الأغاني - ج3

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
257 /
5

الجزء الثالث‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء الثالث من كتاب الأغاني>

17-ذكر قيس بن الخطيم و أخباره و نسبه‏

نسبه:

هو قيس بن الخطيم‏[1]بن عديّ بن عمرو بن سود[2]بن ظفر، و يكنى قيس أبا يزيد.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا محمد بن موسى بن حمّاد[قال حدّثنا حماد][3]بن إسحاق عن أبيه قال:

أنشد ابن أبي عتيق قول قيس بن الخطيم:

بين شكول‏[4]النساء خلقتها # حذوا[5]فلا جبلة[6]و لا قضف‏[7]

/فقال: لو لا أن أبا يزيد قال: حذوا ما درى الناس كيف يحشون‏[8]هذا الموضع.

أخذه بثأر أبيه و جدّه و استعانته في ذلك بخداش بن زهير:

و كان أبوه الخطيم قتل و هو صغير، قتله رجل من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، فلما بلغ قتل قاتل أبيه، و نشبت لذلك حروب بين قومه و بين الخزرج و كان سببها.

فأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أخبرني أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل قال:

كان سبب قتل الخطيم أنّ رجلا من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج يقال له مالك اغتاله فقتله، و قيس يومئذ صغير، و كان عديّ أبو الخطيم أيضا قتل‏[قبله‏][9]، قتله رجل من عبد القيس‏[10]، فلما بلغ قيس بن الخطيم و عرف أخبار قومه و موضع ثأره لم يزل يلتمس غرّة من قاتل أبيه و جدّه في/المواسم حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله، و ظفر [1]سمى أبوه الخطيم لضربة كانت خطمت أنفه كما في «ديوانه» طبع ليپزج سنة 1914 ص 1.

[2]في أ، م و هامش ط: «سعد» . و في «خزانة الأدب» للبغدادي ج 3 ص 168: «سواد» .

[3]هذه الجملة في ط، أ، م، ء. و ساقطة من باقي النسخ.

[4]الشكول: الضروب.

[5]الحذو: التقدير، و منه حذو النعل بالنعل أي تقديرها على مثالها، يريد أنها بين ضروب النساء وسط لا هي بالسمينة و لا بالمهزولة.

و في «ديوانه» و «اللسان» مادتي قضف و جبل: «قصد» و سيأتي بهذه الرواية في «الأغاني» غير مرة.

[6]كذا في «ديوانه» و «اللسان» مادتي قصف و جبل و نسختي ط، ء. و الجبلة: الغليظة، من جبل كفرح فهو جبل و جبل. و في ب، س:

«جثلة» و الجثلة: الضخمة.

[7]القضف: دقة اللحم، و هو وصف بالمصدر.

[8]كذا في ى، ط، أ. و هي محرفة في سائر النسخ.

[9]زيادة في م، أ.

[10]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س، حـ، «بني عبد القيس» .

6

بقاتل جدّه بذي المجاز[1]، فلما أصابه وجده في ركب عظيم من قومه، و لم يكن معه إلا رهط من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدر الفزاريّ، فاستنجده فلم ينجده، فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببنى عامر حتى أتوا قاتل عديّ، فإذا هو واقف على راحلته في السّوق، فطعنه قيس بحربة فقتله، ثم استمرّ. فأراده رهط الرجل، فحالت بنو عامر دونه؛ فقال في ذلك قيس بن الخطيم:

ثأرت عديّا و الخطيم فلم أضع # ولاية أشياخ جعلت‏[2]إزاءها

ضربت بذي الزّجّين‏[3]ربقة[4]مالك # فأبت بنفس قد أصبت شفاءها

و سامحني‏[5]فيها ابن عمرو بن عامر # خداش فأدّى نعمة و أفاءها

طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر # لها نفذ لو لا الشّعاع‏[6]أضاءها

ملكت‏[7]بها كفّي فأنهرت‏[8]فتقها # يرى قائم من دونها ما وراءها

هذه رواية ابن الأعرابيّ عن المفضّل. و أما ابن الكلبيّ فإنه ذكر أن رجلا من قريش أخبره عن أبي عبيدة أن محمد بن عمّار بن ياسر، و كان عالما بحديث الأنصار، قال:

كان من حديث قيس بن الخطيم أن جدّه عديّ بن عمرو قتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يقال له مالك، و قتل أباه الخطيم بن عديّ رجل من عبد القيس‏[9]ممن يسكن هجر؛ و كان قيس يوم قتل أبوه صبيا صغيرا، و قتل الخطيم قبل أن يثأر بأبيه عديّ؛ فخشيت أمّ قيس على ابنها أن يخرج فيطلب بثأر أبيه و جده فيهلك، فعمدت إلى كومة من تراب عند باب دارهم، فوضعت عليها أحجارا تقول لقيس: هذا قبر أبيك و جدّك، فكان قيس لا يشكّ أن/ذلك على ذلك. و نشأ أيّدا شديد الساعدين، فنازع يوما فتى من فتيان بني ظفر، فقال له ذلك الفتى: و اللّه لو جعلت شدّة ساعديك على قاتل أبيك و جدّك لكان خيرا لك من أن تخرجها عليّ؛ فقال: و من قاتل أبي و جدي؟قال: سل أمّك تخبرك؛ فأخذ السيف و وضع قائمه على الأرض و ذبابه‏[10]بين ثدييه و قال لأمه:

أخبريني من قتل أبي و جدّي؟قالت: ماتا كما يموت الناس و هذان قبراهما بالفناء؛ فقال: و اللّه لتخبرينني‏[11]من قتلهما أو لأتحاملنّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري؛ فقالت: أمّا جدّك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن [1]ذو المجاز: موضع بعرفة، و كانت تقام فيه في الجاهلية سوق من أسواق العرب.

[2]جعلت إزاءها: جعلت القيم عليها، يقال: هو إزاء مال أي يقوم عليه و يتعهده.

[3]في «ديوانه» و ط، ء: «بذي الزرين» . و الزر: حد السيف. و الزج: الحديدة في أسفل الرمح. و قد ذكرت في شرح ديوانه رواية أخرى:

«بذي الخرصين» و ربما رجحها ما سيأتي بعد من حكاية قيس مع خداش و كيف كان قتله لمالك قاتل جده.

[4]الربقة: العروة، يريد موضعها.

[5]سامحني: تابعني و وافقني.

[6]النفذ: الثقب. و الشعاع: حمزة الدم. و يروى: «الشعاع» بفتح الشين و هو انتشار الدم. يريد: لو لا الدم لأضاءها النفذ حتى تستبين.

[7]ملكت: شددت و ضبطت.

[8]أنهرت: أوسعت.

[9]انظر الحاشية رقم 3 ص 2 من هذا الجزء.

[10]ذباب السيف: طرفه الذي يضرب به.

[11]كذا في الأصول: من غير توكيد و هذا الوجه يجيزه الكوفيون، و البصريون يوجبون توكيد الفعل في مثل هذا الموضع بالنون (انظر «الأشموني» ج 2 ص 437 طبع بولاق) .

7

ربيعة يقال له مالك، و أما أبوك فقتله رجل من عبد القيس‏[1]ممن يسكن هجر؛ فقال: و اللّه لا أنتهي حتى أقتل قاتل أبي و جدّي؛ فقالت: يا بنيّ إن مالكا قاتل جدّك من قوم خداش بن زهير، و لأبيك عند خداش نعمة هو لها شاكر، فأته فاستشره في أمرك و استعنه يعنك؛ فخرج قيس من ساعته حتى أتى ناضحه‏[2]و هو يسقي نخله، فضرب الجرير[3]بالسيف فقطعه، فسقطت الدلو في البئر، و أخذ برأس الجمل فحمل عليه غرارتين من تمر، و قال: من يكفيني أمر هذه العجوز؟ (يعني أمّه) فإن متّ أنفق عليها من هذا الحائط[4]حتى تموت ثم هو له، و إن عشت فمالي عائد إليّ و له منه ما شاء أن يأكل من تمره‏[5]؛ فقال رجل من قومه: أنا له، فأعطاه الحائط ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دلّ عليه بمرّ الظّهران‏[6]، /فصار إلى خبائه فلم يجده، فنزل تحت شجرة يكون تحتها أضيافه، ثم نادى امرأة خداش: هل من طعام؟فأطلعت إليه فأعجبها جماله، و كان من أحسن الناس وجها؛ /فقالت: و اللّه ما عندنا من نزل‏[7]نرضاه لك إلا تمرا؛ فقال: لا أبالي، فأخرجي ما كان عندك؛ فأرسلت إليه بقباع‏[8]فيه تمر، فأخذ منه تمرة فأكل شقّها و ردّ شقّها الباقي في القباع، ثم أمر بالقباع فأدخل على امرأة خداش بن زهير، ثم ذهب لبعض حاجاته. و رجع خداش فأخبرته امرأته خبر قيس، فقال: هذا رجل متحرّم‏[9]. و أقبل قيس راجعا و هو مع امرأته يأكل رطبا؛ فلما رأى خداش رجله و هو على بعيره قال لامرأته: هذا ضيفك؟قالت: نعم؛ قال: كأن قدمه قدم الخطيم صديقي اليثربيّ؛ فلما دنا منه قرع طنب البيت بسنان رمحه و استأذن، فأذن له خداش فدخل إليه، فنسبه‏[10]فانتسب‏[11]و أخبره بالذي جاء له، و سأله أن يعينه و أن يشير عليه في أمره؛ فرحّب به خداش و ذكر نعمة أبيه عنده، و قال: إن هذا الأمر ما زلت أتوقّعه منك منذ حين. فأمّا قاتل جدّك فهو ابن عم لي و أنا أعينك عليه، فإذا اجتمعنا في نادينا جلست إلى جنبه و تحدّثت معه، فإذا ضربت فخذه فثب إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لمّا جالسه خداش، فحين ضرب فخذه ضربت رأسه بسيف يقال له: ذو الخرصين، فثار إليّ القوم ليقتلوني، فحال خداش بينهم و بيني و قال: دعوه فإنه و اللّه ما قتل إلا قاتل جدّه. ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه، و انطلق مع قيس إلى العبدي الذي قتل أباه، حتى إذا كانا قريبا من هجر أشار عليه خداش أن ينطلق حتى يسأل عن قاتل أبيه، فإذا دلّ عليه قال له: إن لصّا من لصوص قومك عارضني فأخذ متاعا لي، فسألت من سيد قومه فدللت عليك، فانطلق معي حتى تأخذ متاعي منه؛ فإن اتّبعك وحده فستنال/ما تريد منه، و إن أخرج‏[12]معه غيره فاضحك، فإن سألك ممّ ضحكت فقل: إن الشريف عندنا لا يصنع كما صنعت إذا دعي إلى اللص من قومه، إنما [1]انظر الحاشية رقم 3 ص 2 من هذا الجزء.

[2]الناضح: البعير يستقى عليه الماء.

[3]الجرير: الحبل.

[4]الحائط: البستان.

[5]في أ، م، ء: «ثمره» بالثاء المثلثة.

[6]الظهران: واد قرب مكة عنده قرية يقال لها «مر» تضاف إليه فيقال مر الظهران.

[7]النزل: ما يهيأ للضيف من قرى.

[8]القباع: المكيال الضخم.

[9]متحرّم: له عندنا حرمة و ذمة.

[10]نسبه: طلب إليه أن ينتسب.

[11]في ب، س: «فانتسب إليه» .

[12]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «معك» و السياق يرجح الأول.

8

يخرج وحده بسوطه دون سيفه، فإذا رآه اللص أعطى‏[1]كل شي‏ء أخذ هيبة له، فإن أمر أصحابه بالرجوع فسبيل ذلك، و إن أبى إلاّ أن يمضوا معه فأتني به، فإني أرجو أن تقتله و تقتل أصحابه. و نزل خداش تحت ظل شجرة، و خرج قيس حتى أتى العبديّ فقال له ما أمره خداش فأحفظه، فأمر أصحابه فرجعوا و مضى مع قيس؛ فلما طلع على خداش، قال له: اختر يا قيس إما أن أعينك و إما أن أكفيك؛ قال: لا أريد واحدة منهما، و لكن إن قتلني فلا يفلتنّك؛ ثم ثار إليه‏[2]فطعنه قيس بالحربة في خاصرته فأنفذها من الجانب الآخر فمات مكانه، فلما فرغ منه قال له خداش: إنا إن فررنا الآن طلبنا قومه، و لكن ادخل بنا مكانا قريبا من مقتله، فإن قومه لا يظنون أنك قتلته و أقمت قريبا منه‏[3]، و لكنهم إذا افتقدوه اقتفوا أثره، فإذا وجدوه قتيلا خرجوا في طلبنا في كل وجه، فإذا يئسوا رجعوا.

قال: فدخلا في دارات من رمال هناك، و فقد العبديّ قومه فاقتفوا أثره فوجدوه قتيلا، فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا، فكان من أمرهم ما قال خداش. و أقاما مكانهما أياما ثم خرجا، فلم يتكلما حتى أتيا منزل خداش، ففارقه عنده/قيس بن الخطيم و رجع إلى أهله. ففي ذلك يقول قيس:

تذكّر ليلى حسنها و صفاءها # و بانت فما إن يستطيع لقاءها

و مثلك قد أصبيت ليست بكنّة[4] # و لا جارة أفضت إليّ خباءها[5]

/إذا ما اصطبحت أربعا خطّ مئزري‏[6] # و أتبعت دلوي في السّماح رشاءها[7]

ثأرت عديّا و الخطيم فلم أضع # وصيّة[8]أشياخ جعلت إزاءها

و هي قصيدة طويلة.

استنشد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم شعره و أعجب بشجاعته:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال حدّثنا زكريا بن يحيى المنقريّ قال حدّثنا زياد بن بيان‏[9]العقيليّ قال حدّثنا أبو خولة الأنصاريّ عن أنس بن مالك قال:

جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في مجلس ليس فيه إلا خزرجيّ ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:

أ تعرف رسما كاطّراد[10]المذاهب # لعمرة وحشا غير موقف راكب‏

فأنشده بعضهم إياها، فلما بلغ إلى قوله:

[1]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س، حـ: «أعطاه... أخذه» .

[2]في ط، حـ، ء: «نازله» .

[3]في أ، م: «منهم» .

[4]الكنة: امرأة الابن أو الأخ.

[5]في «ديوانه» : «حياءها» يريد أنه ليس بينه و بينها ستر.

[6]يريد أنه إذا شرب أربعا اختال حتى جرّ ثوبه من الخيلاء.

[7]يريد أنه بلغ في السماح منتهاه. يقال: أتبع الدلو رشاءها و أتبع الفرس لجامها إذا بذل آخر مجهوده.

[8]رويت في صفحة 3 من هذا الجزء: «ولاية» .

[9]في ط، ى: «بنان» بالنون.

[10]الاطراد: التتابع. و المذاهب: واحدها مذهب و هو جلد تجعل فيه خطوط مذهبة بعضها في أثر بعض.

9

أجالدهم يوم الحديقة[1]حاسرا # كأن يدي بالسيف مخراق‏[2]لاعب‏

فالتفت إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: «هل كان كما ذكر» ؛ فشهد له ثابت بن قيس بن شمّاس و قال له: و الذي بعثك بالحق يا رسول اللّه، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة و ملحفة مورّسة[3]فجالدنا كما ذكر. هكذا في هذه الرواية.

/و قد أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمي مصعب قال:

لم تكن بينهم في هذه الأيام حروب إلا في يوم بعاث‏[4]فإنه كان عظيما، و إنما كانوا يخرجون فيترامون بالحجارة و يتضاربون بالخشب.

قال الزّبير و أنشدت محمد بن فضالة قول قيس بن الخطيم:

أجالدهم يوم الحديقة حاسرا # كأن يدي بالسيف مخراق لاعب‏

فضحك و قال: ما اقتتلوا يومئذ إلا بالرطائب و السّعف.

قال أبو الفرج: و هذه القصيدة التي استنشدهم إياها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من جيّد شعر قيس بن الخطيم، و مما أنشده نابغة بني ذبيان فاستحسنه و فضّله و قدّمه من أجله.

أنشد النابغة من شعره فاستجاده:

أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال قال أبو غزيّة قال حسّان بن ثابت:

قدم النابغة المدينة فدخل السّوق فنزل عن راحلته، ثم جثا على ركبتيه، ثم اعتمد على عصاه، ثم أنشأ يقول:

عرفت منازلا بعريتنات‏[5] # فأعلى الجزع للحيّ المبنّ‏[6]

/فقلت: هلك الشيخ و رأيته قد تبع قافية منكرة. قال و يقال: إنه قالها في موضعه، فما زال ينشد حتى أتى على آخرها، ثم قال: أ لا رجل ينشد؟فتقدّم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه و أنشده:

أ تعرف رسما كاطّراد المذاهب‏

حتى فرغ منها؛ فقال: أنت أشعر الناس يا ابن أخي. قال حسان: فدخلني منه، و إنّي في ذلك لأجد القوّة في نفسي عليهما[7]، ثم تقدّمت فجلست بين يديه؛ فقال: أنشد فو اللّه إنك لشاعر قبل أن تتكلّم، قال: و كان يعرفني قبل ذلك، فأنشدته؛ فقال أنت أشعر الناس. قال الحسن‏[8]بن موسى: و قالت الأوس: لم يزد قيس بن/الخطيم النابغة على:

[1]الحديقة: قرية من أعراض المدينة في طريق مكة، كانت بها وقعة بين الأوس و الخزرج قبل الإسلام (كذا في ياقوت) .

[2]المخراق: خرقة مفتولة يلعب بها الصبيان، و تسمى في مصر «بالطرة» .

[3]مورّسة: مصبوغة بالورس و هو نبات أصفر تصبغ به الثياب و يتخذ منه طلاء للوجه.

[4]بعاث: موضع في نواحي المدينة، كانت به وقائع بين الأوس و الخزرج في الجاهلية

[5]عريتنات: واد ذكره ياقوت في «معجمه» ، و استشهد بأبيات لداود بن شكم أولها:

معرّسنا ببطن عريتنات # ليجمعنا و فاطمة المسير

[6]المبن: المقيم.

[7]كذا في أ، م. و في سائر النسخ: «عليهم» .

[8]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «حسين» و سيأتي قريبا «الحسن» باتفاق النسخ.

10

أ تعرف رسما كاطّراد المذاهب‏

-نصف البيت-حتى قال أنت أشعر الناس.

صفاته الجثمانية:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال قال سليمان بن داود المجمّعيّ:

كان قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج‏[1]العينين أحمر الشفتين برّاق الثّنايا كأن بينها برقا، ما رأته حليلة رجل قطّ إلاّ ذهب عقلها.

أمر حسان الخنساء بهجوه فأبت:

أخبرني الحسن قال حدّثنا محمد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني حسن بن موسى عن سليمان بن داود المجمّعيّ قال:

/قال حسّان بن ثابت للخنساء: أهجي قيس بن الخطيم؛ فقالت: لا أهجو أحدا أبدا حتى أراه. قال:

فجاءته يوما فوجدته في مشرقة[2]ملتفّا في كساء له، فنخسته برجلها و قالت: قم، فقام؛ فقالت: أدبر، فأدبر؛ ثم قالت: أقبل، فأقبل. قال: و اللّه لكأنها تعترض عبدا تشتريه، ثم عاد إلى حاله نائما؛ فقالت: و اللّه لا أهجو هذا أبدا.

عرض عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الإسلام فاستنظره حتى يقدم المدينة:

قال الزّبير و حدّثني عمّي مصعب قال:

كانت عند قيس بن الخطيم حوّاء بنت يزيد بن سنان بن كريز بن زعوراء[3]فأسلمت، و كانت تكتم قيس بن الخطيم إسلامها، فلما قدم قيس مكة عرض عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الإسلام، فاستنظره قيس حتى يقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم المدينة؛ فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن يجتنب زوجته حواء بنت يزيد، و أوصاه بها خيرا، و قال له: إنها قد أسلمت؛ ففعل قيس و حفظ وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فقال: «و في الأديعج» .

قال أبو الفرج و أحسب هذا غلطا من مصعب، و أن صاحب هذه القصة قيس بن شمّاس، و أما قيس بن الخطيم فقتل قبل الهجرة.

قتله الخزرج بعد هدأة الحرب بينهم و بين الأوس:

أخبرني علي بن سليمان الأخفش النحويّ عن أبي سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل:

/أن حرب الأوس و الخزرج لما هدأت، تذكرت الخزرج قيس بن الخطيم و نكايته فيهم، فتوامروا[4] [1]الدعج في العين: شدة سوادها مع سعتها.

[2]كذا في ط، ء، حـ. و المشرقة مثلثة الراء: موضع القعود في الشمس بالشتاء. و في سائر النسخ: «مشربة» و هي (بفتح الراء و ضمها) :

الغرفة التي يشرب فيها، و قيل: هي كالصفة بين يدي الغرفة.

[3]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س، ء. «زعواء» و لم نجد أنه سمي به.

[4]توامروا: لغة غير فصيحة في تامروا بمعنى تشاوروا. و في هامش ط: «فتذامروا» بالذال المعجمة و معناه تحاضّوا على القتال.

11

و تواعدوا قتله؛ فخرج عشيّة من منزله في ملاءتين يريد مالا له بالشّوط[1]حتى مرّ بأطم‏[2]بني حارثة، فرمي من الأطم بثلاثة أسهم، فوقع أحدها في صدره، فصاح صيحة سمعها رهطه، فجاءوا فحملوه إلى منزله، فلم يروا له كفؤا إلا أبا صعصعة يزيد بن عوف بن مدرك النّجّاريّ، فاندسّ إليه رجل حتى اغتاله في منزله، فضرب عنقه و اشتمل على رأسه، فأتى به قيسا و هو بآخر رمق، فألقاه بين يديه و قال: يا قيس قد أدركت بثأرك؛ فقال: عضضت بأير أبيك إن كان غير أبي صعصعة!فقال: هو أبو صعصعة، و أراه الرأس!فلم يلبث قيس بعد ذلك أن مات.

مهاجاته حسان بن ثابت:

و هذا الشعر أعني:

أجدّ بعمرة غنيانها

فيما قيل يقوله قيس في عمرة بنت رواحة، و قيل: بل قاله في عمرة: امرأة كانت لحسّان بن ثابت، و هي عمرة بنت صامت بن خالد. و كان حسّان ذكر[3]ليلى بنت الخطيم في شعره، فكافأه قيس بذلك، و كان هذا في حربهم التي يقال لها يوم الرّبيع‏[4].

فأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال أخبرنا الزّبير قال حدّثني مصعب قال:

/مرّ حسّان بن ثابت بليلى بنت الخطيم-و قيس بن الخطيم أخوها بمكة حين خرجوا يطلبون الحلف في قريش-فقال لها حسان: اظعني فالحقي بالحيّ فقد ظعنوا، و ليت شعري/ما خلّفك و ما شأنك: أقلّ ناصرك أم راث رافدك‏[5]؟فلم تكلّمه و شتمه نساؤها؛ فذكرها في شعره في يوم الربيع الذي يقول فيه:

لقد هاج نفسك أشجانها # و عاودها اليوم أديانها[6]

تذكرت ليلى و أنّي بها # إذا قطّعت منك أقرانها[7]

و حجّل‏[8]في الدار غربانها # و خفّ من الدار سكّانها

و غيّرها معصرات الرّياح # و سحّ الجنوب و تهتانها

مهاة من العين تمشي بها # و تتبعها ثمّ غزلانها

وقفت عليها فساءلتها # و قد ظعن الحيّ: ما شأنها

فعيّت و جاوبني دونها # بما راع قلبي أعوانها

[1]الشوط: بستان بالمدينة، كذا ذكره ياقوت في «معجمه» و استشهد بأبيات لقيس بن الخطيم منها:

و بالشوط من يثرب أعبد # ستهلك في الخمر أثمانها

[2]الأطم: الحصن.

[3]في ب، س، حـ: «يذكر» .

[4]يوم الربيع: يوم من أيام الأوس و الخزرج. و الربيع موضع من نواحي المدينة.

[5]كذا في أ، م. و رفده: أعانه. و في سائر النسخ: «وافدك» بالواو.

[6]الأديان: جمع دين و هو الداء، يريد داء حبه القديم.

[7]الأقران: جمع قرن و هو الحبل.

[8]حجل بالتشديد كحجل بالتخفيف. و الحجل: أن يرفع رجلا و يقفز على الأخرى، و يكون برجلين جميعا، إلا أنه قفز و ليس بمشي.

12

و هي طويلة. فأجابه قيس بن الخطيم بهذه القصيدة التي أوّلها:

أجدّ بعمرة غنيانها

و فخر فيها بيوم الرّبيع و كان لهم فقال:

و نحن الفوارس يوم الرّبيـ # ـع قد علموا كيف فرسانها

حسان الوجوه حداد السيو # ف يبتدر المجد شبّانها

و هي أيضا طويلة.

غنت عزة الميلاء النعمان بن بشير بشعره:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا الأصمعيّ قال حدّثني شيخ قدم من المدينة[1]، و أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا أبو غسّان عن أبي السائب المخزوميّ، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال ذكر لي عن جعفر بن محرز[2]السّدوسيّ، قالوا[3]:

دخل النّعمان بن بشير الأنصاريّ المدينة أيام يزيد بن معاوية و ابن الزّبير، فقال: و اللّه لقد أخفقت‏[4] أذناي من الغناء فأسمعوني؛ فقيل له: لو وجّهت إلى عزّة فإنها من‏[5]قد عرفت!قال: إي و ربّ البيت، إنها[6]لمن يزيد النفس طيبا و العقل شحذا، ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرنا إليها؛ فقال له بعض القوم: إن النّقلة تشتدّ عليها لثقل بدنها و ما بالمدينة دابة تحملها؛ فقال النعمان: و أين النجائب عليها الهوادج! فوجّه إليها بنجيب فذكرت علّة، فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا؛ فقام هو مع خواصّ أصحابه حتى طرقوها، فأذنت و أكرمت و اعتذرت، فقبل النعمان عذرها و قال: غنّيني، فغنته:

أجدّ بعمرة غنيانها # فتهجر أم شأننا شأنها

فأشير إليها أنها أمّه فسكتت؛ فقال: غنّيني فو اللّه ما ذكرت إلا كرما و طيبا!لا تغنّيني سائر اليوم غيره؛ فلم تزل تغنّيه هذا اللحن فقط حتى انصرف.

و تذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عديّ، فقال: أ لا أزيدكم فيه طريفة[7]!قلنا بلى يا أبا عبد الرحمن؛ قال قال لقيط: كنت عند سعيد الزّبيريّ قال سمعت عامرا الشعبيّ/يقول: اشتاق النّعمان بن بشير إلى الغناء فصار إلى منزل عزّة، فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له، فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها؛ فقال لها النعمان بن بشير: لأقضينّ بينكما بقضية لا تردّ عليّ، قد أحلّ اللّه له/من النساء مثنى و ثلاث و رباع، فله امرأتان [1]في بعض النسخ: «شيخ قديم من أهل المدينة» .

[2]في حـ، ء: «محمد» .

[3]في ب، س، حـ: «قال» .

[4]يريد: أوحشت أذناي من الغناء لطول عهدها به.

[5]في ب، س: «ممن» .

[6]كذا في ء، ط. و في سائر النسخ: «لمن» .

[7]كذا في أ، ط، ء. و في سائر النسخ: «طريقة» بالقاف. ـ

13

بالنهار و امرأتان بالليل. فهذا يدلّ على أن المعنيّة بهذا الشعر عمرة بنت رواحة[1].

و أما ما ذكر أنه عنى عمرة امرأة حسان بن ثابت، فأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمه:

أن قيس بن الخطيم لما ذكر حسّان أخته ليلى في شعره ذكر امرأته عمرة، و هي التي يقول فيها حسان:

أزمعت عمرة صرما فابتكر

حسان بن ثابت و زوجه عمرة بنت الصامت و ما قاله فيها من الشعر بعد طلاقها:

أخبرني الحسن قال حدّثنا أحمد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب قال:

تزوّج حسّان بن ثابت عمرة بنت الصامت بن خالد بن عطية الأوسيّة ثم إحدى بني عمرو بن عوف، فكان كل واحد منهما معجبا بصاحبه، و إن الأوس أجاروا مخلّد بن الصامت الساعديّ فقال في ذلك أبو قيس بن الأسلت:

أجرت مخلّدا و دفعت عنه # و عند اللّه صالح ما أتيت‏

فتكلم حسان في أمره بكلام أغضب عمرة، فعيّرته بأخواله و فخرت عليه بالأوس؛ فغضب لهم فطلقها، فأصابها من ذلك ندم و شدّة؛ و ندم هو بعد فقال:

صوت‏

أزمعت‏[2]عمرة صرما فابتكر # إنما يدهن‏[3]للقلب الحصر[4]

لا يكن حبّك حبّا ظاهرا # ليس هذا منك يا عمر بسرّ

سألت حسّان من أخواله # إنما يسأل بالشي‏ء الغمر[5]

قلت أخوالي بنو كعب إذا # أسلم الأبطال عورات الدّبر

يريد يدهن القلب، فأدخل اللام زائدة للضرورة. عمر: ترخيم عمرة. و السر: الخالص الحسن. غنّت في هذه الأبيات عزّة الميلاء ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش.

و تمام القصيدة:

ربّ خال لي لو أبصرته # سبط المشية في اليوم الخصر[6]

عند هذا الباب إذ ساكنه # كلّ وجه حسن النّقبة[7]حرّ

[1]لأنها أم النعمان بن بشير (انظر «طبقات ابن سعد» طبع أوروبا ج 8 ص 262 و «الإصابة» طبع مطبعة السعادة ج 8 ص 146) .

[2]رواية «الديوان» و ط، ء، أ: «أجمعت» .

[3]يدهن: ينافق و يصانع.

[4]الحصر: الضيق.

[5]الغمر مثلثة: من لم يجرب الأمور و الجاهل الأبله.

[6]الخصر: البارد. يريد أنه يسعى على الناس لا يقعد عنهم في اليوم البارد المجدب. و في «اللسان» مادة سبط: «سبط الكفين» و هو السمح الجواد. و في هذه القصيدة سناد التوجيه و هو تغير حركة ما قبل الرويّ المفيد (أي الساكن) بفتحة مع غيرها من ضمة أو كسرة، و هو أقبح أنواع السناد عند الخليل.

[7]النقبة بالضم: اللون، و بالكسر هيئة الانتقاب.

14

يوقد النار إذا ما أطفئت # يعمل القدر بأثباج الجزر[1]

/من يغرّ الدهر أو يأمنه # من قبيل‏[2]بعد عمرو و حجر[3]

ملكا من جبل الثلج إلى # جانبي أيلة[4]من عبد و حرّ

ثم كانا خير من نال النّدى # سبقا الناس بإقساط[5]و برّ

فارسي خيل إذا ما أمسكت # ربّة الخدر بأطراف السّتر

أتيا فارس في دارهم # فتناهوا بعد إعصار[6]بقرّ

ثم نادوا يا لغسّان اصبروا # إنه يوم مصاليت‏[7]صبر

اجعلوا معقلها أيمانكم # بالصّفيح المصطفى غير الفطر[8]

بضراب تأذن‏[9]الجنّ له # و طعان مثل أفواه الفقر[10]

و لقد يعلم من حاربنا # أننا ننفع قدما و نضرّ

صبر للموت إن حلّ بنا # صادقو البأس غطاريف فخر

/و أقام العزّ فينا و الغنى # فلنا فيه على الناس الكبر[11]

/منهم أصلي فمن يفخر به # يعرف‏[12]الناس بفخر المفتخر

نحن أهل العزّ و المجد معا # غير أنكاس‏[13]و لا ميل عسر

فاسألوا عنا و عن أفعالنا # كلّ قوم عندهم علم الخبر

قال الزبير فحدّثني عمّي قال: ثم إن حسّان بن ثابت مرّ يوما بنسوة فيهن عمرة بعد ما طلّقها، فأعرضت عنه و قالت لامرأة منهنّ: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو و انسبيه و انسبي أخواله و هي متعرّضة له، فلما حاذاهنّ [1]أثباج الجزر: أوساطها، يقول: إذا أطفئت نيران الناس من الجدب أوقد ناره و أطعم.

[2]كذا في ء، ط، و «ديوان حسان بن ثابت» المطبوع بليدن. و في سائر النسخ: «من قتيل» بالتاء.

[3]عمرو هو-كما في «شرح ديوان حسان» -: عمرو بن الحارث بن عمرو بن عديّ بن حجر بن الحارث. و حجر، كما في «اللسان» مادة حجر، هو حجر بن النعمان بن الحارث بن أبي شمر، و كلاهما من ملوك غسان.

[4]في «شرح ديوان حسان» : جبل الثلج بدمشق، و أيلة ما بين الحجاز و الشام.

[5]الإقساط: العدل.

[6]الإعصار: الزوبعة. و في «ديوانه» : «إعصام» و فسره بالاستمساك، و القر: الاستقرار. و في م، ء، ط: «بعد ما صابت بقر» . و صابت من الصوب و هو النزول. أي نزل الأمر في قراره فلا يستطاع له تحويل. و هو مثل يضرب للشدّة إذا نزلت بقوم.

[7]المصاليت: جمع مصلات و هو الشجاع.

[8]الفطر: جمع فطير، و الفطير من السيوف: المتشلم.

[9]تأذن: تستمع.

[10]الفقر: جمع فقير و هو مخرج الماء من فم القناة.

[11]الكبر بضم فسكون أو كسر فسكون: الشرف، و قد حركت الباء هنا لضرورة الشعر، إذ للشاعر أن يحرك الساكن فيما قبل القافية بحركة ما قبله.

[12]يعرف: يقر و يعترف.

[13]النكس: الضعيف الدني ء: و الميل: جمع أميل و هو الذي به ميل خلقة، و عسر جمع أعسر و هو الذي يعمل بشماله.

15

سألته من هو و نسبته فانتسب لها، فقالت: فمن أخوالك؟فأخبرها، فبصقت عن شمالها و أعرضت عنه؛ فحدّد النظر إليها و عجب من فعلها و جعل ينظر إليها، فبصر بامرأته و هي تضحك فعرفها و علم أن الأمر من قبلها أتى، فقال في ذلك:

قالت له يوما تخاطبه # ريّا الروادف‏[1]غادة الصّلب

أما المروءة و الوسامة أو # حشم‏[2]الرجال فقد بدا، حسبي

فوددت أنك لو تخبّرنا # من والدك و منصب‏[3]الشّعب‏[4]

فضحكت ثم رفعت متّصلا[5] # صوتي كرفع‏[6]المنطق الشّغب

/جدّي أبو ليلى و والده # عمرو و أخوالي بنو كعب

و أنا من القوم الذين إذا # أزم‏[7]الشتاء بحلقة الجدب

أعطى ذوو الأموال معسرهم # و الضاربين بموطن الرّعب‏

قال مصعب: و أبو ليلى الذي عناه حسّان: حرام بن عمرو بن زيد مناة.

و مما فيه صنعة من المائة المختارة من شعر قيس بن الخطيم:

صوت‏

حوراء ممكورة[8]منعّمة # كأنما شفّ وجهها نزف‏[9]

تنام عن كبر شأنها فإذا # قامت رويدا تكاد تنقصف

أوحش من بعد خلّة سرف # فالمنحنى فالعقيق فالجرف‏[10]

الشعر لقيس بن الخطيم سوى البيت الثالث. و الغناء لقفا النّجّار، و لحنه المختار ثاني ثقيل، هكذا ذكر [1]في «ديوانه» : نفج الحقيبة، و الحقيبة: الردف.

[2]كذا في أغلب النسخ، و الحشم كما في «اللسان» : الاستحياء. و قد كتب مصححه عليه أنه هكذا بدون ضبط و ذكر أنه مضبوط بالتحريك في نسخة غير موثوق بها من «التهذيب» . و في ط، حـ، ء: «جسم الرجال» . و في «ديوانه» : «رأي الرجال» .

[3]المنصب: الأصل و المحتد.

[4]قال صاحب «الكشاف» : الشعب الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب و هي الشعب و القبيلة و العمارة و البطن و الفخذ و الفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، و القبيلة تجمع العمائر، و العمارة تجمع البطون، و البطن يجمع الأفخاذ، و الفخذ تجمع الفصائل.

[5]متصلا: منتسبا، من قولهم: اتصل إلى بني فلان: انتمى و انتسب.

[6]كذا في هامش ط. و في «ديوانه» ، حـ: «أوان المنطق الشغب» . و في سائر النسخ: «و رفع المنطق الشغب» .

[7]أزم: اشتدّ.

[8]الممكورة: المدمجة الخلق.

[9]النزف بضم فسكون و حرك هنا للضرورة: خروج الدم. و في «شرح ديوان قيس بن الخطيم» : «قال العدوي: أراد أن في لونها مع البياض صفرة، و ذلك أحسن» .

[10]سرف: موضع على ستة أميال من مكة، و هو مصروف و بعضهم يمنع صرفه على أنه اسم للبقعة. و المنحنى و العقيق و الجرف:

أسماء مواضع.

16

يحيى بن عليّ في الاختيار الواثقيّ. و هو في كتاب إسحاق لقفا النجّار ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، و لعلّه غير هذا اللحن المختار.

الحرب بين مالك بن العجلان و بني عمر بن عوف و سبب ذلك:

و هذا الشعر يقوله قيس بن الخطيم في حرب كانت بينهم و بين بني جحجبى و بني خطمة، و لم يشهدها قيس و لا كانت في عصره، و إنما أجاب عن ذكرها شاعرا منهم يقال له: درهم بن يزيد. قال أبو المنهال عتيبة[1]بن المنهال: بعث رجل من غطفان من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان إلى يثرب بفرس و حلّة مع رجل من غطفان و قال:

ادفعهما إلى أعز أهل يثرب-قال و قيل: إن الباعث بهما عبد ياليل‏[2]بن عمرو الثّقفيّ. قال و قيل: بل الباعث بهما علقمة بن علاثة-فجاء الرسول بهما حتى/ورد سوق بني قينقاع فقال ما أمر به، فوثب إليه رجل من غطفان كان جارا لمالك بن العجلان الخزرجيّ يقال له كعب الثّعلبيّ، فقال: مالك بن العجلان أعزّ أهل يثرب؛ و قام رجل آخر فقال: بل أحيحة بن الجلاح أعزّ أهل يثرب، و كثر الكلام؛ فقبل الرسول الغطفانيّ قول الثعلبيّ الذي كان جارا لمالك بن العجلان و دفعهما إلى مالك؛ فقال كعب الثعلبيّ: أ لم أقل لكم: إن حليفي أعزّكم و أفضلكم!فغضب رجل من بني عمرو بن عوف يقال له سمير فرصد الثعلبيّ حتى قتله، فأخبر مالك بذلك، فأرسل إلى بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس: إنكم قتلتم منّا قتيلا فأرسلوا إلينا بقاتله؛ فلما جاءهم رسول مالك تراموا به: فقالت بنو زيد: إنما قتلته بنو جحجبى، و قالت بنو جحجبى: إنما قتلته بنو زيد؛ ثم أرسلوا إلى مالك: إنه قد كان في السوق التي قتل فيها صاحبكم ناس كثير، و لا يدرى أيّهم قتله؛ و أمر مالك أهل تلك السوق أن يتفرّقوا، فلم يبق فيها غير سمير و كعب، فأرسل مالك إلى بني عمرو بن عوف بالذي بلغه من ذلك و قال: إنما قتله سمير، فأرسلوا به إليّ أقتله؛ فأرسلوا إليه: إنه ليس لك أن تقتل سميرا بغير بيّنة؛ و كثرت الرسل بينهم في ذلك: يسألهم مالك أن يعطوه سميرا و يأبون أن يعطوه إياه. ثم إن بني عمرو بن عوف كرهوا أن ينشبوا بينهم و بين مالك حربا، فأرسلوا إليه يعرضون عليه الدّية فقبلها؛ فأرسلوا إليه: إن صاحبكم حليف و ليس لكم فيه إلا نصف الدية، فغضب مالك و أبى أن يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميرا؛ فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلاّ دية الحليف و هي نصف الدية، ثم دعوه أن يحكم بينهم/و بينه عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج و هو جدّ عبد اللّه بن رواحة ففعل؛ فانطلقوا حتى جاءوه في بني الحارث بن الخزرج، فقضى على مالك بن العجلان أنه ليس له في حليفه إلاّ دية الحليف، و أبى مالك أن يرضى بذلك و آذن بني عمرو بن عوف بالحرب، و استنصر قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره غضبا حين ردّ قضاء عمرو بن امرئ القيس؛ فقال مالك بن العجلان يذكر خذلان بني الحارث بن الخزرج له و حدب بني عمرو بن عوف على سمير، و يحرّض بني النجّار على نصرته:

إن سميرا أرى عشيرته # قد حدبوا دونه و قد أنفوا

إن يكن الظنّ صادقا ببني النّ # جّار لا يطعموا الذي علفوا

لا يسلمونا لمعشر أبدا # ما دام منّا ببطنها شرف‏[3]

[1]كذا في ب، س، ط. و في أ، م: «عيينة» . و في ء: «عتبة» .

[2]عبد ياليل: رجل كان في الجاهلية، و ياليل: صنم أضيف إليه كعبد يغوث و عبد مناة و عبد ودّ و غيرها.

[3]الشرف: الشريف، يقال هو شرف قومه و كرمهم أي شريفهم و كريمهم.

17

لكن مواليّ قد بدا لهم # رأي سوى ما لديّ أو ضعفوا

[يقال: علفوا الضيم إذا أقرّوا به، أي ظنّي أنهم لا يقبلون الضيم‏][1].

صوت‏

بين بني جحجبى و بين بني # زيد فأنّى لجاري التّلف‏[2]

يمشون في البيض و الدروع كما # تمشي جمال مصاعب قطف‏[3]

كما تمشّى الأسود في رهج‏[4]الـ # موت إليه و كلّهم لهف‏

/غنّى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل عن إسحاق، و ذكر الهشاميّ أن فيه لحنا من/الثقيل الأوّل للغريض:

و قال درهم بن يزيد[5]بن ضبيعة أخو سمير في ذلك:

يا قوم لا تقتلوا سميرا فإ # نّ القتل فيه البوار و الأسف

إن تقتلوه ترنّ‏[6]نسوتكم # على كريم و يفزع السّلف

إني لعمر الذي يحجّ له النـ # اس و من دون بيته سرف

يمين برّ باللّه مجتهد # يحلف إن كان ينفع الحلف

لا نرفع العبد فوق سنّته # ما دام منّا ببطنها شرف

إنك لاق غدا غواة بني # عمّي فانظر ما أنت مزدهف‏[7]

فأبد سيماك يعرفوك كما # يبدون سيماهم فتعترف‏

معنى قوله «فأبد سيماك» : أن مالك بن العجلان كان إذا شهد الحرب يغيّر لباسه و يتنكّر لئلا يعرف فيقصد.

و قال درهم بن يزيد في ذلك:

يا مال لا تبغين ظلامتنا # يا مال إنّا معاشر أنف

يا مال و الحقّ إن قنعت به # فيه و فينا لأمرنا نصف

إنّ بجيرا عبد فخذ ثمنا # فالحقّ يوفى به و يعترف

ثم اعلمن إن أردت ضيم بني # زيد فإنّي و من له الحلف‏

[1]هذه الزيادة في أ، م، ط: و ساقطة من باقي النسخ.

[2]كذا في أ. و في م، ط، و هامش أ: «فأنى لجارك التلف» . و في سائر النسخ: «فأنى تخاذل السلف» .

[3]البيض: جمع بيضة و هي ما يلبس على الرأس من حديد كالخوذة للوقاية في الحرب، و المصاعب: جمع مصعب و هو الفحل الذي لم يركب و لم يمسه حبل حتى صار صعبا. و القطف: السريعة الخطو.

[4]الرهج: الغبار.

[5]كذا تقدّم هذا الاسم في ص 18 من هذا الجزء و سيذكر أخوه سمير باسم سمير بن يزيد في ص 40 من هذا الجزء. و في ء و هامش ط: «دلهم بن يزيد» . و في باقي النسخ: «درهم بن زيد» .

[6]ترن نسوتكم: يرفعن أصواتهن بالبكاء.

[7]مزدهف: مقتحم، أي انظر ما أنت مقتحمه و مقدم عليه من الشر.

18

/

لأصبحن داركم بذي لجب # جون له من أمامه عزف‏[1]

البيض حصن لهم إذا فزعوا # و سابغات كأنها النّطف‏[2]

و البيض قد ثلّمت مضاربها # بها نفوس الكماة تختطف

كأنها في الأكفّ إذ لمعت # وميض برق يبدو و ينكسف‏[3]

و قال قيس بن الخطيم الظّفريّ أحد بني النّبيت في ذلك، و لم يدركه و إنما قاله بعد هذه الحرب بزمان، و من هذه القصيدة الصوت المذكور:

ردّ الخليط الجمال فانصرفوا # ما ذا عليهم لو أنهم وقفوا

لو وقفوا ساعة نسائلهم # ريث يضحّي جماله السّلف‏[4]

فيهم لعوب العشاء آنسة الـ # دّل عروب يسوؤها الخلف‏[5]

بين شكول النساء خلقتها # قصد فلا جبلة و لا قضف

تنام عن كبر شأنها فإذا # قامت رويدا تكاد تنغرف‏[6]

تغترق الطرف‏[7]و هي لاهية # كأنما شفّ وجهها نزف

/حوراء[8]جيداء يستضاء بها # كأنها خوط بانة قصف‏[9]

قضى لها اللّه حين صوّرها الـ # خالق أن لا يكنّها سدف‏[10]

خود يغثّ الحديث ما صمتت‏[11] # و هو بفيها ذو لذة طرف‏[12]

تخزنه و هو مشتهى حسن # و هو إذا ما تكلمت أنف‏[13]

[1]كذا في ب، س، حـ. و العزف: الصوت و حرك للضرورة. و في سائر النسخ: «عرف» بالراء المهملة.

[2]النطف: (بالتحريك أو بضم الأول و فتح الثاني) : جمع نطفة (بالتحريك أو الضم) و هي اللؤلؤة الصافية اللون أو قطرة الماء.

و كلتاهما تشبه بها الدروع لصفائها.

[3]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «و ينكشف» .

[4]الريث: مقدار المهلة من الزمان. و يضحي من الضحاء و هو أن يرعى الإبل ضحى، و السلف: القوم الذين يتقدّمون الظعن ينفضون الطرق.

[5]لعوب العشاء: تسمر مع السمار و تلهو. و العروب: الحسناء المتحببة إلى زوجها، و قيل: الضحاكة.

[6]تنغرف: تنقصف من دقة خصرها، و في رواية مرت في ص 18 «تنقصف» .

[7]يريد: من نظر إليها استغرقت طرفه و بصره و شغلته عن النظر إلى غيرها و هي لاهية غير محتفلة.

[8]الحوراء: ذات الحور، و هو سعة العين، أو شدّة سواد الحدقة مع شدّة بياضها. و الجيداء: الطويلة الجيد، و الخوط: الغصن.

[9]كذا في أغلب النسخ. و معناه الخوار الناعم المتثنى. و في ب، س، حـ: «قضف» بالضاد المعجمة.

[10]كذا في أغلب النسخ، و السدف: الظلمة، و المراد أنها مضيئة لا تسترها ظلمة. و في ء: «شدف» و هي بمعنى السدف. و في ب، س:

«صدف» .

[11]هذه رواية أبي عمرو كما في «شرح ديوانه» . و رواية «ديوانه» :

و لا يغث الحديث ما نطقت‏

و الخود: الشابة الناعمة ما لم تصر نصفا.

[12]الطرف: المستطرف المحبوب.

[13]الأنف: المستأنف الجديد.

19

و هي طويلة يقول فيها:

/

أبلغ بني جحجبى و إخوتهم # زيدا بأنّا وراءهم أنف‏[1]

إنا و إن قلّ نصرنا لهم # أكبادنا من ورائهم تجف

لمّا بدت نحونا جباههم # حنّت إلينا الأرحام و الصّحف‏[2]

نفلي بحدّ الصّفيح هامهم # و فلينا هامهم بها جنف‏[3]

يتبع آثارها إذا اختلجت # سخن عبيط عروقه تكف‏[4]

إنّ بني عمّنا طغوا و بغوا # و لجّ منهم في قومهم سرف‏

/فردّ عليه حسّان بن ثابت و لم يدرك ذلك:

ما بال عينيك دمعها يكف‏[5] # من ذكر خود شطّت بها قذف‏[6]

بانت بها غربة تؤمّ بها # أرضا سوانا و الشكل مختلف

ما كنت أدري بوشك بينهم # حتى رأيت الحدوج تنقذف

دع ذا وعدّ القريض في نفر # يرجون مدحي و مدحي الشرف

إن تدع قومي للمجد تلفهم # أهل فعال يبدو إذا وصفوا

إن سميرا عبد طغى سفها # ساعده أعبد لهم نطف‏[7]

قال: ثم أرسل مالك بن العجلان إلى بني عمرو بن عوف يؤذنهم بالحرب، و يعدهم يوما يلتقون فيه، و أمر قومه فتهيّئوا للحرب، و تحاشد[8]الحيّان و جمع بعضهم لبعض. و كانت يهود قد حالفت قبائل الأوس و الخزرج، إلاّ بني قريظة و بني النّضير فإنهم لم يحالفوا أحدا منهم، حتى كان هذا الجمع، فأرسلت إليهم الأوس و الخزرج، كلّ يدعوهم إلى نفسه، فأجابوا الأوس و حالفوهم، و التي حالفت قريظة و النّضير من الأوس أوس اللّه و هي خطمة و واقف و أميّة و وائل، فهذه قبائل أوس اللّه. ثم زحف مالك بمن معه من الخزرج، و زحفت الأوس بمن معها من [1]أنف: ذوو أنفة ندفع الضيم عنهم و ننصرهم. و رواية «الديوان» :

أبلغ بني جحجبى و قومهم # خطمة أنا وراءهم أنف‏

[2]الصحف: العهود.

[3]يقال: فلاه بالسيف إذا علاه. و الصفيح: جمع صفيحة و هي السيف العريض. و الجنف: انحراف و ميل عما توجبه القربى و الرحم.

و في حـ و هامش ط «و الديوان» : «عنف» بدل «جنف» و قال في «شرحه» : «يريد أن قتلنا إياهم عنف منا لأنهم قومنا و بنو عمنا» .

[4]اختلجت: انتزعت. و سخن عبيط: دم طري ساخن.

[5]في «ديوانه» :

ما بال عيني دموعها تكف‏

[6]قذف: بعيدة، يقال: نوى قذف و نية قذف: أي بعيدة تقذف بمنتويها.

[7]النطف بالتحريك: القرط، و غلام منطف و وصيفة منطفة بتشديد الطاء و فتحها أي مقرطة، قال الأعشى:

يسعى بها ذو زجاجات له نطف # مقلص أسفل السربال معتمل‏

[8]في أ، م، ء، ط: «و تحاشد الحيان بعضهم لبعض» .

20

حلفائها من قريظة و النضير، فالتقوا بفضاء كان بين بئر سالم‏[1]و قباء، و كان أوّل يوم التقوا فيه، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انصرفوا و هم منتصفون جميعا، ثم التقوا مرة أخرى عند/أطم بني قينقاع، فاقتتلوا حتى حجز الليل بينهم، و كان الظّفر يومئذ للأوس على الخزرج، فقال أبو قيس بن الأسلت في ذلك:

لقد رأيت بني عمرو فما وهنوا # عند اللقاء و ما همّوا[2]بتكذيب

ألا فدى لهم أمّي و ما ولدت # غداة يمشون إرقال المصاعيب

بكلّ سلهبة[3]كالأيم ماضية # و كلّ أبيض ماضي الحدّ مخشوب‏

-أصل المخشوب: الحديث الطبع، ثم صار كل مصقول مخشوبا؛ فشبهها بالحية في انسلالها-قال: فلبث الأوس و الخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال في تلك السنين، و كانت لهم فيها أيام و مواطن لم تحفظ، فلما رأت الأوس طول الشرّ و أن مالكا لا ينزع‏[4]، قال لهم سويد بن صامت الأوسيّ-و كان يقال له الكامل في الجاهلية، و كان الرجل عند العرب‏[5]إذا كان شاعرا شجاعا كاتبا سابحا راميا سمّوه الكامل، و كان /سويد أحد الكملة-: يا قوم، أرضوا هذا الرجل من حليفه، و لا تقيموا على حرب إخوتكم فيقتل بعضكم بعضا و يطمع فيكم غيركم، و إن حملتم على أنفسكم بعض الحمل. فأرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن يحكم بينه و بينهم ثابت بن المنذر بن حرام أبو حسّان بن ثابت، فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا حتى أتوا ثابت بن المنذر، و هو في البئر التي يقال لها سميحة[6]، فقالوا: إنا قد حكّمناك بيننا؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ قالوا:

و لم؟قال: أخاف أن تردّوا حكمي/كما رددتم حكم عمرو بن امرئ القيس؛ قالوا: فإنا لا نردّ حكمك فاحكم بيننا؛ قال: لا أحكم بينكم حتى تعطوني موثقا و عهدا لترضون بحكمي و ما قضيت به و لتسلمنّ له؛ فأعطوه على ذلك عهودهم و مواثيقهم، فحكم بأن يودى حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنّة فيهم بعده على ما كانت عليه:

الصريح‏[7]على ديته و الحليف على ديته، و أن تعدّ القتلى الذين أصاب بعضهم من بعض في حربهم‏[ثم يكون بعض ببعض‏][8]ثم يعطوا الدية لمن كان له فضل في القتلى من الفريقين، فرضي بذلك مالك و سلّمت الأوس و تفرّقوا على أنّ على بني النّجّار نصف دية جار مالك معونة لإخوتهم، و على بني عمرو بن عوف نصفها؛ فرأت بنو عمرو بن عوف أنهم لم يخرجوا إلا الذي كان عليهم، و رأى مالك أنه قد أدرك ما كان يطلب، و ودي جاره دية الصريح.

و يقال: بل الحاكم المنذر أبو ثابت.

[1]في أكثر النسخ «بني سالم» و لعلها محرفة عن بئر سالم التي أثبتناها في الأصل و في ط، ء: «سالم» .

[2]في أ، م: «و لا هموا» .

[3]السلهبة من الخيل: الطويلة على وجه الأرض.

[4]ينزع: يكف و ينتهي.

[5]كذا في أ، م، ط. و في سائر النسخ: «و كان الرجل في الجاهلية» .

[6]هي بئر بالمدينة و قيل بناحية قديد، قال السكري: يروي سميحة (بالتصغير) و سميحة (بفتح السين و كسر الميم) و مسيحة.

[7]كذا في أغلب الأصول. و في ب، س، حـ: «في الصريح... » بزيادة «في» .

[8]هذه الجملة ساقطة من ب، س، حـ.

21

18-ذكر طويس و أخباره‏[1]

اسمه و كنيته:

طويس لقب غلب عليه، و اسمه عيسى بن عبد اللّه، و كنيته أبو عبد المنعم و غيّرها المخنّثون فجعلوها أبا عبد النّعيم، و هو مولى بني مخزوم. و قد حدّثني جحظة عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد: قال سعد بن أبي وقّاص: كني طويس أبا عبد المنعم.

أوّل من غنى بالعربية في المدينة و ألقى الخنث بها:

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن المسيّبي‏[2]و محمد بن سلاّم الجمحيّ، و عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد؛ و عن المدائني عن زيد بن أسلم عن أبيه، و عن ابن الكلبيّ عن أبيه و عن أبي مسكين.

قالوا: أوّل من غنّى بالعربيّ بالمدينة طويس، و هو أوّل من ألقى الخنث بها، و كان طويلا أحول يكنى أبا عبد المنعم، مولى بني مخزوم، و كان لا يضرب بالعود. إنما كان ينقر بالدفّ، و كان ظريفا عالما بأمر المدينة و أنساب أهلها، و كان يتّقى للسانه.

شؤمه:

قالوا[3]: و سئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و فطم يوم مات أبو بكر، و ختن يوم قتل عمر، و زوّج يوم قتل عثمان، و ولد له يوم قتل عليّ رضوان اللّه عليهم أجمعين. قال و قيل: إنه ولد له يوم مات الحسن بن عليّ/عليهما السلام. قال: و كانت أمي تمشي بين نساء الأنصار بالنّميمة. قالوا: و أوّل غناء غنّاه و هزج به‏[4]:

صوت‏

كيف يأتي من بعيد # و هو يخفيه القريب

نازح بالشأم عنّا # و هو مكسال هيوب

قد براني الحبّ حتى # كدت من وجدي أذوب‏

[1]تكررت ترجمة طويس في كتاب «الأغاني» ، فقد ترجم له المؤلف هنا و أعاد ترجمته في الجزء الرابع. و لم نشأ أن نضم الترجمتين في باب واحد لأنا وجدنا النسخ المخطوطة في دار الكتب كالنسخ المطبوعة. و يغلب على ظننا أن ذلك من صنع أبي الفرج نفسه، و لعل ذلك راجع إلى أنه سها عن هذه الترجمة فترجم له الترجمة الثانية. و واجب الأمانة في النقل و في مراعاة ترتيب الكتاب أن نترك الترجمتين كما هما كل على حدة كما وضعهما مؤلفهما أو كما وردا كذلك في نسخ «الأغاني» .

[2]كذا في أ، م و هو محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المخزومي المسيبي المدني نزيل بغداد توفي سنة 236 هـ و كان معاصرا لإسحاق الموصلي الذي توفي سنة 235 هـ. و في سائر النسخ: «الشعبي» و هو تحريف لأنه توفي سنة 103 هـ.

[3]في أكثر النسخ «قال» . و في ب، س، حـ: «قالوا» .

[4]في أ، م، ء، ط: «و هزج هزجه» . ـ

22

/الغناء لطويس هزج بالبنصر.

قال إسحاق: أخبرني الهيثم بن عديّ قال قال صالح بن حسّان الأنصاريّ أنبأني أبي قال:

اجتمع يوما جماعة بالمدينة يتذاكرون أمر المدينة إلى أن ذكروا طويسا، فقالوا: كان و كان؛ فقال رجل منا:

أما لو شاهدتموه لرأيتم ما تسرّون به علما و ظرفا و حسن غناء و جودة نقر بالدفّ، و يضحك كلّ ثكلى حرّى؛ فقال بعض القوم: و اللّه إنه على ذلك كان مشئوما؛ و ذكر خبر ميلاده كما قال الواقدي، إلا أنه قال: ولد يوم مات نبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم، و فطم يوم مات صدّيقنا، و ختن يوم قتل فاروقنا، و زوّج يوم قتل نورنا، و ولد له يوم قتل أخو نبينا[1]؛ و كان مع هذا مخنّثا يكيدنا و يطلب عثراتنا؛ و كان مفرطا في طوله مضطربا في خلقه أحول. فقال رجل من جلّة أهل المجلس: لئن كان كما قلت لقد كان ممتعا فهما يحسن رعاية من حفظ له حقّ المجالسة، و رعاية حرمة الخدمة، و كان لا يحمل قول من لا يرعى له بعض ما يرعاه له.

كان يحب قريشا و يحبونه:

و لقد كان معظّما لمواليه بني مخزوم و من والاهم من سائر قريش، و مسالما لمن عاداهم دون التّحكيك به؛ و ما يلام من قال بعلم و تكلّم على فهم، و الظالم/الملوم، و البادئ أظلم. فقال رجل آخر: لئن كان ما قلت لقد رأيت قريشا يكتنفونه و يحدقون به و يحبّون مجالسته و ينصتون إلى حديثه و يتمنّون غناءه، و ما وضعه شي‏ء إلا خنثه، و لو لا ذلك ما بقي رجل من قريش و الأنصار و غيرهم إلا أدناه.

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلاني قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال:

كان أوّل من تغنّى بالمدينة غناء يدخل في الإيقاع‏[2]طويس، و كان مولده يوم مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و فطامه في اليوم الذي توفّي فيه أبو بكر، و ختانه في اليوم الذي قتل فيه عمر، و بناؤه بأهله في اليوم الذي قتل فيه عثمان، و ولد له يوم قتل عليّ رضوان اللّه عليهم أجمعين، و ولد و هو ذاهب العين اليمنى.

كان يلقب بالذائب و سبب ذلك:

و كان يلقّب بالذائب، و إنما لقّب بذلك لأنه غنى:

قد براني الحبّ حتى # كدت من وجدي أذوب‏

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه قال أخبرني ابن الكلبيّ عن أبي مسكين قال:

مروان بن الحكم و النغاشي المخنث:

كان بالمدينة مخنّث يقال له النّغاشيّ، فقيل لمروان بن الحكم: إنه لا يقرأ من كتاب اللّه شيئا، فبعث إليه يومئذ، و هو على المدينة، فاستقرأه أمّ الكتاب؛ فقال: و اللّه ما معي بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمّهنّ! [1]كان أبو بكر يلقب بالصديق، و عمر بالفاروق، و عثمان بذي النورين، و يشير بقوله: «أخو نبينا» إلى عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم.

[2]الإيقاع: بناء ألحان الغناء على موقعها و ميزانها.

23

فقال: أ تهزأ لا أمّ لك!فأمر به فقتل في موضع يقال له بطحان‏[1]، و قال: من جاءني فمخنّث فله عشرة دنانير.

طلبه مروان في المخنثين ففر منه حتى مات:

فأتي طويس و هو في بني الحارث بن الخزرج من المدينة، و هو يغنّي بشعر حسّان بن ثابت:

/

لقد هاج نفسك أشجانها # و عاودها اليوم أديانها

تذكّرت هندا و ما ذكرها # و قد قطّعت منك أقرانها

وقفت عليها فساءلتها # و قد ظعن الحيّ ما شأنها

فصدّت و جاوب من دونها # بما أوجع القلب أعوانها

/فأخبر بمقالة مروان فيهم؛ فقال: أ ما فضّلني الأمير عليهم بفضل حتى جعل فيّ و فيهم أمرا واحدا!ثم خرج حتى نزل السّويداء-على ليلتين من المدينة في طريق الشأم-فلم يزل بها عمره، و عمّر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك.

هيت المخنث و بادية بنت غيلان:

قال إسحاق و أخبرني ابن الكلبيّ قال أخبرني خالد بن سعيد عن أبيه و عوانة قالا:

قال هيت‏[2]المخنّث لعبد اللّه بن أبي أميّة: إن فتح اللّه عليكم الطائف فسل النبيّ صلّى اللّه عليه و سلم بادية بنت غيلان بن سلمة بن معتّب، فإنها هيفاء شموع‏[3]نجلاء، إن تكلّمت تغنّت، و إن قامت تثنّت، تقبل بأربع و تدبر بثمان‏[4]، مع ثغر كأنه الأقحوان، و بين رجليها كالإناء المكفوء[5]، كما قال قيس بن الخطيم:

تغترق الطرف و هي لاهية # كأنما شفّ وجهها نزف

بين شكول النساء خلقتها # قصد فلا جبلة و لا قضف‏

/فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لقد غلغلت النظر يا عدوّ اللّه» ، ثم جلاه عن المدينة إلى الحمى‏[6]. قال هشام: و أوّل ما اتّخذت النّعوش‏[7]من أجلها. قال: فلما فتحت الطائف تزوّجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له بريهة. فلم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؛ فلما ولي أبو بكر رضي اللّه عنه كلّم فيه فأبى أن يردّه؛ فلما ولي عمر رضي اللّه عنه كلّم فيه فأبى أن يردّه و قال: إن رأيته لأضربنّ عنقه؛ فلما ولي عثمان رضي اللّه عنه كلّم فيه فأبى أن [1]بطحان-بفتح أوله و كسر ثانيه كما ضبطه أهل اللغة-: واد بالمدينة و هو أحد أوديتها الثلاثة: العقيق و بطحان و قناة. و المحدّثون ينطقونه بضم أوله و سكون ثانيه.

[2]كذا في ء، ط، س. و في ب: «هنب» و قد رواه أصحاب الحديث هكذا: «هيت» و بعضهم يقول: إن هذا تصحيف من الرواة و صوابه «هنب» بالنون و الباء. و الأزهري يرجح أن يكون «هيت» صوابا لأنه رواه كذلك الشافعي و غيره من كبار الأئمة (انظر «القاموس» و «شرحه» و «اللسان» في مادتي هنب و هيت) .

[3]الشموع: اللعوب الضحوك.

[4]يريد أن عكن بطنها إذا أقبلت أربع و إذا أدبرت ثمان كما فسره ابن عبد ربه في «العقد الفريد» ج 1 ص 284 في باب صفات النساء.

[5]في ب، س: «و بين رجليها المكفأ كالإناء المكفوء» . و كلمة «المكفأ» هنا مقحمة. مستغنى عنها في الكلام.

[6]في ط، ء: «الجماء» و الجماء: جبل بالمدينة على ثلاثة أميال من العقيق.

[7]كذا صححه الأستاذ الشنقيطي بهامش نسخته، و هو جمع نعش و هو شبه المجفة يحمل عليها الملك إذا مرض. و في جميع النسخ:

«النقوش» و لم يتبين لها معنى في هذا المقام.

24

يردّه؛ فقيل له: قد كبر و ضعف و احتاج؛ فأذن له أن يدخل كلّ جمعة فيسأل و يرجع إلى مكانه. و كان هيت مولى لعبد اللّه بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ، و كان طويس له؛ فمن ثمّ قيل‏[1]الخنث.

و جلس يوما فغنّى في مجلس فيه ولد لعبد اللّه بن أبي أمية:

تغترق الطرف و هي لاهية

إلى آخر البيتين؛ فأشير إلى طويس أن اسكت؛ فقال: و اللّه ما قيل هذان البيتان في ابنة غيلان بن سلمة و إنما هذا مثل ضربه هيت في أمّ بريهة؛ ثم التفت إلى ابن عبد اللّه فقال: يا ابن الطاهر، أوجدت عليّ في نفسك؟أقسم باللّه قسما حقا لا أغنّي بهذا الشعر أبدا.

ضافه عبد اللّه بن جعفر فأكرمه و غناه:

قال إسحاق و حدّثنا أبو الحسن الباهليّ الراوية عن بعض أهل المدينة، و حدّثنا الهيثم بن عديّ و المدائنيّ، قالوا:

/كان عبد اللّه بن جعفر معه إخوان له في عشيّة من عشايا الربيع، فراحت عليهم السماء بمطر جود فأسال‏[2] كلّ شي‏ء؛ فقال عبد اللّه: هل لكم في العقيق؟-و هو متنزّه أهل المدينة في أيام الرّبيع و المطر-فركبوا دوابّهم ثم انتهوا إليه فوقفوا على شاطئه و هو يرمي بالزّبد مثل مدّ الفرات، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد اللّه لأصحابه ليس معنا جنّة نستنجنّ بها و هذه سماء خليقة أن تبلّ ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكنّ فيه و يحدّثنا و يضحكنا؟و طويس في النّظّارة يسمع كلام عبد اللّه بن جعفر؛ فقال له عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت: جعلت فداءك!و ما تريد من طويس عليه غضب اللّه: مخنّث شائن لمن عرفه؛ فقال له عبد اللّه: لا تقل ذلك، فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس؛ فلما استوفى طويس كلامهم تعجّل إلى منزله فقال لامرأته: ويحك!قد جاءنا عبد اللّه بن جعفر سيد الناس، فما/عندك؟قالت: نذبح هذه العناق‏[3]، و كانت عندها عنيقه قد ربّتها باللبن، و اختبز خبزا رقاقا؛ فبادر فذبحها و عجنت هي. ثم خرج فتلقّاه مقبلا إليه؛ فقال له طويس: بأبي أنت و أمي؛ هذا المطر، فهل لك في المنزل فتستكنّ فيه إلى أن تكفّ السماء؟قال: إياك أريد؛ قال: فامض يا سيدي على بركة اللّه، و جاء يمشي بين يديه حتى نزلوا، فتحدّثوا حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت و أمي، تكرمني إذ دخلت منزلي بأن تتعشّى عندي؛ قال: هات ما عندك؛ فجاءه بعناق سمينة و رقاق، فأكل و أكل القوم حتى تملّئوا[4]، فأعجبه طيب طعامه، فلما غسلوا/أيديهم قال: بأبي أنت و أمي، أتمشّى معك و أغنّيك؟قال: افعل يا طويس؛ فأخذ ملحفة فأتزر بها و أرخى لها ذنبين، ثم أخذ المربّع‏[5]فتمشّى و أنشأ يغنّي:

يا خليلي نابني سهدي # لم تنم عيني و لم تكد

كيف تلحوني‏[6]على رجل # آنس تلتذّه كبدي‏

[1]كذا في ط، ء، حـ. و في سائر النسخ: «قيل الخنث» .

[2]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س، حـ: «فانسال» و لم نجد هذه الكلمة في كتب اللغة. و لعلها محرفة عن «فانثال» بمعنى تتابع و انصب.

[3]العناق وزان سحاب: الأنثى من ولد المعز.

[4]تملئوا: امتلئوا من كثرة الأكل.

[5]المربع: آلة من آلات الطرب، يريد دفه لتربيعه كما سيأتي وصفه بذلك بعد في ص 37 من هذا الجزء.

[6]لحاه يلحوه و يلحاه (من بابي نصر و فتح) : لامه و عذله.

25

مثل ضوء البدر طلعته # ليس بالزّمّيلة[1]النّكد

فطرب القوم و قالوا أحسنت و اللّه يا طويس. ثم قال: يا سيدي، أ تدري لمن هذا الشعر؟قال: لا و اللّه، ما أدري لمن هو، إلا أني سمعت شعرا حسنا؛ قال: هو لفارعة[2]بنت ثابت أخت حسّان بن ثابت و هي تتعشّق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ و تقول فيه هذا الشعر؛ فنكّس القوم رءوسهم، و ضرب عبد الرحمن برأسه على صدره‏[3]، فلو شقّت الأرض له لدخل فيها[4].

عرّض بسعيد بن عبد الرحمن في شعر غناه فأغضبه:

قال و حدّثني ابن الكلبيّ و المدائنيّ عن جعفر بن محرز قال:

خرج عمر بن عبد العزيز، و هو على المدينة، إلى السّويداء و خرج الناس معه، و قد أخذت المنازل، فلحق بهم يزيد بن بكر بن دأب اللّيثيّ و سعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاريّ، فلقيهما طويس فقال لهما:

بأبي أنتما و أمّي!عرّجا إلى منزلي؛ فقال يزيد لسعيد: مل بنا مع أبي عبد النّعيم‏[5]؛ فقال سعيد: أين تذهب/مع هذا المخنّث!فقال يزيد: إنما هو منزل ساعة فمالا، و احتمل طويس الكلام على سعيد[6]، فأتيا منزله فإذا هو قد نضحه و نصّعه‏[7]، فأتاهما بفاكهة من فاكهة الماء[8]؛ ثم قال سعيد: لو أسمعتنا يا أبا عبد النّعيم!فتناول خريطة[9] فاستخرج منها دفّا ثم نقره و قال:

يا خليلي نابني سهدي # لم تنم عيني و لم تكد

فشرابي ما أسيغ و ما # أشتكي ما بي إلى أحد

كيف تلحوني على رجل # آنس تلتذّه كبدي

مثل ضوء البدر صورته # ليس بالزّمّيلة النّكد

من بني آل المغيرة لا # خامل نكس و لا جحد[10]

نظرت يوما فلا نظرت # بعده عيني إلى أحد

ثم ضرب بالدفّ الأرض؛ فقال سعيد: ما رأيت‏[كاليوم‏][11]قطّ شعرا أجود و لا غناء أحسن منه؛ فقال له [1]الزميلة: الرذل الجبان الضعيف، يزمل في بيته خوفا و جبنا.

[2]كذا في ء: و هي محرفة في سائر النسخ.

[3]ضرب برأسه على صدره: أطرق استحياء و خجلا، و هو يريد بعبد الرحمن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت.

[4]في ب، س، حـ: «فلو شقت الأرض لدخل فيها خالدا» .

[5]في ب، س، حـ: «مل بنا المنزل مع... » .

[6]أي حفظه له و اضطغن عليه من أجله.

[7]يريد أنه رشه بالماء و نظفه.

[8]لم نعثر على معنى خاص لهذه الكلمة. و أقرب الكلمات تحريفا لها هي: «فاكهة الشتاء» و هي النار و لكنها غير مناسبة في هذا المقام.

[9]الخريطة: وعاء من أدم.

[10]النكس: الضعيف الدني‏ء الذي لا خير فيه. و الجحد: القليل الخير.

[11]هذه الكلمة ساقطة من ب، س، حـ.

26

طويس: يا ابن الحسام، أ تدري من يقوله؟قال: لا؛ قال: قالته عمّتك خولة بنت ثابت تشبّب بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ؛ فخرج سعيد و هو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ[1]مثل/ما استقبلني به هذا المخنّث!و اللّه لا يفلتني!فقال يزيد: دع هذا و أمته و لا ترفع به رأسا. قال أبو الفرج الأصبهاني: هذه الأبيات، فيما ذكر الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار، لابن زهير المخنّث.

مدح ابن سريج غناءه:

قال إسحاق و حدّثني الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش، و ابن الكلبيّ عن أبي مسكين، قالا:

قدم ابن سريج المدينة فغنّاهم، فاستظرف الناس غناءه و آثروه على كلّ من غنّى؛ و طلع عليهم طويس فسمعهم و هم يقولون ذلك‏[2]، فاستخرج دفّا من حضنه ثم نقر به و غنّاهم بشعر عمارة بن الوليد المخزوميّ في خولة بنت ثابت، عارضها بقصيدتها فيه:

يا خليلي نابني سهدي # لم تنم عيني و لم تكد

و هو:

تناهى فيكم وجدي‏[3] # و صدّع حبّكم كبدي

فقلبي مسعر حزنا # بذات الخال في الخدّ

فما لاقى أخو عشق # عشير[4]العشر من جهدي‏

فأقبل عليهم ابن سريج فقال: و اللّه هذا أحسن الناس غناء.

أخبرني وكيع محمد بن خلف قال حدّثنا إسماعيل بن مجمّع قال حدّثني المدائنيّ قال:

قدم ابن سريج المدينة فجلس يوما في جماعة و هم يقولون: أنت و اللّه أحسن الناس غناء، إذ مرّ بهم طويس فسمعهم و ما يقولون: فاستلّ دفّه من حضنه و نقره و تغنّى:

إن المجنّبة[5]التي # مرّت بنا قبل الصّباح

في حلّة موشيّة # مكيّة غرثى الوشاح‏[6]

زين لمشهد فطرهم # و تزينهم يوم الأضاحي‏

-الشعر لابن زهير المخنّث. و الغناء لطويس هزج، أخبرنا بذلك الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار- فقال ابن سريج: هذا و اللّه أحسن الناس غناء لا أنا.

[1]كذا في ط، أ، م. و في سائر النسخ «ما رأيت قط كاليوم و لا مثل ما استقبلني به إلخ» .

[2]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «و هم يقولون ذلك له» .

[3]في هامش ط إشارة إلى رواية أخرى و هي:

خويلة شفني وجدي‏

[4]العشير: جزء من العشرة كالعشر.

[5]المجنبة: وصف من جنبه إذا أبعده. و في ب، س، حـ: «المخنثة» .

[6]غرثى الوشاح: خميصة البطن دقيقة الخصر.

27

تبع جارية فزجرته ثم تغنى بشعر:

قال إسحاق حدّثني المدائنيّ قال: حدّثت أنّ طويسا تبع جارية فراوغته فلم ينقطع عنها، فخبّت‏[1]في المشي فلم ينقطع عنها؛ فلما جازت بمجلس وقفت ثم قالت: يا هؤلاء، لي صديق و لي زوج و مولى ينكحني، فسلوا هذا ما يريد منّي!فقال أضيّق ما قد وسّعوه. ثم جعل يتغنّى:

أفق يا قلب عن جمل # و جمل قطّعت حبلي

أفق عنها فقد عنّيـ # ت حولا في هوى جمل

و كيف يفيق محزون # بجمل هائم العقل

براه الحبّ في جمل # فحسبي الحبّ من ثقل‏[2]

و حسبي فيك ما ألقى # من التّفنيد و العذل

و قد ما لامني فيها[3] # فلم أحفل بهم أهلي‏

حديث طويس و الرجل المسحور:

قال إسحاق و قال المدائنيّ قال مسلمة بن محارب حدّثني رجل من أصحابنا قال:

خرجنا في سفرة و معنا رجل، فانتهينا إلى واد فدعونا بالغداء، فمدّ الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه، و هو قبل ذلك يأكل معنا في كلّ منزل، فخرجنا نسأل عن حاله/فلقينا رجلا طويلا/أحول مضطرب الخلق في زيّ الأعراب، فقال لنا: ما لكم؟فأنكرنا سؤاله لنا، فأخبرناه خبر الرجل؛ فقال: ما اسم صاحبكم؟فقلنا: أسيد؛ فقال:

هذا واد قد أخّذت‏[4]سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمرّ[5]صاحبكم و أكل. قلنا في أنفسنا: هذا من الجنّ، و دخلتنا فزعة؛ ففهم ذلك و قال: ليفرخ‏[6]روعكم فأنا طويس. قال له بعض من معنا من بني غفار أو من بني عبس: مرحبا بك يا أبا عبد النّعيم، ما هذا الزّيّ!فقال: دعاني بعض أودّائي من الأعراب فخرجت إليهم و أحببت أن أتخطّى الأحياء فلا ينكروني. فسألت الرجل أن يغنّينا؛ فاندفع و نقر بدفّ كان معه مربّع، فلقد تخيّل لي أنّ الوادي ينطق معه حسنا، و تعجّبنا من علمه و ما أخبرنا[به‏][7]من أمر صاحبنا.

و كان الذي غنّى به في شعر عروة بن الورد في سلمى امرأته الغفاريّة حيث رهنها على الشراب:

سقوني الخمر ثم تكنّفوني # عداة اللّه من كذب و زور

و قالوا لست بعد فداء سلمى # بمفن ما لديك و لا فقير

[1]خبت: أسرعت.

[2]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، حـ: «فحسب القلب من ثقل» .

[3]في ط: «و قد وبّخني فيها» و بهامشها ما بسائر النسخ.

[4]كذا في ط، ء، و «نهاية الأرب» ج 4 ص 264 طبع دار الكتب، و أخذت: سحرت. و في سائر النسخ: «أخاف سباعه» .

[5]استمر: قوي و استقام أمره.

[6]ليفرخ روعكم: ليذهب رعبكم و فزعكم. (انظر الحاشية رقم 4 ص 226 من الجزء الأول) .

[7]زيادة في أ، م، حـ.

28

فلا و اللّه لو ملّكت أمري # و من لي بالتّدبّر في الأمور

إذا لعصيتهم في حبّ سلمى # على ما كان من حسك‏[1]الصدور

فيا للنّاس كيف غلبت أمري # على شي‏ء و يكرهه ضميري‏

قصة عروة و امرأته سلمى الغفارية:

قال إسحاق و حدّثني الواقديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال:

لما غزا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بني النّضير و أجلاهم عن المدينة خرجوا يريدون خيبر يضربون بدفوف و يزمرون بالمزامير و على النساء المعصفرات و حليّ الذهب مظهرين لذلك تجلّدا، و مرّت في الظّعن‏[2]يومئذ سلمى امرأة عروة بن الورد[العبسي‏][3]، و كان عروة حليفا في بني عمرو بن عوف، و كانت سلمى من بني غفار، فسباها عروة من قومها و كانت ذات جمال فولدت له أولادا و كان شديد الحب لها و كان ولده يعيّرون بأمّهم و يسمّون بني الأخيذة-أي السّبية-فقالت: أ لا ترى ولدك يعيّرون؟قال: فما ذا ترين؟قالت: أرى أن تردّني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يزوّجونك فأنعم‏[4]لها، فأرسلت إلى قومها أن ألقوه بالخمر ثم اتركوه حتى يسكر و يثمل فإنه لا يسأل حينئذ شيئا إلا أعطاه؛ فلقوه و قد نزل في بني النّضير فسقوه الخمر، فلما سكر سألوه سلمى فردّها عليهم ثم أنكحوه بعد.

و يقال: إنما جاء بها إلى بني النّضير، و كان صعلوكا يغير، فسقوه الخمر، فلما انتشى منعوه و لا شي‏ء معه إلا هي فرهنها، و لم يزل يشرب حتى غلقت‏[5]؛ فلما قال لها: انطلقي قالت: لا سبيل إلى ذلك، قد أغلقتني. فبهذا صارت عند بني النّضير. فقال في ذلك:

سقوني الخمر ثم تكنّفوني # عداة اللّه‏[6]من كذب و زور

/هذه الأبيات مشهورة بأن لطويس فيها غناء، و ما وجدته في شي‏ء من الكتب مجنّسا فتذكر طريقته.

كان يغري بين الأوس و الخزرج و يتغنى بالشعر الذي قيل في حروبهم:

قال إسحاق و حدّثني المدائنيّ قال: كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس و الخزرج في حروبهم، و كان يريد بذلك الإغراء، فقلّ مجلس اجتمع فيه هذان/الحيّان فغنّى فيه طويس إلا وقع فيه شي‏ء؛ فنهي عن ذلك، فقال:

و اللّه لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسّدوني التراب؛ و ذلك لكثرة تولّع القوم به، فكان يبدي السرائر و يخرج الضغائن، فكان القوم يتشاءمون به.

[1]الحسك: الشوك، و يكنى به عن العداوة و الحقد.

[2]الظعن: جمع ظعينة و هي المرأة في هودجها، و قد يقال للمرأة ظعينة و إن كانت في بيتها لأنها تصير ظعينة أي مظعونا بها. و يسمى الهودج أيضا ظعينة سواء كانت فيه امرأة أم لا.

[3]زيادة في أ، م.

[4]أنعم لها: قال لها نعم.

[5]غلق الرهن في يد المرتهن: استحقه، و ذلك إذا لم يقدر الراهن على افتكاكه في الوقت المشروط.

[6]في أ، م، ء، ط:

ألا للّه من كذب و زور

و قد تقدم هذا البيت باتفاق الأصول كما في رواية الصلب.

29

و كان يستحسن غناؤه و لا يصبر عن حديثه و يستشهد على معرفته، فغنّى يوما بشعر قيس بن الخطيم في حرب الأوس و الخزرج و هو:

ردّ الخليط الجمال فانصرفوا # ما ذا عليهم لو أنهم وقفوا

لو وقفوا ساعة نسائلهم # ريث يضحّي جماله السّلف

فليت أهلي و أهل أثلة في الـ # دّار قريب من حيث نختلف‏

فلما بلغ إلى آخر بيت غنّى فيه طويس من هذه القصيدة و هو:

أبلغ بني جحجبى و قومهم # خطمة أنّا وراءهم أنف‏

تكلّموا و انصرفوا و جرت بينهم دماء، و انصرف طويس من عندهم سليما لم يكلّم و لم يقل له شي‏ء.

سبب الحرب بين الأوس و الخزرج:

قال إسحاق فحدّثني الواقديّ و أبو البختريّ‏[1]، قالا:

قال قيس بن الخطيم هذه القصيدة لشغب أثاره القوم بعد دهر طويل‏[2]. و نذكر سبب أوّل ما جرى بين الأوس و الخزرج من الحرب:

/قال إسحاق قال أبو عبد اللّه اليزيدي‏[و أبو البختريّ‏][3]، و حدّثني مشايخ لنا قالوا: كانت الأوس و الخزرج أهل عزّ و منعة و هما أخوان لأب و أمّ و هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، و أمّهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو؛ و قضاعة تذكر أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. و كانت أوّل حرب جرت بينهم في مولى كان لمالك بن العجلان قتله سمير بن يزيد بن مالك، و سمير رجل من الأوس ثم أحد بني عمرو بن عوف، و كان مالك سيد الحيّين‏[4]في زمانه، و هو الذي ساق تبّعا إلى المدينة و قتل الفطيون‏[5] صاحب زهرة[6]و أذلّ اليهود للحيّين جميعا، فكان له بذلك الذكر و الشرف عليهم، و كانت دية المولى فيهم-و هو الحليف-خمسا من الإبل، و دية الصريح عشرا، فبعث مالك إلى عمرو بن عوف: ابعثوا إليّ سميرا حتى أقتله بمولاي فإنّا نكره أن تنشب بيننا و بينكم حرب؛ فأرسلوا إليه: إنّا نعطيك الرضا من مولاك فخذ منا [1]في ب، س: «أبو البحتري» .

[2]في ب، س، حـ: «قال قيس بن الخطيم شعرا أثار القوم و هو طويل» .

[3]زيادة في ء، ط و هامش أ.

[4]في حـ، أ، م: «الحضر» .

[5]حدّث عنه «ياقوت» في الكلام على يثرب حيث قال في ج 4 ص 463: «و كان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان. و في «كتاب ابن الكلبي» : الفطيون بكسر الفاء و الياء بعد الطاء، و كانت اليهود و الأوس و الخزرج يدينون له إلخ» . و ذكره ابن الأثير في «الكامل» ج 1 ص 492 طبع ليدن سنة 1866 م، و ضبط فيه بالقلم بكسر أوله و إسكان ثانيه، فقال ما ملخصه: إنه كان عظيم اليهود بالمدينة و كان رجل سوء فاجرا، و كانت اليهود تدين لهذا الرجل إلى أن كانت لا تزوّج امرأة منهم حتى تدخل عليه قبل دخولها على زوجها، و يقال: إنه كان يفعل ذلك بنساء الأوس و الخزرج، و كانت الغلبة يومئذ لليهود عليهم، حتى جاء زفاف أخت لمالك بن العجلان فأثارت في أخيها عوامل الحمية و الغيرة، فتزيا مالك بزيّ امرأة و تقلد سيفه و اندس فيمن كان معها من النساء و قتل الفطيون، ثم فر هاربا إلى الشأم حتى دخل على أبي جبيلة عبيد بن سالم بن مالك الخزرجي، و كان أثيرا عند ملوك غسان، فشكا إليه حاله، فأقسم أبو جبيلة ليذلنّ اليهود و ليجعلن الغلبة للأوس و الخزرج عليهم. و قد فعل اهـ بتصرف في العبارة.

[6]زهرة: القبيلة المعروفة التي ينتسب إليها عبد الرحمن بن عوف الزهري. ـ

30

عقله‏[1]، فإنك قد عرفت/أن الصريح لا يقتل بالمولى؛ قال: لا آخذ في مولاي دون دية الصريح، فأبوا إلا دية المولى. فلما رأى ذلك مالك بن العجلان جمع قومه من الخزرج، و كان فيهم مطاعا، و أمرهم بالتهيّؤ للحرب. فلمّا بلغ الأوس استعدّوا لهم و تهيّئوا للحرب و اختاروا الموت على الذلّ؛ ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصّفينة بين بئر سالم‏[2]و بين قباء (قرية لبني عمرو بن عوف) فاقتتلوا قتالا شديدا حتى نال بعض القوم من بعض. ثم إنّ رجلا من الأوس نادى: يا مالك، ننشدك اللّه و الرّحم‏[3]-و كانت أمّ مالك إحدى نساء بني عمرو بن عوف-فاجعل بيننا و بينك عدلا من قومك فما حكم علينا سلّمنا لك؛ فارعوى مالك عند ذلك، و قال نعم؛ فاختاروا عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج فرضي القوم به، و استوثق منهم، ثم قال: فإنّي أقضي بينكم: إن كان سمير قتل صريحا من القوم فهو به قود، و إن قبلوا العقل فلهم/دية الصريح؛ و إن كان قتل مولى فلهم دية المولى بلا نقص، و لا يعطى فوق نصف الدية، و ما أصبتم منا في هذه الحرب ففيه الدية مسلّمة إلينا، و ما أصبنا منكم فيها علينا فيه دية مسلّمة إليكم. فلما قضى بذلك عمرو بن امرئ القيس غضب مالك بن العجلان و رأى أن يردّ عليه رأيه، و قال: لا أقبل هذا القضاء؛ و أمر قومه بالقتال، فجمع القوم بعضهم لبعض ثم التقوا بالفضاء[4]عند آطام بني قينقاع، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم تداعوا إلى الصلح فحكّموا ثابت بن حرام بن المنذر أبا حسّان بن ثابت النّجّاريّ، فقضى بينهم أن يدوا مولى مالك بن العجلان بدية الصّريح ثم تكون السّنّة فيهم بعده على مالك و عليهم كما كانت أوّل مرّة: المولى على ديته؛ و الصّريح على ديته؛ فرضي مالك و سلّم الآخرون. و كان ثابت إذ حكّموه/أراد إطفاء النائرة[5]فيما بين القوم و لم شعثهم، فأخرج خمسا من الإبل من قبيلته حين أبت عليه الأوس أن تؤدّي إلى مالك أكثر من خمس و أبى مالك أن يأخذ دون عشر. فلما أخرج ثابت الخمس أرضى مالكا بذلك و رضيت الأوس، و اصطلحوا بعهد و ميثاق ألا يقتل رجل في داره و لا معقله-و المعاقل: النخل-فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية له و لا عقل. ثم انظروا[6]في القتلى فأيّ الفريقين فضل على صاحبه ودى له صاحبه. فأفضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر فودتهم الأوس و اصطلحوا. ففي ذلك يقول حسّان بن ثابت لما كان أبوه أصلح بينهم و رضاهم بقضائه في ذلك:

و أبي في سميحة القائل الفا # صل حين التفّت عليه الخصوم‏

و في ذلك يقول قيس بن الخطيم قصيدته و هي طويلة:

ردّ الخليط الجمال فانصرفوا # ما ذا عليهم لو أنّهم وقفوا

أنشد عمر بن عبد العزيز شيئا من شعره و قال هو أنسب الناس:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال:

[1]عقله: ديته.

[2]كذا في ط: و في سائر النسخ: «بني سالم» انظر ص 24 من هذا الجزء.

[3]في ب، س، حـ: «ننشدك باللّه و الرحم» .

[4]كذا في ط، ء: و الفضاء كما في «ياقوت» : موضع بالمدينة، و لم يعينه. و لعله هو المراد هنا أو أنه أراد مطلق الفضاء المتسع.

[5]كذا في ط، ء. و النائرة: الفتنة القائمة المنتشرة. و في باقي الأصول: «إطفاء الثائرة» بالثاء المثلثة.

[6]كذا في جميع الأصول. و كان الأولى بالسياق أن يقول: «ثم قال انظروا إلخ» أو «ثم أن ينظروا» على أن يكون معطوفا على معمول «فقضى» المتقدّمة.

31

كان عمر بن عبد العزيز ينشد قول قيس بن الخطيم:

بين شكول النساء خلقتها # قصد فلا جبلة و لا قضف

تنام عن كبر شأنها فإذا # قامت رويدا تكاد تنقصف

تغترق الطرف و هي لاهية # كأنما شفّ وجهها نزف‏

ثم يقول: قائل هذا الشعر أنسب‏[1]الناس.

و مما في المائة المختارة من أغاني طويس صوت‏

أصوات من المائة المختارة:

يا لقومي قد أرّقتني الهموم # ففؤادي مما يجنّ سقيم

أندب الحبّ في فؤادي ففيه # لو تراءى للناظرين كلوم‏

يجنّ: يخفى، و الجنّة من ذلك، و الجنّ أيضا مأخوذ منه. و أندب: أبقى فيه ندبا و هو أثر الجرح؛ قال ذو الرّمّة:

تريك سنّة[2]وجه غير مقرفة # ملساء ليس بها خال و لا ندب‏

الشعر لابن قيس الرّقيّات فيما قيل. و الغناء لطويس، و لحنه المختار خفيف رمل مطلق/في مجرى الوسطى، قال إسحاق: و هو أجود لحن غنّاه طويس، و وجدته في كتاب الهشاميّ خفيف رمل بالوسطى منسوبا إلى ابن طنبورة. قال و قال ابن المكيّ: إنه لحكم، و قال عمرو بن بانة: إنه لابن عائشة أوّله هذان البيتان، و بعدهما:

ما لذا الهمّ لا يريم فؤادي‏[3] # مثل ما يلزم الغريم الغريم

إنّ من فرّق الجماعة منّا # بعد خفض‏[4]و نعمة لذميم‏

انقضت أخبار طويس.

صوت من المائة المختارة من صنعة قفا النجار

حجب الألى كنّا نسرّ بقربهم # يا ليت أنّ حجابهم لم يقدر

[1]أنسب الناس: أرقهم غزلا و نسيبا بالنساء.

[2]سنة الوجه: صورته. و غير مقرفة: غير كريهة. و المراد وصف صورة وجهها بالحسن. و قد أورد صاحب «اللسان» هذا البيت شاهدا على أن مقرفا في قولهم: «وجه مقرف» بمعنى غير حسن. و قيل: إن «مقرفة» هنا بمعنى مدانية الهجنة، يقال: أقرف الرجل إذا دنا من الهجنة، و على هذا التفسير ذهب الصاغاني فقال: هو يقول: إنها كريمة الأصل لم يخالطها شي‏ء من الهجنة.

[3]في أ، م، ط، ء: «لا يريم وسادي» . و لا يريم: لا يبرح.

[4]الخفض: سعة العيش و لينه. و النعمة (بالفتح) : النعيم و رغد العيش.

32

حجبوا و لم نقض اللّبانة منهم # و لنا إليهم صبوة لم تقصر[1]

و يحيط مئزرها بردف كامل # رابى المجسّة[2]كالكثيب الأعفر

و إذا مشت خلت الطريق لمشيها # و حلا[3]كمشي المرجحنّ‏[4]الموقر

لم يقع إلينا قائل هذا الشعر. و الغناء لقفا النجّار، و لحنه المختار من النقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. و يقال: إن فيه لحنا لابن سريج. و ذكر يحيى بن عليّ‏[ابن يحيى‏][5]في الاختيار الواثقيّ أنّ لحن قفا النجّار المختار من الثقيل الأوّل.

صوت من المائة المختارة

أفق يا دارميّ فقد بليتا # و إنك سوف توشك أن تموتا

أراك تزيد عشقا[6]كلّ يوم # إذا ما قلت إنك قد بريتا

الشعر و الغناء جميعا لسعيد الدارميّ، و لحنه المختار من خفيف الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.

[1]لم تقصر: لم تكف و لم تنته.

[2]المجسة الموضع التي تقع عليه اليد عند الجس، فمعنى رابى المجسة: أنه عظيم سمين حيث يجس.

[3]وحلا: ذا وحل.

[4]المرجحنّ: المائل من ثقله. و الموقر: الذي يحمل حملا ثقيلا.

[5]زيادة في أ، م.

[6]في أ، م، ط، ء: «غشيا كل يوم» . و غشي عليه (مجهولا غشيا بالفتح و الضم و غشيانا) : نابه ما غشي عقله.

33

19-ذكر الدارميّ و خبره و نسبه‏

نسبه و كان من الشعراء و أرباب النوادر:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه قال:

الدارميّ من ولد سويد بن زيد الذي كان جدّه قتل أسعد بن عمرو بن هند، ثم هربوا إلى مكة فحالفوا بني نوفل بن عبد مناف.

و كان الدارميّ في أيّام عمر بن عبد العزيز، و كانت له أشعار و نوادر، و كان من ظرفاء أهل مكّة، و له أصوات يسيرة. و هو الذي يقول:

و لما رأيتك أوليتني الـ # قبيح و أبعدت عنّي الجميلا

تركت وصالك في جانب # و صادفت في الناس خلا بديلا

شيب بذات خمار أسود فنفقت الخمر السود و لم تبق فتاة إلا لبسته:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن/الأصمعيّ، و أخبرني عمّي قال حدّثنا فضل اليزيديّ عن إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعيّ، و أخبرني عمّي قال حدّثنا أبو الفضل الرّياشيّ عن الأصمعيّ، قال و حدّثني به النّوشجانيّ عن شيخ له من البصريّين عن الأصمعيّ عن ابن أبي الزّناد، و لم يقل عن ابن أبي الزناد[غيره‏][1]:

أنّ تاجرا من أهل الكوفة قدم المدينة بخمر[2]فباعها كلها و بقيت السود منها فلم تنفق‏[3]، و كان صديقا للدارميّ، فشكا ذاك إليه، و قد كان نسك‏[4]و ترك الغناء و قول الشعر؛ فقال له: لا تهتمّ بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع؛ ثم قال:

صوت‏

قل للمليحة في الخمار الأسود # ما ذا صنعت براهب متعبّد

قد كان شمّر للصلاة ثيابه # حتى وقفت له بباب المسجد

[1]التكلمة من ط، ء، حـ.

[2]الخمر: جمع خمار، و هو ما تغطي به المرأة رأسها.

[3]نفقت السلعة (وزان نصر) نفاقا: راجت و رغب فيها. و أنفقها و نفقها: روّجها.

[4]نسك (وزان ضرب) : تعبد و تزهد و تقشف.

34

و غنّى فيه، و غنّى فيه أيضا سنان الكاتب، و شاع في الناس و قالوا: قد فتك‏[1]الدارميّ و رجع عن نسكه؛ فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان مع العراقيّ منها؛ فلما علم بذلك الدارميّ رجع إلى نسكه و لزم المسجد.

فأما نسبة هذا الصوت فإنّ الشعر فيه للدارميّ و الغناء أيضا، و هو خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و فيه لسنان الكاتب رمل بالوسطى عن حبش. و ذكر حبش أن فيه لابن سريج هزجا بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني أبو هفّان قال: حضرت يوما مجلس بعض قوّاد الأتراك و كانت له ستارة فنصبت، فقال لها[2]: غنّي صوت الخمار الأسود المليح، فلم ندر ما أراد حتى غنّت:

قل للمليحة في الخمار الأسود

ثم أمسك ساعة ثم قال لها غنّي:

إني خريت و جئت أنتقله‏

فضحكت ثم قالت: هذا يشبهك!فلم ندر أيضا ما أراد حتى غنّت:

إنّ الخليط أجدّ منتقله‏

بخله و ظرفه:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد قال حدّثني محمد بن أخي سلّم‏[3]الخزاعيّ قال حدّثني الحرمازيّ قال زعم‏[لي‏][4]ابن مودود قال:

/كان الدارميّ المكيّ شاعرا ظريفا و كانت متفتّيات‏[5]أهل مكة لا يطيب لهن متنزّه إلاّ بالدارمي، فاجتمع جماعة منهنّ في متنزّه لهنّ، و فيهنّ صديقة له، و كلّ واحدة منهنّ قد واعدت هواها[6]، فخرجن حتى أتين الجحفة[7]و هو معهنّ؛ فقال بعضهنّ لبعض: كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء الرجال من الدارميّ؟فإنّا إن فعلنا قطّعنا في الأرض‏[8]!قالت لهنّ صاحبته: أنا أكفيكنّه؛ قلن: إنا نريد ألاّ يلومنا؛ قالت: عليّ أن ينصرف حامدا، و كان أبخل الناس، فأتته فقالت: يا دارميّ، إنّا قد تفلنا[9]فاجلب لنا طيبا[10]؛ قال نعم هو ذا، آتي سوق الجحفة آتيكنّ منها بطيب؛ فأتى المكارين فاكترى حمارا فصار عليه إلى مكة و هو يقول:

[1]فتك: مجن.

[2]لم يتقدم لهذا الضمير مرجع و لكنه مفهوم من سياق الكلام أنه للجارية التي أمرت بالغناء.

[3]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س، حـ: «محمد بن أبي سلمة الخزاعي» .

[4]هذه الكلمة ساقطة من ب، س.

[5]متفتيات: وصف من تفتت الجارية إذا راهقت فخدّرت و منعت من اللعب مع الصبيان.

[6]هواها: من تهواه و تحبه.

[7]الجحفة: قرية بطريق المدينة على أربع مراحل من مكة، و هي ميقات أهل مصر و الشأم إن لم يمروا على المدينة، فإن مروا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة.

[8]يريد أنه يمزق أعراضهن و ينشر ذلك في الأرض بين الناس.

[9]تفل كفرح: تغيرت رائحته لطول عهده بترك الطيب.

[10]في ط، أ، م: «فاحتل لنا طيبا» .

35

أنّا باللّه ذي العزّ # و بالرّكن و بالصّخره

من اللائي يردن الطّيـ # ب في اليسر و في العسره‏[1]

و ما أقوى على هذا # و لو كنت على البصرة

فمكث النسوة ما شئن. ثم قدم من مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطّواف، فأخرجته إلى ناحية المسجد و جعلت تعاتبه على ذهابه و يعاتبها، إلى أن قالت له: يا دارميّ، بحقّ هذه/البنيّة[2]أ تحبّني؟فقال نعم، فبربّها أ تحبّيني؟قالت نعم؛ قال: فيا لك الخير فأنت تحبّيني و أنا أحبّك، فما مدخل الدراهم بيننا!.

الدارمي و عبد الصمد بن علي:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال:

كان الدارميّ عند عبد الصمد بن عليّ يحدّثه، فأغفى عبد الصمد فعطس الدارميّ عطسة هائلة، ففزع عبد الصمد فزعا شديدا و غضب غضبا شديدا، ثم استوى جالسا و قال: يا عاضّ كذا من أمه‏[3]أ تفزّعني!قال: لا و اللّه و لكن هكذا عطاسي!قال: و اللّه لأنقعنّك في دمك‏[4]أو تأتينّي ببيّنة على ذلك؛ قال: فخرج و معه حرسيّ‏[5] لا يدري أين يذهب به، فلقيه ابن الريّان‏[6]المكيّ فسأله؛ فقال: أنا أشهد لك؛ فمضى حتى دخل على عبد الصمد؛ فقال له: بم تشهد لهذا؟قال: أشهد أني رأيته مرّة عطس عطسة فسقط[7]ضرسه؛ فضحك عبد الصمد و خلّى سبيله.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد قال حدّثنا الزبير قال:

قال محمد بن إبراهيم الإمام للدارميّ: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك؛ قال: فديتك!إن لم تصلح عليّ ثيابك صلحت عليّ دنانيرك.

الدارمي مع نسوة من الأعراب:

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزبير، و نسخت من كتاب هارون بن محمد: حدّثنا الزبير قال حدّثني يونس بن عبد اللّه الخيّاط قال:

/خرج الدارميّ مع السّعاة[8]، فصادف جماعة منهم قد نزلوا على الماء فسألهم فأعطوه دراهم، فأتى بها في ثوبه، و أحاط به أعرابيّات فجعلن يسألنه و ألححن عليه و هو يردّهن؛ فعرفته صبيّة منهنّ فقالت: يا أخواتي، أ تدرين [1]في أ، م: «في اليسرة و العسرة» .

[2]البنية: الكعبة.

[3]كذا في ط. و في باقي الأصول: «يا عاض كذا و كذا من أمه» .

[4]لأنقعنك في دمك: لأريقن دمك حتى تقرّ فيه كما يقرّ الشي‏ء الجامد في الماء و نحوه.

[5]الحرس: الأعوان. قال في «المصباح» : جعل علما على الجمع هذه الحالة المخصوصة و لا يستعمل له واحد من لفظه، و لهذا نسب إلى الجمع، و لو جعل الحرس هنا جمع حارس لقيل حارسيّ. قالوا: و لا يقال حارسيّ إلا إذا ذهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس.

[6]ابن الريان: هو أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن هشام المكيّ. و في ط، ء: «أبو الزناد المكيّ» .

[7]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «سقط» .

[8]السعاة: جمع ساع و هو العامل على الصدقات، يأخذها من الأغنياء و يردها على الفقراء.

36

من تسألن منذ اليوم؟هذا الدارميّ السائل. ثم أنشدت:

إذا كنت لا بدّ مستطعما # فدع عنك من كان يستطعم‏

فولّى الدارميّ هاربا منهنّ و هنّ يتضاحكن به.

الدارمي و الأوقص القاضي:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب الزبيريّ قال:

أتى الدارميّ الأوقص القاضي بمكّة في شي‏ء فأبطأ عليه فيه، و حاكمه إليه خصم له في حقّ، فحبسه به حتى أدّاه إليه. فبينا الأوقص يوما في المسجد الحرام يصلّي و يدعو و يقول: يا ربّ أعتق رقبتي من النار، إذ قال له الدارميّ و الناس يسمعون: أولك رقبة تعتق!لا و اللّه ما جعل اللّه، و له الحمد، لك من عتق و لا رقبة!فقال له الأوقص: ويلك!و من أنت؟قال: أنا الدارميّ، حبستني و قتلتني؛ قال: لا تقل ذلك و ائتني فإني أعوّضك؛ فأتاه ففعل ذلك به.

نادرة له مع عبد الصمد بن علي:

أخبرني الحرميّ أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال:

مدح الدارميّ عبد الصمد بن عليّ بقصيدة و استأذنه في الإنشاد فأذن له؛ فلما فرغ أدخل إليه رجل من الشّراة[1]؛ فقال لغلامه: أعط هذا مائة دينار و اضرب عنق/هذا؛ فوثب الدارميّ فقال: بأبي أنت و أمي!برّك و عقوبتك جميعا نقد!فإن رأيت أن تبدأ بقتل هذا، فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني!فإني لن أريم من حضرتك حتى يفعل ذلك؛ قال: و لم ويلك؟قال: أخشى أن يغلط فيما بيننا، و الغلط في هذا لا يستقال؛ فضحك و أجابه إلى ما سأل.

نادرة له في مرضه:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي قال:

أصابت الدارميّ قرحة في صدره، فدخل إليه بعض أصدقائه يعوده. فرآه قد نفث/من فيه نفثا أخضر، فقال له: أبشر، قد اخضرّت القرحة و عوفيت؛ فقال: هيهات!و اللّه لو نفثت كلّ زمرّدة في الدنيا ما أفلتّ منها.

صوت من المائة المختارة

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا # زدت الفؤاد على علاّته وصبا

ربع تبدّل ممّن كان يسكنه # عفر الظّباء و ظلمانا به عصبا[2]

الشعر لهلال بن الأسعر المازنيّ، أخبرني بذلك وكيع عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه. و هكذا هو في رواية عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ. و من لا يعلم ينسبه إلى عمر ابن أبي ربيعة و إلى الحارث بن خالد و نصيب، و ليس [1]الشراة: الخوارج، سموا بذلك لقولهم: «إننا شرينا أنفسنا في طاعة اللّه» أي بعناها بالجنة.

[2]الظلمان (بالضم و الكسر) : جمع ظليم و هو ذكر النعام. و العصب: الجماعات.

37

كذلك. و الغناء في اللحن المختار لعزّور[1]الكوفيّ، و من الناس من يقول عزّون بالنون و تشديد الزاي، و هو رجل من أهل الكوفة غير مشهور و لا كثير الصنعة، و لا أعلم أنّي سمعت له بخبر و لا صنعة/غير هذا الصوت. و لحن هذا المختار ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، و هكذا نسبه في الاختيار الواثقيّ. و ذكر عمرو بن بانة أنّ فيه لابن عائشة لحنا من الثقيل الأول بالبنصر. و في أخبار الغريض عن حمّاد أنّ له فيه ثقيلا أول. و قال الهشاميّ: فيه لعبد اللّه بن العبّاس لحن من الثقيل الثاني. و ذكر حبش أنّ فيه لحسين بن‏[2]محرز خفيف رمل‏[3]بالبنصر.

[1]كذا في أكثر النسخ. و في أ، م: «عزوز» . و في حـ: «غزون» .

[2]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س، حـ: «الحسين بن محمد بن محرز» .

[3]في أ، م: «خفيف ثقيل بالبنصر» . و في حـ: «ثقيلا بالبنصر» .

38

20-أخبار هلال و نسبه‏

نسبه و هو شاعر أموي شجاع أكول:

هو، فيما ذكر خالد بن كلثوم، هلال بن الأسعر بن خالد بن الأرقم بن قسيم‏[1]بن ناشرة بن سيّار بن رزام بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية، و أظنه قد أدرك الدولة العباسية، و كان رجلا شديدا عظيم الخلق أكولا معدودا من الأكلة. قال أبو عمرو: و كان هلال فارسا شجاعا شديد البأس و البطش أكثر الناس أكلا و أعظمهم في حرب غناء. هذا لفظ أبي عمرو. و قال أبو عمرو: و عمّر هلال بن أسعر عمرا طويلا و مات بعد بلايا عظام مرّت على رأسه. قال: و كان رجل من قومه من بني رزام بن مالك يقال له المغيرة بن قنبر يعوله و يفضل عليه و يحتمل ثقله و ثقل عياله فهلك، فقال هلال يرثيه:

كان المغيرة بن قنبر يعوله فلما مات رثاه:

ألا ليت المغيرة كان حيّا # و أفنى قبله الناس الفناء

ليبك على المغيرة كلّ خيل # إذا أفنى عرائكها[2]اللّقاء

ويبك على المغيرة كلّ كلّ # فقير كان ينعشه العطاء

ويبك على المغيرة كلّ جيش # تمور[3]لدى معاركه الدّماء

فتى الفتيان فارس كلّ حرب # إذا شالت‏[4]و قد رفع اللّواء

/لقد وارى جديد[5]الأرض منه # خصالا عقد عصمتها الوفاء

فصبرا للنوائب إن ألمّت # إذا ما ضاق بالحدث الفضاء

هزبر تنجلي الغمرات عنه # نقيّ العرض همّته العلاء

/إذا شهد الكريهة خاض منها # بحورا لا تكدّرها الدّلاء

جسور لا يروّع عند روع‏[6] # و لا يثني عزيمته اتّقاء

[1]سمي بقسيم كأمير و قسيم كزبير. و قد ضبط هذا الاسم بالقلم في ط كزبير.

[2]العرائك: جمع عريكة. و أصل العريكة سنام البعير، و تقال على النفس، و على القوّة و الشدّة، و لعل هذا المعنى هو المراد في هذا البيت. و قد فسرت العريكة بمعنى الشدّة و القوّة في قول الأخطل:

من اللواتي إذا لانت عريكتها # كان لها بعدها آل و مجهود

(أنظر «اللسان» مادة عرك) .

[3]تمور: تجري و تسيل.

[4]شالت الحرب: تهيأت الآن يخوض الأبطال غمارها. و هو من شالت الناقة إذا رفعت ذنبها للقاح.

[5]يريد بجديد الأرض قبره الذي جدّ منها و حفر ليدفن فيه.

[6]في ط:

39

حليم في مشاهده إذا ما # حبا الحلماء أطلقها المراء[1]

حميد في عشيرته فقيد[2] # يطيب عليه في الملأ الثناء

فإن تكن المنية أقصدته‏[3] # و حمّ‏[4]عليه بالتلف القضاء

فقد أودى به كرم و خير[5] # و عود بالفضائل و ابتداء

وجود لا يضمّ إليه جودا # مراهنه إذا جدّ الجراء[6]

كان عاديّ الخلق صبورا على الجوع:

و قال خالد بن كلثوم: كان هلال بن الأسعر، فيما ذكروا، يرد مع الإبل فيأكل ما وجد عند أهله ثم يرجع إليها و لا يتزوّد طعاما و لا شرابا حتى يرجع يوم ورودها، لا يذوق فيما بين ذلك طعاما و لا شرابا، و كان عاديّ الخلق‏[7] لا توصف صفته.

حكايات عن قوّته:

قال/خالد بن كلثوم فحدّثنا عنه من أدركه: أنه كان يوما في إبل له، و ذلك عند الظّهيرة في يوم شديد وقع الشمس محتدم الهاجرة و قد عمد إلى عصاه فطرح عليها كساءه ثم أدخل رأسه تحت كسائه من الشمس، فبينا هو كذلك إذ مرّ به رجلان أحدهما من بني نهشل و الآخر من بني فقيم‏[8]، كانا أشدّ تميميّين في ذلك الزمان بطشا، يقال لأحدهما الهيّاج، و قد أقبلا من البحرين و معهما أنواط[9]من تمر هجر[10]، و كان هلال بناحية الصّعاب‏[11]؛ فلما انتهيا إلى الإبل، و لا يعرفان هلالا بوجهه و لا يعرفان أن الإبل له، ناديا: يا راعي، أ عندك شراب تسقينا؟و هما يظنّانه عبدا لبعضهم؛ فناداهما هلال و رأسه تحت كسائه: عليكما الناقة[12]التي صفتها كذا في موضع كذا ()

جسور لا يوزع منه روع‏

يريد أنه ثابت الجنان لا يفزع.

[1]حبا: جمع حبوة و هي الثوب الذي يحتبي به، و اسم للاحتباء بالثوب أي الاشتمال به. و إطلاق الحبا يكنى به عن السفه و الطيش.

و المراء: المجادلة و الملاجة و المخاصمة.

[2]فقيد: يفتقده العافون و يطلبونه.

[3]أقصدته: أصابته.

[4]حم: قضى و قدر.

[5]الخير: (بالكسر) الشرف.

[6]مراهنه: مسابقه. و الجراء: مصدر كالمجاراة و هي المسابقة و المفاخرة.

[7]عاديّ الخلق: عملاق ضخم الجسم، نسبة إلى عاد. و العرب تضرب المثل بأحلام عاد لما تتصور من عظم خلقها، و تزعم أن أحلامها على مقادير أجسامها. قال الشاعر:

كأنما ورثوا لقمان حكمته # علما كما ورثوا الأحلام من عاد

[8]في ط، أ، م: «بني تيم» .

[9]أنواط: جمع نوط، و النوط: الجلة الصغيرة فيها التمر و نحوه.

[10]هجر: مدينة و هي قاعدة البحرين، و قبل ناحية البحرين كلها هجر، و هو الصواب.

[11]الصعاب: اسم جبل بين اليمامة و البحرين، و قيل: رمال بين البصرة و اليمامة صعبة المسالك.

[12]في ب، س، حـ: «عليكما بالناقة» . و هو كما يتعدى بنفسه يتعدى بالباء. ـ

40

فأنيخاها[1]فإنّ عليها و طبين‏[2]من لبن، فاشربا منهما ما بدا لكما. قال فقال له أحدهما: ويحك!انهض يا غلام فأت بذلك اللبن!فقال لهما: إن تك لكما حاجة فستأتيانها فتجدان‏[3]الوطبين فتشربان؛ قال فقال أحدهما: إنك يا ابن اللّخناء لغليظ الكلام، قم فاسقنا، ثم دنا من هلال و هو على تلك الحال. و قال لهما، حيث قال له أحدهما:

«إنك يا ابن اللخناء لغليظ الكلام» ، أراكما و اللّه ستلقيان هوانا و صغارا؛ و سمعا ذلك منه، فدنا أحدهما فأهوى له ضربا بالسّوط على عجزه و هو مضطجع، فتناول هلال يده فاجتذبه إليه و رماه تحت فخذه ثم ضغطه ضغطة؛ فنادى صاحبه: ويحك أغثني قد قتلني!فدنا/صاحبه منه، فتناوله هلال أيضا فاجتذبه فرمى به تحت فخذه الأخرى، ثم أخذ برقابهما فجعل يصكّ برءوسهما[4]بعضا ببعض لا يستطيعان أن يمتنعا منه؛ فقال أحدهما: كن هلالا و لا نبالي‏[5]ما صنعت؛ فقال لهما: أنا و اللّه هلال، و لا و اللّه لا تفلتان منّي حتى تعطياني عهدا و ميثاقا لا تخيسان‏[6] به: لتأتيانّ المربد[7]إذا قدمتما البصرة، ثم لتناديانّ بأعلى أصواتكما بما كان منّي و منكما؛ فعاهداه و أعطياه نوطا من التمر الذي معهما، و قدما البصرة فأتيا المربد فناديا بما كان منه و منهما.

و حدّث خالد عن كنيف‏[8]بن عبد اللّه المازنيّ قال: كنت يوما مع هلال و نحن نبغي إبلا لنا، فدفعنا إلى قوم من بكر بن وائل و قد لغبنا[9]و عطشنا، و إذا نحن بفتية شباب عند ركيّة[10]لهم/و قد وردت إبلهم، فلما رأوا هلالا استهولوا خلقه و قامته، فقام رجلان منهم إليه فقال له أحدهما: يا عبد اللّه، هل لك في الصّراع؟فقال له هلال: أنا إلى غير ذلك أحوج؛ قال: و ما هو؟قال: إلى لبن و ماء فإنّني لغب ظمآن؛ قال: ما أنت بذائق من ذلك شيئا حتى تعطينا عهدا لتجيبنّنا إلى الصّراع إذا أرحت‏[11]و رويت؛ فقال لهما هلال: إنني لكم ضيف، و الضيف لا يصارع [آهله‏[12]و]ربّ منزله، و أنتم مكتفون من ذلك بما أقول لكم: اعمدوا إلى أشدّ فحل في إبلكم و أهيبه صولة و إلى أشدّ رجل منكم ذراعا، فإن لم أقبض على هامة البعير و على يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل و لا البعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير، فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني، و إن فعلته علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك. قال: فعجبوا من مقالته تلك، و أومئوا إلى فحل في إبلهم هائج صائل قطم‏[13]؛ فأتاه هلال و معه نفر من [1]في ء و إحدى روايتي ط: «فاقصداها» . و في ط: «فانتحياها» .

[2]الوطب: سقاء اللبن خاصة.

[3]في ط، ء، حـ: «فتحذران» . و حدر الشي‏ء: أنزله من علو.

[4]الجمع في رءوسهما دون التثنية لكراهة اجتماع تثنيتين مع ظهور المراد، و هو في مثل ذلك أكثر استعمالا من التثنية و الإفراد، و في القرآن الكريم: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمََا .

[5]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «و لا تبالي» بالتاء.

[6]لا تخيسان به: لا تغدران به و لا تنكثان.

[7]المربد: من أشهر محال البصرة، و كان يكون سوق الإبل فيه قديما ثم صار محلة عظيمة سكنها الناس و به كانت مفاخرات الشعراء و مجالس الخطباء.

[8]كذا في كذا. و في سائر النسخ: «كفيف» و في «القاموس» و شرحه مادة كنف أنه سمى بكنيف كزبير. و لم نعثر على أنه سمي بكفيف.

[9]لغبنا: تعبنا و أصابنا الإعياء.

[10]الركية: البئر لأنها مركوة أي محفورة.

[11]أراح الرجل: رجعت إليه نفسه بعد الإعياء.

[12]زيادة في ط، أ، م، ء. و الآهل: من قولهم أهل. إذا أنس به.

[13]كذا في ط و القطم: الهائج. و في سائر النسخ: «فطم» بالفاء و هو تحريف.

41

أولئك القوم و شيخ لهم، فأخذ بهامة الفحل مما فوق مشفره فضغطها ضغطة جرجر الفحل‏[منها][1]و استخذى و رغا، و قال: ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل. قال فقال الشيخ: يا قوم تنكّبوا هذا الشيطان، فو اللّه ما سمعت فلانا[2] (يعني الفحل) [3]جرجر منذ بزل‏[4]قبل اليوم، فلا تعرضوا لهذا الشيطان. و جعلوا يتبعونه و ينظرون إلى خطوه و يعجبون من طول أعضائه حتى جازهم.

صارع في المدينة عبدا بأمر أميرها:

قال و حدّثنا من سمع هلالا يقول: قدمت المدينة و عليها رجل من آل مروان، فلم أزل أضع عن إبلي و عليها أحمال للتجار حتى أخذ بيدي و قيل لي: أجب الأمير. قال: قلت لهم: ويلكم!إبلي و أحمالي!فقيل: لا بأس على إبلك و أحمالك. قال: فانطلق بي حتى أدخلت على الأمير، فسلّمت عليه ثم قلت: جعلت فداك!إبلي و أمانتي!قال فقال: نحن ضامنون لإبلك و أمانتك حتى نؤدّيها إليك. قال فقلت/عند ذلك: فما حاجة الأمير إليّ جعلني اللّه فداه؟قال فقال لي-و إلى جنبه رجل أصفر، لا[5]و اللّه ما رأيت رجلا قطّ أشدّ خلقا منه و لا أغلظ عنقا، ما أدري أطوله أكثر أم عرضه-: إن هذا العبد الذي ترى لا و اللّه ما ترك بالمدينة عربيّا[6]يصارع إلا صرعه، و بلغني عنك قوّة، فأردت أن يجري اللّه صرع هذا العبد على يديك فتدرك ما عنده من أوتار العرب. قال فقلت: جعلني اللّه فداء الأمير، إني لغب نصب جائع، فإن رأى الأمير أن يدعني اليوم حتى أضع عن إبلي و أؤدّي أمانتي و أريح يومي هذا و أجيئه غدا فليفعل. قال فقال لأعوانه: انطلقوا معه فأعينوه على الوضع عن إبله و أداء أمانته و انطلقوا به إلى المطبخ فأشبعوه؛ ففعلوا جميع ما أمرهم به. قال: فظللت بقية يومي ذلك و بتّ ليلتي تلك بأحسن حال شبعا و راحة و صلاح أمر، فلما كان من الغد غدوت عليه و عليّ جبّة لي صوف و بتّ‏[7]و ليس عليّ إزار إلا أني قد شددت بعمامتي وسطي، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، و قال للأصفر: قم إليه، فقد أرى أنه أتاك اللّه بما يخزيك؛ فقال العبد: اتّزر يا أعرابيّ؛ فأخذت بتّي فاتّزرت به على جبّتي؛ فقال: هيهات!هذا لا يثبت، إذا قبضت عليه جاء في يدي؛ قال فقلت: و اللّه ما لي من إزار؛ قال: فدعا الأمير بملحفة ما رأيت قبلها و لا علا جلدي مثلها، فشددت بها على حقوي‏[8]و خلعت الجبّة؛ قال: و جعل العبد يدور/حولي و يريد ختلي و أنا منه وجل و لا أدري كيف أصنع به، ثم دنا مني دنوة فنقد[9]جبهتي بظفرة نقدة[حتى‏][10]ظننت أنه قد شجّني و أوجعني، /فغاظني ذلك، فجعلت أنظر [1]زيادة يقتضيها السياق. و جرجر: ردد صوته في حنجرته. و استخذى: خضع.

[2]كذا في جميع النسخ، و لكن الذي قاله أئمة اللغة أن فلانا و فلانة بغير أل يكنى بهما عن الآدميين، و الفلان و الفلانة بأل يكنى بهما عن غيرهم.

[3]كذا في أ، م. و في بقية الأصول: «يعني هذا الفحل» .

[4]في ط: «برك» و في سائر النسخ: «نزل» بالنون بدل الباء، و كلتاهما محرفة عن «بزل» . و بزل البعير: فطر نابه و دخل في سنته التاسعة.

[5] «لا» هذه زائدة، و العرب يزيدونها قبل القسم تمهيدا لنفي الجواب.

[6]كذا في ء، ط. و في حـ، و في حـ، ب: «عبدا» . و في س، أ، م: «عبدا عربيا» .

[7]البت: كساء غليظ مهلهل مربع أخضر. و قيل: هو من وبر و صوف.

[8]الحقو: الخصر.

[9]كذا في ء، ط. و نقد الشي‏ء: نقره بإصبعه. و في باقي النسخ: «فنفذ جبهتي بظفره نفذة» و نفذ الشي‏ء الشي‏ء: خرقه. و المقام هنا يأباه.

[10]الزيادة عن أ، م.

42

في خلقه بم أقبض منه، فما وجدت في خلقه شيئا أصغر من رأسه، فوضعت إبهاميّ في صدغيه‏[1]و أصابعي الأخر في أصل أذنيه، ثم غمزته غمزة صاح منها: قتلتني!قتلتني!فقال الأمير: اغمس رأس العبد في التراب؛ قال فقلت له: ذلك لك عليّ؛ قال: فغمست و اللّه رأسه في التراب و وقع شبيها بالمغشيّ عليه، فضحك الأمير حتى استلقى و أمر لي بجائزة[2]و كسوة و انصرفت.

قتل رجلا من بني جلان استجار بمعاذ فقبض عليه للثأر منه، ثم فر إلى اليمن و شعره في ذلك:

قال أبو الفرج: و لهلال أحاديث كثيرة من أعاجيب شدّته. و قد ذكره حاجب بن ذبيان‏[3]فقال لقوم من بني رباب من بني حنيفة في شي‏ء كان بينهم فيه أربع ضربات بالسيف، فقال حاجب:

و قائلة و باكية بشجو # لبئس السيف سيف بني رباب

و لو لاقى هلال بني رزام # لعجّله إلى يوم الحساب‏

و كان هلال بن الأسعر ضربه رجل من بني عنزة ثم من بني جلاّن يقال له عبيد بن جريّ‏[4]في شي‏ء كان بينهما، فشجّه و خمشه‏[5]خماشة، فأتى هلال بني جلاّن فقال: إن صاحبكم قد فعل بي ما ترون فخذوا لي بحقّي، فأوعدوه و زجروه‏[6]؛ فخرج من عندهم و هو يقول: عسى أن يكون لهذا جزاء حتى أتى بلاد قومه؛ فمضى/لذلك زمن طويل حتى درس ذكره؛ ثم إن عبيد بن جريّ قدم الوقبي-و هو موضع من بلاد بني مالك-فلما قدمها ذكر هلالا و ما كان بينه و بينه فتخوّفه؛ فسأل عن أعزّ أهل الماء، فقيل له: معاذ بن جعدة بن ثابت بن زرارة بن ربيعة بن سيّار بن رزام بن مازن؛ فأتاه فوجده غائبا عن الماء، فعقد عبيد بن جريّ طرف ثيابه إلى جانب طنب بيت معاذ- و كانت العرب إذا فعلت ذلك وجب على المعقود بطنب بيته للمستجير به أن يجيره و أن يطلب له بظلامته-و كان يوم فعل ذلك غائبا عن الماء، فقيل: رجل استجار بآل معاذ بن جعدة. ثم خرج عبيد بن جريّ ليستقي، فوافق قدوم هلال بإبله يوم وروده، و كان إنما يقدمها في الأيام، فلما نظر هلال إلى ابن جريّ ذكر ما كان بينه و بينه، و لم يعلم باستجارته بمعاذ بن جعدة، فطلب شيئا يضربه به فلم يجده، فانتزع المحور[7]من السّانية فعلاه به ضربة على رأسه فصرع و وقيذا[8 و قيل: قتل هلال بن الأسعر جار معاذ بن جعدة!فلما سمع ذلك هلال تخوّف بني جعدة الرّزاميّين، و هم بنو عمه، فأتى راحلته ليركبها. قال‏[9]هلال: فأتتني خولة بنت يزيد[10]بن ثابت أخي بني [1]كذا في ط، ء. و في ب، س، حـ: «فوضعت إبهامي في صدغه و أصابعي الأخر في أصل أذنه الأخرى» . و في أ، م: «في أصل أذنه» بدون الأخرى.

[2]كذا في أغلب النسخ. و في ب، س: «بجائزة وصلة و كسوة» . و في حـ: «بجائزة و صلة و كسوة و مئزرة ثم انحدرت إلخ» .

[3]كذا في ء و هامش ط، و هكذا ورد في «تاريخ ابن جرير الطبري» في حوادث سنة 10 طبع أوروبا. و في حـ: «صاحب بن ذبيان» و في باقي الأصول «حاجب بن دينار» .

[4]كذا في أكثر النسخ. و في ط، حـ: «حرى» بالحاء المهملة.

[5]الخمش: الخدش في الوجه، و قد يستعمل للخدش في سائر الجسد.

[6]كذا في أ، م، س. و في باقي النسخ: «زبروه» .

[7]المحور الحديدة التي تجمع بين الخطاف و البكرة. و السانية: الدلو العظيمة مع أدواتها.

[8]الوقيذ: الدنف الذي أشفى على الموت.

[9]كذا في أ، م، حـ. و في سائر النسخ: «فقال» و لا موقع لهذه الفاء.

[10]في ط، حـ، ء: «زيد» .

43

جعدة بن ثابت، و هي جدّة أبي السّفّاح زهيد[1]بن عبد اللّه بن مالك أمّ أبيه، فتعلّقت بثوب هلال، ثم قالت: أي عدوّ اللّه قتلت جارنا!و اللّه لا تفارقني حتى يأتيك رجالنا!قال هلال: و المحور في يدي لم أضعه؛ قال: فهممت أن أعلو به رأس خولة، ثم قلت في نفسي: عجوز لها سنّ و قرابة!قال: فضربتها برجلي ضربة رميت بها من بعيد، ثم أتيت/ناقتي فأركبها[2]ثم أضربها هاربا. و جاء معاذ بن جعدة و إخوته-و هم يومئذ تسعة إخوة-و عبد اللّه بن مالك زوج لبنت معاذ[و][3]يقال لها جبيلة، و هو مع/ذلك ابن عمتهم خولة بنت يزيد بن ثابت، فهو معهم كأنه بعضهم؛ فجاءوا من آخر النهار فسمعوا الواعية[4]على الجلاّنيّ و هو دنف لم يمت، فسألوا عن تلك الواعية فأخبروا بما كان من استجارة الجلاّنيّ بمعاذ بن جعدة و ضرب هلال له من بعد ذلك؛ فركب الاخوة التسعة و عبد اللّه بن مالك عاشرهم، و كانوا أمثال الجبال في شدّة خلقهم مع نجدتهم، و ركبوا معهم بعشرة غلمة لهم أشدّ منهم خلقا لا يقع لأحد منهم سهم في غير موضع يريده من رميّته، حتى تبعوا هلالا؛ و قد نسل‏[5]هلال من الهرب يومه ذلك كلّه و ليلته، فلما أصبح أمنهم و ظنّ أن قد أبعد في الأرض و نجا منهم؛ و تبعوه، فلما أصبحوا من تلك الليلة قصّوا[6] أثره، و كان لا يخفى أثره على أحد لعظم قدمه، فلحقوه من بعد الغد، فلما أدركوه و هم عشرون و معهم النّبل و القسيّ و السيوف و التّرسة[7]، ناداهم: يا بني جعدة، إني أنشدكم اللّه!أن أكون قتلت رجلا غريبا طلبته بترة تقتلوني و أنا ابن عمّكم!و ظنّ أنّ الجلاّنيّ قد مات، و لم يكن مات إلى أن تبعوه و أخذوه؛ فقال معاذ: و اللّه لو أيقنّا أنه قد مات ما ناظرنا بك‏[8]القتل من ساعتنا و لكنّا تركناه و لم يمت، و لسنا نحبّ قتلك إلاّ أن تمتنع منا، و لا نقدم عليك حتى نعلم ما يصنع جارنا؛ فقاتلهم و امتنع منهم، فجعل معاذ يقول لأصحابه و غلمانه: لا ترموه/بالنبل و لا تضربوه بالسيوف، و لكن ارموه بالحجارة و اضربوه بالعصيّ حتى تأخذوه؛ ففعلوا ذلك، فما قدروا على أخذه حتى كسروا من إحدى يديه ثلاث أصابع و من الأخرى إصبعين، و دقّوا ضلعين من أضلاعه و أكثروا الشّجاج في رأسه، ثم أخذوه و ما كادوا يقدرون على أخذه، فوضعوا في رجله أدهم‏[9]، ثم جاءوا به و هو معروض على بعير حتى انتهوا به إلى الوقبى فدفعوه إلى الجلاّني و لم يمت بعد، فقالوا[10]: انطلقوا به معكم إلى بلادكم و لا تحدثوا في أمره شيئا حتى تنظروا ما يصنع بصاحبكم، فإن مات فاقتلوه و إن حيي فأعلمونا حتى نحمل لكم أرش‏[11]الجناية. فقال الجلاّنيّون: وفت ذمّتكم يا بني جعدة، و جزاكم اللّه أفضل ما يجزي به خيار الجيران، إنّا نتخوّف أن ينزعه منّا قومكم إن خلّيتم عنّا و عنهم و هو في أيدينا؛ فقال لهم معاذ: فإني أحمله معكم و أشيّعكم حتى تردوا بلادكم، ففعلوا ذلك، [1]كذا في أكثر النسخ. و في إحدى روايتي ط: «مهند» . و في حـ: «و هي جدة أبي السفاح و هي بنت عبد اللّه إلخ» .

[2]في حـ: «فركبتها» .

[3]هذه الواو ساقطة من ب، س، حـ.

[4]الواعية: الصراخ على الميت.

[5]نسل: أسرع في سيره.

[6]قص أثره قصا و قصصا: تتبعه.

[7]الترسة: جمع ترس، و هو صفيحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف.

[8]ما ناظرنا بك القتل: ما أخرناه. و لم نجد هذه الصيغة بهذا المعنى في كتب اللغة التي بين أيدينا.

[9]الأدهم: القيد.

[10]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، حـ: «فقال» .

[11]الأرش: دية الجراحات.

44

فحمل معروضا على بعير و ركبت أخته جماء[1]بنت الأسعر معه، و جعل يقول: قتلتني بنو جعدة!و تأتيه أخته بمغرة[2]فيشربها فيقال: يمشي‏[3]بالدّم، لأن بني جعدة فرثوا[4]كبده في جوفه. فلمّا بلغوا أدنى بلاد بكر بن وائل قال الجلاّنيّون لمعاذ و أصحابه: أدام اللّه عزّكم، و قد وفيتم فانصرفوا. و جعل هلال يريهم أنّه يمشي في اللّيلة عشرين مرّة. فلمّا ثقل الجلاّنيّ و تخوّف هلال أن يموت من ليلته أو يصبح ميّتا، تبرّز هلال كما كان يصنع و في رجله الأدهم كأنه يقضي حاجة، و وضع كساءه على عصاه في ليلة ظلماء، ثم اعتمد على الأدهم فحطمه، ثم طار تحت ليلته على رجليه، و كان أدلّ الناس فتنكّب الطّريق التي تعرف و يطلب فيها/و جعل يسلك المسالك التي لا يطمع فيها. حتّى انتهى إلى رجل من بني أثاثة بن مازن يقال له السّعر بن يزيد بن طلق‏[5]بن جبيلة بن أثاثة بن مازن، فحمله السّعر على ناقة له يقال لها ملوة، فركبها ثمّ تجنّب بها الطريق/فأخذ نحو بلاد قيس بن عيلان، تخوّفا من بني مازن أن يتبعوه أيضا فيأخذوه، فسار ثلاث ليال و أيّامها حتّى نزل اليوم الرّابع، فنحر الناقة فأكل لحمها كلّه إلا فضلة فضلت منها فاحتملها، ثم أتى بلاد اليمن فوقع بها، فلبث زمانا و ذلك عند مقام‏[6]الحجاج بالعراق، فبلغ إفلاته من بالبصرة من بكر بن وائل، فانطلقوا إلى الحجّاج فاستعدوه و أخبروه بقتله صاحبهم؛ فبعث الحجاج إلى عبد اللّه بن شعبة بن العلقم، و هو يومئذ عريف بني مازن حاضرتهم و باديتهم، فقال له: لتأتينّي بهلال أو لأفعلنّ بك و لأفعلن؛ فقال له عبد اللّه بن شعبة: إن أصحاب هلال و بني عمّه قد صنعوا كذا و كذا: فاقتصّ عليه ما صنعوا في طلبه و أخذه و دفعه إلى الجلاّنيّين و تشييعهم إيّاه حتّى وردوا بلاد بكر بن وائل؛ فقال له الحجّاج: ويلك!ما تقول؟ قال فقال بعض البكريّين: صدق، أصلح اللّه الأمير؛ قال فقال الحجّاج: فلا يرغم اللّه إلاّ أنوفكم‏[7]، اشهدوا أنّي قد آمنت كلّ قريب لهلال و حميم و عريف و منعت من أخذ أحد به و من طلبه حتّى يظفر به البكريّون أو يموت قبل ذلك.

فلمّا وقع هلال إلى بلاد اليمن بعث إلى بني رزام بن مازن‏[8]بشعر يعاتبهم فيه و يعظّم عليهم حقّه و يذكر قرابته، و ذلك أنّ سائر بني مازن قاموا ليحملوا ذلك الدّم، فقال معاذ: /لا أرضى و اللّه أن يحمل لجاري دم واحد حتى يحمل له دم و لجواري دم آخر، و إن أراد هلال الأمان وسطنا حمل له دم ثالث؛ فقال هلال في ذلك:

بني مازن لا تطردوني فإنّني # أخوكم و إن جرّت جرائرها[9]يدي

و لا تثلجوا أكباد بكر بن وائل # بترك أخيكم كالخليع المطرّد

و لا تجعلوا حفظي بظهر و تحفظوا # بعيدا ببغضاء يروح و يغتدي‏[10]

فإنّ القريب حيث كان قريبكم # و كيف بقطع الكفّ من سائر اليد

[1]كذا في ب، س، حـ. و في ء، أ، م «حماء» بالحاء المهملة و المد و في ط: «حما» بالحاء المهملة مقصورا.

[2]المغرة (بالفتح و بالتحريك) : طين أحمر يصبغ به.

[3]أمشى الرجل: استطلق بطنه من دواء تناوله.

[4]فرثوا كبده: ضربوها و هو حيّ.

[5]في ط، ء: «علق» و في أ، م: «على» .

[6]كذا في ب، س، حـ. و في باقي الأصول: «عند مقدم الحجاج العراق» .

[7]كذا في أكثر الأصول، و في س: «أنوفهم» .

[8]كذا في ط، حـ، ء. و في سائر النسخ: «مالك» و مالك جد رزام لا أبوه (راجع أول هذه الترجمة) .

[9]الجرائر: جمع جريرة و هي الذنب و الجناية.

[10]كذا في ط، ء. و هو الأقرب إلى الصواب. و في باقي النسخ: «تروح و تغتدي» بالتاء.

45

و إن البعيد إن دنا فهو جاركم # و إن شطّ عنكم فهو أبعد أبعد

و إنّي و إن أوجدتموني‏[1]لحافظ # لكم حفظ راض عنكم غير موجد

سيحمي حماكم بي و إن كنت غائبا # أغرّ إذا ما ريع لم يتبلّد

و تعلم بكر أنّكم حيث كنتم # و كنت من الأرض الغريبة محتدي

و أنّي ثقيل حيث كنت على العدا # و أنّي و إن أوحدت لست بأوحد

و أنهم لمّا أرادوا هضيمتي # منوا[2]بجميع القلب عضب مهنّد

حسام متى يعزم على الأمر يأته # و لم يتوقّف للعواقب في غد

و هم بدءوا بالبغي حتّى إذا جزوا # بأفعالهم قالوا لجازيهم‏[3]قد[4]

فلم يك منهم في البديهة[5]منصف # و لم يك فيهم في العواقب مهتدي

/و لم يفعلوا فعل الحليم فيجملوا[6] # و لم يفعلوا فعل العزيز المؤيّد

فإن يسر لي إيعاد[7]بكر فربّما # منعت الكرى بالغيظ من متوعّد

و ربّ حمى قوم أبحت و مورد # وردت بفتيان الصباح و مورد

/و سجف دجوجيّ من الليل حالك # رفعت بعجلي الرّجل موّارة اليد[8]

سفينة خوّاض بحور همومه # قليل التياث‏[9]العزم عند التردّد

جسور على الأمر المهيب إذا ونى # أخو الفتك ركّاب قرى‏[10]المتهدّد

و قال و هو بأرض اليمن:

أقول و قد جاوزت نعمى و ناقتي # تحنّ إلى جنبي‏[11]فليج‏[12]مع الفجر

سقى اللّه يا ناق البلاد التي بها # هواك، و إن عنّا نأت، سبل‏[13]القطر

[1]كذا في ط، حـ، ء. و أوجدتموني: أغضبتموني، من وجد يجد وجدا و جدة و موجدة إذا غضب. و تعدية الفعل بالهمزة في مثل هذا قياسية على المختار. و في باقي النسخ: «أوحدتموني» بالحاء، أي جعلتموني وحيدا منفردا.

[2]منوا: ابتلوا.

[3]في ط، ء: «لجاريهم» بالراء، و التحريف فيها واضح. و في سائر النسخ: «لجارهم» و هو تحريف.

[4]قد: اسم فعل بمعنى يكفي.

[5]البديهة: أول الشي‏ء.

[6]كذا في ط. و في ب، س، حـ: «فيحلموا» .

[7]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «إبعاد» بالباء الموحدة و هو تحريف.

[8]يريد بموّارة اليد: الناقة: أي أن يدها كثيرة التردد في عرض جنبها، يعني أنها سهلة السير سريعته.

[9]كذا في ط، ء. و الالتياث: الإبطاء. و في سائر النسخ: «ثبات» .

[10]القرى (بالتحريك) : الظهر، و قيل: وسطه.

[11]في ط، ء: «خيفي فليج» .

[12]كذا في ط، ء: و «معجم ياقوت» . و في باقي النسخ: «فليح» بالحاء و هو تصحيف.

[13]السبل: المطر النازل من السحاب قبل أن يصل إلى الأرض.

46

فما

عن قلى منّا لها خفّت النّوى # بنا عن مراعيها و كثبانها العفر

و لكنّ صرف الدّهر فرّق بيننا # و بين الأداني، و الفتى غرض الدهر

فسقيا لصحراء الإهالة[1]مربعا # و للوقبى من منزل دمث‏[2]مثري

و سقيا و رعيا حيث حلّت لمازن # و أيّامها الغرّ المحجّلة الزّهر

/قال خالد بن كلثوم: و لما دفع هلال إلى أولياء الجلاّنيّ ليقتلوه بصاحبهم جاء رجل يقال له: حفيد كان هلال قد وتره فقال: و اللّه لأؤنّبنّه‏[3]و لأصغّرنّ إليه نفسه و هو في القيود مصبور[4]للقتل، فأتاه فلم يدع له شيئا مما يكره إلا عدّة عليه. قال: و إلى جنب هلال حجر يملأ الكفّ، فأخذه هلال فأهوى به للرجل فأصاب جبينه فاجتلف‏[5]جلفة من وجهه و رأسه، ثم رمى بها و قال: خذ القصاص منّي الآن، و أنشأ يقول:

أنا ضربت كربا و زيدا # و ثابتا مشّيتهم رويدا

كما أفدت‏[6]حينه عبيدا # و قد ضربت بعده حفيدا

قال: و هؤلاء كلّهم من بني رزام بن مازن، و كلّهم كان هلال قد نكأ[7]فيهم.

أدى عنه ديسم الدية لبني جلان فمدحه:

قال خالد بن كلثوم: و لما طال مقام هلال باليمن نهضت بنو مازن بأجمعهم إلى بني رزام بن مازن رهط هلال و رهط معاذ بن جعدة جار الجلاّنيّ المقتول، فقالوا: إنكم قد أسأتم بابن عمّكم و جزتم الحدّ في الطلب بدم جاركم، فنحن نحمل لكم ما أردتم، فحمل ديسم بن المنهال بن خزيمة[8]بن شهاب بن أثاثة[9]بن ضباب بن حجيّة[10]بن كابية بن حرقوص بن مازن الذي طلب معاذ بن جعدة أن يحمل لجاره، لفضل عزّه و موضعه في عشيرته، و كان الذي طلب ثلاثمائة بعير؛ فقال هلال في ذلك:

/

إن ابن كابية المرزّأ[11]ديسما # واري الزناد بعيد ضوء النار

من كان يحمل ما تحمّل ديسم # من حائل فنق‏[12]و أمّ حوار

[1]صحراء الإهالة: موضع ذكره «ياقوت» و لم يبينه و استشهد بهذا البيت.

[2]دمث: سهل لين. و مثر: كثير الثرى خصب.

[3]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «لآتينه» .

[4]كذا في ط، ء. و المصبور: المحبوس للقتل. و في سائر النسخ: «مصفود» .

[5]اجتلف منه جلفة: بضع من لحمه بضعة.

[6]كذا في أ، م. و في ب، س: «أفأت» . و في ط: «أقدت» .

[7]نكأ فيهم: قتل فيهم و جرح و أثخن.

[8]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «جزيمة» بالزاي. و في حـ: «جذيمة» بالذال.

[9]في ط: «أمامة» .

[10]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ. و لم نعثر على أنه سمي به.

[11]المرزأ: الكريم الذي يصاب في ماله كثرا.

[12]الفنق بضمتين: الناقة الفتية السمينة. و الحوار بالضم و يكسر: الفصيل. ـ

47

عيّت‏[1]

بنو عمرو بحمل هنائد[2] # فيها العشار[3]ملابئ الأبكار

حتى تلافاها كريم سابق # بالخير حلّ منازل الأخيار

حتى إذا وردت جميعا أرزمت‏[4] # جلاّن بعد تشمّس و نفار

ترعى بصحراء[5]الإهالة روبة[6] # و العنظوان‏[7]منابت‏[8]الجرجار[9]

أعان قمير بن سعد على بكر بن وائل و قال في ذلك شعرا:

و قال خالد بن كلثوم: كان قمير بن سعد مصدّقا على بكر بن وائل، فوجد منهم رجلا قد سرق/صدقته‏[10]، فأخذه قمير ليحبسه، فوثب قومه و أرادوا أن يحولوا بين قمير و بينه و هلال حاضر، فلما رأى ذلك هلال وثب على البكريّين فجعل يأخذ الرجلين منهم فيكنفهما[11]و يناطح بين رءوسهما، فانتهى إلى قمير أعوانه فقهروا البكريّين؛ فقال هلال في ذلك:

/دعاني قمير دعوة فأجبته # فأيّ امرئ في الحرب حين دعاني

معي مخذم قد أخلص القين حدّه # يخفّض عند الرّوع روع جناني

و ما زلت مذ شدّت يميني حجزتي‏[12] # أحارب أو في ظلّ حرب‏[13]تراني‏

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا حكيم بن سعد عن زفر بن هبيرة قال:

[1]كذا في ط، ء. و في ب، س، أ: «عنيت» .

[2]كذا في الأصول كلها، و الظاهر أنه جمع هنيدة و هي المائدة من الإبل. و الذي في «اللسان» و «شرح القاموس» : أن هنيدة مائة من الإبل معرفة لا تنصرف و لا يدخلها الألف و اللام و لا تجمع و لا واحد لها من جنسها. و في «الأساس» : «و أعطاه هنيدة: مائة من الإبل، و هندا: مائتين» .

[3]العشار: جمع عشراء بضم العين و فتح الشين كنفساء و نفاس و لا ثالث لهما، و العشراء: الناقة التي أتى عليها عشرة أشهر من نتاجها.

و يقال عشار ملابئ إذا دنا نتاجها.

[4]أرزمت الناقة: حنت إلى ولدها. و في المثل: «لا أفعله ما أرزمت أم حائل» .

[5]صحراء الإهالة: اسم موضع ذكره «ياقوت» و لم يعينه و استشهد بشعر لهلال بن الأسعر.

[6]الروبة: مكرمة من الأرض كثيرة النبات و الشجر و هي أبقى الأرض كلأ.

[7]العنظوان: ضرب من النبات إذا أكثر منه البعير وجع بطنه.

[8]كذا في جميع الأصول و لعلها «فنابت» بفاء العطف ليستقيم المعنى.

[9]الجرجار: نبت طيب الريح.

[10]في ب، س، حـ: «بعض صدقته» .

[11]يكنفهما: يضمهما.

[12]الحجزة: معقد الإزار.

[13]لم يقع في هذا البيت ما يسمى في العروض بالاعتماد. و الاعتماد: سقوط الخامس من فعولن التي قبل القافية. و إثبات هذا الساكن فيما يكون ضربه محذوفا كما في هذا الشعر لم يقع إلا على قبح، و لم يأت في الشعر إلا شاذا قليلا، و منه ما أنشده الخليل:

أقيموا بني النعمان عنا صدوركم # و إلا تقيموا صاغرين الرءوسا

و قول امرئ القيس:

أعني على برق أراه وميض # يضي‏ء حبيّا في شماريخ بيض

و تخرج منه لامعات كأنها # أكف تلقى الفوز عند المفيض‏

48

حبسه بلال بن أبي بردة و أفنكه فيسم:

تقاوم هلال بن أسعر المازنيّ، و هو أحد بني رزام بن مازن، و نهيس‏[1]الجلاّنيّ من عنزة و هما يسقيان إبلهما، فخذف‏[2]هلال نهيسا بمحور في يده فأصابه فمات، فاستعدى ولده بلال‏[3]بن أبي بردة على هلال فحبسه فأسلمه قومه بنو رزام و عمل في أمره ديسم بن المنهال‏[4]أحد بني كابية بن حرقوص فافتكّه بثلاث ديات، فقال هلال يمدحه:

تدارك ديسم حسبا و مجدا # رزاما بعد ما انشقّت عصاها

همو حملوا المئين فألحقوها[5] # بأهليها فكان لهم سناها

/و ما كانت لتحملها رزام # بأستاه معقّصة لحاها

بكابية بن حرقوص و جدّ # كريم لا فتى إلا فتاها

الحديث عن هلال في نهمه و كثرة أكله:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار و أحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا[6]حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدّثني نصر بن عليّ الجهضميّ قال حدّثنا الأصمعيّ، و أخبرني أبو عبيد[7]محمد بن أحمد بن المؤمّل الصّيرفيّ قال حدّثنا فضل بن الحسن قال حدّثنا نصر بن عليّ عن الأصمعيّ قال حدّثنا المعتمر بن سليمان قال:

قلت لهلال بن أسعر: ما أكلة أكلتها بلغتني عنك؟قال: جعت مرّة و معي بعيري فنحرته و أكلته إلا ما حملت منه على ظهري، قال أبو عبيد في حديثه عن فضل‏[8]: ثم أردت امرأتي فلم أقدر على جماعها؛ فقالت لي:

ويحك!كيف تصل إليّ و بيني و بينك بعير!قال المعتمر: فقلت له: كم تكفيك هذه الأكلة؟قال: أربعة أيام.

و حدّثني به ابن عمّار[9]قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن معاوية عن الأصمعيّ عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: قلت لهلال بن الأسعر-هكذا قال ابن أبي سعد: معتمر عن أبيه و قال في خبره: فقلت له؛ كم تكفيك هذه الأكلة؟فقال: خمسا.

/أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدّثنا نصر بن عليّ قال حدّثني الأصمعيّ قال حدّثني شيخ من بني مازن قال:

[1]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «بهيس» و لم نعثر على أنه سمي به و إنما سمي ببيهس بتقديم الياء على الهاء.

[2]خذف بالحصاة و النواة و نحوهما: رمى بها من بين سبابتيه أو بمخذفة من خشب. و لعل المحرر كان في يد هلال لقوّته أشبه بالنواة، أو لعلها «فحذف» بالحاء المهملة.

[3]في ب، س: «فاستعدى ولده له بلال إلخ» .

[4]كذا ورد هذا الاسم باتفاق النسخ فيما تقدم، و ورد هنا في ب، س، م: «ميهال» و لم ترد في باقي النسخ.

[5]في ب، س، حـ: «و ألحقوها» .

[6]كذا في أ، م. و في باقي النسخ: «قال» بدون ألف التثنية.

[7]في ء: «أبو عبيد بن محمد» . و في حـ: «أبو عبيد أحمد بن محمد» .

[8]في ب، س، حـ: «فضل المضري» .

[9]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «و حدّثني به ابن عمار قال قال المعتمد حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد إلخ» . و الظاهر أن ما جاء في هاتين النسختين من زيادة قوله: قال المعتمد غير صحيح لأن أحمد بن عمار يروي عن عبد اللّه بن أبي سعد مباشرة كما سيجي‏ء بعد أسطر، على أنا لم تجد في رواة «الأغاني» من اسمه المعتمد.

49

أتانا هلال بن أسعر المازنيّ فأكل جميع ما في بيتنا، فبعثنا إلى الجيران نقترض الخبز فلما رأى الخبز قد اختلف عليه قال: كأنكم أرسلتم إلى الجيران، أ عندكم سويق‏[1]؟قلنا: نعم، فجئته بجراب طويل فيه سويق و ببرنيّة[2]نبيذ، فصبّ السويق كلّه و صبّ عليه النبيذ حتى أتى على السّويق و النبيذ كلّه.

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا أحمد بن/الحارث عن المدائنيّ:

أن هلال بن أسعر مرّ على رجل من بني مازن بالبصرة و قد حمل من بستانه رطبا في زواريق‏[3]، فجلس على زورق صغير منها و قد كثب‏[4]الرطب فيه و غطّي بالبواري‏[5]؛ قال له: يا ابن عمّ آكل من رطبك هذا؟قال: نعم؛ قال: ما يكفيني‏[6]؟قال: ما يكفيك؛ فجلس على صدر الزورق و جعل يأكل إلى أن اكتفى، ثم قام فانصرف، فكشف الزورق فإذا هو مملوء نوى قد أكل رطبه و ألقى النوى فيه.

/قال المدائنيّ و حدّثني من سأله عن أعجب شي‏ء أكله، فقال: مائتي رغيف مع مكّوك‏[7]ملح.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني الحسن بن عليّ بن منصور الأهوازيّ، و كان كهلا سريّا معدّلا، قال حدّثني شبان‏[8]النّيليّ عن صدقة بن عبيد المازنيّ قال:

أولم‏[9]عليّ أبي لما تزوّجت فعملنا عشر جفان ثريدا من جزور. فكان أوّل من جاءنا هلال بن أسعر المازنيّ، فقدّمنا إليه جفنة فأكلها ثم أخرى ثم أخرى حتى أتى على العشر، ثم استسقى فأتي بقربة من نبيذ فوضع طرفها في شدقه ففرّغها في جوفه، ثم قام فخرج؛ فاستأنفنا عمل الطعام.

حدّث أبو عمرو بن العلاء أنه لم ير أطول منه:

أخبرني الجوهريّ قال حدّثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدّثنا نصر بن عليّ عن الأصمعيّ قال: حدّثني أبو عمرو بن العلاء قال: رأيت هلال بن أسعر ميتا و لم أره حيّا، فما رأيت أحدا على سرير[10]أطول منه.

غنى مخارق الرشيد فأعتقه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد قال حدّثني بعض حاشية السلطان قال:

[1]السويق: دقيق الحنطة و الشعير.

[2]البرنية: إناء من خزف.

[3]زواريق: جمع زورق أتبع الكسرة فتولدت منها ياء كما جاء في قوله:

تنفي يداها الحصى في كل هاجرة # نفى الدراهيم تنقاد الصياريف‏

و منه للمتنبي:

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها # مضغ الكلام و لا صبغ الحواجيب‏

[4]كذا في ط، حـ، ء، و معناه جمع. و في ب، س: «كتب» . و في أ، م: «كب» و كلاهما تحريف.

[5]البواري: الحصر المنسوجة من القصب.

[6]كذا في ط، حـ، ء. و في سائر النسخ: «فيه ما يكفيني؟قال: ما يكفيك إلخ» و المعنى بهذه الزيادة غير المعنى المراد.

[7]المكوك: مكيال يسع صاعا و نصف صاع.

[8]كذا في أكثر النسخ، و لم نعثر على هذا الاسم، و قد سمى العرب شبان كرمان و شبان كشداد.

[9]أولم عليّ أبي: عمل لي وليمة زواجي.

[10]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، حـ: «سريره» .

50

غنّى إبراهيم الموصليّ الرشيد يوما:

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا # زدت الفؤاد على علاّته وصبا[1]

/-قال: و الصنعة فيه لرجل من أهل الكوفة يقال له عزّون‏[2]-فأعجب به الرشيد و طرب له و استعاده مرارا؛ فقال له الموصليّ: يا أمير المؤمنين فكيف لو سمعته من عبدك مخارق، فإنه أخذه عنّي و هو يفضل فيه الخلق جميعا و يفضلني، فأمر بإحضار مخارق، فأحضر فقال له غنّني:

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا # زدت الفؤاد على علاّته وصبا

فغنّاه إياه؛ فبكى و قال: سل حاجتك!قال مخارق: فقلت: تعتقني يا أمير المؤمنين من الرقّ و تشرّفني بولائك، أعتقك اللّه من النار، قال: أنت حرّ لوجه اللّه، أعد الصوت؛ قال: فأعدته، فبكى و قال: سل حاجتك، فقلت: يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلّتها؛ فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت؛ فأعدته فبكى و قال: سل حاجتك؛ فقلت: يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل و فرشه و ما يصلحه و خادم فيه؛ قال: ذلك لك، أعده؛ فأعدته فبكى و قال: سل حاجتك؛ قلت: حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل اللّه بقاءك و يديم عزّك و يجعلني من كل سوء فداءك؛ قال: فكان إبراهيم الموصليّ سبب عتقه بهذا الصوت‏[3].

أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن مخارق، و حدّثني به الصّوليّ أيضا عن وكيع عن هارون بن مخارق قال:

كان أبي إذا غنّى هذا الصوت:

يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربا # زدت الفؤاد على علاّته وصبا

/يقول: أنا مولى هذا الصوت؛ فقلت له يوما: يا أبت، و كيف ذلك؟فقال: غنّيته مولاي الرشيد/فبكى و قال: أحسنت، أعد فأعدت؛ فبكى و قال: أحسنت!أنت حرّ لوجه اللّه و أمر لي بخمسة آلاف دينار، فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي، و ذكر[4]قريبا مما ذكره المبرّد[5]من باقي الخبر.

حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن أبي الدّنيا قال حدّثني إسحاق النّخعيّ عن حسين بن الضّحّاك عن مخارق:

أن الرشيد أقبل يوما على المغنّين و هو مضطجع، فقال: من منكم يغني:

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربا # زدت الفؤاد على علاّته وصبا

قال: فقمت فقلت: أنا، فقال: هاته؛ فغنيته فطرب و شرب، ثم قال: عليّ بهرثمة، فقلت في نفسي: ما تراه يريد منه!فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه و هو يجرّ سيفه، فقال: يا هرثمة، مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته؟فقال: أبو المهنّا؛ فقال: انصرف فانصرف؛ ثم أقبل عليّ فقال: قد كنيتك أبا المهنّا لإحسانك، و أمر [1]في ط، ء: «نصبا» .

[2]في أ، م، حـ: «غزون» بالغين المعجمة و قد تقدم الكلام على هذا الاسم في الحاشية رقم 2 ص 50 من هذا الجزء.

[3]كذا في ط، حـ، ء. و في سائر النسخ: «فكان إبراهيم الموصليّ يقول: سبب عتقه بهذا الصوت» .

[4]في ب، س، حـ: «فذكر» .

[5]المبرد هو محمد بن يزيد الذي تقدم ذكره في أول السند.

51

لي بمائة ألف درهم، فانصرفت بها و بالكنية.

صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه‏

و خلّ كنت عين الرّشد منه # إذا نظرت و مستمعا سميعا

أطاف بغيّة[1]فعدلت عنه # و قلت له أرى أمرا فظيعا

الشعر لعروة بن الورد، و الغناء في اللحن المختار لسياط ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة. و فيه لإبراهيم ما خوريّ بالوسطى عن عمرو أيضا.

[1]في ط، حـ، ء: «بغية» .

52

21-أخبار عروة بن الورد و نسبه‏

نسبه، شاعر جاهلي فارس جواد مشهور:

عروة بن الورد بن زيد، و قيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد اللّه بن ناشب بن هريم‏[1]بن لديم بن عوذ[2]بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الرّيث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية و فارس من فرسانها و صعلوك‏[3]من صعاليكها المعدودين المقدّمين الأجواد.

كان يلقب بعروة الصعاليك و سبب ذلك‏

و كان يلقّب عروة[4]الصعاليك لجمعه إيّاهم و قيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم و لم يكن لهم معاش و لا مغزى، و قيل: بل لقّب عروة الصّعاليك لقوله:

لحى اللّه صعلوكا إذا جنّ ليله # مصافي‏[5]المشاش آلفا كلّ مجزر

يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلة # أصاب قراها من صديق ميسّر[6]

و للّه صعلوك‏[7]صفيحة وجهه # كضوء شهاب القابس المتنوّر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال بلغني أن معاوية[8]قال:

شرف نسبه و تمنى الخلفاء أن يصاهروه أو ينتسبوا إليه:

لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوّج إليهم.

/أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ، و حدّثنا إبراهيم بن أيّوب عن عبد اللّه بن مسلم قالا جميعا:

قال عبد الملك بن مروان: ما يسرّني أن أحدا من العرب ولدني‏[9]ممّن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله:

[1]في ط، حـ، ء: «هرم» و ضبط في ط بتشديد الراء.

[2]كذا في ط، ء. و هو الصواب كما في «شرح القاموس» . و في سائر النسخ: «عود» بالدال المهملة.

[3]الصعلوك: الفقير الذي لا مال له، و صعاليك العرب: لصوصها و فقراؤها.

[4]يقال: لقب بكذا، و قد اعتاد أبو الفرج إسقاط هذه الباء في أسلوبه.

[5]كذا في ط، ء، و هو موافق لما جاء في «ديوان الحماسة» . و مصافي المشاس: آلفه و ملازمه و المنكب عليه. و في سائر النسخ: «مضى في المشاش» و هو تحريف. و المشاش: كل عظم هش دسم واحدته مشاشة. و لم تظهر الفتحة على الياء هنا للضرورة.

[6]يسر الرجل: سهلت ولادة إبله و غنمه و لم يعطب منها شي‏ء.

[7]في «ديوان الحماسة» : «و لكن صعلوكا» و خبر لكن في البيت الثاني بعده (انظر «شرح التبريزي على الحماسة» ص 219 ج 1 طبع بولاق) .

[8]كذا في ط، ء. و في سائر النسخ: «ابن معاوية» .

[9]في جميع النسخ: «أن أحدا من العرب ممن ولدني لم يلدني» . و قد أثبتنا ما بالصلب لأنه هو الذي يؤدي المعنى المراد من التمدح بالنسب إلى عروة.

53

إنّي‏[1]

امرؤ عافي إنائي شركة # و أنت امرؤ عافي إنائك واحد

/أ تهزأ منّي أن سمنت و أن ترى # بجسمي مسّ‏[2]الحقّ و الحقّ جاهد

أفرّق‏[3]جسمي في جسوم كثيرة # و أحسو قراح الماء و الماء بارد

قال الحطيئة لعمر بن الخطاب كنا نأتم في الحرب بشعره:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال:

بلغني أن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه قال للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟قال: كنّا ألف حازم، قال:

و كيف؟قال: كان فينا قيس بن زهير و كان حازما و كنا لا نعصيه، و كنا نقدم إقدام عنترة، و نأتمّ بشعر عروة بن الورد، و ننقاد لأمر الرّبيع بن زياد.

قال عبد الملك إنه أجود من حاتم:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة قال:

و يقال: إن عبد الملك قال: من زعم أن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.

منع عبد اللّه بن جعفر معلم ولده من أن يرويهم قصيدة له يحث فيها على الاغتراب:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدّثنا معن بن عيسى قال:

سمعت أن‏[4]عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلّم ولده: لا تروّهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:

دعيني للغنى أسعى فإنّي # رأيت الناس شرّهم الفقير

و يقول: إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم.

خبر عروة مع سلمى سبيته و فداء أهلها بها:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد العزيز بن عمران الزّهريّ عن عامر بن جابر قال:

أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة من كنانة ناكحا، فاستاقها و رجع و هو يقول:

تبغّ عديّا[5]حيث حلّت ديارها # و أبناء عوف في القرون الأوائل

فإلاّ أنل أوسا فإنّي حسبها # بمنبطح الأدغال‏[6]من ذي السلائل‏[7]

[1]كذا في أكثر النسخ، و بذا يكون قد دخله الخرم و هو حذف الأوّل من فعولن. و في ب، س، حـ: «و إني» بالواو.

[2]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س، حـ: «شحوب» و في «ديوان الحماسة» «بوجهي شحوب» إلخ.

[3]في «ديوان الحماسة» «أقسّم» .

[4]كلمة «أن» ساقطة من أ، م.

[5]في ب، س، حـ: «عداء» .

[6]كذا في ط، ء. و الأدغال: جمع دغل، و له معان كثيرة أنسبها هنا الوادي أو المنخفض من الأرض. و في سائر النسخ: «الأوعال» .

[7]كذا في أ، م و ذو السلائل: واد بين الفرع و المدينة. و في باقي النسخ: «الشلائل» بالشين المعجمة و هو تصحيف.

54

ثم أقبل سائرا حتى نزل ببني النّضير، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر، ثم استوهبوها منه فوهبها لهم، و كان لا يمسّ النساء، فلما أصبح و صحا ندم فقال:

سقوني الخمر ثم تكنّفوني‏

الأبيات. قال: و جلاها[1]النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مع من جلا من بني النضير.

/و ذكر أبو عمرو الشّيبانيّ من خبر عروة بن الورد و سلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرا يقال لها سلمى و تكنى أمّ وهب، فأعتقها و اتّخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة و ولدت له أولادا و هو لا يشكّ في أنها أرغب الناس فيه، و هي تقول له: لو حججت بي فأمرّ على أهلي و أراهم!فحجّ بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة، و كان يخالط من أهل يثرب بني النّضير فيقرضونه إن احتاج و يبايعهم‏[2]إذا غنم، و كان قومها يخالطون بني النّضير، فأتوهم و هو عندهم؛ فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه و أخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبيّة، و افتدوني منه فإنه لا يرى أنّي أفارقه و لا أختار عليه أحدا، فأتوه فسقوه الشّراب، فلمّا ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة[3]النسب فينا معروفة، و إنّ علينا سبّة أن تكون سبيّة، فإذا صارت إلينا و أردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك؛ فقال لهم: ذاك لكم، و لكن لي الشرط فيها أن تخيّروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها و إن اختارتكم انطلقتم/بها؛ قالوا: ذاك لك؛ قال:

دعوني أله بها الليلة و أفادها[4]غدا، فلمّا كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها؛ فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، و شهد عليه بذلك جماعة ممّن حضر، فلم يقدر على الامتناع و فاداها، فلما فادوه بها خيّروها فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة أما إنّي أقول فيك و إن فارقتك الحقّ: و اللّه ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك و أغضّ طرفا و أقلّ فحشا و أجود يدا و أحمى لحقيقة[5]؛ و ما مرّ عليّ يوم منذ كنت عندك إلا و الموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين/قومك، لأنّي لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا و كذا إلا سمعته؛ و و اللّه لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك و أحسن إليهم. فقال عروة في ذلك:

سقوني الخمر ثم تكنّفوني‏

و أوّلها:

أرقت و صحبتي بمضيق عمق‏[6] # لبرق من تهامة مستطير

سقى سلمى و أين ديار سلمى # إذا كانت مجاورة السّرير[7]

[1]كذا في حـ. وجلا متعدّ و لازم كأجلى. و في سائر النسخ «أجلاها» .

[2]و يبايعهم: يعقد معهم البيع.

[3]وسيطة النسب: حسيبة في قومها كريمة.

[4]في جميع النسخ: «و أفاديها» بإثبات الياء.

[5]في ب، س، حـ: «لحقيقته» و الحقيقة: ما يجب على الرجل أن يحميه و ما لزمه الدفاع عنه من أهل بيته.

[6]عمق: موضع قرب المدينة من بلاد مزينة.

[7]كذا في إحدى روايتي ط و هو الموافق لما ذكره ياقوت في «معجمه» من أن السرير موضع في بلاد بني كنانة مستشهدا بهذا البيت.

و في سائر النسخ: «السدير» و هو تحريف.