الأغاني - ج1

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
323 /
5

الجزء الأول‏

مقدمة التحقيق‏

قالوا في كتاب الأغاني و مؤلفه‏

1-و من الرواة المتسعين الذين شاهدناهم أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني، فإنه كان يحفظ من الشعر و الأغاني، و الأخبار، و الآثار، و الحديث المسند، و النسب، ما لم أر قط من يحفظ مثله. و كان شديد الاختصاص بهذه الأشياء و يحفظ دون ما يحفظ منها علوما أخر.

الخطيب البغدادي «تاريخ بغداد» (11/399) 2-كتاب «الأغاني» وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله، يقال إنه جمعه في خمسين سنة و حمله إلى سيف الدولة ابن حمدان فأعطاه ألف دينار و اعتذر إليه. و حكي عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره و تنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطالعها، فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن بعد ذلك يستصحب سواه استغناء به عنها.

ابن خلكان «وفيات الأعيان» (3/307-308) 3-قال أبو علي التنوخيّ: كان أبو الفرج يحفظ من الشعر و الأغاني و الأخبار و المسندات و الأنساب ما لم أر قطّ من يحفظ مثله، و يحفظ سوى ذلك من علوم أخر، منها اللغة و النحو و المغازي و السّير.

الحافظ شمس الدين الذهبي «تاريخ الإسلام» وفيات سنة (356 هـ) الصفحة (144) 4-و قد ألّف القاضي أبو الفرج الأصفهاني «كتابه في الأغاني» جمع فيه أخبار العرب و أشعارهم و أنسابهم و أيامهم و دولهم، و جعل مبناه على الغناء في المائة صوتا التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتمّ استيعاب و أوفاه.

و لعمري إنه ديوان العرب، و جامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فنّ من فنون الشعر و التاريخ و الغناء و سائر الأحوال، و لا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، و هو الغاية التي يسمو إليها الأديب و يقف عندها، و أنّى له بها.

ابن خلدون «المقدمة» الصفحة (554) 5-لعمري إن هذا الكتاب لجليل القدر، شائع الذّكر جمّ الفوائد، عظيم القلم، جامع بين الجدّ و البحت و الهزل و النّحت.

ياقوت الحموي «معجم الأدباء» (13/98)

6

ملاحظة هامة

نلفت انتباه الباحث الكريم أنّ الإحالات في الحاشية من هذه الطبعة هي الموافقة لأرقام أجزاء و صفحات طبعة دار الكتاب المصرية التي كانت أساسا لهذه الطبعة و الموجودة من جهة التحرير بين معكوفتين هكذا[]. و يراجع فهرس الأعلام. فلينتبه لذلك و اللّه الموفق.

7

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

كلمة دار إحياء التراث العربي مقدمة[1]

إن الحمد للّه، نحمده و نستعينه و نستغفره، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، من يهد اللّه فلا مضلّ له، و من يضلل فلا هادي له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.

(يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران 3: 102].

(يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا، وَ بَثَّ مِنْهُمََا رِجََالاً كَثِيراً وَ نِسََاءً، وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء 4: 1].

(يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*`يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمََالَكُمْ، وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَ مَنْ يُطِعِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فََازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب 33: 70-71].

أما بعد، فيسر مؤسسة دار إحياء التراث العربي أن تقدم لأهل العلم و الأدب في العالم الإسلامي و العربي كتاب «الأغاني» [2]للعلامّة الأخباري، أبي الفرج، علي بن الحسين بن محمد القرشي، الأموي، الأصبهاني الكاتب (ت 356) ، الذي يعدّ من أشهر كتب الأدب و التراجم و أجدرها بالثقة و قد اهتمّ به القدماء و لم يغفله المحدثون، ففيه ثروة أدبية و اجتماعية و تاريخية و فنيّة لا تقدر بثمن.

و قد وضع المؤلف كتابه بالأصل لذكر الغناء و الألحان، لكنه اتخذ ذلك ذريعة ليتوسع في ترجمة الشعراء و الأدباء و يأتي بالعجب العجاب حتى عدّ كتاب الأغاني بحقّ من أمهات كتب الأدب العربي، فقد ترجم لأكثر شعراء العرب: من جاهليين و مخضرمين، و محدثين، كما ترجم لكثير من المغنين في الدولتين الأموية و العباسية، و جمع فيه الأغاني العربية قديمها و حديثها.

فهو أوسع كتب التراجم إطلاقا، ترجم لعدد من الأدباء حتى نهاية القرن الثالث الهجري، و بلغ عدد تراجمه حوالي (500) شاعر و شاعرة عاشوا في الجاهلية و صدر الإسلام و العصر الأموي و أوائل العباسي، و جلّ هذه التراجم شديدة التفصيل، غزيرة المادة، مما يجعل هذا الكتاب سجلا للحضارة العربية و الإسلامية في كثير من مظاهرها.

[1]انظر «المصادر العربية و المعربة» للدكتور محمد ماهر حمادة الصفحة (261، 262) ، و «مصادر الدراسات الإسلامية» للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الصفحة (550) .

[2]طبع بالقاهرة مطبعة بولاق الأميرية عام 1868 م في طبعته الأولى، ثم طبع ثانيا في القاهرة، مطبعة التقدم عام 1905 م بتحقيق أحمد الشنقيطي و كلتا الطبعتين ينقصهما التحقيق العلمي، ثم طبع ثالثا في مصر بإشراف المؤسسة المصرية العامة للكتاب (1921 -1948 م) في (24) جزءا و هي الطبعة التي اعتمدناها كأصل لنسختنا هذه مع الاستئناس بالطبعتين السابقتين.

8

بدأ بخبر أبي قطيفة و نسبه، و ذكر معبد و بعض أخباره، ثم عمر بن أبي ربيعة و نسبه و هكذا... حتى انتهى بأخبار المتلمس في آخر الكتاب.

و قد جعل المؤلف مبنى كتابه على مائة الصوت المختارة للرشيد، و بدأ فيه بذكر الأصوات الثلاثة المختارة من جميع الغناء، و نسب كل ما ذكره منها إلى قائل شعره و صانع لحنه و طريقته على شرح لذلك و تفسير للمشكل الغريب و بيان عروض الشعر و ضربه.

و أتى بكل فصل من ذلك بنتف تشاكله، و لمع تليق به، و فقر إذا تأمّلها قارئها لم يزل متنقّلا من فائدة إلى مثلها، و متصرّفا فيها بين جدّ و هزل، و آثار و أخبار، و سير و أشعار متصلة بأيام العرب المشهورة و أخبارها المأثورة، و قصص الملوك في الجاهلية و الخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدبين معرفتها، و تحتاج الأحداث إلى دراستها، و لا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها، إذ كانت منتخلة من غرر الأخبار و منتقاة من عيونها، و مأخوذة من مظانها، و منقولة من أهل الخبرة بها.

فلا عجب أن يكون هذا الكتاب أكبر مرجع عربي في ذكر الغناء و تاريخه و قواعده و الآلات الموسيقية التي كانت على عصره، أو سابقة عليه، ليس هذا فحسب بل إن الناحية الأدبية فيه أوسع و أشمل، فإنه ما يكاد يذكر صوتا أي لحنا حتى ينطلق منه إلى المغني و أخباره و أشعاره و إن كان متصلا بخليفة أو ملك تحدّث عن هذا الملك أو ذاك الخليفة، و على صفحاته تنتشر أخبار العرب و أيامهم، و أنسابهم، و مفاخرهم، و وصف لحياتهم الاجتماعية، و يركز على مراكز الغناء و خاصة المدينة و مكة و بغداد. هذا فضلا عن مئات التراجم و عديد السير، بالإضافة إلى المجموعة الهائلة من الصور الأدبية من شعر، و كتابة، و خطابة، و قصص و نوادر.

هذا و قد امتدح الكتاب غير واحد من أوعية العلم و الأدب على ما ذكرناه في الصفحة (5) و صار مدار اهتمام و عناية العلماء فاختصره جماعة:

منهم ابن المغربي (ت 418 هـ) ، و الأمير عز الملك المسبّحي الكاتب (ت 420 هـ) ، و القاضي ابن واصل الحموي (ت 697 هـ) ، و ابن منظور صاحب لسان العرب (ت 711 هـ) و غيرهم‏[1]مما هو مذكور في ترجمة أبي الفرج في الصفحات (14-24) من هذا الجزء.

لكن رغم مدح الكتاب فإن الإنصاف يدعونا إلى ذكر العلماء الذين قدحوا فيه و في صحة روايته:

فقد ذكره الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في «تاريخ بغداد» [2]فقال:

«كان أبو الفرج الأصبهاني من أكذب الناس، كان يدخل سوق الورّاقين و هي عامرة و الدكاكين مملوءة بالكتب، فيشتري شيئا كثيرا من الصحف و يحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها... » .

و ذكره الإمام ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت 597 هـ) في تاريخه المسمى «المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم» [3]فقال: «إنه كان متشيعا، و مثله لا يوثق بروايته، فإنه يصرّح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، [1]راجع مختصرات كتاب «الأغاني» في الصفحات (26-27) من هذا الجزء.

[2]الخطيب البغدادي «تاريخ بغداد» (11/398-400) ترجمة (6278) .

[3]ابن الجوزي «المنتظم» (14/185) وفيات سنة (356 هـ) ترجمة (2658) .

9

و يهوى شرب الخمر و ربما حكى ذلك عن نفسه، و من تأمّل كتاب «الأغاني» رأى كل قبيح و منكر» .

و قال الحافظ شمس الدين الذهبي (ت 748 هـ) في كتابه «تاريخ الإسلام» [1]: «قلت: رأيت شيخنا ابن تيمية يضعّفه و يتهمه في نقله و يستهول ما يأتي به، و ما علمت فيه جرحا إلاّ قول ابن أبي الفوارس: خلّط قبل أن يموت» .

كما بيّن الحافظ الذهبي نسبه فقال في كتابه «سير أعلام النبلاء» [2]: «يذكر أنه من ذرّية الخليفة هشام بن عبد الملك، قاله محمد بن إسحاق النديم، بل الصواب أنه من ولد مروان الحمار» .

ثم تابع الذهبي قائلا: و العجب أنه أمويّ شيعيّ، و كان وسخا زريّا، و كانوا يتقون هجاءه» .

و أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ) في كتابه «لسان الميزان» [3]فقال:

«صاحب كتاب الأغاني: شيعيّ و هذا نادر في أمويّ... » .

و بين مادح و قادح، فإن الكتاب-كما لا يخفى على الناظر-يمثل على أي حال صورة حية للأدب و اللغة و الشعر، و الكتابة، و الخطابة و القصص و النوادر كما أنه بحق ديوان تراجم في عصره لا يستغني عنه الأديب.

و نظرا لأهميته، فقد رأت مؤسسة دار إحياء التراث العربي أن تعيد طبع الكتاب بحلّة قشيبة محقّقة على طبعاته السابقة، ملوّنة بعد ما رأت تآكل الحرف الحجري في نصوصه، و الفهارس الجزئية التي يصعب على الباحث الحصول على طلبه منها بسهولة و يسر خدمة للعلم و أهله إذ ستصدر لهذه الطبعة بإذن اللّه فهارس شاملة جامعة تكون معينا لمقتنيه.

و إتماما للفائدة، يجد الباحث في تصدير هذه الطبعة من مقدمة هذا الجزء فصلا في صناعة الغناء عن العلامة ابن خلدون في الصفحة (10) من هذا الجزء إضافة لترجمة المؤلف (في الصفحات 14-24) ، و «مختصرات كتاب الأغاني» و نقده في الصفحة (26) ، و كتب الأغاني المؤلفة قبل هذا الكتاب الصفحة (27) ، و الكلمات الاصطلاحية الوارة في الكتاب الصفحة (28) مع وصف للنسخ الخطية المعتمدة في التحقيق الصفحة (30) و هي تسع، و طريقة تصحيح هذا الكتاب الصفحة (36) ، إضافة إلى مقدمة أبي الفرج لكتابه و نهجه فيه و باعثه لتأليف كتابه و يجدها الباحث إنشاء اللّه في الصفحات (38-41) .

كما نلفت انتباه القارئ الكريم أن هذه الطبعة حوت أرقام أجزاء و صفحات الطبعتين البولاقية و طبعة المؤسسة المصرية العامة للكتاب حتى تتم الفائدة، فالرقم الموجود بين معكوفتين هو رقم جزء و صفحة طبعة المؤسسة المصرية العامة للكتاب هكذا[]و الرقم الخالي من المعكوفتين هو رقم صفحة الطبعة البولاقية.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و أصحابه الأخيار الميامين.

مكتب التحقيق دار إحياء التراث العربي بيروت 20 رجب 1414 هـ الموافق 1 كانون الثاني 1994 م [1]الحافظ شمس الدين الذهبي «تاريخ الإسلام» وفيات سنة (356 هـ) الصفحة (144) .

[2]الحافظ شمس الدين الذهبي «سير أعلام النبلاء» (16/201) ترجمة (140) .

[3]الحافظ ابن حجر العسقلاني «لسان الميزان» (4/231-232) ترجمة (584) .

10

فصل في صناعة الغناء عن العلامة ابن خلدون في «مقدمته»

و قد رأينا أن ننقل عن العلامة ابن خلدون فصلا قيما كتبه في مقدّمته عن صناعة الغناء و تاريخها لما له من الصلة بموضوع الكتاب. قال:

«هذه الصناعة هي تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة، يوقع على كل صوت منها توقيعا[1]عند قطعه فتكون نغمة، ثم تؤلف تلك النغم بعضها إلى بعض على نسب متعارفة، فيلذ سماعها لأجل ذلك التناسب و ما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات. و ذلك أنه تبين في علم الموسيقى أن الأصوات تتناسب فيكون صوت نصف صوت و ربع آخر و خمس آخر و جزءا من أحد عشر من آخر. و اختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب. و ليس كل تركيب منها ملذوذا عند السماع، بل تراكيب خاصة هي التي حصرها أهل علم الموسيقى و تكلموا عليها، كما هو مذكور في موضعه. و قد يساوق‏[2]ذلك التلحين في النغمات الغنائية بتقطيع أصوات أخرى من الجمادات إما بالقرع أو بالنفخ في الآلات تتخذ لذلك، فيزيدها لذة عند السماع.

فمنها لهذا العهد بالمغرب أصناف: منها ما يسمونه الشّبّابة[3]، و هي قصبة جوفاء بأبخاش‏[4]في جوانبها معدودة ينفخ فيها فتصوّت، و يخرج الصوت من جوفها على سدادة من تلك الأبخاش، و يقطّع الصوت بوضع الأصابع من اليدين جميعا على تلك الأبخاش وضعا متعارفا حتى تحدث النسب بين الأصوات فيه و تتصل كذلك متناسبة، فيلتذ السمع بإدراكها للتناسب الذي ذكرناه. و من جنس هذه الآلة المزمار الذي يسمى الزّلاميّ‏[5]، و هو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين منفردتين كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ بواسطتها إليها، و تصوّت بنغمة حادّة و يجري فيها من تقطيع الأصوات من تلك الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشّبابة.

و من أحسن آلات الزمر لهذا العهد البوق، و هو بوق من النحاس أجوف في مقدار الذراع يتسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم، و ينفخ بقصبة صغيرة تؤدّي الريح من الفم إليه، فيخرج الصوت ثخينا دويا، و فيه أبخاش أيضا معدودة، و تقطّع نغمه منها كذلك بالأصابع على التناسب فيكون ملذوذا.

و منها آلات الأوتار، و هي جوفاء كلها إمّا على شكل قطعة من الكرة مثل البربط[6]و الرباب، أو على شكل [1]يستعمل ابن خلدون «التوقيع» في الموسيقى. و الصواب «الإيقاع» .

[2]المساوقة: المتابعة.

[3]الشبابة: نوع من المزمار مولدة.

[4]يراد بالأبخاش الثقوب. و لم نجد مادة «بخش» في كتب اللغة، فلعلها مولدة.

[5]الزلاميّ: تصحيف الزنامي بلغة العامة. و الزناميّ منسوب إلى زنام (كغراب) و هو زمار حاذق كان للرشيد. انظر «شرح القاموس» .

مادة «زنم» .

[6]البربط: طنبور ذو ثلاثة أوتار، كذا في «شفاء الغليل» . و قال صاحب «اللسان» : البربط: العود، أعجميّ ليس من ملاهي العرب،

11

مربع كالقانون، توضع الأوتار على بسائطها مشدودة في رأسها إلى دساتين‏[1]جائلة ليأتي شدّ الأوتار و إرخاؤها عند الحاجة إليه بإدارتها، ثم تقرع الأوتار إما بعود آخر أو بوتر مشدود بين طرفي قوس، يمرّ عليها بعد أن يطلى بالشمع و الكندر[2]، و يقطّع الصوت فيه بتخفيف اليد في إمراره أو بنقله من وتر إلى وتر. و اليد اليسرى مع ذلك في جميع آلات الأوتار توقع بأصابعها على أطراف الأوتار فيما يقرع أو يحكّ بالوتر، فتحدث الأصوات متناسبة ملذوذة.

و قد يكون القرع في الطسوت بالقضبان أو في الأعواد بعضها ببعض على توقيع متناسب يحدث عنه التذاذ بالمسموع.

... [3]............... و الحسن في المسموع أن تكون الأصوات متناسبة لا متنافرة. و ذلك أن الأصوات لها كيفيات من الهمس و الجهر و الرخاوة و الشدّة و القلقلة و الضغط و غير ذلك، و التناسب فيها هو الذي يوجب لها الحسن. فأوّلا: ألا يخرج من الصوت إلى ضدّه دفعة بل بتدريج ثم يرجع كذلك، و هكذا إلى المثل، بل لا بدّ من توسط المغاير بين الصوتين. و تأمّل هذا من افتتاح أهل اللسان التراكيب من الحروف المتنافرة أو المتقاربة المخارج فإنه من بابه. و ثانيا: تناسبها في الأجزاء، كما مر أوّل الباب، فيخرج من الصوت إلى نصفه أو ثلثه أو جزء من كذا منه على حسب ما يكون التنقل مناسبا على ما حصره أهل صناعة الموسيقى. فإذا كانت الأصوات على تناسب في الكيفيات، كما ذكره أهل تلك الصناعة، كانت ملائمة ملذوذة.

و من هذا التناسب ما يكون بسيطا، و يكون الكثير من الناس مطبوعين عليه لا يحتاجون فيه إلى تعليم و لا صناعة، كما نجد المطبوعين على الموازين الشعرية و توقيع الرقص و أمثال ذلك. و تسمي العامة هذه القابلية بالمضمار. و كثير من القرّاء بهذه المثابة يقرءون القرآن فيجيدون في تلاحين أصواتهم، كأنها المزامير، فيطربون بحسن مساقهم و تناسب نغماتهم. و من هذا التناسب ما يحدث بالتركيب، و ليس كل الناس يستوي في معرفته، و لا كل الطباع توافق صاحبها في العمل به إذا علم.

و هذا هو التلحين الذي يتكفل به علم الموسيقى، كما نشرحه بعد عند ذكر العلوم...............

.................................

و إذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توافر و تجاوز حدّ الضروريّ إلى الحاجيّ ثم إلى الكماليّ، و تفننوا فيه، فتحدث هذه الصناعة؛ لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ عن جميع حاجاته الضرورية و المهمة من المعاش و المنزل و غيره، فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب الملذوذات.

و كان في سلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم و مدنهم، و كان ملوكهم يتخذون ذلك و يولعون به؛ حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصناعة، و لهم مكان في دولتهم، و كانوا يحضرون مشاهدهم و مجامعهم و يغنّون فيها. و هذا شأن العجم لهذا العهد في كل أفق من آفاقهم و مملكة من ممالكهم.

و أما العرب فكان لهم أوّلا فنّ الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدّة حروفها فأعربته حين سمعت به.

[1]قال في «المخصص» ج 13 ص 12: «يقال للتي يسميها الفرس الدساتين العتب. قال الأعشى:

و ثنى الكف على ذي عتب # يصل الصوت بذي زير أبحّ»

[2]الكندر: اللبان.

[3]هذه النقط وضعت إشارة إلى ترك ما لا علاقة له بالغناء و تاريخه في هذا الفصل.

12

المتحرّكة و الساكنة، و يفصّلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلا يكون كل جزء منها مستقلا بالإفادة لا ينعطف على الآخر، و يسمونه البيت، فيلائم الطبع بالتجزئة أوّلا، ثم بتناسب الأجزاء في المقاطع و المبادئ، ثم بتأدية المعنى المقصود و تطبيق الكلام عليها، فلهجوا به، فامتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف ليس لغيره، لأجل اختصاصه بهذا التناسب؛ و جعلوه ديوانا لأخبارهم و حكمهم و شرفهم، و محكّا لقرائحهم في إصابة المعاني و إجادة الأساليب، و استمرّوا على ذلك.

و هذا التناسب الذي من أجل الأجزاء و المتحرّك و الساكن من الحروف، قطرة من بحر من تناسب الأصوات، كما هو معروف في كتب الموسيقى؛ إلا أنهم لم يشعروا بما سواه؛ لأنهم حينئذ لم ينتحلوا علما. و لا عرفوا صناعة، و كانت البداوة أغلب نحلهم. ثم تغنّى الحداة منهم في حداء إبلهم، و الفتيان في فضاء خلواتهم، فرجّعوا الأصوات و ترنّموا. و كانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء، و إذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغبيرا (بالغين المعجمة و الباء الموحدة) . و عللها أبو إسحاق الزجاج بأنها تذكّر بالغابر، و هو الباقي، أي بأحوال الآخرة[1].

و ربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة، كما ذكره ابن رشيق آخر «كتاب العمدة» و غيره. و كانوا يسمونه «السناد» ، و كان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص عليه و يمشي بالدف و المزمار، فيطرب و يستخف الحلوم، و كانوا يسمون هذا «الهزج» . و هذا البسيط كله من التلاحين هو من أوائلها، و لا يبعد أن تتفطن له الطباع من غير تعليم، شأن البسائط كلها من الصنائع. و لم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم و جاهليتهم.

فلما جاء الإسلام و استولوا على ممالك الدنيا و حازوا سلطان العجم و غلبوهم عليه، و كانوا من البداوة و الغضاضة على الحال التي عرفت لهم، مع غضارة الدين و شدّته في ترك أحوال الفراغ و ما ليس بنافع في دين و لا معاش، هجروا ذلك شيئا ما، و لم يكن الملذوذ عندهم إلا بترجيع القراءة و الترنم بالشعر الذي كان ديدنهم و مذهبهم. فلما جاءهم الترف و غلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم، صاروا إلى نضارة العيش و رقّة الحاشية و استحلاء الفراغ، فافترق المغنّون من الفرس و الروم فوقعوا إلى الحجاز، و صاروا موالي للعرب، و غنّوا جميعا بالعيدان و الطنابير و المعازف‏[2]و المزامير، و سمع العرب تلحينهم للأصوات فلحّنوا عليها أشعارهم، و ظهر بالمدينة نشيط الفارسيّ و طويس و سائب خاثر مولى عبد اللّه بن جعفر، فسمعوا شعر العرب و لحنوه و أجادوا فيه، و طار لهم ذكر، ثم أخذ عنهم معبد و طبقته و ابن سريج و أنظاره.

و ما زالت صناعة الغناء تتدرّج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي و إبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق و ابنه حمّاد، و كان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث به و بمجالسه لهذا العهد. و أمعنوا في اللهو و اللعب، و اتخذت آلات الرقص في الملبس و القضبان و الأشعار التي يترنم بها عليه، و جعل صنفا وحده. و اتخذت آلات أخرى للرقص تسمى بالكرّج‏[3]-و هي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلّقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان، [1]هذا رأي الزجاج. و قال الأزهري: سموا ما يطرّبون فيه من الشعر في ذكر اللّه تغييرا، كأنهم إذا تناشدوها بالألحان طربوا فرقصوا و أرهجوا (أثاروا الرهج و هو الغبار) ، فسموا مغبّرة لهذا المعنى. قال الأزهري: و روينا عن الشافعي قال: أرى الزنادقة وضعوا التغيير ليصدّوا عن ذكر اللّه و قراءة القرآن.

[2]المعازف: الملاهي و الملاعب التي يضرب بها، يقولون للواحد: عزف، و الجمع معازف (على غير مقياس) فإذا أفرد المعزف فهو ضرب من الطنابير و يتخذه أهل اليمن. و غيرهم يجعل العود معزفا. «لسان العرب» (مادة «عزف» ) .

[3]الكرّج: فارسيّ معرب و هو ما يتخذ مثل المهر يلعب عليه؛ قال جرير:

لبست سلاحي و الفرزدق لعبة # عليها وشاحا كرج و جلاجله‏

13

و يحاكين بها امتطاء الخيل-فيكرّون و يفرّون و يثاقفون‏[1]، و أمثال ذلك من اللّعب المعدّة للولائم و الأعراس و أيام الأعياد و مجالس الفراغ و اللهو. و كثر ذلك ببغداد و أمصار العراق، و انتشر منها إلى غيرها. و كان للموصليين غلام اسمه زرياب أخذ عنهم الغناء فأجاد، فصرفوه إلى المغرب غيرة منه، فلحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس، فبالغ في تكرمته و ركب للقائه و أسنى له الجوائز و الإقطاعات و الجرايات، و أحلّه من دولته و ندمائه بمكان، فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف، و طما منها بإشبيلية بحر زاخر، و تناقل منها بعد ذهاب غضارتها[2]إلى بلاد العدوة بإفريقية و المغرب، و انقسم على أمصارها. و بها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها و تناقص دولها.

و هذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع؛ لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ و الفرح. و هي أيضا أوّل ما ينقطع من العمران عند اختلاله و تراجعه، و اللّه أعلم» .

و قال أيضا:

أمسى الفرزدق في جلاجل كرج # بعد الأخيطل ضرّة لجرير

[1]يثاقفون: يخاصمون و يجالدون، و مصدره الثقاف و المثاقفة و هي العمل بالسيف، و منه:

و كأن لمع بروقها # في الجوّ أسياف المثاقف‏

[2]غضارتها: بهجتها و جدّتها.

14

ترجمة أبي الفرج الأصفهاني مؤلف كتاب الأغاني‏[1]

نسبه:

هو أبو الفرج عليّ بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد اللّه بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشي الأمويّ الكاتب الأصبهانيّ صاحب «كتاب الأغاني» . و منه ترى أن نسبه ينتهي إلى مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.

مولده و منشؤه:

ولد بأصبهان سنة 284 أربع و ثمانين و مائتين، في خلافة المعتضد باللّه أبي العباس أحمد بن الموفق، و هي السنة التي مات فيها البحتري الشاعر. و نشأ ببغداد و استوطن بها، و كانت داره ببغداد واقعة على دجلة في المكان المتوسط بين درب سليمان و درب دجلة و ملاصقة لدار أبي الفتح البريدي.

شيوخه و تلاميذه:

روى أبو الفرج عن عالم كثير يطول تعدادهم، و سمع من جماعة لا يحصون: منهم أبو بكر[2]بن دريد و أبو بكر[3]بن الأنباري و الفضل‏[4]بن الحباب الجمحي و عليّ‏[5]بن سليمان الأخفش، و إبراهيم‏[6]نفطويه [1]المصادر التي أخذنا منها هذه الترجمة هي:

«معجم الأدباء» لياقوت، «وفيات الأعيان» لابن خلكان، «عيون التواريخ» لابن شاكر، «الفهرست» لابن النديم، «الكامل» لابن الأثير، «نفح الطيب» ، «مقدّمة ابن خلدون» ، «النجوم الزاهرة في أعيان مصر و القاهرة» ، «الجمهرة» لابن حزم، «المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم» لابن الجوزي، «يتيمة الدهر» ، «كشف الظنون» ، كتاب «رنّات الثالث و المثاني في روايات الأغاني» .

[2]هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد إمام عصره في اللغة و الأدب و الشعر، ولد بالبصرة في سنة ثلاث و عشرين و مائتين و نشأ بها و تعلم فيها و انتقل إلى عمان ثم إلى فارس ثم إلى بغداد، و توفي بها سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة. (انظر ابن خلكان ج 1 من ص 709-713 طبع بولاق) .

[3]هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، روى عن أبيه عن أبي جعفر أحمد بن عبيد، و أخذ النحو عن أبي العباس ثعلب، و كان في نهاية الذكاء و الفطنة و جودة القريحة و سرعة الحفظ و كان يضرب به المثل في حضور البديهة و سرعة الجواب، و أكثر ما كان يمليه من غير دفتر و لا كتاب، و لم يمت من سنّ عالية مات عن دون الخمسين و توفي سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة و دفن بداره بالأنبار. ( «الفهرست» لابن النديم طبع ليبزج ص 75) .

[4]هو أبو خليفة الفضل بن الحباب بن محمد بن شعيب بن صخر الجمحي البصري من رواة الأخبار و الأشعار و الأنساب، ولي قضاء البصرة، و توفي سنة خمس و ثلاثمائة. «الفهرست» ص 114) .

[5]هو أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الأصغر. قرأ على ثعلب و المبرد و اليزيدي و أبي العيناء و روى عنه المرزبانيّ و كان ثقة. و هو غير الأخفش الأكبر أبي الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد من أهل هجر، و الأخفش الأوسط أبي الحسن سعيد بن مسعدة صاحب سيبويه. و قد هجاه ابن الرومي بأهاج كثيرة لأنه كان كثير التطير منه. توفي ببغداد سنة خمس عشرة و ثلاثمائة و يقال سنة ست عشرة. (ابن خلكان ص 472 ج 1 و «بغية الوعاة» للسيوطي) .

[6]هو إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الملقب بنفطويه لشبهه بالنفط لدمامته

15

و محمد[1]بن جرير الطبري و أحمد[2]بن جعفر جحظة و محمد[3]بن خلف المرزبان و جعفر[4]بن قدامة و أبي‏[5]أحمد يحيى بن علي بن يحيى المنجم و عمه الحسن‏[6]بن محمد و غيرهم، و روى عنه الدارقطنيّ‏[7] و غيره.

ثناء العلماء عليه‏

ذكره ياقوت في «معجمه» فقال: «العلامة النساب الإخباريّ الحفظة الجامع بين سعة الرواية و الحذق في الدراسة، لا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنها و حسن استيعاب ما يتصدّى لجمعه، و كان مع ذلك شاعرا جيدا» .

و ذكره ابن خلكان في «الوفيات» فقال: «كان من أعيان أدبائها (بغداد) و أفراد مصنفيها. روى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم، و كان عالما بأيام الناس و الأنساب و السير. قال التنوخي: و من المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني كان يحفظ من الشعر و الأغاني و الأخبار و الآثار و الأحاديث المسندة و النسب ما لم أر و أدمته. كان عالما بالعربية و اللغة و الحديث، أخذ عن ثعلب و المبرد و كان صادقا فيما يرويه حافظا للقرآن فقيها على مذهب داود الظاهريّ مسندا في الحديث حافظا للسير و أيام الناس و التواريخ. ولد بواسط سنة أربع و أربعين و مائتين و سكن بغداد و توفي بها سنة ثلاث و عشرين و ثلاثمائة. (ابن خلكان ج 1 ص 15 و «بغية الوعاة» للسيوطي) .

[1]هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري و قيل: يزيد بن كثير بن غالب، صاحب «التفسير الكبير و التاريخ الشهير» ، كان إماما في فنون كثيرة: منها التفسير و الحديث و الفقه و التاريخ و كان إماما مجتهدا و كان ثقة في نقله أصح التواريخ و أثبتها. ولد سنة أربع و عشرين و مائتين بآمل طبرستان و توفي ببغداد سنة عشر و ثلاثمائة. (ابن خلكان ج 1 ص 651) .

[2]هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك. شاعر مغن مطبوع في الشعر حاذق بصناعة غناء الطنبور حسن الأدب بارع في معناه. و كان من ظرفاء عصره. و هو من ذريّة البرامكة. و قد جمع أبو نصر بن المرزبان أخباره و أشعاره. ولد سنة أربع و عشرين و مائتين و توفي بواسط سنة ست و عشرين و ثلاثمائة و قيل سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة. (ابن خلكان ج 1 ص 57 و «فهرست ابن النديم» ص 145) .

[3]هو أبو عبد اللّه محمد بن خلف بن المرزبان. كان حافظا للأخبار و الأشعار و الملح. و له من الكتب كتاب «الحاوي في علوم القرآن» كبير سبعة و عشرون جزءا و كتاب «أخبار ابن قيس الرقيات» و مختار شعره و كتاب «المتيمين المعصومين» و غير ذلك. ( «فهرست ابن النديم» ص 149) .

[4]هو أبو القاسم جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب أحد مشايخ الكتاب و علمائهم. و كان وافر الأدب حسن المعرفة. و له مصنفات في صنعة الكتابة و غيرها. حدّث عن أبي العيناء الضرير و حماد بن إسحاق الموصلي و المبرد و محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعي و نحوهم. و روى عنه أبو الفرج الأصبهاني. و له شعر جيد رواه ياقوت في «معجم الأدباء» . مات سنة تسع عشرة و ثلاثمائة (انظر الجزء الثاني من «معجم الأدباء» ص 412) .

[5]هو أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى بن أبي منصور. ولد سنة إحدى و أربعين و مائتين و مات سنة ثلاثمائة. و نادم الموفق و من بعده من الخلفاء. و كان متكلما معتزليّ المذهب، و كان له مجلس يحضره جماعة من المتكلمين بالحضرة. و له كتاب «الباهر في أخبار شعراء مخضرمي الدولتين» لم يتمه و أتمه من بعده ابنه أبو الحسن أحمد بن يحيى. ( «فهرست ابن النديم» ص 143) .

[6]يروي أبو الفرج عن عمه كثيرا، و هو الحسن بن محمد، و كان من كبار الكتاب بسرّ من رأى، أدرك أيام المتوكل. و يروي كذلك عن عم أبيه عبد العزيز بن أحمد بن الهيثم و هو من كبار الكتاب أيضا أيام المتوكل. ( «الجمهرة» لابن حزم ص 103 من النسخة التيمورية) .

[7]هو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدار قطني. كان عالما حافظا فقيها أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري الفقيه الشافعي. و قد انفرد بالإمامة في علم الحديث، و تصدّر في آخر أيامه للإقراء ببغداد. و كان عارفا باختلاف الفقهاء، و يحفظ كثيرا من دواوين العرب. و صنف كتاب «السنن» و «المختلف» و «المؤتلف» و غيرهما. و كان متفننا في علوم كثيرة، إماما في علم القرآن. ولد سنة ست و ثلاثمائة و توفي سنة خمس و ثمانين و ثلاثمائة ببغداد.

16

قطّ من يحفظ مثله، و يحفظ دون ذلك من علوم أخر: منها اللغة و النحو و الخرافات و المغازي و السير، و من آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح و البيطرة و نتف من الطب و النجوم و الأشربة و غير ذلك، و له شعر يجمع إتقان العلماء و إحسان ظرفاء الشعراء» .

و ذكره أبو منصور الثعالبي في «يتيمة الدهر» فقال:

«و كان من أعيان أدبائها (بغداد) و أفراد مصنفيها. و له شعر يجمع إتقان العلماء و إحسان ظرفاء الشعراء» .

و ذكره ابن النديم في «الفهرست» فقال:

«كان شاعرا مصنفا أديبا، و له رواية يسيرة، و أكثر تعويله كان في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط أو غيرها من الأصول الجياد» . و يؤيد هذا أنه في كتابه «الأغاني» يروي كثيرا من الأخبار بقوله: «نسخت من كتاب فلان» .

قدح بعض العلماء في صحة روايته‏

ذكره ابن الجوزي في كتابه «المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم» فقال:

«إنه كان متشيعا و مثله لا يوثق بروايته فإنه يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، و يهوى شرب الخمر، و ربما حكى ذلك عن نفسه، و من تأمل كتاب «الأغاني» رأى كل قبيح و منكر» .

و نقل ابن شاكر في كتابه «عيون التواريخ» أن الشيخ شمس الدين الذهبيّ قال:

«رأيت شيخنا تقيّ الدين بن تيمية يضعفه و يتهمه في نقله و يستهول ما يأتي به، و ما علمت فيه جرحا إلا قول ابن أبي الفوارس: خلط قبل ما يموت» .

شي‏ء من أوصافه‏

لم يكن لأبي الفرج الأصفهاني عناية بنظافة جسمه و ثيابه؛ فقد حدّث الرئيس أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم بن هلال الصابئ في الكتاب الذي ألفه في أخبار الوزير المهلبيّ قال: كان أبو الفرج الأصفهاني و سخا قذرا لم يغسل له ثوبا منذ فصّله إلى أن قطعه، و كان الناس على ذلك يحذرون لسانه و يتقون هجاءه و يصبرون في مجالسته و معاشرته و مؤاكلته و مشاربته على كل صعب من أمره؛ لأنه كان وسخا في نفسه ثم في ثوبه و فعله، حتى إنه لم يكن ينزع درّاعة يقطعها إلا بعد إبلائها و تقطيعها، و لا يعرف لشي‏ء من ثيابه غسلا و لا يطلب منه في مدّة بقائه عوضا.

و حكى القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي في كتاب «نشوار» [1]المحاضرة «أن أبا الفرج كان أكولا نهما، و كان إذا ثقل الطعام في معدته تناول خمسة دراهم فلفلا مدقوقا و لا يؤذيه و لا تدمع منه عيناه، و هو مع ذلك لا يستطيع أن يأكل حمصة واحدة أو يصطبغ‏[2]بمرقة قدر فيها حمص، و إذا أكل شيئا يسيرا من ذلك شري‏[3]بدنه كله من ذلك، و بعد ساعة أو ساعتين يفصد و ربما فصد لذلك دفعتين» . قال: و أسأله عن سببه فلا يكون عنده علم منه.

[1]النشوار في الأصل بكسر النون: ما تبقيه الدابة من علفها فارسي معرّب. و هذا الكتاب قد طبع بالقاهرة سنة 1921 م و قام بتصحيحه المستشرق الانكليزي المعروف د. س مرجليوث.

[2]يصطبغ: يأتدم.

[3]الشرى: شي‏ء يخرج على الجسد أحمر كهيئة الدراهم، و قيل: هو شبه البثر يخرج في الجسد أو هو خراج صغار لها لذع شديد، يقال: شرى جلده شرى فهو شر.

17

و يقال: إنه لم يدع طبيبا حاذقا على مرور السنين إلا سأله عن سببه فلا يجد عنده علما و لا دواء. فلما كان قبل فالجه‏[1]بسنوات ذهبت عنه العادة في الحمص فصار يأكله و لا يضرّه، و بقيت عليه عادة الفلفل.

اتصاله بالوزير المهلبيّ‏

كان أبو الفرج منقطعا إلى الوزير المهلبيّ-و هو الحسن بن محمد بن هارون من ولد المهلّب بن أبي صفرة و وزير معز الدولة بن بويه الديلمي-و من ندمائه الخصيصين به؛ و له فيه غرر و مدائح. و مع ما كان يصنعه الوزير بأبي الفرج لم يخل من هجوه، قال فيه:

أ بعين مفتقر إليك رأيتني # بعد الغنى فرميت بي من حالق

[2] لست الملوم أنا الملوم لأنني # أمّلت للإحسان غير الخالق‏[3]

و حدّث أبو الفرج عن نفسه قال: سكر الوزير المهلبيّ ليلة و لم يبق بحضرته من ندمائه غيري فقال لي: يا أبا الفرج، أنا أعلم أنك تهجوني سرّا، فاهجني الساعة جهرا، فقلت: اللّه اللّه أيها الوزير فيّ!إن كنت قد مللتني انقطعت، و إن كنت تؤثر قتلي، فبالسيف إذا شئت؛ قال: دع ذا، لا بدّ أن تهجوني، و كنت قد سكرت فقلت:

أير بغل بلولب‏

فقال في الحال مجيزا:

في حر امّ المهلّبي‏

هات مصراعا آخر؛ فقلت: الطلاق لازم للأصفهانيّ إن زاد على هذا و إن كان عنده زيادة.

قال الرئيس أبو الحسين المهلبيّ: و حدّثني جدّي، و سمعت هذا الخبر من غيره لأنه متفاوض متعاود، أن أبا الفرج كان جالسا في بعض الأيام على مائدة أبي محمد المهلبيّ فقدّمت سكباجة[4]وافقت من أبي الفرج سعلة فبدرت من فمه قطعة من بلغم فسقطت وسط الغضارة[5]، فتقدّم أبو محمد برفعها، و قال: هاتوا من هذا اللون في غير هذه الصحفة؛ و لم يبن في وجهه إنكار و لا استكراه، و لا داخل أبا الفرج في هذه الحال استحياء و لا انقباض.

هذا إلى ما يجري هذا المجرى على مضيّ الأيام. و كان أبو محمد عزوف‏[6]النفس بعيدا من الصبر على مثل هذه الأسباب، إلا أنه كان يتكلف احتمالها لورودها من أبي الفرج. و كان من ظرفه في فعله و نظافته في مأكله أنه كان إذا [1]الفالج: داء معروف يسترخي منه أحد شقي البدن.

[2]الحالق: الجبل المرتفع.

[3]نقل ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» (طبع بولاق ج 1 ص 50) : أن الشيخ تاج الدين الكندي روى للمتنبي هذين البيتين بالإسناد الصحيح المتصل به، و قال ابن خلكان: إنهما لا يوجدان في «ديوانه» . و نقل ابن شاكر في «عيون التواريخ» كلام ابن خلكان ثم قال: و الصحيح أن هذين البيتين لأبي الفرج الأصبهاني.

[4]قال في «شرح القاموس» (مادة سكبج) : السكباج بالكسر: معرب سركه باچه، و هو لحم يطبخ بخل. و في كتاب «الأطعمة» الفتوغرافي المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 51 علوم معاشية في وصف صنع هذا الطعام ما نصه: «يؤخذ من اللحم قدر الحاجة و يقطع من الأوساط و يغسل نظيفا و يضاف إليه حوائجه مثل الجوز و البصل و الكراث و شي‏ء من اللفت و يعدّل بالخل و الدبس و يصبغ بالزعفران و يعدل ملحه و أبازيره و يغطى رأس القدر و يجعل في التنور طول الليل على نار معتدلة إلى بكرة ثم يرفع» .

[5]عبارة «اللسان» : «الغضار: الطين الحرّ. ابن سيده و غيره-الغضارة: الطين الحرّ. و قيل الطين اللازب الأخضر و الغضار: الصحفة المتخذة منه» .

[6]يقال: عزفت نفسه عن الشي‏ء أي عافته و كرهته.

18

أراد أكل شي‏ء بملعقة كالأرز و اللبن و أمثاله، وقف من جانبه الأيمن غلام معه نحو ثلاثين ملعقة زجاجا مجرودا[1] -و كان يستعمله كثيرا-فيأخذ منه ملعقة يأكل بها من ذلك اللون لقمة واحدة ثم يدفعها إلى غلام آخر قام من الجانب الأيسر، ثم يأخذ أخرى فيفعل بها فعل الأولى حتى ينال الكفاية، لئلا يعيد الملعقة إلى فيه دفعة ثانية. فلما كثر على المهلبيّ استمرار ما قدّمنا ذكره جعل له مائدتين: إحداهما كبيرة عامة، و أخرى لطيفة خاصة، و كان يؤاكله عليها من يدعوه إليها.

و كانت صحبته للمهلبيّ قبل الوزارة و بعدها إلى أن فرّق بينهما الموت.

تشيّعه‏

كان أبو الفرج الأصبهانيّ، مع كونه من صميم بني أمية، على مذهب الشيعة. فقد قال التنوخيّ عنه: و من المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصفهاني. و قال ابن شاكر في «عيون التواريخ» عنه: إنه كان ظاهر التشيع.

و قال ابن الأثير في كتاب «الكامل» : و كان أبو الفرج شيعيا، و هذا من العجب.

شعره و أدبه‏

كان أبو الفرج كاتبا لركن الدولة حظيا عنده محتشما لديه. و كان يتوقع من الرئيس أبي الفضل بن العميد أن يكرمه و يبجّله و يتوفّر عليه‏[2]في دخوله و خروجه، و عدم ذلك منه فقال:

مالك موفور فما باله # أكسبك التّيه على المعدم

و لم إذا جئت نهضنا و إن # جئنا تطاولت و لم تتمم

و إن خرجنا لم تقل مثل ما # نقول «قدّم طرفه قدّم»

إن كنت ذا علم فمن ذا الذي # مثل الذي تعلم لم يعلم

و لست في الغارب من دولة # و نحن من دونك في المنسم‏[3]

و قد ولينا و عزلنا كما # أنت فلم نصغر و لم نعظم

تكافأت أحوالنا كلّها # فصل على الإنصاف أو فاصرم‏

و كتب أبو الفرج إلى المهلبيّ يشكو الفأر و يصف الهرّ:

يا لحدب الظهور قصع الرقاب # لدقاق الأنياب و الأذناب

خلقت للفساد مذ خلق الخلـ # ق و للعيث و الأذى و الخراب

ناقبات في الأرض و السقف و الحيـ # طان نقبا أعيا على النقّاب

آكلات كلّ المآكل لا تأ # منها شاربات كلّ الشراب

آلفات قرض الثياب و قد يعـ # دل قرض القلوب قرض الثياب‏

[1]مجرودا: مجلوّا.

[2]توفر على صاحبه: رعى حرماته.

[3]الغارب: ما بين العنق و السنام من البعير. و المنسم: خفه.

19

زال‏[1]

همّي منهن أزرق تركـ # يّ السّبالين‏[2]أنمر[3]الجلباب

ليث غاب خلقا و خلقا فمن لا # ح لعينيه خاله ليث غاب

ناصب طرفه إزاء الزوايا # و إزاء السقوف و الأبواب

ينتضي الظفر حين يطفر للصيـ # د و إلا فظفره في قراب

لا ترى أخبثيه عين و لا يعـ # لم ما جنّتاه‏[4]غير التراب

قرّطوه‏[5]و شنّفوه‏[6]و حلّو # ه أخيرا و أوّلا بالخضاب

فهو طورا يمشي بحلي عروس # و هو طورا يخطو على عنّاب

حبذا ذاك صاحبا هو في الصحـ # بة أوفى من أكثر الأصحاب‏

و قال من قصيدة المهلّب عيديّة:

إذا ما علا في الصدر للنهي و الأمر # و بثّهما في النفع منه و في الضر

و أجرى ظبا[7]أقلامه و تدفّقت # بديهته كالمستمدّ من البحر

رأيت نظام الدرّ في نظم قوله # و منثوره الرقراق في ذلك النثر

و يقتضب المعنى الكثير بلفظة # و يأتي بما تحوي الطوامير[8]في سطر

أيا غرّة الدهر ائتنف غرّة الشهر # و قابل هلال الفطر في ليلة الفطر

بأيمن إقبال و أسعد طائر # و أفضل ما ترجوه في أفسح العمر

مضى عنك شهر الصوم يشهد صادقا # بطهرك فيه و اجتنابك للوزر

فأكرم بما خطّ الحفيظان منهما # و أثنى به المثنى و أطرى به المطرى

و زكّتك أوراق المصاحف و انتهى # إلى اللّه منها طول درسك و الذكر

و قبضك كفّ البطش عن كل مجرم # و بسطكها بالعرف في الخير و البرّ

و له فيه:

و هذا الشتاء كما قد ترى # عسوف‏[9]عليّ قبيح الأثر

[1]زال: فرق.

[2]السبالان: الشاربان.

[3]الأنمر: ما فيه نمرة بيضاء و أخرى سوداء.

[4]جن الشي‏ء: أخفاه و ستره.

[5]قرّطوه: ألبسوه القرط.

[6]شنفوه: جعلوا له شنفا و هو القرط.

[7]الظبا: جمع ظبة، و هي في الأصل حدّ. السيف أو السنان و نحوه.

[8]جمع طومار أو طامور و هو الصحيفة.

[9]العسوف: الجائر الظلوم.

20

يغادي بصرّ[1]من العاصفا # ت أو دمق‏[2]مثل وخز الإبر

و سكّان دارك ممن أعو # ل يلقين من برده كلّ شرّ

فهذي تحنّ و هذي تئنّ # و أدمع هاتيك تجري درر[3]

إذا ما تململن تحت الظلام # تعلّلن منك بحسن النظر

و لاحظن ربعك، كالممحليـ # ن شاموا البروق رجاء المطر

يؤمّلن عودي بما ينتظرن # كما يرتجى آئب من سفر

فأنعم بإنجاز ما قد وعدت # فما غيرك اليوم من ينتظر

و عش لي و بعدي فأنت الحيا # ة و السمع من جسدي و البصر

و قال من قصيدة يهنئه بمولود من سرّية روميّة:

اسعد بمولود أتاك مباركا # كالبدر أشرق جنح ليل مقمر

سعد لوقت سعادة جاءت به # أمّ حصان‏[4]من بنات الأصفر

متبحبح‏[5]في ذروتي شرف العلا # بين المهلّب منتماه و قيصر

شمس الضحى قرنت إلى بدر الدّجى # حتى إذا اجتمعا أتت بالمشترى‏

و لما تولّى أبو عبد اللّه البريدي الوزارة هجاه أبو الفرج بقصيدة طويلة أوّلها:

يا سماء اسقطي و يا أرض ميدي # قد تولّى الوزارة ابن البريدي‏

و منها:

يا لقومي لحرّ صدري و عولي # و غليلي و قلبي المعمود[6]

حين سار الخميس‏[7]يوم خميس # بالبريديّ في ثياب سود

قد حباه بها الإمام اصطفاء # و اعتمادا منه لغير عميد

خلع تخلع العلا و لواء # عقده حلّ عقدة المعقود

و قال أبو الفرج الأصبهانيّ: بلغ أبو الحسن جحظة أن مدرك بن محمد الشيباني الشاعر ذكره بسوء في مجلس كنت حاضره، فكتب إليّ:

[1]ريح صرّ: شديدة الصوت أو البرد.

[2]الدمق: الريح و الثلج.

[3]درر: جمع درّة، و الدرّة في الأمطار أن يتبع بعضها بعضا.

[4]الحصان: العفيفة.

[5]متبحبح: متمكن.

[6]المعمود: من عمده أي أضناه و أوجعه.

[7]الخميس: الجيش لأنه خمس فرق: المقدّمة. و القلب و الميمنة و الميسرة و الساقة.

21

أبا فرج أهجى لديك و يعتدى # عليّ فلا تحمي لذاك و تغضب‏

فكتبت إليه:

لعمرك ما أنصفتني في مودّتي # فكن معتبا إنّ الأكارم تعتب

عجبت لما بلّغت عنّي باطلا # و ظنّك بي فيه لعمرك أعجب

ثكلت إذا نفسي و عرسي و أسرتي # بفقدي و لا أدركت ما كنت أطلب

فكيف بمن لا حظّ لي في لقائه # و سيّان عندي وصله و التجنّب

فثق بأخ أصفاك محض مودّة # تشاكل منها ما بدا و المغيّب‏

و قال من قصيدة يرثي بها ديكا و هي من أجود ما قيل في مراثي الحيوان:

خطب طرقت به أمرّ طروق # فظّ الحلول عليّ غير شفيق

فكأنما نوب الزمان محيطة # بي راصدات‏[1]لي بكلّ طريق

حتى متى تنحي‏[2]عليّ صروفها # و تغصّني فجعاتها بالريق

ذهبت بكل مصاحب و مناسب # و موافق و مرافق و صديق

حتى بديك كنت آلف قربه # حسن إليّ من الديوك رشيق‏

و منها:

لهفي عليك أبا النذير لو انّه # دفع المنايا عنك لهف شفيق

و على شمائلك اللواتي ما نمت # حتى ذوت من بعد حسن سموق‏[3]

لما بقعت‏[4]و صرت علق مضنّة[5] # و نشأت نش‏ء المقبل الموموق‏[6]

و تكاملت جمل الجمال بأسرها # لك من جليل واضح و دقيق

و كسيت كالطاوس ريشا لا معا # متلألئا ذا رونق و بريق

من حمرة في صفرة في خضرة # تخييلها يغنى عن التحقيق

عرض يجلّ عن القياس و جوهر # لطفت معانيه عن التدقيق

و خطرت ملتحفا ببرد حبّرت‏[7] # منه بديع الوشي كفّ أنيق‏

[1]راصدات: راقبات.

[2]تنحى: تقبل.

[3]سموق: علو و ارتفاع.

[4]يقال: بقع الطير: أي اختلف لونه فهو أبقع.

[5]العلق: النفيس من كل شي‏ء. و يقال: هذا الشي‏ء علق مضنة أي يضنّ به.

[6]الموموق: المحبوب.

[7]حبرت: حسنت.

22

كالجلّنارة[1]أو صفاء عقيقة # أو لمع نار أو وميض بروق

أو قهوة[2]تختال في بلّورة # بتألّق الترويق‏[3]و التصفيق‏[4]

و كأنّ سالفتيك‏[5]تبر سائل # و على المفارق‏[6]منك تاج عقيق

و كأنّ مجرى الصوت منك إذا نبت # و جفت عن الأسماع بحّ‏[7]حلوق،

ناي‏[8]دقيق ناعم قرنت به # نغم مؤلّفة من الموسيقى‏

و منها:

أبكي إذا أبصرت ربعك موحشا # بتحنّن و تأسّف و شهيق

و يزيدني جزعا لفقدك صادح‏[9] # في منزل دان إليّ لصيق

قرع‏[10]الفؤاد و قد زقا فكأنّه # نادى ببين أو نعيّ شقيق

فتأسّفي أبدا عليك مواصل # بسواد ليل أو بياض شروق

و إذا أفاق ذوو المصائب سلوة # و تصبّروا أمسيت غير مفيق‏

قال أبو الفرج: كنت انحدرت إلى البصرة، و لمّا وردتها أصعدت إلى سكّة قريش أطلب منزلا أسكنه؛ لأني كنت غريبا لا أعرف أحدا من أهلها إلا من كنت أسمع بذكره، فاستأجرت بيتا في خان، و أقمت في البصرة أياما ثم خرجت عنها طالبا حصن مهدي؛ و كتبت هذه الأبيات على حائط البيت الذي أسكنه:

الحمد للّه على ما أرى # من صنعتي من بين هذا الورى

أصارني الدهر إلى حالة # يعدم فيها الضيف عندي القرى

بدّلت من بعد الغنى حاجة # إلى كلاب يلبسون الفرا[11]

أصبح أدم السّوق لي مأكلا # و صار خبز البيت خبز الشّرا

و بعد ملكي منزلا مبهجا # سكنت بيتا من بيوت الكرا

فكيف ألفى لاهيا ضاحكا # و كيف أحظى بلذيذ الكرى‏

[1]الجلنار: زهر الرمان، معرّب كلنار.

[2]القهوة: الخمر.

[3]الترويق: التصفية.

[4]التصفيق يقال: صفق فلان الشراب إذا حوّله من إناء إلى إناء ليصفو.

[5]السالفتان: صفحتا العنق.

[6]المفارق: جمع مفرق، و أصله وسط الرأس الذي يفرق فيه الشعر. و المراد هنا أعالي الرأس.

[7]بح: جمع أبح من البحة و هي خشونة و غلظ في الصوت.

[8]الناي: من آلات اللهو أعجمي معرّب، و عربيه زمخر و مزمار.

[9]صادح: وصف، من قولهم: صدح الديك أي رفع صوته.

[10]قرع الفؤاد: فجأه.

[11]الفرا: مقصور الفراء جمع فروة، و هي جلود حيوان تدبغ و تخاط و تبطن بها الثياب فتلبس اتقاء البرد. ـ

23

سبحان من يعلم ما خلفنا # و بين أيدينا و تحت الثرى

و الحمد للّه على ما أرى # و انقطع الخطب و زال المرا

و قال من قصيدة:

و إذا رأيت فتى بأعلى رتبة # في شامخ من عزّه المترفّع

قالت لي النفس العزوف بفضلها # ما كان أولاني بهذا الموضع‏

قال:

الدهر يلعب بالفتى فيهيضه # طورا و يجبر عظمه فيراش‏[1]

و كذا رأينا الدهر في إعراضه # ينحى و في إقباله ينتاش‏[2]

و مما قال في النسيب:

أدلّ‏[3]فيا حبّذا من مدلّ # و من ظالم لدمي مستحلّ

إذا ما تعزّز قابلته # بذلّ و ذلك جهد المقلّ‏

و قال من أبيات:

مرّت بنا تخطر في مشيها # كأنما قامتها بانه

هبّت لنا ريح فمالت بها # كما تثنّى غصن ريحانه

فتيّمت قلبي و هاجت له # أحزانه قدما و أشجانه‏

قال ابن عبد الرحيم: حدّثني أبو نصر الزجاج قال: كنت جالسا مع أبي الفرج الأصبهاني في دكّان في سوق الورّاقين، و كان أبو الحسن علي بن يوسف بن البقّال الشاعر جالسا عند أبي الفتح بن الجزّار الورّاق و هو ينشد أبيات إبراهيم بن العبّاس الصّوليّ التي يقول فيها:

رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها # فكانت قذى عينيه حتى تجلّت‏

فلما بلغ إليه استحسنه و كرره؛ و رآه أبو الفرج فقال لي: قم إليه فقل له: قد أسرفت في استحسان هذا البيت، و هو كذلك، فأين موضع الصنعة فيه؟فقلت له ذاك؛ فقال: قوله «فكانت قذى عينيه» فعدت إليه و عرّفته، فقال: عد إليه فقل له: أخطأت، الصنعة في قوله «من حيث يخفى مكانها» . قال ياقوت: و قد أصاب كل واحد منهما حافة من الغرض؛ فإن الموضعين معا غاية في الحسن و إن كان ما ذهب إليه أبو الفرج أحسن.

مؤلفاته‏

[1]يراش: أي يصير له ريش، و المراد اليسار و حسن الحال. و يقال: راشه يريشه إذا أحسن إليه؛ و أصله من الريش؛ لأن الفقير المملق لا ينهض كالمقصوص الجناح من الطير.

[2]ينتاش: ينقذ؛ يقال: انتاشني فلان من التهلكة، أي أنقذني.

[3]يقال: أدل عليه، إذا وثق بمحبته. فأفرط عليه. و يقال: هي تدلّ عليه أي تجترئ عليه.

24

لأبي الفرج الأصفهاني مصنفات كثيرة عدا كتاب «الأغاني» ، منها: كتاب «مجرّد[1]الأغاني» ، و كتاب «أخبار القيان» ، و كتاب «الإماء الشواعر» ، و كتاب «المماليك الشعراء» ، و كتاب «أدب الغرباء» ، و كتاب «الديارات» ، و كتاب «تفضيل ذي الحجة» ، و كتاب «الأخبار و النوادر» ، و كتاب «مقاتل الطالبيين‏[2]» ، و كتاب «أدب السماع» ، و كتاب «أخبار الطفيليين» ، و كتاب «مجموع الأخبار و الآثار» ، و كتاب «الخمّارين و الخمّارات» ، و كتاب «الفرق و المعيار في الأوغاد و الأحرار[3]» ، و هي رسالة عملها في هارون بن المنجم، و كتاب «دعوة التجار» ، و كتاب «أخبار جحظة البرمكي» ، و كتاب «نسب بني عبد شمس» ، و كتاب «نسب بني شيبان» ، و كتاب «نسب المهالبة» ، و كتاب «نسب بني تغلب» ، و كتاب «نسب بني كلاب» ، و كتاب «الغلمان المغنّين» ، و كتاب «مناجيب الخصيان» عمله للوزير المهلبي في خصيين مغنيين كانا له، و كتاب «الحانات» ، و كتاب «التعديل و الانتصاف في أخبار القبائل و أنسابها» [4]و هو كتاب «جمهرة أنساب العرب» [5]، و كتاب «أيام العرب» : ألف و سبعمائة يوم، و كتاب «دعوة الأطباء» ، و كتاب «تحف الوسائد في أخبار الولائد» . و جمع «ديوان أبي تمام» و لم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما هو الآن في نسخة مصر، و جمع «ديوان أبي نواس» ، و جمع «ديوان البحتري» و لم يرتبه على الحروف بل على الأنواع كما فعل «بديوان أبي تمام» . و له أيضا «كتاب في النغم» [6]، «و رسالة في الأغاني» [7].

وفاته‏

توفي أبو الفرج في 14 ذي الحجة سنة 356 هـ في بغداد، و كان قد خلّط قبل أن يموت. و مات في هذه السنة عالمان كبيران، و ثلاثة ملوك كبار. فالعالمان: أبو الفرج، و أبو عليّ القالي. و الملوك: سيف الدولة بن حمدان، و معز الدولة بن بويه، و كافور الإخشيدي. هذا ما عليه الأكثر في تاريخ وفاته، و قال ابن خلكان: إنه الأصح. و قيل توفي سنة 357 هـ. و في «الفهرست» لابن النديم أنه توفي سنة نيف و ستين و ثلاثمائة. و في «معجم الأدباء» طبع مصر، بعد ذكر تاريخ وفاته سنة 356، حديث يقتضي أن أبا الفرج عاش إلى ما بعد سنة 362؛ و قد وضع هذا الحديث بين قوسين و نصه: [وجدت على الهامش بخط المؤلف تجاه وفاته ما صورته: وفاته هذه فيها نظر و تفتقر إلى تأمّل؛ لأنه ذكر في كتاب «أدب الغرباء» من تأليفه: حدّثني صديق قال: قرأت على قصر معزّ الدولة بالشماسيّة «يقول فلان بن فلان الهروي: حضرت هذا الموضع في سماط معزّ الدولة و الدنيا عليه مقبلة و هيبة الملك عليه مشتملة، ثم عدت إليه في سنة 362 فرأيت ما يعتبر به اللبيب» يعني من الخراب. و ذكر في موضع آخر من كتابه هذا قصة له مع صبي كان يحبه ذكرتها بعد هذا، يذكر فيه موت معز الدولة و ولاية ابنه بختيار، و كان ذلك في سنة 356، و يزعم في تلك الحكاية أنه كان في عصر شبابه؛ فلا أدري ما هذا الاختلاف. آخر ما كان على الهامش‏].

[1]أشار إلى هذا الكتاب في أوّل مقدّمته في كتاب «الأغاني» حيث قال في الصفحة الأولى: و لم يستوعب كل ما غنى في هذا الكتاب و لا أتى بجميعه؛ إذ كان قد أفرد لذلك كتابا مجرّدا من الأخبار و محتويا على جميع الغناء المتقدّم و المتأخر.

[2]طبع هذا الكتاب بطهران في سنة 1307 هـ.

[3]ذكر صاحب «الفهرست» هذا الكتاب، و ذكر له كتابا آخر باسم كتاب «صفة هارون» .

[4]كذا في «معجم الأدباء» و «تاريخ ابن شاكر» . و في «تاريخ ابن خلكان» في مآثر العرب و مثالبها» .

[5]نبه على ذلك المؤلف في كتاب «الأغاني» جزء 19 ص 53 (طبعة بولاق) .

[6]ورد ذكر هذا الكتاب في كتاب «الأغاني» ج 9 ص 49.

[7]ورد ذكر هذه الرسالة في كتاب «الأغاني» ج 5 ص 53 (طبعة بولاق) .

25

كتاب الأغاني و ثناء أهل العلم و الأدب عليه‏

قال أبو محمد المهلبي: سألت أبا الفرج في كم جمعت هذا الكتاب؟فقال: في خمسين سنة، و إنه كتبه مرة واحدة في عمره، و هي النسخة التي أهداها إلى سيف الدولة بن حمدان فأعطاه ألف دينار. و بلغ ذلك الصاحب بن عبّاد فقال: «لقد قصّر سيف الدولة، و إنه ليستحق أضعافها؛ إذ كان مشحونا بالمحاسن المنتخبة و الفقر الغريبة، فهو للزاهد فكاهة، و للعالم مادّة و زيادة، و للكاتب و المتأدّب بضاعة و تجارة، و للبطل رجلة و شجاعة، و للمضطرب‏[1] رياضة و صناعة، و للملك طيبة و لذاذة. و لقد اشتملت خزانتي على مائة ألف و سبعة عشر ألف مجلد ما فيها سميري غيره. و لقد عنيت بامتحانه في أخبار العرب و غيرهم فوجدت جميع ما يعز[2]عن أسماع من قرفه‏[3]بذلك قد أورده العلماء في كتبهم، ففاز بالسبق في جمعه و حسن وضعه و تأليفه» .

و ذكر ابن خلكان أن الصاحب بن عباد كان يستصحب في أسفاره حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب، فلما وصل إليه هذا الكتاب لم يكن بعد ذلك يستصحب غيره لاستغنائه به عنها.

و قال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف كاتب عضد الدولة: لم يكن «كتاب الأغاني» يفارق عضد الدولة في سفره و لا حضره، و إنه كان جليسه الذي يأنس إليه و خدينه الذي يرتاح نحوه.

و قال ياقوت: و لعمري إن هذا الكتاب جم الفوائد عظيم العلم، جامع بين الجدّ البحت، و الهزل النحت.

و قال أبو جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد: اتّصل بي أن مسوّدة «كتاب الأغاني» ، و هي أصل أبي الفرج، أخرجت إلى سوق الورّاقين ببغداد لتبتاع، فأنفذت إلى ابن قرابة، و سألته إنفاذ صاحبها لابتاعها منه لي، فجاءني و عرّفني أنها بيعت في النداء بأربعة آلاف درهم، و أن أكثرها في ظهور و بخط التعليق، و أنها اشتريت لأبي أحمد بن محمد بن حفص؛ فراسلت أبا أحمد، فأنكر أنه يعرف شيئا من هذا؛ فبحثت كل البحث فما قدرت عليها.

قال ياقوت: قرأت على ظهر جزء من نسخة «لكتاب الأغاني» لأبي الفرج: حدّث ابن عرس الموصلي، و كان المترسل بين عز الدولة و بين أبي تغلب بن ناصر الدولة و كان يخلف أبا تغلب بالحضرة، قال: قال كتب إليّ أبو تغلب يأمرني بابتياع «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، فابتعته له بعشرة آلاف درهم من صرف ثمانية عشر درهما بدينار، فلما حملته إليه و وقف عليه و رأى عظمة و جلالة ما حوى قال: لقد ظلم ورّاقه المسكين، و إنه ليساوي عندي عشرة آلاف دينار، و لو فقد لما قدرت عليه الملوك إلا بالرغائب، و أمر أن تكتب له نسخة أخرى و يخلد عليها اسمه، فابتدأ بذلك، فما أدري أتمت النسخة أم لا.

و روى صاحب «نفح الطيب» : أنّ الحكم المستنصر أحد خلفاء بني أمية بالأندلس بعث في «كتاب الأغاني» إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، و كان نسبه في بني أمية، و أرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين، فبعث إليه نسخة منه قبل أن يخرجه بالعراق.

[1]كذا بالأصل. و صوابه «و للمتظرف» عن «كتاب تجريد الأغاني» .

[2]كذا بالأصل. و لعلها «يعزب» بمعنى يغيب و يخفى.

[3]قرفه بكذا: اتهمه به.

26

و قال ابن خلدون في «مقدّمته» : و قد ألّف القاضي أبو الفرج الأصبهاني، و هو ما هو، «كتابه في الأغاني» ، جمع فيه أخبار العرب و أشعارهم و أنسابهم و أيامهم و دولهم، و جعل مبناه على الغناء في مائة الصوت التي اختارها المغنون للرشيد، فاستوعب فيه ذلك أتم استيعاب و أوفاه. و لعمري إنه ديوان العرب، و جامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر و التاريخ و الغناء و سائر الأحوال، و لا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، و هو الغاية التي يسمو إليها الأديب و يقف عندها، و أنّى له بها.

نقد «كتاب الأغاني»

قال ياقوت: و قد تأملت هذا الكتاب و عنيت به و طالعته مرارا و كتبت منه نسخة بخطي في عشر مجلدات، و نقلت منه إلى كتابي الموسوم «بأخبار الشعراء» فأكثرت، و جمعت تراجمه فوجدته يعد بشي‏ء و لا يفي به في غير موضع منه؛ كقوله في أخبار أبي العتاهية: «و قد طالت أخباره هاهنا و سنذكر خبره مع عتب‏[1]في موضع آخر» و لم يفعل. و قال في موضع آخر: «أخبار أبي نواس مع جنان إذ كانت سائر أخباره قد تقدّمت‏[2]» و لم يتقدّم شي‏ء، إلى أشباه لذلك. و الأصوات المائة هي تسعة و تسعون، و ما أظنّ إلا أن الكتاب قد سقط منه شي‏ء أو يكون النسيان غلب عليه، و اللّه أعلم.

«مختصرات كتاب الأغاني»

اختصر «كتاب الأغاني» جماعة: منهم الوزير الحسين بن علي بن حسين أبو القاسم المعروف بابن المغربي المتوفى سنة 418 هـ.

و منهم القاضي‏[3]جمال الدين محمد بن سالم المعروف بابن واصل الحموي المتوفى سنة 697 هـ.

و منهم أبو القاسم عبد اللّه المعروف بابن باقيا الكاتب الحلبي المتوفى سنة 485 هـ. قال عنه ابن خلكان:

و اختصر «الأغاني» في مجلد واحد.

و منهم الأمير عز الملك محمد بن عبد اللّه بن أحمد الحرّاني المسبّحي الكاتب المتوفى سنة 420 هـ.

و منهم الإمام اللغوي جمال الدين محمد بن المكرم الأنصاري صاحب «لسان العرب» المتوفى سنة 711 هـ «و مختاره» مرتب على حروف الهجاء سماه «مختار الأغاني في الأخبار و التهاني» [4]» .

[1]الذي في «الأغاني» : «و لم أذكر هاهنا مع أخبار أبي العتاهية أخباره مع عتبة و هي من أعظم أخباره لأنها طويلة و فيها أغان كثيرة و قد طالت أخباره هاهنا فأفردتها» (جزء 3 ص 183 طبعة بولاق) .

[2]الذي في «الأغاني» جزء 18 ص 2: «إذا كانت أخباره قد أفردت خاصة» .

[3]و سمي كتابه «تجريد الأغاني من ذكر المثالث و المثاني» . و قال في مقدمته إنه جرد الأغاني من ذكر الأصوات و ما احتوت عليه من أنواع النغم و الإيقاعات مما لا فائدة من ذكره كما جرده من الأسانيد و المكرّرات و الأخبار و الأشعار المشتركة، و اقتصر فيه على غرر فوائده و درر فوائده، و أضاف إليه فوائد أخرى تتعلق به و شرح بعض المستغلق من ألفاظه. و يوجد منه بدار الكتب المصرية الجزء الأوّل في ثلاثة مجلدات برقم 5071 أدب مأخوذة بالتصوير الشمسي عن نسخة خطية محفوظة بمكتبة أيا صوفية بالآستانة برقم 1400 مكتوبة بخط محمد بن محمد النصيبي كتبها بمحروسة حماة و فرغ من كتابتها سنة 666 هـ و جعلها برسم خزانة السلطانة أبي الفتح محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر أبي الفتح عمر بن شاهنشاه بن أيوب.

[4]و يوجد منه بدار الكتب المصرية الجزء الثاني أوّله حرف الباء: وقعة بدر و ينتهي إلى أثناء الكلام على ترجمة حمزة بن بيض الحنفي الشاعر من حرف الحاء، في ثلاثة مجلدات برقم 4646 أدب مأخوذة بالتصوير الشمسي من النسخة الخطية المحفوظة بمكتبة كوبريلي بالآستانة.

27

و منهم الرشيدي أبو الحسين أحمد بن الرشيد بن الزبير.

و قد اختصر أيضا «كتاب الأغاني» حضرة أستاذنا الفاضل محمد الخضري بك المفتش بوزارة المعارف و حذف منه الأسانيد و ما لم يستحسن ذكره من الفحش و المخل بالأدب، و روى الشعر كما قاله الشعراء لا كما غنى به المغنون فتمم بعض القصائد المنقوصة، و رتب بعض القطع المشوشة بعد الرجوع إلى أصولها، و جعله في قسمين:

في القسم الأوّل الشعراء، و في الثاني المغنون. و رتب الشعراء ثلاث طبقات: الأولى طبقة الشعراء الجاهليين، و الثانية طبقة الشعراء الإسلاميين، و الثالثة طبقة الشعراء المحدثين، و جعل المخضرمين بين كل طبقتين مع الأولى منهما، و نظم في سلك شعراء كل قبيلة في كل طبقة، فبدأ بشعراء قحطان ثم ثنّى بشعراء عدنان، و بدأ بالأوّلين بشعراء حمير و أثنى بشعراء كهلان، و بدأ الآخرين بشعراء ربيعة و أثنى بشعراء مضر. و قد طبع الكتاب في ثمانية أجزاء: الأوّل و الثاني في الطبقة الأولى من الشعراء الجاهليين و المخضرمين، و الثالث و الرابع في الطبقة الثانية من الشعراء الإسلاميين و مخضرمي الدولتين، و الخامس و السادس في الطبقة الثالثة من الشعراء المحدثين، و السابع في المغنين و فيه مقدّمة في الغناء العربي، و الثامن فيه الفهارس و الملحوظات.

كتب الأغاني المؤلفة قبل هذا الكتاب و المسماة باسمه‏

ليس «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني أوّل كتاب ألّف في هذا الفنّ؛ فقد ألّف قبله عدّة كتب في الغناء سميت باسمه. و نعرف من هذه الكتب:

(1) «كتاب أغاني إسحاق» التي غنى بها.

(2) «كتاب الأغاني الكبير» -و قد اختلف في نسبة هذا الكتاب إلى إسحاق. قال ابن النديم في «الفهرست» ص 141:

«قرأت بخط أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد بن الزبير الكوفي الأسديّ، حدّثني فضل بن محمد اليزيديّ قال: كنت عند إسحاق بن إبراهيم الموصليّ فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد، أعطني «كتاب الأغاني» ؛ فقال: ما «كتاب الأغاني» : الذي صنفته أو الكتاب الذي صنّف لي؟يعني بالذي صنفه كتاب أخبار المغنين واحدا واحدا، و بالكتاب الذي صنّف له أخبار «الأغاني الكبير» الذي في أيدي الناس.

ثم ذكر حكاية أخرى لتأييد ذلك و هي‏[1]:

حدّثني أبو الفرج الأصفهاني قال حدّثني أبو بكر محمد بن خلف وكيع قال سمعت حماد بن إسحاق يقول:

ثم الجزء الثاني أيضا يبتدئ من بقية حرف الألف بترجمة أبي عطاء أفلح السندي و ينتهي إلى أثناء حرف الجيم مأخوذ بالتصوير الشمسي عن النسخة المحفوظة بمكتبة المجلس البلدي بالإسكندرية المخطوطة بخط ولده عبد اللّه علي بن محمد بن المكرم، فرغ من كتابته في الرابع من شهر ربيع الأوّل سنة 683 هـ في 175 لوحة و كل لوحة تشتمل على صفحتين في الربع في مجلدين، برقم 7421 أدب.

ثم ثلاثة مجلدات تبتدئ من أوّل حرف الحاء إلى حرف الميم آخره المغيرة الأقيشر مأخوذة بالتصوير الشمسي من نسخة خطية محفوظة بمكتبة الأزهر و هما برقم 5503 أدب.

و قد طبع منه الجزء الأوّل هذا العام بالمطبعة السلفية بمصر و ينتهي إلى آخر أخبار إسحاق الموصلي.

[1]ستأتي هذه الحكاية في خطبة كتاب «الأغاني» على نحو ما حكاها صاحب «الفهرست» .

28

ما ألّف أبي هذا الكتاب قط-يعني كتاب «الأغاني الكبير» -و لا رآه. و الدليل على ذلك أن أكثر أشعاره المنسوبة إنما جمعت لما ذكر معها من الأخبار و ما يجي‏ء فيها إلى وقتنا هذا، و أن أكثر نسبه إلى المغنين خطأ. و الذي ألّفه أبي من دواوين غنائهم يدلّ على بطلان هذا الكتاب؛ و إنما وضعه ورّاق كان لأبي بعد وفاته سوى «الرخصة» التي هي أوّل الكتاب، فإنّ أبي ألفها؛ لأن أخباره كلها من روايتنا. و قال أبو الفرج: هذا ما سمعته من أبي بكر وكيع حكاية فحفظته و اللفظ يزيد و ينقص. و أخبرني جحظة أنه يعرف الورّاق الذي وضعه، و كان يسمى سندي بن علي، و حانوته في طاق الزبل، و كان يورّق لإسحاق، فاتفق هو و شريك له على وضعه. و هذا الكتاب يعرف في القديم «بكتاب الشركة» ، و هو أحد عشر جزءا لكل جزء أوّل يعرف به؛ فالجزء الأوّل من الكتاب: الرخصة، و هو تأليف إسحاق لا شك فيه و لا خلف.

(3) «كتاب الأغاني» لحسن بن موسى النصيبي، و هو مرتب على حروف المعجم. قال ابن النديم في كتاب «الفهرست» ص 145: «ألفه للمتوكل، و ذكر في هذا الكتاب أشياء من الأغاني لم يذكرها إسحاق و لا عمرو بن بانة، و ذكر من أسماء المغنين و المغنيات في الجاهلية و الإسلام كل طريف و غريب» .

(4) «كتاب الأغاني» ، هو أيضا لحسن بن موسى المذكور آنفا. قال ابن النديم في «الفهرست» بعد أن عزا إليه الكتاب السالف: و له «كتاب الأغاني» على الحروف.

الكلمات الاصطلاحية الواردة في كتاب الأغاني‏

جاء في مقال نشر المجلد الخامس من مجلة المقتبس صفحة 208 تحت عنوان «مصطلحات آلات الطرب و أغاني العرب» بحث في اصطلاح الأصوات و أنواع الألحان الواردة في «كتب الأغاني» . و هو مأخوذ من كتاب مخطوط اسمه «نيل السعود في ترجمة الوزير داود» كتب سنة 1232 هـ كما ذكر في وصفه في المجلد الثاني من مجلة المقتبس ص 385. و عنوان البحث في هذا الكتاب: «العود و مصطلحاته» .

و إذ كانت الأصوات الواردة أسماؤها في «كتاب الأغاني» غير معروفة على كثرة بحث العلماء عنها، رأينا نقل ما له تعلق ببيان اصطلاحها من هذا المقال إفادة للقرّاء. و هو.

قال صاحب الكتاب: «العود و مصطلحاته» في الصفحة 221 من المخطوط و ما يليها:

«كثيرا ما كنت أطالع في «كتاب الأغاني» ألفاظا في مصطلح الغناء و ما كنت أتوصل إلى فهمها، حتى ظفرت أخيرا برسالة لعبد القادر بن غيبي الحافظ المراغي المشهور بعلم الألحان، فأخذت عنه ما يتعلق بفتح مغلق الكلام الخاص بهذا العلم فأقول:

اعلم أن الألفاظ الواردة في «كتاب الأغاني» تتعلق كلها بالعود العربيّ، فإذا علمت تركيب هذه الآلة هان عليك فهم ما أشكل عليك من مصطلحها. فهذه الآلة طولها مثل عرضها مرّة و نصف مرة، و غورها كنصف عرضها، و عنقها كربع طولها في الراحة و ثخن الورقة من خشب خفيف. و وجهها أصلب، و تمدّ عليه أربعة أوتار أغلظها البمّ بحيث يكون غلظه مثل المثلث الذي يليه مرة و ثلثا، و المثلث إلى المثنى كذلك، و المثلث‏[1]مثل الزير كذلك. و قد ضبطوها بطاقات الحرير فقالوا:

[1]كذا في المجلة المنقول عنها هذا الموضوع. و لعله و المثنى إلى الزير كذلك.

29

يجب أن يكون البم أربعا و ستين طاقة، و المثلث ثمانيا و أربعين، و المثنى ستا و ثلاثين، و الزير سبعا و عشرين.

و تجعل رءوسها من جهة العنق في ملاو، و الأخرى كمشط فتتساوى أطوالها. ثم يقسم الوتر أربعة أقسام طولا و يشدّ على ثلاثة أرباعه مما يلي العنق، و هذا دستان الخنصر. ثم ينقسم الآخر تسعة و يشدّ على تسعه مما يلي العنق، و هذا دستان السبابة. ثم يقسم ما تحت دستان السبابة إلى المشط أتساعا متساوية و يشدّ على التسع مما يلي المشط، و يسمى دستان البنصر، فيقع فوق دستان الخنصر مما يلي دستان السبابة. ثم يقسم الوتر من دستان الخنصر مما يلي المشط ثمانية أقسام، و ضعّف إليها جزءا مثل أحدها مما بقي من الوتر و شدّه فهو دستان الوسطى، و يكون وقوعه بين السبابة و البنصر. فهذه الاصطلاحات هي المصححة للنسب. فإذا جذب وتر منها إلى غاية معلومة سمي الزير، فيجذب المثنى على نسبة تليه في الانحطاط، و هذا مع الجنس‏[1]بالخنصر و الضرب حتى يقع التساوي.

و تكلم بعد هذا على مناسبة أنواع الوتر للعناصر و الطباع. ثم قال: قوانين الغناء لا تخرج عن ثمانية:

ثقيل أوّل، و رسمه:

تنّ تنّ تنّ. تنّ تنّ تنّ.

و هو مركب من تسع نقرات هي ثلاث متواليات و واحدة كالسكون فخمس مطوية الأوّل.

و ثقيل ثان، و هذا رسمه:

تنّ تنّ تن. تنّ تنّ تن.

و هو مركب من إحدى عشرة و هي ثلاث متواليات فواحدة ساكنة فثقيلة فأربع مطوية الأوّل.

و خفيف الثقيل الثاني و يسمى الماخوري، و هذا رسمه:

تن تن تنّ تن تن تنّ.

و هو مركب من ست: ثلاث متواليات فسكون ثم ثلاث.

و رمل و يسمى ثقيل الرمل، و هذا رسمه:

تنّ تن تن. تنّ تن تن.

و هو مركب من سبع و هي ثقيلة أولى فمتواليتان فسكون و هكذا إلى آخره.

و خفيفه، و هذا رسمه:

تن تن. تن تن. تن تن. تن تن.

و هو مركب من ثلاث نقرات متوالية متحركة.

و خفيف الخفيف، و رسمه:

تن تن تن. تن تن تن.

و هو مركب من نقرتين بينهما سكون قدر واحدة.

و هزج، و رسمه:

تن تن تن تن. تن تن تن تن.

[1]لعله «الجسّ» .

30

و هو مركب من نقرة كالسكون ثم سكون قدر نقرة ثم بين كل اثنتين سكون.

فهذه أصول التراكيب و إنما تكرر بحسب استيفاء الأدوار.

و تكلم بعد هذا على أنواع أخرى من الأغاني ثم قال:

و اعلم أن اللحن يسمى مطلقا إذا لم يكن مقيدا بلفظة تدل على وصفه كالثقيل و الخفيف و خفيف الخفيف.

و يذكر بعد اللحن موقع الأصبع الذي يبتدأ به ليهتدي إلى قراره، فيقال مثلا: ثاني ثقيل مطلق أو ثاني ثقيل بالوسطى أو بالخنصر في مجرى البنصر أو خفيف رمل بالبنصر أو خفيف ثقيل أوّل بالبنصر إلى غير ذلك، و هو المعروف عند أصحاب هذا الفن بمواقع الأصابع من الدساتين.

نسخ الأغاني‏

نسخ الأغاني الموجودة بدار الكتب و التي روجعت عليها هذه الطبعة هي:

(1) نسخة ت‏

و هي النسخة التيمورية المرموز إليها بالحرف «ت» . و ليس لدينا منها سوى الجزء الأوّل استعرضناه من حضرة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا عند ما بدأنا في تصحيح «كتاب الأغاني» . و قد أخبرنا سعادته أن ليس لديه من هذه النسخة سوى هذا الجزء. و هو جزء مخطوط يقع في 246 ورقة تنتهي بآخر المجنون (قيس بن الملوّح) .

و قد كتب على الصفحة الأولى منه عنوان الكتاب و اسم مؤلفه و فهرس لما فيه من التراجم، بخط واضح بيّن.

و في أعلى الصفحة جملة لم يبن منها سوى هذه الكلمات: «في ملك.. العلي... الحنبلي عفا اللّه عنه و عافاه» .

و في وسط الصفحة كتب بخط كبير كلمات شطب عليها و لم نتبيّن منها بعد الشطب بمنتهى الصعوبة سوى: «شرى من دار السلام أحد و عشرون جزءا من كتب العبد الفقير إلى اللّه تعالى... بن يوسف بن عمر... بن رسول عفا اللّه عنه» . و في جانبها الأيمن من الأسفل خط مشطوب لم نتبين منه بعد الجهد سوى هذه الكلمات: «حاز النسخة الشيخ العالم... من تركة... العبد الفقير إلى ربه الغنيّ الغفار سنة 937» . و في الجانب الآخر كتب بحبر أحمر لم نتبينه كله و هو: «هذا خط ملك اليمن... الملك... رحمة اللّه عليهم أجمعين... و كل منهما ترجم عثمان و أنشد لشيخ الإسلام‏[1]:

مذ مدّ مجد الدّين في أيامه # من بعض أبحر علمه القاموسا

نسخت صحاح الجوهريّ كأنها # سحر المدائن حين ألقى موسى‏

و يبلغ طول الصفحة منها 24 سنتيمترا و عرضها 16 سنتيمترا و طول ما رسم منها 19 سنتيمترا بعرض 11 سنتيمترا و في كل صفحة 15 سطرا.

و ليس بهوامشها سوى بعض كلمات أو جمل سقطت من الأصل فاستدركها الناسخ و يكتب في نهايتها كلمة «صح» إشارة إلى سقوطها من الأصل، أو روايات مختلفة عن نسخ أخرى، و يكتب فوقها الحرف «خ» إشارة إلى روايتها بهذا النص في نسخة أخرى.

[1]نسب هذين البيتين السيد مرتضى في «شرح خطبة القاموس» لنور الدين علي بن محمد العفيف المكي المعروف بالعليفي. ـ

31

أما خطها فهو الخط النسخيّ، و يرجع عهده إلى ما قبل القرن العاشر بدليل تملكها في هذا التاريخ كما كتب في أوّل صفحة منها، و إن كنا لم نستطع الحكم بالضبط عن سنة نسخها؛ لأنه لم يتبين فيها سنة نسخها بالضبط و لا الخزانة التي كتبت برسمها و لا موضع كتابتها و لا مقابلتها بنسخة أخرى و لا شي‏ء من ذلك.

و النسخة مضبوط أكثر كلماتها بالحركات، و تغلب عليها الصحة. و قد وجدنا بها زيادة نحو سبع صفحات ليست في نسخة أخرى فأثبتناها في هذه الطبعة، و هي الموجودة بين قوسين مربعين من ابتداء السطر الثالث من صفحة 156 إلى السطر الخامس من صفحة 163.

(2) نسخة أ

لم نجد بها مناسبة لحرف من الأحرف و لذلك اصطلحنا على تسميتها بالحرف «أ» ، و هي نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 1318 أدب، تقع في أربعة عشر مجلدا، ينقص منها الجزء الرابع و الثامن و الحادي عشر و الثاني عشر مكتوبة بخطوط مختلفة.

و الجزء الأوّل منها يقع في 231 ورقة و ينتهي بآخر أخبار قيس بن الملوّح.

و ليس في الصفحة الأولى منها سوى اسم الكتاب. و كتب في أحد جوانبها جملة لا علاقة لها بشي‏ء من ذلك، و هي «عورك اسمه الحسن بن عتبة اللهبيّ في ترجمة معبد» .

و يبلغ طول الصفحة منها 26 سنتيمترا و عرضها 18 سنتيمترا و طول ما رسم من الكتابة في الصفحات 16 سنتيمترا بعرض 11 سنتيمترا و في كل صفحة 17 سطرا. و ليس على هوامشها سوى بعض تعليقات سقطت من الأصل فاستدركها الناسخ و يكتب في نهايتها غالبا لفظ «صح» إشارة سقوطها من الأصل، أو روايات مختلفة عن نسخ أخرى و يكتب فوقها الحرف «خ» إشارة إلى روايتها بهذا النص في نسخة أخرى.

و في أوّل هذا الجزء ورقتان مكتوبتان بخط مخالف لخط الكتاب، أما بقية الكتاب فمكتوب بخطين مختلفين:

أحدهما قديم كتب قبل سنة 693 هـ إذ وجد في الجزأين الثاني و السابع عشر هذه العبارة في الورقة الأولى منهما و هي: «تملكه شرعا علي بن الأمير الدلقيدي» سنة 693 هـ. و أما الخط الآخر فهو خط موسى الشعراني و قد كتب في سنة 1155 كما ورد في آخر الجزء المتم العشرين من الكتاب.

أما نوع الخط فهو في كلا الخطين الخط النسخي المعهود. و الخط القديم مضبوط أكثر كلماته بالحركات، غير أنّنا لم نعتمد عليه في ضبط نسختنا هذه؛ لأن فيه كثيرا من الكلمات لم يضبط على وجهه الصحيح.

أما الخط الحديث فعار عن الضبط إلا قليلا، و لم نعتمد أيضا في نسختنا هذه عليه.

و لم تتبين في النسخة الخزانة التي كتبت برسمها و لا موضع كتابتها و لا مقابلتها بنسخة أخرى. و إن في آخر الكتاب ما يفيد أن الشيخ حسنا العطار طالعها، و ناهيك بمقدار علمه و أدبه؛ فقد كان من أدباء عصره و له مؤلفات مشهورة.

(3) نسخة ج‏

لم نجد بها مناسبة لحرف من الأحرف فاصطلحنا على تسميتها بالحرف «ج» . و هي نسخة في مجلدين كبيرين‏

32

بالمجلد الأوّل 636 ورقة و بالثاني 765 ورقة و هي كلها بخط موسى الشعراني، صرح بهذا في آخر الجزء الثاني و أنه تم نسخها في يوم الجمعة 20 شعبان سنة 1142 هـ. و أما المجلد الأوّل فلم يذكر فيه اسم الناسخ و إنما ذكر أنه تم في يوم الخميس 18 محرّم الحرام سنة 1143 هـ. و مكتوب بجانب هذا ما نصه: «تملكت هذه النسخة و طالعتها و صححتها بقدر استطاعتي و أنا الفقير عثمان المورويّ عفا اللّه عنه و عن والديه» . و الصفحة الأولى من هذه النسخة ليس بها شي‏ء خاص بعنوان الكتاب أو اسم مؤلفه، و ليس بها سوى هذه الجملة مكتوبة بخط واضح و هي:

«استصحبه العبد الفقير شفيق الحسين أصلح اللّه تعالى شأنه، و صانه عما شانه في سنة 234» . و هذه الجملة مكتوبة بشكل مثلث على رأس روايته الحرف «م» . و في الصفحة الثانية ختم «صالح نائلي» . و يبلغ طول الصفحة منها 32 سنتيمترا تقريبا و عدد سطورها 45 سطرا. و بحواشيها بيان معاني بعض الكلمات اللغوية أو استدراك ما سقط من الأصل و يكتب في آخرها كلمة «صح» إشارة إلى ذلك، أو بيان بعض الروايات المختلفة عن نسخة أخرى و يكتب في آخرها الحرف «خ» و النسخة عارية عن الضبط إلا في الشعر فإنه مضبوط في كثير من كلماته.

و نوع الخط فيها هو الخط النسخيّ.

و لم نتبين في النسخة اسم الخزانة التي كتبت برسمها و لا موضع كتابتها و لا مقابلتها بنسخة أخرى.

(4) نسخة م‏

و هي نسخة في ثلاثة مجلدات، تشتمل على أكثر الكتاب. و هي إحدى نسخ المكتبة القيمة التي أهداها المرحوم مصطفى فاضل باشا لدار الكتب. و قد استحسنا أن نسميها بالحرف «م» تنبيها إلى ذلك و لأن كتبه بدار الكتب تعطي الرقم الخاص بها ملحقا بها هذا الحرف.

و بالمجلّد الأوّل 270 ورقة و بالثاني 237 ورقة و بالثالث 333 ورقة.

و ليس في الصفحة الأولى و لا الأخيرة من هذه النسخة شي‏ء خاص بعنوان الكتاب و لا اسم مؤلفه و لا من تملك هذه النسخة و لا الخزانة التي كتبت برسمها و لا سنة نسخها و لا اسم ناسخها و لا موضع كتابتها أو مقابلتها بنسخة أخرى. و طول صفحتها 33 سنتيمترا و عرضها 21 سنتيمترا. و طول ما رسم من الكتابة 26 سنتيمترا بعرض 16 سنتيمترا. و عدد الأسطر 25 سطرا. و ليس بحواشيها شي‏ء من التعليقات. و هي عارية عن الضبط. و لا يوثق بصحتها كثيرا لكثرة ما فيها من التحريف.

(5) نسخة د

و هي نسخة بها عشرة مجلدات، الثمانية الأولى بها من أول الجزء الأوّل إلى آخر الثامن و بالمجلدين التاسع و العاشر الجزءان الرابع عشر و الخامس عشر.

و لم نجد مناسبة لتسميتها بحرف من الحروف فسميناها بالحرف «د» . و بالجزء الأوّل 176 ورقة كتبها حسن بن محمد الشماوي، صرح بهذا في الجزء الرابع منها. و ليس في هذه النسخة ما يدل على الخزانة التي كتبت برسمها و لا من تملكها و لا سنة نسخها و لا موضع كتابتها أو مقابلتها بنسخة أخرى.

و هذه النسخة تغلب عليها الجدّة. و هي عارية عن الضبط، و لا يوثق بها لكثرة ما فيها من التحريف.

33

و طول الصفحة منها 24 سنتيمترا و عرضها 17 سنتيمترا و طول ما رسم من الكتابة 18 سنتيمترا بعرض 10 سنتيمترات. و عدد سطورها 21 سطرا.

(6) نسخة ر

و هذه النسخة طبعت في أوربا (الجزء الأوّل) و لذلك سميناها بالحرف «ر» ، و هي مطبوعة في مدينة جزيپيز فولد سنة 1840 م نقلها عن مخطوطات عربية و معها ترجمة لاتينية و ملاحظات «المسيو روز جارتن» .

و ينتهي هذا الجزء قبل آخر أخبار ابن محرز و نسبه. و كل كلماتها مضبوطة بالحركات.

(7) نسخة ب‏

و قد اصطلحنا على تسميتها بالحرف «ب» و هي نسخة كاملة رقمها بالدار 144 أدب ش في 20 جزءا مطبوعة بمطبعة بولاق الأميرية سنة 1285 هـ و هي نسخة العلامة المرحوم الشيخ محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي. و قد صحح بعض ما بها من تحريف تبينه أثناء مطالعة الكتاب، و كان أحيانا يكتب صواب الكلمة بالهامش و طورا يكشطها ثم يكتب صوابها بغاية الدقة في موضعها الأصليّ، أو يصلح الحرف المحرّف بالحرف الصحيح كالدال في موضع الراء، و مرة يكشط نقطة أو يضيف على الموجودة أخرى أو يعجم الحرف المهمل أو يهمل المعجم، و ذلك كله في نفس الكلمة المطبوعة و بطريقة لا تكاد تظهر إلا بإنعام النظر و كثرة التأمل.

و لا يغيب عن القارئ أن الأستاذ الشنقيطيّ لم يتعمد تصحيح «كتاب الأغاني» ، و إنما كان يعنّ له أثناء مطالعته في نسخته الخاصة بعض تحريفات فيصححها، و إلا فالكتاب مملوء تحريفا أكثر بكثير مما أصلحه لنسخته، كما يتبين ذلك من مراجعة هذه الطبعة و مقارنتها بطبعتي بولاق و الساسي، و بعضه تحريف ظاهر. و عدم تنبه الأستاذ الشنقيطي لتصويبه في نسخته يدل على أنه لم يقرأه.

(8) نسخة س‏

و هي نسخة الساسي، و قد اصطلحنا على تسميتها بالحرف «س» ، و هي نسخة طبعها المرحوم الحاج محمد أفندي ساسي المغربي و أضاف إليها الجزء الحادي و العشرين.

(9) نسخة ط

و قد اصطلحنا على تسميتها بالحرف «ط» لأن كاتبها هو محمد بن أبي طالب البدري و ذلك في شهور سنة 614 هـ. و لم نرمز لها بالحرف «م» من محمد أو «ب» من البدري، لأننا رمزنا بهذين الحرفين لنسختين أخريين.

أما هذه النسخة فالموجود منها بدار الكتب المصرية أربعة أجزاء في أربعة مجلدات و هي:

(1) الجزء الثاني، أوله في الصفحة الأولى ذكر عديّ بن زيد، ثم ما يلي هذه الصفحة مخروم، و الخرم يستغرق كل أخبار عدي ثم جزءا من أخبار الحطيئة و يبلغ مقداره نحو 28 صفحة و نصف صفحة من طبعة بولاق.

و تبتدئ الصحف الموجودة بهذا البيت:

34

باستك إذ خلفتني خلف شاعر # من الناس لم أكفئ و لم أتنحل‏

و تنتهي بآخر أخبار بشار بن برد الشاعر و نسبه.

و رسم بوجه الصفحة الأولى صورة ملوّنة بالأحمر و الأخضر و الأسود و اللازوردي، و فيها بعض التذهيب، و هي تمثل مجلسا من مجالس الرقص و الغناء و قد ضم عددا من الجواري و القيان. و في هامش ظهر هذه الصفحة طبع خاتم لم يظهر منه إلا «أبو الحسن علي الشريف» و بدائرته «لا إله إلا اللّه وحده صدق وعده» . و يقع هذا الجزء في 173 صفحة. و يبلغ طول الصفحة منه 32 سنتيمترا، و عرضها 23 سنتيمترا، و طول ما كتب منها 24 سنتيمترا بعرض 16 سنتيمترا، و في كل صفحة 15 سطرا.

و ليس بهوامشه سوى بعض كلمات أو جمل سقطت من الأصل فاستدركها الناسخ و كتب في نهايتها كلمة «صح» إشارة إلى سقوطها من الأصل، أو روايات مختلفة عن نسخ أخرى، و يكتب فوقها الحرف «خ» إشارة إلى روايتها بهذا النص في نسخة أخرى.

أما خط الجزء فهو النسخ المعهود. و هو واضح متقن، و أوله محلى بالذهب و تراجمه كذلك، و قد ضبطت ألفاظه بالحركات، و ورد بآخره هذه العبارة:

«الحمد للّه وحده. طالعه الفقير حسن بن محمد العطار الأزهري، غفر اللّه له» . و هو عالم جليل و مؤلف معروف، تولى مشيخة الأزهر الشريف سنة 1246 هـ.

كما ورد أيضا: «طالعه الفقير درويش سنة 1016» .

(2) الجزء الرابع، و أوله أخبار طويس و نسبه، و ينتهي إلى آخر نسب إبراهيم الموصلي و أخباره. و في أول هذا الجزء ورقة مكتوبة بخط مخالف لخط الكتاب تشمل أسماء من ترجم لهم صاحب «الأغاني» في هذا الجزء كما كتبت فيها هذه العبارة بخط مخالف لهذا النمط أيضا و هي: «الحمد للّه وحده. قد دخل هذا الجزء الذي هو الرابع من «الأغاني» في نوبة عبد اللّه ابن الفقير إليه محمد بن محمود الجزائري الشهير بابن العتابي-كان اللّه له- بثمن قدره تسع ريالات صغيرة جزائرية و ربع واحدها، و ذلك بتاريخ أواخر شعبان سنة خمس عشرة و اثني (كذا) عشر (كذا) مائة أحسن اللّه عاقبتها بحمده إليه» .

و قد رسم بوجه الصحيفة الأولى منه صورة بالألوان كالسابقة إلا أنها تخالفها في الوضع. و هي تمثل أميرا و حوله الغواني و القيان و في أيديهنّ العود و الدف و القيثارة.

و أوصافه من جهة الخط و المقياس تنطبق على أوصاف المجلد السابق لأنه مخطوط بخط الناسخ المتقدّم، و يقع في 205 صفحة، و به خروم في الوسط.

و قد كتب بآخره: «الحمد للّه. طالعه الفقير حسن بن محمد العطار الأزهري سامحه اللّه. طالعه محمد أحمد السروجي المالكي في ثاني ذي العقدة سنة سبع و سبعين و ثمانمائة غفر اللّه له و للمسلمين و صلّى اللّه على محمد و آله و سلّم» .

(3) الجزء الحادي عشر، و أوله خبر أساقفة نجران مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ينتهي إلى أخبار سويد بن أبي كاهل و نسبه، و هو مخطوط بخط الناسخ المتقدّم أيضا و أوصافه كأوصاف سابقيه و يقع في 208 صفحة.

35

و قد كتب بآخره: «الحمد للّه. طالعه الفقير حسن بن محمد العطار الأزهري سامحه اللّه» و «الحمد للّه.

طالعه فقير[إلى‏]رحمة ربه الغني محمد أحمد السروجي المالكي في حادي عشر محرم الحرام سنة ثمان و سبعين و ثمانمائة... و صلّى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلّم» و «الحمد للّه وحده. و صلّى اللّه على سيدنا محمد، طالع في هذا الكتاب المبارك الفقير سليمان جاويش الشهير بالأخرس و بابن أزدمر غفر اللّه له بمنه. و ذلك في أوائل شهر المحرم الحرام سنة ثلاثة (كذا) عشر بعد ألف» و «طالع في هذا الكتاب المفتقر إلى رحمة ربه و مغفرته و رضوانه الحقير رمضان آغا ابن المرحوم سليمان جاويش الخدم العالية غفر اللّه لهما و لوالديهما و لمن طالع فيه و أهدى ثواب لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه لهما مع الفاتحة في شهر ذي القعدة سنة 1015» و «الحمد للّه. تعلق به نظرا الفقير أحمد بن محمد بن محمد بن محمد الهواني» .

(4) الجزء الثالث عشر و هو مخروم من الأول و الأثناء و الآخر، و أول ما فيه من أثناء أخبار عبد اللّه بن الزبير، و ينتهي إلى أثناء أخبار عمرو بن بانة، و هو مخطوط بخط الناسخ المتقدّم أيضا، و أوصافه كأوصاف الأجزاء السابقة. و الموجود منه 172 صفحة.

الجزء الحادي و العشرون من الأغاني‏

طبع «كتاب الأغاني» بالمطبعة الأميرية في عشرين جزءا تنتهي بأخبار عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطية الخطفي، و بتمام هذه الترجمة تمام الجزء المتم العشرين و هو آخر «كتاب الأغاني» . و قد نشر المستشرق رودلف برونو الأمريكي جزءا طبعه في مدينة ليدن سنة 1305 هـ-1888 م و قال عنه: إنه الجزء الحادي و العشرون من «الأغاني» . و نحن نشك في أن هذا الجزء من الكتاب للأسباب الآتية:

(1) أنه لم يصدّره بمقدمة يبين فيها أصل النسخة التي نشره عنها و لا في أيّ المكتبات عثر على هذه الزيادة.

(2) أن أسلوبه ضعيف، لا يشبه أسلوب أبي الفرج في العشرين جزءا المتقدّمة.

(3) أنه يشرح في كثير من الأحيان الألفاظ الغريبة التي ترد في أبيات الشعر و هي طريقة غير معهودة في الكتاب، فالجزء الأوّل مثلا على كثرة ما فيه من الألفاظ الغريبة لم يشرح إلا القليل النادر، و قد لا يعدو ما شرح في هذا الجزء من هذا القبيل أربع كلمات أو خمس كلمات‏[1].

(4) أنه في هذا الجزء يشرح أحيانا المعاني التركيبية لبعض الأبيات و لم نعهد مثل ذلك في الأجزاء الماضية[2].

(5) أنه يكتب كثيرا كلمة «صوت» على شعر لم يغنّ فيه. و طريقة الكتاب ألا تكتب هذه الكلمة إلا على الشعر الذي يتحدّث بعد أنه وقع فيه غناء[3]. و لو لا خوف الإطالة لأتينا لك بجملة أمثلة تؤيد ما ذهبنا إليه.

[1]انظر صفحات 56 و 188 و 192 و 193 و 198 و 199 و 200 و 201.

[2]انظر صفحات 198 و 199 و 200 و 201 و 203.

[3]انظر صفحات 73 و 112 و 114.

36

طريقة تصحيح هذا الكتاب‏

روجعت هذه النسخة على هذه النسخ المبينة آنفا. و قد امتازت هذه الطبعة بهذه المميزات:

(1) ترقيم الكتاب-اتبعنا في ترتيب هذا الكتاب أن نضع كل ترجمة على حدتها، و قد قسمنا كل ترجمة منها إلى المسائل التي تكلم عليها أبو الفرج في هذه الترجمة، و عنونا لها بهامش الكتاب بعنوان حاولنا على قدر الجهد أن يكون وافيا للمعنون عنه في صلب الكتاب. و من ذلك يتكوّن الفهرس الذي سميناه فهرس الموضوعات. و قد جعلنا كل مسألة مبتدئة بسطر جديد.

و وضعنا الأسانيد مبتدئة بلفظ «أخبرني» أو «حدّثني» أو «حدّثنا» أو «نسخت من كتاب فلان» أو غير ذلك، مكتوبة بخط أكبر من خط الكتاب ليميز القارئ هذه الأسانيد و يمرّ عليها مرا إن كان في غنية عنها. و قد أردنا بادى‏ء بدء أن نكتب هذه الأسانيد بخط أصغر من خط الكتاب لو لا أنه حال دون ذلك أن المطبعة لم يتوفر فيها الشكل اللازم لضبط الأعلام من هذا الحجم الصغير. و ضبط الأعلام لم نستطع الاستغناء عنه بحال، بل كان يأخذ منا مجهودا كبيرا. و يعلم اللّه كم قاسينا من العناء في ضبط الأعلام مستندين في ذلك إلى أوثق المصادر مع التنبيه على ذلك في الحاشية إن كان العلم غير مشهور أولا يتيسر لكثير من القرّاء الاهتداء إليه.

و بعد أن ينتهي ذكر السند نبتدئ الحكاية المروية من أوّل السطر حتى تنتهي، فاصلين جملها بعضها عن بعض بنقطة إن انتهت الجملة، أو بالعلامة (، ) التي اصطلح على تسميتها بالشولة، في الجملة ذات المعاني الكثيرة المرتبط بعضها ببعض، أو بشولة تحتها نقطة بين الجملتين التي يكاد ينقطع المعنى بينهما و لم ينقطع تماما. و قد وضعنا الآيات القرآنية بين قوسين () كما وضعنا الأحاديث بين هاتين العلامتين""و وضعنا الأمثال بين هاتين العلامتين «» . و وضعنا الزيادات التي استحسنا وضعها عن إحدى نسخ الأغاني أو عن كتاب آخر بين قوسين مربعين هكذا[].

و في ظننا أن هذا الترتيب يسهل على القرّاء كثيرا فهم تراكيب في الكتاب قد لا يتيسر فهمها لكثير من القرّاء بدونها.

(2) ضبط الأعلام-ضبطنا الأعلام الواردة في الكتاب. و قد وصلنا إلى ضبط أكثر أعلامه اللهم إلا القليل النادر الذي لم نتوصل إلى ضبطه بعد البحث عنه في المظانّ الكثيرة. على أنا نعتقد أنه ببحث أطول من بحثنا قد يوفق القارئ لضبطه أو قد يراه أحد القرّاء مضبوطا في كتاب لم نصل إليه أو لم يخطر لنا أنه مضبوط فيه. و إنا نرجو كل من يصل إلى ضبط علم من الأعلام لم نهتد إليه أن يكتب لنا عنه و عن المصدر الذي ضبطه منه، لنصدر ملحقا بذلك للكتاب أو لنضبطه في الأجزاء الآتية حين وروده فيها.

(3) ضبط الغريب و الشعر-و قد ضبطنا أيضا ما ورد في الكتاب من الألفاظ الغريبة. و قد أردنا أن ينتفع بالكتاب طبقات كثيرة، فضبطنا كثيرا من ألفاظه، و تركنا الألفاظ الظاهرة التي لا تستعصى على كثير من الناس.

و كذلك ضبطنا الشعر ضبطا يكاد يكون كاملا بحيث لا يخطئ في قراءته من توافر له حظ قليل من العمل. و شرحنا الكلمات الغريبة في أسفل الصفحات ليكون القارئ مستغنيا عن الكشف في كتب اللغة أو الأدب أو غيرها و قد لا يصل إلى شرحها إلا بعد وقت غير قليل. و قد التزمنا كذلك شرح ما في الشعر من غريب و شرح معناه التركيبي إن ظننا أنه ليس في قدرة كثير من الناس فهمه أو إدراك كنهه.

37

(4) بيان الأماكن-و كذلك ضبطنا أسماء الأماكن و البلدان مع بيان مواقعها، مسترشدين في ذلك بالكتب المؤلفة في هذا الباب.

(5) بيان الألفاظ الاصطلاحية أو الدخيلة-و كذلك شرحنا ما ورد في الكتاب من أسماء مولدة أو معرّبة مما لا يوجد في كتب اللغة المقصورة على بيان ذكر الألفاظ العربية الفصيحة: كأسماء الأطعمة و غيرها من المعاني المحدثة في عهد الأمويين أو العباسيين فمن بعدهم.

(6) الروايات المختلفة في نسخ الأغاني-إذا اختلفت نسخ الأغاني الموصوفة آنفا ننظر إلى ما هو الصحيح أو الأنسب بالمقام فنضعه في الصلب، و ننبه على باقي النسخ في أسفل الصفحة.

و ربما وجدنا النسخ كلها متفقة على خطأ في بعض الكلمات و نجد صوابها في بعض كتب اللغة أو الأدب، فنضع الكلمة في الأصل على وجهها الصحيح و ننبه في أسفل الصحيفة على مأخذها، ثم نذكرها بالحال التي وردت عليها في نسخ الأغاني.

38

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

[مقدمة] نهج أبي الفرج في تأليف الكتاب‏

/هذا كتاب ألّفه عليّ بن الحسين بن محمد القرشيّ الكاتب المعروف بالأصبهانيّ، و جمع فيه ما حضره و أمكنه جمعه من الأغاني‏[1]العربية قديمها و حديثها، و نسب كلّ ما ذكره منها إلى قائل شعره و صانع لحنه و طريقته من إيقاعه و إصبعه التي ينسب إليها من طريقته، و اشتراك إن كان بين المغنّين فيه، على شرح لذلك و تلخيص و تفسير للمشكل من غريبه و ما لا غنى عن علمه من علل إعرابه و أعاريض شعره التي توصّل إلى معرفة تجزئته و قسمة ألحانه.

و لم يستوعب كلّ ما غنّي به في هذا الكتاب و لا أتى بجميعه؛ إذ كان قد أفرد لذلك كتابا مجرّدا من الأخبار و محتويا على جميع الغناء المتقدّم و المتأخّر. و اعتمد في هذا[الباب‏][2]على ما وجد لشاعره أو مغنّيه أو السبب الذي من أجله قيل الشعر أو صنع اللحن خبرا يستفاد و يحسن بذكره ذكر الصوت معه، على أقصر ما أمكنه و أبعده من الحشو و التكثير بما تقلّ الفائدة فيه. و أتى في كل فصل من ذلك بنتف تشاكله، و لمع تليق به، و فقر إذا تأمّلها قارئها لم يزل متنقّلا بها من فائدة إلى مثلها، /و متصرّفا فيها[3]بين جدّ و هزل، و آثار و أخبار، و سير و أشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة و أخبارها المأثورة، و قصص الملوك في الجاهلية و الخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدّبين معرفتها، و تحتاج الأحداث إلى دراستها، و لا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها؛ إذ كانت منتخلة[4]من غرر الأخبار، و منتقاة من عيونها، و مأخوذة من مظانّها، و منقولة عن أهل الخبرة بها. فصدّر كتابه هذا و بدأ فيه بذكر المائة الصوت المختارة لأمير المؤمنين الرشيد/-رحمه اللّه تعالى-و هي التي كان أمر إبراهيم الموصليّ و إسماعيل بن جامع و فليح بن العوراء باختيارها له من الغناء كلّه؛ ثم رفعت‏[5]إلى الواثق باللّه-رحمة اللّه عليه-فأمر إسحاق بن إبراهيم بأن يختار له منها ما رأى أنه أفضل مما كان اختير متقدّما، و يبدل ما لم يكن على هذه الصفة بما[6]هو أعلى منه و أولى بالاختيار؛ ففعل ذلك. و أتبع هذه القطعة بما اختاره غير هؤلاء من متقدّمي المغنّين و أهل العلم بهذه الصناعة من الأغاني، و بالأصوات التي تجمع النّغم العشر المشتملة على سائر نغم الأغاني [1]الأغنية (بضم الهمزة و كسرها، و تشديد الياء و قد تخفف) : ما يترنم و يتغنى به من الشعر و نحوه و الجمع أغانيّ و أغان.

[2]زيادة في أ، ء، م.

[3]كذا في أ، م، ء. و في ب، س، حـ، ر: «متصرفا بها» .

[4]كذا في حـ. و قد صوّبه الأستاذ الشنقيطي في نسخته بوضع نقطة فوق الحاء. و في الأصول كلها: «منتحلة» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.

[5]كذا في أ، م، ء. و في سائر النسخ: «وقعت» .

[6]كذا في جميع النسخ بتعدية الفعل إلى المتروك بنفسه إلى غير المتروك بالباء، و هو على غير المعروف من أن الباء تدخل على المتروك.

39

و الملاهي، و بالأرمال الثلاثة المختارة، و ما أشبه ذلك من الأصوات التي تتقدّم غيرها في الشهرة كمدن معبد و هي سبعة أصوات، و السبعة التي جعلت بإزائها من صنعة ابن سريج و خيّر بينهما فيها، و كأصوات معبد المعروفة بألقابها، و زيانب يونس الكاتب؛ فإن هذه الأصوات من صدور الغناء و أوائله و ما لا يحسن تقديم غيره أمامه. و أتبع ذلك بأغاني الخلفاء و أولادهم، ثم بسائر الغناء الذي عرف له قصة تستفاد و حديثا يستحسن؛ إذ ليس لكلّ الأغاني خبر[نعرفه‏][1]، و لا في كلّ ما له خبر فائدة، و لا لكلّ ما فيه بعض الفائدة رونق يروق الناظر و يلهي السامع.

/و وقّع على أوّل كلّ شعر فيه غناء صوتا[2]ليكون علامة و دلالة عليه يتبيّن بها ما فيه صنعة من غيره. و ربما أتى في خلال هذه الأصوات و أخبارها أشعار قيلت في تلك المعاني و غنّي بها و ليست من الأغاني المختارة و لا من هذه الأجناس المرتّبة، فلا يوجد من ذكرها معها بدّ؛ لأنها إذا أفردت عنها كانت إمّا منقطعة الأخبار غير مشاكلة لنظائرها أو معادة أخبارها؛ و في كلتا الحالتين خلاف لما يجي‏ء به هذا الكتاب. و قد يأتي أيضا منها الشي‏ء الذي تطول أخباره و تكثر قصص شاعره مع غيره من الأصوات و الأخبار، فلا يمكن شرحها جمعاء[3]في ذلك الموضع لئلاّ تنقطع الأخبار المذكورة بدخوله‏[4]بينها، فيؤخّر ذكره إلى مواضع يحسن فيها، و نظائر له يضاف إليها، غير قاطع اتّساق غيره منها و لا مفرد للقرائن بتوسّطه لها، و يكون ذكره على هذه الحال أشكل و أليق.

عدم ترتيبه على طرائق الغناء أو طبقات المغنين‏

قال مؤلف هذا الكتاب: و لعلّ‏[بعض‏][5]من يتصفّح ذلك ينكر تركنا تصنيفه أبوابا على طرائق الغناء أو على طبقات المغنّين في أزمانهم و مراتبهم أو على ما غنّي به من شعر شاعر. و المانع من ذلك و الباعث على ما نحوناه علل:

منها: أنّا لمّا جعلنا ابتداءه الثلاثة الأصوات المختارة كان شعراؤها من المتأخرين‏[6]، و أوّلهم أبو قطيفة و ليس من الشعراء المعدودين و لا الفحول، ثم عمر بن أبي ربيعة، ثم نصيب. فلما جرى أوّل الكتاب هذا المجرى و لم يمكن ترتيب الشعراء فيه، ألحق آخره بأوّله و جعل على حسب‏[7]ما حضر ذكره. و كذلك سائر المائة الصوت المختارة، فإنها جارية على غير ترتيب الشعراء و المغنين. و ليس المغزى في الكتاب/ترتيب الطبقات، و إنما المغزى فيه، ما ضمّنه من ذكر الأغاني بأخبارها، و ليس هذا ممّا يضرّ فيها[8].

و منها: أن الأغاني قلّما يأتي منها شي‏ء ليس فيه اشتراك بين المغنّين في طرائق مختلفة لا يمكن معها ترتيبها على الطرائق؛ إذ ليس بعض الطرائق و لا بعض المغنّين أولى بنسبة الصوت إليه من الآخر.

و منها: /أن ذلك لو لم يكن كما ذكرنا لم يخل فيها-إذا أتينا بغناء رجل‏[رجل‏][9]و أخباره و ما صنّف إسحاق [1]زيادة في ت.

[2]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و وقّع... صوت» .

[3]في ت: «أجمع» و في سائر النسخ: «جمعا» .

[4]كذا في ت. و في ب، س، حـ، ر: «لدخوله فيها» و في أ، م، ء «لدخولها فيها فيؤخر ذلك الخ» .

[5]زيادة في ت.

[6]كذا في ت. و في سائر النسخ: «المهاجرين و الأنصار» .

[7]كذا في ت. و في ب، س، حـ، ر: «على نسب» و في أ، م، ء: «سبب» .

[8]كذا في ت، حـ، ر، ء. و في سائر النسخ: «بها» .

[9]زيادة عن ت. و المراد: بغناء واحد واحد. ـ

40

و غيره-من أن نأتي بكلّ ما أتى به المصنّفون و الرواة منها على كثرة حشوه و قلّة فائدته، و في هذا نقض ما شرطناه من إلغاء الحشو، أو أن‏[1]نأتي ببعض ذلك فينسب الكتاب إلى قصور عن مدى غيره. و كذلك تجري أخبار الشعراء. فلو أتينا بما غنّي به شعر شاعر منهم و لم نتجاوزه حتى نفرغ منه، لجرى هذا المجرى، و كانت للنفس عنه نبوة، و للقلب منه ملّة، و في طباع البشر محبة الانتقال من شي‏ء إلى شي‏ء، و الاستراحة من معهود إلى مستجدّ.

و كلّ منتقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه، و المنتظر[2]أغلب على القلب من الموجود. و إذا كان هذا هكذا، فما رتّبناه أحلى و أحسن، ليكون القارئ له بانتقاله من خبر إلى غيره، و من قصة إلى سواها، و من أخبار قديمة إلى محدثة، و مليك إلى سوقة، و جدّ إلى هزل، أنشط لقراءته و أشهى لتصفّح فنونه، لا سيّما و الذي ضمّنّاه إيّاه أحسن جنسه، و صفو ما ألّف في بابه، و لباب ما جمع في معناه.

و كلّ ما ذكرنا فيه من نسب الأغاني إلى أجناسها فعلى مذهب إسحاق بن إبراهيم الموصليّ و إن كانت رواية النسبة عن غيره؛ إذ كان مذهبه هو المأخوذ به اليوم دون/[مذهب‏][3]من خالفه، مثل إبراهيم بن المهديّ، و مخارق و علّوية و عمرو بن بانة و محمد بن الحارث بن بُسخُنَّر[4]و من وافقهم؛ فإنهم يسمّون الثّقيل الأوّل و خفيفه الثقيل الثاني و خفيفه، و يسمّون الثقيل الثاني و خفيفه الثقيل الأوّل و خفيفه، و قد اطّرح ما قالوه الآن و ترك، و أخذ الناس بقول إسحاق.

الباعث لأبي الفرج على تأليف الكتاب‏

قال مؤلف هذا الكتاب: و الذي بعثني على تأليفه أنّ رئيسا من رؤسائنا كلّفني جمعه له، و عرّفني أنه بلغه أن الكتاب‏[5]المنسوب إلى إسحاق مدفوع أن يكون من تأليفه، و هو مع ذلك قليل الفائدة، و أنه شاكّ في نسبته‏[6]؛ لأن أكثر أصحاب إسحاق ينكرونه، و لأن ابنه حمّادا أعظم الناس إنكارا لذلك. و قد لعمري صدق فيما ذكره، و أصاب فيما أنكره.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: سمعت حمّادا يقول: ما ألّف أبي هذا الكتاب قطّ و لا رآه. و الدليل على ذلك أنّ أكثر أشعاره المنسوبة التي جمعت فيه إلى ما ذكر معها من الأخبار ما غنّى فيه أحد قطّ، و أنّ أكثر نسبه إلى المغنّين خطأ؛ و الذي ألّفه أبي من دواوين الغناء[7]يدلّ على بطلان هذا الكتاب، و إنما وضعه ورّاق كان لأبي بعد وفاته، سوى الرّخصة[8]التي هي أوّل الكتاب؛ فإن أبي-رحمه اللّه-ألّفها؛ /لأن أخبارها كلّها من روايتنا. هذا ما سمعته من أبي بكر حكاية[فحفظته‏][9]و اللفظ يزيد و ينقص.

[1]في الأصول: «و أن» تحريف.

[2]في م، ء، أ: «و المبتكر» .

[3]زيادة في ت.

[4]كذا يرد هذا الاسم في نسخة ط التي سيأتي وصفها في الجزء الثاني. و قد صححه كذلك بهذا الضبط الأستاذ الشنقيطي بهامش نسخته. و في ت، حـ، ر: «بشخير» و في سائر النسخ: «شخير» .

[5]هو كتاب «الأغاني الكبير» كما في «فهرست ابن النديم» طبع ليبزج ص 141.

[6]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «نسبه» .

[7]كذا في أ، م، ء و فيهما عن نسخة أخرى «الشعراء» . و في ت: «غنائهم» . و في باقي النسخ: «غنائه» .

[8]قال في «الفهرست» : «و هذا الكتاب (يريد كتاب «الأغاني الكبير» ) يعرف في القديم بكتاب «الشركة» ، و هو أحد عشر جزءا لكل جزء أوّل يعرف به؛ فالجزء الأول من الكتاب «الرخصة» و هو تأليف إسحاق لا شك فيه و لا خلف» .

[9]هذه الكلمة ساقطة من ب، س، حـ، ر.

41

و أخبرني أحمد بن جعفر جحظة أنه يعرف الورّاق الذي وضعه، و كان يسمّى بسند[1]الورّاق، و حانوته في الشّرقية في خان الزّبل‏[2]، و كان يورّق لإسحاق بن إبراهيم، فاتفق هو و شريك له على وضعه. و ليست الأغاني التي فيه أيضا مذكورة الطّرائق، و لا هي بمقنعة من جملة ما في أيدي الناس من الأغاني، و لا فيها من الفوائد ما يبلغ الإرادة؛ فتكلّفت ذلك له على مشقّة احتملتها منه، و كراهة أن يؤثر عنّي في هذا المعنى ما يبقى على الأيام مخلّدا، و إليّ على تطاولها منسوبا، و إن كان مشوبا بفوائد جمّة و معان من الآداب شريفة. و نعوذ باللّه/مما أسخطه من قول أو عمل، و نستغفره من كلّ موبقة و خطيئة و قول لا يوافق رضاه، و هو وليّ العصمة و التوفيق، و عليه نتوكّل و إليه ننيب. و صلّى اللّه على محمد و آله عند مفتتح كل قول و خاتمته و سلّم تسليما. و حسبنا اللّه و نعم الوكيل كافيا و معينا.

[1]في «فهرست ابن النديم» طبع ليبزج: «سندي بن علي» .

[2]في ت عن نسخة أخرى و «الفهرست» : «طاق الزبل» . و أصل الطاق البناء المعقود. و الخان: المكان الذي ينزله المسافرون.

42

ذكر المائة الصوت المختارة

إجماع المغنين على اختيار الأصوات الثلاثة الشاملة لجميع نغم الغناء

أخبرنا أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم قال حدّثني أبي قال:

حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنّ أباه أخبره أنّ الرشيد-رحمة اللّه عليه-أمر المغنّين، و هم يومئذ متوافرون، أن يختاروا له ثلاثة أصوات من جميع الغناء، فأجمعوا على ثلاثة أصوات أنا أذكرها بعد هذا إن شاء اللّه.

قال إسحاق: فجرى هذا الحديث يوما و أنا عند أمير المؤمنين الواثق باللّه، فأمرني باختيار أصوات من الغناء القديم، فاخترت له من غناء أهل كل عصر ما اجتمع علماؤهم على براعته و إحكام صنعته، و نسبته إلى من شدا به، ثم نظرت إلى ما أحدث الناس بعد ممّن شاهدناه في عصرنا و قبيل ذلك، فاجتبيت منه ما كان مشبها لما تقدّم أو سالكا طريقه، فذكرته و لم أبخسه ما يجب له و إن كان قريب العهد؛ لأن الناس قد يتنازعون الصوت في كلّ حين و زمان، و إن كان السّبق للقدماء إلى كل إحسان.

و أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هارون بن الحسن‏[1]بن سهل و أبو العبيس‏[2]بن حمدون و ابن دقاق و هو محمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن دقاق بهذا الخبر، فزعم:

أن الرشيد أمر هؤلاء المغنّين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها، ثم أمرهم باختيار عشرة منها فاختاروها، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا. و ذكر نحو ما ذكره يحيى بن عليّ، و وافقه في صوت من الثلاثة الأصوات، /و خالفه في صوتين. و ذكر يحيى بن عليّ بإسناده المذكور أنّ منها لحن معبد في شعر أبي قطيفة و هو من خفيف الثّقيل الأوّل:

القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما # أشهى إلى القلب‏[3]من أبواب جيرون‏

و لحن ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة، و لحنه من الثّقيل الثاني:

تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته # و بيّن لو يسطيع أن يتكلّما

و لحن ابن محرز في شعر نصيب، و هو من الثّقيل الثاني أيضا:

أهاج هواك المنزل المتقادم؟ # نعم، و به ممّن شجاك‏[4]معالم‏

[1]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «الحسين» . و قد صححه الشنقيطي بهامش نسخته، و هو الوزير المعروف في خلافة المأمون و صهره في ابنته بوران. (انظر «تاريخ ابن جرير الطبريّ» طبع مدينة ليدن قسم 3 ج 4 ص 29. 1 في حوادث سنة 202 هـ) .

[2]راجع الحاشية الرابعة ص 96.

[3]في ت، أ، م، ء: «النفس» .

[4]في ت، ر: «مما شجاك» .

43

و ذكر جحظة عمن روى عنه أن من الثلاثة الأصوات لحن ابن محرز في شعر المجنون، و هو من الثقيل الثاني:

إذا ما طواك الدهر يا أمّ مالك # فشأن المنايا القاضيات و شانيا

و لحن إبراهيم الموصليّ في شعر العرجيّ، و هو من خفيف الثقيل الثاني:

إلى جيداء قد بعثوا رسولا # ليحزنها، فلا صحب الرسول‏

و لحن ابن محرز في شعر نصيب، و هو على ما ذكر هزج:

/أ هاج هواك المنزل المتقادم؟ # نعم، و به ممن شجاك معالم‏

و حكى عن أصحابه أنّ هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق لا تبقى نغمة في الغناء إلاّ و هي فيها.

رواية أن المغنين أجمعوا على صوت واحد من هذه الثلاثة و تفنيد أبي الفرج لهذه الرواية

أخبرني الحسن بن عليّ الأدميّ‏[1]قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد[2] الورّاق قال حدّثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدّثني محمد بن جبر[3]المغنّي قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ:

/أنّ الرشيد أمر المغنّين أن يختاروا له أحسن صوت غنّي فيه، فاختاروا له لحن ابن محرز في شعر نصيب:

أهاج هواك المنزل المتقادم؟

قال: و فيه دور كثير، أي صنعة كثيرة. و الذي ذكره أبو أحمد يحيى بن عليّ أصحّ عندي. و يدلّ على ذلك تباين ما بين الأصوات التي ذكرها و الأصوات الأخر في جودة الصنعة و إتقانها و إحكام مباديها و مقاطعها و ما فيها من العمل، و أن الأخرى ليست مثلها و لا قريبة منها. و أخرى هي أن جحظة حكى عمن روى عنه أنّ فيها صوتا لإبراهيم الموصليّ، و هو أحد من كان اختار هذه الأصوات للرشيد، و كان معه في اختيارها إسماعيل بن جامع و فليح بن العوراء، و ليس أحد منهما دونه إن لم يفقه، فكيف يمكن أن يقال: إنهما ساعدا إبراهيم على اختيار لحن من صنعته في ثلاثة أصوات اختيرت من سائر الأغاني و فضّلت عليها!أ لم يكونا لو فعلا ذلك قد حكما لإبراهيم على أنفسهما بالتقدّم و الحذق و الرّئاسة و ليس هو كذلك عندهما؟ و لقد أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه:

أنه أتى أباه إبراهيم بن ميمون يوما مسلّما، فقال له أبوه: يا بنيّ، ما أعلم أحدا بلغ من برّ ولده ما بلغته من برّك، و إني لأستقلّ ذلك لك، فهل من حاجة أصير فيها إلى محبّتك؟قلت: قد كان-جعلت فداك-كلّ ما ذكرت فأطال اللّه لي بقاءك، و لكنّي أسألك واحدة: يموت هذا الشيخ غدا أو بعد غد و لم أسمعه، فيقول الناس لي ما ذا و أنا أحلّ منك هذا المحلّ. قال لي: و من هو؟قلت: ابن جامع. قال: صدقت يا بنيّ، أسرجوا[4]لنا. فجئنا [1]من يبيع الجلود، نسبة إلى الأدم و هو الجلد (انظر «تاج العروس» مادة «أدم» ) .

[2]في حـ، ر: «سعيد» .

[3]كذا في ت، حـ. و في ر: «جبير» و في سائر النسخ: «جرير» و كلاهما تحريف. و قد ورد هذا الاسم في «الأغاني» طبع بولاق ج 14 ص 92 هكذا: «محمد بن جبر» .

[4]أسرجوا لنا أي شدوا على الخيل سروجها لتركبها.

44

ابن جامع، فدخل عليه أبي و أنا معه، فقال: يا أبا القاسم، قد جئتك في حاجة، فإن شئت فاشتمني، و إن شئت فاقذفني، غير أنه لا بدّ لك من قضائها. هذا عبدك و ابن أخيك إسحاق قال لي كذا و كذا، فركبت معه أسألك أن /تسعفه فيما سأل. فقال: نعم، على شريطة: تقيمان عندي أطعمكما مشوشة[1]و قليّة[2]و أسقيكما من نبيذي التّمريّ و أغنّيكما، فإن جاءنا رسول الخليفة مضينا إليه و إلاّ أقمنا يومنا. فقال أبي: السمع و الطاعة، و أمر بالدوابّ فردّت. فجاءنا ابن جامع بالمشوشة و القليّة و نبيذه التمريّ فأكلنا و شربنا، ثم اندفع فغنّانا، فنظرت إلى أبي يقلّ في عيني و يعظم ابن جامع حتى صار أبي في عيني كلا شي‏ء. فلما طربنا[3]غاية الطّرب جاء رسول الخليفة فركبا و ركبت معهما. فلما كنا في بعض الطريق قال لي أبي: كيف رأيت ابن جامع يا بنيّ؟قلت له: أو تعفيني جعلت فداك!قال: لست أعفيك فقل. فقلت له: رأيتك و لا شي‏ء أكبر عندي منك قد صغرت عندي في الغناء معه حتى صرت كلا شي‏ء. ثم مضيا إلى الرشيد، و انصرفت إلى منزلي؛ و ذلك لأني لم أكن بعد وصلت إلى الرشيد. فلما أصبحت أرسل إليّ أبي فقال: يا بنيّ، هذا الشتاء قد هجم عليك و أنت تحتاج فيه إلى مئونة[4]، /و إذا مال عظيم بين يديه، فاصرف هذا المال في حوائجك. فقمت فقبّلت يده و رأسه و أمرت بحمل المال و اتّبعته، فصوّت بي:

يا إسحاق ارجع، فرجعت. فقال لي: أ تدري لم وهبت لك هذا المال؟قلت: نعم، جعلت فداك!قال: لم؟قلت:

لصدقي فيك و في ابن جامع. قال: صدقت يا بنيّ، امض راشدا. و لهما في هذا الجنس أخبار كثيرة تأتي في غير هذا الموضع متفرقة في أماكن تحسن فيها و[لا]يستغني بما ذكر هاهنا عنها. فإبراهيم يحلّ ابن جامع هذا المحلّ مع ما كان بينهما/من المنافسة و المفاخرة ثم يقدم على أن يختار فيما هو معه فيه صوتا لنفسه يكون مقدّما على سائر الغناء، و يطابقه هو و فليح عليه!هذا خطأ لا يتخيّل. و على ما به فإنّا نذكر الصوتين اللذين رويناهما عن جحظة المخالفين لرواية يحيى بن عليّ، بعد ذكرنا ما رواه يحيى، ثم نتبعهما باقي الاختيار[5]. فأوّل ذلك من رواية أبي الحسن عليّ بن يحيى.

الكلام على أحد هذه الأصوات الثلاثة صوت فيه لحنان‏

القصر فالنّخل فالجمّاء بينهما # أشهى إلى القلب من أبواب جيرون

إلى البلاط فما حازت قرائنه # دور نزحن عن الفحشاء و الهون

قد يكتم الناس أسرارا فأعلمها # و لا ينالون حتى الموت مكنوني‏

عروضه من أوّل البسيط. القصر الذي عناه هاهنا: قصر سعيد بن العاص بالعرصة. و النخل الذي عناه: نخل كان لسعيد هناك بين قصره و بين الجمّاء و هي أرض كانت له، فصار جميع ذلك لمعاوية بن أبي سفيان بعد وفاة سعيد، [1]زيت يضرب مع بياض البيض فيصنع منه طعام دسم ا هـ عن «قاموس ستينجاس» المطبوع في لندن.

[2] «القلية كغنية: مرقة تتخذ من أكباد الجزور و لحومها، و قد قليتها قليا: أنضجتها في المقلاة، و القلاّء: من حرفته ذلك» . انظر «تاج العروس» للسيد مرتضى (مادة قلى) و «المخصص» لابن سيده ج 4 ص 126.

[3]في ت: «فلما طربنا عليه الطرب الكثير» .

[4]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «معونة» .

[5]في ت: «الأخبار» .

45

ابتاعه من ابنه عمر و باحتمال دينه عنه؛ و لذلك خبر يذكر بعد. و أبواب جيرون بدمشق. و يروى: «حاذت قرائنه» من المحاذاة. و القرائن: دور كانت لبني سعيد بن العاص متلاصقة؛ سمّيت بذلك لاقترانها. و نزحن: بعدن، و النازح: البعيد؛ يقال: نزح نزوحا. و الهون: الهوان. قال الراجز:

لم يبتذل مثل كريم مكنون # أبيض ماض كالسّنان المسنون

كان يوقّى نفسه من الهون‏

و المكنون: المستور الخفيّ، و هو مأخوذ من الكنّ. الشعر لأبي قطيفة المعيطيّ، و الغناء لمعبد، و له فيه لحنان:

أحدهما خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها من رواية إسحاق و هو اللحن المختار، و الآخر ثقيل أوّل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

التراجم‏

1-خبر أبي قطيفة و نسبه‏

نسب أبي قطيفة

هو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. و اسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب. هذا الذي عليه النسّابون.

و ذكر الهيثم بن عديّ في «كتاب المثالب» أنّ أبا عمرو بن أميّة كان عبدا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه. و ذكر أن دغفلا النّسّابة دخل على معاوية فقال له: من رأيت/من علية قريش؟فقال: رأيت عبد المطلب بن هاشم و أمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فقال: كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه، في جبينه نور النبوّة و عزّ الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب. قال: فصف أميّة. فقال: رأيته شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا يقوده عبده ذكوان. فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شي‏ء قلتموه بعد و أحدثتموه، و أمّا الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به. ثم نعود إلى سياقة النّسب من لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة. و النضر عند أكثر النسّابين أصل قريش، فمن ولده النضر عدّ منهم، و من لم يلده فليس منهم. و قال بعض نسّابي قريش: بل فهر بن مالك‏[أصل‏][1]قريش، فمن لم يلده فليس من قريش. ثم نعود للنسب إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. و ولد إلياس يقال لهم خندف، سمّوا بأمّهم خندف و هو لقبها[2]، و اسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، و هي أمّ مدركة و طابخة و قمعة بني إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن/عدنان بن أدّ بن أدد بن الهميسع بن يشجب-و قيل: أشجب-بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم، هذا النسب الذي رواه نسّابو العرب و روي عن ابن شهاب الزّهريّ و هو من علماء قريش و فقهائها.

و قال قوم آخرون من النسّابين ممن أخذ-فيما يزعم-عن دغفل و غيره: معدّ بن عدنان بن أدد بن آمين‏[3]بن [1]التكلمة من ت.

[2]كان إلياس خرج في نجعة فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها و خرج عامر فتصيّدها و طبخها و انقمع عمير في الخباء و خرجت أمهم تسرع، فقال لها إلياس: أين تخندفين (تسرعين) فقالت: ما زلت أخندف في أثركم؛ فلقّبوا مدركة و طابخة و قمعة و خندف. انظر «القاموس» (مادة خندف) .

[3]في ب، س، ح: «أميق» .

46

شاجيب بن نبت بن ثعلبة بن عنز بن سرائج‏[1]بن ملحم‏[2]بن العوّام بن المحتمل بن رائمة بن العقيان بن علّة[3] ابن شحدود[4]بن الضرب‏[5]بن عيفر[6]بن إبراهيم بن إسماعيل بن رزين‏[7]بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور ابن عتود[8]بن دعدع بن محمود بن الرائد[9]بن بدوان بن أمامة[10]بن دوس بن حصين‏[11]بن النّزّال بن الغمير[12]بن محشر بن معذر بن صيفيّ بن نبت بن قيدار بن إسماعيل ذبيح اللّه ابن إبراهيم خليل اللّه صلّى اللّه عليهما و على أنبيائه أجمعين و سلّم تسليما. ثم أجمعوا أن إبراهيم بن آزر و هو اسمه بالعربية كما ذكره اللّه تعالى في كتابه، و هو في التوراة بالعبرانية تارح بن ناحور، و قيل: النّاحر بن الشّارع‏[13]و هو شاروغ بن أرغو و هو الرامح بن فالغ‏[14] -و هو قاسم الأرض الذي قسمها بين أهلها-بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ و هو الرافد بن سام بن نوح صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ابن لامك و هو في لغة العرب ملكان ابن المتوشلخ و هو المنوف بن أخنخ و هو إدريس نبيّ اللّه عليه السّلام بن يارد[15]و هو الرائد/بن مهلايل بن قينان و هو قنان بن أنوش و هو الطاهر بن شيث و هو هبة اللّه. يقال له أيضا: شاث بن آدم أبي البشر صلى اللّه عليه و على سائر الأنبياء و على نبينا محمد خاصة و سلّم تسليما. هذا الذي في أيدي الناس من النّسب على اختلافهم فيه.

و قد روي عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم تكذيب للنسّابين و دفع لهم. و روي أيضا خلاف لأسماء بعض الآباء. و قد شرحت ذلك في «كتاب النسب» شرحا يستغنى به عن غيره.

ذكر العنابس و الأعياص من بني أمية و أن أبا قطيفة من الأوّلين‏

و أبو قطيفة و أهله من العنابس من بني أمية. و كان لأمية من الولد أحد عشر ذكرا، كلّ واحد منهم يكنى باسم صاحبه، و هم العاص و أبو العاص، و العيص و أبو العيص، و عمرو و أبو عمرو، و حرب و أبو حرب، و سفيان و أبو سفيان، و العويص لا كنى له‏[16]. فمنهم الأعياص فيما أخبرنا حرميّ بن أبي العلاء-و اسمه أحمد بن محمد بن إسحاق. ، و الطّوسيّ-و اسمه أحمد بن سليمان-قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار عن محمد بن الضّحّاك الحزاميّ عن أبيه قال: الأعياص: العاص و أبو العاص و العيص و أبو العيص و العويص. و منهم العنابس و هم حرب [1]في ت، حـ، ر: «بريح» .

[2]في ء: «ملحم» .

[3]في ت، م، ء: «عله» بالهاء.

[4]في ت، حـ: «محدود» .

[5]في ت: «الصريب» .

[6]في ت، حـ، ر: «عبقر» .

[7]في ت، حـ، ر: «رزن» .

[8]في ت: «عبود» و في حـ: «عبدد» .

[9]في م، ء، ر: «الزائد» و في ت: «الرابد» .

[10]في م، ء: «أسامة» .

[11]في حـ: خضر» .

[12]في ت، م، ء، ر: «القمير» .

[13]في أ: «الشارغ و هو شاروغ... » و رواه في «سبائك الذهب» بالعين المهملة و بالخاء و بالغين.

[14]و يقال فيه فالخ بالخاء المعجمة، و في ب، س: «قانع» و هو تحريف.

[15]في الأصول كلها: «برد» و هو تحريف.

[16]كذا في ت. و في حـ، ر: «لا كنى لهم» . و في سائر النسخ: «لا يكنى بهم» .

47

و أبو حرب و سفيان و أبو سفيان و أبو عمرو. و إنما سمّوا العنابس لأنهم ثبتوا مع أخيهم حرب بن أمية بعكاظ و عقلوا أنفسهم و قاتلوا قتالا شديدا فشبّهوا بالأسد، و الأسد يقال لها العنابس، واحدها عنبسة. و في الأعياص يقول عبد اللّه بن فضالة الأسديّ:

من الأعياص أو من آل حرب # أغرّ[1]كغرة الفرس الجواد

و السبب في قوله هذا الشعر ما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة، و حدّثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز[2]، قال: حدّثنا المدائنيّ و ابن غزالة، قالوا:

خبر عبد اللّه بن فضالة مع ابن الزبير و ما هجاه به من الشعر

أتى عبد اللّه بن فضالة بن شريك الوالبيّ ثم الأسديّ من بني أسد بن خزيمة عبد اللّه بن الزّبير، فقال له:

نفدت نفقتي و نقبت‏[3]راحلتي. قال: أحضرها، فأحضرها. فقال: أقبل بها، أدبر بها، ففعل. فقال: ارقعها بسبت‏[4]و اخصفها بهلب و أنجد بها يبرد خفّها و سر البردين تصحّ. فقال ابن فضالة: إني أتيتك مستحملا و لم آتك مستوصفا، فلعن اللّه ناقة حملتني إليك!قال ابن الزبير: إنّ و راكبها. فانصرف عنه ابن فضالة و قال‏[5]:

/أقول لغلمتي شدّوا ركابي # أجاوز بطن مكة في سواد

فما لي حين أقطع ذات عرق # إلى ابن الكاهليّة من معاد[6]

[1]أغرّ صفة لسميدع في البيت السابق (انظر هذه القصيدة في التعليق رقم 3 ص 15) .

[2]في ت: «الخزاز» بزايين معجمتين.

[3]نقب البعير بكسر القاف: رقّت أخفاف.

[4]السبت (بكسر السين و سكون الموحدة) : جلود البقر المدبوغة بالقرظ تحذي منها النعال السبتية. و الخصف: أن يظاهر الجلدين بعضهما إلى بعض و يخرزهما؛ و لذلك قيل للمخرز المخصف. و الهلب بضم الهاء: شعر الخنزير الذي يخرز به، الواحد هلبه.

و أنجد: إذا أخذ في بلاد نجد؛ و نجد موصوف بالبرد. و البردان: الغداة و العشيّ (انظر «اللسان» في هذه المواد و البغداديّ في الخزانة طبع بولاق ج 2 ص 100 و 101) .

[5]نسب البغداديّ هذا الشعر لعبد اللّه بن الزّبير الأسديّ، و نقل عن الحصريّ في «زهر الآداب» ما يؤيده. و أورد الأصبهانيّ عن ابن حبيب أن هذا الشعر لفضالة بن شريك و رواه.

شكوت إليه أن تعبت قلوصى # فردّ جواب مشدود الصفاد

يضنّ بناقة و يروم ملكا # محال ذلكم غير السداد

و ليت إمارة فبخلت لما # و ليتهم بملك مستفاد

فإن وليت أمية أبدلوكم # بكل سميدع و ارى الزناد

من الأعياص أو من آل حرب # أغرّ كغرة الفرس الجواد

إذا لم ألقهم بمنى فإني # ببيت لا يهش له فؤادي

سيدنيني لهم نصّ المطايا # و تعليق الأداوي و المزاد

و ظهر معبّد قد أعلمته # مناسمهن طلاع النجاد

و عين الحمض حمض خناصرات # و ما بالعرف من سيل الفؤاد

فهن خواضع الأبدان قود # كأن رءوسهن قبور عاد

كأن مواقع الغربان فيها # منارات بنين على عماد

فلما ولى عبد الملك بعث إلى فضالة يطلبه فوجده قد مات، فأمر لورثته بمائة ناقة تحمل أوقارها برّا و تمرا. (انظر «البغدادي» ج 2 ص 100-103 و «الأغاني» طبع بولاق ج 10 ص 173) .

[6]ذات عرق مهلّ أهل العراق و هو الحدّ بين نجد و تهامة (ياقوت) . و الكاهلية: زهراء بنت خثراء امرأة من بني كاهل بن أسد و هي أم ـ

48

سيبعد بيننا نصّ المطايا # و تعليق الأداوى و المزاد[1]

و كلّ معبّد قد أعلمته # مناسمهن طلاّع النّجاد[2]

أرى الحاجات عند أبي خبيب # نكدن و لا أميّة بالبلاد[3]

من الأعياص أو من آل حرب # أغرّ كغرّة الفرس الجواد

أبو خبيب: عبد اللّه بن الزّبير، كان يكنى أبا بكر. و خبيب: ابن له هو أكبر ولده، و لم يكن يكنيه به إلا من ذمّه، يجعله كاللقب له‏[4]. قال: فقال ابن الزبير لمّا بلغه هذا الشعر: علم أنها شرّ أمّهاتي فعيّرني بها و هي خير عمّاته‏[5]. قال اليزيديّ: «إنّ» هاهنا بمعنى نعم، كأنه إقرار بما قال. و مثله قول ابن قيس الرّقيّات:

و يقلن شيب قد علا # ك و قد كبرت فقلت إنّه‏[6]

عود إلى نسب أبي قطيفة

و أمّ أبي معيط آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، و لها يقول نابغة بني جعدة: /

و شاركنا قريشا في تقاها # و في أنسابها[7]شرك العنان

بما ولدت نساء بني هلال # و ما ولدت نساء بني أبان‏

و كانت آمنة هذه تحت أميّة بن عبد شمس، فولدت له العاص و أبا العاص و أبا العيص/و العويص و صفيّة و توبة و أروى بني أميّة. فلما مات أميّة تزوّجها بعده ابنه أبو عمرو-و كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، يتزوّج الرجل امرأة أبيه بعده-فولدت له أبا معيط، فكان بنو أميّة من آمنة إخوة أبي معيط و عمومته، أخبرني بذلك كلّه الطوسيّ عن الزّبير بن بكّار.

قال الزّبير: و حدّثني عمّي مصعب قال: زعموا أنّ ابنها أبا العاص زوّجها أخاه أبا عمرو، و كان هذا نكاحا تنكحه الجاهلية. فأنزل اللّه تعالى تحريمه، قال اللّه تعالى: (وَ لاََ تَنْكِحُوا مََا نَكَحَ آبََاؤُكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ إِلاََّ مََا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كََانَ فََاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ سََاءَ سَبِيلاً) ، فسمّي نكاح المقت.

مقتل عقبة بن أبي معيط و النضر بن الحارث و ما قالته قتيلة بنت الحارث من الشعر ترثي أخاها

خويلد بن أسد بن عبد العزّى (انظر «الأغاني» ج 10 ص 173 طبع بولاق) .

[1]نص المطايا: استخراج أقصى ما عندها من السير. و الأداوي: جمع إداوة و هي وعاء الماء. و المزاد: جمع مزادة و هي الراوية يحمل فيها الماء. قال أبو عبيدة: و لا تكون إلا من جلدين توصل بثالث بينهما لتتسع. (انظر «اللسان» في هذه المواد) .

[2]المعبد: الطريق المذلل. و أعلمته مناسمهن: أثّرت فيه بأخفافها. و النجاد: جمع نجد و هو ما غلظ من الأرض و ارتفع.

[3]يقال: نكده حاجته إذا منعه إياها و لم يقضها. و في ب، حـ: «نكرن» و هو تحريف.

[4]قال الثعالبيّ في «لطائف المعارف» : كان لابن الزبير ثلاث كنى: أبو خبيب و أبو بكر و أبو عبد الرحمن، و كان إذا هجى كنى بأبي خبيب. (انظر «الخزانة» ج 2 ص 101) .

[5]روى البغداديّ أنه قال: لو علم أن لي أمّا أخس من عمته الكاهلية لنسبني إليها. (انظر «الخزانة» ج 2 ص 100) .

[6]يرى سيبويه أن هذه الهاء للسكت، و يرى أبو عبيدة أنها اسم إن، أي إنه كذلك، (انظر «المغني» طبع بولاق ج 1 ص 51) .

[7]في «اللسان» : «و في أحسابها» . و الأصل في شرك العنان و شركة العنان: اشتراك شخصين في شي‏ء خاص دون سائر أموالهما، كأنه عنّ لهما شي‏ء فاشتركا فيه. (انظر «اللسان» مادة عنّ) .

49

و أسر عقبة بن أبي معيط في يوم بدر، فقتله رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم صبرا[1]. حدّثنا بذلك محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا محمد بن حميد الرّازيّ قال حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق في خبر ذكره طويل، و حدّثني به أحمد بن محمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن إسحاق المسيّبي قال حدّثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزّهريّ، قالوا جميعا.

قتله رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم صبرا. فقال له-و قد أمر بذلك فيه-: يا محمد، أ أنا خاصّة من قريش؟قال نعم. قال:

فمن للصّبية بعدي؟قال: النار. /فلذلك يسمّى بنو أبي معيط صبية النار. و اختلف في قاتله، فقيل: إنّ عليّ بن أبي طالب-صلوات اللّه عليه-تولّى قتله. و هذا من رواية بعض الكوفيين، حدّثني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة[2]قال: أخبرني المنذر بن محمد اللّخميّ قال حدّثنا سليمان بن عبّاد قال حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت المدنيّ‏[3]عن أبيه عن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن‏[4]عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام:

أنّ النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أمر عليّا يوم بدر فضرب عنق عقبة بن أبي معيط و النّضر بن الحارث. و روى‏[5]ابن إسحاق أن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح‏[6]الأنصاريّ قتله، و أنّ الذي قتله عليّ بن أبي طالب عليه السّلام النضر بن الحارث بن كلدة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الحسن بن عثمان قال حدّثني ابن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن أصحابه، و حدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا[أحمد][7]بن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أصحابه، قالوا:

قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم يوم بدر عقبة بن أبي معيط صبرا: أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه، ثم أقبل من بدر حتى إذا كان بـ «الصّفراء» [8]قتل النّضر بن/الحارث بن كلدة أحد بني عبد الدار، أمر عليّا عليه السّلام أن يضرب عنقه، قال عمر بن شبّة في حديثه بـ «الأثيل» [9]، فقالت أخته‏[10]قتيلة بنت الحارث ترثيه:

يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة # من صبح خامسة و أنت موفّق‏

[1]أي «حبسا» . و في الحديث: «أنه نهى عن قتل شي‏ء من الدواب صبرا» ، و كل من حبس لقتل أو يمين قيل له قتل صبرا و حلف صبرا.

[2]كذا في ب، ر، م. و في أ، ء: «عقبة» . و في سائر النسخ «عفرة» بالفاء و كلاهما تحريف إذ هو لقب والد أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن المعروف بابن عقدة الحافظ الكوفيّ. (انظر «تاج العروس» في مادة «عقد» ) .

[3]في أ، م، ء: «المديني» و هو تحريف إذ هو عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الأعرج المعروف بابن أبي ثابت (راجع «الخلاصة في أسماء الرجال» و «تهذيب التهذيب» و «تقريب التهذيب» .

[4]في أ، م، ء: «حسين» و هو تحريف.

[5]في أ، م، ء: «و روى عن ابن إسحاق» .

[6]كذا في ر. و في سائر النسخ: «الأفلح» بالفاء و هو تحريف؛ إذ هو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بالقاف، و هو صحابيّ كان يضرب الأعناق بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم. (انظر «تاج العروس» مادة «فلح» ) .

[7]زيادة في أ، م، ء، و هو أحمد بن حميد الطّريثيثيّ أحد حفّاظ الكوفة.

[8]الصفراء: واد من ناحية المدينة كثير النخل و الزرع، و هو على مرحلة من بدر.

[9]الأثيل: موضع قرب المدينة بين بدر و وادي الصفراء.

[10]في ياقوت في مادة «الأثيل» أنها ابنته.

50

أبلغ به ميتا بأنّ تحيّة # ما إن تزال بها النجائب تخفق‏[1]

منّي إليك و عبرة مسفوحة # جادت بدرّتها و أخرى تخنق‏[2]

هل يسمعنّ النضر إن ناديته # إن كان يسمع هالك لا ينطق‏[3]

ظلّت سيوف بني أبيه تنوشه # للّه أرحام هناك تشقّق

/صبرا يقاد إلى المنيّة متعبا # رسف المقيّد و هو عان موثق‏[4]

أ محمد و لأنت نسل نجيبة # في قومها و الفحل فحل معرق‏[5]

ما كان ضرّك لو مننت و ربّما # منّ الفتى و هو المغيظ المحنق

أو كنت‏[6]قابل فدية فليأتين # بأعزّ ما يغلو لديك و ينفق

و النضر أقرب من أخذت بزلّة # و أحقّهم إن كان عتق يعتق‏[7]

فبلغنا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته» . فيقال: إن شعرها أكرم شعر موتورة[8] و أعفّه و أكفّه و أحلمه. قال ابن إسحاق: و حدّثني أبو عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا كان بعرق /الظّبية[9]قتل عقبة بن أبي معيط. قال حين أمر به أن يقتل: فمن للصّبية يا محمد؟قال: النار. فقلته عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أحد بني عمرو بن عوف.

حدّثني أحمد بن الجعد قال حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن إسحاق الأدميّ قال حدّثنا الوليد بن مسلم قال حدّثني الأوزاعيّ قال حدّثني يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التّيميّ قال حدّثني عروة بن الزّبير قال:

سألت عبد اللّه بن عمرو فقلت: أخبرني بأشدّ شي‏ء صنعه المشركون برسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر-رحمة اللّه عليه-حتى أخذ بمنكبه فدفعه عن رسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم و قال: أ تقتلون رجلا أن يقول ربّي اللّه!

ولاية الوليد بن عقبة الكوفة في خلافة عثمان ثم عزله عنها

و كان الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفّان لأمّه، أمّهما أروى بنت عامر بن كريز، و أمّها أمّ حكيم البيضاء بنت [1]في «ديوان الحماسة» و ياقوت و أ: «بلغ به ميتا فإن تحية» . و في ت، جـ، ر: «الركائب» .

[2]في أ «ديوان الحماسة» : «مني إليه» و يروى فيه: «جادت لمائحها» تعنى أباها لأنه هو الذي يستبكيها و يستنزف دمعها.

[3]روى «فليسمعنّ النضر إن ناديته» . و روى الشطر الثاني: «إن كان يسمع هالك أو ينطق» .

[4]رسف المقيد: مشيه.

[5]روى: «أ محمد و لأنت ضن‏ء نجيبة» و روى «أ محمد يا خير ضن ء كريمة» . و الضن ء: النسل.

[6]صححه الشنقيطي: «لو كنت قابل فدية... » و روى في ب: «إن كنت... » و في سائر النسخ كما في الصلب، و هو مستقيم و صحيح.

[7]روى: «و النضر أقرب من أصبت وسيلة» . (انظر «شرح ديوان الحماسة» للتبريزيّ طبع بولاق ج 3 ص 14 و 15) .

[8]الموتور: من قتل له قتيل فلم يدرك بدمه.

[9]عرق الظبية (بضم الظاء و سكون الباء) : موضع، قال الواقديّ هو من الرّوحاء على ثلاثة أميال مما يلي المدينة. و به مسجد للنبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم. (ياقوت) .

51

عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. و البيضاء و عبد اللّه أبو رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم توأمان. و كان عقبة بن أبي معيط تزوّج أروى بعد وفاة عفّان، فولدت له الوليد و خالدا و عمارة و أمّ كلثوم، كلّ هؤلاء إخوة عثمان لأمّه. و وليّ عثمان الوليد بن عقبة في خلافته الكوفة، فشرب الخمر و صلّى بالناس و هو سكران فزاد في الصلاة، و شهد عليه بذلك عند عثمان فجلده الحدّ. و سيأتي خبره بعد هذا في موضعه.

و أبو قطيفة عمرو بن الوليد يكنى أبا الوليد. و أبو قطيفة لقب لقّب به. و أمّه بنت الرّبيع بن ذي الخمار من بني أسد بن خزيمة.

نفى ابن الزبير أبا قطيفة فيمن نقله عن المدينة في وقعة الحرّة

و قال أبو قطيفة هذا الشعر حين نفاه ابن الزّبير مع بني أميّة عن المدينة، مع نظائر[1]له تشوّقا إليها. حدّثني بالسبب في ذلك أحمد بن محمد بن شبيب بن أبي شيبة البزّار[2]، قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز[3]عن المدائنيّ، و أخبرني ببعضه أحمد بن محمد بن الجعد قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثني أبي قال حدّثني وهب بن جرير عن أبيه في كتابه المسمّى «كتاب الأزارقة» ، و نسخت بعضه من كتاب منسوب إلى الهيثم بن عديّ. و اللفظ للمدائنيّ في الخبر ما اتّسق، فإذا انقطع أو اختلف نسبت الخلاف إلى راويه. قال الهيثم بن عديّ أخبرنا ابن عيّاش عن مجالد عن الشّعبيّ و عن ابن أبي الجهم‏[4]و محمد بن المنتشر:

خروج ابن الزبير على بني أمية و وفد يزيد بن معاوية له‏

أنّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب-عليه و على أبيه السّلام-/لمّا سار إلى العراق، شمّر ابن الزبير للأمر الذي أراده و لبس المعافريّ‏[5]و شبر بطنه و قال: إنما بطني شبر، و ما عسى أن يسع الشبر[6]!و جعل يظهر عيب بني أميّة و يدعو إلى خلافهم. فأمهله يزيد سنة، ثم بعث إليه عشرة من أهل الشام عليهم النّعمان بن بشير. و كان أهل الشام يسمّون أولئك العشرة النّفر الرّكب، منهم عبد اللّه بن عضاه الأشعريّ، و روح بن زنباع الجذاميّ، و سعد بن حمزة الهمدانيّ، و مالك بن هبيرة السّكوني‏[7]، و أبو كبشة السّكسكي، و زمل بن عمرو العذريّ، و عبد اللّه بن مسعود، و قيل: ابن مسعدة الفزاريّ، و أخوه عبد الرحمن، و شريك بن عبد اللّه الكنانيّ، و عبد اللّه بن عامر الهمدانيّ، و جعل عليهم، النعمان بن بشير، فأقبلوا حتى قدموا مكة على عبد اللّه ابن الزّبير، و كان النعمان/يخلو به في الحجر كثيرا. فقال له عبد اللّه بن عضاة يوما: يا ابن الزّبير، إنّ هذا الأنصاريّ و اللّه ما أمر بشي‏ء إلا و قد أمرنا بمثله إلا أنه قد أمّر علينا، إني و اللّه ما أدري ما بين المهاجرين و الأنصار. فقال ابن الزّبير: يا ابن عضاه، مالي و لك!إنما أنا [1]النظائر: الأشياء جمع نظيرة بالتاء؛ لأن فعائل يطرد في فعالة و شبهه بتاء أو بغير تاء، و المراد أنه قال هذا الشعر مع قصائد نظائر له.

و أما جمع النظير مذكرا بمعنى المناظر و هو المقابل و المماثل فنظراء.

[2]في ب، حـ: «البزاز» بزايين معجمتين.

[3]في ب، ر: «الخزاز» بزايين معجمتين.

[4]في أ، م، ء: «أبي الجهم» بسقوط لفظة «ابن» .

[5]نسبة إلى معافر: اسم قبيلة من اليمن تنسب إليها هذه الثياب.

[6]يريد أنه إنما يخرج على بني أمية لمصلحة الأمة لا لمطامع مادية.

[7]في جميع الأصول: «السلولي» . و التصويب من «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» ، و الطبري، و «الكامل» لابن الأثير. و السكوني: نسبة إلى سكون و هي قبيلة من كندة.

52

بمنزلة حمامة من حمام مكة، أ فكنت قاتلا حماما من حمام مكة؟قال: نعم، و ما حرمة حمام مكة!يا غلام، ائتني بقوسي و أسهمي، فأتاه بقوسه و أسهمه، فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدّده نحو حمامة من حمام المسجد و قال: يا حمامة، أ يشرب يزيد بن معاوية الخمر؟قولي نعم، فو اللّه: لئن فعلت لأرمينّك. يا حمامة، أ تخلعين يزيد بن معاوية و تفارقين أمّة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و تقيمين في الحرم حتى يستحلّ بك؟و اللّه لئن فعلت لأرمينّك. فقال ابن الزّبير: ويحك!أ و يتكلم الطائر؟قال: لا!و لكنك يا ابن الزبير تتكلم. أقسم باللّه لتبايعنّ طائعا أو مكرها أو لتتعرّفنّ راية الأشعريّين في هذه البطحاء، ثم لا أعظّم من حقّها ما تعظّم‏[1]. فقال ابن الزبير: أو تستحلّ‏[2] الحرم!قال: إنما يستحلّه من ألحد فيه. فحبسهم شهرا ثم ردّهم إلى يزيد بن معاوية و لم يجبه إلى شي‏ء. و في رواية أحمد بن الجعد: و قال بعض الشعراء-و هو أبو العباس الأعمى، و اسمه السائب بن فرّوخ يذكر ذلك و شبر ابن الزبير بطنه-:

ما زال في سورة الأعراف يدرسها # حتى بدا[3]لي مثل الخزّ في اللّين

لو كان بطنك شبرا قد شبعت و قد # أفضلت فضلا كثيرا للمساكين‏[4]

قال الهيثم: ثم إنّ ابن الزّبير مضى إلى صفيّة بنت أبي عبيد[5]زوجة عبد اللّه بن عمر، فذكر لها أنّ خروجه كان غضبا للّه تعالى و رسوله-عليه السّلام-و المهاجرين/و الأنصار من أثرة معاوية و ابنه‏[و أهله‏][6]بالفي‏ء[7]، و سألها مسألته أن يبايعه. فلما قدّمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير و اجتهاده، و أثنت عليه و قالت: ما يدعو إلاّ إلى طاعة اللّه جلّ و عزّ، و أكثرت القول في ذلك. فقال لها: أ ما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحجّ عليهنّ‏[8] الشّهب، فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهنّ!قال المدائنيّ في خبره: و أقام ابن الزبير على خلع يزيد و مالأه‏[9]على ذلك أكثر الناس. فدخل عليه عبد اللّه بن مطيع و عبد اللّه بن حنظلة و أهل المدينة المسجد و أتوا المنبر فخلعوا يزيد.

فقال عبد اللّه بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ: /خلعت يزيد كما خلعت عمامتي، و نزعها عن رأسه و قال: إني لأقول هذا و قد وصلني و أحسن جائزتي، و لكنّ عدوّ اللّه سكّير خمّير. و قال آخر: خلعته كما خلعت نعلي. و قال آخر: خلعته كما خلعت ثوبي. و قال آخر: قد خلعته كما خلعت خفّي، حتى كثرت العمائم و النّعال و الخفاف، و أظهروا البراءة منه و أجمعوا على ذلك، و امتنع منه عبد اللّه بن عمر و محمد بن عليّ بن أبي طالب -عليهما السّلام-و جرى بين محمد خاصّة و بين أصحاب ابن الزبير فيه قول كثير، حتى أرادوا إكراهه على ذلك، [1]في أ، ت، م، ء: «ما يعظم» .

[2]هكذا في ت. و في سائر الأصول: «أ و يستحل الحرم، قال إنما يحله الخ» .

[3]كذا في أ، ء. و في سائر النسخ: «فؤادي» .

[4]في أ، ت، م، ء: «المساكين» .

[5]كذا في ت، حـ، ر. و في سائر النسخ: «عبيد اللّه» . و الذي في «كتب التراجم» أن زوجة ابن عمر هي صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية.

[6]زيادة في ب، س، حـ.

[7]الفى‏ء: ما أفاء اللّه من أموال المشركين على المسلمين من غير حرب و لا جهاد مثل الجزية و ما صولحوا عليه؛ إذ أصل الفى‏ء الرجوع، كأنه كان لهم فرجع إليهم. و الغنيمة: ما اغتنم في الحرب. و النّفل مثلها.

[8]في ت: «التي كان يحج عليها» و في النسخ جميعا: «فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن» .

[9]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و ما لأ» بدون الضمير.

53

فخرج إلى مكة، و كان هذا أوّل ما هاج الشرّ بينه و بين ابن الزبير.

وقعة الحرّة

قال المدائنيّ: و اجتمع أهل المدينة لإخراج بني أمية عنها، فأخذوا عليهم العهود ألاّ يعينوا عليهم الجيش، و أن يردّوهم عنهم، فإن لم يقدروا على ردّهم لا يرجعوا إلى المدينة معهم. فقال لهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان: أنشدكم اللّه في دمائكم و طاعتكم!فإنّ الجنود تأتيكم و تطؤكم، و أعذر لكم ألاّ تخرجوا أميركم، /إنكم إن ظفرتم و أنا مقيم بين أظهركم فما أيسر شأني و أقدركم على إخراجي!و ما أقول هذا إلاّ نظرا لكم أريد به حقن دمائكم. فشتموه و شتموا يزيد، و قالوا: لا نبدأ إلاّ بك، ثم نخرجهم بعدك. فأتى مروان‏[1]عبد اللّه بن عمر فقال:

يا أبا عبد الرحمن، إنّ هؤلاء القوم قد ركبونا بما ترى، فضمّ عيالنا. فقال: لست من أمركم و أمر هؤلاء في شي‏ء.

فقام مروان و هو يقول: قبح اللّه هذا أمرا و هذا دينا. ثم أتى عليّ بن الحسين-عليهما السّلام-فسأله أن يضمّ أهله و ثقله‏[2]ففعل، و وجّههم و امرأته أمّ أبان‏[3]بنت عثمان إلى الطائف و معها ابناه: عبد اللّه و محمد. فعرض حريث رقّاصة-و هو مولى لبني بهز[4]من سليم كان بعض عمّال المدينة قطع رجله فكان إذا مشى كأنه يرقص، فسمّي رقاّصة-لثقل مروان و فيه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضربته بعضا فكادت‏[5]تدقّ عنقه، فولّى و مضى. و مضوا إلى الطائف و أخرجوا بني أميّة. فحسّ‏[6]بهم سليمان بن أبي الجهم العدويّ و حريث رقّاصة، فأراد مروان أن يصلّي بمن معه فمنعوه، و قالوا: لا يصلّي‏[7]و اللّه بالناس أبدا، و لكن إن أراد أن يصلّي بأهله فليصلّ، فصلّى بهم و مضى. فمرّ مروان بعبد الرحمن بن أزهر الزّهريّ، فقال له: هلمّ إليّ يا أبا عبد الملك، فلا يصل إليك مكروه ما بقي رجل من بني زهرة. فقال له: وصلتك رحم، قومنا على أمر[8]فأكره أن أعرّضك لهم.

و قال ابن عمر بعد ذلك-لمّا أخرجوا و ندم على ما كان قاله لمروان-: لو وجدت/سبيلا الى نصر هؤلاء لفعلت، فقد ظلموا و بغي عليهم. فقال ابنه سالم: لو كلّمت هؤلاء القوم!فقال: يا بنيّ، لا ينزع هؤلاء القوم عمّا هم عليه، و هم بعين اللّه، إن أراد أن يغيّر غيّر. قال: فمضوا «إلى ذي خشب» [9]، و فيهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان و الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، و اتّبعهم العبيد و الصّبيان و السّفلة يرمونهم. ثم رجع حريث رقّاصة و أصحابه إلى المدينة، و أقامت بنو أميّة بـ «ذي خشب» عشرة أيام، و سرّحوا حبيب بن كرة[10]إلى يزيد بن معاوية يعلمونه، [1]هو مروان بن الحكم و كان إذ ذاك في المدينة أخرجوه مع عثمان بن محمد بن أبي سفيان في وقعة الحرّة. (انظر «العقد الفريد» ج 2 ص 311) .

[2]الثقل: متاع المسافر و حشمه.

[3]قال السيد مرتضى: أبان كسحاب مصروف، ثم قال: و أكثر النحاة و المحدّثين على منعه من الصرف للعلمية و الوزن (انظر «تاج العروس» مادة ابن) .

[4]في ت: «لبني نهد» و هو تحريف» .

[5]في ت: «بعصا كادت» .

[6]يقال: حس بالشي‏ء و أحس به و أحسه إذا شعر به.

[7]كذا في ب، س، حـ، ر: و في ت: «لا تصلي و اللّه بالناس أبدا» و في أ، م، ء: «لا نصلي و اللّه أبدا» .

[8]أي بيت قومنا على أمر فأكره الخ، أو أن المراد الإمر بالكسر و هو الأمر العظيم الشنيع، و منه قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) .

[9]خشب كجنب: واد على مسيرة ليلة من المدينة له ذكر كثير في الحديث و «المغازي» (ياقوت) و يقال له ذو خشب (انظر «تاج العروس» مادة خشب) .

[10]كذا في ب، س، حـ، غير مضبوط. و في سائر النسخ: «كره» بالهاء غير مضبوط أيضا، و لم نجد ضبطه في «كتب اللغة» . و ضبط

54

و كتبوا اليه يسألونه‏[1]الغوث. و بلغ أهل المدينة أنهم وجّهوا رجلا إلى يزيد، فخرج محمد بن عمرو بن حزم و رجل من بني سليم من بهز[2]و حريث رقّاصة و خمسون راكبا فأزعجوا/بني أميّة منها، فنخس حريث بمروان‏[3]فكاد يسقط عن ناقته، فتأخّر عنها و زجرها و قال: اعلي و اسلمي. فلما كانوا «بالسّويداء» [4]عرض لهم مولى لمروان، فقال: جعلت فداك!لو نزلت فأرحت و تغدّيت!فالغداء حاضر كثير قد أدرك‏[5]. فقال: لا يدعني رقّاصة و أشباهه، و عسى أن يمكّن اللّه منه فتقطع يده. و نظر مروان إلى ماله بـ «ذي خشب» فقال: لا مال إلا ما أحرزته العياب‏[6].

فمضوا فنزلوا «حقيلا» [7]أو «وادي القرى» ، و في ذلك يقول الأحوص:

/لا ترثينّ لحزميّ رأيت به # ضرا و لو سقط الحزميّ في النار

الناخسين بمروان بذي خشب # و المقحمين على عثمان في الدار

قال المدائنيّ: فدخل حبيب بن كرة على يزيد-و هو واضع رجله في طست لوجع كان يجده-بكتاب بني أميّة و أخبره الخبر. فقال: أ ما كان بنو أميّة و مواليهم ألف رجل؟قال: بلى!و ثلاثة آلاف. قال: أ فعجزوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟قال: كثرهم‏[8]الناس و لم تكن لهم بهم طاقة. فندب الناس و أمّر عليهم صخر بن أبي الجهم القينيّ، فمات قبل أن يخرج الجيش، فأمّر مسلم بن عقبة الذي يسمّى مسرفا. قال: و قال ليزيد: ما كنت مرسلا إلى المدينة أحدا إلا قصّر و ما صاحبهم غيري، إنّي رأيت في منامي شجرة غرقد[9]تصيح: على يدى مسلم، فأقبلت نحو الصوت فسمعت قائلا يقول: أدرك ثأرك‏[10]أهل المدينة قتلة عثمان فخرج مسلم و كان من قصّة الحرّة ما كان على يده، و ليس هذا موضعه. فقال أبو قطيفة في ذلك-لما أخرجوا عن المدينة-:

صوت من غير المائة فيه لحنان‏
شعر أبي قطيفة في تشوّقه إلى المدينة

بكى أحد لما تحمّل أهله # فكيف بذي وجد من القوم آلف

من اجل أبي بكر جلت عن بلادها # أميّة، و الأيام ذات تصارف‏

في «تاريخ ابن جرير الطبريّ» طبع ليدن قسم 2 ص 408 بضم الكاف و تشديد الراء المفتوحة. و لعل ضبطه «كرة» بفتح الكاف و تشديد الراء المفتوحة، سمّى بالمرة من الكرّ.

[1]كذا في ب، س، حـ، ر. و في سائر النسخ: «و كتبوا إليه الغوث الغوث» .

[2]في ب، س، حـ، ر: «سليم بن بهز» و هو تحريف.

[3]في ت: «مروان» من غير باء.

[4]السويداء: موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام. (ياقوت) .

[5]أي حان إناه و انتهى نضجه.

[6]العياب: جمع عيبة و هي وعاء من أدم يكون فيها المتاع.

[7]حقيل: موضع. و وادي القرى: واد بين المدينة و الشام من أعمال المدينة كثير القرى، و إليه ينسب عمر الوادي (ياقوت) .

[8]أي غلبوهم بكثرتهم.

[9]الغرقد: الشجر العظيم.

[10]ثأرك: الرجل الذي أصاب حميمك؛ و منه:

قتلت به ثأري و أدركت ثؤرتي‏

ـ