواسطي و أبو القاسم التنوخي‏ (5) و قد ذكر الخطيب البغدادي و صاحب شذرات الذهب أن الشريف المرتضى روي عنه‏ (6) . توفّي سنة 385 هـ و قيل 383 هـ.

4) ابن جنيقا:
هو أبو القاسم عبيد اللّه بن عثمان بن يحيى الدقّاق، المعروف بـ «ابن جنيقا» قال أبو علي البرداني: قال لنا القاضي أبو يعلى: الناس يقولون جنيقا بالنون و هو غلط، إنّما هو جليقا باللام‏ (7) ، قال عنه ابن كثير: سمع الحديث سماعا صحيحا و روي عنه الأزهري، و كان ثقة مأمونا حسن الخلق‏ (8) . و قد ذكر السيّد المرتضى في أكثر من موضع من أماليه. توفّي في رجب سنة 390 ه (9) .

5) ابن نباتة السعدي:
هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن محمّد بن أحمد بن نباتة السعدي‏ (10) ، كان شاعرا مجيدا، جمع بين حسن السبك و جودة المعنى، طاف البلاد و مدح الملوك و الوزراء و له في سيف الدولة الحمداني غرر القصائد (11) .

____________

(1) الفهرست (لابن النديم) : 146.

(2) نفس المصدر.

(3) تاريخ بغداد، 9: 121.

(4) نفس المصدر.

(5) نفس المصدر.

(6) نفس المصدر و شذرات الذهب، 3: 256.

(7) تاريخ بغداد، 10: 377.

(8) البداية و النهاية، 11: 236.

(9 و 10 و 11) المنتظم، 7: 210.

25

قال عنه أبو حيّان التوحيدي: هو شاعر الوقت، لا يدفع ما أقول إلاّ حاسد أو جاهل أو معاند (1) .

و يعد ابن نباتة من أوائل شيوخ السيّد المرتضى، فقد قرأ عليه هو و أخوه مبادئ العربية و هما طفلان‏ (2) . توفّي ببغداد سنة 405 ه (3) .

6) علي بن محمد الكاتب:
هو أبو الحسن عليّ بن محمّد الكاتب، روي عنه السيّد كثيرا في أماليه، و لم نقف على ترجمته، و يبدو من روايات السيّد المرتضى عنه أنه كان يحدث عن أبي بكر الصولي و ابن دريد و ان المرزباني قد روي عنه‏ (4) .

ب-شيوخه في الحديث و الفقه و الأصول: 1) الشيخ المفيد:
هو الشيخ الجليل أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد، يكنّى أبا عبد اللّه، المعروف بابن المعلم، من جملة متكلّمي الإمامية، انتهت إليه رئاسة الإماميّة في وقته، و كان مقدما في العلم و صناعة الكلام، و كان فقيها متقدّما فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب. و له قريب من مائتي مصنّف كبار و صغار، و فهرست كتبه معروف، ولد سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة و توفّي لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ثلاث عشرة و أربعمائة، و كان يوم وفاته يوما لم ير أعظم منه، من كثرة الناس للصلاة عليه و كثرة البكاء من المخالف و الموافق‏ (5) . قال ابن نديم: (شاهدته فرأيته بارعا) (6) .

2) محمد بن بابويه الصدوق:
محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي أبو جعفر، نزيل

____________

(1) الامتاع و المؤانسة، 1: 136.

(2) الدرجات الرفيعة: 459.

(3) المنتظم، 7: 274.

(4) نقلناه ترجمة أساتذة السيّد في الأدب عن كتاب «الدلالة القرآنية عند الشريف المرتضى» : 21- 26. و عن الناصريات: 18-21.

(5) الفهرست: 238، 239.

(6) الفهرست (لابن نديم) : 226.

26

الري، شيخنا و فقيهنا و وجه الطائفة بخراسان‏ (1) ، المعروف بالشيخ الصدوق المتوفّى سنة 381 هـ، كما ورد ذلك في الإجازات.

3) الحسين بن بابويه:
هو الحسين بن عليّ بن الحسين بن بابويه، أخ الشيخ الصدوق، كان جليل عظيم الشأن في الحديث، يروي عن أبيه و أخيه، و يروي عنه الشريف المرتضى بلا واسطة (2) ، و كذلك النجاشي‏ (3) .

4) هارون بن موسى التلعكبري‏
هو أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد بن سعيد، أبو محمّد، التلعكبري من بني شيبان‏ (4) ، جليل القدر، عظيم المنزلة، واسع الرواية، عديم النظير، ثقة، روى جميع الأصول و المصنّفات، مات سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة (5) .

5) أحمد بن محمّد الكاتب‏
أبو الحسين أحمد بن محمّد بن عليّ الكوفي الكاتب، قال الشيخ الطوسي:

أحمد بن عليّ الكوفي، يكنّى أبا الحسين، روى عن الكليني، أخبرنا عنه عليّ ابن الحسين الموسوي المرتضى‏ (6) .

ختامه مسك‏

بملاحظة مشايخ السيد المرتضى العظماء الّذين مثلوا كلّ بدوره عظمة و مكانة كبيرة. يتّضح أنّ محيط بغداد و أساتذتها الكبار كانوا يمثلون أرضية مناسبة لتطوّر السيّد المرتضى علميّا؛ لكن ينبغي أنّ نعلم بأن هذا العامل كسابقه (أي الوراثة و المحيط العلمي للعائلة) لا يكفي لوحده لنموّ و ازدهار شخص ما،

____________

(1) رجال النجاشي: 389.

(2) رجال الطوسي: 434.

(3) رجال النجاشي: 68.

(4) رجال النجاشي: 439.

(5) رجال الطوسي: 449.

(6) رجال الطوسي: 414.

27

فلقد كان الكثير ممّن عاشوا في هكذا بيئة و تعرفوا على علماء بغداد الكبار لكنّهم لم يسعوا للاستفادة من هؤلاء العلماء و ما أكثر أولئك الّذين كانوا ينتسبون إلى عوائل كبيرة لكنّهم اكتفوا بنسبهم و لم يجدّوا في طلب العلم؛ فما هو مؤثّر في مسير نموّ و ازدهار إنسان ما إنّما هي العناية و الرعاية الألهية بهذا الإنسان، فإذا ما تهيأ الإنسان فإنّ جميع الاستعدادات الوراثية و الاكتسابية تبدأ بالازدهار.

لقد نال السيّد المرتضى هذه العناية الإلهية و قد شمله لطف اللّه و عنايته و صار كما هو؛ قال ابن ابي الحديد: حدّثني فخّار بن معد العلوي الموسوي رحمه اللّه قال: رأى المفيد أبو عبد اللّه محمّد بن النعمان الفقيه الإمامي في منامه كأنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليهما دخلت عليه و هو في مسجده بالكرخ و معها ولداها الحسن و الحسين عليهما السّلام صغيرين فسلمتها إليه و قالت له علّمهما الفقه فانتبه متعجّبا من ذلك فلمّا تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة الّتي رأى فيها الرؤيا دخلت إلى المسجد فاطمة بنت الناصر و حولها جواريها و بين يديها إبناها محمّد الرضي و عليّ المرتضى صغيرين فقام إليها و سلّم عليها فقالت له: أيّها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلّمهما الفقه فبكى أبو عبد اللّه و قصّ عليها المنام و تولّى تعليمهما الفقه و أنعم اللّه عليهما و فتح لهما من أبواب العلوم و الفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا و هو باق ما بقي الدهر (1) .

الفصل الثاني‏

لقد ذكرنا سابقا أنّ معرفة أي مدرسة علميّة لعالم ما و كذا دوافعه الفكريّة يتطلّب مجالا واسعا؛ و بما أنّ هذا ليس ما نرومه في بحثنا هذا لذلك لم يكن سعينا البحث في آراء و نظريات السيّد المرتضى بل نروم إلى بحث إجمالي في منهجيته العلمية لنحصل على إجابات على الأسئلة المطروحة.

و للحصول على تلك الإجابات ينبغي البحث في الأرضية السياسيّة

____________

(1) شرح نهج البلاغة، 1: 41.

غ

28

و الاجتماعية و المدارس الفكرية الّتي عاصرها السيد المرتضى لنشير بعد ذلك إلى موقف المدرسة البغدادية (1) و الّتي كان يتزعمها السيّد المرتضى.

و لهذا سنعمد للحديث عن موقف و نتائج المدرسة البغدادية بعد ذكر مقدّمتين:

المقدمة الأولى: الانفتاح السياسي و الاجتماعي للشيعة في عصر السيّد المرتضى‏

ينبغي اعتبار عصر السيّد المرتضى عصرا لخروج المدرسة الشيعيّة من زوايا مدينة بغداد (2) و الّتي كان من نتاجها ترويج هذا المذهب بشكل تصاعدي و من ثمّ ازدياد الجهود التبليغيّة و العلميّة للشيعة الإمامية. و بعبارة أخرى فقد حصل في هذه الفترة انفتاحا سيّاسا للشيعة تمكنت من خلالها تحكيم جانبها السياسية و الاجتماعيّة. و كان لهذه المهمّة الخطيرة بعدان:

1-الجهد التبليغي و العاطفي؛

2-الجهد العلمي و الثقافي؛

لقد كانت المهمّة الأولى تقع على عاتق الدولة الشيعيّة و الأمّة، فيما كانت تقع المهمّة الثانية على عاتق علماء هذه المدرسة. و يظهر أنّ هاتين الفئتين كانتا قد انجزتا هذه المهمّة بشكل جيّد. و هنا نشير إلى جانب من تلك الحالة.

1) الجهد التبليغي و العاطفي‏
لم يكن بإمكان شيعي القدرة على التصريح بعقائده قبل القرن الرابع الهجري إلاّ إذا أراد أن يضحي بنفسه.

و لعلّ حكاية ابن السكّيت دليل مؤيّد لهذا الإدعاء فقد روي أنّ ابن السكّيت

____________

(1) لا يخفى على المطّلع أنّ المقصود من المدرسة البغدادية هو المدرسة البغدادية الثانية حيث كانت فترة الشيخ المفيد و السيّد المرتضى و الشيخ الطوسي تمثل مستوى القمّة فيها.

(2) محطّ كلامنا في هذا البحث مدينة بغداد و إلاّ فقد كانت في القرنين الثاني و الرابع حكومات شيعية أخرى لها أثرها في تاريخ الشيعة و دورها في ترويج المذهب، كآل حمدان و الفاطميين و العلويّين حكّام طبرستان.

29

كان يدرّس ولدي المتوكّل و هم عبد اللّه المعتزّ و إبراهيم المؤيّد و في يوم خاطبه المتوكّل قائلا: أيهما أحبّ إليك ابني هذين أو الحسن و الحسين فأجابه ابن السكّيت قائلا: لقنبر (غلام عليّ عليه السّلام) أحبّ إليّ من ابنيك هذين، فأمر المتوكّل أن تبقر بطنه أو على نقل آخر أمر ان يقطع لسانه من قفاه.

أو كما ورد في حكاية أخرى عن قافلة كانت تتّجه من قم إلى إصفهان فجهر أحدهم بكلام يظهر فيه اعتقاده الشيعي فما كان من الحاكم ألاّ أن قتل مجموعة من تلك القافلة و منذ القرن الرابع و ما بعده و خصوصا منذ بداية النصف الثاني من ذلك القرن استطاع أمراء الديلم أن يسلبوا الخليفة اختياراته و حوّلوا بغداد إلى مركز حكومتهم و بذلك زال الكثير من هذا الضغظ و المنع، نعم كانت تحدث بعض الخصومات و النزاعات بين الشيعة و السنّة و الّتي كان يحركها في الغالب الحكّام، و في غير هذا كان إظهار العقائد الشيعية من دون مانع.

إظهار الشعائر الشيعيّة
المقصود من الشعار هنا هو الأمور الّتي يكون ابرازها من مختصّات اتباع المذهب الشيعي لكن هذا الاختصاص لا يعني أنّ هذه الشعارات لم تكن لها جذور إسلامية، و أنّ الشيعة هم إبتدعوها، بل إنّ لهذه الشعائر منطلقاتها الإسلامية سواء في زمن الأئمّة الأطهار أو في الأزمنة اللاحقة لكن هذه الشعائر كانت تقام في الخفاء أيّام الحكومات الظالمة الّتي كانت تشدّد ضغطها على الشيعة. و هكذا كانت بعض هذه الشعائر تنساق في مسير النسيان و ذلك ضمن متقلبات الوقائع التاريخية.

لكن هذه الشعائر بدأت تظهر إلى العلن بحدّ ما و ذلك في منتصف المئوية الرابعة و الخامسة. و سنذكر هنا عدّة شعائر كانت قد ظهرت بشكل جليّ في ذلك العصر:

1) جملة حيّ على خير العمل‏ إنّ ممّا لا شك فيه أنّ الصلاة تمثل أهمّ الأعمال، إذا فذكر هذه الجملة في‏

30

الأذان يعدّ أمرا مناسبا جدّا. و كما أشرنا فإنّ هذه الجملة كانت تذكّر في زمن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم في الأذان‏ (1) و لا دليل على كونها قد نسخت‏ (2) .

إذا، فالشيعة حينما اعتبروا هذه الجملة جزءا من الأذان و الإقامة لم ينحو إلاّ طريق الصواب و ما عملوا إلاّ بسنّة و سيرة النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم. و لأن بقيّة الفرق الإسلاميّة منعت هذا الأمر فإنّ هذا صار من مختصّات الشيعة و تحوّل إلى شعار، يرتل على المآذن حينما كان يدخل كلّ قائد شيعي إلى منطقة من المناطق أو مدينة من المدن‏ (3) .

2) الشهادة الثالثة في الأذان‏ (4) هناك روايات في مصادر الفريقين من قبيل الكتب الأربعة و الصحاح الستّة

____________

(1) سنن البيهقي، 1: 424.

(2) يقول السيّد المرتضى: و ممّا انفردت الإمامية: أن تقول في الأذان و الإقامة بعد قول: «حيّ على الفلاح» : حيّ على خير العمل. و الوجه في ذلك إجماع الفرقة المحقّة عليه. و قد روت العامّة أنّ ذلك ممّا كان يقال في بعض أيّام النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم، و إنّما ادعي أن ذلك نسخ و رفع، و على من ادعى النسخ الدلالة له، و ما يجدها» .

(3) يقوى أن احتمال أن تكون مدينتي قم و كاشان و الّتي كانت تقطنها الشيعة من المدن الّتي كانت تجهر بهذه الجملة في الأذان قبل القرن الرابع في أغلب أحيائها. و قد كانت الشيعة تجهر بهذه الجملة ببغداد و في احياء من قبيل القطيعة (الكاظميّة) و الكرخ و في مسجد براثا. فقد نقل القاضي التنوخي نقلا عن أبي الفرج الإصفهاني أنه قد سمع مؤذّنا يذكر حيّ على خير العمل في أذانه.

لكن في أوّل أيّام السلجوقيين أي سنة 448 تمّ منع الشيعة من ذكره في الأذان. و كان طغرل السلجوقي قد أجبر سكان حيّ الكرخ أن يقولوا جملة «الصلاة خير من النوم» (في أذان الصبح) بدل «حيّ على خير العمل» .

(4) عدّ هذه الجملة من الأذان غير متّفق عليه قال الشيخ الصدوق: و المفوّضة لعنهم اللّه قد وضعوا أخبارا و زادوا في الأذان «محمّد و آل محمّد خير البريّة» مرّتين، و في بعض رواياتهم أشهد أنّ محمّد رسول اللّه «أشهد أنّ عليّا وليّ اللّه» مرّتين، و منهم من روى بدل ذلك «أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين حقّا» مرّتين و لا شكّ أنّ عليّا ولي اللّه أمير المؤمنين حقّا و أنّ محمّدا و آله صلوات اللّه عليه خير البريّة، و لكن ليس ذلك في أصل الأذان، و إنّما ذكرت ذلك ليعرف بهذه الزيادة المتّهمون بالتفويض المدلسون أنفسهم في جملتنا أقول مراده رحمه اللّه من المفوّضة-على ما فسّره بعض الأساطين-خطّ الغلوّ السياسي في الشيعة و أيّا كان هم غير المعتزلة القائلين بتفويض أعمال العباد إليهم.

31

و الّتي يعتمدها الشيعة و السنة تدلّ على ولاية عليّ عليه السّلام أو تؤيّد ذلك فالاعتقاد بولاية أمير المؤمنين يعد جزءا من الإيمان. فالشيعة و من دون أدنى ترديد كانت ترفع شعار الشهادة لعليّ بالولاية و تصرّح بذلك كأحد أهمّ شعاراتها، لكن السؤال هو هل وجدت الشيعة فرصة للجهر بهذا الشعار في مأذنها بشكل عملي.

و للجواب يقال اننا لم نجد مطلبا يدلّ على ذلك. لكن و في القرن الرابع فقد كان هناك من يرتل الشهادة الثالثة (الشهادة لعليّ بالولاية) في الأذان و ذلك في حي القطعية من بغداد (الكاظمية) .

3) إقامة العزاء إحياء لذكرى مقتل الإمام الحسين عليه السّلام‏ لقد كانت مراسم إقامة العزاء على مقتل الإمام الحسين عليه السّلام إحدى أهمّ الشعائر البارزة الّتي كانت الشيعة تقيمها بعد واقعة الطف و استمرّت إلى يومنا هذا.

فقد كان خواصّ الشيعة و قبل القرن الرابع الهجري و في أيّام الأئمّة المعصومين يحضرون عندهم في يوم عاشوراء و يقيمون مأتم الحزن هناك و كان الشعراء ينشدون ما نظموا حول هذه الواقعة، و استمرّ هذا الأمر بعد زمن الأئمّة عليه السّلام بشكل سرّي، لكن كان يجهر بالأشعار الّتي كانت قد نظمت في هذه المناسبة.

فمنذ القرن الرابع بدأت مراسم إقامة العزاء على قتلى الطف تبرز إلى العلن. و سنذكر هنا بعض هذه الأنواع بشكل مختصر:

1-النياحة: لقد امتهن البعض النياحة و ذكر مصية الإمام الحسين عليه السّلام و أصحابه في القرن الرابع و كان من جملتهم شخص يقال له خلب (بكسر الخاء و سكون اللام) و ذلك في أوائل القرن الرابع الهجري و كان يبدأ قراءة مصيبة بالبيت التالي:

أيّها العينان فيضا # و استهلا لا تغيضا

و قد كانت الأبيات الشعرية الّتي ينشدها هؤلاء القرّآء تشتمل على مصائب‏

32

الإمام الحسين عليه السّلام و أهل بيته و أصحابه و لم يتمّ التعرّض فيها للسلف ابدا، لكن-و مع كلّ هذا-أنّ أبا محمّد البربهاري و هو من العلماء الحنابلة المعروفين و من أوائل المؤسّسين لما عرف اليوم بمذهب الوهابيّة. كان يأمر بقتل قرّاء المصيبة الحسينية، ففي تلك الفترة لم يكن أحد من قرّاء المصيبة، ليجرأ بشكل علني على قراءة المصيبة لكن و في أواسط القرن الرابع حيث زالت هيمنة البربهاري و اتباعه كان قرّاء المصيبة يجهرون بذكر المصيبة.

2-رواج نظم الأبيات الشعرية حول واقعة الطف‏ منذ أن حدثت واقعة الطفّ، و الشعراء ينظمون أبياتا كثيرة حول هذه المناسبة و قد استمرّ هذا الأمر إلى يومنا هذا و قد اتّسع هذا المنحى في القرنين الرابع و الخامس بشكل كبير فقد خصّص مؤلّف كتاب «أدب الطف» المجلّد الثاني من كتابه لذكر شعراء هذين القرنين و ذكر نماذج من أشعارهم و قد أورد أسماء العشرات من هؤلاء الشعراء.

و قد ورد في مصادر ذلك الزمان الحديث عن وضع الشعراء و نماذج من أشعارهم و ذلك في رسائل بديع الزمان الهمداني (المتوفّى سنة 393) و كان منها مثلا قصيدة تحدث فيها الشاعر عن رفع رأس الإمام الحسين على رمح و كيف كانت تضرب شفاهه عليه السّلام و أسنانه بالعصى و كذا بقيّة المظالم الّتي فعلها بنو أميّة (1) .

____________

(1) أورد الثعالبي كلاما حول رجل يقال له ابن كولان و كان يعتبر من شعراء الشيعة، و كان يحبّ الإمام الحسين عليه السّلام حبّا جما و قد دوّن تسعا و أربعين قصيدة حول أهل البيت عليهم السّلام و كان قد نذر أن يكتب خمسين قصيدة و حين بدأ بكتابة الشطر الأوّل منها قال:

بني أحمد يا بني أحمد

و لم يتمكّن من إتمام البيت فنام بعد ذلك فرأى في المنام النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم فطلب منه النبيّ أن يذهب إلى أمير المؤمنين فلمّا وصل عند الإمام أنشده تتمّة القصيدة قائلا:

بكت لكم عمد المسجد

و قد أورد الثعالبي عن أبي بكر الخالدي الشاعر قصيدة في وقعة الطفّ. و قد أورد أبو عبد اللّه المرزباني و هو من أدباء و كتاب القرن الرابع مجموعة من هؤلاء الشعراء و نماذج من أشعارهم.

33

3-الحزن في يوم عاشوراء لقد ذكرنا سلفا أنّ مراسم العزاء على مقتل الإمام الحسين كانت تجرى بالخفاء (في البيوت) قبل القرن الرابع الهجري لكن و بعد القرن الرابع و خصوصا بعد النصف الثاني من القرن الرابع كانت هذه المراسم تجرى في يوم عاشوراء بشكل علني في الأزقة و الأسواق. فلقد أورد عموم المؤرّخين المسلمين و خصوصا المؤرّخون الّذين كتبوا في وقائع تلك السنوات كيفيّة العزاء الّذي كان يقيمه الشيعة في يوم عاشوراء و منهم ابن الجوزي في كتاب المنتظم و ابن الأثير في كتاب الكامل و ابن كثير في البداية و النهاية و اليافعي في مرآة الجنان و الذهبي و آخرون و ذلك ضمن ذكرهم لوقائع سنة 352 و السنوات الّتي تلتها.

قال ابن الجوزي في هذا: أنه في اليوم العاشر من المحرم أغلقت الأسواق ببغداد، و عطل البيع، و لم يذبح القصّابون و لا طبخ الهرّاسون و لا ترك الناس أن يستقوا الماء، و نصبت القباب في الأسواق، و علّقت عليها المسوح، و خرجت النساء منتشرات الشعور يلطمن في الأسواق، و أقيمت النائحة على الحسين عليه السّلام‏ (1) و كتب ابن أثير ضمن سرده لوقائع سنة 352: عاشر المحرّم أمر معزّ الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم، و يبطلوا الأسواق و البيع و الشراء، و أن يظهروا النياحة، و يلبسوا قبابا عملوها بالمسوح، و أن يخرج النساء منثرات الشعور، مسودات الوجوه و قد شققن ثيابهن، يدرن في البلد بالنوائح، و يلطمن وجوههنّ على الحسين بن عليّ رضى اللّه عنهما ففعل الناس ذلك و لم يكن للسنّة قدرة على المنع منه لكثرة الشيعة و لأن السلطان معهم. (2)

و منذ سنة 352 إلى أواسط القرن الخامس حيث زال حكم البويهيين كانت تقام هذه المراسم بشكل مستمرّ. و إن صادف عاشوراء «النوروز» أو «مهركان» فإنّ مراسم الاحتفال بهذه الأيّام تؤخّر إلى ما بعده.

____________

(1) المنتظم، 14: 15.

(2) الكامل في التاريخ، 8: 549.

34

4-إحياء مراسم عيد الغدير و من جملة الشعائر الشيعية الّتي برزت في القرن الرابع و تحوّلت إلى مراسم احتفالية يقام فيها الفرح و السرور هي يوم الغدير المصادف للثامن عشر من شهر ذي الحجّة، و لم تكن هذه المناسبة مستحدثة بعد القرن الرابع بل هي مراسم كانت تقام قبل ذلك بعيدا عن أعين الرقيب لكنّها تحوّلت إلى مراسم علنية في منتصف القرن الرابع و في نفس السنة التي بدأت فيها إقامة مراسم العزاء الحسيني بشكل علني و اعتيادي أي في سنة 352 حيث بدأت مراسم الاحتفال و الإضائة في ليلة و يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة (1) .

5-زيارة العتبات المقدّسة لقد دأبت الشيعة بعد واقعة عاشوراء المأساوية على إحياء هذه الذكرى و لم تنس هذا المصاب العظيم و استمرّت في زيارتها لمثاوي شهداء تلك الواقعة و بقيّة الأماكن المتبرّكة لاستذكار مواقف تلك الثلّة الّتي نصرت الحسين عليه السّلام في زيارتها لمثاوي شهداء تلك الواقعة و بقية الأماكن المتبرّكة لاستذكار مواقف من نصر الحسين عليه السّلام.

لقد واجه زائري مرقد الإمام الحسين عليه السّلام في القرن الرابع مشاكل و ضغوط عديدة، فقد منع عنها المتوكّل العبّاسي كما هو معروف في كتب التاريخ و أيضا أمر أن تحرث أرض قبر الإمام الحسين و أن يمنع من يشد الرحال إليه. لكن مساعي المتوكّل لم تفلح في زلزلة عزم الشيعة فتحمّلوا مخاطر جمة و أعيد القبر إلى ما هو عليه و عاد زائروه متلهفين لزيارته.

و في النصف الثاني من القرن الرابع و إلى حد ما في النصف الثاني من القرن

____________

(1) يقول ابن أثير في حوادث هذه السنة: «و فيها، في ثامن ذي الحجّة، أمر معزّ الدولة بإظهار الزينة في البلد، و أشعلت النيران بمجلس الشرّطة، و أظهر الفرح، و أظهر الفرح، و فتحت الأسواق بالليل و قال ابن الجوزي أيضا: «في ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجّة: و هو يوم «غدير خم» أشعلت النيران، و ضربت الدبادب و البوقات، و بكر الناس إلى مقابر قريش» .

غ

35

الخامس و أبان حكم البويهين كانت زيارة قبر الإمام الحسين تؤدى ببساطة و سهولة إلاّ في أوقات خاصّة، و كانت بغداد تضيف القوافل الّتي تأتي لزيارة كربلاء و النجف و تهي‏ء لهم الخيام و وسائل الراحة. و قد ذكرنا سلفا أن من جملة زيارات شيعة العراق إلى كربلاء في النصف من شهر شعبان. و قد اعتادت الكرخ أن تحمل معها نوعا من المنجنيق الخاص (محامل من الخشب) إلى كربلا (1) .

2-الجهد العلمي و الثقافي‏
لقد حصل هناك نوعان من الأعمال العلمية و الثقافية:

في البلد، و أشعلت النيران بمجلس الشرّطة، و أظهر الفرح، و أظهر الفرح، و فتحت الأسواق بالليل و قال ابن الجوزي أيضا: (في ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجّة: و هو يوم «غدير خم» أشعلت النيران، و ضربت الدبادب و البوقات، و بكر الناس إلى مقابر قريش) .

(1) تلخيص و تعريب من مقالات مؤتمر تكريم الشريف الرضي رحمه اللّه‏ أ-بين المذاهب‏
و يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض المناظرات الّتي كانت تحصل بين علماء و مفكّري الشيعة و بقيّة علماء و مفكّري المذاهب الإسلامية و ذلك في مسألة أحقّيّة الشيعة و الحوار في هذا المجال. و قد كتب علماء الشيعة كتبا كثيرة و رسائل مختلفة في المسائل الخلافيّة مستندين في تدوينهم إلى الأصول العلمية الّتي يتفق عليها المذهبان و قد برزت من بين هذه المؤلّفات احتجاجات الشيخ الصدوق مع اتباع الملل و النحل الّتي عاشت عصره و قد ذكرها في كتاب «كمال الدين» (2) . و كذا مباحث الشيخ المفيد و بقيّة علماء ذلك العصر.

و قد ألّفت في تلك البرهة كتبا من قبيل الانتصار للسيّد المرتضى و الخلاف

____________

(1) تلخيص و تعريب من مقالات مؤتمر تكريم الشريف الرضي رحمه اللّه.

(2) انظر كمال الدين: 87؛ يقول الشيخ الربّاني: «له مباحثات ضافية، و جوابات شافية في مناصرة المذهب الحقّ و مناجزة الباطل منها: ما وقع بحضرة الملك ركن الدولة البويهي الديلمي و ذلك-

36

للشيخ الطوسي في موضوع الفقه و الذريعة للسيّد المرتضى و عدّة الأصول للشيخ الطوسي في موضوع أصول الفقه.

إن ما يمكن بيانه بالنسبة لمكانة بغداد و علماء الشيعة فيها هو أنّ هذه المدينة لم تكن كبقيّة المناطق الشيعية من قبيل قم و الري من حيث اختصاصهما بالشيعة و عدم وجود جوّ من الاختلاف و النقاشات المذهبيّة (1) . فقد كانت بغداد و بحكم سكانها الّذين تنوعوا من حيث المذاهب و الفرق مسرحا لهذا النوع من النقاشات و الاختلافات المذهبيّة فبيئة كهذه تجعل اتباع كلّ مذهب يتحفزون لإثبات ما يؤمنون به.

فمع ملاحظة ما ذكر يتضح لنا السبب في غلبة الطابع العقلي و الكلامي أوفقه الخلاف و... خصوصا في عصر الشيخ المفيد على الكتب الّتي تمّ تأليفها في مدينة بغداد.

ب-في إطار المذهب‏ 1) تدوين القسم الأكبر من الكتب الأربعة في هذا العصر و كذا تأليف الكثير من الكتب و الرسائل الكلامية و التفسيرية من قبل الشيخ المفيد و تلامذته.

و الّتي كانت تمثل اروع ما ألفه كبار علماء الشيعة.

____________

ق-بعد أن بلغ صيت فضله و شهرته الآفاق، فأرسل الملك إليه و استدعى حضوره لديه، فحضر قدس سره مجلسه فرحب به و أدناه من نفسه، و بالغ في تعظيمه و تكريمه و تبجيله، و ألقى إليه مسائل غامضة في المذهب فأجاب عنها بأجوبة شافية، و أثبت حقّية المذهب ببراهين واضحة بحيث استحسنه الملك و الحاضرون، و لم يجد بدا من الاعتراف بصحّتها المخالفون، و ذكر النجاشي في جملة ككتبه: (ذكر مجلس الّذي جرى له بين يدي ركن الدولة، ذكر مجلس آخر، ذكر. مجلس الثالث، ذكر مجلس رابع، ذكر مجلس خامس) . انظر معاني الأخبار، ترجمة المؤلّف: 26.

(1) فعلى سبيل المثال كان المحفزّ لتأليف بعض الكتب الّتي ألّفها الشيخ الصدوق في الدفاع عن المذهب الشيعي هو إشكاليات حصلت خارج محلّ سكناه. فمثلا كان للشيعة في نيشابور إشكالاتهم حول غيبة الإمام صاحب الزمان (عجّل اللّه تعالى فرجه) و كذا شبهات بعض كبار الفلاسفه في بخارا الّذين اشكلوها على الشيخ نجم الدين أبو سعيد محمّد بن الحسن القمّي في أمر الغيبة، و لذلك تمّ تأليف كتاب كمال الدين راجع كمال الدين و تمام النعمة: 2 و 3. و لعلّ دعوة ابن ركن الدين البويهي إيّاه لاجراء مناظرة دليل على هذا المدّعى.

37

2) لقد ذكرنا فيما مضى أنّ أوّل حوزة علميّة حديثة و على الطريقة الّتي نلاحظها في عصرنا هذا كانت قد تأسّست على يد الشيخ المفيد.

و مع وفاة الشيخ المفيد رضوان اللّه عليه تسلم بعده السيّد المرتضى علم الهدى زعامة هذه الحوزة و تقلد منصب المرجعية للعالم الشيعي.

و قد كانت هذه المرتبة نفس المرتبة التي حصل عليها استاذه الشيخ المفيد رحمه اللّه، لكن الملاحظ هو انّ العلماء المعاصرين للسيّد المرتضى و من بعده كانوا قد نعتوه بمرتبة اجتماعية أكبر.

فقد كتب ابن بسام الأندلسي في كتابه «الذخيرة» : كان هذا الشريف إمام أئمّة العراق بين الاختلاف و الاتفّاق، إليه فزع علمائها و عنه اخذ عظمائها، صاحب مدارسها و جماع شاردها و آنسها ممن سارت اخباره و عرفت له أشعارها.

و قد كتب أبو منصور الثعالبي: و قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد و الشرف و العلم و الأدب و الفضل و الكرم و...

و كتب ابن خلّكان: كان إماما في علم الكلام و الأدب و الشعر.

لذلك نحن نلحظ في السيّد المرتضى الزعامة و القيادة العامّة، فهو-إضافة لمقام المرجعيّة و الزعامة الشيعية-كان يمتاز بشعبية واسعة.

لقد كانت دروس الشيخ المفيد تقام في مسجده في الكرخ. و قد اتّسعت في هذا العصر المعارف و اصبحت شاملة إلى مستوى شيد كلّ من السيّد الرضي و المرتضى دارا للعلم و التحقيق و المطالعة و تدريس طلاب العلوم الدينيّة، و قد تزيّنت حلقات دروس أولئك الأعلام بوجوه العلماء و الفقهاء و الادباء من كافّة الطوائف الإسلامية. و خرجت من كونها خاصّة بطلاّب العلوم الدينية من الطائفة الشيعية.

هذا إضافة لما كان يبذله السيّد المرتضى من رواتب شهرية لطلاّبه ليتمكّنوا من الدراسة و المطالعة و التحقيق بفراغ بال، و أن لا يمنعهم مانع معاشي من الابتعاد عن حلقة الدرس و التحقيق.

38

و من جملة ما نقل عن السيّد المرتضى في رفده للعلم و العلماء و الحثّ على اكتساب المعارف أنه كان قد وقف قرية من ممتلكاته لتهيئة مستلزمات صناعة الورق هذا أوّلا و ثانيا قيامه بتأسيس مكتبة قيّمة تحتوي على كتب قيّمة (1) .

و بهذا اسّس مجتمع علمي و تحقيقي و دراسي في مدينة الكرخ مع الشيخ المفيد ثمّ راحت العلوم و اتسعت المعارف في الكرخ و تضاعف عدد الدارسين في عهد السيّد المرتضى ليدخل المجتمع في عصر الشيخ الطوسي رحمه اللّه عليه مرحلة جديدة (2) .

إنّ ما مرّ يمثل جانبا للوضع السياسي و الاجتماعي لمدينة بغداد شيعتها و علمائها و الّذي نطلق عليه عنوان الانفتاح السياسي، و سنتحدث لاحقا عن موقف السيّد المرتضى قبال هذا الوضع و تأثيره على المنهج العلمي للسيّد المرتضى.

المقدمة الثانية: المذاهب العلميّة في عصر السيّد المرتضى‏

لقد ذكرنا سابقا أن بغداد كانت تمثل مركزا لاجتماع علماء بغداد الكبار من المذاهب الإسلاميّة المختلفة و كان البحث العلمي ينصبّ بنوع من الأنواع بينهم و بين علماء الشيعة، و في هذا الإطار سنشير إلى الاتجاهات العلميّة الأخرى الّتي هيمنت في مدن شيعية مهمّة من قبيل الري و قم ثمّ نتحدث في موقف المدرسة البغدادية و زعيمها المرتضى قبال المدارس المذكورة.

____________

(1) تلخيص و تعريب من مقالات مؤتمر تكريم الشريف الرضي رحمه اللّه.

(2) إنّ ما يميّز الشيخ الطوسي عن أكابر العلماء في بغداد هو أنه أجرى جميع اطروحاته في العلوم الدينيّة المختلفة و قام بتأليف كتاب في كلّ علم من هذه العلوم. و كانت آرائه سببا لتغيير المنهجية الكلّية لهذه العلوم لدى الشيعة و من جملة ذلك حجّيّة الخبر الواحد و الّتي يمكن اعتبارها حدّ المدرسة الثانية لبغداد و العهد الجديد. فتأثير هذه النظرية يعد بمستوى يمكن أن يقال: (كما ذكر أحد الأساطين) : (أن العلماء إلى يومنا هذا ينبغي اعتبار هم مقلّدين للشيخ الطوسي) . فهذه النظرية هي جمع بين مدرسة بغداد و مدرسة قم؛ و من هذا المنطلق تجلّ المدرستين المذكورتين الشيخ الطوسي.

39

1-المذاهب العلمية في بغداد:
لقد كانت الغالبية في بغداد أيّام السيّد المرتضى تعمل وفق المذاهب السنية فقهيّا و كان المذهب الحنبلي المذهب الأكثر اتّباعا من بين هذه المذاهب فيما كان الفكر العقائدي المتّبع في بغداد هو الفكر المعتزلي.

لقد تكوّنت المدارس الفقهية السنية على أساس القرآن و الأخبار الّتي وردت عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و كذا الإجماع فيما كانت بعض المذاهب تضيف إليها القياس و الاستحسان كمنهج للاستنباط الفقهي. لكن المناهج الكلاميّة كانت تنقسم إلى قسمين مهمّين هما المعتزلة و الأشاعرة و الّذين كان لكلّ منهم اعتقاداته الخاصّة (1) .

و كانت المعتزلة تشدّد في اعتمادها العدل، و العقل، و الاستطاعة (الاختيار و الحكمة) لتعليل أفعال الباري بكونها ذات أغراض و في مقابل هذا المنحى كان هناك الأشاعرة الّذين يقفون بشدّة بوجه هذا التوجّه الّذي كانت تعتمده المعتزلة، فقد رفض الأشاعرة المستقلاّت العقليّة و كانوا يعتقدون بالحسن و القبح الشرعي و كان تفسيرهم للتوحيد الأفعالي السبب في قبول الجبر في أفعال العباد و إنكار وجود تعليل لأفعال الباري‏ (2) .

لقد أطلق على المعتزلة «العدليّة» و لم تكن هذه الكلمة ممثّلة للعدل و حسب، فإضافة لمفهوم العدل الّذي كانت تتبناه المعتزلة كان يفهم منها العقائد المذكورة أعلاه.

إنّ ما كان يورده الأشاعرة على المعتزلة هو كون أصل العدل يتنافي مع التوحيد الأفعالي بل يتنافي مع التوحيد الذاتي؛ لأنّ الاختيار عند المعتزلة هو نوع تفويض أي سلب الاختيار عن ذات الحقّ.

____________

(1) لقد كانت هناك مدارس أخرى مثل الماتريدية، و الأباظيّة و الصوفيّة و... في ذلك العصر. لكن المذهبين الأشعري و المعتزلي كانا يمثلان المذهبين المهمين في تلك الفترة.

(2) راجع لتفصيل الأقوال إلى كتاب الملل و النحل، للعلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني.

40

إنّ لهذين المذهبين موارد قوّة و ضعف في ما كانا يطرحانه فقد كانت القوّة تكمن في نقد و اعتراض أحدهما على الآخر و لكن الضعف كان يكمن في دفاعهما عن مذهبهما و اعتباره مذهبا جامعا و شاملا (1) .

و على كلّ حال فقد كان مذهب المعتزلة هو المذهب الأكثر استقطابا في مدينة بغداد أيّام السيّد المرتضى. و كانت أكثر المناضرات تجري مع هذا المذهب الكلامي‏ (2) .

2-مدرسة الريّ و قم‏ (3) :
لقد بدات المدارس العلميّة الشيعية كما ذكر من مدينة الكوفة ثمّ انتقلت إلى المدن الأخرى، و من هذه المراكز الّتي تحوّلت بعد ذلك إلى مدرسة مهمّة في معارف أهل البيت عليهم السّلام مدينتي الري و قم.

إنّ أوّل من نقل آثار الكوفة إلى قم إبراهيم بن هاشم‏ (4) . و قد كان أحد أسباب انتقال «مدرسة أهل البيت» من العراق إلى «إيران» هو الضغط الشديد الّذي كان يلاقيه فقهاء الشيعة و علماؤهم من العبّاسيّين، فقد كانوا يطاردون من يظهر باسم الشيعة بمختلف ألوان الأذى و التهمة (5) .

فالتجأ فقهاء الشيعة و علماؤها إلى قم و الري، و وجدوا في هاتين البلدتين ركنا آمنا يطمئنون إليه لنشر فقه أهل البيت عليهم السّلام و حديثهم.

و يظهر أن «قم أوان عصر الغيبة، و عهد نيابة النوّاب الأربعة كانت حافلة بعلماء الشيعة و فقهائها، و مركزا فقهيّا كبيرا من مراكز البحث الفقهي، حتّى أن

____________

(1) مقتبس من كتاب العدل الإلهي للشهيد مرتضى مطهّري، المقدّمة.

(2) لا يوجد في عصرنا الحاضر اتباع للمعتزلة.

(3) لا بد أن يلاحظ هنا أن مقصودنا هو الخطّ الفكري الأخباري الّذي كان يغلب على مدرسة قم و الري.

(4) رجال النجاشي: 16 و الفهرست للشيخ الطوسي: 35.

(5) منهم: أحمد بن محمّد بن خالد البرقي و أبوه، راجع رجال النجاشي: 76.

41

مثل «حسين بن روح النوبختي» انفذ كتابه إلى قم لينظر فيه علمائها» (1) .

ملامح المدرسة

الأولى: التوسعة في تدوين الحديث و جمعه‏
فقد كان تدوين الحديث قبل هذه الفترة لا يتجاوز التدوين الشخصي لما سمعه الراوي من الإمام مباشرة أو بصورة غير مباشرة مبعثرة حينا و منتظمة في بعض الأحيان.

و لم يتّفق لأحد من المحدّثين و الفقهاء في العصر الثاني أن يجمع ما صحّ في الأحكام من الأحاديث عن أهل البيت عليهم السّلام و ينظم ذلك، كما لوحظ في المجموعتين الحديثتين اللتين خلفتهما هذه المدرسة و هما: الكافي و من لا يحضره الفقيه.

و هذه الخطوة-خطوة جمع الأحاديث و تنظيمها-تعدّ من حسنات هذه المدرسة، فقد كثرت حاجة الفقهاء إلى مراجعة الروايات و الأحاديث حين الحاجة، و كانت الأحاديث منتشرة بصورة غير منظمة من حيث التبويب و الجمع في آلاف الكتب و الأصول و الرسائل الّتي خلفها أصحاب الأئمّة و محدثو الشيعة، و لم يكن من اليسير بالطبع الإلمام بما ورد من أحاديث في مسألة لكلّ أحد.

فكانت محاولة الجمع و التبويب في هذه الفترة لسدّ هذه الحاجة.

الثانية: الرسائل الجوابية لون جديد من الكتابة الفقهية
فقد كانت الشيعة تسأل الفقهاء من أطراف العالم الإسلامي ما يعرضها من

____________

(1) قال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة: 390 «أخبرني الحسين بن عبيد اللّه، عن أبي الحسن محمّد ابن داود القمّي، قال: حدّثني سلامة بن محمّد قال: أنفذ الشيخ الحسين بن روح رضى اللّه عنه كتاب التأديب إلى قم، و كتب إلى جماعة الفقهاء بها و قال لهم: انظروا في هذا الكتاب و انظروا فيه شي‏ء يخالفكم؟فكتبوا إليه: إنّه كلّه صحيح، و ما فيه شي‏ء يخالف إلاّ قوله: في الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام، و الطعام عندنا مثل الشعير من كلّ واحد صاع.

غ

42

المسائل بشكل استفسار، فكان الفقهاء يجيبون على هذه الأسئلة، فكانت نقطة بداية للرأي و النظر إن صحّ هذا الاعتبار (1) .

و لم يقدر له بعد أن يبلغ حدّ المراهقة، فكانت الرسائل الفقهية في هذه المدرسة لا تتجاوز عرض الأحاديث من غير تعرض للمناقشة و الاحتجاج و نقد الآراء و بحثها، و تفريع فروع جديدة عليها.

الثالثة: الفروع الفقهية لم يتجاوز ما في الأحاديث‏
لم يتجاوز البحث الفقهي في الغالب عن حدود الفروع الفقهيّة المذكورة في حديث أهل البيت عليهم السّلام، و لم يفرغ الفقهاء بصورة كاملة لتفريغ فروع جديدة للمناقشة و الرأي.

و كانت الفتاوى في الغالب نصوص الأحاديث مع إسقاط الاسناد و بعض الألفاظ في بعض الحالات؟و من لاحظ ما كتبه «عليّ بن بابويه القمّي والد الصدوق» و كانت له رسالة إلى ولده يذكر فيها فتاواه، و ما كتبه «الصدوق» كالمقنع و الهداية، و «جعفر بن محمّد بن قولويه» و غيرهم يطمئن إلى أن النهج العام في البحث الفقهي في هذه الفترة، لم يتجاوز حدود عرض ما صحّ من الروايات و الأحاديث، رغم توسع المدرسة في هذه الفترة (2) (3) .

____________

(1) يتّضح ذلك من جملة الكتب الّتي أثبتها النجاشي في رجاله لشيخ الصدوق رحمه اللّه، قال: و له كتب كثيرة، منها: كتاب جوابات المسائل الواردة عليه من واسط، كتاب جوابات المسائل الواردة عليه من قزوين، كتاب جوابات مسائل وردت في مصر، كتاب جوابات مسائل وردت من البصرة، كتاب جوابات مسائل وردت من الكوفة، جواب مسألة وردت عليه من المدائن في الطلاق، كتاب جواب مسألة نيسابور، كتاب رسالته إلى أبي محمّد الفارسي في شهر رمضان، كتاب الرسالة الثانية إلى أهل بغداد في شهر رمضان، و له أيضا رسالة في الغيبة إلى أهل الري و المقيمين بها و غيرهم» . انظر رجاله: 389.

(2) يقول الشيخ الطوسي في مقدّمة المبسوط و بيان علّة تأليفه للكتاب: «و كنت على قديم الوقت و حديثه متشوّق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوّق نفسي إليه، فيقطعني عن ذلك القواطع، و تشغلني الشواغل و تضعف نيّتي أيضا فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، و ترك عنايتهم به؛ لأنهم ألّفوا الأخبار، و ما رووه من صريح الألفاظ، حتّى أن مسألة لو غير لفظها و عبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منه، و قصر فهمهم عنها» .

(3) مقدّمة كتاب الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقية.

43

الرابعة: التمسك بالأخبار في الأصول الاعتقادية.

إنّ هذه الخصيصة لمدرسة قم تتحصّل من نوع الآثار الاعتقادية للصدوق، ككتاب التوحيد.

فعلى سبيل المثال كتب الشيخ صدوق في رسالة الاعتقادات:

«من قال بالتشبيه فهو مشرك و من نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب و كلّ خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو باطل و إن وجد في كتاب علمائنا فهو مدلس و الأخبار الّتي يتوهّمها الجهّال تشبيها للّه تعالى بخلقه فمعانيها محمولة على ما في القرآن من نظائرها» (1) .

فكما يلاحظ هنا لا يوجد مكانة للعقل في منهج نقل الحديث الكلامي عند الشيخ الصدوق فهو يكتب على سبيل المثال: «الجدال في اللّه منهي عنه؛ لأنه يؤدي إلى ما لا يليق به» ثمّ يضيف قائلا: «فأمّا الاحتجاج على المخالفين بقول الأئمّة أو بمعاني كلامهم لمن يحسن الكلام فمطلق، و على من لا يحسن فمحظور محرم» (2) .

و الملاحظ هنا من هذه العبارة أيضا عدم جواز تعدّي الروايات إلاّ في ألفاضها لا أكثر.

و قد كتب السيّد المرتضى حول هذه الخصيصة ما يلي: «ألا ترى أن هؤلاء بأعيانهم قد يحتجون في أصول الدين من التوحيد و العدل و النبوّة و الإمامة بأخبار الآحاد» (3)

نقول: المنهج الكلامي المتّبع لدي جمهور الشيعة هو المنهج الّذي يقول إن أصول الدين و مسائل العقيدة لا بد أن يتوصّل الإنسان إليها بنفسه و بالاستعانة بعقله

____________

(1) الاعتقادات في دين الإماميّة: 22 و 23.

(2) الاعتقادات في دين الإماميّة: 43.

(3) الرسائل، 11: 211.

44

الّذي هو رسول باطن لديه، و إن استرشد إلى ذلك بطريق أهل البيت عليهم السّلام و العلماء بحديثهم فلا بأس، أمّا أن يتقيّد في ذلك بالنصوص، و لا يتعداها، فلا.

حصيلة المدرسة البغدادية و السيّد المرتضى‏
اتّضح في المقدّمة الأولى أن المذهب الشيعي كان قد خرج في أيّام السيّد المرتضى عن كونه مذهبا يعيش في زوايا بغداد إلى كونه مذهبا رسميا، و قد كان هذا التغيير بحاجة إلى أدواته الخاصّة و ذلك بمعنى أن الأمر في السابق لم يكن كما هو الحال فقد كان بالإمكان الاستناد إلى الإثباتات و الأدلّة الّتي يقبلها الشيعة بشكل عام، لكن و مع هذا الوضع الجديد فلا بد و أن تكون أدوات البحث و المناظرة قادرة على مواجهة جبهتين:

1) الجبهة الدفاعية مقابل الفئات السنيّة في مجالي الفقه و الكلام؛

2) الجبهة الإصلاحية مقابل مدرسة الريّ و قم.

و بعبارة أخرى كان ينبغي على المدرسة البغدادية الاعداد للوصول إلى مشتركات بإمكانها الوقوف مقابل الجبهتين، مشتركات يمكنها أن تكون حجّة مقابل الفئة الأخرى و يمكن الاستناد إليها في البحث.

المقدّمة: معيار حجيّة المعارف الدينية من منظار المدرسة البغدادية

كان هدف المدرسة البغدادية في مواجهة المسائل العلميّة و الإجابة عليها تحصيل العلم الضروري أو الّذي ينتهي إلى الضروري. و لم يكن البغداديّون ليلحظوا فرقا بين العلوم الاعتبارية و الحقيقية في هذه الخصيصة؛ و لهذا سنشير في تأييدنا لهذا المدّعى إلى بعض ما ورد من كلام السيّد المرتضى بالنسبة للعلوم المختلفة:

1) أصول الفقه لقد كتب السيد المرتضى في كتابه «الذريعة» ما يلي:
«و اعلم أن الغرض في أصول الفقه الّتي بينا أن مدارها إنّما هو على الخطاب و قد ذكرنا مهم أقسامه، و ما لا بدّ منه من أحواله. لما كان لا بدّ فيه‏

45

من العلم بأحكام الأفعال، ليفعل ما يجب فعله، و يجتنب ما يجب اجتنابه، وجب أن نشير إلى العلم ما هو... » (1)

2) الفقه: و قد كتب السيد المرتضى في جواب المسائل الموصليّات الثالثة:

«اعلم أنه لا بدّ في الأحكام الشرعيّة من طريق التوصّل إلى العلم بها؛ لأنا متى لم نعلم الحكم و نقطع بالعلم على أنه مصلحة لنا جوّزنا كونه مفسدة لنا فيقبح الإقدام منّا عليه؛ لأن الاقدام على ما لا نأمن كونه فسادا، كالإقدام على ما نقطع كونه فسادا» (2) .

3) علم اللغة: و يجيب السيّد المرتضى في جوابات المسائل التبانيات و ضمن دفاعه عن عدم تمسّك أهل اللغة بأخبار الآحاد:

«و الصحيح أنهم ما فسّروا شيئا من المعاني على سبيل القطع و البتات، إلاّ بأمور معلومة ضرورة لهم أنها من اللغة» ... «و كيف يعتقد في قوم عقلاء أنهم عولوا في تفسير معنى يقطعون عليه و أنه المراد على ما هو مظنون غير مقطوع به» (3) .

إذا فما يراه السيّد المرتضى موردا للتبعية، هو العلم و قد كتب في تعريف العلم.

«و اعلم أن العلم ما اقتضى سكون النفس» . و هذه حالة معقولة يجدها الإنسان من نفسه عند المشاهدات، و يفرق فيها بين خبر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بأن زيدا في الدار و خبر غيره. غير أن ما هذه حالة، لا بدّ من كونه اعتقادا يتعلّق بالشي‏ء على ما هو به، و إن لم يجز إدخال ذلك في حدّ العلم؛ لأن الحدّ يجب أن يميّز المحدود، و لا يجب أن يذكر في جملة ما يشاركه فيه ما خالفه. و لئن جاز لنا أن نقول في حدّ العلم: «إنّه اعتقاد للشي‏ء على ما هو به مع سكون النفس» و نعتذر بأنا أبناه بقولنا: اعتقاد، من سائر الأجناس، و بتناوله المعتقد على ما هو به من

____________

(1) الذريعة، 1: 19 و 20.

(2) الرسائل، 1: 201.

(3) الرسائل، 1: 71.

46

الجهل. و بسكون النفس من التقليد؛ فألا جاز أن نقول في حدّه عرض، لبيته عن الجوهر، و يوجب حالا للحي، لبينه ممّا يوجب حالا للمحل. و يحل القلب و لا يوجد إلاّ فيه، لبينه ممّا يحل الجوارح‏ (1) .

و يؤمن هذا الرأي بأن مصادر انتاج العلم و بعبارة أخرى بيّنته الّتي يمكن الاستدلال بها في إثبات المقاصد هي كالتالي:

1) القرآن الكريم؛

2) الأخبار و السنّة المتواترة عن النبيّ و الائمّة؛

3) حكم العقل العملي؛

4) الاجماع؛ و ينحصر في إجماع الجماعة الّتي من جملتها المعصوم.

و على هذا الأساس يخرج بعض الأمور من دائرة الدليليّة أيضا:

1) خبر الواحد، سواء في الأصول أو الفروع؛

2) القياس.

و السبب في خروج هذين الأمرين من الأدلّة كما اتّضح هو أنّ كلّ قضيّة ينبغي أن تكون إمّا معلومة بالضرورة أو أن تنتهي إلى الضرورة. و لذلك يعتقد السيّد المرتضى أن لا دليل على حجّية خبر الواحد و القياس‏ (2) .

و هنا سنشير إلى بعض الملاحظات لتبيين مكانة هذه الأمور في المدرسة البغدادية:

1-يمتاز العقل في هذه المدرسة بمكانة بارزة، كما أنّ حجّية بقيّة الأدلّة مبتنية على قبول أحكام العقل العملي أو نفس نظرية الحسن و القبح العقلي؛ فإنّ حدوث المعجزة سيكون جائزا من قبل الكاذب. و لذلك سوف لا يمكن من خلالها الاستدلال على صدق مدّعي النبوّة و قبول قوله و بهذا ستصبح حجّيّة

____________

(1) الذريعة، 1: 20 و 21 و راجع أيضا الذخيرة: 154 و قد شرح هناك قيود التعريف.

(2) انظر الذريعة، 2: 528 و 675.

47

القرآن و سنّة النبيّ و الإجماع الّذي يرى أهل السنّة أنّه مبتن على الأدلة القرآنية و الروائية مورد شكّ و ريب.

لذلك نجد أنّ هذه المدرسة ترى أنّ حكم العقل مقدّم على بقيّة الأدلّة الأخرى. و لهذا فإن كان للعقل حكم في مسألة ما و تعارض هذا الحكم مع مؤدّى الأدلّة الأخرى، فإن كان هناك دليل آخر له احتمال يتوافق و حكم العقل، فإنّه يحمل على ذلك الاحتمال، و إن لم يكن لهذا الدليل أيّ احتمال آخر فندع ظاهره، و يؤول استنادا إلى الحكم القطعي للعقل.

إن اهتمام المدرسة البغدادية بهذا المصدر كان من الأهميّة الفائقة ما دفع بعض الجهّال أو المغرضين إلى اتّهام أكابر من قبيل السيّد المرتضى-خطأ- بالإعتزال أو اتّهام المدرسة البغدادية بالتأثّر بالمنهج الفكري للمعتزلة.

إنّ هكذا زعم لا يمكن لهذا البحث التفصيل فيه لأنه خارج عن موضوعه، لكن خلاصة القول هو أنّ مؤلّفات السيّد المرتضى في الردّ على المعتزلة خير دليل على بطلان الادّعاء المذكور، أضف إلى ذلك أنّ تأثّر شيوخ المعتزلة بأئمّة الشيعة و أفكارهم النيّرة في الكثير من الآراء مسألة قطعية لا تحتاج إلى دليل و برهان.

2-القرآن الكريم يمثل المصدر المهم الثاني الّذي تؤمن به هذه المدرسة فالكثير من التراث الّذي تركته هذه المدرسة إنّما هو في مباحث هذا الكتاب العزيز. فاهتمام السيّد المرتضى بالقرآن الكريم ينصب في ثلاثة مجالات:

1-الآيات الّتي تمسّك المخالفون بظاهرها لإثبات بعض الأصول أو الأحكام و الّتي يرفضها الشيعة، و هنا لا بدّ و أن يتمّ نقد تأويل المخالفين أولا ثمّ يشار إلى التأويل الصحيح.

2-الآيات الّتي يمكن الاستناد إليها لإثبات مدّعى المخالفين هذا رغم انهم غفلوا عنها، و في هذا المجال يتمّ طرح الآيات و من ثمّ نستوحي الإجابة من خلالها، ثمّ يتمّ بيان التأويل الصحيح.

48

3-الآيات الّتي تستدلّ بها الطائفة الشيعيّة في إثبات أصول أو أحكام تعتقدها، ففي مثل هذه الحالة تطرح الآيات ثمّ يبذل الجهد في الإجابة على الشبهات المطروحة أو الّتي يحتمل طرحها بالنسبة إليها.

و من هنا نجد أنّ السيّد المرتضى أديبا رائدا لا ينحصر اهتمامه بالقرآن الكريم في أبعاده الكلامية أو الفقهية.

3-المصدر المهم الثالث‏ (1) لهذه المدرسة هو الإجماع، و سيأتي التوضيح الشامل لدليل حجّية الإجماع في مقدّمات نقلناها من كتاب الذريعة و سنشير هنا إلى ملاحظتين:

أ-الإجماع عند أهل السنّة يمثل أحد أدلّة استنباط الأحكام الفقهية إلاّ انهم اختلفوا في دليل حجّيّته، فهنا يسأل عن انّه إذا اجمعت الشيعة على حكم بخلاف ما يحكم به أهل السنّة فهل إجماعهم حجّة عليهم أو ليس بحجّة؟قال السيّد-و سيأتي نقل كلامه مفصّلا-:

«فأمّا ما لا دليل لنا عليه إلاّ إجماع طائفتنا خاصّة، فمتى ناظرنا الخصوم و استدللنا عليهم بإجماع هذه الطائفة، دفعوا أن يكون إجماعهم دليلا، فيحتاج أن نبيّن ذلك بأن الإمام المعصوم في جملتهم، و ننقل الكلام إلى الإمامة، و نخرج عن الحدّ الّذي يليق بالفقهاء و يبلغه أفهامهم» .

ثمّ إنّه في بعض عبارات مقدّمة كتاب الانتصار و عند جوابه على من لا يعتبر خلاف الشيعة في الأحكام مضرّا بالإجماع يناقش بشكل إجمالي في دليل حجّية الإجماع فيقول:

و ممّا يجب علمه أن حجّة الشيعة الإماميّة في صواب جميع ما انفردت به أو

____________

(1) يلزم التذكير بأن الإجماع بمثل الدليل الأوّل لمدرسة السيّد المرتضى في البحوث الفقهيّة، لكن بما أنّ وجود الإمام بين المجمعين هو مدرك الحجّيّة إذا فملاك الحجّيّة قول المعصوم و قد مضى أنّ ملاك حجّيّة قول المعصوم قبول الحسن و القبح العقلي، إذا فمآل العلّة الأصليّة لحجّيّة الإجماع هو حكم العقل، و لهذا فقد عنوناه كثالث الأدلّة المهمّة لهذه المدرسة.

49

شاركت فيه غيرها من الفقهاء هي إجماعها عليه؛ لأن إجماعها حجّة قاطعة و دلالة موجبة للعلم فإن انضاف إلى ذلك ظاهر كتاب اللّه جلّ ثناؤه أو طريقة أخرى توجب العلم و تثمر اليقين فهي فضيلة و دلالة تنضاف إلى أخرى و إلاّ ففي إجماعهم كفاية.

و إنّما قلنا: إن إجماعهم حجّة؛ لأن في إجماع الإمامية قول الإمام الّذي دلّت العقول على أن كلّ زمان لا يخلو منه، و أنه معصوم لا يجوز عليه الخطأ في قول و لا فعل فمن هذا الوجه كان إجماعهم حجّة و دليلا قاطعا» (1) .

ثمّ يقول في عبارة أخرى و ضمن بيانه لتماميّة الحجّة على من سمع هذه الأدلّة: «و إذا كانت الجملة الّتي أشرنا إليها هي الحجّة في جميع مذاهب الشيعة الإمامية في أحكام الفقه فعلى من شك في شي‏ء من مذاهبهم و ارتاب بصحّته أن يسأل عن صحّة ذلك، فإذا أقيمت فيه عليه الحجّة بالطريقة الّتي أشرنا إليها وجب زوال ريبه و حصول علمه، و برئت عهدة القوم فيما ذهبوا إليه ببيان الحجّة فيه و الدلالة عليه، و ما يضرهم بعد ذلك خلاف من خالفهم، كما لا ينفع وفاق من وافقهم» .

إذا فإجماع الشيعة يكون حجّة عند أهل السنّة.

ب-لقد مرّ أنّ الإجماع عند أهل السنّة يعتبر من أدلّة استنباط الأحكام؛ إلاّ أنّ السيّد المرتضى و في كتابه «الذريعة» يدّعي إمكان إثبات أمور من خلال الإجماع قد ثبتت بعد فترة الإمامة، يقول رحمه اللّه:

«و إذا كنّا إنّما نرجع في كون الإجماع حجّة إلى قول الإمام المعصوم الّذي لا يخلو كلّ زمان منه، فيجب أن نقول: كل شي‏ء تقدّمت معرفة وجوب وجود الإمام المعصوم في كلّ زمان له، فقول الإمام حجّة فيه، و الإجماع الّذي يدخل هذا القول فيه أيضا حجّة في مثله. فأمّا ما لا يمكن المعرفة بوجود الإمام المعصوم قبل المعرفة به، فقوله ليس بحجّة فيه، كالعقليّات كلّها.

____________

(1) الانتصار: 5 و 6.

غ

50

و الّذي يمكن على أصولنا المعرفة به من طريق الإجماع أوسع و أكثر ممّا يمكن أن يعلم بالإجماع على مذهب مخالفينا؛ لأنّهم إنّما يعلمون بالإجماع الأحكام الشرعيّة خاصّة، و نحن نتمكّن من أن نعلم بالإجماع زائدا على ذلك فرضا و تقديرا النبوّة و القرآن و ما شاكل ذلك من الأمور الّتي يصحّ أن يتقدّمها العلم بوجوب الإمامة. و لو أجمعت الأمّة في شخص بعينه أنه نبيّهم، و في كلام بعينه أنه كلام اللّه سبحانه، لعلمنا صحّتهما، لسلامة الأصل الّذي أشرنا إليه، و صحّة تقدّمه على هذه المعرفة.

و على هذا يصحّ على مذاهبنا أن يعلم صحّة الإجماع و كونه حجّة من يجهل صحّة القرآن و نبوّة نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلم؛ لان أصل كونه حجّة لا يفتقر إلى العلم بالنبوّة و القرآن، و على مذهب مخالفينا لا يصحّ ذلك؛ لأنّ الكتاب و السنّة عندهم هما أصل كون الإجماع حجّة (1) .

4-و يعد المصدر المهمّ الرابع لهذه المدرسة السنّة المتواترة عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم السّلام فاشتراط التواتر كما عرفنا إنّما هو لأنّ الخبر لا يكون حجّة في هذه المدرسة إلاّ إذا كان موجبا للعلم، و هذا ينحصر في الخبر المتواتر.

5-لقد ذكر سلفا أنّ المدرسة البغدادية لا تعتبر الخبر الواحد حجّة، فهو لا يوجب العلم و لا العمل.

يقول السيّد المرتضى في هذا الإطار: «إعلم أنّ في المتكلّمين من يذهب إلى أنّ خبر الواحد لا يجوز من جهة العقل ورود العبادة بالعمل به، و الصحيح أنّ ذلك جائز عقلا، و إن كانت العبادة ما وردت به» (2) .

لقد تمّ البحث كثيرا في هذه المسألة و بذلت جهودا حثيثة، و لعلّ الملاحظة المثيرة في هذا الأمر هو ما طرحه الشيخ المفيد و السيّد المرتضى في هذا الإطار و هو إجماع الشيعة حول هذه المسألة، قال الشيخ المفيد: «إنّه لا يجب العلم

____________

(1) الذريعة، 2: 626 و 627.

(2) الذريعة، 2: 519.

51

و لا العمل بشي‏ء من أخبار الآحاد، و لا يجوز لأحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلاّ أن يقترن به ما يدلّ على صدق رواية على البيان» .

و هذا مذهب جمهور الشيعة و كثير من المعتزلة و المحكمة و طائفة من المرجئة و هو خلاف لما عليه متفقّهة العامّة و أصحاب الرأي.

فاشتهار هذه النظريّة لدى السيد المرتضى مشابه لاشتهار نظرية عدم حجيّة القياس عند الشيعة (1) .

لتوضيح هذه النظرية ينبغي أن نذكر مقدّمة:

المقدمة:
يقسم الشيخ المفيد في كتابه «التذكرة بأصول الفقه» الأخبار إلى قسمين رئيسين يقول رحمه اللّه:

«و الأخبار الّتي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين:

أحدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك، أو ما يقوم مقامه في الاتّفاق.

و الثاني: خبر واحد يقترن إليه ما يقوم مقام التواتر في البرهان على صحّة مخبره و ارتفاع الباطل منه و الفساد.

1-و التواتر الّذي وصفناه هو ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة و الانتشار إلى حدّ قد منعت العادة في اجتماعهم على الكذب بالاتّفاق كما يتّفق لاثنين أن يتواردا بالإرجاف. و هذا حدّ يعرفه كلّ من عرف العادات.

2-و قد يجوز أن ترد جماعة دون من ذكرناه في العدد، بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم و مخارج كلامهم، و ما يبدوا في ظاهر وجوههم، و يبيّن من قصودهم إنّهم لم يتواطئوا، لتعذّر التعارف بينهم و التشاور، فيكون العلم بما

____________

(1) يقول في جوابات المسائل التبانيات: يجري ظهور مذهبهم في أخبار الآحاد مجرى ظهوره في إبطال القياس.

52

ذكرناه من حالهم دليلا على صدقهم، و دافعا للإشكال في خبرهم، و إن لم يكونوا من الكثرة على ما قدمناه‏ (1) .

3-فأما خبر الواحد القاطع للعذر، فهو الّذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحّة مخبره، و ربّما كان الدليل حجّة من عقل، و ربّما كان شاهدا من عرف، و ربّما كان إجماعا بغير خلف فمتى خلا خبر الواحد من دلالة يقطع بها على صحّة مخبره، فإنّه كما قدمناه ليس بحجّة، و لا موجب علما و لا عملا على كلّ وجه» (2) .

نقول: روايات الشيعة الّتي وردت في الأصول المعتبرة إمّا أن تصنّف من القسم الأوّل أو الثاني. و يرى السيّد المرتضى بأن روايات الشيعة الّتي يستندون إليها في الفقه متواترة، يقول هو في جوابات المسائل التبانيات:

«فإن قيل: فاذكروا على كلّ حال الوجه في إيداع أخبار الآحاد الكتب المصنفة في الفقه، لتزول الشبهة في أن إيداعها الكتب على سبيل الاحتجاج بها.

قلنا: أوّل ما نقوله في هذا الباب انه ليس كلّ ما رواه أصحابنا من الأخبار و أودعوه في كتبهم و إن كان مستندا إلى رواة معدودين من الآحاد، معدودا في الحكم من أخبار الآحاد، بل أكثر هذه الأخبار متواتر موجب للعلم» (3) .

و أمّا الأخبار الّتي لا تتّصف بالصفة المذكورة فهي مصداق للخبر الواحد. و لها حالتان كما يفهم من عبارة الشيخ المفيد:

1-أن يكون مضمونها مصحوبا بقرينة بحيث يجعلنا نقطع بصحّة ذلك المضمون بحيث يكون قاطعا للعذر، فمن الطبيعي أنّ هذا لا يعني صحّة مصدرها أو وثاقة الرواة و لا يخرجها عن كونها خبرا واحدا.

____________

(1) ينبغي الانتباه إلى أن المراد من هذا القسم من الخبر ليس الخبر المستفيض؛ لأنّ الخبر المستفيض يعد من أقسام الخبر الواحد، بل هو قسم من الخبر المتواتر الّذي يكون آحاده أقلّ نسبة من حيث نوع الخبر المتواتر و الّذي لا يمكن تصنيف رواته عادة بأنّهم لا يمكن أن يتّفقوا على الكذب لكنّنا نعلم من خلال القرائن أيضا بعدم وجود اتّفاق سرّي بينهم حول ذلك.

(2) التذكرة باصول الفقه: 44 و 45.

(3) الرسائل، 1: 26.

53

2-ليس هناك أي قرينة على صحّة المضمون، و في مثل هذه الحالة لا يمكن قبوله و لا توجب العلم و العمل.

فهذا القسم من الروايات لم يكن للاحتجاج و لكنّها في النهاية استخدمت كمؤيّد يتّفق و مضمونها (1) ، و من هذا المنطلق يظهر أنّ عبارة السيّد المرتضى في قسم آخر من جوابات المسائل التباينات ناظرة إلى هذا النوع من الأخبار و قد أجاب على سؤال يقول: لماذا ترون عدم حجّية الأخبار الآحاد في حين تستدلّون أنتم بها في كتبكم بما يلي:

«ثمّ يقال لمن اعتمد ذلك: عرفنا في أي كتاب رأيت من كتبنا أو كتب أصحابنا المتكلّمين المحقّقين الاعتماد على أخبار الآحاد الخارجة عن الأقسام الّتي ذكرناها و فصلناها؟و دعنا من مصنّفات أصحاب الحديث من أصحابنا، فما في أولئك محتج، و لا من يعرف الحجّة، و لا كتبهم موضوعة للاحتجاجات.

فإنّك بعد هذا لا تجد موضعا شهد بصحة دعواك» (2) .

يدرك المختصّون في هذا المجال بأنّ الأخبار الّتي تعدّ من الآحاد العارية عن القرائن على تقسيم الشيخ المفيد هي روايات يمكن العثور عليها عند مؤلّفين من الإماميّة الّذين لهم مشرب أخباري أو كما يعبّر عنهم السيّد المرتضى «أصحاب الحديث من أصحابنا.

و قد كتب الشيخ الصدوق في كتابه «من لا يحضره الفقيه» : «و لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحّته و أعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي تقدس ذكره و تعالت قدرته» .

و تدلّ هذه العبارة بصراحة على أنّ تدوين الروايات في مدرسة قم كانت على نحوين:

____________

(1) يقال في كتب الفهرست و الرجال بالنسبة لرواة هذه الأخبار «يعرف و ينكر» أو «يعرف حديثه تارة و ينكر أخرى و يجوز أن يخرج شاهدا» .

(2) الرسائل، 1: 26 و 27.

54

1-جمع ما وصلهم من أخبار عن طريق النقل.

2-جمع ما كانوا يرونه صحيحا في مقام الإفتاء أو الإستناد في الأمور العقائدية.

إنّ من الواضح أن عبارة «أصحاب الحديث من أصحابنا» إنّما تطلق على المؤلّفين من النوع الأوّل‏ (1) .

فتحصل ممّا قدمنا أن المراد من الخبر الواحد عند المدرسة البغدادية هو العاري عن القرائن أمّا إذا اقترن به ما يوجب الاعتماد عليه فهذا و إن كان يعد واحدا إلاّ انه يمكن الاستناد إليه في الاستدلال الفقهي؛ لأنّ العبرة هنا بالقرائن.

و الملاحظة النهائية لهذا البحث هي أنّ المنهجيّة الحديثيّة كانت قد وصلت بغداد بعد ان اجتازت مراحل التصفية في مدارس الكوفة و قم و الري لتنقّى بشكل نهائي على يد كبار علماء الفقه و الكلام في مدينة بغداد (2) . و يعمد إلى إبعاد الكتب الّتي لا يمكن اعتمادها عن مجال الاستدلال و البحث و يكتفي بالاستناد إلى الكتب المعتبرة و الروايات المشهورة.

6-إنّ تفاهة القياس لدى المدرسة الشيعية من الشهرة و المعروفية ما يجعله لا يحتاج إلى بيان و توضيح، و التحقيق في هذه المسألة يتّضح من خلال مراجعة المصادر الشيعية المفصّلة في علم الأصول‏ (3) .

____________

(1) أن ما قيل حول مدرسة بغداد يرجع إلى قبل عهد الشيخ أبي جعفر الطوسي شيخ الطائفة؛ لأنّه خالف الرأي المذكور و ادعى أنّ الفرقة المحقّة أجمعت على حجّيّة الخبر الواحد (عدّة الأصول:

126 و 127) فاستنادا لهذا المبنى أسّس مدرسة الجمع عند تعارض الأخبار و بذلك فتح فصلا جديدا في المنهج الفكري للإمامية. فقد كان هذا يمثل أوّل طوفان حدث في الفقه الإمامي على ما ذكره فقيه أهل البيت آية اللّه المددي دام ظلّه.

(2) يقول السيّد المرتضى في بيان عظمة هؤلاء الأكابر: «متكلّمي طائفتنا و محقّقي علمائنا، و منهم من يشقّ الشعر و يغلق الحجر تدقيقا و غوصا على المعاني» .

(3) يقول السيّد المرتضى في القياس: «و الّذي يذهب إليه أنّ القياس محظور في الشريعة استعماله؛ لأنّ العبادة لم ترد به، و إن كان العقل مجوّزا ورود العبادة باستعماله» الذريعة، 2: 675.