نفائس التأويل - ج3

- السيد المرتضى المزيد...
519 /
5

المجلد الثالث‏

سورة ابراهيم‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: 4].

أنظر البقرة: 8 من الذخيرة: 536.

- أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عََادٍ وَ ثَمُودَ وَ اَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاََ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللََّهُ جََاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ [إبراهيم: 9].

[إن سأل سائل‏]فقال: أيّ معنى لردّ الأيدي في الأفواه؟و أيّ مدخل لذلك في التكذيب بالرسل عليهم السّلام؟

الجواب: قلنا في ذلك وجوه:

أوّلها: أن يكون إخبارا عن القوم بأنّهم ردّوا أيديهم في أفواههم، عاضّين عليها غيظا و حنقا على الأنبياء، كما يفعل المتوعّد لغيره، المبالغ في معاندته و مكايدته؛ و هذه عادة معروفة في المغيظ المحنق أنّه يعضّ على أصابعه، و يفرك أنامله، و يضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ و ما شاكل ذلك من الأفعال.

و ثانيها: أن تكون الهاء في الأيدي للكفّار المكذّبين، و الهاء التي في الأفواه للرسل عليهم السّلام؛ فكأنّهم لمّا سمعوا وعظ الرسل و دعاءهم و إنذارهم أشارو بأيديهم إلى أفواه الرسل، مانعين لهم عن الكلام كما يفعل المسكّت منّا لصاحبه، الرّادّ لقوله.

و ثالثها: أن تكون الهاء في الأيدي و التي في الأفواه معا للرسل؛ و المعنى أنّهم كانوا يأخذون أيدي الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتوهم، و يقطعوا كلامهم.

6

و رابعها: أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفّار لا إلى الرسل؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم و إنذارهم وضعوا أيدي أنفسهم على أفواههم؛ مشيرين إليهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام و الإمساك عنه؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكت غيره، و منعه عن الكلام، من وضع إصبعه على في نفسه.

و خامسها: أن يكون المعنى: فردّوا القول بأيدي أنفسهم إلى أفواه الرّسل، أي أنّهم كذّبوهم، و لم يصغوا إلى أقوالهم، فالهاء الأولى للقوم، و الثانية للرسل؛ و الأيدي إنّما ذكرت مثلا و تأكيدا؛ كما يقول القائل: أهلك فلان نفسه بيده، أي وقع الهلاك به من جهته، لا من جهة غيره.

و سادسها: أنّ المراد بالأيدي النعم و «في» محمولة على الباء، و الهاء الثانية للقوم المكذّبين و التي قبلها للرّسل، و التقدير: فردّوا بأفواههم نعم الرّسل؛ أي ردّوا وعظهم و إنذارهم و تنبيههم على مصالحهم الذي لو قبلوه لكان نعما عليهم.

و يجوز أيضا أن تكون الهاء التي في الأيدي للقوم الكفّار، لأنّها نعم من اللّه تعالى عليهم، فيجوز إضافتها إليهم و حمل لفظة «في» على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض؛ يقولون: رضيت عنك، و رضيت عليك و حكي في لغة طي‏ء: أدخلك اللّه بالجنة، يريدون في الجنة، فيعبّرون بالباء عن معنى «في» كذلك أيضا يصحّ أن يعبّروا بفي عن الباء؛ قال الشاعر:

و أرغب فيها عن لقيط و رهطه # و لكنّني عن سنبس لست أرغب‏

أراد: و أرغب بها فحمل «في» علي الباء.

و سابعها: و هو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر، و زعم أنّه أولى من غيره- قال: المضمرون في قوله: أَيْدِيَهُمْ الرسل، و كذلك المضمرون في «أفواههم» ، و المراد باليد هاهنا ما نطق به الرسل من الحجج و البيّنات التي ذكر اللّه تعالى أنّهم جاؤوا بها قومهم؛ و اليد في كلام العرب قد تقع على النعمة و على السلطان أيضا، و على الملك، و على العهد و العقد؛ و لكلّ ذلك شاهد من كلامهم؛ و الذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجّة و السلطان، و هو النعمة، و هو

7

العهد، و كلّ ذلك يقع على اسم اليد. و لمّا كان ما يعظ به الأنبياء قومهم و ينذرونهم به إنّما يخرج من أفواههم، فردّوه و كذّبوه قيل: إنّهم ردّوا أيديهم في أفواههم، أي إنّهم ردّوا القول من حيث جاء. قال: و لا يجوز أن يكون الضمير في ذلك للمرسل إليهم كما تأوّله بعض المفسّرين، و ذكر أنّ معناه أنّهم عضّوا عليهم أناملهم غيظا؛ لأنّ رافع يده إلى فيه، و العاضّ عليها لا يسمّ رادّا ليده إلى فيه، إلاّ إذا كانت يده في فيه فيخرجها ثمّ يردّها» .

[أقول‏]: و ليس ما استنكره أبو مسلم من ردّ الأيدي إلى الأفواه بمستنكر و لا بعيد، لأنّه قد يقال: ردّ يده إلى فيه، و إلى وجهه، و عاد فلان يقول كذا، و رجع يفعل كذا؛ و إن لم يتقدّم ذلك الفعل منه. و لو لم يسغ هذا القول تحقيقا، لساغ تجوّزا و اتّساعا؛ و ليس يجب أن تؤخذ العرب بالتحقيق في كلامها؛ فإن تجوّزها و استعاراتها أكثر، على أنّه يمكن أن يكون المراد بذلك أنّهم فعلوا ذلك الفعل شيئا بعد شي‏ء، و تكرّر منهم، فلهذا جاز أن يقول: ردّوا أيديهم في أفواههم، لأنّه قد تقدّم منهم مثل هذا الفعل، فلمّا تكرّر جازت العبارة عنه بالرّد، و هذا يبطل استضعافه للجواب إذا صرنا إلى مراده‏ (1) .

- قََالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: 11].

أنظر يونس: 94 من الأمالي، 2: 317.

- وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ لَمََّا قُضِيَ اَلْأَمْرُ إِنَّ اَللََّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاََ تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ... [إبراهيم: 22].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا [إبراهيم: 25].

و ممّا يجوز أن يظن انفراد الإمامية به، أنّ من حلف أن لا يكلّم زيدا حينا وقع على ستة أشهر، و قد وافق الإمامية أبو حنيفة في ذلك‏ (2) ، و الشافعي يذهب

____________

(1) الأمالي، 1: 352.

(2) الفتاوى الهندية، 2: 105.

8

إلى أنّ الحين يقع على الأبد (1) ، و قال مالك: الحين سنة واحدة (2) ، و الذي يجب تحقيقه: أنّ هذا القائل إذا كان عني بالحين زمانا بعينه فهو على ما نواه، و إن أطلق القول عاريا من نيّة كان عليه ستة أشهر.

دليلنا على صحة مذهبنا الاجماع المتردد، و إذا كان إسم الحين يقع على أشياء مختلفة فيقع على الزمان، كما في قوله تعالى: فَسُبْحََانَ اَللََّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ (3) و إنّما أراد زمان الصباح و المساء كلّه، و رأيت بعض متقدّمي أصحاب أبي حنيفة (4) يحمل هذه الآية على أنّ المراد بها ساعة واحدة، فكأنّه قال: سبحانه ساعة تمسون و ساعة تصبحون، و هذا غلط فاحش منه لا يخفى، و مما يقع عليه أيضا إسم الحين أربعون سنة، قال اللّه تعالى: هَلْ أَتى‏ََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ (5) ، فذكر المفسّرون‏ (6) أنّه تعالى أراد أربعين سنة، و يقع أيضا إسم الحين على وقت مبهم، قال اللّه تعالى: فَمَتَّعْنََاهُمْ إِلى‏ََ حِينٍ (7) ، و يقع على ستة أشهر، قال اللّه تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا .

و روي عن ابن عباس أنّ المراد بذلك ستة أشهر (8) ، و قال غير ابن عباس سنة (9) ، و مع اشتراك اللفظ لا بدّ من دلالة في حمله على البعض، و لمّا نقلت الإمامية عن أئمتهم أنّه ستة أشهر، و أجمعوا عليه كان ذلك حجّة في حمله على ما ذكرناه، و أبو حنيفة مع إعترافه باحتمال اللفظ للمعاني المختلفة كيف حمله على ستة أشهر بغير دليل مرجح؟و اللفظ يحتمل ذلك و يحتمل غيره، و كذلك مالك، و أمّا الشافعي فهو أعذر منهما؛ لأنّه لمّا رأى الاشتراك حمله على التأبيد (10) .

- وَ جَعَلُوا لِلََّهِ أَنْدََاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ [إبراهيم: 30].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

____________

(1) المغني (لابن قدامة) ، 11: 302.

(2) نفس المصدر.

(3) سورة الروم: الآية، 17.

(4) أحكام القرآن، 3: 192.

(5) سورة الإنسان، الآية: 1.

(6) أحكام القرآن (للجصّاص) ، 3: 182.

(7) سورة الصافات، الآية: 148.

(8) نفس المصدر، 3: 183.

(9) نفس المصدر، 3: 183.

(10) الانتصار: 160.

9

- وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا... [إبراهيم: 34].

أنظر المائدة: 60 من الأمالي، 2: 161.

- وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ [إبراهيم: 35].

إذا كان من مذهبكم انّ دعاء الأنبياء عليه السّلام لا يكون إلاّ مستجابا، و قد دعا إبراهيم عليه السّلام ربّه فقال: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ . و قد عبد كثير من بنيه الأصنام و كذلك السؤال عليكم في قوله: رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي (1) .

الجواب: قيل له أمّا المفسرون فإنّهم حملوا هذا الدعاء على الخصوص و جعلوه متناولا لمن أعلمه اللّه تعالى أنّه يؤمن و لا يعبد الأصنام حتّى يكون الدعاء مستجابا، و بيّنوا أن العدول عن ظاهره المقتضي للعموم إلى الخصوص بالدلالة واجب، و هذا الجواب صحيح.

و يمكن في الآية وجه آخر: و هو أن يريد بقوله: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ أي افعل بي و بهم من الألطاف ما يباعدنا عن عبادة الاصنام و يصرف دواعينا عنها. و قد يقال فيمن حذر من الشي‏ء و رغب في تركه و قويت صوارفه عن فعله: إنّه قد جنبه. ألا ترى أنّ الوالد قد يقول لولده إذا كان قد حذّره من بعض الأفعال و بيّن له قبحه و ما فيه من الضرر، و زيّن له تركه و كشف له عما فيه من النفع: انّني قد جنّبتك كذا و كذا و منعتك منه، و إنّما يريد ما ذكرناه.

و ليس لأحد أن يقول: كيف يدعوا إبراهيم عليه السّلام بذلك و هو يعلم أنّ اللّه تعالى لا بدّ أن يفعل هذا اللطف المقوّي لدواعي الإيمان؛ لأنّ هذا السؤال أوّلا يتوجّه على الجوابين جميعا؛ لأنّه تعالى لا بدّ أن يفعل هذا للّطف الّذي يقع الطاعة عنده لا محالة، كما لا بدّ أنّ يفعل ما يقوّي الدواعي إلى الطاعات.

و الجواب عن هذه الشبهة: أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يمتنع أن يدعو بما يعلم أن اللّه

____________

(1) سورة إبراهيم، الآية: 40.

10

تعالى سيفعله على كلّ حال، على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى و التذلّل له و التعبّد. فأمّا قوله: رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي فالشبهة تقلّ فيه؛ لأنّ ظاهر الكلام يقتضي الخصوص في ذرّيّته الكثير ممن أقام الصلاة (1) .

- رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ اَلصَّلاََةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنََا وَ تَقَبَّلْ دُعََاءِ [إبراهيم: 40].

أنظر إبراهيم: 35 من التنزيه: 58.

- رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْحِسََابُ [إبراهيم: 41].

قال اللّه تعالى مخبرا عن إبراهيم عليه السّلام أنّه قال: رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ و الذي أخبرنا اللّه تعالى أنّه وعد أباه بالاستغفار دون أمّه، فقال: إِلاََّ قَوْلَ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ (2) و قال: سَلاََمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي (3) و قال: مََا كََانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ (4) .

فما وجه استغفاره لوالديه؟و هل لأحد أن يقرأ: «رب اغفر لي و لوالدي» بياء ساكنة غير مشدودة؟فيكون ذلك موافقا لقوله: وَ اِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كََانَ مِنَ اَلضََّالِّينَ (5) و محقّقا لما وعده به من الاستغفار؟.

الجواب: إعلم أنّا قد بيّنا في كتابنا الموسوم بـ «تنزيه الأنبياء و الأئمة» القول في استغفار إبراهيم عليه السّلام لأبيه، بسطناه و شرحناه و فرعناه، فمن أراد النهاية وقف عليه من هناك‏ (6) .

و في قوله: رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَ لِوََالِدَيَّ وجهان:

أحدهما: أنّ عند الشيعة الإمامية أنّ الاب الكافر الذي وعده إبراهيم عليه السّلام بالاستغفار لما وعده ذلك بالإيمان، إنّما كان جدّه لأمّه، و لم يكن والده على الحقيقة، و أنّ والده كان مؤمنا. و يجوز أن يكون الأمّ أيضا مؤمنة كوالده، و يجعل دعاء إبراهيم عليه السّلام لها بالمغفرة دليلا على إيمانها.

____________

(1) تنزيه الأنبياء و الأئمّة: 58.

(2) سورة الممتحنة، الآية: 4.

(3) سورة مريم، الآية: 47.

(4) سورة التوبة، الآية: 113.

(5) سورة الشعراء، الآية: 86.

(6) تقدّم في سورة التوبة، الآية: 114.

11

و الوجه الاحسن: أنّا لا نجعل ذلك دعاء لنفسه، بل تعليما لنا كيف ندعوا لنفوسنا و للوالدين المؤمنين منّا، كما تعبّد اللّه نبينا صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأن يقول: رَبَّنََا لاََ تُؤََاخِذْنََا إِنْ نَسِينََا أَوْ أَخْطَأْنََا (1) و هو عليه السّلام لا يخطى‏ء للعصمة و انّما قال ذلك تعليما لنا.

فأمّا القراءة بتسكين الياء، فان كانت مروية و قد روي بها جازت‏ (2) ، و إلاّ فالإبداع غير جائز (3) .

- يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ... [إبراهيم: 48].

أنظر هود: 106، 108 من الأمالي، 2: 77.

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 286.

(2) في هامش النسخة: و قد قرى‏ء بها جازت القراءة بالتخفيف.

(3) الرسائل، 3: 85.

12

سورة الحجر

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ [الحجر: 9]

أنظر الأنبياء: 2 من الملخص، 2: 423 و المائدة: 55 من الشافي، 1:

217 و التوبة: 40 من الشافي، 4: 25.

- وَ اَلْأَرْضَ مَدَدْنََاهََا وَ أَلْقَيْنََا فِيهََا رَوََاسِيَ وَ أَنْبَتْنََا فِيهََا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ [الحجر:

19].

[قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهانيّ في هذه الآية]: إنّما خصّ الموزون دون المكيل بالذّكر لوجهين:

أحدهما: أنّ غاية المكيل تنتهي إلى الوزن لأنّ سائر المكيلات إذا صارت طعاما دخلت في باب الوزن و خرجت عن باب الكيل؛ فكأنّ الوزن أعمّ من الكيل.

و الوجه الآخر: أنّ في الوزن معنى الكيل؛ لأنّ الوزن هو طلب مساواة الشي‏ء بالشي‏ء و مقايسته إليه، و تعديله به؛ و هذا المعنى ثابت في الكيل، فخصّ الوزن بالذّكر لاشتماله على معنى الكيل.

هذا قول أبي مسلم، و وجه الآية و ما يشهد له ظاهر لفظها غير ما سلكه أبو مسلم، و إنّما أراد اللّه تعالى بالموزون المقدّر الواقع بحسب الحاجة؛ فلا يكون ناقصا عنها، و لا زائدا عليها زيادة مضرّة أو داخلة في باب العبث. و نظير ذلك من كلامهم قولهم: كلام فلان موزون، و أفعاله مقدّرة موزونة؛ و إنّما يراد ما أشرنا إليه، و على هذا المعنى تأوّل المفسرون ذكر الموازين في القرآن على أحد

13

التأويلين، و أنها التعديل و المواساة بين الثّواب و العقاب، قال الشاعر (1) :

لها بشر مثل الحرير و منطق # رخيم الحواشي لا هراء و لا نزر

و الهراء: الكثير، و النزر: القليل؛ و كأنّه قال: إنّ حديثها لا يقلّ عن الحاجة و لا يزيد عليها؛ و هذا يجري مجرى أن تقول: هو موزون. و قال مالك بن أسماء بن خارجة الفزاريّ:

و حديث ألذّه هو ممّا # ينعت الناعتون يوزن وزنا (2)

منطق صائب و تلحن أحيا # نا و خير الحديث ما كان لحنا

و هذا الوجه الذي ذكرناه أشبه بمراد اللّه تعالى في الآية، و أليق بفصاحة القرآن و بلاغته الموفيتين على فصاحة سائر الفصحاء و بلاغتهم؛ فأمّا قول الشاعر الذي استشهدنا بشعره: «و تلحن أحيانا» فلم يرد اللّحن في الإعراب الذي هو ضد الصواب؛ و إنّما أراد الكناية عن الشي‏ء و التعريض بذكره و العدول عن الإفصاح عنه؛ على معنى قوله تعالى: وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ (3) ، و قول الشاعر (4) :

و لقد وحيت لكم لكيما تفطنوا # و لحنت لحنا ليس بالمرتاب‏

و قد قيل: إنّ اللحن الذي عني به في البيت هو الفطنة و سرعة الفهم؛ على ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنه قال: «لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته» أي أفطن لها، و أغوص عليها.

و مما يشهد بما ذكرناه ما أخبرنا به أبو عبيد اللّه محمد بن عمران بن موسى المرزبانيّ قال حدثنا أحمد بن عبد اللّه العسكريّ قال حدثنا العنزيّ قال حدثنا

____________

(1) و هو ذو الرمة و البيت في ديوانه: 212.

(2) في حاشية بعض النسخ حديث معطوف على كلام قبله؛ أي لها وجه، و لها حياء، و لها حديث، أو مثل ذلك و قوله: «ألذه» ، أي استلذه؛ يقال: لذذت به و لذذته، و قوله: «مما ينعت الناعتون» ، أي مما ينعته الناعتون. و قوله: «مما يوزن وزنا» ، أي موزونا، فهو في موضع الحال.

(3) سورة محمّد، الآية: 30.

(4) هو القتال الكلابي؛ و البيت في (الأمالي: 1/5، و اللسان-لحن) ، و قبله:

هل من معاشر غيركم أدعوهم # فلقد سئمت دعاء يا لكلاب!

14

علي بن إسماعيل اليزيديّ قال أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: تكلّمت هند بنت أسماء بن خارجة فلحنت، و هي عند الحجاج، فقال لها: أتلحنين و أنت شريفة في بيت قيس؟!فقالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصارية؟قال:

و ما هو؟قالت: قال:

منطق صائب و تلحن أحيا # نا و خير الحديث ما كان لحنا

فقال لها الحجاج: إنّما عنى أخوك اللحن في القول؛ إذا كنّى المحدّث عمّا يريد، و لم يعن اللحن في العربية، فأصلحي لسانك.

و قد ظنّ عمرو بن بحر الجاحظ مثل هذا بعينه و قال: إن اللّحن مستحسن من النساء الغرائر (1) و ليس بمستحبّ منهن كلّ الصواب و التشبّه بفحول الرجال، و استشهد بأبيات مالك بعينها، و ظنّ أنّه أراد باللحن ما يخالف الصواب. و تبعه على هذا الغلط عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ، فذكر في كتابه المعروف بعيون الأخبار أبيات الفزاريّ، و اعتذر بها من لحن أصيب في كتابه.

[أقول‏]: و أخبرنا المرزبانيّ قال أخبرني محمّد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني يحيى بن علي المنجّم قال حدّثني أبي قال: قلت للجاحظ: مثلك في عقلك و علمك بالأدب ينشد قول الفزاريّ و يفسّره علي أنّه أراد اللحن في الإعراب!و إنّما أراد وصفها بالظّرف و الفطنة و أنها تورّي بما قصدت له و تتنكّب التصريح به، فقال له: قد فطنت لذلك بعد، قلت: فغيّره من كتابك، فقال:

كيف بما سارت به الركبان!قال الصّوليّ: فهو في كتابه على خطئه‏ (2) .

- فَسَجَدَ اَلْمَلاََئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) `إِلاََّ إِبْلِيسَ أَبى‏ََ أَنْ يَكُونَ مَعَ اَلسََّاجِدِينَ (31) [الحجر: 30-31]

أنظر المقدّمة الثانية، الأمر السادس.

- فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) `عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93].

____________

(1) حاشية بعض النسخ: جمع غريزة؛ و هي التي لم تجرب الأمور.

(2) الأمالي، 1: 40.

15

قال الجاحظ: نازع رجل عمرو بن عبيد في القدر فقال له عمرو: إنّ اللّه تعالى قال في كتابه ما يزيل الشّكّ عن قلوب المؤمنين في القضاء و القدر قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) `عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ (1) ، و لم يقل: لنسألنّهم عمّا قضيت عليهم أو قدرته فيهم، أو أردته منهم، أو شئته لهم؛ و ليس بعد هذا الأمر إلاّ الإقرار بالعدل أو السكوت عن الجور الذي لا يجوز على اللّه تعالى‏ (2) .

- وَ اُعْبُدْ رَبَّكَ حَتََّى يَأْتِيَكَ اَلْيَقِينُ [الحجر: 99].

أنظر المجادلة: 3 من الناصريات: 356.

____________

(1) سورة الحجر، الآيتان: 92، 93.

(2) الأمالي، 1: 187.

16

سورة النّحل‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً [النحل: 8].

و ممّا انفردت به الإمامية-و إن كان الفقهاء رووا عن ابن عباس رحمه اللّه‏ (1) موافقتها في ذلك-تحليل لحوم الحمر الأهلية، و حرّمها سائر الفقهاء (2) و انتهوا في ذلك إلى أنّ ابن أبي القسم روى عن مالك أنّ الحمار الوحشي إذا استأنس فصار يعمل عليه، كما يعمل على الحمار الأهلي، فانه لا يؤكل‏ (3) ، و إن خالف مالك سائر الفقهاء في ذلك.

دليلنا-بعد الاجماع المتردد-أنّ الأصل فيما فيه منفعة و لا مضرّة فيه الاباحة، و لحوم الحمر الأهلية بهذه الصفة، فان ادّعوا مضرّة آجلة من حيث الحظر لها و النهي عنها، فانهم يفزعون إلى أخبار آحاد ليست حجة في مثل هذا، و هي معارضة بأمثالها.

و يمكن أيضا أن يستدلّ على ذلك بقوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية (4) .

فإن إحتجوا عليه بقوله تعالى: وَ اَلْخَيْلَ وَ اَلْبِغََالَ وَ اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهََا وَ زِينَةً ، و أنّه تعالى أخبر أنّها للركوب و الزينة، لا للأكل. قلنا لهم: قوله تعالى: أنّها للركوب و الزينة لا يمنع أن يكون لغير ذلك، ألا ترى إلى قول القائل: قد أعطيتك هذا الثوب لتلبسه لا يمنع من جواز بيعه له، وهبته، و الانتفاع به من

____________

(1) المحلى، 7: 407.

(2) المغني (لابن قدامة) ، 11: 65.

(3) المدونة الكبرى، 2: 64.

(4) سورة الأنعام، الآية: 145.

17

وجوه شتّى؛ و لأنّ المقصود بالخيل و الحمير الركوب و الزينة، و ليس أكل لحومها مقصودا فيها، ثمّ انّه لا يمنع من الحمل على الحمير و الخيل، و إن لم يذكر الحمل و إنّما خصّ الركوب و الزينة بالذكر.

و أكثر الفقهاء (1) يجيزون أكل لحوم الخيل، و لم يمنع تضمّن الآية ذكر الركوب و الزينة خاصّة، من أكل لحوم الخيل، و كذلك الحمير... (2) .

- وَ لَوْ شََاءَ لَهَدََاكُمْ أَجْمَعِينَ [النحل: 9].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل: 10].

[إن سأل سائل‏]فقال: إذا كان الشجر ليس ببعض للماء كان كما الشراب بعضا له؛ فكيف جاز أن يقول: وَ مِنْهُ شَجَرٌ بعد قوله: مِنْهُ شَرََابٌ ؟و ما معني‏ تُسِيمُونَ ؟و هل الفائدة في هذه اللفظة هي الفائدة في قوله: وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ (3) ، و قوله: وَ أَمْطَرْنََا عَلَيْهََا حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) `مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ (4) ؟

الجواب: قلنا في قوله تعالى: وَ مِنْهُ شَجَرٌ وجهان:

أحدهما: أن يكون المراد منه سقى شجر، و شرب شجر؛ فحذف المضاف، و أقام المضاف إليه مقامه؛ و ذلك كثير في لغة العرب، و مثله قوله تعالى:

وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ (5) ، أي حبّ العجل.

و الوجه الآخر: أن يكون المراد: و من جهة الماء شجر، و من سقيه و إنباته شجر؛ فحذف الأوّل و خلفه الثاني؛ كما قال عوف بن الخرع:

____________

(1) اختلاف الفقهاء (للطحاوي) ، 1: 77.

(2) أجاب السيد رحمه اللّه عمّا يرويه المخالفون على خلاف ظاهر القرآن، بأنّها أخبار آحاد و العمل بها في الشريعة غير جائز، راجع الانتصار: 193 و 194 و أيضا الناصريات: 440.

(3) سورة آل عمران، الآية: 14.

(4) سورة هود، الآيتان: 82، 83.

(5) سورة البقرة، الآية: 93.

18

أمن آل ليلى عرفت الدّيارا # بجنب الشّقيق خلاء قفارا (1)

أراد: من ناحية آل ليلى.

و قال زهير:

أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم # بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم‏ (2)

أراد: من ناحية أم أوفى.

و قال أبو ذؤيب:

أمنك البرق أرقبه فهاجا # فبتّ إخاله دهما خلاجا (3)

و قال أيضا:

أمنك برق أبيت اللّيل أرقبه # كأنّه في عراض الشّام مصباح‏ (4)

و قال الجعديّ:

لمن الدّيار عفون بالتّهطال # بقيت على حجج خلون طوال‏

أراد بقيت على مرّ حجج، و تكرار حجج.

فأمّا قوله تعالى: فِيهِ تُسِيمُونَ فمعناه ترعون، و ترسلون أنعامكم؛ يقال:

أسام الإبل يسيمها أسامة؛ إذا أرعاها و أطلقها فرعت منصرفة حيث شاءت؛ و سوّمها أيضا يسوّمها من ذلك؛ و سامت هي إذا رعت؛ فهي تسوم، و هي إبل

____________

(1) المفضليات 412 (طبعة المعارف) ، و الرواية هناك:

أمن آل ميّ عرفت الدّيارا # بحيث الشقيق خلاء قفارا

و الشقيق: ماء لبني أسيد بن عمرو بن تميم.

(2) أول المعلقة، ديوانه: 4. الدمنة آثار الناس و ما سودوا من الرماد و غيره. لم تكلم: و لم تبين.

و حومانة الدراج و المتثلم: موضعان.

(3) ديوان الهذليين: 1/164؛ و في حاشية بعض النسخ: «شبه السحاب بإبل سود، و صوت الرعد بجنينها؛ و لم يذكر السحاب إلا أن البرق دل عليه، و خلاج: جمع خلوج؛ و هي الناقة التي خلج ولدها؛ و هو فعول في معنى مفعول، كالركوب و الحلوب» .

(4) ديوان الهذليين: 1/47، و اللسان (عرض) ، و عراض الشام نواحيه؛ الواحد عرض.

19

سائمة؛ و يقال: سمتها إذا قصرتها على مرعى بعينه؛ و سمتها الخسف؛ إذا تركتها على غير مرعى؛ و منه قيل لمن أذلّ و اهتضم: سيم فلان الخسف؛ و سيم خطّة الضّيم؛ قال الكميت بن زيد في الإسامة التي هي الإطلاق في الرّعي:

راعيا كان مسجحا ففقدنا # ه و فقد المسيم هلك السّوام‏

و قال آخر:

و أسكن ما سكنت ببطن واد # و أظعن إن ظعنت فلا أسيم‏

و ذهب قوم إلى أنّ السّوم في البيع من هذا؛ لأنّ كلّ واحد من المتبايعين يذهب فيما يبيعه من زيادة ثمن أو نقصانه إلى ما يهواه، كما تذهب سوائم المواشي حيث شاءت.

و قد جاء في الحديث: «لا سوم قبل طلوع الشّمس» فحمله قوم على أنّ الإبل و غيرها لا تسام قبل طلوع الشّمس؛ لئلا تنتشر و تفوت الراعي و يخفى عليه مقاصدها.

و حمله آخرون على أنّ السوم قبل طلوع الشّمس في البيوع مكروه، لأنّ السّلعة المبيعة تستتر عيوبها أو بعضها، فيدخل ذلك في بيوع الغرر المنهيّ عنها.

فأمّا الخيل المسوّمة، فقد قيل: إنّها المعلّمة بعلامات؛ مأخوذ من السّيماء و هي العلامة.

و روي عن الحسن البصريّ في قوله تعالى: وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ قال: سوّم نواصيها و أذنابها بالصوف.

و قيل أيضا: إنّ المسوّمة هي الحسان.

و روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَ اَلْخَيْلِ اَلْمُسَوَّمَةِ قال: هي المطهّمة الحسان.

و قال آخرون: بل هي الراعية؛ روي ذلك عن سعيد بن جبير؛ و كلّ يرجع إلى أصل واحد، و هو معنى العلامة، لأنّ تحسين الخيل يجري مجرى العلامة فيها؛ التي تعرف بها و تتميز لمكانها؛ و قد قيل: إنّ السّوم من الرّعي يرجع إلى‏

20

هذا المعنى أيضا، لأنّ الراعي يجعل في المواضع التي يرعاها علامات أو كالعلامات بما يزيله من نباتها، و يمحوه من آثارها؛ فكأنّ الأصل في الكلّ متّفق غير مختلف.

و قال لبيد في التوسيم الذي هو التعليم:

و غداة قاع القرنتين أتينهم # رهوا يلوح خلالها التسويم‏ (1)

أراد التعليم.

و أمّا قوله في الملائكة: مُسَوِّمِينَ ؛ فالمراد به المعلمين، و كذلك قوله تعالى: حِجََارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) `مُسَوَّمَةً أي معلمة؛ و قيل: إنّه كان عليها كأمثال الخواتيم‏ (2) .

- وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل: 15].

أنظر المائدة: 28، 29 من الأمالي، 1: 43 و يونس: 88 من التنزيه: 106.

- فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 26].

[إن سأل سائل‏]فقال: ما الفائدة في قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ ؛ و هو لا يفيد إلاّ ما يفيده قوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ ؛ لأنّ مع الاقتصار على القول الأوّل لا يذهب و هم أحد إلى أنّ السقف يخرّ من تحتهم؟

الجواب: قيل له في ذلك أجوبة:

أوّلها: أن يكون «على» بمعنى «عن» ، فيكون المعنى: فخرّ عنهم السقف من فوقهم؛ أي خرّ عن كفرهم و جحودهم باللّه تعالى و آياته، كما يقول القائل:

اشتكى فلان عن دواء شربه، فيكون «على» و «عن» بمعني من أجل الدّواء؛ و كذلك يكون معنى الآية فخرّ من أجل كفرهم السّقف من فوقهم؛ قال الشاعر:

____________

(1) ديوانه: 104/1 و في حاشية بعض النسخ: بعد هذا البيت:

بكتائب رجح تعوّد كبشها # نطح الكباش كأنهنّ نجوم‏

و القرنتان: موضع، و رهان في السير رهوا أي رفق.

(2) الأمالي، 1: 576.

21

أرمي عليها و هي فرع أجمع # و هي ثلاث أذرع و إصبع‏

أراد: أرمي عنها؛ لأنّ كلام العرب: رميت عن القوس، فأقام «على» مقام «عن» ، و لو أنّه قال تعالى على هذا المعنى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ ، و لم يقل:

«من فوقهم» جاز أن يتوهّم متوهّم أن السقف خرّ و ليس هم تحته.

و ثانيها: أن يكون «على» بمعنى اللام؛ و المراد: فخرّ لهم السقف؛ فإن «على» قد تقام مقام اللام؛ و حكي عن العرب: ما أغيظك عليّ!و ما أغمّك عليّ!يريدون: ما أغيظك، و ما أغمّك لي!، قال الطّرمّاح يصف ناقة:

كأنّ مخوّاها علي ثفناتها # معرّس خمس وقّعت للجناجن‏ (1)

أراد: وقّعت على الجناجن؛ و هي عظام الصدر، فأقام اللام مقام «على» .

و قد يقول القائل أيضا: تداعت على فلان داره، و استهدم عليه حائطه، و لا يريد أنّه كان تحته؛ فأخبر تعالى بقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ عن فائدة؛ لولاه ما فهمت. و لا جاز أن يتوهّم متوهّم في قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اَلسَّقْفُ ما يتوهّمه من قوله: خرب عليه ربعه، و وقعت عليه دابته، و أشباه ذلك.

و للعرب في هذا مذهب طريف لطيف؛ لأنّهم لا يستعملون لفظه «على» في مثل هذا الموضع إلاّ في الشرّ و الأمر المكروه الضارّ، و يستعملون اللام و غيرها في خلاف ذلك؛ ألا ترى أنّهم لا يقولون: عمرت على فلان ضيعته، بدلا من قولهم: خربت عليه ضيعته، و لا ولدت عليه جاريته؛ بل يقولون: عمرت له ضيعته، و ولدت له جاريته؛ و هكذا من شأنهم إذا قالوا: «قال عليّ» و «روى عليّ» ؛ فإنّه يقال في الشرّ و الكذب، و في الخير و الحقّ؛ يقولون: «قال عنّي» ؛

____________

(1) ديوانه: 168. يقال: خوى البعير؛ إذا تجافى في بروكه و مكن لثفناته، و الثفنات: جمع ثفنة؛ و هو من البعير ركبته، و ما مس الأرض من كركرته و أصول أفخاذه، و المعرس: محل التعريس:

و هو النزول آخر الليل. و في حاشية بعض النسخ: «يعني كأن تجاوف أعضائها المتجافية عند البروك معرس لخمس أنوق» ؛ و البيت برواية القالي (الأمالي: 3/165) .

لها تفرات تحتها و قصارها # على مشرة لم تعتلق بالمحاجن‏

غ

22

و «روي عنّي» ؛ و مثل ذلك قوله تعالى: وَ اِتَّبَعُوا مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ عَلى‏ََ مُلْكِ سُلَيْمََانَ (1) ، لأنّهم لمّا أضافوا الشّرّ و الكفر إلى ملك سليمان حسن أن يقال:

«يتلون عليه» ، و لو كان خيرا لقيل عنه، و مثله: أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ (2) ؛ و قال الشاعر (3) :

عرضت نصيحة منّي ليحيى # فقال: غششتني، و النّصح مرّ

و ما بي أن أكون أعيب يحيى # و يحيى طاهر الأخلاق برّ

و لكن قد أتاني أنّ يحيي # يقال عليه في بقعاء شرّ (4)

فقلت له: تجنّب كلّ شي‏ء # يعاب عليك، إنّ الحرّ حرّ

و مثله قول الفرزدق في عنبسة بن سعدان المعروف بعنبسة الفيل-و قد كان يتتبّع شعره و يخطّئه و يلحّنه:

لقد كان في معدان و الفيل زاجر # لعنبسة الراوي عليّ القصائدا

فقال: «عليّ» و لم يقل: «عنّي» للمعنى الذي ذكرناه.

و ثالث الوجوه: أن يكون‏ مِنْ فَوْقِهِمْ تأكيدا للكلام و زيادة في البيان، كما قال تعالى: تَعْمَى اَلْقُلُوبُ اَلَّتِي فِي اَلصُّدُورِ (5) ، و القلب لا يكون إلاّ في الصدر؛ و نظائر ذلك في الكتاب و كلام العرب كثيرة (6) .

____________

(1) سورة البقرة، الآية: 102.

(2) سورة يونس، الآية: 68.

(3) الأبيات في الكامل: 1/185-بشرح المرصفي.

(4) حواشي بعض النسخ: بقعاء في البيت: اسم امرأة. و بقعاء: ماء بالبادية، قالت امرأة من العرب:

و من يهد لي من ماء بقعاء شربة # فإنّ له من ماء لينة أربعا

لقد زادني حبّا لبقعاء أنّني # رأيت مطايانا بلينة ظلّعا

فمن مبلغ أختيّ بالرّمل أنّني # بكيت فلم أترك بعينيّ مدمعا!

بقعاء ماؤها زعاق، و ماء لينة عذب، و إنّما تشكو لينة؛ لأنّ زوجها حملها إليها و هو عنين، فذلك قولها: رأيت مطايانا بلينة ظلّعا

و مثله:

تظللّ المطايا حائدات عن الهدى # إذا ما المطايا لم تجد من يقيمها

(5) سورة الحجّ، الآية: 46.

(6) الأمالي، 1: 340.

23

- وَ قََالَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شََاءَ اَللََّهُ مََا عَبَدْنََا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ نَحْنُ وَ لاََ آبََاؤُنََا وَ لاََ حَرَّمْنََا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذََلِكَ فَعَلَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى اَلرُّسُلِ إِلاَّ اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ [النحل: 35]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44]

أنظر المقدّمة الرابعة، الأمر الثالث عشر.

- وَ يَجْعَلُونَ لِلََّهِ اَلْبَنََاتِ [النحل: 57].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ََ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرََابِ [النحل: 59].

أنظر التكوير: 8، 9 من الأمالي، 2: 240.

- وَ يَجْعَلُونَ لِلََّهِ مََا يَكْرَهُونَ وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ اَلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ اَلْحُسْنى‏ََ لاََ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ [النحل: 62].

قال قوم: معنى جرم كسب، و قالوا في قوله تعالى: لاََ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ ، أنّ «لا» ردّ على الكفّار، ثمّ ابتدأ فقال: جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ اَلنََّارَ بمعنى كسب قولهم أنّ لهم النار، و قال الشاعر:

نصبنا رأسه في رأس جذع # بما جرمت يداه و ما اعتدينا (1)

أي: بما كسبت. و قال آخرون: معنى‏ جَرَمَ حقّ، و تأوّل الآية بمعنى حقّق قولهم أنّ لهم النار؛ و أنشدوا:

و لقد طعنت أبا عيينة طعنة # جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

أراد: حقّقت فزارة، و روى الفرّاء «فزارة» بالنصب على معنى كسبت الطعنة فزارة الغضب، و قال الفرّاء: لا جرم في الأصل مثل لا بدّ، و لا محالة، ثمّ استعملته العرب في معنى حقّا، و جاءت فيه بجواب الأيمان، فقالوا: لا جرم

____________

(1) البيت في اللسان (جرم) ، و نسبه إلى أبي أسماء بن الضريبة.

24

لأقومنّ؛ كما قالوا: و اللّه لأقومنّ، و فيها لغات، يقال: لا جرم، و لا جرم، بضم الجيم و تسكين الراء، و لا جر، بحذف الميم، و لا ذا جرم؛ قال الشاعر:

إنّ كلابا والدي لا ذا جرم # لأهدرنّ اليوم هدرا في النّعم

هدر المعنّى ذي الشّقاشيق اللّهم‏ (1) (2)

[انظر أيضا البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 117 إلى 247 رسالة انقاذ البشر من الجبر و القدر].

- وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْأَنْعََامِ لَعِبْرَةً... [النحل: 66].

أنظر الحشر: 2 من الذريعة، 2: 781

- وَ مََا أَمْرُ اَلسََّاعَةِ إِلاََّ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: 77].

أنظر البقرة: 202 من الامالي، 1: 374.

- وَ اَللََّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ اَلْأَنْعََامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهََا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقََامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوََافِهََا وَ أَوْبََارِهََا وَ أَشْعََارِهََا أَثََاثاً وَ مَتََاعاً إِلى‏ََ حِينٍ [النحل: 80].

[قال الناصر رحمه اللّه: ] «شعر الميتة طاهر، و كذلك شعر الكلب و الخنزير» .

هذا صحيح و هو مذهب أصحابنا (3) ، و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه‏ (4) .

و قال الشافعي: إنّ ذلك كلّه نجس‏ (5) .

____________

(1) حواشي بعض النسخ: «المعنى: الذي يدخل العنة من الإبل؛ و هي الخطيرة؛ و ذلك أن الفحل اللئيم إذ هاج حبس حتى لا يضرب في النوق الكرام، و منه قول الوليد بن عقبة:

قطعت الدهر كالسّدم المعنّى # تهدّر في دمشق فلا تريم‏

و أصله «المعنن» ؛ فقلبت إحدى النونات ياء، كقولك: تغنيت، و في التنزيل: وَ قَدْ خََابَ مَنْ دَسََّاهََا و الشقاشق: جمع شقشقة؛ و هي كالرئة تخرج من فم البعير إذا هاج و اعتلم، و اللهم:

الذي يلتهم كل شي‏ء؛ أي يبتلع، و فرس لهم: سريع؛ كأنه يلتهم الأرض.

(2) الأمالي، 1: 128.

(3) مذهب أصحابنا خلاف ذلك إذ لم يقل أحد منهم بطهارة شعر الكلب و الخنزير، انظر تذكرة الفقهاء، 1: 60 مسألة 19.

(4) اللباب في شرح الكتاب، 1: 24.

(5) الأمّ، 1: 23.

25

دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتكرّر، قوله تعالى: وَ مِنْ أَصْوََافِهََا وَ أَوْبََارِهََا وَ أَشْعََارِهََا أَثََاثاً وَ مَتََاعاً إِلى‏ََ حِينٍ فامتن علينا بأن جعل لنا في ذلك منافع، و لم يفرّق بين الذكية و الميتة، فلا يجوز الامتنان بما هو نجس لا يجوز الانتفاع به.

و أيضا فإنّ الشعر لا حياة فيه، ألا ترى أنّ الحيوان لا يألم بأخذه منه كما يألم بقطع سائر أعضائه.

و أيضا لو كان فيه حياة، لما جاز أخذه من الحيوان في حال حياته و الانتفاع به، كما لا يجوز ذلك في سائر أجزائه.

و يقوّي ذلك ما روي عنه عليه السّلام من قوله: «ما بان من البهيمة و هي حيّة، فهو ميتة» (1) .

و الشعر يبين منها في حال حياتها و لا يكون ميتة؛ لأنّه لو كان ميتة كان بمنزلة سائر أجزائها، و يمنع الانتفاع به، و إذا ثبت أنّ الشعر، و الصوف، و القرن لا حياة فيه لم يحلّه الموت، و إذا لم يحلّه الموت كانت حياته بعده كحياته قبله.

و ليس لهم أن يتعلّقوا بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ (2) فإنّ اسم الميتة يتناول الجملة بسائر أجزائها، و ذلك أنّ الميتة اسم لما يحلّه الموت، و الشعر لا يحلّه الموت كما لا تحلّه الحياة، و يخرج عن الظاهر.

و ليس لأحد أن يقول: إن الشعر و الصوف من جملة الخنزير و الكلب، و هما نجسان.

و ذلك أنّه لا يكون من جملة الحيّ إلاّ ما تحلّه الحياة، و ما لا تحلّه الحياة ليس من جملته و إن كان متّصلا به‏ (3) .

- وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبََالِ أَكْنََاناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرََابِيلَ تَقِيكُمُ اَلْحَرَّ [النحل: 81].

____________

(1) أحكام القرآن (للجصّاص) ، 1: 150.

(2) سورة مائدة، الآية: 3.

(3) الناصريات: 100.

26

أنظر البقرة: 171 من الأمالي، 1: 221 و المائدة: 60 من الأمالي، 2:

161.

- إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ... [النحل: 90].

أنظر الأعراف: 54 من الملخص، 2: 440.

- وَ لاََ تَنْقُضُوا اَلْأَيْمََانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهََا [النحل: 91].

أنظر المائدة: 89 من الانتصار: 156.

- وَ إِذََا بَدَّلْنََا آيَةً مَكََانَ آيَةٍ... [النحل: 101]

أنظر المقدمة الرابعة، الأمر الثالث عشر.

- وَ لََكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اَللََّهِ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [نحل: 106].

و يوصف تعالى بأنه «يغضب على الكفّار» ، بمعنى أنه يزيد عقابهم و لعنهم، و ليس المراد بذلك تغيّر الأحوال الّتي تلحق الغضبان؛ لأن أحدنا قد يوصف بالغضب إذا أراد الانتقام و ان لم تتغيّر أحواله‏ (1) .

- وَ إِنْ عََاقَبْتُمْ فَعََاقِبُوا بِمِثْلِ مََا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126].

أنظر البقرة: 15 من الأمالي، 2: 126.

____________

(1) الذخيرة: 602.

27

سورة الأسراء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

- وَ كََانَ اَلْإِنْسََانُ عَجُولاً [الإسراء: 11]

أنظر الأنبياء: 37 من الأمالي، 1: 441.

- وَ إِذََا أَرَدْنََا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا فَفَسَقُوا فِيهََا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَمَّرْنََاهََا تَدْمِيراً [الاسراء: 16] (1) .

[إن سأل سائل عن هذه الآية].

[قلنا: ]في هذه الآية وجوه من التأويل، كلّ منها يبطل الشبهة الداخلة على المبطلين فيها، حتّى عدلوا بتأويل عن وجهه، و صرفوه عن بابه.

أوّلها: أنّ الإهلاك قد يكون حسنا و قد يكون قبيحا، فإذا كان مستحقّا أو على سبيل الامتحان كان حسنا، و إنّما يكون قبيحا إذا كان ظلما، فتعلّق الإرادة به لا يقتضي تعلّقها به على الوجه القبيح، و لا ظاهر للآية يقتضي ذلك؛ و إذا علمنا بالأدلّة تنزّه القديم تعالى عن القبائح علمنا أنّ الإرادة لم تتعلّق إلاّ بالإهلاك الحسن، و قوله تعالى: أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا المأمور به محذوف، و ليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق و إن وقع بعده الفسق؛ و يجري هذا مجرى قول القائل: «أمرته فعصى» و «دعوته فأبى» . و المراد إنّني أمرته بالطاعة، و دعوته إلى الإجابة و القبول.

و يمكن أن يقال على هذا الوجه: ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه؛ و إنّما موضعها أن يقال: أيّ معنى لتقدّم الإرادة؟فإن كانت متعلّقة بإهلاك مستحقّ

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 16.

28

بغير الفسق المذكور في الآية فلا معنى لقوله تعالى: «إذا أردنا أمرنا» ، لأنّ أمره بما يأمر به لا يحسن إرادته العقاب المستحقّ بما تقدّم من الأفعال، و إن كانت الإرادة متعلّقة بالإهلاك بمخالفة الأمر المذكور في الآية فهذا الذي تأبونه، لأنّه يقتضي أنّه تعالى مريد لإهلاك من لم يستحقّ ذلك العقاب.

و الجواب عن ذلك: أنّه تعالى لم يعلّق الإرادة إلاّ بإهلاك المستحقّ بما تقدّم من الذنوب، و الذي حسّن قوله تعالى: «و إذا أردنا أمرنا» ، هو أنّ في تكرار الأمر بالطاعة و الإيمان إعذارا إلى العصاة، و إنذارا لهم، و إيجابا و إثباتا للحجّة عليهم؛ حتّى يكونوا متى خالفوه و أقاموا على العصيان و الطغيان بعد تكرار الوعيد و الوعظ و الإنذار ممّن يحقّ عليه القول، و تجب عليه الحجّة؛ و يشهد بصحّة هذا التأويل قوله تعالى قبل هذه الآية: وَ مََا كُنََّا مُعَذِّبِينَ حَتََّى نَبْعَثَ رَسُولاً (1) .

و الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية أن يكون قوله تعالى: أَمَرْنََا مُتْرَفِيهََا من صفة القرية وصلتها، و لا يكون جوابا لقوله تعالى: وَ إِذََا أَرَدْنََا و يكون تقدير الكلام: و إذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنّا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها (2) ، و تكون «إذا» علي هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدّلالة عليه‏ (3) ؛ و نظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة: حَتََّى إِذََا

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 15.

(2) في حاشية بعض النسخ: «و يكون كأنه قال تعالى: و إذا أردنا أن نهلك قرية مأمورا مترفوها كررنا القول عليهم، و أعدنا الوعظ لهم، و أمرناهم ثانيا ففسقوا فيها، فحق عليها القول. و اللّه أعلم بالمراد» .

(3) في حاشية بعض النسخ: «يمكن أن يحتمل «لإذا» في الآية جواب، و هو أن تجعل الفاء في قوله تعالى: فَدَمَّرْنََاهََا زائدة، و تجعل «دمرنا» جوابا لإذا، و لا خلاف في مورد الفاء زائدة في كلام العرب؛ حكى ابن جني عن أبي علي قال: حكى أبو الحسن عنهم: «أخوك فوجد» بمعنى أخوك وجدو من ذلك قولهم: زيدا فاضربه، و عمرا فأكرم، و على هذا قوله تعالى: وَ ثِيََابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَ اَلرُّجْزَ فَاهْجُرْ، (5) و يكون معنى الآية على هذا إخبارا عن عزة اللّه تعالى و قدرته على جميع ما أراد تعالى. و حجة الفاء زائدة، في بيت الكتاب:

لا تجزعي إن منفسا أهلكته # و إذا هلكت فعند ذلك فاجزعي‏

الفاء في «فاجزعي» زائدة.

29

جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ (73) وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ (74) (1) ، و لم يأت «لإذا» جواب في طول الكلام للاستغناء عنه‏ (2) .

و يشهد أيضا بصحة هذا الجواب قول الهذليّ:

حتّى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا (3)

فحذف جواب إذا، و لم يأت به، لأن هذا البيت آخر القصيدة (4) .

و الوجه الثالث: أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا و اتّساعا و تنبيها على المعلوم من حال القوم و عاقبة أمرهم، و أنّهم متى أمروا فسقوا و خالفوا؛ و ذكر الإرادة يجري هاهنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كلّ جهة، و جاءه الخسران من كلّ طريق، و قولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلّط في مآكله، و تسرّع إلى كل ما تتوق إليه نفسه؛ و معلوم أنّ التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، و لا العليل أيضا، لكن لمّا كان المعلوم من حال هذا الخسران،

____________

(1) سورة الزمر، الآيتان: 73، 74.

(2) حاشية بعض النسخ: «كأن التقدير: إذا جاؤوا حضروها و فتحت؛ أو هموا بدخولها، و ما أشبه ذلك، و اللّه أعلم» .

(3) حواشي بعض النسخ: «البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي؛ في آخر قصيدته التي أولها:

ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما # لا تقردان و لا بوسى لمن رقدا

قتائدة: موضع، و الجمالة: أصحاب الجمال، كالبغالة و الحمارة، و انتصاب «شلا» على المصدر، و دلّ على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب «حتى إذا سلكوهم» المنتظر، و تلخيصه:

حتى إذا أسلكوهم هذا الموضع شلوهم شلا، يشبه طرد الشرد من الجمال إذا تزاحمت على الماء؛ و هذا كما يقول: طردوهم طرد غرائب الإبل. و معنى أسلكوهم جعلوا لهم مسلكا، و السلك: إدخال شي‏ء في شي‏ء تسلكه فيه، و منه: مََا سَلَكَكُمْ . و روى أبو عبيدة: «الشرد» (بفتح الشين و الراء) ، و قال: تقول: إبل شرد و جلب و طرد» .

و انظر الكلام على هذا البيت في «ديوان الهذليين 2/42، و أدب الكاتب 424، و الاقتضاب 402) .

(4) حاشية بعض النسخ: «جواب الشرط جزء لا يتم المشروط دونه؛ فإذا حذف كان أهول للكلام، كقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ... الآية، و كقول القائل: لو رأيت عليا بصفين، و كقولهم: لو ذات سوار لطمتني» .

غ

30

و من حال هذا الهلاك حسن هذا الكلام، و استعمل ذكر الإرادة لهذا الوجه‏ (1) .

و كلام العرب وحي و إشارات و استعارات و مجازات‏ (2) و لهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة؛ فإنّ الكلام متى خلا من الاستعارة، و جرى كلّه على الحقيقة كان بعيدا من الفصاحة، بريّا من البلاغة، و كلام اللّه تعالى أفصح الكلام.

و الوجه الرابع: أن تحمل الآية على التّقديم و التأخير؛ فيكون تلخيصها: إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا و استحقّوا العقاب أردنا إهلاكهم؛ و التقديم و التأخير في الشعر و كلام العرب كثير. و مما يمكن أن يكون شاهدا لصحّة هذا؛ التأويل من القرآن قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (3) ، و الطهارة إنّما تجب قبل القيام إلى الصلاة، و قوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ (4) ، و قيام الطائفة معه يجب أن يكون قبل إقامة الصلاة، لأنّ إقامتها هي الإتيان بجميعها على الكمال.

فأما قراءة من قرأ الآية بالتشديد فقال: «أمرنا» (5) ، و قراءة من قرأها بالمدّ و التخفيف فقال: «آمرنا» (6) فلن يخرج معنى قراءتيهما عن الوجوه التي

____________

(1) في حاشية بعض النسخ: «تصوير المجاز في الآية على أن التقدير: إذا قرب هلاك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا؛ و كذلك قولهم: إذا أراد المريض... و هذا كقوله تعالى: فَوَجَدََا فِيهََا جِدََاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ؛ أي يقرب أن ينقض؛ و إنّما كنى بالإرادة عن القرب في هذه المواضع لأن المريد للشي‏ء، المخلى بينه و بينه-و لا مانع هناك-ما أقرب ما يقع مراده، و اللّه أعلم» .

(2) حاشية بعض النسخ: الإرادة قد تستعمل في الجماد فضلا عن العقلاء؛ كقوله تعالى: فَوَجَدََا فِيهََا جِدََاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ؛ و كقول الراعي النميري:

في مهمة قلقت به هاماتها # قلق الفؤوس إذا أردن نصولا

(3) سورة المائدة، الآية: 6.

(4) سورة النساء، الآية: 102.

(5) هي قراءة شاذة، عن أبي عثمان النهدي، و لليث عن أبي عمرو، و أبان عن عاصم. (و انظر القراءات الشاذة لابن خالويه 75) .

(6) هي قراءة شاذة أيضا، عن خارجة عن نافع (انظر المصدر السابق) .

31

ذكرناها (1) ؛ إلاّ الوجه الأوّل؛ فإنّ معناه لا يليق إلاّ بأن يكون ما تضمّنته الآية هو الأمر الذي يستدعي به إلى الفعل‏ (2) .

- وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً إِمََّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ اَلْكِبَرَ أَحَدُهُمََا أَوْ كِلاََهُمََا فَلاََ تَقُلْ لَهُمََا أُفٍّ وَ لاََ تَنْهَرْهُمََا وَ قُلْ لَهُمََا قَوْلاً كَرِيماً [الإسراء: 23]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247 و المقدّمة الثالثة، الأمر السادس.

- وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ وَ لاََ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً [الإسراء: 26].

قال القاضي: شبهة لهم أخرى، واحد ما طعنوا به و عظموا القول فيه أمر فدك قالوا: قد روي عن أبي سعيد الخدري انه قال: لمّا نزلت «و آت ذا القربى حقّه» أعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فاطمة عليها السّلام فدك» ثم قال: الجواب عن ذلك أن أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح، و لسنا ننكر صحّة ما روي من ادّعائها فدك، فأمّا إنه كان في يدها فغير مسلّم، بل لو كانت في يدها لكان الظاهر أنّه لها (3) .

[قال السيّد: ]فأمّا إنكار صاحب الكتاب كون فدك في يدها عليها السّلام فما رأيناه اعتمد في إنكار ذلك على حجّة، بل قال: «لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنّها لها» و الأمر على ما قال، فمن أين انّها لم تخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه، و قد روي من طرق مختلفة من غير طريق أبي سعيد الذي ذكره صاحب الكتاب انه لما نزل قوله تعالى: وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ دعا النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فاطمة عليها السّلام فأعطاها فدك، و إذا كان ذلك مرويّا فلا معنى لدفعه بغير حجّة (4) .

____________

(1) حاشية الأصل: «قوله أمرنا، بالتشديد: كثرنا، و آمرنا، بالتخفيف: جعلناهم أمراء؛ و إن شئت فالعكس من ذلك، و الصحيح العكس» .

(2) الأمالي، 1: 29.

(3) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 90.

(4) الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، 4: 98.

32

- وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [الإسراء: 29]

أنظر المائدة: 64 الأمر الأوّل من الأمالي، 2: 5.

- وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كََانَ مَسْؤُلاً [الإسراء: 34]

أنظر التكوير: 8، 9 من الأمالي، 2: 40.

- وَ إِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنََا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجََاباً مَسْتُوراً [الإسراء: 45]

أنظر الإسراء: 47 من الأمالي، 1: 542.

- نَحْنُ أَعْلَمُ بِمََا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ إِذْ يَقُولُ اَلظََّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاََّ رَجُلاً مَسْحُوراً [الإسراء: 47].

[إن سأل سائل‏]فقال: لم وحّد «نجوى» و هو خبر عن جمع؟و ما معنى مَسْحُوراً و ما جرت عادة مشركي العرب بوصف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بذلك، بل عادتهم جارية بقرفه بأنّه ساحر؟

الجواب: قلنا: أمّا قوله تعالى: وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ََ فإنّ «نجوى» مصدر يوصف به الواحد و الاثنان و الجمع و المذكر و المؤنث، و هو مقرّ على لفظه. و يجري ذلك مجرى قولهم: الرجال صوم، و المناهل حمد، يعني بصوم صائمون، و بحمد محمودون.

و قد قال قوم: إنّ معناه: و إذ هم أصحاب نجوى، فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه، و يقال: القوم نجيّ و القوم أنجية، فمن وحّد بنى على مذهب المصدر، و من جمع جعله منقولا عن المصادر، ملحقا برغيف و أرغفة، و ما أشبه ذلك.

و قد قال الشاعر:

33

أتاني نجيّي بعد هدء و رقدة # و لم أك فيما قد بلوت بكاذب‏ (1)

و أنشد الفراء في الجمع:

ظلّت نساؤهم و القوم انجية # يعدي إليها كما يعدى على الغنم‏ (2)

فأمّا قوله تعالى: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاََّ رَجُلاً مَسْحُوراً ففيه وجوه:

أوّلها: أن يكون المراد: إن تتّبعون إلاّ رجلا متغيّر العقل؛ لأنّ المشركين كان من مذهبهم عيب النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و تضعيف أمره و توهين رأيه، و كانوا في وقت ينسبونه إلى أنّه ساحر، و في آخر يرمونه بالجنون، و أنّه مسحور مغيّر العقل، و ربّما قذفوه بأنّه شاعر حوشيّ من ذلك كلّه. و قد جرت عادة الناس بأن يصفوا من يضيفونه إلى البله و الغفلة و قلة التحصيل بأنّه محسور.

و ثانيها: أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلّل؛ لأنّ ذلك أحد ما يستعمل فيه هذه اللفظة، قال امرؤ القيس:

أرانا موضعين لحتم غيب # و نسحر بالطّعام و بالشّراب‏ (3)

و قال أميّة بن أبي الصلت:

فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا # عصافير من هذا الأنام المسحّر (4)

و ثالثها: أنّ السّحر في لغة العرب الرّئة و ما تعلّق بها، و فيه ثلاث لغات:

سحر و سحر و سحر، و قيل: السّحر ما لصق بالحلقوم و المري‏ء من أعلى الجوف؛ و قيل: إنّه الكبد؛ فكأنّ المعنى على هذا: إن تتّبعون إلاّ رجلا ذا سحر؛ خلقه اللّه بشرا كخلقكم.

____________

(1) الشاعر هو سواد بن قارب السدوسي، صحابيّ ذكره ابن حجر في الاصابة، و هذا البيت من جملة أبيات أنشدها عند الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، ذكرت مع خبر له في مقدمة جمهرة الأشعار 24-26.

و الرواية هناك: و لم يك فيما قد عهدت بكاذب‏

(2) البيت في اللسان (نجا) ، و نسبه لسحيم، و لم يذكر في ديوانه.

(3) ديوانه: 132، موضعين: مسرعين، و الإيضاع: نوع من السير. و الحتم: الإيجاب.

(4) البيت في اللسان (سحر) ، و نسبه إلى لبيد؛ و هو أيضا في ديوانه:

34

و رابعها: أن يكون معنى مسحور أي ساحر، و قد جاء لفظ مفعول بمعنى فاعل؛ قال اللّه تعالى: وَ إِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ جَعَلْنََا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجََاباً مَسْتُوراً (1) ، أي ساترا، و العرب تقول للمعسر: ملفج، و معناه ملفج؛ لأنّ ماضيه ألفج، فجاؤوا بلفظ المفعول و هو الفاعل؛ و من ذلك قولهم: فلان مشؤوم على فلان و ميمون؛ و يريدون شائم و يامن؛ لأنّه من شأمهم و يمنهم.

و رأيت بعض العلماء يطعن على هذا الاستشهاد الأخير فيقول: العرب لا تعرف «فلان مشؤوم على فلان» ؛ و إنّما هذا من كلام أهل الأمصار؛ و إنّما تسمّي العرب من لحقه الشؤم مشؤوما؛ قال علقمة بن عبدة:

و من تعرّض للغربان يزجرها # على سلامته لا بدّ مشؤوم‏ (2)

و الوجوه الثلاثة الأول أوضح و أشبه‏ (3) .

- اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً [الإسراء: 48].

إن سأل سائل فقال: بم تدفعون من خالفكم في الاستطاعة، و زعم أن المكلّف يؤمر بما لا يقدر عليه و لا يستطيعه إذا تعلّق بقوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً فإنّ الظاهر من هذه الآية يوجب أنّهم غير مستطيعين للأمر الذي هم غير فاعلين له، و أنّ القدرة مع الفعل. و إذا تعلّق بقوله تعالى: في قصة موسى عليه السّلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (4) ؛ و أنّه نفى أن يكون قادرا على الصبر في حال هو فيها غير صابر؛ و هذا يوجب أنّ القدرة مع الفعل. و بقوله تعالى: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مََا كََانُوا يُبْصِرُونَ (5) .

الجواب: يقال له: أوّل ما نقوله: إنّ المخالف لنا في هذا الباب في الاستطاعة لا يصحّ له فيه التعلّق بالسمع؛ لأنّ مذهبه لا يسلم معه صحّة السمع،

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 45.

(2) ديوانه: 131، المفضليات: 120 (طبعة المعارف) .

(3) الأمالي، 1: 542.

(4) سورة الكهف، الآية: 67.

(5) سورة هود، الآية: 20.

35

و لا يتمكّن مع المقام عليه من معرفة السمع بأدلّته؛ و إنّما قلنا ذلك؛ لأنّ من جوّز تكليف اللّه تعالى الكافر بالإيمان و هو لا يقدر عليه لا يمكنه العلم بنفي القبائح عن اللّه عزّ و جلّ؛ و إذا لم يمكنه ذلك فلا بدّ من أن يلزمه تجويز القبائح في أفعاله تعالى و أخباره؛ و لا يأمن أن يرسل كذّابا، و أن يخبر هو بالكذب تعالى عن ذلك!فالسمع إن كان كلامه قدح في حجّته تجويز الكذب عليه، و إن كان كلام رسوله قدح فيه ما يلزمه من تجويز تصديق الكذّاب؛ و إنّما طرق ذلك تجويز بعض القبائح عليه.

و ليس لهم أن يقولوا: إنّ أمره تعالى الكافر بالإيمان و إن لم يقدر عليه يحسن من حيث أتى الكافر فيه من قبل نفسه؛ لأنّه تشاغل بالكفر فترك الإيمان.

و إنّما كان يبطل تعلّقنا بالسمع لو أضفنا ذلك إليه على وجه يقبح؛ و ذلك لأنّ ما قالوه إذا لم يؤثّر في كون ما ذكرناه تكليفا لما لا يطاق لم يؤثر في نفي ما ألزمناه عنهم؛ لأنّه يلزم على ذلك أن يفعل الكذب و سائر القبائح، و تكون حسنة منه بأن يفعلها من وجه لا يقبح منه.

و ليس قولهم: إنّا لم نضفه إليه من وجه يقبح بشي‏ء يعتمد؛ بل يجري مجرى قول من جوّز عليه تعالى أن يكذب، و يكون الكذب منه تعالى حسنا؛ و يدّعي مع ذلك صحّة معرفة السمع بأن يقول: إنّني لم أضف إليه تعالى قبيحا، فيلزمني إفساد طريقة السمع، فلمّا كان من ذكرناه لا عذر له في هذا الكلام لم يكن للمخالف في الاستطاعة عذر بمثله.

و نعود إلى تأويل الآية؛ أمّا قوله تعالى: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ فَضَلُّوا فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً فليس فيه ذكر للشي‏ء الذي لا يقدرون عليه، و بيان له، و إنّما يصحّ ما قالوه لو بيّن أنّهم لا يستطيعون سبيلا إلى أمر معيّن؛ فأمّا إذا لم يكن ذلك كذلك فلا متعلّق لهم.

فإن قيل: فقد ذكر تعالى من قبل ضلالهم؛ فيجب أن يكون المراد بقوله:

فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً إلى مفارقة الضلال.

قلنا: إنّه تعالى كما ذكر الضلال فقد ذكر ضرب المثل؛ فيجوز أن يريد أنّهم‏

36

لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال و ذلك غير مقدور على الحقيقة، و لا مستطاع.

و الظاهر بهذا الوجه أولى؛ لأنّه تعالى حكى أنّهم ضربوا له الأمثال، و جعل ضلالهم و أنّهم لا يستطيعون السبيل متعلّقا بما تقدّم ذكره. و ظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه، و أنّهم ضلّوا بضرب المثل، و أنّهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل؛ على أنّه تعالى أخبر عنهم بأنّهم ضلّوا، و ظاهر ذلك الإخبار عن ماضي فعلهم.

فإن كان قوله تعالى: فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً يرجع إليه، فيجب أن يدلّ على أنّهم لا يقدرون على ترك الماضي؛ و هذا ممّا لا نخالف فيه‏[و ليس فيه ما نأباه‏] من أنّهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال و الخروج عنه بعد تركه.

و بعد؛ فإذا لم يكن للآية ظاهر، فلم صاروا بأن يحملوا نفي الاستطاعة على أمر كلّفوه أولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلّفوه، أو على أنّه أراد الاستثقال و الخبر عن عظم المشقّة عليهم.

و قد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنّه لا يستطيعه، و لا يقدر عليه و لا يتمكّن منه؛ ألا ترى أنّهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلّم فلانا، و لا ينظر إليه، و ما أشبه ذلك، و إنّما غرضهم الاستثقال و شدّة الكلفة و المشقّة.

فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف، فما المراد بها عندكم؟

قلنا: قد ذكر أبو عليّ أنّ المراد أنّهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا، لأنّه ضربوا الأمثال؛ ظنّا منهم بأنّ ذلك يبيّن كذبه، فأخبر تعالى أنّ ذلك غير مستطاع؛ لأنّه تكذيب صادق، و إبطال حقّ ممّا لا يتعلّق به قدرة، و لا تتناوله استطاعة. غ

37

و قد ذكر أبو هاشم أنّ المراد بالآية أنّهم لأجل ضلالهم بضرب الأمثال و كفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذي هو النجاة من العقاب و الوصول إلى الثواب.

و ليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير و الهدى، و هم عندكم قادرون على الإيمان و التوبة؟و متى فعلوا ذلك استحقّوا الثواب؛ لأنّ المراد أنّهم مع التمسّك بالضلال و المقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير و هدى؛ و إنّما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه.

و قد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدّم ذكره من أنّ المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنّهم مستثقلون للإيمان؛ و قد يخبر عمّن استثقلّ شيئا بأنّه لا يستطيعه على ما تقدّم ذكره.

فأمّا قوله تعالى في قصة موسى عليه السّلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنّك لا تستطيع ذلك في المستقبل؛ و لا يدلّ على أنّه غير مستطيع للصبر في الحال و أن يفعله في الثاني.

و قد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له؛ غير أنّ الآية تقتضي خلاف ذلك؛ لأنّه قد صبر على المسألة أوقاتا؛ و لم يصبر عنها في جميع الأوقات، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأوقات المستقبلة.

على أنّ المراد بذلك واضح، و أنّه خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عمّا لا يعرف و لا يقف عليه؛ لأنّ مثل ذلك يصعب على النفس؛ و لهذا نجد أحدنا إذا وجد بين يديه ما ينكره و يستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه، و البحث عن حقيقته، و يثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره؛ فلمّا حدث من صاحب موسى عليه السّلام ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك.

و يشهد بهذا الوجه قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (1) ؛ فبيّن

____________

(1) سورة الكهف، الآية: 68.

38

تعالى أنّ العلة في قلة صبره ما ذكرناه دون غيره، و لو كان على ما ظنّوه لوجب أن يقول: و كيف تصبر و أنت غير مطيق للصبر!

فأمّا قوله تعالى: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مََا كََانُوا يُبْصِرُونَ فلا تعلّق لهم بظاهره؛ لأنّ السمع ليس بمعنى فيكون مقدورا، لأنّ الإدراك على المذهب الصحيح ليس بمعنى، و لو ثبت أنّه معنى على ما يقوله أبو علي لكان أيضا غير مقدور للعبد من حيث يختصّ تعالى بالقدرة عليه.

هذا إن أريد بالسمع الإدراك؛ و إن أريد به نفس الحاسّة فهي أيضا غير مقدورة للعباد؛ لأنّ الجواهر و ما تختصّ به الحواسّ من البنية و المعاني ليصحّ به الإدراك ممّا ينفرد به القديم تعالى في القدرة عليه. فالظاهر لا حجّة لهم فيه.

فإن قالوا: فلعلّ المراد بالسمع كونهم سامعين؛ كأنّه تعالى نفى عنهم استطاعة أن يسمعوا.

قلنا: هذا خلاف الظاهر؛ و لو ثبت أنّ المراد ذلك لحملنا نفي الاستطاعة ها هنا على ما تقدّم ذكره من الاستثقال و شدّة المشقّة، كما يقول القائل: فلان لا يستطيع أن يراني، و لا يقدر أن يكلّمني، و ما أشبه ذلك، و هذا بيّن لمن تأمّله‏ (1) .

- وَ قََالُوا أَ إِذََا كُنََّا عِظََاماً وَ رُفََاتاً أَ إِنََّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [الإسراء: 49]

أنظر البقرة: 72، 73 من الأمالي، 2: 192.

- إِنَّ اَلشَّيْطََانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ اَلشَّيْطََانَ كََانَ لِلْإِنْسََانِ عَدُوًّا مُبِيناً [الإسراء: 53]

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ إِلاََّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا اَلْأَوَّلُونَ [الإسراء: 59]

أنظر غافر: 51 من الرسائل، 3: 209.

- قََالَ أَ رَأَيْتَكَ هََذَا اَلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاََّ قَلِيلاً [الإسراء: 62]

أنظر البقرة: 34 من الرسائل، 2: 155.

____________

(1) الأمالي، 2: 142.

39

- وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ [الإسراء: 64].

من قولهم أجلب الرجل: إذا سمعت له صياحا و جلبة و استعانة، يستصرخ بقوم و يستعين بهم على حرب‏ (1) .

- *وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً [الاسراء: 70].

[استدلّ بهذه الآية على تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم السّلام‏]و وجه الدلالة:

أنّه تعالى خبّر بأنّه فضل بني آدم على كثير ممّن خلقه، و ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّ في خلقه من لم يفضل بني آدم عليه، و قد علمنا أنّ المخلوقات هم الإنس و الجنّ و الملائكة و البهائم و الجمادات. و معلوم أنّ بني آدم أفضل من الجن و البهائم و الجمادات بلا شبهة، فيجب أن يكون من يجب خروجه من الكلام ممّن لم يفضّل بني آدم عليهم هم الملائكة عليهم السّلام و إلاّ سقطت الفائدة.

على أنّ لفظة «من» لا تتوجه إلى البهائم و الجمادات، و إنّما تختصّ بمن يعقل، فليس يدخل تحتها ممّن يجوز أن يفضل الادميون عليه إلاّ الملائكة و الجنّ و إذا علمنا أنّهم أفضل من الجنّ بقي الملائكة خارجين من الكلام، و في خروجهم دلالة على أنّهم أفضل.

و يقال له: لم زعمت أوّلا أن ظاهر الكلام يقتضي أنّ في المخلوقات من لم يفضل بني آدم عليه، فعلى ذلك بنيت الكلام كلّه، فانّه غير صحيح و لا يسلم.

فإن قال: إنّ لفظة «كثير» تقتضي ذلك.

قيل له: من أين قلت: إنّها تقتضي ما ادّعيته، و يطالب بالدلالة، فانّا لا نجدها.

ثم يقال له: قد جرت عادة الفصحاء من العرب بأن يستعملوا مثل هذه اللفظة من غير إرادة للتخصيص بل مع قصد الشمول و العموم، فيقولون: «أعطيته

____________

(1) الرسائل، 4: 100.

40

الكثير من مالي، و أبحته المنيع من حريمي، و بذلت له العريض من جاهي» ، و ليس يريدون أنّني أعطيته شيئا من مالي و ادّخرت عنه شيئا آخر منه، و لا أبحته منيع حريمي و لم أبح ما ليس يمنعها، و لا بذلت له عريض جاهي و منعت ما ليس بعريض، و إنّما المعزي بذلك و القصد: انّني أعطيته مالي و من صفته أنه كثير، و بذلت له جاهي و من صفته أنه عريض.

و له نظائر في القرآن كثيرة، و في أشعار العرب و محاوراتها، و هو باب معروف لا يذهب على من أنس بمعرفة لحن كلامهم، و نحن نذكر منه طرفا لأنّ استيعاب الجميع يطول:

فممّا يجري المجرى قوله تعالى: اَللََّهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا (1) و لم يرد أنّ لها عمدا لا ترونها بل أراد نفي العمد على كلّ حال.

و قال تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ (2) .

و لم يرد أنّ لأحد برهانا في دعاء اللّه مع اللّه تعالى، بل أراد أنّ من فعل ذلك فقد فعل ما لا برهان عليه.

و قوله تعالى: فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ قَتْلِهِمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ (3) و لم يرد تعالى أنّ فيمن يقتل من الأنبياء من يقتل بحقّ، بل المعنى ما ذكرناه و بيّناه.

و مثله قوله: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً (4) ، و لم يرد النهي عن الثمن القليل دون الكثير، بل نهى تعالى عن أخذ جميع الأثمان عنها و الأبدال، و وصف ما يؤخذ عنها بالقلة.

و قال سويد بن أبي كأهل:

من أناس ليس في أخلاقهم # عاجل الفحش و لا سوء الجزع‏ (5)

____________

(1) سورة الرعد، الآية: 2.

(2) سورة المؤمنون، الآية: 117.

(3) سورة النساء، الآية: 155.

(4) سورة البقرة، الآية: 41.

(5) من قصيدة في المفضليات ص 191-202.

41

و لم يثبت بهذا الكلام في أخلاقهم فحشا أصلا و جزعا غير سيّ‏ء، و إنّما نفي الفحش و الجزع على كلّ حال، و لو لا ذلك لكان هاجيا لهم و لم يكن مادحا.

و قال الفرزدق:

و لم تأت غير أهلها بالذي أتت # به جعفرا يوم الهضيبات عيرها (1)

أتتهم بتمر لم يكن هجرية (2) # و لا حنطة الشام المزيت خميرها (3)

فقوله «لم يكن هجرية» أي لم يحمل التمر الذي يكون كثير في هجر (4) ، و لم يرد بباقي البيت أنّ هناك حنطة ليس في خميرها زيت، بل أراد بها لم يحمل تمرا و لا حنطة، ثم وصف الحنطة بأنّ الزيت يجعل في خميرها.

و نظائر هذا الباب أكثر من أن تحصى.

فعلى ما ذكرناه لا ينكر أن يريد تعالى: انّا فضلناهم على جميع من خلقنا و هم كثير، فجرى ذكر الكثرة على سبيل الوصف المعلّق لا على وجه التخصيص و ليس لأحد أن يخبر بقوله: «فعل كذا و كذا كثير من الناس» على سبيل التخصيص دون العموم.

و قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوََائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (5) و قوله تعالى: وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ لَكََافِرُونَ (6) ، و ذلك أنّا لم نقل: إنّ هذه اللفظة في كلّ موضع تستعمل بمعنى واحد، بل الوجه في استعمالها يختلف، و ربّما أريد بها التخصيص و ربّما أريد ما ذكرناه ممّا تقدّم، و إنّما يرجع في ذلك إمّا إلى الوضع أو إلى الدلالة تدلّ على المعنى المقصود، و إنّما أردنا الردّ على من ادّعى أنّها تقتضي التخصيص لا محالة، فدفعناه عن ذلك بما أوردناه.

____________

(1) كذا في الديوان، و فى الاصل: به جعفر القرم يوم الهضاب عيرها.

(2) كذا في الاصل، و فى الديوان: أتتهم بعير لم تكن هجرية.

(3) ديوان الفرذوق: 1/368.

(4) هجرى مدينة، هي قاعدة البحرين، و قيل ناحيه البحرين كلها هجر (معجم البلدان 5/393) .

(5) سورة الأنعام، الآية: 119.

(6) سورة المؤمنون، الآية: 33.

42

و ليس لأحد أن يدّعي أنّ الظاهر من هذه اللفظة يقتضي التخصيص و أنّها إذا وردت لا تقتضيه كانت مجازا و عمل عليه بدلالة؛ لأنّ ذلك تحكّم من قائله.

و إذا عكس عليه و قيل له: بل التخصيص هو المجاز و ورودها مورد النعت و الوصف هو الحقيقة، لم يجد فصلا.

و وجه آخر: و هو أنّ الجنس إنّما يكون مفضلا على الجنس على أحد وجهين: إمّا بأن يكون كلّ عين من أعيانه أفضل من أعيان الجنس الآخر، أو بأن يكون الفضل في أعيانه أكثر، و ليس يجوز أن يفضّل الجنس على غيره بأن يكون فيه عين واحدة أفضل من كلّ عين في الجنس الآخر و باقيه خال من فضل، و يكون الجنس الآخر لكلّ عين منه فضلا و إن لم يبلغ إلى فضل تلك العين التي ذكرناها، و لهذا لا يجوز أن يفضّل أهل بغداد على أهل الكوفة إن كان في بغداد فاضل واحد أفضل من كلّ واحد من أهل الكوفة و باقي أهل بغداد لا فضل لهم، حتى كان كثير من أهل الكوفة ذوي فضل و إن لم يبلغوا إلى منزلة الفاضل الذي ذكرناه.

فإذا صحّت هذه المقدمة لم ينكر أنّ جنس بني آدم مفضول؛ لأنّ الفضل في الملائكة عامّ لجميعهم على مذهب أكثر الناس أو لأكثرهم، و الفضل في بني آدم مخصّص بقليل من كثير.

و على هذا لا ينكر أن يكون الأنبياء عليهم السّلام أفضل من الملائكة و إن كان جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، للمعنى الذي ذكرناه، و لمّا تضمّنت الآية ذكر بني آدم على سبيل الجنسية وجب أن يفضّلوا على من عدا الملائكة، و لو ذكر الأنبياء بذكر يخصّهم ممّن عداهم ممّن ليس بذي فضل لفضلهم على الملائكة (1) .

و وجه آخر ممّا يمكن أن يقال في هذه الآية أيضا: إنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت يقتضي أنّه تعالى لم يرد الفضل الذي هو زيادة الثواب، و إنّما أراد النعم

____________

(1) الرسائل، 2: 169 و أيضا، 162.

43

و المنافع الدنيوية، ألا ترى قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ و الكرامة إنّما هي الترفيه و ما يجري مجراه، ثمّ قال: وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ .

و لا شبهة في أنّ الحمل لهم في البرّ و البحر و رزق الطيبات خارج عمّا يستحقّ به الثواب، و يقتضي التفضيل الذي وقع الخلاف فيه، فيجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا في هذا الباب و في هذا القبيل، فإنّه أشبه من أن يراد به غير ما سياق الآية وارد به و مبنيّ عليه. و أقلّ الأحوال أن تكون لفظة «فضلناهم» محتملة للأمرين، فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما تذهب إليه‏ (1) .

- وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء: 72].

[إن سأل سائل‏]فقال: كيف يجوز أن يكونوا في الآخرة عميا، و قد تظاهر الخبر عن الرسول «عليه و آله السلام» بأنّ الخلق يحشرون كما بدئوا سالمين من الآفات و العاهات، قال اللّه تعالى: كَمََا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (2) ، و قال عزّ و جلّ: كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (3) ، و قال جلّ و علا: فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (4) .

الجواب: يقال في هذه الآية أربعة أجوبة:

أحدها: أن يكون العمي الأوّل إنّما هو عن تأمّل الآيات، و النظر في الدّلالات و العبر التي أراها اللّه المكلّفين في أنفسهم و فيما يشاهدون، و يكون العمي الثاني هو عن الإيمان بالآخرة، و الإقرار بما يجازى به المكلّفون فيها من ثواب أو عقاب، و قد قال قوم: إنّ الآية متعلّقة بما قبلها من قوله تعالى: رَبُّكُمُ اَلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ اَلْفُلْكَ فِي اَلْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ (5) إلى قوله تعالى: * وَ لَقَدْ كَرَّمْنََا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْنََاهُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ رَزَقْنََاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ وَ فَضَّلْنََاهُمْ عَلى‏ََ

____________

(1) الرسائل، 2: 164.

(2) سورة الأعراف، الآية: 29.

(3) سورة الأنبياء، الآية: 104.

(4) سورة ق، الآية: 22.

(5) سورة الإسراء، الآية: 66.

44

كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً (1) ثمّ قال بعد ذلك: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (2) يعني في هذه النعم، و عن هذه العبر، فهو في الآخرة أعمى؛ أي هو عمّا غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى، و يكون قوله: فِي هََذِهِ كناية عن النّعم لا عن الدنيا و يقال: إن ابن عباس «رحمة اللّه عليه» سأله سائل عن هذه الآية فقال له: اتل ما قبلها، و نبّهه على التأويل الذي ذكرناه.

و الجواب الثاني: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ يعني الدنيا أَعْمى‏ََ عن الإيمان باللّه و المعرفة بما أوجب اللّه عليه المعرفة به؛ فهو في الآخرة أعمى عن الجنّة و الثواب؛ بمعنى أنه لا يهتدي إلى طريقهما، و لا يوصل إليهما، أو عن الحجّة إذا سوئل و وقف، و معلوم أنّ من ضلّ عن معرفة اللّه تعالى و الإيمان به يكون يوم القيامة منقطع الحجة، مفقود المعاذير.

و الجواب الثالث: أن يكون العمى الأوّل عن المعرفة و الإيمان، و الثاني بمعنى المبالغة في الإخبار عن عظم ما يناله هؤلاء الكفار الجهّال باللّه من الخوف و الغم و الحزن الذي أزاله اللّه عن المؤمنين العارفين بقوله: لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ (3) ، و من عادة العرب أن تسمّى من اشتدّ همّه و قوي حزنه أعمى سخين العين، و يصفون المسرور بأنّه قرير العين، قال اللّه تعالى:

فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ (4) .

و الجواب الرابع: أنّ العمى الأوّل يكون عن الإيمان، و الثاني هو الآفة في العين على سبيل العقوبة؛ كما قال اللّه تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمى‏ََ (124) قََالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) `قََالَ كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَ كَذََلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسى‏ََ (126) (5) . و من يجيب بهذا الجواب يتأوّل قوله تعالى: كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ على أنّ المعنى فيه الإخبار عن الاقتدار و عدم المشقّة في

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 70.

(2) سورة الإسراء، الآية: 72.

(3) سورة يونس، الآية: 62.

(4) سورة السجدة، الآية: 17.

(5) سورة طه، الآيات: 124-126.

غ

45

الإعادة؛ كما أنّها معدومة في الابتداء، و يجعل ذلك نظيرا لقوله تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (1) ، و يتأوّل قوله تعالى: فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ على أنّ معناه الإخبار عن قوّة المعرفة، و أنّ الجاهل باللّه في الدنيا يكون عارفا في الآخرة؛ و العرب تقول: «فلان بصير بهذا الأمر» و «زيد أبصر بكذا من عمرو» و لا يريدون إبصار العين، بل العلم و المعرفة؛ و يشهد بهذا التأويل قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ، أي: كنت غافلا عمّا أنت الآن عارف به، فلمّا أن كشفنا عنك الغطاء بأن أعلمناك و فعلنا في قلبك المعرفة عرفت و علمت.

فأمّا الخبر الذي تدّعي روايته فهو خبر واحد، و لا حجّة في مثله؛ و إذا عرف لفظه ربّما أمكن تأوّله على ما يطابق هذا الجواب، و من ذهب إلى الأجوبة الأول يجعل العمى الأوّل و الثاني معا غير الآفة في العين، فإن عورض بقوله تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمى‏ََ (2) تأوّله على العمى عن الثواب أو عن الحجّة، و قال في قوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (3) إن معناه:

كنت بصيرا في اعتقادي و ظنّي، من حيث كنت أرجو الهداية إلى الثواب و طريق الجنّة.

و المحصّل من هذه الجملة أنّه لا يجوز أن يراد بالعمى الأوّل و الثاني جميعا الآفة في العين؛ لأنّه يؤدي إلى أنّ كلّ من كان مؤوف البصر في الدنيا، من مؤمن و كافر و طائع و عاص يكون كذلك في الآخرة، و هذا باطل و بمثله يبطل أن يراد بلفظه «أعمى» الثانية المبالغة بمعنى أفضل من فلان، و يبطله أيضا أنّ العمى الذي هو الخلقة لا يتعجّب منه بلفظة «أفعل» و إنّما يقال: ما أشدّ عماه!و لا يجوز أن يراد بالعمى الأولى العين و الثاني العمى عن الثواب أو الجنّة أو الحجّة، لأنّا نعلم أنّ فيمن عميت عينه في الدنيا من يستحقّ الثواب، و يوصل

____________

(1) سورة الروم، الآية: 27.

(2) سورة طه، الآية: 124.

(3) سورة طه، الآية: 125.

46

إليه، و لا يجوز أن يراد بالأوّل و الثاني العمى عن المعرفة و الإيمان، لا على طريقة المبالغة و التعجّب و لا على غير ذلك؛ لأنّا نعلم أنّ الجهّال باللّه تعالى، المعرضين في الدنيا عن معرفته لا يجوز أن يكون في الآخرة كذلك؛ فضلا أن يكونوا على أبلغ من هذه الحالة لأنّ المعارف في الآخرة ضرورية، يشترك فيها جميع الناس، فلم يبق بعد الذي أبطلناه إلاّ ما دخل في الأجوبة. و على الأجوبة الثلاثة الأول إذا أريد بأعمى الثانية المبالغة و التعجب كان في موضعه؛ لأنّ عمى القلب و ضلاله يتعجّب منه بلفظة «أفعل» و إن لم يجر ذلك في عمى الجارحة.

و لمن أجاب بالجواب الرابع أن لا يجعل قوله تعالى: فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ لفظة تعجّب، بل يجعله إخبارا عن عماه من غير تعجّب، و إن عطف عليه بقوله تعالى: وَ أَضَلُّ سَبِيلاً و يكون تقدير الكلام: و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و هو أضلّ سبيلا.

فإن قيل: و لم أنكرتم التعجب من الخلق بلفظة «أفعل» ؟قلنا: قد قال النحويون في ذلك: إنّ الألوان و العيوب لا يتعجّب منها بلفظة التعجّب و إنّما يعدل فيها إلى أشدّ و أظهر و ما جرى مجراهما؛ قالوا: لأنّ العيوب و الألوان قد ضارعت الأسماء، و صارت خلقة كاليد و الرّجل و نحو ذلك، فلا يقال: ما أسوده و ما أعوره، كما لا يقال: ما أيداه و ما أرجله؛ و يقال: ما أشدّ سواده! كما يقال: ما أشدّ يده و رجله!و اعتلّوا بعلّة أخرى، قالوا: إن الفعل من الألوان و العيوب على «افعلّ» و «افعالّ» ، نحو أحمرّ و أعورّ و أحولّ و أحوالّ، و التعجّب لا يدخل فيما زاد على ثلاثة أحرف من الأفعال؛ ألا ترى أنّه لا يدخل في انطلق و استخرج و دحرج لزيادته على ثلاثة أحرف‏ (1) ؟

فإن قيل لهم فقد قالوا: عورت عينه و حولت، قالوا: هذا منقول من «افعلّ» و هو في الحكم زائد على ثلاثة أحرف، يدلّ على ذلك صحّة الواو فيه؛ كما

____________

(1) حاشية بعض النسخ: «إنّما امتنعت صورة التعجب في الرباعي؛ لأن فعل التعجب يكون أبدا أربعة أحرف؛ أحدها ألف النقل و الثاني الفعل؛ فإذا أدخلت على الرباعي لم يكن بدّ من طرح أحد الحروف، و لا يمكن ذلك لأن كلها أصول فعلها؛ إذن التعجب يختص الثلاثي فحسب» .

47

صحّت في أسودّ و أبيض و لو لا أنّه منقول لاعتلّت الواو، فقلت: عارت و حالت، كما قيل: خاف و هاب.

و حكى عن الفرّاء في ذلك جوابان:

أحدهما: أنّ «أفعل» في التعجّب فيه زيادة على وصف قبله إذا قال القائل أفضل و أجمل، فهو أزيد في الوصف من جميل و فاضل، و لم يقولوا: ما أبيض زيدا!لئلا يسقط التزيد، و لا يكون قبل أبيض وصف يزيد أبيض عليه، يخالف لفظه لفظه؛ كما خالف أفضل و أجمل فاضلا و جميلا، فلمّا فاتهم في أبيض و أحمر علم التزيد أدخلوا عليه ما تبين الزيادة فيه، و قالوا: ما أظهر حمرة زيد:

و ما أشدّ سواد عمرو!لأنّ «أظهر» يزيد على ظاهر، و «أشدّ» يزيد على شديد.

و الجواب الآخر: أنّ التعجب مبنيّ على زيادة يصلح أن يتقدّمها نقص و تقصير عن بلوغ التناهي، فقالوا: ما أعلم زيدا!ليدلّوا على زيادة علمه؛ لأنهم في قولهم: عالم و عليم لم يبلغوا في التناهي مبلغ «أعلم» ، و لم يقولوا: ما أبيض زيدا!لأنّ البياض لا تأتي منه زيادة بعد نقص، فعدلوا إلى التعجّب بأشدّ و أبين و ما جرى مجراهما، و هذا الجواب ليس بسديد؛ لأنّ الألوان قد تتأتّي فيها الزيادة بعد نقص، و قد تدخل فيها المفاضلة، ألا ترى أنّ ما حلّه قليل أجزاء البياض يكون أنقص حالا من البياض مما حلّه الكثير من الأجزاء!

و الجواب الأول الذي حكيناه عن الفراء أصوب، و إن كان ما قدّمناه عن البصريين هو المعتمد و قد أنشد بعضهم معترضا على ما ذكرناه قول الشاعر:

يا ليتني مثلك في البياض # أبيض من أخت بني إباض‏ (1)

و أنشدوا أيضا قول الشاعر (2) :

____________

(1) البيت في اللسان (بيض) ، و روايته فيه:

جاريّة في درعها الفضفاض # أبيض من أخت بني إباض‏

و في حاشية بعض النسخ: «أبيض، بالرفع على تقدير: أنت أبيض، و بالفتح على أنه حال من أنا أو أنت. و إباض: اسم رجل» .

48

أمّا الملوك فأنت اليوم ألأمهم # لؤما و أبيضهم سربال طبّاخ‏

(1) فأمّا البيت الأول فإنّ أبا العباس المبرّد حمله على الشذوذ، و قال: إنّ الشاذّ النادر لا يطعن في المعمول عليه، و المتّفق على صحّته، و يجوز أيضا أن يقال في البيت الثاني مثل ذلك، و قد قيل في البيت الثاني: إنّ أبيض فيه ليس هو للمفاضلة، و إنّما هو أفعل الذي مؤنثه فعلاء، كقولك أبيض و بيضاء؛ و يجري ذلك مجرى قولهم هو حسن‏[القوم وجها، و شريفهم‏]خلقا؛ فكأنّ الشاعر قال:

و مبيضّهم، فلمّا أضافه انتصب ما بعده لتمام الاسم، و هذا أحسن من حمله على الشذوذ.

و يمكن فيه وجه آخر و هو أنّ أبيض في البيت و إن كان في الظاهر عبارة عن اللون فهو في المعنى كناية عن اللؤم و البخل، فحمل لفظ التعجب على المعنى دون اللفظ، و لو أراد بأبيضهم بياض الثوب و نقاءه على الحقيقة لما جاز أن يتعجب بلفظة «أفعل» ، فالذي جوّز تعجّبه بهذه اللفظة ما ذكرناه.

فأمّا قول المتنبي:

أبعد بعدت بياضا لا بياض له # لأنت أسود في عيني من الظّلم‏ (2)

فقد قيل فيه إنّ قوله: «لأنت أسود في عيني» كلام تام، ثمّ قال: «من الظلم» أي من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرار، و لئيم من لئام؛ أي من جملتهم، و قال الشاعر:

____________

(1) في حاشية بعض النسخ: «قال السيد المرتضى رضي اللّه عنه: هو لطرفة؛ و إنّما أراد ذمه بقلة القرى في بيته، فطباخه نقي الثوب» .

و اليت في ديوانه: 15، و روايته فيه:

إن قلت نصر فنصر كان شرّ فتى # قدما و أبيضهم سربال صبّاخ‏

و هو أيضا في اللسان (بيض) ، و روايته فيه:

إذ الرجال استووا و اشتدّ أكلهم # فأنت أبيضهم سربال طبّاخ‏

(2) ديوانه: 4/35؛ و هو يخاطب الشيب، و قبله:

ضيف ألمّ برأسي غير محتشم # و السّيف أصدق فعلا منه بالّلمم‏

49

و أبيض من ماء الحديد كأنّه # شهاب بدا و اللّيل داج عساكره‏

(1) كأنّه قال: و أبيض كائن من ماء الحديد، و قوله: «من ماء الحديد» وصف لأبيض، و ليس يتّصل به كاتّصال «من» بأفضل في قولك: هو أفضل من زيد، و لفظة «من» في بيت المتنبّي مرفوعة الموضع، لأنّها وصف لأسود؛ و إذا أريد المفاضلة و التعجّب كانت منصوبة الموضع بأسود كما يقال: «زيد خير منك» ، فمنك في موضع نصب بخير، كأنّه قال: قد خارك بخيرك، أي فضلك في الخير؛ و هذا التأويل المذكور في بيت المتنبّي يمكن أن يقال في قول الشاعر:

أبيض من أخت بني إباض‏

و يحمل على أنّه أراد من جملتها و من قومها، و لم يرد التعجّب و تأوّله على هذا الوجه أولى من حمله على الشذوذ، فأمّا قول المتنبّي:

أبعد بعدت بياضا لا بياض له‏

فالمعنى الظاهر للناس فيه أنّه أراد: لا ضياء له و لا نور و لا إشراق، من حيث كان حلوله محزنا مؤذنا بتقضي الأجل؛ و هذا لعمري معنى ظاهر؛ إلاّ أنه يمكن فيه معنى آخر؛ و هو أنّه يريد إنّك بياض لا لون بعده، لأنّ البياض آخر ألوان الشعر، فجعل قوله: «لا بياض له» بمنزلة قوله: لا لون بعده، و إنّما سوّغ ذلك له أنّ البياض هو الآتي بعد السّواد، فلمّا نفى أن يكون للشيب بياض كان نفيا لأن يكون بعده لون.

و قد اختلف القراء في فتح الميم و كسرها من قوله تعالى: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمى‏ََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ ، فقرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر و أبو عمرو بفتح الميمين معا، و قرأ عاصم في رواية أبي بكر و حمزة و الكسائيّ بكسر الميم فيهما معا، و في رواية حفص عن عاصم: لا يكسرهما، و كسر أبو عمرو الأولى و فتح الأخيرة؛ و لكلّ وجه، أمّا من ترك إمالة الجميع؛ فإن قوله حسن، لأنّ كثيرا من

____________

(1) البيت في شرح العكبري لبيت المتنبي، أورده من غير عزو.

50

العرب لا يميلون هذه الفتحة، و أمّا من أمال الجميع فوجه قوله أن ينحو بالألف نحو الياء، ليعلم أنّها تنقلب إلى الياء، و أمّا قراءة أبي عمرو بإمالة الأولى و فتح الثانية فوجه قوله أنّه جعل الثانية أفعل من كذا مثل أفضل من فلان، و إذا جعلها كذلك لم تقع الألف في آخر الكلمة؛ لأنّ آخرها إنّما هو من كذا و إنّما تحسن الإمالة في الأواخر، و قد حذف من «أفعل» الذي هو للتفضيل الجارّ و المجرور جميعا، و هما مرادان في المعنى مع الحذف، و ذلك نحو قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ اَلسِّرَّ وَ أَخْفى‏ََ (1) ؛ المعنى و أخفى من السرّ، فكذلك قوله تعالى: فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ََ ، أي أعمى منه في الدنيا، أو أعمى من غيره، و يقوّي هذه الطريقة ما عطف عليه من قوله تعالى: وَ أَضَلُّ سَبِيلاً ، فكما أنّ هذه لا يكون إلاّ على «أفعل من كذا» كذلك المعطوف عليه‏ (2) .

- أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ [اسراء: 78].

[فيها أمران: الأوّل: قال الناصر رحمه اللّه: ] «للمغرب وقتان كسائر الصلوات» .

عندنا أنّ أوّل وقت المغرب مغيب الشمس، و آخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة، و روي ربع اللّيل، و حكى بعض أصحابنا: أنّ وقتها يمتدّ إلى نصف اللّيل... (3) و قال أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمّد، و مالك، و الثوري، و ابن حيّ: لصلاة المغرب أوّل و آخر كسائر الصلوات‏ (4) .

و قال الشافعي: ليس للمغرب إلاّ وقت واحد (5) .

دليلنا بعد الاجماع المتقدّم، قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ لِدُلُوكِ اَلشَّمْسِ إِلى‏ََ غَسَقِ اَللَّيْلِ و قيل في الدلوك: إنّه الزوال، و قيل: إنّه الغروب؛ و هو عامّ لهما جميعا، فحصل: وقت المغرب ممتدّ إلى غسق اللّيل، و الغسق اجتماع الظلمة، و إذا ثبت

____________

(1) سورة طه، الآية: 7.

(2) الأمالي، 1: 108.

(3) مختلف الشيعة، 2: 20.

(4) المجموع، 3: 34.

(5) الأم، 1: 92.

51

أن وقت المغرب ممتد إلى وقت اجتماع الظلمة، فقد وضح أنّ لها وقتين‏ (1) .

[الثاني: قال الناصر رحمه اللّه: ] «و لا بأس بقضاء الفرائض عند طلوع الشمس، و عند استوائها، و عند غروبها» .

هذا صحيح، و عندنا أنّه يجوز أن يصلّي في الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها كلّ صلاة لها سبب متقدّم، و إنّما لا يجوز أن يبتدئ فيها النوافل...

دليلنا بعد الإجماع المتكرر قوله تعالى: أَقِمِ اَلصَّلاََةَ ، و الظاهر يتناول جميع الأوقات، و لا يلزم على ذلك فعل النوافل في الأوقات المنهيّ عنها، لأنّه خرج بدليل.

و ما روي عنه عليه السّلام من قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها» (2) ، و لم يفصّل بين وقت و آخر.

و ما روي من أنّ قيس بن قهد صلّى بعد الصبح، فقال له النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: «ما هاتان الركعتان» ؟فقال: ركعتا الصبح‏ (3) .

فلو لم يكن جائزا لأنكر عليه.

فإن تعلّقوا بقوله عليه السّلام «لا صلاة بعد الصبح حتّى تطلع الشمس، و لا صلاة بعد العصر حتّى تغرب الشمس» (4) .

الجواب عنه: أنّ ذلك عامّ في الصلوات التي لها أسباب و التي لا أسباب لها، و أخبارنا خاصة في جواز ما له سبب‏ (5) (6) .

- وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً [سورة الإسراء: 85] (7) .

و قد ظنّ قوم من غفلة الملحدين و جهّالهم أنّ الجواب عمّا سئل عنه في هذه

____________

(1) الناصريات: 193.

(2) سنن البيهقي، 2: 456.

(3) نفس المصدر.

(4) سنن البيهقي، 2: 452.

(5) الناصريات: 199.

(6) الكافي، 3: 292.

(7) سورة الإسراء، الآية: 85.

52

الآية لم يحصل، و أنّ الامتناع منه إنّما هو لفقد العلم به، و أنّ قوله تعالى: وَ مََا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاََّ قَلِيلاً تبكيت و تقريع لم يقعا موقعهما؛ و إنّما هو على سبيل المحاجزة و المدافعة عن الجواب.

و في هذه الآية وجوه من التّأويل تبطل ما ظنّوه، و تدلّ على ما جهلوه:

أوّلها: أنّه تعالى إنّما عدل عن جوابهم لعلمه بأنّ ذلك أدعى لهم إلى الصلاح في الدّين، و أنّ الجواب لو صدر منه إليهم لازدادوا فسادا و عنادا؛ إذ كانوا بسؤالهم متعنّتين لا مستفيدين؛ و ليس هذا بمنكر؛ لأنّا قد نعلم في كثير من الأحوال ممّن يسألنا عن الشّي‏ء أنّ العدول عن جوابه أولى و أصلح في تدبيره.

و قد قيل إنّ اليهود قالت لكفار قريش: سلوا محمدا عن الرّوح فإن أجابكم فليس بنبيّ، و ان لم يجبكم فهو نبيّ؛ فإنّا نجد في كتبنا ذلك؛ فأمره اللّه تعالى بالعدول عن ذلك ليكون علما و دلالة على صدقه، و تكذيبا لليهود الرادّين عليه؛ و هذا جواب أبي عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائيّ‏ (1) .

و ثانيها: أنّ القوم إنّما سألوه عن الرّوح: هل هي محدثة مخلوقة أو ليست كذلك؟فأجابهم إنّها من أمر ربّي، و هو جوابهم عمّا سألوه عنه بعينه؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول في الجواب: إنّها محدثة مخلوقة، و بين قوله إنّها من أمر ربّي؛ لأنّه إنّما أراد أنّها من فعله و خلقه، و سواء على هذا الجواب أن تكون الرّوح التي سألوا عنها هي التي بها قوام الجسد أو عيسى عليه السّلام، أم جبرئيل صلّى اللّه عليه. و قد سمّى اللّه جبرائيل روحا، و عيسى أيضا مسمّى بذلك في القرآن.

و ثالثها: أنّهم سألوا عن الرّوح الذي هو القرآن، و قد سمّى اللّه القرآن روحا في مواضع من الكتاب؛ فإذا كان السؤال عن القرآن فقد وقع الجواب

____________

(1) حاشية بعض النسخ: «أبو علي من قرية يقال لها جبّاء؛ و هي من رستاق كاور من ناحية الأهواز، و يقال لأهل هذه الناحية الربعيون؛ لأنهم كانوا استنفروا ليقاتلوا الحسين عليه السّلام فجاؤوا و قد فرغ من أمره، فطلبوا الأجرة، فقال ابن زياد: إنكم لم تبلوا بلاء، و أعطى كل واحد منهم ربع دينار.

قال دامت أيامه: أخبرني بذلك العراقي البصري» . و كانت وفاة أبي علي هذا في سنة 306.

(و انظر ترجمته في ابن خلكان: 481-480) .

غ

53

موقعه، لأنّه قال لهم: الروح الذي هو القرآن من أمر ربّي، و ممّا أنزله على نبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم؛ ليجعله دلالة له و علما على صدقه، و ليس من فعل المخلوقين، و لا ممّن يدخل في إمكانهم؛ و هذا جواب الحسن البصريّ.

و يقويه قوله تعالى بعد هذه الآية: وَ لَئِنْ شِئْنََا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنََا وَكِيلاً (1) . فكأنّه قال تعالى: إنّ القرآن من أمري و فعلي و ممّا أنزلته علما على نبوّة رسولي، و لو شئت لرفعته و أزلته و تصرّفت فيه، كما يتصرّف الفاعل فيما يفعله‏ (2) .

- وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) `أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهََارَ خِلاََلَهََا تَفْجِيراً (91) `أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمََاءَ كَمََا زَعَمْتَ عَلَيْنََا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللََّهِ وَ اَلْمَلاََئِكَةِ قَبِيلاً (92) [الإسراء: 90-92]

أنظر البقرة: 23 من الذخيرة: 364.

- قُلْ سُبْحََانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاََّ بَشَراً رَسُولاً [الإسراء: 93]

أنظر مريم: 28، 29 من الأمالي، 2: 170.

- وَ مََا مَنَعَ اَلنََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جََاءَهُمُ اَلْهُدى‏ََ [الإسراء: 94].

أنظر البقرة: 26، 27 من الرسائل، 2: 177 إلى 247.

- قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ [الإسراء: 110].

[فيها أمران:

الأول: ]سأل بعض الإخوان و قد خطر بباله عند قراءة شي‏ء من أخبار الأئمة و أدعية السادة عليهم السّلام من ذكر اسم اللّه تعالى الأعظم، و ما خصّ به من الفضيلة دون سائر أسماء اللّه تعالى، و ما أعطي من دعا به من سرعة الإجابة؛ مثل آصف بن برخيا وصيّ سليمان عليه السّلام و مجيئه بعرش بلقيس من سبأ اليمن إلى بيت المقدس في أقلّ من طرفة العين؛ و ما نقله الأنبياء و الأئمه و الصالحون من

____________

(1) سورة الإسراء، الآية: 86.

(2) الأمالي، 1: 39.

54

المعجزات، و عن قول الأئمة عليهم السّلام في أدعيتهم: «اللهم إنّي أسألك باسمك الأعظم» ، و فيهم من قال: «الأعظم الأعظم» متى زاد على ذلك، و منهم من قال:

«الأكبر الأكبر» . قال: فهل ترى أنّ «الأعظم» غير «الأكبر» ، أو «الأعظم الأعظم» غير «الأعظم» مرّة واحدة؟. قال: و إذا قلنا «أعظم» فيجب أن يكون ثمّ «ألطف» ، و إذا قلنا «أكبر» يجب أن يكون ثمّ «أصغر» ؛ و اللّه يتعالى من أن يكون له اسم ألطف من اسم أو أصغر، إذ كانت أسماؤه تعالى لا تذكر إلاّ على معنى واحد؛ و لا يشار بها إلاّ إليه؛ و قد نطق القرآن بتساويها في المنزلة، و هي قوله تعالى: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ أَيًّا مََا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ ؛ و قال تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْأَسْمََاءُ اَلْحُسْنى‏ََ فَادْعُوهُ بِهََا (1) ؛ و ذكر أنّها كلّها حسنى، فلم خصّ الأئمة عليهم السّلام أحدها بالتعظيم دون سائرها، و المقصود بها و المراد منها واحد تبارك و تعالى!.

فإن قيل له: لأنّ فيه ما يشاركه فيه المخلوقون: مثل كريم و رحيم و عالم و حاكم و غير ذلك؛ فلهذا كانت رتبة بعضها في التعظيم أقلّ من بعض.

قال: و الجواب عن ذلك: أنّه قد بقي منها عدّة أسماء لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين، و لا يستحقّها سواه مثل اللّه و إله و سبّوح و قدّوس و ما أشبه ذلك؛ ممّا لا يوصف بها غيره، و لا تليق إلاّ به «عزّ و جلّ» ، فلم اختصّ الاسم الأعظم بأحد هذه دون الأجرام؛ أم هل الاسم الأعظم أو الأكبر شي‏ء غير هذه الأسماء المتعارفة بين العوام! (2) .

الجواب عن المسألة: أنّ الأولى أن يكون اسم اللّه تعالى الأعظم خارجا عن هذه الأسماء و الصفات التي في أيدي الناس يناجون اللّه تعالى بها، و يدعونه و يسألونه؛ لأنّ ذلك الاسم لو كان من جملتها-و قد أجمعوا على أنّ اللّه تعالى لم يسأل به شيئا إلاّ أعطاه-لكان يجب في كلّ داع بهذه الأسماء و الصفات إذا كان الاسم من جملتها أن تجاب دعوته، و تنجح مسألته، و قد علمنا خلاف

____________

(1) سورة الأعراف، الآية: 180.

(2) في حاشية بعض النسخ: «في هذا الكلام بعض التخليط كانّه ليس من تحرير السيّد رحمه اللّه.