مجمع البيان في تفسير القرآن - ج1

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
486 /
87

الجزء الأول‏

(1) -

(1) سورة فاتحة الكتاب مكية و آياتها سبع (7)

توضيح‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

مكية عن ابن عباس و قتادة و مدنية عن مجاهد و قيل أنزلت مرتين مرة بمكة و مرة بالمدينة .

أسماؤها

(فاتحة الكتاب) سميت بذلك لافتتاح المصاحف بكتابتها و لوجوب قراءتها في الصلاة فهي فاتحة لما يتلوها من سور القرآن في الكتاب و القراءة (الحمد) سميت بذلك لأن فيها ذكر الحمد (أم الكتاب) سميت بذلك لأنها متقدمة على سائر سور القرآن و العرب تسمي كل جامع أمر أو متقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه أما فيقولون أم الرأس للجلدة التي تجمع الدماغ و أم القرى لأن الأرض دحيت من تحت مكة فصارت لجميعها أما و قيل لأنها أشرف البلدان فهي متقدمة على سائرها و قيل سميت بذلك لأنها أصل القرآن و الأم هي الأصل و إنما صارت أصل القرآن لأن الله تعالى أودعها مجموع ما في السور لأن فيها إثبات الربوبية و العبودية و هذا هو المقصود بالقرآن (السبع) سميت بذلك لأنها سبع آيات لا خلاف في جملتها (المثاني) سميت بذلك لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة فرض و نفل و قيل لأنها نزلت مرتين، هذه أسماؤها المشهورة، و قد ذكر في أسمائها (الوافية) لأنها لا تنتصف في الصلاة و (الكافية) لأنها تكفي عما سواها و لا يكفي ما سواها عنهاو يؤيد ذلك ما

رواه عبادة بن الصامت عن النبي ص أم القرآن عوض عن غيرها و ليس غيرها عوضا عنها

و (الأساس) لما روي عن ابن عباس أن لكل شي‏ء أساسا و ساق الحديث إلى أن قال و أساس القرآن الفاتحة و أساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم و (الشفاء) لما

روي عن النبي ص فاتحة الكتاب شفاء من كل داء

و (الصلاة) لما

روي عن النبي ص قال قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين نصفها لي و نصفها لعبدي فإذا قال العبد «اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» يقول الله حمدني عبدي فإذا قال «اَلرَّحْمََنِ‏

88

(1) - اَلرَّحِيمِ» يقول الله أثنى علي عبدي فإذا قال العبد «مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ» يقول الله مجدني عبدي فإذا قال «إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ» يقول الله هذا بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال «اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ» إلى آخره قال الله هذا لعبدي ما سأل، أورده مسلم بن الحجاج في الصحيح

فهذه عشرة أسماء.

فضلها

ذكر الشيخ أبو الحسين الخبازي المقري في كتابه في القراءة أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم و الشيخ عبد الله بن محمد قالا حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك قال حدثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال حدثنا سلام بن سليمان المدائني قال حدثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال قال رسول الله أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن و أعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن و مؤمنة و روي من طريق آخر هذا الخبر بعينه إلا أنه قال كأنما قرأ القرآن

، و

روي غيره عن أبي بن كعب أنه قال قرأت على رسول الله ص فاتحة الكتاب فقال و الذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة و لا في الإنجيل و لا في الزبور و لا في القرآن مثلها هي أم الكتاب و هي السبع المثاني و هي مقسومة بين الله و بين عبده و لعبده ما سأل‏

، و

في كتاب محمد بن مسعود العياشي بإسناده أن النبي ص قال لجابر بن عبد الله الأنصاري يا جابر أ لا أعلمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه قال فقال له جابر بلى بأبي أنت و أمي يا رسول الله علمنيها قال فعلمه الحمد أم الكتاب ثم قال يا جابر أ لا أخبرك عنها قال بلى بأبي أنت و أمي فأخبرني‏فقال هي شفاء من كل داء إلا السام و السام الموت،

و عن سلمة بن محرز عن جعفر بن محمد الصادق قال من لم يبرئه الحمد لم يبرئه شي‏ء

و

روي عن أمير المؤمنين (ع) قال قال رسول الله ص إن الله تعالى قال لي يا محمد وَ لَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب و جعلها بإزاء القرآن ، و إن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش و إن الله خص محمدا و شرفه بها و لم يشرك فيها أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان فإنه أعطاه منها «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» أ لا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت‏ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ ` إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمََانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد و آله منقادا لأمرها. مؤمنا بظاهرها و باطنها. أعطاه الله بكل حرف منها حسنة كل واحدة منها أفضل له من الدنيا بما فيها من أصناف أموالها و خيراتها و من استمع إلى قارئ يقرؤها كان له قدر ثلث ما للقارى‏ء فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض له فإنه غنيمة. لا يذهبن أوانه فتبقى في قلوبكم الحسرة

.

89

(1) -

الاستعاذة

اتفقوا على التلفظ بالتعوذ قبل التسميةفيقول ابن كثير و عاصم و أبو عمرو : (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) و نافع و ابن عامر و الكسائي : (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إن الله هو السميع العليم، ) و حمزة : (نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ) و أبو حاتم (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) .

اللغة

الاستعاذة الاستجارة فمعناه أستجير بالله دون غيره و العوذ و العياذ هو اللجأ و [الشيطان‏]في اللغة هو كل متمرد من الجن و الإنس و الدواب و لذلك جاء في القرآن شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ و وزنه فيعال من شطنت الدار أي بعدت و قيل هو فعلان من شاط يشيط إذا بطل و الأول أصح لأنه قد جاء في الشعر شاطن بمعناه قال أمية بن أبي الصلت

أيما شاطن عصاه عكاه # ثم يلقى في السجن و الأغلال‏

و الرجيم فعيل بمعنى مفعول من الرجم و هو الرمي .

المعنى‏

أمر الله بالاستعاذة من الشيطان إذ لا يكاد يخلو من وسوسته الإنسان فقال فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ ، و معنى أعوذ ألجأ إلى الله من شر الشيطان أي البعيد من الخير المفارق أخلاقه أخلاق جميع جنسه و قيل المبعد من رحمة الله (الرجيم) أي المطرود من السماء المرمي بالشهب الثاقبة و قيل المرجوم باللغة (إن الله هو السميع) السميع لجميع المسموعات (العليم) بجميع المعلومات.

توضيح‏

اتفق أصحابنا أنها آية من سورة الحمد و من كل سورة و إن من تركها في الصلاة بطلت صلاته سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا و أنه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة و يستحب الجهر بها فيما يخافت فيه بالقراءة و في جميع ما ذكرناه خلاف بين فقهاء الأمة و لا خلاف في أنها بعض آية من سورة النمل و كل من عدها آية جعل من قوله صِرََاطَ اَلَّذِينَ إلى آخر السورة آية و من لم يعدها آية جعل صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية و قال إنها افتتاح للتيمن و التبرك و أما القراء فإن حمزة و خلفا و يعقوب و اليزيدي تركوا الفصل بين السور بالتسمية و الباقون يفصلون بينها بالتسمية إلا بين الأنفال و التوبة .

فضلها

روي عن علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها

، و

روي عن ابن عباس عن‏

90

(1) - النبي ص أنه قال إذا قال المعلم للصبي قل «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» فقال الصبي «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» كتب الله براءة للصبي و براءة لأبويه و براءة للمعلم‏

و عن ابن مسعود قال من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» فإنها تسعة عشر حرفا ليجعل الله كل حرف منها جنة من واحد منهم و

روي عن الصادق (ع) أنه قال ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها و هي «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» .

ـ

اللغة

الاسم مشتق من السمو و هو الرفعة أصله سمو بالواو لأن جمعه أسماء مثل قنو و أقناء. و حنو و أحناء و تصغيره سمي قال الراجز :

(باسم الذي في كل سورة سمه)

و سمه أيضا ذكره أبو زيد و غيره و قيل إنه مشتق من الوسم و السمةو الأول أصح لأن المحذوف الفاء نحو صلة و وصل و عدة و وعد لا تدخله همزة الوصل و لأنه كان يجب أن يقال في تصغيره وسيم، كما يقال وعيدة و وصيلة في تصغير عدة و صلة و الأمر بخلافه (الله) اسم لا يطلق إلا عليه سبحانه و تعالى و ذكر سيبويه في أصله قولين (أحدهما) أنه إلاه على وزن فعال فحذفت الفاء التي هي الهمزة و جعلت الألف و اللام عوضا لازما عنها بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في القسم و النداء في نحو قوله (أ فالله لتفعلن و يا الله اغفر لي) و لو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم و القول الآخر أن أصله لاه و وزنه فعل فالحق به الألف و اللام. يدل عليه قول الأعشى :

كحلفة من أبي رباح # يسمعها لاهه الكبار

و إنما أدخلت عليه الألف و اللام للتفخيم و التعظيم فقط و من زعم أنها للتعريف فقد أخطأ لأن أسماء الله تعالى معارف و الألف من لاه منقلبة عن ياء فأصله إليه كقولهم في معناه لهي أبوك قال سيبويه نقلت العين إلى موضع اللام و جعلت اللام ساكنة إذ صارت في مكان العين كما كانت العين ساكنة و تركوا آخر الاسم الذي هو لهي مفتوحا كما تركوا آخر أن مفتوحا و إنما فعلوا ذلك حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروا بناءه و هذه دلالة قاطعة لظهور الياء في لهي و الألف على هذا القول منقلبة كما ترى‏

91

(1) - و في القول الأول زائدة لأنها ألف فعال و تقول العرب أيضا لاه أبوك تريد لله أبوك قال ذو الإصبع العدواني :

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب # عني و لا أنت دياني فتخزوني‏

أي تسوسني قال سيبويه حذفوا لام الإضافة و اللام الأخرى و لم ينكر بقاء عمل اللام بعد حذفها فقد حكى سيبويه من قولهم الله لأخرجن يريدون و الله و مثل ذلك كثير يطول الكلام بذكره فأما الكلام في اشتقاقه فمنهم من قال إنه اسم موضع غير مشتق إذ ليس يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا لأنه لو وجب ذلك لتسلسل هذا قول الخليل و منهم من قال إنه مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه: فمنها أنه مشتق من الألوهية التي هي العبادة و التأله التعبد قال رؤبة :

لله در الغانيات المده # سبحان و استرجعن من تألهي‏

أي تعبدي و قرأ ابن عباس و يذرك و إلهتك أي عبادتك و يقال أله الله فلان إلاهة كما يقال عبده عبادة فعلى هذا يكون معناه الذي يحق له العبادة و لذلك لا يسمى به غيره و يوصف فيما لم يزل بأنه إله (و منها) أنه مشتق من الوله و هو التحير يقال أله يأله إذا تحير- عن أبي عمرو -فمعناه أنه الذي تتحير العقول في كنه عظمته (و منها) أنه مشتق من قولهم ألهت إلى فلان أي فزعت إليه لأن الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم فقيل للمألوه آله كما يقال للمؤتم به إمام (و منها) أنه مشتق من ألهت إليه أي سكنت إليه عن المبرد و معناه أن الخلق يسكنون إلى ذكره و منها أنه من لاه أي احتجب فمعناه أنه المحتجب بالكيفية عن الأوهام، الظاهر بالدلائل و الأعلام ، «اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» اسمان وضعا للمبالغة، و اشتقا من الرحمة، و هي النعمة، إلا أن فعلان أشد مبالغة من فعيل و حكي عن أبي عبيدة أنه قال: الرحمن ذو الرحمة و الرحيم هو الراحم و كرر لضرب من التأكيد و أما ما روي عن ابن عباس أنهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر فالرحمن الرقيق و الرحيم العطاف على عباده بالرزق و النعم فمحمول على أنه يعود عليهم بالفضل بعد الفضل، و النعمة بعد النعمة، فعبر عن ذلك بالرقة، لأنه لا يوصف بالرقة، و ما حكي عن تغلب أن لفظة الرحمن ليست بعربية و إنما هي ببعض اللغات مستدلا بقوله تعالى‏ «قََالُوا وَ مَا اَلرَّحْمََنُ» إنكارا منهم لهذا الاسم فليس بصحيح‏لأن هذه اللفظة مشهورة عند العرب‏

92

(1) - موجودة في أشعارها قال الشنفري :

أ لا ضربت تلك الفتاة هجينها # أ لا قضب الرحمن ربي يمينها

و قال سلامة بن جندل :

(و ما يشأ الرحمن يعقد و يطلق)

.

الإعراب‏

«بِسْمِ اَللََّهِ» الباء حرف جر أصله الإلصاق و الحروف الجارة موضوعة لمعنى المفعولية أ لا ترى أنها توصل الأفعال إلى الأسماء و توقعها عليها فإذا قلت مررت بزيد أوقعت الباء المرور على زيد فالجالب للباء فعل محذوف نحو ابدأوا بسم الله أو قولوا بسم الله فحمله نصب لأنه مفعول به و إنما حذف الفعل الناصب لأن دلالة الحال أغنت عن ذكره و قيل إن محل الباء رفع على تقدير مبتدإ محذوف و تقديره ابتدائي بسم الله فالباء على هذا متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه أي ابتدائي ثابت بسم الله أو ثبت ثم حذف هذا الخبر فأفضى الضمير إلى موضع الباء و هذا بمنزلة قولك زيد في الدار و لا يجوز أن يتعلق الباء بابتدائي المضمر لأنه مصدر و إذا تعلقت به صارت من صلته و بقي المبتدأ بلا خبر و إذا سأل عن تحريك الباء مع أن أصل الحروف البناء و أصل البناء السكون فجوابه أنه حرك للزوم الابتداء به و لا يمكن الابتداء بالساكن و إنما حرك بالكسر ليكون حركته من جنس ما يحدثه و إذا لزم كاف التشبيه في كزيد فجوابه أن الكاف لا يلزم الحرفية و قد تكون اسما في نحو قوله (يضحكن عن كالبرد المنهم) فخولف بينه و بين الحروف التي لا تفارق الحرفية و هذا قول أبي عمرو الجرمي و أصحابه فأما أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي فقال إنهم لو فتحوا أو ضموا لجاز لأن الغرض التوصل إلى الابتداء فبأي حركة توصل إليه جاز و بعض العرب يفتح هذه الباء و هي لغة ضعيفة و إنما حذفت الهمزة من بسم الله في اللفظ لأنها همزة الوصل تسقط في الدرج و حذفت هاهنا في الخط أيضا لكثرة الاستعمال و لوقوعها في موضع معلوم لا يخاف فيه اللبس و لا تحذف في نحو قوله‏ «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» لقلة الاستعمال و إنما تغلظ لام الله إذا تقدمته الضمة أو الفتحة تفخيما لذكره، و إجلالا لقدره، و ليكون فرقا بينه و بين ذكر اللات . «اَللََّهِ» مجرور بالإضافة و «اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» مجروران لأنهما صفتان لله.

المعنى‏

«بِسْمِ اَللََّهِ» قيل المراد به تضمين الاستعانة فتقديره استعينوا بأن تسموا الله بأسمائه الحسنى، و تصفوه بصفاته العلي، و قيل المراد استعينوا بالله و يلتفت إليه قول أبي عبيدة أن الاسم صلة و المراد هو الله كقول لبيد :

93

(1) -

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر

أي ثم السلام عليكما و الاسم قد يوضع موضع المسمى لما كان المعلق على الاسم ذكرا أو خطابا معلقا على المسمى تقول رأيت زيدا فتعلق الرؤية على الاسم و في الحقيقة تعلقها بالمسمى فإن الاسم لا يرى فحسن إقامة الاسم مقام المسمى و قيل المراد به أبتدأ بتسمية الله فوضع الاسم موضع المصدر كما يقال أكرمته كرامة أي إكراما و أهنته هوانا أي إهانة و منه قول الشاعر:

أ كفرا بعد رد الموت عني # و بعد عطائك المائة الرتاعا

أي بعد إعطائك، و قال الآخر:

فإن كان هذا البخل منك سجية # لقد كنت في طولي رجائك أشعبا

أراد في إطالتي رجائك فعلى هذا يكون تقدير الكلام ابتداء قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئا بتسمية الله و هذا القول أولى بالصواب لأنا إنما أمرنا بأن نفتتح أمورنا بتسمية الله لا بالخبر عن كبريائه و عظمته كما أمرنا بالتسمية على الأكل و الشرب و الذبائح أ لا ترى أن الذابح لو قال بالله و لم يقل باسم الله لكان مخالفا لما أمر به و معنى الله و الإله أنه الذي تحق له العبادة و إنما تحق له العبادة لأنه قادر على خلق الأجسام و إحيائها و الإنعام عليها بما يستحق به العبادة و هو تعالى إله للحيوان و الجماد لأنه قادر على أن ينعم على كل منهما بما معه يستحق العبادة فأما من قال معنى الإله المستحق للعبادة يلزمه أن لا يكون إلها في الأزل لأنه لم يفعل الإنعام الذي يستحق به العبادة و هذا خطأ و إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن بمنزلة اسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله فوجب لذلك تقديمه بخلاف الرحيم لأنه يطلق عليه و على غيره و

روى أبو سعيد الخدري عن النبي ص أن عيسى بن مريم قال الرحمن رحمن الدنيا و الرحيم رحيم الآخرة

و عن بعض التابعين قال الرحمن بجميع الخلق و الرحيم بالمؤمنين خاصة و وجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم و كافرهم و برهم و فاجرهم هو إنشاؤه إياهم و خلقهم أحياء قادرين و رزقه إياهم و وجه خصوص الرحيم بالمؤمنين هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق‏

94

(1) - و في الآخرة من الجنة و الإكرام، و غفران الذنوب و الآثام، و إلى هذا المعنى يؤول ما

روي عن الصادق ع أنه قال الرحمن اسم خاص بصفة عامة و الرحيم اسم عام بصفة خاصة

و عن عكرمة قال الرحمن برحمة واحدة و الرحيم بمائة رحمة و هذا المعنى قد اقتبسه من‏

قول الرسول أن لله عز و جل مائة رحمة و أنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه‏بها يتعاطفون و يتراحمون و أخر تسعا و تسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة

و

روي أن الله قابض هذه إلى تلك فيكملها مائة يرحم بها عباده يوم القيامة.

ـ

القراءة

أجمع القراء على ضم الدال من الحمد و كسر اللام من لله و روي في الشواذ بكسر الدال و اللام. و بفتح الدال و كسر اللام. و بضم الدال و اللام. و أجمعوا على كسر الباء من «رَبِّ» . و روي عن زيد بن علي نصب الباء و يحمل على أنه بين جوازه لا إنه قراءة.

اللغة

الحمد و المدح و الشكر متقاربة المعنى و الفرق بين الحمد و الشكر أن الحمد نقيض الذم كما أن المدح نقيض الهجاء. و الشكر نقيض الكفران. و الحمد قد يكون من غير نعمة و الشكر يختص بالنعمة إلا أن الحمد يوضع موضع الشكر و يقال الحمد لله شكرا فينصب شكرا على المصدر و لو لم يكن الحمد في معنى الشكر لما نصبه فإذا كان الحمد يقع موقع الشكر فالشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم و يكون بالقلب و هو الأصل و يكون أيضا باللسان و إنما يجب باللسان لنفي تهمة الجحود و الكفران و أما المدح فهو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح مع القصد إليه ( و أما الرب) فله معان (منها) السيد المطاع كقول لبيد :

و أهلكن قدما رب كندة و ابنه # و رب معد بين خبت و عرعر

أي سيد كندة (و منها) المالك نحو

قول النبي لرجل أ رب غنم أم رب إبل فقال من كل ما آتاني الله فأكثر و أطيب.

(و منها) الصاحب نحو قول أبي ذؤيب :

95

(1) -

قد ناله رب الكلاب بكفه # بيض رهاب ريشهن مقزع‏

أي صاحب الكلاب (و منها) المربب (و منها) المصلح و اشتقاقه من التربية يقال ربيته و رببته بمعنى و فلان يرب صنيعته إذا كان ينممها و لا يطلق هذا الاسم إلا على الله و يقيد في غيره فيقال رب الدار و رب الضيعة و (العالمون) جمع عالم و العالم جمع لا واحد له من لفظه كالنفر و الجيش و غيرهما و اشتقاقه من العلامة لأنه يدل على صانعه و قيل أنه من العلم لأنه اسم يقع على ما يعلم و هو في عرف اللغة عبارة عن جماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني عالم من الناس و لا يقولون جاءني عالم من البقر و في المتعارف بين الناس هو عبارة عن جميع المخلوقات و تدل عليه الآية «قََالَ فِرْعَوْنُ وَ مََا رَبُّ اَلْعََالَمِينَ ` قََالَ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا بَيْنَهُمَا» و قيل أنه اسم لكل صنف من الأصناف و أهل كل قرن من كل صنف يسمى عالما و لذلك جمع فقيل عالمون لعالم كل زمان و هذا قول أكثر المفسرين كابن عباس و سعيد بن جبير و قتادة و غيرهم و قيل العالم نوع ما يعقل و هم الملائكة و الجن و الإنس و قيل الجن و الإنس لقوله تعالى: «لِيَكُونَ لِلْعََالَمِينَ نَذِيراً» و قيل هم الإنس لقوله تعالى: «أَ تَأْتُونَ اَلذُّكْرََانَ مِنَ اَلْعََالَمِينَ» .

الإعراب‏

«اَلْحَمْدُ» رفع بالابتداء و الابتداء عامل معنوي غير ملفوظ به و هو خلو الاسم عن العوامل اللفظية ليسند إليه خبر و خبره في الأصل جملة هي فعل مسند إلى ضمير المبتدأ و تقديره الحمد حق أو استقر لله إلا أنه قد استغنى عن ذكرها لدلالة قوله «لِلََّهِ» عليها فانتقل الضمير منها إليه حيث سد مسدها و تسمى هذه جملة ظرفية هذا قول الأخفش و أبي علي الفارسي و أصل اللام للتحقيق و الملك، و أما من نصب الدال فعلى المصدر تقديره أحمد الحمد لله أو اجعل الحمد لله إلا أن الرفع بالحمد أقوى و أمدح لأن معناه الحمد وجب لله أو استقر لله و هذا يقتضي العموم لجميع الخلق و إذا نصب الحمد فكان تقديره أحمد الحمد كان مدحا من المتكلم فقط فلذلك اختير الرفع و من كسر الدال و اللام أتبع حركة الدال حركة اللام و من ضمهما أتبع حركة اللام حركة الدال و هذا أيسر من الأول لأنه اتبع حركة المبني حركة الإعراب و الأول اتبع حركة المعرب حركة البناء و اتبع الثاني الأول و هو الأصل في الاتباع و الذي كسر أتبع الأول الثاني و هذا ليس بأصل و أكثر النحويين ينكرون ذلك لأن حركة الإعراب غير لازمة فلا يجوز لأجلها الاتباع و لأن الاتباع‏

96

(1) - في الكلمة الواحدة ضعيف نحو الحلم فكيف في الكلمتين و قال أبو الفتح بن جني في كسر الدال و ضم اللام هنا دلالة على شدة ارتباط المبتدأ بالخبر لأنه اتبع فيهما ما في أحد الجزءين ما في الجزء الآخر و جعل بمنزلة الكلمة الواحدة نحو قولك أخوك و أبوك و أصل هذه اللام الفتح لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإعراب و لكنه يقع مبتدأ في الكلام و لا يبتدأ بساكن فاختير له الفتح لأنه أخف الحركات تقول رأيت زيدا و عمرا قالوا و من عمرا- مفتوحة-و كذلك الفاء من فعمرا إلا أنهم كسروها لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين لام الملك و لام التوكيد إذا قلت أن المال لهذا أي في ملكه و أن المال لهذا أي هو هو و إذا أدخلوا هذه اللام على مضمر ردوها إلى أصلها و هو الفتح قالوا لك و له لأن اللبس قد ارتفع و ذلك لأن ضمير الجر مخالف لضمير الرفع إذا قلت أن هذا لك و أن هذا لأنت إلا أنهم كسروها مع ضمير المتكلم نحو لي لأن هذه الياء لا يكون ما قبلها إلا مكسورا نحو غلامي و فرسي و هذا كله قول سيبويه و جميع النحويين المحققين و ليس من الحروف المبتدأ بها مما هو على حرف واحد حرف مكسور إلا الباء وحدها و قد مضى القول فيه و أما لام الجزم في ليفعل فإنما كسرت ليفرق بينها و بين لام التوكيد نحو ليفعل فاعلم و «رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» مجرور على الصفة و العامل في الصفة عند أبي الحسن الأخفش كونه صفة فذلك الذي يرفعه و ينصبه و يجره و هو عامل معنوي كما أن المبتدأ إنما رفعه الابتداء و هو معنى عمل فيه و استدل على أن الصفة لا يعمل فيه ما يعمل في الموصوف بأنك تجد في الصفات ما يخالف الموصوف في إعرابه نحو أيا زيد العاقل لأن المنادى مبني و العاقل الذي هو صفته معرب و دليل ثان و هو أن في هذه التوابع ما يعرب بإعراب ما يتبعه و لا يصح أن يعمل فيه ما يعمل في موصوفة و ذلك نحو أجمع و جمع و جمعاء و لما صح وجوب هذا فيها دل على أن الذي يعمل في الموصوف غير عامل في الصفة لاجتماعهما في أنهما تابعان و قال غيره من النحويين العامل في الموصوف هو العامل في الصفة و من نصب «رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» فإنما ينصبه على المدح و الثناء كأنه لما قال «اَلْحَمْدُ لِلََّهِ» استدل بهذا اللفظ على أنه ذاكر لله فكأنه قال اذكر رب العالمين فعلى هذا لو قرئ في غير القرآن رب العالمين مرفوعا على المدح أيضا لكان جائزا على معنى هو رب العالمين قال الشاعر:

لا يبعدن قومي الذين هم # سم العداة و آفة الجزر

النازلين بكل معترك # و الطيبون معاقد الأزر

97

(1) - و قد روي النازلون و النازلين و الطيبون و الطيبين و الوجه في ذلك ما ذكرناه و «اَلْعََالَمِينَ» مجرور بالإضافة و الياء فيه علامة الجر و حرف الإعراب و علامة الجمع و النون هنا عوض عن الحركة في الواحد و إنما فتحت فرقا بينها و بين نون التثنية تقول هذا عالمان فتكسر نون الاثنين لالتقاء الساكنين و قيل إنما فتحت نون الجمع و حقها الكسر لثقل الكسرة بعد الواو كما فتحت الفاء من سوف و النون من أين و لم تكسر لثقل الكسرة بعد الواو و الياء.

المعنى‏

معنى الآية أن الأوصاف الجميلة و الثناء الحسن كلها لله الذي تحق له العبادة لكونه قادرا على أصول النعم و فاعلا لها و لكونه منشئا للخلق و مربيا لهم و مصلحا لشأنهم، و في الآية دلالة على وجوب الشكر لله على نعمه و فيها تعليم للعباد كيف يحمدونه.

توضيح‏

قد مضى تفسيرها و إنما أعاد ذكر الرحمن و الرحيم للمبالغة و قال علي بن عيسى الرماني في الأول ذكر العبودية فوصل ذلك بشكر النعم التي بها يستحق العبادة و هاهنا ذكر الحمد فوصله بذكر ما به يستحق الحمد من النعم فليس فيه تكرار..

الحجة

اختلفوا في أن أي القراءتين أمدح فمن قرأ «مََالِكِ» قال إن هذه الصفة أمدح لأنه لا يكون مالكا للشي‏ء إلا و هو يملكه و قد يكون ملكا للشي‏ء و لا يملكه كما يقال ملك العرب و ملك الروم و إن كان لا يملكهم و قد يدخل في المالك ما لا يصح دخوله في الملك يقال فلان مالك الدراهم و لا يقال ملك الدراهم فالوصف بالمالك أعم من الوصف بالملك. و الله مالك كل شي‏ء و قد وصف نفسه بأنه «مالك الملك يؤتي الملك من يشاء» فوصفه بالمالك أبلغ في الثناء و المدح من وصفه بالملك و من قرأ الملك قال أن هذه الصفة أمدح لأنه لا يكون إلا مع التعظيم و الاحتواء على الجمع الكثير و اختاره أبو بكر محمد بن السري السراج و قال أن الملك الذي يملك الكثير من الأشياء و يشارك غيره من الناس في ملكه بالحكم عليه و كل ملك مالك و ليس كل مالك ملكا و إنما قال تعالى‏ «مََالِكَ اَلْمُلْكِ» لأنه تعالى يملك ملوك الدنيا و ما ملكوا فمعناه أنه يملك ملك الدنيا فيؤتي الملك فيها من يشاء فأما يوم الدين فليس إلا ملكه و هو ملك الملوك‏

98

(1) - يملكهم كلهم و قد يستعمل هذا في الناس يقال فلان ملك الملوك و أمير الأمراء و يراد بذلك أن من دونه ملوكا و أمراء و لا يقال ملك الملك و لا أمير الإمارة لأن أميرا و ملكا صفة غير جارية على فعل فلا معنى لإضافتها إلى المصدر فأما إضافة ملك إلى الزمان فكما يقال ملك عام كذا و ملوك الدهر الأول و ملك زمانه و سيد زمانه فهو في المدح أبلغ و الآية إنما نزلت في الثناء و المدح لله أ لا ترى إلى قوله رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و الربوبية و الملك متشابهان و قال أبو علي الفارسي يشهد لمن قرأ «مََالِكِ» من التنزيل قوله تعالى‏ «وَ اَلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلََّهِ» لأن قولك الأمر له و هو مالك الأمر بمعنى أ لا ترى أن لام الجر معناها الملك و الاستحقاق و كذلك قوله تعالى: «يَوْمَ لاََ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً» يقوي ذلك و يشهد لقراءة من قرأ ملك قوله تعالى: «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ» لأن اسم الفاعل من الملك الملك فإذا قال الملك له ذات اليوم كان بمنزلة قوله هو ملك ذلك اليوم و هذا مع قوله‏ فَتَعََالَى اَللََّهُ اَلْمَلِكُ اَلْحَقُّ و اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ و مَلِكِ اَلنََّاسِ .

ـ

اللغة

(الملك) القادر الواسع المقدرة الذي له السياسة و التدبير (و المالك) القادر على التصرف في ماله و له أن يتصرف فيه على وجه ليس لأحد منعه منه و يوصف العاجز بأنه مالك من جهة الحكم يقال ملك بين الملك بضم الميم و مالك بين الملك و الملك بكسر الميم و فتحها و ضم الميم لغة شاذة و يقال طالت مملكتهم الناس و مملكتهم بكسر اللام و فتحها و لي في هذا الوادي ملك و ملك و ملك ذكرها أبو علي الفارسي و قال الملك للشي‏ء اختصاص من المالك به و خروجه من أن يكون مباحا لغيره و معنى الإباحة في الشي‏ء كالاتساع فيه و خلاف الحصر و القصر على الشي‏ء أ لا تراهم قالوا باح السر و باحت الدار و قال أبو بكر محمد بن السري السراج الملك و الملك يرجعان إلى أصل واحد و هو الربط و الشد كما قالوا ملكت العجين أي شددته قال الشاعر:

ملكت بها كفي فأنهرت فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها

يقول شددت بهذه الطعنة كفي و منه الأملاك و معناه رباط الرجل بالمرأة و (الدين) معناه في الآية الجزاء قال الشاعر

(و اعلم بأنك ما تدين تدان)

و هو قول سعيد بن جبير و قتادة و قيل‏

الدين الحساب و هو المروي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ع

99

(1) - و ابن عباس و الدين الطاعة قال عمرو بن كلثوم :

و أيام لنا غر طوال # عصينا الملك فيها أم ندينا

و الدين العادة قال الشاعر:

تقول إذا درأت لها وضيني # أ هذا دينه أبدا و ديني‏

و الدين القهر و الاستعلاء قال الأعشى :

هو دان الرباب إذ كرهوا الدين # دراكا بغزوة و احتيال

ثم دانت بعد الرباب و كانت # كعذاب عقوبة الأقوال‏

و يدل على أن المراد به الجزاء و الحساب قوله تعالى: «اَلْيَوْمَ تُجْزى‏ََ كُلُّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ و هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاََّ بِمََا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» .

الإعراب‏

«مََالِكِ» مجرور على الوصف لله تعالى و ما جاء من النصب فعلى ما ذكرناه من نصب «رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» و يجوز أن ينصب «رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» و «مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ» على النداء كأنك قلت لك الحمد يا رب العالمين و يا مالك يوم الدين و من قرأ ملك يوم الدين بإسكان اللام فأصله ملك فخفف كما يقال فخذ و فخذ و من قرأ ملك يوم الدين جعله فعلا ماضيا و يوم مجرور بإضافة ملك أو مالك إليه و كذلك الدين مجرور بإضافة يوم إليه و هذه الإضافة من باب يا سارق الليلة أهل الدار اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به ثم أضيف إليه على هذا الحد كما قال الشاعر أنشده سيبويه :

و يوم شهدناه سليما و عامرا # قليل سوى الطعن النهال نوافله‏

فكأنه قال هو ملك ذلك اليوم و لا يؤتي أحدا الملك فيه كما آتاه في الدنيا فلا ملك يومئذ غيره و من قرأ «مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ» فإنه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه و تقديره مالك يوم الدين الأحكام و القضاء لا يملك ذلك و لا يليه سواه‏[أي لا يكون أحد واليا سواه‏]إنما خص يوم الدين بذلك لتفرده تعالى بذلك في ذلك اليوم و جميع‏

100

(1) - الخلق يضطرون إلى الإقرار و التسليم و أما الدنيا فليست كذلك فقد يحكم فيها ملوك و رؤساء و ليست هذه الإضافة مثل قوله تعالى‏ وَ عِنْدَهُ عِلْمُ اَلسََّاعَةِ لأن الساعة مفعول بها على الحقيقة و ليست مفعولا بها على السعة لأن الظرف إذا جعل مفعولا على السعة فمعناه معنى الظرف و لو كانت الساعة ظرفا لكان المعنى يعلم في الساعة و ذلك لا يجوز لأنه تعالى يعلم في كل وقت و المعنى أنه يعلم الساعة أي يعرفها.

المعنى‏

أنه سبحانه لما بين ملكه في الدنيا بقوله «رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» بين أيضا ملكه في الآخرة بقوله «مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ» و أراد باليوم الوقت و قيل أراد به امتداد الضياء إلى أن يفرغ من القضاء و يستقر أهل كل دار فيها و قال أبو علي الجبائي أراد به يوم الجزاء على الدين و قال محمد بن كعب أراد يوم لا ينفع إلا الدين و إنما خص يوم القيامة بذكر الملك فيه تعظيما لشأنه و تفخيما لأمره كما قال رب العرش و هذه الآية دالة على إثبات المعاد و على الترغيب و الترهيب لأن المكلف إذا تصور ذلك لا بد أن يرجو و يخاف.

اللغة

العبادة في اللغة هي الذلة يقال طريق معبد أي مذلل بكثرة الوطء قال طرفة :

تباري عتاقا ناجيات و أتبعت # وظيفا وظيفا فوق مور معبد

و بعير معبد إذا كان مطليا بالقطران و سمي العبد عبدا لذلته و انقياده لمولاه و الاستعانة طلب المعونة يقال استعنته و استعنت به .

الإعراب‏

قال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج موضع «إِيََّاكَ» نصب بوقوع الفعل عليه و موضع الكاف في إياك خفض بإضافة إيا إليها و إيا اسم للضمير المنصوب إلا أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات نحو قولك إياك ضربت و إياه ضربت و إياي حدثت و لو قلت إيا زيد حدثت كان قبيحا لأنه خص به المضمر و قد روى الخليل عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه و إيا الشواب و هذا كلام الزجاج و رد عليه الشيخ أبو علي الفارسي فقال إن إيا ليس بظاهر بل هو مضمر يدل على ذلك تغير ذاته و امتناع ثباته في حال الرفع و الجر و ليس كذلك الاسم الظاهر أ لا ترى أنه يعتقب عليه الحركات في آخره و يحكم له بها في موضعه من غير تغير نفسه فمخالفته للمظهر فيما وصفناه يدل على أنه مضمر ليس‏

101

(1) - بمظهر قال و حكى السراج عن المبرد عن أبي الحسن الأخفش أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين و الكاف في إياك كالتي في ذلك و هي دالة على الخطاب فقط مجردة عن كونها علامة للمضمر فلا محل لها من الإعراب و أقول و هكذا الحكم في إياي و إيانا و إياه و إياها في أنها حروف تلحق إيا فالياء في إياي دليل على التكلم و الهاء في إياه تدل على الغيبة لا على نفس الغائب و يجري التأكيد على إيا منصوبا تقول إياك نفسك رأيت و إياه نفسه ضربت و إياهم كلهم عنيت فاعرفه و لا يجيز أبو الحسن إياك و إيا زيد و يستقل روايتهم عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه و إيا الشواب و يحمله على الشذوذ لأن الغرض في الإضافة التخصيص و المضمر على نهاية التخصيص فلا وجه إذا لإضافته و الأصل في نستعين نستعون لأنه من المعونة و العون لكن الواو قلبت ياء لثقل الكسرة عليها فنقلت كسرتها إلى العين قبلها فتصير الياء ساكنة لأن هذا من الإعلال الذي يتبع بعضه بعضا نحو أعان يعين و قام يقوم و في شرحه كلام و ربما يأتي مشروحا فيما بعد إن شاء الله و قوله نعبد و نستعين مرفوع لوقوعه موقعا يصلح للاسم أ لا ترى أنك لو قلت أنا عابدك و أنا مستعينك لقام مقامه و هذا المعنى عمل فيه الرفع و أما الإعراب في الفعل المضارع فلمضارعته الاسم لأن الأصل في الفعل البناء و إنما يعرب منه ما شابه الأسماء و هو ما لحقت أوله زيادة من هذه الزيادات الأربع التي هي الهمزة و النون و التاء و الياء.

ـ

المعنى‏

قوله تعالى: «إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ» أدل على الاختصاص من أن نقول نعبدك و نستعينك لأن معناه نعبدك و لا نعبد سواك و نستعينك و لا نستعين غيرك كما إذا قال الرجل إياك أعني فمعناه لا أعني غيرك و يكون أبلغ من أن يقول أعنيك و العبادة ضرب من الشكر و غاية فيه لأنها الخضوع بأعلى مراتب الخضوع‏مع التعظيم بأعلى مراتب التعظيم و لا يستحق إلا بأصول النعم التي هي خلق الحياة و القدرة و الشهوة و لا يقدر عليه غير الله تعالى فلذلك اختص سبحانه بأن يعبد و لا يستحق بعضنا على بعض العبادة كما يستحق بعضنا على بعض الشكر و تحسن الطاعة لغير الله تعالى و لا تحسن العبادة لغيره و قول من قال أن العبادة هي الطاعة للمعبود يفسد بأن الطاعة موافقة الأمر و قد يكون موافقا لأمره و لا يكون عابدا له أ لا ترى أن الابن يوافق أمر الأب و لا يكون عابدا له و كذلك العبد يطيع مولاه و لا يكون عابدا له بطاعته إياه و الكفار يعبدون الأصنام و لا يكونون مطيعين لهم إذ لا يتصور من جهتهم الأمر و معنى قوله «إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ» إياك نستوفق و نطلب المعونة على عبادتك و على أمورنا كلها و التوفيق هو أن يجمع بين جميع الأسباب التي يحتاج إليها في‏

102

(1) - حصول الفعل و لهذا لا يقال فيمن أعان غيره وفقه لأنه لا يقدر أن يجمع بين جميع الأسباب التي يحتاج إليها في حصول الفعل و أما تكرار قوله «إِيََّاكَ» فلأنه لو اقتصر على واحد ربما توهم متوهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما و لا يمكنه أن يفصل بينهما و هو إذا تفكر في عظمة الله تعالى كان عبادة و إن لم يستعن به‏و قيل أنه جمع بينهما للتأكيد كما يقال الدار بين زيد و بين عمرو و لو اقتصر على واحد فقيل بين زيد و عمرو كان جائزا قال عدي بن زيد :

و جاعل الشمس مصرا لا خفاء به # بين النهار و بين الليل قد فصلا

و قال أعشى همدان :

بين الأشج و بين قيس باذخ # بخ بخ لوالده و للمولود

و هذا القول فيه نظر لأن التكرير إنما يكون تأكيدا إذا لم يكن محمولا على فعل ثان و «إِيََّاكَ» الثاني في الآية محمول على «نَسْتَعِينُ» و مفعول له فكيف يكون تأكيدا و قيل أيضا أنه تعليم لنا في تجديد ذكره تعالى عند كل حاجة فإن قيل أن عبادة الله تعالى لا تتأتى بغير إعانة منه فكان يجب أن يقدم الاستعانة على العبادة فالجواب أنه قدم العبادة على الاستعانة لا على الإعانة و قد تأتي بغير استعانة و أيضا فإن أحدهما إذا كان مرتبطا بالآخر لم يختلف التقديم و التأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي و أحسنت إلي فقضيت حقي و قيل أن السؤال للمعونة إنما يقع على عبادة مستأنفة لا على عبادة واقعة منهم و إنما حسن طلب المعونة و إن كان لا بد منها مع التكليف على وجه الانقطاع إليه تعالى كقوله رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ و لأنه ربما لا يكون اللطف في إدامة التكليف و لا في فعل المعونة به إلا بعد تقديم الدعاء من العبد و قد أخطأ من استدل بهذه الآية على أن القدرة مع الفعل من حيث أن القدرة لو كانت متقدمة لما كان لطلب المعونة وجه لأن للرغبة إلى الله تعالى في طلب المعونة وجهين أحدهما أن يسأل الله تعالى من ألطافه و ما يقوي دواعيه و يسهل الفعل عليه ما ليس بحاصل و متى لطف له بأن يعلمه أن له في فعله الثواب العظيم زاد ذلك في نشاطه و رغبته و الثاني أن يطلب بقاء كونه قادرا على طاعته المستقبلة بأن تجدد له القدرة حالا بعد حال عند من لا يقول ببقائها و أن لا يفعل ما يضادها و ينفيها عند من قال ببقائها و أما العدول عن الخبر إلى الخطاب في قوله «إِيََّاكَ نَعْبُدُ» إلى آخر السورة فعلى عادة العرب المشهورة و أشعارهم من ذلك مملوءة قال لبيد :

باتت تشكي إلي النفس مجهشة # و قد حملتك سبعا بعد سبعينا

103

(1) - و قال أبو كثير الهذلي :

يا لهف نفسي كان جدة خالد # و بياض وجهك للتراب الأعفر

فرجع من الإخبار عن النفس إلى مخاطبتها في البيت الأول و من الإخبار عن خالد إلى خطابه في البيت الثاني‏و قال الكسائي تقديره قولوا إياك نعبد أو قل يا محمد هذا كما قال الله تعالى‏ «وَ لَوْ تَرى‏ََ إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ نََاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنََا أَبْصَرْنََا» و قال «وَ اَلْمَلاََئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بََابٍ ` سَلاََمٌ» أي يقولون سلام.

القراءة

قرأ حمزة بإشمام الصاد الزاي إلا العجلي و برواية خلاد و ابن سعدان يشم هاهنا في الموضعين فقط و قرأ الكسائي من طريق أبي حمدون بإشمام السين و يعقوب من طريق رويس بالسين و الباقون بالصاد.

الحجة

الأصل في الصراط السين لأنه مشتق من السرط و مسترط الطعام ممره و منه قولهم سرطراط و الأصل سريط فمن قرأ بالسين راعى الأصل و من قرأ بالصاد فلما بين الصاد و الطاء من المؤاخاة بالاستعلاء و الإطباق و لكراهة أن يتسفل بالسين ثم يتصعد بالطاء في السراط و إذا كانوا قد أبدلوا من السين الصاد مع القاف في صقب و صويق ليجعلوها في استعلاء القاف مع بعد القاف من السين و قرب الطاء منها فأن يبدلوا منها الصاد مع الطاء أجدر من حيث كان الصاد إلى الطاء أقرب أ لا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان و أصول الثنايا و أن الطاء تدغم في الصاد و من قرأ بإشمام الزاي فللمؤاخاة بين السين و الطاء بحرف مجهور من مخرج السين و هو الزاي من غير إبطال الأصل.

اللغة

الهداية في اللغة الإرشاد و الدلالة على الشي‏ء يقال لمن يتقدم القوم و يدلهم على الطريق هاد خريت أي دال مرشد قال طرفة :

للفتى عقل يعيش به # حيث تهدي ساقه قدمه‏

و الهداية التوفيق قال:

فلا تعجلن هداك المليك # فإن لكل مقام مقالا

أي وفقك و الصراط الطريق الواضح المتسع و سمي بذلك لأنه يسرط المارة أي‏

104

(1) - يبتلعها و المستقيم المستوي الذي لا اعوجاج فيه قال جرير :

أمير المؤمنين على صراط # إذا أعوج الموارد مستقيم‏

.

الإعراب‏

«اِهْدِنَا» مبني على الوقف و فاعله الضمير المستكن فيه لله تعالى و الهمزة مكسورة لأن ثالث المضارع منه مكسور و موضع النون و الألف من اهدنا نصب لأنه مفعول به و الصراط منصوب لأنه مفعول ثان.

ـ

المعنى‏

قيل في معنى «اِهْدِنَا» وجوه (أحدها) أن معناه ثبتنا على الدين الحق لأن الله تعالى قد هدى الخلق كلهم إلا أن الإنسان قد يزل و ترد عليه الخواطر الفاسدة فيحسن أن يسأل الله تعالى أن يثبته على دينه و يديمه عليه و يعطيه زيادات الهدى التي هي إحدى أسباب الثبات على الدين كما قال الله تعالى‏ «وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً» و هذا كما يقول القائل لغيره و هو يأكل كل أي دم على الأكل (و ثانيها) أن الهداية هي الثواب لقوله تعالى: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمََانِهِمْ فصار معناه اهدنا إلى طريق الجنة ثوابا لنا و يؤيده قوله اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا (و ثالثها) أن المراد دلنا على الدين الحق في مستقبل العمر كما دللتنا عليه في الماضي و يجوز الدعاء بالشي‏ء الذي يكون حاصلا كقوله تعالى:

قََالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ و قوله حكاية عن إبراهيم ع : وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ و ذلك أن الدعاء عبادة و فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى فإن قيل ما معنى المسألة في ذلك و قد فعله الله بجوابه أنه يجوز أن يكون لنا في الدعاء به مصلحة في ديننا و هذا كما تعبدنا بأن نكرر التسبيح و التحميد و الإقرار لربنا عز اسمه بالتوحيد و إن كنا معتقدين لجميع ذلك و يجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا إذا سألناه و إذا لم نسأله لا تكون مصلحة فيكون ذلك وجها في حسن المسألةو يجوز أن يكون المراد استمرار التكليف و التعريض للثواب لأن إدامته ليس بواجب بل هو تفضل محض فجاز أن يرغب إليه فيه بالدعاء و قيل في معنى «اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ» وجوه.

(أحدها)

أنه كتاب الله و هو المروي عن النبي ص و عن علي ع

و ابن مسعود (و ثانيها) أنه الإسلام و هو المروي عن جابر و ابن عباس (و ثالثها) أنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره عن محمد بن الحنفية (و الرابع)

أنه النبي ص و الأئمة القائمون مقامه و هو المروي في أخبارنا

و الأولى حمل الآية على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد و العدل و ولاية من أوجب الله طاعته.

105

(1) -

القراءة

قرأ حمزة عليهم بضم الهاء و إسكان الميم و كذلك لديهم و إليهم و قرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية و الجمع المذكر و المؤنث نحو عليهما و فيهما و عليهم و فيهم و عليهن و فيهن و قرأ الباقون «عَلَيْهِمْ» و أخواتها بالكسر و قرئ في الشواذ عليهموا قراءة ابن أبي إسحاق و عيسى الثقفي و عليهمي قراءة الحسن البصري و عمر بن قايد و عليهم مكسورة الهاء مضمومة الميم بغير واو و عليهم مضمومة الهاء و الميم من غير بلوغ واو مرويتان عن الأعرج فهذه سبع قراءات ثم اختلف القراء في الميم فأهل الحجاز وصلوا الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت قالوا عليهموا و على قلوبهموا و على سمعهموا و منهموا و لهموا إلا أن نافعا اختلف عنه فيه و الباقون بسكون الميم فأما إذا لقي الميم حرف ساكن فإن القراء اختلفوا فأهل الحجاز و عاصم و ابن عامر يضمون على كسر الهاء و يضمون الميم نحو عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ و مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ و أبو عمرو يكسر الهاء و الميم و حمزة و الكسائي يضمان الهاء و الميم معا و كل هذا الاختلاف في الهاء التي قبلها كسرة أو ياء ساكنة فإذا جاوزت هذين الأمرين لم يكن في الهاء إلا الضم و قرأ صراط من أنعمت عليهم عمر بن الخطاب و عمرو بن عبد الله الزبيري و روي ذلك عن أهل البيت ع و قرئ أيضا في الشواذ غير المغضوب عليهم بالنصب و قرأ غير الضالين عمر بن الخطاب و روي ذلك عن علي ع .

الحجة

من قرأ عليهم بضم الهاء فإنه رده إلى الأصل لأنه إذا انفرد من حروف يتصل بها قيل هم فعلوا بضم الهاء قال السراج و هي القراءة القديمة و لغة قريش و أهل الحجاز و من حولهم من فصحاء اليمن و إنما خص حمزة هذه الحروف الثلاثة بالضم لأن الياء قبلها كانت ألفا مثل على القوم و لدى القوم و إلى القوم و لا يجوز كسر الهاء إذا كان قبلها ألف و من قرأ عليهموا فإنه اتبع الهاء ما أشبهها و هو الياء و ترك ما لا يشبه الياء و الألف على الأصل و هو الميم و من قرأ «عَلَيْهِمْ» فكسر الهاء و أسكن الميم فلأنه أمن اللبس إذا كانت الألف في التثنية قد دلت على الاثنين و لا ميم في الواحد فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو و أسكنوا الميم طلبا للتخفيف إذا كان ذلك لا يشكل و إنما كسر الهاء مع أن‏

106

(1) - الأصل الضم للياء التي قبلها و من قرأ عليهموا فلأنه الأصل لأن وسيلة هذه الواو في الجمع وسيلة لألف في التثنية أعني أن ثبات الواو كثبات الألف و من قرأ عليهمي فإنه كسر الهاء لوقوع الياء قبلها ساكنة و كسر الميم كراهة للخروج من كسرة الهاء إلى ضمة الميم ثم انقلبت الواو ياء لسكونها و انكسار ما قبلها و من كسر الهاء و ضم الميم و حذف الواو فإنه احتمل الضمة بعد الكسرة لأنها غير لازمة إذا كانت ألف التثنية تفتحها لكنه حذف الواو تفاديا من ثقلها مع ثقل الضمة و من قرأ «عَلَيْهِمْ» فإنه حذف الواو استخفافا و احتمل الضمة قبلها دليلا عليها و أما من ضم الميم إذا لقيها ساكن و كسر الهاء فإنما يحتج بأن يقول لما احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت و تركت الهاء على كسرها لأنه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردها إلى الأصل و لأن الهاء إنما تبعت الياء لأنها شبهت بها و لم يتبعها الميم لبعدها منه و احتج من كسر الميم و الهاء بأن قال أتبعت الكسر الكسر لثقل الضم بعد الكسر قال سيبويه الهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة لأنها خفيفة و هي من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة و هي من موضع الألف و هي أشبه الحروف بالياء و كما أمالوا الألف في مواضع استخفافا كذلك كسروا هذه الهاء و قلبوا الواو ياء لأنه لا تثبت واو ساكنة و قبلها كسرة كقولك مررت بهي و مررت بدار هي قبل.

الإعراب‏

«صِرََاطَ اَلَّذِينَ» صفة لقوله «اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ» و يجوز أن يكون بدلا عنه و الفصل بين الصفة و البدل أن البدل في تقدير تكرير العامل بدلالة تكرير حرف الجر في قوله تعالى: قََالَ (اَلْمَلَأُ) اَلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا (مِنْ قَوْمِهِ) لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ و ليس كذلك الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم فكذلك العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرير فكأنه قال اهدنا صراط الذين و ليس يخرج البدل و إن كان كذلك عن أن يكون فيه تبيين للأول كما أن الصفة كذلك و لهذا لم يجز سيبويه المسكين بي كان الأمر و لا بك المسكين كما أجاز ذلك في الغائب نحو مررت به المسكين و الذين موصول و أنعمت عليهم صلة و قد تم بها اسما مفردا يكون في موضع جر بإضافة صراط إليه و لا يقال في موضع الرفع اللذون لأنه اسم غير متمكن و قد حكي اللذون شاذا كما حكي الشياطون في حال الرفع و أما «غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» ففي الجر فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون بدلا من الهاء و الميم في عليهم كقول الشاعر:

على حالة لو أن في القوم حاتما # على جوده لضن بالماء حاتم

107

(1) - فجر حاتم على البدل من الهاء في جوده (و ثانيها) أن يكون بدلا من الذين (و ثالثها) أن يكون صفة للذين و إن كان أصل غير أن يكون صفة للنكرة تقول مررت برجل غيرك كأنك قلت مررت برجل آخر أو برجل ليس بك قال الزجاج و إنما جاز ذلك لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم فهو بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه و قال علي بن عيسى الرماني إنما جاز أن يكون نعتا للذين لأن الذين بصلتها ليست بالمعرفة الموقتة كالأعلام نحو زيد و عمرو و إنما هي كالنكرات إذا عرفت نحو الرجل و الفرس فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك أيضا كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل و لو كانت بمنزلة الإعلام لما جاز كما لم يجز مررت بزيد غير الظريف بالجر على الصفة و قال أبو بكر السراج و الذي عندي أن غير في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة لأن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة و إنما تنكرت غير و مثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما و ذلك أنك إذا قلت رأيت غيرك فكل شي‏ء ترى سوى المخاطب فهو غيره و كذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى فأما إذا كان شيئا معرفة له ضد واحد و أردت إثباته و نفي ضده فعلم ذلك السامع فوصفته بغير و أضفت غير إلى ضده فهو معرفة و ذلك نحو قولك عليك بالحركة غير السكون فغير السكون معرفة و هي الحركة فكأنك كررت الحركة تأكيدا فكذلك قوله تعالى: «اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» فغير المغضوب هم الذين أنعم الله عليهم فمتى كانت غير بهذه الصفة فهي معرفة و كذلك إذا عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب فقيل فيه قد جاء مثلك كان معرفة إذا أردت المعروف بشبهك قال و من جعل غير بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج لأن النكرة قد تبدل من المعرفة و في نصب غير ثلاثة أوجه أيضا (أحدها) أن يكون نصبا على الحال من المضمر في عليهم و العامل في الحال أنعمت فكأنه قال صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم (و ثانيها) أن يكون نصبا على الاستثناء المنقطع لأن المغضوب عليهم من غير جنس المنعم عليهم (و ثالثها) أن يكون نصبا على أعني كأنه قال أعني غير المغضوب عليهم و لم يجز أن يقال غير المغضوبين عليهم لأن الضمير قد جمع في عليهم فاستغنى عن أن يجمع المغضوب و هذا حكم كل ما تعدى بحرف جر تقول رأيت القوم غير المذهوب بهم استغنيت بالضمير المجرور في بهم عن جمع المذهوب و أما لا من قوله «وَ لاَ اَلضََّالِّينَ» فذهب البصريون إلى أنها زائدة لتوكيد النفي و ذهب الكوفيون إلى أنها بمعنى غير و وجه قول البصريين أنك إذا قلت ما قام زيد و عمرو احتمل أن تريد ما قاما معا و لكن قام كل واحد منهما بانفراده فإذا قلت ما قام زيد و لا عمرو زال الاحتمال و غير متضمن معنى‏

108

(1) - النفي و لهذا أجاز النحويون أنت زيدا غير ضارب لأنه بمنزلة قولك إنك أنت زيدا لا ضارب و لا يجوزون أنت زيدا مثل ضارب لأن زيدا من صلة ضارب و لا يتقدم عليه و قال علي بن عيسى الرماني من نصب على الاستثناء جعل لا صلة كما أنشد أبو عبيدة

(في بئر لا حور سرى و ما شعر)

أي في بئر هلكة و تقديره غير المغضوب عليهم و الضالين كما قال‏ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ بمعنى أن تسجد.

ـ

المعنى و اللغة

معنى الآية بيان الصراط المستقيم أي صراط من أنعمت عليهم بطاعتك و هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله‏ «مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَأُولََئِكَ مَعَ اَلَّذِينَ أَنْعَمَ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلصِّدِّيقِينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ وَ اَلصََّالِحِينَ» و أصل النعمة المبالغة و الزيادة يقال دققت الدواء فأنعمت دقة أي بالغت في دقة و هذه النعمة و إن لم تكن مذكورة في اللفظ فالكلام يدل عليهالأنه لما قال اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ و قد بينا المراد بذلك بين أن هذا صراط من أنعم عليهم به و لم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة :

كأنك من جمال بني أقيش # يقعقع خلف رجليه بشن‏

أي كأنك من جمالهم جمل يقعقع خلف رجليه و أراد بالمغضوب عليهم اليهود عند جميع المفسرين الخاص و العام و يدل عليه قوله تعالى‏ «مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ» و هؤلاء هم اليهود بدلالة قوله تعالى‏ «وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ» و أراد بالضالين النصارى بدلالة قوله تعالى:

«وَ لاََ تَتَّبِعُوا أَهْوََاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَوََاءِ اَلسَّبِيلِ» و قال الحسن البصري أن الله تعالى لم يبرأ اليهود من الضلالة بإضافة الضلالة إلى النصارى و لم يبرأ النصارى من الغضب بإضافة الغضب إلى اليهود بل كل واحدة من الطائفتين مغضوب عليهم و هم ضالون إلا أن الله تعالى يخص كل فريق بسمة يعرف بها و يميز بينه و بين غيره بها و إن كانوا مشتركين في صفات كثيرة و قيل المراد بالمغضوب عليهم و الضالين جميع الكفار و إنما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين و اختار الإمام عبد القاهر الجرجاني قولا آخر قال‏إن حق اللفظ فيه أن يكون خرج مخرج الجنس كما تقول نعوذ بالله أن يكون حالنا حال المغضوب عليهم فإنك لا تقصد به قوما بأعيانهم و لكنك تريد ما تريده بقولك إذا قلت اللهم اجعلني ممن أنعمت عليهم و لا تجعلني ممن غضبت عليهم فلا تريد أن هاهنا

109

(1) - قوما بأعيانهم قد اختصوا بهذه الصفة التي هي كونهم منعما عليهم و ليس يخفى على من عرف الكلام أن العقلاء يقولون اجعلني ممن تديم له النعمة و هم يريدون أن يقولوا أدم علي النعمة و لا يشك عاقل إذا نظر لقول عنترة :

و لقد نزلت فلا تظني غيره # مني بمنزلة المحب المكرم‏

إنه لم يرد أن يشبهها بإنسان هو محب مكرم عنده أو عند غيره و لكنه أراد أن يقول إنك محبة مكرمة عندي و أما الغضب من الله تعالى فهو إرادته إنزال العقاب المستحق بهم و لعنهم و براءته منهم و أصل الغضب الشدة و منه الغضبة و هي الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل و الغضوب الحية الخبيثة و الناقة العبوس و أصل الضلال الهلاك و منه قوله «أَ إِذََا ضَلَلْنََا فِي اَلْأَرْضِ» أي هلكنا و منه قوله‏ «وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ» أي أهلكها و الضلال في الدين الذهاب عن الحق و إنما لم يقل الذين أنعمت عليهم غير الذين غضبت عليهم مراعاة للأدب في الخطاب و اختيارا لحسن اللفظ المستطاب و في تفسير العياشي رحمه الله‏

روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله ع قال سألته عن قوله تعالى: «وَ لَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ» قال فاتحة الكتاب يثني فيها القول قال و قال رسول الله ص إن الله تعالى من علي بفاتحة الكتاب من كنز الجنة فيها «بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ» الآية التي يقول الله فيها: «وَ إِذََا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي اَلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ََ أَدْبََارِهِمْ نُفُوراً» و «اَلْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ» دعوى أهل الجنة حين شكروا لله حسن الثواب و «مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ» قال جبرائيل ع ما قالها مسلم إلا صدقه الله تعالى و أهل سمائه «إِيََّاكَ نَعْبُدُ» إخلاص للعبادة و «إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ» أفضل ما طلب به العباد حوائجهم «اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ» صراط الأنبياء و هم الذين أنعم الله عليهم «غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ» اليهود «وَ لاَ اَلضََّالِّينَ» النصارى

و

روى محمد الحلبي عن أبي عبد الله ع أنه كان يقرأ ملك يوم الدين و يقرأ اهدنا صراط المستقيم و في رواية أخرى يعني أمير المؤمنين (ع)

و

روي جميل عن أبي عبد الله ع قال إذا كنت خلف إمام ففرغ من قراءة الفاتحة فقل أنت من خلفه الحمد لله رب العالمين‏

و

روى فضيل بن يسار عنه ع قال إذا قرأت الفاتحة ففرغت من قراءتها فقل الحمد لله رب العالمين.

110

(1) -

النظم‏

و أما نظم هذه السورة فأقول فيه أن العاقل المميز إذ عرف نعم الله سبحانه بالمشاهدة و كان له من نفسه بذلك أعدل شاهد و أصدق رائد ابتدأ بآية التسمية استفتاحا باسم المنعم و اعترافا بإلهيته و استرواحا إلى ذكر فضله و رحمته و لما اعترف بالمنعم الفرد اشتغل بالشكر له و الحمد فقال اَلْحَمْدُ لِلََّهِ و لما رأى نعم الله تعالى على غيره واضحة كما شاهد آثارها على نفسه لائحة عرف أنه رب الخلائق أجمعين فقال رَبِّ اَلْعََالَمِينَ و لما رأى شمول فضله للمربوبين و عموم رزقه للمرزوقين قال اَلرَّحْمََنِ و لما رأى تقصيرهم في واجب شكره و تعذيرهم في الانزجار عند زجره و اجتناب نهيه و امتثال أمره و أنه تعالى يتجاوز عنهم بالغفران و لا يؤاخذهم عاجلا بالعصيان و لا يسلبهم نعمه بالكفران قال اَلرَّحِيمِ و لما رأى ما بين العباد من التباغي و التظالم و التكالم و التلاكم و أن ليس بعضهم من شر بعض بسالم على أن وراءهم يوما ينتصف فيه للمظلوم من الظالم فقال مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ و إذا عرف هذه الجملة فقد علم أن له خالقا رازقارحيما يحيي و يميت و يبدئ و يعيد و هو الحي لا يشبهه شي‏ء و الإله الذي لا يستحق العبادة سواه و لما صار الموصوف بهذا الوصف كالمدرك له بالعيان المشاهد بالبرهان تحول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب فقال إِيََّاكَ نَعْبُدُ و هذا كما أن الإنسان يصف الملك بصفاته فإذا رآه عدل عن الوصف إلى الخطاب و لما رأى اعتراض الأهواء و الشبهات و تعاور الآراء المختلفات و لم يجد معينا غير الله تعالى سأله الإعانة على الطاعات بجميع الأسباب لها و الوصلات فقال وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ و لما عرف هذه الجملة و تبين له أنه بلغ من معرفة الحق المدى و استقام على منهج الهدى و لم يأمن العثرة لارتفاع العصمة سأل الله تعالى التوفيق للدوام عليه و الثبات و العصمة من الزلات فقال اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ و هذا لفظ جامع يشتمل على مسألة معرفة الأحكام و التوفيق لإقامة شرائع الإسلام و الاقتداء بمن أوجب الله طاعته من أئمة الأنام و اجتناب المحارم و الآثام و إذا علم ذلك علم أن لله سبحانه عبادا خصهم بنعمته و اصطفاهم على بريته و جعلهم حججا على خليقته فسأله أن يلحقه بهم و يسلك به سبيلهم و أن يعصمه عن مثل أحوال الزالين المزلين و الضالين المضلين ممن عاند الحق و عمي عن طريق الرشد و خالف سبيل القصد فغضب الله عليه و لعنه و أعد له الخزي المقيم و العذاب الأليم أو شك في واضح الدليل فضل عن سواء السبيل فقال صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضََّالِّينَ .

111

(1) -

(2) سورة البقرة مدنية و آياتها ست و ثمانون و مائتان (286)

نزول‏

مدنية كلها إلا آية واحدة منها و هي قوله‏ وَ اِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللََّهِ الآية فإنها نزلت في حجة الوداع بمنى عدد آيها مائتان و ست و ثمانون آية في العدد الكوفي و هو العدد المروي عن أمير المؤمنين علي ع و سبع في العدد البصري و خمس حجازي و أربع شامي خلافها إحدى عشر آية عد الكوفي الم آية و عد البصري إِلاََّ خََائِفِينَ آية و قَوْلاً مَعْرُوفاً بصري عَذََابٌ أَلِيمٌ شامي مُصْلِحُونَ غيرهم‏ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ عراقي و المدني الأخير من خلاف الثاني غير المدني الأخير يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا يُنْفِقُونَ مكي و المدني الأول تَتَفَكَّرُونَ كوفي و شامي و المدني الأخير اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ مكي بصري و المدني الأخير مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ . المدني الأول و روي عن أهل مكة وَ لاََ يُضَارَّ كََاتِبٌ وَ لاََ شَهِيدٌ .

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأها فصلوات الله عليه و رحمته و أعطي من الأجر كالمرابط في سبيل الله سنة لا تسكن روعته و قال لي يا أبي مر المسلمين أن يتعلموا سورة البقرة فإن تعلمها بركة و تركها حسرة و لا يستطيعها البطلة قلت يا رسول الله ما البطلة قال السحرة

و

روى سهل بن سعد قال قال رسول الله ص إن لكل شي‏ء سناما و سنام القرآن سورة البقرة من قرأها في بيته نهارا لم يدخل بيته شيطان ثلاثة أيام و من قرأها في بيته ليلا لم يدخله شيطان ثلاث ليال‏

و

روي أن النبي ص بعث بعثا ثم تتبعهم يستقرئهم فجاء إنسان منهم فقال ما ذا معك من القرآن حتى أتى على أحدثهم سنا فقال له ما ذا معك من القرآن قال كذا و كذا و سورة البقرة فقال أخرجوا و هذا عليكم أميرقالوا يا رسول الله ص هو أحدثنا سنا قال معه سورة البقرة

و

سئل النبي ص أي سور القرآن أفضل قال البقرة قيل أي آي البقرة أفضل قال آية الكرسي

فقال الصادق ع من قرأ البقرة و آل عمران جاء يوم القيامة تظلانه على رأسه مثل الغمامتين أو مثل الغيابتين‏

112

(1) -

تفسيرها

توضيح‏

(كوفي) اختلف العلماء في الحروف المعجمة المفتتحة بها السور فذهب بعضهم إلى

أنها من المتشابهات التي استأثر الله تعالى بعلمها و لا يعلم تأويلها إلا هو هذا هو المروي عن أئمتنا ع

و

روت العامة عن أمير المؤمنين ع أنه قال إن لكل كتاب صفوة و صفوة هذا الكتاب حروف التهجي‏

و عن الشعبي قال: لله في كل كتاب سر و سره في القرآن سائر حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور و فسرها الآخرون على وجوه.

(أحدها) إنها أسماء السور و مفاتحها عن الحسن و زيد بن أسلم (و ثانيها) أن المراد بها الدلالة على أسماء الله تعالى‏فقوله تعالى «الم» معناه أنا الله أعلم و «المر» معناه أنا الله أعلم و أرى و «المص» معناه أنا الله أعلم و أفصل و الكاف في‏ كهيعص من كاف و الهاء من هاد و الياء من حكيم و العين من عليم و الصاد من صادق عن ابن عباس و عنه أيضا أن «الم» الألف منه تدل على اسم الله و اللام تدل على اسم جبرائيل و الميم تدل على اسم محمد ص و

روى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره مسندا إلى علي بن موسى الرضا ع قال سئل جعفر بن محمد الصادق عن قوله «الم» فقال في الألف ست صفات من صفات الله تعالى (الابتداء) فإن الله ابتدأ جميع الخلق و الألف ابتداء الحروف و (الاستواء) فهو عادل غير جائر و الألف مستو في ذاته و (الانفراد) فالله فرد و الألف فرد و (اتصال الخلق بالله) و الله لا يتصل بالخلق و كلهم محتاجون إلى الله و الله غني عنهم و كذلك الألف لا يتصل بالحروف و الحروف متصلة به و هو منقطع من غيره و الله عز و جل بائن بجميع صفاته من خلقه و معناه من الألفة فكما أن الله عز و جل سبب ألفة الخلق فكذلك الألف عليه تألفت الحروف و هو سبب ألفتها

(و ثالثها) أنها أسماء الله تعالى منقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم تقول‏ الر و حم و ن فيكون الرحمن و كذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها و الجمع بينها عن سعيد بن جبير (و رابعها) أنها أسماء القرآن عن قتادة (و خامسها) أنها أقسام أقسم الله تعالى بها و هي من أسمائه عن ابن عباس و عكرمة قال الأخفش و إنما أقسم الله تعالى بالحروف المعجمة

113

(1) - لشرفها و فضلها و لأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة و أسمائه الحسنى و صفاته العليا و أصول كلام الأمم كلها بها يتعارفون‏و يذكرون الله عز اسمه و يوحدونه فكأنه هو أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه و كلامه (و سادسها) أن كل حرف منها مفتاح اسم من أسماء الله تعالى و ليس فيها حرف إلا و هو في آلائه و بلائه و ليس فيها حرف إلا و هو في مدة قوم و آجال آخرين عن أبي العالية و قد ورد أيضا مثل ذلك في أخبارنا (و سابعها) أن المراد بها مدة بقاء هذه الأمة عن مقاتل بن سليمان قال مقاتل حسبنا هذه الحروف التي في أوائل السور بإسقاط المكرر فبلغت سبع مائة و أربعا و أربعين سنة و هي بقية مدة هذه الأمة قال علي بن فضال المجاشعي النحوي و حسبت هذه الحروف التي ذكرها مقاتل فبلغت ثلاثة آلاف و خمسا و ستين فحذفت المكررات فبقي ستمائة و ثلاث و تسعون و الله أعلم بما فيها و أقول قد حسبتها أنا أيضا فوجدتها كذلك و يروى أن اليهود لما سمعوا «الم» قالوا مدة ملك محمد ص قصيرة إنما تبلغ إحدى و سبعين سنة فلما نزلت‏ الر المر و المص و كهيعص اتسع عليهم الأمر هذه أقوال أهل التفسير (و ثامنها) أن المراد بها حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام الثمانية و العشرين حرفا كما يستغني بذكر قفا نبك عن ذكر باقي القصيدة و كما يقال أب في أبجد و في أ ب ت ث و لم يذكروا باقي الحروف قال الراجز:

لما رأيت أنها في حطي # أخذت منها بقرون شمط

و إنما أراد الخبر عن المرأة بأنها في أبجد فأقام قوله حطي مقامه لدلالة الكلام عليه (و تاسعها) أنها تسكيت للكفار لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا يستمعوا لهذا القرآن و أن يلغوا فيه كما ورد به التنزيل من قوله‏ «لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ» الآية فربما صفروا و ربما صفقوا و ربما لغطوا ليغلطوا النبي ص فأنزل الله تعالى هذه الحروف حتى إذا سمعوا شيئا غريبا استمعوا إليه و تفكروا و اشتغلوا عن تغليطه فيقع القرآن في مسامعهم و يكون ذلك سببا موصلا لهم إلى درك منافعهم (و عاشرها) أن المراد بها أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في خطبكم و كلامكم فإذا لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من عند الله لأن العادة لم تجر بأن الناس يتفاوتون في القدر هذا التفاوت العظيم و إنما كررت في مواضع استظهارا في الحجة و هو المحكي عن قطرب و اختاره أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني .

اللغة

أجود هذه الأقوال القول الأول المحكي عن الحسن لأن أسماء الأعلام‏

114

(1) - منقولة إلى التسمية عن أصولها للتفرقة بين المسميات فتكون حروف المعجم منقولة إلى التسمية و لهذا في أسماء العرب نظير قالوا أوس بن حارثة بن لام الطائي و لا خلاف بين النحويين أنه يجوز أن يسمى بحروف المعجم كما يجوز أن يسمى بالجمل نحو تابط شرا و برق نحره و كل كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق نحو جعفر إذا لم يرد به معنى النهر لم يكن إلا منقولا إلى العلمية و كذلك أشباهه و لو سميت بالم لحكيت جميع ذلك و أما قول ابن عباس أنه اختصار من أسماء يعلم النبي ص تمامها فنحوه قول الشاعر:

نادوهم أن ألجموا ألاتا # قالوا جميعا كلهم ألافا

يريد أ لا تركبون قالوا ألا فاركبوا و قول الآخر:

قلنا لها قفي قالت قاف # لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف‏

يريد قالت أنا واقفة.

ـ

الإعراب‏

أما موضع «الم» من الإعراب فمختلف على حسب اختلاف هذه المذاهب أما على مذهب الحسن فموضعها رفع على إضمار مبتدإ محذوف كأنه قال هذه الم و أجاز الرماني أن يكون الم مبتدأ و ذلك الكتاب خبره و تقديره حروف المعجم ذلك الكتاب و هذا فيه بعد لأن حكم المبتدأ أن يكون هو الخبر في المعنى و لم يكن الكتاب هو حروف المعجم و يجوز أن يكون الم في موضع نصب على إضمار فعل تقديره اتل الم و أما على مذهب من جعلها قسما فموضعها نصب بإضمار فعل لأن حرف القسم إذا حذف يصل الفعل إلى المقسم به فينصبه فإن معنى قولك بالله أقسم بالله ثم حذفت أقسم فبقي بالله فلو حذفت الباء لقلت الله لأفعلن و أما على مذهب من جعل هذه الحروف اختصارا من كلام أو حروفا مقطعة فلا موضع لها من الإعراب لأنها بمنزلة قولك زيد قائم في أن موضعه لا حظ له في الإعراب و إنما يكون للجملة موضع إذا وقعت موقع الفرد كقولك زيد أبوه قائم و إن زيدا أبوه قائم لأنه بمنزلة قولك زيد قائم و إن زيدا قائم و هذه الحروف موقوفة على الحكاية كما يفعل بحروف التهجي لأنها مبنية على السكت كما أن العدد مبني‏

115

(1) - على السكت يدل على ذلك جمعك بين ساكنين في قولك لام ميم و تقول في العدد واحد اثنان ثلاثة أربعة فتقطع ألف اثنين و ألف اثنين ألف وصل و تذكر الهاء في ثلاثة و أربعة و لو لا أنك تقدر السكت لقلت ثلاثة بالتاء و يدل عليه قول الشاعر:

أقبلت من عند زياد كالخرف # تخط رجلاي بخط مختلف

تكتبان في الطريق لام ألف‏

كأنه قال لام ألف و لكنه ألقى حركة همزة الألف على الميم ففتحها و إذا أخبرت عن حروف الهجاء أو أسماء الأعداد أعربتها لأنك أدخلتها بالإخبار عنها في جملة الأسماء المتمكنة و أخرجتها بذلك من حيز الأصوات كما قال الشاعر

(كما بينت كاف تلوح و ميمها)

و قال آخر:

إذا اجتمعوا على ألف و باء # و واو هاج بينهم جدال‏

و تقول هذا كاف حسن و هذه كاف حسنة من ذكره فعلى معنى الحرف و من أنثه فعلى معنى الكلمة.

القراءة

قرأ ابن كثير فيهي هدى يوصل الهاء بياء في اللفظ و كذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فإن كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو و وافقه حفص في قوله فيهي مهانا و قتيبة في قوله فملاقيه و سأصليه و الباقون لا يشبعون و إذا تحرك ما قبل الهاء فهم مجمعون على إشباعه.

الحجة

اعلم أنه يجوز في العربية في فيه أربعة أوجه فيهو و فيهي و فيه و فيه و الأصل فيهو كما قيل لهو مال فمن كسر الهاء من فيه و نحوه مع أن الأصل الضم فلأجل الياء أو الكسرة قبل الهاء و الهاء تشبه الألف لكونها من حروف الحلق و لما فيها من الخفاء فكما نحوا بالألف نحو الياء بالإمالة لأجل الكسرة أو الياء كذلك كسروا الهاء للكسرة أو الياء ليتجانس الصوتان و من ترك الإشباع فلكراهة اجتماع المشابهة فإن الهاء حرف خفي فإذا اكتنفها ساكنان من حروف اللين كان كان الساكنين التقيا لخفاء الهاء فإنهم لم يعتدوا

116

(1) - بها حاجزا في نحو فيهي و خذ و هو كما لم يعتد بها في نحو رد من أتبع الضم إذا وصل الفعل بضمير المؤنث فقال ردها بالفتح لا غير و لم يتبع الضم الضم و جعل الدال كأنها لازقة بالألف و أما من أشبع و أتبعها الياء قال الهاء و إن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها فإذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها.

اللغة

ذلك لفظة يشار بها إلى ما بعد و هذا إلى ما قرب و الاسم من ذلك ذا و الكاف زيدت للخطاب و لا حظ لها من الإعراب و اللام تزاد للتأكيد و كسرت لالتقاء الساكنين و تسقط معها هاء تقول ذاك و ذلك و هذاك و لا تقول هذلك و الكتاب مصدر و هو بمعنى المكتوب كالحساب قال الشاعر:

بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة # أتتك من الحجاج يتلى كتابها

أي مكتوبها و أصله الجمع من قولهم كتبت القربة إذا خرزتها و الكتبة الخرزة و كتبت البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة و منه قيل للجند كتيبة لانضمام بعضهم إلى بعض و الريب الشك و قيل هو أسوء الشك و هو مصدر رابني الشي‏ء من فلان يريبني إذا كانت مستيقنا منه بالريبة فإذا أسأت به الظن و لم تستيقن بالريبة منه قلت أرابني من فلان أمر إرابة و أراب الرجل إذا صار صاحب ريبة كما قيل ألام أي استحق أن يلام و الهدى الدلالة مصدر هديته و فعل قليل في المصادر قال أبو علي يجوز أن يكون فعل مصدر اختص به المعتل و إن لم يكن في المصادر كما كان كينونة و نحوه لا يكون في الصحيح و الفعل منه يتعدى إلى مفعولين يتعدى إلى الثاني منهما بأحد حرفي جر إلى أو اللام كقوله‏ «وَ اِهْدِنََا إِلى‏ََ سَوََاءِ اَلصِّرََاطِ و اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي هَدََانََا لِهََذََا» و قد يحذف منه حرف الجر فيصل الفعل إلى المفعول نحو اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ أي دلنا عليه و اسلك بنا فيه و كأنه استنجاز لما وعدوا به في قوله‏ «يَهْدِي بِهِ اَللََّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوََانَهُ سُبُلَ اَلسَّلاََمِ» أي سبل دار السلام و الأصل في المتقين الموتقين مفتعلين من الوقاية فقلبت الواو تاء و أدغمتها في التاء التي بعدها و حذفت الكسرة من الياء استثقالا لها ثم حذفتها لالتقاء الساكنين فبقي متقين و التقوى أصله وقوى قلبت الواو تاء كالتراث أصله وراث و أصل الاتقاء الحجز بين الشيئين يقال اتقاه بالترس أي جعله حاجزا بينه و بينه قال الشاعر:

117

(1) -

فألقت قناعا دونها الشمس و اتقت # بأحسن موصولين كف و معصم‏

و منه الوقاية لأنها تمنع رؤية الشعر .

الإعراب‏

ذلك في موضع رفع من وجوه (أحدها) أن تجعله خبرا عن الم كما مضى القول فيه (و ثانيها) أن يكون مبتدأ و الكتاب خبره (و ثالثها) أن يكون مبتدأ و الكتاب عطف بيان أو صفة له أو بدل منه و لا ريب فيه جملة في موضع الخبر (و رابعها) أن يكون مبتدأ و خبره هدى و يكون لا ريب في موضع الحال و العامل في الحال معنى الإشارة (و خامسها) أن يكون لا ريب فيه و هدى جميعا خبرا بعد خبر كقولك هذا حلو حامض أي جمع الطعمين و منه قول الشاعر:

من يك ذا بت فهذا بتي # مقيظ مصيف مشتي‏

(و سادسها) أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره هذا ذلك الكتاب و إن حملت على هذا الوجه أو على أنه مبتدأ و لا ريب فيه الخبر أو على أنه خبر الم أو على أن الكتاب خبر عنه كان قوله «هُدىً» في موضع نصب على الحال أي هاديا للمتقين و العامل فيه معنى الإشارة و الاستقرار الذي يتعلق به فيه و قوله «لاََ رَيْبَ» قال سيبويه لا تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين و قال غيره من حذاق النحويين جعل لا مع النكرة الشائعة مركبا فهو أوكد من تضمين الاسم معنى الحرف لأنه جعل جزءا من الاسم بدلالة أنك تضيف إليه مجموعا و تدخل عليه حرف الجر فتقول جئتك بلا مال و لا زاد فلما صار كذلك بني على الفتح و هما جميعا في موضع الرفع على الابتداء فموضع خبره موضع خبر المبتدأ و على هذا فيجوز أن تجعل فيه خبر و يجوز أن تجعله صفة فإن جعلته صفة أضمرت الخبر و إن جعلته خبرا كان موضعه رفعا في قياس قول سيبويه من حيث يرتفع خبر المبتدأ و على قول أبي الحسن الأخفش موضعه رفع و الموضع للظرف نفسه لا لما كان يتعلق به لأن الحكم له من دون ما كان يكون الظرف منتصبا به في الأصل أ لا ترى أن الضمير قد صار في الظرف و أما قوله «هُدىً» فيجوز أن يكون في موضع رفع من ثلاثة أوجه غير الوجه الذي ذكرناه قبل و هو أن يكون خبرا عن ذلك أحدها أن يكون مبتدأ و فيه الخبر على أن تضمر للا ريب خبرا كأنك قلت لا ريب فيه فيه هدى و الوقف على هذا الوجه على قوله «لاََ رَيْبَ فِيهِ» و يبتدئ هدى للمتقين و الوجه الثاني أن يكون خبرا عن الم على قول من جعله اسما

118

(1) - للسورة و الوجه الثالث أن يكون خبرا لمبتدء محذوف تقديره هو هدى.

المعنى‏

المراد بالكتاب القرآن و قال الأخفش ذلك بمعنى هذالأن الكتاب كان حاضرا و أنشد لخفاف بن ندبة

أقول له و الرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إنني أنا ذلكا

أي أنا هذا و هذا البيت يمكن إجراؤه على ظاهره أي إنني أنا ذلك الرجل الذي سمعت شجاعته و إذا جرى للشي‏ء ذكر يجوز أن يقول السامع هذا كما قلت و ذلك كما قلت و تقول أنفقت ثلاثة و ثلاثة فهذا ستة أو فذلك ستة و إنما تقول هذا لقربه بالإخبار عنه و تقول ذلك لكونه ماضيا و قيل إن الله وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء و لا يخلق على كثرة الرد فلما أنزل القرآن قال هذا القرآن ذلك الكتاب الذي وعدتك عن الفراء و أبي علي الجبائي و قيل معناه هذا القرآن ذلك الكتاب الذي وعدتك به في الكتب السالفة عن المبرد و من قال إن المراد بالكتاب التوراة و الإنجيل فقوله فاسد لأنه وصف الكتاب بأنه لا ريب فيه و أنه هدى و وصف ما في أيدي اليهود و النصارى بأنه محرف بقوله‏ يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ و معنى قوله «لاََ رَيْبَ فِيهِ» أي أنه بيان و هدى و حق و معجز فمن هاهنا استحق الوصف بأنه لا شك فيه لا على جهة الإخبار بنفي شك الشاكين و قيل أنه على الحذف كأنه قال لا سبب شك فيه لأن الأسباب التي توجب الشك في الكلام هي التلبيس و التعقيد و التناقض و الدعاوي العارية من البرهان و هذه كلها منفية عن كتاب الله تعالى و قيل إن معناه النهي و إن كان لفظه الخبر أي‏لا ترتابوا أو لا تشكوا فيه كقوله تعالى «فَلاََ رَفَثَ وَ لاََ فُسُوقَ» و أما تخصيص المتقين بأن القرآن هدى لهم و إن كان هدى لجميع الناس فلأنهم هم الذين انتفعوا به و اهتدوا بهداه كما قال‏ إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا و إن كان ص منذرا لكل مكلف لأنه إنما انتفع بإنذاره من يخشى نار جهنم على أنه ليس في الإخبار بأنه هدى للمتقين ما يدل على أنه ليس بهدى لغيرهم و بين في آية أخرى أنه هدى للناس.

[فصل في التقوى و المتقي‏]

روي عن النبي ص أنه قال جماع التقوى في قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ الآية

و قيل المتقي الذي اتقى ما حرم عليه و فعل ما أوجب عليه‏

119

(1) - و قيل هو الذي يتقي بصالح أعماله عذاب الله و سأل عمر بن الخطاب كعب الأحبار عن التقوى فقال هل أخذت طريقا ذا شوك فقال نعم قال فما عملت فيه قال حذرت و تشمرت فقال كعب ذلك التقوى و نظمه بعض الناس فقال.

خل الذنوب صغيرها و كبيرها فهو التقى # و اصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة أن الجبال من الحصى‏

و

روي عن النبي ص أنه قال إنما سمي المتقون لتركهم ما لا بأس به حذرا للوقوع فيما به بأس‏

و قال عمر بن عبد العزيز التقي ملجم كالمجرم في الحرم و قال بعضهم التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك.

ـ

القراءة

قرأ أبو جعفر و عاصم في رواية الأعشى عن أبي بكر بترك كل همزة ساكنة مثل‏ يُؤْمِنُونَ و يَأْكُلُونَ و يُؤْتُونَ و بِئْسَ و نحوها و يتركان كثيرا من المتحركة مثل‏ يُؤَدِّهِ و لاََ يُؤََاخِذُكُمُ و يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ و مذهب أبي جعفر فيه تفصيل يطول ذكره و أما أبو عمرو فيترك كل همزة ساكنة إلا أن يكون سكونها علامة للجزم مثل ننسئها و تَسُؤْكُمْ و يُهَيِّئْ لَكُمْ و مَنْ يَشَأِ و يُنَبِّئُهُمُ و اِقْرَأْ كِتََابَكَ و نحوها فإنه لا يترك الهمزة فيها و روي عنه الهمزة أيضا في الساكنة و أما نافع فيترك كل همزة ساكنة و متحركة إذا كانت فاء من الفعل نحو يُؤْمِنُونَ و لاََ يُؤََاخِذُكُمُ و اختلفت قراءة الكسائي و حمزة و لكل واحد منهم مذهب فيه يطول ذكره فالهمز على الأصل و تركه للتخفيف.

اللغة و الإعراب‏

الذين جمع الذي و اللائي و اللاتي جمع التي و تثنيتهما اللذان و اللتان في حال الرفع و اللذين و اللتين في حال الجر و النصب و هي من الأسماء التي لا تتم إلا بصلاتها نحو من و ما و أي و صلاتها لا تكون إلا جملا خبرية يصح فيها الصدق و الكذب و لا بد أن يكون فيها ضمير يعود إلى الموصول فإذا استوفت الموصولات صلاتها كانت في تأويل اسم مفرد مثل زيد و عمرو و يحتاج إلى جزء آخر تصير به جملة فقوله «اَلَّذِينَ» موصول و يؤمنون صلته و يحتمل أن يكون محله نصبا و جرا و رفعا فالنصب على المدح تقديره أعني الذين يؤمنون و أما الجر فعلى أنه صفة للمتقين و أما الرفع فعلى المدح أيضا كأنه لما قيل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ قيل من هم قيل هم الذين يؤمنون بالغيب فيكون خبر مبتدإ محذوف و يؤمنون‏

120

(1) - معناه يصدقون و الواو في موضع الرفع بكونه ضمير الفاعلين و النون علامة الرفع و الأصل في يفعل يؤفعل و لكن الهمزة حذفت لأنك إذا أنبأت عن نفسك قلت أنا أفعل فكانت تجتمع همزتان فاستثقلتا فحذفت الهمزة الثانية فقيل أفعل ثم حذفت من الصيغ الآخر نفعل و تفعل و يفعل كما أن باب يعد حذفت منه الواو لوقوعها بين ياء و كسرة إذ الأصل يوعد ثم حذفت في تعد و أعد و نعد ليجري الباب على سنن واحد قال الأزهري اتفق العلماء على أن الإيمان هو التصديق قال الله تعالى‏ وَ مََا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنََا أي ما أنت بمصدق لنا قال أبو زيد و قالوا ما أمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت فالإيمان هو الثقة و التصديق قال الله تعالى‏ «اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآيََاتِنََا» أي صدقوا و وثقوا بها و قال الشاعر أنشده ابن الأنباري :

و من قبل آمنا و قد كان قومنا # يصلون للأوثان قبل محمدا

و معناه آمنا محمدا أي صدقناه و يجوز أن يكون آمن من قياس فعلته فأفعل تقول أمنته فآمن مثل كببته فأكب و الأمن خلاف الخوف و الأمانة خلاف الخيانة و الأمون الناقة القوية كأنها يؤمن عثارها و كلالها و يجوز أن يكون آمن بمعنى صار ذا آمن على نفسه بإظهار التصديق نحو أجرب و أعاه و أصح و أسلم صار ذا سلم أي خرج عن أن يكون جربا هذا في أصل اللغة أما في الشريعة فالإيمان‏هو التصديق بكل ما يلزم التصديق به من الله تعالى و أنبيائه و ملائكته و كتبه و البعث و النشور و الجنة و النار و أما قولنا في وصف القديم تعالى المؤمن فإنه يحتمل تأويلين أحدهما أن يكون من آمنت المتعدي إلى مفعول فنقل بالهمزة فتعدى إلى مفعولين فصار من أمن زيد العذاب و آمنته العذاب فمعناه المؤمن عذابه من لا يستحقه من أوليائه و من هذا وصفه سبحانه بالعدل كقوله قائما بالقسط و هذا الوجه مروي في أخبارنا و الآخر أن يكون معناه المصدق أي يصدق الموحدين على توحيدهم إياه يدل عليه قوله‏ شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ لأن الشاهد مصدق لما يشهد به كما أنه مصدق من يشهد له فإذا شهد بالتوحيد فقد صدق الموحدين و أما الغيب فهو كلما غاب عنك و لم تشهده و قوله «بِالْغَيْبِ» كأنه إجمال لما فصل في قوله‏ «كُلٌّ آمَنَ بِاللََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ» أي يؤمنون بما كفر به الكفار من وحدانية الله و إنزال كتبه و إرسال رسله فكل هذا غيب فعلى هذا يكون الجار و المجرور في موضع نصب بأنه مفعول به و فيه وجه آخر و هو أن يكون أراد يؤمنون إذا غابوا عنكم و لم يكونوا كالمنافقين و مثله قوله‏ وَ خَشِيَ اَلرَّحْمََنَ بِالْغَيْبِ فعلى هذا يكون الجار و المجرور في موضع الحال أي يؤمنون غائبين عن مراءة الناس لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد و لكن يخلصونه لله و «يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ» يؤدونها بحدودها و فرائضها يقال‏

121

(1) - أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع و الشراء و قال الشاعر.

أقامت غزالة سوق الضراب # لأهل العراقين حولا قميطا

و قال أبو مسلم «يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ» أي يديمون أداء فرائضها يقال للشي‏ء الراتب قائم و يقال فلان يقيم أرزاق الجند و الصلوة في اللغة الدعاء قال الأعشى :

و أقبلها الريح في ظلها # و صلى على دنها و ارتسم‏

أي دعا لها و منه‏

الحديث إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب و إن كان صائما فليصل‏

أي فليدع له بالبركة و الخير و قيل أصله رفع الصلا في الركوع و هو عظم في العجز و قوله «وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ» ما هذه حرف موصول و رزقناهم صلته و هما جميعا بمعنى المصدر تقديره و من رزقنا إياهم ينفقون أو اسم موصول و العائد من الصلة إلى الموصول محذوف و التقدير و من الذي رزقناهموه ينفقون فيكون ما رزقناهم في موضع جر بمن و الجار و المجرور في موضع نصب بأنه مفعول ينفقون و الرزق هو العطاء الجاري و هو نقيض الحرمان و الإنفاق إخراج المال يقال أنفق ماله أي أخرجه عن ملكه و نفقت الدابة إذا خرج روحها و النافقاء جحر اليربوع لأنه يخرج منها و منه النفاق لأن المنافق يخرج إلى المؤمن بالإيمان و إلى الكافر بالكفر .

المعنى‏

لما وصف القرآن بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ بين صفة المتقين فقال «اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» أي يصدقون بجميع ما أوجبه الله تعالى أو ندب إليه أو أباحه و قيل يصدقون بالقيامة و الجنة و النار عن الحسن و قيل بما جاء من عند الله عن ابن عباس و قيل بما غاب عن العباد علمه عن ابن مسعود و جماعة من الصحابة و هذا أولى لعمومه و يدخل فيه ما رواه أصحابنا من زمان غيبة المهدي ع و وقت خروجه و قيل الغيب هو القرآن عن زر بن حبيش و قال الرماني الغيب خفاء الشي‏ء عن الحسن قرب أو بعد إلا أنه كثرت صفة غايب على البعيد الذي لا يظهر للحس و قال البلخي الغيب كل ما أدرك بالدلائل و الآيات مما يلزم معرفته‏و قالت المعتزلة بأجمعها الإيمان هو فعل الطاعة ثم اختلفوا فمنهم من اعتبر الفرائض و النوافل و منهم من اعتبر الفرائض حسب و اعتبروا اجتناب الكبائر كلها و

قد روى الخاص و العام عن علي بن موسى الرضا ع أن الإيمان هو التصديق بالقلب‏

122

(1) - و الإقرار باللسان و العمل بالأركان و قد روي ذلك على لفظ آخر عنه أيضا الإيمان قول مقول و عمل معمول و عرفان بالعقول و اتباع الرسول

و أقول أن أصل الإيمان هو المعرفة بالله و برسله و بجميع ما جاءت به رسله و كل عارف بشي‏ء فهو مصدق به يدل عليه هذه الآية فإنه تعالى لما ذكر الإيمان علقه بالغيب ليعلم أنه تصديق للمخبر به من الغيب على معرفة و ثقة ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات البدنية و المالية و عطفهما عليه فقال «وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ» و الشي‏ء لا يعطف على نفسه و إنما يعطف على غيره و يدل عليه أيضا أنه تعالى حيث ذكر الإيمان إضافة إلى القلب فقال‏ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ و قال‏ أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ و

قال النبي ص الإيمان سر و أشار إلى صدره و الإسلام علانية

و قد يسمى الإقرار إيمانا كما يسمى تصديقا إلا أنه متى صدر عن شك أو جهل كان إيمانا لفظيا لا حقيقيا و قد تسمى أعمال الجوارح أيضا إيمانا استعارة و تلويحا كما تسمى تصديقا كذلك فيقال فلان تصدق أفعاله مقاله و لا خير في قول لا يصدقه الفعل و الفعل ليس بتصديق حقيقي باتفاق أهل اللغة و إنما استعير له هذا الاسم على الوجه الذي ذكرناه فقد آل الأمر تسليم صحة الخبر و قبوله إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب و التصديق به على نحو ما تقتضيه اللغة و لا يطلق لفظه إلا على ذلك إلا أنه يستعمل في الإقرار باللسان و العمل بالأركان مجازا و اتساعا و بالله التوفيق و قد ذكرنا في قوله «وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ» وجهين اقتضاهما اللغة و قيل أيضا إنه مشتق من القيام في الصلوة و لذلك قيل قد قامت الصلاة و إنما ذكر القيام لأنه أول أركان الصلاة و أمدها و إن كان المراد به هو و غيره‏و الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة على وجوه مخصوصة و هذا يدل على أن الاسم ينقل من اللغة إلى الشرع و قيل إن هذا ليس بنقل بل هو تخصيص لأنه يطلق على الذكر و الدعاء في مواضع مخصوصة و قوله تعالى «وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ» يريد و مما أعطيناهم و ملكناهم يخرجون على وجه الطاعة و حكي عن ابن عباس أنه الزكاة المفروضة و عن ابن مسعود أنه نفقة الرجل على أهله لأن الآية نزلت قبل وجوب الزكاة و عن الضحاك هو التطوع بالنفقة و

روي محمد بن مسلم عن الصادق ع أن معناه و مما علمناهم يبثون‏

و الأولى حمل الآية على عمومها و حقيقة الرزق هو ما صح أن ينتفع به المنتفع و ليس لأحد منعه منه و هذه الآية تدل على أن الحرام لا يكون رزقا لأنه تعالى مدحهم بالإنفاق مما رزقهم و المنفق من الحرام لا يستحق المدح على الإنفاق بالاتفاق فلا يكون رزقا.

النزول‏

قال بعضهم هذه الآية تناولت مؤمني العرب خاصة بدلالة قوله فيما بعد «وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» الآية فهذا في مؤمني أهل الكتاب إذ لم يكن للعرب كتاب‏

123

(1) - قبل القرآن و هذا غير صحيح لأنه لا يمتنع أن تكون الآية الأولى عامة في جميع المؤمنين و إن كانت الثانية خاصة في قوم منهم‏و يجوز أن يكون المراد بالآيات قوما واحدا وصفوا بجميع ذلك بأن جمع بين أوصافهم بواو العطف كقول الشاعر.

إلى الملك القرم و ابن الهمام # و ليث الكتيبة في المزدحم.

ـ

القراءة

أهل الحجاز غير ورش و أهل البصرة لا يمدون حرفا لحرف و هو أن تكون المدة من كلمة و الهمزة من أخرى نحو «بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» و نحوه و أما أهل الكوفة و ابن عامر و ورش عن نافع فإنهم يمدون ذلك و ورش أطولهم مدا ثم حمزة ثم عاصم برواية الأعشى و الباقون يمدون مدا وسطا من غير إفراط فالمد للتحقيق و حذفه للتخفيف و أما السكتة بين المدة و الهمزة فعن حمزة و وافقه عاصم و الكسائي على اختلاف عنهما و كان يقف حمزة قبل الهمزة أيضا فيسكت على اللام شيئا من قوله بِالْآخِرَةِ ثم يبتدئ بالهمزة و كذلك يقطع على الياء من شي‏ء كأنه يقف ثم يهمز و الباقون بغير سكتة.

الإعراب‏

إليك و لديك و عليك الأصل فيها إلاك و علاك و لداك إلا أن الألف غيرت مع المضمر فأبدلت ياء ليفصل بين الألف في آخر الاسم المتمكن و بينها في آخر غير المتمكن الذي الإضافة لازمة له أ لا ترى أن إلى و على و لدى لا تنفرد من الإضافة فشبهت بها كلا إذا أضيفت إلى الضمير لأنها لا تنفرد و لا تكون كلاما إلا بالإضافة و ما موصول و أنزل صلته و فيه ضمير يعود إلى ما و الموصول مع صلته في موضع جر بالباء و الجار و المجرور في موضع نصب بأنه مفعول يؤمنون و يؤمنون صلة للذين و «اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ» في موضع جر بالعطف و العطف فيه على وجهين أحدهما أن يكون عطف أحد الموصوفين على الآخر و الآخر أن يكون جمع الأوصاف لموصوف واحد.

المعنى‏

ثم بين تعالى تمام صفة المتقين فقال «وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ» يعني القرآن «وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» يعني الكتب المتقدمة و قوله «وَ بِالْآخِرَةِ» أي بالدار الآخرة لأن الآخرة صفة فلا بد لها من موصوف و قيل أراد به الكرة الآخرة و إنما وصفت بالآخرة لتأخرها عن الدنيا كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق و قيل لدناءتها «هُمْ يُوقِنُونَ» يعلمون و سمي‏

124

(1) - العلم يقينا لحصول القطع عليه و سكون النفس إليه فكل يقين علم و ليس كل علم يقينا و ذلك أن اليقين كأنه علم يحصل بعد الاستدلال و النظر لغموض المعلوم المنظور فيه أو لإشكال ذلك على الناظر و لهذا لا يقال في صفة الله تعالى موقن لأن الأشياء كلها في الجلاء عنده على السواء و إنما خصهم بالإيقان بالآخرة و إن كان الإيمان بالغيب قد شملها لما كان من كفر المشركين بها و جحدهم إياها في نحو ما حكي عنهم في قوله‏ وَ قََالُوا مََا هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا نَمُوتُ وَ نَحْيََا فكان في تخصيصهم بذلك مدح لهم.

اللغة

«أُولََئِكَ» اسم مبهم يصلح لكل حاضر تعرفه الإشارة و هو جمع ذلك في المعنى و أولاء جمع ذا في المعنى و من قصر قال أولا و ألاك و أولالك و إذا مد لم يجز زيادة اللام لئلا يجتمع ثقل الزيادة و ثقل الهمزة قال الشاعر:

ألا لك قوم لم يكونوا أشابة # و هل يعظ الضليل إلا أولالكا

و «اَلْمُفْلِحُونَ» المنجحون الفائزون و الفلاح النجاح قال الشاعر:

اعقلي إن كنت لما تعقلي # فلقد أفلح من كان عقل‏

أي ظفر بحاجته و الفلاح أيضا البقاء قال لبيد :

نحل بلادا كلها حل قبلنا # و نرجو الفلاح بعد عاد و تبعا

و أصل الفلح القطع و منه قيل الفلاح للأكار[الحراث‏]لأنه يشق الأرض و في المثل الحديد بالحديد يفلح فالمفلح على هذا كأنه قطع له بالخير .

الإعراب‏

موضع أولئك رفع بالابتداء و الخبر «عَلى‏ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» و هو اسم مبني و الكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب و كسرت الهمزة فيه لالتقاء الساكنين و كذلك قوله «وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» إلا أن قوله «هُمُ» فيه وجهان (أحدهما) أنه فصل يدخل بين المبتدأ أو الخبر و ما كان في الأصل مبتدأ و خبرا للتأكيد و لا موضع له من الإعراب و الكوفيون يسمونه عمادا و إنما يدخل ليؤذن أن الاسم بعده خبر و ليس بصفة و إنما يدخل أيضا إذا كان الخبر معرفة أو ما أشبه المعرفة نحو قوله تعالى‏ «تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللََّهِ هُوَ خَيْراً»

125

(1) - و الوجه الآخر أن يكون هم مبتدأ ثانيا و المفلحون خبره و الجملة في موضع رفع بكونها خبر أولئك.

المعنى‏

لما وصف المتقين بهذه الصفات بين ما لهم عنده تعالى فقال «أُولََئِكَ» إشارة إلى الموصوفين بجميع الصفات المتقدمة و هم جملة المؤمنين «عَلى‏ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» أي من دين ربهم و قيل على دلالة و بيان من ربهم و إنما قال «مِنْ رَبِّهِمْ» لأن كل خير و هدى فمن الله تعالى أما لأنه فعله و أما لأنه عرض له بالدلالة عليه و الدعاء إليه و الإثابة على فعله و على هذا يجوز أن يقال الإيمان هداية منه تعالى و إن كان من فعل العبد ثم كرر تفخيما فقال «وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» أي الظافرون بالغيبة و الباقون في الجنة.

النزول‏

قال مجاهد أربع آيات من أول السورة نزلت في المؤمنين و آيتان بعدها نزلت في الكافرين و ثلاث عشرة آية بعدها نزلت في المنافقين.

القراءة

قوله تعالى: «أَ أَنْذَرْتَهُمْ» فيه ثلاث قراءات قرأ عاصم و حمزة و الكسائي إذا حقق بهمزتين و قرأ أهل الحجاز و أبو عمر بالهمزة و المد و تليين الهمزة الثانية و الباقون يجعلونها بين بين و كذلك قراءة الكسائي إذا خففت و أبو عمرو أطول مدا من ابن كثير و اختلف في المد عن نافع و قرأ ابن عامر بألف بين همزتين و يجوز في العربية ثلاثة أوجه غيرها «أَ أَنْذَرْتَهُمْ» بتحقيق الهمزة الأولى و تخفيف الثانية بجعلها بين بين و أنذرتهم بهمزة واحدة و عليهم أنذرتهم على إلقاء حركة الهمزة على الميم نحو قد أفلح فيما روي عن نافع .

الحجة

أما وجه الهمزتين فهو أنه الأصل لأن الأولى همزة الاستفهام و الثانية همزة أفعل و أما إدخال الألف بين الهمزتين فمن قرأه أراد أن يفصل بين الهمزتين استثقالا لاجتماع المثلين كما فصل بين النونين في نحو أضربنان استثقالا لاجتماع النونات و منه قول ذي الرمة :

فيا ظبية الوعساء بين جلاجل # و بين النقاء أنت أم أم سالم

و أما من فصل بين الهمزتين و لين الثانية فوجهه التخفيف من جهتين الفصل و التليين لأنك إذا لينتها فقد أمتها و صار اللفظ كأنه لا استفهام فيه ففي المد توكيد الدلالة على‏

126

(1) - الاستفهام كما في تحقيق الهمزة و أما من حقق الأولى و لين الثانية من غير فصل بالألف فهو القياس لأنه جعل التليين عوضا عن الفصل و أما من اكتفى بهمزة واحدة فإنه طرح همزة الاستفهام و هو ضعيف و قد جاء في الشعر قال عمر بن أبي ربيعة :

لعمرك ما أدري و إن كنت داريا # بسبع رمين الجمر أم بثمان‏

و أما من ألقى حركة الهمزة على الميم فإنه على تليين الأولى و تحقيق الثانية و العرب إذا لينوا الهمزة المتحركة و قبلها ساكن ألقوا حركتها على ما قبلها قالوا من بوك و من مك و كم بلك.

اللغة

الكفر خلاف الشكر كما أن الحمد خلاف الذم فالكفر ستر النعمة و إخفاؤها و الشكر نشرها و إظهارها و الشكر نشرها و إظهارها و كل ما ستر شيئا فقد كفره قال لبيد

(في ليلة كفر النجوم غمامها)

أي سترها و سواء مصدر أقيم مقام الفاعل كقولك زور و صوم و معناه مستو و الاستواء الاعتدال و السواء العدل قال زهير :

أروني خطة لا خسف فيها # يسوي بيننا فيها السواء

و قالوا سي بمعنى سواء كما قالوا قي و قواء و سيان أي مثلان و الإنذار إعلام معه تخويف فكل منذر معلم و ليس كل معلم منذرا و يوصف القديم تعالى بأنه منذر لأن الإعلام يجوز وصفه به و التخويف أيضا كذلك لقوله‏ ذََلِكَ يُخَوِّفُ اَللََّهُ بِهِ عِبََادَهُ فإذا جاز وصفه بالمعنيين جاز وصفه بما يشتمل عليهما و أنذرت يتعدى إلى مفعولين كقوله‏ «إِنََّا أَنْذَرْنََاكُمْ عَذََاباً قَرِيباً» و قد ورد إلى المفعول الثاني بالباء في قوله‏ قُلْ إِنَّمََا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ و قيل الإنذار هو التحذير من مخوف يتسع زمانه للاحتراز منه فإن لم يتسع فهو أشعار .

الإعراب‏

إن حرف توكيد و هي تنصب الاسم و ترفع الخبر و إنما نصبت و رفعت لأنها تشبه الفعل لكونها على وزنه و لأنها توكيد و التوكيد من معاني الفعل و تشبهه في اتصال ضمير المتكلم نحو إنني و هي مبنية على الفتح كالفعل الماضي و إنما ألزمت تقديم المنصوب على المرفوع ليعلم أنها إنما عملت على جهة التشبيه فجعلت كفعل قدم مفعوله على فاعله و «اَلَّذِينَ كَفَرُوا» في موضع نصب لكونه اسم إن و كفروا صلة الذين و أما خبرها ففيه وجهان (أحدهما) أن يكون الجملة التي هي «سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» فعلى هذا يكون سواء يرتفع بالابتداء و كما بعده مما دخل عليه حرف الاستفهام في موضع الخبر و الجملة في موضع رفع بأنها خبر إن و يكون قوله «لاََ يُؤْمِنُونَ» حالا من الضمير المنصوب‏

127

(1) - على حد معه صقر صائدا به و بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ و يستقيم أن يكون أيضا استئنافا و الوجه الثاني أن يكون لا يؤمنون خبر إن و يكون قوله «سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» اعتراضا بين الخبر و الاسم فلا يكون له موضع من الإعراب كما حكم على موضعه بالرفع بالوجه الأول فأما إذا قدرت هذا الكلام على ما عليه المعنى فقلت سواء عليهم الإنذار و تركه كان سواء خبر المبتدأ لأنه يكون تقديره الإنذار و تركه مستويان عليهم و إنما قلنا أنه مرتفع بالابتداء على ما عليه التلاوة لأنه لا يجوز أن يكون خبرا فإنه ليس في ظاهر الكلام مخبر عنه و إذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا فإذا فسد ذلك ثبت أنه مبتدأ و أيضا فإنه قبل الاستفهام و ما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيز الاستفهام فلا يجوز إذا أن يكون الخبر عما في الاستفهام متقدما على الاستفهام و نظير ما في الآية من أن خبر المبتدأ ليس المبتدأ و لا له فيه ذكر ما أنشده أبو زيد :

فإن حراما لا أرى الدهر باكيا # على شجوة إلا بكيت على عمرو

و قوله «أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» لفظه لفظ الاستفهام و معناه الخبر و هذه الهمزة تسمى ألف التسوية و التسوية آلتها همزة الاستفهام و أم تقول أ زيد عندك أم عمرو تريد أيهما عندك و لا يجوز في مكانها أو لأن أو لا يكون معادلة الهمزة و تفسير المعادلة أن تكون أم مع الهمزة بمنزلة أي فإذا قلت أ زيد عندك أو عمرو كان معناه أحد هذين عندك و يدل على ذلك أن الجواب مع زيد أم عمرو يقع بالتعيين و مع أ زيد أو عمرو يقع بنعم أو لا و إنما جرى عليه لفظ الاستفهام و إن كان خبرا لأن فيه التسوية التي في الاستفهام أ لا ترى أنك إذا قلت سواء علي أ قمت أم قعدت فقد سويت الأمرين عليك كما إنك إذا استفهمت فقلت أ قام زيد أم قعد فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام و عدم علم أحدهما بعينه فلما عمتهما التسوية جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام لمشاركته له في الإبهام فكل استفهام تسوية و إن لم يكن كل تسوية استفهاما و قال النحويون إن نظير سواء في هذا قولك ما أبالي أقبلت أم أدبرت لأنه وقع موقع أي فكأنك قلت ما أبالي أي هذين كان منك و ما أدري أحسنت أم أسأت و ليت شعري أ قام أم قعد و قال حسان :

ما أبالي أنب بالحزن تيس # أم لحاني بظهر غيب لئيم‏

و مثله في أنه في صورة الاستفهام و هو خبر قول جرير :

أ لستم خير من ركب المطايا # و أندى العالمين بطون راح‏

128

(1) - و لو كان استفهاما لم يكن مدحا و قول الآخر:

سواء عليه أي حين أتيته # أ ساعة نحس تتقي أم بأسعد.

النزول‏

قيل نزلت في أبي جهل و خمسة من أهل بيته قتلوا يوم بدر عن الربيع بن أنس و اختاره البلخي و قيل نزلت في قوم بأعيانهم من أحبار اليهود ممن كفر بالنبي ص عنادا و كتم أمره حسدا عن ابن عباس و قيل نزلت في أهل الختم و الطبع الذين علم الله أنهم لا يؤمنون عن أبي علي الجبائي و قيل نزلت في مشركي العرب عن الأصم و قيل هي عامة في جميع الكفار أخبر تعالى بأن جميعهم لا يؤمنون و يكون كقول القائل لا يقدم جميع إخوتك اليوم فلا ينكر أن يقدم بعضهم و اختار الشيخ أبو جعفر قدس الله روحه أن يكون على الاختصاص و تجويز كل واحد من الأقوال الآخر و هذا أظهر و أسبق إلى الفهم.

ـ

المعنى‏

لما بين تعالى حال المؤمنين وصله بذكر الكافرين و الكفر في الشرع عبارة عن جحد ما أوجب الله تعالى معرفته من توحيده و عدله و معرفة نبيه و ما جاء به من أركان الشرع فمن جحد شيئا من ذلك كان كافرا و هذه الآية تدل على أن في المكلفين من لا لطف له لأنه لو كان لفعل و لآمنوا فلما أخبر أنهم لا يؤمنون علم أنهم لا لطف لهم و تدل على صدق النبي ص لأنه أخبر بأنهم لا يؤمنون فكان كما أخبر و تدل أيضا على أنه يجوز أن يخاطب الله تعالى بالعام و المراد به الخاص في قول من قال الآية عامة لأنا نعلم أن في الكفار من آمن و انتفع بالإنذار.

سؤال‏

إن قال قائل إذا علم الله تعالى بأنهم لا يؤمنون و كانوا قادرين على الإيمان عندكم فما أنكرتم أن يكونوا قادرين على إبطال علم الله بأنهم لا يؤمنون.

الجواب‏

أنه لا يجب ذلك كما أنه لا يجب إذا كانوا مأمورين بالإيمان أن يكونوا مأمورين بإبطال علم الله كما لا يجب إذا كان الله تعالى قادرا على أن يقيم القيامة الساعة أن يكون قادرا على إبطال علمه بأنه لا يقيمها الساعة و الصحيح أن نقول إن العلم يتناول الشي‏ء على ما هو به و لا يجعله على ما هو به فلا يمتنع أن يعلم حصول شي‏ء بعينه و إن كان غيره مقدورا.

129

(1) -

القراءة

القراءة الظاهرة «غِشََاوَةٌ» بكسر الغين و رفع الهاء و روي عن عاصم في الشواذ غشاوة بالنصب و عن الحسن بضم الغين و عن بعضهم بفتح الغين و عن بعضهم غشوة بغير ألف و قرأ أبو عمرو و الكسائي على أبصارهم بالإمالة و الباقون بالتفخيم و للقراء في الإمالة مذاهب يطول شرحها.

الحجة

حجة من رفع غشاوة أنه لم يحمله على ختم كما في الآية الأخرى‏ وَ خَتَمَ عَلى‏ََ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ََ بَصَرِهِ غِشََاوَةً فإذا لم يحملها عليه قطعها عنه فكانت مرفوعة إما بالظرف و إما بالابتداء و كذلك قوله «وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ» فإن عند سيبويه ترتفع غشاوة و عذاب بأنه مبتدأ فكأنه قال غشاوة على أبصارهم و عذاب لهم و عند الأخفش يرتفع بالظرف لأن الظرف يضمر فيه فعل و ستعرف فائدة اختلافهما في هذه المسألة بعد إن شاء الله تعالى و من نصب غشاوة فأما أن يحملها على ختم كأنه قال و ختم على أبصارهم بغشاوة فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إليها فنصبها و هذا لا يحسن لأنه فصل بين حرف العطف و المعطوف به و ذلك إنما يجوز في الشعر و إما أن يحملها على فعل مضمر كأنه قال و جعل على أبصارهم غشاوة نحو قول الشاعر

(علفتها تبنا و ماء باردا)

أي و سقيتها و قول الآخر:

يا ليت بعلك قد غزا # متقلدا سيفا و رمحا

أي و حاملا رمحا و هذا أيضا لا يوجد في حال الاختيار فقد صح أن الرفع أولى و تكون الواو عاطفة جملة على جملة و الغشاوة فيها ثلاث لغات فتح الغين و ضمها و كسرها و كذلك الغشوة فيها ثلاث لغات.

اللغة

الختم نظير الطبع يقال طبع عليه بمعنى ختم عليه و يقال طبعه أيضا بغير حرف و لا يمتنع في ختم ذلك قال:

كان قرادى زورة طبعتهما # بطين من الجولان كتاب أعجم‏

و قوله‏ خِتََامُهُ مِسْكٌ أي آخره و منه ختم الكتاب لأنه آخر حال الفراغ منه و قوله «عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ» يريد على أسماعهم و السمع مصدر تقول يعجبني ضربكم أي ضروبكم فيوحد لأنه مصدر و يجوز أن يريد على مواضع سمعهم فحذفت مواضع و دل السمع عليها كما يقال‏

130

(1) - أصحابك عدل أي ذوو عدل و يجوز أن يكون لما أضاف السمع إليهم دل على معنى إسماعهم قال الشاعر:

بها جيف الحسرى فأما عظامها # فبيض و أما جلدها فصليب‏

و قال الآخر

(في حلقكم عظم و قد شجينا)

أي في حلوقكم و الغشاوة الغطاء و كل ما اشتمل على الشي‏ء بني على فعالة نحو العمامة و القلادة و العصابة و كذلك أسماء الصناعات كالخياطة و القصارة و الصياغة لأن معنى الصناعة الاشتمال على كل ما فيها و كذلك كل من استولى على شي‏ء فاسم ما استولى عليه الفعالة كالإمارة و الخلافة و غير ذلك و سمي القلب قلبا لتقلبه بالخواطر قال الشاعر:

ما سمي القلب إلا من تقلبه # و الرأي يعزب و الإنسان أطوار

و الفؤاد محل القلب و الصدر محل الفؤاد و قد يعبر عن القلب بمحله كقوله‏ «لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ» و قال‏ «أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ» يعني به القلب في الموضعين و العذاب استمرار الألم يقال عذبته تعذيبا و عذابا و يقال عذب الماء إذا استمر في الحلق و حمار عاذب و عذوب إذا استمر به العطش فلم يأكل من شدة العطش و فرس عذوب مثل ذلك و أعذبته عن الشي‏ء بمعنى فطمته و العظيم الكبير يقال هو عظيم الجثة و عظيم الشأن سمي سبحانه عظيما و عظمته كبرياؤه .

المعنى‏

قيل في معنى الختم وجوه (أحدها) أن المراد بالختم العلامة و إذا انتهى الكافر من كفره إلى حالة يعلم الله تعالى أنه لا يؤمن فإنه يعلم على قلبه علامة و قيل هي نكتة سوداء تشاهدها الملائكة فيعلمون بها أنه لا يؤمن بعدها فيذمونه و يدعون عليه كما أنه تعالى يكتب في قلب المؤمن الإيمان و يعلم عليه علامة تعلم الملائكة بها أنه مؤمن فيمدحونه و يستغفرون له و كما طبع على قلب الكافر و ختم عليه فوسمه بسمة تعرف بها الملائكة كفره فكذلك وسم قلوب المؤمنين بسمات تعرفهم الملائكة بها و قد تأول على مثل هذا مناولة الكتاب باليمين و الشمال في أنها علامة أن المناول باليمين من أهل الجنة و المناول بالشمال من أهل النار و قوله تعالى‏ «بَلْ طَبَعَ اَللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ» يحتمل أمرين أحدهما أنه طبع عليها جزاء للكفر و عقوبة عليه‏و الآخر أنه طبع عليها بعلامة كفرهم كما تقول طبع عليه بالطين و ختم عليه بالشمع (و ثانيها) أن المراد بالختم على القلوب إن الله شهد عليها و حكم بأنها لا تقبل الحق كما يقال أراك تختم على كل ما يقوله فلان أي تشهد

131

(1) - به و تصدقه و قد ختمت عليك بأنك لا تفلح أي شهدت و ذلك استعارة (و ثالثها) أن المراد بذلك أنه تعالى ذمهم بأنها كالمختوم عليها في أنه لا يدخلها الإيمان و لا يخرج عنها الكفر كقوله‏ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ و كقول الشاعر

(أصم عما ساءه سميع)

و قول الآخر:

لقد أسمعت لو ناديت حيا # و لكن لا حياة لمن تنادي‏

و المعنى أن الكفر تمكن من قلوبهم فصارت كالمختوم عليها و صاروا بمنزلة من لا يفهم و لا يبصر و لا يسمع عن الأصم و أبي مسلم الأصفهاني (و رابعها) أن الله وصف من ذمه بهذا الكلام بأن قلبه ضاق عن النظر و الاستدلال فلم ينشرح له فهو خلاف من ذكره في قوله‏ أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ فَهُوَ عَلى‏ََ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ و مثل قوله‏ «أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا» و قوله‏ «وَ قََالُوا قُلُوبُنََا غُلْفٌ و قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ» و يقوي ذلك أن المطبوع على قلبه وصف بقلة الفهم بما يسمع من أجل الطبع فقال‏ بَلْ طَبَعَ اَللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً و قال‏ وَ طُبِعَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ و يبين ذلك قوله تعالى‏ «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللََّهُ سَمْعَكُمْ وَ أَبْصََارَكُمْ وَ خَتَمَ عَلى‏ََ قُلُوبِكُمْ» فعدل الختم على القلوب بأخذه السمع و البصر فدل هذا على أن الختم على القلب هو أن يصير على وصف لا ينتفع به فيما يحتاج فيه إليه كما لا ينتفع بالسمع و البصر مع أخذهما و إنما يكون ضيقه بأن لا يتسع لما يحتاج إليه فيه من النظر و الاستدلال الفاصل بين الحق و الباطل و هذا كما يوصف الجبان بأنه لا قلب له إذا بولغ في وصفه بالجبن لأن الشجاعة محلها القلب فإذا لم يكن القلب الذي هو محل الشجاعة لو كانت فإن لا تكون الشجاعة أولى قال طرفة :

فالهبيت لا فؤاد له # و الثبيت قلبه قيمه‏

و كما وصف الجبان بأنه لا فؤاد له و أنه يراعة و أنه مجوف كذلك وصف من بعد عن قبول الإسلام بعد الدعاء إليه و إقامة الحجة عليه بأنه مختوم على قلبه و مطبوع عليه و ضيق صدره و قلبه في كنان و في غلاف و هذا من كلام الشيخ أبي علي الفارسي و إنما قال ختم الله و طبع الله لأن ذلك كان لعصيانهم الله تعالى فجاز ذلك اللفظ كما يقال أهلكته فلانة إذا أعجب بها و هي لا تفعل به شيئا لأنه هلك في اتباعها.

سؤال‏

إن قيل لم خص هذه الأعضاء بالذكر.

فالجواب‏

قيل إنها طرق العلم فالقلب محل العلم و طريقه إما السماع أو الرؤية.

132

(1) -

اللغة

الناس و البشر و الإنس نظائر و هي الجماعة من الحيوان المتميزة بالصورة الإنسانية و أصله أناس من الإنس و وزنه فعال فأسقطت الهمزة منها لكثرة الاستعمال إذا دخلها الألف و اللام للتعريف ثم أدغمت لام التعريف في النون كما قيل لكنا و الأصل لكن إنا و قيل الناس مأخوذة من النوس و هو الحركة و تصغيره نويس و وزنه فعل و قيل أخذ من الظهور فسمي ناسا و إنسانا لظهوره و إدراك البصر إياه يقال آنست ببصري شيئا و قال الله سبحانه إني آنست نارا و الإنسان واحد و الناس جمعه لا من لفظه و قيل أخذ من النسيان لقوله تعالى‏ «فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» و أصل الإنسان إنسيان و لذلك قيل في تحقيره و تصغيره أنيسيان فرد إلى الأصل و اليوم الآخر يوم القيامة و إنما سمي آخرا لأنه يوم لا يوم بعده سواه إذ ليس بعده ليلة و قيل لأنه متأخر عن أيام الدنيا و إنما فتح نون من عند التقاء الساكنين استثقالا لتوالي الكسرتين لو قلت من الناس فأما عن الناس فلا يجوز فيه إلا الكسر لأن أول عن مفتوح و من يقول النون تدغم في الياء فمنهم من يدغم بغنة و منهم من يدغم بغير غنة .

الإعراب‏

من يقول موصول و صلة و هو مرفوع بالابتداء أو بالظرف على ما تقدم بيانه و قوله «آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ» حديث يتعلق بقوله يقول و ما حرف شبه بليس من حيث يدخل على المبتدأ و الخبر كما يدخل ليس عليهما و فيه نفي الحال كما في ليس فأجري مجراه في العمل في قول أهل الحجاز على ما جاء به التنزيل و هم مرفوع لأنه اسم ما و الباء في قوله «بِمُؤْمِنِينَ» مزيدة دخلت توكيدا للنفي و هو حرف جار و مؤمنين مجرور به و بمؤمنين في موضع نصب بكونه خبر ما و لفظة من تقع على الواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث و لذلك عاد الذكر إليه مجموعا على المعنى و منه قول الفرزدق :

تعال فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان‏

فثني الضمير العائد إلى من على المعنى.

النزول‏

نزلت في المنافقين و هم عبد الله بن أبي بن سلول و جد بن قيس‏و معتب بن قشير و أصحابهم و أكثرهم من اليهود .

المعنى‏

بين الله تعالى حالهم فأخبر سبحانه أنهم يقولون صدقنا بالله و ما أنزل على رسوله من ذكر البعث فيظهرون كلمة الإيمان و كان قصدهم أن يطلعوا على أسرار

133

(1) - المسلمين فينقلوها إلى الكفار أو تقريب الرسول إياهم كما كان يقرب المؤمنين ثم نفى عنهم الإيمان فقال «وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» و في هذا تكذيبهم فيما أخبروا عن اعتقادهم من الإيمان و الإقرار بالبعث فبين أن ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم و هذا يدل على فساد قول من يقول الإيمان مجرد القول.

ـ

القراءة

قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو و ما يخادعون إلا أنفسهم و الباقون «وَ مََا يَخْدَعُونَ» .

الحجة

حجة من قرأ «يَخْدَعُونَ» أن فعل هنا أليق بالموضع من فاعل الذي هو في أكثر الأمر يكون لفاعلين و يدل عليه قوله في الآية الأخرى‏ «يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ» و حجة من قرأ يخادعون هو أن ينزل ما يخطر بباله من الخدع منزلة آخر يجازيه ذلك و يعاوضه إياه فيكون الفعل كأنه من اثنين فيلزم أن يقول فاعل كقول الكميت و ذكر حمارا أراد الورود

يذكر من أنى و من أين شربه # يؤامر نفسية كذي الهجمة الإبل‏

فجعل ما يكون منه من وروده الماء أو تركه الورود و التمثيل بينهما بمنزلة نفسين.

اللغة

أصل الخدع الإخفاء و الإبهام بخلاف الحق و التزوير يقال خدعت الرجل أخدعه خدعا بالكسر و خديعة و قالوا إنك لأخدع من ضب حرشته و خادعت فلانا فخدعته و النفس في الكلام على ثلاثة أوجه النفس بمعنى الروح و النفس بمعنى التأكيد تقول جاءني زيد نفسه و النفس بمعنى الذات و هو الأصل و يقال النفس غير الروح و يقال هما اسمان بمعنى واحد و يشعرون يعلمون و أصل الشعر الإحساس بالشي‏ء من جهة تدق و من هذا اشتقاق الشعر لأن الشاعر يفطن لما يدق من المعنى و الوزن و لا يوصف الله تعالى بأنه يشعر لما فيه من معنى التلطف و التخيل .

الإعراب‏

يخادعون فعل و فاعل و النون علامة الرفع و الجملة في موضع نصب بكونها حالا و ذو الحال الضمير الذي في قوله «آمَنََّا» العائد إلى من و الله نصب بيخادعون‏

134

(1) - و الذين آمنوا عطف و ما نفي و إلا إيجاب و أنفسهم نصب بأنه مفعول يخادعون الثانية و ما نفي و يشعرون فعل و فاعل و كل موضع يأتي فيه إلا بعد نفي فهو إيجاب و نقض للنفي.

المعنى‏

معنى قوله «يُخََادِعُونَ اَللََّهَ» أي يعملون عمل المخادع لأن الله تعالى لا يصح أن يخادعه من يعرفه و يعلم أنه لا يخفى عليه خافية و هذا كما تقول لمن يزين لنفسه ما يشوبه بالرياء في معاملته ما أجهله يخادع الله و هو أعلم به من نفسه أي يعمل عمل المخادع و هذا يكون من العارف و غير العارف و قيل المعنى يخادعون رسول الله لأن طاعته طاعة الله و معصيته معصية الله فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و هذا كقوله تعالى‏ وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ و المفاعلة قد تقع من واحد كقولهم عافاه الله و عاقبت اللص و طارقت النعل فكذلك يخادعون إنما هو من واحد فمعنى يخادعون يظهرون غير ما في نفوسهم و قوله «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي و يخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم قالوا آمنا و هم غير مؤمنين أو بمجالستهم و مخالطتهم إياهم حتى يفشوا إليهم أسرارهم فينقلوها إلى أعدائهم و التقية أيضا تسمى خداعا فكأنهم لما أظهروا الإسلام و أبطنوا الكفر صارت تقيتهم خداعا من حيث أنهم نجوا بها من إجراء حكم الكفر عليهم و معنى قوله «وَ مََا يَخْدَعُونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ» أنهم و إن كانوا يخادعون المؤمنين في الظاهر فهم يخادعون أنفسهم لأنهم يظهرون لها بذلك أنهم يعطونها ما تمنت و هم يوردونها به العذاب الشديد فوبال خداعهم راجع إلى أنفسهم «وَ مََا يَشْعُرُونَ» أي ما يعلمون أنه يرجع عليهم بالعذاب فهم في الحقيقة إنما خدعوا أنفسهم كما لو قاتل إنسان غيره فقتل نفسه جاز أن يقال أنه قاتل فلانا و لم يقتل إلا نفسه و قوله «وَ مََا يَشْعُرُونَ» يدل على بطلان قول أصحاب المعارف لأنه تعالى أخبر عنهم بالنفاق و بأنهم لا يعلمون ذلك.

القراءة

قرأ ابن عامر و حمزة فزادهم الله بإمالة الزاي و كذلك شاء و جاء و قرأ أهل الكوفة «يَكْذِبُونَ» بفتح الياء مخففا و الباقون يكذبون .

الحجة

حجة من أمال الألف من زاد أنه يريد أن يدل بالإمالة على أن العين ياء كما أبدلوا من الضمة كسرة في عين و بيض جمع أعين و أبيض لتصح الياء و لا تقلب إلى‏

135

(1) - الواو و حجة من قرأ «يَكْذِبُونَ» أن يقول إن ذلك أشبه بما قبل الكلمة و ما بعدها لأن قولهم آمَنََّا بِاللََّهِ كذب منهم فلهم عذاب أليم بكذبهم و ما و صلته بمعنى المصدر و في قولهم فيما بعد إِذََا خَلَوْا إِلى‏ََ شَيََاطِينِهِمْ (قََالُوا) إِنََّا مَعَكُمْ دلالة أيضا على كذبهم فيما ادعوه من إيمانهم و إذا كان أشبه بما قبله و ما بعده كان أولى و حجة من قرأ يكذبون بالتشديد قوله‏ «وَ لَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ» و قوله «وَ إِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي» و قوله‏ «بَلْ كَذَّبُوا بِمََا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ» و قوله‏ «وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ» و نحو ذلك و التكذيب أكثر من الكذب لأن كل من كذب صادقا فقد كذب و ليس كل من كذب مكذبا فكأنه قال و لهم عذاب أليم بتكذيبهم و أدخل كان ليدل على أن ذلك كان فيما مضى.

اللغة

المرض العلة في البدن و نقيضه الصحة قال سيبويه أمرضته جعلته مريضا و مرضته قمت عليه و وليته و زاد فعل يتعدى إلى مفعولين قال الله تعالى‏ «وَ زِدْنََاهُمْ هُدىً» و «زََادَهُ بَسْطَةً» و مصدره الزيادة و الزيد قال‏

(كذلك زيد المرء بعد انتقاصه)

و الأليم الموجع فعيل بمعنى مفعل كالسميع بمعنى المسمع و النذير بمعنى المنذر و البديع بمعنى المبدع قال ذو الرمة

(يصك وجوهها وهج أليم)

و الكذب ضد الصدق و هو الإخبار عن الشي‏ء لا على ما هو به و الكذب ضرب من القول و هو نطق فإذا جاز في القول أن يتسع فيه فيجعل غير نطق في نحو قوله‏

(قد قالت الأنساع للبطن الحقي)

جاز أيضا في الكذب أن يجعل غير نطق في نحو قوله:

و ذبيانية وصت بنيها # بأن كذب القراطف و القروف‏

فيكون في ذلك انتفاء لها كما أنه إذا أخبر عن الشي‏ء بخلاف ما هو به كان فيه انتفاء للصدق أي كذب القراطف فأوجدوها بالغارة .

المعنى‏

«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» المراد بالمرض في الآية الشك و النفاق بلا خلاف و إنما سمي الشك في الدين مرضا لأن المرض هو الخروج عن حد الاعتدال فالبدن ما لم تصبه آفة يكون صحيحا سويا و كذلك القلب ما لم تصبه آفة من الشك يكون صحيحا و قيل أصل المرض الفتور فهو في القلب فتوره عن الحق كما أنه في البدن فتور الأعضاء و تقدير الآية في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الله و رسوله مرض أي شك حذف المضاف‏

136

(1) - و أقيم المضاف إليه مقامه و قوله «فَزََادَهُمُ اَللََّهُ مَرَضاً» قيل فيه وجوه (أحدها) أن معناه ازدادوا شكا عند ما زاد الله من البيان بالآيات و الحجج إلا أنه لما حصل ذلك عند فعله نسب إليه كقوله تعالى في قصة نوح (ع) «فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً» لما ازدادوا فرارا عند دعاء نوح (ع) نسب إليه و كذلك قوله‏ «وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» الآيات لم تزدهم رجسا و إنما ازدادوا رجسا عندها (و ثانيها) ما قاله أبو علي الجبائي أنه أراد في قلوبهم غم بنزول النبي ص المدينة و بتمكنه فيها و ظهور المسلمين و قوتهم فزادهم الله غما بما زاده من التمكين و القوة و أمده به من التأييد و النصرة (و ثالثها) ما قاله السدي إن معناه زادتهم عداوة الله مرضاو هذا في حذف المضاف مثل قوله تعالى «فَوَيْلٌ لِلْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اَللََّهِ» أي من ترك ذكر الله (و رابعها) أن المراد في قلوبهم حزن بنزول القرآن بفضائحهم و مخازيهم فزادهم الله مرضا بأن زاد في إظهار مقابحهم و مساويهم و الإخبار عن خبث سرائرهم و سوء ضمائرهم و سمي الغم مرضا لأنه يضيق الصدر كما يضيقه المرض (و خامسها) ما قاله أبو مسلم الأصفهاني أن ذلك على سبيل الدعاء عليهم كقوله تعالى‏ «ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ» فكأنه دعاء عليهم بأن يخليهم الله و ما اختاروه و لا يعطيهم من زيادة التوفيق و الألطاف ما يعطي المؤمنين فيكون خذلانا لهم و هو في الحقيقة إخبار عن خذلان الله إياهم و إن خرج في اللفظ مخرج الدعاء عليهم ثم قال «وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» و هو عذاب النار «بِمََا كََانُوا يَكْذِبُونَ» أي بتكذيبهم الله و رسوله فيما جاء به من الدين أو بكذبهم في قولهم «آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» .

ـ

القراءة

قرأ الكسائي قيل و غيض و سي‏ء و سيئت و حيل و سيق و جي‏ء بضم أوائل ذلك كله و روي عن يعقوب مثل ذلك و وافقهما نافع في سي‏ء و سيئت و ابن عامر فيهما و في حيل و سيق و الباقون يكسرون كلها.

الحجة

في هذه كلها ثلاث لغات الكسر و إشمام الضم و قول بالواو فأما قيل بالكسر فعلى نقل حركة العين إلى الفاء لأن أصله قول ثم قلبت الواو ياء لسكونها و انكسار ما قبلها و هو قياس مطرد في كل ما اعتلت عينه و أما الإشمام فلأجل الدلالة على الأصل‏