الميزان في تفسير القرآن - ج4

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
421 /
4

الجزء الرابع‏

(1) -

بقية سورة آل عمران

بيان‏

رجوع إلى ما بدأت به السورة من تنبيه المؤمنين بما هم عليه من الموقف الصعب،

5

(1) -و تذكيرهم بنعم الله عليهم من إيمان و نصر و كفاية، و تعليمهم ما يسبقون به إلى شريف مقصدهم‏، و هدايتهم إلى ما يسعدون به في حياتهم و بعد مماتهم.

و فيها قصة غزوة أحد، و أما الآيات المشيرة إلى غزوة بدر فإنما هي من قبيل الضميمة المتممة و محلها محل شاهد القصة و ليست مقصودة بالأصالة على ما سيجي‏ء.

قوله تعالى: « وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ مَقََاعِدَ لِلْقِتََالِ» إذ ظرف متعلق بمحذوف كاذكر و نحوه، و غدوت‏ من الغدو و هو الخروج غداة، و التبوئة تهيئة المكان للغير أو إسكانه و إيطانه المكان، و المقاعد جمع، و أهل الرجل‏ كما ذكره الراغب-من يجمعه و إياهم نسب أو بيت أو غيرهما كدين أو بلد أو صناعة، يقال:

أهل الرجل لزوجته و لمن في بيته من زوجة و ولد و خادم و غيرهم، و للمنتسبين إليه من عشيرته و عترته، و يقال: أهل بلد كذا لقاطنيه، و أهل دين كذا لمنتحليه، و أهل صناعة كذا لصناعها و أساتيدها، و يستوي فيه المذكر و المؤنث و المفرد و الجمع و يختص استعماله بالإنسان فأهل الشي‏ء خاصته من الإنسان.

و المراد بأهل رسول الله ص خاصته و هم جمع، و ليس المراد به هاهنا شخص واحد بدليل قوله: غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ إذ يجوز أن يقال: خرجت من خاصتك و من جماعتك‏ و لا يجوز أن يقال: خرجت من زوجتك و خرجت من أمك، و لذا التجأ بعض المفسرين إلى تقدير في الآية فقال: إن التقدير: خرجت من بيت أهلك، لما فسر الأهل بالمفرد، و لا دليل يدل عليه من الكلام.

و سياق الآيات مبني على خطاب الجمع و هو خطاب المؤمنين على ما تدل عليه الآيات السابقة و اللاحقة ففي قوله: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ اَلْمُؤْمِنِينَ ، التفات من خطابهم إلى خطاب رسول الله ص و كان الوجه فيه ما يلوح من آيات القصة من لحن العتاب فإنها لا تخلو من شائبة اللوم و العتاب و الأسف على ما جرى و ظهر من المؤمنين من الفشل و الوهن في العزيمة و القتال، و لذلك أعرض عن مخاطبتهم في تضاعيف القصة و عدل إلى خطاب النبي ص فيما يخص به فقال: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ، و قال: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ ، و قال: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ، و قال: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ ، و قال: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ ، و قال: وَ لاََ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَمْوََاتاً الآية.

6

(1) -فغير خطاب الجمع في هذه الموارد إلى خطاب المفرد، و هي موارد تحبس المتكلم الجاري في كلامه عن الجري فيه لما تغيظه و تهيج وجده، بخلاف مثل قوله في ضمن الآيات: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ ، و قوله:

وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ ، لأن العتاب فيهما بخطاب الجمع أوقع دون خطاب المفرد، و بخلاف مثل قوله في ضمن الآيات: لَقَدْ مَنَّ اَللََّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية، لأن الامتنان ببعثة النبي ص مع أخذه غائبا أوقع و أشد تأثيرا في النفوس، و أبعد من الوهم و الخطور، فتدبر في الآيات تجد صحة ما ذكرناه.

و معنى الآية: و اذكر إذ خرجت بالغداة من أهلك تهيئ للمؤمنين مقاعد للقتال أو تسكنهم و توقفهم فيها و الله سميع لما قيل هناك، عليم بما أضمرته قلوبهم، و المستفاد من قوله: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ، قرب المعركة من داره (ص) فيتعين بذلك أن الآيتين ناظرتان إلى غزوة أحد فتتصل الآيتان بالآيات الآتية النازلة في شأن أحد لانطباق المضامين على وقائع هذه الغزوة، و به يظهر ضعف ما قيل: إن الآيتين في غزوة بدر، و كذا ما قيل: إنهما في غزوة الأحزاب، و الوجه ظاهر.

قوله تعالى: « وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » أي سميع يسمع ما قيل هناك، عليم يعلم ما كان مضمرا في قلوبكم، و فيه دلالة على كلام جرى هناك بينهم، و أمور أضمروها في قلوبهم، و الظاهر أن قوله: إِذْ هَمَّتْ ، متعلق بالوصفين.

قوله تعالى: « إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاََ وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا » الهم‏ ما هممت به في نفسك و هو القصد، و الفشل‏ ضعف مع الجبن.

و قوله وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا ، حال و العامل فيه قوله: هَمَّتْ ، و الكلام مسوق للعتاب و اللوم، و كذا قوله: وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ ، و المعنى: أنهما همتا بالفشل مع أن الله وليهما و لا ينبغي لمؤمن أن يفشل و هو يرى أن الله وليه، و مع أن المؤمنين ينبغي أن يكلوا أمرهم إلى الله و من يتوكل على الله فهو حسبه.

و من ذلك يظهر ضعف ما قيل: إن هذا الهم هم خطرة لا هم عزيمة لأن الله تعالى مدحهما، و أخبر أنه وليهما، و لو كان هم عزيمة و قصد لكان ذمهم أولى إلى مدحهم.

و ما أدري ما ذا يريد بقوله: إنه هم خطرة، أ مجرد الخطور بالبال و تصور مفهوم‏

7

(1) -الفشل؟فجميع من هناك كان يخطر ببالهم ذلك، و لا معنى لذكر مثل ذلك في القصة قطعا، و لا يسمى ذلك هما في اللغة، أم تصورا معه شي‏ء من التصديق، و خطورا فيه شوب قصد؟كما يدل عليه ظهور حالهما عند غيرهما، و لو كان مجرد خطور من غير أي أثر لم يظهر أنهما همتا بالفشل، على أن ذكر ولاية الله لهم و وجوب التوكل على المؤمن إنما يلائم هذا الهم دون مجرد الخطور، على أن قوله: وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا ، ليس مدحا بل لوم و عظة على ما يعطيه السياق كما مر.

و لعل منشأ هذا الكلام‏

ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه‏ قال*: فينا نزلت، و ما أحب أنها لم تكن، لقوله: وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا

ففهم من الرواية أن جابرا فهم من الآية المدح.

و لو صحت الرواية فإنما يريد جابر أن الله تعالى قبل إيمانهم و صدق كونهم مؤمنين حيث عد نفسه وليا لهم، و الله ولي الذين آمنوا و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، لا أن الجملة واقعة موقع المدح في هذا السياق الظاهر في العتاب.

قوله تعالى: « وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ » إلى آخر الآية ظاهر السياق أن تكون الآية مسوقة سوق الشاهد لتتميم العتاب و تأكيده فتكون تؤدي معنى الحال كقوله: وَ اَللََّهُ وَلِيُّهُمََا ، و المعنى: و ما كان ينبغي أن يظهر منكم الهم بالفشل و قد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة، و ليس من البعيد أن يكون كلاما مستقلا سيق مساق الامتنان بذكر نصر عجيب من الله بإنزال الملائكة لإمدادهم و نصرهم يوم بدر.

و لما ذكر تعالى نصره إياهم يوم بدر و قابل ذلك بما هم عليه من الحال-و من المعلوم أن كل من اعتز فإنما يعتز بنصر الله و عونه فليس للإنسان من قبل نفسه إلا الفقر و الذلة-و لذلك قال: وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ .

و من هنا يعلم أن قوله: وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ لا ينافي أمثال قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ : المنافقون: -8 فإن عزتهم إنما هي بعزة الله، قال تعالى: فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلََّهِ جَمِيعاً: النساء: -139 و ذلك بنصر الله المؤمنين كما قال تعالى: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ فَجََاؤُهُمْ بِالْبَيِّنََاتِ فَانْتَقَمْنََا مِنَ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ: الروم: -47 فإذا كان الحال هذا الحال فلو اعتبر حال المؤمنين من حيث‏

8

(1) -أنفسهم لم يكن لهم إلا الذلة.

على أن واجهة حال المؤمنين أيضا يوم بدر كانت تقضي بكونهم أذلة قبال ما كان عليه المشركون من القوة و الشوكة و الزينة، و لا ضير في إضافة الذلة النسبية إلى الأعزة و قد أضافها الله سبحانه إلى قوم مدحهم كل المدح حيث قال: فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ: XالآيةX «المائدة: -54» .

قوله تعالى: «إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ» ، الإمداد من المد و هو إيصال المدد على نعت الاتصال.

قوله تعالى: «بَلى‏ََ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا» ، بلى‏ كلمة تصديق و الفور و الفوران‏ : الغليان يقال: فار القدر إذا غلا و جاش، ثم أستعير للسرعة و العجلة فاستعمل في الأمر الذي لا ريث فيه و لا مهلة فمعنى من فورهم هذا من ساعتهم هذه.

و الظاهر أن مصداق الآية هو يوم بدر، و إنما هو وعد على الشرط و هو ما يتضمنه قوله: إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا .

و أما ما يظهر من بعض المفسرين أنه وعد بإنزال الملائكة إن جاءوهم بعد فورهم هذا يعني يوم بدر بأن يكون المراد مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا هو يوم بدر لا في يوم بدر، و كذا ما يظهر من بعض آخر أنه وعد بإنزالهم في سائر الغزوات بعد بدر كأحد و حنين و الأحزاب فمما لا دليل عليه من لفظ الآية.

أما يوم أحد فلا محل لاستفادة نزول الملائكة فيه من الآيات و هو ظاهر، و أما يوم الأحزاب و يوم حنين فالقرآن و إن كان يصرح بنزول الملائكة فيهما فقد قال في قصة الأحزاب: إِذْ جََاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنََا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا : «الأحزاب: -9» و قال: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ «Xإلى أن قال‏X» : وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا : «التوبة: -26» إلا أن لفظ هذه الآية: بَلى‏ََ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هََذََا، قاصر عن إفادة عموم الوعد.

و أما نزول ثلاثة آلاف يوم بدر فلا ينافي قوله تعالى في سورة الأنفال: فَاسْتَجََابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ مُرْدِفِينَ : «الأنفال: -9» لمكان قوله: مُرْدِفِينَ أي متبعين لآخرين و هم الألفان الباقيان المكملان للعدد على ما ذكر في هذه الآيات.

9

(1) -}قوله تعالى: «وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ لَكُمْ» ، الضمير راجع إلى الإمداد، و لفظة عند ظرف يفيد معنى الحضور، و قد كان أولا مستعملا في القرب و الحضور المكاني المختص بالأجسام ثم توسع فاستعمل في القرب الزماني ثم في مطلق القرب و الحضور المعنوي كيفما كان، و قد استعمل في القرآن في مختلف الفنون.

و الذي يفيده في هذا المقام أعني قوله: وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاََّ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ بالنظر إلى ما سبقه من قوله: وَ مََا جَعَلَهُ اَللََّهُ إِلاََّ بُشْرى‏ََ لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ هو المقام الربوبي الذي ينتهي إليه كل أمر و حكم، و لا يكفي عنه و لا يستقل دونه شي‏ء من الأسباب، فالمعنى: أن الملائكة الممدين ليس لهم من أمر النصر شي‏ء بل هم أسباب ظاهرية يجلبون لكم البشرى و طمأنينة القلب، و إنما حقيقة النصر من الله سبحانه لا يغني عنه شي‏ء، و هو الله الذي ينتهي إليه كل أمر، العزيز الذي لا يغلب، الحكيم الذي لا يجهل.

قوله تعالى: «لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ» إلى آخر الآيات، اللام متعلق بقوله: وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ، و قطع الطرف كناية عن تقليل عدتهم و تضعيف قوتهم بالقتل و الأسر كما وقع يوم بدر فقتل من المشركين سبعون و أسر سبعون، و الكبت هو الإخزاء و الإغاظة.

و قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ معترضة، و فائدتها بيان أن الأمر في القطع و الكبت لله، و ليس للنبي ص فيه صنع حتى يمدحوه و يستحسنوا تدبيره إذا ظفروا على عدوهم و نالوا منه، و يلوموه و يوبخوه إذا دارت الدائرة عليهم و يهنوا و يحزنوا كما كان ذلك منهم يوم أحد على ما حكاه الله تعالى.

و قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ معطوف على قوله: لِيَقْطَعَ ، و الكلام متصل، و قوله:

وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ ، بيان لرجوع أمر التوبة و المغفرة إلى الله تعالى، و المعنى: أن هذا التدبير المتقن منه تعالى إنما هو ليقطع طرفا من المشركين بالقتل و الأسر أو ليخزيهم و يخيبهم في سعيهم أو ليتوب عليهم أو ليعذبهم، أما القطع و الكبت فلأن الأمر إليه لا إليك حتى‏ تمدح أو تذم، و أما التوبة و العذاب فلأن الله هو المالك لكل شي‏ء فيغفر لمن يشاء، و يعذب من يشاء، و مع ذلك فإن مغفرته و رحمته تسبقان عذابه و غضبه فهو الغفور الرحيم.

10

(1) -و إنما أخذنا قوله: وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ ، في موضع التعليل للفقرتين الأخيرتين أعني قوله: أَوْ يَتُوبَ اه، لما في ذيله من اختصاص البيان بهما أعني قوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشََاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشََاءُ .

و قد ذكر المفسرون وجوها أخر في اتصال قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً ، و في معنى العطف في قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ، و كذا في ما يعلله قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ، و ما يعلله قوله: وَ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ ، أغمضنا عن التعرض لها و البحث عنها لقلة الجدوى فيها لمخالفتها ما يفيده ظاهر الآيات بسياقها الجاري، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع مطولات التفاسير.

بحث روائي‏

في المجمع، : عن الصادق (ع) أنه قال *كان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة-و قد أصابهم ما أصابهم من القتل و الأسر، لأنه قتل منهم سبعون و أسر سبعون-قال أبو سفيان: يا معشر قريش-لا تدعوا نساءكم تبكين على قتلاكم-فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن و العداوة لمحمد-فلما غزوا رسول الله ص يوم أحد-أذنوا لنسائهم في البكاء و النوح، و خرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس- و ألفي راجل و أخرجوا معهم النساء.

فلما بلغ رسول الله ص ذلك-جمع أصحابه و حثهم على الجهاد-فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله-لا تخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها-فيقاتل الرجل الضعيف و المرأة و العبد و الأمة-على أفواه السكك و على السطوح-فما أرادنا قوم قط فظفروا بنا-و نحن في حصوننا و دورنا، و ما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا.

فقام سعد بن معاذ و غيره من الأوس فقالوا: يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب-و نحن مشركون نعبد الأصنام-فكيف يطمعون فينا و أنت فينا؟لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم-فمن قتل منا كان شهيدا، و من نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله.

فقبل رسول الله ص رأيه، و خرج مع نفر من أصحابه يتبوءون موضع القتال- كما قال تعالى: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ الآية-و قعد عنه عبد الله بن أبي بن سلول، و جماعة

11

(1) -من الخزرج اتبعوا رأيه.

و وافت قريش إلى أحد-و كان رسول الله عبأ أصحابه و كانوا سبعمائة رجل- و وضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة-على باب الشعب، و أشفق‏أن يأتي كمينهم من ذلك المكان، فقال لعبد الله بن جبير و أصحابه: إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة-فلا تبرحوا من هذا المكان، و إن رأيتموهم هزمونا حتى أدخلونا المدينة- فلا تبرحوا و الزموا مراكزكم.

و وضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا، و قال: إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم-من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم-.

و عبأ رسول الله ص أصحابه، و دفع الراية إلى أمير المؤمنين (ع) -و حمل الأنصار على مشركي قريش-فانهزموا هزيمة قبيحة، و وضع أصحاب رسول الله ص في سوادهم-و انحط خالد بن الوليد في مائتي فارس على عبد الله بن جبير-فاستقبلوهم بالسهام فرجع، و نظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله ص-ينتهبون سواد القوم-فقالوا لعبد الله بن جبير: قد غنم أصحابنا و نبقى نحن بلا غنيمة؟فقال لهم عبد الله: اتقوا الله-فإن رسول الله قد تقدم إلينا أن لا نبرح، فلم يقبلوا منه، و أقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم، و بقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا.

و كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدي-من بني عبد الدار فقتله علي، و أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة-فقتله علي و سقطت الراية-فأخذها مسافع بن أبي طلحة فقتله علي-حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار-حتى صار لواؤهم إلى عبد لهم أسود يقال له: صواب-فانتهى إليه علي فقطع يده اليمنى فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها-فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره، ثم التفت إلى أبي سفيان فقال: هل عذرت في بني عبد الدار؟فضربه علي على رأسه فقتله، و سقط اللواء فأخذتها غمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها-.

و انحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير-و قد فر أصحابه و بقي في نفر قليل-فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم، و نظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها، و انهزم أصحاب رسول الله ص هزيمة عظيمة،

12

(1) -و أقبلوا يصعدون في الجبال و في كل وجه-.

فلما رأى رسول الله ص الهزيمة كشف البيضة عن رأسه-و قال: إلي أنا رسول الله-إلى أين تفرون عن الله و عن رسوله؟و كانت هند بنت عتبة في وسط العسكر-فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا و مكحلة، و قالت: إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا.

و كان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم-فإذا رأوه انهزموا و لم يثبت له أحد، و كانت هند قد أعطت وحشيا عهدا-لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لأعطينك كذا و كذا، و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا-فقال وحشي: أما محمد فلم أقدر عليه، و أما علي فرأيته حذرا كثير الالتفات فلا مطمع فيه، فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا-فمر بي فوطئ على جرف نهر فسقط، و أخذت حربتي فهززتها و رميته بها- فوقعت في خاصرته و خرجت من ثنته-فسقط فأتيته فشققت بطنه، و أخذت كبده، و جئت به إلى هند-فقلت هذه كبد حمزة، فأخذتها في فمها فلاكتها-فجعله الله في فمها مثل الداعضة-و هي عظم رأس الركبة-فلفظتها و رمت بها، فقال رسول الله (ع) :

فبعث الله ملكا فحمله و رده إلى موضعه-قال: فجاءت إليه فقطعت مذاكيره، و قطعت أذنيه، و قطعت يده و رجله-و لم يبق مع رسول الله ص إلا أبو دجانة سماك بن خرشة و علي، فكلما حملت طائفة على رسول الله استقبلهم علي-فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه-فدفع إليه رسول الله ص سيفه ذا الفقار، و انحاز رسول الله ص إلى ناحية أحد فوقف-فلم يزل علي (ع) يقاتلهم حتى أصابه في رأسه و وجهه-و بدنه و بطنه و رجليه سبعون جراحة، كذا أورده علي بن إبراهيم في تفسيره-فقال جبرائيل:

إن هذه لهي المواساة يا محمد، فقال محمد ص إنه مني و أنا منه-فقال جبرائيل: و أنا منكما-.

قال أبو عبد الله: نظر رسول الله ص إلى جبرائيل-بين السماء و الأرض على كرسي من ذهب و هو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي.

و في رواية القمي" *و بقيت مع رسول الله ص نسيبة بنت كعب المازنية -و كانت تخرج مع رسول الله ص في غزواته تداوي الجرحى-و كان ابنها معها فأراد أن ينهزم و يتراجع-فحملت عليه و قالت: يا بني-إلى أين تفر عن الله و عن رسوله،

13

(1) -فردته فحمل عليه رجل فقتله، فأخذت سيف ابنها-فحملت على الرجل فضربته على فخذه فقتلته، فقال رسول الله ص: بارك الله فيك يا نسيبة، و كانت تقي رسول الله بصدرها و ثدييها-حتى أصابتها جراحات كثيرة.

و حمل ابن قمئة على رسول الله ص و قال: أروني محمدا لا نجوت إن نجا، فضربه على حبل عاتقه، و نادى: قتلت محمدا و اللات و العزى.

أقول: و في القصة روايات أخر ربما تخالف هذه الرواية في بعض فقراتها.

منها: ما في هذه الرواية أن عدة المشركين كانت خمسة آلاف فإن غالب الروايات أنهم كانوا ثلاثة آلاف رجل.

و منها: ما فيها أن عليا (ع) قتل حاملي الراية و هم تسعة و يوافقها فيه روايات أخر، و رواه ابن الأثير في الكامل عن أبي رافع، و بقية الروايات تنسب قتل بعضهم إلى غيره (ع) و التدبر في القصة يؤيد ما في هذه الرواية.

و منها: ما فيها أن هندا أعطت وحشيا عهدا في قتل حمزة فإن ما روته أهل السنة أن الذي أعطاه العهد مولاه جبير بن مطعم وعده تحريره على الشرط، و إتيانه بكبد حمزة إلى هند دون جبير يؤيد ما في هذه الرواية.

و منها: ما فيها أن جميع المسلمين تفرقوا عن رسول الله ص إلا علي و أبو دجانة و هو الذي اتفقت عليه الروايات، و في بعضها ذكر لغيرهما حتى أنهي من ثبت مع رسول الله ص إلى ثلاثين رجلا لكن هذه الروايات ينفي بعضها ما في بعض، و عليك بالتدبر في أصل القصة و القرائن التي تبين الأحوال حتى يخلص لك الحق، فإن هذه القصص و الروايات شهدت مواقف موافقة و مخالفة و مرت بأجواء نيرة و مظلمة حتى انتهت إلينا.

و منها: ما فيها أن الله بعث ملكا فحمل كبد حمزة فرده إلى موضعه، و ليس في غالب الروايات، و في بعضها كما في الدر المنثور عن ابن أبي شيبة و أحمد و ابن المنذر عن ابن مسعود في حديث قال: ثم قال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة و إن‏كانت لمن غير ملإ منا ما أمرت و لا نهيت، و لا أحببت و لا كرهت، و لا ساءني و لا سرني،

14

(1) -: قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، و أخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله ص: أ أكلت شيئا؟قالوا: لا قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة النار، الحديث.

و في روايات أصحابنا و غيرهم: أن رسول الله ص أصيب يومئذ بشجة في جبهته، و كسرت رباعيته: و اشتكت ثنيته رواه مغيرة.

و في الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر عن ابن شهاب، و محمد بن يحيى بن حيان، و عاصم بن عمرو بن قتادة، و الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، و غيرهم كل قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد.

قالوا: لما أصيب قريش أو من ناله منهم يوم بدر من كفار قريش و رجع فلهم إلى مكة، و رجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة و عكرمة بن أبي جهل و صفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم و أبناؤهم و إخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب و من كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم و قتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا بمن أصاب، ففعلوا فأجمعت قريش لحرب رسول الله ص و خرجت بجدتها و جديدها، و خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة و لئلا يفروا، و خرج أبو سفيان و هو قائد الناس فأقبلوا حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السنجة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة.

فلما سمع بهم رسول الله ص و المسلمون بالمشركين قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله ص*: إني‏ رأيت بقرا تنحر، و رأيت في ذباب سيفي ثلما، و رأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا المدينة و تدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، و إن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها.

و نزلت قريش منزلها أحدا يوم الأربعاء فأقاموا ذلك اليوم و يوم الخميس و يوم الجمعة، و راح رسول الله ص حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث.

و كان رأي عبد الله بن أبي مع رأي رسول الله ص يرى رأيه في ذلك أن لا

15

(1) -يخرج إليهم، و كان رسول الله ص يكره الخروج من المدينة فقال رجال من المسلمين- ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد و غيرهم ممن كان فاته يوم بدر و حضوره-: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم و ضعفنا فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله أقم بالمدينة فلا تخرج إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، و لا دخلها علينا إلا أصبنا منهم فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر، و إن دخلوا قاتلهم النساء و الصبيان و الرجال بالحجارة من فوقهم، و إن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا، و لم يزل الناس برسول الله ص الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله ص فلبس لأمته، و ذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم و قد ندم الناس، و قالوا: استكرهنا رسول الله ص و لم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد فقال رسول الله ص: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل.

فخرج رسول الله في ألف رجل من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة و أحد تحول عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، و مضى رسول الله ص حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب ذباب سيفه فاستله فقال رسول الله ص -و كان يحب الفال و لا يعتاف-لصاحب السيف: شم سيفك فإني أرى السيوف ستستل اليوم، و مضى رسول الله ص حتى نزل بالشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره و عسكره إلى أحد، و تعبأ رسول الله ص للقتال و هو في سبعمائة رجل.

و أمر رسول الله ص على الرماة عبد الله بن جبير-و الرماة خمسون رجلا- فقال: انضح عنا الجبل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فأنت مكانك لنؤتين من قبلك، و ظاهر رسول الله ص بين درعين.

و في الدر المنثور، أيضا عن ابن جرير عن السدي في حديث"*: و خرج رسول الله ص إلى أحد في ألف رجل، و قد وعدهم الفتح أن يصبروا-فرجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة-فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فأعيوه، و قالوا له: ما نعلم قتالا و لئن أطعتنا لترجعن معنا.

و قال: إِذْ هَمَّتْ طََائِفَتََانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاََ ، و هم بنو سلمة و بنو حارثة-هموا

16

(1) -بالرجوع حين رجع عبد الله بن أبي‏ فعصمهم الله، و بقي رسول الله ص في سبعمائة.

أقول: بنو سلمة و بنو حارثة حيان من الأنصار فبنو سلمة من الخزرج و بنو حارثة من الأوس.

و في المجمع، : روى ابن أبي إسحاق و السدي و الواقدي و ابن جرير و غيرهم و قالوا"*:

كان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء-في شوال سنة ثلاث من الهجرة، و خرج رسول الله ص إليهم يوم الجمعة، و كان القتال يوم السبت النصف من الشهر، و كسرت رباعية رسول الله ص و شج في وجهه-ثم رجع المهاجرون و الأنصار بعد الهزيمة-و قد قتل من المسلمين سبعون، و شد رسول الله بمن معه حتى كشفهم، و كان المشركون مثلوا بجماعة، و كان حمزة أعظم مثلة.

أقول: الروايات في قصة أحد كثيرة جدا و لم نرو من بينها فيما تقدم و يأتي إلا النزر اليسير الذي يتوقف عليها فهم معاني الآيات النازلة فيها، فالآيات في شأن القصة أقسام:

فمنها: ما تتعرض لفشل من فشل من القوم و تنازع أو هم أن يفشل يومئذ.

و منها: ما نزل و لحنه العتاب و اللوم على من انهزم و انكشف عن رسول الله ص و قد كان الله حرم عليهم ذلك.

و منها: ما يتضمن الثناء على من استشهد قبل انهزام الناس، و من ثبت و لم ينهزم و قاتل حتى قتل.

و منها: ما يشتمل على الثناء الجميل على من ثبت إلى آخر الغزوة و قاتل و لم يقتل.

17

(1) -

بيان‏

آيات داعية إلى الخير، زاجرة عن الشر و السوء، و هي مع ذلك لا تفقد الاتصال بما قبلها و لا ما بعدها من الآيات الشارحة لقصة غزوة أحد، و بيان ما كان في المؤمنين يومئذ من مساوئ الحالات و الخصال المذمومة التي لا يرتضيها الله سبحانه، و هي الموجبة لما دب فيهم من الوهن و الضعف و معصية الله و رسوله، فالآيات من تتمة الآيات النازلة في غزوة أحد.

ثم هدايتهم إلى ما يأمنون به الوقوع في هذه الورطات المهلكة، و العقبات المردية و دعوتهم إلى تقوى الله و الثقة به و الثبات على طاعة الرسول، فهذه الآيات التسع خاصة فيها ترغيب و تحذير، فهي ترغب المؤمنين على المسارعة إلى الخير و هي الإنفاق في سبيل الله في السراء و الضراء، و كظم الغيظ و العفو عن الناس، و يجمعها بث الإحسان و الخير

18

(1) -في المجتمع، و الصبر على تحمل الأذى و السوء، و الصفح عن الإساءة قبالة الإساءة، فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تستحفظ بها حياة المجتمع‏ و يشد بها عظمه فيقوم على ساق، و من لوازم هذا الإنفاق و الإحسان ترك الربا و لذلك بدأ به، و هو كالتوطئة للدعوة إلى الإحسان و الإنفاق، فقد مر في آيات الإنفاق و الربا من سورة البقرة أن الإنفاق بجميع طرقه من أعظم ما يعتمد عليه بنية المجتمع، و أنه الذي ينفخ روح الوحدة في المجتمع الإنساني فتتحد به قواه المتفرقة فتنال بذلك سعادته في الحياة، و يقوى به على دفع كل آفة مهلكة أو موذية تقصده، و إن الربا من أعظم ما يضاد الإنفاق في خاصته هذه.

فهذا ما يرغبهم الله فيه ثم يرغبهم في أن لا ينقطعوا عن ربهم بقواطع الذنوب و المعاصي فإن أتوا بما لا يرضاه لهم ربهم تداركوه بالتوبة و الرجوع إليه ثانيا و ثالثا من غير أن يكسلوا أو يتوانوا، و بهذين الأمرين يستقيم سيرهم في صراط الحياة السعيدة فلا يضلون و لا يقفون فيهلكوا.

و هذا البيان كما ترى أحسن طريق يهدي به الإنسان إلى تكميل نفسه بعد ظهور النقص و أجود سبيل في علاج الرذائل النفسانية التي ربما دبت في النفوس المحلاة بالفضائل فأورثت السفال و السقوط و هددت بالهلكة و الردى.

تعليم القرآن و قرانه العلم بالعمل‏

و هذا من دأب القرآن في تعليمه الإلهي إذ لم يزل يجعل في مدة نزولها-و هي ثلاث و عشرون سنة-لكليات تعاليمه مواد أولية حتى إذا عمل بشي‏ء منها أخذ صورة العمل الواقع مادة لتعليمهم ثانيا فألقاها إليهم بعد إصلاح الفاسد من أجزائه و تركيبه بالصحيح الباقي، و ذم الفاسد، و الثناء على الصحيح المستقيم و الوعد الجميل و الشكر الجزيل لفاعله، فكتاب الله العزيز كتاب علم و عمل لا كتاب فرض و تقدير، و لا كتاب تعمية و تقليد.

فمثله مثل المعلم يلقي إلى تلامذته الكليات العلمية في أوجز بيان و أقصر لفظ و يأمرهم بالعمل بها ثم يأخذ ما عملوه ثانيا و يحلله إلى أوائل أجزائه من صحيح و فاسد فيبين لهم موارد النقص و القصور مشفعة بالعظة و الوعيد، و يمدح موارد الاستقامة و الصحة و يقارنها بالوعد و الشكر و يأمرهم بالعمل ثانيا، و هذا فعاله حتى يكملوا في‏

19

(1) -فنهم و يسعدوا في جدهم.

و هذا الذي ذكرناه من الحقائق القرآنية اللائحة للمتدبر الدقيق في بادئ مرة فتراه سبحانه ينزل كليات الجهاد مثلا في آياته بادئ مرة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ Xالآيات‏X:

«البقرة» 216 و يأمر المؤمنين به فيها ثم يأخذ قصة بدر ثانيا و يأمرهم بما يبين لهم فيها ثم قصة أحد ثم قصة أخرى و هكذا، و تراه سبحانه يقص قصص السابقين من الأنبياء و أممهم ثم يجعلها بعد إصلاحها و بيان وجه الحق فيها عبرة للاحقين و دستورا لعملهم و هكذا، و قد نزل في هذه الآيات من هذا القبيل قوله: فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ الآية، و قوله:

وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ الآيات..

بيان‏

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَأْكُلُوا اَلرِّبَوا» إلى آخر الآيات الثلاث قد مر سابقا وجه إطلاق الأكل و إرادة الأخذ، و قوله: أَضْعََافاً مُضََاعَفَةً يشير إلى الوصف الغالب في الربا فإنه بحسب الطبع يتضاعف فيصير المال أضعافا مضاعفة بإنفاد مال الغير و ضمه إلى رأس المال الربوي.

و في قوله: وَ اِتَّقُوا اَلنََّارَ اَلَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكََافِرِينَ ، إشارة إلى كفر آكل الربا كما مر في سورة البقرة في آيات الربا: وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ كَفََّارٍ أَثِيمٍ : «البقرة: 276» .

قوله تعالى: «سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ» ، المسارعة هي الاشتداد في السرعة و هي ممدوحة في الخيرات، و مذمومة في الشرور.

و قد قورن في القرآن الكريم المغفرة بالجنة في غالب الموارد، و ليس إلا لأن الجنة دار طهارة لا يدخل فيها قذارات المعاصي و الذنوب و أدرانها، و لا من تقذر بها إلا بعد المغفرة و الإزالة.

و المغفرة و الجنة المذكورتان في هذه الآية تحاذيان ما في الآيتين التاليتين، أما المغفرة فتحاذي ما في قوله: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً ، و أما الجنة فتحاذي ما في قوله:

اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ .

و أما قوله: جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ ، فالمراد بالعرض السعة و هو استعمال شائع، و كان التعبير كناية عن بلوغها في السعة غايتها أو ما لا يحدها الوهم البشري، و له معنى آخر سنشير إليه في البحث الروائي الآتي. ـ

20

(1) -و قوله: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ كالتوطئة لذكر ما يذكره بعد من أوصاف المتقين، فإن الغرض هو بيان الأوصاف التي ترتبط بحال المؤمنين في المقام أعني عند نزول هذه الآيات وقد نزلت بعد غزوة أحد و قد جرى عليهم و منهم ما جرى من الضعف و الوهن و المخالفة، و هم مع ذلك مشرفون على غزوات أخر مثلها، و حوادث تشابهها، و بهم حاجة إلى الاتحاد و الاتفاق و التلاؤم.

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ» إلى آخر الآية السراء و الضراء ما يسر الإنسان و ما يسوؤه أو اليسر و العسر، و الكظم‏ في الأصل هو شد رأس القربة بعد ملئها فاستعير للإنسان إذا امتلأ حزنا أو غضبا، و الغيظ هيجان الطبع للانتقام بمشاهدة كثرة ما لا يرتضيه، بخلاف‏ الغضب‏ فهو إرادة الانتقام أو المجازاة، و لذلك يقال: غضب الله و لا يقال: اغتاظ.

و في قوله: وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ، إشارة إلى أن ما ذكره من الأوصاف معرف لهم، و إنما هو معرف للمحسنين في جنب الناس بالإحسان إليهم، و أما في جنب الله فمعرفهم ما في قوله تعالى: وَ بُشْرى‏ََ لِلْمُحْسِنِينَ ` إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ Xالآيات‏X: «الأحقاف: 13» بل هذا الإحسان المذكور في هذه الآيات هو المحتد للمذكور في قوله: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي اَلسَّرََّاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ ، الآية فإن الإنفاق و نحوه إذا لم يكن لوجه الله لم يكن له منزلة عند الله سبحانه على ما يدل عليه قوله تعالى فيما سبق من الآيات: مَثَلُ مََا يُنْفِقُونَ فِي هََذِهِ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا الآية و غيره.

و يدل على ما ذكرناه قوله تعالى: «وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا وَ إِنَّ اَللََّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ» : العنكبوت-69، فإن هذا الجهاد هو بذل‏الجهد و لا يكون إلا فيما يخالف هوى النفس و مقتضى الطبع، و لا يكون إلا إذا كان عندهم إيمان بأمور يقتضي الجري على مقتضاها، و الثبات عليها مقاومة بإزاء ما يحبه طبع الإنسان و تشتهيه نفسه، و لازمه بحسب القول و الاعتقاد أن يكونوا قائلين ربنا الله و هم مستقيمون عليه، و بحسب العمل أن يقيموا هذا القول بالجهاد في عبادة الله فيما بينهم و بين الله، و بالإنفاق و حسن العشرة فيما بينهم و بين الناس، فتحصل مما ذكرنا أن الإحسان إتيان الأعمال على وجه الحسن من جهة الاستقامة و الثبات على الإيمان بالله سبحانه.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» إلى قوله: «وَ نِعْمَ‏

21

(1) -أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ» الفاحشة ما تتضمن الفحش و القبيح من الأفعال، و شاع استعماله في الزنا، فالمراد بالظلم بقرينة المقابلة سائر المعاصي الكبيرة و الصغيرة، أو خصوص الصغائر على تقدير أن يراد بالفاحشة المنكر من المعاصي و هي الكبائر، و في قوله: ذَكَرُوا اَللََّهَ إلخ دلالة على أن الملاك في الاستغفار أن يدعو إليه ذكر الله تعالى دون مجرد التلفظ باعتياد و نحوه، و قوله: وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللََّهُ تشويق و إيقاظ لقريحة اللواذ و الالتجاء في الإنسان.

و قوله: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ََ مََا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ، إنما قيد به الاستغفار لأنه يورث في النفس هيئة لا ينفع معه ذكر مقام الرب تعالى و هي الاستهانة بأمر الله، و عدم المبالاة بهتك حرماته، و الاستكبار عليه تعالى، و لا تبقى معه عبودية و لا ينفع معه ذكر، و لذلك بعينه قيده بقوله: وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ، و هذه قرينة على كون الظلم في صدر الآية يشمل الصغائر أيضا، و ذلك أن الإصرار على الذنب يستوجب الاستهانة بأمر الله و التحقير لمقامه سواء كان الذنب المذكور من الصغائر أو الكبائر، فقوله: مََا فَعَلُوا أعم من الكبيرة، و المراد بما فعلوا هو الذي ذكر في صدر الآية، و إذ ليست الصغيرة فاحشة فهو ظلم النفس لا محالة.

و قوله: أُولََئِكَ جَزََاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ بيان لأجرهم الجزيل، و ما ذكره تعالى في هذه الآية هو عين ما أمر بالمسارعة إليه في قوله: وَ سََارِعُوا إِلى‏ََ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ إلخ و من ذلك يعلم أن الأمر إنما كان بالمسارعة إلى الإنفاق و كظم الغيظ و العفو عن الناس و الاستغفار.

قوله تعالى: «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا» ، السنن‏ جمع سنة و هي الطريقة المسلوكة في المجتمع، و الأمر بالسير في الأرض لمكان الاعتبار بآثار الماضين من الأمم الغابرة، و الملوك و الفراعنة الطاغية حيث لم ينفعهم شواهق قصورهم، و لا ذخائر كنوزهم، و لا عروشهم و لا جموعهم، و قد جعلهم الله أحاديث يعتبر بها المعتبرون، و يتفكه بها المغفلون.

و أما حفظ آثارهم و كلاءة تماثيلهم و الجهد في الكشف عن عظمتهم و مجدهم الظاهر الدنيوي الذي في أيامهم فمما لا يعتني به القرآن، فإنما هي الوثنية التي لا تزال تظهر كل حين في لباس، و سنبحث إن شاء الله في هذا المعنى في بحث مستقل نحلل فيه معنى الوثنية.

22

(1) -}قوله تعالى: « هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ» الآية التقسيم باعتبار التأثير فهو بلاغ و إبانة لبعض و هدى و موعظة لآخرين.

بحث روائي‏

في المجمع، : في قوله تعالى: جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ ، : عن النبي ص*أنه سئل إذا كانت الجنة عرضها السماوات و الأرض-فأين تكون النار؟فقال (ص) :

سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل؟ أقول: و رواه السيوطي في الدر المنثور، عن التنوخي"*في كتاب جاء به من هرقل إلى رسول الله ص-يسأله عن هذه الآية فأجاب عنها بذلك

،

و رواه أيضا بطريق آخر عن أبي هريرة": أن رجلا سأله عن ذلك فأجاب بذلك.

و ما فسر كلامه (ص) بأن المراد كون النار في علم الله تعالى-كما أن الليل عند مجي‏ء النهار في علم الله تعالى-فإن أريد أن النار لا يعزب عن علمه تعالى فمن المعلوم أن هذا الجواب لا يدفع الإشكال فإن السؤال إنما هو عن مكان النار لا عن علم الله تعالى بها، و إن أريد أن من الممكن أن يكون هناك مكان آخر وراء السماوات و الأرض تكون النار متمكنة فيها فهو و إن لم يكن مستبعدا في نفسه لكن مقايسة الجنة و النار بالنهار و الليل حينئذ لا تكون في محلها، فإن الليل لا يخرج عن حيطة السماوات و الأرض عند مجي‏ء النهار فالحق أنه تفسير غير مرضي.

و أظن أن الرواية ناظرة إلى معنى آخر و توضيحه: أن الآخرة بنعيمها و جحيمها و إن كانت مشابهة للدنيا و لذائذها و آلامها و كذلك الإنسان الحال فيها و إن كان هو الإنسان الذي في الدنيا بعينه على ما هو مقتضى ظواهر الكتاب و السنة غير أن النظام الحاكم في الآخرة غير النظام الحاكم في الدنيا، فإنما الآخرة دار أبدية و بقاء، و الدنيا دار زوال و فناء، و لذلك كان الإنسان يأكل و يشرب و ينكح و يتمتع في الجنة فلا يعرضه ما يعرض هذه الأفعال في الدنيا، و كذلك الإنسان يحترق بنار الجحيم، و يقاسي الآلام و المصائب في مأكله و مشربه و مسكنه و قرينه في النار و لا يطرأ عليه ما يطرأ عليه معها و هو في الدنيا، و يعمر عمر الأبد و لا يؤثر فيه ذلك كهولة أو شيبا أو هرما

23

(1) -و هكذا، و ليس إلا أن العوارض و الطواري المذكورة من لوازم النظام الدنيوي دون مطلق النظام الأعم منه و من النظام الأخروي، فالدنيا دار التزاحم و التمانع دون الآخرة.

و مما يدل عليه أن الذي نجده في ظرف مشاهدتنا من الحوادث الواقعة يغيب عنا إذا شاهدنا غيره ثانيا كحوادث الأمس و حوادث اليوم، و الليل و النهار و غير ذلك، و أما الله سبحانه فلا يغيب عنه هذا الذي نشاهده أولا و يغيب عنا ثانيا و لا الذي نجده بعده و لا مزاحمة بينهما، فالليل و النهار و كذا الحوادث المقارنة لهما متزاحمات متمانعات بحسب نظام المادة و الحركة، و هي بعينها لا تتزاحم و لا تتمانع بحسب نظام آخر، و يستفاد ذلك من قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلى‏ََ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ اَلظِّلَّ وَ لَوْ شََاءَ لَجَعَلَهُ سََاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا اَلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ` ثُمَّ قَبَضْنََاهُ إِلَيْنََا قَبْضاً يَسِيراً : «الفرقان: -46» .

و إذا أمكن ذلك في مثل الليل و النهار و هما متزاحمان جاز في السماوات و الأرض أن تسع ما يساويهما سعة، و تسع مع ذلك شيئا آخر يساويه مقدارا كالجنة و النار مثلا لكن لا بحسب نظام هذه الدار بل بحسب نظام الآخرة، و لهذا نظائر في الأخبار

كما ورد: أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار

،

و ما ورد: أن المؤمن يوسع له في قبره مد بصره.

فعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله (ص) : سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل؟ لظهور أن لو كان المراد أن الله سبحانه لا يجهل الليل إذا علم بالنهار لم يرتبط بالسؤال، و كذا لو كان المراد أن الليل يبقى في الخارج مع مجي‏ء النهار اعترض عليه السائل بأن الليل يبطل مع وجود النهار إذا قيسا إلى محل واحد من مناطق الأرض، و إن اعتبرا من حيث نفسهما فالليل بحسب الحقيقة ظل مخروط حادث من إنارة الشمس، و هو يدور حول الكرة الأرضية بحسب الحركة اليومية فالليل و النهار سائران حول الأرض دائما من غير بطلان و لا عينيه.

و للرواية نظائر بين الروايات كما ورد في تفسير قوله تعالى: لِيَمِيزَ اَللََّهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ ، : الأنفال-37 من قوله (ع) : إذا غابت الشمس فأين يصير هذا الشعاع المنبسط على الأرض؟الحديث، و سيجي‏ء البحث عنها.

و في الدر المنثور، : في قوله تعالى: وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ الآية:

24

(1) -أخرج البيهقي عن علي بن الحسين*أن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة- فسقط الإبريق من يدها على وجهه-فشجه‏ فرفع رأسه إليها، فقالت: إن الله يقول:

وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ ، قال: قد كظمت غيظي، قالت : وَ اَلْعََافِينَ عَنِ اَلنََّاسِ ، قال: قد عفا الله عنك، قالت وَ اَللََّهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ، قال: اذهبي فأنت حرة.

أقول: و هو مروي من طرق الشيعة أيضا، و ظاهر الرواية أنه (ع) يفسر الإحسان بما يزيد على هذه الصفات و هو كذلك بحسب إطلاق مفهومه غير أن الصفات المذكورة قبله من لوازم معناه فمن الممكن أن يعرف بها الإحسان.

و اعلم أن هناك روايات كثيرة جدا في حسن الخلق و سائر الأخلاق الفاضلة كالإنفاق و الكظم و العفو و نحوها واردة عن النبي ص و أئمة أهل البيت (ع) أخرنا إيرادها إلى محل آخر أنسب لها.

و في المجالس، عن عبد الرحمن بن غنم الدوسي": أن قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً «إلخ» نزل في بهلول النباش، و كان ينبش القبور-فنبش قبر واحدة من بنات الأنصار-فأخرجها و نزع أكفانها-و كانت بيضاء جميلة-فسول له الشيطان فزنى بها ثم ندم-فجاء إلى النبي ص فرده، ثم اعتزل الناس و انقطع عنهم يتعبد-و يتبتل في بعض جبال المدينة حتى قبل الله توبته-و نزل فيه القرآن.

أقول: و الرواية مفصلة نقلناها ملخصة، و لو صحت الرواية لكانت سببا آخر لنزول الآية غير السبب الواحد الشامل لمجموع آيات القصة.

و في تفسير العياشي، عن الباقر (ع) : في قوله تعالى: وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ََ مََا فَعَلُوا الآية- قال: الإصرار أن يذنب المذنب فلا يستغفر الله-و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار.

و في الدر المنثور، أخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي ص قال: قال إبليس: يا رب و عزتك لا أزال أغوي بني آدم-ما كانت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله: و عزتي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني.

و في الكافي، عن الصادق (ع) : لا صغيرة مع الإصرار، و لا كبيرة مع الاستغفار.

و في تفسير العياشي، عن الصادق (ع) في حديث قال *و في كتاب الله نجاة من

25

(1) -الردى، و بصيرة من العمى، و شفاء لما في الصدور-فيما أمركم الله به من الاستغفار و التوبة- قال الله: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ-ذَكَرُوا اَللََّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ إِلاَّ اَللََّهُ-وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى‏ََ مََا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ، و قال: وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ-ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اَللََّهَ يَجِدِ اَللََّهَ غَفُوراً رَحِيماً ، فهذا ما أمر الله به من الاستغفار، و اشترط معه التوبة و الإقلاع عما حرم الله-فإنه يقول: إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصََّالِحُ يَرْفَعُهُ ، و بهذه الآية يستدل أن الاستغفار لا يرفعه إلى الله-إلا العمل الصالح و التوبة.

أقول: قد استفاد (ع) الإقلاع و عدم العود بعد التوبة من نفي الإصرار، و كذا احتياج التوبة و الاستغفار إلى صالح العمل بعده من عموم الكلم الطيب في قوله:

إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ الآية.

و في المجالس، عن الصادق (ع) قال *لما نزلت هذه الآية: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً ، صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثور-فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه-فقالوا له: يا سيدنا لم تدعونا؟قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا و كذا-فقال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذاك-فقال:

لست لها، فقال الوسواس الخناس: أنا لها-قال: بما ذا؟قال أعدهم و أمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة-فإذا واقعوها أنسيتهم الاستغفار، فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة.

أقول: و الرواية مروية من طرق أهل السنة أيضا.

26

(1) -

بيان‏

الآيات كما ترى تتمة للآيات السابقة المبتدئة بقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا ، كما أن الآيات السابقة بأوامرها و نواهيها توطئة لهذه الآيات التي تشتمل على أصل المقصود من أمر و نهي و ثناء و توبيخ.

قوله تعالى: « وَ لاََ تَهِنُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » الوهن‏ :

هو الضعف في خلق أو خلق على ما ذكره الراغب، و المراد به هنا ضعفهم من حيث‏

27

(1) -العزيمة و الاهتمام على إقامة الدين و قتال أعدائه، و الحزن‏ خلاف الفرح و إنما يعرض الإنسان بفقده شيئا يملكه مما يحبه أو أمرا يقدر نفسه مالكة له.

و في قوله تعالى: وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ` إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ، دلالة على أن سبب وهنهم و حزنهم ما شاهدوه من إصابة القرح إياهم، و استعلاء الكفار عليهم، فإن المشركين و إن لم ينالوا كل الغلبة و الظفر على المؤمنين و لم تختتم الوقعة على الانهزام التام من المؤمنين لكن الذي أصاب المؤمنين كان أشد و أوجع و هو شهادة سبعين من سراتهم و شجعانهم، و وقوع ما وقع في عقر دارهم فكان هذا سبب وهنهم و حزنهم، و وقوع قوله: وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ «إلخ» موقع التعليل هو الوجه في كون هذين النهيين نهيا عن وهن و حزن واقعين لا مقدرين و لا متوقعين.

و قد أطلق قوله: اَلْأَعْلَوْنَ من غير تقييد و لكن اشترط بالإيمان فمحصل المعنى:

لا ينبغي لكم أن تهنوا في عزمكم، و لا أن تحزنوا لما فاتكم من الظفر على أعدائكم، و الانتصار منهم إن كان فيكم الإيمان، فإن الإيمان أمر يستصحب علاءكم البتة إذ هو يلازم التقوى و الصبر و فيهما ملاك الفتح و الظفر، و أما القرح الذي أصابكم فلستم بمتفردين فيه بل القوم-و هم المشركون-قد أصابهم مثله فلم يسبقوكم في شي‏ء حتى يوجب ذلك وهنكم و حزنكم.

و اشتراط علوهم بالإيمان مع كون الخطاب للذين آمنوا إنما هو للإشارة إلى أن الجماعة و إن كانوا لا يفقدون الإيمان إلا أنهم غير عاملين بما يقتضيه من الصفات كالصبر و التقوى و إلا لأثر أثره.

و هذا حال كل جماعة مختلفة الحال في الإيمان فيهم المؤمن حقا و الضعيف إيمانا و المريض قلبا، و يكون مثل هذا الكلام تنشيطا لنفس مؤمنهم، و عظة لضعيفهم و عتابا و تأنيبا لمريضهم.

قوله تعالى: « إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ » القرح‏ -بفتح القاف- الأثر من الجراحة من شي‏ء يصيبه من خارج، و القرح‏ -بالضم-أثرها من داخل كالبثرة و نحوها-قاله الراغب-و كأنه كناية عما أصابهم يوم أحد بفرض مجموع المسلمين شخصا واحدا أصابه جراحة من عدوه و هو قتل من قتل منهم، و جراحة من جرح‏

28

(1) -منهم، و فوت النصر و الفتح بعد ما أطلا عليهم.

و هذه الجملة أعني قوله: إِنْ يَمْسَسْكُمْ «إلخ» و ما بعدها من الجمل المتسقة إلى قوله: وَ يَمْحَقَ اَلْكََافِرِينَ في موضع التعليل كما مر-لقوله: وَ لاََ تَهِنُوا وَ لاََ تَحْزَنُوا اه كما أن قوله: وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ تعليل آخر.

و الفرق بين النوعين من التعليل أن الأول أعني قوله: وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ إلخ، تعليل من طريق التخطئة لظنهم، فإنهم إنما وهنوا و حزنوا لما ظنوا علاء المشركين عليهم فخطاهم الله بأن ملاك العلاء معكم إن كنتم مؤمنين لا مع المشركين، و قد قال تعالى: وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ : «الروم: 47» .

و أما الثاني فمن طريق بيان حال الفريقين-المؤمنين و المشركين-أو بيان الحكم و المصالح التي ترجع إلى أصل واحد و هو السنة الإلهية الجارية بمداولة الأيام بين الناس.

قوله تعالى: « وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ » اليوم‏ هو المقدار المعتد به من الزمان اللازم لحدوث الحوادث فيختلف باختلاف الحوادث، و قد شاع استعماله فيما بين طلوع الشمس و غروبها، و ربما استعمل في الملك و السلطنة و القهر و نحوها بعلاقة الظرف و المظروف، فيقال يوم جماعة كذا و يوم آل فلان أي تقدمهم و حكومتهم على غيرهم، و قد يقال لنفس الزمان الذي وقع فيه ذلك، و المراد بالأيام في الآية هو هذا المعنى. و المداولة جعل الشي‏ء يتناوله واحد بعد آخر. فالمعنى: أن السنة الإلهية جرت على مداولة الأيام بين الناس من غير أن توقف على قوم و يذب عنها قوم لمصالح عامة تتبع هذه السنة لا تحيط أفهامكم إلا ببعضها دون جميعها.

قوله تعالى: « وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ » إلخ عطف على محذوف حذف للتلويح على أنه مما لا تحيط به الأفهام و لا تدركه العقول إلا من بعض جهاتها، و الذي ينفع المؤمنين العلم به هو ما ذكره بقوله: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ إلخ و بقوله: وَ لِيُمَحِّصَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكََافِرِينَ .

أما قوله: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ، فالمراد به ظهور إيمان المؤمنين بعد بطونه و خفائه، فإن علمه تعالى بالحوادث و الأشياء في الخارج عين وجودها فيه فإن الأشياء

29

(1) -معلومة له تعالى بنفس وجودها لا بصورة مأخوذة منها نظير علومنا و إدراكاتنا و هو ظاهر، و لازم ذلك أن يكون إرادته تعالى العلم بشي‏ء هي إرادة تحققه و ظهوره و حيث قال: وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا ، فأخذ وجودهم محققا أفاد ذلك إرادة ظهور إيمانهم، و إذا كان ذلك على سنة الأسباب و المسببات لم يكن بد من وقوع أمور توجب ظهور إيمان المؤمن بعد خفائه فافهم ذلك.

و أما قوله: وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ ، فالشهداء شهداء الأعمال و أما الشهداء بمعنى المقتولين في معركة القتال فلا يعهد استعماله في القرآن، و إنما هو من الألفاظ المستحدثة الإسلامية، كما مر في قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ : البقرة-143 على أن قوله: وَ يَتَّخِذَ ، أيضا لا يلائم الشهداء بمعنى المقتولين في المعركة كثير ملاءمة، فلا يقال: اتخذ الله فلانا مقتولا في سبيله و شهيدا كما يقال:

اتخذ الله إبراهيم خليلا، و اتخذ الله موسى كليما، و اتخذ الله النبي شهيدا يشهد على أمته يوم القيامة.

و قد غير السياق فقال: و يتخذ منكم شهداء، و لم يقل: و يتخذهم شهداء لأن الشهادة و إن أضيفت إلى الأمة في قوله: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ : البقرة-143 إلا أنها من قبيل وصف البعض المضاف إلى الكل، و الشهداء بعض الأمة دون كلهم، و قد مر بيان ذلك في سورة البقرة، و يمكن أن يتأيد هذا الذي ذكرناه بقوله بعده: وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ .

و أما قوله: «وَ لِيُمَحِّصَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكََافِرِينَ» فالتمحيص‏ هو تخليص الشي‏ء من الشوائب الخارجة، و المحق‏ إنفاد الشي‏ء تدريجا و إزالته شيئا فشيئا، و هذا التمحيص من حكم مداولة الأيام و مصالحها، و هو غير العلم بالذين آمنوا الذي هو أيضا من حكم مداولة الأيام، فإن تمييز المؤمن من غير المؤمن أمر و تخليص إيمانه بعد التمييز من شوائب الكفر و النفاق و الفسوق أمر آخر، و لذلك قوبل بالمحق للكافرين، فالله سبحانه يزيل أجزاء الكفر و نحوه من المؤمن شيئا فشيئا حتى لا يبقى إلا إيمانه، فيكون خالصا لله، و يبيد أجزاء الكفر و الشرك و الكيد من الكافر شيئا فشيئا حتى لا يبقى شي‏ء.

فهذه وجوه من الحكمة في مداولته تعالى الأيام بين الناس، و عدم استمرار الدولة بين قوم خاص، و لله الأمر كله يفعل ما يشاء، و لا يفعل إلا الأصلح الأنفع كما

30

(1) -قال: كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبََاطِلَ فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ رعد-17 و قال الله تعالى قبيل هذه الآيات: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خََائِبِينَ ` لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظََالِمُونَ فنفى أن يكون لنبيه من الأمر شي‏ء، و قصر الأمر في نفسه يحكم في خلقه كيف يشاء.

و هذا الكلام أعني ما يبين أن الأيام مقسومة بين الناس لغرض الامتحان و تمييز المؤمن من الكافر و تمحيص المؤمنين و محق الكافرين مع ما مر من نفي رجوع الأمر إلى النبي ص يكشف عن أن المؤمنين كان يظن أكثرهم أن كونهم على دين الحق سبب تام في غلبتهم أينما غزوا و ظهورهم على الباطل كيفما كانوا، فهم يملكون الأمر لا يدفعون عن ذلك، و قد أجرأهم على هذا الحسبان ما شاهدوه يوم بدر من ظهورهم العجيب على عدوهم و نزول ملائكة النصر، و هذا ظن فاسد يوجب بطلان نظام الامتحان و التمحيص و في ذلك بطلان مصلحة الأمر و النهي و الثواب و العقاب، و يؤدي ذلك إلى انهدام أساس الدين فإنما الدين دين الفطرة غير مبني على خرق العادة الجارية و السنة الإلهية القائمة في الوجود بابتناء الغلبة و الهزيمة على أسبابهما العادية.

شرح سبحانه-بعد بيان أن الأيام دول متداولة لغرض الامتحان و الابتلاء- في ملامتهم في حسبان هذا النظر الباطل و بيان حقيقة الحال فقال: أَمْ حَسِبْتُمْ إلى آخر الآيات.

قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ» إلى آخر الآيتين و هذا أعني ظنهم أن يدخلوا الجنة من غير أن يمتحنوا لازم الظن المذكور آنفا، و هو أنهم لما كانوا على الحق و الحق لا يغلب عليه فأمر الظفر و الغلبة إليهم، لن ينهزموا و لن يغلبوا أبدا، و من المعلوم أن لازم هذا الظن أن يكون كل من آمن بالنبي و لحق بجماعة المؤمنين سعيدا في دنياه بالغلبة و الغنيمة، و سعيدا في آخرته بالمغفرة و الجنة، و يبطل الفرق بين ظاهر الإيمان و حقيقته و يرتفع التمايز بين الدرجات، فإيمان المجاهد و إيمان المجاهد الصابر واحد، و من تمنى خيرا ففعله إذا حان حينه كان كمن تمنى خيرا ثم تولى إذا أصابه.

و على هذا فقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا «إلخ» من قبيل وضع المسبب موضع السبب أي حسبتم أن الدولة مكتوبة لكم فأنتم لا تبتلون بل تدخلون الجنة من غير أن يتميز

31

(1) -المستحق لها منكم من غير المستحق، و صاحب الدرجة الرفيعة منكم من غيره؟.

و أما قوله تعالى: وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ الآية ففيه تثبيت أن ظنهم ذاك كان فاسدا فإنهم كانوا يتمنون الموت قبل حضور الغزوة حتى إذا حضرت و رأوه رأي العين لم يقدموا و لم يتناولوا ما كانوا يتمنونه، بل فشلوا و تولوا عن القتال، فهل كان من الجائز أن يدخلوا الجنة بمجرد هذا التمني من غير أن يمتحنوا أو يمحصوا؟أو لم يكن من الواجب أن يختبروا.

و بهذا يظهر أن في الكلام تقديرا، و المعنى: فقد رأيتموه و أنتم تنظرون فلم تقدموا عليه، و يمكن أن يكون قوله: تنظرون كناية عن عدم إقدامهم أي تكتفون بمجرد النظر من غير إقدام، و فيه عتاب و توبيخ.

كلام في الامتحان و حقيقته‏

لا ريب أن القرآن الكريم يخص أمر الهداية بالله سبحانه غير أن الهداية فيه لا تنحصر في الهداية الاختيارية إلى سعادة الآخرة أو الدنيا فقد قال تعالى فيما قال:

اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ، : طه: -50، فعمم الهداية لكل شي‏ء من ذوي الشعور و العقل و غيرهم، و أطلقها أيضا من جهة الغاية، و قال أيضا: اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى ` وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ، : الأعلى-3، و الآية من جهة الإطلاق كسابقتها.

و من هنا يظهر أن هذه الهداية غير الهداية الخاصة التي تقابل الإضلال فإن الله سبحانه نفاها و أثبت مكانها الضلال في طوائف و الهداية العامة لا تنفي عن شي‏ء من خلقه، قال تعالى: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ : الجمعة-5، و قال: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ : الصف-5، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

و كذا يظهر أيضا أن الهداية المذكورة غير الهداية بمعنى إراءة الطريق‏العامة للمؤمن و الكافر كما في قوله تعالى: إِنََّا هَدَيْنََاهُ اَلسَّبِيلَ إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً : الدهر-3، و قوله: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ : ، حم السجدة-17، فإن ما في هاتين الآيتين و نظائرهما من الهداية لا يعم غير أرباب الشعور و العقل و قد عرفت أن ما في قوله: ثُمَّ هَدى‏ََ و قوله: وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ عام من حيث المورد و الغاية جميعا،

32

(1) -على أن الآية الثانية تفرع الهداية على التقدير، و الهداية الخاصة لا تلائم التقدير الذي هو تهيئة الأسباب و العلل لسوق الشي‏ء إلى غاية خلقته، و إن كانت تلك الهداية أيضا من جهة النظام العام في العالم داخلة في حيطة التقدير لكن النظر غير النظر فافهم ذلك.

و كيف كان فهذه الهداية العامة هي هدايته تعالى كل شي‏ء إلى كمال وجوده، و إيصاله إلى غاية خلقته، و هي التي بها نزوع كل شي‏ء إلى ما يقتضيه قوام ذاته من نشوء و استكمال و أفعال و حركات و غير ذلك، و للكلام ذيل طويل سنشرحه إن ساعدنا التوفيق إن شاء الله العزيز.

و الغرض أن كلامه تعالى يدل على أن الأشياء إنما تنساق إلى غاياتها و آجالها بهداية عامة إلهية لا يشذ عنها شاذ، و قد جعلها الله تعالى حقا لها على نفسه و هو لا يخلف الميعاد، كما قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنََا لَلْهُدى‏ََ ` وَ إِنَّ لَنََا لَلْآخِرَةَ وَ اَلْأُولى‏ََ : الليل-13، و الآية كما ترى تعم بإطلاقها الهداية الاجتماعية للمجتمعات و الهداية الفردية مضافة إلى ما تدل عليه الآيتان السابقتان.

فمن حق الأشياء على الله تعالى هدايتها تكوينا إلى كمالها المقدر لها و هدايتها إلى كمالها المشرع لها، و قد عرفت فيما مر من مباحث النبوة أن التشريع كيف يدخل في التكوين و كيف يحيط به القضاء و القدر فإن النوع الإنساني له نوع وجود لا يتم أمره إلا بسلسلة من الأفعال الاختيارية الإرادية التي لا تقع إلا عن اعتقادات نظرية و عملية فلا بد أن يعيش تحت قوانين حقة أو باطلة، جيدة أو ردية، فلا بد لسائق التكوين أن يهيئ له سلسلة من الأوامر و النواهي (الشريعة) و سلسلة أخرى من الحوادث الاجتماعية و الفردية حتى يخرج بتلاقيه معهما ما في قوته إلى الفعل فيسعد أو يشقى و يظهر ما في مكمن وجوده، و عند ذلك ينطبق على هذه الحوادث و هذا التشريع اسم المحنة و البلاء و نحوهما.

توضيح ذلك أن من لم يتبع الدعوة الإلهية و استوجب لنفسه الشقاء فقد حقت عليه كلمة العذاب إن بقي على تلك الحال، فكل ما يستقبله من الحوادث المتعلقة بها الأوامر و النواهي الإلهية و يخرج بها من القوة إلى الفعل تتم له بذلك فعلية جديدة من الشقاء و إن كان راضيا بما عنده مغرورا بما يجده، فليس ذلك إلا مكرا إلهيا فإنه‏

33

(1) -يشقيهم بعين ما يحسبونه سعادة لأنفسهم و يخيب سعيهم في ما يظنونه فوزا لأنفسهم، قال تعالى: وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللََّهُ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلْمََاكِرِينَ : آل عمران-54، و قال: وَ لاََ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاََّ بِأَهْلِهِ، : فاطر-43، و قال: لِيَمْكُرُوا فِيهََا وَ مََا يَمْكُرُونَ إِلاََّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ مََا يَشْعُرُونَ، : الأنعام-123، و قال: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ ` وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ، : الأعراف-183، فما يتبجح به المغرور الجاهل بأمر الله أنه سبق ربه في ما أراده منه بالمخالفة و التمرد فإنه يعينه على نفسه فيما أراده، قال تعالى:

«أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئََاتِ أَنْ يَسْبِقُونََا سََاءَ مََا يَحْكُمُونَ» : العنكبوت-4، و من أعجب الآيات في هذا الباب قوله تعالى‏ «فَلِلََّهِ اَلْمَكْرُ جَمِيعاً» : الرعد-42.

فجميع هذه المماكرات و المخالفات و المظالم و التعديات التي تظهر من هؤلاء بالنسبة إلى الوظائف الدينية، و كل ما يستقبلهم من حوادث الأيام و يظهر بها منهم ما أضمروه في قلوبهم و دعتهم إلى ذلك أهواؤهم، مكر إلهي و إملاء و استدراج فإن من حقهم على الله أن يهديهم إلى عاقبة أمرهم و خاتمته و قد فعل، و الله غالب على أمره.

و هذه الأمور بعينها إذا نسبت إلى الشيطان كانت أقسام الكفر و المعاصي إغواء منه لهم، و النزوع إليها دعوة و وسوسة و نزعة و وحيا و إضلالا، و الحوادث الداعية و ما يجري مجراها زينة له و وسائل و حبائل و شبكات منه على ما سيجي‏ء بيانه‏في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.

و أما المؤمن الذي رسخ في قلبه الإيمان فما تظهر منه من الطاعات و العبادات و كذا الحوادث التي تستقبله فيظهر منه عندها ذلك، ينطبق عليها مفهوم التوفيق و الولاية الإلهية و الهداية بالمعنى الأخص نوع انطباق، قال تعالى: «وَ اَللََّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشََاءُ» : آل عمران-13، و قال: «وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ» : آل عمران-68، و قال:

«اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ» : البقرة-257، و قال: «يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ» : يونس-9، و قال: «أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ» : الأنعام-122، هذا إذا نسبت هذه الأمور إلى الله سبحانه، و أما إذا نسبت إلى الملائكة فتسمى تأييدا و تسديدا منهم، قال تعالى: «أُولََئِكَ كَتَبَ فِي‏

34

(1) -قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» : المجادلة-22.

ثم إنه كما أن الهداية العامة تصاحب الأشياء من بدء كونها إلى آخر أحيان وجودها ما دامت سالكة سبيل الرجوع إلى الله سبحانه كذلك المقادير تدفعها من ورائها كما هو ظاهر قوله تعالى: «وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ» : الأعلى-3، فإن المقادير التي تحملها العلل و الأسباب المحتفة بوجود الشي‏ء هي التي تحول الشي‏ء من حال أولى إلى حال ثانية و هلم جرا فهي لا تزال تدفع الأشياء من ورائها.

و كما أن المقادير تدفعها من ورائها كذلك الآجال (و هي آخر ما ينتهي إليه وجود الأشياء) تجذبها من أمامها كما يدل عليه قوله تعالى: «مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَمََّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ» : الأحقاف-3، فإن الآية تربط الأشياء بغاياتها و هي الآجال، و الشيئان المرتبطان إذا قوي أحدهما على الآخر كان حاله بالنسبة إلى قرينه هو المسمى جذبا و الآجال المسماة أمور ثابتة غير متغيرة فهي تجذب الأشياء من أمامها و هو ظاهر.

فالأشياء محاطة بقوى إلهية: قوة تدفعها، و قوة تجذبها، و قوة تصاحبها و تربيها و هي القوى الأصلية التي تثبتها القرآن الكريم غير القوى الحافظة و الرقباء و القرناء كالملائكة و الشياطين و غير ذلك.

ثم إنا نسمي نوع التصرفات في الشي‏ء إذا قصد به مقصد لا يظهر حاله بالنسبة إليه:

هل له صلوحه أو ليس له؟بالامتحان و الاختبار، فإنك إذا جهلت حال الشي‏ء أنه هل يصلح لأمر كذا أو لا يصلح؟أو علمت باطن أمره و لكن أردت أن يظهر منه ذلك أوردت عليه أشياء مما يلائم المقصد المذكور حتى يظهر حاله بذلك هل يقبلها لنفسه أو يدفعها عن نفسه؟و تسمي ذلك امتحانا و اختبارا و استعلاما لحاله، أو ما يقاربها من الألفاظ.

و هذا المعنى بعينه ينطبق على التصرف الإلهي بما يورده من الشرائع و الحوادث الجارية على أولي الشعور و العقل من الأشياء كالإنسان، فإن هذه الأمور يظهر بها حال الإنسان بالنسبة إلى المقصد الذي يدعى‏ إليه الإنسان بالدعوة الدينية فهي امتحانات إلهية.

و إنما الفرق بين الامتحان الإلهي و ما عندنا من الامتحان أنا لا نخلو غالبا عن‏

35

(1) -الجهل بما في باطن الأشياء فنريد بالامتحان استعلام حالها المجهول لنا، و الله سبحانه يمتنع عليه الجهل و عنده مفاتح الغيب، فالتربية العامة الإلهية للإنسان من جهة دعوته إلى حسن العاقبة و السعادة امتحان لأنه يظهر و يتعين بها حال الشي‏ء أنه من أهل أي الدارين دار الثواب أو دار العقاب؟.

و لذلك سمى الله تعالى هذا التصرف الإلهي من نفسه أعني التشريع و توجيه الحوادث بلاء و ابتلاء و فتنة فقال بوجه عام: «إِنََّا جَعَلْنََا مََا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهََا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» : الكهف-7، و قال: «إِنََّا خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشََاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنََاهُ سَمِيعاً بَصِيراً» : الدهر-2، و قال: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً» : الأنبياء-35، و كأنه يريد به ما يفصله قوله: «فَأَمَّا اَلْإِنْسََانُ إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ` وَ أَمََّا إِذََا مَا اِبْتَلاََهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهََانَنِ» : الفجر-16، و قال: «إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ» : التغابن-15، و قال: «وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ» : محمد-4، و قال: «كَذََلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمََا كََانُوا يَفْسُقُونَ» : الأعراف 163، و قال: «وَ لِيُبْلِيَ اَلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاََءً حَسَناً» : الأنفال-17، و قال: «أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ ` وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ اَلْكََاذِبِينَ» : العنكبوت-3.

و قال في مثل إبراهيم: «وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ» البقرة-124، و قال في قصة ذبح إسماعيل: «إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْبَلاََءُ اَلْمُبِينُ» : الصافات-106، و قال في موسى: «وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً» : طه-40، إلى غير ذلك من الآيات.

و الآيات كما ترى تعمم المحنة و البلاء لجميع ما يرتبط به الإنسان من وجوده و أجزاء وجوده كالسمع و البصر و الحياة، و الخارج من وجوده المرتبط به بنحو كالأولاد و الأزواج و العشيرة و الأصدقاء و المال و الجاه و جميع ما ينتفع به نوع انتفاع، و كذا مقابلات هذه الأمور كالموت و سائر المصائب المتوجهة إليه، و بالجملة الآيات تعد كل ما يرتبط به الإنسان من أجزاء العالم و أحوالها فتنة و بلاء من الله سبحانه بالنسبة إليه.

و فيها تعميم آخر من حيث الأفراد فالكل مفتنون مبتلون من مؤمن أو كافر، و صالح أو طالح، و نبي أو من دونه، فهي سنة جارية لا يستثني منها أحد. ـ

36

(1) -فقد بان أن سنة الامتحان سنة إلهية جارية، و هي سنة عملية متكئة على سنة أخرى تكوينية و هي سنة الهداية العامة الإلهية من حيث تعلقها بالمكلفين كالإنسان و ما يتقدمها و ما يتأخر عنها أعني القدر و الأجل كما مر بيانه.

و من هنا يظهر أنها غير قابلة للنسخ فإن انتساخها عين فساد التكوين و هو محال، و يشير إلى ذلك ما يدل من الآيات على كون الخلقة على الحق، و ما يدل على كون البعث حقا كقوله تعالى: «مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى» الأحقاف-3، و قوله تعالى: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنََا لاََ تُرْجَعُونَ» المؤمنون-115، و قوله تعالى: «وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ ` مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ لََكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاََ يَعْلَمُونَ» : الدخان-39، و قوله تعالى: «مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ» : العنكبوت-5، إلى غيرها فإن جميعها تدل على أن الخلقة بالحق و ليست باطلة مقطوعة عن الغاية، و إذا كانت أمام الأشياء غايات و آجال حقة و من ورائها مقادير حقة و معها هداية حقة فلا مناص عن تصادمها عامة، و ابتلاء أرباب التكليف منها خاصة بأمور يخرج بالاتصال بها ما في قوتها من الكمال و النقص و السعادة و الشقاء إلى الفعل، و هذا المعنى في الإنسان المكلف بتكليف الدين امتحان و ابتلاء فافهم ذلك.

و يظهر مما ذكرناه معنى المحق و التمحيص أيضا، فإن الامتحان إذا ورد على المؤمن فأوجب امتياز فضائله الكامنة من الرذائل‏، أو ورد على الجماعة فاقتضى امتياز المؤمنين من المنافقين و الذين في قلوبهم مرض صدق عليه اسم التمحيص و هو التمييز و كذا إذا توالت الامتحانات الإلهية على الكافر و المنافق و في ظاهرهما صفات و أحوال حسنة مغبوطة فأوجبت تدريجا ظهور ما في باطنهما من الخبائث، و كلما ظهرت خبيثة أزالت فضيلة ظاهرية كان ذلك محقا له أي إنفادا تدريجيا لمحاسنها، قال تعالى:

«وَ تِلْكَ اَلْأَيََّامُ نُدََاوِلُهََا بَيْنَ اَلنََّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدََاءَ وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلظََّالِمِينَ ` وَ لِيُمَحِّصَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكََافِرِينَ» : آل عمران-141.

و للكافرين محق آخر من جهة ما يخبره تعالى أن الكون ينساق إلى صلاح البشر و خلوص الدين لله، قال تعالى: «وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلتَّقْوى‏ََ» : طه-132، و قال: «أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ» : الأنبياء-105.

37

(1) -}

بيان‏

قوله تعالى: «وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ» الموت‏ زهاق الروح و بطلان حياة البدن، و القتل‏ هو الموت إذا كان مستندا إلى سبب عمدي أو نحوه، و الموت و القتل إذا افترقا كان الموت أعم من القتل، و إذا اجتمعا كان الموت هو ما بحتف الأنف و القتل خلافه.

و انقلب على عقبيه أي‏ رجع‏ قال الراغب: و رجع على عقبيه إذا انثنى راجعا، و انقلب على عقبيه نحو رجع على حافرته، و نحو ارتدا على آثارهما قصصا، و قولهم رجع عوده إلى بدئه، انتهى.

و حيث جعل الانقلاب على الأعقاب جزاء للشرط الذي هو موت الرسول أو قتله أفاد ذلك أن المراد به الرجوع عن الدين دون التولي عن القتال إذ لا ارتباط للفرار من الزحف بموت النبي ص أو قتله، و إنما النسبة و الرابطة بين موته أو قتله و بين الرجوع إلى الكفر بعد الإيمان.

و يدل على أن المراد به الرجوع عن الدين ما ذكره تعالى في قوله: وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللََّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجََاهِلِيَّةِ إلى آخر الآيات، على أن نظير ما وقع في أحد من فرارهم من الزحف و توليهم عن القتال تحقق في غيره كغزوة حنين و خيبر و غيرهما و لم يخاطبهم الله بمثل هذا الخطاب و لا عبر عن توليهم عن القتال بمثل هذه الكلمة قال تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضََاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمََا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» : البراءة-25، فالحق أن المراد بالانقلاب على الأعقاب الرجوع إلى الكفر السابق.

فمحصل معنى الآية على ما فيها من سياق العتاب و التوبيخ: أن محمدا ص ليس إلا رسولا من الله مثل سائر الرسل، ليس شأنه إلا تبليغ رسالة ربه لا يملك من الأمر شيئا، و إنما الأمر لله و الدين دينه باق ببقائه، فما معنى اتكاء إيمانكم على حياته حيث يظهر منكم أن لو مات أو قتل تركتم القيام بالدين، و رجعتم إلى أعقابكم القهقرى و اتخذتم الغواية بعد الهداية؟.

و هذا السياق أقوى شاهد على أنهم ظنوا يوم أحد بعد حمي الوطيس أن النبي ص قد قتل فانسلوا عند ذلك و تولوا عن القتال، فيتأيد بذلك ما ورد في الرواية و التاريخ‏

38

(1) --كما في ما رواه ابن هشام في السيرة-*: أن أنس بن النضر-عم أنس بن مالك- انتهى إلى عمر بن الخطاب و طلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين و الأنصار -و قد ألقوا بأيديهم-فقال: ما يحبسكم؟قالوا: قتل رسول الله قال: فما ذا تصنعون بالحياة بعده؟فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل.

و بالجملة فمعنى هذا الانسلال و الإلقاء بالأيدي: أن إيمانهم إنما كان قائما بالنبي ص يبقى ببقائه و يزول بموته، و هو إرادة ثواب الدنيا بالإيمان و هذا هو الذي عاتبهم الله عليه، و يؤيد هذا المعنى قوله بعده: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ ، فإن الله سبحانه كرر هذه الجملة في الآية التالية بعد قوله: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهََا ، فافهم ذلك.

و قوله: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ ، بمنزلة الاستثناء مما قبله على ما يعطيه السياق، و هو الدليل على أن القوم كان فيهم من لم يظهر منه هذا الانقلاب أو ما يشعر به كالانسلال و التولي و هم الشاكرون.

و حقيقة الشكر إظهار النعمة كما أن‏ الكفر الذي يقابله هو إخفاؤها و الستر عليها، و إظهار النعمة هو استعمالها في محلها الذي أراده منعمها و ذكر المنعم بها لسانا و هو الثناء و قلبا من غير نسيان، فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يذكر عند استعمالها و يوضع النعمة في الموضع الذي أراده منها و لا يتعدى ذلك، و إن من شي‏ء إلا و هو نعمة من نعمه تعالى، و لا يريد بنعمة من نعمه إلا أن تستعمل في سبيل عبادته، قال تعالى:

وَ آتََاكُمْ مِنْ كُلِّ مََا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ، : إبراهيم-34، فشكره على نعمته أن يطاع فيها و يذكر مقام ربوبيته عندها.

و على هذا فشكره المطلق من غير تقييد، ذكره تعالى من غير نسيان، و إطاعته من غير معصية، فمعنى قوله: «وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاََ تَكْفُرُونِ» : البقرة-152، اذكروني ذكرا لا يخالطه نسيان، و أطيعوا أمري إطاعة لا يشوبها عصيان، و لا يصغي إلى قول من يقول: إنه أمر بما لا يطاق فإنه ناش من قلة التدبر في هذه الحقائق و البعد من ساحة العبودية.

و قد عرفت فيما تقدم من الكتاب أن إطلاق الفعل لا يدل إلا على تلبس ما،

39

(1) -بخلاف الوصف فإنه يدل على استقرار التلبس و صيرورة المعنى‏ الوصفي ملكة لا تفارق الإنسان، ففرق بين قولنا: الذين أشركوا، و الذين صبروا، و الذين ظلموا، و الذين يعتدون، و بين قولنا. المشركين، و الصابرين، و الظالمين، و المعتدين، فالشاكرون هم الذين ثبت فيهم وصف الشكر و استقرت فيهم هذه الفضيلة، و قد بان أن الشكر المطلق هو أن لا يذكر العبد شيئا «و هو نعمة» إلا و ذكر الله معه، و لا يمس شيئا «و هو نعمة» إلا و يطيع الله فيه.

فقد تبين أن الشكر لا يتم إلا مع الإخلاص لله سبحانه علما و عملا، فالشاكرون هم المخلصون لله، الذين لا مطمع للشيطان فيهم.

و يظهر هذه الحقيقة مما حكاه الله تعالى عن إبليس، قال تعالى: «قََالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ` إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ» : -ص-83، و قال تعالى: «قََالَ رَبِّ بِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ` إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ اَلْمُخْلَصِينَ» الحجر-40، فلم يستثن من إغوائه أحدا إلا المخلصين، و أمضاه الله سبحانه من غير رد، و قال تعالى:

«قََالَ فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ ` ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ» : الأعراف-17، و قوله: و لا تجد إلخ بمنزلة الاستثناء فقد بدل المخلصين بالشاكرين، و ليس إلا لأن الشاكرين هم المخلصون الذين لا مطمع للشيطان فيهم‏، و لا صنع له لديهم، و إنما صنعه و كيده إنساء مقام الربوبية و الدعوة إلى المعصية.

و مما يؤيد ذلك من هذه الآيات النازلة في غزوة أحد قوله تعالى فيما سيأتي من الآيات: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطََانُ بِبَعْضِ مََا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللََّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ، مع قوله في هذه الآية التي نحن فيها: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ ، و قوله فيما بعدها: وَ سَنَجْزِي اَلشََّاكِرِينَ ، و قد عرفت أنه في معنى الاستثناء.

فتدبر فيها و اقض عجبا مما ربما يقال: إن الآية أعني قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ناظرة إلى ما روي: أن الشيطان نادى يوم أحد: «ألا قد قتل محمد» فأوجب ذلك وهن المؤمنين و تفرقهم عن المعركة!فاعتبر إلى أي مهبط أهبط كتاب الله من أوج حقائقه و مستوى معارفه العالية؟. ـ

40

(1) -فالآية تدل على وجود عدة منهم يوم أحد لم يهنوا و لم يفتروا و لم يفرطوا في جنب الله سبحانه سماهم الله شاكرين، و صدق أنهم لا سبيل للشيطان إليهم و لا مطمع له فيهم، لا في هذه الغزوة فحسب بل هو وصف لهم ثابت فيهم مستقر معهم، و لم يطلق اسم الشاكرين في مورد من القرآن على أحد بعنوان على طريق التوصيف إلا في هاتين الآيتين أعني قوله: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ الآية، و قوله: وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ الآية، و لم يذكر ما يجازيهم به في شي‏ء من الموردين إشعارا بعظمته و نفاسته.

قوله تعالى: «وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ كِتََاباً مُؤَجَّلاً» إلخ تعريض لهم في قولهم عن إخوانهم المقتولين ما يشير إليه قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قََالُوا لِإِخْوََانِهِمْ إِذََا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كََانُوا غُزًّى لَوْ كََانُوا عِنْدَنََا مََا مََاتُوا وَ مََا قُتِلُوا الآية، و قول طائفة منهم: لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا الآية، و هؤلاء من المؤمنين غير المنافقين الذين تركوا رسول الله ص و قعدوا عن القتال.

فهذا القول منهم لازمه أن لا يكون موت النفوس بإذن من الله و سنة محكمة تصدر عن قضاء مبرم، و لازمه بطلان الملك الإلهي و التدبير المتقن الرباني و سيجي‏ء إن شاء الله الكلام في معنى كتابة الآجال في أول سورة الأنعام.

و لما كان لازم هذا القول ممن قال به إنه آمن لظنه أن الأمر لرسول الله ص و للمؤمنين فقد أراد الدنيا كما مر بيانه و من اجتنب هذا فقد أراد الآخرة فقال تعالى: وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلدُّنْيََا نُؤْتِهِ مِنْهََا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوََابَ اَلْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهََا ، و إنما قال:

نُؤْتِهِ مِنْهََا و لم يقل: نؤتها لأن الإرادة ربما لا توافق تمام الأسباب المؤدية إلى تمام مراده فلا يرزق تمام ما أراده، و لكنها لا تخلو من موافقة ما للأسباب في الجملة دائما فإن وافق الجميع رزق الجميع و إن وافق البعض رزق البعض فحسب، قال الله تعالى: مَنْ كََانَ يُرِيدُ اَلْعََاجِلَةَ عَجَّلْنََا لَهُ فِيهََا مََا نَشََاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنََا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاََهََا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ` وَ مَنْ أَرََادَ اَلْآخِرَةَ وَ سَعى‏ََ لَهََا سَعْيَهََا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولََئِكَ كََانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً، : الإسراء-19 و قال تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلاََّ مََا سَعى‏ََ» : النجم-39.

ثم خص الشاكرين بالذكر بإخراجهم من الطائفتين فقال: «وَ سَنَجْزِي اَلشََّاكِرِينَ» و ليس إلا لأنهم لا يريدون إلا وجه الله لا يشتغلون بدنيا و لا آخرة كما تقدم.

41

(1) -}}}قوله تعالى: «وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قََاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ» إلى آخر الآيات‏ كأين‏ كلمة تكثير و كلمة «من» بيانية و الربيون‏ جمع ربي و هو كالرباني من اختص بربه تعالى فلم يشتغل بغيره، و قيل: المراد به الألوف و الربي الألف، و الاستكانة هي التضرع.

و في الآية موعظة و اعتبار مشوب بعتاب و تشويق للمؤمنين أن يأتموا بهؤلاء الربيين فيؤتيهم الله ثواب الدنيا و حسن ثواب الآخرة كما آتاهم، و يحبهم لإحسانهم كما أحبهم لذلك.

و قد حكى الله من فعلهم و قولهم ما للمؤمنين أن يعتبروا به و يجعلوه شعارا لهم حتى لا يبتلوا بما ابتلوا به يوم أحد من الفعل و القول غير المرضيين لله تعالى و حتى يجمع الله لهم ثواب الدنيا و الآخرة كما جمع لأولئك الربيين.

و قد وصف ثواب الآخرة بالحسن دون الدنيا إشارة إلى ارتفاع منزلتها و قدرها بالنسبة إليها

42

(1) - }

بيان‏

من تتمة الآيات النازلة في خصوص غزوة أحد، و فيها حث و ترغيب للمؤمنين أن لا يطيعوا غير ربهم فإنه هو مولاهم و ناصرهم، و إشهاد لهم على صدق وعده و أن الهزيمة و الخذلان لم يكن يوم أحد إلا من قبل أنفسهم، و تعديهم حدود ما أمرهم الله به و دعاهم رسوله إليه و أن الله سبحانه مع ذلك عفا عن جرائمهم لأنه غفور حليم.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا اَلَّذِينَ كَفَرُوا» إلى آخر الآيتين لا يبعد أن يستفاد من السياق أن الكفار كانوا أيام نزول الآيات بعد غزوة أحد يلقون إلى المؤمنين-في صورة النصح-ما يثبطهم عن القتال: و يلقي التنازع و التفرقة

43

(1) -و تشتت الكلمة و اختلافها بينهم، و ربما أيده ما في آخر هذه الآيات من قوله‏ اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ X «إلى أن قال» X ذََلِكُمُ اَلشَّيْطََانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيََاءَهُ فَلاََ تَخََافُوهُمْ وَ خََافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ Xالآيات‏X: آل عمران «173-175» .

و ربما قيل: إن الآية إشارة إلى قول اليهود و المنافقين يوم أحد: «إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى عشائركم» ، و ليس بشي‏ء.

ثم لما بين أن إطاعتهم للذين كفروا و الميل إلى ولايتهم يهديهم إلى الخسران الذي هو رجوعهم إلى أعقابهم كافرين أضرب عنه بقوله: بَلِ اَللََّهُ مَوْلاََكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ اَلنََّاصِرِينَ .

قوله تعالى: «سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلرُّعْبَ بِمََا أَشْرَكُوا بِاللََّهِ» «إلخ» وعد جميل للمؤمنين بأنهم‏ سينصرون بالرعب، و لقد كان رسول الله ص يذكره فيما حباه الله تعالى و خصه به من بين الأنبياء على ما رواه الفريقان.

و قوله: بِمََا أَشْرَكُوا ، معناه: اتخذوا له ما ليس معه برهان شريكا، و مما يكرره القرآن أن ليس لإثبات الشريك لله سلطان، و من إثبات الشريك نفي الصانع و إسناد التأثير و التدبير إلى غيره كالدهر و المادة.

قوله تعالى: «وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللََّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ» إلى آخر الآية الحس‏ -بالفتح-: القتل على وجه الاستيصال.

و لقد اتفقت الروايات و ضبطه التاريخ في قصة غزوة أحد أن المؤمنين غلبوهم و ظهروا عليهم في أول الأمر و وضعوا فيهم السيوف و شرعوا في نهب أموالهم حتى إذا خلى الرماة مكانهم في المكمن حمل خالد بن الوليد فيمن معه على عبد الله بن جبير و من بقي معه من الرماة فقتلوهم، و حملوا على المؤمنين من ورائهم، و تراجع المشركون عن هزيمتهم و وضعوا السيوف في أصحاب رسول الله ص و قتلوا منهم سبعين ثم هزموهم أشد هزيمة.

فقوله تعالى: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اَللََّهُ وَعْدَهُ ، تثبيت صدق وعده بالنصر بشرط التقوى و الصبر، و قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ، يقبل الانطباق على ما رزقهم في أول الأمر من الظهور على عدوهم يوم أحد، و قوله: حَتََّى إِذََا فَشِلْتُمْ وَ تَنََازَعْتُمْ فِي اَلْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مََا أَرََاكُمْ مََا تُحِبُّونَ ، ينطبق على ما صنعه الرماة حيث تنازعوا فيما بينهم في ترك‏

44

(1) -مراكزهم و اللحوق‏بمن مع رسول الله ص لنيل الغنيمة ففشلوا و تنازعوا في الأمر و عصوا أمر النبي بأن لا يتركوا مراكزهم على أي حال، و على هذا فلا بد من تفسير الفشل بضعف الرأي، و أما كونه بمعنى الجبن فلا ينطبق عليهم إذ لم يكن ذلك منهم جبنا بل طمعا في الغنيمة، و لو كان‏ الفشل‏ بمعنى الجبن كان منطبقا على حال جميع القوم و يكون على هذا «ثُمَّ» في قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ ، مفيدة للتراخي الرتبي دون الزماني.

و يدل لفظ التنازع على أن الكل لم يكونوا مجمعين على الفشل و المعصية بل كان بعضهم يصر على الإطاعة و البقاء على الائتمار و لذا قال تعالى بعده: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلدُّنْيََا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ .

قوله تعالى: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ» ، أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل و التنازع و المعصية، و بالجملة بعد وقوع الاختلاف بينكم ليمتحنكم و يختبر إيمانكم و صبركم في الله إذ الاختلاف في القلوب هو أقوى العوامل المقتضية لبسط الابتلاء ليتميز المؤمن من المنافق، و المؤمن الراسخ في إيمانه الثابت على عزيمته من المتلون السريع الزوال، و مع ذلك فإن الله سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ .

قوله تعالى: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ» الإصعاد هو الذهاب و الإبعاد في الأرض بخلاف‏ الصعود فهو الارتقاء إلى مكان عال يقال: أصعد في جانب البر أي ذهب فيه بعيدا، و صعد في السلم أي ارتقى، و قيل:

إن الإصعاد ربما استعمل بمعنى الصعود.

و الظرف متعلق بمقدر أي اذكروا إذ تصعدون، أو بقوله: صَرَفَكُمْ ، أو بقوله لِيَبْتَلِيَكُمْ ، -على ما قيل-و قوله: وَ لاََ تَلْوُونَ ، من‏ اللي‏ بمعنى الالتفات و الميل قال في المجمع: و لا يستعمل إلا في النفي لا يقال: لويت على كذا، انتهى.

و قوله: وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ ، الأخرى مقابل الأولى و كون الرسول يدعو و هو في أخراهم يدل على أنهم تفرقوا عنه (ص) و هم سواد ممتد على طوائف أولاهم مبتعدون عنه (ص) و أخراهم بقرب منه، و هو يدعوهم من غير أن يلتفت إليه لا أولاهم و لا أخراهم فتركوه- (ص) -بين جموع المشركين و هم يصعدون فرارا من القتل.

45

(1) -نعم قوله تعالى قبيل هذا: وَ سَيَجْزِي اَللََّهُ اَلشََّاكِرِينَ -و قد مر تفسيره-يدل على أن منهم من لم يتزلزل في عزيمته و لم ينهزم لا في أول الانهزام، و لا بعد شيوع خبر قتل النبي ص على ما يدل عليه قوله: أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ الآية.

و مما يدل عليه قوله: وَ لاََ تَلْوُونَ عَلى‏ََ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرََاكُمْ إن خبر قتل النبي ص إنما انتشر بينهم بعد انهزامهم و إصعادهم.

قوله تعالى: «فَأَثََابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاََ تَحْزَنُوا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ مََا أَصََابَكُمْ إلخ أي جازاكم غما بغم ليصرفكم عن الحزن على كذا، و هذا الغم الذي أثيبوا به كيفما كان هو نعمة منه تعالى بدليل قوله: لِكَيْلاََ تَحْزَنُوا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ مََا أَصََابَكُمْ ، فإن الله تعالى ذم في كتابه هذا الحزن كما قال: لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ : «الحديد-23» فهذا الغم الذي يصرفهم عن ذاك الحزن المذموم نعمة و موهبة فيكون هو الغم الطارئ عليهم من جهة الندامة على ما وقع منهم و التحسر على ما فاتهم من النصر بسبب الفشل، و يكون حينئذ الغم الثاني في قوله: بِغَمٍّ ، الغم الآتي من قبل الحزن المذكور، و الباء للبدلية، و المعنى: جازاكم غما بالندامة و الحسرة على فوت النصر بدل غم بالحزن على ما فاتكم و ما أصابكم.

و من الجائز أن يكون قوله: فَأَثََابَكُمْ مضمنا معنى الإبدال فيكون المعنى:

فأبدلكم غم الحزن من غم الندامة و الحسرة مثيبا لكم، فينعكس المعنى في الغمين بالنسبة إلى المعنى السابق.

و على كل من المعنيين يكون قوله: فَأَثََابَكُمْ ، تفريعا على قوله: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ ، و يتصل به ما بعده أعني قوله: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ ، أحسن اتصال، و الترتيب: أنه عفا عنكم فأثابكم غما بغم ليصونكم عن الحزن الذي لا يرتضيه لكم ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا.

و هاهنا وجه آخر يساعده ظهور السياق في تفريع قوله: فَأَثََابَكُمْ ، على ما يتصل به بمعنى أن يكون الغم هو ما يتضمنه قوله: إِذْ تُصْعِدُونَ ، و المراد بقوله: بِغَمٍّ هو ما أدى إليه التنازع و المعصية و هو إشراف المشركين عليهم من ورائهم، و الباء للسببية و هذا معنى حسن، و على هذا يكون المراد بقوله: لِكَيْلاََ تَحْزَنُوا «إلخ» :

46

(1) -نبين لكم حقيقة الأمر لئلا تحزنوا، كما في قوله تعالى: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ ` لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ XالآيةX: «الحديد-23» .

فهذا ما يستقيم به نظم الآية و اتساق الجمل المتعاقبة، و للمفسرين احتمالات كثيرة في الآية من حيث ما عطف عليه قوله: فَأَثََابَكُمْ ، و من حيث معنى الغم الأول و الثاني و معنى الباء و معنى قوله: لِكَيْلاََ ، ليست من الاستقامة على شي‏ء و لا جدوى في نقلها و البحث عنها.

و على ما احتملناه من أحد معنيين يكون المراد مما فات في قوله: لِكَيْلاََ تَحْزَنُوا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ هو الغلبة و الغنيمة، و مما أصاب ما أصاب القوم من القتل و الجرح.

قوله تعالى: «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعََاساً يَغْشى‏ََ طََائِفَةً مِنْكُمْ» الأمنة بالتحريك الأمن، و النعاس‏ ما يتقدم النوم من الفتور و هو نوم خفيف، و نعاسا بدل من أمنة للملازمة عادة، و ربما احتمل أن يكون أمنة جمع آمن كطالب و طلبة، و هو حينئذ حال من ضمير عليكم، و نعاسا مفعول قوله: أنزل، و-الغشيان-: الإحاطة.

و الآية تدل على أن هذا النعاس النازل إنما غشي طائفة من القوم، و لم يعم الجميع بدليل قوله: طََائِفَةً مِنْكُمْ ، و هؤلاء هم الذين رجعوا إلى رسول الله ص بعد الانهزام و الإصعاد لما ندموا و تحسروا، و حاشا أن يعفو الله عنهم عفو رحمة و هم في حال الفرار عن الزحف و هو من كبائر المعاصي و الآثام و قد قال: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ وَ اَللََّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ ، و حاشا أن تشمل عنايته تعالى على مقترف الفحشاء و المنكر حين يقترف من قبل أن يتوب و قد عنى في حقهم حين أثابهم غما بغم لكيلا يحزنوا فيتقذر قلوبهم بما لا يرتضيه الله سبحانه على ما مر بيانه.

فهؤلاء بعض القوم و هم النادمون على ما فعلوا الراجعون إلى النبي ص المحتفون به، و كان ذلك إنما كان حين فارق (ص) جموع المشركين و عاد إلى الشعب، و إن كان عودهم إليه تدريجا بعد العلم بأنه لم يقتل.

و أما البعض الآخر من القوم فهم الذين يذكرهم الله بقوله: وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ . ـ

47

(1) -قوله تعالى: «وَ طََائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ» هذه طائفة أخرى من المؤمنين و نعني بكونهم من المؤمنين أنهم غير المنافقين الذين ذكرهم الله أخيرا بقوله: وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نََافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا قََاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ أَوِ اِدْفَعُوا قََالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتََالاً لاَتَّبَعْنََاكُمْ الآية و هم الذين فارقوا جماعة المؤمنين في أول الأمر قبل القتال‏و انخذلوا فهؤلاء المنافقون لهم شأن آخر سينبئ الله بذلك.

و هؤلاء الطائفة الثانية الموصوفون بأنهم قد أهمتهم أنفسهم لم يكرمهم الله بما أكرم به الطائفة الأولى من العفو و إثابة الغم ثم الأمنة و النعاس بل وكلهم إلى أنفسهم فأهمتهم أنفسهم و نسوا كل شي‏ء دونها.

و قد ذكر الله تعالى من أوصافهم وصفين اثنين و إن كان أحدهما من لوازم الآخر و فروعه، فذكر أنهم أهمتهم أنفسهم، و ليس معناه أنهم يريدون سعادة أنفسهم بمعناها الحقيقي فإن المؤمنين أيضا لا يريدون إلا سعادة أنفسهم فالإنسان بل كل ذي همة و إرادة لا يريد إلا نفسه البتة، بل المراد: أن ليس لهم هم إلا حفظ حياتهم الدنيا و عدم الوقوع في شبكة القتل فهم لا يريدون بدين أو غيره إلا إمتاع أنفسهم في الدنيا و إنما ينتحلون بالدين ظنا منهم أنه عامل غير مغلوب، و أن الله لا يرضى بظهور أعدائه عليه، و إن كانت الأسباب الظاهرية لهم فهؤلاء يستدرون الدين ما در لهم، و إن انقلب الأمر و لم يسعدهم الجد انقلبوا على أعقابهم القهقرى.

قوله تعالى: «يَظُنُّونَ بِاللََّهِ غَيْرَ اَلْحَقِّ ظَنَّ اَلْجََاهِلِيَّةِ» إلى قوله: «بِاللََّهِ» أي ظنوا بالله أمرا ليس بحق بل هو من ظنون الجاهلية فهم يصفونه بوصف ليس بحق بل من الأوصاف التي كان يصفه بها أهل الجاهلية، و هذا الظن أيا ما كان هو شي‏ء يناسبه و يلازمه قولهم: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ، و يكشف عنه ما أمر النبي ص أن يجيبهم به، و هو قوله: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ فظاهر هذا الجواب أنهم كانوا يظنون أن بعض الأمر لهم و لذالما غلبوا و فشا فيهم القتل تشككوا فقالوا: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ .

و بذلك يظهر أن الأمر الذي كانوا يرونه لأنفسهم هو الظهور و الغلبة، و إنما كانوا يظنونه لأنفسهم من جهة إسلامهم فهم قد كانوا يظنون أن الدين الحق لا يغلب و لا يغلب المتدين به لما أن على الله أن ينصره من غير قيد و شرط و قد وعدهم به.

48

(1) -و هذا هو الظن بغير الحق، الذي هو ظن الجاهلية فإن وثنية الجاهلية كانت تعتقد أن الله تعالى خالق كل شي‏ء و أن لكل صنف من أصناف الحوادث كالرزق و الحياة و الموت و العشق و الحرب و غيرها، و كذا لكل نوع من الأنواع الكونية كالإنسان و الأرض و البحار و غيرها ربا يدبر أمرها لا يغلب على إرادته، و كانوا يعبدون هؤلاء الأرباب ليدروا لهم الرزق، و يجلبوا لهم السعادة، و يقوهم من الشرور و البلايا، و الله سبحانه كالملك العظيم يفوض كل صنف من أصناف رعيته و كل شطر من أشطار ملكه إلى وال تام الاختيار له أن يفعل ما يشاؤه في منطقة نفوذه و حوزة ولايته.

و إذا ظن الظان أن الدين الحق لا يصير مغلوبا في ظاهر تقدمه و النبي ص -و هو أول من يتحمله من ربه و يحمل أثقاله-لا يقهر في ظاهر دعوته أو أنه لا يقتل أو لا يموت فقد ظن بالله غير الحق ظن الجاهلية فاتخذ لله أندادا، و جعل النبي ص ربا وثنيا مفوضا إليه أمر الغلبة و الغنيمة، مع أن الله سبحانه واحد لا شريك له، إليه يرجع الأمر كله و ليس لأحد من الأمر شي‏ء، و لذلك لما قال تعالى فيما تقدم من الآيات:

لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُواأَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خََائِبِينَ ، قطع الكلام بالاعتراض فقال -يخاطب نبيه-: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ لئلا يتوهم أن له (ص) دخلا في قطع أو كبت، و الله سبحانه هو الذي وضع سنة الأسباب و المسببات، فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحق و الباطل، و الخير و الشر، و الهداية و الضلالة، و العدل و الظلم، و لا فرق فيه بين المؤمن و الكافر، و المحبوب و المبغوض، و محمد و أبي سفيان.

نعم لله سبحانه عناية خاصة بدينه و بأوليائه يجري نظام الكون بسببها جريا ينجر إلى ظهور الدين و تمهد الأرض لأوليائه و العاقبة للمتقين.

و أمر النبوة و الدعوة ليس بمستثنى من هذه السنة الجارية، و لذلك كلما توافقت الأسباب العادية على تقدم هذا الدين و ظهور المؤمنين كبعض غزوات النبي ص كان ذلك، و حيث لم يتوافق الأسباب كتحقق نفاق أو معصية لأمر النبي ص أو فشل أو جزع كانت الغلبة و الظهور للمشركين على المؤمنين، و كذلك الحال في أمر سائر الأنبياء مع الناس فإن أعداء الأنبياء لكونهم أهل الدنيا، و قصرهم مساعيهم في عمارة الدنيا، و بسط القدرة، و تشديد القوة، و جمع الجموع كانت الغلبة الظاهرية و الظهور لهم‏

49

(1) -على الأنبياء، فمن مقتول كزكريا، و مذبوح كيحيى، و مشرد كعيسى إلى غير ذلك.

نعم إذا توقف ظهور الحق بحقانيته على انتقاض نظام العادة دون السنة الواقعية و بعبارة أخرى دار أمر الحق بين الحياة و الموت كان على الله سبحانه أن يقيم صلب الدين و لا يدعه تدحض حجته، و قد مر شطر من هذا البحث في القول على الإعجاز في الجزء الأول من الكتاب، و في الكلام على أحكام الأعمال في الجزء الثاني منه.

و لنرجع إلى ما كنا فيه: فقول هؤلاء الطائفة الذين أهمتهم أنفسهم: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ، تشكك في حقية الدين‏و قد أدرجوا في هيكله روح الوثنية على ما مر بيانه، فأمر سبحانه نبيه ص أن يجيبهم فقال: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ ، و قد خاطب نبيه قبل ذلك بقوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ فبين بذلك أن ملة الفطرة و دين التوحيد هو الذي لا يملك فيه الأمر إلا الله جل شأنه، و باقي الأشياء و منها النبي ص ليست بمؤثرة شيئا بل هي في حيطة الأسباب و المسببات و السنة الإلهية التي تؤدي إلى جريان ناموس الابتلاء و الامتحان.

قوله تعالى: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مََا لاََ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كََانَ» «إلخ» ، و هذا توصيف لهم بما هو أشد من قولهم: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ، فإنه كان تشكيكا في صورة السؤال، و هذا أعني قولهم: لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ مََا قُتِلْنََا هََاهُنََا ترجيح في هيئة الاستدلال، و لذلك أبدوا قولهم الأول للنبي ص و أخفوا قولهم الثاني لاشتماله على ترجيح الكفر على الإسلام.

فأمر الله تعالى نبيه ص أن يجيبهم فقال: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ اَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقَتْلُ إِلى‏ََ مَضََاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اَللََّهُ مََا فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ مََا فِي قُلُوبِكُمْ ، فبين لهم:

أولا: أن قتل من قتل منكم في المعركة ليس لعدم كونكم على الحق، و عدم كون الأمر لكم على ما تزعمون بل لأن القضاء الإلهي و هو الذي لا مناص من نفوذه و مضيه جرى على أن يضطجع هؤلاء المقتولون في هذه المضاجع، فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فلا مفر من الأجل المسمى الذي‏

50

(1) -لا تستأخرون عنه ساعة و لا تستقدمون.

و ثانيا: أن سنة الله جرت على عموم الابتلاء و التمحيص و هي واقعة بهم و بكم لا محالة، فلم يكن بد من خروجكم و وقوع هذا القتال حتى يحل المقتولون محلهم و ينالوا درجاتهم، و تحلوا أنتم محلكم فيتعين لكم أحد جانبي السعادة و الشقاوة بامتحان ما في صدوركم من الأفكار، و تخليص ما في قلوبكم من الإيمان و الشرك.

و من عجيب ما ذكر في هذه الآية قول عدة من المفسرين إن المراد بهذه الطائفة التي تشرح الآية حالها هم المنافقون مع ظهور سياق الآيات في أنها تصف حال المؤمنين، و أما المنافقون أعني أصحاب عبد الله بن أبي المنخذلين في أول الوقعة قبل وقوع القتال فإنما يتعرض لحالهم فيما سيأتي.

اللهم إلا أن يريدوا بالمنافقين الضعفاء الإيمان الذين يعود عقائدهم المتناقضة بحسب اللازم إلى إنكار الحق قلبا و الاعتراف به لسانا و هم الذين يسميهم الله بالذين في قلوبهم مرض قال تعالى: إِذْ يَقُولُ اَلْمُنََافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هََؤُلاََءِ دِينُهُمْ- : الأنفال- 49، و قال: وَ فِيكُمْ سَمََّاعُونَ لَهُمْ : التوبة 47، أو يريدوا أن جميع المنافقين لم يرجعوا مع أصحاب عبد الله بن أبي إلى المدينة.

و أعجب منه قول بعض آخر إن هذه الطائفة كانوا مؤمنين، و أنهم كانوا يظنون أن أمر النصر و الغلبة إليهم لكونهم على دين الله الحق لما رأوا من الفتح و الظفر و نزول الملائكة يوم بدر فقولهم: هَلْ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ، و قولهم: لَوْ كََانَ لَنََا مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ «إلخ» اعتراف منهم بأن الأمر إلى الله لا إليهم و إلا لم يستأصلهم القتل.

و يرد عليه عدم استقامة الجواب حينئذ و هو قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اَلْأَمْرَ كُلَّهُ لِلََّهِ ، و قوله: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ «إلخ» ، و قد أحس بعض هؤلاء بهذا الإشكال فأجاب عنه بما هو أردأ من أصل كلامه و قد عرفت ما هو الحق من المعنى.

قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعََانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطََانُ بِبَعْضِ مََا كَسَبُوا» استزلال الشيطان إياهم إرادته وقوعهم في الزلة، و لم يرد ذلك منهم إلا بسبب بعض ما كسبوا في نفوسهم و من أعمالهم فإن السيئات يهدي بعضها إلى بعض فإنها مبنية على متابعة هوى النفس، و هوى النفس للشي‏ء هوى لما يشاكله. ـ

51

(1) -و أما احتمال كون الباء للآلة و كون ما كسبوا عين توليهم يوم الالتقاء فبعيد من ظاهر اللفظ فإن ظاهر «مََا كَسَبُوا» تقدم الكسب على التولي و الاستزلال.

و كيف كان فظاهر الآية أن بعض ما قدموا من الذنوب و الآثام مكن الشيطان أن أغواهم بالتولي و الفرار، و من هنا يظهر أن احتمال كون الآية ناظرة إلى نداء الشيطان يوم أحد بقتل النبي ص على ما في بعض الروايات ليس بشي‏ء إذ لا دلالة عليه من جهة اللفظ.

قوله تعالى: «وَ لَقَدْ عَفَا اَللََّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» هذا العفو هو عن الذين تولوا، المذكورين في صدر الآية، و الآية مطلقة تشمل جميع من تولى يومئذ فتعم الطائفتين جميعا أعني الطائفة التي غشيهم النعاس و الطائفة التي أهمتهم أنفسهم، و الطائفتان مختلفتان بالتكرم بإكرام الله و عدمه، و لكونهما مختلفتين لم يذكر مع هذا العفو الشامل لهما معا جهات الإكرام التي اشتمل عليها العفو المتعلق بالطائفة الأولى على ما تقدم بيانه.

و من هنا يظهر أن هذا العفو المذكور في هذه الآية غير العفو المذكور في قوله:

وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ ، و من الدليل على اختلاف العفوين ما في الآيتين من اختلاف اللحن ففرق واضح بين قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَفََا عَنْكُمْ وَ اَللََّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حيث إنه كلام مشعر بالفضل و الرأفة و قد سماهم مؤمنين ثم ذكر إثابتهم غما بغم لكيلا يحزنوا ثم إنزاله عليهم أمنة نعاسا، و بين قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَفَا اَللََّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ حيث ذكر العفو و سكت عن جميع ما أكرم الطائفة الأولى به ثم ختم الكلام بذكر حلمه و هو أن لا يعجل في العقوبة و العفو الذي مع الحلم إغماض مع استبطان سخط فإن قلت: إنما سوى بين الطائفتين من سوى بينهما لمكان ورود العفو عنهما جميعا.

قلت: معنى العفو مختلف في الموردين بحسب المصداق و إن صدق على الجميع مفهوم العفو على حد سواء، و لا دليل على كون العفو و المغفرة و ما يشابههما في جميع الموارد سنخا واحدا، و قد بينا وجه الاختلاف.

معنى العفو و المغفرة في القرآن‏

العفو على ما ذكره الراغب-و هو المعنى المتحصل من موارد استعمالاته-هو القصد لتناول الشي‏ء، يقال: عفاه و اعتفاه أي قصده متناولا ما عنده، و عفت الريح الدار

52

(1) -قصدتها متناولة آثارها، انتهى و كان قولهم: عفت الدار إذ بلت مبني على عناية لطيفة و هي أن الدار كأنها قصدت آثار نفسها و ظواهر زينتها فأخذته فغابت عن أعين الناظرين، و بهذه العناية ينسب العفو إليه تعالى كأنه تعالى يعني بالعبد فيأخذ ما عنده من الذنب و يتركه بلا ذنب.

و من هنا يظهر أن‏ المغفرة -و هو الستر-متفرع عليه بحسب الاعتبار فإن الشي‏ء كالذنب مثلا يؤخذ و يتناول أولا ثم يستر عليه فلا يظهر ذنب المذنب لا عند نفسه و لا عند غيره، قال تعالى: وَ اُعْفُ عَنََّا وَ اِغْفِرْ لَنََا، : «البقرة: 286» و قال: وَ كََانَ اَللََّهُ عَفُوًّا غَفُوراً : «النساء: 99» .

و قد تبين بذلك أن العفو و المغفرة و إن كانا مختلفين متفرعا أحدهما على الآخر بحسب العناية الذهنية لكنهما بحسب المصداق واحد، و أن معناهما ليس من المعاني المختصة به تعالى بل يصح إطلاقهما على غيره تعالى بما لهما من المعنى كما قال تعالى: إِلاََّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اَلنِّكََاحِ : «البقرة: 237» ، و قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاََ يَرْجُونَ أَيََّامَ اَللََّهِ : «الجاثية: 14» ، و قال تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شََاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ الآية فأمر نبيه ص أن يعفوا عنهم فلا يرتب الأثر على معصيتهم من المؤاخذة و العتاب و الإعراض و نحو ذلك، و أن يستغفر فيسأل الله أن يغفر لهم-و هو تعالى فاعله لا محالة-فيما يرجع إليه من آثار الذنب.

و قد تبين أيضا أن معنى العفو و المغفرة يمكن أن يتعلق بالآثار التكوينية و التشريعية و الدنيوية و الأخروية جميعا، قال تعالى: وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ : «الشورى: 30» ، و الآية شاملة للآثار و العواقب الدنيوية قطعا، و مثله قوله تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي اَلْأَرْضِ «الشورى: 5» ، على ظاهر معناه، و كذا قول آدم و زوجته فيما حكاه الله عنهما:

رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ : «الأعراف: 23» بناء على أن ظلمهماكان معصية لنهي إرشادي لا مولوي.

و الآيات الكثيرة القرآنية دالة على أن القرب و الزلفى من الله، و التنعم بنعم الجنة يتوقف على سبق المغفرة الإلهية و إزالة رين الشرك و الذنوب بتوبة و نحوها كما قال تعالى: كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ : «المطففين: 14» و قال تعالى: وَ مَنْ‏

53

(1) -يُؤْمِنْ بِاللََّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ : «التغابن: 11» .

و بالجملة العفو و المغفرة من قبيل إزالة المانع و رفع المنافي المضاد، و قد عد الله سبحانه الإيمان و الدار الآخرة حياة، و آثار الإيمان و أفعال أهل الآخرة و سيرهم الحيوي نورا كما قال: «أَ وَ مَنْ كََانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنََاهُ وَ جَعَلْنََا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنََّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمََاتِ لَيْسَ بِخََارِجٍ مِنْهََا : «الأنعام: 122» ، و قال تعالى: وَ إِنَّ اَلدََّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوََانُ : «العنكبوت: 64» ، فالشرك موت و المعاصي ظلمات، قال تعالى: أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشََاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحََابٌ، ظُلُمََاتٌ بَعْضُهََا فَوْقَ بَعْضٍ إِذََا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرََاهََا وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ : «النور: 40» ، فالمغفرة إزالة الموت و الظلمة و إنما تكون‏ بحياة و هو الإيمان، و نور و هو الرحمة الإلهية.

فالكافر لا حياة له و لا نور، و المؤمن المغفور له له حياة و نور، و المؤمن إذا كان معه سيئات حي لم يتم له نوره و إنما يتم بالمغفرة، قال تعالى: نُورُهُمْ يَسْعى‏ََ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمََانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنََا أَتْمِمْ لَنََا نُورَنََا وَ اِغْفِرْ لَنََا : «التحريم-8» .

فظهر من جميع ما تقدم أن مصداق العفو و المغفرة إذا نسب إليه تعالى في الأمور التكوينية كان إزالة المانع بإيراد سبب يدفعه، و في الأمور التشريعية إزالة السبب المانع عن الإرفاق و نحوه، و في مورد السعادة و الشقاوة إزالة المانع عن السعادة.