الأغاني - ج2

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
621 /
325

-

326

الجزء الثاني‏

مقدمة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

بيان‏

(أ) روجع هذا الجزء على النسخ التي روجع عليها الجزء الأوّل ما عدا النسخة الأوروبية التي اصطلحنا على تسميتها بالحرف (ر) لأن طابعها اقتصر على طبع بعض الجزء الأوّل و انتهى، كما قلنا فيما كتبناه عنها في تصدير الجزء الأوّل، قبل آخر أخبار ابن محرز و نسبه، و ما عدا النسخة التيمورية التي اصطلحنا على تسميتها بالحرف (ت) و قد قلنا فيما كتبناه عنها هناك إنه لا يوجد منها سوى الجزء الأوّل، كما روجع هذا الجزء على نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 579 أدب تبتدئ من الجزء الثاني، و إليك وصفها:

نسخة ط

و قد اصطلحنا على تسميتها بالحرف «ط» لأن كاتبها هو محمد بن أبي طالب البدري و ذلك في شهور سنة 614 هـ. و لم نرمز لها بالحرف «م» من محمد أو «ب» من البدري، لأننا رمزنا بهذين الحرفين لنسختين أخريين.

أما هذه النسخة فالموجود منها بدار الكتب المصرية أربعة أجزاء في أربعة مجلدات و هي:

(1) الجزء الثاني، أوله في الصفحة الأولى ذكر عديّ بن زيد، ثم ما يلي هذه الصفحة مخروم، و الخرم يستغرق كل أخبار عدي ثم جزءا من أخبار الحطيئة و يبلغ مقداره نحو 28 صفحة و نصف صفحة من طبعة بولاق.

و تبتدئ الصحف الموجودة بهذا البيت:

باستك إذ خلفتني خلف شاعر # من الناس لم أكفئ و لم أتنحل‏

و تنتهي بآخر أخبار بشار بن برد الشاعر و نسبه.

و رسم بوجه الصفحة الأولى صورة ملوّنة بالأحمر و الأخضر و الأسود و اللازوردي، و فيها بعض التذهيب، و هي تمثل مجلسا من مجالس الرقص و الغناء و قد ضم عددا من الجواري و القيان. و في هامش ظهر هذه الصفحة طبع خاتم لم يظهر منه إلا «أبو الحسن علي الشريف» و بدائرته «لا إله إلا اللّه وحده صدق وعده» . و يقع هذا الجزء في 173 صفحة. و يبلغ طول الصفحة منه 32 سنتيمترا، و عرضها 23 سنتيمترا، و طول ما كتب منها 24 سنتيمترا بعرض 16 سنتيمترا، و في كل صفحة 15 سطرا.

و ليس بهوامشه سوى بعض كلمات أو جمل سقطت من الأصل فاستدركها الناسخ و كتب في نهايتها كلمة «صح» إشارة إلى سقوطها من الأصل، أو روايات مختلفة عن نسخ أخرى، و يكتب فوقها الحرف «خ» إشارة إلى روايتها بهذا النص في نسخة أخرى.

أما خط الجزء فهو النسخ المعهود. و هو واضح متقن، و أوله محلى بالذهب و تراجمه كذلك، و قد ضبطت ألفاظه بالحركات، و ورد بآخره هذه العبارة:

«الحمد للّه وحده. طالعه الفقير حسن بن محمد العطار الأزهري، غفر اللّه له» . و هو عالم جليل و مؤلف معروف، تولى مشيخة الأزهر الشريف سنة 1246 هـ.

كما ورد أيضا: «طالعه الفقير درويش سنة 1016» .

327

(2) الجزء الرابع، و أوله أخبار طويس و نسبه، و ينتهي إلى آخر نسب إبراهيم الموصلي و أخباره. و في أول هذا الجزء ورقة مكتوبة بخط مخالف لخط الكتاب تشمل أسماء من ترجم لهم صاحب الأغاني في هذا الجزء كما كتبت فيها هذه العبارة بخط مخالف لهذا الخط أيضا و هي: «الحمد للّه وحده. قد دخل هذا الجزء الذي هو الرابع من الأغاني في نوبة عبد اللّه ابن الفقير إليه محمد بن محمود الجزائري الشهير بابن العتابي-كان اللّه له- بثمن قدره تسع ريالات صغيرة جزائرية و ربع واحدها، و ذلك بتاريخ أواخر شعبان سنة خمس عشرة و اثني (كذا) عشر (كذا) مائة أحسن اللّه عاقبتها بحمده إليه» .

و قد رسم بوجه الصحيفة الأولى منه صورة بالألوان كالسابقة إلا أنها تخالفها في الوضع. و هي تمثل أميرا و حوله الغواني و القيان و في أيديهنّ العود و الدف و القيثارة.

و أوصافه من جهة الخط و المقياس تنطبق على أوصاف المجلد السابق لأنه مخطوط بخط الناسخ المتقدّم، و يقع في 205 صفحة، و به خروم في الوسط.

و قد كتب بآخره: «الحمد للّه. طالعه الفقير حسن بن محمد العطار الأزهري سامحه اللّه «و الحمد للّه طالعه محمد أحمد السروجي المالكي في ثاني ذي القعدة سنة سبع و سبعين و ثمانمائة غفر اللّه له و للمسلمين و صلى اللّه على محمد و آله و سلّم» .

(3) الجزء الحادي عشر، و أوله خبر أساقفة نجران مع النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و ينتهي إلى أوّل أخبار سويد بن أبي كاهل و نسبه، و هو مخطوط بخط الناسخ المتقدّم أيضا و أوصافه كأوصاف سابقيه و يقع في 208 صفحة.

و قد كتب بآخره: «الحمد للّه. طالعه الفقير حسن بن محمد العطار الأزهري سامحه اللّه» و «الحمد للّه.

طالعه فقير[إلى‏]رحمة ربه الغني محمد أحمد السروجي المالكي في حادي عشر محرم الحرام سنة ثمان و سبعين و ثمانمائة... و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم» و «الحمد للّه وحده. و صلى اللّه على سيدنا محمد، طالع في هذا الكتاب المبارك الفقير سليمان جاويش الشهير بالأخرس و بابن أزدمر غفر اللّه له بمنه.

و ذلك في أوائل شهر المحرم الحرام سنة ثلاثة (كذا) عشر بعد ألف» و «طالع في هذا الكتاب المفتقر إلى رحمة ربه و مغفرته و رضوانه الحقير رمضان آغا ابن المرحوم سليمان جاويش الخدم العالية غفر اللّه لهما و لوالديهما و لمن طالع فيه و أهدى ثواب لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه لهما مع الفاتحة في شهر ذي القعدة سنة 1015» و «الحمد للّه. تعلق به نظر الفقير أحمد بن محمد بن محمد بن محمد الهواني» .

(4) الجزء الثالث عشر و هو مخروم من الأول و الأثناء و الآخر، و أول ما فيه من أثناء أخبار عبد اللّه بن الزبير، و ينتهي إلى أثناء أخبار عمرو بن بانة، و هو مخطوط بخط الناسخ المتقدّم أيضا، و أوصافه كأوصاف الأجزاء السابقة. و الموجود منه 172 صفحة.

(ب) لم نراع في فهرس هذا الجزء وضع الحرف (ت) بجانب الرقم ليدلّ على عدد السطر في التعليقات المكتوبة أسفل الصحف، بل رأينا لسهولة المراجعة الاقتصار على رقم الصفحة و عدد السطر فقط سواء كان في صلب الكتاب أو حواشيه.

(حـ) نبهنا حضرة الباحث المحقق الأب أنطون صالحاني اليسوعي إلى أن نضع في هامش كل صفحة إزاء السطر الخامس و العاشر و الخامس عشر إلخ الأعداد 5 و 10 و 15 و هكذا ليقف المطالع بسرعة و بدون عناء على‏

328

السطر المطلوب الذي عينه الفهرس دون أن يلتجئ إلى عدّ الأسطر لتعيين السطر المطلوب و في ذلك شي‏ء من الإعنات للقراء لا نود لهم أن يتورطوا فيه، كما نبهنا أيضا إلى أن نضع أرقام صحف النسخة المطبوعة ببولاق و هي المنتشرة غالبا في أيدي الناس كما أنها النسخة التي يشير إليها الباحثون و المستشرقون في مؤلفاتهم حين ينقلون عن كتاب الأغاني، لكي يسهل على من يريد الرجوع إلى عبارة منبه عليها بصفحتها في هذه الطبعة (طبعة بولاق) الرجوع إليها بلمحة بصر في طبعتنا هذه، و قد ابتدأنا ذلك من الصفحة 113 من هذا الجزء و وضعنا رقم الصفحة و تحته مفصولا عنه بشرطة أفقية رقم الجزء فمثلا 2/125 يدل على الصفحة 125 من الجزء الثاني و هكذا.

و سنراعي ذلك في جميع أجزاء الكتاب إن شاء اللّه مع تقديم جزيل الشكر له على هذه الملاحظات القيمة.

329

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء الثاني من كتاب الأغاني>

تتمة التراجم‏

8-أخبار مجنون بني عامر و نسبه‏

نسبه و تصحيح اسمه‏

هو-على ما يقوله من صحّح نسبه و حديثه-قيس، و قيل: مهديّ، و الصحيح‏[أنه‏][1]قيس بن الملوّح‏[2]بن مزاحم بن عدس‏[3]بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. و من الدليل على أنّ اسمه قيس قول ليلى صاحبته فيه:

ألا ليت شعري و الخطوب كثيرة # متى رحل قيس مستقلّ فراجع‏

/و أخبرني الحسن‏[4]بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال: سمعت من لا أحصي يقول: اسم المجنون قيس بن الملوّح.

قيل كانت به لوثة و لم يكن مجنونا

و أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ، و أخبرني الجوهريّ عن عمر بن شبّة أنهما سمعا الأصمعيّ يقول-و قد سئل عنه-: لم يكن مجنونا و لكن كانت به لوثة[5]كلوثة أبي‏[6]حيّة النّميريّ.

اختلاف الرواة في وجوده‏

و أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن‏[7]ابن شبّة عن الحزاميّ قال حدّثني أيّوب بن عباية قال: سألت بني عامر بطنا بطنا عن مجنون بني عامر فما وجدت أحدا يعرفه.

[1]جاءت هذه الكلمة في حـ، و ليست في سائر النسخ.

[2]لم نقف على ضبط هذا الاسم بخصوصه و لكن العرب سمّوا ملوّحا بفتح الواو و هو الذي ذكره صاحب «القاموس» و لم يذكر أنه سمّي بملوّح بكسرها.

[3]كذا في أغلب الأصول. و في ت، حـ: «ابن مزاحم بن قيس بن عدي بن ربيعة» . و قد نقل صاحب «اللسان» في مادة «عدس» عن ابن الأنباري: أنّ كل ما في العرب «عدس» فإنه بفتح الدال إلا عدس بن زيد فإنه بضمها و هو عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم، و كذلك نص عليه أبو عليّ القالي في «النوادر» جـ 3 ص 209 طبع دار الكتب المصرية.

[4]كذا في أغلب الأصول. و في نسخة حـ: «و أخبرني الحرميّ عن أحمد بن زهير» .

[5]في «القاموس» و شرحه و «لسان العرب» : اللوثة بالضم: الحمق و يفتح و ذكر الوجهين ابن سيده في «المحكم» عن ابن الأعرابيّ.

و عبارة المصباح: اللوثة بالفتح: الحماقة و بالضم: الاسترخاء و الحبسة في «اللسان» .

[6]له ترجمة في الجزء الخامس عشر من «الأغاني» طبع بولاق.

[7]في ت: «قالا حدّثنا عمر بن شبة» .

330

و أخبرني عمّي قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن ابن دأب‏[1]قال: قلت لرجل من بني عامر:

أ تعرف المجنون و تروي من شعره شيئا؟قال: أو قد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين!إنهم لكثير! فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق، فقال: هيهات!بنو عامر أغلظ /أكبادا من ذاك، إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضّعاف قلوبها، السّخيفة عقولها، الصّعلة[2]رءوسها، فأما نزار فلا.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال سمعت الأصمعيّ يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قطّ إلا بالاسم‏[3]: مجنون بني عامر، و ابن القرّيّة[4]، و إنما[5]وضعهما الرّواة.

و أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد عن الحزاميّ قال: و لم أسمعه من الحزاميّ فكتبته عن ابن أبي سعد قال أحمد: و حدّثنا به ابن أبي سعد عن الحزاميّ قال حدّثنا عبد الجبّار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق عن أبيه عن جدّه قال: سعيت‏[6]على بني عامر فرأيت المجنون و أتيت به و أنشدني.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا إسماعيل بن مجمّع عن المدائنيّ‏[7] قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل‏[8]، أحد بني نمير بن عامر بن عقيل، /قال: و منهم رجل آخر يقال له: مهديّ بن الملوّح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

قيل إن فتى من بني أمية وضع حديثه و شعره و نسبه إليه‏

و أخبرني عمّي عن الكرانيّ قال حدّثنا ابن أبي سعد عن عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال: حدّثت أن حديث المجنون و شعره وضعه فتى من بني أميّة كان يهوى ابنة عمّ له، و كان يكره أن يظهر ما بينه و بينها، فوضع حديث المجنون و قال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون و نسبها إليه.

أخبرني الحسين بن يحيى و أبو الحسن الأسديّ قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: اسم المجنون [1]هو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب، كان عالما بأخبار العرب و أشعارهم و كان فوق ذلك شاعرا، و كان يضع بالمدينة الشعر و أحاديث السمر و كلاما ينسب إلى العرب، و كان من أكثر أهل الحجاز أدبا و علما و عذوبة و معرفة بأخبار الناس و أيامهم، و كان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع له، و هو من نقلة الأخبار و نقاد الأشعار، حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد قبله (انظر ترجمته في التعليقات على كتاب «التاج» للجاحظ ص 116-117) .

[2]كذا في ت، حـ، و معناه الصغيرة رءوسها. و في حديث أم معبد في صفة النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم: «لم تزر به صعلة» قال أبو عبيد: الصعلة: صغر الرأس. و في م: «الصعبة» بالباء. و في سائر النسخ: «الصعلة» بتقديم اللام على العين و كلاهما تحريف.

[3]كذا في ت، م. و في حـ: إلا باسم مجنون بني عامر» و في باقي النسخ: «إلا باسم مجنون مجنون بني عامر» و الصواب ما أثبتناه.

[4]انظر الكلام عليه في ص 9 بالحاشية رقم 4 من هذا الجزء.

[5]كذا في ت. و في ب، س: «فإنهما» . و في باقي النسخ: «إنما وضعهما» .

[6]أي خرجت عاملا على قبض الزكاة منهم.

[7]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «عن المدائني قال قال الخ» .

[8]في «شرح مسلم» للنووي: أن عقيلا كله بالفتح إلا ابن خالد عن الزهريّ و يحيى بن عقيل و أبا القبيلة فبالضم. انظر «شرح القاموس» مادة «عقل» .

331

قيس بن معاذ أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

و أخبرني أبو سعد الحسن بن عليّ بن زكريّا العدويّ قال حدّثنا حمّاد[1]بن طالوت بن عبّاد: أنه سأل الأصمعيّ عنه، فقال: لم يكن مجنونا، بل كانت به لوثة أحدثها العشق فيه، كان يهوى امرأة من قومه يقال لها ليلى، و اسمه قيس بن معاذ.

و ذكر عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ عن أبيه أن اسمه قيس بن معاذ.

و ذكر شعيب بن السّكن عن يونس النّحويّ أن اسمه قيس بن الملوّح، قال أبو عمرو الشّيبانيّ: و حدّثني رجل من أهل اليمن أنه رآه و لقيه و سأله عن اسمه و نسبه، فذكر[2]أنه قيس بن الملوّح.

/و ذكر هشام بن محمد الكلبيّ أنه قيس بن الملوّح، و حدّث أن أباه مات قبل اختلاطه‏[3]، فعقر على قبره ناقته و قال في ذلك.

عقرت على قبر الملوّح ناقتي # بذي السّرح‏[4]لما أن جفاه الأقارب

و قلت لها كوني عقيرا[5]فإنني # غدا راجل أمشي و بالأمس راكب

فلا يبعدنك اللّه يا بن مزاحم # فكلّ بكأس الموت لا شكّ شارب‏[6]

و ذكر إبراهيم بن المنذر الحزاميّ و أبو عبيدة معمر بن المثنّى أنّ اسمه البحتريّ بن الجعد.

و ذكر مصعب الزّبيريّ و الرّياشيّ و أبو العالية أن اسمه الأقرع بن معاذ. و قال خالد بن كلثوم: اسمه مهديّ ابن الملوّح.

و أخبرني الأخفش عن السّكّريّ عن أبي زياد[7]الكلابيّ، قال: ليلى صاحبة المجنون هي ليلى بنت سعد بن مهديّ بن ربيعة بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

/أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدّثنا أبو قلابة الرّقاشيّ‏[8]، قال حدّثني عبد الصّمد بن المعذّل، قال:

سمعت الأصمعيّ و قد تذاكرنا مجنون بني عامر يقول: لم يكن مجنونا و إنما كانت به لوثة، و هو القائل:

[1]كذا في ب، س، حـ. و في باقي النسخ: «عثمان» .

[2]في ت، حـ: «فعرّفه» .

[3]يقال: اختلط عقله إذا تغير و فسد.

[4]ذو السرح: واد بأرض نجد.

[5]عقيرا أي معقورة. و أصل العقر: قطع القوائم ثم أطلق بمعنى النحر. قال ابن الأثير: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى أي ينحرونها و يقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. و إنما أطلق العقر على النحر لأنهم كانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه لئلا يشرد عند النحر أ هـ من «اللسان» مادة عقر.

[6]كذا في أغلب النسخ. و في ت، حـ: «لا بدّ شارب» .

[7]اسمه يزيد بن عبد اللّه بن الحارث قال عنه ابن النديم في «الفهرست» طبع ليبزج ص 44: «إنه قدم بغداد أيام المهديّ و كان شاعرا من بني عامر بن كلاب و له مصنفات ذكرها» . و قال في «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلاني في ترجمته: «و كان إماما في اللغة و قال عليّ بن حمزة البصريّ في كتاب «التنبيه» على أغلاط الرواة: إنما بدأت بنوادر أبي زياد لشرف قدرها و نباهة مصنفها» .

[8]كذا في أغلب النسخ. و في ت، حـ: «الرياشيّ» بالياء مكان القاف و هو تحريف، لأن أبا قلابة، و هو عبد الملك بن محمد، يعرف بالرقاشيّ نسبة إلى رقاش: قبيلة من قيس عيلان (انظر «الأنساب» للسمعانيّ في مادة الرقاشي و «الخلاصة في أسماء الرجال» في ترجمته و «تهذيب التهذيب» لابن حجر العسقلانيّ) .

332

أخذت محاسن كلّ ما # ضنّت محاسنه بحسنه

كاد الغزال يكونها # لو لا الشّوى‏[1]و نشوز قرنه‏

لقب بالمجنون كثير غيره و كلهم كان يشبب بليلى‏

و أخبرني عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال:

سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامريّ فقال: عن أيّهم تسألني؟فقد كان فينا جماعة رموا بالجنون، فعن أيّهم تسأل؟فقلت: عن الذي كان يشبّب بليلى، فقال: كلّهم كان يشبّب بليلى، قلت: فأنشدني لبعضهم، فأنشدني لمزاحم بن الحارث المجنون:

ألا أيّها القلب الذي لجّ هائما # بليلى‏[2]وليدا لم تقطّع تمائمه

أفق قد أفاق العاشقون و قد أنى‏[3] # لك اليوم أن تلقى طبيبا تلائمه

أجدّك‏[4]لا تنسيك ليلى ملمّة # تلمّ و لا عهد يطول تقادمه‏

/قلت: فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليب‏[5]المجنون:

ألا طالما لاعبت ليلى و قادني # إلى اللّهو قلب للحسان تبوع

و طال امتراء[6]الشّوق عيني‏[7]كلّما # نزفت دموعا تستجدّ دموع

فقد طال إمساكي على الكبد التي‏[8] # بها من هوى ليلى الغداة صدوع‏

قلت: فأنشدني لغير هذين ممن ذكرت، فأنشدني لمهديّ بن الملوّح:

لو أنّ لك الدنيا و ما عدلت به # سواها و ليلى بائن عنك بينها[9]

لكنت إلى ليلى فقيرا و إنما # يقود إليها ودّ نفسك حينها

قلت له: فأنشدني لمن بقي من هؤلاء، فقال: حسبك!فو اللّه إنّ في واحد من هؤلاء لمن يوزن بعقلائكم اليوم.

[1]الشوي: الأطراف.

[2]كذا في ت. و في باقي النسخ: «وليدا بليلى» .

[3]أنى: حان و قرب. و في ت «و تزيين الأسواق» لداود الأنطاكيّ: «أبى» .

[4]قال أبو عمرو: أجدّك لا تفعل بفتح الجيم و كسرها و الكسر أفصح. و معناه مالك أجدّا منك!و هو منصوب على المصدر. و قال ثعلب: ما أتاك في الشعر من قولك أجدّك فهو بالكسر فإذا قلت بالواو و جدّك فتحت و إنما وجب الفتح لأنه صار قسما، فكأنه حلف بجدّه والد أبيه.

[5]كذا في ب، س و سيأتي قريبا مصغرا في جميع النسخ عدا نسخة ت.

[6]الامتراء: الاستدرار.

[7]في ب، س، حـ: «عنى» و هو تحريف.

[8]في م، ء: «الذي» و الكبد مؤنثة و قد اقتصر ابن جني فيها على التأنيث و كذلك قال اللحيانيّ: هي مؤنثة فقط و ذكر صاحب «القاموس» الوجهين حيث قال: و قد يذكر و نسب شارحه وجه التذكير إلى الفرّاء و غيره.

[9]بينها معناه وصلها لأنه من أسماء، الأضداد، يطلق على الوصل و الفراق، و ربما كان من اسناد الفعل إلى مصدره كجن جنونه و جدّ جدّه و ضلّ ضلاله. و في ب، س، حـ: «حائن» و هو تحريف.

333

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال قال ابن الأعرابيّ: كان معاذ بن كليب‏[1]مجنونا، و كان يحبّ ليلى، و شركه في حبها مزاحم بن الحارث العقيليّ، فقال مزاحم يوما للمجنون:

كلانا يا معاذ يحبّ ليلى # بفيّ و فيك من ليلى التّراب

شركتك في هوى من كان حظّي # و حظّك من مودّتها العذاب

لقد خبلت فؤادك ثم ثنّت # بقلبي‏[2]فهو مخبول مصاب‏

قال فيقال: إنه لما سمع هذه الأبيات التبس و خولط في عقله.

/و ذكر أبو عمرو الشّيبانيّ: أنه سمع في الليل هاتفا يهتف بهذه الأبيات، فكانت سبب جنونه.

و ذكر إبراهيم بن المنذر الحزاميّ عن أيّوب بن عباية: أن فتى من بني مروان كان يهوى امرأة منهم فيقول فيها الشعر و ينسبه إلى المجنون، و أنه عمل له أخبارا و أضاف إليها ذلك الشعر، فحمله الناس و زادوا فيه.

إنكار وجوده و القول بأن شعره مولد عليه‏

و أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن العتبيّ عن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له، و ليس له في بني عامر أصل و لا نسب، فسئل من قال هذه الأشعار؟فقال: فتى من بني أمية.

و قال الجاحظ: ما ترك الناس شعرا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون‏[3]، و لا شعرا هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح.

و أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني أبو أيّوب المديني‏[4] قال حدّثني الحكم بن صالح قال: قيل لرجل من بني عامر: هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله العشق؟فقال:

هذا باطل، إنما يقتل العشق هذه اليمانية الضّعاف القلوب.

/أخبرنا أحمد بن عمر بن موسى قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ قال حدّثني أيّوب بن عبابة قال حدّثني من سأل بني عامر بطنا بطنا عن المجنون فما وجد فيهم أحدا يعرفه.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي أنه ذكر عن جماعة من بني عامر أنهم سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، و ذكروا أنّ هذا الشعر كلّه مولّد[5]عليه.

[1]في ت: «كلب» .

[2]في ب، س: «بعقلي» .

[3]في ت: «قيس بن الملوح» .

[4]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س: المدائنيّ» و الصواب ما أثبتناه. قال ابن النديم في «الفهرست» طبع ليبزج ص 148: أبو أيوب المدينيّ و اسمه سليمان بن أيوب بن محمد من أهل المدينة أ هـ. و الأكثر في النسبة إلى مدينة الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم «مدنيّ» قال السمعانيّ في «الأنساب» : أكثر ما ينسب إليها المدنيّ و نقل ياقوت عن محمد بن إسماعيل البخاريّ: أن المدينيّ هو الذي أقام بالمدينة و لم يفارقها، و المدنيّ هو الذي تحوّل عنها و كان منها ثم قال: و المشهور عندنا أنّ النسبة إلى مدينة الرسول مدنيّ مطلقا و إلى غيرها من المدن مدينيّ للفرق لا لعلة أخرى و ربما ردّه بعضهم إلى الأصل فنسب إلى مدينة الرسول أيضا مدينيّ أ هـ.

[5]كذا في أغلب النسخ، و المولد: المفتعل، يقال: جاء بكتاب مولد أي مفتعل. و في ب، س: «مؤلف» .

334

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه‏[1]بن عمّار قال حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه عن محمد ابن الحكم عن عوانة قال: ثلاثة لم يكونوا قطّ و لا عرفوا: ابن أبي العقب صاحب قصيدة الملاحم‏[2]، و ابن القرّيّة[3]، و مجنون بني عامر.

/أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال سمعت الأصمعيّ يقول: الذي ألقي على المجنون من الشعر و أضيف إليه أكثر مما قاله هو.

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال: أنشدت أيّوب بن عباية هذين البيتين

و خبّرتماني أنّ تيماء[4]منزل # لليلى إذا ما الصّيف ألقى المراسيا

فهذي شهور الصّيف عنّا قد انقضت # فما للنّوى ترمي بليلى المراميا

و سألته عن قائلهما، فقال: جميل، فقلت له: إنّ الناس يروونهما للمجنون، فقال: و من هو المجنون‏[5]؟ فأخبرته، فقال: ما لهذا حقيقة و لا سمعت به.

و أخبرني عمّي عن عبد اللّه بن شبيب عن هارون بن موسى الفرويّ‏[6]قال:

سألت أبا بكر العدويّ عن هذين البيتين فقال: هما لجميل، و لم يعرف المجنون، فقلت: فهل معهما غيرهما؟قال: نعم، و أنشدني:

و إنّي لأخشى أن أموت فجاءة # و في النفس حاجات إليك كما هيا

و إنّي لينسيني لقاؤك كلّما # لقيتك يوما أن أبثّك ما بيا

و قالوا به داء عياء أصابه # و قد علمت نفسي مكان دوائيا

[1]في ت: «عبد اللّه» و قد تقدّم غير مرة كما أثبتناه في الأصل.

[2]الملاحم: جمع ملحمة و هي الواقعة العظيمة في الفتنة و لها علم خاص يبحث فيه عن معرفة أوقات الفتن بالدلائل النجومية، قال صاحب كتاب «مدينة العلوم» : و قد عرفت أن علم أحكام النجوم من أضعف العلوم دلالة فلا تعويل عليه أصلا أ. هـ من كتاب «أبجد العلوم» لصديق حسن خان طبع الهند ص 636.

[3]هو أيوب بن زيد بن قيس، و القرّية أمه و هو من بني هلال بن ربيعة و كان لسنا خطيبا، قتله الحجاج لاتّهامه بالميل إلى ابن الأشعث، و قد عرف به ابن خلكان في «تاريخه» فقال: «هذا ابن القرّية الذي يذكره النحاة في أمثالها فيقولون: ابن القرّية زمان الحجاج، ثم أورد عبارة صاحب «الأغاني» هذه و قال: «ابن القرّية يعني هذا المذكور و ابن أبي العقب الذي تنسب إليه الملاحم و اسمه يحيى بن عبد اللّه بن أبي العقب و اللّه أعلم» .

و قد ذكر صاحب «كشف الظنون» يحيى هذا باسم يحيى بن عقب و وصفه بأنه معلم الحسن و الحسين رضي اللّه عنهما و ملحمته منظومة لاميّة أوّلها:

رأيت من الأمور عجيب حال # لأسباب يسطرها مقالي‏

[4]تيماء بالفتح و المدّ: بلد صغير في أطراف الشأم بين الشأم و وادي القرى و الأبلق الفرد، حصن السموأل بن عاديا اليهودي مشرف عليها فلذلك كان يقال لها: تيماء اليهوديّ أ هـ من «معجم البلدان» لياقوت.

[5]كذا في ت و في ب، س: «و ما المجنون» و في باقي النسخ: «و ما هو المجنون» .

[6]في ت، ب، س، حـ: «القروي» . و في سائر النسخ: «الهروي» و الموجود في كتب «التراجم» «هارون بن موسى بن أبي علقمة الفروى» بالفاء فلعل القروي أو الهروي محرّفة عنها. ـ

335

/و أنا أذكر[1]مما وقع إليّ من أخباره جملا مستحسنة، متبرّئا من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرّواة إلى غيره و ينسبها من حكيت عنه إليه، و إذا قدّمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن و متتبّع‏[2]للعيوب.

بدء تعشقه ليلى‏

أخبرني بخبره في شغفه بليلى جماعة من الرّواة، و نسخت ما لم أسمعه من الروايات و جمعت ذلك في سياقة خبره ما اتّسق و لم يختلف، فإذا اختلف نسبت كلّ رواية إلى راويها.

فممن أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة عن رجاله و إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، و نسخت أخباره من رواية خالد بن كلثوم و أبي عمرو الشّيباني و ابن دأب و هشام بن محمد الكلبيّ و إسحاق بن الحصّاص و غيرهم من الرّواة.

قال أبو عمرو الشّيبانيّ و أبو عبيدة: كان المجنون يهوى ليلى بنت مهديّ بن سعد بن مهديّ بن ربيعة ابن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة و تكنى أمّ مالك، و هما حينئذ صبيان، فعلق كلّ واحد منهما صاحبه و هما يرعيان مواشي أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت‏[3]عنه، قال: و يدل على ذلك قوله:

صوت‏

تعلّقت ليلى و هي ذات ذؤابة[4] # و لم يبد للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا # إلى اليوم لم نكبر و لم تكبر البهم‏

/في هذين البيتين للأخضر الجدّيّ لحن من الثّقيل الثاني بالوسطى، ذكره هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات و الهشاميّ.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية و نسخت هذا الخبر بعينه من خطّ هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قال حدّثنا الحسن بن عليّ قال حدّثني أبو عتّاب‏[5]البصريّ عن إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال:

بينا ابن مليكة يؤذّن إذ سمع الأخضر الجدّيّ يغنّي من‏[6]دار العاص بن وائل:

و علّقتها غرّاء ذات ذوائب # و لم يبد للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البهم‏[7]يا ليت أننا # إلى اليوم لم نكبر و لم تكبر البهم‏

[1]في ا، م: «و أنا ذاكر» .

[2]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «و متبع» .

[3]في ت: «و حجبت» بالواو.

[4]كذا في جميع النسخ، و الذؤابة: شعر الناصية. و في «ديوانه» و كتاب «الشعر و الشعراء» في ترجمته: «و هي غرّ صغيرة» . و في «تزيين الأسواق» : «و هي ذات تمائم» .

[5]كذا في ت، ب، س، حـ. و في سائر النسخ: «أبو غياث النصريّ» .

[6]كذا في أغلب النسخ و في ت: «في دار» .

[7]البهم: جمع بهمة و هي الصغير من أولاد الضأن و المعز و البقر من الوحش و غيرها، و الذكر و الأنثى في ذلك سواء.

336

قال فأراد أن يقول: حيّ على الصلاة فقال: حيّ على البهم، حتى سمعه أهل مكة فغدا يعتذر إليهم.

و قال ابن الكلبيّ: حدّثني معروف المكيّ و المعلّى بن هلال‏[1]و إسحاق بن الجصّاص قالوا:

كان سبب عشق المجنون ليلى، أنه أقبل ذات يوم على ناقة له كريمة و عليه حلّتان من حلل الملوك، فمرّ بامرأة من قومه يقال لها: كريمة، و عندها جماعة نسوة يتحدّثن فيهنّ ليلى، فأعجبهنّ جماله و كماله، فدعونه إلى النزول و الحديث‏[2]، فنزل و جعل يحدّثهنّ و أمر عبدا له كان معه فعقر لهنّ ناقته، و ظلّ‏[3]يحدّثهنّ بقية/يومه، فبينا هو كذلك، إذ طلع عليهم فتى عليه بردة[4]من برد[5]الأعراب يقال له: «منازل‏[6]يسوق معزى له، فلما رأينه أقبلن عليه و تركن المجنون، فغضب و خرج من عندهنّ و أنشأ يقول:

أ أعقر من جرّا[7]كريمة ناقتي # و وصلي مفروش‏[8]لوصل منازل

إذا جاء قعقعن الحليّ و لم أكن # إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل

متى ما انتضلنا[9]بالسّهام نضلته # و إن نرم رشقا[10]عندها فهو ناضلي‏

قال: فلما أصبح لبس حلّته و ركب ناقة له أخرى و مضى متعرّضا لهنّ، فألفى ليلى قاعدة بفناء بيتها و قد علق حبّه بقلبها و هويته، و عندها جويريات يتحدّثن معها، فوقف بهنّ و سلّم، فدعونه إلى النزول و قلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل و لا غيره؟فقال: إي لعمري‏[11]، فنزل و فعل مثل ما فعله بالأمس، فأرادت أن تعلم، هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن/حديثه ساعة بعد ساعة و تحدّث غيره، و قد كان علق بقلبه مثل حبها إياه و شغفته و استملحها، فبينا هي تحدّثه، إذ أقبل فتى من الحيّ فدعته و سارّته سرارا طويلا، ثم قالت له: انصرف، و نظرت إلى وجه المجنون قد تغيّر و انتقع‏[12]لونه و شقّ عليه فعلها، فأنشأت تقول:

كلانا مظهر للناس بغضا # و كلّ عند صاحبه مكين

تبلّغنا العيون بما أردنا # و في القلبين ثمّ هوى دفين‏

[1]في ت: «هليل» بالتصغير.

[2]في ت: «إلى النزول و الحديث معهم» و لعل أصلها «معهنّ» .

[3]هكذا في ب، س، م، أ. و في سائر النسخ: «و جعل» .

[4]كذا في أغلب النسخ و في ت: «إذ طلع فتى عليهم في بردة الخ» .

[5]كذا في حـ، و في بقية الأصول «برود» و قد رجحنا ما في حـ، لأنّ الموجود في «كتب اللغة» أنّ بردة تجمع على برد و لم يذكروا أنها تجمع على برود، و جمع فعلة على فعول يتوقف على السماع نحو شعبة و شعوب انظر «شرح الأشموني على الخلاصة» في باب جمع التكسير.

[6]لم نقف لهذا الاسم على ضبط معين و قد ضبط بضم الميم في نسخة أ. و قد سمى العرب منازل كمساجد و منازل كمساعد.

[7]أي من أجل، يقال: فعلت ذلك من جرّاك أي من أجلك و مما أنشد على هذا:

أ من جرّا بني أسد غضبتم # و لو شئتم لكان لكم جوار

[8]كذا في أغلب النسخ و معناه ممهد لوصله و سبيل إليه. و في ت و «تزيين الأسواق» : «مقرون بوصل منازل» .

[9]أي ترامينا بالسهام، و نضلته: غلبته.

[10]الرشق: رمي أهل النضال ما معهم من السهام في جهة واحدة.

[11]كذا في أغلب النسخ. و في ت، حـ: «إيه لعمري» .

[12]يقال: انتقع لونه إذا تغير من هم أو فزع.

337

فلما سمع البيتين شهق شهقة شديدة و أغمي عليه، فمكث على ذلك ساعة، و نضحوا الماء على وجهه‏[حتى أفاق‏][1]و تمكّن حبّ كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كلّ مبلغ.

خطبته لليلى و اختيارها عليه و شعره في ذلك‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن هشام بن محمد بن موسى المكيّ عن محمد بن سعيد المخزوميّ عن أبي الهيثم العقيليّ قال:

لما شهر أمر المجنون و ليلى و تناشد الناس شعره فيها، خطبها و بذل لها خمسين ناقة حمراء، و خطبها ورد بن محمد العقيليّ و بذل لها عشرا من الإبل و راعيها، فقال أهلها: نحن مخيّروها بينكما، فمن اختارت تزوّجته، و دخلوا إليها فقالوا: و اللّه لئن لم تختاري وردا لنمثّلنّ بك، فقال المجنون:

ألا يا ليل إن ملّكت فينا # خيارك فانظري لمن الخيار

و لا تستبدلي منّي دنيّا # و لا برما[2]إذا حبّ‏[3]القتار[4]

يهرول في الصغير إذا رآه # و تعجزه ملمّات كبار

فمثل تأيّم منه نكاح # و مثل تموّل منه افتقار

فاختارت وردا فتزوّجته على كره منها.

حكاية أبيه عن جنونه بليلى‏

و أخبرني أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن عثمان بن عمارة بن حريم‏[5]المرّي قال:

خرجت إلى أرض بني عامر لألقى المجنون، فدللت عليه و على محلّته، فلقيت أباه شيخا كبيرا و حوله إخوة للمجنون مع أبيهم رجالا؛ فسألتهم عنه فبكوه‏[6]، و قال الشيخ: أما و اللّه لهو كان آثر عندي من هؤلاء جميعا، و إنه عشق امرأة من قومه و اللّه ما كانت تطمع في مثله، فلما فشا أمره و أمرها كره أبوها أن يزوّجه إياها بعد ما ظهر من أمرهما، فزوّجها غيره، و كان أوّل ما كلف بها يجلس إليها في نفر من قومها فيتحدّثون كما يتحدّث الفتيان‏[7]، و كان أجملهم و أظرفهم و أرواهم لأشعار العرب، فيفيضون في الحديث فيكون أحسنهم فيه إفاضة، فتعرض عنه و تقبل على غيره، و قد وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فظنّت به ما هو عليه من حبها، فأقبلت عليه يوما و قد خلت فقالت:

[1]زيادة في ت، حـ.

[2]البرم: اللئيم.

[3]في س: «حث» بالثاء.

[4]القتار: ريح اللحم المشوي.

[5]كذا في أ، م: «حريم» بالحاء و الراء المهملتين و هو الموافق لما جاء في «تاريخ ابن جرير الطبريّ» ص 281 قسم 3 و في ت: «عثمان بن عميرة بن جرير المريّ» . و في سائر النسخ: «عثمان بن عمارة بن خزيم المريّ» .

[6]في ت، حـ: «فبكوا» .

[7]كذا في ت. و في أ، س، م: «فيتحدّثان كما يتحدّث الفتيان إلى الفتيات» و في ب: «فيتحدّثان كما يتحدّث الفتيان إلى الفتيان» و في حـ: «فيتحدّثان كما يتحدّث الفتيان» .

338
صوت‏

كلانا مظهر للناس بغضا # و كلّ عند صاحبه مكين

و أسرار الملاحظ ليس تخفي # إذا نطقت بما تخفي العيون‏[1]

غنّت في الأوّل عريب خفيف رمل، و قيل: إنّ هذا الغناء لشارية[2]، و البيت الأخير ليس من شعره‏[3]-قال:

فخرّ مغشيّا عليه ثم أفاق فاقدا عقله، فكان لا يلبس ثوبا إلا خرّقه و لا يمشي إلا عاريا و يلعب بالتراب و يجمع العظام حوله، فإذا ذكرت له ليلى أنشأ يحدّث عنها عاقلا و لا يخطئ حرفا، و ترك الصلاة، فإذا قيل له: مالك لا تصلّي!لم يردّ حرفا، و كنا نحبسه و نقيّده، فيعضّ لسانه و شفته، حتى خشينا عليه فخلّينا سبيله فهو يهيم.

قصته مع عمر بن عبد الرحمن بن عوف‏

قال الهيثم؛ فولّى مروان بن الحكم عمر بن عبد الرحمن بن عوف صدقات بني كعب و قشير و جعدة، و الحريش و حبيب و عبد اللّه، فنظر إلى المجنون قبل أن يستحكم جنونه‏[4]فكلّمه و أنشده فأعجب به، فسأله أن يخرج معه، فأجابه إلى ذلك، فلما أراد الرّواح جاءه قومه فأخبروه خبره و خبر ليلى، و أنّ أهلها استعدوا السلطان عليه، فأهدر دمه إن أتاهم، فأضرب عما وعده‏[5]و أمر له بقلائص، فلما علم بذلك و أتي بالقلائص ردّها عليه و انصرف.

/و ذكر أبو نصر أحمد بن حاتم عن جماعة من الرّواة: أنّ المجنون هو الذي سأل عمر بن عبد الرحمن أن يخرج‏[6]به، قال له: أكون معك في هذا الجمع الذي تجمعه غدا، فأرى‏[7]في أصحابك، و أتجمل في عشيرتي‏[8]بك، و أفخر بقربك، فجاءه رهط من رهط ليلى‏[9]و أخبروه بقصّته، و أنه لا يريد التجمّل به، و إنما يريد أن يدخل عليهم بيوتهم و يفضحهم في امرأة منهم يهواها، و أنهم قد شكوه إلى السلطان فأهدر دمه إن دخل عليهم، فأعرض عما أجابه إليه من أخذه معه و أمر له بقلائص، فردّها و قال‏[في ذلك‏][10]:

رددت قلائص القرشيّ لمّا # بدا لي النقض منه للعهود

[1]في ت، حـ، و «تزيين الأسواق» : و قد تغري بذي اللحظ العيون» . و في «تزيين الأسواق» رواية أخرى و هي: «و قد تغري بذي اللحظ الظنون» .

[2]سيأتي التعريف بها في الجزء الرابع عشر طبع بولاق و لم نعثر لها على ضبط، و الأقرب أن يكون ضبطها بفتح الياء على زنة اسم الفاعل من شري.

[3]كذا في ب، س، م، أ و في ت. حـ: «غنت في الأوّل عريب مع البيت الأخير و هو الثاني و ليس هو من شعر المجنون خفيف رمل، و قيل: أن هذا الغناء لشارية قال: فخرّ مغشيا عليه الخ» .

[4]كذا في أغلب النسخ و في ت، حـ: «حبه» .

[5]كذا في أغلب النسخ. و في ت، حـ: «فانصرف عما وعده به و أمر له بقلائص» .

[6]كذا في أغلب النسخ و في ت: «أن يخرج معه و قال» .

[7]كذا في ت. و في ء: «فأرني» . و في باقي النسخ: «فأربي» و لا يظهر لهما معنى مناسب.

[8]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س: «عشيرتك» .

[9]كذا في أغلب النسخ. و في ت، حـ: «فجاءه رهط ليلى» .

[10]زيادة في ت.

339

و راحوا مقصرين و خلّفوني # إلى حزن أعالجه شديد

قال: و رجع آيسا فعاد إلى حاله الأولى، قال: فلم تزل تلك حاله، إلا أنه غير مستوحش، إنما يكون في جنبات الحيّ منفردا عاريا لا يلبس ثوبا إلا خرّقه، و يهذي و يخطّط في الأرض و يلعب بالتراب و الحجارة، و لا يجيب أحدا سأله عن شي‏ء، فإذا أحبّوا أن يتكلّم أو يثوب عقله ذكروا له ليلى، فيقول: بأبي هي و أمّي، ثم يرجع إليه عقله فيخاطبونه و يجيبهم، و يأتيه أحداث الحيّ فيحدّثونه عنها و ينشدونه الشعر الغزل، فيجيبهم جوابا صحيحا و ينشدهم أشعارا قالها، حتى سعى‏[1]عليهم في السنة الثانية[2]بعد عمر بن عبد الرحمن نوفل بن مساحق، فنزل مجمعا من تلك/المجامع فرآه يلعب بالتراب و هو عريان، فقال لغلام له: يا غلام، هات ثوبا، فأتاه به، فقال لبعضهم: خذ هذا الثوب فألقه على ذلك الرجل، فقال له: أتعرفه جعلت فداك؟قال: لا، قال: هذا ابن سيّد الحيّ، لا و اللّه ما يلبس الثياب و لا يزيد على ما تراه يفعله الآن، و إذا طرح عليه شي‏ء خرّقه، و لو كان يلبس ثوبا لكان في مال أبيه ما يكفيه، و حدّثه عن أمره، فدعا به و كلّمه، فجعل لا يعقل شيئا يكلّمه به، فقال له قومه: إن أردت أن يجيبك جوابا صحيحا فاذكر له ليلى، فذكرها له و سأله عن حبّه إياها، فأقبل عليه يحدّثه بحديثها و يشكو إليه حبّه إياها و ينشده شعره فيها، فقال له نوفل: الحبّ صيّرك إلىّ ما أرى؟قال نعم، و سينتهي بي إلى ما هو أشدّ مما ترى، فعجب منه و قال له: أ تحبّ أن أزوّجكها؟قال: نعم، و هل إلى ذلك من سبيل؟قال: انطلق معي حتى أقدم على أهلها بك و أخطبها عليك و أرغّبهم في المهر لها، قال: أ تراك فاعلا؟قال: نعم، قال: انظر ما تقول!قال: لك عليّ أن أفعل بك ذلك، و دعا له بثياب فألبسه إياها، و راح معه المجنون كأصحّ أصحابه‏[3]يحدّثه و ينشدّه، فبلغ ذلك رهطها فتلقّوه في السلاح‏[4]، و قالوا له: يا ابن مساحق لا و اللّه لا يدخل المجنون منازلنا أبدا أو يموت، فقد أهدر لنا السلطان دمه، فأقبل‏[5]بهم و أدبر، فأبوا، فلما رأى ذلك قال للمجنون: انصرف، فقال له المجنون: و اللّه ما وفيت لي بالعهد، قال له: انصرافك بعد أن آيسني القوم من إجابتك أصلح من سفك الدماء، فقال المجنون:

صوت‏

أيا ويح من أمسى تخلّس‏[6]عقله # فأصبح مذهوبا به كلّ مذهب

خليّا من الخلاّن إلا معذّرا[7] # يضاحكني‏[8]من كان يهوى تجنّبي‏

[1]سعى عليهم: و لي جباية صدقاتهم.

[2]في ت: «الثالثة» و لعل كليهما محرّف عن التالية.

[3]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «و راح أصحابه معه و المجنون كأصح ما يكون» .

[4]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س: «بالسلاح» .

[5]يريد أنه بذل الجهد في إقناعهم أن يدخلوه معه و قلبهم على جميع الوجوه فلم يجده شيئا. قال في «لسان العرب» مادة قبل: «و قد أقبل الرجل و أدبره و أقبل به و أدبر فما وجد عنده خيرا» .

[6]تخلس: سلب.

[7]هو المقصر الذي لا عذر له و لكنه يتكلف العذر، و منه قوله تعالى: (وَ جََاءَ اَلْمُعَذِّرُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) .

[8]كذا في جميع الأصول و هو الموافق لما في «الديوان» طبع بولاق. و سيأتي في جميع الأصول ص 39 من هذا الجزء «إلا مجاملا يساعدني» .

340

الغناء[1]للحسين بن محرز ثقيل أوّل بالوسطى من جامع أغانيه:

إذا ذكرت ليلى عقلت و راجعت # روائع‏[2]عقلي من هوى متشعّب

و قالوا صحيح ما به طيف جنّة[3] # و لا الهمّ إلا بافتراء التكذّب‏[4]

و شاهد و جدي دمع عيني و حبّها # برى اللحم عن أحناء[5]عظمي و منكبي‏

صوت‏

تجنّبت ليلى أن يلجّ بك الهوى # و هيهات كان الحبّ قبل التجنّب

ألا إنّما غادرت يا أمّ مالك # صدى‏[6]أينما تذهب به الريح يذهب‏

/الغناء لإسحاق خفيف ثقيل‏[7]أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر[8]، و فيه لابن جامع هزج من رواية الهشاميّ و هي قصيدة طويلة.

و مما يغنّى فيه منها قوله:

صوت‏

فلم أر ليلى بعد موقف ساعة # بخيف منى ترمي جمار المحصّب

و يبدي الحصى منها إذا قذفت به # من البرد أطراف البنان المخضّب

فأصبحت من ليلى الغداة كناظر # مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب

ألا إنما غادرت يا أمّ مالك # صدى أينما تذهب به الريح يذهب‏

فيه ثقيل أوّل مطلق باستهلال، ذكر ابن المكيّ أنه لأبيه يحيى، و ذكر الهشاميّ أنه للواثق، و ذكر حبش أنه [1]في س، ء، م، أ: هذه الزيادة و هي: «غنى في هذين البيتين يحيى المكيّ خفيف رمل رواه عنه ابنه أحمد الغناء للحسين بن محرز الخ» .

[2]كذا في جميع الأصول ما عدا نسخة حـ، و هو الموافق لما في «الديوان» طبع بولاق. و الروائع: جمع رائعة أي مرتاعة، قال في «اللسان» مادة روع: و قد يكون رائع فاعلا بمعنى المفعول، أنشد ابن الأعرابيّ:

شذّانها رائعة من هدره‏

أي مرتاعة. و في نسخة حـ: «عوازب» و سيرد كذلك في جميع النسخ ص 39 من هذا الجزء. و العوازب: جمع عازبة من عزب بمعنى غاب.

[3]طيف حنة: مسّ من الجنّ.

[4]في «ديوان الشعر و الشعراء» .

و لا لمم إلا افتراء التكذب‏

و اللمم: الجنون، و قيل: طرف منه يلمّ الإنسان.

[5]الأحناء: جمع حنو و هو كل شي‏ء فيه اعوجاج كعظم الحجاج (العظم الذي ينبت عليه الحاجب) و اللحى و الضلع.

[6]الصدى: الجسد من الآدمي بعد موته، و يطلق على الرجل النحيف الجسد، كما أنه يطلق على الصوت الذي يسمعه المصوّت عقب صياحه راجعا إليه من نحو الجبل و البناء المرتفع.

[7]في أ، م، ء: «ثاني ثقيل أوّل» .

[8]في ت، حـ: «في مجرى البنصر من روايته» .

341

لابن محرز، و هو في جامع أغاني سليمان منسوب إليه.

أنشدني الأخفش عن أبي سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب للمجنون

فو اللّه ثم اللّه إنّي لدائب # أفكّر ما ذنبي إليها و أعجب

و و اللّه ما أدري علام قتلتني # و أيّ أموري فيك يا ليل أركب

أ أقطع حبل الوصل فالموت دونه # أم اشرب رنقا[1]منكم ليس يشرب

أم اهرب حتى لا أرى لي مجاورا # أم اصنع ما ذا أم أبوح فأغلب

فأيّهما يا ليل ما ترتضينه # فإنّي لمظلوم و إنّى لمعتب‏

حجه مع أبيه إلى مكة لسلوان ليلى و دعوته هو استزادة حبها و دوامه‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال: ذكر هشام بن الكلبيّ و وافقه في روايته أبو نصر أحمد بن حاتم و أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني عليّ ابن الصّبّاح عن هشام ابن الكلبيّ عن أبيه:

أن أبا المجنون و أمّه و رجال عشيرته اجتمعوا إلى ليلى فوعظوه و ناشدوه اللّه و الرحم، و قالوا له: إنّ هذا الرجل لهالك، و قبل ذلك ففي أقبح من الهلاك بذهاب عقله، و إنك فاجع به أباه و أهله، فنشدناك اللّه و الرحم أن تفعل ذلك، فو اللّه ما هي أشرف منه، و لا لك مثل مال أبيه، و قد حكّمك في المهر، و إن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى و حلف باللّه و بطلاق أمّها[2]إنه لا يزوّجه إيّاها أبدا، و قال: أفضح نفسي و عشيرتي و آتي ما لم يأته أحد من العرب، و اسم ابنتي بميسم فضيحة فانصرفوا عنه، و خالفهم لوقته فزوّجها رجلا من قومها و أدخلها[3] إليه، فما أمسى إلا و قد بنى بها، و بلغه الخبر فأيس منها حينئذ و زال عقله جملة، فقال الحيّ لأبيه: أحجج به إلى مكة و ادع اللّه عزّ و جلّ له، و مره أن يتعلّق بأستار الكعبة، فيسأل اللّه يعافيه مما به و يبغّضها إليه، فلعل اللّه أن يخلّصه من هذا البلاء، فحجّ به أبوه، فلما صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخة ظنّوا أنّ نفسه قد تلفت و سقط مغشيّا عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم أفاق حائل‏[4]اللون ذاهلا، فأنشأ يقول:

صوت‏

عرضت على قلبي العزاء فقال لي # من الآن فاياس لا أعزّك من صبر

إذا بان من تهوى و أصبح نائيا # فلا شي‏ء أجدى من حلولك في القبر

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى # فهيّج أطراب‏[5]الفؤاد و ما يدري‏

[1]رنقا: كدرا.

[2]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «بطلاق امرأته» .

[3]كذا في أغلب النسخ. و في حـ: «و أخرجها إليه» . و في ت: و أرحلها إليه» .

[4]حائل اللون: متغيره.

[5]كذا في جميع الأصول، و الأطراب: جمع طرب و هو خفة تعتري الشخص من شدّة الفرح أو الحزن. و الذي في «ديوانه» و كتاب «الشعر و الشعراء» : «أحزان» .

342

دعا باسم ليلى غيرها فكأنّما # أطار بليلى طائرا كان في صدري

دعا باسم ليلى ظلّل اللّه سعيه # و ليلى بأرض عنه نازحة قفر

الغناء لعريب خفيف ثقيل-ثم قال له أبوه: تعلّق بأستار الكعبة و اسأل اللّه أن يعافيك من حبّ ليلى، فتعلّق بأستار الكعبة و قال: اللهم زدني لليلى حبّا و بها كلفا و لا تنسني ذكرها أبدا، فهام‏[1]حينئذ و اختلط فلم يضبط.

قالوا: فكان يهيم في البرّيّة مع الوحش و لا يأكل إلا ما ينبت في البرّيّة من بقل و لا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، و طال شعر جسده و رأسه و الفته الظباء و الوحوش فكانت لا تنفر منه، و جعل يهيم حتى يبلغ حدود الشأم، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمرّ به من أحياء العرب عن نجد، فيقال له: و أين‏[2]أنت من نجد!قد شارفت الشأم! أنت في موضع كذا، فيقول: فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه و يعرضون عليه أن يحملوه أن يكسوه فيأبى، فيدلّونه على طريق نجد فيتوجّه نحوه.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ و أخبرنا حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن أبي مسكين قال:

/خرج منّا فتى حتى إذا كان ببئر ميمون‏[3]إذا جماعة فوق بعض تلك الجبال، و إذا[4]معهم فتى أبيض طوال‏[5]جعد[6]كأحسن من رأيت من الرجال على هزال منه و صفرة، و إذا هم متعلّقون به، فسألت عنه، فقيل لي: هذا قيس المجنون خرج به أبوه يستجير له بالبيت، و هو على أن يأتي به قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم ليدعو له هناك لعلّه يكشف ما به، فإنه يصنع بنفسه صنيعا يرحمه منه عدوّه، يقول: أخرجوني لعلّني أتنسّم صبا نجد، فيخرجونه فيتوجهون به نحو نجد، و نحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئت الأجر[7]دنوت منه فأخبرته أنك أقبلت من نجد، فدنوت منه و أقبلوا عليه فقالوا له: يا أبا المهديّ، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفّس تنفّسة[8]ظننت أن كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني‏[9]عن واد واد و موضع موضع، و أنا أخبره و هو يبكي أحرّ بكاء و أوجعه للقلب، ثم أنشأ يقول:

ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا[10] # لطول الليالي هل تغيّرتا بعدي‏

[1]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «فهاج» .

[2]في ت: «أين أنت» بدون واو.

[3]قال في ياقوت: و بئر ميمون بمكة، و قال البكريّ في «معجم ما استعجم» ص 569: هي بئر بمكة بين البيت و الحجون بأبطح مكة، و هي منسوبة إلى ميمون بن الحضرميّ حفرها في الجاهلية، و عندها توفي أبو جعفر المنصور.

[4]كذا في ت، حـ. و في باقي النسخ: «فإذا» بالفاء.

[5]الطوال بالضم: المفرط الطول.

[6]كذا في ت، حـ، و الجعد: أن يكون الرجل معصوب الجوارح شديد الأسر و الخلق غير مسترخ و لا مضطرب، و في باقي النسخ: «جعدة» بالتاء و لم نجده في «كتب اللغة» التي بأيدينا و صفا لمذكر.

[7]زيادة في ب، س.

[8]في ت، حـ: «تنفسا خلت أنّ كبده الخ» .

[9]في ت، حـ: «يسائلني» .

[10]في ب، س: «قبا» بالباء و هو تحريف. انظر حاشية رقم 3 ص 353 من الجزء الأول من «الأغاني» . و قنا و عوارضة: جبلان لبني فزارة. ـ

343

و هل جارتانا بالبتيل‏[1]إلى الحمى # على عهدنا أم لم تدوما على العهد

و عن علويّات‏[2]الرياح إذا جرت # بريح الخزامى هل تهبّ على نجد

و عن أقحوان الرمل ما هو فاعل # إذا هو أسرى ليلة بثرى جعد[3]

و هل أنفضنّ الدهر أفنان لمّتى # على لاحق المتنين مندلق الوخد[4]

و هل أسمعنّ الدهر أصوات هجمة[5] # تحدّر من نشز[6]خصيب إلى وهد

سؤاله زوج ليلى عن عشرته معها

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ و العتبيّ قالا:

مر المجنون‏[7]بزوج ليلى و هو جالس يضطلي في يوم شات، و قد أتى ابن عمّ له في حيّ المجنون لحاجة، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:

صوت‏

بربّك‏[8]هل ضممت إليك ليلى # قبيل الصبح أو قبّلت فاها[9]

و هل رفّت‏[10]عليك قرون ليلى # رفيف الأقحوانة في نداها

/فقال: اللهم إذ حلّفتني فنعم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقهما حتى سقط مغشيّا عليه، و سقط الجمر مع لحم راحتيه، و عضّ على شفته فقطعها، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجّبا منه فمضى.

غنى في البيتين المذكورين في هذا الخبر الحسين بن محرز، و لحنه رمل‏[11]بالوسطى عن الهشاميّ.

[1]كذا «بالديوان» و هو جبل بنجد. و في ب، س: «النثيل» . و في حـ، ء: «الثقيل» . و في م، أ: «القيل» . و في ت: «البتيك» و لعل ما في هذه النسخ تحريف فانا!نقف على واحد من هذه الألفاظ اسم موضع. و في أ نقلا عن نسخة أخرى: «العقيق» .

[2]علويات: جمع علوية نسبة إلى العالية و هي ما فوق أرض نجد إلى تهامة و هذه النسبة نادرة و القياس عالي.

[3]يقال: تراب جعد أي ند.

[4]لاحق: ضامر من قولهم لحق الفرس لحوقا أي ضمر. و المتنان: جنبتا الظهر عن اليمين و الشمال، و الواحد متن يذكر و يؤنث، و المندلق: السريع، يقال: اندلقت الخيل إذا خرجت فأسرعت. و الوخد: ضرب من سير الخيل و الإبل و هو سعة الخطو في المشي.

[5]الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل. و الوهد: المكان المطمئن من الأرض.

[6]كذا في في س، أ و النشز: المكان المرتفع. و في بقية النسخ: «نشر» بالراء المهملة و هو تحريف.

[7]في ت: «مر المجنون ذات يوم الخ» .

[8]في «خزانة الأدب» للبغداديّ ج 4 ص 210: «بدينك» .

[9]في «خزانة الأدب» للبغدادي ج 4 ص 211:

و هل قبلت قبل الصبح فاها

[10]قال البغداديّ في «خزانة الأدب» ج 4 ص 213: «رفت بفتح الراء المهملة من رف لونه يرف بالكسر رفيفا و رفا إذا برق و تلألأ، أراد شدّة سواد شعرها. و صحفه ابن الملا في «شرح المغني» بجعل المهملة معجمة فقال: الزفيف: إهداء العروس إلى بعلها، و غفل عن قوله: رفيف الأقحوانة و هي البابونج. و القرون: الذوائب جمع قرن بفتح القاف و سكون الراء» أ هـ و الظاهر أنه رفيف النبات و هو اهتزازه نضارة و حسنا.

[11]كذا في أغلب النسخ. و في م، أ، ء: «خفيف» .

344

مروره بجبلي نعمان و مكثه فيهما إلى هبوب الصبا و ما قاله في ذلك من الشعر أخبرني أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال قال محمد بن الحكم عن عوانة: إنه حدّثه و وافقه ابن نصر و ابن حبيب قالوا:

إنّ أهل المجنون خرجوا به معهم إلى وادي القرى‏[1]قبل توحشه ليمتاروا[2]خوفا عليه‏[من‏][3]أن يضيع أو يهلك، فمرّوا في طريقهم بجبلي نعمان‏[4]، فقال له بعض فتيان الحيّ: هذان جبلا نعمان، و قد كانت ليلى تنزل بهما، قال: فأيّ الرياح يأتي من ناحيتهما؟قالوا: الصّبا، قال: فو اللّه لا أريم‏[5]هذا الموضع حتى تهبّ الصبا، فأقام و مضوا فامتاروا لأنفسهم، ثم أتوا عليه فأقاموا معه ثلاثة أيام حتى هبّت الصّبا، ثم انطلق معهم فانشأ يقول:

صوت‏

أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا # سبيل‏[6]الصّبا يخلص إلي نسيمها

أجد بردها أو تشف منّي حرارة # على كبد لم يبق إلا صميمها[7]

فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت # على نفس محزون‏[8]تجلّت همومها

ارتحال أهل ليلى عن منازلهم و ما قاله في ذلك من الشعر

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسين‏[9]بن الحرون قال حدّثني الكسرويّ‏[10]عن جماعة من الرواة[11]قال:

لما منع أبو ليلى المجنون و عشيرته من تزويجه بها، كان لا يزال يغشى بيوتهم و يهجم عليهم، فشكوه إلى السلطان فأهدر دمه لهم، فأخبروه بذلك فلم يرعه و قال: الموت أروح لي‏[12]فليتهم قتلوني، فلمّا علموا بذلك و عرفوا أنه لا يزال يطلب غرّة[13]منهم حتى إذا تفرّقوا دخل دورهم، فارتحلوا عنها و أبعدوا، و جاء المجنون عشية فأشرف [1]وادي القرى: واد بين الشأم و المدينة كانت به قرى منظومة، و بها سمي وادي القرى. قال ياقوت: و آثار القرى إلى الآن ظاهرة إلا أنها في وقتنا هذا كلها خراب و مياهها جارية تتدفق ضائعة لا ينتفع بها أحد. انظر «معجم ياقوت» في كلمة القرى.

[2]من الامتيار و هو جلب الطعام للبيع و غيره.

[3]زيادة في ت، حـ.

[4]هو نعمان الأراك و هو واد بين مكة و الطائف. و قيل واد لهذيل على ليلتين من عرفات.

[5]لا أريم: لا أبرح. و في ت: «لا أريم من هذا الموضع» و كلاهما صحيح.

[6]كذا في ت و «تزيين الأسواق» في ترجمة المجنون ص 72 طبع بولاق. و في سائر النسخ: «نسيم الصبا» .

[7]صميمها: أصلها.

[8]كذا في أغلب النسخ و «الديوان» و في ت، حـ، و «تزيين الأسواق» : «مهموم» .

[9]كذا في أغلب النسخ. و في ت. حـ: «الحسن» .

[10]كذا في أغلب النسخ و في حـ: «الكردوسيّ» .

[11]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «قالوا» .

[12]في ت: «أروح إلى» .

[13]غرّة: غفلة.

345

على دورهم فإذا هي منهم بلاقع‏[1]، فقصد منزل ليلى الذي كان بيتها فيه، فألصق صدره به و جعل يمرّغ خدّيه على ترابه‏[و يبكي‏][2]، ثم أنشأ يقول، -و ذكر هذه الأبيات ابن حبيب و أبو نصر له‏[بغير[3]خبر]-:

أيا حرجات‏[4]الحيّ حيث‏[5]تحمّلوا # بذي سلم‏[6]لا جادكنّ ربيع

و خيماتك اللاتي بمنعرج اللّوى # بلين بلّى لم تبلّنّ ربوع

ندمت على ما كان منّي ندامة # كما يندم المغبون حين يبيع

فقدتك من نفس شعاع‏[7]فإنّني # نهيتك عن هذا و أنت جميع‏[8]

فقرّبت لي غير القريب و أشرفت‏[9] # إليك ثنايا[10]ما لهنّ طلوع‏[11]

حديثه مع نسوة فيهن ليلى‏

و ذكر خالد بن جميل‏[12]و خالد بن كلثوم في أخبارهما التي صنعاها أن ليلى وعدته قبل أن يختلط أن تستزيره‏[13]ليلة إذا وجدت فرصة لذلك، فمكث مدّة يراسلها في الوفاء و هي تعده و تسوّفه‏[14]، فأتى أهلها ذات يوم و الحيّ خلوف‏[15]، فجلس إلى نسوة من أهلها حجرة[16]منها بحيث تسمع كلامه، فحادثهنّ طويلا ثم قال:

أ لا أنشدكنّ أبياتا أحدثها في هذه الأيام؟قلن: بلى، فأنشدهنّ:

صوت‏

يا للرّجال لهم بات يعروني # مستطرف‏[17]و قديم كاد يبليني‏

[1]بلاقع: خوال، و الواحد بلقع.

[2]زيادة في ت.

[3]زيادة في م، أ، ء.

[4]الحرجات: جمع حرجة و هي الغيضة، و سميت كذلك لضيقها، و قيل: الشجر الملتف، و هي أيضا الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها الآكلة و هي ما رعى من المال.

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ: «حين» .

[6]ذو سلم: موضع بالحجاز.

[7]يقال: نفس شعاع إذا انتشر رأيها فلم تتجه لأمر جزم.

[8]الجميع: ضدّ المتفرّق.

[9]كذا في ت، حـ، م و «ديوان المجنون» «و الأغاني» في ترجمة قيس بن ذريح ج 8 طبع بولاق. و في سائر الأصول: «فأشرفت» بالفاء و معناه ظهرت و ارتفعت.

[10]الثنايا: جمع ثنية و هي العقبة و هي المرقى الصعب في الجبل يريد بذلك أن الوصول إلى ليلى صعب لا يستطيعه.

[11]ستأتي هذه الأبيات في قصيدة منسوبة إلى قيس بن ذريح في ترجمته بالجزء الثامن من «الأغاني» طبع بولاق.

[12]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «خالد بن حمل» بالحاء و لم نوفق لتصحيح هذا الاسم.

[13]كذا في أغلب النسخ. و في ء: «أن تزوره» .

[14]مأخوذ من كلمة سوف، كأن المماطل يقول مرة بعد مرة سوف أفعل.

[15]يقال: حيّ خلوف إذا غاب الرجال و أقام النساء.

[16]حجرة: ناحية.

[17]كذا في في أكثر النسخ. و في حـ: «مستطرفا و قديما بما كان يبكيني» .

346

من عاذري من غريم غير ذي عسر[1] # يأبى‏[2]فيمطلني ديني و يلويني

لا يبعد النقد من حقّي فينكره # و لا يحدّثني أن سوف يقضيني

و ما كشكرى شكر لو يوافقني # و لا مناي سواه لو يوافيني‏[3]

أطعته و عصيت الناس كلّهم # في أمره و هواه و هو يعصيني‏

قال‏[4]: فقلن له: ما أنصفك هذا الغريم الذي ذكرته!و جعلن يتضاحكن و هو يبكي، فاستحيت ليلى منهنّ و رقّت له حتى بكت، و قامت فدخلت بيتها و انصرف هو.

-في الثلاثة الأبيات الأولى من هذه الأبيات هزج طنبوريّ للمسدود-قالا في خبرهما هذا: و كان للمجنون ابنا عمّ يأتيانه فيحدّثانه و يسلّيانه و يؤانسانه، فوقف عليهما يوما و هما جالسان، فقالا له: يا أبا المهديّ أ لا تجلس؟ قال: لا، بل أمضي إلى منزل ليلى فاترسّمه و أرى آثارها فيه، فأشفي بعض ما في صدري بها، فقالا له: فنحن معك، فقال: إذا فعلتما أكرمتما و أحسنتما، فقاما معه حتى أتى دار ليلى، فوقف بها طويلا يتتبّع آثارها و يبكي و يقف في موضع موضع منها و يبكي ثم قال:

صوت‏

يا صاحبيّ ألمّا بي بمنزلة # قد مرّ حين عليها أيّما حين

إني أرى رجعات الحبّ تقتلني‏[5] # و كان في بدئها ما كان يكفيني

لا خير في الحبّ ليست فيه قارعة # كأنّ صاحبها في نزع موتون‏[6]

إن قال عذّاله مهلا فلان لهم # قال الهوى غير هذا القول يعنيني‏[7]

ألقى من اليأس‏[8]تارات فتقتلني # و للرجاء بشاشات فتحييني‏

الغناء لإبراهيم‏[9]خفيف ثقيل من جامع غنائه و قال هشام بن الكلبيّ عن أبي‏[10]مسكين: إن جماعة من بني عامر حدّثوه قالوا: كان رجل من بني عامر [1]العسر: لغة في العسر ضدّ اليسر. قال عيسى بن عليّ: كل اسم على ثلاثة أحرف أوّله مضموم و أوسطه ساكن فمن العرب من يثقله و منهم من يخففه مثل عسر و عسر و حلم و حلم. انظر «اللسان» مادة عسر.

[2]في أ، ب، س: «يأتي» و هو تحريف.

[3]في ت، حـ: «يواتيني» .

[4]كذا في جميع النسخ، و لعله: «قالا» بالتثنية لأنّ الخبر مروي عن خالد بن جميل و خالد بن كلثوم.

[5]في ت: «قاتلتي» .

[6]في ت: بين هذا البيت و الذي بعده ما نصه: «الموتون مضروب على الوتين و هو عرق معلّق بنياط القلب» و لا ندري هل هو من أصل الكتاب أتى به المؤلف تفسيرا للموتون أو أن الناسخ وجده بهامش بعض النسخ فألحقه بالأصل. و تفسير الموتون بالمضروب على الوتين مطابق لقولهم في «كتب اللغة» : و تنه: أصاب و تينه، و نظيره مكلّى إذا أصبت كليته، و مكبود إذا أصبت كبده.

[7]كذا في ت، حـ. و في باقي النسخ: «يغنيني» بالغين المعجمة.

[8]كذا في «ديوان الشعر و الشعراء» في ترجمة المجنون، طبع ليدن ص 358 و في سائر النسخ: «من الحب» .

[9]كذا في أغلب النسخ: و في م، ء، أ: «لابن أميّة» .

[10]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «ابن مسكين» ، و قد سبق في ص 22 من هذا الجزء باسم «أبي مسكين» باتفاق النسخ، و سيأتي

347

ابن عقيل يقال له: قيس بن معاذ، و كان يدعى المجنون، و كان صاحب غزل و مجالسة للنساء، فخرج على ناقة له يسير، فمرّ بامرأة من بني عقيل يقال لها: كريمة، و كانت جميلة عاقلة، معها نسوة فعرفنه و دعونه إلى النزول و الحديث، و عليه حلّتان له فاخرتان و طيلسان و قلنسوة، فنزل فظلّ يحدّثهنّ و ينشدهنّ و هنّ أعجب شي‏ء به فيما يرى، فلمّا أعجبه ذلك منهنّ عقر لهنّ ناقته، /و قمّن إليها فجعلن يشوين‏[1]و يأكلن إلى أن أمسى، فأقبل غلام شابّ حسن الوجه من حيّهن فجلس إليهنّ، فأقبلن عليه بوجوههنّ يقلن له: كيف ظللت‏[2]يا منازل اليوم؟فلما رأى ذلك من فعلهنّ غضب، فقام و تركهنّ و هو يقول:

أ أعقر من جرّا كريمة ناقتي # و وصلي مفروش لوصل منازل

إذا جاء قعقعن الحليّ و لم أكن # إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل‏[3]

قال: فقال له الفتى: هلمّ نتصارع أو نتناضل، فقال له: إن شئت ذلك فقم إلى حيث لا تراهنّ و لا يرينك، ثم ما شئت فافعل، و قال:

إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلته # و إن يرم رشقا عندها فهو ناضلي‏[4]

و قال ابن الكلبيّ في هذا الخبر: فلما أصبح لبس حلّته و ركب ناقته و مضى متعرّضا لهنّ، فألفى ليلى جالسة بفناء بيتها، و كانت معهنّ يومئذ جالسة، و قد علق بقلبها و هويته، و عندها جويريات يحدّثنها، فوقف بهنّ و سلّم، فدعونه إلى النزول و قلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل و لا غيره؟قال: إي لعمري، فنزل و فعل فعلته بالأمس، فأرادت أن تعلم هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت/تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة و تحدّث غيره، و قد كان علق حبّها بقلبه و شغفه‏[5]و استملحها، فبينا هي تحدّثه إذ أقبل فتى من الحيّ فدعته فسارّته سرارا طويلا ثم قالت له انصرف، فانصرف، و نظرت إلى وجه المجنون قد تغيّر و امتقع‏[6]و شقّ عليه ما فعلت، فأنشأت تقول:

كلانا مظهر للناس بغضا # و كل عند صاحبه مكين

تبلّغنا العيون مقالتينا # و في القلبين ثمّ هوى دفين‏

-كذلك بالجزء الثالث عشر من «الأغاني» طبع بولاق ص 122.

[1]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «يشتوين» و كلاهما صحيح.

[2]في ت: «ظلت» و هي لغة فيها.

[3]جاء هذا الشطر في «تزيين الأسواق» ص 63 طبع بولاق هكذا:

إذا جئت بل أخفين صوت الخلاخل‏

و قال في تفسيره: يقول قد أظهرت صوت الحلّي حين جاء منازل، و هذه كناية عن قيامهن له، و لم يكن ذلك عند مجيئي.

[4]كذا في ت، حـ، و «تزيين الأسواق» . و في باقي النسخ: «ناضل» بغير ياء المتكلم، و آثرنا ما أثبتناه بالأصل لأنه أتم مقابلة لقوله نضلته، و لأن قوله: «نضلته» هكذا بالضمير ظاهر في أنّ الشاعر أتى بهذا البيت في هيئة المتصل بالبيتين السابقين و هذا يستدعي كسر اللام حتى يكون على رويّهما كما تقدّم في صحيفة 13 من هذا الجزء.

[5]في ت: «و شغفته» .

[6]كذا في أغلب النسخ و في ب، س: «انتقع» و امتقع و انتقع و ابتقع بمعنى واحد و هو أن يتغير من حزن أو فزع، قال صاحب «اللسان» في مادة نقع: و امتقع بالميم أجود.

348

[قد نسبت هذا الشعر متقدّما[1]]فلما سمع هذين البيتين شهق شهقة عظيمة و أغمي عليه فمكث [كذلك‏][1]ساعة، و نضحوا الماء على وجهه حتى أفاق، و تمكّن حبّ كلّ واحد منهما في قلب صاحبه و بلغ منه كل مبلغ.

حدثني عمّي عن عبد اللّه بن أبي سعد عن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل القرشي قال حدثنا أبو العالية عن أبي ثمامة الجعدي قال:

لا يعرف فينا مجنون إلا قيس بن الملوّح.

حديث اتصاله بليلى في صباه‏

قال: و حدّثني بعض العشيرة قال: قلت لقيس بن الملوّح قبل أن يخالط: ما أعجب شي‏ء أصابك في وجدك بليلى؟قال: طرقنا[2]ذات ليلة أضياف و لم يكن عندنا لهم أدم، فبعثني أبي منزل أبي ليلى و قال لي: اطلب‏[لنا][1] منه أدما، فأتيته فوقفت على خبائه فصحت به، فقال: ما تشاء؟/فقلت: طرقنا ضيفان و لا أدم عندنا لهم فأرسلني أبي نطلب‏[3]منك أدما، فقال: يا ليلى، أخرجي إليه ذلك النّحي‏[4]، فاملئي له إناءه من السمن، فأخرجته و معي قعب‏[5]، فجعلت تصبّ السمن فيه و نتحدّث، فألهانا[6]الحديث و هي تصبّ السمن و قد امتلأ القعب و لا نعلم جميعا، و هو يسيل استنقعت أرجلنا في السمن، قال: فأتيتهم ليلة ثانية أطلب نارا، و أنا متلفّع ببرد لي، فأخرجت لي نارا في عطبة[7]فأعطتنيها و وقفنا نتحدّث، فلمّا احترقت العطبة خرقت من بردي خرقة و جعلت النار فيها، فكلما[8]احترقت خرقت أخرى و أذكيت بها النار حتى لم يبق عليّ من البرد إلا ما وارى عورتي، و ما أعقل ما أصنع، و أنشدني:

أ مستقبلي نفح الصّبا ثم شائقي # ببرد ثنايا أمّ حسّان شائق

كأنّ على أنيابها الخمر شجّها[9] # بماء الندى من آخر الليل عاتق‏[10]

و ما شمته‏[11]إلا بعيني تفرّسّا # كما شيم في أعلى السّحابة بارق‏

[1]زيادة في ت.

[2]كذا في ت، حـ. و في سائر النسخ: «طرقتنا» بالتاء و كلاهما جائز لأنّ الفعل مسند إلى جمع تكسير و حذف التاء في مثل هذا أجود.

[3]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «أطلب» .

[4]النّحي عند العرب: الزقّ الذي يوضع فيه السمن خاصة.

[5]القعب: القدح الضخم الغليظ، و قيل: قدح من خشب مقعر.

[6]كذا في ت. و في سائر النسخ: «فألهي بالحديث» .

[7]العطبة: خرقة تؤخذ بها النار، قال الكميت:

نارا من الحرب لا بالمرخ ثقبها # قدح الأكف و لم تنفخ بها العطب‏

و يقال: «أجد ريح عطبة» أي قطنة أو خرقة محترقة.

[8]كذا في ت. و في باقي النسخ: «فلما احترقت» .

[9]شجها: مزجها.

[10]العاتق: البكر التي لم تبن عن أهلها. و يحتمل أن تكون كلمة «عاتق» محرّفة عن «غابق» و هو الساقي في الغبوق أي العشيّ.

[11]كذا في ت. و في باقي النسخ: «ذقته» و شمته من الشيم و هو النظر إلى نحو النار و السحاب و البرق. يقال شام السحاب و البرق شيما أي نظر إليه أين يقصد و أين يمطر.

349

و من الناس من يروي هذه الأبيات لنصيب، و لكن هكذا روي في‏[هذا][1]الخبر.

حدّث الأصمعي أنه لم يكن مجنونا و روى من شعره‏

أخبرنا محمد بن خلف وكيع عن عبد الملك بن محمد الرّقاشيّ‏[2]عن عبد الصّمد بن المعذّل قال:

سمعت الأصمعيّ يقول-و[قد][3]تذاكرنا مجنون بني عامر-قال: هو قيس ابن معاذ العقيليّ، ثم قال: لم يكن مجنونا إنما كانت به لوثة، و هو القائل:

أخذت محاسن كلّ ما # ضنّت محاسنه بحسنه

كاد الغزال يكونها # لو لا الشّوى و نشوز قرنه‏

قال: و هو القائل:

صوت‏
[2]

و لم أر ليلى بعد موقف ساعة # بخيف منى ترمي جمار المحصّب

و يبدي الحصى منها إذا قذفت به # من البرد أطراف البنان المخصّب

فأصبحت من ليلى الغداة كناظر # مع الصبح في أعقاب نجم مغرّب

ألا إنّما غادرت يا أمّ مالك # صدى أينما تذهب به الريح يذهب‏

في هذه الأبيات لحن من الثقيل الأوّل، ابتداؤه نشيد من صنعة الواثق و هو المشهور. و ذكره ابن المكيّ لأبيه يحيى. و هو في جامع غناء سليم‏[4]بن سلام له. و ذكره حبش في موضعين من كتابه فنسبه في طريقه الثقيل الأوّل في أحدهما إلى ابن محرز، و الآخر إلى يحيى المكيّ. و زعم الهشاميّ أن فيه لسليم‏[4]بن سلام لحنا آخر من الثقيل الأوّل.

/أخبرنا الحسن‏[5]بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار الصّوفيّ قال حدّثني إبراهيم بن سعد الزّهريّ قال:

أتاني رجل من عذرة لحاجة، فجرى ذكر العشق و العشّاق، فقلت له: أنتم أرقّ قلوبا أم بنو عامر؟قال: إنّا لأرقّ الناس قلوبا، و لكن غلبتنا بنو عامر بمجنونها.

شي‏ء من أوصافه‏

أخبرني أحمد بن عمر بن موسى بن زكويه‏[6]القطّان إجازة قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحراميّ قال أخبرني عبد الجبار بن سليمان بن نوفل بن مساحق عن أبيه عن جدّه قال: أنا رأيت مجنون بني عامر، و كان جميل الوجه أبيض [1]زيادة عن ت.

[2]كذا في ت. و في سائر الأصول «القرى» و ما أثبتناه هو الصواب و انظر الحاشية رقم 1 ص 6 من هذا الجزء.

[3]زيادة في ت.

[4]كذا في ت سليم بن سلام بضم السين في الأوّل و فتح اللام المخففة في الثاني و لم نقف على ضبطه في غير هذه النسخة. و في سائر النسخ «سليمان بن سلام» و هو تحريف إذ المغني هو سليم بن سلام، و ستأتي له ترجمة مستقلة في ج 6 من «الأغاني» طبع بولاق.

[5]كذا في ت. و في أغلب النسخ: «الحسين» و قد تقدّم مرارا «الحسن بن علي» باتفاق الأصول.

[6]كذا وقع هذا الاسم في جميع الأصول، و لم نقف له على ضبط بعينه.

350

اللون قد علاه شحوب‏[1]، و استنشدته فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

تذكّرت ليلى و السّنين الخواليا # و أيام لا أعدي‏[2]على اللّهو[3]عاديا

أخبرني محمد بن الحسن الكندي خطيب مسجد القادسية قال حدّثنا الرّياشيّ قال: سمعت أبا عثمان المازنيّ يقول: سمعت معاذا و بشر بن المفضّل جميعا ينشدان هذين البيتين و ينسبانهما لمجنون بني عامر:

طمعت بليلى أن تريع‏[4]و إنّما # تقطّع‏[5]أعناق الرجال المطامع

و داينت ليلى في خلاء و لم يكن # شهود على ليلى عدول مقانع‏[6]

/و حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا أبو خليفة[الفضل بن الحباب‏][7]عن ابن سلاّم قال: قضى عبيد[8]اللّه الحسن بن الحصين بن أبي الحرّ[9]العنبريّ على رجل من قومه قضيّة أوجبها الحكم عليه، و ظنّ العنبريّ أنه تحامل عليه و انصرف مغضبا، ثم لقيه في طريق، فأخذ بلجام بغلته و كان شديدا أيّدا[10]، ثم قال له: إيه يا عبيد اللّه‏[11]!

طمعت بليلى أن تريع و إنّما # تقطّع أعناق الرجل المطامع‏

فقال عبيد اللّه‏[8]:

و بايعت ليلى في خلاء و لم يكن # شهود عدول عند ليلى مقانع‏

خلّ عن البغلة. قال الصّوليّ في خبره هذا: و البيتان للبعيث‏[12]هكذا، قال: فلا أدري أ من قوله هو أم حكاية عن أبي خليفة!.

زيارة ليلى له و حديثه معها

أخبرنا محمد بن القاسم الأنباريّ عن عبد اللّه بن خلف الدلاّل قال حدّثنا زكريا بن موسى عن شعيب بن السّكن عن يونس النحويّ قال:

[1]يقال: شحب لونه يشحب شحوبا إذا تغير لعارض مرض أو سفر و نحوه.

[2]لا أعدي: لا أعين و لا أنصر.

[3]كذا في ت. و في سائر النسخ: «على الدهر» . و قد جاء هذا الشطر في «الديوان» هكذا:

و أيام لا نخشى على اللهو ناهيا

[4]يقال: راع الشي‏ء يريع ريعا أي رجع و عاد.

[5]كذا في جميع الأصول. و رواية «اللسان» في مادة ريع: «تضرّب» .

[6]جمع مقنع بفتح الميم و هو العدل من الشهود يقال: فلان شاهد مقنع أي رضا يقنع به.

[7]زيادة في ت.

[8]كذا في ت. و في سائر الأصول: «عبد اللّه» و الصحيح ما اثبتناه فإنه عبيد اللّه بن الحسن بن حصين التميمي العنبري قاضي البصرة.

انظر كتاب «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» .

[9]كذا في «تهذيب التهذيب» و «تقريب التهذيب» و «الخلاصة في أسماء الرجال» . و في جميع «الأصول» : «ابن الحرّ» .

[10]أيدا: قويا.

[11]كذا في ت و في باقي النسخ «يا أبا عبد اللّه» .

[12]استشهد صاحب «اللسان» في مادة «ريع» بالبيت الأوّل و نسبه للبعيث. ـ

351

لما اختلط عقل قيس بن الملوّح و ترك الطعام و الشراب، مضت أمّه إلى ليلى فقالت لها: إنّ قيسا قد ذهب حبّك بعقله، و ترك الطعام و الشراب، فلو جئته وقتا لرجوت أن يثوب إليه‏[بعض‏][1]عقله، فقالت ليلى: أمّا نهارا فلا[لأنّني لا][1]/آمن قومي على نفسي و لكن ليلا، فأتته ليلا فقالت له: يا قيس، إنّ أمّك تزعم أنك جننت من أجلي و تركت المطعم و المشرب، فاتق اللّه و أبق على نفسك، فبكى و أنشأ يقول:

قالت جننت على أيش‏[2]فقلت لها # الحبّ أعظم ممّا بالمجانين

الحبّ ليس يفيق الدهر صاحبه # و إنما يصرع المجنون في الحين‏

قال: فبكت معه، و تحدّثا حتى كاد الصبح أن يسفر، ثم ودعته و انصرفت، فكان آخر عهده بها.

سبب جنونه بيت شعر قاله‏

أخبرنا ابن المرزبان قال قال القحذميّ: لمّا قال المجنون:

قضاها لغيري و ابتلاني بحبّها # فهلاّ بشي‏ء غير ليلى ابتلانيا

سلب عقله. الغناء لحكم ثقيل أوّل، و قيل إنه لابن الهربذ[3]. و فيه لمتيّم خفيف ثقيل أوّل من جامع أغانيها[4]. و حدّثني جحظة بهذا الخبر عن ميمون بن هارون أنه بلغه أنه لما قال هذا البيت برص.

سبب تسميته المجنون و اختلاف الرواة في ذلك‏

أخبرني الحسن بن عليّ‏[قال حدّثنا محمد بن طاهر][5]القرشيّ عن ابن عائشة قال: إنما سميّ المجنون بقوله:

ما بال قلبك يا مجنون قد خلعا # في حبّ من لا ترى في نيله طمعا

الحبّ و الودّ نيطا بالفؤاد لها # فأصبحا في فؤادي ثابتين معا

حدّثنا وكيع عن ابن‏[6]يونس قال قال الأصمعيّ: لم يكن المجنون، إنما جنّنه العشق، و أنشد له:

[1]زيادة في ت.

[2]كذا في أغلب النسخ. و قد ذكر الشهاب الخفاجيّ في «شفاء الغليل» أنها مخففة من أيّ شي‏ء و قد قيل إنها سمعت من العرب و إنها وردت في شعر قديم، كما قيل إنها مولدة. ثم قال: و قول الشريف في «حواشي الرضي» : إنها كلمة مستعملة بمعنى أيّ شي‏ء و ليست مخففة منها ليس بشي‏ء، و تخفيفها من أيّ شي‏ء كما يقال: و يلمّه في معنى ويل لأمه لكثرة الاستعمال. و في ت «على رأسي» ، و كذلك ورد في كتاب «تزيين الأسواق» لداود الأنطاكي، فإنه قال في سوق الحكاية: «فسلمت عليه ثم قالت له:

أخبرت أنك من أجلي جننت و قد # فارقت أهلك لم تعقل و لم تفق‏

فرفع رأسه إليها و أنشد:

قالت جننت على رأسي فقلت لها

الخ» .

[3]كذا في أغلب النسخ: و في ب، س «ابن الهزبر» و هو تحريف انظر الحاشية رقم 3 ص 361 من الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

[4]كذا في أغلب النسخ و في أ، ب، س «أغانيه» و هو تحريف إذ هي متيم الهاشمية. انظر ترجمتها مستقلة بالجزء التاسع من هذا الكتاب طبع بولاق.

[5]زيادة في ت.

[6]في ت: «حدّثنا وكيع قال حدّثنا محمد بن يونس» .

352

يسمّونني

المجنون حين يرونني # نعم بي من ليلى الغداة جنون

ليالي يزهى بي‏[1]شباب و شرّة[2] # و إذ بي من خفض المعيشة لين‏

أخبرني محمد بن المرزبان عن إسحاق بن محمد بن أبان قال حدّثني عليّ بن سهل عن المدائنيّ: أنه ذكر عنده مجنون بني عامر فقال: لم يكن مجنونا، و إنما قيل له المجنون بقوله:

و إنّي لمجنون بليلى موكّل # و لست عزوفا[3]عن هواها و لا جلدا

إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة # لتذكارها حتى يبلّ البكا الخدّا

أخبرني عمر بن جميل العتكيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عون بن عبد اللّه العامريّ أنه قال: ما كان و اللّه المجنون الذي تعزونه إلينا مجنونا، إنما كانت به لوثة و سهو أحدثهما[4]به حبّ ليلى، و أنشد له:

/و بي من هوى ليلى الذي لو أبثّه # جماعة أعدائي بكت لي عيونها

أرى النفس عن ليلى أبت أن تطيعني # فقد جنّ من وجدي‏[5]بليلى جنونها

أخبرني ابن المرزبان قال قال العتبيّ: إنما سميّ المجنون بقوله:

يقول أناس علّ مجنون عامر # يروم سلوّا قلت أنّى لما بيا

و قد لا مني في حبّ ليلى أقاربي‏[6] # أخي و ابن عمّي و ابن خالي و خاليا

يقولون ليلى أهل بيت عداوة # بنفسي ليلى من عدوّ و ماليا

و لو كان في ليلى شذا[7]من خصومة # للوّيت أعناق المطيّ‏[8]الملاويا[9]

أخبرني هاشم‏[بن محمد][10]الخزاعيّ عن عيسى بن إسماعيل قال قال ابن سلاّم: لو حلفت أن مجنون بني عامر لم يكن مجنونا لصدقت، و لكن تولّه‏[11]لما زوّجت ليلى و أيقن اليأس منها، أ لم تسمع إلى قوله:

[1]في ت: «يزهاني شباب و شرّة» أي يطيش بي الشباب و يستخفني.

[2]كذا في ت، حـ. و الشرّة: حرص الشباب و نشاطه. و في باقي النسخ: «شدّة» و الظاهر أنه تحريف.

[3]كذا في ت و كتاب «تزيين الأسواق» طبع بولاق ص 81، و في سائر الأصول: «من» و ما أثبتناه بالأصل هو الموافق لما في «كتب اللغة» من تعدّي فعل عزف بعن، يقال: عزف عن الشي‏ء عزوفا فهو عزوف أي انصرف عنه زهدا فيه أو كراهة له.

[4]في ت «فيه» .

[5]في ت، حـ: «من وجد» منكرا بغير ياء المتكلم.

[6]كذا في ت و «ديوانه» و في سائر الأصول «قرابتي» و ما أثبتناه أكثر في الاستعمال و أبعد عن الخلاف قال صاحب «اللسان» : تقول:

بيني و بينه قرابة و هو ذو قرابتي و هم أقربائي و أقاربي، و العامة تقول: هو قرابتي، ثم قال: و يقال: فلان ذو قرابتي و ذو قرابة مني و ذو مقربة، و منهم من يجيز «فلان قرابتي» و الأوّل أكثر، و في حديث عمر: «إلا حامي على قرابته» أي أقاربه، سموا بالمصدر كالصحابة.

[7]كذا في أكثر النسخ بالذال المعجمة و معناه الحدّ. و في م: «شدا» بالدال المهملة و فسره ابن الأعرابيّ و ابن خالويه بالبقية و فسره غيرهما بالحدّ و هما روايتان في البيت، قال صاحب «اللسان» : و أنشده الفرّاء بالدال المهملة و أنشده غيره بالذال المعجمة و أكثر الناس على الدال و هو الحدّ.

[8]كذا في «اللسان» في الموادّ «شدا، و شذا، و لوى» . و في جميع الأصول: «الخصوم» .

[9]الملاوي: جمع ملوى و هو مصدر ميميّ من لوى بمعنى عطف.

[10]زيادة في ت، و قد تقدّم ذكر هاشم هذا غير مرّة منسوبا إلى أبيه محمد مكني بأبي دلف.

[11]كذا في أغلب النسخ، يقال: توله أي أصابه الوله و هو ذهاب العقل من شدّة الوجد و فقدان الحبيب. و في ت، حـ: «تدله» بالدال

353

/أيا ويح من

أمسى تخلّس عقله # فأصبح مذهوبا به كلّ مذهب

خليعا[1]من الخلاّن إلا مجاملا[2] # يساعدني من كان يهوى تجنّبي

إذا ذكرت ليلى عقلت و راجعت # عوازب قلبي من هوى متشعّب‏

[أخبرني به الحسن بن علي عن دينار بن عامر التغلبيّ عن مسعود بن سعد عن ابن سلاّم و نحوه.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني صالح بن سعيد قال أنشدني يعقوب بن السّكّيت للمجنون.

يسمونني المجنون حين يرونني # نعم بي من ليلى الغداة جنون‏][3]

قال: و أنشدنا له أيضا:

صوت‏

و شغلت عن فهم الحديث سوى # ما كان فيك فإنه‏[4]شغلي

و أديم لحظ محدّثي ليرى # أن قد فهمت و عندكم عقلي‏

الحديث عن تكنيته ليلى بأم مالك‏

أخبرني ابن المرزبان عن محمد بن الحسن دينار الأحول عن عليّ بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة:

/أنّ صاحبة مجنون بني عامر التي كلف بها ليلى بنت مهديّ بن سعد بن مهديّ‏[بن ربيعة][5]بن الحريش، و كنيتها أمّ مالك، و قد ذكر هذه الكنية المجنون في شعره فقال:

تكاد بلاد اللّه يا أمّ مالك # بما رحبت يوما عليّ تضيق‏

و قال أيضا:

فإنّ الذي أمّلت من أمّ مالك # أشاب قذالي‏[6]و استهام فؤاديا

خليليّ إن دارت على أمّ مالك # صروف اللّيالي فابغيا لي ناعيا[7]

و قال أبو عمرو الشيبانيّ: علق المجنون ليلى بنت مهديّ بن سعد من بني الحريش، و كنيتها أمّ مالك، فشهر بها و عرف خبره فحجبت عنه، فشقّ ذلك عليه فخطبها إلى أبيها فردّه و أبى أن يزوّجه إياها، فاشتدّ به الأمر حتى جنّ -المهملة و التدله أيضا: ذهاب العقل من عشق أو نحوه.

[1]كذا في أغلب الأصول و هو الموافق لما في «الديوان» طبع بولاق. و الخليع: المخلوع أي المنزوع. و في ت «خليا» و هكذا ورد في جميع النسخ فيما تقدّم ص 19 من هذا الجزء.

[2]كذا في جميع الأصول و قد تقدّم في ص 19 من هذا الجزء في جميع الأصول «معذرا» .

[3]ما بين القوسين زيادة في ت.

[4]كذا في أغلب الأصول. و في ت و «الديوان» طبع بولاق: «و حبكم شغلي» .

[5]زيادة في ت.

[6]القذال: جماع مؤخر الرأس.

[7]ناعيا: مناديا بموتي.

354

و قيل له: «مجنون بني عامر» ، فكان على حاله‏[1]يجلس في نادي قومه فلا يفهم ما يحدّث به و لا يعقله‏[2]إلا إذا ذكرت ليلى. و أنشد له أبو عمرو:

صوت‏

الرائية

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعي # بليل و لا يجري بذلك طائر

بلى إنّ عجم الطير تجري إذا جرت # بليلى و لكن ليس للطير زاجر

أزالت عن العهد الذي كان بيننا # بذي الأثل‏[3]أم قد غيّرتها المقادر

/فو اللّه ما في القرب لي منك راحة # و لا البعد يسليني و لا أنا صابر

و و اللّه ما أدري بأيّة حيلة # و أيّ مرام أو خطار[4]أخاطر

و تا للّه إنّ الدهر في ذات بيننا # عليّ لها في كلّ حال لجائر

فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتني # جميع‏[5]القوى و العقل منّي وافر

و لكنّ أيامي بحقل‏[6]عنيزة # و بالرّضم أيام جناها التّجاور

و قد أصبح الودّ الذي كان بيننا # أمانيّ نفس و المؤمّل حائر

لعمري لقد رنّقت‏[7]يا أمّ مالك # حياتي و ساقتني إليك المقادر

قال أبو عمرو: و أخبرني بعض الشاميين قال: دخلت أرض بني عامر، فسألت عن المجنون الذي قتله الحبّ، فخبّروني عنه أنه كان عاشقا لجارية منهم يقال لها ليلى، ربا معها ثم حجبت عنه، فاشتدّ ذلك عليه و ذهب عقله، فأتاه إخوان من إخوانه يلومونه على ما يصنع‏[8]بنفسه، فقال:

صوت‏

يا صاحبيّ ألمّا بي بمنزلة # قد مرّ حين عليها أيّما حين

في كل منزلة ديوان معرفة # لم يبق باقية ذكر الدواوين‏

[1]في ت: «حالة» .

[2]كذا في ت، حـ و هو الموافق لقوله فيما تقدّم في ص 17 من هذا الجزء: «فإذا أحبوا أن يتكلم أو يثوب عقله ذكروا له ليلى» . و في سائر الأصول: «و لا و يعقله أحد» و هذا لا يستقيم إلا أن يقرأ ما قبله هكذا «فلا يفهم ما يحدّث به الخ» .

[3]في ت و في «تزيين الأسواق» طبع بولاق ص 79: «بذي الأيك» .

[4]الخطار: مصدر خاطر بمعنى راهن.

[5]جميع: مجتمع.

[6]الحقل: المزرعة و يطلق على الموضع البكر الذي لم يزرع فيه قط. و عنيزة: موضع بين البصرة و مكة. و الرضم: موضع على ستة أميال من زبالة، و زبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة.

[7]رنقت: كدرت، و الترنيق كما يطلق على التكدير يطلق على ضدّه الذي هو التصفية.

[8]كذا في ت، حـ. و في سائر الأصول: «صنع» .

355

إني أرى رجعات الحبّ تقتلني # و كان في بدئها ما كان يكفيني‏

الغناء لا بن جامع خفيف ثقيل.

جنونه بليلى و هيامه على وجهه من أجلها

أخبرني هاشم الخزاعيّ عن‏[العباس‏[1]بن الفرج‏]الرّياشيّ قال:

ذكر العتبيّ عن أبيه قال: كان المجنون في بدء أمره يرى ليلى و يألفها و يأنس بها ثم غيّبت عن ناظره، فكان أهله يعزّونه عنها و يقولون: نزوّجك أنفس جارية في عشيرتك، فيأبى إلا ليلى و يهذي بها[2]و يذكرها[فكان ربّما استراح إلى أمانيّهم و ركن إلى قولهم‏][3]، و كان ربما هاج عليه الحزن و الهمّ فلا يملك‏[4]ممّا هو فيه أن يهيم على وجهه، و ذلك قبل أن يتوحّش مع البهائم في القفار، فكان قومه يلومونه و يعذلونه، فأكثروا عليه في الملامة و العذل يوما فقال:

صوت‏

يا للرّجال لهمّ بت يعروني # مستطرف و قديم‏[5]كان يعنيني

على غريم‏[6]ملي‏ء غير ذي عدم‏[7] # يأبى فيمطلني ديني و يلويني‏[8]

لا يذكر البعض من ديني فينكره‏[9] # و لا يحدّثني أن سوف يقضيني

و ما كشكري شكر لو يوافقني‏[10] # و لا منى كمناه إذ يمنّيني

أطعته و عصيت الناس كلّهم # في أمره ثم يأبى فهو يعصيني

خيري لمن يبتغي خيري و يأمله # من دون شرّي و شرّي غير مأمون

و ما أشارك في رأيي أخا ضعف‏[11] # و لا أقول أخي من لا يواتيني‏[12]

[1]زيادة في ت و فيها تصريح باسم الراوي و اسم أبيه المعروفين في «كتب التراجم» .

[2]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «و يهذي بذكرها» .

[3]هذه الزيادة وقعت في هامش نسخة ت و عليها كلمة «صح» .

[4]أي لا يمسك نفسه عن الهيام بها.

[5]كذا في ت. و في سائر النسخ: «و قديما» .

[6]ملي‏ء بالهمز أي ثقة غنيّ. قال صاحب «اللسان» : و قد أولع فيه الناس بترك الهمز و تشديد الياء.

[7]عدم أي فقر و مثله العدم بضم العين و سكون الدال. قال صاحب «اللسان» : إذا ضممت أوّله خففت فقلت: العدم و إذا فتحت أوّله ثقلت فقلت: العدم.

[8]يلويني: يمطلني، يقال: لواه دينه و بدينه: مطله.

[9]كذا في ب، س. و في ت: «لا يبعد النقد من ديني فيذكره» . و في أ، ء، م: «لا ينكر البعض من ديني فينظره» . و في حـ: «لا ينكر البعض من ديني فينكره» .

[10]كذا في ب، س، حـ. و في باقي النسخ: «إذ يوافقني» .

[11]الضعف هكذا بالتحريك: لغة في الضعف بالفتح و السكون. و يستعمل في ضعف الرأي و العقل، و أنشد عليه ابن الأعرابي هذا البيت. و يستعمل في ضعف الجسم و أنشد عليه:

و من يلق خيرا يغمز الدهر عظمه # على ضعف من حاله و فتور

[12]كذا في الأصول، و معناه: يساعدني، و رواه صاحب «اللسان» هكذا:

356

في هذه الأبيات هزج طنبوريّ للمسدود من جامعه.

و قال أبو عمرو الشّيبانيّ: حدّثني رباح‏[1]العامريّ قال: كان المجنون أوّل ما علق‏[2]ليلى كثير الذّكر لها و الإتيان بالليل إليها، و العرب ترى ذلك غير منكر أن يتحدّث الفتيان إلى الفتيات، فلما علم أهلها بعشقه لها منعوه من إتيانها و تقدّموا إليه‏[3]، فذهب لذلك عقله و يئس‏[4]منه قومه و اعتنوا[5]بأمره، و اجتمعوا إليه و لاموه و عذلوه على ما يصنع بنفسه، و قالوا: و اللّه ما هي لك بهذه الحال، فلو تناسيتها رجونا أن تسلو قليلا، فقال لمّا سمع مقالتهم و قد غلب عليه البكاء:

صوت‏

فوا كبدا[6]من حب من لا يحبّني # و من زفرات ما لهنّ فناء

أريتك‏[7]إن لم أعطك الحبّ عن يد[8] # و لم يك عندي إذ أبيت إباء

أ تاركتي للموت أنت فميّت # و ما للنفوس الخائفات بقاء

ثم أقبل على القوم فقال: إنّ الذي بي ليس بهيّن، فأقلّوا من ملامكم فلست بسامع فيها و لا مطيع لقول قائل.

قصة حبه ليلى في رواية رباح العامري‏

أخبرني عمّي و محمد بن حبيب‏[9]و ابن المرزبان عن عبد اللّه بن أبي سعد عن عبد العزيز صالح عن أبيه عن ابن دأب عن رباح‏[10]بن حبيب العامريّ:

أنه سأله عن حال المجنون و ليلى، فقال: كانت ليلى من بني الحريش و هي بنت مهديّ بن سعيد[11]بن مهديّ بن ربيعة بن الحريش، و كانت من أجمل النساء و أظرفهنّ و أحسنهنّ جسما و عقلا و أفضلهنّ أدبا و أملحهن شكلا، و كان المجنون كلفا بمحادثة النساء صبّا بهنّ، فبلغه خبرها و نعتت له، فصبا إليها و عزم على زيارتها، فتأهب لذلك و لبس أفضل ثيابه و رجّل جمّته و مسّ طيبا كان عنده، و ارتحل ناقة له كريمة برحل حسن و تقلّد سيفه و أتاها، -

و لا ألين لمن لا يبتغي ليني‏

[1]في ت، م: «رياح «و لم نعثر على ما يرجح إحدى الروايتين، و قد سبق التنبيه على قول الحافظ الذهبيّ: إن اسم رباح بالموحدة أكثره في الموالي. انظر الحاشية رقم 1 ص 324 من الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

[2]في ت: «عشق» .

[3]أمروه بألاّ يعود إلى التحدّث إليها.

[4]في ت: «أيس» .

[5]في ت، حـ: «و اغتموا بأمره» .

[6]كذا في ب، س، ت و هو مندوب متوجع له لحقته ألف الندبة بعد حذف ياء المتكلم و في بقية النسخ: «فوا كبدي» بياء المتكلم.

[7]أصله أ رأيتك حذفت همزته، و هي كلمة تقولها العرب للاستخبار فهي بمعنى أخبريني.

[8]يقال: أعطاه كذا عن يد أي عن انقياد و استسلام.

[9]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «عمي و حبيب بن نصر» .

[10]في ت: «رياح» بالياء.

[11]تقدّمت في ص 11 من هذا الجزء «ليلى بنت مهدي بن سعد» .

357

فسلّم فردّت عليه السّلام و تحفّت في المسألة[1]، و جلس إليها فحادثته و حادثها فأكثرا، و كلّ واحد منهما مقبل على /صاحبه معجب به، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة شوقا إليها، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى و اجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فانشأ يقول:

نهاري نهار الناس حتى إذا بدا # لي الليل هزّتني إليك المضاجع

أقضّي نهاري بالحديث و بالمنى # و يجمعني و الهمّ بالليل جامع

لقد ثبتت في القلب منك محبّة # كما ثبتت في الراحتين الأصابع‏[2]

-عروضه من الطويل، و الغناء لإبراهيم الموصليّ رمل بالوسطى عن عمرو-قال: و أدام زيارتها و ترك من يأتيه فيتحدّث إليه غيرها، و كان يأتيها في كلّ يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف، فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء[3]فتطير منها، و أنشأ يقول:

و كيف يرجّى وصل ليلى و قد جرى # بجدّ[4]القوى و الوصل أعسر حاسر[5]

صديع‏[6]العصا صعب المرام إذا انتحى‏[7] # لوصل امرئ جدّت عليه الأواصر[8]

/ثم سار إليها في غد فحدّثها بقصته و طيرته ممن لقيه، و أنه يخاف تغيّر عهدها و انتكاثه و بكى، فقالت:

لا ترع‏[9]، حاش للّه من تغيّر عهدي، لا يكون و اللّه ذلك أبدا إن شاء اللّه، فلم يزل عندها يحادثها[10]بقية يومه، و وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فجاءها يوما كما كان يجي‏ء، و أقبل يحدّثها فأعرضت عنه، و أقبلت على غيره بحديثها، تريد بذلك محنته و أن تعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك جزع جزعا شديدا حتى بان في وجهه و عرف فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرّة إليه فقالت:

كلانا مظهر للناس بغضا # و كلّ عند صاحبه مكين‏

فسرّي‏[11]عنه و علم ما في قلبها، فقالت له: إنما أردت أن أمتحنك و الذي لك عندي أكثر من الذي لي [1]كذا في ت. و في حـ: «أحفت المسألة» و معناهما بالغت في ملاطفته و السؤال عنه. و في بقية النسخ: «أخفت المسألة» بالخاء المعجمة و هو تحريف.

[2]ستأتي هذه الأبيات في قصيدة منسوبة إلى قيس بن ذريح بالجزء الثامن من «الأغاني» طبع بولاق.

[3]أن شؤم.

[4]الجدّ: القطع. و القوى: جمع قوّة و هي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل.

[5]الحاسر: الكاشف يوصف به الرجل و المرأة، يقال: امرأة حاسر بغيرها. إذا حسرت عنها درعها، و كل مكشوفة الرأس و الذراعين:

حاسر.

[6]من الصدع بمعنى الشق و هو كناية عن الفراق. قال أبو الهيثم: العصا تضرب مثلا للاجتماع و يضرب انشقاقها مثلا للافتراق الذي لا يكون بعده اجتماع، و ذلك لأنها لا تدعى عصا إذا انشقت (انظر «لسان العرب» مادّة صدع) .

[7]انتحى: قصد.

[8]الأواصر: جمع آصرة و هي ما عطفك على رجل من رحم أو قرابة أو صهر أو معروف.

[9]لا ترع: لا تخف و لا يلحقك فزع.

[10]كذا في ت. و في سائر النسخ: «يحدّثها» .

[11]أي انجلى همه و انكشف.

358

عندك، و أعطي اللّه عهدا إن جالست بعد يومي هذا رجلا سواك حتى أذوق الموت إلا أن أكره على ذلك، قال:

فانصرفت‏[1]عنه و هو من أشدّ الناس سرورا و أقرّهم عينا، و قال:

أظنّ هواها تاركي بمضلّة[2] # من الأرض لا مال لديّ و لا أهل

و لا أحد أفضي‏[3]إليه وصيّتي # و لا صاحب إلا المطيّة و الرّحل

محا حبّها حبّ الألى كنّ قبلها # و حلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل‏

شعره فيها بعد أن تزوّجت و أيس منها

أخبرني جعفر[4]بن قدامة عن أبي العيناء عن العتبيّ قال:

/لما حجبت ليلى عن المجنون خطبها جماعة فلم يرضهم أهلها، و خطبها رجل من ثقيف‏[5]موسر فزوّجوه و أخفوا ذلك عن المجنون ثم نمي إليه طرف منه لم يتحقّقه، فقال:

دعوت إلهي دعوة ما جهلتها # و ربّي بما تخفي الصدور بصير[6]

لئن كنت تهدي‏[7]برد أنيابها العلا # لأفقر منّي إنّني لفقير

فقد شاعت الأخبار أن قد تزوّجت # فهل يأتينّي بالطلاق بشير

و قال أيضا:

ألا تلك ليلى العامريّة أصبحت # تقطّع إلا من ثقيف حبالها

هم حبسوها محبس البدن و ابتغى # بها المال أقوام ألا قلّ مالها

إذا التفتت‏[8]و العيس صعر[9]من البرى # بنخلة جلّت عبرة العين حالها

قال: و جعل يمرّ بيتها فلا يسأل عنها و لا يلتفت إليه‏[10]، و يقول إذا جاوزه:

[1]في ت: «فانصرف عشا و هو الخ» .

[2]المضلة بفتح الضاد و كسرها: الأرض التي يضل فيها.

[3]كذا في جميع الأصول. و لم نجد في «كتب اللغة» التي بين أيدينا أفضى متعدّيا بنفسه و الوارد تعديه بالباء فيقال: أفضيت إليه بسرّي، و لعله في الأصل «أقضى» بالقاف تقول: قضيت إليه الأمر أي أنهيته إليه و أبلغته ذلك.

[4]كذا في ت و قد تقدّم كذلك غير مرّة. و في النسخ: «أبو جعفر» .

[5]كذا في ت. و في باقي النسخ: من بني ثقيف و ثقيف: أبو حيّ من قيس أو من هوازن، و الأغلب عليه التذكير فيصرف. قال سيبويه:

أما قولهم: هذه ثقيف فعلى إرادة الجماعة. قال صاحب «اللسان» : إنما قال ذلك لغلبة التذكير عليه و هو مما لا يقال فيه من بني فلان، و كذلك كل مالا يقال فيه من بني فلان التذكير فيه أغلب، و لهذا أثبتنا ما في نسخة ت بالأصل إذ مقتضى عبارة «اللسان» أنه يقال: فلان من ثقيف و لا يقال من بني ثقيف، كما يقال: فلان من قريش أو معدّ و لا يقال: من بني قريش أو من بني معدّ.

[6]كذا في أغلب النسخ. و في ت «خبير» .

[7]في نسخة ت و كتاب «تزيين الأسواق» ص 66 طبع بولاق:

لئن كان يهدي برد أنيابها العلا

[8]كذا في «الديوان» . و في جميع الأصول: «إذا ما التقت» .

[9]صعر: جمع أصعر من الصعر و هو ميل في العنق. و البري: جمع برة و هي الحلقة تجعل في أحد جانبي منخر البعير. و نخلة: اسم موضع.

[10]في ب، س، حـ: «إليها» . ـ

359
صوت‏

ألا أيّها البيت الذي لا أزوره # و إن حلّه شخص إليّ حبيب

هجرتك إشفاقا و زرتك خائفا # و فيك عليّ الدهر منك رقيب

سأستعتب الأيام فيك لعلّها # بيوم سرور في الزمان تئوب‏

الغناء لعريب ثاني ثقيل بالوسطى. قال: و بلغه أن أهلها يريدون نقلها إلى الثّقفيّ فقال:

صوت‏

كأنّ القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامريّة أو يراح

قطاة عزّها[1]شرك فباتت # تجاذبه و قد علق الجناح‏

-عروضه من الوافر. الغناء لابن المكيّ خفيف ثقيل‏[أوّل‏][2]بالوسطى في مجراها عن إسحاق، و فيه خفيف ثقيل آخر لسليمان مطلق في مجرى البنصر، و فيه لإبراهيم رمل بالوسطى في مجراها عن الهشاميّ-قال: فلما نقلت [ليلى‏][2]إلى الثّقفيّ قال.

قصيدته العينية

طربت و شاقتك الحمول‏[3]الدّوافع # غداة دعا بالبين أسفع‏[4]نازع

شحا[5]فاه نعبا[6]بالفراق كأنه # حريب‏[7]سليب نازح الدار جازع

/فقلت ألا قد بيّن‏[8]الأمر فانصرف # فقد راعنا بالبين قبلك رائع

سقيت سموما[9]من غراب فإنّني # تبيّنت ما خبّرت مذ أنت واقع‏[10]

أ لم تر أنّي لا محبّ ألومه # و لا ببديل بعدهم أنا قانع

[أ لم تر دار الحيّ في رونق الضحى # بحيث انحنت للهضبتين الأجارع‏][11]

[1]عزها: غلبها. و في ب، س: «غرها» بالغين و الراء، و الأوّل أنسب بالتشبيه.

[2]زيادة في ت.

[3]الحمول: في الأصل الهوادج واحدها حمل ثم اتسع فيها و صارت تستعمل في الإبل التي عليها الهوادج. و الدوافع: المندفعة في السير.

[4]كذا في أغلب النسخ و «تزيين الأسواق» . و في ب، س: «أسحم» و الأسفع و الأسحم معناهما واحد و هو الأسود. و النازع المسرع و المراد بالأسفع النازع «الغراب» .

[5]شحا فاه يشحوه و يشحاه: فتحه.

[6]نعبا: صياحا و تصويتا.

[7]الحريب: من سلب حريته و هي ماله الذي يقوم به أمره.

[8]بيّن بمعنى تبين، و منه المثل: «قد بين الصّبح لذى عينين» .

[9]كذا في أغلب النسخ. و في ت، حـ و «تزيين الأسواق» لداود الأنطاكي طبع بولاق: «سماما» و هو جمع لسم كسموم.

[10]وقع الطائر: نزل عن طيرانه على شجرة أو غيرها.

[11]زيادة في ت و «تزيين الأسواق» و الهضبتان: مثنى هضبة و هي الرابية أو الجبل المنبسط على الأرض أو الجبل المخلوق من صخرة

360

و قد

يتناءى الإلف من بعد ألفة # و يصدع ما بين الخليطين صادع

و كم من هوى‏[1]أو جيرة قد ألفتهم # زمانا فلم يمنعهم البين مانع‏[2]

كأنّي غداة البين ميّت جوبة[3] # أخو ظمإ سدّت عليه المشارع

تخلّس‏[4]من أوشال‏[5]ماء صبابة # فلا الشّرب مبذول و لا هو ناقع‏[6]

و بيض تطلّى بالعبير كأنها # نعاج الملا[7]جيبت‏[8]عليها البراقع

تحملنّ من وادي‏[9]الأراك فأومضت‏[10] # لهنّ بأطراف العيون المدامع

/فما رمن‏[11]ربع الدار حتى تشابهت # هجائنها[12]و الجون منها الخواضع‏[13]

و حتى حلمن الحور[14]من كلّ جانب # و خاضت سدول‏[15]الرّقم منها الأكارع‏[16]

فلما استوت تحت الخدور و قد جرى # عبير و مسك بالعرانين رادع‏[17]

أشرن بأن حثّوا الجمال فقد بدا # من الصيف يوم لافح الحرّ ماتع‏[18]

-واحدة، و الأجارع: جمع أجرع، و الأجرع كالجرعاء: الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل أو الرملة السهلة المستوية أو القطعة من الرمل لا تنبت شيئا (انظر «اللسان» في مادّتي هضب و جرع) .

[1]الهوى بمعنى المهوىّ و هو المحبوب، و منه قول الشاعر:

هواي مع الركب اليمانين مصعد # جنيب و جثماني بمكة موثق‏

[2]كذا في ت و «تزيين الأسواق» . و في باقي النسخ: «فلم يمنعه للبين مانع» .

[3]الجوبة: فضاء أملس سهل بين أرضين.

[4]تخلس الشي‏ء: انتهبه و أخذه خلسة.

[5]الأوشال: جمع وشل و هو الماء القليل. و الصبابة: بقية الماء تبقى في الإناء و السقاء.

[6]هو من نقع بمعنى روى.

[7]الملا: الصحراء.

[8]أي قطعت.

[9]هو واد قرب مكة.

[10]في ت: «و أومضت» بالواو.

[11]كذا في ت، حـ و معناه ما برحن. يقال: ما رام المكان أي ما برحه. و في باقي النسخ: «رضن» بالضاد لم يظهر له معنى.

[12]الهجائن: الإبل البيضاء الكريمة واحدها هجان. و الجون: جمع جون بفتح الجيم و هو الأسود المشرب بحمرة، و يطلق على الأسود اليحمومي و على الأبيض فهو من أسماء الأضداد.

[13]الخواضع: الإبل و إنما يقال لها خواضع لأنها تخضع أعناقها حين يجدّ بها السير، قال جرير:

و لقد ذكرتك و المطيّ خواضع # و كأنهنّ قطا فلاة مجهل‏

[14]الحور: جمع حوراء و هي البيضاء أو من في عينها حور و هو شدة سواد المقلة في شدّة بياضها.

[15]السدول: جمع سديل و هو ما يجلل به الهودج من الثياب.

[16]الأكارع: جمع أكرع و الأكرع جمع كراع، أو الأكارع كما يقول سيبويه جمع كراع على غير قياس. و الكراع من الإنسان: ما دون الركبة إلى الكعب، و من الدابة قوائمها مطلقا.

[17]المراد بالرادع هنا المردوع به الجسد أو الثوب و هو العبير و المسك. و أصل الردع اللطخ بالطيب و الزعفران، يقال: قميص رادع و مردوع أي فيه أثر الطيب و الزعفران، و في حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما: «لم ينه عن شي‏ء من الأدوية إلا عن المزعفرة، التي تردع الجلد» أي تنفض صبغها عليه.

[18]الماتع: الطويل.

361

فلمّا لحقنا بالحمول تباشرت # بنا مقصرات‏[1]غاب عنها المطامع‏[2]

يعرّضن‏[3]بالدّلّ المليح و إن يرد # جناهنّ مشغوف فهنّ موانع

/فقلت لأصحابي و دمعي مسبل # و قد صدع الشمل المشتّت صادع

أ ليلى بأبواب الخدور تعرّضت # لعيني أم قرن من الشمس طالع‏

مروره مع ابن عم له على حمامة تهدل و ما قال في ذلك من الشعر

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ:

أنّ أبا المجنون حجّ به ليدعو اللّه عزّ و جلّ في الموقف أن يعافيه، فسار و معه‏[4]ابن عمه زياد بن كعب بن مزاحم، فمرّ بحمامة تدعو[5]على أيكة فوقف يبكي، فقال له زياد: أيّ شي‏ء هذا؟ما يبكيك أيضا؟سر بنا نلحق الرّفقة، فقال:

أ أن هتفت يوما بواد حمامة # بكيت و لم يعذرك بالجهل عاذر

دعت ساق حرّ[6]بعد ما علت الضّحى # فهاج لك الأحزان أن ناح طائر

تغنّي‏[7]الضّحى و الصّبح في مرجحنة[8] # كثاف الأعالي تحتها الماء حائر[9]

كأن لم يكن بالغيل‏[10]أو بطن أيكة[11] # أو الجزع‏[12]من تول‏[13]الأشاءة حاضر

/يقول زياد إذ[14]رأى الحيّ هجّروا[15] # أرى الحيّ قد ساروا فهل أنت سائر

[1]كذا في ت، ب، س و هو جمع مقصرة أي داخلة في القصر و هو العشيّ، يقال: أتيته قصرا أي عشيا، و أقصرنا أي دخلنا في قصر العشيّ، كما تقول أمسينا من المساء. و في سائر النسخ: «معصرات» بالعين المهملة و هو جمع معصرة من أعصرت الجارية إذا بلغت عصر شبابها، أو من أعصرت أي دخلت في العصر (انظر «لسان العرب» مادتي قصر و عصر) .

[2]كذا في جميع النسخ. و في ت و «تزيين الأسواق» : «المطالع» باللام.

[3]كذا في ت. و في ب، س: «تعرّضن» . و في أ، حـ، م: «تعرّض» .

[4]كذا في ت. و في سائر النسخ: «فسار معه الخ» .

[5]تدعو: تصوّت و تنوح.

[6]ساق حرّ: أصله صوت القمارى، و يطلق على الذكر من القمارى تسمية له باسم صوته و هو المراد هنا (انظر «اللسان» مادتي سوق و حرّ) .

[7]كذا في ت و «تزيين الأسواق» . و في م: «يعني» هكذا بدون أعجام. و في باقي النسخ هكذا: «نعيّ» .

[8]كذا في أغلب الأصول، و المرجحنة: المهتزة المتمايلة.

[9]حائر: متردّد.

[10]الغيل: اسم لعدّة مواضع و الظاهر أنّ المراد هنا واد لبني جعدة و هم قوم المجنون.

[11]الأيكة: الغيضة الملتفة الأشجار، و لم نجد في الكتب التي بأيدينا «أيكة» لا «بطن أيكة» اسما لموضع خاص

[12]الجزع-بالكسر، و قال أبو عبيدة: اللائق به أن يكون مفتوحا-: منعطف الوادي و لعله هنا اسم لموضع خاص، و قد يكون جزع بني جماز و هو واد باليمامة.

[13]كذا في ب، س. و في بقية النسخ: «قول» بالقاف و لم يظهر لكلتا النسختين معنى. و الأشاءة: موضع باليمامة فيه نخيل فلعل كلمة «تول» محرّفة عن «تال» و التال: صغار النخل واحدته تالة.

[14]كذا في ب، س، ت. و في باقي النسخ: «أن رأى» .

[15]هجروا: ساروا في وقت الهاجرة.

362

و إنّي و إن غال‏[1]التقادم حاجتي # ملم على أوطان ليلى فناظر[2]

هيامه إلى نواحي الشام و ما يقوله من الشعر عند عوده و رؤية التوباد

أخبرني‏[محمد بن مزيد][3]بن أبي الأزهر عن الزّبير عن محمد بن عبد اللّه البكري عن موسى بن جعفر بن أبي كثير و أخبرني عمي عن‏[عبد اللّه‏][3]بن شبيب عن‏[هارون بن موسى‏][3]الفرويّ‏[4]عن موسى بن جعفر بن أبي كثير و أخبرني ابن المرزبان عن ابن الهيثم عن العمريّ عن العتبيّ قالوا جميعا:

كان المجنون و ليلى و هما صبيّان يرعيان غنما لأهلها عند جبل في بلادهما يقال له التّوباد[5]، فلما ذهب عقله و توحّش، كان يجي‏ء إلى ذلك الجبل فيقيم به، فإذا تذكر أيام كان يطيف هو و ليلى به جزع جزعا شديدا و استوحش فهام على وجهه حتى يأتى نواحي الشأم، فإذا ثاب إليه عقله رأى بلدا لا يعرفه فيقول للناس الذين يلقاهم: بأبي أنتم، أين التّوباد من أرض بني عامر؟فيقال له: و أين أنت من أرض بني عامر!أنت بالشأم عليك بنجم كذا فأمّه، فيمضي على وجهه نحو ذلك النجم حى يقع بأرض اليمن، فيرى بلادا ينكرها و قوما لا يعرفهم فيسألهم عن التّوباد/و أرض بني عامر، فيقولون:

و أين أنت من أرض بني عامر!عليك بنجم كذا و كذا، فلا يزال كذلك حتى يقع على التّوباد، فإذا رآه قال في ذلك:

أبياته النونية التي يصف فيها انصباب الدمع‏

و أجهشت‏[6]للتّوباد حين رأيته # و كبّر[7]للرحمن حين رآني

و أذريت‏[8]دمع العين لمّا عرفته # و نادى بأعلى صوته فدعاني

فقلت له قد كان حولك جيرة # و عهدي بذاك الصّرم منذ زمان‏[9]

فقال مضوا و استودعوني بلادهم‏[10] # و من ذا الذي يبقى على الحدثان‏

[1]غال الشي‏ء: ذهب به.

[2]كذا في ت، حـ و «تزيين الأسواق» . و في باقي النسخ: «مناظر» بالميم.

[3]زيادة في ت.

[4]كذا في ت «الفروي» بالفاء و هو الموافق لما في «كتب التراجم» مثل «تهذيب التهذيب» و «الخلاصة» و «الأنساب» للسمعاني. و في بقية النسخ: «الهروي» بالهاء و هو تحريف.

[5]كذا في جميع الأصول «التوباد» بالدال المهملة و هو الموافق لما في «معجم ما استعجم» للبكري إذ قال في ضبطه: هو بفتح أوّله و باء معجمة بواحدة و دال مهملة و أنشد عليه:

و أجهشت للتوباد حين رأيته‏

البيت. و ضبطه ياقوت بالذال المعجمة فقال في «معجمه» : «توباذ» بالفتح ثم السكون و الباء موحدة و آخره ذال معجمة: جبل بنجد.

[6]أجهشت: تهيأت للبكاء.

[7]كذا في جميع الأصول. و في «الديوان» : «و هلّل» .

[8]كذا في ت و «الديوان» و «تزيين الأسواق» . و في بقية الأصول: «و أذرفت» و لم نجد «أذرف» في «كتب اللغة» التي بأيدينا، و إنما يقال: ذرفت العين الدمع و ذرّفته بالتضعيف أي أسالته.

[9]ورد بدل هذا البيت في «الديوان» بيت آخر و هو:

فقلت له أين الذين عهدتهم # حواليك في خصب و طيب زمان‏

و جاءت القصيدة في «تزيين الأسواق» مشتملة على البيتين فأورد البيت الذي في الأصول ثم جاء بعده بالبيت الثاني هكذا:

و قلت له أين الذين عهدتهم # بقربك في حفظ و طيب أمان‏

[10]كذا في أغلب النسخ و «الديوان» . و في ت و «تزيين الأسواق» لداود الأنطاكي: «ديارهم» .

363

و إني لأبكي اليوم من حذري غدا # فراقك و الحيّان مجتمعان‏[1]

سجالا و تهتانا[2]و وبلا و ديمة # و سحّا و تسجاما[3]إلى هملان‏[4]

سبب ذهاب عقله‏

أخبرني‏[5]عمّي عن‏[عبد اللّه‏][6]بن شبيب عن هارون بن موسى الفرويّ عن موسى بن جعفر بن أبي كثير قال: لما قال المجنون:

خليليّ لا و اللّه لا أملك الذي # قضى اللّه في ليلى و لا ما قضى ليا

قضاها لغيري و ابتلاني بحبّها # فهلاّ بشي‏ء غير ليلى ابتلانيا

سلب عقله.

و حدّثني جحظة عن ميمون بن هارون عن إسحاق الموصليّ أنه لما قالهما برص.

شعره حين توهم أن صائحا يصيح: يا ليلى‏

قال موسى بن جعفر في خبره المذكور: و كان المجنون يسير مع أصحابه فسمع صائحا يصيح: يا ليلى في ليلة ظلماء أو توهّم ذلك، فقال لبعض من معه: أ ما تسمع هذا الصوت؟فقال: ما سمعت شيئا، قال: بلى، و اللّه هاتف يهتف بليلى، ثم أنشأ يقول:

أقول لأدنى صاحبيّ كليمة # أسرّت من الأقصى أجب ذا المناديا

إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني # أصانع رحلي‏[7]أن يميل حياليا

يمينا إذا كانت يمينا و إن تكن # شمالا ينازعني الهوى عن شماليا

شعر له في منّى و غيرها يرويه غرير بن طلحة

و قال ابن شبيب و حدّثني هارون بن موسى قال: قلت لغرير[8]بن طلحة المخزوميّ: من أشعر الناس ممن [1]كذا في أغلب الأصول و «الديوان» . و في ت و «تزيين الأسواق» : «مؤتلفان» .

[2]يقال: هننت السماء تهتن هتنا و تهتانا أي صبت.

[3]يقال: سجّمت السحابة مطرها تسجيما و تسجاما إذا صبته.

[4]كذا في «الديوان» ، و الهملان: فيض العين بالدموع. و في جميع الأصول «و تنهملان» .

[5]جاء في صلب نسخة س بعد انتهاء القصيدة و قبل قوله «أخبرني» ما نصه: «الجهش: أن يفزع الإنسان إلى غيره و هو مع ذلك متهيئ للبكاء كالصبي يفزع إلى أمه و قد تهيأ للبكاء، يقال: جهش إليه يجهش، و في الحديث «طال بنا العطش فجهشنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم» و كذلك الإجهاش يقال: جهشت بنفسي و أجهشت» و لم نثق بصحة هذه الزيادة حتى نثبتها في الصلب لأنا وجدناها في نسخة م موضوعة في الصلب قبل القصيدة بل قبل البيت الأوّل التي هي شرح لبعض مفرداته و وجدناها بحاشية نسخة أ في صورة شرح لقوله «و أجهشت» و معزوة إلى الجوهريّ و هي نص عبارته في كتاب «الصحاح» ، و الظاهر أن بعض النساخ وجد هذا التعليق على حاشية إحدى نسخ الكتاب فظنه من الأصل و أدخله في الصلب.

[6]زيادة في ت.

[7]كذا في ب، س و «الديوان» و الرحل: ما يوضع على البعير للركوب ثم يعبر به عن البعير و هو المراد هنا. و في أغلب النسخ: «رجلي أن تميل حياليا» .

[8]اختلفت النسخ في هذا الاسم فوقع في ب، حـ: «عرير» بمهملات و في س: «جرير» و في ت: «عزيز» بعين مهملة و زاءين و في م،

364

قال شعرا في منى و مكة و عرفات؟فقال: أصحابنا القرشيّون، و لقد أحسن المجنون حيث يقول:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى # فهيّج أحزان‏[1]الفؤاد و ما يدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما # أطار بليلى طائرا كان في صدري‏

فقلت له: هل تروي للمجنون غير هذا؟قال: نعم، و أنشدني له:

أما و الذي أرسى ثبيرا مكانه # عليه السّحاب فوقه يتنصّب‏[2]

و ما سلك الموماة[3]من كلّ جسرة[4] # طليح‏[5]كجفن السّيف تهوي فتركب

لقد عشت من ليلى زمانا أحبّها # أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب‏

/أخبرني محمد بن مزيد عن حماد[بن إسحاق‏][6]عن أبيه قال: كانت كنية ليلى أمّ عمرو، و أنشد للمجنون:

صوت‏

أبى القلب إلا حبّه عامريّة # لها كنية عمرو و ليس لها عمرو

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها # و ينبت في أطرافها الورق الخضر

الغناء لعريب ثقيل أوّل، و قال حبش: فيه لإسحاق خفيف ثقيل.

خطبة ليلى برجل من ثقيف و ما قاله المجنون في ذلك من الشعر

أخبرني هاشم‏[بن محمد][6]الخزاعيّ عن دماذ[7]عن أبي عبيدة قال: خطب ليلى صاحبة المجنون جماعة من قومها فكرهتهم، فخطبها رجل من ثقيف موسر فرضيته، و كان جميلا فتزوّجها و خرج بها، فقال المجنون في ذلك:

ألا إنّ ليلى كالمنيحة[8]أصبحت # تقطّع إلا من ثقيف حبالها

-ء، أ: «شرير» بشين معجمة و راءين و قد اعتمدنا فيما أثبتناه بالصلب على ما جاء في «تاج العروس» حيث ذكر في مادة «غرر» من يسمون بغرير كزبير و عدّ منهم غرير بن طلحة القرشيّ.

و جاء هذا الاسم في الجزء الثالث عشر من «الأغاني» ص 117 طبع بولاق هكذا «غرير بن طلحة» بغين معجمة ثم مهملتين و جاء في «تاج العروس» في مادة رقم بعد ذكر أبي عبد اللّه الأرقم المخزومي ما نصه: «و من ولده عزيز بن طلحة بن عبد اللّه بن عثمان بن الأرقم» و الظاهر أنه هو غرير بن طلحة و إنما وقعت نقطة الغين على الراء.

و في كتاب «الأنساب» للسمعاني في اسم «الأرقمي» : «و المشهور بهذه النسبة عزيز بن طلحة بن عبد اللّه بن الأرقم من أهل مكة» هكذا بعين مهملة و زاءين معجمتين و الظاهر أنه «غرير» حتى يوافق ما ذكره صاحب «تاج العروس» في مادة غرر.

[1]كذا في أغلب الأصول و «ديوانه» و «كتاب الشعر و الشعراء» . و في ت: «أطراب» و هو ما اتفقت عليه الأصول فيما تقدّم بصحيفة 22 من هذا الجزء.

[2]يتنصّب: يرتفع.

[3]كذا في أغلب الأصول. و في ت: «البوباة» بالباء و كلاهما صحيح فإن الموماة و البوباة معناهما واحد و هو الفلاة.

[4]يقال: ناقة جسرة و متجاسرة: ماضية في سيرها. و في ت «نضوة» و هي التي هزلها السير.

[5]يقال: ناقة طليح إذا جهدها السير و هزلها.

[6]زيادة في ت.

[7]في ت: «قال حدّثنا أبو غسان دماذ» . و أبو غسان كنية دماذ. انظر صحيفة 153 حاشية رقم 1 من الجزء الأوّل من «الأغاني» .

[8]المنيحة في الأصل: الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردّها إذا انقطع اللبن، ثم كثر استعمالها في كل موهوب.

و في ت «العامرية» بدل «كالمنيحة» .

365

فقد حبسوها محبس البدن و ابتغى # بها الريح أقوام تساحت‏[1]مالها

خليليّ هل من حيلة تعلمانها # يدنّي لنا تكليم ليلى احتيالها

فإن أنتما لم تعلماها فلستما # بأول باغ حاجة لا ينالها

كأنّ مع الركب الذين اغتدوا بها # غمامة صيف زعزعتها شمالها

/نظرت بمفضى سيل جوشن‏[2]إذ غدوا[3] # تخبّ بأطراف المخارم‏[4]آلها

بشافية[5]الأحزان هيّج شوقها # مجامعة الألاّف ثم زيالها

إذا التفتت من خلفها و هي تعتلي # بها العيس جلّى عبرة العين حالها

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي نصر أحمد بن حاتم قال:

و أنشدناه المبرّد للمجنون فقال:

صوت‏

و أحبس عنك النفس و النفس صبّة # بذكراك و الممشى إليك قريب

مخافة أن تسعى الوشاة بظنّة # و أحرسكم أن يستريب مريب

فقد جعلت نفسي-و أنت اجترمته # و كنت أعزّ الناس-عنك تطيب

فلو شئت لم أغضب عليك و لم يزل # لك الدهر منّي ما حييت نصيب

أما و الذي يبلو[6]السرائر كلّها # و يعلم ما تبدي به و تغيب

لقد كنت ممن تصطفي النفس‏[7]خلّة # لها دون خلاّن الصّفاء حجوب‏

/ذكر يحيى المكّيّ أنه لابن سريح ثقيل أوّل، و قال الهشاميّ: إنه من منحول يحيى إليه.

[1]كذا في أغلب الأصول يقال أسحت ماله: استأصله و أفسده، و مال مسحوت و مسحت أي مذهب. و أسحنت تجارته: خبثت و حرمت، و لم نجد في «كتب اللغة» «تساحت» على وزن تفاعل من هذه المادة و في ت و «تزيين الأسواق» «ألا قلّ مالها» و هكذا جاءت في جميع النسخ كما تقدم في ص 47 من هذا الجزء.

[2]كذا في أغلب النسخ، و لم نجد في بلاد العرب ما يسمى جوشن إلا جبلا في غربيّ حلب. و في ت: «جوشين» و هو مثنى جوش و هو جبل في بلاد بني القين بين أذرعات و البادية، و ثنى مع جبل آخر لهم يقال له «جدد» فيقال: جوشان، قال البعيث:

تجاوزن من جوشين كلّ مفازة # و هنّ سوام في الأزمة كالإجل‏

[3]كذا في نسختي ب، س. و في باقي النسخ: «و الضحى» .

[4]كذا في ت «المخارم» بالراء المهملة: جمع مخرم و هو الطريق في الجبل أو الرمل. و في بقية النسخ: «المخادم» بالدال المهملة و لم نجد له معنى مناسبا.

[5]في ت و «تزيين الأسواق» : «بمنهلة الأجفان» .

[6]كذا في ت و «الديوان» . و في سائر النسخ: «يبلى السرائر» .

[7]كذا في ت و «الديوان» . و في باقي النسخ: «يصطفي الناس» .

366

خبر أبي الحسن الببغاء و المرأة التي أحبت صديقا له من قريش‏

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الحسن‏[1]بن محمد بن طالب الدّيناري قال حدّثني إسحاق الموصليّ، و أخبرني به محمد بن مزيد و الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني سعيد بن سليمان عن أبي الحسن الببّغاء قال:

بينا أنا و صديق لي من قريش نمشي بالبلاط[2]ليلا، إذا بظلّ نسوة في القمر، فسمعت إحداهنّ تقول: أ هو هو؟فقالت لها أخرى‏[3]معها: أي و اللّه إنه لهو هو!فدنت منّي ثم قالت: يا كهل، قل لهذا الذي معك:

ليست لياليك في خاخ‏[4]بعائدة # كما عهدت و لا أيام ذي سلم‏

فقلت: أجب فقد سمعت، فقال: قد و اللّه قطع بي و أرتج عليّ فأجب عنّي، فقلت‏[5]:

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة # إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت‏

ثم مضينا حتى إذا كنا بمفرق طريقين مضى الفتى إلى منزله و مضيت إلى منزلي، فإذا أنا بجويرية تجذب ردائي فالتفتّ، فقالت لي: المرأة التي كلمتها تدعوك، فمضيت معها حتى دخلت دارا واسعة ثم صرت إلى بيت فيه حصير، و قد ثنت لي و سادة فجلست عليها، ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها، ثم جاءت المرأة فجلست حصير، و قد ثنت لي و سادة فجلست عليها، ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها، ثم جاءت المرأة فجلست عليها، فقالت لي: أنت المجيب؟قلت: نعم، قالت: ما كان أفظّ لجوابك/و أغلظه!فقلت لها: ما حضرني غيره، فسكتت، ثم قالت: لا، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من إنسان كان معك!فقلت لها: أنا الضامن لك عنه ما تحبّين، فقالت: هيهات أن يقع بذلك وفاء، فقلت: أنا الضامن و عليّ أن آتيك به في الليلة القابلة فانصرفت، فإذا الفتى ببابي، فقلت: ما جاء بك؟قال: ظننت أنها سترسل إليك و سألت عنك فلم أعرف لك خبرا، فظننت أنك عندها، فجلست أنتظرك، فقلت له: و قد كان الذي ظننت، و قد وعدتها أن آتيك فأمضي بك إليها في الليلة المقبلة، فلما أصبحنا تهيأنا و انتظرنا المساء، فلما جاء الليل رحلنا إليها، فإذا الجارية منتظرة لنا، فمضت أمامنا حين رأتنا حتى دخلت تلك الدار و دخلنا معها، فإذا رائحة طيبة و مجلس قد أعدّ و نضّد، فجلسنا على وسائد قد ثنيت [لنا][6]، و جلست مليا ثم أقبلت عليه فعاتبته مليّا ثم قالت:

صوت‏

و أنت الذي أخلفتني ما وعدتني # و أشمتّ بي من كان فيك يلوم

و أبرزتني للناس ثم تركتني # لهم غرضا أرمى و أنت سليم‏

[1]كذا في أغلب النسخ و في ت، حـ «الحسين بن محمد» .

[2]البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض ثم سمي المكان بلاطا اتساعا، و هو معروف بالمدينة و قد تكرر ذكره في الأحاديث.

انظر «النهاية» لابن الأثير في مادّة «بلط» .

[3]كذا في ت بالتنكير. و في باقي النسخ: «الأخرى» .

[4]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «جمع» و جمع هو المزدلفة.

[5]هذه الكلمة ساقطة من ب، س.

[6]زيارة في ت ـ

367

فلو كان قول يكلم الجلد قد بدا # بجلدي من قول الوشاة كلوم‏

هذه الأبيات لأميمة[1]امرأة ابن الدّمينة، و فيها غناء لإبراهيم الموصليّ ذكره إسحاق و لم يجنّسه. و قال الهشاميّ: هو خفيف رمل. و فيه لعريب خفيف ثقيل أوّل ينسب إلى حكم الوادي و إلى يعقوب. قال: ثم سكتت و سكت الفتى هنيهة ثم قال:

غدرت و لم أغدر و خنت و لم أخن # و في بعض هذا للمحبّ عزاء

جزيتك ضعف الودّ ثم صرمتني # فحبّك من قلبي إليك أداء

/فالتفتت إليّ فقالت: أ لا تسمع ما يقول!قد خبرتك، فغمزته أن كفّ فكفّ، ثم أقبلت عليه و قالت:

صوت‏

تجاهلت وصلي حين جدّت‏[2]عمايتي # فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر

و لي من قوى الحبل الذي قد قطعته # نصيب و إذ رأيي جميع موفّر

و لكنما آذنت بالصّرم بغتة # و لست على مثل الذي جئت أقدر

-الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو-فقال:

لقد جعلت نفسي-و أنت اجترمته # و كنت أعزّ الناس-عنك تطيب‏

قال: فبكت، ثم قالت: أو قد طابت نفسك!لا، و اللّه ما فيك بعدها خير، ثم التفتت إليّ و قالت: قد علمت أنك لا تفي بضمانك و لا يفي به عنك. و هذا البيت الأخير للمجنون، و إنما ذكر هذا الخبر هنا و ليس من أخبار المجنون لذكره فيه.

رجع الخبر إلى سياقة أخبار المجنون‏

رأى المجنون أبيات أهل ليلى فقال شعرا

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن العمري عن الهيثم بن عديّ أن رهط المجنون اجتازوا في نجعة[3]لهم بحيّ ليلى، و قد جمعتهم نجعة فرأى أبيات أهل ليلى و لم يقدم‏[4]على الإلمام بهم و عدل أهله إلى جهة أخرى، فقال المجنون:

لعمرك إنّ البيت بالقبل‏[5]الذي # مررت و لم ألمم عليه لشائق‏

[1]كذا في ت «لأميمة» و هو الموافق لما سيأتي في ترجمة ابن الدمينة في ج 15 ص 151 «أغاني» طبع بولاق. و في باقي النسخ:

«لآمنة» و هو تحريف.

[2]كذا في جميع النسخ، يقال: جدّ به الأمر أي اشتد. و في ت: «لجت» و هو من لجّ به الشي‏ء: لزمه و أبى أن ينصرف عنه.

[3]النجعة عند العرب: الذهاب في طلب الكلى و العشب في موضعه.

[4]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «يقدر» .

[5]القبل: الناحية. و في ت: «بالظاهر الذي» و الظاهر يطلق على المكان المرتفع، فيقال: ظواهر الأرض أي أشرافها و أعاليها.

368

و بالجزع‏[1]من أعلى الجنيبة[2]منزل # شجا حزن صدري به متضايق

كأني إذا لم ألق ليلى معلّق # بسبّين‏[3]أهفوا[4]بين سهل و حالق‏[5]

على أنني لو شئت هاجت صبابتي # عليّ رسوم عيّ فيها التّناطق

لعمرك إن الحبّ يا أمّ مالك # بقلبي براني اللّه منه للاصق

يضمّ عليّ الليل أطراف حبّكم # كما ضمّ أطراف القميص البنائق‏

صوت‏

و ما ذا عسى الواشون أن يتحدّثوا # سوى أن يقولوا إنني لك عاشق

نعم صدق الواشون أنت حبيبة # إليّ و إن لم تصف منك الخلائق‏

الغناء لمتيّم ثقيل أوّل من جامعها. و فيه لدعامة رمل عن حبش.

حديث ليلى جارة لها من عقيل‏

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني أحمد بن الطّيّب قال قال ابن الكلبيّ: دخلت ليلى على جارة لها من عقيل و في يدها مسواك تستاك به، فتنفّست ثم قالت: سقى اللّه من أهدى لي هذا/المسواك؛ فقالت لها جارتها:

من هو[6]؟قالت: قيس بن الملوّح، و بكت ثم نزعت ثيابها تغتسل؛ فقالت: ويحه!لقد/علق منّى ما أهلكه من غير أن أستحقّ ذلك، فنشدتك اللّه، أصدق في صفتي أم كذب؟فقالت: لا و اللّه، بل صدق؛ قال: و بلغ المجنون قولها فبكى ثم أنشأ يقول:

نبئت ليلى و قد كنّا نبخّلها # قالت سقى المزن‏[7]غيثا منزلا خربا

و حبّذا راكب كنّا نهشّ به # يهدي لنا من أراك الموسم القضبا

قالت لجارتها يوما تسائلها # لمّا استحمّت و ألقت عندها السّلبا[8]

يا عمرك اللّه ألاّ[9]قلت صادقة # أصدقت صفة المجنون أم كذبا

و يروى: «نشدتك اللّه» و يروى: «أ صادقا وصف المجنون أم كذبا» .

[1]الجزع: منعرج الوادي و منعطفه.

[2]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «الجنينة» و في ياقوت الجنينة: روضة نجدية بين ضريّة و حزن بني يربوع و أنها صحراء باليمامة أيضا. و لم نجد الجنية اسما لموضع خاص و لعله تصغير جنبة بمعنى الناحية.

[3]السب: الحبل كالسبب أي يذهب في الهواء.

[4]أهفو: أذهب في الهواء.

[5]الحالق: الجبل المرتفع و في هذا البيت إقواء و هو اختلاف حركة الرويّ.

[6]كذا في ت. و في أغلب النسخ: «و من» بالواو.

[7]في ت: «سقى اللّه منه منزلا جدبا» . و في «تزيين الأسواق» : «قالت سقى اللّه منه منزلا خربا» .

[8]السّلب: كلّ ما على الإنسان من الثياب.

[9]ألاّ هنا للتحضيض بمعنى هلاّ.

369

سمع المجنون بخروج ليلى مع زوجها فقال شعرا

و قال أبو نصر في أخباره: لما زوّجت ليلى بالرجل الثقفيّ سمع المجنون رجلا من قومها يقول لآخر: أنت ممن يشيّع ليلى؟قال: و متى تخرج؟قال: غدا، ضحوة أو الليلة، فبكى‏[المجنون‏][1]ثم قال:

صوت‏

كأنّ القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامريّة أو يراح

قطاة عزّها شرك فباتت # تجاذبه و قد علق الجناح‏

الغناء ليحيى المكيّ خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، و فيه رمل ينسب إلى إبراهيم و إلى أحمد بن يحيى المكيّ؛ و قال حبش: فيه خفيف ثقيل‏[بالوسطى‏][1]لسليم.

وعظه رجل من بني عامر فأنشده شعرا

و قال الهيثم بن عديّ في خبره. حدّثني عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ‏[2]قال حدّثني رجل من بني عامر قال:

مطرنا مطرا شديدا في ربيع ارتبعناه، و دام المطر ثلاثا ثم أصبحنا في اليوم الرابع على صحو و خرج الناس يمشون على الوادي، فرأيت رجلا جالسا حجرة[3]وحده فقصدته، فإذا هو المجنون جالس وحده يبكي فوعظته و كلّمته طويلا و هو ساكت لم يرفع رأسه إليّ، ثم أنشدني بصوت حزين لا أنساه أبدا و حرقته.

صوت‏

جرى السّيل‏[4]فاستبكاني السيل إذ جرى # و فاضت له من مقلتيّ غروب‏[5]

و ما ذاك إلا حين أيقنت أنه # يكون بواد أنت فيه‏[6]قريب

يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى # إليكم تلقّى طيبكم فيطيب

أظلّ غريب الدار في أرض عامر # ألا كلّ مهجور هناك غريب

و إن الكثيب الفرد من أيمن الحمى # إليّ و إن لم آته لحبيب

فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر # حبيبا و لم يطرب إليك حبيب‏

و أوّل هذه القصيدة-و فيه أيضا غناء-:

[1]زيادة في ت.

[2]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «عبد اللّه بن عباس الهذليّ» .

[3]حجرة: ناحية.

[4]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س، حـ: «جرى الدمع فاستبكاني السيل» و هو تحريف.

[5]الغروب: جمع غرب و هو الدمع.

[6]في ت و «تزيين الأسواق» : «منه» .

370
صوت‏

ألا أيّها البيت الذي لا أزوره # و هجرانه منّى إليه ذنوب

هجرتك مشتاقا و زرتك خائفا # و فيك عليّ الدهر منك‏[1]رقيب

/سأستعطف الأيام فيك لعلّها # بيوم سرور في هواك تثيب‏

/هذه الأبيات في شعر محمد بن أميّة مروية[2]، و رويت هاهنا للمجنون‏[في هذه القصيدة][3]. و فيها لعريب ثقيل أوّل. و لعبد اللّه بن العباس ثاني ثقيل. و لأحمد بن المكيّ خفيف ثقيل:

و أفردت إفراد الطريد و باعدت # إلى النفس حاجات و هنّ قريب

لئن حال يأس‏[4]دون ليلى لربّما # أتى اليأس دون الأمر فهو عصيب‏[5]

و منّيتني حتى إذا ما رأيتني # على شرف للناظرين يريب

صددت و أشمتّ العدوّ بصرمنا # أثابك يا ليلى الجزاء مثيب‏

لقاؤه في توحشه ليلى فجأة و شعره في ذلك‏

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلاّبيّ قال حدّثنا مهديّ بن سابق قال حدّثنا بعض مشايخ بني عامر أن المجنون مرّ في توحّشه فصادف حيّ ليلى راحلا و لقيها فجأة فعرفها و عرفته فصعق و خرّ مغشيّا على وجهه، و أقبل فتيان من حيّ ليلى فأخذوه و مسحوا التراب عن وجهه، و أسندوه إلى صدورهم و سألوا ليلى أن تقف له وقفة، فرقّت لما رأته به، و قالت: أمّا هذا فلا يجوز أن أفتضح به، و لكن يا فلانة-لأمة لها-اذهبي إلى قيس فقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، و تقول لك: أعزز عليّ بما أنت فيه، و لو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي منه، فمضت الوليدة إليه و أخبرته بقولها، فأفاق و جلس و قال: أبلغيها/السلام و قولي لها هيهات!إنّ دائي و دوائي أنت، و إنّ حياتي و وفاتي لفي يديك، و لقد وكّلت بي شقاء لازما و بلاء طويلا. ثم بكى و أنشأ يقول:

أقول لأصحابي هي الشمس ضوأها # قريب و لكن في تناولها بعد

لقد عارضتنا[6]الريح منها بنفحة # على كبدي من طيب أرواحها برد

فما زلت مغشيّا عليّ و قد مضت # أناة[7]و ما عندي جواب و لا ردّ

[1]كذا في ت و «تزيين الأسواق» . و في باقي النسخ: «و فيّ عليك الدهر منك رقيب» .

[2]كذا وقعت هذه العبارة في أغلب النسخ. و في ت ما نصه: «هذان البيتان الأوّلان في شعر محمد بن أميّة مدوّنان» . و قد رجح صاحب «تزيين الأسواق» : أنّ البيت الأوّل للمجنون و أن الثاني و الثالث ليسا له.

[3]زيادة في ت.

[4]كذا في أغلب النسخ. و في ت و «تزيين الأسواق» : «لئن حال واش» .

[5]كذا في «تزيين الأسواق» . و قد ورد في جميع الأصول: «أتى اليأس دون الأمر و هو قريب» و بهذه الرواية يكون فيه الإيطاء و هو تكرير القافية مع اتحاد المعنى.

[6]كذا في أغلب النسخ. و في ت:

لقد عارضتنا ريح ليلى بنفحة

[7]أناة: انتظار.

371

أقلّب بالأيدي و أهلي بعولة[1] # يفدّونني لو يستطيعون أن يفدوا

و لم يبق إلا الجلد و العظم عاريا # و لا عظم لي إن دام ما بي و لا جلد

أ دنياي ما لي في انقطاعي و غربتي‏[2] # إليك ثواب منك دين و لا نقد

عديني-بنفسي أنت-وعدا فربّما # جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد

و قد يبتلى قوم و لا كبليّتي # و لا مثل جدّي‏[3]في الشقاء بكم جدّ

غزتني جنود الحبّ من كلّ جانب # إذا حان من جند قفول‏[4]أتى جند

و قال أبو نصر أحمد بن حاتم: كان أبو عمرو المدنيّ‏[5]يقول قال نوفل بن مساحق: أخبرت عن المجنون أن سبب توحّشه أنه كان يوما بضريّة جالسا وحده إذ ناداه مناد من الجبل:

كلانا يا أخيّ يحبّ ليلى # بفيّ و فيك من ليلى التراب

/لقد خبلت فؤادك ثم ثنّت # بقلبي فهو مهموم مصاب

شركتك في هوى من ليس تبدي # لنا الأيام منه سوى اجتناب‏[6]

خبر نوفل بن مساحق مع المجنون‏

قال: فتنفّس الصّعداء و غشي عليه، و كان هذا سبب توحّشه فلم ير له أثر حتى وجده نوفل/بن مساحق.

قال نوفل: قدمت البادية فسألت عنه، فقيل لي: توحّش و ما لنا به عهد و لا ندري إلى أين صار، فخرجت يوما أ تصيّد الأروى‏[7]، و معي جماعة من أصحابي، حتى إذا كنت بناحية الحمى إذا نحن بأراكة[8]عظيمة قد بدا منها قطيع من الظباء، فيها شخص إنسان يرى من خلل تلك الأراكة، فعجب أصحابي من ذلك، فعرفته و أتيته و عرفت أنه المجنون الذي أخبرت عنه، فنزلت عن دابتي و تخفّفت من‏[9]ثيابي و خرجت أمشي رويدا حتى أتيت الأراكة فارتقيت حتى صرت على أعلاها و أشرفت عليه و على الظباء؛ فإذا به و قد تدلّى الشعر على وجهه، فلم أكد أعرفه إلا بتأمّل‏[10]شديد، و هو يرتعي في ثمر تلك الأراكة، فرفع رأسه فتمثّلت ببيت من شعره:

[1]العولة كالعول: رفع الصوت بالبكاء.

[2]كذا في ت و «تزيين الأسواق» . و في سائر النسخ: «و رغبتي» .

[3]الجدّ بالفتح: الحظ و النصيب.

[4]القفول: رجوع الجند بعد الغزو.

[5]كذا في أغلب الأصول. و في ت: «قال ابن عمرو المرّي» .

[6]كذا في جميع النسخ. و فيه إقواء و هو اختلاف حركة الرويّ بالرفع أو الجرّ. و قد تقدم البيتان الأوّلان في ص 7 من هذا الجزء و ثالثهما هكذا:

شركك في هوى من كان حظي # و حظّك من مودتها العذاب‏

[7]الأروى: الوعول و هي تيوس الجبل واحده أروية.

[8]الأراكة: واحدة الأراك و هو شجر كثير الورق و الأغصان ينبت بالغور تتخذ منه المساويك. انظر «اللسان» مادة أرك.

[9]أي نزعت شيئا منها.

[10]في ت: «إلا بعد تأمل شديد» .

372

أ تبكي على ليلى‏[1]و نفسك باعدت # مزارك من ليلى و شعباكما معا

قال: فنفرت الظباء، و اندفع في باقي القصيدة ينشدها، فما أنسى حسن نغمته و حسن صوته و هو يقول:

فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # و تجزع أن داعي الصبابة أسمعا

بكت عيني اليسرى فلما زجرتها # عن الجهل بعد الحلم اسبلتا معا

و أذكر أيام الحمى ثم أنثني # على كبدي من خشية أن تصدّعا

فليست عشيّات الحمى برواجع # عليك‏[2]و لكن خلّ عينيك تدمعا[3]

معي كلّ غرّ قد عصى عاذلاته # بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا

إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت # إليه العيون الناظرات التطلّعا

قال: ثم سقط مغشيا عليه، فتمثّلت بقوله:

يا دار ليلى بسقط[4]الحيّ قد درست # إلا الثّمام‏[5]و إلا موقد النّار

ما تفتأ الدهر من ليلى تموت كذا # في موقف وقفته أو على دار

أبلى عظامك بعد اللحم ذكركها # كما ينحّت‏[1]قدح‏[7]الشّوحط الباري‏

فرفع رأسه إليّ و قال: من أنت حيّاك اللّه؟فقلت: أنا نوفل بن مساحق، فحيّاني فقلت له: ما أحدثت بعدي في يأسك منها؟فأنشدني يقول:

ألا حجبت ليلى و آلى أميرها # عليّ يمينا جاهدا لا أزورها

و أوعدني فيها رجال أبوهم # أبي و أبوها خشّنت لي صدورها

على غير جرم غير أني أحبّها # و أنّ فؤادي رهنها و أسيرها

قال: ثم سنحت له ظباء فقام يعدو في أثرها حتى لحقها فمضى معها.

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني علي بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ [1]كذا في جميع الأصول. و في ترجمة الصمة القشيريّ في ج 5 ص 133 «أغاني» طبع بولاق: «حننت إلى ريا» .

[2]كذا في أغلب النسخ و «ديوان الحماسة» . و في «تزيين الأسواق» : «إليك» .

[3]هذا البيت و الأبيات الأربعة قبله أوردها المؤلف على هذا الترتيب في ترجمة الصمة القشيري على أنها الصّمة ثم قال: و هذه الأبيات تروى لقيس بن ذريح و يروى بعضها للمجنون، و الصحيح في البيتين الأوّلين أنهما لقيس بن ذريح و روايتهما أثبت و قد تواترت الروايات بأنهما له من عدّة طرق، و الأخر مشكوك فيها أ هي للمجنون أم للصمة. و أورد أبو عليّ القالي هذه الأبيات الخمسة في جملة أبيات نسبها إلى الصمة القشيري. انظر ج 1 ص 190 «أمالي القالي» طبع دار الكتب المصرية.

[4]السقط مثلث السين: حيث انقطع معظم الرمل و رقّ.

[5]الثمام: نبت في البادية، كان العرب يسدّون به خصاص البيوت، و هو من النبات الذي لا يطول، و لهذا كانوا يقولون للشي‏ء الذي لا يعسر تناوله: «هو على طرف الثمام» .

[6]كذا في جميع الأصول، و لم نجد في «كتب اللغة» التي بأيدينا «نحّت» هكذا مضعفا من هذه المادة، و لعلها ينجّب، يقال: نجّب الشجرة و العود إذا قشر ما عليهما من اللحاء.

[7]القدح: السهم. و الشوحط: ضرب من النبع تتخذ منه القسيّ، و هو من أشجار الجبال.

373

قال: لما قال مجنون بني عامر:

قضاها لغيري و ابتلاني بحبّها # فهلاّ بشي‏ء غير ليلى ابتلانيا

نودي في الليل: أنت المتسخّط لقضاء اللّه و المعترض في أحكامه!و اختلس عقله فتوحّش/منذ تلك الليلة و ذهب مع الوحش على وجهه. و هذه القصيدة التي قال فيها هذا البيت من أشهر أشعاره، و الصوت المذكور بذكره أخبار المجنون هاهنا منها. و فيها أيضا عدّة أبيات يغنّى فيها، فمن ذلك:

صوت‏
قصيدته اليائية

أعدّ الليالي ليلة بعد ليلة # و قد عشت دهرا لا أعدّ اللّياليا

أراني إذا صلّيت يمّمت نحوها # بوجهي و إن كان المصلّى ورائيا

و ما بي إشراك و لكنّ حبّها # كعود[1]الشجا أعيا الطبيب المداويا

أحبّ من الأسماء ما وافق اسمها # و أشبهه أو كان منه مدانيا

في هذه الأبيات هزج خفيف لمعان‏[2]معزفي:

صوت‏

و خبّرتماني أنّ تيماء منزل # لليلى إذا ما الصيف القى المراسيا

فهذي شهور الصّيف عنّي‏[3]قد انقضت # فما للنّوى ترمي بليلى المراميا

في هذين البيتين لحن من الرمل صنعته عجوز عمير الباذغيسي‏[4]على لحن إسحاق:

أ ماويّ إنّ المال غاد و رائح‏

و له حديث قد ذكر في أخبار إسحاق. و هذا اللحن إلى الآن يغنّى، لأنه أشهر في أيدي الناس، و إنما هو لحن إسحاق أخذ فجعل على هذه الأبيات و كيد بذلك:

صوت‏

فلو كان واش باليمامة بيته # و داري بأعلى حضرموت اهتدى‏[5]ليا

[1]في ت: «كمثل» .

[2]كذا في ب، س، حـ، و في باقي النسخ هكذا: «لمان» بدون عين بعد اللام، و لم نهتد إلى تصحيح هذه الكلمة و التي بعدها.

[3]في ت و «تزيين الأسواق» : و «الديوان» «عنّا» .

[4]نسبة إلى «باذغيس» . بالغين المعجمة و هي ناحية تشتمل على قرى من أعمال هراة و مرو الروذ. انظر «معجم ياقوت» .

[5]كذا في جميع الأصول. و النحويون يروونه كما جاء في «ديوانه» هكذا:

و لو أن واش باليمامة داره # و داري بأعلى حضرموت اهتدى ليا

و يستشهدون به على أن من العرب من يسكن الياء من الاسم المنقوص في حالة النصب. انظر «شرح الأشموني» في باب المعرب و المبني.

374

و ما ذا لهم-لا أحسن اللّه حالهم‏[1]-من الحظّ تصريم ليلى حباليا

فأنت التي‏[2]إن شئت أشقيت عيشتي # و إن شئت بعد اللّه أنعمت باليا

و أنت التي ما من صديق و لا عدا # يرى نضو[3]ما أبقيت إلا رثى ليا

/أ مضروبة ليلى على أن أزورها # و متّخذ ذنبا لها أن ترانيا

إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني # أصانع رحلي‏[4]أن يميل حياليا

يمينا إذا كانت يمينا و إن تكن # شمالا ينازعني الهوى عن شماليا

أحبّ من الأسماء ما وافق اسمها # و أشبهه أو كان منه مدانيا

هي السحر إلا أنّ للسحر رقية # و إنّي لا ألفي لها الدهر راقيا

و أنشد أبو نصر للمجنون و فيه غناء:

صوت‏

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها # و ينبت في أطرافها الورق الخضر

أبى القلب إلا حبّها[5]عامريّة # لها كنية عمرو و ليس لها عمرو

الغناء لعريب ثقيل أوّل، و ذكر الهشاميّ أن فيه لإسحاق خفيف ثقيل.

رثاؤه لأبيه‏

أخبرني محمد/بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ قال:

أنشدني جماعة من بني عقيل للمجنون يرثي أباه، و مات قبل اختلاطه و توحّشه، فعقر على قبره و رثاه بهذه الأبيات:

عقرت على قبر الملوّح ناقتي # بذي السّرح لمّا أن جفته‏[6]أقاربه

و قلت لها كوني عقيرا فإنّني # غداة غد ماش بالأمس راكبه

/فلا يبعدنك اللّه يا بن مزاحم # و كلّ امرئ للموت‏[7]لا بدّ شاربه‏

[1]كذا في «الديوان» و «تزيين الأسواق» . و في جميع النسخ: «حفظهم» .

[2]كذا في ت و «الديوان» و «تزيين الأسواق» ، و في باقي النسخ: «الذي» و هو تحريف.

[3]أصل النضو: المهزول من الدواب و يطلق على المبلى من الثياب و قد يستعمل في الإنسان. و يريد الشاعر هنا جسمه الذي أضناه الحبّ و أبلاه.

[4]كذا في «الديوان» و «تزيين الأسواق» . و في جميع النسخ «أصانع رجلي أن تميل حياليا» . و انظر فيما تقدّم ص 54 حاشية رقم 3 من هذا الجزء.

[5]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «حبة» .

[6]كذا في أغلب النسخ. و في ت: «جفاه» و كلاهما صحيح.

[7]كذا في ت. و في سائر النسخ: «فالموت» .