مجمع البيان في تفسير القرآن - ج5

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
416 /
3

الجزء الخامس‏

(1) -

(9) سورة التوبة مدنية و آياتها تسع و عشرون و مائة (129)

توضيح‏

و هي مدنية كلها و قال بعضهم غير آيتين «لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» إلى آخر السورة نزلت سنة تسع من الهجرة و فتحت مكة سنة ثمان و حج رسول الله ص حجة الوداع سنة عشر و قال قتادة و مجاهد و هي آخر ما نزلت على النبي ص بالمدينة

عدد آيها

هي مائة و تسع و عشرون آية كوفي و ثلاثون في الباقين‏ .

اختلافها

ثلاث آيات «بَرِي‏ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» بصري «عَذََاباً أَلِيماً» شامي و « عََادٍ وَ ثَمُودَ » حجازي‏ .

أسماؤها عشرة

سورة براءة سميت بذلك لأنها مفتتحة بها و نزلت بإظهار البراءة من الكفار- التوبة -سميت بذلك لكثرة ما فيها من التوبة كقوله «وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ» «فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ» «ثُمَّ تََابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا» - الفاضحة -عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سورة التوبة فقال تلك الفاضحة ما زال ينزل حتى خشينا أن لا يبقى منهم أحد إلا ذكر و سميت بذلك لأنها فضحت المنافقين بإظهار نفاقهم- المبعثرة -عن ابن عباس أيضا سماها بذلك لأنها تبعثر عن أسرار المنافقين أي تبحث عنها- المقشقشة -عن ابن عباس سماها بذلك لأنها تبرئ من آمن بها من النفاق و الشرك لما فيها من الدعاء إلى الإخلاص‏

و في الحديث كان يقال لسورتي (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) المقشقشتان سميتا بذلك لأنهما تبرئان من الشرك و النفاق‏

يقال قشقشه إذا برأه و تقشقش المريض من علته إذا أفاق و برأ منها - البحوث -عن أبي أيوب الأنصاري سماها بذلك لأنها تتضمن ذكر المنافقين و البحث عن سرائرهم- المدمدمة -عن سفيان بن عيينة أي المهلكة و منه قوله‏

4

(1) - «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ» (الحافرة) عن الحسن لأنها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسترونه- المثيرة -عن قتادة لأنها أثارت مخازيهم و مقابحهم- سورة العذاب -عن حذيفة بن اليمان لأنها نزلت بعذاب الكفار و روى عاصم عن زر بن حبيش عن حذيفة قال يسمونها سورة التوبة و هي سورة العذاب فهذه عشرة أسماء.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال من قرأ سورة الأنفال و براءة فأنا شفيع له الخبر بتمامه‏

و قد مضى ذكره مع ما في معناه في أول الأنفال

و قد روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الأنفال و البراءة واحد

و روي ذلك عن سعيد بن المسيب

و روى الثعلبي بإسناده عن عائشة عن رسول الله ص أنه قال ما نزل علي القرآن إلا آية آية و حرفا حرفا خلا سورة البراءة و قل هو الله أحد فإنهما نزلتا علي و معهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول يا محمد استوص بنسبة الله خيرا

علة ترك التسمية-في أولها قراءة و كتابة

للعلماء و المفسرين فيه أقوال- (أحدها) -أنها ضمت إلى الأنفال بالمقاربة فصارتا كسورة واحدة إذ الأولى في ذكر العهود و الثانية في رفع العهود عن أبي بن كعب - (و ثانيها) -

أنه لم ينزل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس سورة براءة لأن بسم الله للأمان و الرحمة و نزلت براءة لرفع الأمان بالسيف عن علي (ع)

و سفيان بن عيينة اختاره أبو العباس المبرد - (و ثالثها) -ما روي عن ابن عباس أنه قال قلت لعثمان بن عفان ما حملكم على أن عمدتهم إلى براءة و هي من المئين و إلى الأنفال و هي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال و لم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم‏

فقال كان النبي ص تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من يكتب له فيقول له ضع هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا و كذا

و كانت الأنفال من أول ما نزل من القرآن بالمدينة و كانت براءة من آخر ما نزل من القرآن و كانت قصتها شبيهة بقصتها فظننا أنها منها و قبض رسول الله ص و لم يبين أنها منها فوضعناهما في السبع الطوال و لم نكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم و كانتا تدعيان القرينتين‏
.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه سورة الأنفال بإيجاب البراءة عن الكفار افتتح هذه السورة بأنه تعالى و رسوله بريئان منهم كما أمر المسلمين بالبراءة منهم فقال‏ .

5

(1) -

اللغة

معنى البراءة انقطاع العصمة يقال برأ يبرأ براءة و تبرء تبرءا و أبرأه إبراء و السيح السير على مهل يقال ساح سيح سيحا و سياحة و سيوحا و سيحانا و الإعجاز إيجاد العجز و العجز ضد القدرة عند من أثبته معنى و الإخزاء الإذلال بما فيه الفضيحة و العار و الخزي النكال الفاضح .

الإعراب‏

براءة ترتفع على أنها خبر مبتدإ محذوف و تقديره هذه الآيات براءة و يحتمل أن يكون مبتدأ و خبره في الظرف و هو قوله «إِلَى اَلَّذِينَ» و جاز أن يكون المبتدأ نكرة لأنها موصوفة و الأول أجود لأنه يدل على حضور المدرك كما تقول لمن تراه حاضرا حسن و الله أي هذا حسن.

المعنى‏

«بَرََاءَةٌ مِنَ اَللََّهِ» أي هذه براءة من الله «وَ رَسُولِهِ» أي انقطاع للعصمة و رفع للأمان و خروج من العهود «إِلَى اَلَّذِينَ عََاهَدْتُمْ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» الخطاب للنبي ص و للمسلمين و المعنى تبرؤا ممن كان بينكم‏ و بينهم عهد من المشركين فإن الله و رسوله بريئان منهم قال الزجاج معناه قد برى‏ء الله و رسوله من إعطائهم العهود و الوفاء لهم بهما إذ نكثوا و إذا قيل كيف يجوز أن ينقض النبي ص العهد فالقول فيه أنه يجوز أن ينقض ذلك على أحد ثلاثة أوجه إما أن يكون العهد مشروطا بأن يبقى إلى أن يرفعه الله تعالى بوحي و إما أن يكون قد ظهر من المشركين خيانة و نقض فأمر الله سبحانه بأن ينبذ إليهم عهدهم و إما أن يكون مؤجلا إلى مدة فتنقضي المدة و ينتقض العهد و قد

وردت الرواية بأن النبي ص شرط عليهم ما ذكرناه‏

و

روي أيضا أن المشركين كانوا قد نقضوا العهد أو هموا بذلك فأمره الله سبحانه أن ينقض عهودهم‏

ثم خاطب الله سبحانه المشركين فقال‏} «فَسِيحُوا فِي اَلْأَرْضِ» أي سيروا في الأرض على وجه المهل و تصرفوا في حوائجكم آمنين من السيف «أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» فإذا انقضت هذه المدة و لم تسلموا انقطعت العصمة عن دمائكم و أموالكم «وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اَللََّهِ» أي غير فائتين عن الله كما يفوت ما يعجز عنه لأنكم حيث كنتم في سلطان الله و ملكه «وَ أَنَّ اَللََّهَ مُخْزِي اَلْكََافِرِينَ» أي مذلهم و مهينهم‏و اختلف في هذه الأشهر الأربعة

فقيل كان ابتداؤها يوم النحر إلى العاشر من شهر ربيع الآخر عن مجاهد و محمد بن كعب القرظي و هو المروي عن أبي عبد الله (ع)

و قيل إنما ابتداء أجلهم الأشهر الأربعة من أول شوال إلى آخر المحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال عن ابن عباس و الزهري قال الفراء كانت المدة إلى آخر المحرم لأنه كان فيهم‏

6

(1) - من كانت مدته خمسين ليلة و هو من لم يكن له عهد من النبي ص فجعل الله له ذلك و قيل إن من كان له عهد من النبي ص أكثر من أربعة أشهر حط إلى أربعة أشهر و من كان له عهد أقل منها رفع إليها عن الحسن و ابن إسحاق قيل كان ابتداء الأشهر الأربعة يوم النحر لعشرين من ذي القعدة إلى عشرين من شهر ربيع الأول لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة و فيها حجة الوداع و كان سبب ذلك النسي‏ء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية على ما سيأتي بيانه إن شاء تعالى عن الجبائي .

[القصة]

أجمع المفسرون و نقلة الأخبار

أنه لما نزلت براءة دفعها رسول الله ص إلى أبي بكر ثم أخذها منه و دفعها إلى علي بن أبي طالب (ع) و اختلفوا في تفصيل ذلك‏ فقيل أنه بعثه و أمره أن يقرأ عشر آيات من أول هذه السورة و أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده ثم بعث عليا خلفه ليأخذها و يقرأها على الناس فخرج على ناقة رسول الله ص العضباء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه‏

و

قيل أن أبا بكر رجع فقال هل نزل في شي‏ء فقال ص لا إلا خيرا و لكن لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني‏

و

قيل أنه قرأ علي براءة على الناس و كان أبو بكر أميرا على الموسم‏

عن الحسن و قتادة و

قيل أنه ص أخذها من أبي بكر قبل الخروج و دفعها إلى علي (ع) و قال لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني‏

عن عروة بن الزبير و أبي سعيد الخدري و أبي هريرة و روى أصحابنا أن النبي ص ولاه أيضا الموسم و أنه حين أخذ البراءة من أبي بكر رجع أبو بكر

و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن سماك بن حرب عن أنس بن مالك أن رسول الله ص بعث ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة فلما بلغ ذا الحليفة بعث إليه فرده و قال لا يذهب بهذا إلا رجل من أهل بيتي فبعث عليا (ع)

و روى الشعبي عن محرز بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال كنت‏أنادي مع علي حين أذن المشركين فكان إذا صحل صوته فيما ينادي دعوت مكانه قال فقلت يا أبت أي شي‏ء كنتم تقولون قال كنا نقول لا يحج بعد عامنا هذا مشرك و لا يطوفن بالبيت عريان و لا يدخل البيت إلا مؤمن و من كانت بينه و بين رسول الله ص مدة فإن أجله إلى أربعة أشهر فإذا انقضت الأربعة الأشهر فإن الله بري‏ء من المشركين و رسوله‏

و روى عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) قال خطب علي (ع) الناس و اخترط

7

(1) - سيفه فقال لا يطوفن بالبيت عريان و لا يحجن البيت مشرك و من كانت له مدة فهو إلى مدته و من لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر

و كان خطب يوم النحر و كانت عشرون من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر و قال يوم النحر يوم الحج الأكبر

و ذكر أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن زيد بن نفيع قال سألنا عليا (ع) بأي شي‏ء بعثت في ذي الحجة قال بعثت بأربعة لا يدخل الكعبة إلا نفس مؤمنة و لا يطوف بالبيت عريان و لا يجتمع مؤمن و كافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا و من كان بينه و بين رسول الله ص عهد فعهده إلى مدته و من لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر

و

روي أنه (ع) قام عند جمرة العقبة و قال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم بأن لا يدخل البيت كافر و لا يحج البيت مشرك و لا يطوف بالبيت عريان و من كان له عهد عند رسول الله فله عهده إلى أربعة أشهر و من لا عهد له فله مدة بقية الأشهر الحرم و قرأ عليهم سورة براءة

و

قيل قرأ عليهم ثلاث عشرة آية من أول براءة

و

روي أنه (ع) لما نادى فيهم أَنَّ اَللََّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ أي من كل مشرك قال المشركون نحن نتبرأ من عهدك و عهد ابن عمك ثم لما كانت السنة المقبلة و هي سنة عشر حج النبي ص حجة الوداع و قفل إلى المدينة و مكث بقية ذي الحجة الحرام و المحرم و صفر و ليالي من شهر ربيع الأول حتى لحق بالله عز و جل.

القراءة

قرأ يعقوب برواية روح و زيد و رسوله بالنصب و هي قراءة الحسن و ابن أبي‏

8

(1) - إسحاق و عيسى بن عمرو و قرأ سائر القراء «وَ رَسُولِهِ» بالرفع و في الشواذ قراءة عكرمة و عطا لم ينقضوكم بالضاد المعجمة

الحجة

من قرأ «وَ رَسُولِهِ» بالرفع فإنه على الابتداء و خبره محذوف و يدل عليه ما تقدمه و تقديره و رسوله أيضا بري‏ء منهم و يجوز أن يكون معطوفا على المضمر في بري‏ء و حسن العطف عليه و إن كان غير مؤكد لأن قوله «مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» قام مقام التوكيد و ذكر سيبويه وجها ثالثا و هو أن يكون معطوفا على موضع أن و هذا وهم منه لأن أن المفتوحة مع ما بعدها في تأويل المصدر فقد تغيرت عن حكم المبتدأ و صارت في حكم ليت و لعل و كان في إحداثها معنى يفارق المبتدأ فكما لا يجوز العطف على مواضعهن فكذا لا يجوز العطف على موضع أن و إنما يجوز العطف على موضع إن المكسورة كما قال الشاعر:

فمن يك أمسى بالمدينة رحله # فإني و قيار بها لغريب‏

و لعل سيبويه توهم أنها مكسورة فحمل على موضعها فقد قرأ في الشواذ إن الله بري‏ء بالكسر فلعله تأول على هذه القراءة و من نصب عطفه على اسم الله تعالى و على هذا فيكون خبره محذوفا أيضا و من قرأ لم ينقضوكم فمعناه لم ينقضوا أموركم و عهودكم.

اللغة

الأذان الإعلام يقال أذنته بكذا فأذن أي أعلمته فعلم و قيل إن أصله من النداء الذي يسمع بالأذن و معناه أوقعه في أذنه و تأذن بمعنى آذن كما يقال تيقن و أيقن و المدة و الزمان و الحين نظائر و أصله من مددت الشي‏ء مدا فكأنه زمان طويل الفسحة و المدة عند المتكلمين اسم للمعدود من حركات الفلك و هو محدث .

الإعراب‏

و أذان عطف على براءة عن الزجاج و قيل إن تقديره عليكم أذان لأن فيه معنى الأمر فيكون مبتدأ و خبره محذوف عن علي بن عيسى و يجوز أن يكون مبتدأ و الخبر قوله «أَنَّ اَللََّهَ بَرِي‏ءٌ» على حذف الباء كأنه قال بأن الله و على الوجهين الأولين يكون موضع أن نصبا على أنه مفعول له و قوله «اَلَّذِينَ عََاهَدْتُمْ» في موضع نصب على الاستثناء و بشر معطوف على معنى الأذان أي أذن و بشر عن أبي مسلم .

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه أنه يجب إعلام المشركين ببراءة منهم لئلا ينسبوا المسلمين إلى الغدر قال «وَ أَذََانٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى اَلنََّاسِ» معناه و إعلام و فيه معنى الأمر أي أذنوا

9

(1) - الناس يعني أهل العهد و قيل المراد بالناس المؤمن و المشرك لأن الكل داخلون في هذا الإعلام و قوله «إِلَى اَلنََّاسِ» أي للناس يقال هذا إعلام لك و إليك «يَوْمَ اَلْحَجِّ اَلْأَكْبَرِ» فيه ثلاثة أقوال (أحدها)

أنه يوم عرفة عن عمر و سعيد بن المسيب و عطا و طاووس و مجاهد و روي ذلك عن علي (ع) و رواه المسور بن مخزمة عن النبي ص

قال عطا الحج الأكبر الذي فيه الوقوف و الحج الأصغر الذي ليس فيه وقوف و هو العمرة (و ثانيها)

أنه يوم النحر عن علي و ابن عباس و سعيد بن جبير و ابن زيد و النخعي و مجاهد و الشعبي و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله (ع) و رواه ابن أبي أوفى عن النبي ص

قال الحسن و سمي الحج الأكبر لأنه حج فيه المشركون و المسلمون و لم يحج بعدها مشرك‏ (و ثالثها) أنه جميع أيام الحج عن مجاهد أيضا و سفيان فمعناه أيام الحج كلها كما يقال يوم الجمل و يوم صفين و يوم بعاث يراد به الحين و الزمان لأن كل حرب من هذه الحروب دامت أياما «أَنَّ اَللََّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» أي من عهد المشركين فحذف المضاف «وَ رَسُولِهِ» معناه و رسوله أيضا بري‏ء منه و قيل إن البراءة الأولى لنقض العهد و البراءة الثانية لقطع الموالاة و الإحسان فليس بتكرار «فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» معناه فإن تبتم في هذه المدة أيها المشركون و رجعتم عن الشرك إلى توحيد الله فهو خير لكم من الإقامة على الشرك لأنكم تنجون به من خزي الدنيا و عذاب الآخرة «وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ» عن الإيمان و صبرتم على الكفر «فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اَللََّهِ» أي لا تعجزونه عن تعذيبكم و لا تفوتون بأنفسكم من أن يحل بكم عذابه في الدنيا و في هذا إعلام بأن الإمهال ليس بعجز و إنما هو لإظهار الحجة و المصلحة ثم أوعدهم بعذاب الآخرة فقال «وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذََابٍ أَلِيمٍ» أي أخبرهم مكان البشارة بعذاب موجع و هو عذاب النار في الآخرة} «إِلاَّ اَلَّذِينَ عََاهَدْتُمْ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ» قال الفراء استثنى الله تعالى من براءته و براءة رسوله من المشركين قوما من بني كنانة و بني ضمرة كان قد بقي من أجلهم تسعة أشهر أمر بإتمامها لهم لأنهم لم يظاهروا على المؤمنين و لم ينقضوا عهد رسول الله ص و قال ابن عباس عنى به كل من كان بينه و بين رسول الله ص عهد قبل براءة و ينبغي أن يكون ابن عباس أراد بذلك من كان بينه و بينه عقد هدنة و لم يتعرض له بعداوة و لا ظاهر عليه عدوا لأن النبي ص صالح أهل هجر و أهل البحرين و إيلة و دومة الجندل

10

(1) - و له عهود بالصلح و الجزية و لم ينبذ إليهم بنقض عهد و لا حاربهم بعد و كانوا أهل ذمة إلى أن مضى لسبيله ص و وفى لهم بذلك من بعده «ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً» معناه لم ينقصوكم من شروط الهدنة شيئا و قيل معناه لم يضروكم شيئا «وَ لَمْ يُظََاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً» أي لم يعاونوا عليكم أيها المؤمنون أحدا من أعدائكم «فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى‏ََ مُدَّتِهِمْ» أي إلي انقضاء مدتهم التي وقعت المعاهدة بينكم إليها «إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ» لنقض العهود.

اللغة

الانسلاخ خروج الشي‏ء مما لابسه و أصله من سلخ الشاة و هو نزع الجلد عنها و سلخنا شهر كذا نسلخه سلخا و سلوخا و الحصر المنع من الخروج عن محيط و الحصر و الحبس و الأسر نظائر و المرصد الطريق و مثله المرقب و المربا و رصده يرصده رصدا .

الإعراب‏

قال أبو الحسن الأخفش قوله «كُلَّ مَرْصَدٍ» المعنى على كل مرصد فحذفت على و أنشد:

نغالي اللحم للأضياف نيا # و نرخصه إذا نضج القدور

المعنى نغالي باللحم فحذفت الباء قال الزجاج «كُلَّ مَرْصَدٍ» ظرف كقولك ذهبت مذهبا و ذهبت طريقا و ذهبت كل طريق قال أبو علي لا يحتاج في هذا إلى تقدير على إذا كان المرصد اسما للمكان كما إنك إذا قلت ذهبت مذهبا و دخلت مدخلا إذا جعلت المذهب و المدخل اسمين للمكان لم يحتج إلى على و لا إلى تقدير حرف جر إلا أن أبا الحسن ذهب‏

11

(1) - إلى أن المرصد اسم للطريق و إذا كان اسما للطريق كان مخصوصا و إذا كان مخصوصا وجب أن لا يصل الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر نحو قعدت على الطريق إلا أن يجي‏ء في ذلك اتساع نحو ما حكاه سيبويه من قولهم ذهبت الشام و دخلت البيت و قد غلط أبو إسحاق الزجاج في قوله «كُلَّ مَرْصَدٍ» ظرف كقولك ذهبت مذهبا و ذهبت طريقا في أن جعل الطريق ظرفا كالمذهب و ليس الطريق بظرف لأنه مكان مخصوص و قد نص سيبويه على اختصاصه أ لا ترى أنه حمل قول ساعدة :

لدن بهز الكف يعسل متنه # فيه كما عسل الطريق الثعلب‏

على أنه قد حذف منه الحرف اتساعا كما حذف من ذهبت الشام و إذا أثبت ذلك فالمرصد مثله أيضا في الاختصاص و أن لا يكون ظرفا إذا كان اسما للطريق و قوله «أَحَدٌ» فإعرابه أنه مرفوع بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره، المعنى و إن استجارك أحد قال الزجاج و من زعم أنه يرفع أحدا بالابتداء فقد أخطأ لأن إن الجزاء لا يتخطى ما يرفع بالابتداء و يعمل فيما بعده فلو أظهرت المستقبل لقلت إن أحد يقم أكرمه و لا يجوز إن أحد يقم زيد يقم لا يجوز أن يرفع زيد بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره و يجزم و إنما جاز في إن لأن إن يلزمها الفعل و جواب الجزاء يكون بالفعل و غيره و لا يجوز أن تضمر و تجزم بعد المبتدأ لأنك تقول هاهنا إن تأتني فزيد يقوم فالموضع موضع ابتداء قال أبو علي اعلم أن جواب الشرط و إن كان بغير الفعل فالأصل فيه الفعل و الفاء و إذا واقعان موقع الفعل بدلالة أن قوله و يذرهم على قراءة من قرأ بالجزم فمحمول على الموضع من قوله‏ فَلاََ هََادِيَ لَهُ و أما قول أبي إسحاق لا يجوز أن تضمر و تجزم بعد المبتدأ و لعمري أنه لا يجوز أن يضمر الفعل فيرفع الاسم الذي يرتفع بالابتداء بالفعل المضمر في نحو قولك إن تأتني فزيد يقوم لأن الجزم لا يقع بعد المبتدأ و لكن لا يمتنع أن يقع الجزم بعد الفاعل في الجزاء كما يقع في الشرط لأن الجزاء موضع فعل كما أن الشرط موضع فعل فالمسألة التي منع أبو إسحاق إجازتها جائزة لا إشكال في جوازها و هي قوله إن يقم أحد زيد يقم و قد نص سيبويه على إجازة ذلك قال الزجاج و إنما يجوز الفصل في باب إن لأن إن أم الجزاء و لا يزول عنه إلى غيره فأما أخواتها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر قال:

12

(1) -

فمتى واغل ينبهم يحيوه # و تعطف عليه كأس الساقي.

ـ

المعنى‏

ثم بين سبحانه الحكم في المشركين بعد انقضاء المدة فقال «فَإِذَا اِنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ» قيل هي الأشهر الحرم المعروفة ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب ثلاثة سرد و واحد فرد عن جماعة و قيل هي الأشهر الأربعة التي حرم القتال فيها و جعل الله للمشركين أن يسيحوا في الأرض آمنين على ما ذكرناه من اختلاف المفسرين فيها و على هذا فمنهم من قال معناه فإذا انسلخ الأشهر بانسلاخ المحرم لأن المشركين من كان منهم لهم عهد أمهلوا أربعة أشهر من حين نزلت براءة و نزلت في شوال و من لا عهد لهم فأجلهم من يوم نزول النداء و هو يوم عرفة أو يوم النحر إلى تمام الأشهر الحرم و هي بقية ذي الحجة و المحرم كله فيكون ذلك خمسين يوما فإذا انقضت هذه الخمسون يوما انقضى الأجلان و حل قتالهم سواء كان لهم عهد خاص أو عام و منهم من قال معناه إذا انسلخ الأشهر الأربعة التي هي عشرون من ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول و عشر من شهر ربيع الآخر إذ حرمنا فيها دماء المشركين و جعلنا لهم أن يسيحوا فيها آمنين «فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» أي فضعوا السيف فيهم حيث كانوا في الأشهر الحرم و غيرها في الحل أو في الحرم و هذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح و الإعراض عنهم «وَ خُذُوهُمْ» قيل فيه تقديم و تأخير و تقديره فخذوا المشركين حيث وجدتموهم و اقتلوهم و قيل ليس فيه تقديم و تأخير و تقديره فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أو خذوهم و احصروهم على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين و قوله «وَ اُحْصُرُوهُمْ» معناه و احبسوهم و استرقوهم أو فادوهم بمال و قيل و امنعوهم دخول مكة و التصرف في بلاد الإسلام «وَ اُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» أي بكل طريق و بكل مكان تظنون أنهم يمرون فيه و ضيقوا المسالك عليهم لتمكنوا من أخذهم و قوله «لَهُمْ» معناه لقتلهم و أسرهم «فَإِنْ تََابُوا» أي رجعوا من الكفر و انقادوا للشرع «وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتَوُا اَلزَّكََاةَ» أي قبلوا إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة لأن عصمة الدم لا تقف على إقامة الصلاة و أداء الزكاة فثبت أن المراد به القبول «فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» أي دعوهم يتصرفون في بلاد الإسلام لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم و قيل معناه فخلوا سبيلهم إلى البيت أي دعوهم يحجوا معكم «إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» و استدلوا بهذه الآية على أن من ترك الصلاة متعمدا يجب قتله لأن الله تعالى أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا و يقيموا

13

(1) - الصلاة فإذا لم يقيموها وجب قتلهم‏} «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجََارَكَ فَأَجِرْهُ حَتََّى يَسْمَعَ كَلاََمَ اَللََّهِ» معناه و إن طلب أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم منك الأمان من القتل بعد الأشهر الأربعة ليسمع دعوتك و احتجاجك عليه بالقرآن فآمنه و بين له ما يريد و أمهله حتى يسمع كلام الله و يتدبره و إنما خص كلام الله لأن معظم الأدلة فيه «ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» معناه فإن دخل في الإسلام نال خير الدارين و إن لم يدخل في الإسلام فلا تقتله فتكون قد غدرت به و لكن أوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه و ماله «ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاََ يَعْلَمُونَ» أي ذلك الأمان لهم بأنهم قوم لا يعلمون الإيمان و الدلائل فآمنهم حتى يسمعوا و يتدبروا و يعلموا و في هذا دلالة على بطلان قول من قال‏ المعارف ضرورية و في الآية دلالة على أن المتلو و المسموع كلام الله لأن الشرع و العرب جعلا الحكاية كعين المحكي يقال هذا كلام سيبويه و شعر امرئ القيس و من ظن أن الحكاية تفارق المحكي لأجل هذا الظاهر فقد غلط لأن المراد ما ذكرناه.

القراءة

في الشواذ قراءة عكرمة إيلا بياء بعد الهمزة.

الحجة

يمكن أن يكون أراد «إِلاًّ» كقراءة الجماعة إلا أنه أبدل اللام الأولى ياء لثقل الإدغام و لكسر الهمزة كما قالوا دينار و قيراط و الأصل دنار و قراط لقولهم دنانير و قراريط و قد جاء مع التضعيف وحده قال:

يا ليتما أمنا شالت نعامتها # أيما إلى جنة أيما إلى نار.

14

(1) -

اللغة

الظهور العلو بالغلبة و أصله خروج الشي‏ء إلى حيث يصح أن يدرك الرقبة و الانتظار و المراقبة و المراعاة و المحافظة نظائر و الرقيب الحافظ و الإل العهد مأخوذ من الأليل و هو البريق يقال أل يؤول ألا إذا لمع و الآلة الحربة للمعانها و أذن مؤللة مشبهة للحربة في تحديدها قال الشاعر:

وجدناهم كاذبا إلهم # و ذو الإل و العهد لا يكذب‏

و الإل القرابة قال حسان :

لعمرك إن إلك من قريش # كإل السقب من رأل النعام‏

.

المعنى‏

لما أمر سبحانه بنبذ العهد إلى المشركين بين أن العلة في ذلك ما ظهر منهم من الغدر و أمر بإتمام العهد لمن استقام على الأمر فقال «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اَللََّهِ وَ عِنْدَ رَسُولِهِ» أي كيف يكون لهؤلاء عهد صحيح مع إضمارهم الغدر و النكث و هذا يكون على التعجب أو على الجحد و يدل عليه ما روي أن في قراءة عبد الله كيف يكون عهد عند الله } «وَ لاََ ذِمَّةً» فأدخل الكلام لا لأن معنى الأول جحد أي لا يكون لهم عهد و قيل معناه كيف يأمر الله و رسوله بالكف عن دماء المشركين ثم استثنى سبحانه فقال «إِلاَّ اَلَّذِينَ عََاهَدْتُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ » أي فإن لهم عهدا عند الله‏ لأنهم لهم يضمروا الغدر بك و الخيانة لك و اختلف في هؤلاء من هم فقيل هم قريش عن ابن عباس و

قيل هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله يوم الحديبية فلم يستقيموا و نقضوا العهد بأن أعانوا بني بكر على خزاعة فضرب لهم رسول الله ص بعد الفتح أربعة أشهر يختارون أمرهم إما أن يسلموا و إما أن يلحقوا بأي بلاد شاءوا فأسلموا قبل الأربعة الأشهر

عن قتادة و ابن زيد و قيل هم من قبائل بكر بنو خزيمة و بنو مدلج و بنو ضمرة و بنو الدئل و هم الذين كانوا قد دخلوا عهد قريش يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله ص و بين قريش فلم يكن نقضها إلا قريش و بنو الدئل من بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن له نقض إلى مدته و هذا القول أقرب إلى الصواب لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد و بعد فتح مكة «فَمَا اِسْتَقََامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ» معناه فما استقاموا لكم على العهد أي ما داموا باقين معكم على الطريقة المستقيمة فكونوا معهم كذلك «إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ» للنكث و الغدر «كَيْفَ وَ إِنْ يَظْهَرُوا

15

(1) - عَلَيْكُمْ» هاهنا حذف و تقديره كيف يكون لهم عهد و كيف لا تقتلونهم‏ و إنما حذفه لأن ما قبله من قوله كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ يدل على ذلك و مثله قول الشاعر يرثي أخا له قد مات:

و خبرتماني أنما الموت بالقرى # فكيف و هاتا هضبة و قليب‏

أي فكيف مات و ليس بقرية و مثله قول الحطيئة :

فكيف و لم أعلمهم حدلوكم # على معظم و لا أديمكم قدوا

أي و كيف تلومونني على مدح قوم و تذمونهم فاستغنى عن ذكر ذلك لأنه جرى في القصيدة ما يدل على ما أضمره و معناه كيف يكون لهؤلاء عهد عند الله و عند رسوله و هم بحال إن يظهروا عليكم و يظفروا بكم و يغلبوكم «لاََ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَ لاََ ذِمَّةً» أي لا يحفظوا و لا يراعوا فيكم قرابة و لا عهدا و الإل القرابة عن ابن عباس و الضحاك و العهد عن مجاهد و السدي و الجوار عن الحسن و الحلف عن قتادة و اليمين عن أبي عبيدة و قيل أن الإل اسم الله تعالى عن مجاهد و روي أن أبا بكر قرئ عليه كلام مسيلمة فقال لم يخرج هذا من إل فأين يذهب بكم و من قال إن الإل هو العهد قال جمع بينه و بين الذمة و إن كان بمعناه لاختلاف معنى اللفظين كما قال:

"و ألفى قولها كذبا و مينا"

و قال:

"متى أدن منه ينأ عني و يبعد"

«يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ تَأْبى‏ََ قُلُوبُهُمْ» معناه يتكلمون بكلام الموالين لكم‏لترضوا عنهم و تأبى قلوبهم إلا العداوة و الغدر و نقض العهد «وَ أَكْثَرُهُمْ فََاسِقُونَ» أي متمردون في الكفر و الشرك عن ابن الإخشيد و قال الجبائي أراد كلهم فاسقون لكنه وضع الخصوص موضع العموم و قال القاضي معناه أكثرهم خارجون عن طريق الوفاء بالعهد و أراد بذلك رؤساءهم.

16

(1) -

القراءة

قرأ أهل الكوفة و الشام «أَئِمَّةَ اَلْكُفْرِ» بهمزتين و قرأ الباقون أيمة بهمزة واحدة و ياء بعدها و

قرأ ابن عامر لا إيمان بكسر الهمزة و رواه ابن عقدة بإسناده عن عريف بن الوضاح الجعفي عن جعفر بن محمد (ع)

و الباقون بفتحها.

الحجة

قال أبو علي أئمة أصله أفعلة واحدها إمام فإذا جمعته على أفعلة ففيه همزة هي فاء الفعل و يزيد عليها همزة أفعلة الزائدة فيجتمع همزتان و اجتماع الهمزتين في كلمة لا يستعمل بحقيقتهما قال الزجاج أصله أئمة و لكن الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية و ألقيت حركتها على الهمزة فصارت أئمة فأبدل النحويون من الهمزة المكسورة الياء قال و من قال هذا أوم من هذا كان أصله أأم فجعلها واوا مفتوحة كما قالوا في جمع آدم أوادم قال أبو علي و من جمع بين الهمزتين في أئمة فحجته أن سيبويه قال زعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين في أناس معه و قد يتكلم ببعضه العرب و هو ردي‏ء و وجهه من القياس أن تقول أن الهمزة حرف من حروف الحلق كالعين و غيره و قد جمع بينهما في نحو كعاعة وكع يكع فكما جاز اجتماع العينين جاز اجتماع الهمزتين قال علي بن عيسى إنما جاز اجتماع الهمزتين هنا لئلا يجتمع على الكلمة تغيران الإدغام و القلب مع خفة التحقيق لأجل ما بعده من السكون و على هذا تقول هذا أءم من هذا بهمزتين قال و إنما قلبت الهمزة من أئمة دون حركة ما قبلها لأن الحركة إنما نقلت من الميم إلى الهمزة لبيان زنة الكلمة فلو ذهبت بقلبها على ما قبلها لكنت مناقضا للغرض فيها و أما قوله «لاََ أَيْمََانَ لَهُمْ» فمن فتح الهمزة قال هو أشبه بالموضع فقد قال نَكَثُوا أَيْمََانَهُمْ و من كسرها جعله مصدر آمنته إيمانا

17

(1) - خلاف خوفته و لا يريد مصدرا من الذي هو صدق فيكون تكرارا لدلالة ما تقدم من قوله فَقََاتِلُوا أَئِمَّةَ اَلْكُفْرِ على أن أهل الكفر لا أيمان لهم.

اللغة

الأيمان جمع يمين و هو القسم و الطعن الاعتماد بالعيب و أصله الطعن بالرمح و الإمام هو المتقدم للاتباع فالإمام في الخير مهتد هاد و في الشر ضال مضل و الهم مقارنة الفعل بالعزم من غير إيقاع له و قد ذموا بهذا الهم ففيه دليل على العزم و قد يستعمل الهم على مقارنة العزم و البدء فعل الشي‏ء من قبل غيره و هو فعل الشي‏ء أولا و المرة فعل لم يتكرر و هي الفعلة من المر و المرة و الدفعة و الكرة نظائر .

المعنى‏

ثم بين سبحانه خصال القوم فقال «اِشْتَرَوْا بِآيََاتِ اَللََّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ» و معناه أعرضوا عن دين الله و صدوا الناس عنه بشي‏ء يسير نالوه من الدنيا و أصل الاشتراء استبدال ما كان من المتاع بالثمن و نقيضه البيع و هو العقد على تسليم المتاع بالثمن و معنى الفاء هنا أن اشتراءهم هذا أداهم إلى الصد عن الإسلام و هذا ورد في قوم من العرب جمعهم أبو سفيان على طعامه ليستميلهم على عداوة النبي ص عن مجاهد و قيل ورد في اليهود الذين كانوا يأخذون الرشا من العوام على الحكم بالباطل عن الجبائي «إِنَّهُمْ سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» أي بئس العمل عملهم‏} «لاََ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَ لاََ ذِمَّةً» سبق معناه و الفائدة في الإعادة أن الأول في صفة الناقضين للعهد و الثاني في صفة الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا و قيل إنما كرر تأكيدا «وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُعْتَدُونَ» أي المجاوزون الحد في الكفر و الطغيان‏} «فَإِنْ تََابُوا» أي ندموا على ما كان منهم من الشرك و عزموا على ترك العود إليه و قبلوا الإسلام «وَ أَقََامُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتَوُا اَلزَّكََاةَ» أي قبلوهما و أدوهما عند لزومهما «فَإِخْوََانُكُمْ فِي اَلدِّينِ» أي فهم إخوانكم في الدين فعاملوهم معاملة إخوانكم من المؤمنين «وَ نُفَصِّلُ اَلْآيََاتِ» أي نبينها و نميزها بخاصة لكل واحدة منها تتميز بها من غيرها حتى يظهر مدلولها على أتم ما يكون من الظهور فيها «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ذلك و يتبينونه دون الجهال الذين لا يتفكرون‏} «وَ إِنْ نَكَثُوا» أي نقضوا «أَيْمََانَهُمْ» أي عهودهم و ما حلفوا عليه «مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ» أي من بعد أن عقدوه «وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ» أي عابوه و قدحوا فيه «فَقََاتِلُوا أَئِمَّةَ اَلْكُفْرِ» أي رؤساء الكفر و الضلالة و خصهم بالأمر بقتالهم لأنهم يضلون أتباعهم قال الحسن و أراد به جماعة الكفار و كل كافر إمام لنفسه في الكفر و لغيره في الدعاء إليه و قال ابن عباس و قتادة أراد به رؤساء قريش مثل الحرث بن هشام و أبي سفيان بن حرب و عكرمة بن أبي جهل و سائر رؤساء قريش الذين نقضوا العهد و كان حذيفة بن اليمان يقول لم يأت أهل‏

18

(1) - هذه الآية بعد و قال مجاهد هم أهل فارس و الروم و

قرأ علي (ع) هذه الآية يوم البصرة ثم قال أما و الله لقد عهد إلي رسول الله ص‏ و قال لي يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة و الفئة الباغية و الفئة المارقة

«إِنَّهُمْ لاََ أَيْمََانَ لَهُمْ» من قرأ بفتح الهمزة فمعناه أنهم لا يحفظون العهد و اليمين كما يقال فلان لا عهد له أي لا وفاء له بالعهد و من قرأ بالكسر فمعناه لا تؤمنوهم بعد نكثهم العهد و يحتمل أن يكون معناه أنهم إذا آمنوا إنسانا لا يفون به و يحتمل أن يكون معناه أنهم كفروا فلا إيمان لهم «لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» معناه قاتلوهم لينتهوا عن الكفر فإنهم لا ينتهون عنه بدون القتال و قيل معناه ليكن قصدكم في قتالكم انتهاؤهم عن الشرك فإن قيل كيف نفى بقوله «لاََ أَيْمََانَ لَهُمْ» ما أثبته بقوله وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمََانَهُمْ قيل له إن الإيمان التي أثبتها هي ما حلفوا بها و عقدوا عليها و إنما نفاها من بعد لأنهم لم يفوا بها و لم يتمسكوا بموجبها} «أَ لاََ تُقََاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمََانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْرََاجِ اَلرَّسُولِ » الألف‏ للاستفهام و المراد به التحضيض و الإيجاب و معناه هلا تقاتلونهم و قد نقضوا عهودهم التي عقدوها و اختلف في هؤلاء فقيل هم اليهود الذين نقضوا العهد و خرجوا مع الأحزاب و هموا بإخراج الرسول من المدينة كما أخرجه المشركون من مكة عن الجبائي و القاضي و قيل هم مشركو قريش و أهل مكة «وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» أي بدءوكم بنقض العهد عن ابن إسحاق و الجبائي و قيل بدءوكم بقتال حلفاء النبي ص من خزاعة عن الزجاج و قيل بدءوكم بالقتال يوم بدر و قالوا حين سلم العير لا ننصرف حتى نستأصل محمدا و من معه «أَ تَخْشَوْنَهُمْ» أي أ تخافون أن ينالكم من قتالكم مكروه لفظه استفهام و المراد به تشجيع المؤمنين و في ذلك غاية الفصاحة لأنه جمع بين التقريع و التشجيع «فَاللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» المعنى لا تخشوهم و لا تتركوا قتالهم خوفا على أنفسكم منهم فإنه سبحانه أحق أن تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم إن كنتم مصدقين بعقاب الله و ثوابه أي إن كنتم مؤمنين فخشية الله أحق بكم من خشية غيره و الله أعلم و أحكم.

القراءة

في الشواذ قراءة الأعرج و ابن أبي إسحاق و عيسى الثقفي و عمرو بن عبيد و يتوب الله بالنصب و رويت عن أبي عمرو أيضا.

19

(1) -

الحجة

قال ابن جني إذا نصب فالتوبة داخلة في جواب الشرط و إذا رفع فهو استئناف و تقديره في النصب أن تقاتلوهم تكن هذه الأشياء كلها التي أحدها التوبة من الله على من يشاء و الوجه قراءة الجماعة على الاستئناف لأنه تم الكلام على قوله وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ثم استأنف فقال «وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ» لأن التوبة منه سبحانه على من يشاء ليست مسببة عن قتالهم.

المعنى‏

ثم أكد سبحانه ما تقدم بأن أمر المسلمين بقتالهم و بشرهم بالنصر و الظفر عليهم فقال «قََاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ» قتلا و أسرا «وَ يُخْزِهِمْ» أي و يذلهم «وَ يَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ» أي و يعنكم أيها المؤمنون عليهم «وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» يعني صدور بني خزاعة الذين بيت عليهم بنو بكر عن مجاهد و السدي لأنهم كانوا حلفاء النبي ص } «وَ يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» معناه و يكون ذلك النصر شفاء لقلوب المؤمنين التي امتلأت غيظا لكثرة ما نالهم من الأذى من جهتهم ثم استأنف سبحانه فقال «وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ» أي و يقبل توبة من تاب منهم مع فرط تعديهم رحمة و فضلا «وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» عليهم بتوبتهم إذا تابوا حكيم في أمركم بقتالهم إذا نكثوا قبل أن يتوبوا و يرجعوا لأن أفعاله كلها صواب و حكمة و في هذا دلالة على نبوة نبينا ص لأنه وافق خبره المخبر.

النظم‏

و الوجه في اتصال قوله «وَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ» بما قبله شيئان‏ (أحدهما) البشارة بأن فيهم من يتوب و يرجع عن الكفر إلى الإيمان (و الآخر) بيان أنه ليس في قتالهم اقتطاع لأحد منهم عن التوبة.

اللغة

الحسبان قوة المعنى في النفس من غير قطع و هو مشتق من الحساب لدخوله فيما يحتسب به و الترك ضد ينافي الفعل المبتدأ في محل القدرة عليه و يستعمل بمعنى أن لا يفعل كقوله‏ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمََاتٍ لاََ يُبْصِرُونَ و الوليجة الدخيلة في القوم من غيرهم و البطانة مثله وليجة الرجل من يختص بدخلة أمره دون الناس الواحد و الجمع فيه سواء و كل شي‏ء دخل في شي‏ء ليس منه فهو وليجة قال طرفة :

20

(1) -

فإن القوافي يتلجن موالجا # تضايق عنه أن تولجه الإبر

.

الإعراب‏

أم حرف عطف يعطف به الاستفهام و «أَمْ حَسِبْتُمْ» معطوف على ما تقدم من قوله‏ أَ لاََ تُقََاتِلُونَ و هو من الاستفهام المعترض في وسط الكلام فجعل نفي الفعل مع تقريب لوقوعه و لم يفعل نفي الفعل بعد إطماع في وقوعه.

المعنى‏

ثم نبه سبحانه على جلالة موقع الجهاد فقال «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا» معناه أ ظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا من دون أن تكلفوا الجهاد في سبيل الله مع الإخلاص «وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ» معناه و لما يظهر ما علم الله منكم فذكر نفي العلم و المراد نفي المعلوم تأكيدا للنفي و إلا فإن الله عز اسمه عالم بما يكون قبل أن كان و بما لا يكون لو كان كيف كان يكون و تقديره أ ظننتم أن تتركوا و لم تجاهدوا «وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ وَ لاََ رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً» أي و لم يعلم الله الذين لم يتخذوا سوى الله و سوى رسوله و المؤمنين بطانة و أولياء يوالونهم و يفشون إليهم أسرارهم و قال الجبائي هو أن يكونوا منافقين و هو قول الحسن و في هذه دلالة على تحريم موالاة الكفار و الفساق و الألف بهم «وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ» أي عليم بأعمالكم فيجازيكم عليها.

النظم‏

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما تقدم الأمر بالقتال عطف عليه بهذا الشرط و هو الإخلاص في الجهاد على وجه قطع العصمة ليظهر الظفر و يستحق الثواب.

القراءة

قرأ أهل البصرة و ابن كثير مسجد الله على الواحد و هو قراءة ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و الباقون «مَسََاجِدَ اَللََّهِ» .

21

(1) -

الحجة

حجة من أفرد أنه عني به المسجد الحرام و حجة من جمع أنه عني به المسجد الحرام و غيره من المساجد و يحتمل أن يكون أراد المسجد الحرام و إنما جمع لأن كل موضع منه مسجد يسجد عليه فيكون القراءتان بمعنى.

اللغة

الأصل في المسجد هو موضع السجود في العرف و يعبر به عن البيت المهيا لصلاة الجماعة فيه و العمارة أن يجدد منه ما استرم من الأبنية و منه اعتمر إذا زار لأنه يجدد بالزيارة ما استرم من الحال .

المعنى‏

لما أمر الله سبحانه بقتال المشركين و قطع العصمة و الموالاة عنهم أمر بمنعهم عن المساجد فقال «مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اَللََّهِ» معناه لا ينبغي للمشركين أن يكونوا قواما على عمارة مساجد الله و متولين لأمرها و ينبغي أن يعمرها المسلمون و قيل أن المراد بذلك المسجد الحرام خاصة و قيل هي عامة في جميع المساجد «شََاهِدِينَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ» أي حال شهادتهم على أنفسهم بالكفر أو مع شهادتهم و اختلف في العمارة للمسجد فقيل هي بدخوله و نزوله كما يقال فلان يعمر مجلس فلان إذا أكثر غشيانه لأن المسجد تكون عمارته بطاعة الله و عبادته و قيل هي باستصلاحه و رم ما استرم منه لأنه إنما يعمر للعبادة عن الجبائي و قيل هي بأن يكونوا من أهله‏ أي لا ينبغي أن يترك المشركون فيكونوا أهل المسجد الحرام عن الحسن و اختلف في شهادتهم على أنفسهم بالكفر كيف هي فقيل هي أن النصراني يسأل ما أنت فيقول أنا نصراني و اليهودي يقول أنا يهودي و كذلك المشرك إذا سئل ما دينك يقول مشرك لا يقولها أحد غير العرب عن السدي و قيل معناه إن كلامهم يدل على كفرهم كما يقال كلام فلان يدل على بطلان دعواه عن الحسن و قيل هي قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه و ما ملك و قيل شهادتهم سجودهم لأصنامهم مع إقرارهم بأنها مخلوقة عن ابن عباس و معناه أنهم يشهدون على أنفسهم بأفعالهم و أحوالهم و من أظهر شيئا و بينه يقال قد شهد به «أُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ» التي هي من جنس الطاعة من المؤمنين أي بطلت لأنهم أوقعوها على الوجه الذي لا يستحق لأجله الثواب عليها عند الله «وَ فِي اَلنََّارِ هُمْ خََالِدُونَ» أي مقيمون مؤبدون‏} «إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ» و لفظة إنما لإثبات المذكور و نفي ما عداه فمعناه لا يعمر مساجد الله بزيارتها و إقامة العبادات فيها أو ببنائها و رم المسترم منها إلا «مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» أي من أقر بوحدانية الله و اعترف بالقيامة «وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ» بحدودها «وَ آتَى اَلزَّكََاةَ» أي أعطاها إن وجبت عليه إلى مستحقها «وَ لَمْ يَخْشَ إِلاَّ اَللََّهَ» أي لم يخف سوى الله أحدا من المخلوقين‏

22

(1) - و هذا راجع إلى قوله‏ «أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ» أي إن خشيتموهم فقد ساويتموهم في الإشراك كما قال‏ فَلَمََّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْقِتََالُ إِذََا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ اَلنََّاسَ كَخَشْيَةِ اَللََّهِ الآية «فَعَسى‏ََ أُولََئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ» إلى الجنة و نيل ثوابها لأن عسى من الله واجبة عن ابن عباس و الحسن و في ذكر الصلاة و الزكاة و غير ذلك بعد ذكر الإيمان بالله دلالة على أن الإيمان لا يتناول أفعال الجوارح إذ لو تناولها جاز عطف ما دخل فيه عليه و من قال إن المراد فيه التفصيل و زيادة البيان فقد ترك الظاهر.

القراءة

في الشواذ

قراءة محمد بن علي الباقر (ع) و ابن الزبير و أبي وجرة السواري و أبي جعفر السعدي القارئ أ جعلتم سقاة الحاج و عمرة المسجد الحرام

و قرأ الضحاك سقاية الحاج بالضم و عمرة المسجد .

الحجة

أما سقاة فهو جمع ساق و عمرة جمع عامر و أما «سِقََايَةَ» فقد قال ابن جني فيه نظر و وجهه أن يكون جمعا جاء على فعال كعرق و عراق و رخل و رخال و ظئر و ظؤار و توم‏

23

(1) - و توأم و بري‏ء و براء و إنسان و إناس ثم أنث كما يؤنث من المجموع أشياء نحو حجارة و عيورة و كان من عدل عن قراءة الجماعة «سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ وَ عِمََارَةَ اَلْمَسْجِدِ» إلى هذا إنما هرب من أن يقابل الحدث بالجواهر و ذلك أن من آمن جوهر و سقاية و عمارة مصدران فلا بد إذن من حذف المضاف أي أ جعلتم هذين الفعلين كفعل من آمن بالله فلما رأى أنه لا بد من حذف المضاف قرأ سقاة و عمرة على ما مضى.

اللغة

السقاية آلة تتخذ لسقي الماء و السقاية مصدر كالسقي أيضا و قيل إنهم كانوا يسقون الحجيج الماء و الشراب و بيت البئر سقاية أيضا و البشارة الدلالة على ما يظهر به السرور في بشرة الوجه كما يقال بشرته أبشره بشرى و رضوان هو معنى يستحق بالإحسان و يدعو إلى الحمد على ما كان و يضاد سخط العصيان و النعيم مشتق من النعمة و هي اللين فأما النعمة بكسر النون فهي منفعة يستحق بها الشكر لأنها كنعمة العيش و أبدا للزمان المستقبل من غير آخر كما أن قط للماضي يقال ما رأيته قط و لا أراه أبدا و جمع الأبد آباد و أبود يقال لا أفعل ذلك أبد الأبيد و أبد الآبدين و تأبد المنزل أتى عليه و الأوابد الوحش سميت بذلك لطول أعمارها و قيل لم يمت وحشي حتف أنفه و إنما يموت بآفة و الآبدة الداهية .

ـ

النزول‏

قيل أنها نزلت في علي بن أبي طالب (ع) و العباس بن عبد المطلب و طلحة بن شيبة و ذلك أنهم افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت و بيدي مفتاحه و لو أشاء بت فيه و قال العباس أنا صاحب السقاية و القائم عليها و

قال علي (ع) ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس و أنا صاحب الجهاد

عن الحسن و الشعبي و محمد بن كعب القرظي و

قيل أن عليا (ع) قال للعباس يا عم أ لا تهاجر و أ لا تلحق برسول الله فقال أ لست في أفضل من الهجرة أعمر المسجد الحرام و أسقي حاج بيت الله فنزلت «أَ جَعَلْتُمْ سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ»

عن ابن سيرين و مرة الهمداني و

روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه قال بينا شيبة و العباس يتفاخران إذا مر بهما علي بن أبي طالب (ع) فقال بما ذا تتفاخران فقال العباس لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاج و قال شيبة أوتيت عمارة المسجد الحرام فقال علي (ع) استحييت لكما فقد أوتيت على صغري ما لم تؤتيا فقالا و ما أوتيت يا علي قال ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله و رسوله فقام العباس مغضبا يجر ذيله حتى دخل على رسول الله ص و قال أ ما ترى إلى ما يستقبلني به‏

24

(1) - علي فقال ادعوا لي عليا فدعي له فقال ما حملك على ما استقبلت به عمك فقال يا رسول الله صدمته بالحق فمن شاء فليغضب و من شاء فليرض فنزل جبرائيل (ع) فقال يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام و يقول اتل عليهم «أَ جَعَلْتُمْ سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ» الآيات فقال العباس إنا قد رضينا ثلاث مرات‏

و في تفسير أبي حمزة أن العباس لما أسر يوم بدر أقبل عليه أناس من المهاجرين و الأنصار فعيروه بالكفر و قطيعة الرحم فقال ما لكم تذكرون مساوئنا و تكتمون محاسننا قالوا و هل لكم من محاسن قال نعم و الله لنعمر المسجد الحرام و نحجب الكعبة و نسقي الحاج و نفك العاني فأنزل الله تعالى «مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا» إلى آخر الآيات.

المعنى‏

«أَ جَعَلْتُمْ سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ وَ عِمََارَةَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللََّهِ» هذا استفهام معناه الإنكار أي لا تجعلوا و فيه حذف يدل الكلام عليه و تقديره أ جعلتم أهل سقاية الحاج و أهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله حتى يكون مقابلة الشخص بالشخص أو يكون تقديره أ جعلتم السقاية و العمارة كإيمان من آمن بالله حتى تكون مقابلة الفعل بالفعل و سقاية الحاج سقيهم الشراب قال الحسن و كان نبيذ زبيب يسقون الحاج في الموسم بين الله سبحانه أنه لا يقابل هذه الأشياء بالإيمان بالله «وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» و بالجهاد في سبيله فإنه لا مساواة بين الأمرين «لاََ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اَللََّهِ» في الفضل و الثواب «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي» إلى طريق ثوابه «اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ» كما يهدي إليه من كان عارفا به فاعلا لطاعته مجتنبا لمعصيته ثم ابتدأ سبحانه فقال‏} «اَلَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا و اعترفوا بوحدانية الله «وَ هََاجَرُوا» أوطانهم التي هي دار الكفر إلى دار الإسلام «وَ جََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي تحملوا المشاق في ملاقاة أعداء الدين «بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اَللََّهِ» من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء «وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْفََائِزُونَ» أي الظافرون بالبغية} «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ» برحمة في الدنيا على ألسنة الرسل و بما بين في كتبه من الثواب‏ الموعود على الجهاد «بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوََانٍ» في الآخرة «وَ جَنََّاتٍ لَهُمْ فِيهََا نَعِيمٌ مُقِيمٌ» أي دائم لا يزول و لا ينقطع‏} «خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً» أي دائمين فيها مع كون النعيم مقيما لهم «إِنَّ اَللََّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ» أي جزاء على العمل «عَظِيمٌ» أي كثير متضاعف لا يبلغه نعمة غيره من الخلق.

25

(1) -

القراءة

قرأ أبو بكر عن عاصم و عشيراتكم على الجمع و الباقون «وَ عَشِيرَتُكُمْ» على التوحيد.

الحجة

من أفرد فلان العشيرة يقع على الجمع و قال أبو الحسن العرب لا تجمع العشيرة عشيرات و إنما تقول عشائر و من جمع فلأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة.

اللغة

الاستحباب طلب المحبة و يجوز أن يكون استحب بمعنى أحب كما أن استجاب يكون بمعنى أجاب فيكون كأنه طلب محبة فوقع له و العشيرة الجماعة ترجع إلى عقد واحد كالعشرة و منه المعاشرة و الاقتراف اقتطاع الشي‏ء من مكانه إلى غيره من قرفت القرحة إذا قشرتها و القرف القشر و التربص التثبت في الشي‏ء حتى يجي‏ء وقته و التربص و التثبت و التنظر و التوقف نظائر و نقيضه التعجل .

النزول‏

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حيث كتب إلى قريش يخبرهم بخبر النبي ص لما أراد فتح مكة .

المعنى‏

ثم نهى الله سبحانه المؤمنين عن موالاة الكافرين و إن كانوا في النسب الأقربين فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا آبََاءَكُمْ وَ إِخْوََانَكُمْ أَوْلِيََاءَ» و هذا في أمر الدين فأما في أمر الدنيا فلا بأس بمجالستهم و معاشرتهم لقوله سبحانه‏ وَ صََاحِبْهُمََا فِي اَلدُّنْيََا مَعْرُوفاً قال ابن عباس لما أمر الله تعالى المؤمنين بالهجرة و أرادوا الهجرة فمنهم من تعلقت به زوجته و منهم من تعلق به أبواه و أولاده فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لأجلهم فبين‏

26

(1) - سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب‏ و إذا وجب قطع قرابة الأبوين فالأجنبي أولى «إِنِ اِسْتَحَبُّوا اَلْكُفْرَ عَلَى اَلْإِيمََانِ» أي إن اختاروا الكفر و آثروه على الإيمان قال الحسن من تولى الشرك فهو مشرك و هذا إذا كان راضيا بشركه «وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ» فترك طاعة الله لأجلهم و أطلعهم على أسرار المسلمين «فَأُولََئِكَ هُمُ اَلظََّالِمُونَ» نفوسهم و الباخسون حقها من الثواب لأنهم وضعوا الموالاة في غير موضعها لأن موضعها أهل الإيمان‏} «قُلْ» يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام «إِنْ كََانَ آبََاؤُكُمْ» الذين ولدوكم «وَ أَبْنََاؤُكُمْ» الذي ولدتموهم و هم الأولاد الذكور «وَ إِخْوََانُكُمْ» في النسب «وَ أَزْوََاجُكُمْ» اللاتي عقدتم عليهن عقدة النكاح «وَ عَشِيرَتُكُمْ» أي و أقاربكم «وَ أَمْوََالٌ اِقْتَرَفْتُمُوهََا» أي اكتسبتموها و أقطعتموها و جمعتموها «وَ تِجََارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسََادَهََا» أي تخشون أنها تكسد إذا اشتغلتم بطاعة الله تعالى و الجهاد «وَ مَسََاكِنُ تَرْضَوْنَهََا» أي مساكن اخترتموها لأنفسكم و يعجبكم المقام فيها «أَحَبَّ إِلَيْكُمْ» أي آثر في نفوسكم و أقرب إلى قلوبكم «مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ» أي من طاعة الله و طاعة رسوله «وَ جِهََادٍ فِي سَبِيلِهِ» أي و من الجهاد في سبيل الله «فَتَرَبَّصُوا» أي انتظروا «حَتََّى يَأْتِيَ اَللََّهُ بِأَمْرِهِ» أي بحكمه فيكم‏و قيل بعقوبتكم على اختياركم هذه الأشياء على الجهاد و طاعة الله إما عاجلا و إما آجلا و فيه وعيد شديد عن الحسن و الجبائي و قيل بفتح مكة عن مجاهد و قال بعضهم و هذا لا يصح لأن سورة براءة نزلت بعد فتح مكة «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ» مضى تفسيره.

اللغة

الموطن الموضع الذي يقيم فيه صاحبه و هو مفعل من الوطن و استوطن‏

27

(1) - بالمكان إذا اتخذه وطنا و حنين اسم واد بين مكة و الطايف و الإعجاب السرور بما يتعجب منه و العجب السرور بالنفس و الرحب السعة في المكان و ضده الضيق و قولهم مرحبا معناه أتيت سعة و السكينة الطمأنينة و الأمنة و هي فعيلة من السكون قال الشاعر:

لله قبر عالها ما ذا أجن # لقد أجن سكينة و وقارا

و الجنود الجموع التي تصلح للحروب .

الإعراب‏

مواطن لا ينصرف لأنه جمع ليس على مثال الآحاد «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ » أي و في يوم حنين عطف على مواطن أي و نصركم في يوم حنين و إنما صرف حنينا لأنه اسم لمذكر و هو واد و لو ترك صرفه على أنه اسم للبقعة لجاز قال الشاعر:

نصروا نبيهم و شدوا أزرهم # بحنين يوم تواكل الأبطال‏

و ما في قوله «بِمََا رَحُبَتْ» مصدرية أي برحبها و سعتها.

المعنى‏

لما تقدم أمر المؤمنين بالقتال ذكرهم بعده بما أتاهم من النصر حالا بعد حال فقال «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللََّهُ فِي مَوََاطِنَ كَثِيرَةٍ» اللام للقسم فكأنه سبحانه أقسم بأنه نصر المؤمنين أي أعانهم على أعدائهم في مواضع كثيرة على ضعفهم و قلة عددهم حثا لهم على الانقطاع إليه و مفارقة الأهلين و الأقربين في طاعته و

ورد عن الصادقين (ع) إنهم قالوا كانت المواطن ثمانين موطنا

و

روي أن المتوكل اشتكى شكاية شديدة فنذر أن يتصدق بمال كثير إن شفاه الله فلما عوفي سأل العلماء عن حد المال الكثير فاختلفت أقوالهم فأشير عليه أن يسأل أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى (ع) و قد كان حبسه في داره‏ فأمر أن يكتب إليه فكتب يتصدق بثمانين درهما ثم سألوه عن العلة في ذلك فقرأ هذه الآية و قال عددنا تلك المواطن فبلغت ثمانين موطنا

«وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ » أي و في يوم حنين «إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ» أي سرتكم و صرتم معجبين بكثرتكم قال قتادة و كان سبب انهزام المسلمين يوم حنين أن بعضهم قال حين رأى كثرة المسلمين لن نغلب اليوم عن قلة فانهزموا بعد ساعة و كانوا اثني عشر ألفا و قيل إنهم كانوا عشرة آلاف و قيل ثمانية آلاف و الأول أصح و أكثر في الرواية «فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ‏

28

(1) - شَيْئاً» أي فلم يدفع عنكم كثرتكم سوءا «وَ ضََاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمََا رَحُبَتْ» أي برحبتها و الباء بمعنى مع و المعنى ضاقت عليكم الأرض مع سعتها كما يقال أخرج بنا إلى موضع كذا أي معنا و المراد لم تجدوا من الأرض موضعا للفرار إليه «ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» أي وليتم عن عدوكم منهزمين و تقديره وليتموهم أدباركم و انهزمتم‏} «ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ» أي رحمته التي تسكن إليها النفس و يزول معها الخوف «عَلى‏ََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ» حين رجعوا إليهم و قاتلوهم و قيل على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول الله علي و العباس في نفر من بني هاشم عن الضحاك بن مزاحم و

روى الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن الرضا أنه قال السكينة ريح من الجنة تخرج طيبة لها صورة كصورة وجه الإنسان فتكون مع الأنبياء أورده العياشي مسندا

«وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهََا» أراد به جنودا من الملائكة و قيل إن الملائكة نزلوا يوم حنين بتقوية قلوب المؤمنين و تشجيعهم و لم يباشروا القتال يومئذ و لم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة عن الجبائي «وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» بالقتل و الأسر و سلب الأموال و الأولاد «وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلْكََافِرِينَ» أي و ذلك العذاب جزاء الكافرين على كفرهم‏} «ثُمَّ يَتُوبُ اَللََّهُ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ» ذكر سبحانه ثم في ثلاثة مواضع متقاربة (الأول) «ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» عطف على ما قبله من الفعل و هو قوله «ضََاقَتْ عَلَيْكُمُ» (و الثاني) «ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ» عطف على «وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» (و الثالث) «ثُمَّ يَتُوبُ اَللََّهُ» عطف على «أَنْزَلَ» و إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه يشاكله فإن الأول تذكير بنعمة الله و الثاني وعد بنعمة الله و المعنى ثم يقبل الله توبة من تاب عن الشرك و رجع إلى طاعة الله و الإسلام و ندم على ما فعل من القبيح و يجوز أن يريد ثم يقبل الله توبة من انهزم من بعد هزيمته و يجوز أن يريد يقبل توبتهم عن إعجابهم بالكثرة و إنما علقه بالمشيئة لأن قبول التوبة تفضل من الله و لو كان واجبا على ما قاله أهل الوعيد لما جاز تعليقه بالمشيئة كما لا يجوز تعليق الثواب على الطاعة بالمشيئة و من خالف في ذلك قال إنما علقها بالمشيئة لأن منهم من له لطف يصلح به و يتوب و يؤمن عنده و منهم من لا لطف له منه «وَ اَللََّهُ غَفُورٌ» أي ستار للذنوب «رَحِيمٌ» بعباده.

[القصة]

ذكر أهل التفسير و أصحاب السير

أن رسول الله ص لما فتح مكة خرج منها متوجها إلى حنين لقتال هوازن و ثقيف في آخر شهر رمضان أو في شوال من سنة ثمان من الهجرة

و قد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النصري و ساقوا معهم أموالهم و نساءهم و ذراريهم و نزلوا بأوطاس و قال كان دريد بن الصمة في القوم و كان رئيس جشم و كان‏

29

(1) - شيخا كبيرا قد ذهب بصره من الكبر فقال بأي واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس و لا سهل دهس ما لي أسمع رغاء البعير و نهيق الحمير و خوار البقر و ثغاء الشاة و بكاء الصبيان فقالوا إن مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم و أموالهم و نساءهم ليقاتل كل منهم عن أهله و ماله فقال دريد راعي ضان و رب الكعبة ثم قال ائتوني بمالك فلما جاءه قال يا مالك إنك أصبحت رئيس قومك و هذا يوم له ما بعده رد قومك إلى عليا بلادهم و ألق الرجال على متون الخيل فإنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه و فرسه فإن كانت لك لحق بك من ورائك و إن كانت عليك لا تكون فضحت في أهلك و عيالك فقال له مالك إنك قد كبرت و ذهب علمك و عقلك‏ و

عقد رسول الله ص لواءه الأكبر و دفعه إلى علي بن أبي طالب (ع) و كل من دخل مكة براية أمره أن يحملها و خرج بعد أن قام بمكة خمسة عشر يوما و بعث إلى صفوان بن أمية فاستعار منه مائة درع فقال صفوان عارية أم غصب فقال ص عارية مضمونة مؤداة فأعاره صفوان مائة درع و خرج معه و خرج من مسلمة الفتح ألفا رجل و كان (ع) دخل مكة في عشرة آلاف رجل و خرج منها في اثني عشر ألفا و بعث رسول الله ص رجلا من أصحابه فانتهى إلى مالك بن عوف و هو يقول لقومه ليصير كل رجل منكم أهله و ماله خلف ظهر و اكسروا جفون سيوفكم و أكمنوا في شعاب هذا الوادي و في الشجر فإذا كان في غبش الصبح فاحملوا حملة رجل واحد فهدوا القوم فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب و لما صلى رسول الله ص بأصحابه الغداة انحدر في وادي حنين فخرجت عليهم كتائب هوازن من كل ناحية و انهزمت بنو سليم و كانوا على المقدمة و انهزم ما وراءهم و خلى الله تعالى بينهم و بين عدوهم لإعجابهم بكثرتهم‏ و بقي علي (ع) و معه الراية يقاتلهم في نفر قليل و مر المنهزمون برسول الله ص لا يلوون على شي‏ء و كان العباس بن عبد المطلب آخذ بلجام بغلة رسول الله ص و الفضل عن يمينه و أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب عن يساره و نوفل بن الحرث و ربيعة بن الحرث في تسعة من بني هاشم و عاشرهم أيمن بن أم أيمن و قتل يومئذ و في ذلك يقول العباس :

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة # و قد فر من قد فر عنه فأقشعوا

30

(1) - و قولي إذا ما الفضل كر بسيفه # على القوم أخرى يا بني ليرجعوا

و عاشرنا لاقى الحمام بنفسه # لما ناله في الله لا يتوجع‏

و لما رأى رسول الله ص هزيمة القوم عنه قال للعباس و كان جهوريا صيتا اصعد هذا الظرب فناد يا معشر المهاجرين و الأنصار يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون‏ هذا رسول الله فلما سمع المسلمون صوت العباس تراجعوا و قالوا لبيك لبيك و تبادر الأنصار خاصة و قاتلوا المشركين حتى قال رسول الله ص الآن حمي الوطيس:

"أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب "

و نزل النصر من عند الله تعالى و انهزمت هوازن هزيمة قبيحة فمروا في كل وجه و لم يزل المسلمون في آثارهم و مر مالك بن عوف فدخل حصن الطايف و قتل منهم زهاء مائة رجل و أغنم الله المسلمين أموالهم و نساءهم و أمر رسول الله بالذراري و الأموال أن تحدر إلى الجعرانة و ولى على الغنائم بديل بن ورقاء الخزاعي و مضى ص في أثر القوم فوافى الطايف في طلب مالك بن عوف فحاصر أهل الطايف بقية الشهر فلما دخل ذو القعدة انصرف و أتى الجعرانة و قسم بها غنائم حنين و أوطاس قال سعيد بن المسيب حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال لما التقينا نحن و أصحاب رسول الله لم يقفوا لنا حلب شاة فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله فتلقانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا و ركبوا أكتافنا فكانوا إياها يعني الملائكة قال الزهري و بلغني أن شيبة بن عثمان قال استدبرت رسول الله ص يوم حنين و أنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان و عثمان بن طلحة و كانا قد قتلا يوم أحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلى و ضرب في صدري و قال أعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصي فنظرت إليه هو أحب إلي من سمعي و بصري فقلت أشهد أنك رسول الله و أن الله أطلعك على ما في نفسي و قسم رسول الله الغنائم بالجعرانة و كان معه من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري و النساء و من الإبل و الشاة ما لا يدري عدته‏

قال أبو سعيد الخدري قسم رسول الله للمتألفين من قريش من سائر العرب ما قسم و لم يكن في الأنصار منها شي‏ء قليل و لا كثير فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله فقال يا رسول الله أن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك و في سائر العرب و لم يكن‏

31

(1) - فيهم من ذلك شي‏ء فقال ص فأين أنت من ذلك يا سعد فقال ما أنا إلا امرؤ من قومي فقال رسول الله فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فجمعهم فخرج رسول الله فقام فيهم خطيبا فحمد الله و أثنى عليه ثم قال يا معشر الأنصار أ و لم آتكم ضلالا فهداكم الله و عالة فأغناكم الله و أعداء فألف بين قلوبكم قالوا بلى يا رسول الله‏ ثم قال أ لا تجيبوني يا معشر الأنصار فقالوا و ما نقول و بما ذا نجيبك المن لله و لرسوله فقال رسول الله أما و الله لو شئتم لقلتم فصدقتم جئتنا طريدا فآويناك و عائلا فأسيناك و خائفا فآمناك و مخذولا فنصرناك فقالوا المن لله و لرسوله فقال رسول الله ص وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا و وكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء و البعير و تذهبون برسول الله إلى رحالكم فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار و لو لا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم و قالوا رضينا بالله و رسوله قسما ثم تفرقوا

و

قال أنس بن مالك و كان رسول الله ص أمر مناديا فنادى يوم أوطاس أ لا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة ثم أقبلت وفود هوازن و قدمت على رسول الله ص بالجعرانة مسلمين‏فقام خطيبهم و قال يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك و حواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملكنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما و عطفهما و أنت خير الكفولين ثم أنشد أبياتا فقال ص أي الأمرين أحب إليكم السبي أو الأموال قالوا يا رسول الله خيرتنا بين الحسب و بين الأموال و الحسب أحب إلينا و لا نتكلم في شاة و لا بعير فقال رسول الله ص أما الذي لبني هاشم فهو لكم و سوف أكلم لكم المسلمين و أشفع لكم فكلموهم و أظهروا إسلامكم فلما صلى رسول الله ص الهاجرة قاموا فتكلموا فقال النبي ص قد رددت الذي لبني هاشم و الذي بيدي عليهم فمن أحب منكم أن يعطي غير مكره فليفعل و من كره أن يعطي فليأخذ الفداء و علي فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلا من الناس سألوا الفداء و أرسل رسول الله ص إلى مالك بن عوف و قال إن جئتني مسلما رددت إليك أهلك و مالك و لك عندي مائة ناقة فخرج إليه من الطائف فرد عليه أهله و ماله و أعطاه مائة من الإبل و استعمله على من أسلم من قومه.

32

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة ابن السميفع أنجاس على الجمع و في مصحف عبد الله ابن مسعود و إن خفتم عائلة .

الحجة

قال ابن جني هذا من المصادر التي جاءت على فاعله كالعاقبة و العافية و اللاغية.

اللغة

كل مستقذر نجس يقال رجل نجس و امرأة نجس و قوم نجس لأنه مصدر و إذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل رجس نجس بكسر النون و العيلة الفقر تقول عال يعيل إذا افتقر قال الشاعر:

و ما يدري الفقير متى غناه # و ما يدري الغني متى يعيل‏

.

المعنى‏

لما تقدم النهي عن ولاية المشركين أزال سبحانه ولايتهم عن المسجد الحرام و حظر عليهم دخوله فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» معناه أن الكافرين أنجاس «فَلاََ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا» أي فامنعوهم عن المسجد الحرام قيل المراد به منعهم من دخول الحرم عن عطا قال و الحرم كله مسجد و قبلة و العام الذي أشار إليه هو سنة تسع الذي‏

نادى فيه علي (ع) بالبراءة و قال لا يحجن بعد هذا العام مشرك‏

و قيل المراد به منعهم من دخول المسجد الحرام على طريق الولاية للموسم و العمرة و قيل منعوا من الدخول أصلا في المسجد و منعوا من حضور الموسم و دخول الحرم عن الجبائي و اختلف في نجاسة الكافر فقال قوم من الفقهاء إن الكافر نجس العين و ظاهر الآية يدل على ذلك و روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب امنعوا اليهود و النصارى من دخول مساجد المسلمين و أتبع نهيه قول الله تعالى «إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» الآية و عن الحسن قال لا تصافحوا المشركين فمن صافحهم فليتوضأ و هذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا من أن من صافح الكافر و يده رطبة وجب أن يغسل يده و إن كانت أيديهما يابستين مسحهما بالحائط و قال آخرون إنما سماهم الله نجسا لخبث اعتقادهم و أفعالهم و أقوالهم و أجازوا للذمي دخول‏

33

(1) - المساجد قالوا إنما يمنعون من دخول مكة للحج قال قتادة سماهم نجسا لأنهم يجنبون و لا يغتسلون و يحدثون و لا يتوضئون فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا يجوز له دخول المسجد «وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً» أي فقرا و حاجة و كانوا قد خافوا انقطاع المتاجر بمنع المشركين عن دخول الحرم «فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شََاءَ» أي فسوف يغنيكم الله من جهة أخرى إن شاء أن يغنيكم بأن يرغب الناس من أهل الآفاق في حمل الميرة إليكم رحمة منه و نعمة عليكم قال مقاتل أسلم أهل نجدة و صنعاء و جرش من اليمن و حملوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل و الدواب و كفاهم الله تعالى ما كانوا يتخوفون و قيل معناه يغنيكم بالجزية المأخوذة من أهل الكتاب و قيل بالمطر و النبات و قيل بإباحة الغنائم و إذا سئل عن معنى المشيئة في قوله «إِنْ شََاءَ» فالقول فيه‏ أن الله تعالى قد علم أن منهم من يبقى إلى وقت فتح البلاد و اغتنام أموال الأكاسرة فيستغني و منهم من لا يبقى إلى ذلك الوقت فلهذا علقه بالمشيئة و قيل إنما علقه بالمشيئة ليرغب الإنسان إلى الله تعالى في طلب الغنى منه و ليعلم أن الغنى لا يكون بالاجتهاد «إِنَّ اَللََّهَ عَلِيمٌ» بالمصالح و تدبير العباد و بكل شي‏ء «حَكِيمٌ» فيما يأمر و ينهى.

اللغة

الدين في الأصل الطاعة قال زهير :

لئن حللت بجو في بني أسد # في دين عمرو و حالت بيننا فدك

و الجزية فعلة من جزى يجزي مثل القعدة و الجلسة و هي عطية مخصوصة و جزاء لهم على تمسكهم بالكفر عقوبة لهم عن علي بن عيسى و الصغار و الذل و النكال الذي يصغر قدر صاحبه يقال صغر يصغر صغارا فهو صاغر .

34

(1) -

الإعراب‏

«عَنْ يَدٍ» في موضع نصب على الحال أي نقدا كما يقال باعه يدا بيد.

النزول‏

قيل هذه الآية نزلت حين أمر رسول الله ص بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك عن مجاهد و قيل هي على العموم.

المعنى‏

ثم بين الله سبحانه أن من الكفار من يجوز تبقيته بالجزية فقال «قََاتِلُوا اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ لاََ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ» يعني الذين لا يعترفون بتوحيد الله و لا يقرون بالبعث و النشور و هذا يدل على صحة ما يذهب أصحابنا إليه من أنه لا يجوز أن يكون في جملة الكفار من هو عارف بالله و إن أقر باللسان و إنما يكونون معتقدين لذلك اعتقادا ليس بعلم لأنه صريح في أن أهل الكتاب الذين يؤخذ منهم الجزية لا يؤمنون بالله و اليوم الآخر و من قال إنه يجوز أن يكونوا عارفين بالله قال إن الآية خرجت مخرج الذم لهم لأنهم‏ بمنزلة من لا يقر به في عظم الجرم قال الجبائي لأنهم يضيفون إليه ما لا يليق به فكأنهم لا يعرفونه و إنما جمعت هذه الأوصاف لهم و لم يذكروا بالكفار من أهل الكتاب للتحريض على قتالهم لما هم عليه من صفات الذم التي توجب البراءة منهم و العداوة لهم «وَ لاََ يُحَرِّمُونَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ» موسى و عيسى (ع) من كتمان نعت محمد ص و قيل يعني ما حرمه محمد ص «وَ لاََ يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ» و قيل الحق هاهنا هو الله تعالى أي دين الله و العمل بما في التوراة من اتباع نبينا (ع) و قيل الحق هو الله و دينه الإسلام عن قتادة و قيل معناه و لا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام عن أبي عبيدة و قيل معناه لا يعترفون بالإسلام الذي هو الدين الحق «مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ» وصف الذين ذكرهم بأنهم من أهل الكتاب و هم اليهود و النصارى و قال أصحابنا إن المجوس حكمهم حكم اليهود و النصارى «حَتََّى يُعْطُوا اَلْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ» أي نقدا من يده إلى يد من يدفعه إليه من غير نائب كما يقال كلمته فما بفم و قيل معناه عن قدرة لكم عليهم و قهر لهم كما يقال كان اليد لفلان و قيل‏ يد لكم عليهم و نعمة تسدونها إليهم بقبول الجزية منهم «وَ هُمْ صََاغِرُونَ» أي ذليلون مقهورون يجرون إلى الموضع الذي يقبض منهم فيه بالعنف حتى يؤدوها و قيل هو أن يعطوا الجزية قائمين و الآخذ جالس عن عكرمة .

35

(1) -

القراءة

قرأ عاصم و الكسائي و يعقوب و سهل « عُزَيْرٌ » منونا و الباقون عزير ابن الله بغير تنوين و قرأ عاصم وحده «يُضََاهِؤُنَ» بالهمزة و قرأ الباقون يضاهون بغير الهمزة.

الحجة

قال أبو علي من نون عزيرا جعله مبتدأ و جعل ابنا خبره و إذا كان كذلك فلا بد من إثبات التنوين في حال السعة و الاختيار لأن عزيرا و نحوه ينصرف عجميا كان أو عربيا و أما من حذف التنوين فإنه حذفه على وجهين (أحدهما) أنه جعل الصفة و الموصوف بمنزلة اسم واحد كما جعلهما كذلك في قوله لا رجل ظريف و حذف التنوين و لم يحرك لالتقاء الساكنين كما يحرك في زيد العاقل لأن الساكنين كأنهما التقيا في تضاعيف كلمة واحدة فحذف الأول منهما و لم يحرك لكثرة الاستعمال و لا يجوز إثبات التنوين في هذا الباب إذا كان صفة و إن كان الأصل لأنهم جعلوا من الأصول المرفوضة كما أن إظهار الأول من المثلين في نحو ظنوا لا يجوز في الكلام فإذا كانا بمنزلة اسم مفرد و المفرد لا يكون جملة مستقلة بنفسها مفيدة في هذا النحو فلا بد من إضمار جزء آخر يقدر انضمامه إليه ليتم جملة و يجعله الظاهر إما مبتدأ أو خبر مبتدإ فيكون التقدير صاحبنا أو نسيبنا أو نبينا عزير ابن الله إن قدرت المضمر المبتدأ و إن قدرت بعكس ذلك جاز فهذا أحد الوجهين و الوجه الآخر أن لا تجعلهما اسما واحدا و لكن يجعل الأول من الاسمين المبتدأ و الآخر الخبر فيكون المعنى فيه على هذا كالمعنى في إثبات التنوين و تكون القراءتان متفقتين إلا أنك حذفت التنوين لالتقاء الساكنين و على هذا ما يروى من قراءة بعضهم أحد الله الصمد فحذف التنوين لالتقاء الساكنين و قد جاء ذلك في الشعر كثيرا قال الشاعر:

حميد الذي أمج داره # أخو الخمر ذو الشييبة الأصلع‏

و قال:

"و حاتم الطائي وهاب المثي"

فأما «يُضََاهِؤُنَ» فقد قال الزجاج أصل المضاهاة

36

(1) - المشابهة و الأكثر ترك الهمزة و اشتقاقه من قولهم امرأة ضهياء و هي التي لا ينبت لها ثدي و قيل هي التي لا تحيض و معناها أنها قد أشبهت الرجال في أنه لا ثدي لها و كذلك إذا لم تحض و ضهياء فعلاء الهمزة زائدة كما زيدت في شمال و غرقئ البيض و لا نعلم الهمزة زيدت غير أول إلا في هذه الأشياء و يجوز أن يكون فعيلا و إن كانت بنية ليس لها في الكلام نظير قال أبو علي ليس قوله «يُضََاهِؤُنَ» من امرأة ضهياء لأن هذه الهمزة زائدة غير أصلية و ليس بفعيل لأنه لو كان إياه لكان مكسور الصدر و إنما أدخله في هذا ما رامه من اشتقاق «يُضََاهِؤُنَ» و قد يجوز أن تجي‏ء الكلمة من غير مشتقة و ذلك أكثر من أن يحصى.

اللغة

الحبر العالم الذي صنعته تحبير المعاني بحسن البيان عنها و هو الحبر و الحبر بفتح الحاء و كسرها و الرهبان جمع الراهب و هو الخاشي الذي يظهر عليه لباس الخشية و قد كثر استعماله على متنسكي النصارى .

ـ

المعنى‏

ثم حكى الله سبحانه عن اليهود و النصارى أقوالهم الشنيعة فقال «وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ» و قال ابن عباس القائل لذلك جماعة منهم جاءوا إلى النبي ص منهم سلام بن مشكم و نعمان بن أوفى و شاس بن قيس و مالك بن الضيف فقالوا ذلك قيل و إنما قال ذلك جماعة منهم من قبل و قد انقرضوا و إن عزيرا أملى التوراة من ظهر قلبه و قد علمه جبرائيل (ع) فقالوا أنه ابن الله إلا أن الله تعالى أضاف ذلك إلى جميعهم و إن كانوا لا يقولون ذلك اليوم كما يقال إن الخوارج يقولون بتعذيب أطفال المشركين و إنما يقوله الأزارقة منهم خاصة و يدل على أن هذا مذهب اليهود أنهم لم ينكروا ذلك لما سمعوا هذه الآية مع شدة حرصهم على تكذيب الرسول ص «وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللََّهِ ذََلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوََاهِهِمْ» معناه أنهم اخترعوا ذلك القول بأفواههم لم يأتهم به كتاب‏و لا رسول و ليس عليه حجة و لا برهان و لا له صحة و قيل إنه لم يذكر القول مقرونا بالأفواه إلا إذا كان ذلك القول زورا كقوله‏ يَقُولُونَ بِأَفْوََاهِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ «يُضََاهِؤُنَ» يشابهون عن ابن عباس و قيل يوافقون عن الحسن «قَوْلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» يعني عباد الأوثان في عبادتهم اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى عن ابن عباس و مجاهد و الفراء و قيل في عبادتهم الملائكة و قولهم إنهم بنات الله «مِنْ قَبْلُ» أي ضاهت النصارى قول اليهود من قبل فقالت النصارى المسيح ابن الله كما قالت اليهود عزير ابن الله عن قتادة و السدي و قيل شبه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم‏

37

(1) - الكافرة عن الحسن «قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ» أي لعنهم الله عن ابن عباس قال ابن الأنباري المقاتلة أصلها من القتل فإذا أخبر عن الله بها كانت بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك «أَنََّى يُؤْفَكُونَ» أي كيف يصرفون عن الحق إلى الإفك الذي هو الكذب فكأنه قال لأي داع مالوا إلى ذلك القول‏} «اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ» أي علماءهم «وَ رُهْبََانَهُمْ» أي عبادهم «أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ»

روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) أنهما قالا أما و الله ما صاموا و لا صلوا و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا فاتبعوهم و عبدوهم من حيث لا يشعرون‏

و

روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال أتيت رسول الله ص و في عنقي صليب من ذهب فقال لي يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك قال فطرحته ثم انتهيت إليه و هو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية «اِتَّخَذُوا أَحْبََارَهُمْ وَ رُهْبََانَهُمْ أَرْبََاباً» حتى فرغ منها فقلت له إنا لسنا نعبدهم فقال أ ليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه و يحلون ما حرم الله فتستحلونه قال فقلت بلى قال فتلك عبادتهم‏

«وَ اَلْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ » أي اتخذوا المسيح إلها من دون الله «وَ مََا أُمِرُوا إِلاََّ لِيَعْبُدُوا إِلََهاً وََاحِداً» أي معبودا واحدا هو الله تعالى «لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» أي لا تحق العبادة إلا له و لا يستحق العبادة سواه «سُبْحََانَهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ» أي عن شركهم و عما يقولونه و عما لا يليق به.

اللغة

الإطفاء إذهاب نور النار ثم استعمل في إذهاب كل نور و الأفواه جمع فم و أصله فوه فحذفت الهاء و أبدلت من الواو ميم لأنه حرف صحيح من مخرج الواو مشاكل لها و الإباء الامتناع مما طلب من المعنى قال الشاعر:

"و إن أرادوا ظلمنا أبينا"

أي منعنا من الظلم.

الإعراب‏

قوله «إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» إنما دخلت إلا لأن في أبيت ضربا من الجحد تقول أبيت أن أفعل كذا فيكون معناه لم أفعل كذا قال الشاعر:

و هل لي أم غيرها إن تركتها # أبى الله إلا أن أكون لها ابنا

قال الزجاج في الآية حذف تقديره يأبى الله كل شي‏ء إلا إتمام نوره قال و لا يكون‏

38

(1) - الإيجاب جحدا و لو جاز ذلك على أن يكون فيه طرف من الجحد لجاز كرهت إلا أخاك مثل أبيت إلا أن أبيت الحذف مستعمل معها.

المعنى‏

ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الكفار من اليهود و النصارى أنهم «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ» و هو القرآن و الإسلام عن أكثر المفسرين و قيل نور الله الدلالة و البرهان لأنهما يهتدى بهما كما يهتدى بالأنوار عن الجبائي قال و لما سمى سبحانه الحجج و البراهين أنوارا سمي معارضتهم لذلك إطفاء ثم قال «بِأَفْوََاهِهِمْ» لأن الإطفاء يكون بالأفواه و هو النفخ و هذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم و تضعيف كيدهم لأن الفم يؤثر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة «وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» معناه و يمنع الله إلا أن يظهر أمر القرآن و أمر الإسلام‏ و حجته على التمام و أصل الإباء المنع و الامتناع دون الكراهية على ما ادعته المجبرة و لهذا تقول العرب فلان يأبى الضيم و هو أبي الضيم و لا مدحة في كراهية الضيم لأنه يستوي فيه القوي و الضعيف و إنما المدحة في الامتناع أو المنع منه «وَ لَوْ كَرِهَ اَلْكََافِرُونَ» أي على كره من الكافرين‏} «هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ» محمدا و حمله الرسالات التي يؤديها إلى أمته «بِالْهُدى‏ََ» أي بالحجج و البينات و الدلائل و البراهين «وَ دِينِ اَلْحَقِّ» و هو الإسلام و ما تضمنه من الشرائع التي يستحق عليها الجزاء بالثواب و كل دين سواه باطل يستحق به العقاب «لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ» معناه ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة و الغلبة و القهر لها حتى لا يبقى على وجه الأرض دين إلا مغلوبا و لا يغلب أحد أهل الإسلام بالحجة و هم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجة و أما الظهور بالغلبة فهو أن كل طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك و لحقهم قهر من جهتهم و قيل أراد عند نزول عيسى بن مريم لا يبقى أهل دين إلا أسلم أو أدى الجزية عن الضحاك و

قال أبو جعفر (ع) إن ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد

و هو قول السدي و قال الكلبي لا يبقى دين إلا ظهر عليه الإسلام و سيكون ذلك و لم يكن بعد و لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك و

قال المقداد بن الأسود سمعت رسول الله ص يقول لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر و لا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز و إما بذل ذليل إما يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به و إما يذلهم فيدينون له‏

و قيل إن الهاء في «لِيُظْهِرَهُ» عائدة إلى الرسول ص أي ليعلمه الله الأديان كلها حتى لا يخفى عليه شي‏ء منها عن ابن عباس «وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ» أي و إن كرهوا هذا الدين فإن الله يظهره رغما لهم.

ـ

39

(1) -

اللغة

الكنز في الأصل هو الشي‏ء الذي جمع بعضه إلى بعض و يقال للشي‏ء المجتمع مكتنز و ناقة كناز اللحم مجتمعة قال نفطويه سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب و لا يبقى و سميت الفضة فضة لأنها تنفض أي تتفرق فلا تبقى و حسبك بالاسمين دلالة على فنائهما و الإحماء جعل الشي‏ء حارا في الإحساس و هو فوق الإسخان و ضده التبريد يقال حمى يحمي حمى و أحماه غيره و الكي إلصاق الشي‏ء الحار بالعضو من البدن

الإعراب‏

«اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ» موضعه نصب لأنه معطوف على اسم إن و يكون المعنى و إن الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا يأكلونها و يجوز أن يكون رفعا على الاستئناف و ذكر في قوله «وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا» وجوه (أحدها) أنه أراد لا ينفقون الكنوز فرجع الضمير إلى ما دل عليه الكلام (و الثاني) أنه لما ذكر الذهب و الفضة دل على الأموال فكأنه قال و لا ينفقون الأموال (و الثالث) أن الذهب مؤنث و هو جمع واحدة ذهبة و هذا الجمع الذي ليس بينه و بين واحدة إلا الهاء يذكر و يؤنث ثم لما اجتمعا في التأنيث و كان كل واحد منهما يؤخذ عن صاحبه في الزكاة على قول جمهور العلماء جعلهما كالشي‏ء الواحد و رد الضمير إليهما بلفظ التأنيث (و الرابع) أنه اكتفى بأحدهما عن الآخر للإيجاز و رد الضمير إلى الفضة لأنها أقرب إليه كما قال حسان :

إن شرخ الشباب و الشعر الأسود # ما لم يعاص كان جنونا

و قد مر ذكر أمثاله فيما مضى‏:

المعنى‏

ثم بين سبحانه حال الأحبار و الرهبان فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ‏

40

(1) - اَلْأَحْبََارِ وَ اَلرُّهْبََانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ» أي يأخذون الرشى على الحكم عن الحسن و الجبائي و أكل المال بالباطل تملكه من الجهات التي يحرم منها أخذه إلا أنه لما كان معظم التصرف و التملك للأكل وضع الأكل موضع ذلك و قيل إن معناه يأكلون متاع أموال الناس من الطعام فكأنهم يأكلون الأموال لأنها ثمن المأكول كما قال الشاعر:

ذر الآكلين الماء لوما فما أرى # ينالون خيرا بعد أكلهم الماء

أي ثمن الماء «وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ» أي يمنعون غيرهم عن اتباع الإسلام الذي هو سبيل الله التي دعاهم إلى سلوكها و عن اتباع محمد ص «وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي يجمعون المال و لا يؤدون زكاته‏

فقد روي عن النبي ص أنه قال كل ما لم تؤد زكاته فهو كنز و إن كان ظاهرا و كل مال أديت زكاته فليس بكنز و إن كان مدفونا في الأرض‏

و به قال ابن عباس و الحسن و الشعبي و السدي قال الجبائي و هو إجماع و

روي عن علي (ع) ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدي زكاته أو لم يؤد و ما دونها فهو نفقة

و تقدير الآية و الذين يكنزون الذهب و لا ينفقونه في سبيل الله و يكنزون الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فحذف المعطوف من الأول لدلالة الثاني عليه كما حذف المفعول في الثاني لدلالة الأول عليه في قوله‏ «وَ اَلذََّاكِرِينَ اَللََّهَ كَثِيراً وَ اَلذََّاكِرََاتِ» و تقديره و الذاكرات الله و أكثر المفسرين على أن قوله «وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ» على الاستئناف و أن المراد بذلك مانعوا الزكاة من هذه الأمة و قيل إنه معطوف على ما قبله و الأولى أن يكون محمولا على العموم في الفريقين «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذََابٍ أَلِيمٍ» أي أخبرهم بعذاب موجع و

روى سالم بن أبي الجعد أن رسول الله ص لما نزلت هذه الآية قال تبا للذهب تبا للفضة يكررها ثلاثا فشق ذلك على أصحابه فسأله عمر فقال يا رسول الله أي المال نتخذ فقال لسانا ذاكرا و قلبا شاكرا و زوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه‏

«يَوْمَ يُحْمى‏ََ عَلَيْهََا فِي نََارِ جَهَنَّمَ» أي يوقد على الكنوز أو على الذهب و الفضة في نار جهنم حتى تصير نارا «فَتُكْوى‏ََ بِهََا» أي بتلك الكنوز المحماة و الأموال التي منعوا حق الله فيها بأعيانها «جِبََاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ» و إنما خص هذه الأعضاء لأنها معظم البدن و كان أبو ذر الغفاري يقول بشر الكانزين بكي في الجباه و كي في الجنوب و كي في الظهور حتى يلتقي الحر في أجوافهم و في هذا المعنى الذي أشار إليه أبو ذر خصت هذه المواضع بالكي لأن داخلها جوف بخلاف اليد و الرجل و قيل إنما خصت هذه المواضع بالعذاب لأن الجبهة محل الوسم لظهورها و الجنب محل الألم و الظهر محل الحدود و قيل لأن الجبهة محل السجود فلم تقم فيه بحقه و الجنب يقابل القلب الذي لم‏

41

(1) - يخلص في معتقده و الظهر محمل الأوزار قال‏ «يَحْمِلُونَ أَوْزََارَهُمْ عَلى‏ََ ظُهُورِهِمْ» عن الماوردي و قيل لأن صاحب المال إذا رأى الفقير قبض جبهته و زوي عينيه و طوى عنه كشحه و ولاه ظهره عن أبي بكر الوراق «هََذََا مََا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ» أي يقال لهم في حال الكي أو بعده هذا جزاء ما كنزتم و جمعتم المال و لم تؤدوا حق الله عنها و جعلتموها ذخيرة لأنفسكم «فَذُوقُوا مََا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» أي فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكنزون أي تجمعون‏ و تمنعون حق الله منه فحذف لدلالة الكلام عليه و

قال رسول الله ص ما من عبد له مال و لا يؤدي زكاته إلا جمع يوم القيامة صفائح يحمى عليها في نار جهنم فتكوى به جبهته و جنباه و ظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة و إما إلى النار أورده مسلم بن الحجاج في الصحيح

و

روي ثوبان عن النبي ص قال من ترك كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه و يقول ويلك ما أنت فيقول أنا كنزك الذي تركت بعدك فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقصمها ثم يتبعه سائر جسده‏

و روى الثعلبي بإسناده عن الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال أتيت رسول الله ص و هو في ظل الكعبة فلما رآني قد أقبلت قال هم الأخسرون و رب الكعبة هم الأخسرون و رب الكعبة قال فدخلني غم و جعلت أتنفس و قلت هذا شي‏ء حدث في قال قلت من هم فداك أبي و أمي قال الأكثرون إلا من قال بالمال في عباد الله هكذا و هكذا عن يمينه و شماله و من خلفه و قليل ما هم‏

و روي عن أبي ذر أنه قال من ترك بيضاء أو حمراء كوي به يوم القيامة

القراءة

قرأ أبو جعفر اثنا عشر و أحد عشر و تسعة عشر بسكون العين و الباقون بفتحها.

42

(1) -

الحجة

الوجه في ذلك أن الاسمين لما جعلا كالاسم الواحد و بني الأول منهما لأنه كصدر الاسم و الثاني منهما لتضمنه معنى واو العطف جعل تسكين أول الثاني دليلا على أنهما قد صارا كالاسم الواحد.

اللغة و الإعراب‏

كافة بمعنى الإحاطة مأخوذ من كافة الشي‏ء و هي حرفة و إذا انتهى الشي‏ء إلى ذلك كف عن الزيادة و أصل الكف المنع و منه المكفوف و هو الممنوع البصر و كافة نصب على المصدر و لا يدخل عليها الألف و اللام لأنه من المصادر التي لا تتصرف لوقوعه موقع معا و جميعا بمعنى المصدر الذي في موضع الحال المؤكدة فهو في لزوم النكرة نظير أجمعين في لزوم المعرفة هذا قول الفراء و قال الزجاج كافة تنصب على الحال و هو مصدر على فاعله كالعافية و العاقبة و هو في موضع قاتلوا المشركين محيطين بهم باعتقاد مقاتلهم و لا يثنى و لا يجمع فلا يقال قاتلوهم كافات و لا كافين كما أنك إذا قلت قاتلوهم عامة لم تثن و لم تجمع و كذلك خاصة هذا مذهب النحويين.

ـ

المعنى‏

لما ذكر الله سبحانه وعيد الظالم لنفسه بكنز المال من غير إخراج الزكاة و غيرها من حقوق الله منه اقتضى ذلك أن يذكر النهي عن مثل حاله و هو الظلم في الأشهر الحرم الذي يؤدي إلى مثل حاله أو شر منه في المنقلب فقال «إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللََّهِ اِثْنََا عَشَرَ شَهْراً» أي عدد شهور السنة في حكم الله و تقديره اثنا عشر شهرا و إنما تعبد الله المسلمين أن يجعلوا سنيهم على اثني عشر شهرا ليوافق ذلك عدد الأهلة و منازل القمر دون ما دان به أهل الكتاب و الشهر مأخوذ من شهرة الأمر لحاجة الناس إليه في معاملاتهم و محل ديونهم و حجهم و صومهم و غير ذلك من مصالحهم المتعلقة بالشهور و قوله «فِي كِتََابِ اَللََّهِ» معناه فيما كتب الله في اللوح المحفوظ و في الكتب المنزلة على أنبيائه و قيل في القرآن و قيل في حكمه و قضائه عن أبي مسلم و قوله «يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ» متصل بقوله عِنْدَ اَللََّهِ و العامل فيهما الاستقرار و إنما قال ذلك لأنه يوم خلق السماوات و الأرض أجرى فيها الشمس و القمر و بمسيرهما تكون الشهور و الأيام و بهما تعرف الشهور «مِنْهََا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» أي من هذه الاثني عشر شهرا أربعة أشهر حرم ثلاثة منها سرد ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و واحد فرد و هو رجب و معنى حرم أنه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يعظم في غيرها و كانت العرب تعظمها حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه فيها لم يهجه لحرمتها و إنما جعل الله تعالى بعض هذه الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم من المصلحة في الكف عن الظلم فيها لعظم منزلتها و لأنه ربما أدى ذلك إلى ترك الظلم أصلا لانطفاء النائرة و انكسار

43

(1) - الحمية في تلك المدة فإن الأشياء تجر إلى أشكالها و شهور السنة المحرم سمي بذلك لتحريم القتال فيه و صفر سمي بذلك لأن مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو و قيل لأنه وقع وباء فيه فاصفرت وجوههم و قال أبو عبيدة سمي بذلك لأنه صفرت فيه أوطابهم عن اللبن و شهرا ربيع سميا بذلك لإنبات الأرض و إمراعها فيهما و قيل لارتباع القوم أي إقامتهم و جماديان سميتا بذلك لجمود الماء فيهما و رجب سمي بذلك لأنهم كانوا يرجبونه أي يعظمونه يقال رجبته و رجبته بالتخفيف و التشديد قال الكميت :

و لا غيرهم أبغي لنفسي جنة # و لا غيرهم ممن أجل و أرجب‏

و قيل سمي بذلك لترك القتال فيه من قولهم رجل أرجب إذا كان أقطع لا يمكنه العمل

و روي عن النبي ص أنه قال إن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه أشد بياضا من الثلج و أحلى من العسل من صام يوما من رجب شرب منه‏

و شعبان سمي بذلك لتشعب القبائل فيه عن أبي عمرو

و روى زياد بن ميمون أن النبي ص قال إنما سمي شعبان لأنه يشعب فيه خير كثير لرمضان و شهر رمضان سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب‏

و قيل سمي بذلك لشدة الحر و قيل إن رمضان من أسماء الله و شوال سمي بذلك لأن القبائل كانت تشول فيه أي تبرح عن أمكنتها و قيل لشولان النوق أذنابها فيه و ذو القعدة سمي بذلك لقعودهم فيه عن القتال و ذو الحجة لقضاء الحج فيه «ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ» أي ذلك الحساب المستقيم الصحيح لا ما كانت العرب تفعله من النسي‏ء و منه‏

قوله الكيس من دان نفسه‏

أي حاسبها و سمي الحساب دينا لوجوب الدوام عليه و لزومه كلزوم الدين و العبادة و قيل معناه ذلك القضاء المستقيم الحق عن الكلبي و قيل معناه ذلك الدين تعبد به فهو اللازم «فَلاََ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ» أي في هذه الشهور كلها عن ابن عباس و قيل في هذه الأشهر الحرم الأربعة عن قتادة و اختاره الفراء قال لأنه لو أراد الاثني عشر شهرا لقال فيها «أَنْفُسَكُمْ» بترك أوامر الله و ارتكاب نواهيه و إذا عاد الضمير إلى جميع الشهور فإنه يكون نهيا عن الظلم في جميع العمر و إذا عاد إلى الأشهر الحرم ففائدة التخصيص أن الطاعة فيها أعظم ثوابا و المعصية أعظم عقابا و ذلك حكم الله في جميع الأوقات الشريفة و البقاع المقدسة «وَ قََاتِلُوا اَلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً» أي قاتلوهم جميعا مؤتلفين غير مختلفين «كَمََا يُقََاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» أي جميعا كذلك فتكون كافة حالا عن المسلمين و يجوز أن تكون حالا من المشركين أي قاتلوا المشركين جميعا و لا تمسكوا منهم‏

44

(1) - بعهد و لا ذمة إلا من كان من أهل الجزية و أعطاها عن صغار و الظاهر هو الأول و قيل معناه قاتلوهم خلفا بعد سلف كما أنه يخلف بعضهم بعضا في قتالكم عن الأصم «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلْمُتَّقِينَ» بالنصرة و الولاية و في هذه الآية دلالة على أن الاعتبار في السنين بالشهور القمرية لا بالشمسية و الأحكام الشرعية معلقة بها و ذلك لما علم الله سبحانه فيه من المصلحة و لسهولة معرفة ذلك على الخاص و العام‏

القراءة

قرأ أبو جعفر النسي‏ء بالتشديد من غير همزة و

قرأ جعفر بن محمد (ع) و الزهري النسي مخففا في وزن الهدي بغير همز

و روي مثل ذلك أيضا عن شبل عن ابن كثير و الباقون «اَلنَّسِي‏ءُ» بالمد و الهمز و قرأ «يُضَلُّ» بضم الياء و فتح الضاد أهل الكوفة غير أبي بكر و قرأ يضل بضم الياء و كسر الضاد أوقية من طريق ابن مقسم عن أبي عمرو و رويس عن يعقوب و الباقون يضل بفتح الياء و كسر الضاد.

الحجة

قال أبو علي النسي‏ء مصدر كالنذير و النكير و عذير الحي و لا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول كما قاله بعض الناس لأنه إن حمل على ذلك كان معناه إنما المؤخر زيادة في الكفر و المؤخر الشهر و ليس الشهر نفسه بزيادة في الكفر و إنما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة فأما نفس الشهر فلا و أما ما روي من النسي بالياء فذلك يكون على إبدال الياء من الهمزة و لا أعلمها لغة في التأخير كما أن أرجيت لغة في أرجأت و ما روي من النسي بتشديد الياء فعلى تخفيف الهمزة و ليس هذا القلب مثل القلب في النسي بالياء لأن النسي بتشديد الياء على وزن فعيل تخفيف قياسي كما أن مقروة في مقروءة تخفيف قياسي و ليس «اَلنَّسِي‏ءُ» كذلك و ذكر ابن جني فيه ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون أراد النسي‏ء ثم خفف بأن أبدلت الهمزة ياء كما قال الشاعر: "

أهبي التراب فوقه إهبايا

"أراد إهباء

45

(1) - (و الثاني) أن يكون فعلا من نسيت لأن الشي‏ء إذا أخر فكأنه نسي (و الثالث) و في الصيغة أن يكون أراد النسي‏ء على فعيل ثم خفف و أدغم فصار النسي ثم قصر فعيلا بحذف يائه فصار نسي ثم أسكن عين فعل فصار نسي كما قيل في سميح سمح و في رطيب رطب و في جديب جدب فأما قوله «يُضَلُّ» فليس في يضل إشكال و لا في يضل لأن المضل لغيره ضال بفعله إضلال غيره فأما يضل فالمعنى فيه أن كبراءهم و أشرافهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور و قرئ في الشواذ يضل بفتح الياء و الضاد و هذه لغة أعني ضللت أضل‏

اللغة

قال أبو زيد نسأت الإبل في ظمئها يوما أو يومين أو أكثر من ذلك و المصدر النسي‏ء يقال نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نساء إذا أخرتها عنه و المواطاة الموافقة يقال واطأ في الشعر إذا قال بيتين على قافية واحدة و أوطأ مثله .

ـ

المعنى‏

لما قدم سبحانه ذكر السنة و الشهر عقبه بذكر ما كانوا يفعلونه من النسي‏ء فقال «إِنَّمَا اَلنَّسِي‏ءُ زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ» يعني تأخير الأشهر الحرم عما رتبها الله سبحانه عليه و كانت العرب تحرم الشهور الأربعة و ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم و إسماعيل و هم كانوا أصحاب غارات و حروب فربما كان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه و يستحلون المحرم فيمكثون بذلك زمانا ثم يزول التحريم إلى المحرم و لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة قال ابن عباس و معنى قوله «زِيََادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ» أنهم كانوا أحلوا ما حرم الله و حرموا ما أحل الله قال الفراء و الذي كان يقوم به رجل من كنانة يقال له نعيم بن ثعلبة و كان رئيس الموسم فيقول أنا الذي لا أعاب و لا أخاب و لا يرد لي قضاء فيقولون نعم صدقت أنسئنا شهرا أو أخر عنا حرمة المحرم و اجعلها في صفر و أحل المحرم فيفعل ذلك و الذي كان ينساها حين جاء الإسلام جنادة بن عوف بن أمية الكناني قال ابن عباس و أول من سن النسي‏ء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف و قال أبو مسلم بن أسلم بل رجل من بني كنانة يقال له القلمس كان يقول إني قد نسأت المحرم العام و هما العام صفران فإذا كان العام القابل قضينا فجعلناهما مجرمين قال شاعرهم:

"و ما ناسئ الشهر القلمس "

و قال الكميت :

و نحن الناسئون على معد # شهور الحل نجعلها حراما

و قال مجاهد كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين ثم حجوا في المحرم عامين ثم حجوا في صفر عامين و كذلك في الشهور حتى وافقت الحجة

46

(1) - التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة ثم حج النبي ص في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذي الحجة فذلك حين‏

قال النبي ص و ذكر في خطبته إلا و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات و الأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر الذي بين جمادى و شعبان‏

أراد (ع) الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها و عاد الحج إلى ذي الحجة و بطل النسي‏ء «يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» أي يضل بهذا النسي‏ء الذين كفروا و من قرأ بضم الباء فمعناه يضلون به غيرهم و إضلالهم أنهم فعلوا ذلك ليحللوا للناس الأشهر الحرم التي حرم الله القتال فيها و أوجب الحج في بعضها فيستحلون ترك الحج في الوقت الذي هو واجب فيه و يوجبونه في الوقت الذي لا يجب فيه و جوزوا ذلك عليهم حتى ضلوا باتباعهم «يُحِلُّونَهُ عََاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عََاماً» أي يجعلون الشهر الحرام حلالا إذا احتاجوا إلى القتال فيه و يجعلون الشهر الحلال حراما و يقولون شهر بشهر و إذا لم يحتاجوا إلى القتال لم يفعلوا ذلك «لِيُوََاطِؤُا عِدَّةَ مََا حَرَّمَ اَللََّهُ» معناه أنهم لم يحلوا شهرا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال و لم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرم ليكون موافقة في العدد و ذلك المواطاة «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمََالِهِمْ» أي زينت لهم أنفسهم أو زين لهم الشيطان سوء أعمالهم عن الحسن و قيل معناه استحسنوا ذلك بهواهم «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ» مر تفسيره.

اللغة

النفر الخروج إلى الشي‏ء لأمر هيج عليه و منه نفور الدابة يقال نفرت الدابة نفورا و نفر إلى الثغر نفرا و نفيرا و التثاقل تعاطي إظهار ثقل النفس و مثله التباطؤ و ضده التسرع و المتاع الانتفاع بما يظهر للحواس و منه قولهم تمتع بالرياض و المناظر الحسان و يقال للأشياء

47

(1) - التي لها أثمان متاع تشبيها به و الاستبدال جعل أحد الشيئين بدل الآخر مع الطلب له .

الإعراب‏

«اِثََّاقَلْتُمْ» افاعلتم و أصله تفاعلتم أدغمت التاء في الثاء لمناسبتها لها ثم أدخلت ألف الوصل ليمكن الابتداء بها و مثله‏ اِدََّارَكُوا و أتابع في قول الشاعر:

تولي الضجيع إذا ما أشتاقها خصرا # عذب المذاق إذا ما أتابع القبل‏

النزول‏

قالوا لما رجع رسول الله ص من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم و ذلك في زمان إدراك الثمار فأحبوا المقام في المسكن و المال و شق عليهم الخروج إلى القتال و كان (ع) قلما خرج في غزوة إلا كنى عنها و وري بغيرها إلا غزوة تبوك لبعد شقتها و كثرة العدو ليتأهب الناس فأخبرهم بالذي يريد فلما علم الله سبحانه تثاقل الناس أنزل الآية.

المعنى‏

ثم عاتب سبحانه المؤمنين في التثاقل عن الجهاد فقال «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مََا لَكُمْ إِذََا قِيلَ لَكُمُ» أي إذا دعاكم رسول الله ص و قال لكم‏ «اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» أي أخرجوا إلى مجاهدة المشركين و هو هاهنا غزوة تبوك عن الحسن و مجاهد «اِثََّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ» أي تثاقلتم و ملتم إلى الإقامة في الأرض التي أنتم عليها قال الجبائي هذا الاستبطاء مخصوص بنفر من المؤمنين لأن جميعهم لم يتثاقلوا عن الجهاد فهو عموم أريد به الخصوص بدليل «أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مِنَ اَلْآخِرَةِ» هذا استفهام يراد به الإنكار و معناه آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة في الآخرة الباقية في النعيم الدائم «فَمََا مَتََاعُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاََّ قَلِيلٌ» أي فما فوائد الدنيا و مقاصدها في فوائد الآخرة و مقاصدها إلا قليل لانقطاع هذه و دوام تلك ثم عقبه سبحانه بالتهديد و الوعيد فقال‏} «إِلاََّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الله عَذََاباً أَلِيماً» و معناه لا تخرجوا إلى القتال الذي دعاكم إليه الرسول و تقعدوا عنه يعذبكم الله عذابا أليما مؤلما في الآخرة و قيل في الدنيا «وَ يَسْتَبْدِلْ» بكم «قَوْماً غَيْرَكُمْ» لا يتخلفون عن الجهاد و قيل هم أبناء فارس عن سعيد بن جبير و قيل هم أهل اليمن عن أبي روق و قيل هم الذين أسلموا بعد نزول هذه الآية عن الجبائي «وَ لاََ تَضُرُّوهُ شَيْئاً» أي و لا تضروا الله بهذا القعود شيئا لأنه غني لنفسه لا يحتاج إلى شي‏ء عن الحسن و أبي علي و قيل معناه و لا تضروا الرسول شيئا لأن الله عصمه من جميع الناس و ينصره بالملائكة أو بقوم‏ آخرين من المؤمنين «وَ اَللََّهُ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» فهو القادر على الاستبدال بكم و على غير ذلك من الأشياء قال الزجاج و هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد.

48

(1) -

القراءة

قرأ يعقوب وحده كلمة الله بالنصب و الباقون بالرفع.

الحجة

من نصب عطفه على قوله «وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلى‏ََ» و جعل كلمة الله هي العليا» و من رفع استأنف و هو أبلغ لأنه يفيد أن كلمة الله هي العليا على كل حال.

الإعراب‏

«ثََانِيَ اِثْنَيْنِ» نصب على الحال و للعرب في هذا مذهبان (أحدهما) قولهم هذا ثاني اثنين و ثالث ثلاثة و رابع أربعة و خامس خمسة أي أحد اثنين و أحد ثلاثة و أحد أربعة و أحد خمسة (و الآخر) قولهم ثالث اثنين و خامس أربعة بمعنى أنه ثلث اثنين و خمس أربعة فالأول إضافة حقيقية محضة و الثاني إضافة غير محضة إذ هو في تقدير الانفصال، «إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ» بدل من قوله «إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» وضع أحد الزمانين في موضع الآخر لتقاربهما.

ـ

المعنى‏

ثم أعلمهم الله سبحانه أنهم إن تركوا نصرة رسوله لم يضره ذلك شيئا كما لم يضره قلة ناصريه حين كان بمكة و هم به الكفار فتولي الله نصره فقال «إِلاََّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ» معناه إن لم تنصروا النبي ص على قتال العدو فقد فعل الله به النصر «إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» من مكة فخرج يريد المدينة «ثََانِيَ اِثْنَيْنِ» يعني أنه كان هو و أبو بكر «إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ» ليس معهما ثالث أي و هو أحد اثنين و معناه فقد نصره الله منفردا من كل شي‏ء إلا من أبي بكر و الغار الثقب العظيم في الجبل و أراد به هنا غار ثور و هو جبل بمكة «إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ» أي إذ يقول الرسول لأبي بكر «لاََ تَحْزَنْ» أي لا تخف «إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا» يريد أنه مطلع علينا عالم بحالنا فهو يحفظنا و ينصرنا

قال الزهري لما دخل رسول الله ص و أبو بكر الغار أرسل الله زوجا من حمام حتى باضا

49

(1) - في أسفل الثقب و العنكبوت حتى تنسج بيتا فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام و بيت العنكبوت قال لو دخله أحد لانكسر البيض و تفسخ بيت العنكبوت فانصرف و قال النبي ص اللهم أعم أبصارهم فعميت أبصارهم عن دخوله و جعلوا يضربون يمينا و شمالا حول الغار و قال أبو بكر لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا

و

روى علي بن إبراهيم بن هاشم قال كان رجل من خزاعة فيهم يقال له أبو كرز فما زال يقفو أثر رسول الله ص حتى وقف بهم باب الغار فقال لهم هذه قدم محمد ص هي و الله أخت القدم التي في المقام و قال هذه قدم أبي قحافة أو ابنه و قال ما جازوا هذا المكان إما أن يكونوا قد صعدوا في السماء أو دخلوا في الأرض و جاء فارس من الملائكة في صورة الإنس فوقف على باب الغار و هو يقول لهم اطلبوه في هذه الشعاب فليس هاهنا و كانت العنكبوت نسجت على باب الغار و نزل رجل من قريش فبال على باب الغار فقال أبو بكر قد أبصرونا يا رسول الله فقال ص لو أبصرونا ما استقبلونا بعوراتهم‏

«فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ» يعني على محمد ص أي ألقى في قلبه ما سكن به و علم أنهم غير واصلين إليه عن الزجاج «وَ أَيَّدَهُ» أي قواه و نصره «بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهََا» أي بملائكة يضربون وجوه الكفار و أبصارهم عن أن يروه عن الزجاج و قيل معناه قواه بملائكة يدعون الله تعالى له عن ابن عباس و قيل معناه و أعانه بالملائكة يوم بدر و أخبر الله سبحانه أنه صرف عنه كيد أعدائه و هو في الغار ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر عن مجاهد و الكلبي و قال بعضهم يجوز أن تكون الهاء التي في عليه راجعة إلى أبي بكر و هذا بعيد لأن الضمائر قبل هذا و بعده تعود إلى النبي ص بلا خلاف و ذلك في قوله «إِلاََّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللََّهُ» و في قوله «إِذْ أَخْرَجَهُ» و قوله «لِصََاحِبِهِ» و قوله فيما بعد و «أَيَّدَهُ» فكيف يتخللها ضمير عائد إلى غيره هذا و قد قال سبحانه في هذه السورة «ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ» و قال في سورة الفتح «فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلى‏ََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ» و قد ذكرت الشيعة في تخصيص النبي ص في هذه الآية بالسكينة كلاما رأينا الإضراب عن ذكره أحرى لئلا ينسبنا ناسب إلى شي‏ء «وَ جَعَلَ كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اَلسُّفْلى‏ََ» معناه أن الله سبحانه جعل كلمتهم نازلة دنية و أراد به أنه سفل وعيدهم للنبي ص و تخويفهم إياه و أبطله بأن نصره عليهم فعبر عن ذلك بأنه جعل كلمتهم السفلى لا أنه خلق كلمتهم «وَ كَلِمَةُ اَللََّهِ هِيَ اَلْعُلْيََا» أي هي المرتفعة المنصورة بغير جعل جاعل لأنها لا يجوز أن تدعو إلى خلاف الحكمة و قيل إن كلمة الكفار كلمة الشرك و كلمة الله هي كلمة التوحيد و هي قوله‏ لاََ إِلََهَ إِلاَّ اَللََّهُ فمعناه جعل‏

50

(1) - كلمة الكفار السفلى بأن جعلهم أذلة أسفلين و أعلى كلمة الله بأن أعز الإسلام و المسلمين «وَ اَللََّهُ عَزِيزٌ» في انتقامه من أهل الشرك «حَكِيمٌ» في تدبيره.

القراءة

في الشواذ قراءة الأعمش لو استطعنا بضم الواو و قد مضى الكلام فيه في أوائل سورة البقرة .

اللغة

القاصد السهل المقصد عن غير طول لأنه مما يقصد لسهولته و سمي العدل قصدا لأنه مما ينبغي أن يقصد و الشقة القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها و يحتمل أن يكون من الشق الذي هو الناحية من الجبل و يحتمل أن يكون من المشقة و الشقة السفر و المسافة و قريش يضمون الشين و قيس يكسرونها و قريش يضمون العين من بعدت و قيس يكسرونها .

المعنى‏

ثم أمر سبحانه بالجهاد و بين تأكيد وجوبه على العباد فقال «اِنْفِرُوا» أي أخرجوا إلى الغزو «خِفََافاً وَ ثِقََالاً» أي شبانا و شيوخا عن الحسن و مجاهد و عكرمة و الضحاك و غيرهم و قيل نشاطا و غير نشاط عن ابن عباس و قتادة و قيل مشاغيل و غير مشاغيل عن الحكم و قيل أغنياء و فقراء عن أبي صالح و قيل أراد بالخفاف أهل العسرة من المال و قلة العيال و بالثقال أهل الميسرة في المال و كثرة العيال عن الفراء و قيل معناه ركبانا و مشاة عن أبي عمرو و عطية العوفي و قيل ذا صنعة و غير ذي صنعة عن ابن زيد و قيل عزابا و متأهلين عن يمان و الوجه أن يحمل على الجميع فيقال معناه أخرجوا إلى الجهاد خف عليكم أو شق على أي‏

51

(1) - حالة كنتم لأن أحوال الإنسان لا تخلو من أحد هذه الأشياء «وَ جََاهِدُوا بِأَمْوََالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ» و هذا يدل على أن الجهاد بالنفس و المال واجب على من استطاع بهما و من لم يستطع على الوجهين فعليه أن يجاهد بما استطاع «ذََلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ» معناه أن الخروج و الجهاد بالنفس و المال خير لكم من التثاقل و ترك الجهاد إلى مباح «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» إن الله عز اسمه صادق في وعده و وعيده و قيل معناه إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا أن هذا خير قال السدي لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى بقوله «لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفََاءِ وَ لاََ عَلَى اَلْمَرْضى‏ََ» الآية} «لَوْ كََانَ عَرَضاً قَرِيباً» معناه لو كان ما دعوتهم إليه غنيمة حاضرة «وَ سَفَراً قََاصِداً» أي قريبا هينا و قيل قاصدا أي ذا قصد نحو تأمر و لابن عن المبرد و قيل سهلا متوسطا غير شاق «لاَتَّبَعُوكَ» طمعا في المال «وَ لََكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ اَلشُّقَّةُ» أي المسافة يعني غزوة تبوك أمروا فيها بالخروج إلى الشام «وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللََّهِ لَوِ اِسْتَطَعْنََا لَخَرَجْنََا مَعَكُمْ» معناه إن هؤلاء سيعتذرون إليك في قعودهم عن الجهاد و يحلفون لو استطعنا و قدرنا و تمكنا من الخروج لخرجنا معكم ثم أخبر سبحانه أنهم «يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ» بما أسروه من الشرك و قيل باليمين الكاذبة و العذر الباطل لما يستحقون عليها من العقاب «وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ» في هذا الاعتذار و الحلف و في هذه دلالة على صحة نبوة نبينا ص إذ أخبر أنهم سيحلفون قبل وقوعه فحلفوا و كان مخبره على ما أخبر به و فيه أيضا دلالة واضحة على أن القدرة قبل الفعل لأن هؤلاء لا يخلو إما أن يكونوا مستطيعين من الخروج قادرين عليه و لم يخرجوا أو لم يكونوا قادرين عليه و إنما حلفوا لو أنهم قدروا في المستقبل لخرجوا فإن كان الأول فقد ثبت أن القدرة قبل الفعل و إن كان الثاني فقد كذبهم الله تعالى في ذلك و بين أنه لو فعل لهم الاستطاعة لما خرجوا و في ذلك أيضا وجوب تقدم القدرة على المقدور فإن حملوا الاستطاعة على وجود الآلة و عدة السفر فقد تركوا الظاهر من غير ضرورة فإن حقيقة الاستطاعة القدرة على أنه لو كان عدم الآلة و العدة عذرا في التأخر فعدم القدرة أصلا أحرى و أولى أن يكون عذرا فيه ثم خاطب النبي ص بما فيه بعض العتاب في إذنه لمن استأذنه في التأخر عن الخروج معه إلى تبوك فقال‏} «عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ» في التخلف عنك قال قتادة و عمرو بن ميمون اثنان فعلهما النبي ص لم يؤمر بهما إذنه للمنافقين و أخذه الفداء من الأسارى فعاتبه الله كما تسمعون و هذا من لطيف المعاتبة بدأه بالعفو قبل‏

52

(1) - العتاب و هل كان هذا الأذن قبيحا أم لا قال الجبائي كان قبيحا و وقع صغيرا لأنه لا يقال في المباح لم فعلته و هذا غير صحيح لأنه يجوز أن يقال فيما غيره أفضل منه لم فعلته كما يقول القائل لغيره إذا رآه يعاتب أخا له عاتبته و كلمته بما يشق عليه و إن كان يجوز له معاتبته بما يشق عليه و كيف يكون إذنه لهم قبيحا و قد قال سبحانه في موضع آخر «فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ» و قيل معناه أدام الله لك العفو لم أذنت لهؤلاء في الخروج لأنهم استأذنوا فيه تملقا و لو خرجوا لأرادوا الخبال و الفساد و لم يعلم النبي ص ذلك من سريرتهم عن أبي مسلم «حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ اَلْكََاذِبِينَ» أي حتى تعرف من له العذر منهم في التخلف و من لا عذر له فيكون إذنك لمن أذنت له على علم قال ابن عباس و ذلك لأن رسول الله ص لم يكن يعرف المنافقين يومئذ و قيل أنه (ع) إنما خيرهم بين الظعن و الإقامة متوعدا لهم و لم يأذن فاغتنم القوم ذلك و في هذا إخبار من الله سبحانه أنه كان الأولى أن يلزمهم الخروج معه حتى إذا لم يخرجوا أظهر نفاقهم لأنه متى أذن لهم ثم تأخروا لم يعلم أ لنفاق كان تأخرهم أم لغيره و كان الذين استأذنوه منافقين و منهم جد بن قيس و معتب بن قشير و هما من الأنصار.

المعنى‏

ثم بين سبحانه حال المؤمنين و المنافقين في الاستئذان فقال «لاََ يَسْتَأْذِنُكَ» أي لا يطلب منك الإذن في القعود عن الجهاد معك بالمعاذير الفاسدة و قيل معناه لا يستأذنك في الخروج لأنه مستغن عنه بدعائك إلى ذلك بل يتأهب له عن أبي مسلم «اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ أَنْ يُجََاهِدُوا بِأَمْوََالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ» و المعنى في أن يجاهدوا فحذف في فأفضى الفعل «وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ» قال ابن عباس هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوه في القعود عن الجهاد و عذر للمؤمنين في قوله‏ «لَمْ يَذْهَبُوا حَتََّى يَسْتَأْذِنُوهُ» و المعنى أنه لم يخرجهم من صفة المتقين إلا لأنه علم أنهم ليسوا منهم‏} «إِنَّمََا يَسْتَأْذِنُكَ»