نفائس التأويل - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
520 /
5

المجلد الثانى‏

سورة آل عمران‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ اِبْتِغََاءَ اَلْفِتْنَةِ وَ اِبْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا وَ مََا يَذَّكَّرُ إِلاََّ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ [آل عمران: 7].

[إن سأل سائل عن هذه الآية]:

الجواب: قلنا: ذكر في هذه الآية و جهان مطابقان للحقّ:

أحدهما: أن يكون الراسخون في العلم معطوف على اسم اللّه تعالى؛ فكأنّه قال: و ما يعلم تأويله إلاّ اللّه و إلاّ الراسخون في العلم، و إنّهم مع علمهم به «يقولون ءامنّا به» ؛ فوقع قوله: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ في موقع الحال؛ و المعنى أنّهم يعلمونه قائلين: آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا و هذا في غاية المدحة لهم؛ لأنّهم إذا علموا ذلك بقلوبهم، و أظهروا التصديق به على ألسنتهم فقد تكاملت مدحتهم و وصفهم بأداء الواجب عليهم.

و الحجّة-لمن ذهب إلى ما بيّناه، و الردّ على من استبعد عطفه على الأوّل و تقديره أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ على هذا التأويل لا ابتداء له-قوله:

مََا أَفََاءَ اَللََّهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى‏ََ فَلِلََّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى‏ََ وَ اَلْيَتََامى‏ََ ؛ إلى قوله:

شَدِيدُ اَلْعِقََابِ (1) ؛ فذكر جملة، ثمّ تلاها بالتفصيل، و تسمية من يستحقّ هذا الفي‏ء، فقال: لِلْفُقَرََاءِ اَلْمُهََاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ وَ أَمْوََالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللََّهِ وَ رِضْوََاناً ، إلى قوله: اَلصََّادِقُونَ (2) .

____________

(1) سورة الحشر، الآية: 7.

(2) سورة الحشر، الآية: 8.

6

و قال في الذين تبؤوا الدار و الإيمان-و هم الأنصار-: يُحِبُّونَ مَنْ هََاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاََ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حََاجَةً مِمََّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ (1) . و قال فيمن جاء بعدهم: يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا وَ لِإِخْوََانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونََا بِالْإِيمََانِ (2) فهذه الآيات تدلّ على أنّه لا ينكر في آية وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ حالا لهم؛ مع العلم بتأويل المتشابه؛ و لو أشكل شي‏ء من ذلك لما أشكل قوله: وَ اَلَّذِينَ جََاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنََا في أنّه موافق لقوله: وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ و أنّ الصورتين واحدة.

و ممّا يستشهد به على ذلك من الشعر قول يزيد بن مفرّغ‏ (3) في عبد له كان يسمّي بردا باعه ثمّ ندم عليه:

و شريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه‏ (4)

هامة تدعو صدى # بين المشقّر فاليمامه‏ (5)

الرّيح تبكى شجوه # و البرق يلمع في الغمامه‏

فعطف البرق على الريح، ثمّ اتبعه بقوله: «يلمع» ؛ كأنّه قال: و البرق أيضا يبكيه لا معا في غمامه؛ أي في حال لمعانه؛ و لو لم يكن البرق معطوفا على الريح في البكاء لم يكن للكلام معنى و لا فائدة.

و يمكن أيضا على هذا الوجه-مع عطف «الراسخين» على ما تقدّم، و إثبات العلم بالمتشابه لهم-أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ استئنافها جملة، و استغني فيه عن حرف العطف؛ كما استغني في قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ (6) و نحو ذلك ممّا للجملة الثانية فيه التباس في الجملة الأولى، فيستغنى به عن حرف العطف، و لو عطف بحرف العطف كان حسنا، ينزّل الملتبّس منزلة غير الملتبّس.

____________

(1) سورة الحشر، الآية: 9.

(2) سورة الحشر، الآية: 10.

(3) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ؛ و خبر بيعه بردا، مع الأبيات في الأغاني: 17/53-55.

(4) شريت: بعت، و الهامة و الصدى، كلاهما كناية عما تزعم العرب أنه يطير من رأس الميت.

(5) المشقر: حصن بين البحرين و نجران.

(6) سورة الكهف، الآية: 22.

7

و الوجه الثاني في الآية: أن يكون قوله: وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ مستأنفا غير معطوف على ما تقدّم، ثمّ أخبر عنهم بأنّهم: يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ ، و يكون المراد بالتأويل على هذا الجواب المتأوّل، لأنه قد يسمّى تأويلا، قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (1) ، المراد بذلك لا محالة المتأوّل، و المتأوّل الذي لا تعلمه العلماء؛ و إن كان اللّه عز و جل عالما به، كنحو وقت قيام الساعة، و مقادير الثواب و العقاب، و صفة الحساب، و تعيين الصغائر؛ إلى غير ذلك؛ فكأنّه قال: و ما يعلم تأويل جميعه. على المعنى الذي ذكرناه إلاّ اللّه؛ و العلماء يقولون آمنّا به.

و قد اختار أبو عليّ الجبائيّ هذا الوجه، و قوّاه، و ضعّف الأوّل بأن قال:

قول الراسخين في العلم‏ آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا دلالة على استسلامهم؛ لأنّهم لا يعرفون تأويل المتشابه، كما يعرفون تأويل المحكم، و لأنّ ما ذكرناه من وقت القيامة، و من التمييز بين الصغائر و الكبائر هو من تأويل القرآن؛ إذا كان داخلا في خبر اللّه؛ و الراسخون في العلم لا يعلمون ذلك.

و ليس الذي ذكره بشي‏ء؛ لأنّه لا يمتنع أن يقول العلماء مع علمهم بالمتشابه: آمَنََّا بِهِ على الوجه الذي قدّمنا ذكره؛ فكيف يظنّ أنّهم لا يقولون ذلك إلاّ مع فقد العلم به!و ما المنكر من أن يظهر الإنسان بلسانه الإيمان بما يعلمه و يتحققه!فأمّا قوله: «و لأنّ ما ذكرناه من تأويل القرآن» ، فذلك إنّما يكون تأويلا للقرآن إذا حملت هذا اللفظة على المتأوّل، لا على الفائدة و المعنى. و أمّا إذا حملت على أنّه: و ما يعلم معنى المتشابه و فائدته إلاّ اللّه، فلا بدّ من دخول العلماء فيه.

و ليس يمكنه أن يقول: إنّ حمل التأويل على المتأوّل أظهر من حمله على المعنى و الفائدة؛ لأنّ الأمر بالعكس من ذلك؛ بل حمله على المعنى أظهر و أكثر في الاستعمال، و أشبه بالحقيقة؛ على أنّه لو قيل: إنّ الجواب الأوّل أقوى من

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 53.

8

الثاني لكان أولى من قوله من قبل: إنّه لو كان المراد بالتأويل المتأوّل لا الفائدة و المعنى لم يكن لتخصيص المتشابه بذلك دون المحكم معنى؛ لأنّ في متأوّل المحكم-كإخباره عن الثواب و العقاب و الحساب؛ ممّا لا شبهة في كونه محكما-ما لا يعرف تفصيله و كنهه إلاّ اللّه تعالى؛ فأيّ معنى لتخصيص المتشابه و الكلام يقتضى توجّهه نحو المتشابه!ألا ترى إلى قوله تعالى: فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ اِبْتِغََاءَ اَلْفِتْنَةِ وَ اِبْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ !فخصّ المتشابه بالذكر.

و الأولى أيضا أن يكون المراد بلفظة تَأْوِيلِهِ الثانية هو المراد ب تَأْوِيلِهِ » الأوّلى، و قد علمنا أنّ الذين في قلوبهم زيغ إنّما اتّبعوا تأويله على خلاف معناه و لم يطلبوا تأويله الذي هي متأوّله؛ و الوجه الأوّل أقوى و أرجح.

و يمكن في الآية وجه ثالث لم نجدهم ذكروه، على أن يكون قوله:

وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ مستأنفا غير معطوف، و يكون المعنى: و ما يعلم تأويل المتشابه بعينه و على سبيل التفصيل إلاّ اللّه؛ و هذا صحيح لأنّ أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحقّ، الموافقة لأدلّة العقول؛ فيذكر المتأوّل جميعها، و لا يقطع على مراد اللّه منها بعينه، لأنّ الذي يلزم مثل ذلك أن يعلم فى الجملة أنّه لم يرد من المعني ما يخالف الأدلّة؛ و أنّه قد أراد بعض الوجوه المذكورة المتساوية في الجواز، و الموافقة للحقّ. و ليس في تكليفنا أن نعلم المراد بعينه؛ و هذا مثل الضلال و الهدى اللّذين تبيّن احتمالهما لوجوه كثيرة؛ منها ما يخالف الحقّ فنقطع على أنه تعالى لم يرده، و منها وجوه تطابق الحق، فنعلم في الجملة أنّه قد أراد أحدها، و لا يعلم المراد منها بعينه و غير هذا من الآي المتشابهة؛ فإن أكثرها يحتمل وجوها، و القليل منها يختصّ بوجه واحد صحيح و لا يحتمل سواه؛ و يكون قوله تعالى من بعد: وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ ، أي صدّقنا بما نعلمه مفصّلا و مجملا من المحكم و المتشابه؛ و أنّ الكلّ من عند ربّنا؛ و هذا وجه واضح‏ (1) .

____________

(1) الأمالي، 1: 418.

9

- رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَ هَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهََّابُ [آل عمران: 8].

[إن سأل سائل‏]فقال: أ و ليس ظاهر الآية يقتضي أنّه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان حتى تصحّ مسألته تعالى ألاّ يزيغها، و يكون هذا الدعاء مفيدا؟.

الجواب: قلنا في هذه الآية وجوه:

أوّلها: أن يكون المراد بالآية: ربّنا لا تشدّد علينا المحنة في التكليف، و لا تشقّ علينا فيه، فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منّا بعد الهداية؛ و ليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه؛ كما قال «عزّ و جلّ» في السورة: إنّها (1) زادتهم رجسا إلى رجسهم، و كما قال مخبرا عن نوح عليه السّلام: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً (2) .

فإن قيل: كيف يشدّد عليهم في المحنة؟.

قلنا: بأن يقوّي شهواتهم، لما قبحه في عقولهم، و نفورهم عن الواجب عليهم، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقّا، و الثواب المستحقّ عليهم عظيما متضاعفا و إنّما يحسن أن يجعله شاقّا تعريضا لهذه المنزلة.

و ثانيها: أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية، و إمدادهم بالألطاف التي معها يستمرّون على الإيمان.

فإن قيل: و كيف يكون مزيغا لقلوبهم بألاّ يفعل اللّطف؟

قلنا: من حيث كان المعلوم أنّه متى قطع إمدادهم بألطافه و توفيقاته زاغوا و انصرفوا عن الإيمان. و يجرى هذا مجرى قولهم: اللّهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا؛ معناه لا تخلّ بيننا و بين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا؛ و مثله قول الشاعر:

____________

(1) الضمير يعود إلى المحنة؛ و الآية في سورة التوبة: 125: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ .

(2) سورة نوح، الآية: 6.

10

أتاني و رحلي بالمدينة وقعة # لآل تميم أقعدت كلّ قائم‏

أراد: قعد لها كل قائم؛ فكأنّهم قالوا: لا تخلّ بيننا و بين نفوسنا و تمنعنا ألطافك، فنزيغ و نضلّ.

و ثالثها: ما أجاب به أبو عليّ الجبّائيّ محمّد بن عبد الوهّاب، لأنّه قال:

المراد بالآية ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتك. و معني هذا السؤال أنّهم سألوا اللّه تعالى أن يلطف لهم في فعل الإيمان؛ حتى يقيموا عليه و لا يتركوه في مستقبل عمرهم، فيستحقّوا بترك الإيمان أن يزيغ قلوبهم عن الثواب، و أن يفعل بهم بدلا منه العقاب.

فإن قال قائل: فما هذا الثواب الذي هو في قلوب المؤمنين؛ حتى زعمتم أنّهم سألوا اللّه تعالى ألاّ يزيغ قلوبهم عنه؟و أجاب بأنّ من الثواب الذي في قلوب المؤمنين ما ذكره اللّه تعالى من الشرح و السّعة بقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ (1) ؛ و قوله تعالى للرسوله عليه و آله السلام: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (2) و ذكر أنّ ضدّ هذا الشرح هو الضّيق و الحرج اللّذان يفعلان بالكفّار عقوبة، قال: و من ذلك أيضا التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين، و هو الذي منعه الكافرين، فقال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ (3) .

قال: و من ذلك أيضا كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين، كما قال اللّه تعالى: أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ (4) و ضدّ هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين؛ فكأنّهم سألوا اللّه تعالى ألاّ يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضدّه من العقاب.

و رابعها: أن تكون الآية محمولة على الدعاء بألاّ يزيغ القلوب عن اليقين و الإيمان. و لا يقتضي ذلك أنّه تعالى سئل ما كان لا يجب أن يفعله، و ما لو لا المسألة لجاز فعله؛ لأنّه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه، و الافتقار

____________

(1) سورة الأنعام، الآية: 125.

(2) سورة الشرح، الآية: 1.

(3) سورة المائدة، الآية: 41.

(4) سورة المجادلة، الآية: 22.

11

إلى ما عنده بأن يفعل تعالى ما نعلم أنّه لا بدّ من أن يفعله، و بألاّ يفعل ما نعلم أنّه واجب ألاّ يفعله؛ إذا تعلّق بذلك ضرب من المصلحة؛ كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السّلام: وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (1) . و كما قال في تعليمنا ما ندعوه به:

قََالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا اَلرَّحْمََنُ (2) و كقوله تعالى: رَبَّنََا وَ لاََ تُحَمِّلْنََا مََا لاََ طََاقَةَ لَنََا بِهِ (3) ، على أحد الأجوبة، و كلّ ما ذكرناه واضح بحمد اللّه‏ (4) .

- وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ [آل عمران: 14].

أنظر النحل: 10 من الأمالي، 1: 576.

- شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قََائِماً بِالْقِسْطِ.... [آل عمران: 18].

أنظر البقرة: 143 من الشافي، 1: 229.

- إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللََّهِ اَلْإِسْلاََمُ [آل عمران: 19].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: 21].

و في موضع آخر: وَ قَتْلِهِمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ (5) .

[إن سأل سائل فقال: ]ظاهر هذا القول يقتضي أنّ قتلهم قد يكون بحقّ.

و قوله تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ (6) . و قوله: اَللََّهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا (7) ، و قوله: وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (8) ، و قوله: لاََ يَسْئَلُونَ اَلنََّاسَ إِلْحََافاً (9) ؛ و السؤال عن هذه الآيات كلّها من وجه واحد و هو الذي تقدم.

____________

(1) سورة الشعراء، الآية: 87.

(2) سورة الأنبياء، الآية: 112.

(3) سورة البقرة، الآية: 286.

(4) الأمالي، 2: 25.

(5) سورة النساء، الآية: 155.

(6) سورة المؤمنون، الآية: 117.

(7) سورة الرعد، الآية: 2.

(8) سورة البقرة، الآية: 41.

(9) سورة البقرة، الآية: 273.

12

و الجواب: أنّ للعرب فيما جرى هذه المجرى من الكلام عادة معروفة، و مذهبا مشهورا، عند من تصفّح كلامهم و فهم عنهم. و مرادهم بذلك المبالغة في النفي و تأكيده؛ فمن ذلك قولهم: «فلان لا يرجى خيره» ليس يريدون أنّ فيه خيرا لا يرجى، و إنّما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه؛ و مثله: «قلّما رأيت مثل هذا الرجل» و إنّما يريدون أنّ مثله لم ير قليلا و لا كثيرا؛ و قال امرؤ القيس:

على لاحب لا يهتدي بمناره # إذا سافه العود الدّيافيّ جرجرا (1)

يصف طريقا، و أراد بقوله: «لا يهتدي بمناره» أنّه لا منار له فيهتدي بها.

و العود: المسنّ من الإبل، و الدّيافيّ: منسوب إلى دياف، قرية بالشام معروفة.

و سافه: شمّه، و الجرجرة مثل الهدير؛ و إنّما أراد ان أنّ العود إذا شمّه عرفه فاستبعده، و ذكر ما يلحقه فيه من المشقّة، فجرجر لذلك؛ و قال ابن أحمر:

لا تفزع الأرنب أهوالها # و لا ترى الضّبّ بها ينجحر

أراد: ليست بها أهوال فتفزع الأرنب؛ و قال النّابغة:

يحفّه جانبا نيق و تتبعه # مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد (2)

أراد: ليس بها رمد فتكتحل له؛ و قال امرؤ القيس أيضا (3) :

و صمّ حوام ما يقين من الوجى # كأنّ مكان الرّدف منه على رال‏

يصف حوافر فرسه. و قوله: «ما يقين من الوجي» فالوجى هو الحفا، و «يقين» ؛ أي يتوقّين، يقال: وقي الفرس إذا هاب المشي، فأراد أنّه لا وجي بحوافره فيتهيبن الأرض من أجله، و الرأل: فرخ النعام، و شبّه إشراف عجزه

____________

(1) ديوانه: 101، و اللاحب: الطريق المنقاد الذى لا ينقطع. و المنار: جمع منارة؛ و هي العلامة التي تجعل بين الحدين؛ و رواية الديوان: «النباطي» .

(2) انظر الأبيات و شرحها في ديوان النابغة-بشرح البطليوسي 23، 24.

(3) و انظر الديوان: 65.

غ

13

بعجز الرّأل؛ و قال الآخر (1) :

لا يغمز السّاق من أين و لا وصب # و لا يعضّ على شرسوفه الصّفر

أراد: ليس بساقه أين و لا وصب فيغمزهما من أجلهما؛ و قال سويد بن أبي كاهل:

من أناس ليس من أخلاقهم # عاجل الفحش و لا سوء الجزع‏ (2)

لم يرد أنّ في أخلاقهم فحشا آجلا و لا جزعا؛ و إنّما أراد نفي الفحش و الجزع عن أخلاقهم. و مثل ذلك قولهم: فلان غير سريع إلى الخنا، و هم يريدون أنّه لا يقرب الخنا، لا نفى الإسراع حسب. و قال الفرزدق و هو يهجو جعفر بن كلاب، و يعيّرهم بقتلى منهم أصيبوا في حروبهم، فحملت النساء هؤلاء القتلى حتى أتين بهم الحيّ‏ (3) :

و لم تأت عير أهلها بالّذي أتت # به جعفرا يوم الهضيبات عيرها (4)

أتتهم بعير لم تكن هجرية # و لا حنطة الشام المزيت خميرها

يعني أنّ العير إنّما تحمل التمر و الطعام إلى الحي، فحملت عير هؤلاء القتلى، و قوله: «لم تكن هجريّة» أي لم تحمل التمر، و ذلك لكثرة التمر بهجر، ثمّ قال: «و لا حنطة الشام المزيت خميرها» ، و لم يرد أنّ هناك حنطة ليس في خميرها زيت؛ لكنّه أراد أنّها لم تحمل تمرا و لا حنطة، ثمّ وصف الحنطة بما يجعل في خميرها من الزيت.

و على هذا يقع تأويل الآيات الّتي وقع السؤال عنها، لأنّه تعالى لمّا قال:

____________

(1) و في ملحقات ديوان الأعشى 68:

لا يتأرى لما في القدر يرقبه # و لا يعضّ على شرسوفه الصّفر

لا يغمز السّاق من أين و لا وصب # و لا يزال أمام القوم يقتفر

(2) المفضليات: 195.

(3) ديوانه: 459/2.

(4) الهضيبات: موضع كان فيه يوم من أيام العرب؛ هو يوم طخفة؛ ذكره البكري في معجم ما استعجم: 1354، و أورد البيت.

14

وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ دلّ على أنّ قتلهم لا يكون إلاّ بغير حقّ، ثمّ وصف القتل بما لا بدّ أن يكون عليه من الصفة، و هي وقوعه على خلاف الحقّ؛ و كذلك: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ ، [إنّما هو وصف لهذا الدعاء، و أنّه لا يكون إلاّ عن غير برهان‏]، و قوله تعالى: اَللََّهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا وجهه أيضا أنّه لو كان هناك عمد لرأيتموه، فإذا نفي رؤية العمد نفي وجود العمد؛ كما قال: «لا يهتدي بمناره» أي لا منار له من حيث علم أنّه لو كان له منار لاهتدى، به فصار نفي الاهتداء بالمنار نفيا لوجود المنار. و قوله تعالى: وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ تغليظ و تأكيد في تحذيرهم الكفر، و هو أبلغ من أن يقول: «و لا تكفروا به» ، و يجرى مجرى قولهم: فلان لا يسرع إلى الخنا؛ و قلّما رأيت مثله إذا أرادوا به تأكيد نفي الخنا و نفي رؤية مثل المذكور.

و كذلك قوله: لاََ يَسْئَلُونَ اَلنََّاسَ إِلْحََافاً ، معناه لا مسأله تقع منهم، و مثل الأوّل: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً* و الفائدة أنّ كلّ ثمن لها لا يكون إلاّ قليلا، فصار نفي الثمن القليل نفيا لكلّ ثمن، و هذا واضح بحمد اللّه و منّه‏ (1) .

- وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللََّهِ اَلْمَصِيرُ [آل عمران: 28].

أنظر مائدة: 116 من الأمالي، 1: 317.

- قََالَ رَبِّ أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ قََالَ كَذََلِكَ اَللََّهُ يَفْعَلُ مََا يَشََاءُ [آل عمران: 40].

[فيها أمران:

الأوّل إن سأل سائل فقال: ]فكأنّه سأل أمرا يستحيل كونه، و قد علمنا لا محالة أن زكرياء يعلم أنّ اللّه تعالى لا يعجزه ما يريد، فما وجه الكلام؟.

[قلنا: ]إنّه غير ممتنع أن يكون زكرياء عليه السّلام لم يسأل الذريّة في حال كبره و هرمه؛ بل قبل هذه الحال، فلمّا رزقه اللّه تعالى ولدا على الكبر، و مع كون

____________

(1) الأمالي، 1: 233.

15

امرأته عاقرا قال: أَنََّى يَكُونُ لِي غُلاََمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عََاقِرٌ من غير إنكار منه لقدرة اللّه تعالى على ذلك؛ بل ليرد من الجواب ما يزداد به بصيرة و يقينا.

و يجوز أيضا أن يكون سأل الولد مع الكبر و عقم امرأته، ليفعل اللّه تعالى ذلك على سبيل الآية له، و خرق العادة من أجله؛ فلمّا رزقه اللّه تعالى الولد عجب من ذلك، و أنكره بعض من تضعف بصيرته من أمته، فقال عليه السّلام: أَنََّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ليرد من الجواب ما يزول به شكّ غيره؛ فكأنّه سأل في الحقيقة لغيره لا لنفسه؛ و يجري ذلك مجرى سؤال موسى عليه السّلام أن يريه اللّه تعالى نفسه لمّا شكّ قومه في ذلك، فسأل لهم لا لنفسه‏ (1) .

[الثاني: انظر البقرة: 26 و 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247].

- اَللََّهُ يَخْلُقُ مََا يَشََاءُ [آل عمران: 47].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََاذِبِينَ [آل عمران: 61].

قال القاضي: «دليل لهم آخر، و ربما تعلقوا بآية المباهلة (2) و أنها لمّا نزلت جمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام و أن ذلك يدلّ على أنه الأفضل، و ذلك يقتضي أنه بالإمامة أحق، و لا بدّ من أن يكون هو المراد بقوله:

وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ ؛ لأنّه عليه السّلام لا يدخل تحت قوله تعالى: نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ فيجب أن يكون داخلا تحت قوله: وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ و لا يجوز أن يجعله من نفسه إلاّ و هو يتلوه في الفضل» .

____________

(1) الأمالي، 2: 316 و راجع أيضا الرسائل، 3: 103 و انظر أيضا سورة الأنبياء: 37 من الأمالي، 1: 441.

(2) في المغني «آيات المباهلة» .

16

قال: «و هذا مثل الأول في أنه كلام في التفضيل، و نحن نبيّن أن الإمامة قد تكون فيمن ليس بأفضل، و في شيوخنا من ذكر عن أصحاب الآثار أن عليّا عليه السّلام لم يكن في المباهلة، قال شيخنا أبو هاشم: إنّما خصص صلّى اللّه عليه و آله و سلم من تقرّب منه في النسب و لم يقصد الإبانة عن الفضل، و دلّ على ذلك بأنّه عليه السّلام أدخل فيها الحسن و الحسين عليهم السّلام مع صغرهما لما اختصّا به من قرب النسب و قوله:

وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ يدلّ على هذا المعنى؛ لأنّه أراد قرب القرابة، كما يقال في الرجل يقرب في النسب من القوم: «إنه من أنفسهم» و لا ينكر أن يدل ذلك على لطف محلّه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و شدّة محبّته له و فضله، و إنّما أنكرنا أن يدل ذلك على أنّه الأفضل أو على الإمامة، ... » (1) .

يقال له: لا شبهة في دلالة آية المباهلة على فضل من دعي إليها، و جعل حضوره حجة على المخالفين، و اقتضائها تقدّمه على غيره؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا يجوز أن يدعو إلى ذلك المقام ليكون حجة فيه إلاّ من هو في غاية الفضل و علوّ المنزلة، و قد تظاهرت الرواية بحديث المباهلة و أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعا إليها أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام، و أجمع أهل النقل و أهل التفسير على ذلك.

و لسنا نعلم إلى أي أصحاب الآثار أشار بدفع أمير المؤمنين عليه السّلام في المباهلة و ما نظن أحدا يستحسن مثل هذه الدعوى، و نحن نعلم أن قوله:

وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ لا يجوز أن يعني بالمدعو فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم؛ لأنّه هو الداعي، و لا يجوز أن يدعو الانسان نفسه، و إنّما يصحّ أن يدعو غيره؛ كما لا يجوز أن يأمر نفسه و ينهاها، و إذا كان قوله تعالى: وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم وجب أن يكون إشارة إلى أمير المؤمنين عليه السّلام؛ لأنّه لا أحد يدّعي دخول غير أمير المؤمنين و غير زوجته و ولديه عليهم السّلام في المباهلة، و ما نظن من حكى عنه دفع دخول أمير المؤمنين عليه السّلام فيها يقدم على أن يجعل مكان أمير المؤمنين غيره، و هذا الضرب من الاستدلال كالمستغني عن

____________

(1) المغني، 20: 142.

17

تكلف إطباق أهل الحديث كافة على دخول أمير المؤمنين عليه السّلام في المباهلة (1) ، و إنّما أوردناه استظهارا في الحجّة.

و أمّا ما حكاه عن أبي هاشم من أن القصد لم يكن إلى الإبانة عن الفضل، و إنما قصد إلى إحضار من يقرب منه في النسب، فظاهر البطلان؛ لأن القصد لو كان إلى ما ادّعاه لوجب أن يدعو العبّاس و ولده، و عقيلا إذ كان إسلام العبّاس و عقيل و انضمامهما إلى الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم متقدّما لقصّة المباهلة بزمان طويل؛ لأنّ المباهلة كانت في سنة عشرة من الهجرة، لمّا وفد «السيد» و «العاقب» فيمن كان معهما من أساقفة نجران على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بين هذه الحال و بين حصول العباس و عقيل مع النبيّ مدّة فسيحة، و في تخصيص النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين بالحضور دون من عداه ممّن يجري مجراه في القرابة دليل على ما ذكرناه.

فأمّا تعلقه بدخول الحسن و الحسين عليهما السّلام فيها من صغر سنّهما فمعلوم أن صغر السنّ و نقصانها عن حدّ بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، و إنّما جعل بلوغ الحلم حدّا لتعلق الأحكام الشرعيّة، و قد كان سنّهما عليهما السّلام، في تلك الحال سنّا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقول؛ لأن سنّ الحسن عليه السّلام كان في قصة المباهلة يزيد على سبع سنين بعدّة شهور و سنّ الحسين عليه السّلام يقارب السبعة، على أن من مذهبنا أن اللّه تعالى يخرق العادات للأئمة و يخصّهم بما ليس لغيرهم، فلو صحّ أن كمال العقل مع صغر السنّ ليس بمعتاد لجاز فيهم عليهم السّلام على سبيل خرق العادة، و ليس يجوز أن يكون المعنى في قوله تعالى: وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ قرب القرابة حسب ما ظنّ، بل لا بدّ أن تكون هذه الإضافة مقتضية للتخصيص و التفضيل.

و قد عضد هذا القول من أقوال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مقامات كثيرة بمشهد من أصحابه ما يشهد بصحة قولنا، فمن ذلك ما تظاهرت به الرواية من أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سئل

____________

(1) انظر تفسير الطبري 3/212 و 213 و معالم التنزيل للبغوي 2/150 و الدرّ المنثور للسيوطي 2/ 39 و الترمذي 2/166 و 300 و مسند أحمد 1/185 و مستدرك الحاكم 3/150. الخ.

18

عن بعض أصحابه فقال له قائل: فعليّ؟فقال: «إنّما سألتني عن الناس و لم تسألني عن نفسي» (1) .

و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: لبريدة الأسلمي: «يا بريدة لا تبغض عليّا فإنه منّي و أنا منه، إن الناس خلقوا من شجر شتى و خلقت أنا و عليّ من شجرة واحدة» (2) .

و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم أحد و قد ظهرت من وقاية أمير المؤمنين عليه السّلام له بنفسه و نكايته في المشركين و فضه لجمع منهم بعد الجمع ما ظهر هذا بعد انهزام الناس و انفلالهم‏ (3) و إسلامهم للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتى قال جبرئيل عليه السّلام: «يا محمّد إن هذه لهي المواساة» فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «يا جبرئيل إنه منّي و أنا منه» فقال جبرئيل «و أنا منكما» (4) ، و لا شبهة في أن الإضافة فيما ذكرناه من الأخبار إنما تقتضي التفضيل و التعظيم و الاختصاص دون القرابة (5) .

- وَ قََالَتْ طََائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران: 72].

أنظر القصص: 88 من الأمالي، 1: 544.

- وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتََابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مََا هُوَ مِنَ

____________

(1) في كنز العمّال 6/400 أن السائل عمرو بن العاص و هناك روايات عدّة فيها تصريح من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن عليا نفسه مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: (لتنتهن يا بني وليعة أو لأبعثنّ إليكم رجلا كنفسي) أو قال: (عديل نفسي) قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: فما تمنيت الإمارة إلاّ يومئذ قاتلعت صدري رجاء أن هذا، فأشار إلى عليّ بن أبي طالب) و انظر خصائص النسائي ص 15، و مجمع الزوائد 7/110 و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد م 1/97) و فوق ذلك ما شهد به القرآن الكريم‏ وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ .

(2) أخرجه-باختلاف يسير على ما في المتن-أحمد في المسند 5/356، و النسائي في الخصائص ص 23 و الهيثمي في مجمع الزوائد 9/127 و 128 و قال: أخرجه أحمد و البزاز، و الحاكم في المستدرك 2/241 و الذهبي في تلخيصه، و في ميزان الاعتدال 1/462، الخ.

(3) الانفلال: الانكسار.

(4) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 6/114 و قال «رواه الطبراني» ، و المحبّ في الرياض النضرة 2/172 و قال: «أخرجه أحمد» .

(5) الشافي في الإمامة و ابطال العامّة، 2: 253.

19

اَلْكِتََابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 78].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ... [آل عمران: 85].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- *كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلاََّ مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ اَلتَّوْرََاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرََاةِ فَاتْلُوهََا إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ [آل عمران: 93].

فصل: «في أنه لا يجوز أن يفوّض اللّه تعالى إلى النبيّ عليه السّلام أو العالم أن يحكم في الشرعيّات بما شاء إذا علم أنه لا يختار إلاّ الصواب» .

اعلم أنّ الصحيح أنّ ذلك لا يجوز، و لا بدّ في كلّ حكم من دليل، و لا يرجع إلى اختيار الفاعل، و العلم بأنّه لا يختار إلاّ الصواب غير كاف في هذا الباب. و خالف مويس بن عمران في ذلك، و قال: لا فرق بين أن ينصّ اللّه على الحكم و بين أن يعلم أنّه لا يختار إلاّ ما هو المصلحة، فيفوّض ذلك إلى اختياره.

و قد تعلّق مويس في نصرة قوله بأشياء:

أوّلها قوله تعالى: كُلُّ اَلطَّعََامِ كََانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرََائِيلَ إِلاََّ مََا حَرَّمَ إِسْرََائِيلُ عَلى‏ََ نَفْسِهِ فأضاف التحريم إليه...

فيقال له فيما تعلّق به أوّلا: ليس يمتنع أن يضاف التحريم إليه عليه السّلام و إن كان عن وحي، من حيث كان مؤدّيا له إلينا. و قد يضاف التحريم أيضا إلى الكتاب، فيقال: إنّ الكتاب حرّم كذا و كذا، و إن كان اللّه تعالى حرّمه. و يمكن أيضا أن يكون حرّمه بالنذر أو باليمين. و قد قال قوم: إنّه غير ممتنع أن يكون اللّه تعالى كلّفه الاجتهاد، و أدّاه الاجتهاد إلى تحريمه، فأضاف التحريم إليه: و كلّ واحد من هذه الوجوه يمنع ممّا يتعلّق به مويس‏ (1) .

____________

(1) الذريعة، 2: 667.

غ

20

- فِيهِ آيََاتٌ بَيِّنََاتٌ مَقََامُ إِبْرََاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ [آل عمران: 97].

[فيها أمور:

الأوّل: [فالضرورة تدعو إلى جعله‏]يعني قوله «و من دخله» أمرا لأنه لو كان خبرا كان كذبا و إذا كان أمرا كان صحيحا (1) و المعنى: انه يجب أن يأمن، فجعل قوة الوجوب و اللزوم كانه حصول و وقوع‏ (2) .

[الثاني: قال الناصر رحمه اللّه: ] «الاستطاعة هي الزاد و صحّة البدن» .

عندنا: أنّ الاستطاعة التي يجب معها الحجّ صحّة البدن، و ارتفاع الموانع، و الزاد و الراحلة، و زاد كثير من أصحابنا أن يكون له سعة يحج ببعضها و يبقي بعضه القوت عياله‏ (3) ...

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرّر ذكره: أنّه لا خلاف في أنّ ما حاله من ذكرناه أنّ الحجّ يلزمه، فمن ادّعى أنّ الصحيح الجسم إذا خلا من سائر الشرائط التي ذكرناها يلزمه الحجّ فقد ادّعى وجوب حكم شرعيّ في الذمّة و عليه الدليل؛ لأنّ الأصل براءة الذمّة.

و أيضا؛ قوله تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً .

و الاستطاعة في عرف الشرع و عهد اللغة أيضا عبارة عن تسهيل الأمر و ارتفاع المشقّة فيه، و ليست بعبارة عن مجرّد القدرة.

ألا ترى أنّهم يقولون: ما أستطيع النظر إلى فلان؛ إذا كان يبغضه و يمقته و يثقل عليه النظر إليه، و إن كانت معه قدرة على ذلك.

و كذلك يقولون: لا أستطيع شرب هذا الدّواء، يريدون إنّني أنفر منه و يثقل عليّ.

____________

(1) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامة، 3: 195.

(2) الرسائل، 4: 157.

(3) المختلف، 4: 6.

21

و قال اللّه تعالى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (1) و إنّما أراد هذا المعنى لا محالة.

فإذا تقرّر ما ذكرناه، و كان الصحيح الجسم يشقّ عليه المشي الطويل إلى الحج لم يكن مستطيعا له في العرف الذي ذكرناه؛ و كذلك من وجد الراحلة و لم يجد نفقة لطريقه و لا لعياله يشقّ عليه السفر و يصعب و تنفر نفسه لا يسمّى مستطيعا، فوجب أن تكون الاستطاعة ما ذكرناه، لارتفاع المشاقّ و التكلّف معه‏ (2) .

[الثالث: إن سأل سائل‏]فقال: ما القول في الاستطاعة؟و هل تكون قبل الفعل أو معه؟

الجواب و باللّه التوفيق:

إنّ الاستطاعة هي القدرة على الفعل، و القدرة التي يفعل بها الفعل لا يكون إلاّ قبله، و لا يكون معه في حال وجوده.

و الذي يدلّ على ذلك: أنّ القدرة إنّما يحتاج إليها ليحدث بها الفعل، و يخرج بها من العدم إلى الوجود، فمتى وجبت و الفعل موجود، فقد وجبت في حال استغنائه عنها؛ لأنّه لم يستغن بوجوده عن مؤثّر في وجوده، و إنّما يستغنى في حال البقاء من مؤثرات الوجود لحصول الوجود، لا بشي‏ء سواه.

و ليس يمكن أن تنزّل القدرة في مصاحبتها للفعل الذي تؤثر فيه منزلة العلة المصاحبة للمعلول؛ لأنّ القدرة ليست علة في المقدور و لا موجبة له، بل تأثيرها اختيار و إيثار من غير إيجاب؛ لما قد بيّن في مواضع كثيرة من الكتب.

و لو لا أنّها مفارقة للعلّة بغير شبهة لاحتاج المقدور في حال بقائه إليها، كحاجته في حال حدوثه؛ لأنّ العلّة يحتاج المعلول إليها في كلّ حالة من حدوث أو بقاء. و لا خلاف في أنّ القدرة يستغني عنها المقدور في حال بقائه.

و قد قال الشيوخ مؤكدين لهذا المعنى: فمن كان في يده شي فألقاه لا يخلو

____________

(1) سورة الكهف، الآيات: 75-72-67.

(2) الناصريات: 303.

22

استطاعة إلقائه من أن تكون ثابتة، و الشي‏ء في يده أو خارج عنها. فإن كانت ثابتة و الشي‏ء في يده، فقد دلّ على تقديمها، و هو الصحيح؛ و إن كانت ثابتة و الشي‏ء خارج عن يده ملقى عنها، فقد قدر على أن يلقي ما ليس في يده، و هذا محال. و ليس بين كون الشي‏ء في يده و كونه خارجا عنها واسطة و منزلة ثالثة.

و ممّا يدلّ أيضا على أنّ الاستطاعة قبل الفعل، أنّها لو كانت مع الفعل كان الكافر غير قادر على الإيمان، و لما كان الإيمان موجودا منه على هذا المذهب الفاسد، و لو لم يكن قادرا على الإيمان لما حسن أن يؤمر به، و يعاقب على تركه، كما لا يعاقب العاجز عن الإيمان بتركه و لا يؤمر به. و لا فرق بين العاجز و الكافر على مذاهبهم؛ لأنّهما جميعا غير قادرين على الإيمان و لا متمكنين منه.

قد قال اللّه تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ فشرط توجه الأمر بالاستطاعة له، فلو لا أنّها متقدّمة للفعل و أنّه يكون مستطيعا للحجّ و إن لم يفعله لوجب أن يكون الأمر بالحجّ إنّما توجّه إلى من فعله و وجد منه. و هذا محال.

و قد بيّنا الكلام و أحكامها في مواضع كثيرة من كتبنا، و في هذه الجملة مقنعة (1) .

[الرابع: ]و يوصف تعالى بأنه «غنيّ» ، و معنى ذلك أنّه حيّ غير محتاج، و لا يجوز عليه الحاجة و هو تعالى غنيّ لنفسه، و يوصف تعالى بذلك فيما لم يزل و لا يزال.

و لا يوصف تعالى بكلّ صفة يقتضي كونه محتاجا و نفي كونه غنيا، كوصفه بأنه يسرّ و يفرح و يخاف و يرجو و يشفق و يفزع؛ لأن ذلك يقتضي جواز اللذّة و الألم عليه‏ (2) .

و يوصف تعالى بأنه «كريم» على وجهين: بمعنى أنه عزيز، كما يقولون «فلان يكرم عليّ» ، و «فلان أكرم عليّ من فلان» أي أعزّ عليّ منه. و الوجه الآخر

____________

(1) الرسائل، 1: 144.

(2) الذخيرة: 587.

23

أن يكون كريما، بمعنى أنه فاعل الكرم و الانعام، و من هذا الوجه يلحق بصفات الأفعال‏ (1) .

- يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمََانِكُمْ فَذُوقُوا اَلْعَذََابَ بِمََا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آل عمران: 106].

أنظر البقرة: 202 من الأمالي، 399 و البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- وَ مَا اَللََّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعََالَمِينَ [آل عمران: 108].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ [آل عمران: 110].

[قال القاضي: قد استدلّ الخلق على صحّة الاجماع بهذه الآية التي وصفهم بهذه الصفات الموجبة لكون فعلهم صوابا]و هذا إن دلّ فإنّما يدل على أن الكبائر لا تقع منه، لأنّ حال جميعهم‏ (2) كحال الواحد إذا وصف بهذه الصفة، و قد علمنا أن ذلك لا يمنع من وقوع الصغير منهم، فكذلك حال جميعهم.

و ليس لأحد أن يقول: وقوع الصغيرة منهم لا يمنع من كونهم حجة، كما لا يمنع ذلك في الرسول عليه السّلام؛ لأنّا قد بيّنّا أن الذي نجيزه في الرسول لا يمنع من تمييز أفعاله و أقواله التي هو حجّة فيها من الصغائر التي نجيزها عليه، و لا طريق في ذلك يتميّز به الكبير من الصغير فيما يضاف إلى الأمة (3) فقد سلك في الطعن على الاستدلال بهذه الآية مسلكنا (4) في الطعن على استدلاله بقوله تعالى:

وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (5) فصار ما أورده هاهنا من الطعن طعنا في كلامه المتقدّم، و اعتراضا عليه؛ لأنّه إذا كان ما تقتضيه هذه الآية هو نفي الكبائر التي يخرجون بها من أن يكونوا مؤمنين، و لا حظّ لها في نفي الصغائر، و كان حال

____________

(1) الذخيرة: 580.

(2) في المغني: «جمعهم» .

(3) المغني 17: 196.

(4) في نسخة: ما سلكنا.

(5) سورة البقرة، الآية: 143، تقدّمت طعونه ذيل هذه الآية.

24

جميعهم كحال واحدهم لو وصفت بهذه الصفة على ما قرّره، فهكذا القول في الشهداء؛ لأنّ أكثر ما تقتضيه الشهادة نفي الكبائر عن صاحبها دون الصغائر، و حال الجميع في ذلك كحال الواحد أو الاثنين لو وصفا بهذه الصفة، فإن خرجت احدى الآيتين من أن تدلّ على صحّة الاجماع خرجت الأخرى، فإن أعاد هاهنا ما كنّا حكيناه عنه من أنّ تجويز الصغائر على الشهداء يخرجهم من أن يكونوا حجّة في شي‏ء من أفعالهم و أقوالهم، و قد ثبت بمقتضى الآية أنّهم حجّة، فإذا ثبت ذلك، و لم يكن بعض أقوالهم و أفعالهم بذلك أولى من بعض، منعنا من وقوع الصغائر منهم.

قيل له: فكيف أنسيت هذا الضرب من الاستخراج في هذه الآية؟

و ألا سوّغت من تعلّق بها أن يعتمد مثله!فيقول: قد ثبت أن قوله تعالى:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ تقتضي كون الموصوفين بالآية حجّة، و ليس بعض أقوالهم و أفعالهم بذلك أولى من بعض؛ لأنها لا تتميّز كتمييز بعض أفعال الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيجب نفي الصغائر عنهم، و ألاّ خرجت جميع أقوالهم و أفعالهم من أن تكون حجّة.

و قد كنّا أبطلنا هذه الطريقة عند اعتصامه بها في الآية المتقدّمة، و بيّنّا فسادها، فلا حاجة بنا إلى إعادة كلامنا عليها، و إنّما قصدنا بما أوردناه هاهنا إلزامه تصحيح التعلّق بالآيتين، أو إطراحهما و الكشف عن دخول ما طعن به في إحداهما على الأخرى، و الصحيح ما بيّنّاه من فساد التعلّق بكلّ واحدة منهما في صحّة الاجماع.

فأما قوله: «على أنّ قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ إن كانت إشارة إلى جميع المصدّقين فالمتعالم من حال كثير منهم خلافه، و إن كانت إشارة إلى غيرهم فذلك مجهول لا يعلم به حال جماعة مخصوصة يصير إجماعها حجّة» (1) .

____________

(1) المغني 17: 197.

25

و قوله: «فإن قال: إذا أجمع‏ (1) المصدّقون على شي‏ء يعلم دخول هذه الجماعة فيهم فيصير الاجماع حجّة كما ذكرتم في الشهداء و المؤمنين؛ قيل له:

إنّما يصحّ ذلك؛ لأنّهم وصفوا بصفة (2) علمنا معها دخولهم تحت المصدّقين، و خروجهم عمّن سواهم، و ليس كذلك الحال فيما تعلّقت به من هذه الآية؛ لأنّه لا يجوز أن يكون المراد بها من كان في عهد الرسول و عند نزول الخطاب؛ لأنّهم في تلك الحال كانوا بهذه الصفة فمن أين أن غيرهم بمنزلتهم‏ (3) ؟و قوله تعالى: كُنْتُمْ يدلّ على ذلك، و يفارق من هذا الوجه ما قدّمناه و هو قوله:

وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ ؛ لأنّ تلك الآية و إن كانت تقتضي الإشارة ففيها ما يدلّ على العموم و هو قوله: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ (4) و ليس في هذه الآية ما يقتضي هذا المعنى» (5) .

فما نراه يخرج فيما يورده من الكلام على من تعلّق بالآية التي ذكرها عمّا يأتي على جميع ما اعتمده في الآية الأولى‏ (6) و حتّى كأنّه يناقض من تعلّق بالآيتين معا، و إن استدلّ بالآية التي يضعف التعلّق بها أن يقول ليس المعني بها جميع المصدّقين، بل من كان مؤمنا خيرا يستحقّ ما تضمنته الآية من الأوصاف، و نعلم إجماعهم عند علمنا بإجماع المصدّقين الذين هم في جملتهم، و ما ذكره في الشهداء و المؤمنين من أنّهم وصفوا بصفة علمنا معها دخولهم تحت المصدّقين و خروجهم عمّن سواهم، قائم في الآية الأخرى؛ لأنّها تتضمّن من أوصاف المدح و التعظيم ما يقتضي كون المراد بها في جملة المصدّقين، و إن لم يكن جميعهم، و يقتضي أيضا خروجهم عمّن سواهم، و تخصيصه الآية بمن كان في عصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم يلزمه مثله في الآية الأخرى و يقابل بمثل كلامه، فيقال:

قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ خطاب لمن كان في عهد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم؛ لأنّهم كانوا في تلك الحال بهذه الصفة، فمن أين

____________

(1) في المغني: «اجتمع» .

(2) في المغني: «بصيغة» .

(3) في المغني: «بعينهم» .

(4) سورة البقرة، الآية: 143.

(5) المغني 17: 197.

(6) سورة البقرة، الآية: 143.

26

أن غيرهم بمنزلتهم؟و الإشارة التي تشبّث بها في إحدى الآيتين مثلها في الأخرى؛ لأنّ قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً يجري في الإشارة مجرى قوله: كُنْتُمْ و ترجيحه الآية التي اعتمدها مع اعترافه بالإشارة فيها بقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ بناء على ما تقدّم من الكلام، فإذا كان قوله تعالى جَعَلْنََاكُمْ يقتضي التخصيص من حيث الإشارة على ما ذكره في قوله تعالى:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فما هو بناء عليه، و متعلّق به من قوله: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ جار مجراه في الخصوص؛ لأنّ الاعتبار في العموم و الخصوص بما تقدّم في الكلام دون ما هو مبنيّ عليه، على أنّه إن رضي لنفسه بما ذكره فليرض بمثله إذا قال له خصمه، و كذلك قوله تعالى: كُنْتُمْ و إن كان فيه معنى الإشارة فقد تلاه ما يقتضي العموم، و يخرج عن معنى التخصيص من قوله:

تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ .

فأمّا قوله: و قوله تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ ليس فيه دلالة على أنهم لا يأمرون إلاّ به حتى يستدل باتفاقهم على الأمر بالشي‏ء على أنّه حقّ، و إنما يبيّن بذلك أنّ هذه طريقة لهم، و سجيّتهم على طريقة المدح، فلا يمنع من أن يقع منهم خلافه إذا لم يخرجهم من طريقة المدح؛ و لأن ذلك يوجب تقدّم المعرفة بالمعروف و المنكر، و يخرج بذلك أمرهم من أن يكون دالاّ على أن المأمور به من قبلهم معروف، و المنهي عنه من قبلهم منكر، فكذلك قوله تعالى: جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ ليس فيه دلالة على أنّهم خيار عدول في كلّ شي‏ء، و في كلّ حال، و لا أنّهم أيضا شهود بكلّ أمر و في كلّ حال، و ليس يمتنع أن يخرجوا من أن يكونوا شهداء، فلا يجب أن يكونوا عدولا، على أنّه في هذا الكلام تارك لعموم القول بظاهره الذي لا يزال يتعلّق به و يعتمده؛ لأنّ قوله تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ إذا أخذ على عمومه لم يسغ‏ (1) ما ذكره من التجويز عليهم أن يأمروا بغير المعروف؛ لأنّ

____________

(1) في نسخة «لم يسمع» .

غ

27

تجويز ذلك تخصيص للعموم الذي يقتضيه إطلاق القول على أصله، و ليس يجب تقدّم المعرفة لنا بالمعروف و المنكر كما ظنّه، بل لا ينكر أن يكون المراد أنّهم يأمرون بالمعروف الذي يعلمه اللّه تعالى كذلك، و ينهون عن المنكر على هذا السبيل، فيكون اجتماعهم‏ (1) على الأمر بالشي‏ء دلالة على أنّه معروف، و نهيهم عنه دلالة على أنّه منكر، و لسنا نعلم من أي وجه يلزم أن يتقدّم علمنا بالمعروف و المنكر في هذا القول؟

[انظر أيضا مريم: 28 و 29 من الأمالي، 2: 170. ]

- إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاََ وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 122].

انظر يوسف: 24 من التنزيه: 73.

- لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظََالِمُونَ [آل عمران: 128].

[إن سأل سائل‏]فقال: كيف جاءت «أو» بعد ما لا يجوز أن يعطف عليه؟ و ما الناصب لقوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ و ليس في ظاهر الكلام ما يقتضي نصبه؟

الجواب: قلنا: قد ذكر في ذلك وجوه:

أوّلها: أن يكون قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ معطوفا على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً و المعنى أنّه تعالى عجّل لكم هذا النصر، و منحكم به ليقطع طرفا من الذين كفروا، أي قطعة منهم، و طائفة من جمعهم أو يكبتهم أي يغلبهم و يهزمهم فيخيّب سعيهم، و يكذّب فيكم ظنونهم، أو يعظهم ما يرون من تظاهر آيات اللّه تعالى الموجبة لتصديق نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيتوبوا و يؤمنوا فيقبل اللّه تعالى ذلك منهم، و يتوب عليهم، أو يكفروا بعد قيام الحجج، و تأكيد البيّنات و الدلائل، فيموتوا أو يقتلوا كافرين؛ فيعذّبهم اللّه تعالى باستحقاقهم في النار؛ و يكون على هذا

____________

(1) في نسخة: «اجماعهم» .

28

الجواب قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ معطوفا على قوله تعالى: وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ ؛ أي ليس لك و لا لغيرك من هذا الأمر شي‏ء؛ و إنّما هو من اللّه تعالى.

و الجواب الثاني: أن يكون‏ أَوْ بمعنى «حتى» ، أو «إلاّ أنّ» ؛ و التقدير:

ليس لك من الأمر شي‏ء حتى يتوب عليهم؛ أو إلاّ أن يتوب عليهم، كما قال امرؤ القيس:

بكى صاحبي لمّا رأى الدّرب دونه # و أيقن أنّا لاحقان بقيصرا (1)

فقلت له: لا تبك عيناك إنّما # نحاول ملكا، أو نموت فنعذرا

أراد: إلاّ أن نموت.

و هذا الجواب يضعّف من طريق المعنى؛ لأنّ لقائل أن يقول: إنّ أمر الخلق ليس إلى أحد سوى اللّه تعالى قبل توبة العباد و عقابهم و بعد ذلك؛ فكيف يصحّ أن يقول: ليس لك من الأمر شي‏ء أو يتوب عليهم أو يعذّبهم؛ حتى كأنّه إذا كان أحد الأمرين كان إليه من الأمر شي‏ء!

و يمكن أن ينصر ذلك بأن يقال: قد يصحّ الكلام إذا حمل على المعنى؛ و ذلك أنّ قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ معناه: ليس يقع ما تريده و تؤثره من إيمانهم و توبتهم، أو ما تريده من استئصالهم و عذابهم، على اختلاف الرواية في معنى الآية و سبب نزولها؛ إلاّ بأن يلطف اللّه لهم في التوبة فيتوب عليهم أو يعذّبهم؛ و تقدير الكلام: ليس يكون ما تريده من توبتهم أو عذابهم بك، و إنّما يكون ذلك باللّه تعالى.

و الجواب الثالث: أن يكون المعنى: ليس لك من الأمر شي‏ء أو من أن يتوب اللّه عليهم؛ فأضمر «من» اكتفاء بالأولى، و أضمر «أن» بعدها لدلالة الكلام

____________

(1) ديوانه: 100. الدرب: باب السكة الواسع؛ و هو هنا كل مدخل إلى الروم فهو درب؛ و صاحبه عمرو بن قميئة الشاعر؛ و كان رفيق امرئ القيس في رحلته.

29

عليها أو اقتضائه لها، و هي مع الفعل الذي بعدها بمنزلة المصدر؛ و تقدير الكلام: ليس لك من الأمر شي‏ء و من توبتهم و عذابهم.

و وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباريّ يطعن على هذا الجواب و يستبعده، قال: لأنّ الفعل لا يكون محمولا على إعراب الاسم الجامد الذي لا تصرّف له على إضمار «أن» مع الفعل؛ لأنّه ليس من كلام العرب: «عجبت من أخيك و يقوم» على معنى: «عجبت من أخيك و من أن يقوم» لأنّ أخاك اسم جامد محض، لا يعطف عليه إلاّ ما شاكله. و قال: و هذا إذا يستقيم و يصلح في ردّ الفعل على المصدر، كقولهم: «كرهت غضبك و يغضب أبوك» ؛ على معنى:

«كرهت غضبك و أن يغضب أبوك» ، فيطّرد هذا في المصادر، لأنّها تتأوّل بـ «أن» فيقول النحويون: «يعجبني قيامك» ، و تأويله: «يعجبني أن تقوم» ، قال: و الاسم الجامد لا يمكن مثل هذا فيه.

و ليس الذي ذكره ابن الأنباريّ مستبعدا، و إن لم يضعف هذا الجواب إلاّ من حيث ذكر فليس بضعيف؛ و ذلك أن فيما امتنع منه مثل الذي أجازه؛ لأنّه قد أجاز ذلك في المصادر، و إن لم يجزه في غيرها.

و قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فيه دلالة الفعل، لأنّ «الأمر» مصدر أمرت أمرا؛ فكأنّه تعالى قال: ليس لك من أن آمرهم أو تأمرهم شي‏ء، و لا من أن يتوبوا، و جرى ذلك مجرى قولهم: «كرهت غضبك و يغضب أبوك» ، و في رد الفعل على المصدر؛ و الوجه الأوّل أقوى الوجوه؛ و اللّه أعلم بمراده‏ (1) .

- وَ سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: 133]

[استدلّ بهذه الآية و كذا قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ (2) على أن الأمر مقتض للفور].

و يقال لهم: أمّا قوله تعالى: وَ سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ فهو مجاز من حيث ذكر

____________

(1) الأمالي، 1: 588.

(2) سورة البقرة، الآية: 148.

30

المغفرة و أراد ما يقتضيها، و مجمل من حيث كان مبنيّا على كيفيّة وجوب الواجبات من فور أو تراخ؛ لأنّا إنّما نتقرّب إلى اللّه تعالى، بأن نفعل ما أوجبه علينا أو ندبنا إلى فعله، بأن نفعله على ذلك الوجه، و في الوقت الّذي علّق به، فلا دلالة فيه للمخالف. و كذلك قوله سبحانه: فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرََاتِ . على أنّ الفزع إلى هذه الآيات تسليم لما نريده من أنّ مقتضى الأمر في الوضع لا يدلّ على ذلك، و إنّما يرجع فيه إلى دليل منفصل‏ (1) .

- وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ كِتََاباً مُؤَجَّلاً [آل عمران: 145].

أنظر يونس: 100 من الأمالي، 1: 64.

- إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ... [آل عمران: 153].

أنظر البقرة: 23 من الذخيرة: 364.

- إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطََانُ بِبَعْضِ مََا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللََّهُ عَنْهُمْ [آل عمران: 155].

[نقل القاضي استدلال واصل بن عطاء بهذه الآية على بطلان طريقة الإمامية في سوء الثناء على بعض الصحابة.

قال السيّد: ]فلنا أن ننازع في اقتضاء ظاهر العموم، و إذا سلّمنا ذلك جاز أن يحمل على العفو عن العقاب المعجل في الدنيا دون المستحق في الآخرة، فقد روى هذا المعنى بعينه، و قد يجوز أن يعفو اللّه تعالى عن الجماعة عن عقاب هذا الذنب خاصة بأن يكون سبق من حكمه و وعده أن يعفو عنه، و إن كان منهم من يستحق عقابا على ذنوب أخر لم يعف عنها؛ فإن العقل لا يمنع من العفو عن بعض العقاب دون بعض، كما لا يمنع من العفو عن الجميع و السمع أيضا لا يمنع من ذلك إلاّ في أقوام مخصوصين‏ (2) .

____________

(1) الذريعة، 1: 140.

(2) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 20.

31

- فَإِذََا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159].

فأمّا التوكّل في الحقيقة فهو طلب الشي‏ء من جهته، و على الوجه الذي أبيح له طلبه منه، و أن لا يقع جزع و قنوط عند فوته، و لهذا روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «لو توكّلتم على اللّه تعالى حقّ التوكّل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطلانا» (1) ، فسمّاها مع الغدو و الرواح في طلب الرزق متوكّلة (2) .

- يَقُولُونَ بِأَفْوََاهِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا يَكْتُمُونَ [آل عمران: 167].

[قد يقال: يمكن ان يتعلّق بهذه الآية لإثبات الكلام النفسي، لكنّه ليس كذلك؛ لانها]إنّما يقتضي أنّ قولهم ليس في قلوبهم، و نحن متّفقون على ذلك، و لا دلالة فيه على إثبات قول لغيرهم في القلب إلاّ من طريق دلّ الخطاب و ليس بصحيح.

على أنّ المعنيّ بذلك أنّهم ينافقون و يظهرون ما لا ينطوون على العلم بصحّته‏ (3) .

- وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) `فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاََّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) [آل عمران: 169-170].

[فيها أمور:

الأوّل: ]الشهادة: خروج النفس في طاعة اللّه تعالى أو قربته إليه؛ لأنه لا يسمى من في معصيته و لا في طاعة معصيته شهيدا. و وجدت بعض ثقات أهل اللغة يحكي في كتابه أن الشهيد هو الحي، و أظنّه ذهب إلى قوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (4) .

____________

(1) بحار الأنوار 71/151، مسند أحمد بن حنبل 1/30، 52.

(2) الذخيرة: 272.

(3) الملخص، 2: 402.

(4) الرسائل، 4: 110.

32

[الثاني: سئل‏]كيف يصح مع استحالة ورود السمع بما ينافي المعلوم استدلالا يرد عنا؟فإن المعلوم ضرورة، و علم الضرورة أقوى لكونه من الشبهة أبعد و أقصى. و قد نهى اللّه سبحانه عن القول بأن الشهداء أموات، و أخبر أنهم أحياء عند ربّهم يرزقون، و قال بعد ذلك‏ فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاََّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ هذا مع العلم حسا و مشاهدة بموتهم، و كون أجسادهم طريحة لا حياة فيها مثل جسم مولانا الحسين عليه السّلام، و كونه بالطف طريحا، و بقاء رأسه مرئيا محمولا أيّاما، و قد انضاف إلى هذا العلم الضروري شهادات الحجج عليهم السّلام بأن الجسم الطريح جسمه و الرأس المحمول رأسه.

و كذلك القول في حمزة و جعفر عليهما السّلام و أن الكبد المأكولة كبد حمزة، و اليدين المقطوعتين يدا جعفر و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: قد أبدله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة (1) ، و روي أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال يوما: لقد اجتاز بي جعفر يطير في زمرة من الملائكة (2) .

فإن كانت هذه الحياة المأمور بالقطع عليها على الفور، فهو دفع للضرورات و تكذيب المشاهدات و الشهادات و المتناقضة نفسها، و إن كانت على التراخي و في المعاد العام، ففيه بطلان ما اتّفقت الطائفة (حرسها اللّه عليه) بأن المسلم عند قبورهم مسموع الكلام مردود عليه الجواب، و لذلك يقولون عند زياراتهم:

أشهد أنك تسمع كلامي و ترد جوابي. و ذلك واجب المضي على ظاهره؛ لأن الانصراف عنه مع خروجه عن الاستحالة بحياتهم المقطوع عليها غير جائز، و إنّما ينصرف عن الظواهر إذا استحالت، أو منع منها دليل، فلينعم بما عنده في جميع ذلك مشروحا مبينا أعظم اللّه ثوابه و أكرم مآبه.

الجواب: إعلم أنه ليس في القول بأن الأئمّة و الشهداء و الصالحين بعد أن يموتوا و يفارقوا الحياة في الدنيا أحياء عند ربّهم يرزقون، مدافعة لضرورة و لا

____________

(1) جامع الأصول، 176.

(2) بحار الأنوار، 22: 173، 276.

33

مكابرة لمشاهدة؛ لأن الإعادة للحي منا إلى جنّة أو نار أو ثواب أو عقاب، لا تفتقر إلى إعادة جميع الأجزاء الّتي يشاهدها الأحياء منا دائما. و إنّما يجب إعادة الأجزاء الّتي تتعلّق بها بنية الحياة، و الّتي إذا انقضت‏ (1) خرج الحي منا أن يكون حيّا، و ليس كلّ ما نشاهده من الأحوال‏ (2) هذا حكمه. ألا ترى أن الحي منا لو قطعت أطرافه، كيده أو رجله أو أنفه أو أذنه، لا يخرج من أن يكون حيّا [يجري‏]مجرى أجزاء السمين الّتي إذا زالت بالهزال، لم يخرج من أن يكون حيّا، و لا يضرب أحكامه في مدح و ذمّ أو ثواب و عقاب.

و ليس يجري ذلك مجرى قطع رأسه أو توسيطه؛ لأنه يخرج بقطع الرأس و التوسط من أن يكون حيّا، فالإعادة على هذا الأصل الّذي ذكرناه إنّما تجب للأجزاء الّتي إذا انتقصت خرج الحي من أن يكون حيّا.

و ليس نمنع إعادة الأجزاء من جسم ميت، و إن شاهدناه في رأي العين على هيئة الأولى، و وجدنا أكثر أعضائه و بنيته باقية؛ لأن المعول على تلك الأجزاء الّتي هي الحي على الحقيقة، فإذا أعادها اللّه تعالى و أضاف إليها أجزاء أخر غير الأجزاء الّتي كانت في الدنيا لأعضائه، جرى ذلك مجرى السمن و الهزال و الأبدال يد بيد، فلا مانع إذن من أن يكون حيّا متنعّما في النعيم و الثواب و إن كنا نرى جسمه في القبر طريحا.

و هذا يزيل الشبهة المعترضة في هذا الباب الّتي السبب في اعتراضها قلّة العلم بدقائق هذه الأمور و غوامضها و سرائرها. و ممّا يشهد لما ذكرناه ما روي في جعفر الطيّار عليه السّلام عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أن اللّه تعالى أبدله بيديه المقطوعتين جناحين يطير بهما في الجنّة.

و قد كنا أملينا قديما مسألة مفردة في تأويل قوله تعالى: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً بَلْ أَحْيََاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ استوفينا الكلام فيها (3) . و ذكرنا

____________

(1) ظ: انتقصت.

(2) ظ: الاجزاء.

(3) لا يوجد في الرسائل و لعلّه مفقود.

34

في كتابنا المعروف بالذخيرة الكلام في كيفية الإعادة، و ما يجب إعادته و ما لا يجب ذلك فيه‏ (1) و استوفيناه و الجملة الّتي ذكرناها هاهنا كافية لمن تصفحها (2) .

[الثالث: ان سأل سائل فقال: ]إذا كنا نعلم أن علم المكلّف بوصوله إلى ثواب طاعاته عقيب فعلها يقتضي إلجاؤه إليها، و أن يفعلها لأجل الثواب لا لوجه وجوبها، و أن ذلك وجهان يقتضيان قبح تكليفها، و لذلك قلنا بوجوب تأخير الثواب. فما الوجه من كون الشهيد حيّا عنده تعالى و الوجيه الحال و ما وردت به من وصول الأنبياء و الأوصياء و مخلصي المؤمنين إلى الثواب عقيب الموت، و أنهم أجمع أحياء عند اللّه يرزقون.

الجواب: إعلم أن الّذي يمضي في الكتب من أن المكلّف لو قطع على وصوله إلى ثواب طاعته و عقاب معصيته عقيب الطاعة و المعصية، يقتضي الالجاء على نظر في ذلك، غير مناف لما نقوله من أن الشهيد يدخل الجنّة عقيب موته بالشهادة. و كذلك الأنبياء و الأوصياء؛ لأن الشهادة أولا ليست من فعل الشهيد، و إنّما بطلان حياته بالقتل في سبيل اللّه تعالى يسمى (شهادة) ، و القتل الّذي به تكون الشهادة من فعل غير الشهيد، فكيف يجوز الالجاء إليه؟و لا هو يجوز أن يقال أنهم ملجأون إلى الجهاد؛ لأن الجهاد (3) لا يعلم وقوع الشهادة لا محالة، و لأن المجاهد إنّما يفعل الجهاد و يقصد به غلبته للمشركين، لا إلى أن يغلبوه و يقتلوه شهيدا، فالالجاء هاهنا غير متصوّر.

فأمّا الأنبياء و الأوصياء عليهم السّلام فليس يتعيّن لهم الطاعة الّتي يجازون بالثواب و دخول الجنّة عقيبها، و لا طاعة يفعلونها إلاّ و هم يجوزون أن يتأخّر الجزاء عليها، بأن يغيّر تكليفهم و يستمرّ، كما يجوزون أن يصلوا عقيبها إلى الثواب.

و هذا التجويز و عدم القطع يزيلان الالجاء الّذي اعتبر فيمن يقطع على وصوله إلى ثواب طاعته عقيب فعله، و هذا بين لمن تدبّره.

____________

(1) الذخيرة: 151.

(2) الرسائل: 1: 406-408.

(3) ظ: المجاهد.

غ

35

و نسأل اللّه تعالى أن يؤيدنا و يسددنا في كلّ قول ينحوه و فعل يعروه، و أن يجعل ذلك كلّه خالصا له و مقرّبا منه، إنّه سميع مجيب‏ (1) .

- لَقَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ [آل عمران: 181].

أنظر المائدة: 64 الأمر الأوّل من الأمالي، 2: 5.

- كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ [آل عمران: 185].

أنظر مائدة: 116 من الأمالي، 1: 317.

- رَبَّنََا وَ آتِنََا مََا وَعَدْتَنََا عَلى‏ََ رُسُلِكَ وَ لاََ تُخْزِنََا يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ إِنَّكَ لاََ تُخْلِفُ اَلْمِيعََادَ [آل عمران: 194].

أنظر البقرة: 102 من الأمالي، 1: 399.

____________

(1) الرسائل، 2: 378.

36

سورة النّساء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم - وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَهُمْ إِلى‏ََ أَمْوََالِكُمْ [النساء: 2].

أنظر المائدة: 6 الأمر الأوّل من الوضوء، من الناصريات: 116.

- فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ [النساء: 3].

[إن سأل فقال: ]هل تجري المستمتعات بهن مجرى الزوجات في التحصين، فيحرم على المستمتع الزيادة على الأربع أو تجري مجرى الإماء في كثرة العدد و ترك الالتفات إلى هذا الباب.

الجواب و باللّه التوفيق:

لا خلاف بين أصحابنا في أن للمتمتع أن يجمع بين النساء أكثر من أربع حرائر، و أنهن يجرين مجرى الإماء اللواتي يستباح بملك اليمين و طؤهن، و قوله تعالى: مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ و كل ظاهر من قرآن أو سنة يقتضي ذلك الزائد على أربع، نحمله على أن المراد نكاح الدوام دون المتعة (1) .

- وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4].

و ممّا ظنّ إنفراد الإمامية به-و لها فيه موافق-القول بأنّه: لا حدّ لأقلّ الصداق، و أنّه يجوز بالقليل و الكثير، و الشافعي يقول بذلك‏ (2) . و قال مالك و أبو حنيفة أقلّ الصداق ما تقطع فيه اليد (3) ، و الذي تقطع فيه اليد عند مالك ثلاثة

____________

(1) الرسائل، 4: 42.

(2) المحلّى، 9: 496.

(3) المحلّى، 9: 495.

37

دراهم‏ (1) ، و عند أبي حنيفة عشرة دراهم‏ (2) ، فان أصدقها أقل من عشرة دراهم كمل لها عشرة عند أبي حنيفة و أبي يوسف‏ (3) ، و عند زفر يسقط المسمّى و يجب لها مهر المثل‏ (4) . و قال النخعي: أقلّ الصداق أربعون درهما (5) . و قال سعيد بن جبير: خمسون درهما (6) .

دليلنا-بعد إجماع الطائفة-قوله تعالى: وَ آتُوا اَلنِّسََاءَ صَدُقََاتِهِنَّ نِحْلَةً .

و قوله في موضع آخر: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (7) و القليل يقع عليه الاسم كالكثير فيجب إجزاؤه.

و ممّا يعارضون به ما يروونه عنه عليه السّلام من إستحل بدرهمين فقد إستحلّ‏ (8) ، و قوله: لا جناح على امرئ أصدق امرأة صداقا قليلا كان أو كثيرا (9) (10) .

- لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمََّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [النساء: 7].

إعلم أنّ مخالفينا في هذا الباب يذهبون في ذلك إلى ما لم يقم به حجّة من كتاب، و لا سنة مقطوع بها، و لا إجماع؛ و يعوّلون في هذا الأصل الجليل على أخبار آحاد ضعيفة لو سلمت من كلّ قدح و مخالفة لنصّ الكتاب و ظاهره على ما نستدلّ عليه و معارضة بأمثالها لكانت غاية أمرها أن توجب الظنّ الذي قد بيّنا في غير موضع أنّ الأحكام الشرعية لا تثبت بمثله، و ادّعاء الإجماع على قولهم في التعصيب غير ممكن مع الخلاف المعروف المسطور فيه سالفا و آنفا؛ لأنّ ابن عبّاس رضي اللّه عنه كان يخالفهم في التعصيب، و يذهب إلى مثل مذهب الإمامية و يقول فيمن خلّف بنتا و أختا: أنّ المال كلّه للبنت دون الأخت، و وافقه في ذلك جابر ابن عبد اللّه‏ (11) .

____________

(1) بداية المجتهد، 2: 442.

(2) تحفة الفقهاء، 1: 136.

(3) نفس المصدر.

(4) نفس المصدر.

(5) المغني (لابن قدامة) ، 8: 4.

(6) نفس المصدر.

(7) سورة النساء، آيتان: 24، 25.

(8) نيل الأوطار، 6: 167.

(9) المحلّى، 9: 500.

(10) الانتصار: 123.

____________

(11) المغني (لابن قدامة) ، 7: 6.

38

و حكى الساجي أنّ عبد اللّه بن الزبير قضى أيضا بذلك، و حكى الطبري مثله‏ (1) ، و رويت موافقة ابن عبّاس عن إبراهيم النخعي في رواية الأعمش عنه، و ذهب داود بن علي الأصفهاني إلى مثل ما حكيناه و لم يجعل الأخوات عصبة مع البنات‏ (2) ، فبطل ادّعاء الإجماع مع ثبوت الخلاف متقدّما و متأخّرا، و الذي يدلّ على صحّة مذهبنا و بطلان مذهب مخالفينا في العصبة بعد إجماع الطائفة الذي قد بيّنا أنّه حجّة، قوله تعالى: لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمََّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً و هذا نصّ في موضع الخلاف؛ لأنّ اللّه تعالى صرّح بأنّ للرجال من الميراث نصيبا، و أنّ للنساء أيضا نصيبا و لم يخصّ موضعا دون موضع، فمن خصّ في بعض المواريث بالميراث الرجال دون النساء فقد خالف ظاهر هذه الآية.

و أيضا توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربى و الدرجة من أحكام الجاهلية، و قد نسخ اللّه تعالى بشريعة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أحكام الجاهلية، و ذمّ من أقام عليها و استمرّ على العمل بها بقوله: أَ فَحُكْمَ اَلْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ حُكْماً (3) و ليس لهم أن يقولوا: إنّنا نخصّص الآية التي ذكرتموها بالسنة، و ذلك أنّ السنة التي لا تقتضي العلم القاطع لا يخصّص بها القرآن، كما لا ينسخه بها، و إنّما يجوز بالسنة أن يخصّص و ينسخ إذا كانت تقتضي العلم اليقين، و لا خلاف في أن الأخبار المروية في توريث العصبة أخبار آحاد لا توجب علما، و أكثر ما يقتضيه غلبة الظنّ، على أنّ أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة (4) من طرق مختلفة في إبطال أن يكون الميراث بالعصبة، و أنّه بالقربى و الرحم، و إذا تعارضت الأخبار رجعنا إلى ظواهر الكتاب.

فاعتماد المخالفين في العصبة على حديث رواه ابن طاوس، عن أبيه، عن

____________

(1) المحلّى، 9: 256.

(2) بداية المجتهد، 2: 272.

(3) سورة المائدة، الآية: 50.

(4) الوسائل، 17: 431.

39

ابن عبّاس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم: يقسّم المال على أهل الفرائض على كتاب اللّه فما تركت فلأولى ذكر قرب‏ (1) ، و هذا خبر لم يروه أحد من أصحاب الحديث إلاّ من طريق ابن طاوس، و لا رواه ابن طاوس إلاّ، عن أبيه، عن ابن عباس، و لم يقل ابن عباس فيه سمعت و لا حدّثنا، و ابن طاوس يسنده تارة: إلى ابن عباس في رواية وهب و معمّر (2) ، و تارة أخرى: يرويه عنه الثوري و علي بن عاصم، عن أبيه مرسلا (3) ، غير مذكور فيه ابن عباس. فيقول الثوري و علي بن عاصم، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، ثمّ هو مختلف اللفظ؛ لأنّه يروى: فما أبقت الفرائض فلأولى ذكر (4) ، و روي أيضا: فلأولى عصبة قرب‏ (5) ، و روي أيضا: فلأولى عصبة ذكر (6) ، و في رواية أخرى: فلأولى رجل ذكر عصبة (7) ، و اختلاف لفظه و الطريق واحد، يدلّ على ضعفه. و قد خالف ابن عباس الذي يسند هذا الخبر إليه ما اجتمع ناقلوا هذا الخبر عليه في توريث الأخت بالتعصيب إذا خلّف الميت بنتا و أختا على ما قدّمناه و حكيناه عنه، و راوي هذا الخبر إذا خالف معناه كان فيه ما هو معلوم.

ثمّ إذا تجاوزنا عن ذلك من أين لهم أنّ معنى العصبة المذكورة في الخبر هو ما يذهبون إليه، و ليس في اللغة العربية لذلك شاهد، و لا في العرف الشرعي، فأمّا اللغة فإنّ الخليل بن أحمد قال في كتاب العين‏ (8) : إنّ العصبة مشتقّة من الأعصاب و هي الّتي تصل بين أطراف العظام، و لمّا كانت هذه الواصلة بين المتفرقة من الأعضاء حتى التأمت، و كان أولاد البنات أولادا للجدّ، كما أنّ أولاد الابن ولد للجدّ، و الجدّ جدّ للجميع كان البنات في جميع ولدهن إلى الجد، و ضمّ الأهل و القبيلة المنسوبة إلى الجدّ كالبنين و كانوا جميعا كالأعصاب التي تجمع العظام و تلائم الجسد، فوجب أن يسمّوا جميعا عصبة، و ذكر أبو

____________

(1) جامع الأصول، 10: 279 ح 7401.

(2) صحيح البخاري، 8: 187.

(3) لم نعثر عليه.

(4) مسند أحمد، 1: 131.

(5) لم نعثر عليه.

(6) الوسائل، 17: 432 ح 5.

(7) سنن ابن ماجة، 2: 915 ح 2740.

(8) كتاب العين: مادة (عصب) .

40

عمرو غلام ثعلب قال: قال ثعلب: قال ابن الأعرابي: العصبة جميع الأهل من الرجال و النساء، فإنّ هذا هو المعروف المشهور في لغة العرب، و أن الكلالة ما عدا الوالدين و الولد من الأهل، فإذا كانت اللغة على ما ذكرناه فهي شاهد بضدّ ما يذهب إليه مخالفنا في العصبة، و ليس هاهنا عرف شرعي مستقرّ في هذه اللفظة؛ لأنّ الاختلاف واقع في معناها؛ لأنّ في الناس من يذهب إلى أنّ العصبة إنّما هي القرابة من جهة الأب.

و فيهم من يذهب فيها إلى أنّ المراد بها قرابة الميت من الرجال الذين اتّصلت قرابتهم به من جهة الرجال، كالأخ و العمّ دون الأخت و العمّة، و لا يجعل للرجال الذين اتّصلت قرابتهم من جهة النساء عصبة، كأخوة الميّت لأمّه و فيهم من جعل العصبة مأخوذة من التعصّب و الرايات و الديوان و النصرة، و مع هذا الاختلاف لا إجماع يستقرّ على معناها. على أنّهم يخالفون لفظ هذا الحديث الذي يروونه؛ لأنّهم يعطون الأخت مع البنت بالتعصيب و ليست برجل و لا ذكر كما تضمنه لفظ الحديث.

فإن قالوا: نخصّ هذا اللفظ إذا ورّثنا الأخت مع البنت، قلنا: ما الفرق بينكم إذا خصصتموه ببعض المواضع، و بينا إذا فعلنا في تخصيصه مثل فعلكم، فجعلناه مستعملا في من خلّف اختين لأمّ، و ابن أخ و ابنة أخ لأب، و أمّ و أخا لأب، فإنّ الأختين من الأمّ فرضهن الثلث و ما بقي فلأولى ذكر قرب و هو الأخ من الأب، و سقط ابن الأخ و بنت الأخ؛ لأنّ الأخ أقرب منهما، و في موضع آخر و هو أن يخلف الميت امرأة و عمّا و عمة و خالا و خالة و ابن أخ أو أخا، فللمرأة الربع و ما بقي فلأولى ذكر و هو الأخ و ابن الأخ و سقط الباقون، ثمّ يقال لهم: من أيّ وجه كانت الأخت مع البنت عصبة، فإن قالوا: من حيث عصبها أخوها، قلنا: فألاّ جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين و يكون أبوها هو الذي يعصبها، و إذا كان الأبن أحقّ بالتعصيب من الأب فالأب أحقّ بالتعصيب من الأخ، فأخت الأبن أحقّ بالتعصيب كثيرا من أخت الأخ.

و كذلك يلزمهم أن يجعلوا العمّة عند عدم العم عصبة في ما توجه لا نجازه‏

41

و فعله، فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها، قلنا: و الأخت أيضا لا تعقل عن أخيها فلا تجعلوها عصبة مع البنات.

فإن تعلّقوا بما رووه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأنّه أعطى الأخت مع البنت‏ (1) ، قلنا:

هذا حديث لو صح و برئ من كلّ قدح لكان مخالفا لنصّ الكتاب للقربى؛ لأنّ اللّه تعالى قال: وَ أُولُوا اَلْأَرْحََامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ََ بِبَعْضٍ فِي كِتََابِ اَللََّهِ (2) فنصّ على القربى و تداني الأرحام سبب في استحقاق الميراث و البنت أقرب من الأخت و أدنى رحما، و خبرهم الذين يعوّلون عليه في توريث الأخت مع البنت، رواه الهذيل بن شرحبيل أنّ أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك بنتا و ابنة ابن و أختا من أبيه و أمّه، فقال: لابنته النصف و ما بقي فللأخت‏ (3) .

و بخبر يرويه الأسود بن يزيد قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأعطى البنت النصف، و الأخت النصف و لم يورّث العصبة شيئا (4) .

فأمّا الخبر الأوّل فقد قدح أصحاب الحديث في روايته و ضعّفوا رجاله و قيل: إنّ هذيل بن شرحبيل مجهول ضعيف، و لو زال هذا القدح لم يكن فيه حجّة؛ لأن أبا موسى ليس في قضائه بذلك حجّة، و لأنه ما أسنده عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم.

و كذلك القول: في خبر معاذ. و ليس في قولهم أنّه كان على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حجّة؛ لأنّه قد يكون على عهده ما لا يعرفه، و لو عرفه لأنكره. و قد امتنع من توريث الأخت مع البنت من هو أقوى من معاذ، و هو أولى بأن يتبع و هو ابن عباس.

و في حديث معاذ أيضا ما يقتضي بطلان قول من يذهب إلى أنّ الأخت تأخذ بالتعصيب مع البنت؛ لأنّه قال: و لم يورث العصبة شيئا؛ لأنّها لو كانت عصبة في هذا الموضع لم يقل ذلك، بل كان يقول: و لم يورّث باقي العصبة شيئا، و ليس يجوز أن يستدلّ على أنّ الأخت لا ترث مع البنت بقوله تعالى:

____________

(1) صحيح البخاري، 8: 189.

(2) سورة الأنفال، الآية: 75.

(3) نفس المصدر، 8: 188.

(4) نفس المصدر.

42

إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهََا نِصْفُ مََا تَرَكَ (1) فشرط في توريث الأخت فقد الولد فيجب أن لا تعطي الأخت مع البنت لأنها ولد، و ذلك أنه تعالى إنما شرط في هذا الفرض المخصوص للأخت فقد الولد، و ليس ذلك بمانع من أن ترث مع فقد هذا الشرط بسبب آخر، فإنّ تعليق الحكم بشرط لا يدلّ على ارتفاعه مع فقد الشرط على ما بيّناه في كتاب أصول الفقه‏ (2) .

و يمكن أن يقال أيضا لمخالفينا في هذه المسألة أنّ الأناث لا يرثن بالتعصيب مع فقد إخوتهن على رأي من ذهب إلى التوريث بالتعصيب، ألا ترى أن البنات و بنات الابن لا يرثن بالتعصيب إذا انفردت، فلو ورثت الأخت بالتعصيب إذا انفردت لكانت بنت الابن أولى من الأخت بما فضل من فرض البنات.

و إذا كنا قد دللنا على بطلان الميراث بالعصبة فقد بطل كلّ ما بينه مخالفونا من المسائل في الفرائض على هذا الأصل، و هي كثيرة و لا حاجة بنا إلى تفصيلها و تعيين الكلام في كلّ واحد منها؛ لأنّ إبطالنا الأصل الذي تبنى عليه هذه المسائل قد أغنى و كفى.

فمن هذه المسائل أن يخلف الرجل بنتا و عمّا فعند المخالف أنّ للبنت النصف و الباقي للعمّ بالعصبة، و عندنا أنّه لا حظّ للعمّ و المال كلّه للابنة بالفرض و الردّ، و كذلك لو كان مكان العمّ ابن عمّ، و كذلك لو كان مكان البنت ابنتان، و لو خلّف الميت عمومة و عمّات، أو بني عمّ و بنات عمّ فمخالفنا يورّث الذكور من هؤلاء دون الإناث؛ لأجل التعصيب، و نحن نورّث الذكور و الإناث.

و مسائل التعصيب لا تحصى كثرة.

و حجّتنا على صحّة ما نذهب إليه في هذه المسائل كلّها ما بيّنا صحّته من إبطال التعصيب و التوريث به، فإن قيل: إذا كنتم تستدلّون على أنّ العمّات يرثن

____________

(1) سورة النساء، الآية: 176.

(2) الذريعة، 1: 406 و تقدّم أيضا في المقدّمات.

غ

43

مع العمومة، و بنات العمّ يرثن مع ابني العمّ و ما أشبه ذلك من المسائل بقوله تعالى: لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ الآية، ففي هذه الآية حجّة عليكم في موضع آخر؛ لأنّا نقول لكم: ألاّ ورّثتم العمّ أو ابن العمّ مع البنت بظاهر هذه الآية، و كيف خصّصتم النساء دون الرجال بالميراث في بعض المواضع و خالفتم ظاهر الآية، فألاّ ساغ لمخالفكم مثل ما فعلتموه، قلنا: لا خلاف في أنّ قوله تعالى: لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ الآية، أنّ المراد به مع الاستواء في القرابة و الدرج، ألا ترى أنّه لا يرث ولد الولد ذكورا كانوا أو إناثا مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة و القرابة، و إن كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال و النساء؟و إذا كانت القرابة و الدرجة مراعاتين فالعم أو ابنه لا يساوي البنت في القربى و الدرجة و هو أبعد منها كثيرا؛ و ليس كذلك العمومة و العمّات و بنات العم و بنو العم؛ لأنّ درجة هؤلاء واحدة و قرباهم متساوية، و المخالف يورّث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه، و فعله مخالف لها، و ليس كذلك قولنا في المسائل التي وقعت الإشارة إليها، و هذا واضح فليتأمل‏ (1) .

- يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمََّا تَرَكَ إِنْ كََانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوََاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ فَإِنْ كََانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهََا أَوْ دَيْنٍ آبََاؤُكُمْ وَ أَبْنََاؤُكُمْ لاََ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: 11].

[فيها أمور:

الأوّل: ]إعلم أنّه يلزم من ذهب من أصحابنا إلى أنّ أولاد البنين و البنات يرثون سهام آبائهم، مسائل سبع لا مخلص لهم منها:

من ذلك: أنّه يلزمهم أن يكون حال البنت أحسن من حال الابن، بل أحسن

____________

(1) الانتصار: 277 و راجع أيضا الناصريات: 414.

44

من حال جماعة كثيرة من البنين، كرجل خلف بنت ابن و عشرين ابنا من بنت معه، فعندهم أنّ لبنت الابن نصيب أبيها و هو الثلثان، و لبني البنت نصيب أمّهم و هو الثلث، فالبنت الواحدة أوفر نصيبا من عشرين ابنا.

و منها: أن يكون نصيب البنت يساوي نصيب الابن، حتى لو كان مكانها إبن لورث ما ترثه هي بعينه، على وجه واحد و سبب واحد. و ذلك أنّ مذهبهم أنّ بنت الابن يأخذ المال كلّه بسبب واحد؛ لأنّ لها عندهم نصيب أبيها، فلو كان مكان هذه البنت ابنا لساواها في هذا الحكم، و أخذ ما كانت تأخذه البنت على الوجه الذي تأخذه، و ليس في الشريعة انّ الابن يساوي البنت في الميراث.

فإذا عارضونا بمن خلّف بنتا و لم يخلّف غيرها، فانّها تأخذ جميع المال، و لو كان مكان ابن لجرى في ذلك مجراها.

فالجواب: أنّ الابن لا يجري مجرى البنت هنا؛ لأنّها تأخذ النصف بالتسمية و الباقي بالردّ، و الابن يأخذ المال بسبب واحد من غير تسمية و لا ردّ، و أنتم توجبون مساواة الابن للبنت في الميراث و السبب.

و منها: أنّ البنت في الشرع و بظاهر القرآن لها النصف إذا انفردت، و للبنتين الثلثان، و هم يعطون بنت الابن؛ و هي عندهم بنت المتوفّى و مستحقّة لهذه التسمية الجميعة، و كذا يقولون في بنتي ابن، فانّ لهما جميع المال من غير ردّ عليهما، و هذا بخلاف الكتاب و الاجماع.

فإن قالوا: ما جعل اللّه للبنت الواحدة النصف و للبنتين الثلثين في كلّ موضع، و إنّما جعل لهن ذلك مع الأبوين خاصة، و إذا انفردن عن الابوين لم يكن لهن ذلك.

قلنا: قد ذهب الفضل بن شاذان إلى هذا المذهب و من تابعه عليه، فرارا من مسألة العول، و نحن نبيّن فساد هذه الطريقة بعد أن نبيّن لزوم ما ألزمناهم إياه على تسليم ما اقترحوه.

فنقول: قد جعل اللّه للبنت الواحدة النصف مع الوالدين بلا خلاف منكم،

45

فخبّرونا عمّن خلّف ابنة ابن و أبوين، و مذهبكم هذا يقتضي أن للأبوين السدسين و ما بقي لبنت الابن، و هي عندكم بنت المتوفى على سبيل الحقيقة، فقد صارت البنت تأخذ مع الأبوين أكثر من النصف بسبب واحد، و جرت في ذلك مجرى الأبوين.

فأمّا القول بأنّ للبنت الواحدة النصف و للبنتين الثلثين، إنّما يختصّ باجتماع الأمرين معهن، فمن بعيد القول عن الصواب؛ لأنّ اللّه تعالى قال: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و هذه جملة مستقلة بنفسها، و ظاهر القرآن يقتضي أنّ‏ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ على كلّ حال، و مع وجود كلّ أحد و فقد كلّ أحد.

ثم عطف عليها جملة مستقلة أخرى، فقال: فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ (1) ظاهر هذه الجملة أنّ ذلك لهنّ على كلّ حال، و مع فقد كلّ أحد و وجوده، ثم عطف أخرى مستقلّة غير متعلّقة بما يليها و ما يتقدّمها، فقال: وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ و لم يجر للوالدين ذكر، فهذا يقتضي أنّ لها النصف مع كلّ أحد، إلاّ أن يمنع دليل.

ثم قال: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وََاحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمََّا تَرَكَ إِنْ كََانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوََاهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ فبيّن تعالى حكم الوالدين في الميراث مع الولد و فقده. فكيف يجوز أن يعلّق إيجاب النصف للبنت الواحدة و الثلثين للبنتين بوجود الأبوين؟و قد تقدّم ذكر حكم البنات مطلقا، و بعد الخروج عنه أتى بذكر الأبوين مشروطا. و كيف يتوهّم متأمّل ذلك و اللّه يقول: إِنْ كََانَ لَهُ وَلَدٌ فشرط في ميراث الابوين الولد. و لو كان المراد أنّ النصف للبنت و الثلثين للبنتين مع وجود الابوين، لكان اشتراط الولد لغوا لما هو موجود مذكور.

و لو صرّح تعالى بما ذكروه لكان الكلام قبيحا خارجا عن البلاغة و البيان؛ فانّه‏ (2) لو قال: و لأبويه مع البنت أو البنتين لكلّ واحد منهما السدس إن كان له

____________

(1) سورة النساء، الآية: 11.

(2) في نسخة: ألا ترى أنه.

46

ولد، لقبح ذلك و فحش، فكيف يقدر في الكلام ما لو أظهرناه لكان غير مستقيم؟.

و أجمع أهل العربية على أنّ الوقف التامّ عند قوله تعالى: وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ و لو كان المراد ما توهّموه من أنّ لها النصف مع الأبوين، لما كان ذلك وقفا تاما.

و لا خلاف بين أحد من أهل العلم و المفسّرين و أصحاب الأحكام في أنّ قوله تعالى: وَ لِأَبَوَيْهِ كلام مبتدأ مستأنف لا تعلّق له بما قبله.

فأمّا اعتذارهم عند سماع هذا الكلام، بأن اشتراط الولد إنّما حسن ليدخل فيه الذكور ما زاد على البنتين؛ لأنّه لم يمض إلاّ ذكر البنت الواحدة و البنتين، فعجيب؛ لأنّه لو أراد ما ذكروا لقال تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ -مع الابوين- فَإِنْ كُنَّ نِسََاءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ -معها- فَلَهُنَّ ثُلُثََا مََا تَرَكَ وَ إِنْ كََانَتْ وََاحِدَةً -معها- فَلَهَا اَلنِّصْفُ .

فلو أراد هذا المعنى على الترتيب الذي رتّبوه، و عني بقوله ان ذلك لهما مع البنت أو البنتين و ما زاد عليهما، و أراد أن يبيّن أنّ السدس للأبوين مع الأولاد، لكان لا يحسن أن يقول: إِنْ كََانَ لَهُ وَلَدٌ بل يقول: و إن كان له أيضا ذكور؛ لأنّه قد تقدّم ذكر البنت الواحدة و ما زاد عليها، فلا معنى لاشتراط الولد، و انفراد قوله: وَ لِأَبَوَيْهِ عن الجملة المتقدّمة، و لا يذهب على متأمّل.

و انّما فرّق بهذا التقدير الذي لا يحصل عن نقصان البنت في مسألة العول عن النصف، و ادّعوا أنّ النصف حصل لها مع الابوين لا في كل موضع.

و أحسن من ركونهم هذه المعضلة أن يقولوا: إنّ اللّه تعالى جعل لها النصف بظاهر الكلام في كلّ موضع، و في مسألة العول قام دليل على أنّ لها دون ذلك، فعلمنا أنّ اللّه تعالى لم يجعل لها النصف في هذا الموضع خاصة، و إن كان لها في سائر المواضع. و انّما أحسن أن نخصّ بدليل بعض المواضع، أو يحصل ما هو مطلق من القول مشروطا بغير دليل و لا حجّة، على وجه يسمح به الكلام و يذهب به رونقه فتزول فصاحته.

47

ثم يقال لهم: خبّرونا عمّن خلّف أولاد ابن و أولاد بنت ذكورا و إناثا، كيف تقسّمون الميراث بين هؤلاء الأولاد؟.

فإن قالوا: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ .

قلنا: فبأيّ حجّة فعلتم ذلك؟فلا وجه لهذه القسمة إلاّ قوله تعالى:

يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ إلى آخر الآية المفرع‏ (1) في ذلك.

فيقال لهم: قد سمّى اللّه تعالى أولاد الأولاد أولادا، فأيّ فرق بين أن يكون الذكور و الاناث أولاد ابن واحد أو بنت واحدة، و بين أن يكون هؤلاء الذكور و الاناث أولاد بنت و ابن في تناول الاسم لهم.

فإذا كان الاسم متناولا لهم في الحالين فيجب أن تكون القسمة في الحالين تتّفق و لا تختلف، و يعطى أولاد البنات الذكور و الاناث و أولاد البنين الذكور و الإناث «للذكر مثل حظّ الانثيين» ، فلا يخالف حكم الآية في أحد الموضعين، و تناول الآية لهما تناولا واحدا.

فإن قالوا: يلزمكم‏ (2) أن تورثوا أولاد الاولاد مع الاولاد، لتناول الاسم للجماعة.

قلنا: لو تركنا و ظاهر الآية فعلنا ذلك، لكن إجماع الشيعة، بل اجماع كلّ المسلمين منع من ذلك، فخصّصنا الظاهر و حملنا الآية على أنّ المراد يوصيكم اللّه في أولادكم بطنا بعد بطن.

فإن قالوا: فنحن أيضا نخصّص الظاهر و نحمل قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ على أنّ المراد به أولاد الصلب بغير واسطة.

قلنا: تحتاجون إلى دليل قاطع على التخصيص كما فعلنا.

فإن قالوا: أجمعت الإمامية عليه.

قلنا: و ما الدليل على ذلك؟فانّا لا نعرف هذا الاجماع، و في المسألة

____________

(1) في نسخة: المفزع.

(2) في نسخة: ليلزمكم.

48

خلاف بينهم، و أنّ أكثرهم يقول بخلاف الصواب في هذه تقليدا و تعويلا على روايات رووها أنّ كلّ من يتقرّب بغيره أخذ سهام من تقرّب به.

و هذا الخبر إنّما هو في أولاد الإخوة و الأخوات و الأعمام و العمّات و الأخوال و الخالات و بني الأعمام و الأخوال؛ لأنّهم‏ (1) لا تسمية لهم في الميراث و انّما يتقرّبون بغيرهم، فأعطوا سهام من يتقرّبون به.

و ليس كذلك أولاد الاولاد؛ لأنّ هؤلاء و إن نزلوا داخلون في اسم الولد و اسم البنين و البنات على الحقيقة ممّن هو مسمّى في الكتاب و منصوص على توريثه، فلا يحتاج في توريثه إلى ذكر قرابته، و أن يعطيه نصيب من يتقرّب به، كما لا يحتاج في توريث أولاد الصلب بلا واسطة إلى شى‏ء من ذلك.

فإن قيل: فما دليلكم على صحّة ما ذهبتم إليه من توريث أولاد الاولاد، و القسمة عليهم‏ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ* .

قلنا: دليلنا على ذلك قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و لا خلاف بين أصحابنا في أنّ ولد البنين و ولد البنات و إن سفلوا يقع عليهم هذه التسمية، و يتناولهم على سبيل الحقيقة؛ و لهذا حجبوا الأبوين عن ميراثهما إلى السدسين بولد الولد و إن هبطوا، و حجبوا الزوج عن النصف إلى الربع و الزوجة عن الربع إلى الثمن بولد الولد، فمن سمّاه اللّه تعالى ولدا في حجب الأبوين و حجب الزوجين، يجب أن يكون هو الذي سمّاه ولدا في قوله:

يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ . و كيف يخالف بين حكم الأولاد و يعطي بعضهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و البعض الآخر نصيب آبائهم الذي يختلف و يزيد و ينقص، و يقتضي تارة تفضيل الأنثى على الذكر و القليل على الكثير، و تارة المساواة بين الذكر و الأنثى.

و على أيّ شي‏ء يعوّل في الرجوع عن ظاهر كتابه تعالى؟

فأمّا مخالفونا من العامّة، فإنّهم لا يوافقونا في تسمية ولد البنت بأنّه ولد

____________

(1) في نسخة: لان هؤلاء.

49

حقيقة، و فيهم من وافق على ذلك، و وافق جميعهم على أنّ ولد الولد و إن هبط يسمّى ولدا على الحقيقة.

و قد حكي عن بعضهم أنّه كان يقول: إنّ ولد الولد إنّما يسمّون بهذه التسمية إذا لم يحضر أولاد الصلب، فإن حضروا لم يتناولهم. و هذا طريف؛ فانّ الاسم إن تناولهم لم يختلف ذلك، بأن يحضر غيرهم أو لا يحضر، و ما راعى أحد فيما يجري على المسميّات من الأسماء مثل ذلك.

و انّما أحوجهم إلى ذلك أنّهم وجدوا أولاد الابن لا يأخذون مع حضور آبائهم شيئا و يأخذون مع فقده؛ بالآية المتضمّنة للقسمة على الأولاد، فظنّوا أنّ الاسم يتناولهم في الحال التي يرثون فيها، و هو غلط منهم.

و قد أغناهم اللّه تعالى عن هذه البدعة في اخر (1) الاسم و الخروج عن المعهود فيها، بأن يقولوا: إنّ الظاهر يقتضي اشتراك الولد و ولد الولد في الميراث، لو لا أنّ الإجماع على خلاف ذلك، فتخصّصوا بالاجماع الظاهر.

و ممّا يدلّ على أنّ ولد البنين و البنات يقع عليهم اسم الولد قوله تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهََاتُكُمْ وَ بَنََاتُكُمْ وَ أَخَوََاتُكُمْ وَ عَمََّاتُكُمْ وَ خََالاََتُكُمْ وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ (2) و بالاجماع انّ بظاهر هذه الآية حرّمت بنات أولادنا، فلو لم تكن بنت البنت بنتا على الحقيقة لما دخلت تحت هذه الآية.

و تحقيق ذلك: أنّه تعالى لمّا قال: وَ أَخَوََاتُكُمْ وَ عَمََّاتُكُمْ وَ خََالاََتُكُمْ وَ بَنََاتُ اَلْأَخِ وَ بَنََاتُ اَلْأُخْتِ ذكر في المحرّمات بنات الأخ و بنات الأخت؛ لأنّهن لم يدخلن تحت اسم الأخوات، و لمّا دخل بنات البنات تحت اسم البنات، لم يحتج أن يقول: و بنات بناتكم. و هذه حجّة قوية فيما قصدناه.

و قوله تعالى: وَ حَلاََئِلُ أَبْنََائِكُمُ (3) و قوله تعالى: وَ لاََ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلى قوله: أَوْ أَبْنََائِهِنَّ أَوْ أَبْنََاءِ بُعُولَتِهِنَّ (4) لا خلاف في عموم الحكم

____________

(1) كذا و الظاهر: اجراء.

(2) سورة النساء، الآية: 23.

(3) سورة النساء، الآية: 23.

(4) سورة النور، الآية: 31.

50

لجميع أولاد الأولاد من ذكور و أناث؛ و لأنّ الاجماع واقع على تسمية الحسن و الحسين عليهما السّلام بأنّهما أبناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و أنّهما يفضّلان بذلك و يمدحان، و لا فضيلة و لا مدح في وصف مجاز مستعار، فثبت أنّه حقيقة.

و قد روى أصحاب السير كلّهم أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا أمر ابنه محمد ابن الحنفية و كان صاحب رايته يوم الجمل في ذلك اليوم، فقال له:

أطعن بها طعن أبيك تحمد # لا خير في الحرب إذا لم يوقد

بالمشرفي و القنا المسدّد # [و الضرب بالخطى و المهند (1) ]

فحمل رضي اللّه عنه و أبلى جهده، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: أنت ابني حقا، و هذان ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، يعني الحسن و الحسين عليهما السّلام‏ (2) ، فأجرى عليهما هذه التسمية مادحا لهم و مفضّلا، و المدح لا يكون بالمجاز و الاستعارة.

و لم تزل العرب في الجاهلية تنسب الولد إلى جدّه، إمّا في موضع مدح أو ذمّ، و لا يتناكرون ذلك و لا يحتشمون منه؛ و قد كان يقال للصادق عليه السّلام أبدا أنت ابن الصديق؛ لأنّ أمه بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر.

و لا خلاف أنّ عيسى عليه السّلام من بني آدم و ولده، و انّما ينتسب إليه بالأمومة دون الأبوة.

فإن قيل: اسم الولد يجري على ولد البنات مجازا، و ليس كلّ شي‏ء استعمل في غيره يكون حقيقة له.

قلنا: الظاهر من الاستعمال الحقيقة، و على من ادعى المجاز الدلالة و قد بيّنا في غير موضع أنّ الاصل الحقيقة، و المجاز طار داخل في الاستعمال محمول على الأصول، إلاّ أن ينقل دلالة قاهرة.

فان قالوا: لو حلف‏ (3) من لا ولد له و له ولد بنت، أنّه لا ولد له لم يحنث.

____________

(1) بحار الأنوار، 32: 175.

(2) انظر بحار الأنوار، 43: 106.

(3) ورد الزيادة في الهامش بعلامة خ ل هكذا[رجل بالطلاق أو باللّه تعالى أنّه لا ولد له و له ولد بنت لما كان حانثا. قلنا: يكون عندنا حانثا إذا أطلق القول، و انّما لا يكون حانثا إذا نوى ما يخرجه عن الحنث‏].

غ

51

قلنا: بل يحنث مع الاطلاق، و انّما لا يحنث إذا نوى ما يخرجه عن الحنث.

و قد ناقض الفضل بن شاذان في مذهبه و قال في كتابه في الفرائض: في رجل خلف بنت ابن و ابن بنت أنّ لبنت الابن الثلثين نصيب أبيها، و لابن البنت الثلث نصيب أمه في ولد الولد نصيب من يتقرّب به و أعطاه ذلك.

ثمّ قال في هذا الكتاب: في بنت ابن و ابن ابن أنّ المال بينهما لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ . و هذه مناقضة لما قرّره؛ لأنّ بنت الابن تتقرّب بأبيها و ابن الابن يتقرّب أيضا بأبيه، فيجب أن يتساويا في النصيب، فكيف جعل هاهنا للذكر مثل حظّ الأنثيين، مع أنّ كلّ واحد يتقرّب بغيره، فله على مذهبه نصيب من يتقرّب به، و إلاّ فعل مثل ذلك في بنت ابن و ابن بنت و جعل‏ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ .

و من العجب أنّه قال في كتابه ما هذه حكاية لفظه: فإن ترك ابن بنت و ابنة ابن و أبوين، فللأبوين السدسان، و ما بقي فلابنة الابن حقّ أبيها الثلثان، و لابن البنت حقّ أمه الثلث؛ لأنّ ولد الابنة ولد كما أنّ ولد الابن ولد.

و هذا التعليل ينقض الفتوى؛ لأنّه إذا كان ولد البنت ولدا، كما أنّ ولد الابن كذلك، فيجب أن يكون المال بينهما لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ ، لظاهر يُوصِيكُمُ اَللََّهُ و كيف أعطى الأنثى ضعف ما أعطى الذكر.

و قد وافق الحقّ مذهب ابن شاذان في بعض المسائل من هذا الباب و إن خالف في التعليل، مثل من خلف بنت بنت و ابن ابن، فانّه يعطى البنت نصيب أمّها و هو الثلث، و يعطى الابن نصيب أبيه و هو الثلثان، و هكذا نعطيهما نحن؛ لأنّا ننزّلهما منزلة ابن ابن و بنت بلا واسطة لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ (1) .

[الثاني: ]و ممّا انفردت به الإمامية القول: بأن الولد الذكر الأكبر يفضل دون سائر الورثة بسيف أبيه و خاتمه و مصحفه، و باقي الفقهاء يخالفون في ذلك، و الذي يقوى في نفسي أن التفضيل للأكبر من الذكور بما ذكر إنّما هو بأن يخصّ بتسليمه إليه و تحصيله في يده دون باقي الورثة و إن احتسب بقيمته عليه، و هذا

____________

(1) الرسائل، 3: 257.

52

على كلّ حال انفراد من الفقهاء لأنهم لا يوجبون ذلك و لا يستحبونه و إن كانت القيمة محسوبة عليه. و إنّما قوينا ما بيّنا و إن لم يصرّح به أصحابنا؛ لأن اللّه تعالى يقول: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ ، و هذا الظاهر يقتضي مشاركة الأنثى للذكر في جميع ما يخلفه الميت من سيف و مصحف و غيرهما.

و كذلك ظاهر آيات ميراث الأبوين و الزوجين يقتضي أن لهم السهام المذكورة في جميع تركة الميت، فإذا اختصصنا الذكر الأكبر بشي‏ء من ذلك من غير احتساب بقيمته عليه تركنا هذه الظواهر. و أصحابنا لم يجمعوا على أن الذكر الأكبر يفضل بهذه الأشياء من غير احتساب بالقيمة، و إنّما عوّلوا على أخبار (1) رووها تتضمن تخصيص الأكبر بما ذكرناه من غير تصريح باحتساب عليه أو بقيمته، و إذا خصصناه بذلك اتباعا لهذه الأخبار و احتسبنا بالقيمة عليه فقد سلمت ظواهر الكتاب مع العمل بما أجمعت عليه الطائفة من التخصيص له بهذه الأشياء فذلك أولى، و وجه تخصيصه بذلك مع الاحتساب بقيمته عليه أنه القائم مقام أبيه و السّاد مسدّه فهو أحقّ بهذه الأمور من النسوان و الأصاغر للرتبة و الجاه‏ (2) .

[الثالث: ]و ممّا انفردت به الإمامية: عن أقوال باقي الفقهاء في هذه الأزمان القريبة و إن كان لها موافق متقدّم الزمان القول: بأن المسلم يرث الكافر و إن لم يرث الكافر المسلم، و قد روى الفقهاء في كتبهم موافقة الإمامية على هذا المذهب عن سيدنا زين العابدين علي بن الحسين عليه السّلام و محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه و عن مسروق و عبد اللّه بن معقل المزني و سعيد بن المسيب و يحيى بن نعمى و معاذ بن جبل و معاوية بن أبي سفيان‏ (3) ، و خالف باقي الفقهاء في ذلك، و ذهبوا إلى أن كلّ واحد من المسلم و الكافر لا يرث صاحبه‏ (4) ، دليلنا بعد إجماع الطائفة المتردّد جميع ظواهر آيات المواريث؛ لأن قوله تعالى:

____________

(1) الوسائل، 17: 439.

(2) الانتصار: 299.

(3) المغني (لابن قدامة) ، 7: 166 و المحلى، 9: 304.

(4) البحر الزخّار، 6: 367.

53

يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ يعم الكافر و المسلم، و كذلك آية ميراث الأزواج و الزوجات و الكلالة و ظواهر هذه الآيات كلّها تقتضي أن الكافر كالمسلم في الميراث، فلما أجمعت الأمّة على أن الكافر لا يرث المسلم أخرجناه بهذا الدليل الموجب للعلم و نفي ميراث المسلم للكافر تحت الظاهر كميراث المسلم للمسلم.

و لا يجوز أن نرجع عن هذا الظاهر بأخبار الآحاد التي يروونها؛ لأنها توجب الظن و لا نخص بها و لا يرجع عما يوجب العلم من ظواهر الكتاب و لأن أكثرها مطعون على رواته مقدوح فيهم، و لأنها معارضة بأخبار كثيرة يرويها أيضا مخالفونا، و توجد في كتبهم، و لأن أكثرها له تأويل يوافق مذهبنا... و ربما عول بعض المخالفين لنا في هذه المسألة على أن المواريث بنيت على النصرة و الموالاة، بدلالة قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهََاجِرُوا مََا لَكُمْ مِنْ وَلاََيَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حَتََّى يُهََاجِرُوا (1) فقطع بذلك الميراث بين المسلم المهاجر و بين المسلم الذي لا يهاجر إلى أن نسخ ذلك بانقطاع الهجرة بعد الفتح، و كذلك يرث الذكور من العصبة دون الإناث لنفي العقل و النصرة عن النساء، و كذلك لا يرث القاتل و لا العبد لنفي النصرة. و هذا ضعيف جدا؛ لأنّا لا نسلم أن المواريث بنيت على النصرة و المعونة؛ لأن النساء يرثن و الأطفال و لا نصرة هاهنا، و علّة ثبوت المواريث غير معلومة على التفصيل، و إن كنّا نعلم على سبيل الجملة أنها للمصلحة، و بعد فإن النصرة مبذولة من المسلم للكافر في الواجب و على الحق كما أنها مبذولة للمسلم بهذا الشرط (2) .

[الرابع: قال الناصر رحمه اللّه: ] «نحن نرث المشركين و نحجبهم» .

هذا صحيح، و إليه يذهب أصحابنا، و روى القول بمثل مذهبنا عن معاوية ابن أبي سفيان و معاذ، و محمّد بن الحنفية و مسروق و عبد اللّه بن معقل المزني و سعيد بن المسيب‏ (3) .

____________

(1) سورة الأنفال، الآية: 72.

(2) الانتصار: 302.

(3) المجموع، 16: 58.

54

و خالف باقي الفقهاء في ذلك و قالوا: إنّ المسلم لا يرث الكافر، و الكافر لا يرث المسلم‏ (1) .

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه: الإجماع المتردّد، و ظاهر آيات المواريث في الكتاب؛ لأنه تعالى قال: يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ و لم يخص مؤمنا من كافر.

و باقي الآيات علّقت المواريث فيها بالأنساب أو الزوجية، و عمّت المؤمن و الكافر.

و أيضا ما رواه أبو الأسود الدؤلي: أنّ رجلا حدّثه أنّ معاذا قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول: «الإسلام يزيد و لا ينقص» (2) فورّث معاذ المسلم، و ورثه معاوية بن أبي سفيان و قال: كما لا يحل لنا النكاح منهم و لا يحلّ لهم منا، فكذلك نرثهم و لا يرثونا.

فإن تعلّق المخالف بما روي عنه عليه السّلام من قوله: «لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم» (3) .

و بخبر آخر: «لا يتوارث أهل ملّتين» (4) .

فالجواب عن ذلك: أن الخبر الأول إذا صحّ فظاهر القرآن يدفعه، و أخبار الآحاد لا يخصّ بها القرآن، و لو ساغ العمل بها في الشريعة.

ثمّ يجوز أن يكون المراد به: أنّ مظهر الإسلام الذي لا يبطنه لا يرث الكافر، و قد سمّى اللّه تعالى مظهر الشي‏ء باسم مبطنه، قال اللّه تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (5) لا خلاف بين المسلمين في أن المراد بذلك مظهر الإيمان.

فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يورّث مظهر الإسلام الكافر.

قلنا: الخبر إنّما يدلّ على حظر أن يرث مظهر الإسلام-من غير إبطانه له-

____________

(1) المجموع، 16: 58.

(2) سنن البيهقي، 6: 205.

(3) صحيح البخاري، 8: 563/1612.

(4) سنن ابن ماجة، 2: 912/2731.

(5) سورة النساء، الآية: 92.