مجمع البيان في تفسير القرآن - ج10

- الشيخ ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي المزيد...
870 /
427

الجزء العاشر

(1) -

(62) سورة الجمعة مدينة و آياتها إحدى عشرة (11)

توضيح‏

و هي إحدى عشرة آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الجمعة أعطي عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة و بعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين.

منصور بن حازم عن أبي عبد الله (ع) قال من الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و سبح اسم ربك و في صلاة الظهر بالجمعة و المنافقين فإذا فعل فكأنما يعمل عمل رسول الله ص و كان ثوابه‏و جزاؤه على الله الجنة.

تفسيرها

لما ختم الله سبحانه سورة الصف بالترغيب في عبادته و الدعاء إليها و ذكر تأييد المؤمنين بالنصر و الظهور على الأعداء افتتح هذه السورة ببيان قدرته على ذلك و على جميع الأشياء فقال:

428

(1) -

اللغة

الأسفار الكتب واحدها سفر و إنما سمي بذلك لأنه يكشف عن المعنى بإظهاره‏يقال سفر الرجل عمامته إذا كشفها و سفرت المرأة عن وجهها فهي سافرة و منه و الصبح إذا أسفر .

الإعراب‏

«وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ» إن هذه مخففة من إن و لهذا لزمها اللام الفارقة في خبر كان لئلا يلتبس بأن النافية و آخرين مجرورة لأنه صفة محذوف معطوف على الأميين أي و في قوم آخرين و يحتمل أن يكون منصوبا بالعطف على هم في يعلمهم.

«يَحْمِلُ أَسْفََاراً» في موضع النصب على الحال. «بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ» المخصوص بالذم محذوف تقديره بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله مثلهم فيكون الذين في موضع جر و يجوز أن يكون التقدير بئس مثل القوم مثل الذين كذبوا فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و على هذا يكون الذين في موضع رفع و هو المخصوص بالذم.

المعنى‏

«يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ» أي ينزهه سبحانه كل شي‏ء و يشهد له بالوحدانية و الربوبية بما ركب فيها من بدائع الحكمة و عجائب الصنعة الدالة على أنه قادر عالم حي قديم سميع بصير حكيم لا يشبه شيئا و لا يشبهه شي‏ءو إنما قال مرة سبح و مرة يسبح إشارة إلى دوام تنزيهه في الماضي و المستقبل «اَلْمَلِكِ» أي القادر على تصريف الأشياء «اَلْقُدُّوسِ» أي المستحق للتعظيم الطاهر عن كل نقص «اَلْعَزِيزِ» القادر الذي لا يمتنع عليه شي‏ء «اَلْحَكِيمِ» العالم الذي يضع الأشياء موضعها} «هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ» يعني العرب و كانت أمة أمية لا تكتب و لا تقرأ و لم يبعث إليهم نبي عن مجاهد و قتادة و قيل يعني أهل مكة لأن مكة تسمى أم القرى «رَسُولاً مِنْهُمْ» يعني محمدا ص نسبه نسبهم و هو من جنسهم كما قال‏ لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليه و وجه النعمة في أنه جعل النبوة في أمي موافقته لما تقدمت البشارة به في كتب الأنبياء

429

(1) - السالفة و لأنه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالحكم التي تلاها و الكتب التي قرأها و أقرب إلى العلم بأن ما يخبرهم به من إخبار الأمم الماضية و القرون الخالية على وفق ما في كتبهم ليس ذلك إلا بالوحي «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِهِ» أي يقرأ عليهم القرآن المشتمل على الحلال و الحرام و الحجج و الأحكام «وَ يُزَكِّيهِمْ» أي و يطهرهم من الكفر و الذنوب و يدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء «وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ» الكتاب القرآن و الحكمة الشرائع‏و قيل إن الحكمة تعم الكتاب و السنة و كل ما أراده الله تعالى فإن الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يجتبي أو يجتنب من أمور الدين و الدنيا «وَ إِنْ كََانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ» معناه و ما كانوا من قبل بعثه إليهم إلا في عدول عن الحق و ذهاب عن الدين بين ظاهر} «وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ» أي و يعلم آخرين من المؤمنين «لَمََّا يَلْحَقُوا بِهِمْ» و هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة فإن الله سبحانه بعث النبي إليهم و شريعته تلزمهم و إن لم يلحقوا بزمان الصحابة عن مجاهد و ابن زيد و

قيل هم الأعاجم و من لا يتكلم بلغة العرب فإن النبي ص مبعوث إلى من شاهده و إلى كل من بعدهم من العرب و العجم عن ابن عمر و سعيد بن جبير و روي ذلك عن أبي جعفر (ع)

و روي أن النبي ص قرأ هذه الآية فقيل له من هؤلاء فوضع يده على كتف سلمان و قال لو كان الإيمان في الثريا لنالته رجال من هؤلاء

و على هذا فإنما قال منهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم فإن المسلمين كلهم يد واحدة على من سواهم و أمة واحدة و إن اختلف أجناسهم كما قال سبحانه‏ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ و من لم يؤمن بالنبي ص فإنهم ليسوا ممن عناهم الله تعالى بقوله «وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ» و إن كان مبعوثا إليهم بالدعوة لقوله سبحانه «وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ» و من لم يؤمن فليس ممن زكاه و علمه القرآن و السنةو قيل إن قوله «لَمََّا يَلْحَقُوا بِهِمْ» يعني في الفضل و السابقة فإن التابعين لا يدركون شأن السابقين من الصحابة و خيار المؤمنين «وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ» الذي لا يغالب «اَلْحَكِيمُ» في جميع أفعاله‏} «ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ» يعني النبوة التي خص الله بها رسوله عن مقاتل «يُؤْتِيهِ» أي يعطيه «مَنْ يَشََاءُ» بحسب ما يعلمه من صلاحه للبعثة و تحمل أعباء الرسالة «وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ» ذو المن العظيم على خلقه ببعث محمد ص و

روى محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم يرفعه قال جاء الفقراء إلى رسول الله ص فقالوا يا رسول الله إن للأغنياء ما يتصدقون و ليس لنا ما نتصدق و لهم ما يحجون و ليس لنا ما نحج و لهم ما يعتقون و ليس لنا ما نعتق فقال ص من كبر الله مائة مرة كان أفضل من عتق رقبة و من سبح الله مائة مرة كان أفضل من مائة فرس في سبيل الله يسرجها و يلجمهاو من هلل الله مائة مرة كان أفضل الناس عملا في ذلك اليوم إلا من زاد فبلغ ذلك الأغنياء فقالوه فرجع‏

430

(1) - الفقراء إلى النبي ص فقالوا يا رسول الله قد بلغ الأغنياء ما قلت فصنعوه فقال ص «ذََلِكَ فَضْلُ اَللََّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشََاءُ»

ثم ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا فقال‏} «مَثَلُ اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرََاةَ » أي كلفوا القيام بها و العمل بما فيها «ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهََا» حق حملها من أداء حقها و العمل بموجبها لأنهم حفظوها و دونوها كتبهم ثم لم يعلموا بما فيها «كَمَثَلِ اَلْحِمََارِ يَحْمِلُ أَسْفََاراً» لأن الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لا يحس بما فيها فمثل من يحفظ الكتاب و لا يعمل بموجبه كمثل من لا يعلم ما فيما يحمله قال ابن عباس فسواء حمل على ظهره أو جحده إذا لم يعمل به و على هذا فمن تلا القرآن و لم يفهم معناه و أعرض عنه إعراض من لا يحتاج إليه كان هذا المثل لاحقا به و إن حفظه و هو طالب لمعناه فليس من أهل هذا المثل و أنشد أبو سعيد الضرير في ذلك:

زوامل للأسفار لا علم عندهم # بجيدها إلا كعلم الأباعر

لعمرك ما يدري المطي إذا غدا # بأسفاره إذ راح ما في الغرائر

«بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِ اَللََّهِ» معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم لأنه سبحانه ذم مثلهم و المراد به ذمهم و اليهود كذبوا بالقرآن و التوراة حين لم يؤمنوا بمحمد ص «وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ» أي لا يفعل بهم من الألطاف التي يفعلها بالمؤمنين الذين بها يهتدون و قيل لا يثيبهم و لا يهديهم إلى الجنة و عن محمد بن مهران قال يا أهل القرآن اتبعوا القرآن قبل أن يتبعكم و تلا هذه.

431

(1) -

اللغة

الزعم قول عن ظن أو علم و لذلك صار من باب الظن و العلم و عمل ذلك العمل قال:

فإن تزعميني كنت أجهل فيكم # فإني شريت الحلم بعدك بالجهل‏

و الأولياء جمع ولي و هو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة و الله ولي المؤمنين لأنه يوليهم النصرة عند حاجتهم و المؤمن ولي الله لهذه العلة و يجوز أن يكون لأنه يولي المطيع له نصرة عند حاجته و التمني هو قول القائل لما كان ليته لم يكن و لما لم يكن ليته كان فهو يتعلق بالماضي و المستقبل و هو من جنس الكلام عن الجبائي و القاضي و قال أبو هاشم هو معنى في النفس يوافق هذا القول و الجمعة و الجمعة لغتان و جمعها جمع و جمعات قال الفراء و فيها لغة ثالثة جمعة بفتح الميم كضحكة و همزةو إنما سمي جمعة لأنه تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات و قيل لأنه تجتمع فيه الجماعات و قيل إن أول من سماها جمعة كعب بن لؤي و هو أول من قال أما بعد و كان يقال للجمعة العروبة عن أبي سلمة و قيل إن أول من سماها جمعة الأنصار قال ابن سيرين جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ص المدينة و قيل قبل أن تنزل الجمعة قالت الأنصار لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام و للنصارى يوم أيضا مثل ذلك فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله عز و جل و نشكره و كما قالوا يوم السبت لليهود و يوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة

432

(1) - فصلى بهم يومئذ و ذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا و تعشوا من شاة واحدة و ذلك لقلتهم فأنزل الله تعالى في ذلك «إِذََا نُودِيَ لِلصَّلاََةِ» الآية فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام فأما أول جمعة جمعها رسول الله ص بأصحابه فقيل إنه قدم رسول الله ص مهاجرا حتى نزل قبا على عمرو بن عوف و ذلك يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين الضحى‏فأقام بقبا يوم الإثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس و أسس مسجدهم ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد و كانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله ص في الإسلام فخطب في هذه الجمعة و هي أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل‏

فقال الحمد لله أحمده و أستعينه و أستغفره و أستهديه و أومن به و لا أكفره و أعادي من يكفره و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و النور و الموعظة على فترة من الرسل و قلة من العلم و ضلالة من الناس و انقطاع من الزمان و دنو من الساعة و قرب من الأجل من يطع الله و رسوله فقد رشد و من يعصهما فقد غوى و فرط و ضل ضلالا بعيدا أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة و أن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه و إن تقوى الله لمن عمل به على وجل و مخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الآخرة و من يصلح الذي بينه و بين الله من أمره في السر و العلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله‏يكن له ذكرا في عاجل أمره و ذخرا فيما بعد الموت و حين يفتقر المرء إلى ما قدم و ما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه و بينه أمدا بعيدا و يحذركم الله نفسه و الله رءوف بالعباد و الذي صدق قوله و نجز وعده لا خلف لذلك فإنه يقول‏ مََا يُبَدَّلُ اَلْقَوْلُ لَدَيَّ وَ مََا أَنَا بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ فاتقوا الله في عاجل أمركم و آجله في السر و العلانية فإنه من يتق الله يكفر عنه سيئاته و يعظم له أجرا و من يتق الله فقد فاز فوزا عظيما و إن تقوى الله توقي مقته و توقي عقوبته و توقي سخطه و إن تقوى الله تبيض الوجوه و ترضي الرب و ترفع الدرجة خذوا بحظكم و لا تفرطوا في جنب الله فقد علمكم الله كتابه و نهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا و يعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم و عادوا أعداءه و جاهدوا في سبيل الله حق جهاده هو اجتباكم و سماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لا حول و لا قوة إلا بالله فأكثروا ذكر الله‏و اعلموا لما بعد اليوم فإنه من يصلح ما بينه و بين الله يكفه الله ما بينه و بين الناس ذلك بأن الله يقضي على الناس و لا يقضون عليه و يملك من الناس و لا يملكون منه الله أكبر و لا قوة إلا بالله العلي العظيم‏

فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة.

ـ

433

(1) -

النزول‏

قال جابر بن عبد الله أقبلت عير و نحن نصلي مع رسول الله ص الجمعة فانفض الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت الآية «وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً» و قال الحسن و أبو مالك أصاب أهل المدينة جوع و غلاء سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام و النبي ص يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي ص إلا رهط فنزلت الآية

فقال و الذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا

و قال المقاتلان بينا رسول الله ص يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة من الشام بتجارة و كان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته‏و كان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أو بر أو غيره فينزل عند أحجار الزيت و هو مكان في سوق المدينة ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه فقدم ذات جمعة و كان ذلك قبل أن يسلم و رسول الله ص قائم على المنبر يخطب فخرج الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا و امرأة

فقال ص لو لا هؤلاء لسموت عليهم الحجارة من السماء

و أنزل الله هذه الآية و قيل لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس و قيل إلا أحد عشر رجلا عن ابن كيسان و قيل إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام و كل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل .

المعنى‏

لما تقدم ذكر اليهود في إنكارهم ما في التوراة أمر سبحانه نبيه ص أن يخاطبهم بما يفحمهم فقال «قُلْ» يا محمد «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ هََادُوا» أي سموا يهودا «إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيََاءُ لِلََّهِ» أي إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم أنصار الله و أن الله ينصركم‏ «مِنْ دُونِ اَلنََّاسِ فَتَمَنَّوُا اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ» إنكم أبناء الله و أحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه ثم أخبر سبحانه عن حالهم في كذبهم و اضطرابهم في دعواهم و أنهم غير واثقين بذلك فقال‏} «وَ لاََ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمََا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» من الكفر و المعاصي «وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِالظََّالِمِينَ» أي عالم بأفعالهم و أحوالهم و قد تقدم تفسير الآيتين في سورة البقرة و فيه معجزة للرسول لأنه أخبر أنهم لا يتمنون الموت أبدا لما يعرفون من صدق النبي ص و كذبهم فكان الأمر كما قال و

روي أنه ص قال لو تمنوا لماتوا عن آخرهم‏

«قُلْ» يا محمد «إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاََقِيكُمْ» أي إنكم و إن فررتم من الموت و كرهتموه فإنه لا بد ينزل بكم و يلقاكم و يدرككم و لا ينفعكم الهرب منه و إنما قال فإنه ملاقيكم بالفاء سواء فروا منه أو لم يفروا منه فإنه ملاقيهم مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه لأنه إذا كان الفرار بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معنى للتعرض للفرارلأنه لا يباعد منه و إلى هذا المعنى‏

أشار أمير

434

(1) - المؤمنين (ع) في قوله كل امرئ لاق ما يفر منه و الأجل مساق النفس و الهرب منه موافاته‏

و قال زهير :

و من هاب أسباب المنايا ينلنه # و لو نال أسباب السماء بسلم‏

و لا شك أنها تناله هابها أو لم يهبها و لكنه إذا كانت هيبته بمنزلة السبب للمنية فالهيبة لا معنى لها و قيل إن التقدير قل إن الموت هو الذي تفرون منه فجعل الذي في موضع الخبر لا صفة للموت و يكون «فَإِنَّهُ» مستأنفا «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ََ عََالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ» أي ترجعون إلى الله الذي يعلم سركم و علانيتكم يوم القيامة «فَيُنَبِّئُكُمْ بِمََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» في دار الدنيا و يجازيكم بحسبها ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال‏} «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذََا نُودِيَ لِلصَّلاََةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ» أي إذا أذن لصلاة الجمعة و ذلك إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة و ذلك لأنه لم يكن على عهد رسول الله ص نداء سواه قال السايب بن زيد كان لرسول الله ص مؤذن واحد بلال فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة ثم كان أبو بكر و عمر كذلك حتى إذا كان عثمان و كثر الناس و تباعدت المنازل زاد أذانا فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق و يقال له الزوراء و كان يؤذن له عليها فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه «فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ» أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين عن قتادة و ابن زيد و الضحاك و قال الزجاج معناه فامضوا إلى السعي الذي هو الإسراع و قرأ عبد الله بن مسعود

فامضوا إلى ذكر الله و روي ذلك عن علي بن أبي طالب (ع) و عمر بن الخطاب و أبي بن كعب ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر (ع) و أبي عبد الله (ع)

و قال ابن مسعود لو علمت الإسراع لأسرعت حتى يقع ردائي عن كتفي و قال الحسن ما هو السعي على الأقدام و قد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا و عليهم السكينة و الوقار و لكن بالقلوب و النية و الخشوع و قيل المراد بذكر الله الخطبة التي تتضمن ذكر الله و المواعظ «وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ» أي دعوا المبايعة قال الحسن كل بيع تفوت فيه الصلاة يوم الجمعة فإنه بيع حرام لا يجوز و هذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآيةلأن النهي يدل على فساد المنهي عنه «ذََلِكُمْ» يعني ما أمرتكم به من حضور الجمعة و استماع الذكر و أداء الفريضة و ترك البيع «خَيْرٌ لَكُمْ» و أنفع لكم عاقبة «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» منافع الأمور و مضارها و مصالح أنفسكم و مفاسدها و قيل معناه اعلموا ذلك عن الجبائي و في هذه الآية دلالة على وجوب الجمعة و في تحريم جميع التصرفات عند سماع أذان الجمعة لأن البيع إنما خص بالنهي عنه لكونه من أعم التصرفات في أسباب المعاش و فيها دلالة على أن الخطاب للأحرار لأن العبد

435

(1) - لا يملك البيع و على اختصاص الجمعة بمكان و لذلك أوجب السعي إليه و فرض الجمعة لازم جميع المكلفين إلا أصحاب الأعذار من السفر أو المرض أو العمى أو العرج أو أن يكون امرأة أو شيخا هما لا حراك به أو عبدا أو يكون على رأس أكثر من فرسخين من الجامع و عند حصول هذه الشرائط لا يجب إلا عند حضور السلطان العادل أو من نصبه السلطان للصلاة و العدد يتكامل عند أهل البيت (ع) بسبعة و قيل ينعقد بثلاثة سوى الإمام عن أبي حنيفة و الثوري و قيل إنما ينعقد بأربعين رجلا أحرارا بالغين مقيمين عن الشافعي و قيل ينعقد باثنين سوى الإمام عن أبي يوسف و قيل ينعقد بواحد كسائر الجماعات عن الحسن و داود و الاختلاف بين الفقهاء في مسائل الجمعة كثير موضعه كتب الفقه‏} «فَإِذََا قُضِيَتِ اَلصَّلاََةُ فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ» يعني إذا صليتم الجمعة و فرغتم منها فتفرقوا في الأرض «وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ» أي و اطلبوا الرزق في البيع و الشراء و هذا إباحة و ليس بأمر و إيجاب و

روي عن أنس عن النبي ص قال في قوله «فَإِذََا قُضِيَتِ اَلصَّلاََةُ فَانْتَشِرُوا» الآية ليس بطلب دنيا و لكن عيادة مريض و حضور جنازة و زيارة أخ في الله‏

و قيل المراد بقوله «وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ» طلب العلم عن الحسن و سعيد بن جبير و مكحول و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الصلاة يوم الجمعة و الانتشار يوم السبت‏

و

روى عمرو بن زيد عن أبي عبد الله قال إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحى في طلب الحلال أ ما تسمع قول الله عز اسمه «فَإِذََا قُضِيَتِ اَلصَّلاََةُ فَانْتَشِرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ اِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اَللََّهِ» أ رأيت لو أن رجلا دخل بيتا و طين عليه بابه ثم قال رزقي ينزل علي كان يكون هذا أما أنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم قال قلت من هؤلاء الثلاثة قال رجل تكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها لخلى سبيلها و الرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحده حقه فيدعو عليه فلا يستجاب له لأنه ترك ما أمر به و الرجل يكون عنده الشي‏ء فيجلس في بيته فلا ينتشر و لا يطلب و لا يلتمس حتى يأكله ثم يدعو فلا يستجاب له‏

«وَ اُذْكُرُوا اَللََّهَ كَثِيراً» أي اذكروه على إحسانه و اشكروه على نعمه و على ما وفقكم من طاعته و أداء فرضه و قيل إن المراد بالذكر هنا الفكر كما قال تفكر ساعة خير من عبادة سنة و قيل معناه اذكروا الله في تجارتكم و أسواقكم كما

روي عن النبي ص أنه قال من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس‏و شغلهم بما فيه كتب له ألف حسنة و يغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر

«لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» أي لتفلحوا و تفوزوا بثواب النعيم علق سبحانه الفلاح بالقيام بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة و غيرها و

صح الحديث عن أبي ذر قال قال رسول الله ص من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و لبس‏

436

(1) - صالح ثيابه و مس من طيب بيته أو دهنه ثم لم يفرق بين اثنين غفر الله له ما بينه و بين الجمعة الأخرى و زيادة ثلاثة أيام بعدها أورده البخاري في الصحيح

و

روى سلمان التميمي عن النبي ص قال إن الله عز و جل في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق من النار كلهم قد استوجب النار

ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بالأم اللؤم فقال‏} «وَ إِذََا رَأَوْا تِجََارَةً أَوْ لَهْواً» أي عاينوا ذلك و قيل معناه إذا علموا بيعا و شراء أو لهوا و هو الطبل عن مجاهد و قيل المزامير عن جابر «اِنْفَضُّوا إِلَيْهََا» أي تفرقوا عنك خارجين إليها و قيل مالوا إليها و الضمير للتجارة و إنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم و هم بها أسر من الطبل لأن الطبل إنما دل على التجارة عن الفراء و قيل عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به و كأنه على حذف و المعنى و إذا رأوا تجارة انفضوا إليها و إذا رأوا لهوا انفضوا إليه فحذف إليه لأن إليها يدل عليه و

روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال انصرفوا إليها

«وَ تَرَكُوكَ قََائِماً» تخطب على المنبر قال جابر بن سمرة ما رأيت رسول الله ص خطب إلا و هو قائم فمن حدثك أنه خطب و هو جالس فكذبه و سئل عبد الله بن مسعود أ كان النبي ص يخطب قائما فقال أ ما تقرأ «وَ تَرَكُوكَ قََائِماً» و قيل أراد قائما في الصلاة ثم قال تعالى «قُلْ» يا محمد لهم «مََا عِنْدَ اَللََّهِ» من الثواب على سماع الخطبة و حضور الموعظة و الصلاة و الثبات مع النبي ص «خَيْرٌ» و أحمد عاقبة و أنفع «مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجََارَةِ وَ اَللََّهُ خَيْرُ اَلرََّازِقِينَ» يرزقكم و إن لم تتركوا الخطبة و الجمعة.

437

(1) -

(63) سورة المنافقون مدنية و آياتها إحدى عشرة (11)

توضيح‏

مدنية بالإجماع و هي إحدى عشرة آية.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة المنافقين برأ من النفاق.

تفسيرها

لما ختم الله سورة الجمعة بما هو من علامات النفاق من ترك النبي ص قائما في الصلاة أو في الخطبة و الاشتغال باللهو و طلب الارتفاق افتتح هذه السورة بذكر المنافقين أيضا فقال:

438

(1) -

القراءة

قرأ أبو عمرو غير عباس و الكسائي خشب ساكنة الشين و الباقون «خُشُبٌ» بضمها و قرأ نافع و روح عن يعقوب و سهل لووا بتخفيف الواو و الباقون «لَوَّوْا» بتشديدها و هو اختيار أبي عبيدة و في الشواذ قراءة الحسن اتخذوا إيمانهم بالكسر.

الحجة

قال أبو علي من قرأ خشب جعله مثل بدنة و بدن و مثله أسد و أسد و وثن و وثن في قوله إن يدعون من دونه إلا أثنا قال سيبويه هي قراءة و التثقيل أن فعل قد جاء في نظيره قالوا أسد كما قالوا في جمع ثمر ثمر قال الشاعر

"يقدم إقداما عليكم كالأسد"

قال أبو الحسن التحريك في خشب لغة أهل الحجاز و حجة من قرأ لووا بالتخفيف قوله‏ «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ» فاللي مصدر لوى مثل طوى طيا و التثقيل لأن الفعل للجماعة فهو كقوله‏ مُفَتَّحَةً لَهُمُ اَلْأَبْوََابُ و قد جاء

"تلوية الخاتن زب المعذر"

أنشده أبو زيد و قوله إيمانهم بالكسر هو على حذف المضاف أي اتخذوا إظهار إيمانهم جنة و قد مر أمثال ذلك.

اللغة

الجنة السترة المتخذة لدفع الأذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح و الجنة البستان الذي يجنه الشجر و الجنة الجنون الذي يستر العقل و الفقه العلم بالشي‏ء فقهت الحديث أفقهه و كل علم فقه إلا لما اختص به علم الشريعة و كل من علمها يقال أنه فقيه و أفقهتك الشي‏ء بينت لك‏و فقه الرجل بالضم صار فقيها قال ابن دريد الجسم كل شخص مدرك و كل عظيم الجسم جسيم و جسام و الأجسم العظيم الجسم قال الشاعر:

و أجسم من عاد جسوم رجالهم # و أكثر إن عدوا عديدا من الرمل‏

و اختلف المتكلمون في حد الجسم فقال المحققون منهم هو الطويل العريض العميق و لذلك متى ازداد ذهابه في هذه الجهات الثلاث قيل أجسم و جسيم و قيل هو المؤلف و قيل هو القائم بالنفس و معناه أنه لا يحتاج إلى محل و الصحيح القول الأول و الأجسام ما تأتلف من الجواهر و هي أجزاء لا تتجزء ائتلفت بمعان يقال لها المؤتلفات فإذا رفعت عنها بقيت أجزاء لا تتجزء و اختلف في أقل أجزاء الأجسام و الصحيح أنه ما تألف من ثمانية أجزاء و قيل من ستة أجزاء عن أبي الهذيل و قيل من أربعة أجزاء عن البلخي .

439

(1) -

الإعراب‏

«سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» تقديره ساء العمل عملهم‏فقوله «مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» موصول و صلة في موضع رفع بأنه مبتدأ أو خبر مبتدإ محذوف هو المخصوص بالذم. «أَنََّى يُؤْفَكُونَ» أنى في موضع نصب على الحال بمعنى كيف و التقدير أ جاحدين يؤفكون و يجوز أن يكون في محل النصب على المصدر و التقدير أي أفك يؤفكون و قيل معناه من أين يؤفكون أي يصرفون عن الحق بالباطل عن الزجاج فعلى هذا يكون منصوبا على الظرف و يصدون في موضع نصب على الحال.

المعنى‏

خاطب الله سبحانه نبيه فقال «إِذََا جََاءَكَ» يا محمد «اَلْمُنََافِقُونَ» و هم الذين يظهرون الإيمان و يبطنون الكفر و اشتقاقه من النفق و النافقاء كما قال الشاعر:

للمؤمنين أمور غير مخزية # و للمنافق سر دونه نفق‏

«قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ » أي أخبروا بأنهم يعتقدون أنك رسول الله «وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ» يا محمد «إِنَّكَ لَرَسُولُهُ» على الحقيقة و كفى بالله شهيدا «وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ» في قولهم إنهم يعتقدون أنك رسول الله فكان إكذابهم في اعتقادهم و أنهم يشهدون ذلك بقلوبهم و لم يكذبوا فيما يرجع إلى ألسنتهم لأنهم شهدوا بذلك و هم صادقون فيه و في هذا دلالة على أن حقيقة الإيمان إنما هو بالقلب و من قال شيئا و اعتقد خلافه فهو كاذب‏} «اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً» أي سترة يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا و لا يسبوا و لا تؤخذ أموالهم «فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ» أي فأعرضوا بذلك عن دين الإسلام و قيل معناه منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بأن دعوهم إلى الكفر في الباطن و هذا من خواص المنافقين يصدون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة «إِنَّهُمْ سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» أي بئس الذين يعملونه من إظهار الإيمان مع إبطان الكفر و الصد عن السبيل‏} «ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا» بألسنتهم عند الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله «ثُمَّ كَفَرُوا» بقلوبهم لما كذبوا بهذا عن قتادة و قيل معناه آمنوا ظاهرا عند النبي و المسلمين ثم كفروا إذا خلوا بالمشركين و إنما قال ثم كفروا لأنهم جددوا الكفر بعد إظهار الإيمان‏ «فَطُبِعَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ» أي ختم عليها بسمة تميز بها الملائكة بينهم و بين المؤمنين على الحقيقة و قيل لما ألفوا الكفر و العناد و لم يصغوا إلى الحق و لا فكروا في المعاد خلاهم الله و اختارهم و خذلهم فصار ذلك طبعا على قلوبهم و هو الفهم إلى ما اعتادوه من الكفر عن أبي مسلم «فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ» أي لا يعلمون الحق من حيث أنهم لا يتفكرون حتى يميزوا بين الحق و الباطل‏} «وَ إِذََا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسََامُهُمْ» بحسن منظرهم و تمام خلقتهم و جمال بزتهم «وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ‏

440

(1) - لِقَوْلِهِمْ» أي و إذا قالوا شيئا أصغيت إلى كلامهم لحسن منطقهم و فصاحة لسانهم و بلاغة بيانهم «كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ» أي كأنهم أشباح بلا أرواح شبههم الله في خلوهم من العقول و الأفهام بالخشب المسندة إلى شي‏ء لا أرواح فيها و قيل أنه شبههم بخشب نخرة متأكلة لا خير فيها و يحسب من رآها أنها صحيحة سليمة من حيث أن ظاهرها يروق و باطنها لا يفيد فكذلك المنافق ظاهره معجب رائع و باطنه عن الخير زائغ‏ «يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ» وصفهم الله تعالى بالخور و الهلع أي يظنون كل صيحة يسمعونها كائنة عليهم و المعنى يحسبون أنها مهلكتهم و أنهم هم المقصودون بها جبنا و وجلا و ذلك مثل أن ينادي مناد في العسكر أو يصيح أحد بصاحبه أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة و قيل معناه إذا سمعوا صيحة ظنوا أنها آية منزلة في شأنهم و في الكشف عن حالتهم لما عرفوا من الغش و الخيانة في صدورهم و لذلك قيل المريب خائف ثم أخبر سبحانه بعداوتهم فقال «هُمُ اَلْعَدُوُّ» لك و للمؤمنين في الحقيقة «فَاحْذَرْهُمْ» أن تأمنهم على سرك و توقهم «قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ» أي أخزاهم و لعنهم و قيل أنه دعاء عليهم بالهلاك لأن من قاتله الله فهو مقتول و من غالبه فهو مغلوب «أَنََّى يُؤْفَكُونَ» أي أنى يصرفون عن الحق مع كثرة الدلالات و هذا توبيخ و تقريع و ليس باستفهام عن أبي مسلم و قيل معناه كيف يكذبون من الإفك‏} «وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا» أي هلموا «يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اَللََّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ» أي أكثروا تحريكها بالهزء لها استهزاء بدعائهم إلى ذلك و قيل أمالوها إعراضا عن الحق و كراهة لذكر النبي ص و ذلك لكفرهم و استكبارهم «وَ رَأَيْتَهُمْ» يا محمد «يَصُدُّونَ» عن سبيل‏[الله‏]الحق «وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ» أي متكبرون مظهرون أنه لا حاجة لهم إلى الاستغفار.

441

(1) -

القراءة

قرأ أبو عمرو و أكون بالنصب و الباقون «وَ أَكُنْ» بالجزم و قرأ حماد و يحيى بما يعلمون بالياء و الباقون بالتاء.

الحجة

من قرأ «وَ أَكُنْ» عطفه على موضع قوله «فَأَصَّدَّقَ» لأنه في موضع فعل مجزوم أ لا ترى أنك إذا قلت أخرني أصدق كان جزما بأنه جواب الجزاء و قد أغنى السؤال عن ذكر الشرط و التقدير أخرني فإنك إن تؤخرني أصدق فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جواب الشرط حمل قوله «وَ أَكُنْ» عليه و مثل ذلك قوله‏ «مَنْ يُضْلِلِ اَللََّهُ فَلاََ هََادِيَ لَهُ وَ يَذَرُهُمْ» لما كان فلا هادي له في موضع فعل مجزوم حمل و يذرهم عليه و مثل ذلك قول الشاعر:

فأبلوني بليتكم لعلي # أصالحكم و ستدرج نويا

حمل و استدرج على موضع الفاء المحذوفةو ما بعدها من لعلي و كذلك قوله:

أيا سلكت فإنني لك كاشح # و على انتقاصك في الحياة و ازدد

حمل و ازدد على موضع الفاء و ما بعدها و أما قول أبي عمرو و أكون فإنما حمله على اللفظ دون الموضع و كان الحمل على اللفظ أولى لظهوره في اللفظ و قربه و زعموا أن في‏

442

(1) - حرف أبي فأتصدق و أكون و من قرأ بما يعملون بالياء فعلى قوله «وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللََّهُ نَفْساً» لأن النفس و إن كان واحدا في اللفظ فالمراد به الكثرة و من قرأ بالتاء كان خطابا شائعا.

اللغة

الانفضاض التفرق و فض الكتاب إذا فرقه و نشره و سميت الفضة فضة لتفرقها في أثمان الأشياء المشتراة و كل شي‏ء يشغلك عن شي‏ء فقد ألهاك عنه قال:

ألهى بني جشم عن كل مكرمة # قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

و قال امرؤ القيس :

فمثلك حبلى قد طرقت و مرضع # فألهيتها عن ذي تمائم محول‏

.

ـ

النزول‏

نزلت الآيات في عبد الله بن أبي المنافق و أصحابه و ذلك‏

أن رسول الله ص بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه و قائدهم الحرث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي ص فلما سمع بهم رسول الله ص خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس و اقتتلوا فهزم الله بني المصطلق و قتل منهم من قتل و نفل رسول الله ص أبناءهم و نساءهم و أموالهم فبينا الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس و مع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه و سنان الجهني من بني عوف بن خزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الأنصار و صرخ الغفاري يا معشر المهاجرين‏فأعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال و كان فقيرا فقال عبد الله بن أبي لجعال إنك لهتاك فقال و ما يمنعني أن أفعل ذلك و اشتد لسان جعال على عبد الله فقال عبد الله و الذي يحلف به لآزرنك و يهمك غير هذا و غضب ابن أبي و عنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم حديث السن فقال ابن أبي قد نافرونا و كاثرونا في بلادنا و الله ما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك أما و الله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل يعني بالأعز نفسه و بالأذل رسول الله ص ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم و قاسمتوهم أموالكم أما و الله لو أمسكتم عن جعال و ذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم و لأوشكوا أن يتحولوا من بلادكم و يلحقوا بعشائرهم و مواليهم فقال زيد بن أرقم أنت و الله الذليل القليل المبغض في قومك و محمد ص في عز من الرحمن و مودة من المسلمين و الله لا أحبك بعد كلامك هذا فقال عبد الله اسكت فإنما كنت ألعب فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ص

443

(1) - و ذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر فأمر رسول الله ص بالرحيل و أرسل إلى عبد الله فأتاه فقال ما هذا الذي بلغني عنك‏فقال عبد الله و الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك قط و إن زيدا لكاذب و قال من حضر من الأنصار يا رسول الله شيخنا و كبيرنا لا تصدق عليه كلام غلام من غلمان الأنصار عسى أن يكون هذا الغلام وهم في حديثه فعذره رسول الله ص و فشت الملامة من الأنصار لزيد و لما استقل رسول الله ص فسار لقيه أسيد بن الحضير فحياه بتحية النبوة ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها فقال له رسول الله ص أ و ما بلغك ما قال صاحبكم زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد فأنت و الله يا رسول الله تخرجه إن شئت هو و الله الذليل و أنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فو الله لقد جاء الله بك و إن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه و إنه ليرى أنك قد استلبته ملكا و بلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله ص فقال يا رسول الله أنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالديه مني و أني أخشى أن تأمر به غيري‏فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي أن يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال بل ترفق به و تحسن صحبته ما بقي معنا قالوا و سار رسول الله ص بالناس يومهم ذلك حتى أمسى و ليلتهم حتى أصبح و صدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم يكن إلا أن وجدوا مس الأرض وقعوا نياما إنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي خرج من عبد الله بن أبي ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له بقعاء فهاجت ريح شديدة آذتهم و تخوفوها و ضلت ناقة رسول الله ص و ذلك ليلا فقال مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة قيل من هو قال رفاعة فقال رجل من المنافقين كيف يزعم أنه يعلم الغيب و لا يعلم مكان ناقته أ لا يخبره الذي يأتيه بالوحي فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق و بمكان الناقة و أخبر رسول الله ص بذلك أصحابه و قال ما أزعم أني أعلم الغيب و ما أعلمه و لكن الله تعالى أخبرني بقول المنافق و بمكان ناقتي هي في الشعب فإذا هي كما قال فجاءوا بها و آمن ذلك المنافق فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت أحد بني قينقاع و كان من عظماء اليهود و قد مات ذلك اليوم قال زيد بن أرقم فلما وافى رسول الله ص المدينة جلست في البيت لما بي من الهم و الحياء فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد و تكذيب عبد الله بن أبي ثم أخذ رسول الله ص بإذن زيد فرفعه عن‏

444

(1) - الرحل ثم قال يا غلام صدق فوك و وعت أذناك و وعى قلبك و قد أنزل الله فيما قلت قرآنا و كان عبد الله بن أبي بقرب المدينة فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة فقال ما لك ويلك قال و الله لا تدخلها إلا بإذن رسول الله و لتعلمن اليوم من الأعز من الأذل فشكا عبد الله ابنه إلى رسول الله ص فأرسل إليه أن خل عنه يدخل فقال أما إذا جاء أمر رسول الله ص فنعم فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى و مات فلما نزلت هذه الآيات و بان كذب عبد الله قيل له نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله ص يستغفر لك فلوى رأسه ثم قال أمرتموني أن أومن فقد آمنت و أمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزل «وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا» إلى قوله «وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَعْلَمُونَ» .

المعنى‏

ثم ذكر سبحانه أن استغفاره لا ينفعهم فقال‏ «سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» أي يتساوى الاستغفار لهم و عدم الاستغفار «لَنْ يَغْفِرَ اَللََّهُ لَهُمْ» لأنهم يبطنون الكفر و إن أظهروا الإيمان «إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ» أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين و الإيمان إلى طريق الجنة قال الحسن أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر فلم يستغفر لهم و قد كان النبي ص يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة و أن يكون الباطن مثل الظاهر فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعهم مع إبطانهم الكفر و النفاق ثم قال سبحانه‏} «هُمُ اَلَّذِينَ يَقُولُونَ لاََ تُنْفِقُوا عَلى‏ََ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اَللََّهِ » من المؤمنين المحتاجين «حَتََّى يَنْفَضُّوا» أي يتفرقوا عنه و إنما قالوا هم من عند محمد ص و لكن الله سبحانه سماه رسول الله ص تشريفا له و تعظيما لقدره «وَ لِلََّهِ خَزََائِنُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ» و ما بينهما من الأرزاق و الأموال و الأغلاق فلو شاء لأغناهم و لكنه تعالى يفعل ما هو الأصلح لهم‏و يمتحنهم بالفقر و يتعبدهم بالصبر ليصبروا فيؤجروا و ينالوا الثواب و كريم المآب «وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَفْقَهُونَ» ذلك على الحقيقة لجهلهم بوجوه الحكمة و قيل لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏} «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنََا إِلَى اَلْمَدِينَةِ » من غزوة بني المصطلق «لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ» يعنون نفوسهم «مِنْهَا اَلْأَذَلَّ» يعنون رسول الله ص و المؤمنين فرد الله سبحانه عليهم بأن قال «وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ» بإعلاء الله كلمته و إظهاره دينه على الأديان «وَ لِلْمُؤْمِنِينَ» بنصرته إياهم في الدنيا و إدخالهم الجنة في العقبي و قيل و لله العزة بالربوبية و لرسوله بالنبوة و للمؤمنين بالعبودية أخبر سبحانه بذلك ثم حققه بأن أعز رسوله و المؤمنين و فتح عليهم مشارق الأرض و مغاربها و قيل عز الله خمسة عز الملك و البقاء و عز العظمة و الكبرياء و عز البذل و العطاء و عز الرفعة و العلاء و عز الجلال و البهاء و عز الرسول خمسة عز

445

(1) - السبق و الابتداء و عز الأذان و النداء و عز قدم الصدق على الأنبياء و عز الاختيار و الاصطفاء و عز الظهور على الأعداء و عز المؤمنين خمسة عز التأخير بيانه نحن الآخرون السابقون و عز التيسير بيانه‏ وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا اَلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ* يُرِيدُ اَللََّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ و عز التبشير، بيانه‏ وَ بَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ فَضْلاً كَبِيراً و عز التوقير، بيانه‏ وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ* و عز التكثير، بيانه أنهم أكثر الأمم «وَ لََكِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لاََ يَعْلَمُونَ» فيظنون أن العزة لهم و ذلك لجهلهم بصفات الله تعالى و ما يستحقه أولياؤه و وجه الجمع بين هذه الآية و بين قوله‏ فَلِلََّهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً أن عز الرسول و المؤمنين من جهته عز اسمه و إنما يحصل به و بطاعته فلله العز بأجمعه ثم خاطب سبحانه المؤمنين فقال‏} «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُلْهِكُمْ» أي لا تشغلكم «أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ» أي عن الصلوات الخمس المفروضة و قيل ذكر الله جميع طاعاته عن أبي مسلم و قيل ذكره شكره على نعمائه و الصبر على بلائه و الرضاء بقضائه و هو إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يغفل المؤمن عن ذكر الله في بؤس كان أو نعمة فإن إحسانه في الحالات لا ينقطع «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ» أي من يشغله ماله و ولده عن ذكر الله «فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ» خسروا ثواب الله و رحمته‏} «وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ» في سبيل البر فيدخل فيه الزكوات و سائر الحقوق الواجبة «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ» أي أسباب الموت «فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لاََ أَخَّرْتَنِي إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ» أي هلا أخرتني و ذلك إذا عاين علامات الآخرة فيسأل الرجعة إلى الدنيا ليتدارك الفائت قالوا و ليس في الزجر عن التفريط في حقوق الله آية أعظم من هذه و قوله «إِلى‏ََ أَجَلٍ قَرِيبٍ» أي مثل ما أجلت لي في دار الدنيا «فَأَصَّدَّقَ» أي فأتصدق و أزكي مالي و أنفقه في سبيل الله «وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ» أي من الذين يعملون الأعمال الصالحة و قيل من الصالحين أي من المؤمنين و الآية في المنافقين عن مقاتل و قيل من المطيعين لله و الآية في المؤمنين عن ابن عباس قال ما من أحد يموت و كان له مال فلم يؤد زكاته و أطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت قالوا يا ابن عباس اتق الله فإنما نرى هذا الكافر يسأل الرجعة فقال أنا أقرأ عليكم قرآنا ثم قرأ هذه الآية إلى قوله‏

«مِنَ اَلصََّالِحِينَ» قال الصلاح هنا الحج و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع)

«وَ لَنْ يُؤَخِّرَ اَللََّهُ نَفْساً إِذََا جََاءَ أَجَلُهََا» يعني الأجل المطلق الذي حكم بأن الحي يموت عنده و الأجل المقيد هو الأجل المحكوم بأن العبد يموت عنده إن لم يقتطع دونه أو لم يزد عليه أو لم ينقص منه على ما يعلمه الله من المصلحة «وَ اَللََّهُ خَبِيرٌ بِمََا تَعْمَلُونَ» أي عليم بأعمالكم يجازيكم بها.

النظم‏

وجه اتصال هذه الآية الأخيرة بما قبلها أن معناه أنه سبحانه لو علم أنكم تتوبون لجعل في أجلكم تأخيرا إلى وقت آخر و لكنه علم أنكم لا تتوبون.

446

(1) -

(64) سورة التغابن مدنية و آياتها ثماني عشرة (18)

توضيح‏

و قال ابن عباس مكية غير ثلاث آيات من آخرها نزلن بالمدينة «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ» إلى آخر السورة.

عدد آيها

ثماني عشرة آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة.

ابن أبي العلاء عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة التغابن في فريضته كانت شفيعة له يوم القيامة و شاهد عدل عند من يجيز شهادتها ثم لا تفارقه حتى يدخل الجنة.

تفسيرها

لما ختم الله تعالى تلك السورة بذكر الأمر بالطاعة و النهي عن المعصية افتتح هذه السورة ببيان حال المطيع و العاصي فقال:

447

(1) -

المعنى‏

«يُسَبِّحُ لِلََّهِ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ» تسبيح المكلفين بالقول و تسبيح الجمادات بالدلالة «لَهُ اَلْمُلْكُ» منفردا دون غيره و الألف و اللام لاستغراق الجنس و المعنى أنه المالك لجميع ذلك و المتصرف فيه كيف يشاء «وَ لَهُ اَلْحَمْدُ» على جميع ذلك لأن خلق ذلك أجمع-الغرض فيه الإحسان إلى خلقه و النفع لهم به فاستحق بذلك الحمد و الشكر «وَ هُوَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» يوجد المعدوم و يفني الموجود و يغير الأحوال كما يشاء «هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ» أي أنشأكم و أوجدكم عن عدم كما أراد و الخطاب للمكلفين عن الجبائي و قيل بل هو عام و قد تم الكلام هنا ثم ابتدأ فقال «فَمِنْكُمْ كََافِرٌ» لم يقر بأن الله خلقه كالدهرية «وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» مقر بأن الله خلقه عن الزجاج و قيل معناه فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافقين و منكم مؤمن في السر كافر في العلانية كعمار و ذويه عن الضحاك و قيل فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب‏و منكم مؤمن بالله كافر بالكواكب يريد في شأن الأنواء عن عطاء بن أبي رباح و المراد بالآية ظاهر فلا معنى للاسترواح إلى مثل هذه التأويلات و المعنى أن المكلفين جنسان منهم كافر فيدخل فيه أنواع الكفر و منهم مؤمن و لا يجوز حمله على أنه سبحانه خلقهم مؤمنين و كافرين لأنه لم يقل كذلك بل أضاف الكفر و الإيمان إليهم و إلى فعلهم و لدلالة العقول على أن ذلك يقع على حسب قصودهم و أفعالهم و لذلك يصح الأمر و النهي و الثواب و العقاب و بعثة الأنبياء على أنه سبحانه لو جاز أن يخلق الكفر و القبائح لجاز أن يبعث رسولا يدعو إلى الكفر و الضلال و يؤيده بالمعجزات تعالى عن ذلك و تقدس هذا و قد قال تعالى‏ فِطْرَتَ اَللََّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنََّاسَ عَلَيْهََا و

قال النبي ص كل مولود يولد على الفطرة

تمام الخبر و

قال ص حكاية عن الله سبحانه خلقت عبادي كلهم حنفاء

و نحو ذلك من الأخبار كثير «وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» أي خلق الكافر و هو عالم بما يكون منه من الكفر و خلق المؤمن و هو عالم بما يكون منه من الإيمان فيجازيهما على حسب أعمالهما «خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ» أي بالعدل و بأحكام الصنعة و صحة التقدير و قيل معناه للحق و هو أن خلق العقلاء تعريضا إياهم للثواب العظيم و خلق ما عداهم تبعا لهم لما في خلقهما لهم من اللطف «وَ صَوَّرَكُمْ» يعني البشر كلهم «فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» من حيث‏

448

(1) - الحكمة و قبول العقل لا قبول الطبع لأن في جملتهم من ليس على هذه الصفة و قيل فأحسن صوركم من حيث قبول الطبع لأن ذلك هو المفهوم من حسن الصور فهو كقوله‏ «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» و إن كان في جملتهم من هو مشوه الخلق لأن ذلك عارض لا يعتد به في هذا الوصف فالله سبحانه خلق الإنسان على أحسن صور الحيوان كله و الصورة عبارة عن بنية مخصوصة «وَ إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ» أي إليه المرجع و المال يوم القيامة} «يَعْلَمُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ مََا تُسِرُّونَ وَ مََا تُعْلِنُونَ» أي ما يسره بعضكم إلى بعض و ما يخفيه في صدره عن غيره و الفرق بين الإسرار و الإخفاء أن الإخفاء أعم لأنه قد يخفي شخصه و يخفي المعنى في نفسه و الأسرار يكون في المعنى دون الشخص‏ «وَ اَللََّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ» أي بأسرار الصدور و بواطنها ثم أخبر سبحانه أن القرون الماضية جوزوا بأعمالهم فقال‏} «أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» أي من قبل هؤلاء الكفار «فَذََاقُوا وَبََالَ أَمْرِهِمْ» أي وخيم عاقبة كفرهم و ثقل أمرهم بما نالهم من العذاب بالإهلاك و الاستئصال «وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ» أي مؤلم يوم القيامة.

449

(1) -

القراءة

قرأ رويس عن يعقوب يوم نجمعكم بالنون و الباقون بالياء و قرأ أهل المدينة و ابن عامر نكفر عنه و ندخله بالنون فيهما و الباقون بالياء.

الحجة

حجة الياء أن الاسم الظاهر قد تقدم و وجه النون أنه كقوله‏ «سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ» ثم جاء وَ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ .

الإعراب‏

«ذََلِكَ بِأَنَّهُ» الهاء ضمير الأمر و الشأن. «أَ بَشَرٌ» مبتدأ و إنما جاز أن يكون مبتدأ مع كونه نكرة لأن الاستفهام سوغ ذلك كما أن النفي أيضا كذلك لكونهما غير موجبين يقال أ رجل في الدار أم امرأة و لا رجل في الدار و لا امرأة و قيل أنه فاعل فعل مضمر يفسره قوله «يَهْدُونَنََا» كأنه قال أ يهدينا بشر يهدوننا و إنما أضمر لأن الاستفهام بالفعل أولى و قوله «أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا» تقديره أنهم لن يبعثوا فسدت الجملة عن المفعولين بما جرى فيها من ذكر الحديث و المحدث عنه و لما كان لن في «لَنْ يُبْعَثُوا» دليل الاستقبال تعينت أن قبلها لأن تكون مخففة من الثقيلة لأن لن يمنعها من أن تكون ناصبة للفعل يوم نجمعكم ظرف لتبعثن.

المعنى‏

لما قرر سبحانه خلقه بأنهم أتيهم أخبار من مضى من الكفار و إهلاكهم عقبه ببيان سبب إهلاكهم فقال «ذََلِكَ» أي ذلك العذاب الذي نالهم في الدنيا و الذي ينالهم في الآخرة «بِأَنَّهُ كََانَتْ تَأْتِيهِمْ» أي بسبب أنه كانت تجيئهم «رُسُلُهُمْ» من عند الله «بِالْبَيِّنََاتِ» أي بالدلالات الواضحات و المعجزات الباهرات «فَقََالُوا» لهم «أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنََا» لفظه واحد و المراد به الجمع على طريق الجنس بدلالة قوله «يَهْدُونَنََا» و المعنى أ خلق مثلنا يهدوننا إلى الحق و يدعوننا إلى غير دين آبائنا استصغارا منهم للبشر أن يكونوا رسلا من الله إلى أمثالهم و استكبارا و أنفة من اتباعهم «فَكَفَرُوا» بالله و جحدوا رسله «وَ تَوَلَّوْا» أي أعرضوا عن القبول منهم و التفكر في آياتهم «وَ اِسْتَغْنَى اَللََّهُ» بسلطانه عن طاعة عباده و إنما كلفهم لنفعهم لا لحاجة منه إلى عبادتهم‏و قيل معناه و استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان و أوضحه من البيان عن زيادة تدعو إلى الرشد و تهدي إلى الإيمان «وَ اَللََّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» أي غني عن أعمالكم مستحمد إليكم بما ينعم به عليكم و قيل حميد أي محمود في جميع أفعاله لأنها كلها إحسان ثم حكى سبحانه ما يقوله الكفار فقال‏} «زَعَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا» قال ابن عمر زعم زاملة الكذب و قال شريح زعم كنية الكذب‏

450

(1) - بين الله سبحانه بعض ما لأجله اختاروا الكفر على الإيمان و هو أنهم كانوا لا يقرون بالبعث و النشور فأمر النبي ص بأن يكذبهم فقال «قُلْ» يا محمد «بَلى‏ََ وَ رَبِّي» أي و حق ربي على وجه القسم «لَتُبْعَثُنَّ» أي لتحشرن أكد تكذيبهم بقوله «بَلى‏ََ» و باليمين ثم أكد اليمين باللام و النون «ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمََا عَمِلْتُمْ» أي لتخبرن و تحاسبن بأعمالكم و تجازون عليها «وَ ذََلِكَ» البعث و الحساب مع الجمع و الجزاء «عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ» أي سهل هين لا يلحقه مشقة و لا معاناة فيه‏ «فَآمِنُوا» معاشر العقلاء «بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اَلنُّورِ اَلَّذِي أَنْزَلْنََا» و هو القرآن سماه نورا لما فيه من الأدلة و الحجج الموصلة إلى الحق فشبه بالنور الذي يهتدى به إلى الطريق «وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» أي عليم‏} «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ اَلْجَمْعِ» و هو يوم القيامة أي ذلك البعث و الجزاء يكون في يوم يجمع فيه خلق الأولين و الآخرين «ذََلِكَ يَوْمُ اَلتَّغََابُنِ» و هو تفاعل من الغبن و هو أخذ شر و ترك خير أو أخذ خير و ترك شر فالمؤمن ترك حظه من الدنيا و أخذ حظه من الآخرة فترك ما هو شر له و أخذ ما هو خير له فكان غابنا و الكافر ترك حظه من الآخرة و أخذ حظه من الدنيا فترك الخير و أخذ الشر فكان مغبونا فيظهر في ذلك اليوم الغابن و المغبون و قيل يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار عن قتادة و مجاهد و

قد روي عن النبي ص في تفسير هذا قوله ما من عبد مؤمن يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكراو ما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة

«وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ وَ يَعْمَلْ صََالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئََاتِهِ» أي معاصيه «وَ يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً» أي مؤبدين فيها و لا يفنى ما هم فيه من النعيم أبدا «ذََلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ» أي النجاح الذي ليس وراءه شي‏ء من العظمة} «وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا» بالله «وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا» أي بحججنا و دلائلنا «أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ خََالِدِينَ فِيهََا وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ» أي المال و المرجع.

451

(1) -

القراءة

في الشواذ قراءة طلحة بن مصرف نهد قلبه بالنون و قراءة السلمي يهد قلبه بضم الياء و الباء على ما لم يسم فاعله و قراءة عكرمة و عمرو بن دينار يهدأ قلبه مهموزا و قراءة مالك بن دينار يهدا بالألف.

الحجة

من قرأ يهدأ مهموزا فمعناه يطمئن قلبه كما قال سبحانه‏ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ و من قرأ بالألف فإنه لين الهمز تخفيفا.

النزول‏

نزل قوله «مِنْ أَزْوََاجِكُمْ وَ أَوْلاََدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ» في قوم أرادوا الهجرة فثبطهم نساؤهم و أولادهم عنها عن ابن عباس و مجاهد .

ـ

المعنى‏

ثم قال سبحانه «مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ» أي ليس تصيبكم مصيبة «إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ» و المصيبة المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبها و إنما عم ذلك سبحانه و إن كان في المصائب ما هو ظلم و هو سبحانه لا يأذن بالظلم لأنه ليس منها إلا ما أذن الله في وقوعه أو التمكن منه و ذلك إذن للملك الموكل به كأنه قيل لا يمنع من وقوع هذه المصيبة و قد يكون ذلك بفعل التمكين من الله فكأنه يأذن له بأن يكون و قيل معناه إلا بتخلية الله بينكم و بين من يريد فعلها عن البلخي و قيل أنه خاص فيما يفعله الله تعالى أو يأمر به و قيل معناه بعلم الله أي لا يصيبكم مصيبة إلا و الله عالم بها «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ» أي يصدق به و يرخي بقضائه «يَهْدِ قَلْبَهُ» أي يهد الله قلبه حتى يعلم أن ما أصابه فبعلم الله فيصبر عليه و لا يجزع لينال الثواب و الأجر و قيل معناه و من يؤمن بتوحيد الله و يصبر لأمر الله يعني عند نزول المصيبة يهد قلبه للاسترجاع حتى يقول إنا لله و إنا إليه راجعون عن ابن عباس . و قيل إن المعنى يهد

452

(1) - قلبه فإن ابتلي صبر و إن أعطي شكر و إن ظلم غفر عن مجاهد و قال بعضهم في معناه من يؤمن بالله عند النعمة فيعلم أنها فضل من الله يهد قلبه للشكر و من يؤمن بالله عند البلاء فيعلم أنه عدل من الله يهد قلبه للصبر و من يؤمن بالله عند نزول القضاء يهد قلبه للاستسلام و الرضاء «وَ اَللََّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فيجازي كل امرئ بما عمله‏} «وَ أَطِيعُوا اَللََّهَ» في جميع ما أمركم به «وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ » في جميع ما أتاكم به و دعاكم إليه و فيما أمركم به و نهاكم عنه‏ «فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ» أي فإن أعرضتم عن القبول منه «فَإِنَّمََا عَلى‏ََ رَسُولِنَا اَلْبَلاََغُ اَلْمُبِينُ» أي ليس عليه إلا تبليغ الرسالة و قد فعل و المراد ليس عليه قهركم على الرد إلى الحق و إنما عليه البلاغ الظاهر البين فحذف للإيجاز و الاختصار} «اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ» و لا تحق العبادة إلا له «وَ عَلَى اَللََّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ» و التوكل تفويض الأمور إليه و الرضاء بتقديره و الثقة بتدبيره و قد أمر الله عباده بذلك فينبغي لهم أن يستشعروا ذلك في سائر أحوالهم‏} «يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوََاجِكُمْ وَ أَوْلاََدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» يعني أن بعضهم بهذه الصفة و لذلك أتى بلفظة من و هي للتبعيض يقول أن من هؤلاء من هو عدو لكم في الدين فاحذروهم أن تطيعوهم و قيل إنه سبحانه إنما قال ذلك لأن من الأزواج من يتمنى موت الزوج و من الأولاد من يتمنى موت الوالد ليرث ماله و ما من عدو أعدى ممن يتمنى موت غيره ليأخذ ماله و كذلك يكون من يحملك على معصية الله لمنفعة نفسه‏و لا عدو أشد عداوة ممن يختار ضررك لمنفعته قال عطاء يعني قوما أرادوا الغزو فمنعهم هؤلاء و قال مجاهد يريد قوما أرادوا طاعة الله فمنعوهم «وَ إِنْ تَعْفُوا» أي تتركوا عقابهم «وَ تَصْفَحُوا وَ تَغْفِرُوا» أي تتجاوزوا عنهم و تستروا ما سبق منهم إن عادوا إلى الحالة الجميلة و ذلك أن الرجل من هؤلاء إذا هاجر و رأى الناس قد سبقوه بالهجرة و فقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته و ولده الذين ثبطوه عن الهجرة و أن يلحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم فأمر سبحانه بالعفو و الصفح «فَإِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يغفر لكم ذنوبكم و يرحمكم و قيل هو عام أي إن تعفوا و تصفحوا عمن ظلمكم فإن الله يغفر بذلك كثيرا من ذنوبكم عن الجبائي } «إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ» أي محنة و ابتلاء و شدة للتكليف عليكم و شغل عن أمر الآخرة فإن الإنسان بسبب المال و الولد يقع في الجرائم‏عن ابن مسعود قال لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال و أهل و ولد إلا و هو مشتمل على فتنة و لكن ليقل اللهم إني أعوذ بك من مضلات الفتن. و

روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله ص يخطب فجاء الحسن و الحسين (ع) و عليهما قميصان أحمران يمشيان و يعثران فنزل رسول الله ص إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر و قال صدق الله عز و جل «إِنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ»

453

(1) - نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان و يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي و رفعتهما ثم أخذ في خطبته‏

«وَ اَللََّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» أي ثواب جزيل و هو الجنة يعني فلا تعصوه بسبب الأموال و الأولاد و لا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر و الذخر} «فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ» أي ما أطقتم و الاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى و لا تنافي بين هذا و بين قوله‏ «اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ» لأن كل واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي فمن فعل ذلك فقد اتقى عقاب الله لأن من لم يفعل قبيحا و لا أخل بواجب فلا عقاب عليه إلا أن في أحد الكلامين تبيينا أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق و كل أمر أمر الله به فلا بد أن يكون مشروطا بالاستطاعة و قال قتادة قوله «فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ» ناسخ لقوله‏ «اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ» و كأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية و ما جرى مجراها مما يعظم فيه المشقة و إن كانت القدرة حاصلة معه و قال غيره ليس هذا بناسخ و إنما هو مبين لإمكان العمل بهما جميعا و هو الصحيح «وَ اِسْمَعُوا» من الرسول ما يتلو عليكم و ما يعظكم به و يأمركم و ينهاكم «وَ أَطِيعُوا» الله و الرسول «وَ أَنْفِقُوا» من أموالكم في حق الله «خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ» مثله فآمنوا خيرا لكم و انتهوا خيرا لكم و قد مضى ذكر ذلك‏و قال الزجاج معناه قدموا خيرا لأنفسكم من أموالكم «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ» حتى يعطي حق الله من ماله «فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ» أي المنجحون الفائزون بثواب الله و

قال الصادق (ع) من أدى الزكاة فقد وقى شح نفسه‏

«إِنْ تُقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً» قد مضى معناه و إطلاق اسم القرض هنا تلطف في الاستدعاء إلى الإنفاق «يُضََاعِفْهُ لَكُمْ» أي يعطي بدله أضعاف ذلك من واحد إلى سبعمائة إلى ما لا يتناهى فإن ثواب الصدقة يدوم «وَ يَغْفِرْ لَكُمْ» ذنوبكم «وَ اَللََّهُ شَكُورٌ» أي مثيب مجاز على الشكر «حَلِيمٌ» لا يعاجل العباد بالعقوبة و هذا غاية الكرم‏} «عََالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ» أي السر و العلانية و قيل المعدوم و الموجود و قيل غير المحسوس و المحسوس «اَلْعَزِيزُ» القادر «اَلْحَكِيمُ» العالم و قيل المحكم لأفعاله.

454

(1) -

(65) سورة الطلاق مدنية و آياتها اثنتا عشرة (12)

توضيح‏

و تسمى سورة النساء القصرى قال ابن مسعود في حديث العدة من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد قوله‏ «وَ اَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوََاجاً» * و إنما أراد قوله «وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» فإذا كانت حاملة فعدتها وضع الحمل و هي مدنية بالإجماع.

عدد آيها

إحدى عشرة آية بصري و اثنتا عشرة آية في الباقين.

اختلافها

ثلاث آيات «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» كوفي مكي و المدني الأخير «وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» شامي «يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ» المدني الأول.

فضلها

أبي ابن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله ص

أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) قال من قرأ سورة الطلاق و التحريم في فريضته أعاذه الله تعالى من أن يكون يوم القيامة ممن يخاف أو يحزن و عوفي من النار و أدخله الله الجنة بتلاوته إياهما و محافظته عليهما لأنهما للنبي ص .

تفسيرها

لما ختم الله سورة التغابن بذكر النساء و التحذير منهن افتتح هذه السورة بذكرهن و ذكر أحكامهن و أحكام فراقهن فقال:

455

(1) -

القراءة

قرأ حفص عن عاصم «بََالِغُ» بغير تنوين «أَمْرِهِ» بالجر على الإضافة و الباقون بالغ بالتنوين أمره بالنصب و في الشواذ قراءة داود بن أبي هند أن الله بالغ بالتنوين أمره بالرفع و

روي عن ابن عباس و أبي بن كعب و جابر بن عبد الله و علي بن الحسين (ع) و زيد بن علي و جعفر بن محمد و مجاهد فطلقوهن في قبل عدتهن .

الحجة

قال أبو علي قوله بالغ أمره على سيبلغ أمره فيما يريده فيكم فهذا هو الأصل‏

456

(1) - و هو حكاية حال و من أضاف حذف التنوين استخفافا و المعنى معنى ثبات التنوين مثل‏ عََارِضٌ مُمْطِرُنََا و أما قوله في قبل عدتهن فإنه تفسير للقراءة المشهورة «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» أي عند عدتهن و مثله قوله‏ «لاََ يُجَلِّيهََا لِوَقْتِهََا» أي عند وقتها و من قرأ بالغ أمره فالمعنى أمره بالغ ما يريده الله به و قد بلغ أمر الله ما أراده فالمفعول على ما رأيت محذوف.

الإعراب‏

«وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ» مبتدأ خبره محذوف لدلالة الكلام عليه فإذا جاز حذف الجملة بأسرها جاز حذف بعضها و قد جاء أيضا في الصفة و إن قل نحو قوله‏ «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ» تقديره من كل شي‏ء تؤتاه.

المعنى‏

نادى سبحانه نبيه فقال «يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ » ثم خاطب أمته فقال «إِذََا طَلَّقْتُمُ اَلنِّسََاءَ» لأنه السيد المقدم فإذا نودي و خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب عن الحسن و غيره و قيل إن تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم النساء عن الجبائي فعلى هذا يكون النبي ص خارجا عن الحكم و على القول الأول حكمه حكم أمته في أمر الطلاق و على هذا انعقد الإجماع و المعنى إذا أردتم طلاق النساء مثل قوله سبحانه‏ إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ و قوله‏ فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» أي لزمان عدتهن و ذلك أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و مجاهد و ابن سيرين و قتادة و الضحاك و السدي فهذا هو الطلاق للعدة لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها و تحصل في العدة عقيب الطلاق فالمعنى فطلقوهن لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن و لا تطلقوهن لحيضهن الذي لا يعتددن به من قرئهن فعلى هذا يكون العدة الطهر على ما ذهب إليه أصحابنا و هو مذهب الشافعي و قيل إن المعنى قبل عدتهن أي في طهر لم يجامعها فيه العدة الحيض كما يقال توضأت للصلاة و لبست السلاح للحرب و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه و قيل إن اللام للسبب فكأنه قال فطلقوهن ليعتددن و لا شبهة أن هذا الحكم للمدخول بها لأن المطلقة قبل المسيس لا عدة عليها و قد ورد به التنزيل في سورة الأحزاب و هو قوله‏ فَمََا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهََا و ظاهر الآية يقتضي أنه إذا طلقها في الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فلا يقع الطلاق لأن الأمر يقتضي الإيجاب و به قال سعيد بن المسيب و ذهبت إليه الشيعة الإمامية و قال باقي الفقهاء يقع الطلاق و إن كان بدعة و خلاف المأمور به و كذلك أن جمع بين التطليقات الثلاث فإنها بدعة عند أبي حنيفة و أصحابه و إن كانت واقعة و عند المحققين من أصحابنا يقع واحدة عند حصول شرائط صحة الطلاق‏و الطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح و ذلك أن يقول أنت طالق يخاطبها أو يقول هذه طالق و يشير

457

(1) - إليها أو يقول فلانة بنت فلان طالق و لا يقع الطلاق عندنا إلا بهذا اللفظ لا بشي‏ء من كنايات الطلاق سواء أراد بها الطلاق أو لم يرد بها و في تفصيل ذلك اختلافات بين الفقهاء ليس هاهنا موضعه و قد يحصل الفراق بغير الطلاق كالارتداد و اللعان كالخلع عند كثير من أصحابنا و إن لم يسم ذلك طلاقاو يحصل أيضا بالفسخ للنكاح بأشياء مخصوصة و بالرد بالعيب و إن لم يكن ذلك طلاقا و

روى البخاري و مسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته و هي حائض تطليقة واحدة فأمر رسول الله ص أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر و تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء

و

روى البخاري عن سليمان بن حرب و روى مسلم عن عبد الرحمن بن بشر عن بهر و كلاهما عن شعبة عن أنس بن سيرين قال سمعت ابن عمر يقول طلق ابن عمر امرأته و هي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ص فقال مرة فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء

و

جاءت الرواية عن علي بن أبي طالب (ع) عن النبي ص أنه قال تزوجوا و لا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش‏

و

عن ثوبان رفعه إلى النبي ص فقال أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة

و

عن أبي موسى الأشعري عن النبي ص قال لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين و الذواقات‏

و

عن أنس عن النبي ص أنه قال ما حلف بالطلاق و لا استحلف به إلا منافق هذه الأحاديث الأربعة منقولة عن تفسير الثعلبي

ثم قال سبحانه «وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ» أي عدوا الأقراء التي تعتد بها و قيل معناه عدوا أوقاف الطلاق لتطلقوا للعدة و إنما أمر الله سبحانه بإحصاء العدة لأن لها فيها حقا و هي النفقة و السكنى و للزوج فيها حقا و هي المراجعة و منعها عن الأزواج لحقه و ثبوت نسب الولد فأمره تعالى بإحصائها ليعلم وقت المراجعة و وقت فوت المراجعة و تحريمها عليه و رفع النفقة و السكنى و لكيلا تطول العدة لاستحقاق زيادة النفقة أو تقصرها لطلب الزوج‏و العدة هي قعود المرأة عن الزوج حتى تنقضي المدة المرتبة في الشريعة و هي على ضروب فضرب يكون بالأقراء لمن تحيض و ضرب يكون بالأشهر للصغيرة التي لم تبلغ المحيض و مثلها تحيض و هي التي بلغت تسع سنين و إذا كان سنها أقل من ذلك فلا عدة عليها عند أكثر أصحابنا و قال بعضهم عدتها بالشهور و به قال الفقهاء و كذلك الكبيرة الآيسة من المحيض و مثلها تحيض عدتها بالشهور و حده أصحابنا بأن‏

458

(1) - يكون سنها أقل من خمسين سنة و من ستين سنة للقرشيات فإن كان سنها أكثر من ذلك فلا عدة عليها عند أكثر أصحابنا و المتوفى عنها زوجها عدتها بالشهور أيضا و الضرب الثالث من العدة يكون بوضع الحمل في الجميع إلا في المتوفى عنها زوجها فإن عدتها عند أصحابنا أبعد الأجلين‏و في ذلك اختلاف بين الفقهاء ثم إن عدة الطلاق للحرة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر و للأمة قرءان أو شهر و نصف و وضع الحمل لا يختلف قال سبحانه «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ» و لا تعصوه فيما أمركم به و «لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لاََ يَخْرُجْنَ» هن أيضا يعني في زمان العدة لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي كان يسكنها فيه قبل الطلاق و على المرأة أيضا أن لا تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت «إِلاََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أي ظاهرة و من قرأ بفتح الياء فالمراد بفاحشة مظهرة أظهرتها و اختلف في الفاحشة فقيل إنها الزنا فتخرج لإقامة الحد عليها عن الحسن و مجاهد و الشعبي و ابن زيد و

قيل هي البذاء على أهلها فيحل لهم إخراجها عن ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع)

و

روى علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا قال الفاحشة أن تؤذي أهل زوجها و تسبهم‏

و قيل هي النشوزفإن طلقها على نشوز فلها أن تتحول من بيت زوجها عن قتادة و قيل هي خروجها قبل انقضاء العدة عن ابن عمر و في رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال إن كل معصية لله تعالى ظاهرة فهي فاحشة «وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ» يعني ما ذكره سبحانه من أحكام الطلاق و شروطه «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللََّهِ» بأن يطلق على غير ما أمر الله تعالى به «فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» أي أثم فيما بينه و بين الله عز و جل و خرج عن الطاعة إلى المعصية و فعل ما يستحق به العقاب «لاََ تَدْرِي لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً» أي بغير رأي الزوج في محبة الطلاق و يوقع في قلبه المحبة لرجعتها فيما بين الطلقة الواحدة و الثانية و فيما بين الثالثة قال الضحاك و السدي و ابن زيد لعل الله يحدث الرجعة في العدة و قال الزجاج و إذا طلقها ثلاثا في وقت واحد فلا معنى له لقوله «لَعَلَّ اَللََّهَ» يحدث بعد ذلك أمرا و في هذه الآية دلالة على أن الواجب في التطليق أن يوقع متفرقا و لا يجوز الجمع بين الثلاث‏لأن الله تعالى أكد قوله «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» بقوله «وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ» ثم زاد في التأكيد بقوله «وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ رَبَّكُمْ» فيما حده الله لكم فلا تعتدوه ثم قرر سبحانه حق الزوج في المراجعة بقوله «لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» فإن الزوجة إذا لم ترم بيتها تمكن الزوج من مراجعتها ثم دل بقوله «وَ تِلْكَ حُدُودُ اَللََّهِ» على أن من تعدى حدود الله تعالى في الطلاق بطل حكمه و صار قوله «لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً» تأكيدا لحدود الله في الطلاق و إعلاما بأن حق الرجعة لا ينقطع بجمع الطلاق فكأنه قال كونوا على رجاء الفائدة بالرجعة.

ـ

459

(1) -فقد يحدث الله الرغبة بعد الطلاق فإن قالوا قد أمر الله سبحانه في الآية بطلاق العدة فكيف تقدمون أنتم طلاق السنة على طلاق العدةفالجواب أن طلاق السنة أيضا طلاق العدة إلا أن أصحابنا رضي الله عنهم قد اصطلحوا على أن يسموا الطلاق الذي لا يزاد عليه بعد المراجعة طلاق السنة و الطلاق الذي يزاد عليه بشرط المراجعة طلاق العدة و مما يعضد ما ذكرته ما اشتهر من الأخبار في كتبهم و رواياتهم و نقل عن متقدميهم مثل زرارة بن أعين و بكير ابن أعين و محمد بن مسلم و غيرهم فمن ذلك‏

ما رواه يونس عن بكير بن أعين عن أبي جعفر (ع) قال الطلاق أن يطلق الرجل المرأة على طهر من غير جماع و يشهد رجلين عدلين على تطليقه ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء فهذا الطلاق الذي أمر الله به في القرآن و أمر به رسول الله ص في سنة و كل طلاق لغير مدة فليس بطلاق‏

و

عن جرير قال سألت أبا عبد الله (ع) عن طلاق السنة فقال على طهر من غير جماع بشاهدي عدل و لا يجوز الطلاق إلا بشاهدين و العدة و هو قوله «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا اَلْعِدَّةَ» الآية

و روى الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن زرارة عن أبي جعفر (ع) أنه قال كل طلاق لا يكون على السنة أو طلاق على العدة فليس بشي‏ء قال زرارة قلت لأبي جعفر فسر لي طلاق السنة و طلاق العدة فقال أما طلاق السنة فهو إن الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث و تطهر فإذا خرجت من طمثها طلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين على ذلك ثم يدعها حتى تمضي أقراؤها و قد بانت منه و كان خاطبا من الخطاب إن شاءت تزوجته و إن شاءت لم تتزوجه و عليه نفقتها و السكنى ما دامت في العدة و هما يتوارثان حتى تنقضي العدة و أما طلاق العدة فإذا أراد الرجل أن يطلق امرأته طلاق العدة فلينتظر بها حتى تحيض و تخرج من حيضها ثم يطلقها تطليقة من غير جماع و يشهد شاهدين عدلين و يراجعها من يومه ذلك إن أحب أو بعد ذلك بأيام قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتى تحيض فإذا حاضت و خرجت من حيضها طلقها تطليقة أخرى من غير جماع و يشهد على ذلك أيضا متى شاء قبل أن تحيض و يشهد على رجعتها و يواقعها و تكون معه حتى تحيض الحيضة الثالثة فإذا خرجت من حيضها طلقها الثالثة بغير جماع و يشهد على ذلك فإذا فعل ذلك فقد بانت منه و لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره‏

و الروايات في هذا كثيرة عن أئمة الهدى (ع) فعلى هذا فإنه يتركها في طلاق السنة حتى تعتد ثلاثة قروء فإذا مضى ثلاثة قروء فإنها تبين منه بواحدة و إذا تزوجها بعد ذلك بمهر جديد كانت عنده على تطليقتين باقيتين فإن طلقها أخرى طلاق السنة و تركها حتى تمضي أقراؤها فلا يراجعها فقد بانت منه باثنتين فإن تزوجها بعد ذلك و طلقها لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره و لو شاء أن يراجعها بعد الطلقة الأولى و الثانية لكان ذلك إليه‏

460

(1) - فقد تبين أن هذا الطلاق هو طلاق للعدة أيضا إلا أن الفرق بينهما ما ذكرناه‏} «فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» معناه فإذا قاربن أجلهن الذي هو الخروج من العدة «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» أي راجعوهن بما يجب لهن من النفقة و الكسوة و المسكن و حسن الصحبة «أَوْ فََارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة فتبين منكم و لا يجوز أن يكون المراد بقوله «فَإِذََا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» إذا انقضى أجلهن لأن الزوج لا يملك الرجعة بعد انقضاء العدة بل هي تملك نفسها و تبين منه بواحدة و لها أن تتزوج من شاءت من الرجال «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» قال المفسرون أمروا أن يشهدوا عند الطلاق و عند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة و لا الرجل الطلاق و

قيل معناه و أشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم و هو المروي عن أئمتنا (ع)

و هذا أليق بالظاهر لأنا إذا حملناه على الطلاق كان أمرا يقتضي الوجوب و هو من شرائط صحة الطلاق و من قال إن ذلك راجع إلى المراجعة حمله على الندب «وَ أَقِيمُوا اَلشَّهََادَةَ لِلََّهِ» هذا خطاب للشهود أي أقيموها لوجه الله و اقصدوا بأدائها التقرب إلى الله لا الطلب لرضا المشهود له و الإشفاق من المشهود عليه «ذََلِكُمْ» الأمر بالحق يا معشر المكلفين «يُوعَظُ بِهِ مَنْ كََانَ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ» أي يؤمر به المؤمنون لينزجروا به عن الباطل و خص المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به فالطاعة الواجبة فيها وعظ بأن رغب فيها باستحقاق الثواب و في تركها العقاب و المندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح و الثواب على فعلها و المعاصي فيها وعظ بالزجر عنها و التخويف من فعلها باستحقاق العقاب‏و الترغيب في تركها بما يستحق على الإخلال بها من الثواب «وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ» فيما أمره به و نهاه عنه «يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» من كل كرب في الدنيا و الآخرة عن ابن عباس و

روي عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال قرأ رسول الله ص «وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» قال من شبهات الدنيا و من غمرات الموت و شدائد يوم القيامة

و عنه قال من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا و من كل ضيق مخرجا

و قيل معناه و من يطلق للسنة يجعل الله له مخرجا في الرجعة} «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ» عن عكرمة و الشعبي و الضحاك و

قيل إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فأتى النبي ص فذكر له ذلك و شكا إليه الفاقة فقال له اتق الله و اصبر و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه و قد غفل عنه العدو فأصاب إبلا و جاء بها إلى أبيه‏فذلك قوله «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ»

و

روي عن الصادق (ع) أنه قال «وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاََ يَحْتَسِبُ» أي يبارك له فيما أتاه‏

و

عن أبي ذر الغفاري عن النبي ص قال إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم «وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ» الآية فما زال يقولها و يعيدها

«وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» أي و من يفوض أمره إلى الله‏

461

(1) - و وثق بحسن تدبيره و تقديره فهو كافيه يكفيه أمر دنياه و يعطيه ثواب الجنة و يجعله بحيث لا يحتاج إلى غيره و

في الحديث من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله‏

«إِنَّ اَللََّهَ بََالِغُ أَمْرِهِ» أي يبلغ ما أراد من قضاياه و تدابيره على ما أراده و لا يقدر أحد على منعه عما يريده و قيل معناه أنه منفذ أمره فيمن يتوكل عليه و فيمن لم يتوكل عليه «قَدْ جَعَلَ اَللََّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً» أي قدر الله لكل شي‏ء مقدارا و أجلا لا زيادة فيها و لا نقصان‏و قيل بين لكل شي‏ء مقدارا بحسب المصلحة في الإباحة و الإيجاب و الترغيب و الترهيب كما بين في الطلاق و العدة و غيرهما و قيل قد جعل الله لكل شي‏ء من الشدة و الرخاء وقتا و غاية و منتهى ينتهي إليه ثم بين سبحانه اختلاف أحكام العدة باختلاف أحوال النساء فقال‏} «وَ اَللاََّئِي يَئِسْنَ مِنَ اَلْمَحِيضِ مِنْ نِسََائِكُمْ» فلا يحضن‏

«إِنِ اِرْتَبْتُمْ» فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض ثلاثة أشهر و هن اللواتي أمثالهن يحضن لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى و هذا هو المروي عن أئمتنا (ع)

و قيل معناه إن شككتم فلم تدروا أ دمهن دم حيض أو استحاضة «فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاََثَةُ أَشْهُرٍ» عن مجاهد و الزهري و ابن زيد و قيل معناه إن ارتبتم في حكمهن فلم تدروا ما الحكم فيهن «وَ اَللاََّئِي لَمْ يَحِضْنَ» تقديره و اللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر و حذف لدلالة الكلام الأول عليه و هن اللواتي لم يبلغن المحيض‏و مثلهن تحيض على ما مر بيانه‏

«وَ أُولاََتُ اَلْأَحْمََالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» قال ابن عباس هي في المطلقات خاصة و هو المروي عن أئمتنا (ع)

فأما المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين فإذا مضت بها أربعة أشهر و عشر و لم تضع انتظرت وضع الحمل و قال ابن مسعود و أبي بن كعب و قتادة و أكثر الفقهاء أنه عام في المطلقات و المتوفى عنها زوجها فعدتهن وضع الحمل فإن كانت المرأة حاملا باثنين و وضعت واحد لم يحل للأزواج حتى تضع جميع الحمل لقوله «أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ»

و روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الزوج و لا يجوز لها أن تعقد على نفسها لغيره حتى تضع الآخر فأما إذا كانت قد توفي عنها زوجها فوضعت قبل الأشهر الأربعة و العشر وجب عليها أن تستوفي أربعة أشهر و عشرا

«وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ» في جميع ما أمره بطاعته فيه «يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً» أي يسهل عليه أمور الدنيا و الآخرة إما بفرج عاجل أو عوض آجل و قيل يسهل عليه فراق أهله و يزيل الهموم عن قلبه‏} «ذََلِكَ» يعني ما ذكره سبحانه من الأحكام في الطلاق و الرجعة و العدة «أَمْرُ اَللََّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَ مَنْ يَتَّقِ اَللََّهَ» بطاعته «يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئََاتِهِ» من الصلاة إلى الصلاة و من الجمعة إلى الجمعة قال الربيع إن الله قد قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه و من آمن به هداه و من أقرضه جازاه و من وثق به أنجاه و من دعاه أجابه و لباه و تصديق ذلك‏

462

(1) - في كتاب الله عز و جل «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللََّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ «إِنْ تُقْرِضُوا اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضََاعِفْهُ لَكُمْ» «وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللََّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ» «وَ إِذََا سَأَلَكَ عِبََادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ» الآية «وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً» في الآخرة و هو ثواب الجنة.

ـ

القراءة

قرأ روح عن يعقوب مختلفا عنه من وجدكم بكسر الواو و القراءة بضم الواو و قرأ ابن كثير و كائن بالمد و الهمز و الباقون «وَ كَأَيِّنْ» بالهمز و التشديد.

الحجة

يقال وجدت في المال جدة و وجدا و وجدا و وجدا بتعاقب الحركات الثلاث على الواو و وجدت الضالة وجدانا و وجدت من الحزن وجدا و من الغضب موجدة و وجدانا و كأين أصله أي دخلت عليها الكاف الجارة كما دخلت على ذا في كذا فموضع كأين رفع‏

463

(1) - بالابتداء كما أن كذا كذلك و لا موضع للكاف كما أن الكاف في كذا كذلك قال أبو علي مثقل هذا في أنه دخل على المبتدأ حرف الجر فصار مع المجرور في موضع رفع قولهم بحسبك أن تفعل كذا يريدون حسبك فعل كذا فالجار مع المجرور في موضع رفع و أنشد أبو زيد :

بحسبك في القوم أن يعلموا # بأنك فيهم غني مضر

و أكثر العرب تستعملها مع من و كذلك ما جاء في التنزيل و مما جاء منه في الشعر قوله:

و كائن بالأباطح من صديق # يراني إن أصبت هو المصابا

و قول الآخر:

و كائن إليكم قاد من رأس فتنة # جنودا و أمثال الجبال كتائبه.

المعنى‏

ثم بين سبحانه حال المطلقة في النفقة و السكنى فقال‏ «أَسْكِنُوهُنَّ» أي في بيوتكم «مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ» من المساكن «مِنْ وُجْدِكُمْ» أي من ملككم و ما تقدرون عليه عن السدي و أبي مسلم و قيل هو من الوجدان أي مما تجدونه من المساكن عن الحسن و الجبائي و قيل من سعتكم و طاقتكم من الوجد الذي هو المقدرة قال الفراء يعول على ما يجد فإن كان موسعا وسع عليها في المسكن و النفقة و إن كان فقيرا فعلى قدر ذلك و يجب السكنى و النفقة للمطلقة الرجعية بلا خلاف فأما المبتوتة ففيها خلاف فذهب أهل العراق إلى أن لها السكنى و النفقة معا و روي ذلك عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و ذهب الشافعي إلى أن لها السكنى بلا نفقة

و ذهب الحسن و أبو ثور إلى أنه لا سكنى لها و لا نفقة و هو المروي عن أئمة الهدى (ع)

و ذهب إليه أصحابنا و يدل عليه‏

ما رواه الشعبي قال دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول الله ص فقالت طلقني زوجي البتة فخاصمته إلى رسول الله ص في السكنى و النفقةفلم يجعل لي سكنى و لا نفقة و أمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم

و

روى الزهري عن عبد الله أن فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي و أنه خرج مع علي بن أبي طالب (ع) إلى اليمن حين أمره رسول الله ص

464

(1) - على اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها فأمر عياش ابن أبي ربيعة و الحرث بن هشام أن ينفقا عليها فقالا و الله ما لك من نفقة فأتت النبي ص فذكرت له قولهما فلم يجعل لها نفقة إلا أن تكون حاملا فاستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت إني أنتقل يا رسول الله قال عند ابن أم مكتوم و كان أعمى تضع ثيابها عنده و لا يراها فلم تزل هناك حتى مضت عدتها فأنكحها النبي ص أسامة بن زيد قال فأرسل إليها مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب فسألها عن هذا الحديث ثم قال مروان لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة و سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان بيني و بينكم القرآن قال الله تعالى‏ لاََ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ إلى قوله‏ لَعَلَّ اَللََّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذََلِكَ أَمْراً قالت هذا لمن كانت له مراجعة و أي أمر يحدث بعد الثلاث‏

ثم قال سبحانه «وَ لاََ تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ» أي لا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في السكنى و النفقة و الكسوة طالبين بالإضرار التضييق عليهن ليخرجن و قيل المعنى أعطوهن من المسكن ما يكفيهن لجلوسهن و مبيتهن و طهارتهن و لا تضايقوهن حتى يتعذر عليهن السكنى عن أبي مسلم «وَ إِنْ كُنَّ أُولاََتِ حَمْلٍ» أي كن حوامل «فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتََّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» ، لأن عدتهن إنما تنقضي بوضع حملهن أمر الله سبحانه بالإنفاق على المطلقة الحامل سواء كانت رجعية أو مبتوتة «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي فإن أرضعن الولد لأجلكم بعد البينونة فأعطوهن أجر الرضاع يعني أجرة المثل «وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ» هذا خطاب للرجل و المرأة و الائتمار قبول الأمر و ملاقاته بالتقبل أمر الله تعالى المرضعة و المرضع له بالتلقي لأمره عز و جل و لأمر صاحبه إذا كان حسنا و قيل معناه و ليأمر بعضكم بعضا بالجميل في إرضاع الوالد أي بتراضي الوالد و الوالدة بعد وقوع الفرقة في الأجرة على الأب و إرضاع الولد بحيث لا يضر بمال الوالد و لا بنفس الولد و لا يزاد على الأجر المتعارف و لا ينقص الولد عن الرضاع المعتاد قال الكسائي أصله التشاور و منه‏ يَأْتَمِرُونَ بِكَ أي يتشاورون و الأقوى عندي أن يكون المعنى دبروا بالمعروف بينكم في أمر الولد و مراعاة أمه حتى لا يفوت الولد شفقتها و غير ذلك و يدل عليه قول امرئ القيس :

أ حار بن عمرو كأني خمر # و يعدو على المرء ما يأتمر

يعني ما يدبره في نفسه لأن الرجل بما دبر أمرا ليس برشد فيعدو عليه و يهلكه «وَ إِنْ تَعََاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏ََ» و المعنى فإن اختلفتم في الرضاع و في الأجر فسترضع له امرأة

465

(1) - أخرى أجنبيةأي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي ثم قال سبحانه‏} «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» أمر سبحانه أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ» أي ضيق عليه «رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمََّا آتََاهُ اَللََّهُ» و المعنى و من كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على قدر ذلك و على حسب إمكانه و طاقته «لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ مََا آتََاهََا» أي إلا بقدر ما أعطاها من الطاقة و في هذا دلالة على أنه سبحانه لا يكلف أحدا ما لا يقدر عليه و ما لا يطيقه «سَيَجْعَلُ اَللََّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» أي بعد ضيق سعة و بعد فقر غنى و بعد صعوبة الأمر سهولة و في هذا تسلية للصحابة فإن الغالب على أكثرهم في ذلك الوقت الفقر ثم فتح الله تعالى عليهم البلاد فيما بعد} «وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا وَ رُسُلِهِ» أي و كم من أهل قرية عتوا على الله و على أنبيائه‏يعني جاوزوا الحد في العصيان و المخالفة «فَحََاسَبْنََاهََا حِسََاباً شَدِيداً» بالمناقشة و الاستقصاء باستيفاء الحق و إيفائه قال مقاتل حاسبها الله تعالى بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب و هو قوله «وَ عَذَّبْنََاهََا عَذََاباً نُكْراً» فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة و هو عذاب الاستئصال و قيل هو عذاب النار فإن اللفظ ماض بمعنى المستقبل و النكر المنكر الفظيع الذي لم ير مثله و قيل إن في الآية تقديما و تأخيرا تقديره فعذبناها في الدنيا بالجوع و القحط و السيف و سائر المصائب و البلايا و حاسبناها في الآخرة حسابا شديدا و قيل الحساب الشديد هو الذي ليس فيه عفو} «فَذََاقَتْ وَبََالَ أَمْرِهََا» أي ثقل عاقبة كفرها «وَ كََانَ عََاقِبَةُ أَمْرِهََا خُسْراً» أي خسرانا في الدنيا و الآخرة و هو قوله‏} «أَعَدَّ اَللََّهُ لَهُمْ عَذََاباً شَدِيداً» يعني عذاب النار و هذا يدل على أن المراد بالعذاب الأول عذاب الدنياثم قال «فَاتَّقُوا اَللََّهَ يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ» أي يا أصحاب العقول و لا تفعلوا مثل ما فعل أولئك فينزل بكم مثل ما نزل بهم ثم وصف أولي الألباب بقوله «اَلَّذِينَ آمَنُوا» و خص المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك دون الكفار ثم ابتدأ سبحانه فقال «قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً» يعني القرآن و

قيل يعني الرسول عن الحسن و روي ذلك عن أبي عبد الله (ع) .

النظم‏

الوجه في اتصال قوله «وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهََا» الآية بما قبله أنه سبحانه بين أن الخوف في مقابلة الرجاء و سبيل العاقل أن يحترز من المخوف و يقدم الاحتراز عن الخوف على الرجاء و الذي يقوي جانب الخوف أنه أهلك الأمم الماضية بسبب عصيانها و تمردها عن أمر ربها.

466

(1) -

القراءة

قرأ أهل المدينة و الشام ندخله بالنون و الباقون بالياء لتقدم الاسم على لفظ الغيبة و النون معناها معنى الياء.

الإعراب‏

رسولا ينتصب على ثلاثة أوجه (أحدها) أن يكون بدلا من ذكرا بدل الكل من الكل فعلى هذا يجوز أن يكون الرسول جبرائيل (ع) و يجوز أن يكون محمدا ص (و الثاني) أن يكون مفعول فعل محذوف تقديره أرسل رسولا و يدل على إضماره قوله قَدْ أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً فعلى هذا يكون الرسول معناه محمدا ص (و الثالث) أن يكون مفعول قوله ذِكْراً و يكون تقديره أنزل الله إليكم إن ذكر رسولا و يكون الرسول يحتمل الوجهين.

المعنى‏

«رَسُولاً» إذا كان المراد به الوجه الأول و هو أن يكون بدلا من ذكرا و المراد به النبي ص أو جبرائيل (ع) فيجوز أن يكون المراد بالذكر الشرف أي ذا ذكر رسولا «يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيََاتِ اَللََّهِ مُبَيِّنََاتٍ» أي واضحات‏ «لِيُخْرِجَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ» أي من ظلمات الكفر «إِلَى اَلنُّورِ» أي نور الإيمان و قيل من ظلمات الجهل إلى نور العلم و إنما شبه الإيمان بالنور لأنه يؤدي إلى نور القبر و القيامة و الجنة و شبه الكفر بالظلمة لأنه يؤدي إلى ظلمة القبر و ظلمة جهنم «وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ وَ يَعْمَلْ صََالِحاً يُدْخِلْهُ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ خََالِدِينَ فِيهََا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اَللََّهُ لَهُ رِزْقاً» أي يعطيه أحسن ما يعطي أحدا و ذلك مبالغة في وصف نعيم الجنة} «اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» أي و خلق من الأرض مثلهن في العدد لا في الكيفية لأن كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض و ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية و لا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء و أما الأرضون فقال قوم إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات لأنها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدةو في كل أرض خلق خلقهم الله‏

467

(1) - كما شاء و روى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض يفرق بينهن البحار و يظل جميعهن السماء و الله سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه و اشتبه على خلقه و

قد روى العياشي بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن (ع) قال بسط كفه ثم وضع اليمني عليها فقال هذه الأرض الدنيا و السماء الدنيا عليها قبة و الأرض و الثانية فوق السماء الدنيا و السماء الثانية فوقها قبة و الأرض الثالثة فوق السماء الثانيةو السماء الثالثة فوقها قبة حتى ذكر الرابعة و الخامسة و السادسة فقال و الأرض السابعة فوق السماء السادسة و السماء السابعة فوقها قبة و عرش الرحمن فوق السماء السابعة و هو قوله «سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ»

«يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ» و إنما صاحب الأمر النبي ص و هو على وجه الأرض و إنما يتنزل الأمر من فوق بين السماوات و الأرضين فعلى هذا يكون المعنى تتنزل الملائكة بأوامره إلى الأنبياء و قيل معناه يتنزل الأمر بين السماوات و الأرضين من الله سبحانه بحياة بعض و موت بعض و سلامة حي و هلاك آخر و غنى إنسان و فقر آخر و تصريف الأمور على الحكمة «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ» بالتدبير في خلق السماوات و الأرض و الاستدلال بذلك على أن صانعهما قادر لذاته عالم لذاته و ذلك قوله «وَ أَنَّ اَللََّهَ قَدْ أَحََاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً» و معناه أن معلوماته متميزة له بمنزلة ما قد أحاط به فلم يفته شي‏ء منها و كذلك قوله‏ «وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» معناه أنه ليس بمنزلة ما يحضره العلم بمكانه فيكون كأنه قد أحاط به.

468

(1) -

(66) سورة التحريم مدنية و آياتها اثنتا عشرة (12)

توضيح‏

مدنية اثنتا عشرة آية بالإجماع.

فضلها

أبي بن كعب عن النبي ص قال و من قرأ سورة يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك أعطاه الله توبة نصوحا.

تفسيرها

لما تقدم في تلك السورة أحكام النساء في الطلاق و غيره افتتح سبحانه هذه السورة بأحكامهن أيضا فقال.

469

(1) -

القراءة

قرأ الكسائي وحده عرف بالتخفيف و الباقون «عَرَّفَ» بالتشديد و اختار التخفيف أبو بكر بن عياش و هو من الحروف العشر التي قال إني أدخلتها في قراءة عاصم من قراءة علي بن أبي طالب (ع) حتى استخلصت قراءته يعني قراءة علي (ع) و هي قراءة الحسن و أبي عبد الرحمن السلمي و كان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد حصبه و قرأ أهل الكوفة «تَظََاهَرََا عَلَيْهِ» خفيفة الظاء و الباقون تظاهرا بالتشديد.

الحجة

قال أبو علي التخفيف في عرف أنه جازى عليه لا يكون إلا كذلك و لا يجوز أن يكون بمعنى العلم لأن النبي ص إذا أظهره الله على ما كان أسره إليه علم ذلك و لم يجز أن يعلم من ذلك بعضه مع إظهار الله إياه عليه و لكن يعلم جميعه و هذا كما تقول لمن يسي‏ء أو يحسن أنا أعرف لأهل الإساءة أي لا يخفى علي ذلك‏و لا مقابلته مما يكون وفقا له فالمعنى جازى على بعض ذلك و أعرض عن بعض و مثله‏ وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اَللََّهُ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ أي يرى جزاءه و قوله يرى من رؤية العين و كان مما جازى عليه:

تطليقه حفصة تطليقة واحدة و أما «عَرَّفَ» بالتشديد فمعناه عرف بعضه و أعرض عن بعض فلم يعرفه إياه على وجه التكرم و الإغضاء و أما تظاهرا فالأصل فيه و أن تتظاهرا بتائين فخفف في القراءة الأولى بالحذف و في القراءة الآخرة بالإدغام.

اللغة

الحرام القبيح الممنوع منه بالنهي و نقيضه الحلال و هو الحسن المطلق بالإذن فيه و التحريم تبيين أن الشي‏ء حرام لا يجوز و التحريم إيجاب المنع و الابتغاء الطلب و منه البغي طلب الاستعلاء بغير الحق و التحلة و التحليل بمعنى و هما مصدران لقولهم حللت له كذاو تحلة اليمين فعل ما يسقط التبعة فيه و اليمين واحد الأيمان و هو الحلف و كأنه مأخوذ من القوة لأنه يقوي كلامه بالحلف و قيل إنه مأخوذ من الجارحة لأن عادتهم كانت عند الحلف ضرب الأيدي على الأيدي و الإسرار إلقاء المعنى إلى نفس المحدث على وجه الإخفاء عن غيره و التظاهر التعاون و الظهير المعين و أصله من الظهر و السائح الجاري و العرب تصف‏

470

(1) - بذلك الماء الجاري الدائم الجرية ثم تصف به الرجل الذي يضرب في الأرض و يقطع البلاد فتقول سائح و الثيب الراجعة من عند الزوج بعد الافتضاض من ثاب يثوب إذا رجع و البكر هي التي على أول حالها قبل الافتضاض .

الإعراب‏

قيل في جمع القلوب في قوله «صَغَتْ قُلُوبُكُمََا» وجوه (أحدها) أن التثنية جمع في المعنى فوضع الجمع موضع التثنية كما قال «وَ كُنََّا لِحُكْمِهِمْ شََاهِدِينَ» و إنما هو داود و سليمان (و الثاني) أن أكثر ما في الإنسان اثنان اثنان نحو اليدين و الرجلين و العينين و إذا جمع اثنان إلى اثنين صار جمعا فيقال أيديهما و أعينهما ثم حمل ما كان في الإنسان واحدا على ذلك لئلا يختلف حكم لفظ أعضاء الإنسان (و الثالث) أن المضاف إليه مثنى فكرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين فصرفوا الأول منهما إلى لفظ الجمع لأن لفظ الجمع أخف لأنه أشبه بالواحد فإنه يعرب بإعراب الواحد و يستأنف كما يستأنف الواحد و ليست التثنية كذلك لأنها لا تكون إلا على حد واحد و لا يختلف و من العرب من يثني فيقول قلباهما قال الراجز فجمع بين اللغتين‏

"ظهراهما مثل ظهور الترسين"

و قال الفرزدق :

بما في فؤادينا من البث و الهوى # فيبرئ منهاض الفؤاد المشغف‏

و من العرب من يفرد و يروى أن بعضهم قرأ فبدت لهما سوأتهما و الوجه في الإفراد أن الإضافة إلى التثنية تغني عن تثنية المضاف‏و في جبريل أربع لغات جبريل على وزن قنديل و جبرئيل على وزن عندليب و جبرئل على وزن جحمرش و جبريل بفتح الجيم و كسر الراء من غير همز و هو خارج عن أوزان العرب لأنه ليس في العربية مثل قنديل و قد قرئ بذلك كله و قد ذكرنا اختلاف القراءة فيه في سورة البقرة و من العرب من يقول جبرال بتشديد اللام و منهم من يبدل من اللام نونا و قوله «هُوَ مَوْلاََهُ» يجوز في هو وجهان (أحدهما) أن يكون فصلا دخل ليفصل بين النعت و الخبر و الكوفيون يسمونه عمادا (و الثاني) أن يكون مبتدأ و مولاه الخبر و الجملة خبر إن و من جعل مولاه بمعنى السيد و الخالق كان الوقف على قوله «مَوْلاََهُ» و جبريل مبتدأ «وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ» عطف عليه و الملائكة عطف أيضا و ظهير خبره و جاز ذلك لأن‏

471

(1) - فعيلا يقع على الواحد و الجمع كفعول قال سبحانه‏ خَلَصُوا نَجِيًّا فظهير كنجي و قال‏ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي و من جعل مولاه بمعنى ولي و ناصر جاز أن يكون الوقف على قوله «وَ جِبْرِيلُ » و على «صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ» و يبتدئ و الملائكة بعد ذلك فيكون ظهير عائدا إلى الملائكة.

النزول‏

اختلف أقوال المفسرين في سبب نزول الآيات فقيل إن رسول الله ص كان إذا صلى الغداة يدخل على أزواجه امرأة امرأة و كان قد أهديت لحفصة بنت عمر بن الخطاب عكة من عسل فكانت إذا دخل عليها رسول الله ص حبسته و سقته منها و إن عائشة أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية حبشية عندها إذا دخل رسول الله ص على حفصة فادخلي عليها فانظري ما ذا تصنع فأخبرتها الخبر و شأن العسل فغارت عائشة و أرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن و قالت إذا دخل عليكن رسول الله ص يكره و يشق عليه أن يوجد منه ريح غير طيبة لأنه يأتيه الملك قال فدخل رسول الله على سودة قالت فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله ص ثم إني فرقت من عائشة فقلت يا رسول الله ما هذه الريح التي أجدها منك أكلت المغافير فقال لا و لكن حفصة سقتني عسلا ثم دخل على امرأة امرأة و هن يقلن له ذلك فدخل على عائشة فأخذت بأنفها فقال لها ما شأنك‏قالت أجد ريح المعافير أكلتها يا رسول الله قال لا بل سقتني حفصة عسلا فقالت جرست إذا نحلها العرفط فقال و الله لا أطعمه أبدا فحرمه على نفسه و قيل إن التي كانت تسقي رسول الله ص العسل أم سلمة عن عطاء بن أبي مسلم و قيل بل كانت زينب بنت جحش قال عائشة أن رسول الله ص كان يمكث عند زينب بنت جحش و يشرب عندها عسلا فتواطأت أنا و حفصة أيتنا دخل عليها النبي ص فلتقل إني أجد منك ريح المغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش و لن أعود إليه فنزلت الآيات و قيل إن رسول الله ص . قسم الأيام بين نسائه فلما كان يوم حفصة قالت يا رسول الله إن لي إلى أبي حاجة فأذن لي أن أزوره فأذن لها فلما خرجت أرسل رسول الله ص إلى جاريته مارية القبطية و كان قد أهداها له المقوقس فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله ص و وجهه يقطر عرقا فقالت حفصة إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ثم وقعت عليها في يومي‏و على فراشي أما ما رأيت لي حرمة و حقا فقال ص أ ليس هي جاريتي قد أحل الله ذلك لي اسكتي فهو حرام علي ألتمس بذلك رضاك‏

472

(1) - فلا تخبري بهذا امرأة منهن و هو عندك أمانة فلما خرج رسول الله ص قرعت حفصة الجدار الذي بينها و بين عائشة فقالت أ لا أبشرك أن رسول الله قد حرم عليه أمته مارية و قد أراحنا الله منها و أخبرت عائشة بما رأت و كانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه فنزلت «يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ» فطلق حفصة و اعتزل سائر نسائه تسعة و عشرين يوما و قعد في مشربة أم إبراهيم مارية حتى نزلت آية التخيير عن قتادة و الشعبي و مسروق و قيل إن النبي ص خلا في يوم لعائشة مع جاريته أم إبراهيم مارية القبطية فوقفت حفصة على ذلك فقال لها رسول الله ص لا تعلمي عائشة ذلك و حرم مارية على نفسه فأعلمت حفصة عائشة الخبر و استكتمتها إياه فأطلع الله نبيه ص على ذلك و هو قوله «وَ إِذْ أَسَرَّ اَلنَّبِيُّ إِلى‏ََ بَعْضِ أَزْوََاجِهِ حَدِيثاً» يعني حفصة عن الزجاج قال و لما حرم مارية القبطية أخبر حفصة أنه يملك من بعده أبو بكر ثم عمر فعرفها بعض ما أفشت من الخبرو أعرض عن بعض أن أبا بكر و عمر يملكان بعدي و قريب من ذلك ما

رواه العياشي بالإسناد عن عبد الله بن عطاء المكي عن أبي جعفر (ع) إلا أنه زاد في ذلك أن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك فعاتبهما رسول الله في أمر مارية و ما أفشتا عليه من ذلك و أعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر.

ـ

المعنى‏

«يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ » ناداه سبحانه بهذا النداء تشريفا له و تعليما لعباده كيف يخاطبونه في أثناء محاوراتهم و يذكرونه في خلال كلامهم «لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ» من الملاذ «تَبْتَغِي مَرْضََاتَ أَزْوََاجِكَ» أي تطلب به رضاء نسائك و هن أحق بطلب مرضاتك منك و ليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه صغيرا أو كبيرا لأن تحريم الرجل بعض نسائه أو بعض الملاذ لسبب أو لغير سبب ليس بقبيح و لا داخلا في جملة الذنوب‏و لا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له ص إذا بالغ في إرضاء أزواجه و تحمل في ذلك المشقة و لو أن إنسانا أرضى بعض نسائه بتطليق بعضهن لجاز أن يقال له لم فعلت ذلك و تحملت فيه المشقة و إن كان لم يفعل قبيحا و لو قلنا إنه عوتب على ذلك لأن ترك التحريم كان أفضل من فعله لم يمتنع لأنه يحسن أن يقال لتارك النفل لم لم تفعله و لم عدلت عنه و لأن تطييب قلوب النساء مما لا تنكره العقول و قد حكي أن عبد الله بن رواحة و كان من النقباء كانت له جارية فاتهمته زوجته ليلة فقال قولا بالتعريض فقالت إن كنت لم تقربها فاقرأ القرآن قال فأنشدت

شهدت فلم أكذب بأن محمدا # رسول الذي فوق السماوات من عل

و أن أبا يحيى و يحيى كلاهما # له عمل في دينه متقبل

473

(1) - و أن التي بالجزع من بطن نخلة # و من دانها فل عن الخير معزل‏

فقالت زدني فأنشدت:

و فينا رسول الله نتلو كتابه # كما لاح معروف مع الصبح ساطع

أتى بالهدى بعد العمى فنفوسنا # به موقنات أن ما قال واقع

يبيت يجافي جنبه عن فراشه # إذا رقدت بالكافرين المضاجع‏

فقالت زدني فأنشدت:

شهدت بأن وعد الله حق # و أن النار مثوى الكافرينا

و أن محمدا يدعو بحق # و أن الله مولى المؤمنينا

فقالت أما إذا قرأت القرآن فقد صدقتك فأخبرت به رسول الله ص فقال بعد أن تبسم خيركم خيركم لنسائه و اختلف العلماء فيمن قال لامرأته أنت علي حرام فقال مالك هو ثلاث تطليقات و قال أبو حنيفة إن نوى به الظهار فهو ظهار و إن نوى الإيلاء فهو إيلاء و إن نوى الطلاق فهو طلاق بائن و إن نوى ثلاثا كان ثلاثا و إن نوى اثنتين فواحدة بائنة و إن لم يكن له نية فهو يمين قال الشافعي إن نوى الطلاق كان طلاقا و الظهار كان ظهارا و إن لم يكن له نية فهو يمين و روي عن ابن مسعود و ابن عباس و عطاء أنه يمين و قال أصحابنا أنه لا يلزم به شي‏ء و وجوده كعدمه و هو قول مسروق و إنما أوجب الله فيه الكفارة لأن النبي ص كان حلف أن لا يقرب جاريته و لا يشرب الشراب المذكور فأوجب الله عليه أن يكفر عن يمينه و يعود إلى استباحة ما كان حرمه‏و بين أن التحريم لا يحصل إلا بأمر الله و نهيه و لا يصير الشي‏ء حراما بتحريم من يحرمه على نفسه إلا إذا حلف على تركه «وَ اَللََّهُ غَفُورٌ» لعباده «رَحِيمٌ» بهم إذا رجعوا إلى ما هو الأولى و الأليق بالتقوى يرجع لهم إلى التولي‏} «قَدْ فَرَضَ اَللََّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمََانِكُمْ» أي قد قدر الله تعالى لكم ما تحللون به أيمانكم إذا فعلتموها و شرع لكم الحنث فيها لأن اليمين ينحل بالحنث فسمي ذلك تحلة و قيل معناه قد بين الله لكم كفارة أيمانكم في سورة المائدة عن مقاتل قال أمر الله نبيه أن يكفر يمينه و يراجع وليدته فأعتق رقبة و عاد إلى‏

474

(1) - مارية و قيل معناه فرض الله عليكم كفارة أيمانكم كما قال و إن أسأتم فلها أي فعليها فسمى الكفارة تحلة لأنها تجب عند انحلال اليمين و في هذا دلالة على أنه قد حلف و لم يقتصر على قوله هي علي حرام لأن هذا القول ليس بيمين «وَ اَللََّهُ» هو «مَوْلاََكُمْ» أي وليكم يحفظكم و ينصركم و هو أولى بكم و أولى بأن تبتغوا رضاه‏ «وَ هُوَ اَلْعَلِيمُ» بمصالحكم «اَلْحَكِيمُ» في أوامره و نواهيه لكم و قيل هو العليم بما قالت حفصة لعائشة الحكيم في تدبيره‏} «وَ إِذْ أَسَرَّ اَلنَّبِيُّ إِلى‏ََ بَعْضِ أَزْوََاجِهِ» و هي حفصة «حَدِيثاً» أي كلاما أمرها بإخفائه فالإسرار نقيض الإعلان «فَلَمََّا نَبَّأَتْ» أي أخبرت غيرها بما خبرها «بِهِ» فأفشت سره «وَ أَظْهَرَهُ اَللََّهُ عَلَيْهِ» أي و أطلع الله نبيه ص على ما جرى من إفشاء سره «عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ» أي عرف النبي ص حفصة بعض ما ذكرت و أخبرها ببعض ما ذكرت و أعرض عن بعض ما ذكرت و عن بعض ما جرى من الأمر فلم يخبرها و كان ص قد علم جميع ذلك لأن الإعراض إنما يكون بعد المعرفة لكنه أخذ بمكارم الأخلاق و التغافل من خلق الكرام قال الحسن ما استقصى كريم قط و أما عرف بالتخفيف فمعناه غضب عليها و جازاها بأن طلقها تطليقةثم راجعها بأمر الله و قيل جازاها بأن هم بطلاقها «فَلَمََّا نَبَّأَهََا بِهِ» أي فلما أخبر رسول الله ص حفصة بما أظهره الله عليه «قََالَتْ» حفصة «مَنْ أَنْبَأَكَ هََذََا» أي من أخبرك بهذا «قََالَ» رسول الله ص «نَبَّأَنِيَ اَلْعَلِيمُ» بجميع الأمور «اَلْخَبِيرُ» بسرائر الصدور ثم خاطب سبحانه عائشة و حفصة فقال‏} «إِنْ تَتُوبََا إِلَى اَللََّهِ» من التعاون على النبي ص بالإيذاء و التظاهر عليه فقد حق عليكما التوبة و وجب عليكم الرجوع إلى الحق «فَقَدْ صَغَتْ» أي مالت «قُلُوبُكُمََا» إلى الإثم عن ابن عباس و مجاهد و قيل معناه ضاقت قلوبكما عن سبيل الاستقامة و عدلت عن الثواب إلى ما يوجب الإثم و قيل تقديره إن تتوبا إلى الله يقبل توبتكماو قيل إنه شرط في معنى الأمر أي توبا إلى الله فقد صغت قلوبكما «وَ إِنْ تَظََاهَرََا عَلَيْهِ» أي و إن تتعاونا على النبي ص بالإيذاء عن ابن عباس قال قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله ص قال عائشة و حفصة أورده البخاري في الصحيح «فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ» الذي يتولى حفظه و حياطته و نصرته «وَ جِبْرِيلُ » أيضا معين له و ناصر يحفظه «وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ» يعني خيار المؤمنين عن الضحاك و قيل يعني الأنبياء عن قتادة و قال الزجاج صالح هنا ينوب عن الجميع كما تقول يفعل هذا الخير من الناس تريد كل خير قال أبو مسلم هو صالحوا المؤمنين على الجمع و سقطت الواو في المصحف لسقوطها في اللفظ و وردت الرواية من طريق الخاص و العام أن المراد بصالح المؤمنين أمير المؤمنين علي (ع) و هو قول مجاهد و

في كتاب شواهد التنزيل بالإسناد عن‏

475

(1) - سدير الصيرفي عن أبي جعفر (ع) قال لقد عرف رسول الله ص عليا (ع) أصحابه مرتين أما مرة فحيث قال من كنت مولاه فعلي مولاه و أما الثانية فحيث نزلت هذه الآية «فَإِنَّ اَللََّهَ هُوَ مَوْلاََهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ» الآية أخذ رسول الله ص بيد علي (ع) فقال أيها الناس هذا صالح المؤمنين‏

و

قالت أسماء بنت عميس سمعت أن النبي ص يقول «وَ صََالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ» علي بن أبي طالب (ع)

«وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ» أي بعد الله و جبريل و صالح المؤمنين عن مقاتل «ظَهِيرٌ» أي أعوان للنبي ص و هذا من الواحد الذي يؤدي معنى الجمع كقوله «وَ حَسُنَ أُولََئِكَ رَفِيقاً» «عَسى‏ََ رَبُّهُ» أي واجب من الله ربه «إِنْ طَلَّقَكُنَّ» يا معشر أزواج النبي «أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوََاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ» أي أصلح له منكن ثم نعت تلك الأزواج اللائي كان يبدله بهن لو طلق نساءه فقال «مُسْلِمََاتٍ» أي مستسلمات لما أمر الله به «مُؤْمِنََاتٍ» أي مصدقات لله و رسوله مستحقات للثواب و التعظيم و قيل مصدقات في أفعالهن و أقوالهن «قََانِتََاتٍ» أي مطيعات لله تعالى و لأزواجهن و قيل خاضعات متذللات لأمر الله تعالى و قيل ساكتات عن الخنا و الفضول عن قتادة «تََائِبََاتٍ» عن الذنوب و قيل راجعات إلى أمر الرسول تاركات لمحاب أنفسهن و قيل نادمات على تقصير وقع منهن «عََابِدََاتٍ» لله تعالى بما تعبدهن به من الفرائض و السنن على الإخلاص و قيل متذللات للرسول بالطاعة «سََائِحََاتٍ» أي ماضيات في طاعة الله تعالى و قيل صائمات عن ابن عباس و قتادة و الضحاك و قيل مهاجرات عن ابن زيد و أبيه زيد بن أسلم و الجبائي و إنما قيل للصائم سائح لأنه يستمر في الإمساك عن الطعام كما يستمر السائح في الأرض «ثَيِّبََاتٍ» و هن الراجعات من عند الأزواج بعد افتضاضهن «وَ أَبْكََاراً» أي عذارى لم يكن لهن أزواج.

ـ

476

(1) -

القراءة

قرأ حماد و يحيى عن أبي بكر نصوحا بضم النون و الباقون بفتح النون و قرأ أهل البصرة و حفص «وَ كُتُبِهِ» بضم الكاف و التاء على الجمع و الباقون و كتابه على الواحد.

الحجة

قال أبو علي يشبه أن يكون النصوح بالضم مصدراو ذلك إن ذا الرمة قال:

"أحبك حبا خالطته نصاحة"

فالنصاحة على فعالة و ما كان على فعال من المصادر فقد يكون منه الفعول نحو الذهاب و الذهوب و يكون قد وصف بالمصدر نحو عدل و رضا قال أبو الحسن نصحته في معنى صدقته و توبة نصوح أي صادقة و الفتح كلام العرب و لا أعرف الضم