الميزان في تفسير القرآن - ج6

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
377 /
5

الجزء السادس‏

(1) -

بقية سورة المائدة

(بيان)

الآيتان-كما ترى-موضوعتان بين آيات تنهى عن ولاية أهل الكتاب و الكفار، و لذلك رام جماعة من مفسري القوم إشراكهما مع ما قبلهما و ما بعدهما من حيث السياق، و جعل الجميع ذات سياق واحد يقصد به بيان وظيفة المؤمنين في أمر ولاية الأشخاص ولاية النصرة، و النهي عن ولاية اليهود و النصارى و الكفار، و قصر الولاية في الله سبحانه و رسوله و المؤمنين الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون، و هؤلاء هم المؤمنون حقافيخرج بذلك المنافقون و الذين في قلوبهم مرض، و يبقى على وجوب الولاية المؤمنون حقا، و تكون الآية دالة على مثل ما يدل عليه مجموع قوله تعالى: «وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ» : آل عمران-68، و قوله تعالى: «اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» : الأحزاب: 6، و قوله تعالى في المؤمنين: «أُولََئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ» : الأنفال: 72، و قوله تعالى: «وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ» XالآيةX: التوبة-71. فمحصل الآية جعل ولاية النصرة لله و لرسوله و المؤمنين على المؤمنين.

نعم يبقى هناك إشكال الجملة الحالية التي يتعقبها قوله: «وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ» و هي قوله: «وَ هُمْ رََاكِعُونَ» و يرتفع الإشكال بحمل‏ الركوع‏ على معناه المجازي و هو مطلق‏

6

(1) -الخضوع لله سبحانه أو انحطاط الحال لفقر و نحوه، و يعود معنى الآية إلى أنه ليس أولياؤكم اليهود و النصارى و المنافقين بل أولياؤكم الله و رسوله و المؤمنون الذين يقيمون الصلاة، و يؤتون الزكاة، و هم في جميع هذه الأحوال خاضعون لساحة الربوبية بالسمع و الطاعة، أو أنهم يؤتون الزكاة و هم فقراء معسرون هذا.

لكن التدبر و استيفاء النظر في الآيتين و ما يحفهما من آيات ثم في أمر السورة يعطي خلاف ما ذكروه، و أول ما يفسد من كلامهم ما ذكروه من أمر وحدة سياق الآيات، و أن غرض الآيات التعرض لأمر ولاية النصرة، و تمييز الحق منها من غير الحق فإن السورة و إن كان من المسلم نزولها في آخر عهد رسول الله ص في حجة الوداع لكن من المسلم أيضا أن جميع آياتها لم تنزل دفعة واحدة ففي خلالها آيات لا شبهة في نزولها قبل ذلك، و مضامينها تشهد بذلك، و ما ورد فيها من أسباب النزول يؤيده فليس مجرد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على‏وحدة السياق، و لا أن بعض المناسبة بين آية و آية يدل على نزولهما معا دفعة واحدة أو اتحادهما في السياق.

على أن الآيات السابقة أعني قوله: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ «إلخ» ، تنهى المؤمنين عن ولاية اليهود و النصارى، و تعير المنافقين و الذين في قلوبهم مرض بالمسارعة إليهم و رعاية جانبهم من غير أن يرتبط الكلام بمخاطبة اليهود و النصارى و إسماعهم الحديث بوجه بخلاف الآيات التالية أعني قوله:

«يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ اَلْكُفََّارَ أَوْلِيََاءَ» «إلخ» ، فإنها تنهى عن ولايتهم و تتعرض لحالهم بالأمر بمخاطبتهم ثم يعيرهم بالنفاق و الفسق فالغرض في القبيلين من الآيات السابقة و اللاحقة مختلف، و معه كيف يتحد السياق؟!.

على أنك قد عرفت في البحث عن الآيات السابقة أعني قوله: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ أَوْلِيََاءَ» (الآيات) أن ولاية النصرة لا تلائم سياقها، و أن خصوصيات الآيات و العقود المأخوذة فيها و خاصة قوله: «بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ» و قوله:

«وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» لا تناسبها فإن عقد ولاية النصرة و اشتراطها بين قومين لا يوجب صيرورة أحدهما الآخر و لحوقه به، و لا أنه يصح تعليل النهي عن هذا العقد بأن القوم الفلاني بعضهم أولياء بعض بخلاف عقد ولاية المودة التي توجب الامتزاج النفسي‏

7

(1) -و الروحي بين الطرفين، و تبيح لأحدهما التصرف الروحي و الجسمي في شئون الآخر الحيوية و تقارب الجماعتين في الأخلاق و الأعمال الذي يذهب‏بالخصائص القومية.

على أنه ليس من الجائز أن يعد النبي ص وليا للمؤمنين بمعنى ولاية النصرة بخلاف العكس فإن هذه النصرة التي يعتني بأمرها الله سبحانه، و يذكرها القرآن الكريم في كثير من آياته هي النصرة في الدين و حينئذ يصح أن يقال: إن الدين لله بمعنى أنه جاعله و شارع شرائعه فيندب النبي ص أو المؤمنون أو هما جميعا إلى نصرته أو يدعوا أنصارا لله في ما شرعه من الدين كقوله تعالى: «قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ» : الصف: 14، و قوله تعالى: «إِنْ تَنْصُرُوا اَللََّهَ يَنْصُرْكُمْ» : محمد: 7، و قوله تعالى:

«وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ -Xإلى أن قال‏X: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ» : آل عمران: 81، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

و يصح أن يقال: إن الدين للنبي ص بمعنى أنه الداعي إليه و المبلغ له مثلا، أو إن الدين لله و لرسوله بمعنى التشريع و الهداية فيدعى الناس إلى النصرة، أو يمدح المؤمنون بالنصرة كقوله تعالى: «وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ» ، : الأعراف: 157، و قوله تعالى: «وَ يَنْصُرُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ» : الحشر: 8، و قوله تعالى: «وَ اَلَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا» : الأنفال: 72، إلى غير ذلك من الآيات.

و يصح أن يقال: إن الدين للنبي ص و للمؤمنين جميعا، بمعنى أنهم المكلفون بشرائعه العاملون به فيذكر أن الله سبحانه وليهم و ناصرهم‏كقوله تعالى: «وَ لَيَنْصُرَنَّ اَللََّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» : الحج: 40، و قوله تعالى‏ : «إِنََّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنََا وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ يَوْمَ يَقُومُ اَلْأَشْهََادُ» : غافر: 51، و قوله تعالى: «وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ» : الروم-47 إلى غير ذلك من الآيات.

لكن لا يصح أن يفرد الدين بوجه للمؤمنين خاصة، و يجعلوا أصلا فيه و النبي ص بمعزل عن ذلك، ثم يعد (ص) ناصرا لهم فيما لهم، إذ ما من كرامة دينية إلا هو مشاركهم فيها أحسن مشاركة، و مساهمهم أفضل سهام؛ و لذلك لا نجد القرآن يعد النبي ص ناصرا للمؤمنين و لا في آية واحدة، و حاشا ساحة الكلام الإلهي أن يساهل في رعاية أدبه البارع.

8

(1) -و هذا من أقوى الدليل على أن المراد بما نسب إلى النبي ص من الولاية في القرآن هو ولاية التصرف أو الحب و المودة كقوله تعالى: (اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» :

» الأحزاب: 6، و قوله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» (الآية) ، فإن الخطاب للمؤمنين، و لا معنى لعد النبي ص وليا لهم ولاية النصرة كما عرفت.

فقد ظهر أن الآيتين أعني قوله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» إلى آخر الآيتين لا تشاركان السياق السابق عليهما لو فرض أنه متعرض لحال ولاية النصرة، و لا يغرنك قوله تعالى في آخر الآية الثانية: «فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ» ، فإن الغلبة كما تناسب الولاية بمعنى النصرة، كذلك تناسب ولاية التصرف و كذا ولاية المحبة و المودة، و الغلبة الدينية التي هي آخر بغية أهل الدين تتحصل باتصال المؤمنين بالله و رسوله بأي وسيلة تمت و حصلت، و قد قرع الله سبحانه أسماعهم ذلك بصريح وعده حيث قال: «كَتَبَ اَللََّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي» : المجادلة: 21، و قال: «وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنََا لِعِبََادِنَا اَلْمُرْسَلِينَ ` إِنَّهُمْ لَهُمُ‏اَلْمَنْصُورُونَ ` وَ إِنَّ جُنْدَنََا لَهُمُ اَلْغََالِبُونَ: » الصافات: 173.

على أن الروايات متكاثرة من طرق الشيعة و أهل السنة على أن الآيتين نازلتان في أمير المؤمنين علي (ع) لما تصدق بخاتمه و هو في الصلاة، فالآيتان خاصتان غير عامتين، و سيجي‏ء نقل جل ما ورد من الروايات في ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.

و لو صح الإعراض في تفسير آية بالأسباب المأثورة عن مثل هذه الروايات على تكاثرها و تراكمها لم يصح الركون إلى شي‏ء من أسباب النزول المأثورة في شي‏ء من آيات القرآن و هو ظاهر، فلا وجه لحمل الآيتين على إرادة ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بجعلها عامة.

نعم استشكلوا في الروايات-و لم يكن ينبغي أن يستشكل فيها مع ما فيها من الكثرة البالغة-أولا: بأنها تنافي سياق الآيات الظاهر في ولاية النصرة كما تقدمت الإشارة إليه؛ و ثانيا: أن لازمها إطلاق الجمع و إرادة الواحد فإن المراد بالذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة «إلخ» ، على هذا التقدير هو علي و لا يساعده اللغة، و ثالثا:

أن لازمها كون المراد بالزكاة هو التصدق بالخاتم، و لا يسمى ذلك زكاة.

قالوا: فالمتعين أن تؤخذ الآية عامة، و تكون مسوقة لمثل قصر القلب أو الإفراد

9

(1) -فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب و يؤكدونها، فنهى الله عن ذلك و ذكر أن أولياءهم إنما هم الله و رسوله و المؤمنون حقا دون أهل الكتاب و المنافقين.

و لا يبقى إلا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله: «وَ هُمْ رََاكِعُونَ» و يندفع بحمل الركوع على معناه المجازي، و هو الخضوع لله أو الفقر و رثاثة الحال، هذا ما استشكلوه.

لكن التدبر في الآية و ما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة جميعا:

أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة، و لزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا، و لو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض.

و أما حديث لزوم إطلاق الجمع و إرادة الواحد في قوله: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» «إلخ» ، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه، و أنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع و إرادة الواحد و استعماله فيه، و بين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه، ثم لا يكون المصداق الذي يصح‏أن ينطبق عليه إلا واحدا فردا و اللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات.

و ليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ -Xإلى أن قال‏X: - تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ» XالآيةX: الممتحنة: 1، و قد صح أن المراد به حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا؟ و قوله تعالى: «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنََا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ» : المنافقون:

8، و قد صح أن القائل به عبد الله بن أبي بن سلول؟و قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ» : البقرة: 215 و السائل عنه واحد؟، و قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ سِرًّا وَ عَلاََنِيَةً» : البقرة: 274 و قد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر؟إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة.

و أعجب من الجميع قوله تعالى: «يَقُولُونَ نَخْشى‏ََأَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ» و القائل هو عبد الله بن أبي، على ما رووا في سبب نزوله و تلقوه بالقبول، و الآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها. ـ

10

(1) -فإن قيل: إن هذه الموارد لا تخلو عن أناس كانوا يرون رأيهم أو يرضون بفعالهم فعبر الله تعالى عنهم و عمن يلحق بهم بصيغة الجمع. قيل: إن محصله جواز ذلك في اللغة لنكتة مجوزة فليجر الآية أعني قوله: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» هذا المجرى، و لتكن النكتة هي الإشارة إلى أن أنواع الكرامات الدينية-و منها الولاية المذكورة في الآية-ليست موقوفة على بعض المؤمنين دون بعض وقفا جزافيا و إنما يتبع التقدم في الإخلاص و العمل لا غير.

على أن جل الناقلين لهذه الأخبار هم صحابة النبي ص و التابعون المتصلون بهم زمانا و هم من زمرة العرب العرباء الذين لم تفسد لغتهم و لم تختلط ألسنتهم و لو كان هذا النحو من الاستعمال لا تبيحه اللغة و لا يعهده أهلها لم تقبله طباعهم، و لكانوا أحق باستشكاله و الاعتراض عليه، و لم يؤثر من أحد منهم ذلك.

و أما قولهم: إن الصدقة بالخاتم لا تسمى زكاة، فيدفعه أن تعين لفظ الزكاة في معناها المصطلح إنما تحقق في عرف المتشرعة بعد نزول القرآن بوجوبها و تشريعها في الدين، و أما الذي تعطيه اللغة فهو أعم من الزكاة المصطلحة في عرف المتشرعة و يساوق عند الإطلاق أو عند مقابلة الصلاة إنفاق المال لوجه الله كما يظهر مما وقع فيما حكاه الله عن الأنبياء السالفين كقوله تعالى في إبراهيم و إسحاق و يعقوب: «وَ أَوْحَيْنََا إِلَيْهِمْ فِعْلَ اَلْخَيْرََاتِ وَ إِقََامَ اَلصَّلاََةِ وَ إِيتََاءَ اَلزَّكََاةِ» : الأنبياء: 73، و قوله تعالى في إسماعيل: «وَ كََانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ وَ كََانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا» : مريم: 55 و قوله تعالى حكاية عن عيسى (ع) في المهد: «وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ مََا دُمْتُ حَيًّا» : مريم: 31 و من المعلوم أن ليس في شرائعهم الزكاة المالية بالمعنى الذي اصطلح عليه في الإسلام.

و كذا قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى ` وَ ذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلََّى» : الأعلى: 15 و قوله تعالى: «اَلَّذِي يُؤْتِي مََالَهُ يَتَزَكََّى» : الليل: 18 و قوله تعالى: «اَلَّذِينَ لاََ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كََافِرُونَ» : حم السجدة: 7 و قوله تعالى: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكََاةِ فََاعِلُونَ» : المؤمنون: 4، و غير ذلك من الآيات الواقعة في السور المكية و خاصة السور النازلة في أوائل البعثة كسورة حم السجدة و غيرها، و لم تكن شرعت الزكاة المصطلحة بعد؛ فليت شعري ما ذا كان يفهمه المسلمون من هذه الآيات في‏

11

(1) -لفظ الزكاة.

بل آية الزكاة أعني قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهََا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاََتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» : التوبة: 103، تدل على أن الزكاة من أفراد الصدقة، و إنما سميت زكاة لكون الصدقة مطهرة مزكية مطلقا، و قد غلب استعمالها في الصدقة المصطلحة.

فتبين من جميع ما ذكرنا أنه لا مانع من تسمية مطلق الصدقة و الإنفاق في سبيل الله زكاة، و تبين أيضا أن لا موجب لارتكاب خلاف الظاهر بحمل الركوع على معناه المجازي، و كذا ارتكاب التوجيه في قوله «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» حيث أتى باسم إن (وَلِيُّكُمُ) مفردا و بقوله «اَلَّذِينَ آمَنُوا» و هو خبر بالعطف بصيغة الجمع، هذا.

قوله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» قال الراغب في المفردات:

الولاء (بفتح الواو) و التوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، و يستعار ذلك للقرب من حيث المكان و من حيث النسبة و من حيث الصداقة و النصرة و الاعتقاد، و الولاية النصرة، و الولاية تولي الأمر، و قيل: الولاية و الولاية (بالفتح و الكسر) واحدة نحو الدلالة و الدلالة و حقيقته تولي الأمر، و الولي و المولى يستعملان في ذلك، كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي الموالي (بكسر اللام) و معنى المفعول أي الموالي (بفتح اللام) يقال للمؤمن: هو ولي الله عز و جل و لم يرد مولاه، و قد يقال: الله ولي المؤمنين و مولاهم.

قال: و قولهم: تولى إذا عدي بنفسه اقتضى معنى الولاية و حصوله في أقرب المواضع منه يقال: وليت سمعي كذا، و وليت عيني كذا، و وليت وجهي كذا أقبلت به عليه قال الله عز و جل: «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ، وَ حَيْثُ مََا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» و إذا عدي بعن لفظا أو تقديرااقتضى معنى الإعراض و ترك قربه. انتهى.

و الظاهر أن القرب الكذائي المعبر عنه بالولاية، أول ما اعتبره الإنسان إنما اعتبره في الأجسام و أمكنتها و أزمنتها ثم أستعير لأقسام القرب المعنوية بالعكس مما

12

(1) -ذكره لأن هذا هو المحصل من البحث في حالات الإنسان الأولية فالنظر في أمر المحسوسات و الاشتغال بأمرها أقدم في عيشة الإنسان من التفكر في المعقولات و المعاني و أنحاء اعتبارها و التصرف فيها.

و إذا فرضت الولاية-و هي القرب الخاص-في الأمور المعنوية كان لازمها أن للولي ممن وليه ما ليس لغيره إلا بواسطته فكل ما كان من التصرف في شئون من وليه مما يجوز أن يخلفه فيه غيره فإنما يخلفه الولي لا غيره كولي الميت، فإن التركة التي كان للميت أن يتصرف فيها بالملك فإن لوارثه الولي أن يتصرف فيها بولاية الوراثة، و ولي الصغير يتصرف بولايته في شئون الصغير المالية بتدبير أمره، و ولي النصرة له أن يتصرف في أمر المنصور من حيث تقويته في الدفاع، و الله سبحانه ولي عباده يدبر أمرهم في الدنيا و الآخرة لا ولي غيره، و هو ولي المؤمنين في تدبير أمر دينهم بالهداية و الدعوة و التوفيق و النصرة و غير ذلك، و النبي ولي المؤمنين من حيث إن له أن يحكم فيهم و لهم و عليهم بالتشريع و القضاء، و الحاكم ولي الناس بالحكم فيهم على مقدار سعة حكومته، و على هذا القياس سائر موارد الولاية كولاية العتق و الحلف و الجوار و الطلاق و ابن العم، و ولاية الحب و ولاية العهد و هكذا، و قوله: «يُوَلُّونَ اَلْأَدْبََارَ» أي يجعلون أدبارهم تلي جهة الحرب و تدبر أمرها، و قوله‏ «تَوَلَّيْتُمْ» أي توليتم عن قبوله أي اتخذتم أنفسكم تلي جهة خلاف جهته بالإعراض عنه أو اتخذتم وجوهكم تلي خلاف جهته بالإعراض عنه؛ فالمحصل من معنى الولاية في موارد استعمالها هو نحو من القرب يوجب نوعا من حق التصرف و مالكية التدبير.

و قد اشتمل قوله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» «إلخ» من السياق على ما يدل على وحدة ما في معنى الولاية المذكورة فيه حيث تضمن العد في قوله: «اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» و أسند الجميع إلى قوله: «وَلِيُّكُمُ» و ظاهره كون الولاية في الجميع بمعنى واحد. و يؤيد ذلك أيضا قوله في الآية التالية: «فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ» حيث يشعر أو يدل على كون المتولين جميعا حزبا لله لكونهم تحت ولايته؛ فولاية الرسول و الذين آمنوا إنما هو من سنخ ولاية الله.

و قد ذكر الله سبحانه لنفسه من الولاية، الولاية التكوينية التي تصحح له التصرف في كل شي‏ء و تدبير أمر الخلق بما شاء، و كيف شاء قال تعالى: «أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ‏

13

(1) -أَوْلِيََاءَ فَاللََّهُ هُوَ اَلْوَلِيُّ» : الشورى: 9 و قال: «مََا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ شَفِيعٍ أَ فَلاََ تَتَذَكَّرُونَ» : السجدة: 4 و قال: «أَنْتَ وَلِيِّي فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ» : يوسف: 101 و قال: «فَمََا لَهُ مِنْ وَلِيٍ‏مِنْ بَعْدِهِ» : الشورى: 44 و في معنى هذه الآيات قوله: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ» : ق: 16، و قوله: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ» : الأنفال: 24.

و ربما لحق بهذا الباب ولاية النصرة التي ذكرها لنفسه في قوله: «ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ مَوْلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ اَلْكََافِرِينَ لاََ مَوْلى‏ََ لَهُمْ» : سورة محمد-11، و قوله: «فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ» : التحريم: 4، و في معنى ذلك قوله: «وَ كََانَ حَقًّا عَلَيْنََا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ» : «الروم: 47» .

و ذكر تعالى أيضا لنفسه الولاية على المؤمنين فيما يرجع إلى أمر دينهم من تشريع الشريعة و الهداية و الإرشاد و التوفيق و نحو ذلك كقوله تعالى: «اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ» : البقرة: 257، و قوله: «وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُؤْمِنِينَ» : «آل عمران: 68 و قوله: «وَ اَللََّهُ وَلِيُّ اَلْمُتَّقِينَ» : الجاثية: 19، و في هذا المعنى قوله تعالى: «وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاََلاً مُبِيناً» : الأحزاب: 36.

فهذا ما ذكره الله تعالى من ولاية نفسه في كلامه، و يرجع محصلها إلى ولاية التكوين و ولاية التشريع، و إن شئت سميتهما بالولاية الحقيقية و الولاية الاعتبارية.

و قد ذكر الله سبحانه لنبيه (ص) من الولاية التي تخصه الولاية التشريعية و هي القيام بالتشريع و الدعوة و تربية الأمة و الحكم فيهم و القضاء في أمرهم، قال تعالى: «اَلنَّبِيُّ أَوْلى‏ََ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» : الأحزاب: 6، و في معناه قوله تعالى: «إِنََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ بِمََا أَرََاكَ اَللََّهُ» : النساء: 105، و قوله: «وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ» : الشورى: 52، و قوله: «رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ» : الجمعة: 2، و قوله: «لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» : النحل:

44 و قوله: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ» : النساء: 59، و قوله: «وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» » : الأحزاب:

36، و قوله: «وَ أَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمََا أَنْزَلَ اَللََّهُ وَ لاََ تَتَّبِعْ أَهْوََاءَهُمْ وَ اِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكَ» : المائدة: 49، و قد تقدم أن الله لم يذكر ولاية النصرة عليه للأمة.

14

(1) -و يجمع الجميع أن له (ص) الولاية على الأمة في سوقهم إلى الله و الحكم فيهم و القضاء عليهم في جميع شئونهم‏فله عليهم الإطاعة المطلقة فترجع ولايته (ص) إلى ولاية الله سبحانه بالولاية التشريعية، و نعني بذلك أن له (ص) التقدم عليهم بافتراض الطاعة لأن طاعته طاعة الله، فولايته ولاية الله كما يدل عليه بعض الآيات السابقة كقوله:

«أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ» (الآية) و قوله: «وَ مََا كََانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاََ مُؤْمِنَةٍ إِذََا قَضَى اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً» (الآية) و غير ذلك.

و هذا المعنى من الولاية لله و رسوله هو الذي تذكره الآية للذين آمنوا بعطفه على الله و رسوله في قوله: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» على ما عرفت من دلالة السياق على كون هذه الولاية ولاية واحدة هي لله سبحانه بالأصالة و لرسوله و الذين آمنوا بالتبع و بإذن منه تعالى.

و لو كانت الولاية المنسوبة إلى الله تعالى في الآية غير المنسوبة إلى الذين آمنوا -و المقام مقام الالتباس-كان الأنسب أن تفرد ولاية أخرى للمؤمنين بالذكر رفعا للالتباس كما وقع نظيره في نظيرها، قال تعالى: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» : التوبة. 61، فكرر لفظ الإيمان لما كان في كل من الموضعين لمعنى غير الآخر، و قد تقدم نظيره في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ : النساء-59، في الجزء السابق على هذا الجزء من الكتاب.

على أن لفظ «وَلِيُّكُمُ» أتي به مفردا و قد نسب إلى الذين آمنوا و هو جمع، و قد وجهه المفسرون بكون الولاية ذات معنى واحد هو لله سبحانه على الأصالة و لغيره بالتبع.

و قد تبين من جميع ما مر أن القصر في قوله: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ» «إلخ» ، لقصر الإفراد كان المخاطبين يظنون أن الولاية عامة للمذكورين في الآية و غيرهم فأفرد المذكورون للقصر، و يمكن بوجه أن يحمل على قصر القلب.

قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» بيان للذين آمنوا المذكور سابقا، و قوله: «وَ هُمْ رََاكِعُونَ» حال من فاعل «يُؤْتُونَ» و هو العامل فيه.

و الركوع‏ هو الهيأة المخصوصة في الإنسان، و منه الشيخ الراكع، و يطلق في عرف الشرع على الهيأة المخصوصة في العبادة، قال تعالى: «اَلرََّاكِعُونَ اَلسََّاجِدُونَ» :

15

(1) - التوبة: 112 و هو ممثل للخضوع و التذلل لله، غير أنه لم يشرع في الإسلام في غير حال الصلاة بخلاف السجدة.

و لكونه مشتملا على الخضوع و التذلل ربما أستعير لمطلق التذلل و الخضوع أو الفقر و الإعسار الذي لا يخلو عادة عن التذلل للغير.

قوله تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ» ، التولي‏ هو الأخذ وليا، و «اَلَّذِينَ آمَنُوا» مفيد للعهد و المراد به المذكور في الآية السابقة: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ» ، «إلخ» ، و قوله: «فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ» واقع موقع الجزاء و ليس به بل هو من قبيل وضع الكبرى موضع النتيجة للدلالة على علة الحكم، و التقدير: و من يتول فهو غالب لأنه من حزب الله و حزب الله هم الغالبون، فهو من قبيل الكناية عن أنهم حزب الله.

و الحزب‏ على ما ذكره الراغب جماعة فيها غلظ، و قد ذكر الله سبحانه حزبه في موضع آخر من كلامه قريب المضمون من هذا الموضع، و وسمهم بالفلاح فقال: «لاََ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ يُوََادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كََانُوا آبََاءَهُمْ أَوْ أَبْنََاءَهُمْ أَوْ إِخْوََانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ -Xإلى أن قال: X- أُولََئِكَ حِزْبُ اَللََّهِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» : المجادلة-22.

و الفلاح‏ الظفر و إدراك البغية التي هي الغلبة و الاستيلاء على المراد، و هذه الغلبة و الفلاح هي التي وعدها الله المؤمنين في أحسن ما وعدهم به و بشرهم بنيله، قال تعالى:

«قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ» : المؤمنون: 1، و الآيات في ذلك كثيرة، و قد أطلق اللفظ في جميعها، فالمراد الغلبة المطلقة و الفلاح المطلق أي الظفر بالسعادة و الفوز بالحق و الغلبة على الشقاء، و إدحاض الباطل في الدنيا و الآخرة، أما في الدنيا فبالحياة الطيبة التي توجد في مجتمع صالح من أولياء الله في أرض مطهرة من أولياء الشيطان على تقوى و ورع، و أما في الآخرة ففي جوار رب العالمين.

(بحث روائي)

في الكافي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، ـ

16

(1) -عن زرارة؛ و الفضيل بن يسار، و بكير بن أعين، و محمد بن مسلم، و بريد بن معاوية، و أبي الجارود، جميعا عن أبي جعفر (ع) قال: أمر الله عز و جل رسوله‏بولاية علي و أنزل عليه: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» و فرض من ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي؟فأمر الله محمدا ص أن يفسر لهم الولاية-كما فسر الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج-.

فلما أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول الله ص، و تخوف أن يرتدوا عن دينهم و أن يكذبوه، فضاق صدره و راجع ربه عز و جل-فأوحى الله عز و جل إليه: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ-وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ ، فصدع بأمر الله عز ذكره، فقام بولاية علي (ع) يوم غدير خم- فنادى: الصلاة جامعة، و أمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب.

قال عمر بن أذينة: قالوا جميعا غير أبي الجارود: قال أبو جعفر (ع) : و كانت الفريضة الأخرى، و كانت الولاية آخر الفرائض-فأنزل الله عز و جل: «اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» ، قال أبو جعفر (ع) : يقول الله عز و جل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة-قد أكملت لكم الفرائض.

و في البرهان، و غاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (ع) : في قول الله عز و جل: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» ، قال: إن رهطا من اليهود أسلموا-منهم عبد الله بن سلام-و أسد و ثعلبة و ابن يامين و ابن صوريا-فأتوا النبي ص فقالوا: يا نبي الله-إن موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيك يا رسول الله؟و من ولينا بعدك؟فنزلت هذه الآية: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» .

قال رسول الله ص: قوموا فقاموا و أتوا المسجد-فإذا سائل خارج فقال (ص) : يا سائل هل‏أعطاك أحد شيئا؟قال: نعم هذا الخاتم-قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي؛ قال على أي حال أعطاك؟قال: كان راكعا فكبر النبي ص و كبر أهل المسجد.

فقال النبي ص: علي وليكم بعدي-قالوا: رضينا بالله ربا، و بمحمد نبيا، و بعلي‏

17

(1) -بن أبي طالب وليا فأنزل الله عز و جل: «وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ»

الحديث.

و في تفسير القمي، قال: حدثني أبي، عن صفوان: عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (ع) : بينا رسول الله ص جالس و عنده قوم من اليهود- فيهم عبد الله بن سلام إذ نزلت عليه هذه الآية-فخرج رسول الله ص إلى المسجد فاستقبله سائل-فقال (ص) : هل أعطاك أحد شيئا؟قال: نعم ذلك المصلي، فجاء رسول الله ص فإذا هو علي (ع) : .

أقول: و رواه العياشي في تفسيره عنه (ع) .

و في أمالي الشيخ، قال: حدثنا محمد بن محمد-يعني المفيد-قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: حدثني الحسن بن علي الزعفراني، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا العباس بن عبد الله العنبري، عن عبد الرحمن بن الأسود الكندي اليشكري، عن عون بن عبيد الله، عن أبيه عن جده أبي رافع قال: دخلت على رسول الله ص يوما و هو نائم-و حية في جانب البيت-فكرهت أن أقتلها و أوقظ النبي ص-فظننت أنه يوحى إليه‏فاضطجعت بينه و بين الحية-فقلت: إن كان منها سوء كان إلى دونه.

فكنت هنيئة فاستيقظ النبي ص و هو يقرأ: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» -حتى أتى على آخر الآية-ثم قال: الحمد لله الذي أتم لعلي نعمته، و هنيئا له بفضل الله الذي آتاه، ثم قال لي: ما لك هاهنا؟فأخبرته بخبر الحية-فقال لي: اقتلها ففعلت-ثم قال لي: يا (أبا، ) رافع كيف أنت-و قوم يقاتلون عليا و هو على الحق و هم على الباطل؟جهادهم حقا لله عز اسمه-فمن لم يستطع بقلبه، ليس وراءه شي‏ء-فقلت:

يا رسول الله ادع الله لي-إن أدركتهم أن يقويني على قتالهم-قال: فدعا النبي ص و قال: إن لكل نبي أمينا، و إن أميني أبو رافع.

قال: فلما بايع الناس عليا بعد عثمان، و سار طلحة و الزبير ذكرت قول النبي ص-فبعت داري بالمدينة و أرضا لي بخيبر-و خرجت بنفسي و ولدي مع أمير المؤمنين (ع)

18

(1) --لأستشهد بين يديه فلم أدرك معه حتى عاد من البصرة، و خرجت معه إلى صفين- (فقاتلت، ) بين يديه بها و بالنهروان أيضا، و لم أزل معه حتى استشهد علي (ع) ، فرجعت إلى المدينة و ليس لي بها دار و لا أرض-فأعطاني الحسن بن علي (ع) أرضا بينبع، و قسم لي شطر دار أمير المؤمنين (ع) فنزلتها و عيالي.

و في تفسير العياشي، بإسناده عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسن، عن جده قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: وقف لعلي بن أبي طالب سائل و هو راكع في صلاة تطوع-فنزع خاتمه فأعطاه السائل-فأتى رسول الله ص فأعلم بذلك-فنزل على النبي ص هذه الآية: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» - (إلى آخر الآية) فقرأها رسول الله ص علينا-ثم قال:

من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه.

و في تفسير العياشي، عن المفضل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما (ع) قال: قال: إنه لما نزلت هذه الآية: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» - شق ذلك على النبي ص-و خشي أن تكذبه قريش-فأنزل الله: «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» (الآية) فقام بذلك يوم غدير خم.

و فيه، عن أبي جميلة عن بعض أصحابه عن أحدهما (ع) قال: إن رسول الله ص قال: إن الله أوحى إلي أن أحب أربعة: عليا و أبا ذر و سلمان و المقداد، فقلت: ألا فما كان من كثرة الناس-أ ما كان أحد يعرف هذا الأمر؟فقال: بلى ثلاثة، قلت: هذه الآيات التي أنزلت: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» -و قوله: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» -ما كان أحد يسأل فيمن نزلت؟فقال من ثم أتاهم لم يكونوا يسألون.

و في غاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي سعيد الوراق عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: في حديث مناشدة علي (ع) لأبي بكر-حين ولى أبو بكر الخلافة، و ذكر (ع) فضائله لأبي بكر-و النصوص عليه من رسول الله ص فكان فيما قال له: فأنشدك بالله أ-لي الولاية من الله-مع ولاية رسول الله ص في آية زكاة الخاتم أم لك؟قال: بل لك.

19

(1) -

و في مجالس الشيخ، بإسناده إلى أبي ذر: في حديث مناشدة أمير المؤمنين (ع) عثمان و الزبير-و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص-يوم الشورى و احتجاجه عليهم- بما فيه من النصوص من رسول الله ص، و الكل منهم يصدقه (ع) فيما يقوله فكان مما ذكره (ع) : فهل فيكم أحد آتى الزكاة و هو راكع فنزلت فيه: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» -غيري؟ قالوا: لا.

و في الإحتجاج، في رسالة أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي (ع) إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر و التفويض:

قال (ع) : اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها-فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، و على تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبي ص: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ، فأخبر (ع) :

أن ما اجتمعت عليه الأمة-و لم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث لا ما تأوله الجاهلون، و لا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، و اتباع أحكام الأحاديث المزورة، و الروايات المزخرفة، و اتباع الأهواء المردئة المهلكة التي تخالف نص الكتاب، و تحقيق الآيات الواضحات النيرات، و نحن نسأل الله أن يوفقنا للصلاة، و يهدينا إلى الرشاد.

ثم قال (ع) : فإذا شهد الكتاب بصدق خبر-و تحقيقه فأنكرته طائفة من الأمة- عارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها و دفعها الكتاب ضلالا، و أصح خبر مما عرف تحقيقه من الكتاب-مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله ص قال: «إني مستخلف فيكم خليفتين كتاب الله و عترتي. ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي-و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» و اللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله (ص) : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا» .

وجدنا شواهد هذا الحديث نصا في كتاب الله-مثل قوله: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» . ثم اتفقت‏

20

(1) -روايات العلماء-في ذلك لأمير المؤمنين (ع) : أنه تصدق بخاتمه و هو راكع فشكر الله ذلك له، و أنزل الآية فيه. ثم وجدنا رسول الله ص-قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: «من كنت مولاه فعلي مولاه-اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» و قوله:

(ص) «علي يقضي ديني، و ينجز موعدي، و هو خليفتي عليكم بعدي» و قوله (ص) حين استخلفه على المدينة-فقال: يا رسول الله: أ تخلفني على النساء و الصبيان؟فقال (ص) : أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى-إلا أنه لا نبي بعدي؟.

فعلمنا أن الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، و تحقيق هذه الشواهد فيلزم الأمة الإقرار بها-إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن-فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله، و وجدنا كتاب الله موافقا لهذه الأخبار، و عليها دليلا كان الاقتداء فرضا-لا يتعداه إلا أهل العناد و الفساد.

و في الإحتجاج، في حديث عن أمير المؤمنين (ع) : قال المنافقون لرسول الله ص: هل بقي لربك علينا بعد الذي فرض علينا شي‏ء آخر-يفترضه فتذكر فتسكن أنفسنا إلى أنه لم يبق غيره؟فأنزل الله في ذلك: «قُلْ إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ» -يعني الولاية فأنزل الله: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» ، و ليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة-يومئذ و هو راكع غير رجل واحد

، الحديث.

و في الاختصاص، للمفيد عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن الحسن بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ فقال: نعم، هم الذين قال الله: «أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ» - و هم الذين قال الله: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» .

أقول: و رواه في الكافي، عن الحسين بن أبي العلاء عنه (ع) ، و روي ما في معناه عن أحمد بن عيسى عنه (ع) .

و إسناد نزول ما نزل في علي (ع) إلى جميع الأئمة (ع) لكونهم أهل بيت واحد، و أمرهم واحد. ـ

21

(1) -

و عن تفسير الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه قال: حدثنا عبد الله بن أحمد الشعراني قال: أخبرنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين قال: حدثنا المظفر بن الحسن الأنصاري قال: حدثنا السري بن علي الوراق قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الجماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش، عن عباية بن الربعي قال: حدثنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه- و هو جالس بشفير زمزم يقول قال: رسول الله: إذ أقبل رجل معتم بعمامة-فجعل ابن عباس لا يقول: قال رسول الله-إلا و قال الرجل: قال رسول الله.

فقال له ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟قال: فكشف العمامة عن وجهه و قال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني-و من لم يعرفني-فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري-سمعت رسول الله بهاتين و إلا فصمتا-و رأيته بهاتين و إلا فعميتا يقول:

علي قائد البررة و قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.

أما إني صليت مع رسول الله يوما من الأيام صلاة الظهر-فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد-فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله-فلم يعطني أحد شيئا، و كان علي راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى، و كان يتختم فيها فأقبل السائل-حتى أخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بعين النبي ص-فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء-و قال: اللهم موسى سألك فقال: رب اشرح لي صدري، و يسر لي أمري، و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، و أشركه في أمري. فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: سنشد عضدك بأخيك، و نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا.

اللهم و أنا محمد نبيك و صفيك، اللهم و اشرح لي صدري و يسر لي أمري، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري.

قال أبو ذر: فما استتم رسول الله ص الكلمة-حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله تعالى-فقال: يا محمد اقرأ قال: و ما أقرأ-قال: قال: اقرأ: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ .

و عن الجمع بين الصحاح الستة، لزرين من الجزء الثالث في تفسير سورة المائدة

22

(1) -: قوله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» : (الآية) من صحيح النسائي عن ابن سلام: قال أتيت رسول الله ص فقلنا: إن قومنا حادونا لما صدقنا الله و رسوله، و أقسموا أن لا يكلموننا فأنزل الله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» (الآية) .

ثم أذن بلال لصلاة الظهر فقام الناس يصلون-فمن بين ساجد و راكع و سائل إذ سائل يسأل، و أعطى علي خاتمه و هو راكع-فأخبر السائل رسول الله ص فقرأ علينا رسول الله ص: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ-` وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ»

و عن مناقب ابن المغازلي الشافعي، ": في تفسير قوله تعالى: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» (الآية) ": قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن عثمان قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزاز إذنا قال: حدثنا الحسن بن علي العدوي قال: حدثنا سلمة بن شبيب قال: حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا مجاهد عن ابن عباس": في قوله تعالى:

«إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» -قال: نزلت في علي.

و عنه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن طاوان قال: أخبرنا أبو أحمد عمر بن عبد الله بن شوذب قال: حدثنا محمد بن العسكري الدقاق قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبادة قال: حدثنا عمر بن ثابت عن محمد بن السائب عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان علي راكعا فجاءه مسكين فأعطاه خاتمه-فقال رسول الله: من أعطاك هذا؟فقال: أعطاني هذا الراكع-فأنزل الله هذه الآية: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا (إلى آخر الآية

) .

و عنه قال: حدثنا أحمد بن محمد بن طاوان إذنا: أن أبا أحمد عمر بن عبد الله بن شوذب أخبرهم قال: حدثنا محمد بن جعفر بن محمد العسكري قال: حدثنا محمد بن عثمان قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون قال: حدثنا علي بن عابس قال: دخلت أنا و أبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مريم: حدث عليا بالحديث الذي حدثتني عن‏

23

(1) -أبي جعفر، قال: كنت عند أبي جعفر جالسا-إذ مر عليه ابن عبد الله بن سلام-قلت:

جعلني الله فداك، هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟قال: لا و لكنه صاحبكم علي بن أبي طالب-الذي أنزلت فيه آيات من كتاب الله عز و جل: «وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلْكِتََابِ، أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ، إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» (الآية

) .

و عن الخطيب الخوارزمي في جواب مكاتبة معاوية إلى عمرو بن العاص قال عمرو بن العاص": لقد علمت يا معاوية ما أنزل في كتابه-من الآيات المتلوات في فضائله التي لا يشركه فيها أحد-كقوله تعالى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ، إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ ، أَ فَمَنْ كََانَ عَلى‏ََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ» ، و قد قال الله تعالى: «رِجََالٌ صَدَقُوا مََا عََاهَدُوا اَللََّهَ» ، و قد قال الله تعالى لرسوله: «قُلْ لاََ أَسْئَلُكُمْ‏عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى‏ََ»

و عنه بإسناده إلى أبي صالح عن ابن عباس قال: أقبل عبد الله بن سلام و معه نفر من قومه-ممن قد آمن بالنبي ص فقالوا: يا رسول الله-إن منازلنا بعيدة، و ليس لنا مجلس و لا متحدث دون هذا المجلس، و إن قومنا لما رأونا قد آمنا بالله و رسوله-و قد صدقناه رفضونا، و آلوا على أنفسهم-أن لا يجالسونا و لا يناكحونا و لا يكلمونا، و قد شق ذلك علينا فقال لهم النبي ص: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ » .

ثم إن النبي ص خرج إلى المسجد-و الناس بين قائم و راكع، و بصر بسائل، فقال له النبي: ص هل أعطاك أحد شيئا؟قال: نعم خاتم من ذهب، فقال له النبي ص:

من أعطاكه؟فقال: ذلك القائم-و أومأ بيده إلى علي بن أبي طالب-فقال النبي ص:

على أي حال أعطاك؟قال: أعطاني و هو راكع، فكبر النبي ص ثم قرأ: «وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ- (وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا) فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ» -فأنشأ حسان بن ثابت يقول:

أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي # و كل بطي‏ء في الهدى و مسارع

أ يذهب مدحي و المحبين ضائعا # و ما المدح في ذات الإله بضائع؟

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا # فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيد # و يا خير شار ثم يا خير بائع

فأنزل فيك الله خير ولاية # و بينها في محكمات الشرائع‏

24

(1) -

و عن الحمويني بإسناده إلى أبي هدبة إبراهيم بن هدبة قال: نبأنا أنس بن مالك: أن سائلا أتى المسجد و هو يقول: من يقرض الملي الوفي؟و علي راكع يقول بيده خلفه للسائل: أن اخلع الخاتم من يدي، قال: فقال النبي ص: يا عمر وجبت، قال:

بأبي و أمي يا رسول الله ما وجبت؟قال (ص) : وجبت له الجنة، و الله ما خلعه من يده حتى خلعه من كل ذنب و من كل خطيئة.

و عنه بإسناده عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: سمعت عمار بن ياسر-رضي الله عنه-يقول: وقف لعلي بن أبي طالب سائل-و هو راكع في صلاة التطوع-فنزع خاتمه و أعطاه السائل، فأتى رسول الله ص فأعلمه ذلك، فنزلت على النبي ص هذه الآية: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا-اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ» -فقرأها رسول الله ص، ثم قال (ص) : من كنت مولاه فعلي مولاه.

و عن الحافظ أبي نعيم عن أبي الزبير عن جابر-رضي الله عنه-قال": جاء عبد الله بن سلام-و أتى معه قوم يشكون مجانبة الناس إياهم-منذ أسلموا فقال رسول الله ص: أبغوا إلي سائلا-فدخلنا المسجد فدنا سائل إليه فقال له: أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم-مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه، قال: فاذهب فأرني قال: فذهبنا فإذا علي قائم، فقال: هذا؛ فنزلت: «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» .

و عنه عن موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل قال": تصدق علي بخاتمه و هو راكع فنزلت! «إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» (الآية

) .

و عنه عن عوف بن عبيد بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله ص و هو نائم إذ يوحى إليه-و إذا حية في جنب البيت-فكرهت أن أدخلها و أوقظه- فاضطجعت بينه و بين الحية-فإن كان شي‏ء في دونه، فاستيقظ و هو يتلو هذه الآية:

«إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» -قال: الحمد لله فأتى إلى جانبي-فقال: ما اضطجعت هاهنا؟ قلت: لمكان هذه الحية-قال: قم إليها فاقتلها فقتلتها.

ثم أخذ بيدي فقال: يا أبا رافع-سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا حق على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه ليس وراء ذلك.

25

(1) -أقول: و الروايات في نزول الآيتين في قصة التصدق بالخاتم كثيرة أخرجنا عدة منها من كتاب غاية المرام، للبحراني، و هي موجودة في الكتب المنقول عنها، و قد اقتصرنا على ما نقل عليه من اختلاف اللحن في سرد القصة.

و قد اشترك في نقلها عدة من الصحابة كأبي ذر و ابن عباس و أنس بن مالك و عمار و جابر و سلمة بن كهيل و أبي رافع و عمرو بن العاص، و علي و الحسين و كذا السجاد و الباقر و الصادق و الهادي و غيرهم من أئمة أهل البيت (ع) .

و قد اتفق على نقلها من غير رد أئمة التفسير المأثوركأحمد و النسائي و الطبري و الطبراني و عبد بن حميد و غيرهم من الحفاظ و أئمة الحديث و قد تسلم ورود الرواية المتكلمون، و أوردها الفقهاء في مسألة الفعل الكثير من بحث الصلاة، و في مسألة «هل تسمى صدقة التطوع زكاة» و لم يناقش في صحة انطباق الآية على الرواية فحول الأدب من المفسرين كالزمخشري في الكشاف، و أبي حيان في تفسيره، و لا الرواة النقلة و هم أهل اللسان.

فلا يعبأ بما ذكره بعضهم: أن حديث نزول الآية في قصة الخاتم موضوع مختلق، و قد أفرط بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية فادعى إجماع العلماء على كون الرواية موضوعا؟ و هي من عجيب الدعاوي، و قد عرفت ما هو الحق في المقام في البيان المتقدم.

ـ

26

(1) -

(بيان)

الآيات تنهى عن اتخاذ المستهزءين بالله و آياته من أهل الكتاب و الكفار أولياء

27

(1) -و تعد أمورا من مساوي صفاتهم و نقضهم مواثيق الله و عهوده و ما يلحق بها بما يناسب غرض السورة (الحث على حفظ العهود و المواثيق و ذم نقضها) .

و كأنها ذات سياق متصل واحد و إن كان من الجائز أن يكون لبعض أجزائها سبب مستقل من حيث النزول.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ» «إلخ» قال الراغب: الهزء مزح في خفية، و قد يقال لما هو كالمزح (انتهى) ، و قال: و لعب‏ فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا، يلعب لعبا، (انتهى) ، و إنما يتخذ الشي‏ء هزؤا و يستهزئ به إذا اتخذ به على وصف لا يعتنى بأمره اعتناء جد لإظهار أنه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، و كذا الشي‏ء يلعب به إذا كان مما لا يتخذ لواحد من الأغراض الصحيحة العقلائية إلا أن يتخذ لبعض الشئون غير الحقيقية فالهزؤ بالدين و اللعب به إنما هما لإظهار أنه لا يعدل إلا بعض الأغراض الباطلة غير الصحيحة و غير الجدية، و لو قدروه دينا حقا أو قدروا أن مشرعه و الداعي إليه و المؤمنين به ذووا أقدام جد و صدق، و احترموا له و لهم مكانهم لما وضعوه ذاك الموضع فاتخاذهم الدين هزؤا و لعبا قضاء منهم بأن ليس له من الواقعية و المكانة الحقيقية شي‏ء إلا أن يؤخذ به ليمزح به أو ليلعب به لعبا.

و من هنا يظهر أولا: أن ذكر اتخاذهم الدين هزؤا و لعبا في وصف من نهي عن ولايتهم إنما هو للإشارة إلى علة النهي فإن الولاية التي من لوازمها الامتزاج الروحي و التصرف في الشئون النفسية و الاجتماعية لا يلائم استهزاء الولي و لعبة بما يقدسه وليه و يحترمه و يراه أعز من كل شي‏ء حتى من نفسه فمن الواجب أن لا يتخذ من هذا شأنه وليا، و لا يلقي أزمة التصرف في الروح و الجسم إليه.

و ثانيا: ما في اتخاذ وصف الإيمان في الخطاب في قوله: «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» من المناسبة لمقابلته بقوله: «اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً» و كذلك ما في إضافة الدين إليهم في قوله: «دِينَكُمْ» .

و ثالثا: أن قوله: «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» بمنزلة التأكيد لقوله: لاََ تَتَّخِذُوا اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً» (إلخ) ، بتكراره بلفظ أعم و أشمل فإن المؤمن و هو الآخذ بعروة الإيمان لا معنى لأن يرضى بالهزء و اللعب بما آمن به فهؤلاء إن‏

28

(1) -كانوا متلبسين بالإيمان-أي كان الدين لهم دينا-لم يكن لهم بد من تقوى الله في أمرهم أي عدم اتخاذهم أولياء.

و من المحتمل أن يكون قوله: «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» إشارة إلى ما ذكره تعالى من نحو قوله قبيل آيات: «وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ» و المعنى:

و اتقوا الله في اتخاذهم أولياء إن لم تكونوا منهم، و المعنى الأول لعله أظهر.

قوله تعالى: «وَ إِذََا نََادَيْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ اِتَّخَذُوهََا هُزُواً وَ لَعِباً» (إلخ) تحقيق لما ذكر أنهم يتخذون دين الذين آمنوا هزوا و لعبا، و المراد بالنداء إلى الصلاة الأذان المشروع في الإسلام قبل الصلوات المفروضة اليومية، و لم يذكر الأذان في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع-كما قيل-.

و الضمير في قوله «اِتَّخَذُوهََا» راجع إلى الصلاة أو إلى المصدر المفهوم من قوله:

«إِذََا نََادَيْتُمْ أعني المناداة، و يجوز في الضمير العائد إلى المصدر التذكير و التأنيث، و قوله: «ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَعْقِلُونَ» تذييل يجري مجرى الجواب عن فعلهم و بيان أن صدور هذا الفعل أعني اتخاذ الصلاة أو الأذان هزوا و لعبا منهم إنما هو لكونهم قوما لا يعقلون فلا يسعهم أن يتحققوا ما في هذه الأركان و الأعمال العبادية الدينية من حقيقة العبودية و فوائد القرب من الله، و جماع سعادة الحياة في الدنيا و العقبى.

قوله تعالى: «قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا إِلاََّ أَنْ آمَنََّا بِاللََّهِ» (إلى آخر الآية) قال الراغب في مفردات القرآن: نقمت‏ الشي‏ء (بالكسر) و نقمته (بالفتح) إذا أنكرته إما باللسان و إما بالعقوبة، قال تعالى: «وَ مََا نَقَمُوا إِلاََّ أَنْ أَغْنََاهُمُ اَللََّهُ ، وَ مََا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاََّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللََّهِ ، هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا» (الآية) و النقمة : العقوبة قال تعالى: «فَانْتَقَمْنََا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنََاهُمْ فِي اَلْيَمِّ» انتهى.

فمعنى قوله: «هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا إِلاََّ أَنْ آمَنََّا» «إلخ» : هل تنكرون أو تكرهون منا إلا هذا الذي تشاهدونه و هو أنا آمنا بالله و ما أنزله و إنكم فاسقون؟نظير قول القائل: هل تكره مني إلا أني عفيف و أنك فاجر، و هل تنكر مني إلا أني غني و أنك فقير؟إلى غير ذلك من موارد المقابلة و الازدواج‏فالمعنى: هل تنكرون منا إلا أنا مؤمنون و أن أكثركم فاسقون.

29

(1) -و ربما قيل: إن قوله: «وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فََاسِقُونَ» بتقدير لام التعليل و المعنى:

هل تنقمون منا إلا لأن أكثركم فاسقون؟.

و قوله: «أَنْ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْنََا وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ» في معنى ما أنزل إلينا و إليكم، و لم ينسبه إليهم تعريضا بهم كأنهم إذا لم يفوا بما عاهدوا الله عليه و لم يعملوا بما تأمرهم به كتبهم فكتبهم لم تنزل إليهم و ليسوا بأهلها.

و محصل المعنى: أنا لا نفرق بين كتاب و كتاب مما أنزله الله على رسله فلا نفرق بين رسله، و فيه تعريض لهم أنهم يفرقون بين رسل الله و يقولون: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ كما كانوا يقولون: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ اَلنَّهََارِ وَ اُكْفُرُوا آخِرَهُ، قال تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اَللََّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذََلِكَ سَبِيلاً ` أُولََئِكَ هُمُ اَلْكََافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنََا لِلْكََافِرِينَ عَذََاباً مُهِيناً» : النساء: 151.

قوله تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ» (إلى آخر الآية) ذكروا أن هذا أمر منه تعالى لنبيه (ص) أن يخاطب أولئك المستهزءين اللاعبين بالدين على طريق التسليم أخذا بالنصفة في التكليم ليلزمهم أنهم إن نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله و ما أنزله على رسله فعليهم أن ينقموا أنفسهم لأنهم شر مكانا و أضل عن سواء السبيل لابتلائهم باللعن الإلهي و المسخ بالقردة و الخنازير و عبادة الطاغوت فإذا لم ينقموا أنفسهم على ما فيهم من أسباب النقمة فليس لهم أن ينقموا من لم يبتل إلا بما هو دونه في الشر، و هم المؤمنون في إيمانهم على تقدير تسليم أن يكون إيمانهم بالله و كتبه شرا، و لن يكون شرا.

فالمراد بالمثوبة مطلق الجزاء، و لعلها استعيرت للعاقبة و الصفة اللازمة كما يستفاد من تقييد قوله: «بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً» بقوله: «عِنْدَ اَللََّهِ» فإن الذي عند الله هو أمر ثابت غير متغير و قد حكم به الله و أمر به، قال تعالى: «وَ مََا عِنْدَ اَللََّهِ بََاقٍ» : النحل: 96، و قال تعالى: «لاََ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ» : الرعد: 41، فهذه المثوبة مثوبة لازمة لكونها عند الله سبحانه.

و في الكلام شبه قلب، فإن مقتضى استواء الكلام أن يقال: إن اللعن و المسخ‏

30

(1) -و عبادة الطاغوت شر من الإيمان بالله و كتبه و أشد ضلالا، دون أن يقال: إن من لعنه الله و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت شر مكانا و أضل إلا بوضع الموصوف‏مكان الوصف، و هو شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: «وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ» (الآية) .

و بالجملة فمحصل المعنى أن إيماننا بالله و ما أنزله على رسله إن كان شرا عندكم فأنا أخبركم بشر من ذلك يجب عليكم أن تنقموه و هو النعت الذي فيكم.

و ربما قيل: إن الإشارة بقوله: «ذََلِكَ» إلى جمع المؤمنين المدلول عليه بقوله:

«هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا» و على هذا فالكلام على استوائه من غير قلب، و المعنى هل أنبئكم بمن هو شر من المؤمنين لتنقموهم؟و هم أنتم أنفسكم، و قد ابتليتم باللعن و المسخ و عبادة الطاغوت.

و ربما قيل: إن قوله: «مِنْ ذََلِكَ» إشارة إلى المصدر المدلول عليه بقوله «هَلْ تَنْقِمُونَ مِنََّا» أي هل أنبئكم بشر من نقمتكم هذه مثوبة و جزاء؟هو ما ابتليتم به من اللعن و المسخ و غير ذلك.

قوله تعالى: «وَ إِذََا جََاؤُكُمْ قََالُوا آمَنََّا وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ» (إلى آخر الآية) يشير تعالى إلى نفاق قلوبهم و إضمارهم ما لا يرتضيه الله سبحانه في لقائهم المؤمنين فقال: و إذا جاءوكم قالوا آمنا أي أظهروا الإيمان و الحال أنهم قد دخلوا عليكم مع الكفر و قد خرجوا من عندكم بالكفر أي هم على حالة واحدة عند الدخول و الخروج و هو الكفر لم يتغير عنه و إنما يظهرون الإيمان إظهارا، و الحال أن الله يعلم ما كانوا يكتمونه سابقا من الغدر و المكر.

فقوله: «وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ» في معنى قولنا: لم يتغير حالهم في الكفر، و الضمير في قوله: «هُمْ قَدْ خَرَجُوا» جي‏ء به للتأكيد، و إفادة تمييزهم في الأمر و تثبيت الكفر فيهم.

و ربما قيل: إن المعنى أنهم متحولون في أحوال الكفر المختلفة.

قوله تعالى: «وَ تَرى‏ََ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسََارِعُونَ فِي اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ» (إلى آخر الآية) ، الظاهر أن المراد بالإثم هو الخوض في آيات الدين النازلة على المؤمنين‏

31

(1) -و القول في معارف الدين بما يوجب الكفر و الفسوق على ما يشهد به ما في الآية التالية من قوله: «عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ» .

و على هذا فالأمور الثلاثة أعني الإثم و العدوان و أكل السحت تستوعب نماذج من فسوقهم في القول و الفعل، فهم يقترفون الذنب في القول و هو الإثم القولي، و الذنب في الفعل و هو إما فيما بينهم و بين المؤمنين و هو التعدي عليهم، و إما عند أنفسهم كأكلهم السحت، و هو الربا و الرشوة و نحو ذلك ثم ذم ذلك منهم بقوله: «لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» }ثم أتبعه بتوبيخ الربانيين و الأحبار في سكوتهم عنهم و عدم نهيهم عن ارتكاب هذه الموبقات من الآثام و المعاصي و هم عالمون بأنها معاص و ذنوب فقال:

لَوْ لاََ يَنْهََاهُمُ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ لَبِئْسَ مََا كََانُوا يَصْنَعُونَ» .

و ربما أمكن‏أن يستفاد من قوله: «عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ» عند تطبيقه على ما في الآية السابقة: «يُسََارِعُونَ فِي اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ» حيث ترك العدوان في الآية الثانية أن الإثم و العدوان شي‏ء واحد، و هو تعدي حدود الله سبحانه قولا تجاه المعصية الفعلية التي أنموذجها أكلهم السحت.

فيكون المراد بقوله: «يُسََارِعُونَ فِي اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ» إراءة سيئة قولية منهم و هي الإثم و العدوان، و سيئة أخرى فعلية منهم و هي أكلهم السحت.

و المسارعة مبالغة في معنى السرعة و هي ضد البطء، و الفرق بين السرعة و العجلة على ما يستفاد من موارد استعمال الكلمتين أن السرعة أمس بعمل الأعضاء و العجلة بعمل القلب، نظير الفرق بين الخضوع و الخشوع، و الخوف و الخشية، قال الراغب في المفردات: السرعة ضد البطء، و يستعمل في الأجسام و الأفعال، يقال: سرع (بضم الراء) فهو سريع و أسرع فهو مسرع، و أسرعوا صارت إبلهم سراعا نحو أبلدوا، و سارعوا و تسارعوا، انتهى.

و ربما قيل: إن المسارعة و العجلة بمعنى واحد غير أن المسارعة أكثر ما يستعمل في الخير، و أن استعمال المسارعة في المقام-و إن كان مقام الذم و كانت العجلة أدل على الذم منها-إنما هو للإشارة إلى أنهم يستعملونها كأنهم محقون فيها، انتهى و لا يخلو عن بعد. ـ

32

(1) -}قوله تعالى: «وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ» كانت اليهود لا ترى جواز النسخ في الأحكام الدينية، و لذا كانت لا تقبل بنسخ‏التوراة و تعير المسلمين بنسخ الأحكام، و كذا كانت لا ترى جواز البداء في القضايا التكوينية على ما يتراءى من خلال الآيات القرآنية كما تقدم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى: «مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا أَوْ مِثْلِهََا» : XالآيةXالبقرة: 106، في الجزء الأول من هذا الكتاب و في موارد أخر.

و الآية أعني قوله تعالى: «وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ» تقبل الانطباق على قولهم هذا غير أن ظاهر قوله تعالى جوابا عنهم: «بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ» يأبى عن ذلك، و يدل على أنهم إنما تكلموا بهذه الكلمة الأثيمة في شي‏ء من أمر الرزق أما في خصوص المؤمنين لما في عامتهم من الفقر الشامل و العسرة و ضيق المعيشة، و أنهم إنما قالوا هذا القول استهزاء بالله سبحانه إيماء إلى أنه لا يقدر على إغناء عباده المؤمنين به و إنجائهم من الفقر و المذلة، لكن هذا الوجه لا يناسب وقوع الآية في سورة المائدة إن كانت نازلة في مطاوي سائر آياتها فإن المسلمين كانوا يوم نزولها على خصب من العيش و سعة من الرزق و رفاهية من الحال.

و إما أنهم إنما قالوها لجدب أو غلاء أصابهم فضاقت بذلك معيشتهم، و نكدت حالهم، و اختل نظام حياتهم، كما ربما يظهر من بعض ما ورد في أسباب النزول، و هذا الوجه أيضا يأباه سياق الآيات فإن الظاهر أن الآيات إنما تتعرض لشتات أوصافهم فيما يعود إلى عدوانهم و مكرهم بالنسبة إلى المسلمين نقمة منهم لا ما صدر منهم من إثم القول عند أنفسهم.

و إما أنهم إنما تفوهوا بذلك لما سمعواأمثال قوله تعالى: «مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً» : البقرة: 245، و قوله تعالى: «وَ أَقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً» : المزمل-20، فقالوا: يد الله مغلولة لا يقدر على تحصيل ما ينفق في حوائجه لترويج دينه و إحياء دعوته. و قد قالوا ذلك سخرية و استهزاء على ما يظهر من بعض آخر مما ورد في أسباب النزول، و هذا الوجه أقرب إلى النظر.

و كيف كان فهذه النسبة أعني نسبة غل اليد و المغلوبية عند بعض الحوادث مما

33

(1) -لا يأباه تعليمهم الديني و الآراء الموجودة في التوراة فالتوراة تجوز أن يكون الأمور معجزا لله سبحانه و صادا مانعا له من إنفاذ بعض ما يريده من مقاصده كالأقوياء من الإنسان، يشهد بذلك ما تقصه من قصص الأنبياء كآدم و غيره.

فعندهم من وجوه الاعتقاد ما يبيح لهم أن ينسبوا إليه تعالى ما لا يناسب ساحة قدسه و كبرياء ذاته جلت عظمته و إن كانت الكلمة إنما صدرت منهم استهزاء فإن لكل فعل مبادئ في الاعتقاد ينبعث إليه الإنسان منها و يتجرأ بها.

و أما قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا» فهو دعاء عليهم بعذاب مشابه لما نسبوا إليه تعالى من النقص غير المناسب لساحة قدسه، و هو مغلولية اليد و انسلاب القدرة على ما يحبه و يشاؤه، و على هذا فقوله: «وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا» عطف تفسير على قوله: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ» فإن مغلولية أيديهم مصداق لعنة الله عليهم إذ القول من الله سبحانه فعل، و لعنه تعالى أحدا إنما هو تعذيبه بعذاب إما دنيوي أو أخروي‏ فاللعن‏ هو العذاب المساوي لغل أيديهم أو الأعم منه و من غيره.

و ربما احتمل كون قوله: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ» (إلخ) إخبارا عن وقوع كلمة العذاب و هو جزاء اجترائهم على الله سبحانه بقولهم: «يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ» عليهم، و الوجه الأول أقرب من الفهم.

و أما قوله: «بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ» فهو جواب عن قولهم:

«يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ» مضروب في قالب الإضراب.

و الجملة أعني قوله: «يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ» كناية عن ثبوت القدرة، و هو شائع في الاستعمال.

و إنما قيل: «يَدََاهُ» بصيغة التثنية مع كون اليهود إنما أتوا في قولهم: «يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ» بصيغة الإفراد ليدل على كمال القدرة كما ربما يستفاد من نحو قوله تعالى: «قََالَ يََا إِبْلِيسُ مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ» : _ص-75 لما فيه من الإشعار أو الدلالة على إعمال كمال القدرة، و نحو قولهم: «لا يدين بها لك» فإن ذلك مبالغة في نفي كل قدرة و نعمة.

34

(1) -و ربما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة و القوة و النعمة و الملك و غير ذلك، لكن الحق أن اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة، و إنما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشئون المنتسبة إلى الجارحة نوعا من الانتساب كانتساب الإنفاق و الجود إلى اليد من حيث بسطها، و انتساب الملك إليها من حيث التصرف و الوضع و الرفع و غير ذلك.

فما يثبته الكتاب و السنة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد كقوله تعالى: «بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ» (الآية) ، و قوله: «أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» : _ص-75 يراد به القدرة و كمالها، و قوله: «بِيَدِكَ اَلْخَيْرُ» : آل عمران: 26، و قوله: «فَسُبْحََانَ اَلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» : يس: 83، و قوله: «تَبََارَكَ اَلَّذِي بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ» : الملك: 1، إلى غير ذلك يراد بها الملك و السلطة، و قوله:

«لاََ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ» : الحجرات: 1 يراد بها الحضورو نحوه.

و أما قوله: «يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ» فهو بيان لقوله: «يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ» .

قوله تعالى: «وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيََاناً وَ كُفْراً» هذه الجملة و ما يتلوها إلى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله: «وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا» على ما يعطيه السياق.

فأما قوله: «وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ» (إلخ) ، فيشير إلى أن اجتراءهم على الله العظيم و تفوههم بمثل قولهم: «يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ» ليس من المستبعد منهم فإن القوم متلبسون بالاعتداء و الكفر من قديم أيامهم، و قد أورثهم ذلك البغي و الحسد، و لا يؤمن من هذه سجيته إذا رأى أن الله فضل غيره عليه بما لا يقدر قدره من النعمة أن يزداد طغيانا و كفرا.

و اليهود كانت ترى لنفسها السيادة و التقدم على الدنيا، و كانت تتسمى بأهل الكتاب، و تتباهى بالربانيين و الأحبار، و تفتخر بالعلم و الحكمة، و تسمي سائر الناس أميين، فإذا رأت قرآنا نازلا على قوم كانت تتذلل لعلمها و كتابها-كما كانت هي الحرمة المراعاة بينها و بين العرب في الجاهلية-ثم أمعنت فيه فوجدته كتابا إلهيا مهيمنا على ما تقدم عليه من الكتب السماوية، و مشتملا على الحق الصريح و التعليم‏

35

(1) -العالي و الهداية التامة ثم أحست بما يتعقبه من ذلتها و استكانتها في نفس ما كانت تتعزز و تتباهى به و هو العلم و الكتاب.

لا جرم تستيقظ من رقدتها، و تطغى عاديتها، و يزيد طغيانها و كفرها.

فنسبة زيادة طغيانهم و كفرهم إلى القرآن إنما هي بعناية أن أنفسهم الباغية الحاسدة ثارت بالطغيان و الكفر بمشاهدة نزول القرآن و إدراك ما يتضمنه من المعارف الحقة و الدعوة الظاهرة.

على أن الله سبحانه ينسب الهداية و الإضلال في كتابه إلى نفسه كثيرا كقوله:

«كُلاًّ نُمِدُّ هََؤُلاََءِ وَ هَؤُلاََءِ مِنْ‏عَطََاءِ رَبِّكَ وَ مََا كََانَ عَطََاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً» : الإسراء: 20 و قال في خصوص القرآن: «وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاََ يَزِيدُ اَلظََّالِمِينَ إِلاََّ خَسََاراً» : الإسراء: 82 و الإضلال أو ما يشبهه إنما يعد مذموما إذا كان إضلالا ابتدائيا، و أما ما كان منه من قبيل الجزاء إثر فسق و معصية من الضال يوجب نزول السخط الإلهي عليه و يستدعي حلول ما هو أشد مما هو فيه من الضلال فلا ضير في الإضلال بهذا المعنى و لا ذم يلحقه كما يشير إليه قوله: «وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ» : البقرة: 26، و قوله: «فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ» : الصف-5.

و بالأخرة يعود معنى زيادة القرآن طغيانهم و كفرهم إلى سلب التوفيق و عدم تعلق العناية الإلهية بردهم مما هم فيه من الطغيان و الكفر بآيات الله إلى التسليم و الإيمان بإجابة الدعوة الحقة، و قد تقدم البحث عن هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: «وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ» : البقرة: 26 في الجزء الأول من هذا الكتاب.

و لنرجع إلى أول الكلام فقوله: «وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ» (إلخ) ، كأنه مسوق لرفع الاستبعاد و التعجب الناشئ من اجتراء هؤلاء المتسمين بأهل الكتاب، و المدعين أنهم أبناء الله و أحباؤه على ربهم بمثل هذه الكلمة المهينة المزرية: (يد الله مغلولة) .

و إن من المحتوم اللازم لهم هذه الزيادة في الطغيان و الكفر التي هذه الكلمة من آثارها و سيتلوها آثار بعد آثارمشوهة، و هذا هو المستفاد من التأكيد المدلول عليه بلام القسم و نون التأكيد في قوله: «لَيَزِيدَنَّ» .

و في تعقيب الطغيان بالكفر من غير عكس جرى على الترتيب الطبعي فإن‏

36

(1) -الكفر من آثار الطغيان و تبعاته.

قوله تعالى: «وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» ضمير بينهم راجع إلى اليهود على ما هو ظاهر وقوع الجملة في سياق الكلام على اليهود خاصة و إن كانت الآيات بدأت الكلام في أهل الكتاب عامة، و على هذا فالمراد بالعداوة و البغضاء بينهم ما يرجع إلى الاختلاف في المذاهب و الآراء، و قد أشار الله سبحانه إليه في مواضع من كلامه كقوله: «وَ لَقَدْ آتَيْنََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ -Xإلى أن قال‏X- فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فِيمََا كََانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» : الجاثية: 17 و غير ذلك من الآيات.

و العداوة كان المراد بها البغض الذي يستصحب التعدي في العمل، و البغضاء هو مطلق ما في القلب من حالة النفار و إن لم يستعقب التعدي في العمل فيفيد اجتماعهما معنى البغض الذي يوجب الظلم على الغير و البغض الذي يقصر عنه.

و في قوله تعالى: «إِلى‏ََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ» ما لا يخفى من الدلالة على بقاء أمتهم إلى آخر الدنيا.

قوله تعالى: «كُلَّمََا أَوْقَدُوا نََاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللََّهُ» إيقاد النار إشعالها، و إطفاؤها إخمادها، و المعنى واضح، و من المحتمل أن يكون قوله: «كُلَّمََا أَوْقَدُوا» (إلخ) بيانا لقوله: «وَ أَلْقَيْنََا بَيْنَهُمُ اَلْعَدََاوَةَ» (إلخ) فيعود المعنى إلى أنه كلما أثاروا حربا على النبي ص و المؤمنين أطفأها الله بإلقاء الاختلاف بينهم.

و الآية على ما يدل عليه السياق‏تسجل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران التي يوقدونها على دين الله سبحانه، و على المسلمين بما أنهم مؤمنون بالله و آياته، و أما الحروب التي ربما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين الحق بل لسياسة أو تغلب جنسي أو ملي فهي خارجة عن مساق الآية.

قوله تعالى: «وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسََاداً وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ» السعي‏ هو السير السريع، و قوله: «فَسََاداً» مفعول له أي يجتهدون لإفساد الأرض، و الله لا يحب المفسدين فلا يخليهم و أن ينالوا ما أرادوه من فساد الأرض فيخيب سعيهم، و الله أعلم. ـ

37

(1) -فهذا كله بيان لكونهم غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا، حيث إنهم غير نائلين ما قصدوه من إثارة الحروب على النبي ص و المسلمين، و ما اجتهدوا لأجله من فساد الأرض.

قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتََابِ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَكَفَّرْنََا عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ (إلخ) عود إلى حال أهل الكتاب عامة كما كان بدأ الكلام فيهم عامة، و ختم الكلام بتخليص القول في ما فاتهم من نعمة السعادة في الآخرة و الدنيا، و هي جنة النعيم و نعمة الحياة السعيدة.

و المراد بالتقوى بعد الإيمان التورع عن محارم الله و اتقاء الذنوب التي تحتم السخط الإلهي و عذاب النار، و هي الشرك بالله و سائر الكبائر الموبقة التي أوعد الله عليها النار، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب، و ينطبق على قوله سبحانه: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً» : النساء: 31.

قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» المراد بالتوراة و الإنجيل الكتابان السماويان اللذان يذكر القرآن أن الله أنزلهما على موسى و عيسى (ع) دون ما بأيدي القوم من الكتب التي يذكر أنه لعبت بها يد التحريف.

و الظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء الموجودة عندهم كمزامير داود الذي يسميه القرآن بالزبور، و غيره من الكتب.

و أما احتمال أن يكون المراد به القرآن فيبعده أن القرآن نسخ بأحكامه شرائع التوراة و الإنجيل فلا وجه لعدهما معه و تمني أن يكونوا أقاموهما مع القرآن الناسخ لهما، و القول بأن العمل بالقرآن عمل بهما أيضا، كما أن العمل بالأحكام الناسخة في الإسلام عمل بمجموع شرائع الإسلام المتضمنة للناسخ و المنسوخ جميعا لكون دين الله واحدا لا يزاحم بعضه بعضا، غاية الأمر أن بعض الأحكام مؤجلة موقوتة من غير تناقض يدفعه أن الله سبحانه عبر عن هذا العمل بالإقامة و هي حفظ الشي‏ء على ساق، و لا يلائم ذلك الأحكام المنسوخة بما هي منسوخة، فإقامة التوراة و الإنجيل إنما يصح حين كانت‏

38

(1) -الشريعتان لم تنسخا بشريعة أخرى، و الإنجيل لم ينسخ شريعة التوراة إلا في أمور يسيرة.

على أن قوله تعالى: «وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ» يعدهم منزلا إليهم، و غير معهود من كلامه تعالى أن يذكر أن القرآن نزل إليهم.

فالظاهر أن المراد بما أنزل إليهم من ربهم بعد التوراة و الإنجيل سائر الكتب و أقسام الوحي المنزلة على أنبياء بني إسرائيل كزبور داود و غيره، و المراد بإقامة هذه الكتب حفظ العمل العام بما فيها من شرائع الله تعالى، و الاعتقاد بما بين الله تعالى فيها من معارف المبدأ و المعاد من غير أن يضرب عليها بحجب التحريف و الكتمان و الترك الصريح، فلو أقاموها هذه الإقامة لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم.

و أما قوله تعالى: «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» فالمراد بالأكل التنعم مطلقا سواء كان بالأكل كما في مورد الأغذية أو بغيره كما في غيره، و استعمال الأكل في مطلق التصرف و التنعم من غير مزاحم شائع في اللغة.

و المراد من فوقهم هو السماء، و من تحت أرجلهم هو الأرض، فالجملة كناية عن تنعمهم بنعم السماء و الأرض و إحاطة بركاتهما عليهم نظير ما وقع في قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ََ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ، وَ لََكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنََاهُمْ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ» : الأعراف: 96.

و الآية من الدليل على أن لإيمان هذا النوع أعني نوع الإنسان و أعماله الصالحة تأثيرا في صلاح النظام الكوني من حيث ارتباطه بالنوع الإنساني فلو صلح هذا النوع صلح نظام الدنيا من حيث إيفائه باللازم لحياة الإنسان السعيدة من اندفاع النقم و وفور النعم.

و يدل على ذلك آيات أخرى كثيرة في القرآن بإطلاق لفظها كقوله تعالى ظَهَرَ اَلْفَسََادُ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ بِمََا كَسَبَتْ أَيْدِي اَلنََّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ‏اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ` قُلْ سِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كََانَ عََاقِبَةُ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كََانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ : الروم-42 و قوله تعالى‏ وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ : الشورى-30 إلى غير ذلك و قد تقدم بعض ما يتعلق به من الكلام في البحث عن أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

قوله تعالى مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ سََاءَ مََا يَعْمَلُونَ الاقتصاد أخذ

39

(1) -القصد و هو التوسط في الأمور فالأمة المقتصدة هي المعتدلة في أمر الدين و التسليم لأمر الله.

و الكلام مستأنف أريد به بيان حال جميع ما نسب إليهم من التعدي عن حدود الله و الكفر بآيات الله و نزول السخط و اللعن على جماعتهم أن ذلك كله إنما تلبس به أكثرهم و هو المصحح لنسبة هذه الفظائع إليهم و أن منهم أمة معتدلة ليست على هذا النعت و هذا من نصفة الكلام الإلهي حيث لا يضيع حقا من الحقوق و يراقب إحياء أمر الحق و إن كان قليلا.

و قد تعرض لذلك أيضا في مطاوي الآيات السابقة لكن لا بهذه المثابة من التصريح كقوله وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فََاسِقُونَ و قوله وَ تَرى‏ََ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسََارِعُونَ إلخ و قوله وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيََاناً وَ كُفْراً .

بحث روائي‏

في تفسير القمي، ": في قوله تعالى وَ إِذََا جََاؤُكُمْ قََالُوا آمَنََّا الآية-قال‏نزلت في عبد الله بن أبي-لما أظهر الإسلام و قد دخلوا بالكفر.

أقول ظاهر السياق أنها نازلة في أهل الكتاب لا في المنافقين إلا أن تكون نزلت وحدها.

و فيه في قوله تعالى وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ الآية قال قال قد خرجوا به من الإيمان.

و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن عمر بن رياح عن أبي جعفر (ع) قال: قلت له بلغني أنك تقول-من طلق لغير السنة أنك لا ترى طلاقه شيئا-فقال أبو جعفر (ع) ما أقول بل الله عز و جل يقوله-أما و الله لو كنا نفتيكم بالجور لكنا شرا منكم-إن الله يقول لَوْ لاََ يَنْهََاهُمُ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ-عَنْ قَوْلِهِمُ اَلْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ

و في تفسير العياشي، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) : إن عمر بن‏

40

(1) -رياح زعم أنك قلت: لا طلاق إلا ببينة؟قال: فقال: ما أنا قلته بل الله تبارك و تعالى يقول: أما و الله لو كنا نفتيكم بالجور لكنا أشر منكم!إن الله يقول: «لَوْ لاََ يَنْهََاهُمُ اَلرَّبََّانِيُّونَ وَ اَلْأَحْبََارُ» .

و في مجالس الشيخ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) : في قول الله تعالى: «وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ» : فقال كانوا يقولون: قد فرغ من الأمر.

أقول: و روى هذا المعنى العياشي في تفسيره عن يعقوب بن شعيب و عن حماد عنه (ع) .

و في تفسير القمي، : قال": قالوا: قد فرغ الله من الأمر-لا يحدث غير ما قدره في التقدير الأول، فرد الله عليهم فقال: «بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ » أي يقدم و يؤخر، و يزيد و ينقص و له البداء و المشية.

أقول: و روى هذا المعنى الصدوق في المعاني، بإسناده عن إسحاق بن عمار عمن سمعه عن الصادق (ع) .

و في تفسير العياشي، عن هشام المشرقي عن أبي الحسن الخراساني (ع) قال: إن الله كما وصف نفسه أحد صمد نور، ثم قال: «بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ» -فقلت له: أ فله يدان هكذا؟-و أشرت بيدي إلى يده-فقال: لو كان هكذا كان مخلوقا.

أقول: و رواه الصدوق في العيون، بإسناده عن المشرقي عنه (ع) .

و في المعاني، بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سألت جعفرا (ع) فقلت: قوله عز و جل: «يََا إِبْلِيسُ مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» ؟قال: اليد في كلام العرب القوة و النعمة-قال: «وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ ، وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ -أي بقوة- وَ إِنََّا لَمُوسِعُونَ» قال: «وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ» -قال: أي قواهم، و يقال:

لفلان عندي يد بيضاء أي نعمة.

و في تفسير القمي، ": في قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ» (الآية) :

يعني اليهود و النصارى- «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» -قال: قال: من فوقهم‏

41

(1) -المطر، و من تحت أرجلهم النبات.

و في تفسير العياشي، : في قوله تعالى: «مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ» (الآية) عن أبي الصهباء الكبرى قال: سمعت علي بن أبي طالب دعا رأس الجالوت-و أسقف النصارى فقال: إني سائلكما عن أمر و أنا أعلم به منكما فلا تكتما-ثم دعا أسقف النصارى فقال:

أنشدك بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، و جعل على رجله البركة، و كان يبرئ الأكمة و الأبرص، و أزال ألم العين، و أحيا الميت، و صنع لكم من الطين طيورا، و أنبأكم بما تأكلون و ما تدخرون؛ فقال: دون هذا أصدق-.

فقال علي (ع) : بكم افترقت بنو إسرائيل بعد عيسى؟فقال: لا و الله و لا فرقة واحدة-فقال علي (ع) : كذبت و الله الذي لا إله إلا هو-لقد افترقت على اثنين و سبعين فرقة-كلها في النار إلا فرقة واحدة-إن الله يقول: «مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ-وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ سََاءَ مََا يَعْمَلُونَ» فهذه التي تنجو.

و فيه، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ص يقول: تفرقت أمة موسى على إحدى و سبعين فرقة، سبعون منها في النار و واحدة في الجنة، و تفرقت أمة عيسى على اثنتين و سبعين فرقة، إحدى و سبعون في النار و واحدة في الجنة، و تعلو أمتي على الفرقتين جميعا بملة-واحدة في الجنة و اثنتان و سبعون في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟قال: الجماعات، الجماعات.

و فيه، : قال يعقوب بن يزيد: كان علي بن أبي طالب (ع) إذا حدث هذا الحديث-عن رسول الله ص تلا فيه قرآنا: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْكِتََابِ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا- لَكَفَّرْنََا عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ -إلى قوله- سََاءَ مََا يَعْمَلُونَ» ، و تلا أيضا: «وَ مِمَّنْ خَلَقْنََا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ » يعني أمة محمد ص.

ـ

42

(1) -}

(بيان)

معنى الآية في نفسها ظاهر فإنها تتضمن أمر الرسول ص بالتبليغ في صورة التهديد، و وعده (ص) بالعصمة من الناس، غير أن التدبر في الآية من حيث وقوعها موقعها الذي وقعت فيه، و قد حففتها الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب و ذمهم و توبيخهم بما كانوا يتعاورونه من أقسام التعدي‏إلى محارم الله و الكفر بآياته. و قد اتصلت بها من جانبيها الآيتان، أعني قوله: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» (الآية) ، و قوله تعالى:

«قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لَسْتُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ حَتََّى تُقِيمُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» (الآية) .

ثم الإمعان في التدبر في نفس الآية و ارتباط الجمل المنضودة فيها يزيد الإنسان عجبا على عجب.

فلو كانت الآية متصلة بما قبلها و ما بعدها في سياق واحد في أمر أهل الكتاب لكان محصلها أمر النبي ص أشد الأمر بتبليغ ما أنزله الله سبحانه في أمر أهل الكتاب، و تعين بحسب السياق أن المراد بما أنزل إليه من ربه هو ما يأمره بتبليغه في قوله: «قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لَسْتُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ حَتََّى تُقِيمُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» (الآية) .

و سياق الآية يأباه فإن قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» يدل على أن هذا الحكم المنزل المأمور بتبليغه أمر مهم فيه مخافة الخطر على نفس النبي ص أو على دين الله تعالى من حيث نجاح تبليغه، و لم يكن من شأن اليهود و لا النصارى في عهد النبي ص أن يتوجه إليه من ناحيتهم خطر يسوغ له (ص) أن يمسك عن التبليغ أو يؤخره إلى حين فيبلغ الأمر إلى حيث يحتاج إلى أن يعده الله بالعصمة منهم إن بلغ ما أمر به فيهم حتى في أوائل هجرته (ص) إلى المدينة و عنده حدة اليهود و شدتهم حتى انتهى إلى وقائع خيبر و غيرها.

على أن الآية لا تتضمن أمرا شديدا و لا قولا حادا، و قد تقدم عليه تبليغ ما هو أشد و أحد و أمر من ذلك على اليهود، و قد أمر النبي ص بتبليغ ما هو أشد

43

(1) -من ذلك كتبليغ التوحيد و نفي الوثنية إلى كفار قريش و مشركي العرب و هم أغلظ جانبا و أشد بطشا و أسفك للدماء، و أفتك من اليهود و سائر أهل الكتاب، و لم يهدده الله في أمر تبليغهم و لا آمنه بالعصمة منهم.

على أن الآيات المتعرضة لحال أهل الكتاب معظم أجزاء سورة المائدة فهي نازلة فيها قطعا، و اليهود كانت عند نزول هذه السورة قد كسرت سورتهم، و خمدت نيرانهم، و شملتهم السخطة و اللعنة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله فلا معنى لخوف رسول الله ص منهم في دين الله، و قد دخلوا يومئذ في السلم في حظيرة الإسلام و قبلوا هم و النصارى الجزية، و لا معنى لتقريره تعالى له خوفه منهم و اضطرابه في تبليغ أمر الله إليهم، و هو أمر قد بلغ إليهم ما هو أعظم منه، و قد وقف قبل هذا الموقف فيما هو أهول منه و أوحش.

فلا ينبغي الارتياب في أن الآية لا تشارك الآيات السابقة عليها و اللاحقة لها في سياقها، و لا تتصل بها في سردها، و إنما هي آية مفردة نزلت وحدها.

و الآيةتكشف عن أمر قد أنزل على النبي ص (إما مجموع الدين أو بعض أجزائه) و كان النبي ص يخاف الناس من تبليغه و يؤخره إلى حين يناسبه، و لو لا مخافته و إمساكه لم يحتج إلى تهديده بقوله: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ» كما وقع في آيات أول البعثة الخالية عن التهديد كقوله تعالى: «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ» إلى آخر سورة العلق، و قوله: «يََا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ ` قُمْ فَأَنْذِرْ» : المدثر: 2، و قوله:

فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اِسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ : حم السجدة: 6، إلى غير ذلك.

فهو (ص) كان يخافهم و لم يكن مخافته من نفسه في جنب الله سبحانه فهو أجل من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شي‏ء من أمر الله بمهجته فهذا شي‏ء تكذبه سيرته الشريفة و مظاهر حياته، على أن الله شهد في رسله على خلاف ذلك كما قال تعالى: «مََا كََانَ عَلَى اَلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمََا فَرَضَ اَللََّهُ لَهُ سُنَّةَ اَللََّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ` اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسََالاََتِ اَللََّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لاََ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللََّهَ وَ كَفى‏ََ بِاللََّهِ حَسِيباً» : الأحزاب: 39 و قد قال تعالى في أمثال هذه الفروض:

«فَلاََ تَخََافُوهُمْ وَ خََافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» : آل عمران-175، و قد مدح الله سبحانه طائفة من عباده بأنهم‏لم يخشوا الناس في عين أن الناس خوفوهم فقال: «اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ‏

44

(1) -اَلنََّاسُ إِنَّ اَلنََّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزََادَهُمْ إِيمََاناً وَ قََالُوا حَسْبُنَا اَللََّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ» : آل عمران: 173.

و ليس من الجائز أن يقال: إنه (ص) كان يخاف على نفسه أن يقتلوه فيبطل بذلك أثر الدعوة و ينقطع دابرها فكان يعوقه إلى حين ليس فيه هذه المفسدة فإن الله سبحانه يقول له (ص) : «لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ» : آل عمران: 128، لم يكن الله سبحانه يعجزه لو قتلوا النبي ص أن يحيي دعوته بأي وسيلة من الوسائل شاء، و بأي سبب أراد.

نعم من الممكن أن يقدر لمعنى قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» أن يكون النبي ص يخاف الناس في أمر تبليغه أن يتهموه بما يفسد به الدعوة فسادا لا تنجح معه أبدا فقد كان أمثال هذا الرأي و الاجتهاد جائزا له مأذونا فيه من دون أن يرجع معنى الخوف إلى نفسه بشي‏ء.

و من هنا يظهر أن الآية لم تنزل في بدء البعثة كما يراه بعض المفسرين إذ لا معنى حينئذ لقوله تعالى: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» إلا أن يكون النبي ص يماطل في إنجاز التبليغ خوفا من الناس على نفسه أن يقتلوه فيحرم الحياة أو أن يقتلوه و يذهب التبليغ باطلا لا أثر له فإن ذلك كله لا سبيل إلى احتماله.

على أن المراد بما أنزل إليه من ربه لو كان أصل الدين أو مجموعة في الآية عاد معنى قوله: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ» إلى نحو قولنا: يا أيها الرسول بلغ الدين و إن لم تبلغ الدين فما بلغت الدين.

و أما جعله من قبيل قول أبي النجم:

أنا أبو النجم و شعري شعري.

كما ذكره بعضهم أن معنى الآية: و إن لم تبلغ الرسالة فقد لزمك شناعة القصور في التبليغ و الإهمال في المسارعة إلى ايتمار ما أمرك به الله سبحانه، و أكده عليك كما أن معنى قول أبي النجم: إني أنا أبو النجم و شعري شعري المعروف بالبلاغة المشهور بالبراعة.

فإن ذلك فاسد لأن هذه الصناعة الكلامية إنما تصح في موارد العام و الخاص و المطلق و المقيد و نظائر ذلك فيفاد بهذا السياق اتحادهما كقول أبي النجم: شعري شعري‏

45

(1) -أي لا ينبغي أن يتوهم على متوهم أن قريحتي كلت أو أن الحوادث أعيتني أن أقول من الشعر ما كنت أقوله فشعري الذي أقول اليوم هو شعري الذي كنت أقوله بالأمس.

و أما قوله تعالى: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ» فليس يجري فيه مثل هذه العناية فإن الرسالة التي هي مجموع الدين أو أصله على تقدير نزول الآية في أول البعثة أمر واحد غير مختلف و لا متغير حتى يصح أن يقال: إن لم تبلغ هذه الرسالة فما بلغت تلك الرسالة أو لم تبلغ أصل الرسالة فإن المفروض أنه أصل الرسالة التي هي مجموع المعارف الدينية.

فقد تبين أن الآية بسياقها لا تصلح أن تكون نازلة في بدء البعثة و يكون المراد فيها بما أنزل إلى الرسول ص مجموع الدين أو أصله، و يتبين بذلك أنها لا تصلح أن تكون نازلة في خصوص تبليغ مجموع الدين أو أصله في أي وقت آخر غير بدء البعثة فإن الإشكال إنما ينشأ من جهة لزوم اللغو في قوله تعالى: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ» كما مر.

على أن قوله: «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» لا يلائم النزول في أي وقت آخر غير بدء البعثة على تقدير إرادة الرسالة بمجموع الدين أو أصله، و هو ظاهر.

على أن محذور دلالة قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» على أن النبي ص كان يخاف الناس في تبليغه على حاله.

فظهر أن ليس هذا الأمر الذي أنزل على النبي ص‏و أكدت الآية تبليغه هو مجموع الدين أو أصله على جميع تقاديره المفروضة، فلنضع أنه بعض الدين، و المعنى:

بلغ الحكم الذي أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته «إلخ» ، و لازم هذا التقدير أن يكون المراد بالرسالة مجموع ما حمله رسول الله ص من الدين و رسالته، و إلا فالمحذور السابق و هو لزوم اللغو في الكلام على حاله إذ لو كان المراد بقوله:

«رِسََالَتَهُ» الرسالة الخاصة بهذا الحكم كان المعنى: بلغ هذا الحكم و إن لم تبلغه فما بلغته، و هو لغو ظاهر.

فالمراد أن بلغ هذا الحكم و إن لم تبلغه فما بلغت أصل رسالته أو مجموعها، و هو معنى صحيح معقول، و حينئذ يرد الكلام نظير المورد الذي ورده قول أبي النجم: «أنا أبو النجم و شعري شعري» .

46

(1) -و أما كون هذا الحكم بحيث لو لم يبلغ فكأنما لم تبلغ الرسالة فإنما ذلك لكون المعارف و الأحكام الدينية مرتبطة بعضها ببعض بحيث لو أخل بأمر واحد منها أخل بجميعها و خاصة في التبليغ لكمال الارتباط، و هذا التقدير و إن كان في نفسه مما لا بأس به لكن ذيل الآية و هو قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» لا يلائمه فإن هذا الذيل يكشف عن أن قوما كافرين من الناس هموا بمخالفة هذا الحكم النازل أو كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة، و يتخذون أي تدبير يستطيعونه لإبطال هذه الدعوة و تركه سدى لا يؤثر أثرا و لا ينفع شيئا و قد وعد الله رسوله أن يعصمه منهم، و يبطل مكرهم، و لا يهديهم في كيدهم.

و لا يستقيم هذا المعنى مع أي حكم نازل فرض فإن المعارف و الأحكام الدينية في الإسلام ليست جميعا في درجة واحدة ففيها التي هي‏عمود الدين، و فيها الدعاء عند رؤية الهلال، و فيها زنى المحصن و فيها النظر إلى الأجنبية، و لا يصح فرض هذه المخافة من النبي ص و الوعد بالعصمة من الله مع كل حكم حكم منها كيفما كان بل في بعض الأحكام.

فليس استلزام عدم تبليغ هذا الحكم لعدم تبليغ غيره من الأحكام إلا لمكان أهميته و وقوعه من الأحكام في موقع لو أهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالا لأمر سائر الأحكام، و صيرورتها كالجسد العادم للروح التي بها الحياة الباقية و الحس و الحركة، و تكون الآية حينئذ كاشفة عن أن الله سبحانه كان قد أمر رسوله ص بحكم يتم به أمر الدين و يستوي به على عريشة القرار، و كان من المترقب أن يخالفه الناس و يقلبوا الأمر على النبي ص بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدين و تتلاشى أجزاؤه، و كان النبي ص يتفرس ذلك و يخافهم على دعوته فيؤخر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفا صالحا و جوا آمنا عسى أن تنجح فيه دعوته، و لا يخيب مسعاه فأمره الله تعالى بتبليغ عاجل، و بين له أهمية الحكم، و وعده أن يعصمه من الناس، و لا يهديهم في كيدهم، و لا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة.

و إنما يتصور تقليب أمر الدعوة على النبي ص و إبطال عمله بعد انتشار الدعوة الإسلامية لا من جانب المشركين و وثنية العرب أو غيرهم كأن تكون الآية نازلة في مكة قبل الهجرة، و تكون مخافة النبي ص من الناس من جهة افترائهم عليه و اتهامهم إياه في أمره كما حكاه الله سبحانه من قولهم: «مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ» » : الدخان: 14. ـ

47

(1) -و قولهم: «شََاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ» » : «الطور: 30: و قولهم: «سََاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» » : «الذاريات: 52 و قولهم: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاََّ رَجُلاً مَسْحُوراً» » : «الإسراء: 47 و قولهم: «إِنْ هََذََا إِلاََّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ» » : «المدثر: 24 و قولهم: «أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى‏ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً» » : «الفرقان: 5 و قولهم: «إِنَّمََا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ» » : «النحل: 103 و قولهم: «أَنِ اِمْشُوا وَ اِصْبِرُوا عَلى‏ََ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هََذََا لَشَيْ‏ءٌ يُرََادُ» » : «_ص: 6 إلى غير ذلك من أقاويلهم فيه (ص) .

فهذه كلها ليست مما يوجب وهن قاعدة الدين، و إنما تدل-إذا دلت-على اضطراب القوم في أمرهم، و عدم استقامتهم فيه على أن هذه الافتراءات و المرامي لا تختص بالنبي ص حتى يضطرب عند تفرسها و يخاف وقوعها فسائر الأنبياء و الرسل يشاركونه في الابتلاء بهذه البلايا و المحن، و مواجهة هذه المكاره من جملة أممهم كما حكاه الله تعالى عن نوح و من بعده من الأنبياء المذكورين في القرآن.

بل إن كان شي‏ء-و لا بد-فإنما يتصور بعد الهجرة و استقرار أمر الدين في المجتمع الإسلامي و المسلمون كالمعجون‏الخليط من صلحاء مؤمنين و قوم منافقين أولي قوة لا يستهان بأمرهم، و آخرين في قلوبهم مرض و هم سماعون-كما نص عليه الكتاب العزيز-و هؤلاء كانوا يعاملون مع النبي ص-في عين أنهم آمنوا به واقعا أو ظاهرا- معاملة الملوك، و مع دين الله معاملة القوانين الوضعية القومية كما يشعر بذلك طوائف من آيات الكتاب قد تقدم تفسير بعضها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب‏ (1) .

فكان من الممكن أن يكون تبليغ بعض الأحكام مما يوقع في الوهم انتفاع النبي ص بتشريعه و إجرائه يستوجب أن يقع في قلوبهم أنه ملك في صورة النبوة و قانون ملكي في هيئة الدين كما ربما وجد بعض شواهد ذلك في مطاوي كلمات بعضهم‏ (2) .

و هذه شبهة لو كانت وقعت هي أو ما يماثلها في قلوبهم ألقت إلى الدين من الفساد و الضيعة ما لا يدفعه أي قوة دافعة، و لا يصلحه أي تدبير مصلح فليس هذا الحكم النازل المأمور بتبليغه إلا حكما فيه توهم انتفاع للنبي ص، و اختصاص له بمزية من

____________

(1) كآيات قصة أحد في صورة آل عمران، و الآيات الـ 105-126 من سورة النساء.

(2) كما يذكر عن أبي سفيان في كلمات قالها في مجلس عثمان حينما تم له أمر الخلافة.

48

(1) -المزايا الحيوية لا يشاركه فيها غيره من سائر المسلمين، نظير ما في قصة زيد و تعدد الأزواج و الاختصاص بخمس الغنائم و نظائر ذلك.

غير أن الخصائص إذا كانت مما لا تمس فيه عامة المسلمين لم يكن من طبعها إثارة الشبهة في القلوب فإن الازدواج بزوجة المدعو ابنا مثلا لم يكن يختص به و الازدواج بأكثر من أربع نسوة لو كان تجويزه لنفسه عن‏هوى بغير إذن الله سبحانه لم يكن يمنعه أن يجوز مثل ذلك لسائر المسلمين، و سيرته في إيثار المسلمين على نفسه في ما كان يأخذه لله و لنفسه من الأموال و نظائر هذه الأمور لا تدع ريبا لمرتاب و لا يشتبه أمرها لمشتبه دون أن تزول الشبهة.

فقد ظهر من جميع ما تقدم أن الآية تكشف عن حكم نازل فيه شوب انتفاع للنبي ص، و اختصاصه بمزية حيوية مطلوبة لغيره أيضا يوجب تبليغه و العمل به حرمان الناس عنه فكان النبي ص يخاف إظهاره فأمره الله بتبليغه و شدد فيه، و وعده العصمة من الناس و عدم هدايتهم في كيدهم إن كادوا فيه.

و هذا يؤيد ما وردت به النصوص من طرق الفريقين أن الآية نزلت في أمر ولاية علي (ع) ، و أن الله أمر بتبليغها و كان النبي ص يخاف أن يتهموه في ابن عمه، و يؤخر تبليغها وقتا إلى وقت حتى نزلت الآية فبلغها بغدير خم،

و قال فيه: من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

و كون ولاية أمر الأمة مما لا غنى للدين عنه ظاهر لا ستر عليه، و كيف يسوغ لمتوهم أن يتوهم أن الدين الذي يقرر بسعته لعامة البشر في عامة الأعصار و الأقطار جميع ما يتعلق بالمعارف الأصلية، و الأصول الخلقية، و الأحكام الفرعية العامة لجميع حركات الإنسان و سكناته، فرادى و مجتمعين على خلاف جميع القوانين العامة لا يحتاج إلى حافظ يحفظه حق الحفظ؟أو أن الأمة الإسلامية و المجتمع الديني مستثنى من بين جميع المجتمعات الإنسانية مستغنية عن وال يتولى أمرها و مدبر يدبرها و مجر يجريها؟ و بأي عذر يمكن أن يعتذر إلى الباحث عن سيرة النبي الاجتماعية؟حيث يرى أنه (ص) كان إذا خرج إلى غزوة خلف مكانه رجلا يدير رحى المجتمع،

: و قد خلف عليا مكانه على المدينة-عند مسيره إلى تبوك فقال: يا رسول الله أ تخلفني على النساء و الصبيان؟ فقال (ص) : أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى-إلا أنه لا نبي بعدي؟

49

(1) -و كان (ص) ينصب الولاة الحكام في ما بيد المسلمين من البلاد كمكة و الطائف و اليمن و غيرها، و يؤمر رجالا على السرايا و الجيوش التي يبعثها إلى الأطراف، و أي فرق بين زمان حياته و ما بعد مماته دون أن الحاجة إلى ذلك بعد غيبته بالموت أشد، و الضرورة إليه أمس ثم أمس.

قوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» خاطبه (ص) بالرسالة لكونها أنسب الصفات إلى ما تتضمنه الآية من الأمر بالتبليغ لحكم الله النازل فهو كالبرهان على وجوب التبليغ الذي تظهره الآية و تقرعه سمع رسول الله ص فإن الرسول لا شأن له إلاتبليغ ما حمل من الرسالة فتحمل الرسالة يفرض عليه القيام بالتبليغ.

و لم يصرح باسم هذا الذي أنزل إليه من ربه بل عبر عنه بالنعت و أنه شي‏ء أنزل إليه، إشعارا بتعظيمه و دلالة على أنه أمر ليس فيه لرسول الله ص صنع، و لا له من أمره شي‏ء ليكون كبرهان آخر على عدم خيرة منه (ص) في كتمانه و تأخير تبليغه، و يكون له عذرا في إظهاره على الناس، و تلويحا إلى أنه (ص) مصيب في ما تفرسه منهم و تخوف عليه، و إيماء إلى أنه مما يجب أن يظهر من ناحيته (ص) و بلسانه و بيانه.

قوله تعالى: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ» المراد بقوله: «رِسََالَتَهُ» و قرئ «رسالاته» كما تقدم مجموع رسالات الله سبحانه التي حملها رسوله ص، و قد تقدم أن الكلام يفيد أهمية هذا الحكم المرموز إليه، و أن له من المكانة ما لو لم يبلغه كأن لم يبلغ شيئا من الرسالات التي حملها.

فالكلام موضوع في صورة التهديد، و حقيقته بيان أهمية الحكم، و أنه بحيث لو لم يصل إلى الناس، و لم يراع حقه كان كأن لم يراع حق شي‏ء من أجزاء الدين فقوله:

«وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ» جملة شرطية سيقت لبيان أهمية الشرط وجودا و عدما لترتب الجزاء الأهم عليه وجودا و عدما.

و ليست شرطية مسوقة على طبع الشرطيات الدائرة عندنا فإنا نستعمل «إن» الشرطية طبعا فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط، و حاشا ساحة النبي ص من أن يقدر القرآن في حقه احتمال أن يبلغ الحكم النازل عليه من ربه و أن لا يبلغ،

50

(1) -و قد قال تعالى: «اَللََّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسََالَتَهُ» » : «الأنعام-124.

فالجملة أعني قوله: «وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ» (إلخ) ، إنما تفيد التهديد بظاهرها و تفيد إعلامه (ع) و إعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمية، و أن الرسول معذور في تبليغه.

قوله تعالى: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» قال الراغب: العصم‏ (بالفتح فالسكون) الإمساك و الاعتصام‏ الاستمساك-إلى أن قال- و العصام‏ (بالكسر) ما يعتصم به أي يشد، و عصمة الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية و النفسية، ثم بالنصرة و بتثبيت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم و بحفظ قلوبهم و بالتوفيق قال تعالى: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» .

و العصمة شبه السوار، و المعصم‏ موضعها من اليد، و قيل للبياض بالرسغ عصمة تشبيها بالسوار، و ذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلا، و على هذا قيل: غراب أعصم، انتهى.

و ما ذكره من معنى عصمة الأنبياء حسن لا بأس به غير أنه لا ينطبق على الآية «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» بل لو انطبق فإنما ينطبق على مثل قوله: «وَ مََا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ أَنْزَلَ اَللََّهُ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مََا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كََانَ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» » : «النساء: 113.

و أما قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» فإن ظاهره أنها عصمة بمعنى الحفظ و الوقاية من شر الناس المتوجه إلى نفس النبي الشريفة أو مقاصده الدينية أو نجاح تبليغه و فلاح سعيه، و بالجملة المعنى المناسب لساحته المقدسة.

و كيف كان فالمتحصل من موارد استعمال الكلمة أنها بمعنى الإمساك و القبض فاستعماله في معنى الحفظ من قبيل استعارة اللازم لملزومه فإن الحفظ يلزمه القبض.

و كان تعليق العصمة بالناس من دون بيان أن العصمة من أي شأن من شئون الناس كتعدياتهم بالإيذاء في الجسم من قتل أو سم أو أي اغتيال، أو بالقول كالسب و الافتراء، أو بغير ذلك كتقليب الأمور بنوع من المكر و الخديعة و المكيدة و بالجملة

51

(1) -السكوت عن تشخيص ما يعصم منه لإفادة نوع من التعميم، و لكن الذي لا يعدو عنه السياق هو شرهم الذي يوجب انقلاب الأمر على النبي ص بحيث يسقط بذلك ما رفعه من أعلام الدين.

و الناس مطلق من وجد فيه معنى الإنسانية من دون أن يعتبر شي‏ء من خصوصياته الطبيعية التكوينية كالذكورة و الأنوثة أو غير الطبيعية كالعلم و الفضل و الغنى و غير ذلك. و لذلك قل ما ينطبق على غير الجماعة، و لذلك أيضا ربما دل على الفضلاء من الإنسان إذا كان الفضل روعي فيه وجود معنى الإنسانية كقوله تعالى: «إِذََا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمََا آمَنَ اَلنََّاسُ» أي الذين وجد فيهم معنى الإنسانية، و هو ملاك درك الحق و تمييزه من الباطل.

و ربما كان دالا على نوع من الخسة و سقوط الحال، و ذلك إذا كان الأمر الذي يتكلم فيه مما يحتاج إلى اعتبار شي‏ء من الفضائل الإنسانية التي اعتبرت زائدة على أصل معنى النوع كقوله: «وَ لََكِنَّ أَكْثَرَ اَلنََّاسِ لاََ يَعْلَمُونَ» » : «الروم: 30 و كقولك:

لا تثق بمواعيد الناس، و لا تستظهر بسوادهم نظرا منك إلى أن الوثوق و الاستظهار يجب أن يتعلقا بالفضلاء من الإنسان ذوي ملكة الوفاء بالعهد و الثبات على العزيمة لا على من ليس له إلا مجرد صدق اسم الإنسانية، و ربما لم يفد شيئا من مدح أو ذم إذا تعلق الغرض بما لا يزيد على أصل معنى الإنسانية كقوله تعالى: «يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ََ وَ جَعَلْنََاكُمْ شُعُوباً وَ قَبََائِلَ لِتَعََارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ» » : «الحجرات: 13.

و لعل قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» أخذ فيه لفظ الناس اعتبارا بسواد الأفراد الذي فيه المؤمن و المنافق و الذي في قلبه مرض، و قد اختلطوا من دون تمايز، فإذا خيف خيف من عامتهم، و ربما أشعر به قوله: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» فإن الجملة في مقام التعليل لقوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» و قد تقدم أيضا أن الآية نزلت بعد الهجرة و ظهور شوكة، الإسلام و كان السواد الأعظم من الناس مسلمين بحسب الظاهر و إن كان فيهم المنافقون و غيرهم.

فالمراد بالقوم الكافرين قوم هم في الناس مذكوري النعت ممحوي الاسم وعد الله سبحانه أن يبطل كيدهم و يعصم رسوله ص من شرهم. ـ

52

(1) -و الظاهر أيضا أن يكون المراد بالكفر الكفربآية من آيات الله و هو الحكم المراد بقوله: «مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» ، كما في قوله في آية الحج: «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللََّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعََالَمِينَ» » : آل عمران: 97، و أما الكفر بمعنى الاستكبار عن أصل الشهادتين فإنه مما لا يناسب مورد الآية البتة إلا على القول بكون المراد بقوله: «مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» مجموع رسالات الدين، و قد عرفت عدم استقامته.

و المراد بعدم هدايته تعالى هؤلاء القوم الكافرين عدم هدايته إياهم في كيدهم و مكرهم، و منعه الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم إلى ما يرومونه من الشر و الفساد نظير قوله تعالى: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ» » : المنافقون: 6، و قوله تعالى: «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ» » : البقرة: 258، و قد تقدم البحث عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

و أما كون المراد بعدم الهداية هو عدم الهداية إلى الإيمان فغير صحيح البتة لمنافاته أصل التبليغ و الدعوة فلا يستقيم أن يقال: أدعهم إلى الله أو إلى حكم الله و أنا لا أهديهم إليه إلا في مورد إتمام الحجة محضا.

على أن الله سبحانه قد هدى و لا يزال يهدي كثيرين من الكفار بدليل العيان، و قد قال أيضا: «وَ اَللََّهُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ» » : «البقرة: 213.

فتبين أن المراد بعدم هداية الكافرين عدم تخليتهم لينالوا ما يهمون به من إبطال كلمة الحق و إطفاء نور الحكم المنزل فإن الكافرين و كذا الظالمين و الفاسقين يريدون بشامة أنفسهم و ضلال رأيهم أن يبدلوا سنة الله الجارية في الخلقة و سياقة الأسباب السالكة إلى مسبباتها و يغيروا مجاري الأسباب الحقة الظاهرة عن سمة عصيان رب العالمين إلى غايتهم الفاسدة مقاصدهم الباطلة و الله رب العالمين لن يعجزه قواهم الصورية التي لم يودعها فيهم و لم يقدرها في بناهم إلا هو.

فهم ربما تقدموا في مساعيهم أحيانا و نالوا ما راموه أوينات و استعلوا و استقام أمرهم برهة لكنه لا يلبث دون أن يبطل أخيرا و ينقلب عليهم مكرهم و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، و كذلك يضرب الله الحق و الباطل فأما الباطل فيذهب جفاء، و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

و على هذا فقوله: «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» تفسير قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ‏

53

(1) -مِنَ اَلنََّاسِ» بالتصرف في سعة إطلاقه، و يكون المراد بالعصمة عصمته (ص) من أن يناله الناس بسوء دون أن ينال بغيته في تبليغ هذا الحكم و تقريره بين الأمة كأن يقتلوه دون أن يبلغه أو يثوروا عليه و يقلبوا عليه الأمور أو يتهموه بما يرتد به المؤمنون عن دينه، أو يكيدوا كيدا يميت هذا الحكم و يقبره بل الله يظهر كلمة الحق و يقيم الدين على ما شاء و أينما شاء و متى ما شاء، و فيمن شاء قال تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا اَلنََّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كََانَ اَللََّهُ عَلى‏ََ ذََلِكَ قَدِيراً» » : «النساء: 133.

و أما أخذ الآية أعني قوله: «وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» بإطلاقه على ما فيه من السعة و الشمول فمما ينافيه القرآن و المأثور من الحديث و التاريخ القطعي، و قد نال (ص) من أمته أعم من كفارهم و مؤمنيهم و منافقيهم من المصائب و المحن و أنواع الزجر و الأذى ما ليس في وسع أحد أن يتحمله إلا نفسه الشريفة،

و قد قال (ص) -كما في الحديث المشهور-: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت قط.

(بحث روائي)

في تفسير العياشي، عن أبي صالح، عن ابن عباس و جابر بن عبد الله قالا": أمر الله تعالى نبيه محمدا ص-أن ينصب عليا علما في الناس ليخبرهم بولايته-فتخوف رسول الله ص أن يقولوا: خابى‏ (1) ابن عمه-و أن يطعنوا (2) في ذلك عليه. قال: فأوحى الله إليه هذه الآية: «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ-وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ» -فقام رسول الله ص بولايته يوم غدير خم.

و فيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه عن أبي جعفر (ع) قال: لما نزل جبرئيل على عهد رسول الله ص في حجة الوداع-بإعلان أمر علي بن أبي طالب (ع) - «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» -إلى آخر الآية-قال: فمكث النبي ص ثلاثا حتى أتى الجحفة-فلم يأخذ بيده فرقا من الناس.

فلما نزل الجحفة يوم غدير في مكان يقال له «مهيعة» فنادى: الصلاة جامعة،

____________

(1) جاءنا، خ ل.

(2) يطغوا، خ ل.

54

(1) -فاجتمع الناس-فقال النبي ص: من أولى بكم من أنفسكم؟فجهروا فقالوا: الله و رسوله- ثم قال لهم الثانية، فقالوا: الله و رسوله، ثم قال لهم الثالثة، فقالوا: الله و رسوله.

فأخذ بيد علي (ع) فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله-فإنه مني و أنا منه، و هو مني بمنزلة هارون من موسى إلاأنه لا نبي بعدي.

و فيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) قال: لما أنزل الله على نبيه ص:

«يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ-بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ-وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ-إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» -قال: فأخذ رسول الله ص بيد علي (ع) فقال: يا أيها الناس إنه لم يكن نبي من الأنبياء-ممن كان من قبلي-إلا و قد عمر ثم دعاه فأجابه، و أوشك أن أدعى فأجيب، و أنا مسئول و أنتم مسئولون فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت و نصحت-و أديت ما عليك فجزاك الله أفضل ما جزى المرسلين، فقال: اللهم اشهد.

ثم قال: يا معشر المسلمين ليبلغ الشاهد الغائب-أوصي من آمن بي و صدقني بولاية علي، ألا إن ولاية على ولايتي عهدا عهده إلي ربي-و أمرني أن أبلغكموه، ثم قال: هل سمعتم؟-ثلاث مرات يقولها-فقال قائل: قد سمعنا يا رسول الله.

و في البصائر، بإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (ع) : في قوله: «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ-وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ» -قال: هي الولاية.

أقول: و روى نزول الآية في أمر الولاية و قصة الغدير معه الكليني في الكافي، بإسناده، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل، و روى هذا المعنى الصدوق في المعاني، بإسناده عن محمد بن الفيض بن المختار، عن أبيه عن أبي جعفر (ع) في حديث طويل، و رواه العياشي أيضا عن أبي الجارود في حديث طويل، و بإسناده عن عمرو بن يزيد عن أبي عبد الله (ع) مختصرا.

و عن تفسير الثعلبي، قال: قال جعفر بن محمد*: معنى قوله: «يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» -في فضل علي، ، فلما نزلت هذه أخذ النبي ص بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه‏