الأغاني - ج5

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
287 /
5

الجزء الخامس‏

من كتاب الأغاني بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

تتمة التراجم‏

1-ذكر النابغة الجعدي و نسبه و أخباره و السبب الذي من أجله قيل‏[1]هذا الشعر

نسبه و كنيته:

هو-على ما ذكر أبو عمرو الشّيبانيّ و القحذميّ، و هو الصحيح، -حبّان‏[2]بن قيس بن عبد اللّه بن وحوح بن عدس‏[3]-و قيل ابن عمرو بن عدس مكان وحوح-ابن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. هذا النسب الذي عليه الناس اليوم مجتمعون. و قد روى ابن الكلبيّ و أبو اليقظان و أبو عبيدة و غيرهم في ذلك روايات تخالف هذا، فمنها أن [ابن‏][4]الكلبيّ ذكر عن أبيه أن خصفه الذي يقول الناس إنه ابن قيس بن عيلان ليس كما قالوا، و أن عكرمة ابن قيس بن عيلان و خصفة أمه، و هي امرأة من أهل هجر. و قيل: /بل هي حاضنته؛ و كان قيس بن عيلان قد مات و عكرمة صغير فربّته حتى كبر، و كان قومه يقولون: هذا عكرمة بن خصفة، فبقيت/عليه؛ و من لا يعلم يقول:

عكرمة بن خصفة بن قيس، كما يقال خندف‏[5]، و إنما هي امرأة و زوجها إلياس بن مضر. و قالوا في صعصعة بن [1]في م: «قال» و المراد بهذا الشعر ما ورد في آخر الجزء الرابع من هذه الطبعة و نسب للنابغة.

[2]كذا في «أسد الغابة» (ج 5 ص 2) و «خزانة الأدب» (ج 1 ص 512) «و الإصابة» (ج 6 ص 218) «و الاستيعاب» (ج 1 ص 320) .

و في جميع الأصول: «حسان» .

[3]عدس: هو بضم العين و فتح الدال، و كذا ضبط كل من اسمه عدس في العرب إلا عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم فهو وحده بضم العين و الدال. (راجع «مختلف القبائل و مؤتلفها» لابن حبيب ص 4 طبع أوروبا) .

[4]التكملة عن م.

[5]خندف (كزبرج) هي ليلى بنت حلوان بن عمران زوج إلياس بن مضر، و أولادهما: عمرو و هو مدركة و عامر و هو طابخة و عمير و هو قمعة، و زعموا أن سبب هذه التسمية أن إلياس خرج مرة في نجعة فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، و خرج عامر فتصيدها و طبخها، و انقمع عمير في الخباء، و خرجت أمهم ليلى تسرع، فقال لها إلياس: أين تخندفين؟فقالت: ما زلت أخندف في أثركم. فلقبوا مدركة و طابخة و قمعة و خندف فذهب لها اسما و لولدها نسبا «شرح القاموس» مادة خندف) .

6

معاوية: إن الناقمية[1]بنت عامر بن مالك، و هو الناقم، سمّي بذلك لأنه انتقم بلطمة لطمها، و هو ابن سعد[2]بن جدّان‏[3]بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، كانت عند معاوية بن بكر بن هوازن فمات عنها أو طلّقها و هي نس‏ء[4]، فتزوّجها سعد بن زيد مناة بن تميم، فولدت على فراشه صعصعة بن معاوية، ثم ولدت هبيرة و نجدة و جنادة؛ فلما مات سعد اقتسم بنوه الميراث و أخرجوا صعصعة منه، و قالوا: أنت ابن معاوية بن بكر؛ فلما رأى ذلك أتى بني معاوية بن بكر فأقرّوا بنسبه و دفعوه عن الميراث؛ فلما رأى ذلك أتى سعد بن الظّرب العدوانيّ فشكا إليه ما لقي، فزوّجه بنت أخيه عمرة بنت عامر بن الظّرب، و أبوها عامر الذي يقال له: ذو الحلم‏[5]؛ و عمرة ابنته هذه هي التي كانت تقرع‏[6]له العصا إذا سها في الحكم؛ و له‏[7]يقول الشاعر[8]:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # و ما علّم الإنسان إلا ليعلما

قال: و كانت عمرة يوم زوّجها عمّها نسئا من ملك من ملوك اليمن يقال له: الغافق بن العاصي الأزديّ، و الملك يومئذ في الأزد، فولدت على فراش صعصعة عامر بن صعصعة، فسمّاه صعصعة عامرا بجدّه عامر بن الظّرب. و قال في ذلك حبيب بن وائل بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن:

[1]في «شرح القاموس» مادة «نقم» : «و الناقمية هي رقاش بنت عامر و بنوها بطن من عبد القيس نسبوا إلى أمهم. و قال ابن الأثير: هي أم ثعلبة و سعد ابني مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بها يعرفون. و قال الكلبي: تزوج غنم بن حبيب بن كعب بن بكر بن وائل الناقمية و هي رقاش بنت عامر و هي عجوز فقيل: ما تريد منها؟فقال: لعلي أتعيز منها غلاما فولدت منه غلاما فولدت منه غلاما سمي عيز و أنشد الجوهري لسعد بن زيد مناة:

لقد كنت أهوى الناقمية حقبة # فقد جعلت آسان وصل تقطع»

الآسان: جمع أسن بضمتين و بالكسر و تسكين السين و كعتل: الحبل. و كتب مصحح «شرح القاموس» بهامشه ما نصه: «قوله: أتعيز كذا بالنسخ و حرره» و لم نجد هذه الكلمة في مادتها في الكتب التي بين أيدينا؛ و قد استقصيناها فوجدنا صوابها في «شرح القاموس» في مادة «غبر» حيث قال: «و تزوّج غنم (و في «القاموس» عثمان و هو غلط) بن حبيب بن كعب بن بكر بن يشكر بن وائل امرأة مسنة اسمها رقاش بنت عامر فقيل له: إنها كبيرة السن!فقال: لعلي أتغبر منها ولدا أي أستفيده فلما ولد له سماه غبر كزفر فهو أبو قبيلة» اهـ.

و جاء في «لسان العرب» مادة «غبر» ما نصه: «تزوّج رجل من العرب امرأة قد أسنت فقيل له في ذلك فقال: لعلي أتغبر منها ولدا فولدت له غبر، مثل عمر، و هو غبر بن غنم بن يشكر بن بكر بن وائل، و معنى أتغبر منها ولدا: أستفيد منها ولدا» اهـ. و قد ورد أيضا في «المشتبه» للذهبي و «مختلف القبائل و مؤتلفها» لابن حبيب (ص 23 طبع أوروبا) : «غبر (بالغين المعجمة و بالباء الموحدة) ابن غنم بن حبيب بن معاذ بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن بكر بن هوازن» اهـ.

[2]كذا في «شرح القاموس» و «الصحاح» للجوهري (مادة نقم) . و في جميع الأصول: «مسعود» .

[3]كذا في «شرح القاموس» مادة جدد و كتاب «مختلف القبائل و مؤتلفها» (طبع أوروبا ص 3) و هو قريب لما جاء في نسخة م من التصحيف فقد ورد فيها: «حدان» بالحاء المهملة. و في سائر الأصول: «خندف» و هو خطأ.

[4]النس‏ء (بالتثليث) : المرأة المظنون بها الحمل، و قيل: التي ظهر حملها.

[5]كذا في م و هو الموافق لما جاء في «اللسان» و «القاموس» (مادة قرع) «و مجمع الأمثال» للميداني (طبع بولاق ج 1 ص 32) . و في سائر الأصول: «الحكم» بالكاف و ظاهر أنه تحريف.

[6]قيل: إن أول من قرعت له العصا عمرو بن مالك بن ضبيعة أخو سعد بن مالك الكناني، و قيل: خالد بن ذي الجدّين حكم ربيعة، و قيل: هو ربيعة بن مخاشن حكم تميم، و قيل: هو عمرو بن حممة الدوسي حكم اليمن. (راجع «شرح القاموس» مادة قرع و «مجمع الأمثال» للميداني) .

[7]كذا في م. و في باقي الأصول: «و لهما يقول الشاعر» .

[8]نسب هذا البيت في «اللسان» و «شرح القاموس» (مادة قرع) إلى المتلمس.

7

/

أ زعمت أنّ الغافقيّ أبوكم # نسب لعمر أبيك غير مفنّد[1]

و أبوكم ملك ينتف باسته # هلباء[2]عافية كعرف الهدهد

جنحت عجوزكم إليه فردّها # نسئا بعامركم و لمّا يويد

و يكنى النابغة أبا ليلى.

و أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال:

هو قيس بن عبد اللّه بن عدس بن ربيعة بن‏[جعدة[3]بن كعب بن ربيعة بن عامر بن‏]صعصعة. و قال ابن الأعرابيّ: هو قيس بن عبد اللّه بن عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة، و وافق ابن سلاّم في باقي نسبه‏[4]. و هذا وهم ممن قال: إن اسمه قيس‏[5]؛ و ليس يشكّ في أنه كان له أخ يقال له وحوح بن قيس، و هو الذي قتله بنو أسد؛ و خبره يذكر بعد هذا ليصدق نسب النابغة.

و أمه فاخرة بنت عمرو بن جابر بن شحنة الأسديّ.

سبب لقبه النابغة:

و إنما سمّي النابغة لأنه أقام مدّة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله.

/أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على القحذميّ:

قال الجعديّ الشعر في الجاهلية ثم أجبل‏[6]دهرا ثم نبغ بعد في الشعر في الإسلام.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال:

أقام النابغة الجعديّ ثلاثين سنة لا يتكلّم، ثم تكلّم بالشعر.

عمره و شعره فيه:

قال القحذميّ في رواية حمّاد عنه: كان الجعديّ أسنّ من نابغة بني ذبيان.

[1]مفند: مكذب.

[2]هلباء: كثيرة الشعر، يقال: رجل أهلب و امرأة هلباء. و الهلباء صفة غالبة على الاست. و عافية: طويلة الشعر غزيرته، يقال: عفا شعر البعير إذا طال و كثر فغطى دبره، و فلان عفا شعره و أعفاه: تركه حتى طال و كثر.

[3]التكملة عن م «و طبقات الشعراء» لابن سلام (ص 26 طبع ليدن) .

[4]كذا في م. و في سائر النسخ: «في بعض نسبه» .

[5]ورد في كتاب «المعمرين» لأبي حاتم السجستاني (ص 71 طبع ليدن) أن اسمه قيس بن عبد اللّه. و قد استدل المؤلف على بطلان قولهم بأن له أخا يسمى وحوح بن قيس، و إذا فقيس اسم أبيه لا اسمه. قال في الإصابة: «و يحتمل أن يكون أخاه لأمه» . و لعل مصدر هذا الاحتمال قول النابغة:

أ لم تعلمي أني رزئت محاربا # فما لك منه اليوم شي‏ء و لا ليا

و من قبله ما قد رزئت بوحوح # و كان «ابن أمّي» و الخليل المصافيا

و التعبير عن الأخ بابن الأم يحتمل معه أن يكون الأخوان لأب واحد أو لأبوين. و ذكر ابن قتيبة في كتابه «طبقات الشعراء» (ص 158 طبع ليدن) ما نصه: «هو عبد اللّه بن قيس من جعدة... إلخ» .

[6]أجبل الشاعر: صعب عليه القول.

8

قال ابن سلاّم في رواية أبي خليفة عنه: كان الجعديّ‏[1]النابغة قديما شاعرا طويلا مفلقا طويل البقاء في الجاهلية و الإسلام، و كان أكبر من الذّبيانيّ؛ و يدلّ على ذلك قوله:

و من‏[2]يك سائلا عنّي فإني # من الفتيان أيام الخنان‏[3] /

أتت مائة لعام ولدت فيه # و عشر بعد ذاك و حجّتان

فقد أبقت خطوب الدّهر منّي # كما أبقت من السيف اليماني‏

[قال‏[4]و عمّر بعد ذلك عمرا طويلا. سئل محمد بن حبيب عن أيام الخنان ما هي؟فقال: وقعة لهم؛ فقال قائل منهم و قد لقوا عدوّهم: خنّوهم‏[5]بالرماح، فسمّي ذلك/العام الخنان. و يدل على أنه أقدم من النابغة الذبيانيّ أنه عمّر مع المنذر بن المحرّق قبل النعمان بن المنذر، و كان النابغة الذبيانيّ مع النعمان بن المنذر و في عصره، و لم يكن له قدم إلا أنه مات قبل الجعديّ، و لم يدرك الإسلام. و الجعديّ الذي يقول:

تذكّرت شيئا قد مضى لسبيله # و من عادة المحزون أن يتذكّرا

نداماي عند المنذر بن محرّق # أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا

كهول و فتيان كأنّ وجوههم # دنانير ممّا شيف‏[6]في أرض قيصرا]

أخبرني أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن حكيم عمن كان يأخذ العلم عنه و لم يسمّ إليّ أحدا في هذا[7]: أن النابغة عمّر مائة و ثمانين سنة، و هو القائل:

لبست أناسا فأفنيتهم # و أفنيت بعد أناس أناسا

ثلاثة أهلبين أفنيتهم # و كان الإله هو المستآسا[8]

و هي قصيدة طويلة، يقول فيها، و فيه غناء:

صوت‏

و كنت غلاما أقاسي الحرو # ب يلقى المقاسون منّي مراسا

فلمّا دنونا لجرس‏[9]النّبا # ح لم نعرف الحيّ إلا التماسا

[1]عبارة ابن سلام في كتابه «طبقات الشعراء» (ص 26) : «و كان النابغة شاعرا قديما مفلقا في الجاهلية و الإسلام و كان... إلخ» .

[2]ورد هذا الشطر في كتاب «الشعر و الشعراء» (ص 162) «و شرح القاموس» مادة خنن هكذا:

و من يحرص على كبرى فاني‏

[3]الخنان (كغراب) : داء يأخذ الطير في حلوقها و في العين و زكام للإبل، و زمن الخنان كان في عهد المنذر بن ماء السماء، قال الأصمعيّ: كان الخنان داء يأخذ الإبل في مناخرها و تموت منه، فصار ذلك تاريخا لهم.

[4]هذا الخبر الموضوع بين قوسين مذكور في س، م دون سائر الأصول.

[5]خنوهم: اقطعوهم.

[6]كذا في «جمهرة أشعار العرب» ، و شاف الدينار أو السيف: جلاه. و في م، س المذكور فيهما هذا الخبر: «سيق» بالسين و القاف، و هو تحريف.

[7]كذا في م. و في باقي الأصول: «و لم يسم أحدا إلا في هذا» .

[8]المستآس: المستعاض و المستعان، من الأوس، و هو العوض و العطية.

[9]جرس النباح: صوت نباح الكلاب.

9

أضاءت لنا النّار وجها أغـ # رّ ملتبسا بالفؤاد التباسا

غنّى في هذه الثلاثة الأبيات فليح بن أبي العوراء خفيف ثقيل أوّل بالوسطى.

/رجع الخبر إلى رواية عمر بن شبّة:

قال: و قال أيضا:

ألا زعمت بنو سعد بأنّي # -ألا كذبوا-كبير السنّ فاني

أتت مائة لعام ولدت فيه # و عشر بعد ذاك و حجّتان‏

قال: و أنشد عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه أبياته التي يقول فيها:

ثلاثة أهلين أفنيتهم‏

فقال له عمر رضي اللّه تعالى عنه: كم لبثت مع كل أهل؟قال: ستين سنة.

سمع أعجميّ بشعره فقال إنه مشئوم:

و أخبرني بعض أصحابنا عن أبي بكر بن دريد عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال:

أنشد رجل من العجم قول النابغة الجعديّ:

لبست أناسا فأفنيتهم # و أفنيت بعد أناس أناسا

قيل إنه عاش 220 سنة:

و فسّر له، فقال: «بدين شان بود» ، أي هذا رجل مشئوم. و أما ابن قتيبة فإنه ذكر ما رواه لنا عنه إبراهيم بن محمد أنه عمّر مائتين و عشرين سنة، و مات بأصبهان. و ما ذاك بمنكر؛ لأنه‏[1]قال لعمر رضي اللّه تعالى عنه: إنه أفنى ثلاثة قرون كلّ قرن ستون سنة، فهذه مائة و ثمانون، [ثم عمّر[2]بعده فمكث بعد قتل عمر خلافة عثمان و عليّ و معاوية و يزيد، و قدم على عبد اللّه بن الزبير بمكة و قد دعا لنفسه، فاستماحه و مدحه؛ و بين عبد اللّه بن الزبير و بين عمر]نحو مما ذكر ابن قتيبة؛ بل/لا أشك أنه قد بلغ هذه السنّ و هاجى أوس بن مغراء بحضرة الأخطل و العجّاج و كعب بن جعيل فغلبه أوس، و كان مغلّبا[3].

أنشد النبي شعرا فدعا له:

حدّثنا أحمد بن عمر بن موسى القطّان المعروف بابن زنجويه قال حدّثنا إسماعيل بن عبد اللّه السكّريّ قال حدّثنا يعلى بن الأشدق العقيليّ قال حدّثني نابغة بني جعدة قال:

أنشدت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم هذا الشعر فأعجب به:

[1]كذا في م. و في باقي الأصول: «إلا أنه... إلخ» و هو تحريف.

[2]هذا ما ورد في م. و في باقي الأصول: «ثم عمر بعدهم فمكث بعد قتل عمر إلى خلافة عثمان... و بين هؤلاء و عمر نحو...

.... إلخ» .

[3]يقال: شاعر مغلب أي كثيرا ما يغلب.

10

بلغنا السماء مجدنا و جدودنا[1] # و إنا لنبغي فوق ذلك مظهرا

/فقال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «فأين المظهر يا أبا ليلى» ؛ فقلت: الجنة؛ فقال: «قل إن شاء اللّه» ؛ فقلت: إن شاء اللّه.

و لا خير في حلم إذا لم يكن له # بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا

و لا خير في جهل إذا لم يكن له # حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فقال النبيّ صلى اللّه عليه و سلم: «أجدت لا يفضض اللّه فاك» ؛ قال: فلقد رأيته و قد أتت عليه مائة سنة أو نحوها و ما انفضّ من فيه سنّ.

أنكر الخمر في الجاهلية و هجر الأزلام و الأوثان:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال:

/كان النابغة الجعديّ ممن فكّر في الجاهلية و أنكر الخمر و السّكر و ما يفعل بالعقل، و هجر الأزلام‏[2] و الأوثان‏[3]، و قال في الجاهلية كلمته التي أوّلها:

الحمد للّه لا شريك له # من لم يقلها فنفسه ظلما

وفد على النبي و أسلم:

و كان يذكر دين إبراهيم و الحنيفيّة، و يصوم و يستغفر، و يتوقّى‏[4]أشياء لعواقبها. و وفد على النبيّ صلى اللّه عليه و سلم فقال:

أتيت رسول اللّه إذ جاء بالهدى # و يتلو كتابا كالمجرّة[5]نيّرا

و جاهدت حتى ما أحسّ و من معي # سهيلا إذا ما لاح ثمّت غوّرا

أقيم على التقوى و أرضى بفعلها[6] # و كنت من النار المخوفة أوجرا[7]

و حسن إسلامه، و أنشد النبيّ صلى اللّه عليه و سلم؛ فقال له: «لا يفضض اللّه فاك» ؛ و شهد مع عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه صفّين. و قد ذكر خبره‏[مع عمر رضي اللّه عنه‏[8]؛ و أما خبره‏]مع عثمان فأخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال مسلمة بن محارب:

[1]في «جمهرة أشعار العرب» (طبع مطبعة بولاق الأميرية) :

بلغنا السما مجدا وجودا و سؤددا # و إنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

و في «اللسان» (مادة ظهر) :

بلغنا السماء مجدنا و سناؤنا # ........

[2]الأزلام: قداح كانت في الجاهلية مكتوب عليها الأمر و النهي: افعل و لا تفعل، كان الرجل منهم يضعها في وعاء له، فإذا أراد أمرا مهما من سفر أو زواج، أدخل يده فأخرج منها زلما (الزم بفتحتين أو بضم ففتح) فإن خرج الأمر مضى لشأنه، و إن خرج النهي كف عنه و لم يفعله.

[3]الوثن: الصنم ما كان، و قيل: الصنم الصغير، و قال ابن الأثير: الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب و الحجارة كصورة الآدميّ تعمل و تنصب فتعبد، و الصنم: الصورة بلا جثة، و منهم من لم يفرق بينهما و أطلقهما على المعنيين.

[4]كذا في م. و في باقي الأصول: «يتوقع» ، و هو تحريف.

[5]المجرة: نجوم كثيرة لا تدرك بمجرّد البصر و إنما ينتشر ضوأها فيرى كأنه بقعة بيضاء.

[6]كذا في م و هو الموافق لما في «الإصابة» . و في باقي الأصول: «بفعله» .

[7]أوجر: خائف، يقال: و جر من الشي‏ء إذا خاف، و بابه كفرح، و الوصف منه و جر و أوجر.

[8]التكملة عن م.

11

استأذن عثمان في سكنى البادية:

دخل النابغة الجعديّ على عثمان رضي اللّه تعالى عنه فقال: أستودعك اللّه يا أمير المؤمنين؛ قال: و أين تريد يا أبا ليلى؟قال: ألحق بإبلي فأشرب من ألبانها فإني منكر لنفسي؛ فقال: أ تعرّبا[1]بعد الهجرة يا أبا ليلى!أ ما علمت أن ذلك مكروه؟!قال: ما علمته، و ما كنت لأخرج حتى أعلمك. قال: فأذن له، و أجّل له في ذلك أجلا؛ فدخل على الحسن و الحسين ابني عليّ فودّعهما؛ فقالا له: أنشدنا من شعرك يا أبا ليلى؛ فأنشدهما:

الحمد للّه لا شريك له # من لم يقلها فنفسه ظلما

فقالا: يا أبا ليلى، ما كنا نروي هذا الشعر إلا لأميّة بن أبي الصّلت؛ فقال: يا بني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إني لصاحب هذا الشعر و أوّل من قاله، و إن السّروق‏[2]لمن سرق شعر أمية.

كان مغلبا ما هاجى قط إلا غلب:

قال أبو زيد عمر[3]بن شبّة في خبره:

كان النابغة شاعرا متقدّما، و كان مغلّبا ما هاجى قطّ إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء و ليلى الأخيليّة و كعب بن جعيل فغلبوه جميعا.

مهاجاته أوس بن مغراء:

و قال أبو عمرو الشّيبانيّ: كان بدء حديث النابغة و أوس بن مغراء أنّ معاوية لما وجّه بسر بن أرطاة[4]الفهريّ لقتل شيعة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه، /قام إليه معن بن يزيد بن الأخنس السّلميّ و زياد بن الأشهب بن ورد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة، فقالا: يا أمير المؤمنين، نسألك باللّه و بالرحم ألاّ تجعل لبسر على قيس سلطانا، فيقتل‏[5]قيسا بمن قتلت بنو/سليم من بني فهر و بني كنانة يوم دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكة؛ فقال معاوية: يا بسر لا أمر[6]لك على قيس؛ و سار بسر حتى أتى المدينة، فقتل‏[7]ابني عبيد اللّه بن العباس، و فرّ أهل المدينة و دخلوا الحرّة (حرّة بني سليم) . ثم سار بسر حتى أتى الطائف؛ فقالت له ثقيف: ما لك علينا سلطان، نحن من قيس؛ فسار حتى أتى همدان و هم في جبل لهم يقال له شبام، فتحصّنت فيه همدان، ثم نادوا: يا بسر نحن همدان و هذا شبام، فلم يلتفت إليهم؛ حتى إذا اغترّوا و نزلوا إلى قراهم، أغار عليهم فقتل و سبى نساءهم؛ فكنّ أوّل مسلمات سبين في [1]يقال: تعرّب الرجل: صار أعرابيا بعد أن كان عربيا و في الحديث: ثلاث من الكبائر: منها التعرّب بعد الهجرة و هو أن يعود إلى البادية و يقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا.

[2]في م: «إن السروق عين السروق من... » .

[3]في الأصول: «قال أبو زيد قال عمر.... إلخ» بزيادة «قال» و هو خطأ، إذ أبو زيد كنية عمر بن شبة. و في م: «قال أبو زيد في خبره» دون «عمر بن شبة» .

[4]في «أسد الغابة» «و قيل: ابن أبي أرطاة» و مثله في «طبقات ابن سعد» . و في «الاستيعاب» : «بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة» و هو أحد من بعثه عمر بن الخطاب مددا لعمرو بن العاص لفتح مصر و شهد صفين مع معاوية و كان شديدا على عليّ و أصحابه.

[5]كذا في م. و في باقي الأصول: «فيجعل قيسا... » و هو تحريف.

[6]في م: «لا إمرة على قيس... إلخ» .

[7]في الطبري «و المعارف» لابن قتيبة أن قتلهما كان باليمن، و قد كان أبوهما واليا عليها من قبل عليّ، فلما بلغه مسير بسر فرّ إلى الكوفة، فكان من أمر ابنيه الطفلين ما ذكر.

12

الإسلام. و مرّ بحيّ من بني سعد نزول بين ظهري بني جعدة بالفلج‏[1]، فأغار بسر على الحيّ السّعديّين فقتل منهم و أسر؛ فقال أوس بن مغراء في ذلك:

مشرّين ترعون النّجيل و قد غدت # بأوصال قتلاكم كلاب مزاحم‏

-المشرّ: الذي قد بسط ثوبه في الشمس. و النجيل: جنس من الحمض-فقال النابغة يجيبه:

/

متى أكلت لحومكم كلابي # أكلت يديك من جرب تهام‏[2]

أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب مما أجاز لنا روايته عنه من حديثه و أخباره مما ذكره منها عن محمد بن سلاّم الجمحيّ عن أبي الغرّاف، و أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر، قالا حدّثنا عمر بن شبّة[عن محمد[3]بن سلاّم‏]عن أبي الغرّاف‏[4]:

أن النابغة هاجى أوس بن مغراء؛ قال: و لم يكن أوس مثله و لا قريبا منه في الشعر؛ فقال النابغة: إني و إياه لنبتدر بيتا، أيّنا سبق إليه غلب صاحبه؛ فلما بلغه قول أوس:

لعمرك ما تبلى سرابيل عامر # من اللؤم ما دامت عليها جلودها

قال النابغة: هذا البيت الذي كنا نبتدر إليه. فغلّب أوس عليه.

قال أبو زيد[5]: فحدّثني المدائنيّ أنهما اجتمعا في المربد[6]فتنافرا و تهاجيا، و حضرهما العجّاج و الأخطل و كعب بن جعيل، فقال أوس:

/

لمّا رأت جعدة منا وردا[7] # ولّوا نعاما في البلاد[8]ربدا[9]

إنّ لنا عليكم معدّا[10] # كاهلها و ركنها الأشدّا

[1]الفلج (بالتحريك) : موضع لبني جعدة بن قيس بنجد، و هو في أعلى بلاد قيس، و فيه قال الراجز:

نحن بنو جعدة أرباب الفلج # نضرب بالبيض و نرجو بالفرج‏

(راجع «معجم ما استعجم» ج 2 ص 714) .

[2]تهام: منسوب إلى تهامة. و يجوز في النسبة إلى تهامة تهامى (بكسر التاء و تشديد الياء) و تهام (بفتح التاء و حذف الياء) كيمان و شآم، أي إذا فتحت التاء حذفت الياء. و قال سيبويه: و منهم من يقول: تهاميّ و يمانيّ و شآميّ بالفتح و التشديد. و الألف في تهام (بفتح التاء و حذف الياء) أصلية و في يمان و شآم عارضة. و قيل: إن تهاميا (بتخفيف الياء) منسوب إلى تهم بمعنى تهامة، فلما حذفت إحدى الياءين عوّضت عنها الألف. و على هذا تكون الألف عارضة في الكل.

[3]التكملة عن م. إذ لم نجد في المراجع التي بين أيدينا أنّ عمر بن شبة يروى عن أبي الغرّاف و إنما الذي يروى عنه هو محمد بن سلام.

[4]كذا في م، ج (بالغين المعجمة) ، و هو الموافق لما في «طبقات الشعراء» للجمحيّ ص 81 و «النقائض» ص 240) ، و هو أبو الغرّاف الضبيّ. و في باقي الأصول: «العرّاف» بالعين المهملة، و هو تصحيف.

[5]في م: «قال ابن دريد فحدّثني أبو زيد أنهما... » .

[6]المربد (كمنبر) : موضع بالبصرة كان مجتمعا للقوم.

[7]الورد (بالكسر) : الجيش، و هو أيضا الإشراف على الماء و غيره دخله أو لم يدخله.

[8]في م: «في الفلاة» .

[9]ربدا: جمع ربداء و هي من النعام ما كان لونها سودا مختلطا، و قيل: ما كان كله سوادا، و قيل: ما كان بين السواد و الغبرة.

[10]معدّ: أبو حيّ من العرب. و إلى معد ينتسب أوس بن مغراء، و بهذا النسب يفخر على النابغة. و كاهل القوم: معتمدهم في الملمات و سندهم في المهمات، و هو مأخوذ من كاهل الظهر لأن عنق الفرس يتساند إليه إذا أحضر. قال الشاعر:

13

فقال العجاج:

كل امرئ يعدو بما استعدّا

و قال الأخطل يعين أوس بن مغراء و يحكم له:

و إني لقاض بين جعدة عامر # و سعد قضاء بيّن الحقّ فيصلا

أبو جعدة الذئب الخبيث طعامه # و عوف بن كعب أكرم الناس أوّلا

و قال كعب بن جعيل:

إنّي لقاض قضاء سوف يتبعه # من أمّ قصدا و لم يعدل إلى أود[1]

فصلا من القول تأتمّ القضاة به # و لا أجور و لا أبغي على أحد

ناكت بنو عامر سعدا و شاعرها # كما تنيك بنو عبس‏[2]بني أسد

مهاجاته ليلى الأخيلية:

و قال أبو عمرو الشيبانيّ: كان سبب المهاجاة بين ليلى الأخيليّة و بين الجعديّ أنّ رجلا/من قشير-يقال له ابن الحيا (و هي أمه) و اسمه سوّار بن أوفى بن سبرة-هجاه و سبّ أخواله من أزد في أمر كان بين قشير و بين بني جعدة و هم بأصبهان/متجاورون، فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضخة-سمّيت بذلك لأنه ذكر فيها مساوي قشير و عقيل و كلّ ما كانوا يسبّون به، و فخر بمآثر قومه و بما كان لسائر بطون بني عامر سوى هذين الحيّين من قشير و عقيل-:

جهلت عليّ ابن الحيا و ظلمتني # و جمّعت قولا جاء بيتا مضلّلا

و قال في هذه القصّة أيضا قصيدته التي أوّلها:

إمّا ترى‏[3]ظلل الأيّام قد حسرت # عنّي و شمّرت ذيلا كان ذيّالا[4]

و هي طويلة، يقول فيها:

حصنين كانا لمعدّ كاهلا # و منكبين اعتليا التلاتلا

و يعني بالحصنين ربيعة و مضر و هما عمدة أولاد معدّ كلهم.

[1]الأود: العوج.

[2]في م: «بنو عمرو» .

[3]هذا شرط جوابه في البيت الذي يلي هذا البيت و هو:

و عممتني بقايا الدهر من قطن # فقد أنفج ذا فرقين ميالا

و هذا البيت مذكور ضمن قصيدة طويلة في نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية بعنوان «شعر النابغة الجعدي» ضمن مجموعة تحت رقم 1845 أدب.

[4]ذيل ذيال: طويل. ـ

14

و يوم مكّة إذ ماجدتم‏[1]نفرا # حاموا[2]على عقد الأحساب أزوالا[3]

عند النّجاشيّ إذ تعطون أيديكم‏[4] # مقرّنين و لا ترجون إرسالا

إذ تستحبّون‏[5]عند الخذل أنّ لكم # من آل جعدة أعماما و أخوالا

لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم # و تجعلوا جلد عبد اللّه سربالا

-يعني عبد اللّه‏[6]بن جعدة بن كعب-:

/

إذا تسربلتم فيه لينجيكم # ممّا يقول ابن ذي الجدّين إذ قالا

حتّى وهبتم لعبد اللّه صاحبه # و القول فيكم بإذن اللّه ما فالا[7]

تلك‏[8]المكارم لا قعبان من لبن # شيبا[9]بماء فعادا بعد أبوالا

يعني بهذا البيت أن ابن الحيا فخر عليه بأنهم سقوا رجلا من جعدة أدركوه في سفر و قد جهد عطشا لبنا و ماء فعاش.

و قال في هذه القصّة أيضا قصيدته التي أوّلها:

أبلغ قشيرا و الحريش‏[10]فما # ذا ردّ في أيديكم شتمي‏

و فخر عليهم بقتل علقمة الجعفيّ يوم وادي نساح‏[11]و قتل شراحيل‏[12]بن الأصهب الجعفيّ، و بيوم رحرحان‏[13]أيضا، فقال فيه:

[1]ماجدتم: فاخرتم و سابقتم في المجد.

[2]يقال: حامي عن الشي‏ء إذا دافع عنه، و حامى عليه إذا احتفل له. قال الشاعر:

حاموا على أضيافهم فشووا لهم # من لحم منقية و من أكباد

فيحتمل هنا أن يكون المراد المعنى الأوّل و تكون «على» بمعنى «عن» ، أو المعنى الثاني و يكون معنى الاحتفال بعقد الأحساب (و هي الأواصر التي تربط ذوي الأرحام بعضهم ببعض) هو القيام بما تقتضيه من نصر من يتصل بهم و الدفاع عنه.

[3]أزوال: جمع زول، و هو الفتى الخفيف الظريف و الجواد.

[4]إعطاء اليد: كناية عن الانقياد و المذلة. و مقرنين: مشدودين في القرن و هو الحبل.

[5]كذا في النسخة المخطوطة المذكورة. و في جميع الأصول: «تستحقون» .

[6]هو عبد اللّه بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة خال النابغة الجعديّ (راجع النسخة المذكورة) .

[7]قال: أخطأ. و في الأصول: «قال» . و لعل ما رجحناه هو الصواب.

[8]روى صاحب «العقد الفريد» هذا البيت ضمن أبيات لأبي الصلت والد أمية بن «أبي الصلت يمدح بها سيف بن ذي يزن مطلعها:

لم يدرك الثأر أمثال ابن ذي يزن # لجج في البحر للأعداء أحوالا

(صوابه: ليطلب الثأر) . و مثله في «معجم البلدان» لياقوت في كلامه على غمدان «و الشعر و الشعراء» في ترجمة أمية بن أبي الصلت (ص 279-282 طبع أوروبا) و ابن جرير الطبري (طبع أوروبا قسم 3 ص 956) .

[9]شيبا: خلطا.

[10]كذا في س «الحريش» (بالحاء المهملة) و كذلك صححه المرحوم الشيخ الشنقيطي في نسخته، و هو الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، و في باقي الأصول: «الجريش» بالجيم المعجمة، و هو تصحيف. (راجع «القاموس» و «شرحه» مادة حرش و كتاب «الاشتقاق» لابن دريد) .

[11]وادي نساح (بكسر النون) : باليمامة.

[12]أو هو شرحبيل (عن «القاموس» مادتي شراحيل و شرحبيل) .

[13]رحرحان: جبل قريب من عكاظ خلف عرفات، قيل: هو لغطفان، و كان للعرب فيه يومان سيأتي كلام عليهما في هذا الجزء.

15

هلاّ[1]

سألت بيومي رحرحان و قد # ظنّت هوازن أنّ العزّ قد زالا

/فلما ذكر ذلك النابغة قال:

تلك المكارم لا قعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

ففخر بما له و غضّ مما لهم. و دخلت ليلى الأخيلية بينهما فقالت:

و ما كنت لو قاذفت‏[2]جلّ عشيرتي # لأذكر قعبي حازر[3]قد تثمّلا

و هي كلمة[4]. فلما بلغ النابغة قولها قال:

ألا حيّيا ليلى و قولا لها هلا[5] # فقد ركبت أبرا[6]أغرّ محجّلا

و قد أكلت بقلا و خيما نباته # و قد شربت من آخر الصيف‏[7]أيّلا[8]

-يعني ألبان الأيّل-.

/

دعي عنك تهجاء الرجال و أقبلي # على أذلغيّ‏[9]يملأ استك فيشلا

/و كيف أهاجي شاعرا رمحه استه # خضيب البنان لا يزال مكحّلا

فردّت عليه ليلى الأخيليّة فقالت:

أ نابغ لم تنبغ‏[10]و لم تك أوّلا # و كنت صنيّا بين ضدّين مجهلا[11]

[1]في النسخة المخطوطة: «نحن الفوارس يومي... إلخ» .

[2]كذا في كتاب «أشعار النساء» (تأليف أبي عبيد اللّه محمد بن عمران المرزباني ج 3 ص 2 المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 8 أدب ش) . و في الأصول: «فارقت» .

[3]كذا في حـ و الحازر: اللبن الحامض. و في ب و س: «خازر» (بالخاء المعجمة) . و تمثل: صار كتلا من الرغوة، و الثمالة: الرغوة.

(عن كتاب «أشعار النساء» ) .

[4]المراد بالكلمة هنا القصيدة، يقال: قال الشاعر كلمة أي قصيدة.

[5]هلا: كلمة زجر، تزجر بها الإناث من الخيل إذا أنزى عليها الفحل لنقر و تسكن.

[6]كذا في كتاب «أشعار النساء» . و في جميع الأصول: «أمرا» بالميم، و ظاهر أنه تحريف.

[7]في م: «الليل» .

[8]كذا في حـ، م. و الأيل (وزان سيد و ميت) : الذكر من الأوعال، أو هو ذو القرن الأشعث الضخم مثل الثور الأهليّ. و المراد: إذا شربت ألبانه، كما قال المؤلف. و كانوا يزعمون أن ألبان الأيل تغلم شاربها. قال أبو الهيثم: هذا محال، و من أين توجد ألبان الأيايل!و ذهب إلى أن الأيل (بضم الهمزة) : الألبان الخاثرة، يقال: آل اللبن يئول أولا و إيالا إذا خثر فاجتمع بعضه إلى بعض، فالوصف للواحد اثل و الجمع أيل، و قيل: إن اللبن الآئل مما يسمن و يغلم. و اعترض على هذا التفسير بأن فعلا يكون جمعا لفاعل إذا كان وصفا لحيوان، فأجيب بأن ذلك هو الغالب الكثير. و اعترض أيضا بأنه كان ينبغي أن يكون أوّلا، لأنه واوي العين؛ فأجيب بأن سيبويه أجاز الإعلال في مثله، نحو صيم و قيم في صوّم و قوّم. و قال أبو منصور في تفسير الأيل: «هو البول الخاثر بالنصب (يريد بفتح الهمزة) من أبوال الأروية إذا شربته المرأة اغتلمت» . و في سائر الأصول: «أبلا» بالباء الموحدة، و هو تصحيف.

[9]الأذلغيّ (بالذال و الغين المعجمتين) : الضخم الطويل من الأيور، قيل: هو منسوب إلى أذلغ بن شدّاد من بني عبادة بن عقيل و كان نكاحا. و في الأصول: «أدلفيّ» بالدال المهملة و الفاء، و هو تحريف، و التصويب عن «اللسان» «و شرح القاموس» في مادّة ذلغ و قد وضعه «القاموس» في مادة دلع (بالدال و العين المهملتين) و خطأه شارحه.

[10]نبغ في الشعر: أجاده، و هو بفتح عينه في الماضي و تثليثها في المضارع.

[11]المجهل كمقعد: أرض لا يهتدي فيها، لا يثني و لا يجمع.

16

-الصنيّ: شعب صغير يسيل منه الماء. و صدّان: جبلان-.

أ نابغ إن تنبغ بلؤمك لا تجد # للؤمك إلاّ وسط جعدة مجعلا

تعيّرني داء بأمّك مثله # و أيّ حصان‏[1]لا يقال لها هلا

فغلبته. فلما أتى بني جعدة قولها هذا، اجتمع ناس منهم فقالوا: و اللّه لنأتين صاحب المدينة، أو أمير المؤمنين، فليأخذنّ لنا بحقّنا من هذه الخبيثة، فإنها قد شتمت أعراضنا و افترت علينا، فتهيّئوا لذلك؛ و بلغها أنهم يريدون أن يستعدوا عليها، فقالت:

/

أتاني من الأنباء أنّ عشيرة # بشوران‏[2]يزجون المطيّ المذلّلا[3]

يروح و يغدو وفدهم بصحيفة # ليستجلدوا لي، ساء ذلك معملا

و قد أخبرني ببعض هذه القصّة أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة فجاء بها مختلطة، و هذا أوضح و أصحّ.

يوم وادي نساح:

قال أبو عمرو: فأما ما فخر به النابغة من الأيام، فمنها يوم علقمة الجعفيّ، فإنه غدا في مدحج و معه زهير الجعفيّ، فأتى بني‏[4]عقيل بن كعب فأغار عليهم، و في بني عقيل بطون من سليم يقال لهم بنو بجلة، فأصاب سبيا و إبلا كثيرة، ثم انصرف راجعا بما أصاب، فاتّبعه بنو كعب، و لم يلحق به من بني عقيل إلا عقال بن خويلد بن عامر بن عقيل، فجعل يأخذ أبعار إبل الجعفيّين فيبول عليها حتى يندّيها، ثم يلحق ببني كعب فيقول: إيه فدى لكم أبواي، قد لحقتم القوم؛ حتى وردوا عليهم النخيل في يوم قائظ، و رأس زهير في حجر جارية من سليم من بني بجلة سباها يومئذ و هي تفليه، و هو متوسّد قطيفة حمراء و هي تضفر سعفاته-أي أعلى رأسه-بهدب القطيفة؛ فلم يشعروا إلا بالخيل؛ فكان أوّل من لحق زهيرا ابن النّهاضة[5]، فضرب وجه زهير بقوسه حتى كسر أنفه، ثم لحقه عقال بن خويلد، فبعج بطنه، فسال من بطنه برير و حلب-و البرير: ثمر الأراك. و الحلب: لبن كان قد اصطبحه- /فذلك يوم يقول أبو حرب أخو عقال بن خويلد: و اللّه لا أصطبح لبنا حتى آمن من الصّباح‏[6]. قال: و هذا اليوم هو يوم وادي نساح و هو باليمامة.

يوم شراحيل:

قال: و أمّا يوم شراحيل‏[7]بن الأصهب الجعفيّ فإنه يوم مذكور تفتخر به مضر كلّها. و كان شراحيل خرج [1]كذا في م. و في كتاب «أشعار النساء» للمرزباني: «و أيّ جواد لا يقال لها هلا» ، و الجواد يطلق على الأنثى أيضا. و في سائر الأصول: «و أي نجيب لا يقال له... » و قد آثرنا ما في م لقول «اللسان» (مادة هلا) : «... هلا زجر للخيل و قد يستعمل للإنسان... » و استشهد بالبيت كما ورد في م. و على هذا تكون الحصان (بفتح الحاء) المرأة العفيفة.

[2]شوران (بفتح أوله و إسكان ثانيه بعده راء مهملة) : جبل في ديار بني جعدة و هو مطل على السّدّ، و فيه مياه سماء يقال لها البحرات، فيها سمك أسود مقدار الذراع أطيب ما يكون و أمرؤه. (راجع «معجم ما استعجم» ص 462، 822) .

[3]في «أشعار النساء» للمرزباني «و معجم ما استعجم» : «المنعلا» ، و نعّل البعير: وضع في خفه جلدا لئلا يحفى.

[4]كذا في م، و كذلك صححه المرحوم الشيخ الشنقيطي بنسخته. و في سائر الأصول: «فأتى به عقيل» ، و هو تحريف.

[5]في م: «ابن النفاضة» .

[6]الصباح: الغارة صبحا.

[7]انظر الحاشية رقم 6 ص 15 من هذا الجزء.

17

مغيرا في جمع عظيم من اليمن، و كان قد طال عمره و كثر تبعه و بعد صيته و اتصل ظفره، و كان قد صالح بني عامر على أن يغزو العرب مارّا بهم في بدأته و عودته لا يعرض أحد منهم لصاحبه‏[1]؛ فخرج غازيا في بعض غزواته فأبعد، ثم رجع إليهم فمرّ على بني جعدة فقرته و نحرت له؛ فعمد ناس من أصحابه سفهاء فتناولوا إبلا لبني جعدة فنحروها؛ فشكت ذلك بنو جعدة إلى شراحيل، فقالوا: قريناك و أحسنّا ضيافتك ثم لم تمنع أصحابك مما يصنعون! فقال: إنهم قوم مغيرون، و قد أساءوا لعمري!و إنما يقيمون عندكم يوما أو يومين ثم يرتحلون عنكم. فقال الرّقاد/بن عمرو بن ربيعة بن جعدة لأخيه ورد بن عمرو-و قيل: بل قال ذلك لابن أخيه الجعد بن ورد-: دعني أذهب إلى بني قشير-قال: و جعدة و قشير أخوان لأمّ و أب، أمّهما ريطة بنت قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور-فأدعوهم، و اصنع أنت يا هذا لشراحيل طعاما حسنا كثيرا، و ادعه و أدخله إليك فاقتله، فإن احتجت إلينا فدخّن، فإني إذا رأيت الدّخان أتيتك بهم فوضعنا سيوفنا[2]على القوم. فعمد و رد هذا إلى طعام فأصلحه، /و دعا شراحيل و ناسا من أصحابه و أهله و بني عمه، فجعلوا كلّما دخل البيت رجل قتله ورد، حتى انتصف النهار؛ فجاء أصحاب شراحيل يتبعونه، فقال لهم ورد: تروّحوا[3]فإنّ صاحبكم قد شرب و ثمل و سيروح‏[فرجعوا][4]؛ و دخّن ورد، و جاءت قشير، فقتلوا من أدركوا من أصحابه، و سار سائرهم؛ و بلغهم قتل شراحيل، فمرّوا على بني عقيل، و هم إخوتهم، فقالوا: لنقتلنّ مالك بن المنتفق؛ فقال لهم مالك: أنا آتيكم بورد؛ فركب ببني عقيل إلى بني جعدة و قشير ليعطوهم وردا؛ فامتنعوا من ذلك و ساروا بأجمعهم فذبّوا عن عقيل، حتى تفرّق من كان مع شراحيل. فقال في ذلك بحير[5][بن‏][6]عبد اللّه بن سلمة:

أ حيّ يتبعون العير نحرا[7] # أحبّ إليك أم حيّا هلال

لعلك قاتل وردا و لمّا # تساق‏[8]الخيل بالأسل النّهال‏

[1]كذا في ط. و في باقي الأصول: «... في بدأته و عودته و لا يعرض واحد منهم صاحبه... » .

[2]وضعنا سيوفنا على القوم: ألقينا بها و أسقطناها عليهم أي ضربناهم بها؛ يقال: وضع السيف إذا ضرب به؛ قال سديف:

فضع السيف و ارفع السوط حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا

[3]تروّح فلان: سار في الرواح، أي العشيّ، مثل راح.

[4]زيادة عن ط، ء.

[5]كذا ورد هذا الاسم في عدة مواضع من كتاب «النقائض» و كتاب «أشعار النساء» للمرزباني، و هو بالباء الموحدة من تحت و الحاء المهملة على وزان أمير. و في الأصول «بجير» بالجيم، و هو تصحيف.

[6]التكملة عن ط، م، ء و كتاب «النقائض» و «أشعار النساء» للمرزبانيّ.

[7]كذا ورد هذا البيت في أكثر الأصول، و ورد في م: «يبتغون... تجرا» بالجيم. و أورد المرزباني هذا البيت، ببعض اختلاف في كلماته عما هنا، ضمن أبيات قالها بحير هذا في قصة له خلاصتها أن ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير تزوّجت من هوذة ابن علي الحنفي الذي كان يمدحه الأعشى فمات عنها و أصابت منه مالا كثيرا، فخطبها ابن عمها بحير بن عبد اللّه بن سلمة فلم تزوّجه، فخطبها عبد اللّه بن جدعان التيميّ إلى أبيها فزوّجه إياها، فلما أهديت إليه قال ابن عمها بحير:

لنعم الحيّ لم تربع عليهم # ضباعة يوم منقى اللحم غال

و نعم الحيّ حيّ بني أبيها # إذا قرع المقانب بالعوالي

أقوم يقتنون الإبل تجرا # أحب إليك أم قوم حلال‏

حلال: مقيمون. و في هذا الشعر على هذه الرواية إقواء، و هو اختلاف حركة الرويّ. «و تجر» إما أن يكون مصدرا نصب على التعليل أو جمعا لتاجر كصحب جمعا لصاحب.

[8]تساق: أصله تتساقى و في الأصول: «تساقى» ببقاء حرف العلة في آخره و هو مجزوم. و الأسل: الرماح. و النهال: الريانة، واحدها:

ناهل، و يطلق الناهل أيضا على العطشان، فهو من الأضداد.

18

ألا يا مال ويح سواك أقصر # أ ما ينهاك حلمك عن ضلال‏

يوما رحرحان:

و أمّا يوما رحرحان، فأحدهما مشهور قد ذكر في موضع آخر من هذا الكتاب بعقب أخبار الحارث بن ظالم، و هذا اليوم‏[1]الثاني، فكان الطمّاح الحنفيّ أغار في بني حنيفة و بني قيس بن ثعلبة على بني الحريش بن كعب و بني عبادة بن عقيل و طوائف من بني عبس يقال لهم بنو[2]حذيفة؛ فركبت بنو جعدة و بنو أبي بكر بن كلاب، و لم يشهد ذلك من بني كلاب غير بني أبي بكر، فأدركوا الطمّاح من يومهم، فاستنفذوا ما أخذه و أصابوا ما كان معه، و قتلوا عددا من أصحابه و هزموهم.

كعب الفوارس و مقتله:

قال: و أما ما ذكره‏[3]من إدراكهم بثأر كعب الفوارس، فإن كعب الفوارس-و هو ابن معاوية بن عبادة بن البكّاء-مرّ على بني نهد و عليه سلاحه، فحمل عليه/رجل من نهد[4]يقال له خليف فقتله و أخذ فرسه و سلاحه؛ ثم إن خليفا بعد ذلك بدهر مرّ على بني جعدة، فرآه مالك بن عبد اللّه بن جعدة و عليه جبّة كعب و فيها أثر الطعنة، و كان محرما فلم يقدر على قتله، فقال: يا هذا!أ لا رقعت هذا الخرق الذي في جبّتك!و جعل يترصّده بعد ذلك، حتى بلغه بعد دهر أنه مرّ ببني جعدة، فركب مالك بن عبد اللّه بن جعدة فرسا له و قد أخبر أن خليفا مرّ بجنباتهم‏[5]، فأدركه فقتله، ثم قال: بؤ بكعب. ثم غزا نواحيهم عبد اللّه بن ثور بن معاوية بن عبادة بن البكّاء: جرما و نهدا، و هم يومئذ في بني الحارث، فناداهم بنو البكّاء: ليس معنا أحد من قومنا غيرنا و إنّ النهديّ قتل صاحبنا محرما؛ فقاتلهم نهد و جرم جميعا يومئذ، و كان عبد اللّه بن ثور يومئذ على فرس ورد، فأصابوا من نهد يومئذ غنيمة عظيمة، و قتلوا قتلى كثيرة. فقال عبد اللّه في ذلك:

/

فسائل بني جرم إذا ما لقيتهم # و نهدا إذا حجّت عليك بنو نهد

فإن يخبروك الحقّ عنا تجدهم # يقولون أبلى صاحب الفرس الورد

[1]ذكر في كتاب «النقائض» (المطبوع في مدينة ليدن ص 1060) تفصيل ليومي رحرحان، فأما الأوّل منهما فهو أن يثربيّ بن عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم غزا بني عامر بن صعصعة و على بني عامر يومئذ الأحوص بن جعفر فالتقوا فاقتتلوا، فقتل من بني عامر قريط بن عبد اللّه بن أبي بكر بن كلاب و قتل يثربيّ يومئذ. و أما يوم رحرحان الثاني فمذكور أيضا في كتاب «النقائض» كما هو وارد في «الأغاني» (في الجزء العاشر من طبعة بولاق ص 31) و هو الموضع الذي نبه المؤلف هنا أنه ذكر فيه. و يلاحظ بعد هذا أن ما ذكره المؤلف من قوله: «فكان الطماح الحنفيّ... إلخ» غير واضح الاتصال بأحد هذين اليومين و لا الأسماء التي ذكرت في هذا الخبر مذكورة في الأسماء التي ذكرت في أحد هذين اليومين.

[2]في م: «بنو خزيمة، فركبت بنو خزيمة» . و في ط: «جذيمة» .

[3]يلاحظ أيضا أنه لم يتقدّم لهذا الخبر ذكر. و قد ذكر مقتل كعب الفوارس هذا و الأخذ بثأره، كما هو وارد هنا، في كتاب «النقائض» متصلا بأخبار «يوم فيف الريح» و هو يوم كان بين بني عامر و بين بني الحارث و من تبعهم من قبائل جعفيّ و زبيد و قبائل سعد العشيرة و مراد و صداء و نهد و استعانوا أيضا بخثعم، (راجع كتاب «النقائض» ص 469) . و لعل مقتل كعب الفوارس ورد في شعر للنابغة الجعديّ لم يقع إلينا في أصول «الأغاني» التي بين أيدينا.

[4]في «النقائض» (ص 471) : «قتله خليف بن عبد العزي بن عائذ النهدي» ، و أول كلام المؤلف هنا و آخره يؤيد ما أثبتناه و هو أنه من «نهد» . و في الأصول: «من جهم» و هو تحريف.

[5]جنباتهم: نواحيهم، واحده جنبة بالفتح. و في م: «حيفاتهم» و الحيفة (بالكسر) : الناحية أيضا.

19

يوم الفلج:

قال: و أما يوم الفلج، فإن بكر بن وائل بعثت عينا على بني كعب بن ربيعة حتى جاء الفلج-و هو ماء-فوجد النّعم بعضه قريبا من بعض، و وجد الناس قد احتملوا، فليس في النّعم إلا من لا طباخ‏[1]به من راع أو ضعيف؛ فجاءهم عينهم بذلك، فركبت بكر بن وائل يريدونهم، حتى إذا كانوا منهم بحيث يسمعون أصواتهم، سمعوا الصّهيل و أصوات الرجال؛ فقالوا لعينهم: ما هذا ويلك؟!قال: و اللّه ما أدري، و إن هذا لمما لم أعهد، فأرسلوا من يعلم علمهم؛ فرجع فأخبرهم أن الرجال قد رجعوا، و رأى/جمعا عظيما و خيولا كثيرة[2]؛ فكّروا راجعين من ليلتهم؛ و أصبحت بنو كعب فرأوا الأثر فاتبعوهم، فأصابوا من أخرياتهم رجالا و خيلا، فرجعوا بها.

خداش بن زهير و هبيرة بن عامر:

قال: و أما قوله:

لو تستطيعون أن تلقوا جلودكم # و تجعلوا جلد عبد اللّه سربالا

فإن السبب في ذلك أن هبيرة[3]بن عامر بن سلمة بن قشير، لقي خداش‏[4]بن زهير البكّائيّ، فتنافرا على مائة من الإبل، و قال كل منهما لصاحبه: أنا أكرم و أعزّ منك؛ فحكّما في ذلك رجلا من بني ذي الجدّين، فقضى بينهما أنّ أعزّهما و أكرمهما أقربهما من عبد اللّه بن جعدة نسبا؛ فقال خداش‏[4]بن زهير: أنا أقرب إليه، أمّ عبد اللّه بن جعدة عمّتي-و هي أميمة بنت عمرو بن عامر-و إنما أنت أدنى إليه منّي منزلة بأب؛ فلم يزالا يختصمان في القرابة لعبد اللّه دون المكاثرة بآبائهما إقرارا له بذلك، حتى فلج‏[5]هبيرة القشيريّ و ظفر.

عبد اللّه بن جعدة:

قال أبو عمرو: و كان عبد اللّه بن جعدة سيّدا مطاعا، و كانت له إتاوة بعكاظ يؤتى بها، يأتيه‏[6]بها هذا الحيّ من الأزد و غيرهم؛ فجاء سمير[7]بن سلمة القشيريّ و عبد اللّه جالس على ثياب قد جمعت له من إتاوته، فأنزله عنها و جلس مكانه؛ فجاء رياح‏[8]بن عمرو بن ربيعة بن عقيل-و هو الخليع، سمّي بذلك لتخلّعه عن/الملوك لا يعطيهم الطاعة-فقال للقشيريّ: مالك و لشيخنا تنزله عن إتاوته و نحن هاهنا حوله!فقال القشيريّ: كذبت، ما هي له!ثم مدّ القشيريّ رجله فقال: هذه رجلي فاضربها إن كنت عزيزا؛ قال: لا!لعمري لا أضرب رجلك؛ فقال له القشيريّ: فامدد لي رجلك حتى تعلم أ أضربها أم لا؛ فقال: و لا أمدّ لك رجلي، و لكن أفعل ما لا تنكره العشيرة [1]الطباخ (رواه الإيادي بفتح الطاء و الأزهريّ بضمها) : القوّة و السمن.

[2]كذا في ط، ء، م. و في سائر الأصول: «و خلقا كثيرا» .

[3]كذا في ط، ء، م و كتاب «النقائض» و فيما سيأتي في كل الأصول. و في باقي الأصول هنا: «زهير» و هو تحريف.

[4]كذا في ط، ء، م و كتاب «النقائض» و كذلك صححه الأستاذ الشنقيطي في نسخته. و في باقي الأصول: «خراش» بالراء، و هو تحريف.

[5]فلج: فاز و غلب.

[6]كذا في ط، ء، م. و في باقي الأصول: «.. و يأتيه بها... » بزيادة الواو، و هو تحريف.

[7]في ط، م، ء: «فجاء سليمان بن سلمة... » .

[8]كذا في ط، ء: و كذلك صححه المرحوم الأستاذ الشنقيطي في نسخته. و في م: «رماح» بالميم. و في باقي الأصول: «رباح» بالباء الموحدة، و كلاهما تحريف.

20

و ما هو أعزّ لي و أذلّ لك؛ ثم أهوى إلى رجل القشيريّ فسحبه على قفاه و نحّاه، و أقعد عبد اللّه بن جعدة مكانه.

قال: و عبد اللّه بن جعدة أوّل من صنع الدّبّابة[1]؛ و كان السبب في ذلك أنهم انتجعوا[2]ناحية البحرين، فهجموا على عبد لرجل يقال له كودن‏[3]في قصر حصين، فدخّن العبد و دعا النساء و الصبيان، فظنوا أنه يطعمهم ثريدا، حتى إذا امتلأ القصر منهم أغلقه عليهم، فصاح النساء و الصبيان، و قام العبد و من معه على شرف القصر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رماه؛ فلما رأى ذلك عبد اللّه بن جعدة صنع دبّابة على جذوع النخل و ألبسها جلود الإبل، ثم جاء بها و القوم يحملونها حتى أسندوها إلى القصر، ثم حفروا حتى خرقوه‏[4]؛ فقتل العبد/و من كان معه و استنقذ صبيانهم و نساءهم. فذلك قول النابغة:

و يوم دعا ولدانكم عبد كودن # فخالوا لدى الدّاعي ثريدا مفلفلا

و في ابن زياد و هو عقبة خيركم # هبيرة ينزو في الحديد مكبّلا

يعني هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، و كان عبد اللّه بن مالك بن عدس بن ربيعة بن جعدة خرج و معه مالك بن عبد اللّه بن جعدة، حتى مرّوا على بني‏[5]زياد/العبسيّين و الرجال غيب، فأخذوا ابنا لأنس‏[6]بن زياد و انطلقوا به يرجون الفداء؛ و انطلق عمّه عمارة بن زياد حتى أتى بني كعب، فلقي هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، فقال له: يا هبيرة إن الناس يقولون: إنك بخيل؛ قال: معاذ اللّه!قال: فهب لي جبّتك هذه؛ فأهوى ليخلعها، فلما وقعت‏[7]في رأسه وثب عليه فأسره، ثم بعث إلى بني قشير: عليّ و عليّ إن قبلت من هبيرة أقلّ من فدية حاجب‏[8] إلا أن يأتوني بابن أخي الذي في أيدي بني جعدة؛ فمشت بنو قشير إلى بني جعدة، فاستوهبوه منهم فوهبوه لهم، فافتدوا به هبيرة.

وحوح أخو النابغة:

و أما خبر وحوح أخي النابغة الذي تقدّم ذكره مع نسب أخيه النابغة، فإن أبا عمرو ذكر أن بني كعب أغارت على بني أسد فأصابوا سبيا و أسرى، فركبت بنو أسد في آثارهم حتى لحقوهم بالشّريف‏[9]، فعطفت بنو عدس بن [1]الدبابة: آلة تتخذ من جلود و خشب للحرب يدخل فيها الرجال و يقربونها من الحصن المحاصر لينقبوه و هم في جوفها فتقيهم ما يرمون به من فوقهم.

[2]الانتجاع: طلب الكلى و مساقط الغيث.

[3]في م: «كوذن» بالذال المعجمة.

[4]كذا في ط، ء، م. و في سائر الأصول: «حفروه» .

[5]كذا في ط، ء: «بني زيد العبسيين» . و في م: «بني زيد و العبسيين» و كلاهما تحريف.

[6]كذا في ط، ء، م، و هو أنس بن زياد العبسيّ و يسمى أنس الفوارس، س و له حديث في يوم أقرن. (راجع «النقائض» ص 194، 679) . و في سائر الأصول: «أوس» ، و هو تحريف.

[7]في ط، ء، م: «وقفت» بالفاء.

[8]هو حاجب بن زرارة، و هو من الذين يضرب المثل بفدائهم في الوفرة، و مثله في ذلك بسطام بن قيس و الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي. (راجع «كتاب ما يعوّل عليه في المضاف و المضاف إليه» -حرف الفاء) . و سيأتي خبر أسر حاجب بن زرارة هذا و فدائه في «الأغاني» (ج 10 ص 42 طبع بولاق) .

[9]كذا في ط، ء، و الشريف (بصيغة التصغير) : ماء لبني نمير، و قيل: إنه واد بنجد. و في سائر الأصول: «السديف» (بالسين و الدال المهملتين) و هو تحريف.

21

ربيعة بن جعدة، فذادوا بني أسد حتى قتلوا منهم ثلاثين رجلا و ردّوهم؛ و لم يظفروا منهم بشي‏ء. و تعلّقت امرأة من بني أسد بالحكم بن عمرو بن عبد اللّه بن جعدة و قد أردفها خلفه، فأخذت بضفيرته و مالت به فصرعته، فعطف عليه عبد اللّه بن مالك بن عدس و هو أبو صفوان، فضرب يدها بالسيف فقطعها و تخلّصه. و طعن يومئذ وحوح بن/قيس أخو النابغة الجعديّ، فارتثّ‏[1]في معركة القوم، فأخذه خالد بن نضلة الأسديّ؛ و عطف عليه يومئذ أخوه النابغة، فقال له خالد بن نضلة: هلمّ إليّ و أنت آمن؛ فقال له النابغة: لا حاجة لي في أمانك، أنا على فرسي و معي‏[2] سلاحي و أصحابي قريب، و لكنّي أوصيك بما في العوسجة[3] (يعني أخاه وحوح بن قيس) ؛ فعدل إليه خالد فأخذه و ضمّه إليه و منع من قتله و داواه حتى فدي بعد ذلك. قال: ففي ذلك يقول مدرك العبسيّ‏[4]:

أقمت على الحفاظ و غاب فرج # و في فرج عن الحسب انفراج

كذلك فعلنا و حبال عمّي # وردن بوحوح فلج‏[5]الفلاج‏[6]

شعر للنابغة الجعدي:

و مما قاله النابغة في هذه المفاخرة و غنّي فيه قوله و قد جمع معه كلّ ما يغنّي فيه من القصيدة-:

الصوت‏

هل بالدّيار الغداة من صمم # أم هل بربع الأنيس من قدم

أم ما تنادي من ماثل درج السّ # يل عليه كالحوض منهدم

غرّاء كالليلة المباركة القمـ # راء تهدي أوائل الظّلم

أكنى بغير اسمها و قد علم الـ # لّه خفيّات كلّ مكتتم

/كأنّ فاها إذا تبسّم من # طيب مشمّ و طيّب‏[7]مبتسم

/يسنّ‏[8]بالضّرو من براقش أو # هيلان أو ضامر[9]من العتم‏

عروضه من المنسرح. و في الأوّل و الثاني و الثالث من الأبيات خفيف ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى [1]ارتث: ضرب في الحرب فأثخن و حمل و به رمق.

[2]في ط، ء، م: «و عليّ سلاحي» .

[3]العوسجة: واحدة العوسج و هو شجر شائك له ثمر أحمر مدوّر، و لعله يريد بالعوسجة حظيرة أو مظلة متخذة من شجر العوسج.

[4]في حـ: «الفقعسيّ» .

[5]فلج (بالتحريك) : مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة و قشير و كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، و فلج أيضا: مدينة قيس بن عيلان بن مضر، و يقال لها: فلج الأفلاج. و أصل الفلج النهر أو الماء الجاري، و لعله يقال أيضا: فلج الفلاج، كما ورد في الشعر هنا، لأن فعلا (بالتحريك) يجمع على أفعال و فعال.

[6]في هذا الشعر إقواء و هو اختلاف حركة الرويّ.

[7]في ط، ء: «و حسن مبتسم» .

[8]يسنّ (يسناك) . و الضرو: شجر يسناك به. و براقش و هيلان: مدينتان عاديتان باليمن خربتا.

[9]في «اللسان» (مادة برقش) «و معجم ما استعجم» للبكري «و معجم البلدان» لياقوت (في الكلام على براقش) : «أو ناضر» . و العتم (بضمتين) : شجر الزيتون. ـ

22

البنصر[1]، ذكره إسحاق و لم ينسبه إلى أحد، و ذكر ابن المكيّ و الهشاميّ أنه لمعبد، و أظنه من منحول يحيى، و ذكر حبش أنه لإبراهيم. و في الثالث و ما بعده لابن سريح رمل بالبنصر، و ذكر حبش أنّ فيها لإسحاق رملا آخر؛ و لابن مسجح فيها ثقيل أوّل بالبنصر.

أوّل من سبق إلى الكناية عمن يعني بغيره:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: أوّل من سبق إلى الكناية عن اسم من يعني بغيره في الشعر الجعديّ، فإنه قال:

أكني بغير اسمها و قد علم الـ # لّه خفيّات كلّ مكتتم‏

فسبق‏[2]الناس جميعا إليه و اتّبعوه فيه. و أحسن من أخذه و ألطفه فيه أبو نواس حيث يقول:

أسأل القادمين من حكمان‏[3] # كيف خلفتم أبا عثمان

فيقولون لي جنان كما # سرّك في حالها فسل عن جنان

ما لهم لا يبارك اللّه فيهم # كيف لم يغن عندهم كتماني‏

ذكره الفرزدق و تحدّث عن شعره:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو بكر الباهليّ قال حدّثني الأصمعيّ قال:

ذكر الفرزدق نابغة بني جعدة فقال: كان صاحب خلقان عنده مطرف بألف، و خمار[4]بواف، (يعني درهما) [5].

وفد على ابن الزبير و مدحه فوصله:

و حدّثني خبره مع ابن الزبير جماعة، منهم حبيب بن نصر المهلّبيّ و عمر بن عبد العزيز بن أحمد و الحرميّ بن أبي العلاء و وكيع و محمد بن جرير الطبريّ حدّثنيه من حفظه، قالوا حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثنا أخي هارون بن أبي بكر[6]عن يحيى بن إبراهيم عن سليمان‏[7]بن محمد بن يحيى بن عروة عن أبيه عن عمّه عبد اللّه بن عروة قال:

[1]في ط، : «في مجرى الخنصر» .

[2]كذا في ط، ء، حـ. و في سائر الأصول: «يسبق» و هو تحريف.

[3]حكمان (بالتحريك) : اسم لضياع بالبصرة سميت بالحكم بن أبي العاص الثقفيّ. و هذا اصطلاح لأهل البصرة إذا سموا ضيعة باسم زادوا عليه ألفا و نونا، حتى سموا عبد اللان في قرية سميت بعبد اللّه. و كانت هذه الضيعة لبني عبد الوهاب الثقفيين موالي جنان صاحبة أبي نواس (انظر «معجم ياقوت» في اسم خكمان) .

[4]الخمار (بالكسر) : النصيف و هو ما تغطي به المرأة رأسها، و قد يطلق على العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه كما تغطيه المرأة بخمارها؛ و في حديث أم سلمة «أنه كان يسمح على الخف و الخمار» أي العمامة.

[5]الذي في معاجم اللغة أن الوافي درهم و أربعة دوانق أو درهم و دانقان، يعني الفرزدق أن في شعره الجيد المتين و الردي‏ء الضعيف.

و قال المرزباني في كتابه الموشح في كلامه على النابغة الجعديّ بعد أن ذكر قول الفرزدق هذا: «قال الأصمعيّ: و صدق الفرزدق، بينا تجد النابغة في كلام أسهل من الزلال و أشدّ من الصخر إذ لان... » ثم ذكر قصيدته التي منها:

سما لك هم و لم تطرب # و بت ببث و لم تنصب‏

و بيّن ما فيها من شعر جيد و آخر ردي‏ء.

[6]هذه كنية أبيه بكار.

[7]في ب و س: «سليمان محمد» . و لعل لفظة «ابن» سقطت سهوا أثناء الطبع.

23

أقحمت‏[1]السنة نابغة بني جعدة، فدخل على ابن الزبير المسجد الحرام، فأنشده:

حكيت لنا الصّدّيق لمّا وليتنا # و عثمان و الفاروق فارتاح معدم

أتاك أبو ليلى يجوب به الدّجى # دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم‏[2]

لتجبر منه جانبا زعزعت‏[3]به # صروف الليالي و الزمان المصمّم‏

/فقال له ابن الزبير: هوّن عليك أبا ليلى، فإنّ الشعر أهون و سائلك عندنا، أمّا صفوة ما لنا فلآل الزبير، و أما عفوته‏[4]فإنّ بني‏[5]أسد بن عبد العزّى تشغلها عنك و تيما معها، و لكن لك في مال اللّه حقّان: حقّ برؤيتك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و حقّ بشركتك أهل الإسلام في فيئهم؛ ثم أخذ بيده فدخل به دار النّعم، فأعطاه قلائص‏[6]سبعا و جملا رجيلا[7]؛ و أوقر له الإبل برّا و تمرا و ثيابا، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحبّ صرفا؛ فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلي!لقد بلغ به الجهد؛ فقال النابغة: أشهد أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «ما وليت قريش فعدلت و استرحمت فرحمت و حدّثت فصدقت و وعدت خيرا فأنجزت فأنا و النبيّون فرّاط[8]القاصفين» و قال الحرميّ: «فرّاط لها ضمن» . قال الزّبيريّ: كتب يحيى بن معين هذا الحديث عن أخي.

ضربه أبو موسى الأشعري أسواطا فهجاه:

أخبرني أبو الحسن الأسديّ أحمد بن محمد بن عبد اللّه/بن صالح و هاشم بن محمد الخزاعيّ أبو دلف قالا حدّثنا الرّياشيّ قال قال أبو سليمان عن الهيثم بن عديّ‏[قال‏][9]:

رعت بنو عامر بالبصرة في الزرع، فبعث أبو موسى الأشعريّ في طلبهم، فتصارخوا: يا آل عامر، يا آل عامر! فخرج النابغة الجعديّ و معه عصبة له؛ فأتي به إلى أبي موسى الأشعريّ، فقال له: ما أخرجك؟قال: سمعت داعية قومي؛ قال: فضربه أسواطا؛ فقال النابغة:

رأيت البكر بكر بني ثمود # و أنت أراك بكر الأشعرينا

[1]أقحمته: ألقته و رمت به. و السنة: الجدب، أي أخرجه الجدب من البادية و أدخله الريف حيث الخضرة و الماء.

[2]العثمثم: الجمل الشديد الطويل.

[3]في ط، ء: «ذعذعت» بالذال المعجمة و هي بمعنى «زعزعت» .

[4]عبارة ابن الأثير في «النهاية» (مادة عفا) و نقلها عنه صاحب «اللسان» : «... أنه قال للنابغة: أما صفو أموالنا فلآل الزبير، و أما عفوه فإن تيما و أسدا تشغله عنك. قال الحربيّ: العفو: أحل المال و أطيبه. و قال الجوهريّ: عفو المال ما يفضل عن النفقة. و كلاهما جائز في اللغة و الثاني أشبه بهذا الحديث» ، و هذا التوجيه الأخير لابن الأثير. و أما عفوة المال و الطعام و الشراب (بالفتح) و عفوته (بالكسر عن كراع) : فهي خياره و ما صفا منه و كثر. و ظاهر أنها لا تلائم سياق الحديث، لذلك نرى أن رواية النهاية في هذا الأثر أصح مما ورد في الأصول هنا.

[5]بنو أسد: قبيلة منها الزبير بن العوّام والد عبد اللّه هذا. و تيم: قبيلة منها أبو بكر الصدّيق رضوان اللّه عليه و هو جدّ ابن الزبير لأمه.

[6]القلائص: جمع قلوص و هي الشابة من الإبل بمنزلة الجارية من النساء.

[7]في حـ: «رحيلا» بالحاء المهملة، و الرجيل و الرحيل من الإبل: القوي على السير.

[8]كذا في «النهاية» في «غريب الحديث» و «الدر النثير» للسيوطي (مادتي فرط و قصف) ، و فيه رواية أخرى أشار إليها السيوطي في «الدر النثير» (مادة قصف) و هي «فراط القاصفين» ، و بهذه الرواية ورد الحديث في م «و اللسان» (مادتي فرط و قصف) . و قد وردت كلمة «القاصفين» في أكثر الأصول هاهنا مضطربة، ففي ط، ء: «فرّاط لها ضفن و قال الحرميّ... إلخ» . و في باقي الأصول: «فراط لها ضمين و قال الحرميّ... إلخ» . الفرّاط: المتقدمون إلى الشفاعة أو إلى الحوض. و القاصفون: المزدحمون. و ضمن: كافلون.

[9]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

24

فإن يكن ابن عفّان أمينا # فلم يبعث بك البرّ الأمينا

فيا قبر النبيّ و صاحبيه # ألا يا غوثنا لو تسمعونا

ألا صلّى إلهكم عليكم # و لا صلّى على الأمراء فينا

خبره مع عليّ و معاوية:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و يحيى بن عليّ بن يحيى قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا بعض أصحابنا عن ابن دأب‏[1]قال:

لما خرج عليّ رضي اللّه تعالى عنه إلى صفّين خرج معه نابغة بني جعدة؛ فساق به يوما فقال:

/

قد علم المصران‏[2]و العراق # أنّ عليّا فحلها العتاق‏[3]

أبيض جحجاح له رواق # و أمّه غالى بها الصّداق

أكرم من شدّ به‏[4]نطاق # إنّ الألى جاروك لا أفاقوا

لهم سياق‏[5]و لكم سياق # قد علمت ذلكم الرّفاق

سقتم إلى نهج الهدى و ساقوا # إلى التي ليس لها عراق‏[6]

في ملّة عادتها النّفاق‏

فلما قدم معاوية بن أبي سفيان الكوفة، قام النابغة بين يديه فقال:

أ لم تأت أهل المشرقين رسالتي # و أيّ‏[7]نصيح لا يبيت على عتب

ملكتم فكان الشرّ آخر عهدكم # لئن لم تدارككم حلوم بني حرب‏

و قد كان معاوية كتب إلى مروان فأخذ أهل النابغة و ماله؛ فدخل النّابغة على معاوية، و عنده عبد اللّه بن عامر و مروان، فأنشده:

من راكب يأتي ابن هند بحاجتي # على‏[8]النّأي و الأنباء تنمى و تجلب‏

[1]هو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب و يكنى أبا الوليد كان هو و أبوه و أخوه من العلماء بأشعار العرب و أخبارهم و أيامهم و كان أثيرا عند الهادي و له معه أخبار طويلة. (انظر «مروج الذهب» للمسعودي ج 6 ص 264-265 طبع أوروبا «و المحاسن و المساوئ» ص 613-614 طبع أوروبا) .

[2]المصران: الكوفة و البصرة.

[3]كذا في أكثر الأصول. و الذي في «معاجم اللغة» أن العتاق (وزان غراب) : الخمر الحسنة القديمة. و لعله يريد بفحلها العتاق فحلها الكريم. و في م: «الفناق» بالفاء و النون.

[4]في ط، ء، م: «بها» .

[5]كذا في حـ، م و كذلك صححه المرحوم الشنقيطي بنسخته. و في سائر الأصول: «سباق» بالباء الموحدة و هو تصحيف.

[6]يريد إلى مضلة لا نهاية لها و لا غاية.

[7]في ط، ء: «و إني» .

[8]في ط، ء:

«... لحاجتي # بكوفان... »

و كوفان هي الكوفة، و هي أيضا قرية بهراة.

25

و يخبر عنّي ما أقول ابن عامر # و نعم الفتى يأوي إليه المعصّب‏[1]

/فإن تأخذوا أهلي و مالي بظنّة # فإنّي لحرّاب الرجال محرّب‏[2]

صبور على ما يكره المرء كلّه # سوى الظلم إني إن ظلمت سأغضب‏

فالتفت معاوية إلى مروان فقال: ما ترى؟قال: أرى ألاّ تردّ عليه شيئا؛ فقال: ما أهون و اللّه عليك أن ينجحر هذا في غار ثم يقطع عرضي عليّ ثم تأخذه العرب فترويه، أمّا[3]و اللّه إن كنت لممن يرويه!أردد عليه كلّ شي‏ء أخذته منه. و هذا الشعر يقوله النّابغة[4]الجعديّ لعقال بن خويلد العقيليّ يحذّره غبّ الظلم لمّا أجار بني وائل بن معن، و كانوا قتلوا رجلا من جعدة، فحذّرهم مثل حرب البسوس إن أقاموا على ذلك فيهم.

شعره في عقال بن خويلد و سببه:

قال أبو عمرو الشّيبانيّ: /كان السبب في قول الجعديّ هذه القصيدة أن المنتشر الباهليّ خرج فأغار على اليمن ثم رجع مظفّرا. فوجد بني جعدة قد قتلوا ابنا له يقال له سيدان‏[5]، و كانت باهلة في بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ثم في بني جعدة، فلمّا أن علم ذلك المنتشر و أتاه الخبر أغار على بني جعدة ثم على بني سبيع في وجهه ذلك، فقتل منهم ثلاثة نفر؛ فلما فعل ذلك تصدّعت باهلة، فلحقت فرقة منهم يقال لهم بنو وائل بعقال بن خويلد العقيليّ، و لحقت فرقة أخرى يقال لهم بنو قتيبة و عليهم حجل الباهليّ بيزيد بن عمرو بن الصّعق الكلابيّ، فأجارهم يزيد، و أجار عقال وائلا. فلما رأت بنو ذلك بنو جعدة أرادوا قتالهم، فقال لهم عقال: لا تقاتلوهم/فقد أجرتهم؛ فأمّا أحد الثلاثة القتلى منكم فهو بالمقتول، و أمّا الآخران فعليّ عقلهما[6]؛ فقالوا: لا نقبل إلا القتال و لا نريد من وائل غيرا[7] (يعني الدية) ؛ فقال: لا تفعلوا فقد أجرت القوم؛ فلم يزل بهم حتى قبلوا الدية. و انتقلت وائل إلى قومهم. فقال النابغة في ذلك قصيدته التي‏[8]ذكر فيها عقالا:

فابلغ عقالا أنّ غاية داحس‏[9] # بكفّيك فاستأخر لها أو تقدّم

تجير علينا وائلا في دمائنا[10] # كأنك عما ناب‏[11]أشياعنا[12]عم‏

[1]المعصب هو الذي عصبته السنون أي أكلت ماله، و المعصب أيضا: الذي يعصب بطنه بالخرق من الجوع.

[2]كذا في أكثر الأصول. و حربه: أغضبه، يريد أن يصف نفسه بأنه شديد الكيد و النكاية و في ب، س: «مجرب» بالجيم.

[3]في ط، ء: «أم و اللّه» و يكون معناها الإضراب مثل «بل» .

[4]في ب، س، حـ: «نابغة الجعديّ» بدون أل.

[5]في ط، ء: «سذان» و في م: «سيدار» .

[6]العقل: الدية.

[7]الغير (وزان عنب) : قيل: إنه مفرد جمعه أغيار، و قيل: هو جمع غيرة (بالكسر) و هي الدية.

[8]عبارة ط، ء: «... قصيدته و هذه الأبيات التي ذكر فيها عقالا منها» .

[9]داحس: اسم فرس أضيفت إليه حرب كانت بين عبس و ذبيان، و هي حرب داحس، و ذلك أن قيس بن زهير صاحب داحس تراهن هو و حذيفة بن بدر على عشرين بعيرا و جعلا الغاية مائة غلوة و المضمار أربعين ليلة، فأجرى قيس داحسا و الغبراء، و حذيفة الخطار و الحنفاء، فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا في الطريق فردوا الغبراء و لطموها و كانت سابقة، فهاجت الحرب بين عبس و ذبيان أربعين سنة (عن «القاموس» مادّة دحس) . و النابغة يهدّد عقالا في هذه القصيدة بحرب كحرب داحس.

[10]في ط: «بدمائنا» .

[11]في حـ و هامش ط و «الموشح» للمرزباني: «نال» باللام.

[12]في كتاب «الموشح» للمرزباني: «أشياعها» ، و يكون المعنى على هذه الرواية أن النابغة يهدّد عقالا و يحذره ما أصاب وائلا منهم من بأس.

26

كليب لعمري كان أكثر ناصرا # و أيسر جرما منك ضرّج بالدّم

رمى ضرع ناب‏[1]فاستمرّ بطعنة # كحاشية البرد اليماني المسهّم‏[2]

و ما يشعر الرمح الأصمّ كعوبه # بثروة[3]رهط الأبلخ‏[4]المتظلّم

/و قال لجسّاس أغثني بشربة # تفضّل بها طولا عليّ و أنعم

فقال تجاوزت الأحصّ‏[5]و ماءه # و بطن شبيث و هو ذو مترسّم‏[6]

كليب وائل و مقتله و حرب البسوس و ما قيل فيها من الشعر:

و كان السبب‏[7]في قتل كليب بن ربيعة-فيما ذكره أبو عبيدة عن مقاتل الأحول بن سنان بن مرثد بن عبد بن عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد أخي بني قيس بن ثعلبة، و نسخت بعضه من رواية الكلبيّ، و أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ عن عمّه عبيد اللّه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل، فجمعت من روايتهم ما احتيج إلى ذكره مختصر اللفظ كامل المعنى-أنّ كليبا كان قد عزّ و ساد في ربيعة فبغى بغيا شديدا، و كان هو الذي ينزلهم منازلهم و يرحّلهم، و لا ينزلون و لا يرحلون إلا بأمره. فبلغ من عزّه و بغيه أنه اتخذ جرو كلب‏[8]، فكان إذا نزل منزلا به كلاّ قذف ذلك الجرو فيه فيعوي، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، و كان يفعل هذا بحياض الماء، فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب؛ /فضرب به المثل في العزّ، فقيل: «أعزّ من كليب وائل» و كان يحمي الصيد، و يقول: صيد ناحية كذا و كذا في جواري؛ فلا يصيد أحد منه شيئا؛ و كان لا يمرّ بين يديه أحد إذا جلس، و لا يحتبي أحد في مجلسه غيره؛ فقتله جسّاس بن مرّة.

و قال أبو عبيدة: قال أبو[9]برزة القيسيّ و هو من ولد عمرو بن مرثد:

[1]الناب: الناقة المسنة.

[2]المسهم: المخطط بصور على شكل السهام، و في حديث جابر: أنه كان يصلي في برد مسهم أخضر، أي فيه وشي كالسهام.

[3]في رواية: «بنزوة... » كما في كتاب «الموشح» .

[4]كذا في ط، ء «و الموشح» للمرزباني. و الأبلخ (بالخاء المعجمة في آخره) : العظيم في نفسه الجرى‏ء على ما أتى من الفجور.

و المتظلم: الذي يظلم الناس حقوقهم، و هذا الوصف هو الذي يناسب كليبا لعتوّه. و في باقي الأصول: «الأبلج المتوسم» بالجيم.

و المتوسم: المتحلى بسمة الشيوخ.

[5]سيذكر أبو الفرج في سياق هذا الخبر أن الأحص و شبيثا نهيان (النهي: الغدير) ، و في «القاموس» أنهما موضعان بنجد. و في كتاب «معجم ما استعجم» أن الأحص واد، و أن شبيثا ماء معروف لبني تغلب. و هذا النظم للنابغة مأخوذ من قول جساس حين طعن كليبا فقصم صلبه فوقع كليب و هو يفحص برجله ثم قال لجساس: «أغثني بشربة» ، فقال له جساس: «تجاوزت شبيثا و الأحص» ، يعني:

ليس هذا وقت طلب الماء. و قد صار فيما بعد مثلا يضرب لمن يطلب شيئا في غير وقته. و لفظ المثل في الميداني «تخطى إليّ شبيثا و الأحص» .

[6]المترسم: موضع الماء لمن طلبه (عن «معجم ما استعجم» ) .

[7]إلى هنا ينتهي حديث المؤلف عن النابغة الجعدي ثم استطرد إلى كلام عن حرب بكر و تغلب و ما كان بين كليب و جساس بمناسبة ذكرهما في شعر النابغة من غير أن يعقد لذلك عنوانا خاصا. و لذلك وضعنا هذه النجوم للدلالة على الفصل بين الخبرين و وضعنا في أعلى الصفحة عنوان‏[رب بكر و تغلب‏]بين قوسين مربعين للإشارة إلى أنه زيادة من عندنا و لم يضعه المؤلف.

[8]كان اسم «كليب» «وائلا» . و سبب تسميته «بكليب» أنه كان عنده كليب-تصغير كلب، و هو ما عبر عنه هنا «بجرو كليب» -يرمي به فحيث بلغ عواء هذا الكليب كان حمى لا يرعى؛ و من ذلك قيل المثل: «أعز من كليب وائل» . ثم غلب هذا الاسم عليه حتى ظنوه اسمه. (انظر كتاب «مجمع الأمثال» للميدانيّ) .

[9]في ط، ء: «أبو بردة» بالدال المهملة، و كذلك ورد هذا الاسم فيهما في كل المواضع التي سيذكر فيها فيما بعد.

27

و كان كليب بن ربيعة ليس على الأرض بكريّ و لا تغلبيّ أجار رجلا و لا بعيرا إلا بإذنه، و لا يحمي حمى إلا بأمره، و كان إذا حمى حمى لا يقرب؛ و كان لمرّة بن ذهل/بن شيبان بن ثعلبة عشرة بنين جسّاس أصغرهم، و كانت أختهم عند كليب. و قال مقاتل و فراس: و أمّ جسّاس هيلة بنت منقذ بن سليمان‏[1]بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة، ثم خلف عليها سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بعد مرّة بن ذهل، فولدت له مالكا و عوفا و ثعلبة. قال فراس بن خندق‏[2]البسوسيّ‏[3]: فهي أمّنا. و خالة جسّاس البسوس-و قال أبو برزة: البسوسيّة-و هي التي يقال لها: «أشأم من البسوس» [4]. فجاءت فنزلت على ابن أختها جسّاس فكانت جارة لبني مرّة، و معها ابن لها، و لهم ناقة خوّارة[5]من نعم بني سعد و معها فصيل.

أخبرني عليّ بن سليمان قال قال أبو برزة: و قد كان كليب قبل ذلك قال لصاحبته أخت جسّاس: هل تعلمين على الأرض عربيّا أمنع منّي ذمّة؟فسكتت ثم أعاد عليها الثانية فسكتت ثم أعاد عليها الثالثة، فقالت: نعم أخي جساس و ندمانه‏[6]/ابن عمّه عمرو[7]المزدلف بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. و زعم مقاتل: أن امرأته كانت أخت جسّاس، فبينا هي تغسل رأس كليب و تسرّحه ذات يوم إذ قال: من أعزّ وائل؟فصمتت‏[8]، فأعاد عليها؛ فلما أكثر عليها قالت: أخواي جسّاس و همّام؛ فنزع رأسه من يدها و أخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس خالة جسّاس و جارة بني مرّة فقتله؛ فأغمضوا على ما فيه و سكتوا على ذلك. ثم لقي كليب ابن البسوس‏[9]فقال: ما فعل فصيل ناقتكم؟قال: قتلته و أخليت لنا لبن أمّه؛ فأغمضوا على هذه أيضا. ثم إنّ كليبا أعاد على امرأته فقال: من أعزّ وائل؟فقالت: أخواي؛ فأضمرها و أسرّها في نفسه و سكت، حتى مرّت به إبل جسّاس، فرأى الناقة فأنكرها، فقال:

ما هذه الناقة؟قالوا: لخالة جسّاس؛ قال: أو قد بلغ من أمر ابن السّعديّة أن يجير عليّ بغير إذني!ارم ضرعها يا غلام. قال فراس: فأخذ القوس فرمى ضرع الناقة فاختلط دمها بلبنها؛ و راحت الرّعاة على جسّاس فأخبروه بالأمر؛ فقال: احلبوا لها مكيالي لبن بمحلبها و لا تذكروا لها من هذا شيئا؛ ثم أغمضوا عليها أيضا. قال مقاتل:

حتى أصابتهم سماء، فغدا في غبّها يتمطّر[10]، و ركب جسّاس بن مرّة و ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل-و قال أبو [1]في ط، ء، م: «سلمان» .

[2]كذا في ط، م، ء و كتاب «النقائض» في أكثر من موضع و الطبري (قسم أول ص 1061) . و في باقي الأصول: «فراس بن خندف» بالفاء بدل القاف، و هو تحريف.

[3]في «النقائض» : «القيسي» . و هذه الكلمة ساقطة من ط، ء.

[4]كذا في «مجمع الأمثال» (ج 1 ص 330 طبع بولاق) و هي بنت منقذ التميمية و هي خالة جساس. و في الأصول: «بسوسة» بزيادة التاء في الآخر.

[5]ناقة خوّارة: رقيقة حسنة.

[6]الندمان: الذي يرافقك و ينادمك على الشراب، و قد يكون جمعا.

[7]كذا في أكثر الأصول، و المزدلف لقب عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل و هو ابن عم جساس بن مرة، لقب به لأنه ألقى برمحه في حرب فقال: ازدلفوا إليه، كما قال ابن دريد، أو لاقترابه من الأقران في الحروب و ازدلافه إليهم، كما نقله ابن حبيب. (عن «القاموس» و «شرحه» مادة زلف) . و في ب، س: «... و ندمانه ابن عمه عمرو و المزدلف..... » بزيادة واو العطف سهوا من الطابع.

[8]في ط، ء: «فضمزت» ، و ضمزت: سكتت.

[9]في م: «جساسا» .

[10]يتمطر: يتنزه. و قوله: «في غبها» كذا في الأصول، و لم نجد في «معاجم اللغة» التي بين أيدينا أن كلمة «غب» و هي بمعنى «بعد» تجرّ بفي. و هذا الاستعمال نفسه ورد في «اللسان» و «القاموس» و «شرحه» بدون حرف الجر.

28

برزة: بل عمرو ابن أبي ربيعة-و طعن عمرو كليبا فحطم صلبه؛ و قال أبو برزة: فسكت جسّاس، /حتى ظعن‏[1] ابنا وائل؛ فمرّت بكر بن وائل على نهي‏[2]يقال له شبيث فنفاهم كليب عنه و قال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مرّوا على نهي آخر يقال له الأحصّ فنفاهم عنه و قال: لا يذوقون منه قطرة؛ ثم مرّوا على بطن الجريب‏[3]فمنعهم إيّاه؛ فمضوا حتى نزلوا الذّنائب‏[4]، و اتّبعهم كليب و حيّه حتى نزلوا عليه؛ ثم مرّ عليه جسّاس و هو واقف على غدير الذنائب فقال: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا!فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا و نحن له شاغلون؛ فمضى جسّاس و معه ابن عمه المزدلف. و قال بعضهم: بل جسّاس ناداه فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي؛ فقال له: أو قد ذكرتها!أما إني لو وجدتها في غير إبل مرّة لاستحللت تلك الإبل بها. فعطف عليه جسّاس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه‏[5]؛ فلما تداءمه‏[6]الموت قال: يا جسّاس اسقني من الماء؛ قال: ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمّك إلا ساعتك هذه!. قال أبو برزة: /فعطف عليه المزدلف‏[7]عمرو بن أبي ربيعة فاحتزّ رأسه.

و أمّا مقاتل فزعم أن عمرو بن الحارث بن ذهل الذي طعنه فقصم صلبه. [قال‏][8]: و فيه يقول مهلهل:

قتيل ما قتيل المرء عمرو # و جسّاس بن مرّة ذو ضرير[9]

/و قال العباس بن مرداس السّلميّ يحذّر كليب‏[10]بن عهمة السّلميّ ثم الظّفريّ لما مات حرب بن أمية و خنقت الجنّ مرداسا و كانوا شركاء في القرية[11]فجحدهم كليب حظّهم منها-و سنذكر خبر ذلك في آخر هذه الأخبار إن شاء اللّه تعالى-فحذّره غبّ الظلم فقال:

أ كليب مالك كلّ يوم ظالما # و الظلم أنكد وجهه ملعون‏

[1]كذا في ب. و في سائر الأصول: «طعن» بالطاء المهملة.

[2]النهي (بالكسر في لغة أهل نجد، و غيرهم يقوله بالفتح) : الغدير، و هو أيضا الموضع الذي له حاجز ينهى الماء أن يفيض منه.

[3]الجريب: واد عظيم بين أجلي و بين الذنائب و جبر، تجي‏ء أعاليه من قبل اليمن حتى يصب في الرمة. و الرمة: فضاء به أودية كثيرة بأرض نجد. قال الهمداني: هذا الجريب جريب نجد، و في تهامة جريب آخر. (عن «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» لياقوت) .

[4]الذنائب: موضع بنجد.

[5]الحضن: ما دون الإبط إلى الكشح.

[6]تداءمه: تراكم عليه و تزاحم.

[7]في الأصول: «... المزدلف بن عمرو بن أبي ربيعة» بزيادة كلمة «ابن» و هو تحريف. (راجع الحاشية رقم 8 ص 35 من هذا الجزء) .

[8]زيادة عن ط، ء، م.

[9]الضرير: الشدة، و يقال: فلان ذو ضرير إذا كان ذا صبر على الشرّ و مقاساة له. و ذو ضرير هنا صفة لقتيل.

[10]كذا ورد هذا الاسم في جميع الأصول هنا و كتاب «النقائض» (ص 907) . و ورد في الأصول التي بين أيدينا من «الأغاني» في أول أخبار أبي سفيان التي تقع في ج 6 ص 92 طبع بولاق: «كليب بن أبي عهمة السلميّ» .

[11]ذكر أبو الفرج في ج 6 ص 92 و ج 20 ص 135 طبع بولاق: أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو و أخوته مرّ بالقرية و هي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام، فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الموضع؟قال بلى؛ قال: نعم المزدرع هو، فهل لك أن نكونا شريكين فيه و نحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟قال نعم؛ فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت و علا لهبها سمع من الغيضة أنين و ضجيج كثير ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها و خرجت منها، فلم يلبث حرب بن أمية و مرداس بن أبي عامر أن ماتا، فأما مرداس فدفن بالقرية، ثم ادّعاها بعد ذلك كليب بن أبي عهمة السلمي ثم الظفري. و قال أبو الفرج عند إيراده هذا الخبر في ذلك الموضع: «و هذا شي‏ء قد ذكرته العرب في أشعارها و تواترت الرواية بذكره، فذكرته، و اللّه أعلم» . ـ

29

فافعل بقومك ما أراد بوائل # يوم الغدير سميّك المطعون‏

و قال رجل من بني بكر بن وائل في الإسلام و هي تنحل للأعشى:

و نحن قهرنا تغلب ابنة وائل # بقتل كليب إذ طغى و تخيّلا[1]

أبأناه‏[2]بالناب التي شقّ ضرعها # فأصبح موطوء الحمى متذلّلا

قال: و مقتل كليب بالذّنائب عن يسار فلجة[3]مصعدا إلى مكة، و قبره بالذنائب. و فيه يقول المهلهل:

و لو نبش المقابر عن كليب # فيخبر[4]بالذنائب أيّ زير

/قال أبو برزة: فلما قتله أمال يده بالفرس حتى انتهى إلى أهله. قال: و تقول أخته حين رأته لأبيها: إنّ ذا لجسّاس أتى خارجا ركبتاه؛ قال: و اللّه ما خرجت ركبتاه إلا لأمر عظيم!. قال: فلما جاء قال: ما وراءك يا بنيّ؟ قال: ورائي أني قد طعنت طعنة لتشغلنّ بها شيوخ وائل زمنا؛ قال: أ قتلت كليبا؟قال نعم؛ قال: وددت أنك و إخوتك كنتم متّم قبل هذا، ما بي إلا أن تتشاءم بي أبناء وائل. و زعم مقاتل أن جسّاسا قال لأخيه نضلة بن مرّة -و كان يقال له عضد الحمار-:

و إني قد جنيت عليك حربا # تغصّ الشيخ بالماء القراح

مذكّرة[5]متى ما يصح عنها # فتى نشبت‏[6]بآخر غير صاح

تنكّل عن ذباب‏[7]الغيّ قوما # و تدعو آخرين إلى الصّلاح‏

فأجابه نضلة:

فإن‏[8]تك قد جنيت عليّ حربا # فلا وان و لا رثّ السّلاح‏

قال أبو برزة:

و كان همّام بن مرة اخى مهلهلا و عاقده ألاّ يكتمه شيئا؛ فجاءت‏[إليه‏][9]أمة له فأسرّت إليه قتل جسّاس كليبا؛ فقال‏[له‏][9]مهلهل: ما قالت؟فلم يخبره؛ فذكّره/العهد بينهما؛ فقال: أخبرت أنّ جسّاسا قتل كليبا؛ [1]تخيل: تكبر.

[2]أباء القاتل بالقتيل: قتله به.

[3]فلجة: منزل على طريق مكة من البصرة بعد أبرقي حجر.

[4]نصب «فيخبر» لما في «لو» من معنى التمني. «و أي زير» مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال: أي زير أنا.

[5]مذكرة: شديدة.

[6]في ط، ء: «تشبب لآخر... » .

[7]كذا في ط، ء، م. و المعنى الذي يمكن أن يراد من معاني الذباب هنا و هو مضاف إلى الغيّ: الجنون أو الشرّ، أي إنها تصرف قوما عن جنون غيهم و طيشهم و تردّهم إلى صوابهم. و في باقي الأصول: «عن ذئاب الغيّ» . و ورد هذا الشطر في كتاب بكر و تغلب ابني وائل (طبع مطبعة نخبة الأخبار سنة 1305 هـ، و منه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 20 أدب ش) :

تثكل دانيات البغي قوما

[8]في ط، ء، م: «إن تك... » بدون فاء. و هذا على أنه أوّل القصيدة، و حينئذ يكون فيه الخرم، و بحر الوافر مما يجوز فيه الخرم.

[9]زيادة عن ط، ء.

30

فقال: است‏[1]أخيك أضيق من ذلك. و زعم مقاتل: أنّ همّاما كان اخى مهلهلا و كان عاقده ألاّ يكتمه شيئا؛ فكانا جالسين، فمرّ جسّاس يركض به فرسه مخرجا فخذيه؛ فقال همّام: إنّ له لأمرا، و اللّه ما رأيته كاشفا فخذيه قطّ في ركض؛ فلم يلبث إلا قليلا حتى جاءته الخادم فسارّته أنّ جسّاسا قتل كليبا؛ فقال له مهلهل: ما أخبرتك؟قال:

أخبرتني أن أخي قتل أخاك؛ قال: هو أضيق استا من ذلك. و تحمّل القوم، و غدا مهلهل بالخيل.

و قال المفضّل في خبره: فلما قتل كليب قالت بنو تغلب بعضهم لبعض: لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا بينكم و بينهم؛ فانطلق رهط من أشرافهم و ذوي أسنانهم حتى أتوا مرّة بن ذهل، /فعظّموا ما بينهم و بينه، و قالوا له:

اختر منّا خصالا: إمّا أن تدفع إلينا جسّاسا فنقتله بصاحبنا فلم يظلم من قتل قاتله، و إمّا أن تدفع إلينا همّاما، و إمّا أن تقيدنا من نفسك؛ فسكت، و قد حضرته وجوه بني بكر بن وائل فقالوا: تكلّم غير مخذول؛ فقال: أمّا جسّاس فغلام حديث السنّ ركب رأسه فهرب حين خاف فلا علم لي به، و أمّا همّام فأبو عشرة و أخو عشرة[2]، و لو دفعته إليكم لصيّح‏[3]بنوه في وجهي و قالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره؛ و أمّا أنا فلا أتعجل الموت، و هل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أوّل قتيل!و لكن هل لكم في غير ذلك؟هؤلاء بنيّ، فدونكم أحدهم فاقتلوه به، و إن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها/لكم بكر بن وائل؛ فغضبوا و قالوا: إنّا لم نأتك لترذل‏[4]لنا بنيك و لا لتسومنا اللبن؛ فتفرّقوا، و وقعت الحرب. و تكلّم في ذلك عند الحارث بن عباد، فقال: «لا ناقة لي في هذا و لا جمل» ، و هو أوّل من قالها و أرسلها مثلا.

يوم عنيزة:

قالوا جميعا: كانت حربهم أربعين سنة، فيهنّ خمس وقعات مزاحفات، و كانت تكون بينهم مغاورات‏[5]، و كان الرجل يلقى الرجل و الرجلان الرجلين و نحو هذا. و كان أوّل تلك الأيام يوم عنيزة، و هي عند فلجة، فتكافئوا فيه لا لبكر و لا لتغلب؛ و تصديق ذلك قول مهلهل:

يوم عنيزة:

كأنّا غدوة و بنى أبينا # بجنب عنيزة رحيا مدير

و لو لا الريح أسمع من بحجر[6] # صليل البيض تقرع بالذّكور

[1]تضرب العرب ضيق الاست مثلا في الذلة و الضعف. قال في «اللسان» : «و يقال للرجل الذي يستذل و يستضعف: است أمك أضيق و استك أضيق من أن تفعل كذا و كذا» .

[2]في «أمثال العرب» للمفضل الضبي (المطبوع بمطبعة الجوائب بالقسطنطينية سنة 1300 هـ ص 56) زيادة: «و عم عشرة» بعد قوله:

«... و أخو عشرة» .

[3]صيح الرجل: بالغ في الصياح.

[4]كذا في ط، ء و أمثال العرب للمفضل الضبي، و فسرها بقوله: «أي تعطينا رذال بنيك» . و رذال الشي‏ء (بالضم) : أردؤه. و في باقي الأصول: «لتؤدّي لنا بنيك» ، و هو تحريف.

[5]يقال: غاور القوم إذا أغار بعضهم على بعض.

[6]فسر أبو علي القالي في «أماليه» (ج 2 ص 134 طبعة دار الكتب المصرية) «حجرا» بأنها قصبة اليمامة، و ضبطها «القاموس» بالفتح، و وردت مضبوطة في ط بالضم، و حجر (بالضم) : موضع باليمن. و الصليل: الصوت. و الذكور: السيوف.

31

يوم واردات:

فتفرّقوا، ثم غبروا زمانا. ثم التقوا يوم واردات‏[1]، و كان لتغلب على بكر، و قتلوا بكرا أشدّ القتل، و قتلوا بجيرا؛ و ذلك قول مهلهل:

فإني قد تركت بواردات # بجيرا في دم مثل العبير

هتكت به بيوت بني عباد # و بعض الغشم‏[2]أشفى للصدور

قال مقاتل: [إنه‏][3]إنما التقط توّا. و سيجي‏ء حديثه أسفل من هذا[4]. التوّ: الفرد، يقال: وجدته توّا، أي وحده.

/قال أبو برزة: ثم انصرفوا بعد يوم واردات غير بني ثعلبة بن عكابة و رأسوا على أنفسهم الحارث بن عباد، فاتّبعتهم بنو ثعلبة بن عكابة، حتى التقوا بالحنو[5]، فظهرت بنو ثعلبة على تغلب.

يوم القصيبات و يوم قضة:

قال مقاتل: ثم التقوا يوم بطن السّرو، و هو يوم القصيبات‏[6]، و ربما قيل يوم القصيبة[7]، و كان لبني تغلب على بكر، حتى ظنّت بكر أن سيقتلونها[8]-قال مقاتل: و قتلوا يومئذ همّام بن مرّة-. ثم التقوا يوم قضة و هو يوم التحالق و يوم الثّنيّة[9]. و يوم قضة و يوم الفصيل لبكر على تغلب. قال أبو برزة: اتّبعت تغلب بكرا فقطعوا رملات خزازي‏[10] [1]واردات: موضع عن يسار طريق مكة.

[2]الغشم: الظلم.

[3]زيادة عن ط، ء.

[4]في ب، س، حـ: «... أسفل من هذا حديثه» . بزيادة كلمة «حديثه» ، و ظاهر أنه زيد سهوا من الناسخ.

[5]الحنو: موضع في ديار بكر و تغلب.

[6]القصيبات: موضع في ديار بكر و تغلب.

[7]كذا في م و به يستقيم الكلام. و في باقي الأصول: «... و ربما قيل القصيبة و هي القصبات لبني تغلب... » .

[8]في ط، ء، م: «أن سيقتلوها» و «أن» يجوز فيها أن تكون مخففة من الثقيلة و أن تكون ناصبة للفعل بعد الظن، و لكن وجود السين في الفعل بعدها يعين أنها مخففة، فيجب رفع الفعل. و في ب، س، حـ: «... أن سيقتلوا معا» . و في كتاب «الكامل» لابن الأثير (ج 1 ص 395 طبع أوروبا) -و لعله هو الصحيح-: «... حتى ظنوا أنهم لن يستقيلوا» .

[9]الثنية هنا: الطريقة في الجبل كالنقب. و يوم الثنية معطوف على «يوم التحالق» على أنه تفسير آخر لـ «يوم قضة» كما يعينه إيراد الخبر في كتاب «معجم ما استعجم» في كلامه على «واردات» ، و نصه بعد أن ذكر الأيام التي قبله: «... و الخامس يوم قضة و هو يوم التحالق و يوم الثنية، و قال أبو عبيدة: و هو أول يوم شهده الحارث بن عباد... » . و ظاهر أن الثنية التي أضيف إليها هذا اليوم هي الثنية التي وقع فيها الجمل فسدّها حين طعنه عوف بن مالك ليسدّ الطريق دون قومه ثم تحالقوا لتعرفهم النساء، كما سيجي‏ء ذلك بعد أسطر.

[10]خزازي (و يقال فيه أيضا خزاز كسحاب و خزاز بالبناء على الكسر كقطام) : جبل في ناحية منعج دون إمرة و فوق عاقل، على يسار طريق البصرة إلى المدينة، بإزاء حمى ضرية. و الرغام: اسم رملة بعينها (كما في «القاموس» ) ، و ذكر ياقوت في «معجم البلدان» أنها من نواحي اليمامة. و في كتاب «صفة جزيرة العرب» للهمداني (طبع ليدن ص 153) بعد أن عرض لذكر القصبتين اللتين ذكرتا في أخبار بني وائل و إحداهما قصبة الرغام، قال: «... و الرغام جماع منها سفوح و أرطاة و البردان و الطويل، و كل ذا فيه نخل كثير، و رميلة هي رملة الرغام مشرفة على ثرمداء... » .

32

و الرّغام ثم مالوا لبطن الحمارة[1]؛ فوردت بكر قضة فسقت و أسقت/ثم صدرت و حلئوا[2]تغلب، و نهضوا في نجعة[3]يقال لها موبية لا يجوز فيها إلا بعير بعير؛ فلحق رجل من الأوس بن تغلب بغليّم من بني تيم اللاّت بن ثعلبة يطرد ذودا له‏[4]، قطعن في بطنه بالرمح ثم رفعه‏[5]فقال: تحدّبي أمّ البوّ على بوّك. فرآه عوف بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، فقال: أنفذوا[6]جمل أسماء (ابنته) فإنه أمضى جمالكم و أجودها منفذا، فإذا نفذ تبعته النّعم؛ /فوثب الجمل في المويبة، حتى إذا نهض على يديه و ارتفعت رجلاه ضرب عرقوبيه و قطع بطان الظّعينة فوقع فسدّ الثنية-ثم قال عوف: أنا البرك أبرك حيث أدرك، فسمّي البرك-و وقع الناس إلى الأرض لا يرون مجازا، و تحالقوا لتعرفهم النساء؛ فقال جحدر بن ضبيعة بن قيس أبو المسامعة-و اسمه ربيعة؛ قال: و إنما سمّي جحدرا لقصره‏[7]-: لا تحلقوا رأسي فإني رجل قصير، لا تشينوني، و لكنّي أشتريه منكم بأوّل‏[8]فارس يطلع عليكم من القوم؛ فطلع ابن عناق فشدّ عليه فقتله. فقال رجل من بكر بن وائل يمدح مسمع ابن مالك بذلك:

يا ابن الذي لمّا حلقنا اللّمما # ابتاع منا رأسه تكرّما

بفارس أوّل من تقدّما

و قال البكريّ:

و منّا الذي فادى من القوم رأسه # بمستلئم‏[9]من جمعهم غير أعزلا

فأدّى إلينا بزة[10]و سلاحه # و منفصلا من عنقه قد تزيّلا

/قال: و كان جحدر يرتجز يومئذ و يقول:

ردّوا عليّ الخيل إن ألمّت # إن لم أقاتلهم فجزّوا لمّتي‏

و زعم عامر بن عبد الملك المسمعيّ أنه لم يقلها، و أن صخر بن عمرو السّلميّ قائلها؛ فقال مسمع: كردين‏[11] (كذب) عامر. و قال البكريّ:

[1]كذا في الأصول. و الحمارة (بلفظ تأنيث الحمار) : اسم حرة. غير أن سياق عبارة الهمداني (في كتابه «صفة جزيرة العرب» ص 152-153) يدل على أن التي تصاقب الرغام هي «الحمادة» بالدال لا الحمارة بالراء. و الحمادة (بالفتح) كما في «معجم ياقوت» :

ناحية باليمامة أيضا.

[2]حلئوا تغلب: منعوها الماء.

[3]في ط، ء: «نجفة» بالفاء.

[4]الذود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة و قيل إلى العشرة و قيل غير ذلك، و لا يكون إلا من الإناث، و هو يستعمل بمعنى الواحد و بمعنى الجمع.

[5]في حـ: «دفعه» .

[6]في ط، ء: «قدموا» .

[7]عبارة ط، ء: «قال: و إنما جحدره قصره» .

[8]في ط، ء: «بأكرم فارس» .

[9]المستلئم: لابس اللأمة: و هي السلاح كلها. يقال: استلأم الرجل إذا لبس ما عنده من عدّة: رمح و بيضة و مغفر و سيف و نبل و درع.

[10]البز (بالفتح) : نوع من الثياب. و في ط، ء: «ثوبه» .

[11]كذا في ط، م، ء. و كردين: كلمة فارسية معناها: حائد عن الصواب. و قد رجح لدينا أن كلمة «كذب» أثبتت تفسيرا من المؤلف لكلمة «كردين» فوضعناها بين علامتي التفسير إشارة إلى ذلك. و في حـ: «كذب ابن كاذب عامر» . و في ب، س: «كاذب بن كاذب عامر» .

33

و منّا الذي سدّ الثنية غدوة # على حلفة لم يبق فيها تحلّلا

بجهد يمين اللّه لا يطلعونها # و لمّا نقاتل جمعهم حين أسهلا

و أمّا مقاتل فزعم أنهم قالوا: اتّخذوا علما يعرف به بعضكم بعضا، فتحالقوا[1]. و فيه يقول طرفة[2]:

صوت‏

سائلوا عنّا الذي يعرفنا # بقوانا[3]يوم تحلاق اللّمم

يوم تبدي البيض عن أسؤقها[4] # و تلفّ الخيل أعراج النّعم‏

/غنّى في هذين البيتين ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ، و ذكر أحمد بن المكيّ أنه لمعبد.

همام بن مرة و مقتله:

و زعم مقاتل أنّ همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان، لم يزل قائد بكر حتى قتل يوم القصيبات، و هو قبل‏[5]يوم قضة، [و يوم قضة]على أثره. و كان من حديث مقتل همّام أنه وجد غلاما مطروحا، فالتقطه و ربّاه و سمّاه ناشرة فكان عنده لقيطا؛ فلما شبّ تبيّن أنه من بني تغلب؛ فلمّا التقوا يوم القصيبات جعل همّام يقاتل، فإذا عطش رجع إلى قربة فشرب منها ثم وضع سلاحه؛ فوجد ناشرة من همّام غفلة، فشدّ عليه بالعنزة[6]فأقصده فقتله، و لحق بقومه تغلب. فقال باكي همّام:

لقد عيّل‏[7]الأقوام طعنة ناشرة # أنا شرّ لا زالت يمينك آشره‏[8]

الحارث بن عباد و أخذه بثأر ابنه بجير:

ثم قتل ناشرة رجل من بني يشكر. فلمّا كان يوم قضة و تجمعت إليهم بكر، جاء إليهم الفند الزّمّانيّ أحد بني [1]كذا في ط، ء. و في باقي الأصول: «فتحالفوا» بالفاء، و هو تصحيف.

[2]ذكر هذان البيتان في «ديوان طرفة» ضمن قصيدة أثبتها له أبو عبيدة و المفضل و أبو عمرو الشيباني، و زعم الأصمعي أنها مصنوعة و أنه أدرك قائلها (عن «شرح ديوانه» ص 104 طبع مدينة شالون سنة 1900 م) .

[3]كذا في حـ، س و عدة أصول من «ديوان طرفة» . و في باقي الأصول: «بوفانا» بالفاء و هو تحريف.

[4]أسؤق: جمع لساق، همزت الواو فيه لتحمل الضمة، أي يوم تكشف النساء البيض عن سيقانها من الفزع. و تلف: تجمع. و أعراج:

جمع عرج (بالفتح و يكسر) و هو القطيع من الإبل نحو الثمانين أو منها إلى تسعين أو هو مائة و خمسون و فويقها أو من خمسمائة إلى ألف. و النعم (بالتحريك و قد تسكن عينه) : الإبل.

[5]كذا في ط، ء: و هو الموافق لما أجمعت عليه المصادر التي بين أيدينا و منها كتاب «الأغاني» نفسه فيما تقدّم في أول هذا الخبر: من أن يوم القصيبات كان قبل يوم قضة ثم كان بعده يوم قضة. و قد وضعنا هذه الزيادة التي نعتقد أنها سقطت سهوا من الناسخ ليستقيم بها الكلام. و في باقي الأصول: «... يوم القصيبات و هو بعد يوم قضة القصيبات على أثره... » و هو على ما فيه من اضطراب يخالف ما أثبته «الأغاني» نفسه قبلا.

[6]العنزة (محركة) : شبيه العكازة أطول من العصا و أقصر من الرمح و لها زج من أسفلها.

[7]في م، حـ «و اللسان» (مادة أشر) : «الأيتام» بدل الأقوام. و عيلتهم الطعنة: أفقرتهم و أحوجتهم، إذ كان المطعون معتمدهم و سندهم.

[8]آشرة: قال في «اللسان» (مادة أشر) بعد أن ذكر البيت: «أي لا زالت يمينك مأشورة «مشقوقة» أو ذات أشر، كما قال عزّ و جلّ:

خُلِقَ مِنْ مََاءٍ دََافِقٍ أي مدفوق، و مثل قوله عزّ و جلّ: عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* أي مرضية، و ذلك أن الشاعر إنما دعا على ناشرة لا له، بذلك أتى الخبر و إياه حكت الرواة. و ذو الشي‏ء قد يكون مفعولا كما يكون فاعلا... إلخ» .

34

زمّان بن مالك بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل من اليمامة، قال عامر/بن عبد الملك المسمعيّ: فرأسوه عليهم؛ فقلت أنا لفراس/بن خندق‏[1]: إن عامرا يزعم أن الفند كان رئيس بكر يوم قضة؛ فقال: رحم اللّه أبا عبد اللّه!كان أقلّ الناس حظّا في علم قومه. و قال فراس: كان رئيس بكر بعد همّام الحارث بن عباد. قال مقاتل:

و كان الحارث بن عباد قد اعتزل يوم قتل كليب، و قال: لا أنا من هذا و لا ناقتي و لا جملي و لا عدلي، و ربما قال:

لست من هذا و لا جملي و لا رحلي، و خذل بكرا عن تغلب، و استعظم قتل كليب لسؤدده في ناقة. فقال سعد بن مالك يحضض الحارث بن عباد:

يا بؤس للحرب التي # وضعت أراهط[2]فاستراحوا

و الحرب لا يبقى لصا # حبها[3]التّخيّل و المراح‏[4]

إلاّ الفتى الصبّار في النّ # جدات و الفرس الوقاح‏[5]

فلمّا أخذ بجير[6]بن الحارث بن عباد توّا بواردات-و إنما سلّ و لم يؤخذ في مزاحفة-قال له مهلهل: من خالك يا غلام؟!. قال‏[7]امرؤ القيس بن أبان التّغلبيّ لمهلهل: إني أرى غلاما ليقتلنّ به رجل لا يسأل عن خاله، و ربما قال عن حاله-/قال: فكان و اللّه امرؤ القيس هو المقتول به، قتله الحارث بن عباد يوم قضة بيده-فقتله مهلهل. قال: فلمّا قتل مهلهل بجيرا قال: بؤ[8]بشسع نعل كليب؛ فقال له الغلام: إن رضيت بذلك بنو ضبيعة بن قيس رضيت. فلما بلغ الحارث قتل بجير ابن أخيه-و قال أبو برزة: بل بجير ابن الحارث بن عباد نفسه-قال: نعم الغلام غلام أصلح بين ابني وائل و باء بكليب. فلما سمعوا قول الحارث: قالوا له: إنّ مهلهلا لمّا قتله قال له: بؤ بشسع نعل كليب-و قال مهلهل:

كلّ قتيل في كليب حلاّم‏[9] # حتى ينال القتل آل همّام‏

و قال أيضا:

[1]انظر الحاشية رقم 3 ص 35 من هذا الجزء.

[2]أراهط: جمع أرهط الذي هو جمع رهط. و قال سيبويه: إن أرهط جمع لرهط على غير قياس.

[3]بين سطور ط: «لجاحمها» و كتبت أمامها كلمة «صح» . و جاحم الحرب: موقدها و مثيرها. و في ء: «لحاجمها» بتقديم الحاء على الجيم و هو مصحف عما ثبت في رواية ط.

[4]التخيل: التكبر. و المراح: الأشر و البطر.

[5]الوقاح (بالفتح) : الصلب القويّ.

[6]كذا في ب، س. و سيرد في سياق كلام المؤلف بعد قليل أن بجيرا ابن أخي الحارث و أن أبا برزة قال: إنه ابن الحارث نفسه. و نسبه على أنه ابن أخي الحارث هو، كما ورد في حـ: «فلما أخذ بجير بن عمرو ابن مرة بن عباد الحارث عم أبيه» . و «الحارث عم أبيه» جملة حالية سيقت لبيان ما بين بجير و الحارث من آصرة قربى. و في ط، ء، م: «و لما أخذ بجير بن عمرو بن مرة بن الحارث بن عباد توا بواردات... » و غير خاف ما فيها من تحريف.

[7]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «قال يقول امرؤ القيس... » . و لو كان في ب، س: «فقال» بالفاء، كما ورد في جميع الأصول فيما يأتي، لكان أوجه.

[8]باء دمه بدمه: عدله و كافأه، و باء فلان بفلان: قتل به.

[9]قتيل حلام: ذهب باطلا. و أصل الحلام (بضم الحاء و تشديد اللام و تخفيفها) : الصغير من ولد الغنم، و يقال فيه حلان أيضا، و قد روى بهما بيت مهلهل، و الشطر الثاني في رواية «حلان» : «حتى ينال القتل آل شيبان» . يقول: كل من قتل في كليب ناقص عن الوفاء به إلا آل همام أو شيبان. (عن «اللسان» مادة حلم ببعض تصرف) .

35

كلّ قتيل في كليب غرّه‏[1] # حتى ينال القتل آل مرّه‏

-فغضب الحارث عند ذلك فنادى بالرّحيل‏[2]. قال مقاتل: و قال الحارث بن عباد:

قرّبا مربط النّعامة[3]منّي # لقحت‏[4]حرب وائل عن حيال

لا بجير أغنى قتيلا و لا رهـ # ط كليب تزاجروا عن ضلال

لم أكن من جناتها علم اللّ # ه و إنّي بحرّها اليوم صال‏

أسر مهلهل و نجاته ثم لحاقه باليمن و شعره في ذلك:

قال: و لم يصحّح عامر و لا مسمع غير هذه الثلاثة الأبيات. و زعم أبو برزة قال: كان أوّل فارس لقي مهلهلا يوم واردات بجير بن الحارث بن عباد، فقال: من خالك يا غلام، و بوّأ نحوه‏[5]الرمح؛ فقال له امرؤ القيس بن أبان التّغلبيّ-و كان على‏[6]مقدّمتهم في حروبهم-: مهلا يا مهلهل!فإنّ عمّ هذا و أهل بيته قد اعتزلوا حربنا و لم يدخلوا في شي‏ء مما نكره، و و اللّه لئن قتلته ليقتلنّ به رجل لا يسأل عن نسبه؛ فلم يلتفت مهلهل إلى قوله و شدّ عليه فقتله، و قال: بؤ بشسع نعل كليب؛ فقال الغلام: إن رضيت بهذا بنو ثعلبة[7]فقد رضيته. قال: ثم غبروا زمانا، ثم لقي همّام بن مرّة فقتله أيضا. فأتى الحارث بن عباد فقيل له: قتل مهلهل هماما؛ فغضب و قال: ردّوا الجمال على عكرها[8] «الأمر[9]مخلوجة ليس بسلكي» ؛ و جدّ في قتالهم. قال مقاتل: /فكان حكم بكر بن وائل يوم قضة الحارث بن عباد؛ و كان الرئيس الفند، و كان فارسهم جحدر، و كان شاعرهم سعد بن مالك بن ضبيعة، و كان الذي سدّ الثنيّة عوف بن مالك بن ضبيعة؛ و كان عوف أنبه من أخيه سعد. و قال فراس بن خندق‏[10]: بل كان رئيسهم يوم قضة الحارث بن عباد. قال مقاتل: فأسر الحارث بن عباد عديّا-و هو مهلهل-بعد انهزام الناس و هو لا يعرفه؛ /فقال له: دلّني على المهلهل؛ قال: ولي دمي؟قال: و لك دمك؛ قال: و لي ذمّتك و ذمّة أبيك؟قال: نعم، ذلك لك؛ قال: فأنا مهلهل. قال: دلّني على كف‏ء لبجير؛ قال: لا أعلمه إلا امرأ القيس بن أبان، هذاك علمه؛ فجزّ ناصيته‏[11]و قصد قصد امرئ القيس فشدّ عليه فقتله. فقال الحارث في ذلك:

[1]الغرة: العبد و الأمة. و معنى هذا البيت معنى الذي قبله.

[2]في م: «فدعا بالرجل» بالجيم. و من معاني الرجل (بالكسر) : الجيش، شبه لكثرته برجل الجراد و هو الكثير منه.

[3]النعامة: اسم فرس كانت للحارث بن عباد.

[4]أصل اللقاح الحمل. و عن بمعنى بعد. و حيال: مصدر حالت الأنثى إذا لم تحمل. و المراد أن حرب وائل هاجت بعد سكون.

[5]بوّأ نحوه الرمح: قابله به و سدّده نحوه.

[6]عبارة ط، ء: «و كان يلي مقدّمتهم... » .

[7]كذا في أكثر الأصول. و ثعلبة جدّ أعلى من جدود آل عباد الذين منهم بجير هذا، إذ آل عباد من ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، و ينتهي نسب ثعلبة إلى بكر بن وائل. و في ب، س: «بنو تغلب» ، و هو تحريف.

[8]العكر: (محركة و قد تسكن) جمع عكرة: و هي القطيع الضخم من الإبل، أي ردوا ما تفرق من الإبل إلى معظمها.

[9]في «لسان العرب» (مادة خلج) : «الرأي مخلوجة ليس بسلكي» . و في «فرائد اللآل» (ص 32) «و مجمع الأمثال» (ج 1 ص 29) :

«الأمر سلكى و ليس بمخلوجة» . و السلكى: الطعنة المستقيمة و هي التي تقابل المطعون فتكون أسلك فيه. و المخلوجة: المعوجة.

يضرب هذا المثل في استقامة الأمر و نفى ضدّها.

[10]راجع الحاشية رقم 3 ص 35 من هذا الجزء.

[11]الناصية: الشعر في مقدم الرأس فوق الجبهة، و كان من عادة العرب أنهم إذا أنعموا على الرجل الشريف بعد اسره جزوا ناصيته

36

لهف نفسي على عديّ و لم أعـ # رف عديّا إذ أمكنتني اليدان

طلّ‏[1]من طلّ في الحروب و لم أو # تر بجيرا أبأته‏[2]ابن أبان

فارس يضرب الكتيبة بالسيـ # ف و تسموا أمامه العينان‏

و زعم حجر أنّ مهلهلا قال: لا و اللّه أو يعهد لي غيرك؛ قال الحارث: اختر من شئت؛ قال: أختار الشيخ القاعد عوف بن محلّم؛ قال الحارث: يا عوف أجره؛ قال: لا!حتى يقعد خلفي؛ فأمره فقعد خلفه؛ فقال: أنا مهلهل. و أمّا مقاتل فقال: إنما أخذه في دور الرّحى‏[3]و حومة القتال و لم يقعد أحد بعد، فكيف يقول الشيخ القاعد!. قال مقاتل: و شدّ عليهم جحدر، فاعتوره عمرو و عامر، فطعن/عمرا بعالية[4]الرمح و طعن عامرا بسافلته فقتلهما عداء[5]و جاء ببزّهما. قال عامر بن عبد الملك المسمعي: فحدّثني رجل عالم قال: سألني الوليد بن يزيد:

من قتل عمرا و أخاه عامرا؟قلت: جحدر؛ قال: صدقت، فهل تدري كيف قتلهما؟قلت: نعم، قتل عمرا بسنان‏[6] الرمح، و قتل عامرا بزجّه. قال: و قتل جحدر أيضا أبا مكنف. قال مقاتل: فلمّا رجع مهلهل بعد الوقعة و الأسر إلى أهله، جعل النساء و الولدان يستخبرونه: تسأل المرأة عن زوجها و ابنها[7]و أخيها، و الغلام عن أبيه و أخيه؛ فقال:

ليس مثلي يخبّر الناس عن آ # بائهم قتّلوا و ينسى القتالا

لم أرم‏[8]عرصة الكتيبة حتّى انـ # تعل الورد[9]من دماء نعالا

عرفته رماح بكر فما يأ # خذن إلا لبانه‏[10]و القذالا

غلبونا، و لا محالة يوما # يقلب الدهر ذاك حالا فحالا

و أطلقوه فتكون الناصية عند من جزها يفخر بها. و ربما جزت ناصية الأسير شريفا كان أو غير شريف و أخذت للافتخار، و العرب متفاوتون في ذلك. قال زهير من قصيدة مدح بها هرم بن سنان المرّي أحد الأجواد في الجاهلية:

عظمت دسيعته و فضله # جز النواصي من بني بدر

و قالت الخنساء مفتخرة:

جززنا نواصي فرسانها # و كانوا يظنون ألا تجزا

و من ظن ممن يلاقي الحروب # بألا يصاب فقد ظن عجزا

[1]طل دم القتيل: ذهب هدرا.

[2]أباء القاتل بالقتيل: قتله به.

[3]في ط، ء، م: «أخذه في المرحى» . و المرحى: حومة الحرب.

[4]عالية الرمح: سنانه. و سافلته: زجه. و زج الرمح: حديدة في أسفله.

[5]يقال: عادي الفارس بين صيدين و بين رجلين إذا طعنهما طعنتين متواليتين، و العداء بالكسر، و المعاداة: الموالاة و المتابعة بين الاثنين يصرع أحدهما على إثر الآخر في طلق واحد، و أنشد لامرئ القيس:

فعادى عداء بين ثور و نعجة # دراكا و لم ينضح بماء فيغسل‏

[6]في ب، س، حـ: «بعالية الرمح» .

[7]في ب، س، حـ: «و أبيها» .

[8]لم أرم: لم أبرح.

[9]الورد من الخيل: بين الكميت و الأشقر؛ أو هو الأحمر الضارب إلى الصفرة.

[10]كذا في أكثر الأصول، و اللبان: الصدر. و في ب، س: «لباته» بالتاء بدل النون، و اللبة: المنحر. ـ

37

ثم خرج حتّى لحق بأرض اليمن، فكان في جنب‏[1]، فخطب إليه أحدهم ابنته فأبى أن يفعل، فأكرهوه فأنكحها إياه؛ فقال في ذلك مهلهل:

/

أنكحها فقدها الأراقم‏[2]في # جنب و كان الحباء[3]من أدم

لو بأبانين‏[4]جاء يخطبها # ضرّج ما أنف خاطب بدم

أصبحت لا منفسا[5]أصبت و لا # أبت كريما حرّا من النّدم

هان على تغلب بما لقيت # أخت بني المالكين من جشم

ليسوا بأكفائنا الكرام و لا # يغنون من عيلة و لا عدم‏

/ثم إنّ مهلهلا انحدر، فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة، فطلب إليه أخواله بنو يشكر-و أمّ مهلهل المرادة[6] بنت ثعلبة بن جشم بن غبر[7]اليشكريّة، و أختها منّة[8]بنت ثعلبة أمّ حييّ‏[9]بن وائل، و كان المحلّل‏[10]بن ثعلبة خالهما-فطلب إلى عمرو أن يدفعه إليه فيكون عنده ففعل‏[11]؛ فسقاه خمرا، فلما طابت نفسه تغنّى:

طفلة[12]ما ابنة المحلّل بيضا # ء لعوب لذيذة في العناق‏

القبائل التي انضمت إلى بكر في حربهم مع تغلب:

حتى فرغ من القصيدة، فأدّى ذلك من سمعه من المهلهل إلى عمرو، فحوّله إليه و أقسم ألاّ يذوق عنده خمرا و لا ماء و لا لبنا حتى يرد ربيب الهضاب (جمل له كان أقلّ وروده في الصيف الخمس) [13]؛ فقالوا له: يا خير الفتيان، أرسل إلى ربيب فلتؤت به قبل وروده، ففعل فأوجره‏[14]ذنوبا من ماء؛ فلما تحلّل من يمينه سقاه من ماء الحاضرة، و هو أوبأ ماء رأيته، فمات. فتلك الهضاب التي كان يرعاها ربيب يقال لها هضاب ربيب، طالما رعيتهنّ [1]جنب: حي باليمن من مذحج، و هم ستة رجال: منبه و الحارث و العلي و سبحان و شمران و هفان يقال لهم جنب لأنهم جانبوا أخاهم صداء. (راجع «معجم البلدان» لياقوت ج 1 ص 77 طبع أوروبا) .

[2]الأراقم: حيّ من تغلب.

[3]كذا في ط، ء «و عيون الأخبار» (ج 3 ص 91) طبع دار الكتب المصرية، و كذلك صححها المرحوم الشنقيطي بنسخته. و في باقي الأصول: «الخباء» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف و قد وقع في هذا التصحيف ابن دريد كما في «المزهر» للسيوطي (ج 2 ص 186) .

[4]أبانان: جبلان، قيل: يقال لأحدهما أبان الأبيض و للآخر أبان الأسود، و قيل: هو تثنية أبان و متالع غلب أحدهما، كما قالوا العمران و القمران في أبي بكر و عمر و في الشمس و القمر. (انظر «معجم البلدان» لياقوت) .

[5]المنفس: المال الكثير الذي له قدر و خطر.

[6]في ط، ء: «المرداة» . و في حـ: «المرتادة» .

[7]كذا في ط، ء، و هو الموافق لما في «شرح القاموس» «مادة غبر» و في الأصول «عبد» و هو تحريف.

[8]كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «أمية» .

[9]كذا في ط، ء، م. و في باقي الأصول: «بنت ثعلبة حي من وائل» .

[10]كذا في ط، ء، م و الطبري (قسم 2 ج 3 ص 884 طبع أوروبا) . و في باقي الأصول و هامش الطبري: «المجلل» بالجيم.

[11]في ط، ء، م: «ففعل المحلل ثم شرب مهلهل يوما و هو عند المحلل خمرا... » .

[12]الطفلة: الرخصة الناعمة.

[13]الخمس بالكسر: من أظماء الإبل و هو أن ترد الإبل الماء في اليوم الخامس.

[14]أوجره ذنوبا من ماء: أي جعله في فيه. و الذنوب: الدلو التي لها ذنب، و لا تكون ذنوبا إلا و هي ملأى، و لا تسمى خالية ذنوبا.

38

و رأيتهنّ. قال مقاتل: و لم يقاتل معنا من بني يشكر و لا من بني لجيم و لا ذهل بن ثعلبة غير ناس من بني يشكر و ذهل قاتلت بأخرة[1]، ثم جاء ناس من بني لجيم يوم قضة مع الفند. و في ذلك يقول سعد بن مالك:

إنّ لجيما قد أبت كلّها # أن يرفدونا رجلا واحدا

و يشكر أضحت على نأيها # لم تسمع الآن لها حامدا

و لا بنو ذهل و قد أصبحوا # بها حلولا[2]خلفا ماجدا

القائدي الخيل لأرض العدا # و الضاربين الكوكب الوافدا[3]

و قال البكريّ:

و صدّت لجم للبراءة إذ رأت # أهاضيب‏[4]موت تمطر الموت معضلا

و يشكر قد مالت قديما و أرتعت # و منّت بقرباها إليهم لتوصلا

و قالوا جميعا: مات جسّاس حتف أنفه و لم يقتل.

عدد القتلى من بكر و تغلب و الاستشهاد على ذلك بشعر مهلهل:

قال عامر بن عبد الملك: لم يكن بينهم من قتلى تعدّ و لا تذكر إلا ثمانية نفر من تغلب و أربعة من بكر عدّدهم مهلهل في شعريه‏[5]، يعني قصيدتيه:

أ ليلتنا بذي حسم‏[6]أنيري # إذا أنت انقضيت فلا تحوري

فإن يك بالذّنائب طال ليلي # فقد أبكي من الليل القصير

فلو نبش المقابر عن كليب # فيعلم بالذنائب أيّ زير

بيوم الشّعثمين‏[7]أقرّ عينا # و كيف لقاء من تحت القبور

[1]بأخرة: أخيرا، يقال جاء أخرة و بأخرة (بفتح الهمزة و الخاء و بضم الهمزة) .

[2]كذا في حـ. و في ب، س:

«حلولا خلقا ماجدا»

. و في ط، ء:

«حلولا حلقا ماجدا»

. و في م:

«حلوما خلفا ماجدا»

.

[3]كذا في ب. و الكوكب: سيد القوم و فارسهم، و الرجل بسلاحه. و الوافد: القادم. و في باقي الأصول: «الواقدا» بالقاف، و لعله تصحيف.

[4]الأهاضيب: جمع أهضوبة و هي الدفعة من المطر.

[5]كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «في شعره يعني من قصيدته» .

[6]ذو حسم: موضع بالبادية. و تحوري: ترجعي.

[7]يوم الشعثمين: هو يوم واردات، كما في «العقد الفريد» ، بيد أن شعر الأخطل الآتي يدل على أنه يوم الذنائب. و الشعثمان هما شعثم و عبد شمس ابنا معاوية بن عامر بن ذهل بن ثعلبة، كما في العقد الفريد» ، و قيل: هما شعثم و شعيث، و قيل في اسميهما غير ذلك.

و أضيف هذا اليوم إليهما لأنهما قتلا فيه. و قد جمعهما الأخطل في قصيدة يفتخر فيها بقومه بني تغلب على «شعاثم» ، يريد ابني معاوية و من قتل معهما في ذلك اليوم، فقال:

بقوم هم يوم الذنائب أهلكوا # «شعاثم» رهط الحارث بن عباد

و قال أبو علي القالي في أماليه: «الشعثمان: موضع معروف» . و ردّ قوله هذا بأنه لم يذكره أحد ممن شرح حرب البسوس و ذكر أيامها. (راجع «شرح شواهد المغني» للبغدادي ج 2 ص 234 من النسخة المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم 2 نحو ش و «العقد الفريد» ج 3 ص 95) . و أقرّ عينا: جواب «لو» الشرطية في البيت الذي قبل هذا البيت. و «رواية الأمالي» : «لقرّ عينا» باللام. و قد تقدّم في ص 38 أن هذا الفعل نصب لما في «لو» من معنى التمني.

39

و إنّي قد تركت بواردات‏[1] # بجيرا في دم مثل العبير[2]

هتكت به بيوت بني عباد # و بعض الغشم أشفى للصّدور

على أن ليس يوفي من كليب # إذا برزت مخبّأة الخدور

/و همّام بن مرّة قد تركنا # عليه القشعمان‏[3]من النسور

ينوء بصدره و الرمح فيه # و يخلجه‏[4]خدبّ كالبعير

فلو لا الريح أسمع من بحجر # صليل البيض تقرع بالذكور[5]

/فدى لبني شقيقة يوم جاءوا # كأسد الغاب لجّت في الزّئير

كأنّ رماحهم أشطان‏[6]بئر # بعيد بين جاليها[7]جرور

غداة كأنّنا و بنى أبينا # بجنب عنيزة رحيا[8]مدير

تظلّ الخيل عاكفة عليهم # كأنّ الخيل ترحض‏[9]في غدير

فهؤلاء أربعة من بني بكر بن وائل. و قال أيضا:

طفلة ما ابنة المحلّل بيضا # ء لعوب لذيذة في العناق

فاذهبي ما إليك غير بعيد # لا يؤاتي العناق من في الوثاق

ضربت نحرها إليّ و قالت # يا عديّا لقد وقتك الأواقي‏[10]

ما أرجّي في العيش بعد نداما # ي أراهم سقوا بكأس حلاق‏[11]

/بعد عمرو و عامر و حييّ # و ربيع الصّدوف‏[12]و ابني عناق‏

[1]واردات: موضع عن يسار طريق مكة، و به سمي «يوم واردات» .

[2]العبير: الزعفران.

[3]القشعم: النسر الذكر العظيم. و يروي كما في «الأمالي» لأبي علي القالي ج 2 ص 132 طبع دار الكتب المصرية: «عليه القشعمين» على أنه معمول لتركنا، و بالرفع على أنه جملة حالية استغنت في الربط بالهاء عن الواو. على أنه يجوز أن يكون القشعمان مفردا و تلحق حركة الإعراب فيه النون لا الألف، و قد تضم القاف و العين كما في ثعلبان و قد تفتحان كما في عقربان.

[4]يخلجه: يجذبه. و الخدب: الضخم.

[5]تقدّم تفسير هذا البيت في ص 41 في الحاشية رقم 3 من هذا الجزء.

[6]الأشطان: جمع شطن و هو الحبل الشديد الفتل يستقي به.

[7]جال البئر: ناحيتها. و الجرور من الآبار: البعيدة القعر.

[8]في «شرح شواهد المغني» للبغدادي: «قال أبو عبيد البكري في «شرح نوادر القالي» المسمى «قرة النواظر في شرح النوادر» : الرحيان إذا أدارهما مدير أثرت إحداهما في الأخرى و هما من معدن واحد، و كذلك هؤلاء هم من أصل واحد يتماحقون و يقتتلون» .

[9]ترحض: تغسل.

[10]الأواقي: جمع واقية.

[11]الحلاق: المنية معدولة عن الحالقة لأنها تحلق أي تقشر، و بنيت على الكسر لأنه حصل فيها العدل و التأنيث و الصفة الغالبة.

[12]كذا في أكثر الأصول و في «شرح شواهد العيني» المطبوع بهامش «خزانة الأدب» للبغدادي (ج 4 ص 213 طبع بولاق) ، و قد فسره العيني بقوله: «الصدوف بفتح الصاد المهملة و في آخره فاء: اسم فرس الربيع الذي أضيف إليها و قيل: اسم امرأة» . و في س:

«الصدوق» بالقاف، و هو تصحيف.

40

و امرئ القيس ميّت يوم أودى # ثم خلّى عليّ ذات العراقي‏[1]

و كليب سمّ‏[2]الفوارس إذ حـ # مّ رماه الكماة بالإيفاق‏[3]

إنّ تحت الأحجار حدّا[4]ولينا # و خصيما ألدّ ذا معلاق‏[5]

حيّة في الوجار[6]أربد لا تنـ # فع منه السليم نفثة راق‏

فهؤلاء ثمانية من تغلب. قال عامر: و الدليل على أنّ القتلى كانوا قليلا أنّ آباء القبائل هم الذين شهدوا تلك الحروب، فعدّوهم و عدّوا بنيهم و بني بنيهم، فإن كانوا خمسمائة فقد صدقوا، فكم عسى أن يبلغ عدد القتلى و القبائل. قال مسمع: إنّ أخي مجنون، و كيف يحتجّ بشعر المهلهل، و قد قتل جحدر أبا مكنف يوم قضة فلم يذكره في شعره، و قتل اليشكريّ ناشرة فلم يذكره في الشعر، و قتل حبيب يوم واردات، و قتل سعد بن مالك يوم قضة ابن القبيحة فلم يذكر، فهؤلاء أربعة. و قال البكريّ:

تركنا حبيبا يوم أرجف جمعه # صريعا بأعلى واردات مجدّلا

/و قال مهلهل أيضا:

لست أرجو لذّة العيش ما # أزمت‏[7]أجلاد قد بساقي

جلّلوني جلد حوب‏[8]فقد # جعلوا نفسي عند التّراقي‏

و قال آخر[9]يفخر بيوم واردات:

و مهراق الدماء بواردات # تبيد المخزيات و ما تبيد

فقلت لعامر: ما بال مسمع و ما احتجّ به من هؤلاء الأربعة؟فقال عامر: و ما أربعة إن كنت أغفلتهم‏[10]فيما يقولون!إنّهم قتلوا يوم كذا[11]ثلاثة آلاف، و يوم كذا[11]أربعة آلاف، و اللّه ما أظنّ جميع القوم كانوا يومئذ ألفا! فهاتوا فعدّوا أسماء القبائل و أبناءهم و انزلوا معهم‏[إلى‏][12]أبناء أبنائهم، فكم عسى أن يكونوا! [1]ذات العراقي: الداهية.

[2]في ب، س: «شمّ» بالشين، و هو تصحيف.

[3]كذا في «شرح شواهد العيني» ، و الإيفاق (بكسر الهمزة و سكون الياء بعدها فاء و بعد الألف قاف) : إيتار السهم ليرمي به، من أوفقت السهم إذا وضعته على فوقه. و في الأصول: «بالاتفاق» و هو تصحيف.

[4]كذا في م، حـ. و الحدّ: الحدة. و في سائر الأصول: «جدا» بالجيم.

[5]المعلاق: اللسان البليغ كأنه يعلق بخصمه، و يروى: «مغلاق» بالغين المعجمة، كأنه يغلق الحجة على خصمه.

[6]الحية يطلق على الذكر و الأنثى. و الوجار: حجر الضبع و يستعار لغيرها. و الأربد: الذي يضرب لونه إلى السواد.

[7]أزمت: تقبضت و انضمت.

[8]كذا صحح هذه الكلمة المرحوم الشيخ الشنقيطي في نسخته. و الحوب (بالحاء المهملة المفتوحة و الواو) : الضخم من الجمال.

و البعير إذا زجر قيل له حوب و لذلك سمى حوبا بزجره كما سمى البغل عدسا بزجره و سمي الغراب غاقا بصوته. و في ط، ء، م:

«جوب» بالجيم و الجوب الترس، و هو بعيد عن السياق. و في باقي الأصول: «حرف» بالحاء المهملة و الراء. و الحرف الناقة الضامرة الصلبة.

[9]هو جرير العجلي و قيل: هو الأخطل. «انظر «اللسان» مادة هرق» .

[10]كذا في ط، ء، م. و في سائر الأصول: «لأعقلهم» .

[11]كذا في ط، ء، م. و في باقي الأصول: «و يوم كذا و كذا... » .

[12]الزيادة عن ط.

41

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني‏

صوت‏

أزجر العين أن تبكّي الطّلولا # إنّ في الصدر من كليب غليلا

إنّ في الصدر حاجة لن تقضّى # ما دعا في الغصون داع هديلا

كيف أنساك يا كليب و لمّا # أقض حزنا ينو بني و غليلا

/أيّها القلب أنجز اليوم نحبا[1] # من بني الحصن‏[2]إذ غدوا و ذحولا[3]

كيف يبكي الطلول من هو رهن # بطعان الأنام جيلا فجيلا

أنبضوا[4]معجس القسيّ و أبرقـ # نا كما توعد الفحول الفحولا

و صبرنا تحت البوارق حتّى # ركدت فيهم السيوف طويلا

لم يطيقوا أن ينزلوا و نزلنا # و أخو الحرب من أطاق النّزولا

الشعر لمهلهل-قال أبو عبيدة: اسمه عديّ، و قال يعقوب بن السّكّيت: اسمه امرؤ القيس-و هو ابن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب؛ و إنما لقّب مهلهلا لطيب شعره و رقّته، و كان أحد من غنّي من العرب في شعره. و قيل: إنه أوّل من قصّد القصائد و قال الغزل؛ فقيل: قد هلهل الشعر، أي أرقّه. و هو أوّل من كذب في شعره‏[5]. و هو خال امرئ القيس بن حجر الكنديّ. و كان فيه خنث و لين، و كان كثير المحادثة للنّساء، فكان كليب يسمّيه «زير النّساء» ؛ فذلك قوله:

و لو نبش المقابر عن كليب # فيعلم بالذنائب أيّ زير

الغناء لابن محرز في الأوّل و الثاني من الأبيات ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. و للغريض فيهما لحن في هذه الطريقة و الإصبع‏[6]و المجرى، و الذي فيه سجحة منها[7]لابن محرز. و لمعبد لحنان أحدهما في الأوّل و السادس ثقيل أوّل مطلق/في مجرى البنصر، و الآخر خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. و لإبراهيم في الأوّل و الثاني خفيف ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى. و لإسحاق في الأوّل و الثالث ماخوريّ. و لعلّويه في الأوّل و الثاني خفيف ثقيل أوّل بالبنصر، و لمالك فيهما خفيف رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى. و لابن سريج في السادس و السابع خفيف رمل بالسبّابة في مجرى البنصر. و لابن سريج أيضا في الأوّل و الثامن خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. و للغريض في الأوّل [1]النحب: النذر.

[2]الحصن: هو ثعلبة بن عكابة.

[3]الذحول: جمع ذحل و هو الثأر.

[4]أنبض الرامي القوس و عن القوس: جذب و ترها لتصوّب. و معجس كمجلس: مقبض القوس.

[5]حكم عليه بهذا لقوله: «فلو لا الريح... » البيت، لأن قتالهم كان بالجزيرة و حجر قصبة اليمامة، و بين الموضعين مسافة عظيمة.

(راجع «أمالي أبي علي القالي» ج 2 ص 134 طبع دار الكتب المصرية و كتاب «الشعر و الشعراء» ص 164) .

[6]في ط: «و الإصبع في المجرى» .

[7]لعل الصواب: «منهما» على أن يكون مرجع الضمير اللحنين.

42

و الثاني خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. و للهذليّ في الأوّل و الثاني و السابع خفيف ثقيل أوّل بالوسطى من رواية حماد عن أبيه. و لمالك في الأوّل و الثاني و الخامس خفيف ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق و عمرو بن بانة.

و منها:

صوت‏

ثكلتني عند[1]الثّنيّة أمّي # و أتاها نعيّ عمّي و خالي

إن لم أشف النفوس من حيّ بكر # و عديّ تطأه بزل الجمال‏[2]

غنّاه ابن سريج ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى من رواية إسحاق، و غنّاه الغريض ثقيلا أوّل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

/و منها:

صوت‏

قرّبا مربط النّعامة منّي # لقحت حرب وائل عن حيال‏[3]

قرّباها في مقربات‏[4]عجال # عابسات يثبن وثب السّعالي‏

لم أكن من جناتها علم اللّه و إنّي بحرّها اليوم صال الشعر للحارث بن عباد. و الغناء للغريض ثقيل أوّل بالبنصر. و فيه لحن آخر يقال إنه لابن سريج.

و منها:

صوت‏

يا لبكر أنشروا لي كليبا # يا لبكر أين أين الفرار

يا لبكر[5]فاظعنوا أو فحلّوا # صرّح الشرّ و بان السّرار

[1]في ط، ء، م: «على» .

[2]رواية هذا البيت في كتاب بكر و تغلب ابني وائل:

إن لم أشف النفوس من تغلب الغد # ر بيوم تذل بزل الجمال‏

و لعله: «يزلّ بزل الجمال» و بهذا يكون البيت واضح العبارة و المعنى. و قد ورد في ب، س عقب هذين البيتين جملة: «الشعر مجهول» ، و هي حشو لأن هذا الشعر للحارث بن عباد كما سيذكر المؤلف بعد قليل.

[3]تقدّم شرح هذا البيت في الحاشيتين رقم 5، 6 ص 47 من هذا الجزء.

[4]المقربات: جمع مقربة و هي الفرس التي يقرب مربطها و معلفها لكرامتها. و السعالى: جمع سعلاة و هي الغول أو ساحرة الجن.

و رواية هذا البيت في كتاب بكر و تغلب:

قربا مربط النعامة مني # ساريات يقفزن قفز السعالى‏

و هي رواية غير جيدة.

[5]في ط، ء: «يا لبكر اظعنوا... » بدون فاء.

43

الشعر لمهلهل. و الغناء لابن سريج، و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالسبابة في مجرى البنصر من رواية إسحاق. و غنّاه الأبجر خفيف رمل بالوسطى من رواية عمرو.

و منها:

صوت‏

أ ليلتنا بذي حسم أنيري # إذا أنت انقضيت فلا تحوري

فإن يك بالذّنائب طال ليلي # فقد أبكى من الليل القصير

/كأنّ الجدي جدي‏[1]بنات نعش # يكبّ‏[2]على اليدين بمستدير[3]

و تحبو[4]الشّعريان‏[5]إلى سهيل # يلوح كقمّة[6]الجمل الكبير

فلو لا الريح أسمع أهل حجر # صليل البيض تقرع بالذّكور

الشعر لمهلهل. و الغناء لابن محرز في الأوّل و الثاني ثقيل أوّل بالبنصر، و له في الأبيات كلها خفيف ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى، عن إسحاق جميعا. و في الأبيات كلّها على الولاء للأبجر ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو. و يقال: إن فيها لحنا للغريض أيضا.

الهجرس بن كليب و ثأره لأبيه من خاله جساس:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أخبرنا الحسن بن الحسين السّكّريّ قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل عن أبي عبيدة:

/أن آخر من قتل في حرب بكر و تغلب جسّاس بن مرّة بن ذهل بن شيبان، و هو قاتل كليب بن ربيعة، و كانت أخته تحت كليب، فقتله جسّاس و هي حامل، فرجعت إلى أهلها و وقعت الحرب، فكان من الفريقين ما كان؛ ثم صاروا إلى الموادعة بعد ما كادت القبيلتان تتفانيان؛ فولدت أخت جسّاس غلاما فسمّته‏[7]الهجرس و ربّاه جساس، فكان لا يعرف أبا غيره، و زوّجه ابنته. فوقع بين الهجرس و بين رجل من بني بكر بن وائل كلام؛ فقال له البكريّ: ما [1]قال ابن سيده: الجدي من النجوم جديان: أحدهما الذي يدور مع بنات نعش، و الآخر الذي بلزق الدلو و هو من البروج و لا تعرفه العرب. و كلاهما على التشبيه بالجدي في مرآة العين.

[2]يكب: ينكس. يقال: كب فلان فلانا إذا صرعه فأكب هو؛ و هذا من النادر، و هو أن يكون الفعل المجرد من الهمزة متعديا و ذو الهمزة لازما.

[3]كذا في ب، س، حـ. و في ط، ء، م: «كمستدير» .

[4]تحبو: تدنو، يقال: حبا الشي‏ء إلى كذا إذا دنا إليه أو اتصل به. و في الأصول الموجود بها هذا البيت: «تخبو» بالخاء المعجمة، و ظاهر أنه تصحيف، و رواية «كتاب بكر و تغلب» (ص 70) : «تحنو» بالحاء المهملة و النون. و البيت ساقط من ط، ء.

[5]الشعريان: كوكبان، أحدهما في الجوزاء و طلوعه بعدها في شدّة الحر، و يقال له الشعري اليمانية و تلقب بالعبور، و الآخر في الذراع و يقال له الشعري الغميصاء، و تزعم العرب أنهما أختا سهيل. و سهيل: كوكب يمان.

[6]رواية كتاب بكر و تغلب: «كهيئة» .

[7]كذا في ط، ء و «ابن الأثير» (ج 1 ص 393) طبع ليدن. و في باقي الأصول اختلاف في عطف بعض هذه الأفعال على بعض بالواو أو بالفاء.

44

أنت بمنته حتى تلحقك بأبيك؛ فأمسك عنه و دخل إلى أمه كئيبا، فسألته عما به فأخبرها الخبر؛ فلما أوى إلى فراشه و نام إلى جنب امرأته وضع أنفه بين ثدييها، فتنفّس تنفّسة تنفّط[1]ما بين ثدييها من حرارتها؛ فقامت الجارية فزعة قد أقلّتها رعدة حتى دخلت على أبيها، فقصّت عليه قصّة الهجرس؛ فقال جسّاس: ثائر و ربّ الكعبة!و بات جسّاس على مثل الرّضف‏[2]حتى أصبح؛ فأرسل إلى الهجرس فأتاه، فقال له: إنما أنت ولدي و منّي بالمكان الذي قد علمت، و قد/زوّجتك ابنتي و أنت معي، و قد كانت الحرب في أبيك زمانا طويلا حتى كدنا نتفانى، و قد اصطلحنا و تحاجزنا، و قد رأيت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من الصلح، و أن تنطلق حتى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا و على قومنا؛ فقال الهجرس: أنا فاعل، و لكنّ مثلي لا يأتي قومه إلا بلأمته‏[3]و فرسه؛ فحمله جسّاس على فرس و أعطاه لأمة و درعا؛ فخرجا حتى أتيا جماعة من قومهما، فقصّ عليهم جسّاس/ما كانوا فيه من البلاء و ما صاروا إليه من العافية، ثم قال: و هذا الفتى ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه و يعقد ما عقدتم؛ فلما قرّبوا[4]الدم و قاموا إلى العقد أخذ الهجرس بوسط رمحه، ثم قال: و فرسي و أذنيه، و رمحي و نصليه، و سيفي و غراريه، لا يترك الرجل قاتل أبيه و هو ينظر إليه؛ ثم طعن جسّاسا فقتله، ثم لحق بقومه؛ فكان آخر قتيل في بكر بن وائل.

ترحيل أخت كليب لجليلة عن مأتم زوجها و شعر جليلة في ذلك:

قال أبو الفرج: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثني عمّي عن العبّاس بن هشام عن أبيه عن الشّرقيّ‏[5]بن القطاميّ قال:

لمّا قتل جسّاس بن مرّة كليب بن ربيعة، و كانت جليلة بنت مرّة أخت جساس تحت كليب، اجتمع نساء الحيّ للمأتم، فقلن لأخت كليب: رحّلي جليلة عن مأتمك، فإنّ قيامها فيه شماتة و عار علينا عند العرب؛ فقالت لها:

يا هذه اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا و شقيقة قاتلنا؛ فخرجت و هي تجرّ أعطافها؛ فلقيها أبوها مرّة، فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟فقالت: ثكل العدد، و حزن الأبد؛ و فقد حليل، و قتل أخ عن قليل؛ و بين ذين غرس الأحقاد، و تفتّت الأكباد؛ فقال لها: أو يكفّ ذلك كرم الصّفح و إغلاء الدّيات؟فقالت جليلة: أمنيّة مخدوع و ربّ الكعبة!أبا لبدن تدع لك تغلب دم ربّها!. قال: و لمّا رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي و فراق الشامت، ويل غدا لآل مرّة، من الكرّة بعد الكرة!. فبلغ قولها جليلة، فقالت: و كيف تشمت الحرّة بهتك سترها /و ترقّب وترها!أسعد اللّه جدّ أختي، أ فلا قالت: نفرة الحياء، و خوف الاعتداء!. ثم أنشأت‏[6]تقول:

[1]تنفط: احترق.

[2]الرضف (بالفتح، واحده رضفة) : الحجارة المحماة يوغر (يسخن) بها اللبن، و يقال: هو على الرضف إذا كان قلقا مشخوصا به أو مغتاظا.

[3]لأمته: سلاحه. و تطلق اللامة على كل عدّة للحرب من درع و رمح و بيضة و مغفر و سيف و نبل.

[4]كان من عادة العرب أن يحضروا في جفنة طيبا أو دما أو رمادا فيدخلوا فيه أيديهم عند التحالف ليتم عقدهم عليه باشتراكهم في شي‏ء واحد.

[5]في بعض الأصول: «الشرفي» بالفاء، و هو تصحيف، و قد ضبطه السمعاني بفتح الشين و سكون الراء و القطامي بضم القاف و فتح الطاء و كسر الميم. و ضبط كذلك بالعبارة في «تهذيب التهذيب» و الخلاصة بفتح الشين و الراء و قطامي بضم القاف و فتح الميم.

[6]قال أبو عبيد اللّه محمد بن عمران المرزباني في الجزء الثالث من «أشعار النساء» بعد أن ذكر هذه الأبيات و نسبها لجليلة كما ذكر المؤلف هنا: «و وجدت بخط حرميّ بن أبي العلاء قال محمد بن خلف بن المرزبان: هذه الأبيات لفاطمة بنت ربيعة بن الحارث بن مرّة أخت كليب و مهلهل ابني ربيعة التغلبيين ترثي أخاها كليبا و قتله زوجها جساس» اهـ.

45

يا ابنة الأقوام إن شئت فلا # تعجلي باللّوم حتى تسألني

فإذا أنت تبيّنت الذي # يوجب اللّوم فلومي و اعذلي

إن تكن أخت امرئ ليمت على # شفق منها عليه فافعلي

جلّ عندي فعل جسّاس فيا # حسرتي عما انجلت أو تنجلي

فعل جسّاس على وجدي به # قاطع ظهري و مدن أجلي

لو بعين فقئت عيني سوى # أختها فانفقأت لم أحفل

تحمل العين قذى العين كما # تحمل الأمّ أذى ما تفتلي‏[1]

يا قتيلا قوّض الدهر به # سقف بيتيّ جميعا من عل

هدم البيت الذي استحدثته # و انثنى في هدم بيتي الأوّل

و رماني قتله من كثب‏[2] # رمية المصمي به المستأصل

يا نسائي دونكنّ اليوم قد # خصّني الدهر برزء معضل

/خصّني قتل كليب بلظّى # من ورائي و لظّى مستقبلي‏[3]

/ليس من يبكي ليومين‏[4]كمن # إنما يبكي ليوم ينجلي‏[5]

يشتفي المدرك بالثأر و في # دركي ثأري ثكل المثكل‏[6]

ليته كان دمي فاحتلبوا # بدلا منه دما من أكحلي‏[7]

إنني قاتلة مقتولة # و لعلّ اللّه أن يرتاح لي‏

[1]تفتلي: تربي، و في الأصول: «تعتلي» بالعين المهملة، و هو تحريف.

[2]من كثب: من قرب. و أصماه: قتله في مكانه.

[3]كذا في ط، ء، م، و هو الموافق لما في الجزء الثالث من «أشعار النساء» للمرزباني (ص 50) «و نهاية الأرب» (ج 5 ص 215) طبع دار الكتب المصرية. و في سائر النسخ: «من أسفلي» .

[4]هذه رواية «نهاية الأرب» . و في الأصول: «ليوميه» .

[5]كذا في «نهاية الأرب» . و في أكثر الأصول: «بجل» . و في ب، س: «يجل» و هما تحريف.

[6]المثكل: التي لازمها الحزن. و رواية ط، م، ء: «ثكل مثكلي» . و رواية أشعار النساء:

درك الثائر شافيه و في # درك الثائر قتل مثكلي‏

[7]كذا في الجزء الثالث من «أشعار النساء» للمرزباني. و الأكحل: عرق في الذراع يقصد، و قيل: هو عرق الحياة و يدعى نهر البدن، و لا يقال فيه عرق الأكحل. و في الأصول:

ليته كان دما فاحتلبوا # دررا منه دمي من أكحلي‏

و لو كانت الرواية فيه.

ليته كان دما فاحتلبوا # بدلا منه دمي من أكحلي‏

لكان أجود.

46

2-ذكر الهذلي و أخباره‏

نسب الهذلي و صناعته:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:

الهذليان أخوان يقال لهما سعيد و عبد آل ابنا مسعود؛ فالأكبر منهما يقال له سعيد، و يكنى أبا مسعود، و أمه امرأة يقال لها أمّ فيعل، و كان كثيرا ما ينسب إليها، و كان ينقش الحجارة بأبي قبيس، و كان فتيان من قريش يروحون إليه كلّ عشيّة فيأتون بطحاء يقال لها بطحاء قريش فيجلسون عليها، و يأتيهم فيغنّي لهم و يكون معهم. و قد قيل: إن الأكبر هو عبد آل، و الأصغر سعيد.

كان يغني فتيان قريش و هو يزاول صناعته في نقش الحجارة:

قال هارون و حدّثني الزبير بن بكّار قال حدّثني حمزة بن عتبة اللهبيّ:

أنّ الهذليّ كان نقّاشا يعمل البرم من حجارة الجبل، و كان يكنى أبا عبد الرحمن، و كان إذا أمسى راح فأشرف على المسجد ثم غنّى، فلا يلبث أن يرى الجبل كقرص الخبيص‏[1]صفرة و حمرة من أردية قريش؛ فيقولون: يا أبا عبد الرحمن، أعد؛ فيقول: أمّا و اللّه و هاهنا حجر أحتاج إليه لم يرد الأبطح فلا؛ فيضعون أيديهم في الحجارة حتى يقطعوها له و يحدروها إلى الأبطح، و ينزل معهم حتى يجلس على أعظمها حجرا و يغنّي لهم.

/قال هارون و حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبي مسعود بن‏[2]أبي جناح قال أخبرني أبو لطيف و عمارة قالا:

تغنّى الهذليّ الأكبر، و كان من أنفسهم، و كان فتيان قريش يروحون كلّ عشيّة حتى يأتوا بطحاء يقال لها بطحاء قريش قريبا من داره، فيجلسون عليها و يأتيهم فيغنيهم.

أجازه الحارث بن خالد لما سمع غناءه:

قال: و أخبرني ابن أبي طرفة عن الحسن بن عبّاد الكاتب مولى آل الزّبير قال:

هجم الحارث بن خالد، و هو يومئذ أمير مكة، على الهذليّ و هو مع فتيان قريش بالمفجر[3]يغنّيهم و عليه جبّة صوف، فطرح عليه مقطّعات خزّ، فكانت هذه أوّل ما تحرّك لها.

[1]الخبيص: نوع من الحلواء يعمل من التمر و السمن.

[2]في ط، ء، م: «عن أبي مسعود عن أبي جناح» .

[3]المفجر بالفتح ثم السكون و فتح الجيم: موضع بمكة ما بين الثنية التي يقال لها الخضراء إلى خلف دار يزيد بن منصور (انظر «معجم البلدان» لياقوت) .

47

تزوّج بنت ابن سريج و أخذ عنها غناء أبيها و انتحل أكثره:

قال هارون: و حدّثني حماد عن أبيه قال:

ذكر ابن جامع عن ابن عبّاد أن ابن سريج لما حضرته الوفاة نظر إلى ابنته فبكى، فقالت له: ما يبكيك؟قال:

أخشى عليك الضيعة بعدي!فقالت له: لا تخف فما من غنائك شي‏ء إلا و قد أخذته؛ قال: فغنّيني فغنّته، فقال: قد طابت نفسي، ثم دعا بالهذليّ فزوّجها منه؛ فأخذ الهذليّ غناء أبيها كلّه عنها فانتحل أكثره؛ فعامّة غناء الهذليّ لابن سريج مما أخذه عن ابنته و هي زوجته.

حدره الحارث بن خالد من منى ثم أذن له فرجع إليها:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن يحيى أبو غسّان قال:

كان الهذليّ منزله بمنى، و كان فتيان قريش يأتونه فيغنّيهم هناك، ثم أقبل مرّة حتى جلس على جمرة العقبة فغنّى هناك، فحدره الحارث من منى، و كان عاملا على مكة، ثم أذن له فرجع إلى منى.

قصته مع فتية من قريش غناهم فطربوا له و استعادوه:

قال هارون: و حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ/قال حدّثني أبي قال:

كان الهذليّ النقّاش يغدو إليه فتيان قريش و قد عمل عمله بالليل، و معهم الطعام و الشراب و الدراهم، فيقولون له: غنّنا؛ فيقول لهم: الوظيفة[1]، فيقولون: قد جئنا بها؛ فيقول: الوظيفة الأخرى، أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم و يأتزرون بأزرهم و ينقلون الحجارة و ينزلونها، ثم يجلس على شنخوب‏[2]من شناخيب الجبل فيجلسون تحته في السّهل فيشربون و هو يغنّيهم حتى المساء، و كانوا كذلك مدّة؛ فقال له يوما ثلاثة فتية من قريش: قد جاءك كلّ واحد منا بمثل وظيفتك على الجماعة من غير أن تنقص وظيفتك عليهم، و قد اختار كل واحد منا صوتا من غنائك ليجعله حظّه اليوم، فإن وافقت الجماعة هوانا كان ذلك مشتركا بيننا، و إن أبوا غنّيت لهم ما أرادوا و جعلت هذه الثلاثة الأصوات لنا بقية يومنا؛ قال: هاتوا، فاختار أحدهم:

عفت عرفات فالمصايف من هند

و اختار الآخر:

ألمّ بنا طيف الخيال المهجّد[3]

/و اختار الآخر:

هجرت سعدى فزادني كلفا

فغنّاهم إياها، فما سمع السامعون شيئا كان أحسن من ذلك؛ فلما أرادوا الانصراف قال لهم: إني قد صنعت صوتا البارحة ما سمعه أحد، فهل لكم فيه؟قالوا: هاته منعما بذلك؛ فاندفع فغنّاهم:

[1]الوظيفة: ما يقدّر من عمل و طعام و رزق و غير ذلك.

[2]الشنخوب: رأس الجبل و أعلاه.

[3]هجدت الرجل (بالتضعيف) : أيقظته.

48

أ أن هتفت ورقاء ظلت سفاهة # تبكّي على جمل لورقاء تهتف‏

فقالوا: أحسنت و اللّه، لا جرم لا يكون صبوحنا في غد إلا عليه، فعادوا و غنّاهم إياه و أعطوه وظيفته؛ و لم يزالوا يستعيدونه إياه باقي يومهم.

نسبة ما في هذا الخبر من الأصوات‏

من ذلك:

صوت‏

عفت عرفات فالمصايف من هند # فأوحش ما بين الجريبين‏[1]فالنّهد[2]

و غيّرها طول التقادم و البلى # فليست كما كانت تكون على العهد

الشعر للأحوص، و قيل: إنه لعمر. و الغناء للهذليّ، و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر.

/و منها:

صوت من المائة المختارة

ألمّ بنا طيف الخيال المهجّد # و قد كادت الجوزاء في الجوّ تصعد

ألمّ يحيّينا و من دون أهلها # فياف تغور الريح فيها و تنجد

عروضه من الطويل. لم يقع لنا اسم شاعره و نسبه. و الغناء للهذليّ ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، و هو اللحن المختار، و فيه ليحيى المكّيّ هزج. و لحن الهذليّ هذا مما اختير للرشيد و الواثق بعده من المائة الصوت المذكورة.

و منها:

صوت‏

هجرت سعدى فزادني كلفا # هجران سعدى و أزمعت خلفا

/و قد على حبّها حلفت لها # لو أنّ سعدى تصدّق الحلفا

ما علق القلب غيرها بشرا # و لا سواها من معلق عرفا

[1]كذا في «ديوان عمر بن أبي ربيعة» (ج 2 ص 231 طبع مدينة ليبسك) . و الجريب: يطلق على مواضع كثيرة. و ما أثبتناه قريب مما ورد في نسختي ب، س فقد وردت فيهما هذه الكلمة هكذا: «الحرييين» . و في ط، م، ء: «الحريين» و كلاهما تحريف. و في جـ:

«الحريمين» بالميم. و الحريم اسم لمواضع كثيرة في بغداد و غيرها.

[2]النهد (و يقال له عين النهد) : اسم موضع بالفرع على الطريق من مكة إلى المدينة. روى الزبير عن رجاله أن أسماء بنت أبي بكر قالت لابنها عبد اللّه: يا بنيّ أعمر الفرع، فعمل عبد اللّه بن الزبير بالفرع عين الفارعة و السنام، و عمل عروة أخوه عين النهد و عين عسكر.

(انظر بقية الكلام على ذلك في «معجم ما استعجم» ج 2 ص 707) .

49

فلم تجبني و أعرضت صلفا # و غادرتني بحبّها كلفا

الغناء للهذليّ ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.

رقص أشعب ابنه و قال هذا ابن مزامير داود:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق قال:

زوّج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذليّ الأكبر بابنته، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها، و ادّعاه فغلب عليه. قال:

و ولدت منه ابنا؛ فلما أيفع جاز يوما بأشعب و هو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه و جعل يرقّصه و يقول: هذا ابن دفّتي المصحف و هذا ابن مزامير داود؛ فقيل له: ويلك!ما تقول/و من هذا الصبيّ؟فقال: أ و ما تعرفونه!هذا ابن الهذليّ من ابنة ابن سريج، ولد على عود، و استهلّ بغناء، و حنّك‏[1]بملوى‏[2]، و قطعت سرّته بوتر[3]، و ختن بمضراب.

إسحاق الموصلي و حديثه عن مطرف أخذه من إبراهيم بن المهدي:

و ذكر يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن عبد اللّه بن عيسى الماهانيّ قال:

دخلت يوما على إسحاق بن إبراهيم الموصليّ في حاجة، فرأيت عليه مطرف خزّ أسود ما رأيت قطّ أحسن منه؛ فتحدّثنا إلى أن أخذنا في أمر المطرف، فقال: لقد كان لكم أيّام حسنة و دولة عجيبة؛ فكيف ترى هذا؟فقلت له: ما رأيت مثله؛ فقال: إنّ قيمته مائة ألف درهم، و له حديث عجيب؛ فقلت: ما أقوّمه إلا بنحو مائة دينار؛ فقال إسحاق: شربنا يوما من الأيام فبتّ و أنا مثخن‏[4]، فانتبهت لرسول محمد الأمين، فدخل عليّ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: عجّل؛ و كان بخيلا على الطعام، فكنت آكل قبل أن أذهب إليه؛ فقمت فتسوّكت و أصلحت شأني، و أعجلني الرسول عن الغداء فقمت معه فدخلت عليه، و إبراهيم بن المهديّ قاعد عن يمينه و عليه هذا المطرف و جبّة خزّ دكناء[5]؛ فقال لي محمد: يا إسحاق، أ تغدّيت؟قلت: نعم يا سيّدي؛ قال: إنك لنهم، أ هذا وقت غداء! فقلت: أصبحت يا أمير المؤمنين و بي خمار فكان ذلك مما حداني على الأكل؛ فقال لهم: كم شربنا؟فقالوا: ثلاثة أرطال، فقال: اسقوه إياها؛ فقلت: إن رأيت أن تفرّق عليّ!؛ فقال: يسقى رطلين و رطلا؛ فدفع إليّ رطلان فجعلت أشربهما/و أنا أتوهم أن نفسي تسيل معهما، ثم دفع إليّ رطل آخر فشربته، فكأنّ شيئا انجلى عني؛ فقال غنّني:

كليب لعمري كان أكثر ناصرا

فغنّيته، فقال: أحسنت و طرب؛ ثم قام فدخل-و كان كثيرا[ما]يدخل إلى النساء و يدعنا-فقمت في إثر [1]استهل الصبيّ: رفع صوته بالبكاء عند الولادة.

[2]التحنيك: أن تمضغ التمر ثم تدلكه بحنك الصبي، و في حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: أنه كان يحنك أولاد الأنصار.

[3]الملوى: من أجزاء العود (انظر الكلام على العود و أجزائه في مقدمة الجزء الأوّل من هذا الكتاب طبع دار الكتب المصرية) .

[4]في ط، ء، م: «بزير» و الزير: أحد أوتار العود.

[5]يقال: أثخنته الجراحة: أوهنته و أضعفته، و المراد هنا غلبة السكر عليه.

[6]الدكناء: المائلة إلى السواد.

50

قيامه، فدعوت غلاما لي، فقلت: اذهب إلى بيتي و جئني ببزماوردتين‏[1]و لفّهما في منديل و اذهب ركضا و عجّل، فمضى الغلام و جاءني بهما، فلما وافى الباب و نزل عن دابّته انقطع فنفق‏[2]من شدّة ما ركض عليه، و أدخل إليّ البزماوردتين، فأكلتهما و رجعت نفسي إليّ و عدت إلى مجلسي؛ فقال لي إبراهيم: لي إليك حاجة أحبّ أن تقضيها لي؛ فقلت: إنما أنا عبدك و ابن عبدك، فقل ما شئت؛ قال: تردّد عليّ: «كليب لعمري» و هذا المطرف لك؛ فقلت:

أنا لا آخذ منك مطرفا على هذا، و لكنني أصير إلى منزلك فألقيه على الجواري و أردّده عليك مرارا؛ فقال: أحبّ أن تردّده عليّ الساعة و أن تأخذ هذا فإنه من لبسك/و هو من حاله كذا و كذا؛ فردّدت عليه الصوت مرارا حتى أخذه، ثم سمعنا حركة محمد فقمنا حتى جاء و جلس، ثم قعدنا فشرب و تحدّثنا؛ فغنّاه إبراهيم: «كليب لعمري» ، فكأني و اللّه لم أسمعه قبل ذلك حسنا؛ و طرب محمد طربا شديدا و قال: أحسنت و اللّه!يا غلام، عشر بدر لعمّي السّاعة! فجاءوا بها؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي فيها شريكا؛ قال: من هو؟قال: إسحاق؛ قال: و كيف؟فقال: إنما أخذته منه لمّا قمت؛ فقلت أنا: و لم!أضاقت الأموال على أمير/المؤمنين حتى تريد أن تشرك فيما يعطي!قال:

أمّا أنا فأشركك و أمير المؤمنين أعلم؛ فلما انصرفنا من المجلس أعطاني ثمانين ألفا، و أعطاني هذا المطرف، فهذا أخذ به مائة ألف درهم، و هي قيمته.

صوت من المائة المختارة

من رواية جحظة عن أصحابه:

علّل القوم يشربوا # كي يلذّوا و يطربوا

إنما ضلّل الفؤا # د غزال مربّب‏[3]

فرشته على النّما # رق سعدى و زينب

حال دون الهوى و دو # ن سرى الليل مصعب‏[4]

و سياط على أكـ # فّ رجال تقلّب‏

الشعر لعبيد اللّه بن قيس الرّقيّات. و الغناء في اللحن المختار لمالك بن أبي السّمح، و لحنه من الثقيل الأوّل بالسبابة في مجرى الوسطى. و فيه لإسحاق ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر. و لابن سريج في الرابع و الخامس و الأوّل ثاني ثقيل في مجرى الوسطى. و لمعبد في الثاني و ما بعده خفيف ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى الوسطى.

[1]البزماورد: طعام يسمى لقمة القاضي، و فخذ الست، و لقمة الخليفة، و هو مصنوع من اللحم المقلي بالزبد و البيض. (انظر الحاشية رقم 2 ج 4 ص 353 من هذه الطبعة) .

[2]نفق: مات. و ذكر الضمير لأن الدابة تطلق على الحيوان مذكرا كان أو مؤنثا، و الدابة هنا مذكر.

[3]كذا في أكثر الأصول و كذلك صححها الأستاذ الشنقيطي في نسخته، يقال: رب الصبي و ريبه أي رباه. و في ب، س و ديوانه طبع أوروبا: «مربرب» .

[4]هو مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري كما في كتاب «المعارف» لابن قتيبة (ص 123 طبع جوتنجن) و كما سيذكره المؤلف بعد قليل في ترجمة عبيد اللّه بن قيس الرقيات.

51

3-ذكر عبيد الله بن قيس الرقيّات و نسبه و أخباره‏

نسب عبيد اللّه بن قيس الرقيات من قبل أبويه:

هو عبيد اللّه بن قيس بن شريح‏[1]بن مالك بن ربيعة بن أهيب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص‏[2]بن عامر بن لؤيّ بن غالب. و أمّه قتيلة ابنة وهب بن عبد اللّه بن ربيعة بن طريف بن عديّ بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني محمد بن محمد بن أبي قلامة العمريّ قال حدّثني محمد بن طلحة، قال الزبير و حدّثنيه أيضا محمد بن الحسن المخزوميّ، قالا جميعا:

كان يقال لبني معيص بن عامر بن لؤيّ و بني محارب بن فهر: الأجربان من أهل تهامة، و كانا متحالفين، و إنما قيل لهما الأجربان من شدّة بأسهما و عرّهما[3]من ناوأهما كما يعرّ الجرب.

سبب لقبه بالرقيات:

و إنما لقّب عبيد اللّه بن قيس الرّقيّات لأنه شبّب بثلاث نسوة سمّين جميعا رقيّة، منهنّ رقيّة بنت عبد الواحد بن أبي سعد بن قيس بن وهب بن أهبان‏[4]بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤيّ، و ابنة عمّ لها يقال لها رقيّة، /و امرأة من بني أميّة يقال لها رقيّة. و كان هواه في رقيّة بنت عبد الواحد؛ و كان عبد الواحد-فيما أخبرني الحرميّ بن أبي/العلاء عن الزبير-ينزل الرّقّة. و إياه عنى ابن قيس بقوله:

ما خير عيش بالجزيرة بعد ما # عثر الزمان و مات عبد الواحد

و له في الرقيّات عدّة أشعار يغنّى فيها تذكر بعقب هذا الخبر. و الأبيات الثانية التي فيها اللحن المختار يقولها في مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزّهريّ، و كان صاحب شرطة مروان بن الحكم بالمدينة.

مصعب بن عبد الرحمن والي المدينة:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثني عمّي قال:

[1]كذا في ط، ء: و ديوانه المخطوط بقلم الشيخ الشنقيطي المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 88 أدب ش و ديوانه المطبوع بقينا سنة 1902 و «خزانة الأدب» للبغدادي (ج 3 ص 267 طبع بولاق) . و في باقي الأصول: «سريج» بالسين و الجيم، و هو تصحيف.

[2]كذا في ديوانه المخطوط و المطبوع و «الخزانة» و «شرح القاموس» مادّة معص. و في ط، ء: «معيض» بالضاد المعجمة، و في باقي الأصول: «بغيض» ، و كلاهما تحريف.

[3]يقال: عره بمكروه يعره عرا: أصابه به. و المراد هنا إلحاقهما الشر بأعدائهما كما يلحق الجرب الشرّ بمن يصيبه.

[4]في «خزانة الأدب» : «وهبان» بالواو.

52

لما ولي مروان بن الحكم المدينة ولّى مصعب بن عبد الرحمن بن عوف شرطته؛ فقال: إني لا أضبط المدينة بحرس المدينة، فابغني رجالا من غيرها، فأعانه بمائتي رجل من أهل أيلة[1]، فضبطها ضبطا شديدا. فدخل المسور[2]بن مخرمة على مروان فقال: أما ترى ما يشكوه الناس من مصعب!فقال:

ليس بهذا من سياق عتب # يمشي القطوف و ينام الركب‏[3]

و قال غير مصعب في هذا الخبر و ليس من رواية الحرميّ: إنه بقي إلى أن ولي عمرو[4]بن سعيد المدينة و خرج الحسين رضي اللّه تعالى عنه و عبد اللّه بن الزبير؛ /فقال له عمرو: اهدم دور بني هاشم و آل الزبير؛ فقال: لا أفعل، فقال: انتفخ سحرك‏[5]يا ابن أمّ حريث!ألق سيفنا!فألقاه و لحق بابن الزبير. و ولّى عمرو بن سعيد شرطته عمرو بن الزبير بن العوّام و أمره بهدم دور بني هاشم و آل الزبير، ففعل و بلغ منهم كلّ مبلغ، و هدم دار ابن‏[6]مطيع التي يقال لها العنقاء، و ضرب محمد بن المنذر بن الزبير مائة سوط؛ ثم دعا بعروة بن الزبير ليضربه؛ فقال له محمد: أ تضرب عروة!فقال: نعم يا سبلان‏[7]إلا أن تحتمل ذلك عنه؛ فقال: أنا أحتمله، فضربه مائة سوط أخرى؛ و لحق عروة بأخيه. و ضرب عمرو الناس ضربا شديدا، فهربوا منه إلى ابن الزبير، و كان المسور بن مخرمة أحد من هرب منه؛ و لما أفضى الأمر إلى ابن الزّبير أقاد منه و ضربه بالسوط ضربا مبرّحا فمات فدفنه في غير مقابر المسلمين، و قال للناس، فيما ذكر عنه: إن عمرا مات مرتدّا عن الإسلام.

هو شاعر قريش:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال:

سألت عمّي مصعبا و محمد بن الضحّاك و محمد بن حسن عن شاعر قريش في الإسلام، فكلّهم قالوا: ابن قيس الرقيّات؛ و حكي ذلك عن عديّ و عن الضحاك بن عثمان؛ و حكاه محمد بن الحسن عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعيّ. قال الزبير: و حدّثني بمثله غمامة بن عمرو السّهميّ عن مسور بن عبد الملك اليربوعيّ.

عرض شعره على طلحة الزهري فمدحه:

أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ و الحرميّ بن أبي العلاء و غيرهما قالوا حدّثنا الزبير بن بكار قال حدّثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ عن عمه محمد بن عبد العزيز:

أنّ ابن قيس الرقيّات أتى إلى طلحة بن عبد اللّه بن عوف الزهريّ فقال له:

[1]أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشأم، و قيل: هي في آخر الحجاز و أوّل الشأم.

[2]هو المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري قتل في حصار مكة مع ابن الزبير. (انظر الطبري في حوادث سنة 64 هـ) .

[3]السياق: السوق. و القطوف من الدواب: البطي‏ء، و المراد وصف الرجل بحسن السياسة و أنه يبلغ الغاية من غير أن يعنف في السوق أي إنه يسوس الناس من غير أن يجهدهم.

[4]هو عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق، ولاه يزيد بن معاوية إمرة المدينة سنة 60 هـ. (انظر الطبري في حوادث السنة المذكورة) .

[5]انتفخ سحرك: كلمة تقال للجبان. و السحر: الرئة. (انظر الحاشية رقم 1 ج 4 ص 187 من هذه الطبعة) .

[6]هو عبد اللّه بن مطيع أخو بني عديّ بن كعب، ولي الكوفة لعبد اللّه بن الزبير. (انظر الطبري في حوادث سنة 60 هـ) .

[7]كذا في جميع الأصول، و لعلها لقب له أو محرفة عن سبلاني (بزيادة ياء مشدّدة) . و السبلانيّ: الطويل السبلة (بالتحريك) و هي شعرات تكون في المنحر، و هي أيضا مقدم اللحية، و ما على الشفة العليا من الشعر يجمع الشاربين، أو لعلها كلمة تهكمية لها مغزى خاص.

53

يا عمّي، إني قد قلت شعرا فاسمعه فإنك ناصح لقومك، فإن كان جيّدا قلت، و إن كان رديئا كففت؛ فقال له: أنشد، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

منع اللهو و الهوى # و سرى الليل مصعب

و سياط على أكـ # فّ رجال تقلّب‏

/فقال: قل يا ابن أخي فإنك شاعر.

كان زبيري الهوى و خرج على عبد الملك ثم استجار بابن جعفر فعفا عنه:

و كان عبيد اللّه بن قيس الرقيّات زبيريّ الهوى، و خرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك؛ فلما قتل مصعب و قتل عبد اللّه هرب فلجأ إلى عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، فسأل عبد الملك في أمره فأمّنه.

و أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ و الحرميّ بن أبي العلاء و غيرهما قالوا حدّثنا الزّبيريّ‏[1]قال حدّثني عبد اللّه بن البصير[2]البربريّ مولى قيس بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه قال:

قال عبيد اللّه بن قيس الرقيّات: خرجت مع مصعب بن الزبير حين بلغه شخوص عبد الملك بن مروان إليه، فلما نزل مصعب بن الزبير بمسكن‏[3]، و رأى معالم الغدر/ممن معه، دعاني و دعا بمال و مناطق، فملأ المناطق من ذلك المال و ألبسني منها، و قال لي: انطلق حيث شئت فإني مقتول؛ فقلت له: لا و اللّه لا أريم‏[4]حتى أرى‏[5] سبيلك؛ فأقمت معه حتى قتل؛ ثم مضيت إلى الكوفة، فأوّل بيت صرت إليه دخلته، فإذا فيه امرأة لها ابنتان كأنهما ظبيتان، فرقيت في درجة لها إلى مشربة[6]فقعدت فيها، فأمرت لي المرأة بما أحتاج إليه من الطعام و الشراب و الفرش و الماء للوضوء، فأقمت كذلك عندها أكثر من حول، تقيم لي ما يصلحني و تغدو عليّ في كل صباح فتسألني بالصّباح و الحاجة[7]، و لا تسألني من أنا و لا أسألها من هي، و أنا في ذلك أسمع الصّياح فيّ و الجعل؛ فلما طال بي المقام و فقدت الصياح فيّ و غرضت‏[8]بمكاني غدت عليّ تسألني بالصباح و الحاجة، فعرّفتها أني قد غرضت و أحببت الشّخوص إلى أهلي؛ فقالت لي: نأتيك بما تحتاج إليه إن شاء اللّه تعالى؛ فلمّا أمسيت و ضرب الليل بأرواقه رقيت إليّ و قالت: إذا شئت!فنزلت و قد أعدّت راحلتين عليهما ما أحتاج إليه و معهما[9]عبد، و أعطت العبد نفقة الطريق، و قالت: العبد و الراحلتان لك؛ فركبت و ركب العبد معي حتى طرقت أهل مكة، فدققت منزلي؛ فقالوا لي: من هذا؟فقلت: عبيد اللّه بن قيس الرقيّات؛ فولولوا و بكوا، و قالوا: ما فارقنا طلبك إلا في هذا الوقت؛ [1]في م، حـ: «الزبير» بدون ياء.

[2]في حـ: «عبد اللّه بن النضير اليزيديّ» و سيرد في ص 90 من هذا الجزء: «عبد اللّه بن النضير» في كل الأصول.

[3]مسكن: موضع قريب من أوانا على نهر دجيل عند دير الجاثليق، به كانت الوقعة بين عبد الملك بن مروان و مصعب بن الزبير في سنة 72 هـ و به قتل مصعب، و قبره هناك معروف (عن «معجم البلدان» لياقوت ج 4 ص 529) .

[4]لا أريم: لا أبرح.

[5]في ط، ء: «حتى آتي سبيلك» .

[6]المشربة: الغرفة و العلية.

[7]يريد: كيف أصبحت و ما حاجتك؟

[8]غرض: ضجر.

[9]في ب، س: «عليهما» .

54

فأقمت عندهم حتى أسحرت‏[1]، ثم نهضت و معي العبد حتى قدمت المدينة، فجئت عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب عند المساء و هو يعشّي أصحابه، فجلست معهم و جعلت أتعاجم و أقول: يار يار[2]/ابن طيّار[3]؛ فلما خرج أصحابه كشفت له عن وجهي، فقال: ابن قيس؟فقلت: ابن قيس، جئتك عائذا بك؛ قال: ويحك!ما أجدّهم في طلبك و أحرصهم على الظّفر بك!و لكني سأكتب إلى أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان فهي زوجة الوليد بن عبد الملك، و عبد الملك أرقّ شي‏ء عليها. فكتب إليها يسألها أن تشفع له إلى عمّها، و كتب إلى أبيها يسأله أن يكتب إليها كتابا يسألها الشفاعة؛ فدخل عليها عبد الملك كما كان يفعل و سألها؛ هل من حاجة؟فقالت: نعم لي حاجة، فقال: قد قضيت كل حاجة لك إلا ابن قيس الرقيّات؛ فقالت: لا تستثن عليّ شيئا!فنفح‏[4]بيده فأصاب خدّها، فوضعت يدها على خدّها؛ فقال لها: يا بنتي ارفعي يدك، فقد قضيت كلّ حاجة لك و إن كانت ابن قيس الرقيّات؛ فقالت: إنّ حاجتي ابن قيس الرقيات تؤمّنه، فقد كتب إليّ أبي يسألني أن أسألك ذلك؛ قال: فهو آمن، فمريه يحضر مجلسي العشيّة؛ فحضر/ابن قيس و حضر الناس حين بلغهم مجلس عبد الملك، فأخّر الإذن، ثم أذن للناس، و أخّر إذن ابن قيس الرقيّات حتى أخذوا مجالسهم، ثم أذن له؛ فلما دخل عليه قال عبد الملك: يأهل الشأم، أ تعرفون هذا؟قالوا: لا؛ فقال: هذا عبيد اللّه بن قيس الرقيّات الذي يقول:

كيف نومي على‏[5]الفراش و لمّا # تشمل الشأم غارة شعواء

تذهل الشيخ عن بنيه و تبدي # عن خدام‏[6]العقيلة العذراء

مدح عبد الملك بما لم يرضه فأمنه و قطع عطاءه فتعهد له به ابن جعفر طول حياته:

فقالوا: يا أمير المؤمنين اسقنا دم هذا المنافق!قال: الآن و قد أمّنته و صار في منزلي و على بساطي!قد أخّرت الإذن له لتقتلوه فلم تفعلوا. فاستأذنه ابن قيس الرقيّات أن ينشده مديحه فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

عاد له من كثيرة الطرب # فعينه بالدموع تنسكب‏[7]

كوفيّة نازح محلّتها # لا أمم دارها و لا صقب

و اللّه ما إن صبت إليّ و لا # إن كان بيني و بينها سبب‏[8]

[1]أسحر: دخل في السحر.

[2]يار: كلمة فارسية، و معناها: الصاحب و الشفيق و المعين.

[3]الطيار: لقب جعفر بن أبي طالب والد عبد اللّه هذا، و كان قد قطعت يداه في غزوة مؤتة فأثابه اللّه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. (انظر «سيرة ابن هشام» ج 2 ص 795 طبع أوروبا) .

[4]نفح بيده: ضرب بها ضربة خفيفة.

[5]كذا في ط، ء، م و كذلك صححها المرحوم الأستاذ الشنقيطي في نسخته و هي «الرواية المشهورة» . و في ب، س، حـ: «إلى» .

[6]الخدام: جمع خدمة (بالتحريك) و هي الخلخال. و قد أورد صاحب «اللسان» هذين البيتين في مادة خدم ثم قال: «أراد و تبدى عن خدام العقيلة. و خدام هاهنا في نية عن خدامها، و عدّي تبدي بعن لأن فيه معنى تكشف كقوله:

تصدّ و تبدي عن أسيل و تتقي‏

أي تكشف عن أسيل أو تسفر عن أسيل» .

[7]سيشرح أبو الفرج بعض هذا الشعر فيما يأتي.

[8]في ديوانه المخطوط:

و اللّه ما إن صبت إليّ و لا # يعلم بيني و بينها سبب‏

ـ