مجمع البيان في تفسير القرآن - ج2

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
919 /
489

الجزء الثاني‏

(1) -

بقية سورة البقرة

اللغة

الصوم في اللغة الإمساك و منه يقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام قال ابن دريد كل شي‏ء سكنت حركته فقد صام صوما و قال النابغة :

خيل صيام و خيل غير صائمة # تحت العجاج و أخرى تملك اللجما

أي قيام و صامت الريح أي ركدت و صامت الشمس إذا استوت في منتصف النهار و صام النهار أيضا بمقدار قال امرؤ القيس :

فدعها و سل الهم عنك بجسرة # ذمول إذا صام النهار و هجرا

و الصوم ذرق النعام و أصل الباب الإمساك و هو في الشرع إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص ممن هو على صفات مخصوصةفي زمان مخصوص فالاسم شرعي و فيه معنى اللغة و الصيام بمعنى الصوم يقال صمت صوما و صياما .

الإعراب‏

الصيام رفع بما لم يسم فاعله و قوله «كَمََا كُتِبَ» أي مثل ما كتب فما هذه مصدرية و تقدير الكلام كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم فحذف المصدر و أقيم صفته مقامه و يحتمل أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من‏

490

(1) - الصيام و تقديره كتب عليكم الصيام مفروضا أي في هذه الحال.

المعنى‏

ثم بين سبحانه فريضة أخرى فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي يا أيها المصدقون و

روي عن الصادق (ع) أنه قال: لذة ما في الندا أزال تعب العبادة و العنا

و قال الحسن : إذا سمعت الله عز و جل يقول «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» فارع لها سمعك فإنها لأمر تؤمر به أو لنهي تنهى عنه «كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ» أي فرض عليكم العبادة المعروفة في الشرع و إنما خص المؤمنين بالخطاب لقبولهم لذلك و لأن العبادة لا تصح إلا منهم و وجوبه عليهم لا ينافي وجوبه على غيرهم و قوله «كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» فيه أقوال (أحدها) أنه شبه فرض صومنا بفرض صوم من تقدمنا من الأمم‏أي كتب عليكم صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيام و ليس فيه تشبيه عدد الصوم المفروض علينا و لا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم أو وقته و هو اختيار أبي مسلم و الجبائي (و ثانيها) أنه فرض علينا صوم شهر رمضان كما كان فرض صوم شهر رمضان على النصارى و كان يتفق ذلك في الحر الشديد و البرد الشديد فحولوه إلى الربيع و زادوا في عدده عن الشعبي و الحسن و قيل كان الصوم علينا من العتمة إلى العتمة ثم اختلف فيه فقال بعضهم كان يحرم الطعام و الشراب من وقت صلاة العتمة إلى وقت صلاة العتمة و قال بعضهم كان يحرم من وقت النوم إلى وقت النوم ثم نسخ ذلك فالمراد بقوله «اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» النصارى على قول الحسن و الشعبي و أهل الكتاب من اليهود و النصارى على قول غيرهما و قوله «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» أي لكي تتقوا المعاصي بفعل الصوم عن الجبائي و قيل لتكونوا أتقياء بما لطف لكم في الصيام فإنه أقوى الوسائل و الوصل إلى الكف عن المعاصي كما

روي عن النبي ص أنه قال: خصاء أمتي الصوم‏

و

سأل هشام بن الحكم أبا عبد الله عن علة الصيام فقال إنما فرض الصيام ليستوي به الغني و الفقير و ذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير فأراد الله سبحانه أن يذيق الغني مس الجوع‏ليرق على الضعيف و يرحم الجائع.

491

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و نافع و ابن عامر فدية طعام مساكين على إضافة فدية إلى طعام و جمع المساكين و قرأ الباقون «فِدْيَةٌ» منونة «طَعََامُ» رفع «مِسْكِينٍ» موحد مجرورا و قرأ حمزة و الكسائي و من يطوع خيرا و الباقون «تَطَوَّعَ» و قد مضى ذكره و روي في الشواذ يطوقونه عن ابن عباس بخلاف و عائشة و سعيد بن المسيب و عكرمة و عطا يطوقونه على معنى يتطوقونه عن مجاهد و عن ابن عباس و عن عكرمة و روي عن ابن عباس أيضا يتطيقونه و يطيقونه أيضا.

الحجة

من قرأ «فِدْيَةٌ طَعََامُ مِسْكِينٍ» فطعام مسكين عطف بيان لفدية و إفراد مسكين جائز و إن كان المعنى على الكثرة لأن المعنى على كل واحد طعام مسكين قال أبو زيد يقال أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة و أعطانا كلنا مائة و أما من أضاف الفدية إلى طعام كإضافة البعض إلى ما هو بعض له فإنه سمى الطعام الذي يفدي به فدية ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية و غيرها و هو على هذا من باب خاتم حديد و أما من قرأ يطوقونه فإنه يفعلونه من الطاقة فهو كقوله يجشمونه و يكلفونه و يجعل لهم كالطوق في أعناقهم و يطوقونه كقولك يتكلفونه و يتجشمونه و أما من قرأ يطيقونه فإنه يتطيقونه يتفعلونه إلا أن العينين أبدلتا ياء كما قالوا في تصور الجرف تهير و يطيقونه يفعلونه منه.

اللغة

السفر أصله من السفر الذي هو الكشف تقول سفر يسفر سفرا و انسفرت الإبل إذا انكشفت ذاهبة و سفرت الريح السحاب قال العجاج :

(سفر الشمال الزبرج المزبرجا)

الزبرج السحاب الرقيق و في السفر يظهر ما لا يظهر إلا به و ينكشف من أخلاق الناس ما لا ينكشف إلا به و العدة فعلة من العد و هي بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون و الحمل بمعنى المحمول و الطوق الطاقة و هي القوة يقال طاق الشي‏ء يطوقه طوقا و طاقة و الطاق إطاقة إذا قوي عليه و طوقه تطويقا ألبسه الطوق و هو معروف من ذهب كان أو من فضة لأنه يكسبه قوة بما يعطيه من الجلالة و كل شي‏ء استدار فهو طوق و طوقه الأمير أي جعله كالطوق في عنقه .

الإعراب‏

«أَيََّاماً» قال الزجاج يجوز في انتصابه وجهان (أحدهما) أن يكون ظرفا كأنه كتب عليكم الصيام في أيام و العامل فيه الصيام كان المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما و قال بعض النحويين أنه مفعول ما لم يسم فاعله نحو قولك أعطي زيد المال قال و ليس هذا بشي‏ء لأن الأيام هاهنا متعلقة بالصوم و زيد و المال مفعولان لأعطي ذلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل و ليس في هذا إلا نصب أيام بالصيام قال أبو علي «أَيََّاماً» يجوز في‏

492

(1) - انتصابه وجهان (أحدهما) أن ينتصب على الظرف و الآخر أن ينتصب انتصاب المفعول به على السعة فإذا انتصب على أنه ظرف جاز أن يكون العامل فيه كتب فيكون التقدير كتب عليكم الصيام في أيام و إن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به فتقول على هذا يا مكتوب أيام عليه أو يا كاتب أيام الصيام و إنما جاز إضافة اسم الفاعل أو المفعول إلى أيام لإخراجك إياه عن أن يكون ظرفا و اتساعك في تقديره اسما و إذا كان الأمر على ما ذكرناه كان ما منعه أبو إسحاق من إجازة من أجاز أن كتب عليكم الصيام أياما بمنزلة أعطى زيد المال جائز غير ممتنع قال و لا يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام على أن يكون المعنى كتب عليكم الصيام في أيام لأن ذلك و إن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك أ لا ترى أنك إذا حملته على ذلك فصلت بين الصلة و الموصول بأجنبي منهما و ذلك أن أياما تصير من صلة الصيام و قد فصلت بينهما بمصدر كتب لأن التقدير كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم فالكاف في كما متعلقة بكتب و قد فصلت بها بين المصدر و صلته و ليس من واحد منهما و أقول أنه يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام إذا جعلت الكاف من قوله «كَمََا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» في موضع نصب على الحال أي مفروضا مثل ما فرض عليهم فيكون ما موصولا و كتب صلته و في كتب ضمير يعود إلى ما و الموصول و صلته في موضع جر بإضافة الكاف إليه و الكاف موضع النصب بأنه صفة للمحذوف الذي هو الحال من الصيام فعلى هذا لم يفصل بين الصلة و الموصول ما هو أجنبي منهما على ما ذكره الشيخ أبو علي و قوله «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ» تقديره فعليه عدة فيكون ارتفاع عدة على الابتداء على قول سيبويه و على قول الأخفش يكون مرتفعا بالظرف على ما تقدم بيانه و يجوز أن يكون تقديره فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام أخر فيكون عدة خبر الابتداء و أخر لا ينصرف لأنه وصف معدول عن الألف و اللام لأن نظائرها من الصغر و الكبر لا يستعمل إلا بالألف و اللام لا يجوز نسوة صغر و إن تصوموا في موضع رفع بالابتداء و خير خبر له و لكم صفة الخبر.

ـ

المعنى‏

«أَيََّاماً مَعْدُودََاتٍ» أي معلومات محصورات مضبوطات كما يقال أعطيت مالا معدودا أي محصورا متعينا و يجوز أن يريد بقوله «مَعْدُودََاتٍ» أنها قلائل كما قال سبحانه‏ دَرََاهِمَ مَعْدُودَةٍ يريد أنها قليلة و اختلف في هذه الأيام على قولين (أحدهما) أنها غير شهر رمضان و كانت ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ عن معاذ و عطا و عن ابن عباس

493

(1) - و روي ثلاثة أيام من كل شهر و صوم عاشوراء عن قتادة ثم قيل أنه كان تطوعا و قيل بل كان واجبا و اتفق هؤلاء على أن ذلك منسوخ بصوم شهر رمضان‏و الآخر أن المعني بالمعدودات شهر رمضان عن ابن عباس و الحسن و اختاره الجبائي و أبو مسلم و عليه أكثر المفسرين قالوا أوجب سبحانه الصوم أولا فأجمله و لم يبين أنها يوم أو يومان أم أكثر ثم بين أنها أيام معلومات و أبهم ثم بينه بقوله «شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ » قال القاضي و هذا أولى لأنه إذا أمكن حمله على معنى من غير إثبات نسخ كان أولى و لأن ما قالوه زيادة لا دليل عليه «فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ» عطف قوله «عَلى‏ََ سَفَرٍ» و هو ظرف على قوله «مَرِيضاً» و هو اسم مع أن الظرف لا يعطف على الاسم لأنه و إن كان ظرفا فهو بمعنى الاسم و تقديره فمن كان منكم مريضا أو مسافرا فالذي ينوب مناب صومه عدة من أيام أخر و فيه دلالة على أن المسافر و المريض يجب عليهما الإفطار لأنه سبحانه أوجب القضاء بنفس السفر و المرض و من قدر في الآية فأفطر فقد خالف الظاهر و قد ذهب إلى وجوب الإفطار في السفر جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب و عبد الله بن عباس و عبد الله بن عمر و عبد الرحمن بن عوف و أبي هريرة و عروة بن الزبير و هو المروي عن أئمتنا فقد روي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه و روى يوسف بن الحكم قال سألت ابن عمر عن الصوم في السفر فقال أ رأيت لو تصدقت على رجل صدقة فردها عليك أ لا تغضب فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم و

روى عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله الصائم في السفر كالمفطر في الحضر

و روي عن ابن عباس أنه قال الإفطار في السفر عزيمة و

روى أصحابنا عن أبي عبد الله أنه قال الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر

و

عنه (ع) قال لو أن رجلا مات صائما في السفر لما صليت عليه‏

و

عنه ص قال من سافر أفطر و قصر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله‏

و

روى العياشي بإسناده مرفوعا إلى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله قال لم يكن رسول الله يصوم في السفر تطوعا و لا فريضة حتى نزلت هذه الآية بكراع الغميم عند صلاة الهجير فدعا رسول الله بإناء فيه ماء فشرب و أمر الناس أن يفطروا فقال قوم قد توجه النهار و لو تممنا يومنا هذا فسماهم رسول الله العصاة فلم يزالوا يسمون بذلك الاسم حتى قبض رسول الله

«وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» الهاء يعود إلى الصوم عند أكثر أهل العلم أي يطيقون الصوم خير الله المطيقين الصوم من الناس كلهم بين أن يصوموا و لا

494

(1) - يكفروا و بين أن يفطروا و يكفروا عن كل يوم بإطعام مسكين لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ ذلك بقوله «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» و قيل أن الهاء يعود إلى الفداء عن الحسن و أبي مسلم و أما المعني بقوله «اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» ففيه ثلاثة أقوال (أولها) أنه سائر الناس كما قدمنا ذكره من التخيير و النسخ بعده و هو قول ابن عباس و الشعبي (و ثانيها) أن هذه الرخصة كانت للحوامل و المراضع و الشيخ الفاني ثم نسخ من الآية الحامل و المرضع و بقي الشيخ الكبير عن الحسن و عطاء (و ثالثها) أن معناه و على الذين كانوا يطيقونه ثم صاروا بحيث لا يطيقونه و لا نسخ فيه عن السدي و

قد رواه بعض أصحابنا عن أبي عبد الله أن معناه و على الذين كانوا يطيقون الصوم ثم أصابهم كبر أو عطاش و شبه ذلك فعليهم كل يوم مد

و

روى علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق (ع) و على الذين يطيقونه فدية من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه أن يقتضي و يتصدق لكل يوم مدا من طعام‏

و قوله «فِدْيَةٌ طَعََامُ مِسْكِينٍ» اختلف في مقدار الفدية فقال أهل العراق نصف صاع عن كل يوم و قال الشافعي عن كل يوم مد و عندنا إن كان قادرا فمدان فإن لم يقدر أجزأه مد واحدو قوله «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» قيل معناه من أطعم أكثر من مسكين واحد عن عطا و طاووس و قيل أطعم المسكين الواحد أكثر من قدر الكفاية حتى يزيده على نصف صاع عن مجاهد و يجمع بين القولين قول ابن عباس من تطوع بزيادة الإطعام و قيل معناه من عمل برا في جمع الدين فهو خير له عن الحسن و قيل من صام مع الفدية عن الزهري و قوله «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» أي و صومكم خير لكم من الإفطار و الفدية و كان هذا مع جواز الفدية فأما بعد النسخ فلا يجوز أن يقال الصوم خير من الفدية مع أن الإفطار لا يجوز أصلا و قيل معناه الصوم خير لمطيقة و أفضل ثوابا من التكفير لمن أفطر بالعجز «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» إن الصوم خير لكم من الفدية و قيل إن كنتم تعلمون أفضل أعمالكم و في قوله سبحانه «وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» دلالة على أن الاستطاعة قبل الفعل.

495

(1) -

القراءة

قرأ أبو بكر عن عاصم و لتكملوا بالتشديد و الباقون «لِتُكْمِلُوا» بالتخفيف و قرأ أبو جعفر العسر و اليسر بالتثقيل فيهما و الباقون بالتخفيف.

الحجة

حجة من قرأ «وَ لِتُكْمِلُوا» قوله‏ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ و من قرأ و لتكملوا فلأن فعل و أفعل كثيرا ما يستعمل أحدهما موضع الآخر قال النابغة :

فكملت مائة منها حمامتها # و أسرعت حسبة في ذلك العدد.

اللغة

الشهر معروف و جمعه في القلة أشهر و في الكثرة شهور و أصله من اشتهاره بالهلال يقال شهرت الحديث أظهرته و شهرت السيف انتضيته و أتان شهيرة عريضة ضخمة و أصل الباب الظهور و أصل رمضان من الرمض و هو شدة وقع الشمس على الرمل و غيره و إنما سموه رمضان لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق رمضان أيام رمض الحر و قد جمعوا رمضان على رمضانات و قيل أن رمضان اسم من أسماء الله فروي عن مجاهد لا تقل رمضان و لكن قل شهر رمضان فإنك لا تدري ما رمضان و

قد جاء في الأخبار المروية عن النبي ص أنه قال من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه‏

و قيل إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها و القرآن أصله الجمع لقولهم ما قرأت الناقة سلا قط أي ما جمعت رحمها على سلا و منه القراءة و القارئ لأنه يجمع الحروف و الفرقان الذي يفرق بين الحق و الباطل و الإرادة أصلها الواو لأنك تقول راودته على أن يفعل كذا مراودة و منه راد يرود رودا فهو رائد و في المثل الرائد لا يكذب أهله و أصل الباب الطلب و الإرادة بمعنى الطلب للمراد لأنها كالسبب له و اليسر ضد العسر و اليسار الغنى و السعة و اليسار اليد اليسرى و اليسر الجماعة يجتمعون على الجزور في الميسر و الجمع الإيسار و أصل الباب السهولة و أصل العسر الصلابة يقال عسر الشي‏ء عسرا و رجل أعسر يعمل بشماله و أعسر الرجل إذا افتقر و ضده اليسر و يقال كمل الشي‏ء و أكملته و كملته أي تممته .

الإعراب‏

«شَهْرُ رَمَضََانَ» في ارتفاعه ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون خبر مبتدإ

496

(1) - محذوف يدل عليه قوله أَيََّاماً أي هي شهر رمضان (و الثاني) أن يكون بدلا من الصيام فكأنه قال كتب عليكم شهر رمضان (و الثالث) أن يرتفع بالابتداء و يكون خبره «اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ » و إن شئت جعلت الذي أنزل فيه القرآن صفة له و أضمرت الخبر حتى كأنه قال و فيما كتب عليكم شهر رمضان أي صيام شهر رمضان و لا ينصرف رمضان للتعريف و زيادة الألف و النون المضارعتين لألفي التأنيث و يجوز في العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين (أحدهما) صوموا شهر رمضان و الآخر على البدل من قوله أَيََّاماً فقوله «هُدىً» في موضع النصب على الحال أي هاديا للناس و قوله «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» فالشهر ينتصب على أنه ظرف لا على أنه مفعول به لأنه لو كان مفعولا به للزم الصيام المسافر كما يلزم المقيم من حيث أن المسافر يشهد الشهر شهادة المقيم فلما لم يلزم المسافر علمنا أن معناه فمن شهد منكم المصر في الشهر و لا يكون مفعولا به كما لو قلت أحييت شهر رمضان يكون مفعولا به فإن قلت كيف جاء ضميره متصلا في قوله «فَلْيَصُمْهُ» إذا لم يكن مفعولا به قلنا لأن الاتساع وقع فيه بعد أن استعمل ظرفا على ما تقدم بيان أمثاله و إنما عطف الظرف على الاسم في قوله «وَ مَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ» لأنه بمعنى الاسم فكأنه قال أو مسافرا كقوله سبحانه‏ «دَعََانََا لِجَنْبِهِ أَوْ قََاعِداً أَوْ قََائِماً» أي دعانا مضطجعا و أما العطف باللام في قوله «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» ففيه وجهان (أحدهما) أنه عطف جملة على جملة لأن بعده محذوفا و تقديره و لتكملوا العدة شرع ذلك أو أريد ذلك و مثله قوله‏ «وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ» أي و ليكون من الموقنين أريناه ذلك (و الثاني) أن يكون عطفا على تأويل محذوف و دل عليه ما تقدم من الكلام لأنه لما قال «يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ» دل على أنه قد فعل ذلك ليسهل عليكم فجاز و لتكملوا العدة عطفا عليه قال الشاعر:

بادت و غير آيهن مع البلى # إلا رواكد جمرهن هباء

و مشجج إما سواء قذاله # فبدا و غيب مماره المعزاء

أي سائرة فعطف على تأويل الكلام كأنه قال بها رواكد و مشجج هذا قول الزجاج و الأول قول الفراء .

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه وقت الصوم فقال «شَهْرُ رَمَضََانَ» أي هذه الأيام‏

497

(1) - المعدودات شهر رمضان أو كتب عليكم شهر رمضان أو شهر رمضان هو الشهر «اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ » فبين أنه خصه بالصوم فيه لاختصاصه بالفضائل المذكورة و هو أنه «أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ » الذي عليه مدار الدين و الإيمان ثم اختلف في قوله «أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ » فقيل‏

أن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ثم أنزل على النبي بعد ذلك نجوما في طول عشرين سنة عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله

و قيل إن الله تعالى ابتدأ إنزاله في ليلة القدر من شهر رمضان عن ابن إسحاق و قيل أنه كان ينزل إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور و الأيام عن السدي يسنده إلى ابن عباس و

روى الثعلبي بإسناده عن أبي ذر الغفاري عن النبي ص أنه قال أنزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من شهر رمضان و في رواية الواحدي في أول ليلة منه و أنزلت توراة موسى لست مضين من شهر رمضان و أنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان و أنزل زبور داود لثمان عشرة ليلة مضت من رمضان و أنزل الفرقان على محمد لأربع و عشرين من شهر رمضان و هذا بعينه رواه العياشي عن أبي عبد الله عن آبائه عن النبي ص

و قيل المراد بقوله «أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ » أنه أنزل في فرضه و إيجاب صومه على الخلق القرآن فيكون فيه بمعنى في فرضه. كما يقول القائل أنزل الله في الزكاة كذا يريد في فرضها ثم وصف سبحانه القرآن بقوله «هُدىً لِلنََّاسِ» أي هاديا للناس و دالا لهم على ما كلفوه من العلوم «وَ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْهُدى‏ََ» أي و دلالات من الهدى و قيل المراد بالهدى الأول الهدى من الضلالة و بالثاني بيان الحلال و الحرام عن ابن عباس و قيل أراد بأول ما كلف من العلم و بالثاني ما يشتمل عليه من ذكر الأنبياء و شرائعهم و أخبارهم لأنها لا تدرك إلا بالقرآن عن الأصم و القاضي و قوله «وَ اَلْفُرْقََانِ» أي و مما يفرق بين الحق و الباطل و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال القرآن جملة الكتاب و الفرقان المحكم الواجب العمل به‏

و

روى الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن أبي الورد عن أبي جعفر قال خطب رسول الله ص الناس في آخر جمعة من شعبان فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس: إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر و هو شهر رمضان فرض الله صيامه و جعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاةكمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور و جعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير و البر كأجر من أدى فريضة من فرائض الله فيما سواه و من أدى فيه فريضة من فرائض الله كان كمن أدى سبعين فريضة[من فرائض‏]فيما سواه من‏

498

(1) - الشهور و هو شهر الصبر و إن الصبر ثوابه الجنة و هو شهر المواساة و هو شهر يزيد الله فيه من رزق المؤمنين و من فطر فيه مؤمنا صائما كان له بذلك عند الله عتق رقبة و مغفرة لذنوبه فيما مضى فقيل له يا رسول الله ليس كلنا نقدر على أن نفطر صائما قال فإن الله كريم يعطي هذا الثواب من لم يقدر منكم إلا على مذقة من لبن يفطر بها صائما أو شربة من ماء عذب أو تميرات لا يقدر على أكثر من ذلك و من خفف فيه عن مملوكه خفف الله عليه حسابه و هو شهر أوله رحمة و أوسطه مغفرة و آخره إجابة و العتق من النار و لا غنى بكم فيه عن أربع خصال خصلتين ترضون الله بهما و خصلتين لا غنى بكم عنهما فأما اللتان ترضون الله بهما فشهادة أن لا إله إلا الله و إني رسول الله و أما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله فيه حوائجكم و الجنةو تسألون الله فيه العافية و تتعوذون به من النار

و

في رواية سلمان الفارسي فاستكثروا فيه من أربع خصال خصلتان ترضون بهما ربكم و خصلتان لا غنى بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون ربكم بهما فشهادة أن لا إله إلا الله و تستغفرونه و أما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة و تتعوذون به من النار

و

قال رسول الله نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و دعاؤه مستجاب و عمله مضاعف‏

و قوله «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» فيه وجهان (أحدهما) فمن شهد منكم المصر و حضر و لم يغب في الشهر و الألف و اللام في الشهر للعهد و المراد به شهر رمضان فليصم جميعه و هذا معنى ما

رواه زرارة عن أبي جعفر أنه قال لما سئل عن هذه ما أبينها لمن عقلها قال من شهد شهر رمضان فليصمه و من سافر فيه فليفطر

و

قد روي أيضا عن علي و ابن عباس و مجاهد و جماعة من المفسرين أنهم قالوا من شهد الشهر بأن دخل عليه الشهر و هو حاضر فعليه أن يصوم الشهر كله‏

(و الثاني) من شاهد منكم الشهر مقيما مكلفا فليصم الشهر بعينه‏و هذا نسخ للتخيير بين الصوم و الفدية و إن كان موصولا به في التلاوة لأن الانفصال لا يعتبر عند التلاوة بل عند الإنزال و الأول أقوى و قوله «وَ مَنْ كََانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ» قد مضى تفسيره في الآية المتقدمة و حد المرض الذي يوجب الإفطار ما يخاف الإنسان معه الزيادة المفرطة في مرضه و

روى أبو بصير قال سألت أبا عبد الله عن حد المرض الذي على صاحبه فيه الإفطار قال هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر و إن وجد قوة فليصم كان المرض على ما كان‏

و روي أيضا أن ذلك كل مرض لا يقدر معه على القيام بمقدار زمان صلاته و به قال الحسن و في ذلك اختلاف بين الفقهاء و أما السفر الذي يوجب الإفطار عندنا فما كان مباحا أو طاعة و كانت المسافة ثمانية فراسخ أربعة و عشرين ميلا و عند الشافعي ستة عشر فرسخا و عند أبي حنيفة أربعة و عشرين فرسخا و اختلف في العدة

499

(1) - من الأيام الأخر فقال الحسن و جماعة هي على التضييق إذا برأ المريض أو قدم المسافر و قال أبو حنيفة موسع فيها و عندنا موقت بما بين رمضانين و تجوز متتابعة و متفرقة و التتابع أفضل فإن فرط حتى لحقه رمضان آخر لزمه الفدية و القضاء و به قال الشافعي و قوله «يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ» أي في الرخصة للمريض و المسافر إذا لم يوجب الصوم عليهما و قيل يريد الله بكم اليسر في جميع أموركم «وَ لاََ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ» أي التضييق عليكم و فيه دلالة على بطلان قول المجبرة لأنه بين أن في أفعال المكلفين ما يريده سبحانه و هو اليسر و فيها ما لا يريده و هو العسر و لأنه إذا كان لا يريد بهم العسر فإن لا يريد تكليف ما لا يطاق أولى و قوله «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» تقديره يريد الله لأن يسهل عليكم و لأن تكملوا أي تتموا عدة ما أفطرتم فيه و هي أيام السفر و المرض بالقضاء إذا أقمتم و برأتم فتصوموا للقضاء بعدد أيام الإفطار و على القول الآخر فتقديره و لإكمال العدة شرع الرخصة في الإفطار و يحتمل أن يكون معناه و لتكملوا عدة الشهر لأنه مع الطاقة و عدم العذر يسهل عليه إكمال العدة و المريض و المسافر يتعسر عليهما ذلك فيكملان العدة في وقت آخرو من قال أن شهر رمضان لا ينقص أبدا استدل بقوله «وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ» و قال بين تعالى أن عدة شهر رمضان محصورة يجب صيامها على الكمال و لا يدخلها نقصان و لا اختلال فالجواب عنه من وجهين (أحدهما) أن المراد أكملوا العدة التي وجب عليكم صيامها و قد يجوز أن يكون هذه العدة تارة ثلاثين و تارة تسعة و عشرين (و الآخر) ما ذكرناه من أن المراد راجع إلى القضاء و يؤيده أنه سبحانه ذكره عقيب ذكر السفر و المرض و قوله «وَ لِتُكَبِّرُوا اَللََّهَ عَلى‏ََ مََا هَدََاكُمْ» المراد به تكبير ليلة الفطر عقيب أربع صلوات المغرب و العشاء الآخرة و الغداة و صلاة العيد على مذهبنا و قال ابن عباس و جماعة التكبير يوم الفطر و قيل المراد به و لتعظموا الله على ما أرشدكم له من شرائع الدين «وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» أي لتشكروا الله على نعمه.

اللغة

أجاب و استجاب بمعنى قال الشاعر:

و داع دعا يا من يحب لي الندا # فلم يستجبه عند ذاك مجيب‏

أي لم يجبه و قال المبرد بينهما فرق و هو أن في الاستجابة معنى الإذعان و ليس ذلك في‏

500

(1) - الإجابة و أصله من الجواب و هو القطع يقال جاب البلاد يجوبها جوبا إذا قطعها و اجتاب الظلام بمعناه و الجابة و الإجابة بمعنى و الصحيح أن الجابة و الطاعة و الطاقة و نحوها أسماء بمعنى المصادر و أجاب عن السؤال جوابا و انجاب السحاب إذا انقشع و أصل الباب القطع فإجابة السائل القطع بما سأل لأن سؤاله على الوقف أ يكون أم لا يكون و الرشد نقيض الغي رشد يرشد رشدا و رشد يرشد رشدا و رجل رشيد و ولد فلان لرشدة خلاف لزنية و أصل الباب إصابة الخير و منه الإرشاد و هو الدلالة على وجه الإصابة للخير .

الإعراب‏

إذا ظرف زمان للفعل الذي يدل عليه قوله «فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ» تقديره فأخبره يا محمد إني بهذه الصفة و لا يجوز أن يعمل فيه قريب أو أجيب لأن معمول إن لا يجوز أن يعمل فيما قبل إن لما بين في موضعه و قوله أجيب في موضع رفع بأنه خبر إن أيضا فهو خبر بعد خبر.

النزول‏

روي عن الحسن أن سائلا سأل النبي (ص) أ قريب ربنا فنناجيه‏أم بعيد فنناديه فنزلت الآية و قال قتادة نزلت جوابا لقوم سألوا النبي كيف ندعو .

ـ

المعنى‏

لما ذكر سبحانه الصوم عقبه بذكر الدعاء و مكانه منه و إجابته إياه فقال «وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي» الأقرب أن يكون السؤال عن صفته سبحانه لا عن فعله لقوله سبحانه «فَإِنِّي قَرِيبٌ» و فيه حذف أي فقل إني قريب فدل بهذا على أنه سبحانه لا مكان له إذ لو كان له مكان لم يكن قريبا من كل من يناجيه و قيل معناه إني أسمع دعاء الداعي كما يسمعه القريب المسافة منهم فجاءت لفظة قريب بحسن البيان بها فأما قريب المسافة فلا يجوز عليه سبحانه لأن ذلك إنما يتصور فيمن كان متمكنا في مكان و ذلك من صفات المحدثات و قوله «أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ» مفهوم المعنى و قوله «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» قال أبو عبيدة معناه فليجيبوني فيما دعوتهم إليه و قال المبرد و السراج معناه فليذعنوا للحق بطلب موافقة ما أمرتهم به و نهيتهم عنه و قال مجاهد معناه فليستجيبوا لي بالطاعة و قيل معناه فليدعوني و

روي عن النبي ص أعجز الناس من عجز عن الدعاء و أبخل الناس من بخل بالسلام‏

«وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» أي و ليصدقوا بجميع ما أنزلته و

روي عن أبي عبد الله أنه قال «وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» أي و ليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه «لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» أي لعلهم يصيبون الحق و يهتدون إليه‏

فإذا سئل فقيل نحن نرى كثيرا من الناس يدعون الله فلا يجيبهم فما معنى قوله «أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدََّاعِ إِذََا دَعََانِ» فالجواب أنه ليس أحد يدعو الله على ما

501

(1) - توجبه الحكمة إلا أجابه الله فإن الداعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه و لا يكون فيه مفسدة له و لا لغيره و يشترط ذلك بلسانه أو ينويه بقلبه فالله سبحانه يجيبه إذا اقتضت المصلحة إجابته أو يؤخر الإجابة إن كانت المصلحة في التأخير و إذا قيل إن ما تقتضيه الحكمة لا بد أن يفعله فما معنى الدعاء و إجابته فجوابه أن الدعاء عبادة في نفسها يعبد الله سبحانه بها لما في ذلك من إظهار الخضوع و الانقياد إليه سبحانه و أيضا فإنه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنما صار مصلحة بعد الدعاء و لا يكون مصلحة قبل الدعاء ففي الدعاء هذه الفائدة و يؤيد ذلك ما

روي عن أبي سعيد الخدري قال قال النبي (ص) ما من مسلم دعا الله سبحانه بدعوة ليس فيها قطيعة رحم و لا إثم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث إما أن يعجل دعوته و إما أن يؤخر له في الآخرة و إما أن يدفع عنه من السوء مثله قالوا يا رسول الله إذا نكثر قال الله أكثر و في رواية أنس بن مالك الله أكثر و أطيب ثلاث مرات‏

و

روي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله إن العبد ليدعو الله و هو يحبه فيقول يا جبرائيل لا تقض لعبدي هذا حاجته و أخرها فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته و أن العبد ليدعو الله و هو يبغضه فيقول يا جبرائيل اقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه و عجلها فإني أكره أن أسمع صوته‏

و

روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال ربما أخرت عن العبد إجابة الدعاء ليكون أعظم لأجر السائل و أجزل لإعطاء الأمل‏

و قيل لإبراهيم بن أدهم ما بالنا ندعو الله سبحانه فلا يستجيب لنا فقال لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه و عرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته و عرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه و أكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها و عرفتم الجنة فلم تطلبوها و عرفتم النار فلم تهربوا منها و عرفتم الشيطان فلم تحاربوه و وافقتموه‏و عرفتم الموت فلم تستعدوا له و دفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم و تركتم عيوبكم و اشتغلتم بعيوب الناس.

502

(1) -

اللغة

الرفث الجماع هاهنا بلا خلاف و قيل أن أصله القول الفاحش فكفي به عن الجماع قال العجاج :

"عن اللغا و رفث التكلم"

قال الأخفش إنما عديت بالي في الآية لأنه بمعنى الإفضاء و اللباس الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان و يشبه به الأغشية فيقال لبس السيف بالحلية و العرب تسمي المرأة لباسا و إزارا قال الشاعر:

إذا ما الضجيع ثنى عطفه # تثنت فكانت عليه لباسا

و قال:

أ لا أبلغ أبا حفص رسولا # فدى لك من أخي ثقة إزاري‏

قال أهل اللغة معناه امرأتي و الاختيان الخيانة يقال خانه يخونه خونا و خيانة و اختانه اختيانا «و خََائِنَةَ اَلْأَعْيُنِ» مسارقة النظر إلى ما لا يحل و أصل الباب منع الحق ، و المباشرة إلصاق البشرة بالبشرة و هي ظاهر الجلد و الابتغاء طلب البغية و «اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ» بياض الفجر و «اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ» سواد الليل فأول النهار طلوع الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء قال أبو داود :

فلما أضاءت لنا غدوة # و لاح من الصبح خيط أنارا

و الخيط في اللغة معروف يقال خاطه يخيطه خيطا و خياطة و الخيط القطيع من النعام و نعامة خيطاء قيل خيطها طول قصبها و عنقها و قيل اختلاط سوادها ببياضها و السواد و البياض لونان كل واحد منهما أصل بنفسه و بيضة الإسلام مجتمعة و ابتاضوهم أي استأصلوهم بمعنى اقتلعوا بيضتهم و السواد و المساودة المسارة لأن الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل و سواد العراق سمي به لكثرة الماء و الشجر الذي تسود به الأرض و سواد كل شي‏ء شخصه و سويداء القلب و سواده دمه الذي فيه و قيل حبة القلب و العكوف و الاعتكاف أصله اللزوم يقال عكفت بالمكان أي أقمت به ملازما له قال الطرماح :

503

(1) -

فبات بنات الليل في الليل عكفا # عكوف البواكي بينهن صريع‏

و هو في الشرع عبارة عن اللبث في مكان مخصوص للعبادة و الحد على وجوه الحد المنع و حدود الله فرائضه قال الزجاج هي ما منع الله من مخالفتها و الحد جلد الزاني و غيره و الحد حد السيف و غيره و الحد حد الدار و الحد فرق بين الشيئين و الحد نهاية الشي‏ء التي تمنع من أن يدخله ما ليس منه أو أن يخرج عنه ما هو منه و قال الخليل الحد الجامع المانع و الحداد البواب قال الأعشى :

فقمنا و لما يصح ديكنا # إلى جونة عند حدادها

يعني صاحبها الذي يحفظها و يمنعها و كل من منع شيئا فهو حداد و من ذلك أحدت المرأة على زوجها معناه امتنعت من الزينة و الحديد إنما سمي حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء فأصل الباب المنع .

النزول‏

روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه رفعه إلى أبي عبد الله قال كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم و كان النكاح حراما بالليل و النهار في شهر رمضان و كان رجل من أصحاب رسول الله يقال له مطعم بن جبير أخو عبد الله بن جبير الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة و فارقه أصحابه و بقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب و كان أخوه هذا مطعم بن جبير شيخا ضعيفا و كان صائما فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر فلما انتبه قال لأهله قد حرم علي الأكل في هذه الليلة فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول الله فرق له و كان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله هذه الآية فأحل النكاح بالليل في شهر رمضان و الأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر

و اختلفت العامة في اسم هذا الرجل من الأنصار فقال بعضهم قيس بن صرمة و قيل أبو صرمة و قيل أبو قيس بن صرمة و قيل صرمة بن إياس و قالوا جاء إلى رسول الله فقال عملت في النخل نهاري أجمع حتى إذا أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني فأبطأت فنمت فأيقظوني و قد حرم علي الأكل و قد أمسيت و قد جهدني الصوم فقال عمر يا رسول الله أعتذر إليك من مثله رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فأتيت امرأتي و قام رجال و اعترفوا بمثل الذي سمعوا فنزلت الآية عن ابن عباس و السدي .

ـ

504

(1) -

المعنى‏

ثم بين سبحانه وقت الصيام و ما يتعلق به من الأحكام فقال «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيََامِ اَلرَّفَثُ إِلى‏ََ نِسََائِكُمْ» أي الجماع و قال ابن عباس أن الله سبحانه حيي يكني بما شاء أن الرفث و اللباس و المباشرة و الإفضاء هو الجماع و قال الزجاج الرفث هو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة و هذا يقتضي تحريما متقدما أزيل عنهم و المراد بليلة الصيام الليلة التي يكون في غدها الصوم و

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر إلا أول ليلة من شهر رمضان فإنه يستحب ذلك لمكان الآية

و الأشبه أن يكون المراد به ليالي الشهر كله‏و إنما وحده لأنه اسم جنس يدل على الكثرة «هُنَّ لِبََاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبََاسٌ لَهُنَّ» أي هن سكن لكم و أنتم سكن لهن كما قال «وَ جَعَلْنَا اَللَّيْلَ لِبََاساً» أي سكنا عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و المعنى تلابسونهن و تخالطونهن بالمساكنة أي قل ما يصبر أحد الزوجين عن الآخر و قيل إنما جعل كل واحد منهما لباسا للآخر لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا لصاحبه و قال الربيع هن فراش لكم و أنتم لحاف لهن «عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتََانُونَ أَنْفُسَكُمْ» لما حرم عليهم الجماع و الأكل بعد النوم و خالفوا في ذلك ذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك التحريمة فقال «عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتََانُونَ أَنْفُسَكُمْ» بالمعصية أي لا تؤدون الأمانة بالامتناع عن المباشرة و قيل معنى تختانون تنقصون أنفسكم من شهواتها و تمنعونها من لذاتها باجتناب ما نهيتم عنه فخففه الله عنكم «فَتََابَ عَلَيْكُمْ» أي قبل توبتكم و قيل معناه فرخص لكم و أزال التشديد عنكم «وَ عَفََا عَنْكُمْ» فيه وجهان (أحدهما) غفر ذنوبكم (و الآخر) أزال تحريم ذلك عنكم و ذلك عفو عن تحريمه عليهم «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» بالليل أي جامعوهن لفظه أمر و معناه الإباحة «وَ اِبْتَغُوا مََا كَتَبَ اَللََّهُ لَكُمْ» فيه قولان‏ (أحدهما) اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد عن الحسن و أكثر المفسرين و هو أن يجامع الرجل أهله رجاء أن يرزقه الله ولدا يعبده و يسبح له (و الآخر) اطلبوا ما كتب الله لكم من الحلال الذي بينه في كتابه فإن الله يحب أن يؤخذ برخصة كما يحب أن يؤخذ بعزائمه و قوله «وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا» إباحة للأكل و الشرب «حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ» أي ليظهر و يتميز لكم على التحقيق الخيط الأبيض من الخيط الأسود أي النهار من الليل فأول النهار طلوع الفجر الثاني و قيل بياض الفجر من سواد الليل و قيل بياض أول النهار من سواد آخر الليل و إنما شبه ذلك بالخيط لأن القدر الذي يحرم الإفطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد و لا اعتبار بالانتشار «مِنَ اَلْفَجْرِ» يحتمل-من-معنيين‏

505

(1) - (أحدهما) أن يكون بمعنى التبعيض لأن المعنى من بعض الفجر و ليس الفجر كله عن ابن دريد (و الآخر) أنه للتبيين لأنه بين الخيط الأبيض‏فكأنه قال الخيط الأبيض الذي هو الفجر و

روي أن عدي بن حاتم قال للنبي إني وضعت خيطين من شعر أبيض و أسود فكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي فضحك رسول الله حتى رؤيت نواجذه ثم قال يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار و سواد الليل فابتداء الصوم من هذا الوقت‏

ثم بين تعالى الانتهاء فقال «ثُمَّ أَتِمُّوا اَلصِّيََامَ إِلَى اَللَّيْلِ» أي من وقت طلوع الفجر الثاني و هو المستطيل المعترض الذي يأخذ الأفق و هو الفجر الصادق الذي يجب عنده الصلاة إلى وقت دخول الليل و هو بعد غروب الشمس و علامة دخوله على الاستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق و إقبال السواد منه و إلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة و عدم الجبال و الروابي فقد دخل الليل و قوله «وَ لاََ تُبَاشِرُوهُنَّ» في معناه قولان هاهنا (أحدهما) أنه أراد به الجماع عن ابن عباس و الحسن و قتادة (و الثاني) أنه أراد الجماع و كل ما دونه من قبلة و غيرها من مالك و ابن زيد و هو مذهبنا و قوله «وَ أَنْتُمْ عََاكِفُونَ فِي اَلْمَسََاجِدِ» أي معتكفون أي لا تباشروهن في حال اعتكافكم في المساجد و الاعتكاف لا يصح عندنا إلا في أحد المساجد الأربعة المسجد الحرام و مسجد النبي و مسجد الكوفة و مسجد البصرة و عند سائر الفقهاء يجوز في سائر المساجد إلا أن مالكا قال أنه يختص بالجامع و لا يصح الاعتكاف عندنا إلا بصوم و به قال أبو حنيفة و مالك و عند الشافعي يصح بغير صوم و عندنا لا يكون إلا في ثلاثة أيام و عند أبي حنيفة يوم واحد و عند مالك عشرة أيام لا يجوز أقل منه و عند الشافعي ما شاء و لو ساعة واحدة و في الآية دلالة على تحريم المباشرة في الاعتكاف ليلا و نهارا لأنه علق المباشرة بحال الاعتكاف و قوله «تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ» تلك إشارة إلى الأحكام المذكورة في الآية حدود الله حرمات الله عن الحسن و قيل معناه معاصي الله عن الضحاك و قيل ما منع الله منه عن الزجاج «فَلاََ تَقْرَبُوهََا» أي فلا تأتوها و قيل معناه تلك فرائض الله فلا تقربوها بالمخالفة «كَذََلِكَ» أي مثل هذا البيان الذي ذكر «يُبَيِّنُ اَللََّهُ آيََاتِهِ لِلنََّاسِ» أي حججه و أدلته على ما أمرهم به و نهاهم عنه «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» أي لكي يتقوا معاصيه و تعدي حدوده فيما أمرهم به و نهاهم عنه و أباحهم إياها و في هذا دلالة على أن الله تعالى أراد التقوى من جميع الناس.

506

(1) -

اللغة

الباطل الذاهب الزائل يقال بطل إذا ذهب و قيل الباطل هو ما تعلق بالشي‏ء على خلاف ما هو به خبرا كان أو اعتقادا أو ظنا أو تخيلا و الحكم هو الذي يفصل بين الخصمين يمنع كل واحد من منازعة الآخر و يقال أدلى فلان بحجته إذا أقامها و هو من قولهم أدليت الدلو في البئر إذا أرسلتها و دلوتها إذا أخرجتها فمعنى قولهم أدلى بحجته أرسلها و أتى بها على صحة و في تشبيه الخصومة بإرسال الدلو في البئر وجهان (أحدهما) أنه تعلق بسبب الحكم كتعلق الدلو بالسبب الذي هو الحبل (الثاني) أنه يمضي فيه من غير تثبيت كمضي الدلو في الإرسال من غير تثبيت و الفريق القطيعة المعزولة من الجملة سواء كان من الناس أو من غيرهم و الإثم الفعل الذي يستحق به الذم .

الإعراب‏

و تدلوا محله جزم على النهي عطفا على قوله «وَ لاََ تَأْكُلُوا» و يحتمل أن يكون نصبا على الظرف و يكون نصبه بإضمار أن يقول الشاعر:

لا تنه عن خلق و تأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم‏

أي لا تجمع بينهما.

المعنى‏

ثم بين سبحانه شريعة من شرائع الإسلام نسقا على ما تقدم من بيان الحلال و الحرام فقال «وَ لاََ تَأْكُلُوا أَمْوََالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبََاطِلِ» أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالغصب و الظلم و الوجوه التي لا تحل كقوله‏ «وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» أي و لا يقتل بعضكم بعضا و قيل معناه لا تأكلوا أموالكم باللهو و اللعب مثل ما يؤخذ في القمار و الملاهي لأن كل ذلك من الباطل و

روي عن أبي جعفر أنه يعني بالباطل اليمين الكاذبة يقتطع بها الأموال‏

و

روي عن أبي عبد الله قال كانت قريش يقامر الرجل في أهله و ماله فنهاهم الله‏

و الأولى حمله على الجميع لأن الآية تحتمل الكل «وَ تُدْلُوا بِهََا إِلَى اَلْحُكََّامِ» و تلقوا بها إلى القضاة و قيل فيه أقوال (أحدهما) أنه الودائع و ما لا يقوم عليه بينة عن ابن عباس و الحسن و قتادة (و ثانيها) أنه مال اليتيم في يد الأوصياء لأنهم يدفعونه إلى الحكام إذا طولبوا به ليقطعوا بعضه و تقوم لهم في الظاهر حجة عن الجبائي (و ثالثها) أنه ما يؤخذ بشهادة الزور عن الكلبي و الأولى أن يحمل على الجميع‏ «لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوََالِ اَلنََّاسِ‏

507

(1) - بِالْإِثْمِ» أي لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالفعل الموجب للإثم بأن يحكم الحاكم بالظاهر و كان الأمر في الباطن بخلافه «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أن ذلك الفريق من المال ليس بحق لكم و أنتم مبطلون و هذا أشد في الزجر

و قال أبو عبد الله (ع) علم الله أنه سيكون في هذه الأمة حكام يحكمون بخلاف الحق فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتحاكموا إليهم و هم يعلمون أنهم لا يحكمون بالحق‏

و هذا يدل على أن الإقدام على المعصية مع العلم أو مع التمكن من العلم أعظم.

ـ

القراءة

قرأ ابن كثير و ابن ذكوان و الكسائي البيوت و الشيوخ و أخواتهما بكسر أوائلها إلا الغيوب و قرأ حمزة و حماد و يحيى عن عاصم كلها بالكسر إلا الجيوب و قالون يكسر منها البيوت فقط و الباقون بالضم.

الحجة

من كسر أوائل هذه الكلمات إنما فعل ذلك لأجل الياء أبدل من الضمة الكسرة لأن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة لها كما كسر الفاء من عيينة و نييب في تصغير عين و ناب و إن لم يكن في أبنية التصغير على هذا الوزن لتقريب الحركة مما بعدها. و من ضمها فعلى الأصل لأنها فعول.

اللغة

الأهلة جمع هلال و اشتقاقه من قولهم استهل الصبي إذا بكى حين يولد أو صاح و قولهم أهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية و إنما قيل هلال لأنه حين يرى يهل الناس بذكره يقال أهل الهلال و استهل و لا يقال أهل و يقال أهللنا الهلال و أهللنا شهر كذا أي دخلنا فيه و قد اختلف في تسميته هلالا كم يسمى و متى يسمى قمرا فقال بعضهم يسمى هلالا ليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني و قال آخرون يسمى هلالا ثلاث ليال ثم يسمى قمرا و قال بعضهم يسمى هلالا حتى يحجر و تحجيره أن‏

508

(1) - يستدير بخطة دقيقة و هذا قول الأصمعي و قال بعضهم يسمى هلالا حتى يبهر ضوءه سواد الليل ثم يقال قمر و هذا يكون في الليلة السابعة و اسم القمر عند العرب الزبرقان و اسم دارته الهالة و اسم ضوئه الفخت و الميقات مقدار من الزمان جعل علما لما يقدر من العمل و التوقيت تقدير الوقت و كلما قدرت غايته فهو موقت و الميقات منتهى الوقت و الآخرة ميقات الخلق و الإهلال ميقات الشهر و الحج ذكرنا معناه فيما مضى و البر النفع الحسن و الظهر الصفحة القابلة لصفحة الوجه و الباب المدخل يقول منه بوبه تبويبا إذا جعله أبوابا و البواب الحاجب لأنه يلزم الباب و البابة القطعة من الشي‏ء كالباب من الجملة .

الإعراب‏

قوله «لِلنََّاسِ» في موضع رفع صفة لمواقيت تقديره هي مواقيت كائنة للناس و الباء في قوله «بِأَنْ تَأْتُوا» مزيدة لتأكيد النفي و أن تأتوا في موضع الجر بالباء و الجار و المجرور في موضع النصب بأنهما خبر ليس و قوله «وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ََ» قيل فيه وجهان (أحدهما) أن تقديره «وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ََ» كما قلناه في قوله‏ «وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» (و الآخر) إن تقديره و لكن البار من اتقى وضع المصدر موضع الصفة.

النزول‏

روي إن معاذ بن جبل قال يا رسول الله إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة فأنزل الله هذه الآية و قال قتادة ذكر لنا أنهم سألوا رسول الله لم خلقت هذه الأهلة فأنزل الله هذه الآية.

المعنى‏

ثم بين شريعة أخرى فقال «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ» أي أحوال الأهلة في زيادتها و نقصانها و وجه الحكمة في ذلك «قُلْ» يا محمد «هِيَ مَوََاقِيتُ لِلنََّاسِ وَ اَلْحَجِّ» أي هي مواقيت يحتاج الناس إلى مقاديرها في صومهم و فطرهم و عدد نسائهم و محل ديونهم و حجهم فبين سبحانه أن وجه الحكمة في زيادة القمر و نقصانه ما تعلق بذلك من مصالح الدين و الدنيا لأن الهلال لو كان مدورا أبدا مثل الشمس لم يمكن التوقيت به و فيه أوضح دلالة على أن الصوم لا يثبت بالعدد و أنه يثبت بالهلال لأنه سبحانه نص على أن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت و الدلالة على الشهور فلو كانت الشهور إنما تعرف بطريق العدد لخص التوقيت بالعدد دون رؤية الأهلة لأن عند أصحاب العدد لا عبرة برؤية الأهلة في معرفة المواقيت و قوله «وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا» فيه وجوه (أحدها)

أنه كان المحرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها و لكنهم كانوا ينقبون في ظهر بيوتهم أي في مؤخرها نقبا يدخلون و يخرجون منه‏فنهوا عن التدين بذلك عن ابن عباس و قتادة و عطا

509

(1) - و رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع)

و قيل إلا أن الحمس و هو قريش و كنانة و خزاعة و ثقيف و جشم و بنو عامر بن صعصعة كانوا لا يفعلون ذلك و إنما سموا حمسا لتشددهم في دينهم و الحماسة الشدة و قيل بل كانت الحمس تفعل ذلك و إنما فعلوا ذلك حتى لا يحول بينهم و بين السماء شي‏ء (و ثانيها)

إن معناه ليس البر أن تأتوا البيوت من غير جهاتها و ينبغي أن تأتوا الأمور من جهاتها أي الأمور كان و هو المروي عن جابر عن أبي جعفر

(و ثالثها) إن معناه ليس البر طلب المعروف من غير أهله و إنما البر طلب المعروف من أهله «وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ََ» قد مر معناه «وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوََابِهََا» قد مضى معناه و

قال أبو جعفر آل محمد أبواب الله و سبله و الدعاة إلى الجنة و القادة إليها و الأدلاء عليها إلى يوم القيامة

و

قال النبي (ص) أنا مدينة العلم و علي بابها و لا تؤتى المدينة إلا من بابها و يروى أنا مدينة الحكمة

«وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» معناه و اتقوا ما نهاكم الله عنه و زهدكم فيه لكي تفلحوا بالوصول إلى ثوابه الذي ضمنه للمتقين.

النظم‏

و وجه اتصال قوله «لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا» بقوله «يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَهِلَّةِ» أنه لما بين أن الأهلة مواقيت للناس و الحج و كانوا إذا أحرموا يدخلون البيوت من ورائها عطف عليها قوله «وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا» و قيل أنه لما بين أن أمورنا مقدرة بأوقات قرن به قوله «وَ لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهََا» أي فكما أن أموركم مقدرة بأوقات فلتكن أفعالكم جارية على الاستقامة باتباع ما أمر الله به و الانتهاء عما نهى عنه لأن اتباع ما أمر به خير من اتباع ما لم يأمر به.

اللغة

القتال و المقاتلة محاولة الرجل قتل من يحاول قتله و التقاتل محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر و الاعتداء مجاوزة الحد يقال عدا طوره إذا جاوز حده .

النزول‏

عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية و ذلك أن رسول الله لما خرج هو و أصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة و كانوا ألفا و أربعمائة فصاروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية ثم صالحهم المشركون‏على أن يرجع من عامه و يعود العام القابل و يخلوا له مكة ثلاثة أيام فيطوف‏

510

(1) - بالبيت و يفعل ما يشاء فرجع إلى المدينة من فوره فلما كان العام المقبل تجهز النبي (ص) و أصحابه لعمرة القضاء و خافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك و أن يصدوهم عن البيت الحرام و يقاتلوهم و كره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله هذه الآية و عن الربيع بن أنس و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذه أول آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله و يكف عمن كف عنه حتى نزلت‏ «فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» فنسخت هذه الآية.

المعنى‏

ثم بين سبحانه أمر الجهاد فقال مخاطبا للمؤمنين «وَ قََاتِلُوا» أي مع الكفار «فِي سَبِيلِ اللََّهِ» أي دين الله و هو الطريق الذي بينه للعباد ليسلكوه على أمرهم به و دعاهم إليه «اَلَّذِينَ يُقََاتِلُونَكُمْ» قيل أمروا بقتال المقاتلين دون النساء و قيل أنهم أمروا بقتال أهل مكة و الأولى حمل الآية على العموم‏إلا من أخرجه الدليل «وَ لاََ تَعْتَدُوا» أي و لا تجاوزوا من قتال من هو من أهل القتال إلى قتال من لم تؤمروا بقتاله و قيل معناه لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم بقتال «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ» ظاهره يقتضي أن يسخط عليهم لأنه على جهة الذم لهم و قد ذكرنا معنى المحبة لهم فيما مضى و اختلف في الآية هل هي منسوخة أم لا فقال بعضهم منسوخة على ما ذكرناه و روي عن ابن عباس و مجاهد أنها غير منسوخة بل هي خاصة في النساء و الذراري و قيل أمر بقتال أهل مكة و

روي عن أئمتنا (ع) أن هذه الآية ناسخة لقوله‏ «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ» و كذلك قوله «وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» ناسخ لقوله‏ «وَ لاََ تُطِعِ اَلْكََافِرِينَ وَ اَلْمُنََافِقِينَ وَ دَعْ أَذََاهُمْ» .

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي و لا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم كل بغير ألف و الباقون بألف في جميع ذلك.

511

(1) -

الحجة

من قرأها بغير ألف فإنما اتبع المصحف لأنه كتب في المصاحف بغير الألف و من قرأ بالألف فقال إنما تحذف الألف في الخط كما في‏ اَلرَّحْمََنِ .

اللغة

ثقفته أثقفه ثقفا و ثقافة أي وجدته و منه قولهم رجل ثقف لقف أي يجد ما يطلبه و ثقف الرجل ثقافة فهو ثقف و ثقف ثقفا بالتحريك فهو ثقف إذا كان سريع التعلم و الثقاف حديدة يقوم بها الرماح المعوجة و التثقيف التقويم و الفتنة أصلها الاختبار ثم ينصرف إلى معان منها الابتلاء نحو قوله‏ «فَتَنََّاكَ فُتُوناً» أي ابتليناك ابتلاء على إثر ابتلاء و منها العذاب كقوله‏ جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ كَعَذََابِ اَللََّهِ و منها الصد عن الدين نحو قوله «وَ اِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكَ» و المراد بها في الآية الشرك بالله و برسوله .

الإعراب‏

حيث فيه ثلاث لغات ضم الثاء و فتحها و كسرها فالضم لشبهها بالغاية نحو قبل و بعد لأنه منع الإضافة إلى المفرد مع لزومه معنى الإضافة إياه فيجري لذلك مجرى قبل و بعد في البناء على الضم و الفتح لأجل البناء كما فتحت أين و كيف. و الكسر لأجل أنه الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين و الجملة بعد حيث في موضع جر بإضافة حيث إليها في الموضعين و تقاتلوا منصوب بإضمار أن و هو صلة أن و الموصول و الصلة في محل جر بحتى و حتى يتعلق بتقاتلوهم.

النزول‏

نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام فعابوا المؤمنين بذلك فبين الله سبحانه أن الفتنة في الدين و هو الشرك أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام و إن كان غير جائز.

ـ

المعنى‏

ثم خاطب الله تعالى المؤمنين مبينا لهم كيفية القتال مع الكافرين فقال «وَ اُقْتُلُوهُمْ» أي الكفار «حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» أي وجدتموهم «وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ» يعني أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها «وَ اَلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَتْلِ» أي شركهم بالله و برسوله أعظم من القتل في الشهر الحرام و سمي الكفر فتنة لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك و قيل لأن الكفر فساد يظهر عند الاختبار و قوله «وَ لاََ تُقََاتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ حَتََّى يُقََاتِلُوكُمْ فِيهِ» نهي عن ابتدائهم بقتال أو قتل في الحرم حتى يبتدئ المشركون بذلك «فَإِنْ قََاتَلُوكُمْ» أي بدءوكم بذلك «فَاقْتُلُوهُمْ كَذََلِكَ جَزََاءُ اَلْكََافِرِينَ» أن يقتلوا حيث ما وجدوا و في الآية دلالة على وجوب إخراج الكفار من مكة كقوله حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ و السنة قد وردت أيضا بذلك و هو

قوله لا يجتمع‏

512

(1) - في جزيرة العرب دينان.

اللغة

الانتهاء الامتناع و النهي الزجر عن الفعل بصيغة لا تفعل مع كراهة الناهي لذلك الفعل و الأمر الدعاء إلى الفعل بصيغة افعل مع إرادة الأمر لذلك و النهي الغدير لمنعه الماء أن يفيض و النهي بمنزلة المنع و نهاية الشي‏ء غايته و النهى جمع نهية و هي العقل و التناهي هي المواضع التي تنهبط فيتناهى إليها ماء السماء واحدها تنهية و الإنهاء إبلاغ الشي‏ء الشي‏ء نهايته و المغفرة تغطية الذنب بما يصير به بمنزلة غير الواقع في الحكم.

المعنى‏

«فَإِنِ اِنْتَهَوْا» أي امتنعوا من كفرهم بالتوبة منه عن مجاهد و غيره «فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فاختصر الكلام لدلالة ما تقدم من الشرط عليه و فيه الدلالة على أنه يقبل توبة القاتل عمدا لأنه بين عز اسمه أنه يقبل توبة المشرك و الشرك أعظم من القتل.

اللغة

الدين هاهنا الإذعان بالطاعة كما في قول الأعشى :

هودان الرباب إذ كرهوا # الدين دراكا بغزوة و صيال‏

و قيل هو الإسلام و أصل الدين العادة قال الشاعر:

تقول إذا درأت لها وضيني # أ هذا دينه أبدا و ديني‏

و قد استعمل بمعنى الطاعة في قوله‏ «مََا كََانَ لِيَأْخُذَ أَخََاهُ فِي دِينِ اَلْمَلِكِ» و بمعنى الإسلام في قوله‏ «إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللََّهِ اَلْإِسْلاََمُ» لأن الشريعة يجب أن يجري فيها على عادة مستمرة.

513

(1) -

المعنى‏

ثم بين تعالى غاية وجوب القتال و قال يخاطب المؤمنين‏

«وَ قََاتِلُوهُمْ حَتََّى لاََ تَكُونَ فِتْنَةٌ» أي شرك عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و هو المروي عن الصادق (ع)

«وَ يَكُونَ اَلدِّينُ لِلََّهِ» و حتى تكون الطاعة لله و الانقياد لأمر الله و قيل حتى يكون الإسلام لله أي حتى لا يبقى الكفر و يظهر الإسلام على الأديان كلها «فَإِنِ اِنْتَهَوْا» أي امتنعوا من الكفر و أذعنوا للإسلام «فَلاََ عُدْوََانَ إِلاََّ عَلَى اَلظََّالِمِينَ» أي فلا عقوبة عليهم و إنما العقوبة بالقتل على الكافرين المقيمين على الكفرفسمي القتل عدوانا من حيث كان عقوبة على العدوان و هو الظلم كما قال فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ و جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا و إِنْ عََاقَبْتُمْ فَعََاقِبُوا و حسن ذلك لازدواج الكلام و المزاوجة هنا إنما حصلت في المعنى لأن التقدير فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلا على الظالمين و هذا الوجه مروي عن قتادة و الربيع و عكرمة و قيل معنى العدوان الابتداء بالقتال عن مجاهد و السدي و هذه الآية ناسخة للأولى التي تضمنت النهي عن القتال في المسجد الحرام حتى يبدءوا بالقتال فيه لأن فيها إيجاب قتالهم على كل حال حتى يدخلوا في الإسلام عن الحسن و الجبائي و على ما ذكرناه في الآية الأولى عن ابن عباس أنها غير منسوخة فلا تكون هذه الآية ناسخة بل تكون مؤكدة و قيل بل المراد بها أنهم إذا ابتدأوا بالقتال في الحرم يجب مقاتلتهم حتى يزول الكفر.

اللغة

إنما سمي الشهر الحرام لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال و نحوه و الحرمات جمع حرمة و هي ما يجب حفظه و يحرم هتكه و الحرام هو القبيح الممنوع من فعله و الحلال المطلق المأذون فيه و القصاص الأخذ للمظلوم من الظالم من أجل ظلمه إياه و اعتدى عليه و عدي عليه بمعنى مثل قرب و اقترب و جلب و اجتلب و قيل إن في افتعل مبالغة ليست في فعل .

المعنى‏

ثم بين الله تعالى القتال في الشهر الحرام فقال «اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ» المراد بها هاهنا ذو القعدة و هو شهر الصد عام الحديبية و الأشهر الحرم أربعة

514

(1) - ثلاثة سرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و واحد فرد و هو رجب كانوا يحرمون فيها القتال حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه أو أخيه لم يتعرض له بسوء و إنما قيل ذو القعدة لقعودهم فيه عن القتال و قيل في تقديره وجهان (أحدهما) أنه قتال شهر الحرام أي في الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام فحذف المضاف و أقام المضاف إليه مقامه و قيل أنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فأت في السنة الأولى و معناه الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة و اعتمرتم و قضيتم منها وطركم في سنة سبع بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت و منعتم عن مرادكم في سنة ست‏ «وَ اَلْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ» قيل فيه قولان (أحدهما) أن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام قال مجاهد

لأن قريشا فخرت بردها رسول الله ص عام الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة فقضى عمرته و أقصه بما حيل بينه و بينه و هو معنى قتادة و الضحاك و الربيع و عبد الرحمن بن زيد و روي عن ابن عباس و أبي جعفر الباقر مثله

(و الثاني) أن الحرمات قصاص بالقتال في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا قال الحسن إن مشركي العرب قالوا لرسول الله أ نهيت عن قتالنا في الشهر الحرام قال نعم و إنما أراد المشركون أن يغروه في الشهر الحرام فيقاتلوه فأنزل الله هذا أي أن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم و به قال الزجاج و الجبائي و إنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر حرمة البلد و حرمة الإحرام و قيل لأن كل حرمة تستحل فلا يجوز إلا على وجه المجازاة «فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ» أي ظلمكم «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ» أي فجازوه باعتدائه و قابلوه بمثله (و الثاني) ليس باعتداء على الحقيقة و لكن سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء و جعله مثله و إن كان ذلك جورا و هذا عدلا لأنه مثله في الجنس و في مقدار الاستحقاق و لأنه ضرر كما أن ذاك ضرر فهو مثله في الجنس و المقدار و الصفة «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ» فيما أمركم به و نهاكم عنه‏ «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ» بالنصرة لهم أو يريد أن نصرة الله معهم و أصل «مَعَ» المصاحبة في المكان أو الزمان و في هذه الآية دلالة على أن من غصب شيئا و أتلفه يلزمه رد مثله ثم أن المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال و من طريق المعنى كالقيم فيما لا مثل له.

515

(1) -

اللغة

الإنفاق إخراج الشي‏ء عن ملكه إلى ملك غيره لأنه لو أخرجه إلى هلاك لم يسم إنفاقا . و الإلقاء تصيير الشي‏ء إلى جهة السفل و قد يقال ألقى عليه مسألة مجازا كما يقال طرح عليه مسألة و قد يقال لكل من أخذ في عمل ألقى يديه إليه و فيه قال لبيد :

حتى إذا ألقت يدا في كافر # و أجن عورات الثغور ظلامها

يعني الشمس أي بدأت في المغيب . التهلكة و الهلاك واحد و قيل التهلكة مصدر بمعنى الهلاك و ليس في كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين إلا هذا و قيل التهلكة كل ما يصير عاقبته إلى الهلاك و أصل الهلاك الضياع و هو مصير الشي‏ء بحيث لا يدري أين هو و منه يقال للكافر هالك و للميت هالك و للمعذب هالك و الهلوك الفاجرة و الهالكي الحداد و أصله أن بني الهالك بن عمرو كانوا قيونا فنسب إليه كل قين و الإحسان هو إيصال النفع الحسن إلى الغير و ليس المحسن من فعل الفعل الحسن لأن مستوفي الدين لا يسمى محسنا و إن كان فعله حسنا و لا يقال أن القديم تعالى بفعل العقاب محسن و إن كان العقاب حسنا و إنما اعتبرنا النفع الحسن لأن من أوصل نفعا قبيحا إلى غيره لا يقال أنه محسن إليه .

الإعراب‏

الباء في قوله تعالى «بِأَيْدِيكُمْ» زائدة كما يقال جذبت الثوب و بالثوب و علمته و علمت به و قال الشاعر:

و لقد ملأت على نصيب جلده # مساءة إن الصديق يعاتب‏

أي ملأت جلده مساءة و قيل ليست الباء بزائدة و لكنها على أصل الكلام من وجهين (أحدهما) أن كل فعل متعد إذا كني عنه أو قدر على المصدر دخلته الباء تقول ضربته ثم تكني عنه فتقول فعلت به و يقال أوقعت الضرب به فجاء على أصل الأفعال للتعدية (و الآخر) أنه لما كان معناه لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم دخلت الباء لتدل على هذا المعنى و هو خلاف أهلك نفسه بيد غيره.

ـ

516

(1) -

المعنى‏

لما أوجب سبحانه القتال في سبيل الله عقبه بذكر الإنفاق فيه فقال «وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» معناه و أنفقوا من أموالكم في الجهاد و طريق الدين و كل ما أمر الله به من الخير و أبواب البر فهو سبيل الله لأن السبيل هو الطريق فسبيل الله الطريق إلى الله و إلى رحمة الله و ثوابه إلا أنه كثر استعماله في الجهاد لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود و الجهاد هو الأمر الذي يخاطر فيه بالروح فكانت له مزية «وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ» قيل في معناه وجوه (أحدها) أنه أراد لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الإنفاق في سبيل الله فيغلب عليكم العدو عن ابن عباس و جماعة من المفسرين (و ثانيها) أنه عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة عن البراء بن عازب و عبيدة السلماني (و ثالثها) أن المراد لا تقتحموا الحرب من غير نكاية في العدو و لا قدرة على دفاعهم عن الثوري و اختاره البلخي (و رابعها) أن المراد و لا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس عن الجبائي و يقرب منه ما

روي عن أبي عبد الله لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن و لا وفق لقوله سبحانه «وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ» يعني المقتصدين‏

و قال عكرمة معناه أحسنوا الظن بالله يبر بكم و قال عبد الرحمن بن زيد و أحسنوا بالعود على المحتاج و الأولى حمل الآية على جميع هذه الوجوه و لا تنافي فيها و في هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس و على جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة و فيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار و البغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين كما فعله رسول الله ص عام الحديبية و فعله أمير المؤمنين (ع) بصفين و فعله الحسن (ع) مع معاوية من المصالحة لما تشتت أمره و خاف على نفسه و شيعته فإن عورضنا بأن الحسين (ع) قاتل وحده فالجواب أن فعله يحتمل وجهين (أحدهما) أنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله ص و الآخر أنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا كما فعل بابن عمه مسلم فكان القتل مع عز النفس و الجهاد أهون عليه.

517

(1) -

اللغة

قد ذكرنا حقيقة الحج و العمرة فيما مضى عند قوله‏ «فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ» فلا معنى لإعادته و الإحصار المنع يقال للرجل الذي قد منعه الخوف أو المرض عن التصرف قد أحصر فهو محصر و يقال للرجل الذي حبس قد حصر فهو محصور و قال الفراء يجوز أن يقوم كل واحد منهما مقام الآخر و خالفه فيه أبو العباس المبرد و الزجاج .

قال المبرد و نظيره حبسه جعله في الحبس و أحبسه عرضه للحبس و أقتله عرضه للقتل و كذلك حصره حبسه أي أوقع به الحصر و أحصره عرضه للحصر و حصر حصرا إذا عيي في الكلام و الحصير البخيل لحبسه رفده و الحصير الذي لا يبوح بسره لأنه قد حبس نفسه عن البوح به و الحصير الحبس و الحصير الملك و الحصور الهيوب المحجم عن الشي‏ء و الحصور الذي لا إربة له في النساء و أصل الباب الحبس و في أصل الهدي قولان‏ (أحدهما) أنه من الهدية يقال أهديت الهدية إهداء و أهديت الهدي إلى بيت الله إهداء فعلى هذا إنما يكون هديا لأجل التقرب به إلى الله (و الآخر) أنه من هداه إذا ساقه إلى الرشاد فسمي هديا لأنه يساق إلى الحرم الذي هو موضع الرشاد و واحد الهدي هدية كما يقال شرية و شري و تمرة و تمر و جمع الهدي هدي على زنة فعيل كما يقال عبد و عبيد و كلب و كليب و قيل واحد الهدي هدية مثل مطية و مطي قال الفرزدق :

حلفت برب مكة و المصلى # و أعناق الهدي مقلدات‏

و الحلق حلق الرأس يقال حلق و حلق و الملحق موضع الحلق بمنى و المحلق‏

518

(1) - الحلاق و حلق الطائر في الهواء إذا ارتفع و حلق ضرع الناقة إذا ارتفع لبنها و الحلق مجرى الطعام و الشراب في المري و حلوق الأرض مجاريها في أوديتها و حلاق المنية و أصل الباب الاستمرار و الرأس أعلى كل شي‏ء و الأذى كل ما تأذيت به و رجل أذ إذا كان شديد التأذي و أصله الضرر بالشي‏ء و النسك جمع النسيكة و هي الذبيحة و يجمع أيضا على نسائك كصحيفة و صحائف و صحف و كلما ذبح لله فهو نسيكة و النسك العبادة و منه رجل ناسك أي عابد و التمتع أصله الالتذاذ و الاستمتاع و متعة الحجة هي أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحل و يتمتع بالإحلال بأن يفعل ما يفعله المحل ثم يحرم بالحج من غير رجوع إلى الميقات فهو إحلال بين إحرامين و أهل الرجل زوجته و التأهل التزوج و أهل الرجل أخص الناس به و أهل البيت سكانه و أهل الإسلام من يدين به و أهل القرآن من يقرؤه و يقوم بحقوقه و أهلته لهذا الأمر أي جعلته أهلا له و قولهم أهلا و مرحبا أي اختصاصا بالتحية و التكرمة و العقاب مصدر يقال عاقبه عقابا و معاقبة و عقوبة و أصله من عقب الشي‏ء أي خلفه فكان القبيح يعقبه الشدة و عقب الإنسان نسله و عقبه مؤخر قدميه .

الإعراب‏

قوله «فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ» موضع ما رفع كأنه قال فعليه ما استيسر و يجوز أن يكون موضعه نصبا و تقديره فأهدوا ما استيسر و الرفع أولى لكثرة نظائره كقوله «فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيََامٍ» «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ» * «فَصِيََامُ ثَلاََثَةِ أَيََّامٍ فِي اَلْحَجِّ» و قوله «فِي اَلْحَجِّ» يتعلق بالمصدر و ليس في موضع خبر و هذا النحو قد جاء مرفوعا على تقدير إضمار خبر.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه فرض الحج و العمرة على العباد بعد بيانه فريضة الجهاد فقال «وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلََّهِ» أي أتموهما بمناسكهما و حدودهما و تأدية كل ما فيهما عن ابن عباس و مجاهد و قيل‏

معناه أقيموهما إلى آخر ما فيهما و هو المروي عن أمير المؤمنين و علي بن الحسين

و عن سعيد بن جبير و مسروق و السدي و قوله «لِلََّهِ» أي اقصدوا بهما التقرب إلى الله و العمرة واجبة عندنا مثل الحج و به قال الشافعي في الجديد و قال أهل العراق أنها مسنونة و أركان أفعال الحج النية و الإحرام و الوقوف بعرفة و الوقوف بالمشعر و طواف الزيارة و السعي بين الصفا و المروة و أما الفرائض التي ليست بأركان فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له و أما المسنونات من أفعال الحج فمذكورة في الكتب المصنفة فيه و أركان فرائض العمرة النية و الإحرام و طواف الزيارة و السعي و أما ما

519

(1) - ليس بركن من فرائضها فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له و قوله «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» فيه قولان (أحدهما)

أن معناه منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و عطا و هو المروي عن أئمتنا

(و الثاني) معناه إن منعكم حابس قاهر عن مالك «فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ» فعليكم ما سهل من الهدي أو فأهدوا ما تيسر من الهدي إذا أردتم الإحلال و الهدي يكون على ثلاثة أنواع جزور أو بقرة أو شاة و

أيسرها شاة و هو المروي عن علي

و ابن عباس و الحسن و قتادة و روي عن ابن عمر و عائشة أنه ما كان من الإبل و البقر دون غيرهما و الأول هو الصحيح‏ «وَ لاََ تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتََّى يَبْلُغَ اَلْهَدْيُ مَحِلَّهُ» أي لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الهدي محله و ينحر أو يذبح و اختلف في محل الهدي على قولين (الأول) أنه الحرم فإذا ذبح به في يوم النحر أحل عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و عطا (و الثاني) أنه الموضع الذي يصد فيه لأن النبي ص نحر هديه بالحديبية و أمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك و ليست الحديبية من الحرم عن مالك و أما على مذهبنا فالأول حكم المحصر بالمرض و الثاني حكم المحصور بالعدو و إن كان الإحرام بالحج فمحله منى يوم النحر و إن كان الإحرام بالعمرة فمحله مكة «فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ» أي من مرض منكم مرضا يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة أو تأذى بهوام رأسه أبيح له الحلق بشرط الفدية و روى أصحابنا أن هذه نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة و أنه كان قد قمل رأسه و قوله «فَفِدْيَةٌ» أي فحلق لذلك العذر فعليه فدية أي بدل و جزاء يقوم مقام ذلك من صيام أو صدقة أو نسك‏

المروي عن أئمتنا أن الصيام ثلاثة أيام و الصدقة على ستة مساكين و روي على عشرة مساكين‏

و النسك شاة و هو مخير فيها و قوله «فَإِذََا أَمِنْتُمْ» معناه فإذا أمنتم الموانع من العدو و المرض و كل مانع «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ» فعليه ما تيسر من الهدي و التمتع عندنا هو الفرض اللازم لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرام و حاضر المسجد الحرام هو من كان على اثني عشر ميلا من كل جانب إلى مكة فمن كان خارجا عن هذا الحد فليس من الحاضرين و صفة التمتع بالعمرة إلى الحج أن ينشئ الإحرام في أشهر الحج ثم يدخل إلى مكة فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة و يقصر و يحل من إحرامه ثم ينشئ إحراما آخر للحج من المسجد الحرام و يخرج إلى عرفات ثم يفيض إلى المشعر و يأتي بأفعال الحج على ما هو مذكور في الكتب و في بعض ذلك خلاف بين الفقهاء و الهدي واجب للتمتع بلا خلاف لظاهر التنزيل على خلاف في أنه نسك أو جبران و عندنا أنه نسك «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيََامُ ثَلاََثَةِ

520

(1) - أَيََّامٍ فِي اَلْحَجِّ» أي فمن لم يجد الهدي و لا ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج و عندنا أن هذه الأيام الثلاثة يوم قبل يوم التروية و يوم التروية و يوم عرفة و إن صام في أول العشر جاز ذلك رخصة و إن صام يوم التروية و يوم عرفة قضى يوما آخر بعد انقضاء أيام التشريق و إن فاته صوم يوم التروية أيضا صام الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق متتابعات و قوله «وَ سَبْعَةٍ إِذََا رَجَعْتُمْ» أي و سبعة أيام إذا رجعتم إلى بلادكم و أهاليكم و به قال قتادة و عطاء و قيل معناه إذا رجعتم من مني فصوموها في الطريق عن مجاهد و الأول هو الصحيح عندنا و قوله «تِلْكَ عَشَرَةٌ كََامِلَةٌ» فيه أقوال (أحدها)

أن معناه كاملة من الهدي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه عن الحسن و هو المروي عن أبي جعفر

و اختاره الجبائي (و ثانيها) أنه لإزالة الإبهام لئلا يظن أن الواو بمعنى أو فيكون كأنه قال فصيام ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجعتم لأنه إذا استعمل أو بمعنى الواو جاز أن يستعمل الواو بمعنى أو كما قال فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ مَثْنى‏ََ وَ ثُلاََثَ وَ رُبََاعَ فالواو هاهنا بمعنى أو فذكر ذلك لارتفاع اللبس عن الزجاج و أبي القاسم البلخي (و ثالثها) أنه إنما قال كاملة للتوكيد كما قال جرير :

ثلاث و اثنتان فهن خمس # و سادسة تميل إلى تمام‏

و قوله «ذََلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حََاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ » أي ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة إلى الحج ليس لأهل مكة و من يجري مجراهم و إنما هو لمن لم يكن من حاضري مكة و هو من يكون بينه و بينها أكثر من اثني عشر ميلا من كل جانب «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ» فيما أمركم به و نهاكم عنه «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ» لمن عصاه. الحديث

روى معاوية بن عماد عن الصادق (ع) أن رسول الله ص أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ثم أنزل عليه و أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ الآية فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم بأن رسول الله يحج من عامه هذا فعلم به من حضر المدينة و أهل العوالي و الأعراب فاجتمعوا فخرج رسول الله في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عنده الشجرة فصلى فيه الظهر و أحرم بالحج ثم ساق الحديث إلى أن قال فلما وقف رسول الله بالمروة بعد فراغه من السعي أقبل على الناس بوجهه فحمد الله و أثنى عليه ثم قال إن هذا جبرائيل و أومأ بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم و لكني سقت الهدي و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ هذا الهدي محله فقال له رجل من القوم أ نخرج حجاجا و رءوسنا تقطر فقال إنك لن تؤمن بها أبدا فقام إليه سراقة بن‏

521

(1) - مالك بن جعثم الكناني فقال يا رسول الله علمتنا ديننا فكأنا خلقنا اليوم فهذا الذي أمرتنا به لعامنا أو لما نستقبل فقال له رسول الله بل هو للأبد إلى يوم القيامة ثم شبك بين أصابعه بعضها في بعض‏و قال دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة و قدم علي من اليمن على رسول الله و هو بمكة فدخل على فاطمة و هي قد أحلت فوجد عليها ثيابا مصبوغة فقال ما هذا يا فاطمة فقالت أمرنا بهذا رسول الله فخرج إلى رسول الله مستفتيا محرشا على فاطمة فقال يا رسول الله إني رأيت فاطمة قد أحلت و عليها ثياب مصبوغة فقال رسول الله أنا أمرت الناس بذلك و أنت يا علي بم أهللت فقال قلت يا رسول الله إهلالا كإهلال النبي فقال رسول الله كن على إحرامك مثلي و أنت شريكي في هديي قال و نزل رسول الله بمكة بالبطحاء هو و أصحابه و لم ينزل الدور فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا و يهلوا بالحج فخرج النبي و أصحابه مهلين بالحج حتى أتوا منى و صلى الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر ثم غدا و الناس معه و كانت قريش تفيض من المزدلفة و هو جمع و يمنعون الناس أن يفيضوا منها فأنزل الله على نبيه‏ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفََاضَ اَلنََّاسُ يعني إبراهيم و إسماعيل و إسحاق في إفاضتهم منها و من كان بعدهم‏فلما رأت قريش أن قبة رسول الله قد مضت كأنه دخل في أنفسهم شي‏ء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم حتى انتهى إلى نمرة و هي بطن عرفة بجبال الأراك فضرب قبته و ضرب الناس أخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله و معه قومه و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين ثم مضى إلى الموقف فوقف به فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها فنحاها ففعلوا مثل ذلك فقال يا أيها الناس أنه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف و لكن هذا كله موقف و أومأ بيده إلى الموقف فتفرق الناس و فعل مثل ذلك بالمزدلفة فتوقف حتى وقع قرص الشمس ثم أفاض و أمر الناس بالدعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة و هي المشعر الحرام صلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين ثم أقام حتى صلى فيها الفجر و عجل ضعفاء بني هاشم بالليل فأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة و كان الهدي الذي جاء به رسول الله أربعا و ستين أو ستا و ستين و جاء علي بأربع و ثلاثين أو ست و ثلاثين فنحر رسول الله ستا و ستين بدنة و نحر علي (ع) أربعا و ثلاثين بدنة و أمر

522

(1) - رسول الله أن يأخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم ثم تطرح في برمة ثم تطبخ فأكل رسول الله منها و علي و تحسيا من مرقها و لم يعط الجزارين جلودها و لا جلالها و لا قلائدها و تصدق به و حلق و زار البيت و رجع إلى منى فأقام بها حتى كان يوم الثالث من آخر أيام التشريق ثم رمى الجمار و نفر حتى انتهى إلى الأبطح فقالت عائشة يا رسول الله ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا و أرجع بحجة فأقام بالأبطح و بعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأهلت بعمرة ثم جاءت فطافت بالبيت و صلت ركعتين عند مقام إبراهيم و سعت بين الصفا و المروة ثم أتت النبي فارتحل من يومه فلم يدخل المسجد و لم يطف بالبيت و دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين و خرج من أسفل مكة من ذي طوى .

ـ

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب فلا رفث و لا فسوق بالرفع «وَ لاََ جِدََالَ» بالفتح و قرأ أبو جعفر جميع ذلك بالرفع و التنوين و قرأ الباقون الجميع بالفتح.

الحجة

حجة من فتح الجميع أن يقول أنه أشد مطابقة للمعنى المقصود أ لا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث و الفسوق كما أنه إذا قال لا ريب فقد نفى جميع هذا الجنس فإذا رفع و نون فكان النفي لواحد منه أ لا ترى أن سيبويه يرى أنه إذا قال لا غلام عندك و لا جارية فهو جواب من سأل فقال أ غلام عندك أم جارية فالفتح أولى لأن النفي قد عم و المعنى عليه و حجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس المنفي رفثا واحدا و لكنه جميع ضروبه و أن النفي قد يقع فيه الواحد موقع الجميع و إن لم يبن فيه الاسم مع لا نحو ما رجل في الدار.

اللغة

الرفث أصله في اللغة الإفحاش في النطق قال العجاج

"عن اللغا و رفث التكلم"

و قيل الرفث بالفرج الجماع و باللسان المواعدة للجماع و بالعين الغمز للجماع

523

(1) - و الفسوق الخروج من الطاعة . و الجدال في اللغة و المجادلة و المنازعة و المشاجرة و المخاصمة نظائر و جدلت الحبل فتلته و الجديل زمام البعير فعيل بمعنى مفعول و المجدل القصر و الجدالة الأرض ذات العمل الرقيق و غلام جادل إذا ترعرع و اشتد و الزاد الطعام الذي يتخذ للسفر و المزود وعاء يجعل فيه الزاد و كل من انتقل بخير من عمل أو كسب فقد تزود منه تزودا و اللب العقل سمي بذلك لأنه أفضل ما في الإنسان و أفضل كل شي‏ء لبا .

الإعراب‏

الحج مبتدأ و أشهر خبره و تقديره أشهر الحج أشهر معلومات ليكون الثاني هو الأول في المعنى أو الحج حج أشهر معلومات فحذف المضاف أي لا حج إلا في هذه الأشهر فالأشهر على هذا متسع فيها مخرجة عن الظروف و المعنى على ذلك أ لا ترى أن الحج في الأشهر و قد يجوز أن يجعل الحج الأشهر على الاتساع لكونه فيها و لكثرته من الفاعلين له كما قالت الخنساء :

ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت # فإنما هي إقبال و إدبار

جعلتها الإقبال و الإدبار لكثرتهما منها و قوله «فَلاََ رَفَثَ» إذا فتحت فعلى البناء و قد تقدم بيانه فيما مضى و إذا رفعت فعلى الابتداء و يكون في الحج خبرا لهذه المرفوعات و إذا فتحت ما قبل المرفوع و أثبت ما بعده مرفوعا جاز أن يكون عطفا على الموضع و جاز أن يكون بمعنى ليس كما في قوله:

من صد عن نيرانها # فأنا ابن قيس لا براح‏

و ما بعد الفاء في موضع الرفع لوقوعه موقع الفعل المضارع بعد الفاء و الفاء مع ما بعده في محل الجزم أو في محل الرفع لأنه جواب شرط مبني.

المعنى‏

«اَلْحَجُّ» أي أشهر الحج «أَشْهُرٌ مَعْلُومََاتٌ» أي أشهر مؤقتة معينة لا يجوز فيها التبديل و التغيير بالتقديم و التأخير اللذين كان يفعلهما النساة الذين أنزل فيهم إِنَّمَا اَلنَّسِي‏ءُ زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ الآية و

أشهر الحج عندنا شوال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجة على ما روي عن أبي جعفر

و به قال ابن عباس و مجاهد و الحسن و غيرهم و قيل‏

هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة عن عطاء و الربيع و طاووس و روي ذلك في أخبارنا

و إنما صارت هذه أشهر الحج لأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا فيها بلا خلاف و عندنا لا يصح‏

524

(1) - أيضا الإحرام بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج إلا فيها و من قال أن جميع ذي الحجة من أشهر الحج قال لأنه يصح أن يقع فيها بعض أفعال الحج مثل صوم الأيام الثلاثة و ذبح الهدي و متى قيل كيف سمي الشهران و بعض الثالث أشهرا فجوابه أن الاثنين قد يقع عليه لفظ الجمع كما في قوله‏

(ظهراهما مثل ظهور الترسين)

و أيضا فقد يضاف الفعل إلى الوقت و إن وقع في بعضه و يضاف الوقت إليه كذلك تقول صليت صلاة يوم الجمعة و صلاة يوم العيد و إن كانت الصلاة في بعضه و قدم زيد يوم كذا و إن كان قدم في بعضه‏فكذلك جاز أن يقال في شهر الحج ذو الحجة و إن وقع الحج في بعضه «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اَلْحَجَّ» معناه فمن أوجب على نفسه فيهن الحج أي فمن أحرم فيهن بالحج بلا خلاف أو بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج على مذهبنا «فَلاََ رَفَثَ» كني بالرفث عن الجماع هاهنا عند أصحابنا و هو قول ابن مسعود و قتادة و قيل هو مواعدة الجماع و التعريض للنساء به عن ابن عباس و ابن عمر و عطا و قيل هو الجماع و التعريض له بمداعبة أو مواعدة عن الحسن «وَ لاََ فُسُوقَ» و روى أصحابنا أنه الكذب و قيل هو معاصي الله كلها عن ابن عباس و الحسن و قتادة و هذا أعم و يدخل فيه الكذب و قيل هو التنابز بالألقاب لقوله‏ «بِئْسَ اَلاِسْمُ اَلْفُسُوقُ بَعْدَ اَلْإِيمََانِ» عن الضحاك و قيل هو السباب‏

لقوله (سباب المؤمن فسوق و قتاله كفر

) عن إبراهيم و مجاهد و قال بعضهم لا يجوز أن يراد به هنا إلا ما نهي المحرم عنه مما يكون حلالا له إذا أحل لاختصاصه بالنهي عنه و هذا تخصص للعموم بلا دليل و قد يقول القائل ينبغي لك أن تقيد لسانك في رمضان لئلا يفسد صومك و قد جاء

في الحديث إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و لا يكون يوم صومك كيوم فطرك‏

فإنما خصه بذلك لعظم حرمته «وَ لاََ جِدََالَ فِي اَلْحَجِّ» روى أصحابنا أنه قول لا و الله و بلى و الله صادقا أو كاذبا و للمفسرين فيه قولان (أحدهما) أنه المراء و السباب و الإغضاب على جهة المحك و اللجاج عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن (و الثاني) أن معناه لا جدال في أن الحج قد استدار في ذي الحجة لأنهم كانوا ينسئون الشهور فيقدمون و يؤخرون فربما اتفق في غيره عن مجاهد و السدي «وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللََّهُ» معناه ما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به لأن الله عالم بجميع المعلومات على كل حال إلا أنه جعل يعلمه في موضع يجازه للمبالغة في صفة العدل أي أنه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم فيجازي به و ذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن‏

525

(1) - يفعلوه «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ» قيل فيه قولان (أحدهما) أن معناه أن قوما كانوا يرمون بأزوادهم و يتسمون بالمتوكلة فقيل لهم تزودوا من الطعام و لا تلقوا كلكم على الناس و خير الزاد مع ذلك التقوى عن الحسن و قتادة و مجاهد (و الثاني) أن معناه تزودوا من الأعمال الصالحة «فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ» و ذكر ذلك في أثناء أفعال الحج لأنه أحق شي‏ء بالاستكثار من أعمال البر فيه «وَ اِتَّقُونِ» فيما أمرتكم به و نهيتكم عنه «يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ» يا ذوي العقول.

اللغة

الجناح الحرج في الدين و هو الميل عن الطريق المستقيم و الابتغاء الطلب و الإفاضة مأخوذة من فيض الإناء عن امتلائه فمعنى أفضتم دفعتم من عرفات إلى المزدلفة عن اجتماع و كثرة و يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه و أكثروا التصرف و أفاض الرجل إناءه إذا صبه و أفاض الرجل بالقداح إذا ضرب بها لأنها تقع متفرقة، قال أبو ذؤيب :

و كأنهن ربابة و كأنه # يسر يفيض على القداح و يصدع‏

و أفاض البعير بجرته إذا رمى بها متفرقة كثيرة قال الراعي :

و أفضن بعد كظومهن بجرة # من ذي الأباطح اذرعين حقيلا

فالإفاضة في اللغة لا تكون إلا عن تفرق أو كثرة و عرفات اسم للبقعة المعروفة يجب الوقوف بها في الحج و يوم عرفة يوم الوقوف بها و اختلف في سبب تسميتها بعرفات فقيل

لأن إبراهيم (ع) عرفها بما تقدم له من النعت لها و الوصف روي ذلك عن علي

و ابن‏

526

(1) - عباس و قيل أنها سميت بذلك لأن آدم و حواء اجتمعا فيها فتعارفا بعد أن كانا افترقا عن الضحاك و السدي و قد رواه أصحابنا أيضا و قيل سميت بذلك لعلوها و ارتفاعها و منه عرف الديك و قيل سميت بذلك لأن إبراهيم كان يريه جبرائيل المناسك فيقول عرفت عرفت عن عطاء و روي عن ابن عباس أن إبراهيم رأى في المنام أنه يذبح ابنه فأصبح يروي يومه أجمع أي يفكر أ هو أمر من الله أم لا فسمي بذلك يوم التروية ثم رأى في الليلة الثانية فلما أصبح عرف أنه من الله فسمي يوم عرفة و روي أن جبريل قال لآدم هناك اعترف بذنبك و اعرف مناسكك فقال‏ «رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا» الآية فلذلك سميت عرفة و المشعر الحرام هو المزدلفة سميت مشعرا لأنه معلم للحج و الصلاة و المقام و المبيت به و الدعاء عنده من أعمال الحج و إنما سمي المشعر الحرام مزدلفة لأن جبريل قال لإبراهيم بعرفات ازدلف إلى المشعر الحرام فسمي المزدلفة و سمي جمعا لأنه يجمع به بين المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين و سميت منى منى لأن إبراهيم تمنى هناك أن يجعل الله مكان ابنه كبشا يأمره بذبحه فدية له .

الإعراب‏

جناح اسم ليس و خبره عليكم و موضع أن تبتغوا نصب على تقدير ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فلما سقط في عمل فيها معنى جناح و المعنى لستم تأثمون في أن تبتغوا. و عرفات اسم معرفة لمواضع جرت مجرى موضع واحد لاتصال بعضها ببعض و إنما صرفت و إن كان فيها سببان من أسباب منع الصرف و هو التعريف و التأنيث لأنها على حكاية الجمع فالتنوين فيها بإزاء النون في مسلمون و لو سميت امرأة بمسلمون لم تحذف هذه النون و تقول أقبلت مسلمون و رأيت مسلمين و يجوز في عرفات حذف التنوين أيضا تشبيها بالواحد إذا كان اسما لواحد إلا أنه لا يكون إلا مكسورا و إن أسقطت التنوين و مثلها أذرعات في قول امرئ القيس :

تنورتها من أذرعات و أهلها # بيثرب أدنى دارها نظر عال‏

أكثر الرواية بالتنوين و قد أنشد بالكسر بغير تنوين و الأول اختيار النحويين لما ذكرنا من إجرائهم إياه مجرى المسلمون و أما فتح التاء فخطا «وَ إِنْ كُنْتُمْ» إن هنا هي المخففة من الثقيلة بدلالة أن لام الابتداء معها و إذا خففت لم تعمل إن «وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ‏

527

(1) - اَلضََّالِّينَ» لا موضع له من الإعراب لأنه وقع بعد حرف غير عامل و إنما هذه الواو عطفت جملة على جملة.

ـ

المعنى‏

«لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ» قيل كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج فرفع الله بهذه اللفظة الإثم عمن يتجر في الحج عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و عطاء و في هذا تصريح بالإذن في التجارة و هو المروي عن أئمتنا و قيل كان في الحج أجراء و مكارون و كان الناس يقولون أنه لا حج لهم فبين سبحانه أنه لا إثم على الحاج في أن يكون أجيرا لغيره أو مكاريا و قيل‏

معناه لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربكم رواه جابر عن أبي جعفر (ع)

«فَإِذََا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفََاتٍ » أي دفعتم عنها بعد الاجتماع فيها «فَاذْكُرُوا اَللََّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرََامِ » و في هذا دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة كما ذهبنا إليه لأن ظاهر الأمر على الوجوب فقد أوجب الله الذكر فيه و لا يجوز أن يوجب الذكر فيه إلا و قد أوجب الكون فيه و لأن كل من أوجب الذكر فيه فقد أوجب الوقوف و تقدير الكلام فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام و اذكروا الله فيه «وَ اُذْكُرُوهُ كَمََا هَدََاكُمْ» معناه و اذكروه بالثناء و الشكر على حسب نعمته عليكم بالهداية فإن الشكر يجب أن يكون على حسب النعمة في عظم المنزلة كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة و لا يجوز التسوية بين من عظمت نعمته و بين من صغرت نعمته و تقدير الكلام و اذكروه ذكرا مثل هدايته إياكم «وَ إِنْ كُنْتُمْ» أي و إنكم كنتم من قبله أي من قبل الهدى و قيل من قبل محمد ص فتكون الهاء كناية عن غير مذكور «لَمِنَ اَلضََّالِّينَ» عن النبوة و الشريعة فهداكم إليه.

اللغة

الاستغفار طلب المغفرة و المغفرة التغطية للذنب و الفرق بين غفور و غافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة فأما غافر فيستحق الوصف به من وقع منه الغفران و العفو هو المغفرة و قد فرق بينهما بأن العفو ترك العقاب على الذنب و المغفرة تغطية الذنب بإيجاب المثوبة و لذلك كثرت المغفرة في صفات الله دون صفات العباد فلا يقال أستغفر السلطان كما يقال أستغفر الله.

المعنى‏

«ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفََاضَ اَلنََّاسُ» قيل فيه قولان (أحدهما) أن

المراد به الإفاضة من عرفات و أنه أمر لقريش و حلفائها و هم الحمس لأنهم كانوا لا يقفون‏

528

(1) - مع الناس بعرفة و لا يفيضون منها و يقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه و كانوا يقفون بالمزدلفة و يفيضون منها فأمرهم الله بالوقوف بعرفة و الإفاضة منها كما يفيض الناس و المراد بالناس سائر العرب عن ابن عباس و عائشة و عطاء و مجاهد و الحسن و قتادة و هو المروي عن الباقر (ع)

و قال الضحاك أنه أمر لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم عن الضحاك قال و لما كان إبراهيم إماما كان بمنزلة الأمة فسماه وحده ناسا- (و الثاني) -أن المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي و النحر عن الجبائي قال و الآية تدل عليه لأنه قال فإذا أفضتم من عرفات ثم قال «ثُمَّ أَفِيضُوا» فوجب أن يكون إفاضة ثانية فدل ذلك على أن الإفاضتين واجبتان و الناس المراد به إبراهيم كما أنه في قوله‏ «اَلَّذِينَ قََالَ لَهُمُ اَلنََّاسُ» نعيم بن مسعود الأشجعي و قيل‏

إن الناس إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و من بعدهم من الأنبياء عن أبي عبد الله

و مما يسأل على الأول أن يقال إذا كان ثم للترتيب فما معنى الترتيب هاهنا و قد روى أصحابنا في جوابه أن هاهنا تقديما و تأخيرا و تقديره (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام و استغفروا الله إن الله غفور رحيم) و قيل أراد بالناس آدم عن سعيد بن جبير و الزهري و قيل هم أهل اليمن و ربيعة عن الكلبي و قيل هم العلماء الذين يعلمون الدين و يعلمونه الناس‏ «وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللََّهَ» أي اطلبوا المغفرة منه بالندم على ما سلف من المعاصي «إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ» أي كثير المغفرة «رَحِيمٌ» واسع الرحمة.

اللغة

أصل القضاء فصل الأمر على إحكام و قد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك و قد يفصل بأن يعمل على تمام كقوله‏ «فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ» و قد يفصل بالإخبار به على القطع كقوله‏ «وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ » و قد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الإلزام و الخلاق النصيب من الخير و أصله التقدير فهو النصيب من الخير على وجه الاستحقاق و قيل أنه من الخلق فهو نصيب مما يوجبه الخلق الكريم .

529

(1) -

الإعراب‏

أشد في موضع جر و لكنه لا ينصرف لأنه على وزن الفعل و هو صفة و يجوز أن يكون منصوبا على المصدر على و اذكروه أشد ذكرا و ذكرا منصوب على التمييز في الآخرة الجار و المجرور يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله «لَهُ» و له في موضع خبر للمبتدأ الذي هو من خلاق فإن من مزيدة و الجار و المجرور في موضع رفع بالابتداء و يجوز أن يكون في الآخرة في موضع نصب على الحال و العامل فيه ما في له من الفعل.

المعنى‏

«فَإِذََا قَضَيْتُمْ مَنََاسِكَكُمْ» معناه فإذا أديتم مناسككم و قيل فإذا فرغتم من مناسككم و المناسك جمع المنسك و المنسك يجوز أن يكون موضع النسك و يجوز أن يكون مصدرا فإن كان موضعا فالمعنى فإذا قضيتم ما وجب عليكم إيقاعه في متعبداتكم و إن كان بمعنى المصدر فإنما جمع لأنه يشتمل على أفعال و أذكار فجاز جمعه كالأصوات أي فإذا قضيتم أفعال الحج فاذكروا الله و اختلف في الذكر على قولين- (أحدهما) -أن المراد به التكبير المختص بأيام منى لأنه الذكر المرغب فيه المندوب إليه في هذه الأيام‏ (و الآخر) أن المراد به سائر الأدعية في تلك المواطن لأن الدعاء فيها أفضل منه في غيرها «كَذِكْرِكُمْ آبََاءَكُمْ» معناه ما

روي عن أبي جعفر الباقر (ع) أنهم كانوا إذا فرغوا من الحج يجتمعون هناك و يعدون مفاخر آبائهم و مآثرهم و يذكرون أيامهم القديمة و أياديهم الجسيمة فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه مكان ذكرهم آباءهم في هذا الموضع‏

«أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» أو يزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله و يعدوا آلاءه و يشكروا نعماءه لأن آباءهم و إن كانت لهم عليهم أياد و نعم فنعم الله عليهم أعظم و أياديه عندهم أفخم و لأنه المنعم بتلك المآثر و المفاخر على آبائهم و عليهم و هذا هو الوجه في تشبيهه هذا الذكر الواجب بذلك الذكر الذي هو دونه في الوجوب و هو قول الحسن و قتادة و قيل معناه و استغيثوا بالله و أفزعوا إليه كما يفزع الصبي إلى أبيه في جميع أموره و يلهج بذكره فيقول يا أبت عن عطاء و الأول أصح و قوله «فَمِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا» بين سبحانه أن الناس في تلك المواطن أصناف فمنهم من يسأل نعيم الدنيا و لا يسأل نعيم الآخرة لأنه غير مؤمن بالبعث و النشور «وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ» أي نصيب من الخير موفور.

اللغة

الفرق بين القول و الكلام أن القول يدل على الحكاية و ليس كذلك الكلام‏

530

(1) - نحو قال الحمد لله فإذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق و الحكاية على ثلاثة أوجه (أحدها) حكاية على اللفظ و المعنى نحو قََالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً إذا حكاه من يعرف لفظه و معناه و حكاية على اللفظ نحوها إذا حكاه من يعرف لفظه دون معناه و حكاية على المعنى نحو أن تقول نحاسا بدل قوله قطرا و الإيتاء الإعطاء و أصله الآتي بمعنى المجي‏ء فأتى إذا كان منه المجي‏ء و آتى غيره حمله على المجي‏ء فيقال أتاه ما يحب و آتى غيره ما يحب و ق أصله من وقى يقي وقاية و وقاء و الوقاء أصله الحجز بين الشيئين و الوقاء الحاجز الذي يسلم به من الضرر .

المعنى‏

لما ذكر سبحانه دعاء من سأله من أمور الدنيا في تلك المواقف الشريفة ما لا يرتضيه عقبه بما يسأله المؤمنون فيها من الدعاء الذي يرغب فيه فقال «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا» أي أعطنا «فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ» أي نعيم الدنيا و نعيم الآخرة عن أنس و قتادة و

روي عن أبي عبد الله أنها السعة في الرزق و المعاش و حسن الخلق في الدنيا و رضوان الله و الجنة في الآخرة

و قيل العلم و العبادة في الدنيا و الجنة في الآخرة عن الحسن و قتادة و قيل هي المال في الدنيا و في الآخرة الجنة عن ابن زيد و السدي و قيل‏

هي المرأة الصالحة في الدنيا و في الآخرة الجنة عن علي (ع)

و

روي عن النبي (ص) أنه قال من أوتي قلبا شاكرا و لسانا ذاكرا و زوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه و أخراه فقد أوتي في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و وقى عذاب النار.

اللغة

النصيب الحظ و جمعه أنصباء و أنصبة و حد النصيب الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر و الكسب الفعل الذي يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر و السريع من العمل هو القصير المدة يقال سرع سرعة و سرعا فهو سريع و أقبل فلان في سرعان قومه أي في أوائلهم المسرعين و الحساب مصدر كالمحاسبة.

المعنى‏

«أُولََئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمََّا كَسَبُوا» أي حظ من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه «وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ» ذكر فيه وجوه‏ (أحدها) أن معناه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم و أن وقت الجزاء قريب و يجري مجراه قوله‏ وَ مََا أَمْرُ اَلسََّاعَةِ إِلاََّ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ و عبر عن الجزاء بالحساب لأن الجزاء كفاء للعمل و بمقداره فهو حساب له يقال أحسبني الشي‏ء كفاني (و ثانيها) أن يكون المراد به أنه يحاسب أهل الموقف في‏

531

(1) - أوقات يسيرة لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره كما لا يشغله شأن عن شأن و

ورد في الخبر أنه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار لمح البصر و روي بقدر حلب شاة

و هذا أحد ما يدل على أنه ليس بجسم و أنه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين و لكان يشغله خطاب بعض الخلق عن خطاب غيره و لكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة و

روي عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال معناه أنه يحاسب الخلق دفعة كما يرزقهم دفعة

(و ثالثها) أن معناه أنه تعالى سريع القبول لدعاء هؤلاء و الإجابة لهم من غير احتباس فيه و بحث عن المقدار الذي يستحقه كل داع كما يحتبس المخلوقون للإحصاء و الاحتساب و يقرب منه ما روي عن ابن عباس أنه قال يريد أنه لا حساب على هؤلاءإنما يعطون كتبهم بأيمانهم فيقال لهم هذه سيئاتكم قد تجاوزت بها عنكم و هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.

اللغة

المعدودات تستعمل كثيرا في اللغة للشي‏ء القليل و كل عدد قل أو كثر فهو معدود و لكن معدودات أدل على القلة لأن كل قليل يجمع بالألف و التاء و الحشر جمع القوم من كل ناحية إلى مكان و المحشر المكان الذي يحشرون فيه و حشرتهم السنة إذا أجحفت بهم لأنها تضمهم من النواحي إلى المصر و سهم حشر خفيف لطيف لأنه ضامر باجتماعه و أذن حشرة لطيفة و ضامرة و حشرات الأرض دوابها الصغار لاجتماعها من كل ناحية فأصل الباب الاجتماع .

الإعراب‏

العامل في اللام من قوله «لِمَنِ اِتَّقى‏ََ» فيه قولان (أحدهما) أن تقديره ذلك «لِمَنِ اِتَّقى‏ََ» فيكون الجار و المجرور في موضع خبر المبتدأ و إنما حذف ذلك لأن الكلام الأول دل على وعد للعامل (و الثاني) أن يكون العامل فيه معنى لا إثم عليه لأنه قد تضمن معنى جعلناه لمن اتقى.

ـ

المعنى‏

«وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ فِي أَيََّامٍ مَعْدُودََاتٍ» هذا أمر من الله للمكلفين أن يذكروه‏

532

(1) - في أيام معدودات‏

و هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر و الأيام المعلومات عشر ذي الحجة عن ابن عباس و الحسن و أكثر أهل العلم و هو المروي عن أئمتنا

و ذكر الفراء أن المعلومات أيام التشريق و المعدودات العشر و الذكر المأمور به هو أن تقول عقيب خمس عشرة صلوات الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أولانا و الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام‏و

أول التكبير عندنا عقيب الظهر من يوم النحر و آخره عقيب صلاة الفجر من اليوم الرابع من النحر هذا لمن كان بمنى و من كان بغير منى من الأمصار يكبر عقيب عشر صلوات أولها صلاة الظهر من يوم النحر أيضا هذا هو المروي عن الصادق (ع)

و في ذلك اختلاف بين الفقهاء و وافقنا في ابتداء التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر ابن عباس و ابن عمر قوله «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ» المعنى في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق و الأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير و هو الثالث من التشريق و إذا نفر في الأول نفر بعد الزوال إلى غروب الشمس فإن غربت فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث و قوله «فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ» فيه قولان- (أحدهما) -أن معناه لا إثم عليه لأن سيئاته صارت مكفرة بما كان من حجه المبرور و هو قول ابن مسعود - (و الثاني) -إن معناه لا إثم عليه في التعجيل و التأخير و إنما نفي الإثم لئلا يتوهم متوهم إن في التعجيل إثما و إنما قال «فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ» في التأخير على جهة المزاوجة كما يقال إن أعلنت الصدقة فحسن و أن أسررت فحسن و إن كان الإسرار أحسن و أفضل عن الحسن و قوله «لِمَنِ اِتَّقى‏ََ» فيه قولان- (أحدهما) -إن الحج يقع مبرورا مكفرا للسيئات إذا اتقي ما نهى الله عنه و الآخر ما رواه أصحابنا أن قوله «لِمَنِ اِتَّقى‏ََ» متعلق بالتعجيل في اليومين و تقديره فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الأخير و ما بقي من إحرامه و من لم يتقها فلا يجوز النفر في الأول و هو المروي عن ابن عباس و اختاره الفراء

و قد روي أيضا عن أبي عبد الله في قوله «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ» أي من مات في هذين اليومين فقد كفر عنه كل ذنب «وَ مَنْ تَأَخَّرَ» أي من أجله فلا إثم عليه إذا اتقى الكبائر

و قوله «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ» أي اجتنبوا معاصي الله «وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» أي تحققوا أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله فيه بينكم و يجازيكم على أعمالكم.

533

(1) -

اللغة

الإعجاب هو سرور المعجب بما يستحسن و منه العجب بالنفس و هو سرور المعجب من الشي‏ء استحسانا له و ذلك إذا تعجب من شدة حسنه تقول عجب و تعجب و عجبه غيره و أعجبه و استعجب الرجل إذا اشتد تعجبه قال الأزهري العجب كل شي‏ء غير مألوف و الألد الشديد الخصومة تقول لد يلد لدودا و لده يلده إذا غلبه في الخصومة و لد الدواء في حلقه إذا أوجره في أحد شقي فمه و اللديدان جانبا الوادي و لديدا كل شي‏ء جانباه و التلدد التلفت عن تحير و الخصام قيل أنه جمع الخصم عن الزجاج و فعل إذا كان صفة فإنه يجمع على فعال نحو صعب و صعاب و إذا كان اسما فإنه يجمع في القلة على أفعل و في الكثرة على فعال كفرخ و فراخ و قيل الخصام مصدر كالمخاصمة عن الخليل و التولي هو الانحراف و الزوال عن الشي‏ء إلى خلاف جهته و قوله «سَعى‏ََ» قد يكون بمعنى عمل و قد يكون بمعنى أسرع قال الأعشى :

و سعى لكندة سعي غير مواكل # قيس فضر عدوها و بنى لها

أي عمل لكندة و الإفساد هو عمل الضرر بغير استحقاق و لا وجه من وجوه المصلحة و الإهلاك العمل الذي ينفي الانتفاع و الحرث الزرع و النسل العقب من الولد و قال الضحاك الحرث كل نبات و النسل كل ذات روح و يقال نسل ينسل نسولا إذا خرج فسقط و منه نسل وبر البعير أو ريش الطائر و الناس نسل آدم لخروجهم من ظهره و أصل باب النسول الخروج .

الإعراب‏

ليفسد نصب بإضمار أن و يجوز إظهارها بأن يقال لأن يفسد فيها و لا يجوز إظهار أن في قوله‏ لِيَذَرَ من‏ «مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ» و الفرق بينهما أن اللام في ليفسد على أصل الإضافة في الكلام و اللام في ليذر لتأكيد النفي كما دخلت الباء في ليس زيد بقائم.

534

(1) -

النزول‏

قال ابن عباس

نزلت الآيات الثلاثة في المرائي لأنه يظهر خلاف ما يبطن و هو المروي عن الصادق (ع)

إلا أنه عين المعني به و قال الحسن نزلت في المنافقين و قال السدي نزلت في الأخنس بن شريق و كان يظهر الجميل بالنبي و المحبة له و الرغبة في دينه و يبطن خلاف ذلك.

المعنى‏

ثم بين سبحانه حال المنافقين بعد ذكره أحوال المؤمنين و الكافرين فقال «وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ» أي تستحسن كلامه يا محمد و يعظم موقعه من قبلك «فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا» أي يقول آمنت بك و أنا صاحب لك و نحو ذلك «وَ يُشْهِدُ اَللََّهَ عَلى‏ََ مََا فِي قَلْبِهِ» أي يحلف بالله و يشهده على أنه مضمر ما يقول فيقول اللهم اشهد علي به و ضميره على خلافه «وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصََامِ» أي و هو أشد المخاصمين خصومة و من قال أن الخصام مصدر فمعناه و هو شديد الخصومة عند المخاصمة جدل مبطل‏} «وَ إِذََا تَوَلََّى» أي أعرض عن الحسن و قيل معناه ملك الأمر و صار واليا عن الضحاك و معناه إذا ولي سلطانا جار و قيل ولى عن قوله الذي أعطاه عن ابن جريج «سَعى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ» أي أسرع في المشي من عندك و قيل عمل في الأرض «لِيُفْسِدَ فِيهََا» قيل ليقطع الرحم و يسفك الدماء عن ابن جريج و قيل ليظهر الفساد و يعمل المعاصي «وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ» أي النبات و الأولاد و ذكر الأزهري أن الحرث النساء و النسل الأولاد لقوله‏ «نِسََاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» و

روي عن الصادق (ع) إن الحرث في هذا الموضع الدين و النسل الناس‏

«وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ اَلْفَسََادَ» أي العمل بالفساد و قيل أهل الفساد و فيه دلالة على بطلان قول المجبرة إن الله تعالى يريد القبائح لأنه تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد و المحبة هي الإرادة لأن كل ما أحب الله أن يكون فقد أراد أن يكون و ما لا يحب أن يكون لا يريد أن يكون.

اللغة

الاتقاء طلب السلامة بما يحجز عن المخافة و اتقاء الله إنما هو اتقاء عذابه و الأخذ ضد الإعطاء و العزة القوة التي تمتنع بها عن الذلة و المهاد الوطاء من كل شي‏ء و كل شي‏ء وطئته فقد مهدته و الأرض مهاد لأجل توطئته للنوم و القيام عليه .

المعنى‏

ثم بين تعالى صفة من تقدم من المنافقين فقال «وَ إِذََا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللََّهَ» أي و إذا قيل لهذا المنافق اتق الله فيما نهاك عنه من السعي في الأرض بالفساد و إهلاك الحرث و النسل «أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ» قيل في معناه قولان (أحدهما) حملته العزة

535

(1) - و حمية الجاهلية على فعل الإثم و دعته إليه كما يقال أخذته بكذا أي ألزمته ذلك و أخذته الحمى أي لزمته- (و الثاني) -أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه من الكفر عن الحسن «فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ» أي فكفاه عقوبة من إضلاله أن يصلى نار جهنم «وَ لَبِئْسَ اَلْمِهََادُ» أي القرار عن الحسن كما قال في موضع آخر وَ بِئْسَ اَلْقَرََارُ لأن القرار كالوطاء في الثبوت عليه و قيل إنما سميت جهنم مهادا لأنها بدل من المهاد كما قال سبحانه‏ «فَبَشِّرْهُ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ» لأنه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه و في هذه الآية دلالة على أن من تكبر عن قبول الحق إذا دعي إليه‏كان مرتكبا أعظم كبيرة و لذلك قال ابن مسعود أن من الذنوب التي لا تغفر أن يقال للرجل اتق الله فيقول عليك نفسك.

ـ

اللغة

الشراء من الأضداد يقال شرى إذا باع و شرى إذا اشترى و قوله‏ «وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرََاهِمَ مَعْدُودَةٍ» أي باعوه و الرضا ضد السخط و قد تقدم معنى الرؤوف .

الإعراب‏

ابتغاء نصب لأنه مفعول له كقول الشاعر:

و أغفر عوراء الكريم ادخاره # و أعرض عن قول اللئيم تكرما.

النزول‏

روى السدي عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب حين هرب النبي (ص) عن المشركين إلى الغار و نام علي (ع) على فراش النبي (ص) و نزلت الآية بين مكة و المدينة و

روي أنه لما نام على فراشه قام جبرائيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه و جبرائيل ينادي بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة

و قال عكرمة نزلت في أبي ذر الغفاري جندب بن السكن و صهيب بن سنان لأن أهل أبي ذر أخذوا أبا ذر فانفلت منهم فقدم على النبي (ص) فلما رجع مهاجرا أعرضوا عنه فانفلت حتى نزل على النبي (ص) و أما صهيب فإنه أخذه المشركون من أهله فافتدى منهم بماله ثم خرج مهاجرا و

روي عن علي و ابن عباس أن المراد بالآية الرجل الذي يقتل على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر

و قال قتادة نزلت في المهاجرين و الأنصار و قال الحسن هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله .

المعنى‏

ثم عاد سبحانه إلى وصف المؤمن الآمر بالمعروف في قوله وَ إِذََا قِيلَ لَهُ‏

536

(1) - اِتَّقِ اَللََّهَ لأن هذا القائل أمر بالخير و المعروف فقال «وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَشْرِي» أي يبيع نفسه «اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ» أي لابتغاء رضاء الله و إنما أطلق عليه اسم البيع لأنه إنما فعل ما فعل لطلب رضاء الله كما أن البائع يطلب الثمن بالبيع «وَ اَللََّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبََادِ» أي واسع الرحمة بعبيده ينيلهم ما حاولوه من مرضاته و ثوابه.

القراءة

قرأ أهل الحجاز و الكسائي في السلم كافة بفتح السين و الباقون بكسرها.

الحجة

قال الأخفش السلم بكسر السين الصلح و فيه ثلاث لغات السلم السلم السلم و أنشد:

أ نائل إنني سلم # لأهلك فاقبلي سلمي‏

قال أبو عبيدة السلم بكسر السين و الإسلام واحد و هو في موضع آخر المسالمة و الصلح و السلم الاستسلام و منه قوله تعالى‏ «وَ رَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ» أي مستسلما له منقادا لما يريده منه فيكون مصدرا وصف به و يحتمل أيضا أن يكون فعلا بمعنى فاعل مثل بطل و حسن و نظيره يابس و يبس و واسط و وسط.

اللغة

كافة معناه جميعا و اشتقاقه في اللغة مما يكف الشي‏ء في آخره و من ذلك كفة القميص لحاشيته لأنها تمنعه من أن ينتشر و كل مستطيل فحرفه كفة و يقال في كل مستدير كفة نحو كفة الميزان و استكف السائل و تكفف إذا بسط كفه للسؤال و كل شي‏ء جمعته فقد كففته و استكف القوم بالشي‏ء إذا أحدقوا به.

الإعراب‏

كافة منصوب على الحال من الواو في ادخلوا و قيل هو حال من السلم و لكم يتعلق بمحذوف فهو في موضع نصب على الحال من عدو.

المعنى‏

لما قدم تعالى ذكر الفرق الثلاث من العباد دعا جميعهم إلى الطاعة و الانقياد فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا الله و رسوله «اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ» أي في الإسلام أي دوموا فيما دخلتم فيه كقوله‏ «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ» عن‏

537

(1) - ابن عباس و السدي و الضحاك و مجاهد و قيل معناه «اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ» في الطاعة عن الربيع و هو اختيار البلخي و الكلام محتمل للأمرين و حملها على الطاعة أعم و يدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية «كَافَّةً» أي جميعا أي ادخلوا جميعا في الإسلام و الطاعة و الاستسلام و قيل معناه ادخلوا في السلم كله أي في جميع شرائع الإسلام و لا تتركوا بعضه معصية و يؤيد هذا القول ما

روي أن قوما من اليهود أسلمواو سألوا النبي أن يبقي عليهم تحريم السبت و تحريم لحم الإبل فأمرهم أن يلتزموا جميع أحكام الإسلام‏

«وَ لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ» أي آثاره و نزعاته لأن ترككم شيئا من شرائع الإسلام اتباع للشيطان «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» أي مظهر للعداوة بامتناعه من السجود لآدم بقوله‏ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاََّ قَلِيلاً .

اللغة

يقال زل الرجل يزل زلا و زللا و مزلة إذا أذنب و زل في الطريق زليلا و أصله من الزوال و معنى الزلة الزوال عن الاستقامة و العزيز هو القدير المنيع الذي لا يعجزه شي‏ء و أصل العزة الامتناع و منه أرض عزاز إذا كانت ممتنعة بالشدة و قد ذكرنا معنى الحكيم فيما سبق.

الإعراب‏

ما حرف موصول و جاءتكم صلته و اعلموا جملة في موضع الرفع لأنها بعد الفاء في جواب الشرط و الفاء مع الجملة في محل الجزم أو محل الرفع لأنه جواب شرط مبني.

المعنى‏

لما أمر سبحانه عباده بالطاعة عقبه بالوعيد على تركها فقال «فَإِنْ زَلَلْتُمْ» أي تنحيتم عن القصد و عدلتم عن الطريق القويم الذي أمركم الله تعالى بسلوكه «مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْكُمُ اَلْبَيِّنََاتُ» أي الحجج و المعجزات «فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ» في نقمته لا يمتنع شي‏ء من بطشه و عقوبته «حَكِيمٌ» فيما شرع من أحكام دينه لكم و فيما يفعله بكم من العقاب على معاصيكم بعد إقامة الحجة عليكم.

538

(1) -

القراءة

قرأ أبو جعفر و الملائكة بالجر و الباقون بالرفع و قرأ ابن عامر و الكسائي و حمزة ترجع الأمور بفتح التاء و الباقون بضمها.

الحجة

من قرأ و الملائكة بالجر فإنه عطفها على الغمام أي في ظلل من الغمام و في ظلل من الملائكة أي جماعة من الملائكة و قراءة السبعة بالرفع عطفا على قوله الله أي «إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ» و إلا أن يأتيهم الملائكة و حجة من قرأ «تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ» على بناء الفعل للمفعول به قوله‏ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ و لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ََ رَبِّي و لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى‏ََ رَبِّي و حجة من قرأ ترجع على بناء الفعل للفاعل قوله‏ أَلاََ إِلَى اَللََّهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ .

اللغة

النظر هنا بمعنى الانتظار كما في قول الشاعر:

فبينا نحن ننظره أتانا # معلق شكوة و زناد راع‏

أي ننتظره و أصل النظر الطلب لإدراك الشي‏ء و إذا استعمل بمعنى الانتظار فلأن المنتظر يطلب إدراك ما يتوقع و إذا كان بمعنى الفكر بالقلب فلأن المتفكر يطلب به المعرفة و إذا كان بالعين فإن الناظر يطلب الرؤية و الظلل جمع ظلة و هي ما يستظل به من الشمس و سمي السحاب ظلة لأنه يستظل به و الغمام السحاب الأبيض الرقيق سمي بذلك لأنه يغم أي يستر .

الإعراب‏

هل حرف استفهام بمعنى النفي. إلا هاهنا لنقض النفي. «أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ» في موضع نصب ينظرون. «مِنَ اَلْغَمََامِ» يتعلق بمحذوف فهو جملة ظرفية في موضع الجر صفة ظلل.

المعنى‏

ثم عقب سبحانه ما تقدم من الوعيد بوعيد آخر فقال «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ» أي هل ينتظر هؤلاء المكذبون بآيات الله إلا أن يأتيهم أمر الله أو عذاب الله و ما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب‏و قيل قطع من السحاب و هذا كما يقال قتل الأمير فلانا و ضربه و أعطاه و إن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه بل فعل بأمره فأسند إليه لأمره به و قيل معناه ما ينتظرون إلا أن يأتيهم جلائل آيات الله غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات كما يقال دخل الأمير البلد و يراد بذلك جنده و إنما ذكر الغمام ليكون أهول فإن الأهوال تشبه بظلل الغمام كما قال سبحانه‏ وَ إِذََا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ‏