الأغاني - ج6

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
535 /
291

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

الجزء السادس‏

من كتاب الأغاني

تتمة التراجم‏

1-أخبار الصّمّة القشيريّ و نسبه‏

نسبه:

هو الصّمّة بن عبد اللّه بن الطّفيل بن قرّة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة/بن خصفة بن قيس‏[1]بن عيلان بن مضر بن نزار.

هو شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية:

شاعر إسلاميّ بدويّ مقلّ، من شعراء الدولة الأمويّة. و لجدّه قرّة بن هبيرة صحبة بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و هو أحد وفود العرب الوافدين عليه صلى اللّه عليه و سلم و آله.

وفد جدّه قرّة على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و أسلم:

أخبرني بخبره عبيد اللّه بن محمد الرّازي و عمّي قالا حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني عن أبي بكر الهذليّ و ابن دأب و غيرهما من الرّواة قالوا:

/وفد قرّة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فأسلم، و قال له:

يا رسول اللّه، إنا كنا نعبد الآلهة لا تنفعنا و لا تضرّنا؛ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «نعم ذا عقلا» .

قصته في حبه و زواجه:

و قال ابن دأب: و كان من خبر الصّمّة أنه هوي امرأة من قومه ثم من بنات عمّه دنية[2]يقال لها العامريّة بنت [1]قال في «القاموس» : «و عيلان بلا لام أبو قيس، أو الصواب قيس عيلان مضافا» اهـ. و يؤيد القول بأنه أبوه قول سحبان:

لقد علمت قيس بن عيلان أنني # إذا قلت «أما بعد» إني خطيبها

و يؤيد القول الثاني قول الآخر:

إلى حكم من قيس عيلان فيصل # و آخر من حي ربيعة عالم‏

و على أنه مضاف قيل: إن «عيلان» اسم فرس لقيس فأضيف إليه، أو هو عبد لمضر بن نزار حضن قيسا فغلب عليه و نسب إليه.

(راجع «القاموس» و شرحه مادة عيل) .

[2]دنية أي لاصقة النسب.

292

غطيف بن حبيب بن قرّة بن هبيرة؛ فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوّجه إياها؛ و خطبها عامر بن بشر بن أبي براء بن مالك بن ملاعب‏[1]الأسنّة بن جعفر بن كلاب، فزوّجه إياها. و كان عامر قصيرا قبيحا؛ فقال الصّمّة بن عبد اللّه في ذلك:

فإن تنكحوها عامرا لاطّلاعكم # إليه يدهدهكم‏[2]برجليه عامر

شبّهه بالجعل الذي يدهده البعرة برجليه.

قال: فلما بنى بها زوجها، وجد الصّمّة بها وجدا شديدا و حزن عليها؛ فزوّجه أهله امرأة منهم يقال لها جبرة بنت وحشيّ بن الطّفيل بن قرّة بن هبيرة؛ فأقام عليها مقاما يسيرا، ثم رحل إلى الشأم غضبا على قومه، و خلّف امرأته فيهم، و قال لها:

كلي التمر حتى تهرم النخل و اضفري # خطامك ما تدرين ما اليوم من أمس‏

/و قال فيها[3]أيضا:

لعمري لئن كنتم على النأى و القلى # بكم مثل ما بي إنكم لصديق

إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشى # رددن و لم تنهج لهنّ طريق‏

و قال فيها أيضا:

إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضكم # أتتنا بريّاكم فطاب هبوبها

أتتنا بريح المسك خالط عنبرا # و ريح الخزامى باكرتها جنوبها

و قال فيها أيضا:

هل تجزينّي العامريّة موقفي # على نسوة بين الحمى و غضى الجمر

مررن بأسباب الصّبا فذكرنها # فأومأت إذ ما من جواب و لا نكر

موته بطبرستان:

و قال ابن دأب: و أخبرني جماعة من بني قشير أنّ الصّمّة خرج في غزيّ‏[4]من المسلمين إلى بلد الدّيلم فمات بطبرستان.

قال ابن دأب: و أنشدني جماعة من بني قشير للصّمّة:

[1]كذا في الأصول. و المعروف أن ملاعب الأسنة كنيته أبو براء، و اسمه عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب. فصواب العبارة: «و خطبها عامر بن بشر بن أبي براء ملاعب الأسنة بن مالك... إلخ» . و سمى ملاعب الأسنة لقول أوس بن حجر:

و لاعب أطراف الأسنة عامر # فراح له حظ الكتبة أجمع‏

(انظر «شرح القاموس» مادة لعب، و «بلوغ الأرب في أحوال العرب» للآلوسي ج 2 ص 140) .

[2]دهده: دحرج.

[3]واضح من السياق أن مرجع الضمير هنا العامرية محبوبته لا جبرة زوجته.

[4]غزى: اسم جمع لغاز، أو هو جمع على وزن فعيل كقاطن و قطين و حاج و حجيج.

293
صوت‏

أ لا تسألان اللّه أن يسقي الحمى # بلى فسقى اللّه الحمى و المطاليا[1]

و أسأل من لاقيت هل مطر الحمى # فهل يسألن عنّي‏[2]الحمى كيف حاليا

/الغناء في هذين البيتين لإسحاق، و لحنه من الثقيل الأول بالوسطى، و هو من مختار الأغاني و نادرها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع و عمّي قالا حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال قال عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الجعفريّ حدّثنا عبد اللّه بن إسحاق الجعفريّ عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال حدّثني رجل من أهل طبرستان كبير السنّ قال:

بينا أنا يوما أمشي في ضيعة لي فيها ألوان من الفاكهة و الزعفران و غير ذلك من الأشجار، إذ أنا بإنسان في البستان مطروح عليه أهدام خلقان، فدنوت منه فإذا هو يتحرّك و لا يتكلّم، فأصغيت إليه فإذا هو يقول بصوت خفيّ:

تعزّ بصبر لا و جدّك لا ترى # بشام‏[3]الحمى أخرى الليالي الغوابر

كأنّ فؤادي من تذكّره الحمى # و أهل الحمى يهفو به ريش طائر

قال: فما زال يردّد هذين البيتين حتى فاضت نفسه؛ فسألت عنه فقيل لي: هذا الصّمّة بن عبد اللّه القشيريّ.

كان ابن الأعرابي يستحسن شعرا له:

أخبرني عمّي قال حدّثنا الخرّاز أحمد بن الحارث قال:

كان ابن الأعرابيّ يستحسن قول الصمة:

صوت‏

أما و جلال اللّه لو تذكرينني # كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى و اللّه ذكرا لو أنّه # يصبّ على صمّ الصّفا لتصدّعا

/-غنّى في هذين البيتين عبيد اللّه بن أبي غسّان ثاني ثقيل بالوسطى. و فيهما لعريب خفيف رمل-:

و لمّا[4]رأيت البشر قد حال بيننا # و جالت بنات الشوق في الصدر نزّعا

[1]المطالي: جمع مطلاء (يمد و يقصر) ، و هو مسيل ضيق من الأرض أو هو أرض سهلة لينة تنبت العضاه. و حكى ابن بري عن علي بن حمزة أن المطالي روضات، واحدها مطلى بالقصر لا غير، و أما المطلاء لما انخفض من الأرض و اتسع فيمد و يقصر و القصر فيه أكثر. و قيل المطالي: المواضع التي تغذو فيها الوحش أطلاءها. (عن «اللسان» مادة طلى بتصرف) .

[2]رواية «تجريد الأغاني» (نسخة مأخوذة بالتصوير الشمسي محفوظة بدار الكتب المصرية رقم 5071 أدب) : «فهل يسألن أهل الحمى... » .

[3]في الأصول: «سنام الحمى» . و التصويب عن كتاب «تجريد الأغاني» . و البشام: شجر طيب الريح و الطعم يستاك به.

[4]رواية «ديوان الحماسة» (طبع مدينة ليدن) :

و لما رأيت البشر أعرض دوننا # ........ يحننّ نزعا

و البشر: جبل. و أعرض: أبدى عرضه.

294

تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني # وجعت‏[1]من الإصغاء ليتا و أخدعا

مدح إبراهيم بن محمد بن سليمان شعره:

أخبرني أبو الطيّب بن الوشّاء قال:

قال لي إبراهيم بن محمد بن سليمان الأزديّ: لو حلف حالف أنّ أحسن أبيات قيلت في الجاهليّة و الإسلام في الغزل قول الصّمّة القشيريّ ما حنث:

حننت إلى ريّا و نفسك باعدت # مزارك من ريّا و شعباكما معا

فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # و تجزع أن داعي الصبابة أسمعا

بكت عيني اليمنى فلما زجرتها # عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

صوت‏

و أذكر أيّام الحمى ثم أنثني # على كبدي من خشية أن تصدّعا

فليست عشيّات الحمى برواجع # عليك و لكن خلّ عينيك تدمعا

غنّت في هذين البيتين قرشيّة الزّرقاء لحنا من الثقيل الأوّل عن الهشاميّ. و هذه الأبيات التي أوّلها «حننت إلى ريّا» تروى لقيس بن ذريح في أخباره و شعره بأسانيد قد ذكرت في مواضعها، و يروى بعضها للمجنون في أخباره بأسانيد قد/ذكرت أيضا في أخباره. و الصحيح في البيتين الأوّلين أنهما لقيس بن ذريح و روايتهما[له‏][2]أثبت، و قد تواترت الروايات بأنهما له من عدّة طرق؛ و الأخر مشكوك فيها أ هي للمجنون أم للصّمّة.

كان أبو حاتم يستجيد بيتين من شعره:

/أنشدنا محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم للصّمّة القشيريّ قال: و كان أبو حاتم يستجيدهما، و أنشدنيهما عمّي عن الكرانيّ عن أبي حاتم، و أنشدنيهما الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن أبي حاتم:

إذا نأت لم تفارقني علاقتها # و إن دنت فصدود العاتب الزّاري

فحال عيني من يوميك واحدة # تبكي لفرط صدود أو نوى دار

تذكر محبوبته و بكى و ذكر شعره فيها:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عبيد اللّه بن إسحاق بن سلاّم قال حدّثني أبي عن شعيب بن صخر عن بعض بني عقيل قال:

مررت بالصّمّة بن عبد اللّه القشيريّ يوما و هو جالس وحده يبكي و يخاطب نفسه و يقول: لا و اللّه ما صدقتك فيما قالت؛ فقلت: من تعني؟ويحك!أ جننت!قال: أعني التي أقول فيها:

[1]في س: «و جئت» . و في سائر الأصول: «و خفت» . و التصويب عن «ديوان الحماسة» و «اللسان» (مادة وجع) . و الليت (بالكسر) :

صفحة العنق. و الأخدع: عرق في العنق في موضع الحجامة.

[2]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

295

أما و جلال اللّه لو تذكرينني # كذكريك ما كفكفت للعين مدمعا

فقالت بلى و اللّه ذكرا لو أنّه # يصبّ على صمّ الصّفا لتصدعا

أسلي نفسي عنها و أخبرها أنها لو ذكرتني كما قالت لكانت في مثل حالي.

قصته في خطبة ابنة عمه و رحلته إلى ثغر من الثغور و شعره في ذلك:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني مسعود بن عيسى بن إسماعيل العبدي عن موسى بن عبد اللّه التّيميّ قال.

/خطب الصّمّة القشيريّ بنت عمّه و كان لها محبّا، فاشتطّ عليه عمّه في المهر؛ فسأل أباه أن يعاونه و كان كثير المال فلم يعنه بشي‏ء؛ فسأل عشيرته فأعطوه؛ فأتى بالإبل عمّه؛ فقال: لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فاسأل أباك أن يبدلها لك؛ فسأل ذلك أباه فأبى عليه؛ فلما رأى ذلك من فعلهما قطع عقلها و خلاّها، فعاد كلّ بعير منها إلى ألاّفه.

و تحمّل الصّمّة راحلا. فقالت بنت عمه حين رأته يتحمّل: تاللّه ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته بأبعرة. و مضى من وجهه حتى لحق بالثغر؛ فقال و قد طال مقامه و اشتاقها و ندم على فعله:

أ تبكي على ريّا و نفسك باعدت # مزارك من ريّا و شعباكما معا

فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # و تجزع أنّ داعي الصبابة أسمعا

و قد أخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ: أن الصّمّة خطب ابنة عمّه هذه إلى أبيها؛ فقال له: لا أزوّجكها إلا على كذا و كذا من الإبل؛ فذهب إلى أبيه فأعلمه بذلك و شكا إليه ما يجد بها؛ فساق الإبل عنه إلى أخيه؛ فلما جاء بها عدّها عمّه فوجدها تنقص بعيرا، فقال: لا آخذها إلا كاملة؛ فغضب أبوه و حلف لا يزيده على ما جاء به شيئا. و رجع إلى الصّمّة؛ فقال له: ما وراءك؟فأخبره؛ فقال:

تاللّه ما رأيت قطّ ألأم منكما جميعا؛ و إني لألأم منكما إن أقمت بينكما؛ ثم ركب ناقته و رحل إلى ثغر من الثغور، فأقام به حتى مات. و قال في ذلك:

أ من ذكر دار بالرّقاشين‏[1]أصبحت # بها عاصفات الصيف بدءا و رجّعا

/حننت إلى ريّا و نفسك باعدت # مزارك من ريا و شعباكما معا

/فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # و تجزع أن داعي الصبابة أسمعا

كأنك لم نشهد وداع مفارق # و لم تر شعبي صاحبين تقطّعا

بكت عيني اليسرى فلما زجرتها # عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

تحمّل أهلي من قنين‏[2]و غادروا # به أهل ليلى حين جيد[3]و أمرعا

[1]الرقاشان: جبلان بأعلى الشريف في ملتقى دار كعب و كلاب. و رواية البيت في «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري-و قد نسبه ليزيد بن الطثرية-:

أ من أجل دار بالرقاشين أعصفت # عليها رياح الصيف بدءا و رجعا

[2]لم نوفق إلى هذا الاسم في المعاجم التي بين أيدينا. و ظاهر أنه اسم موضع أو محرف عن اسم موضع.

[3]جيد: أصابه الجود و هو المطر الغزير.

296

ألا يا خليليّ اللذين تواصيا # بلومي إلاّ أن أطيع و أسمعا

قفا إنه لا بدّ من رجع نظرة # يمانيّة شتّى بها القوم أو معا

لمغتصب قد عزّه‏[1]القوم أمره # حياء يكفّ الدمع أن يتطلّعا

تبرّض‏[2]عينيه الصّبابة كلّما # دنا الليل أو أوفى من الأرض ميفعا[3]

فليست عشيّات الحمى برواجع # إليك و لكن خلّ عينيك تدمعا

صوت من المائة المختارة من رواية يحيى بن عليّ‏

قل لأسماء أنجزي الميعادا # و انظري أن تزوّدي منك زادا

إن تكوني حللت ربعا من الشأ # م و جاورت حميرا أو مرادا

أو تناءت بك النّوى فلقد قد # ت فؤادي لحينه فانقادا

ذاك أني علقت منك جوى الحـ # ب وليدا فزدت سنا[4]فزادا

/الشعر لداود بن سلم. و الغناء لدحمان، و لحنه المختار من الثقيل الأول بالوسطى. و قد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية عليّ بن يحيى عن إسحاق منسوبا إلى المرقّش، و طلبناه في أشعار المرقّشين‏[5]جميعا فلم نجده، و كنا نظنه من شاذّ الروايات حتى وقع إلينا في شعر داود بن سلم، و في خبر أنا ذاكره في أخبار داود. و إنما نذكر ما وقع إلينا عن رواته؛ فما وقع من غلط فوجدناه أو وقفنا على صحته أثبتناه و أبطلنا ما فرط منا غيره، و ما لم يجر هذا المجرى فلا ينبغي لقارئ هذا الكتاب أن يلزمنا لوم خطأ لم نتعمده و لا اخترعناه، و إنما حكيناه عن رواته و اجتهدنا في الإصابة. و إن عرف صوابا مخالفا لما ذكرناه و أصلحه، فإن ذلك لا يضرّه و لا يخلو به من فضل و ذكر جميل إن شاء اللّه.

[1]عزه: غلبه و سلبه.

[2]أي تأخذ الصبابة ماء عينيه شيئا فشيئا. يقال: تبرضت ماء الحسى إذا أخذته قليلا قليلا، و فلان يتبرض الماء إذا كان كلما اجتمع منه شي‏ء غرفه.

[3]الميفع: المكان المشرف.

[4]في الأصول هنا و فيما يأتي «شيئا» . و التصويب عن «تجريد الأغاني» .

[5]يعني بالمرقشين: المرقش الأكبر و الأصغر. و الأكبر هو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل. كذا قال ابن الكلبي و خالفه الجوهري. فقال: إنه من بليّ سدوس. و المرقش الأصغر هو ربيعة بن حرملة، و هو ابن أخي المرقش الأكبر، و هو أيضا عم طرفة بن العبد. (انظر «شرح القاموس» مادة رقش) و سيأتي الكلام عليهما في هذا الجزء.

297

2-أخبار داود بن سلم و نسبه‏

نسبه و ولاؤه و هو من مخضرمي الدولتين:

داود بن سلم مولى بني تيم بن مرّة بن كعب بن لؤيّ؛ ثم يقول بعض الرواة: إنّه مولى آل أبي بكر، و يقول بعضهم: إنه مولى آل طلحة. و هو مخضرم من شعراء الدولتين الأموية و العباسية، من ساكني المدينة، يقال له داود الآدم‏[1]و داود الأرمك‏[2]. و كان من أقبح الناس وجها.

رآه والي المدينة يخطر في مشيته فضربه فمدحه ابن رهيمة لذلك:

و كان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يستثقله؛ فرآه ذات يوم يخطر خطرة منكرة فدعا به، و كان يتولّى المدينة، فضربه ضربا مبرّحا؛ و أظهر أنه إنما فعل/ذلك به من أجل الخطرة التي تخايل فيها في مشيته. فقال بعض الشعراء في ذلك و أظنه ابن رهيمة:

ضرب العادل سعد # ابن سلم في السّماجه

فقضى اللّه لسعد # من أمير كلّ حاجة

مدح آل معمر لأن أمه من مواليهم:

أخبرني محمد بن سليمان الطّوسي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال:

سألت محمد بن موسى بن طلحة عن داود بن سلم، هل هو مولاهم؟فقال: كذلك يقول الناس، هو مولانا، أبوه رجل من النّبط، و أمه بنت حوط مولى عمر بن عبيد اللّه بن معمر؛ فانتسب إلى ولاء أمه. و في ذلك يقول و يمدح ابن معمر:

و إذا دعا الجاني النصير لنصره # و أرتني الغرر النصيرة[3]معمر

/متخازرين‏[4]كأنّ أسد خفيّة[5] # بمقامها مستبسلات تزأر

[1]كذا في ب، س، حـ. و في سائر الأصول: «الأدلم» و الآدم و الأدلم بمعنى، و هو الأسود.

[2]الأرمك: الأسود. و في جميع الأصول: «الأدمك» (بالدال المهملة) و هو تحريف.

[3]كذا في جميع الأصول و لعلها مصحفة عن «النضيرة» بالضاد المعجمة.

[4]تخازر الرجل ضيق جفنه ليحدّد النظر.

[5]الخفية: غيضة ملتفة يتخذها الأسد عرينه، و هي خفيته. و قيل: هي علم لموضع بعينه. قال الشاعر:

أسود شرى لافت أسود خفية # تساقين سما كلهن خوادر

فشرى و خفية علمان لموضعين (راجع «اللسان» مادة خفى) .

298

متجاسرين بحمل كل ملمّة # متجبّرين على الذي يتجبّر

عسل الرّضا فإذا أردت خصامهم # خلط السّمام بفيك صاب ممقر[1]

لا يطبعون و لا ترى أخلاقهم # إلاّ تطيب كما يطيب العنبر

رفعوا بناي بعتق حوط دنية # جدّي و فضلهم الذي لا ينكر

كان أسود بخيلا و له شعر في الكرم كذبه فيه قوم ضافوه:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال:

كان داود بن سلم مولى بني تيم بن مرّة، و كان يقال له: الآدم لشدّة سواده، و كان من أبخل الناس؛ فطرقه قوم و هو بالعقيق، فصاحوا به: العشاء و القرى يا ابن سلم؛ فقال لهم: لا عشاء لكم عندي و لا قرى؛ قالوا: فأين قولك في قصيدتك إذ تقول فيها:

يا دار هند ألا حيّيت من دار # لم أقض منك لباناتي و أوطاري

عوّدت فيها إذا ما الضيف نبّهني # عقر العشار[2]على يسري و إعساري‏

قال: لستم من أولئك الذين عنيت.

عزى السري بن عبد اللّه عن ابنه:

قال: و دخل على السّريّ بن عبد اللّه الهاشميّ، و قد أصيب بابن له؛ فوقف بين يديه ثم أنشده:

/

يا من على الأرض من عجم و من عرب # استرجعوا خاست‏[3]الدّنيا بعبّاس

فجعت من سبعة قد كنت آملهم # من ضن‏ء[4]و الدهم بالسيّد الرّاس‏

قال: و داود بن سلم الذي يقول:

قل لأسماء أنجزي الميعادا # و انظري أن تزوّدي منك زادا

إن تكوني حللت ربعا من الشأ # م و جاورت حميرا أو مرادا

أو تناءت بك النوى فلقد قد # ت فؤادي لحينه فانقادا

ذاك أني علقت منك جوى الحـ # بّ وليدا فزدت سنّا فزادا

قال أبو زيد: أنشدنيها أبو غسّان محمد بن يحيى و إبراهيم بن المنذر لداود بن سلم.

[1]عسل: جمع عاسل و عسول أي حلو. و الممقر: الشديد المرارة.

[2]العشار جمع عشراء، و هي من الإبل ما مضى لحملها عشرة أشهر، فإذا وضعت لتمام سنة فهي عشراء أيضا. و أحسن ما تكون الإبل و أنفسها عند أهلها إذا كانت عشارا.

[3]خاست: غدرت.

[4]الضن‏ء: الولد: و يطلق على الأصل أيضا.

299

نسبة ما في هذا الخبر من الشعر الذي فيه غناء

صوت‏

يا دار هند ألا حيّيت من دار # لم أقض منك لباناتي و أوطاري‏

يتم و ينسب‏[1].

مدح إسحاق بن إبراهيم بن طلحة بولاية القضاء فزجره:

أخبرنا الطّوسيّ قال حدّثنا الزبير قال أخبرني مصعب بن عثمان قال:

دعا الحسن بن زيد إسحاق بن إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد اللّه بن معمر التّيميّ أيام كان بالمدينة إلى ولاية القضاء فأبى عليه فحبسه، فدعا مسرقين‏[2]يسرقون/له مغسلا في السجن، و جاء بنو طلحة فانسجنوا معه.

و بلغ ذلك الحسن بن زيد، فأرسل إليه فأتي به؛ فقال: إنك تلاججت عليّ، و قد حلفت ألاّ أرسلك حتى تعمل لي، فأبرر يميني، ففعل؛ فأرسل الحسن معه جندا حتى جلس في المسجد مجلس القضاء و الجند على رأسه؛ فجاءه داود بن سلم فوقف عليه فقال:

طلبوا الفقه و المروءة و الحلـ # م و فيك اجتمعن يا إسحاق‏

فقال: ادفعوه، فدفعوه، فنحّي‏[3]عنه؛ فجلس ساعة ثم قام من مجلسه؛ فأعفاه الحسن بن زيد من القضاء؛ فلما سار إلى منزله أرسل إلى داود بن سلم بخمسين دينارا، و قال للرسول: قل له: يقول لك مولاك: ما حملك على أن تمدحني بشي‏ء أكرهه؟استعن بهذه على أمرك.

ضربه سعد بن إبراهيم في المسجد و القصة في ذلك:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محرز بن سعيد قال:

بينما سعد بن إبراهيم في مسجد النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يقضي بين الناس إذ دخل عليه زيد بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر، و معه داود بن سلم مولى التّيميّين، و عليهما ثياب ملوّنة يجرّانها؛ فأومأ أن يؤتى بهما، فأشار إلى زيد أن اجلس، فجلس بالقرب منه، و أومأ إلى الآخر أن يجلس حيث يجلس مثله، ثم قال لعون من أعوانه: ادع لي نوح بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللّه، فدعي له فجاء أحسن الناس سمتا و تشميرا و نقاء ثياب؛ فأشار إليه فجلس؛ ثم أقبل على زيد فقال له: يا ابن أخي، تشبه بشيخك هذا و سمته و تشميره و نقاء ثوبه، و لا تعد إلى هذا اللبس، قم فانصرف. ثم أقبل على ابن سلم و كان قبيحا، فقال له: هذا/ابن جعفر أحتمل هذا له، و أنت لأيّ شي‏ء أحتمل هذا لك؟اللؤم أصلك، أم لساجة وجهك!جرّد يا غلام؛ فجرّد فضربه أسواطا. فقال ابن رهيمة:

جلد العادل سعد # ابن سلم في السّماجه

فقضى اللّه لسعد # من أمير كلّ حاجة

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و ينسب. انتهى» . و لا معنى لهذه الزيادة.

[2]كذا في ب، س. و في أ، ء، م: «مسرفين يسرفون» (بالفاء) . و في حـ: «مسروقين يسرقون له معسلا» . و لم نوفق إلى وجه الصواب فيها.

[3]في ب، س: «فننحى عنه» .

300

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن يوسف بن الماجشون قال:

قال لي أبي-و قد عزل سعد بن إبراهيم عن القضاء-يا بنيّ تعجّل بنا عسى أن نروح مع سعد بن إبراهيم، فإن القاضي إذا عزل لم يزل الناس ينالون منه؛ فخرجنا حتى جئنا دار سعد بن إبراهيم، فإذا صوت عال؛ فقال لي أيّ شي‏ء هذا؟أرى أنه قد أعجل عليّ؛ و دخلنا فإذا داود بن سلم يقول له: أطال اللّه بقاءك يا أبا إسحاق و فعل بك؛ و قد كان سعد جلد داود بن/سلم أربعين سوطا، فأقبل عليّ سعد و على أبي، فقال: لم تر مثل أربعين سوطا في ظهر لئيم. قال: و فيه يقول الشاعر:

ضرب العادل سعد # ابن سلم في السماجه

فقضى اللّه لسعد # من أمير كلّ حاجة

كان يمدح الحسن بن زيد و قد غضب منه لمدحه جعفر بن سليمان:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزّبير بن بكّار قال حدّثني أبو يحيى الزّهري و اسمه هارون بن عبد اللّه‏[1]قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز عن أبيه قال:

/كان الحسن بن زيد قد عوّد داود بن سلم مولى بني تيم إذا جاءته غلّة من الخانقين‏[2]أن يصله. فلما مدح داود بن سلم جعفر بن سليمان، و كان بينه و بين الحسن بن زيد تباعد شديد، أغضب ذلك الحسن؛ فقدم من حجّ أو عمرة، و دخل عليه داود مسلّما، فقال له الحسن: أنت القائل في جعفر:

و كنّا حديثا[3]قبل تأمير جعفر # و كان المنى في جعفر أن يؤمّرا

حوى المنبرين الطاهرين كليهما # إذا ما خطا عن منبر أمّ منبرا

كأن بني حوّاء صفّوا أمامه # فخبّر من أنسابهم فتخيّرا؟

فقال داود: نعم، جعلني اللّه فداءكم، فكنتم خيرة اختياره؛ و أنا الذي أقول:

لعمري لئن عاقبت أوجدت منعما # بعفو عن الجاني و إن كان معذرا

لأنت بما قدّمت أولى بمدحة # و اكرم فرعا إن فخرت و عنصرا

هو الغرّة الزّهراء من فرع هاشم # و يدعو عليّا ذا المعالي و جعفرا

و زيد[4]النّدى و السّبط سبط محمد # و عمّك بالطّفّ الزّكيّ المطهّرا

و ما نال من ذا جعفر غير مجلس # إذا ما نفاه العزل عنه تأخّرا

[1]في، ء، م: «عبيد اللّه» .

[2]خانقين: بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد، بينها و بين قصر شيرين ستة فراسخ لمن يريد الجبال، و بين قصر شيرين إلى حلوان ستة فراسخ. و قال البشاري: و خانقين أيضا بلدة بالكوفة. (عن «معجم البلدان» ) .

[3]كذا بالأصول.

[4]يعني به زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب الذي خرج على هشام بن عبد الملك في خلافته فقتله. و السبط: الحسن بن علي بن أبي طالب. و عمه يعني به الحسين بن علي بن أبي طالب، و قد قتل بالطف، و هو موضع قرب الكوفة. ـ

301

بحقّكم نالوا ذراها فأصبحوا # يرون به عزّا عليكم و مفخرا

قال: فعاد الحسن بن زيد له إلى ما كان عليه، و لم يزل يصله و يحسن إليه حتى مات. قال أبو يحيى: يعني بقوله: «و إن كان معذرا» أن جعفرا أعطاه بأبياته الثلاثة ألف دينار، فذكر أن له عذرا في مدحه إياه بجزالة إعطائه.

إعجاب أبي السائب المخزومي بشعر له:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد قال:

كنت ليلة عند الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر (على ستة أميال من المدينة، حيال ذي الحليفة) نصف الليل جلوسا في القمر، و أبو السائب المخزوميّ معنا، و كان ذا فضل و كان مشغوفا بالسّماع و الغزل، و بين أيدينا طبق عليه فريك‏[1]فنحن نصيب منه، و الحسن يومئذ عامل المنصور على المدينة؛ فأنشد الحسن قول داود بن سلم و جعل يمدّ به صوته و يطرّبه:

صوت‏

فعرّسنا ببطن عريتنات‏[2] # ليجمعنا و فاطمة المسير

أ تنسى إذ تعرّض و هو باد # مقلّدها كما برق الصّبير[3]

و من يطع الهوى يعرف هواه # و قد ينبيك بالأمر الخبير

/على أني زفرت غداة هرشى‏[4] # فكاد يريبهم منّي الزّفير

-الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة، و أظنّه هذا اللحن-قال: فأخذ أبو السائب الطبق!فوحّش‏[5]به إلى السماء، فوقع الفريك على رأس الحسن بن زيد؛ /فقال له: مالك؟ويحك!أ جننت!فقال له أبو السائب: أسألك باللّه و بقرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلاّ ما أعدت إنشاد هذا الصوت و مددته كما فعلت!قال: فما ملك الحسن نفسه ضحكا، و ردّ الحسن الأبيات لاستحلافه إياه. قال ابن أبي الزّناد: فلما خرج أبو السائب قال لي: يا ابن أبي الزّناد، أ ما سمعت مدّه:

و من يطع الهوى يعرف هواه‏

فقلت نعم؛ قال: لو علمت أنه يقبل مالي لدفعته إليه بهذه الثلاثة الأبيات. أخبرني بخبره عبيد اللّه بن محمد الرازيّ و عمّي قالا حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائني عن أبي بكر الهذليّ.

[1]الفريك: طعام يفرك و يلت بسمن و غيره.

[2]عرس القرم: نزلوا في السفر في آخر الليل للاستراحة ثم يرتحلون. و عريتنات: اسم واد. و قال أبو عبيدة: عريتنات ماء بعدنة.

(راجع «معجم البلدان» و «القاموس» و شرحه مادة عرتن) .

[3]الصبير: السحاب الأبيض لا يكاد يمطر.

[4]هرشى (وزان سكرى) : ثنية قرب الجحفة في طريق مكة يرى منها البحر، و لها طريقان يفضيان بمن سلكهما إلى موضع واحد، و لذلك قال الشاعر:

خذا أنف هرشى أو قفاها فإنما # كلا جانبي هرشى لهن طريق‏

[5]وحش: رمى.

302

ما وقع بين ضبيعة العبسي و ظبية جارية فاطمة بنت عمر بن مصعب:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت:

أرسلتني مولاتي فاطمة في حاجة، فمررت برحبة القضاء، فإذا بضبيعة العبسيّ خليفة جعفر بن سليمان يقضي بين الناس؛ فأرسل إليّ فدعاني، و قد كنت رطّلت‏[1]شعري و ربطت في أطرافه من ألوان العهن؛ فقال: ما هذا؛ فقلت شي‏ء أتملّح به؛ فقال: يا حرسيّ قنّعها بالسّوط. قالت: فتناولت السوط بيدي و قلت: قاتلك اللّه!ما أبين الفرق بينك و بين سعد بن إبراهيم!سعد يجلد الناس في السّماجة، و أنت تجلدهم في الملاحة؛ و قد قال الشاعر:

جلد العادل سعد # ابن سلم في السماجه

فقضى اللّه لسعد # من أمير كلّ حاجة

/قالت: فضحك حتى ضرب بيديه و رجليه، و قال: خلّ عنها. قالت: فكان يسوم بي، و كانت مولاتي تقول: لا أبيعها إلاّ أن تهوى ذلك، و أقول: لا أريد بأهلي بدلا؛ إلى أن مررت يوما بالرّحبة و هو في منظرة دار مروان ينظر؛ فأرسل إليّ فدعاني، فوجدته من وراء كلّة و أنا لا أشعر به، و حازم و جرير جالسان؛ فقال لي حازم:

الأمير يريدك؛ فقلت: لا أريد بأهلي بدلا؛ و كشفت الكلّة عن جعفر بن سليمان، فارتعت لذلك فقلت: آه؛ فقال:

مالك؟فقلت:

سمعت بذكر الناس هندا فلم أزل # أخا سقم حتى نظرت إلى هند

قال: فأبصرت ما ذا؟ويحك!فقلت:

فأبصرت هندا حرّة غير أنها # تصدّى لقتل المسلمين على عمد

قالت: فضحك حتى استلقى، و أرسل إلى مولاتي ليبتاعني؛ فقالت: لا و اللّه لا أبيعها حتى تستبيعني؛ فقلت:

و اللّه لا أستبيعك أبدا.

أرسل شعرا لقثم بن العباس يذكره بجارية كان يهواها:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا يونس بن عبد اللّه عن داود بن سلم قال:

كنت يوما جالسا مع قثم بن العباس قبل أن يملّكوا بفنائه، فمرّت بنا جارية، فأعجب بها قثم و تمنّاها فلم يمكنه ثمنها. فلمّا ولي قثم اليمامة اشترى الجارية إنسان يقال له صالح. قال داود بن سلم: فكتبت إلى قثم:

/

يا صاحب العيس ثم راكبها # أبلغ إذا ما لقيته قثما

أنّ الغزال الذي أجاز بنا # معارضا إذ توسّط الحرما

حوّله صالح فصار مع الإ # نس و خلّى الوحوش و السّلما

قال: فأرسل قثم في طلب الجارية ليشتريها، فوجدها قد ماتت.

[1]رطل شعره: لينه بالدهن و كسره و مشطه و أرسله.

303

وفد على حرب بن خالد و مدحه فأجازه:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن موسى بن طلحة قال حدّثني زهير بن حسن مولى آل الرّبيع‏[1]بن يونس:

أن داود بن سلم خرج إلى حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية؛ فلما نزل به حطّ غلمانه متاع داود و حلّوا عن راحلته؛ فلما دخل عليه أنشأ يقول:

و لمّا دفعت لأبوابهم‏[2] # و لاقيت حربا لقيت النجاحا

وجدناه يحمده المجتدون # و يأبى على العسر إلا سماحا

و يغشون حتى يرى كلبهم # يهاب الهرير و ينسى النّباحا

قال: فأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه في الخروج فأذن له و أعطاه ألف دينار. فلم يعنه أحد من غلمانه و لم يقوموا إليه؛ فظنّ أن حربا ساخط عليه، فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه؛ فقال له: سلهم لم فعلوا بك ذلك.

قال: فسألهم، فقالوا: إننا ننزل من جاءنا و لا نرحل من خرج عنا. قال: فسمع الغاضريّ حديثه فأتاه فحدّثه فقال:

أنا يهوديّ إن لم يكن الذي قال الغلمان أحسن من شعرك.

شعر له في الغزل:

و ذكر محمد بن داود بن الجرّاح أن عمر بن شبّة أنشده ابن عائشة لداود بن سلم، فقال: أحسن و اللّه داود حيث يقول:

لججت من حبّي في تقريبه # و عمّيت عيناي عن عيوبه

كذاك صرف الدهر في تقليبه # لا يلبث الحبيب عن حبيبه

أو يغفر الأعظم من ذنوبه‏

قال: و أنشدني أحمد بن يحيى عن عبد اللّه بن شبيب لداود بن سلم قال:

/

و ما ذرّ[3]قرن الشمس إلا ذكرتها # و أذكرها في وقت كلّ غروب

و أذكرها ما بين ذاك و هذه # و بالليل أحلامي و عند هبوبي

و قد شفّني شوقي و أبعدني‏[4]الهوى # و أعيا الذي بي طبّ كلّ طبيب

و أعجب أنّي لا أموت صبابة # و ما كمد من عاشق بعجيب

و كلّ محبّ قد سلا غير أنني # غريب الهوى، يا ويح كلّ غريب

و كم لام فيها من أخ ذي نصيحة # فقلت له أقصر فغير مصيب‏

[1]في حـ: «مولى الربيع بن يونس» بدون كلمة «آل» .

[2]في ء و إحدى روايتي أ:

«إلى بابهم»

.

[3]ذر: طلع.

[4]كذا في أكثر الأصول. و أبعده: أهلكه و أقصاه. و في ب، س:

«و أبلاني الهوى»

.

304

أ تأمر إنسانا بفرقة قلبه # أ تصلح أجسام بغير قلوب‏

شعر له في مدح قثم بن العباس:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان قال:

كان داود بن‏[1]سلم منقطعا إلى قثم بن العباس، و فيه يقول:

عتقت من حلّي و من رحلتي # يا ناق إن أدنيتني من قثم

إنك إن أدنيت منه غدا # حالفني اليسر و مات العدم

/في وجهه بدر و في كفّه # بحر و في العرنين منه شمم

أصمّ عن قيل الخنا سمعه # و ما عن الخير به من صمم

لم يدر ما «لا» و «بلى» قد درى # فعافها و اعتاض منها «نعم»

قال أبو إسحاق إسماعيل بن يونس قال أبو زيد عمر بن شبّة قال لي إسحاق: لنظم العمياء في هذه الأبيات صنعة عجيبة، و كانت تجيدها ما شاءت (إذا غنتها) [2].

[1]نسب هذا الشعر في «الكامل» للمبرد (ص 369 طبع أوروبا) لسليمان بن قتة مع اختلاف في بعض الألفاظ.

[2]هذه العبارة ساقطة من الأصول ما عدا ب، س.

305

3-أخبار دحمان و نسبه‏

كان مغنيا صالحا مقبول الشهادة ملازما للحج:

دحمان لقب لقب به، و اسمه عبد الرحمن بن عمرو، مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. و يكنى أبا عمرو، و يقال له دحمان الأشقر. قال إسحاق: كان دحمان مع شهرته بالغناء رجلا صالحا كثير الصلاة معدّل الشهادة مدمنا للحجّ؛ و كان كثيرا ما يقول: ما رأيت باطلا أشبه بحق من الغناء.

قال إسحاق: و حدّثني الزّبيريّ أنّ دحمان شهد عند عبد العزيز بن المطّلب‏[بن عبد اللّه‏][1]بن حنطب [المخزوميّ‏][1]، و هو يلي القضاء لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق بشهادة، فأجازها و عدّله‏[2]؛ فقال له العراقيّ: إنه دحمان؛ قال: أعرفه، و لو لم أعرفه لسألت عنه؛ قال: إنه يغنّي و يعلّم الجواري الغناء؛ قال:

غفر اللّه لنا و لك، و أيّنا لا يتغنّى!اخرج إلى الرجل عن حقّه.

مدح أعشى سليم غناءه:

و في دحمان يقول أعشى بني سليم:

إذا ما هزّج الواد # يّ أو ثقّل دحمان

سمعت الشّدو من هذا # و من هذا بميزان

فهذا سيّد الإنس # و هذا سيّد الجانّ‏

و فيه يقول أيضا:

كانوا فحولا فصاروا عند حلبتهم # لمّا انبرى لهم دحمان خصيانا

/فأبلغوه عن الأعشى مقالته # أعشى سليم أبي عمرو سليمانا

قولوا يقول أبو عمرو لصحبته # يا ليت دحمان قبل الموت غنّانا

كان من تلاميذ معبد و أحد رواته:

أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم عن إبراهيم بن المهديّ أنه حدّثه عن ابن جامع و زبير بن دحمان جميعا:

[1]زيادة عن ابن الأثير و الطبري و «تهذيب التهذيب» (ج 6 ص 357) . و عبد العزيز هذا موصوف بالجود و المعرفة بالقضاء و الحكم.

ولي قضاء المدينة في زمن المنصور ثم المهدي، و ولي قضاء مكة. و أمه أم الفضل بنت كليب بن جرير بن معاوية الخفاجية.

[2]كذا في حـ. و عدّله: زكاه. و في سائر الأصول: «و عدلها» .

306

أنّ دحمان كان معدّلا مقبول الشهادة عند القضاة بالمدينة، و كان أبو سعيد مولى فائد أيضا ممن تقبل شهادته.

و كان دحمان من رواة معبد و غلمانه المتقدّمين. قال: و كان معبد في أول أمره مقبول الشهادة، فلما حضر الوليد بن يزيد و عاشره على تلك الهنات و غنّى له سقطت عدالته، [لا لأن شيئا بان عليه من دخول في محظور، و لكن‏][1]لأنه اجتمع مع الوليد على ما كان يستعمله.

منزلته في الغناء عند إبراهيم الموصلي:

أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال قال إسحاق:

كان دحمان يكنى أبا عمرو، مولى بني ليث، و اسمه عبد الرحمن، و كان يخضب رأسه و لحيته بالحنّاء؛ و هو من غلمان معبد. قال إسحاق: و كان أبي لا يضعه بحيث يضعه الناس، و يقول: لو كان عبدا ما اشتريته على/الغناء بأربعمائة درهم. و أشبه الناس به في الغناء ابنه عبد اللّه، و كان يفضّل الزّبير ابنه‏[2]تفضيلا شديدا على عبد اللّه أخيه و على دحمان‏[أبيه‏][3].

كان المهدي يجزل صلته:

أخبرني يحيى عن أبي أيّوب عن أحمد بن المكّيّ عن عبد اللّه بن دحمان قال:

رجع أبي من عند المهديّ و في حاصله مائة ألف دينار.

/أخبرنا إسماعيل بن يونس و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال:

بلغني أنّ المهديّ أعطى دحمان في ليلة واحدة خمسين ألف دينار؛ و ذلك أنه غنّى في شعر الأحوص:

قطوف المشي إذ تمشي # ترى في مشيها خرقا[4]

فأعجبه و طرب، و استخفّه السرور حتى قال لدحمان: سلني ما شئت؛ فقال: ضيعتان بالمدينة يقال لهما ريّان و غالب؛ فأقطعه إيّاهما. فلما خرج التوقيع بذلك إلى أبي عبيد اللّه‏[5]و عمر بن بزيع راجعا المهديّ فيه و قالا: إنّ هاتين ضيعتان لم يملكهما قطّ إلاّ خليفة، و قد استقطعهما ولاة العهود في أيام بني أمية فلم يقطعوهما؛ فقال: و اللّه لا أرجع فيهما إلا بعد أن يرضى؛ فصولح عنهما على خمسين ألف دينار.

نسبة هذا الصوت‏

سرى ذا الهمّ بل طرقا # فبتّ مسهّدا قلقا

كذاك الحبّ مما يحـ # دث التسهيد و الأرقا

[1]هذه العبارة المحصورة بين قوسين زيادة عن ب، س.

[2]في ب، س: «و كان يفضل الزبير ابنه عبد اللّه تفضيلا... إلخ» ، و هو تحريف.

[3]هذه الكلمة ساقطة في ب، س.

[4]قطوف المشي: بطيئته. و خرقا: تحيرا و دهشا. يريد أنها حيية خفرة حتى لترى آثار التحير و الدهش بادية عليها إذا مشت. و في «اللسان» : «و في حديث تزويج فاطمة رضوان اللّه عليها: فلما أصبح دعاها فجاءت خرقة من الحياء، أي خجلة مدهوشة؛ من الخرق و هو التحير. روى أنها أتته تعثر في مرطها من الخجل» .

[5]كذا في حـ. و هو أبو عبيد اللّه معاوية بن عبيد اللّه الأشعري الكاتب الوزير. و في سائر الأصول: «إلى أبي عبد اللّه» ، و هو تحريف.

(راجع الطبري و ابن الأثير في غير موضع) .

307

قطوف المشي إذ تمشى # ترى في مشيها خرقا

و تثقلها عجيزتها # إذا ولّت لتنطلقا

/الشعر للأخوص. و الغناء لدحمان ثقيل أول بالوسطى عن عمرو؛ و ذكر الهشاميّ أنه لابن سريج.

سئل عن ثمن ردائه فأجاب:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق قال:

مرّ دحمان المغنّي و عليه رداء جيّد عدنيّ‏[1]؛ فقال له من حضر: بكم اشتريت هذا يا أبا عمرو؟قال:

ب

ما ضرّ جيراننا إذ انتجعوا

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

ما ضرّ جيراننا إذ انتجعوا # لو أنهم قبل بينهم ربعوا[2]

أحموا[3]على عاشق زيارته # فهو[4]بهجران بينهم قطع‏[5]

و هو كأنّ الهيام خالطه # و ما به غير حبّها ذرع‏[6]

كأنّ لبنى صبير[7]غادية # أو دمية زيّنت بها البيع

اللّه بيني و بين قيّمها # يفرّ عنّي بها و أتّبع‏

اشترى منه الوليد جارية و هو لا يعرفه فلما عرفه أرسل إليه و أكرمه:

أخبرني وكيع عن أبي أيّوب المدينيّ إجازة عن أبي محمد العامريّ الأويسيّ قال:

/كان دحمان جمّالا يكري إلى المواضع و يتّجر، و كانت له مروءة؛ فبينا هو ذات يوم قد أكرى جماله و أخذ ماله إذ سمع رنّة، فقام و اتّبع الصوت، فإذا جارية قد خرجت تبكي؛ فقال لها: /أ مملوكة أنت؟قالت: نعم؛ فقال: لمن؟فقالت: لا مرأة من قريش، و سمّتها له؛ فقال: أ تبيعك؟قالت: نعم، و دخلت إلى مولاتها فقالت: هذا إنسان يشتريني؛ فقالت: ائذني له، فدخل، فسامها حتى استقرّ أمر الثمن بينهما على مائتي دينار، فنقدها إياها و انصرف بالجارية. قال دحمان: فأقامت عندي مدة أطرح عليها و يطرح عليها معبد و الأبجر و نظراؤهما من المغنين؛ ثم خرجت بها بعد ذلك إلى الشأم و قد حذقت، و كنت لا أزال إذا نزلنا أنزل الأكرياء[8]ناحية، و أنزل [1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «غردني» .

[2]ربعوا: تمهلوا و انتظروا.

[3]أحموا: حظروا و منعوا.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «فهم» ، و هو تحريف.

[5]القطع (كصرد) : من يهجر رحمه و يعقها و يقطعها.

[6]الذرع: الطمع. و في حـ: «درع» (بالدال المهملة) و لعلها مصحفة عما أثبتناه. و في سائر الأصول: «ردع» و لا معنى له.

[7]الصبير: السحاب الأبيض الذي يصير بعضه فوق بعض درجا. و الغادية: السحابة تنشأ غدوة.

[8]الأكرياء: جمع كريّ و هو المكاري.

308

معتزلا بها ناحية في محمل و أطرح على المحمل من أعبية[1]الجمّالين، و أجلس أنا و هي تحت ظلّها، فأخرج شيئا فنأكله، و نضع ركوة[2]فيها[3]لنا شراب، فنشرب و نتغنّى حتى نرحل. و لم نزل كذلك حتى قربنا من الشأم. فبينا أنا ذات يوم نازل و أنا ألقي عليها لحني:

صوت‏

لو ردّ ذو شفق حمام منيّة # لرددت عن‏[4]عبد العزيز حماما

صلّى عليك اللّه من مستودع # جاورت بوما[5]في القبور و هاما[6]

/-الشعر لكثيّر[7]يرثي عبد العزيز بن مروان. و زعم بعض الرواة أن هذا الشعر ليس لكثيّر و أنه لعبد الصمد بن عليّ الهشاميّ يرثي ابنا له. و الغناء لدحمان، و لحنه من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر-.

قال: فرددته عليها حتى أخذته و اندفعت تغنّيه، فإذا أنا براكب قد طلع فسلم علينا فرددنا عليه السلام؛ فقال:

أ تأذنون‏[8]لي أن أنزل تحت ظلّكم هذا ساعة؟قلنا نعم، فنزل؛ و عرضت عليه طعامنا و شرابنا فأجاب، فقدّمنا إليه السّفرة فأكل و شرب معنا، و استعاد الصوت مرارا. ثم قال للجارية: أ تغنّين لدحمان شيئا؟قالت نعم. قال: فغنّته أصواتا من صنعتي، و غمزتها ألا تعرّفه أني دحمان؛ فطرب و امتلأ سرورا و شرب أقداحا و الجارية تغنّيه حتى قرب وقت الرحيل؛ فأقبل عليّ و قال: أ تبيعني هذه الجارية؟فقلت نعم؛ قال: بكم؟قلت كالعابث: بعشرة آلاف دينار؛ قال: قد أخذتها بها، فهلمّ دواة و قرطاسا، فجئته بذلك؛ فكتب: «ادفع إلى حامل كتابي هذا حين تقرؤه عشرة آلاف دينار، و استوص به خيرا و أعلمني بمكانه» و ختم الكتاب و دفعه إليّ؛ ثم قال: أ تدفع إليّ الجارية أم تمضي بها معك حتى تقبض مالك؟فقلت: بل أدفعها إليك؛ فحملها و قال: إذا جئت البخراء[9]فسل عن فلان و ادفع كتابي هذا إليه و اقبض منه مالك؛ ثم انصرف بالجارية. قال: و مضيت، فلما وردت البخراء سألت عن اسم الرجل، فدللت عليه، فإذا داره دار ملك، فدخلت عليه و دفعت إليه الكتاب، فقبّله و وضعه/على عينيه، و دعا بعشرة آلاف دينار فدفعها إليّ، و قال: هذا كتاب أمير المؤمنين، و قال لي: اجلس حتى أعلم أمير المؤمنين بك؛ فقلت له: حيث كنت فأنا عبدك و بين يديك، و قد كان أمر لي بأنزال‏[10]و كان بخيلا، فاغتنمت‏[11]ذلك فارتحلت؛ و قد كنت أصبت بجملين، و كانت عدّة أجمالي خمسة عشر فصارت ثلاثة عشر. قال: و سأل عنّي الوليد، فلم يدر القهرمان أين يطلبني؛ فقال [1]الأعبية: جمع عباء و هو ضرب من الأكسية.

[2]الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء.

[3]في ب، س: «ركوة لنا فيها لنا شراب» .

[4]في ب، س: «من» .

[5]في ب، س و «تجريد الأغاني» : «رمسا» .

[6]الهام: طير الليل و هو الصدى، واحده هامة.

[7]نسب هذا الشعر في «تجريد الأغاني» لإسماعيل بن يسار.

[8]في ب: «أ تأذنوا» . و في س: «أ تؤذنوا» ، و كلاهما تحريف.

[9]البخراء: أرض و ماءة على ميلين من القليعة في طرف الحجاز، و بها قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك. و في ب، س: «النجراء» (بنون بعدها جيم) و هو تصحيف.

[10]الأنزال: جمع نزل (بضمتين و بضم فسكون) و هو ما هيئ للضيف أن ينزل عليه.

[11]في جميع الأصول: «فاغتم» ، و لا يستقيم بها الكلام.

309

له الوليد: عدّة جماله خمسة عشر جملا فاردده‏[1]إليّ؛ فلم أوجد، لأنه لم يكن في الرّفقة من معه خمسة عشر جملا، و لم يعرف/اسمي فيسأل عنّي. قال: و أقامت الجارية عنده شهرا لا يسأل عنها، ثم دعاها بعد أن استبرئت‏[2]و أصلح من شأنها، فظلّ معها يومه، حتى إذا كان في آخر نهاره قال لها: غنّيني لدحمان فغنّت؛ و قال لها: زيديني فزادت. ثم أقبلت عليه فقالت: يا أمير المؤمنين، أ و ما سمعت غناء دحمان منه؟قالا لا؛ قالت: بلى و اللّه؛ قال: أقول لك لا، فتقولين بلى و اللّه!فقالت: بلى و اللّه لقد سمعته؛ قال: و ما ذاك؟ويحك!قالت: إنّ الرجل الذي اشتريتني منه هو دحمان؛ قال: أو ذلك هو؟قالت: نعم، هو هو؛ قال: فكيف لم أعلم؟قالت:

غمزني بألاّ أعلمك. فأمر فكتب إلى عامل المدينة بأن يحمل إليه دحمان، فحمل فلم يزل عنده أثيرا[3].

دحمان في مجلس أمير من أمراء المدينة:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثنا ابن جامع قال:

/تذاكروا يوما كبر الأيور بحضرة بعض أمراء المدينة فأطالوا القول؛ ثم قال بعضهم: إنما يكون كبر أير الرجل على قدر حر أمّه؛ فالتفت الأمير إلى دحمان فقال: يا دحمان، كيف أيرك؟فقال له: أيها الأمير، أنت لم ترد أن تعرف كبر أيري، و إنما أردت أن تعرف مقدار حر أمّي. و كان دحمان طيّبا ظريفا.

ظرفه و فكاهة له مع رجل شتمه:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال:

أوّل ما عرف من ظرف دحمان أنّ رجلا مرّ به يوما، فقال له: أير حماري في حر أمّك يا دحيم؛ فلم يفهم ما قاله، و فهمه رجل كان حاضرا معه فضحك؛ فقال: ممّ ضحكت؟فلم يخبره؛ فقال له: أقسمت عليك إلاّ أخبرتني؛ قال: إنه شتمك فلا أحبّ استقبالك بما قاله لك؛ فقال: و اللّه لتخبرنّي كائنا ما كان؛ فقال له: قال: كذا و كذا من حماري في حر أمّك؛ فضحك ثم قال: أعجب و اللّه و أغلظ عليّ من شتمه كنايتك عن أير حماره و تصريحك بحر أمّي لا تكني.

جعفر بن سليمان أمير المدينة و المغنون:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني أبو خالد يزيد بن محمد المهلّبيّ قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن الرّبيع المديني‏[4]قال حدّثني الرّبعيّ المغنّي قال:

قال لنا جعفر بن سليمان و هو أمير المدينة: اغدوا على قصري بالعقيق غدا؛ و كنت أنا و دحمان و عطرّد، فغدوت للموعد، فبدأت بمنزل دحمان و هو في جهينة[5]، فإذا هو و عطرّد قد اجتمعا على قدر يطبخانها، و إذا السماء تبغش‏[6]، فأذكرتهما الموعد، فقالا: أما ترى يومنا هذا ما أطيبه!اجلس حتى نأكل من هذه القدر و نصيب [1]كذا في أكثر الأصول و «تجريد الأغاني» . و في ب، س: «فارددها» ، و هو تحريف.

[2]استبراء الرجل الجارية: ألا يمسها بعد ملكها حتى تبرأ رحمها و يتبين حالها أ هي حامل أم لا.

[3]كذا في أكثر الأصول. و الأثير: المكرم. و في ب، س: «أسيرا» ، و هو تحريف.

[4]في حـ: «المدني» .

[5]كذا في جميع الأصول. و لعلها محرّفة عن: «جهته» إذ جهينة قرية من نواحي الموصل على دجلة، و يبعد أن تكون هي المرادة هنا.

[6]بغشت السماء تبغش (من باب قطع) : أمطرت البغشة و هي المطرة الضعيفة.

310

شيئا/و نستمتع من هذا اليوم؛ فقال: ما كنت لأفعل مع ما تقدم الأمير به إليّ؛ فقالا لي: كأنّا بالأمير قد انحلّ عزمه، و أخذك المطر إلى أن تبلغ، ثم ترجع إلينا مبتلاّ فتقرع الباب و تعود إلى ما سألناك حينئذ. قال: فلم ألتفت إلى قولهما و مضيت، و إذا جعفر مشرف من قصره و المضارب‏[1]تضرب و القدور تنصب؛ فلما كنت بحيث يسمع تغنّيت:

و أستصحب الأصحاب حتى إذا ونوا # و ملّوا من الإدلاج جئتكم وحدي‏

قال: و ما ذاك؟فأخبرته؛ فقال: يا غلام، هات مائتي دينار أو أربعمائة دينار-الشك من إسحاق الموصلي- فانثرها في حجر الرّبعيّ، اذهب الآن فلا تحلّ لها عقدة حتى تريهما إياها؛ فقلت: و ما في يدي من ذلك!يأتيانك غدا فتلحقهما بي؛ قال: ما كنت لأفعل؛ قلت: /فلا أمضي حتى تحلف لي أنك لا تفعل، فحلف. فمضيت إليهما، فقرعت الباب فصاحا و قالا: أ لم نقل لك إن هذه تكون حالك؛ فقلت: كلاّ!فأريتهما الدنانير؛ فقالا: إنّ الأمير لحيّ كريم، و نأتيه غدا فنعتذر إليه فيدعوه كرمه إلى أن يلحقنا بك؛ فقلت: كذبتكما أنفسكما، و اللّه إني قد أحكمت الأمر و وكّدت عليه الأيمان ألاّ يفعل؛ فقالا: لا وصلتك رحم.

غنى هو و ابن جندب بالعقيق:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن منصور بن أبي مزاحم قال أخبرني عبد العزيز بن الماجشون قال:

صلّينا يوما الصبح بالمدينة، فقال قوم: قد سال العقيق، فخرجنا من المسجد مبادرين إلى العقيق، فانتهينا إلى العرصة[2]، فإذا من وراء الوادي قبالتنا دحمان المعيّ و ابن جندب مع طلوع الشمس قد تماسكا بينهما صوتا و هو[3]:

/

أسكن البدو ما سكنت ببدو # فإذا ما حضرت طاب الحضور

و إذا أطيب صوت في الدنيا. قال: و كان أخي يكره السّماع؛ فلمّا سمعه طرب طربا شديدا و تحرّك؛ و كان لغناء دحمان أشدّ استحسانا و حركة و ارتياحا؛ فقال لي: يا أخي، اسمع إلى غناء دحمان، و اللّه لكأنّه يسكب على الماء زيتا.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

أوحش الجنبذان‏[4]فالدّير منها # فقراها فالمنزل المحظور

أسكن البدو ما أقمت ببدو # فإذا ما حضرت طاب الحضور

[1]المضارب: جمع مضرب و هو الفسطاط العظيم.

[2]العرصة (بالفتح) : بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. و بالعقيق عرصتان من أفضل بقاع المدينة و أكرم أصقاعها. ذكر محمد بن عبد العزيز الزهري عن أبيه أن بني أمية كانوا يمنعون البناء في عرصة العقيق ضنا بها، و أن والي المدينة لم يكن يقطع بها قطيعة إلا بأمر الخليفة.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و هو قوله» .

[4]الجنبذ معرب كنبذ بالفارسية، و معناه: الأزج المدوّر كالقبة. و الشاعر هنا يريد به مكانا بعينه. ـ

311

أيّ عيش ألذّه لست فيه # أو ترى نعمة به و سرور

الشعر لحسّان بن ثابت. و الغناء لابن مسجح رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

دحمان و الفضل بن يحيى:

أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن عبد الرحمن عن أبي عثمان البصري قال:

قال دحمان: دخلت على الفضل بن يحيى ذات يوم؛ فلما جلسنا، قام و أومأ إليّ فقمت، فأخذ بيدي و مضى بي إلى منظرة له على الطريق، و دعا بالطعام فأكلنا، ثم صرنا إلى الشراب؛ فبينا نحن كذلك إذ مرّت بنا جارية سوداء حجازيّة تغنّي:

اهجريني أو صليني # كيفما شئت فكوني

أنت و اللّه تحبّيـ # ني و إن لم تخبريني‏

/فطرب و قال: أحسنت!ادخلي فدخلت، فأمر بطعام فقدّم إليها فأكلت، و سقاها أقداحا، و سألها عن مواليها فأخبرته؛ فبعث فاشترها، فوجدها من أحسن الناس غناء و أطيبهم صوتا و أملحهم‏[1]طبعا؛ فغلبتني عليه مدّة و تناساني؛ فكتبت إليه:

أخرجت السّوداء ما كان في # قلبك لي من شدّة الحبّ

فإن يدم ذا منك لا دام لي # متّ من الإعراض و الكرب‏

قال: فلمّا قرأ الرّقعة ضحك، و بعث فدعاني و وصلني، و عاد إلى ما كان عليه من الأنس.

قال/مؤلف هذا الكتاب: هكذا أخبرنا ابن المرزبان بهذا الخبر، و أظنّه غلطا؛ لأنّ دحمان لم يدرك خلافة الرشيد، و إنما أدركها ابناه زبير و عبد اللّه؛ فإما أن يكون الخبر لأحدهما أو يكون لدحمان مع غير الفضل بن يحيى.

[و مما في المائة المختارة من صنعة دحمان‏]

[2]

صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى‏

و إنّي لآتي البيت ما إن أحبّه # و أكثر هجر البيت و هو حبيب

و أغضي على أشياء منكم تسوءني # و أدعى إلى ما سرّكم فأجيب

و أحبس عنك النّفس و النفس صبّة # بقربك و الممشى إليك قريب‏

الشعر للأحوص. و الغناء لدحمان ثقيل أوّل. و قد تقدّمت أخبار الأحوص و دحمان فيما مضى من الكتاب.

[1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و أصلحهم» .

[2]هذه العبارة المحصورة بين قوسين ساقطة في ب، س.

312

صوت من المائة المختارة

حيّيا خولة منّي بالسلام # درّة البحر و مصباح الظلام

لا يكن وعدك برقا خلّبا # كاذبا يلمع في عرض الغمام

و اذكري الوعد الذي واعدتنا # ليلة النصف من الشّهر الحرام‏

الشعر لأعشى همّدان. و الغناء لأحمد النّصبيّ، و لحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. و عروضه من الرّمل. و الخلّب من البرق: الذي لا غيث معه و لا ينتفع بسحابه. و تضرب المثل به العرب لمن أخلف وعده؛ قال الشاعر:

لا يكن وعدك برقا خلّبا # إنّ خير البرق ما الغيث معه‏

و عرض السحابة: الناحية منها.

313

4-أخبار أعشى همدان و نسبه‏

نسبه و كنيته و هو شاعر أموي:

اسمه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحارث بن نظام بن جشم بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عبد الحرّ[1]بن جشم بن حاشد[2]بن جشم بن خيران‏[3]بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن نزار بن أوسلة[4]بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، و يكنى أبا المصبّح، شاعر فصيح، كوفيّ، من شعراء الدولة الأموية. و كان زوج أخت الشّعبيّ الفقيه، و الشعبيّ زوج أخته. و كان أحد الفقهاء القرّاء، ثم ترك ذلك و قال الشعر، و آخى أحمد النّصبي‏[5]بالعشيريّة[6]و البلديّة، فكان إذا قال شعرا غنّى فيه أحمد. و خرج مع ابن الأشعث، فأتي به الحجّاج أسيرا في الأسرى، فقتله صبرا.

قص رؤياه على صهره الشعبي فقال له تترك القرآن و تقول الشعر:

أخبرني‏[7]بما أذكره من جملة أخباره الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ عن محمد بن معاوية الأسدي أنه أخذ أخباره هذه/عن/ابن كناسة عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية و عن غيرهم من رواة الكوفيين. قال حدّثنا عمر بن شبّة و أبو هفّان جميعا عن إسحاق الموصليّ عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ. قال العنزيّ: و أخذت بعضها من رواية مسعود بن بشر عن الأصمعي. و ما كان من غير رواية هؤلاء ذكرته مفردا.

أخبرني المهلّبي أبو أحمد حبيب بن نصر و عليّ بن صالح قالا حدّثنا عمر بن شبّة و أبو هفّان جميعا عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش الهمداني قال:

[1]في «تجريد الأغاني» : «ابن عبد الجن» .

[2]كذا في حـ و كتاب «الاشتقاق» و «تجريد الأغاني» . و في سائر الأصول: «حاشر» ، و هو تحريف.

[3]في «شرح القاموس» (مادة خير) : «قال شيخ الشرف النسابة: هو خيوان بالواو فصحف» .

[4]في ب، س: «واسلة» . و في سائر الأصول: «سلمة» . و التصويب عن كتاب «تجريد الأغاني» و «القاموس» و كتاب «الاشتقاق» .

و ضبط شارح القاموس «أوسلة» (بكسر السين) . و يلاحظ أن صاحب كتاب «الاشتقاق» ذكر أن الخيار بن مالك ولد أوسلة و هو همدان، ثم ولد همدان نوفا و خيران و لذلك تجده أسقط ما بين همدان و أوسلة من أسماء. و في «القاموس» أيضا: «و أوسلة هي همدان» . (راجع كتاب «الاشتقاق» ص 250 طبع مدينة ليبزج) .

[5]في الأصول هنا و فيما يأتي: «النصيبي» . و هو تحريف. (راجع الهامشة رقم 6 ص 344 ج 5 من هذه الطبعة) .

[6]العشيرية: نسبة إلى العشير أو العشيرة و هم رهط الرجل و قبيلته. و سيأتي في ترجمة أحمد النصيبي أنه همداني و أنه من رهط الأعشى الأدنين.

[7]يلاحظ في هذا السند أن الضمائر فيه غير واضحة المراجع.

314

كان الشّعبيّ عامر بن شراحيل زوج أخت أعشى همدان، و كان أعشى همدان زوج أخت الشعبي؛ فأتاه أعشى همدان يوما، و كان أحد القرّاء للقرآن، فقال له: إني رأيت كأني أدخلت بيتا فيه حنطة و شعير، و قيل لي: خذ أيّهما شئت، فأخذت الشّعير؛ فقال: إن صدقت رؤياك تركت القرآن و قراءته و قلت الشعر؛ فكان كما قال:

سر في الديلم أحبته ابنة الأمير هربت معه و شعره في ذلك:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ عن محمد بن معاوية الأسدي عن ابن كناسة، قال العنزي و حدّثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة و الأصمعي قالا، رافق‏[1]روايتهم الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية قال:

كان أعشى همدان أبو المصبّح ممن أغزاه الحجّاج بلد الدّيلم و نواحي دستبي‏[2]، فأسر، فلم يزل أسيرا في أيدي الديلم مدّة. ثم إن بنتا للعلج الذي أسره هويته، /و صارت إليه ليلا فمكّنته من نفسها، فأصبح و قد واقعها ثماني مرّات؛ فقالت له الديلمية: يا معشر المسلمين، أ هكذا تفعلون بنسائكم؟فقال لها: هكذا نفعل كلّنا؛ فقالت له: بهذا العمل نصرتم؛ أ فرأيت إن خلّصتك، أ تصطفيني لنفسك؟فقال لها نعم، و عاهدها. فلما كان الليل حلّت قيوده و أخذت به طرقا تعرفها حتى خلّصته و هربت معه. فقال شاعر من أسرى المسلمين:

فمن كان يفديه من الأسر ماله # فهمدان تفديها الغداة أيورها

و قال الأعشى يذكر ما لحقه من أسر الديلم:

صوت‏

لمن الظّعائن سيرهنّ ترجّف‏[3] # عوم السّفين إذا تقاعس مجذف‏[4]

مرّت بذي خشب‏[5]كأنّ حمولها # نخل بيثرب طلعه متضعّف‏[6]

-غنّى في هذين البيتين أحمد النّصبي، و لحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن عمرو و ابن المكيّ.

و فيهما لمحمد الزّفّ خفيف رمل بالوسطى عن عمرو-:

عولين ديباجا و فاخر سندس # و بخزّ أكسية العراق تحفّف‏

[1]كذا في الأصول. و لعل صواب العبارة: «و وافق روايتهما الهيثم بن عدي... إلخ» .

[2]دستبي (بفتح أوّله و سكون ثانيه و فتح التاء المثناة من فوق و الباء الموحدة) : كورة كانت مقسومة بين الري و همذان، فقسم منها يسمى دستبي الرازيّ و هو يقارب التسعين قرية، و قسم منها يسمى دستبي همذان و هو عدّة قرى. و ربما أضيف إلى قزوين في بعض الأوقات لاتصاله بعملها. و لم تزل دستبي على قسميها إلى أن سعى رجل من سكان قزوين من بني تميم له حنظلة بن خالد فصيرها بقسميها إلى قزوين.

[3]الترجف: الاضطراب الشديد.

[4]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «تجذف» .

[5]ذو خشب (بضم الخاء و الشين) : واد على مسيرة ليلة من المدينة. و قد ذكر كثيرا في الشعر و المغازي. قال بعض بني مرة يصف ناقته:

فمرّت بذي خشب غدوة # و جازت فويق أريك أصيلا

(راجع «معجم البلدان» و كتاب «ما يعوّل عليه في المضاف و المضاف إليه» ) .

[6]كذا في «تجريد الأغاني» ، و الرواية فيه: «حمله متضعف» . و في ب، س: «متعصف» . و في سائر الأصول: «متعطف» .

315

و غدت بهم يوم الفراق عرامس‏[1] # فتل المرافق بالهوادج دلّف‏[2]

/بان الخليط و فاتني برحيله # خود إذا ذكرت لقلبك يشغف

تجلو بمسواك الأراك منظّما # عذبا إذا ضحكت تهلّل ينطف

و كأنّ ريقتها على علل الكرى # عسل مصفّى في القلال و قرقف‏[3]

و كأنما نظرت بعيني ظبية # تحنو على خشف لها و تعطّف

/و إذا تنوء[4]إلى القيام تدافعت # مثل النّزيف‏[5]ينوء ثمّت يضعف

ثقلت روادفها و مال بخصرها # كفل كما مال النّقا المتقصّف

و لها ذراعا بكر رحبيّة # و لها بنان بالخضاب مطرّف‏[6]

و عوارض مصقولة و ترائب # بيض و بطن كالسّبيكة مخطف‏[7]

و لها بهاء في النساء و بهجة # و بها تحلّ الشمس حين تشرّف

تلك التي كانت هواي و حاجتي # لو أن دارا بالأحبّة تسعف

و إذا تصبك من الحوادث نكبة # فاصبر فكل مصيبة ستكشّف

و لئن بكيت من الفراق صبابة # إنّ الكبير إذا بكى ليعنّف

عجبا من الأيام كيف تصرّفت # و الدار تدنو مرّة و تقذّف

أصبحت رهنا للعداة مكبّلا # أمسي و أصبح في الأداهم أرسف

بين القليسم فالقيول فحامن # فاللهزمين و مضجعي متكنّف‏

-هذه أسماء مواضع من بلد الديلم تكنّفته الهموم بها-:

فجبال ويمة ما تزال منيفة # يا ليت أنّ جبال ويمة تنسف‏

-ويمة و شلبة: ناحيتان من نواحي الريّ-:

/

و لقد أراني قبل ذلك ناعما # جذلان آبى أن أضام و آنف

و استنكرت ساقي الوثاق و ساعدي # و أنا امرؤ بادي الأشاجع أعجف‏[8]

و لقد تضرّسني الحروب و إنني # ألفى بكلّ مخافة أتعسّف‏

[1]العرامس: جمع عرمس (كزبرج) و هي الناقة الصلبة.

[2]قتل المرافق: مندمجاتها. و الواحد أفتل و فتلاء، وصف من الفتلة (بالتحريك) و هي اندماج مرفق الناقة. و دلف: جمع دالف و هو الماشي بالحمل الثقيل مقاربا للخطو.

[3]القلال: جمع قلة و هي الجرة العظيمة أو عامة، و قيل الكوز الصغير. و القرقف: الخمر.

[4]تنوء: تنهض بجهد و مشقة.

[5]النزيف: السكران، و من ذهب عقله، و الذي سال دمه حتى يفرط فيضعف.

[6]طرّفت المرأة بنانها: خضبت أطراف أصابعها بالحناء.

[7]مخطف: ضامر.

[8]الأشاجع: أصول الأصابع أو عروق الكف. و أعجف: قليل اللحم.

316

أتسربل الليل البهيم و أستري # في الخبت إذ لا يسترون‏[1]و أوجف

ما إن أزال مقنّعا أو حاسرا # سلف‏[2]الكتيبة و الكتيبة وقّف

فأصابني قوم فكنت أصيبهم # فالآن أصبر للزمان و أعرف

إني لطلاّب التّرات مطلّب # و بكل أسباب المنيّة أشرف

باق على الحدثان غير مكذّب # لا كاسف بالي و لا متأسّف

إن نلت لم أفرح بشي‏ء نلته # و إذا سبقت به فلا أتلهّف

إني لأحمي في المضيق فوارسي # و أكرّ خلف المستضاف‏[3]و أعطف

و أشدّ إذ يكبو[4]الجبان‏[5]و أصطلي # حرّ الأسنّة و الأسنّة ترعف‏

صوت‏

فلئن أصابتني الحروب فربّما # أدعى إذا منع الرّداف فأردف

و لربّما يروى بكفّي لهذم # ماض و مطّرد الكعوب مثقّف‏[6]

و أغير غارات و أشهد مشهدا # قلب الجبان به يطير و يرجف

و أرى مغانم لو أشاء حويتها # فيصدّني عنها غنّى و تعفّف‏

/-غنّى في هذه الأبيات دحمان، و لحنه ثقيل أوّل بالبنصر عن الهشاميّ. قال الهشاميّ: فيها/لمالك خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، و وافقه في هذا ابن المكيّ-قالوا جميعا:

خرج مع جيش الحجاج إلى مكران فمرض و قال شعرا:

ثم ضرب البعث على جيش أهل الكوفة إلى مكران‏[7]، فأخرجه الحجّاج معهم، فخرج إليها و طال مقامه بها و مرض، فاجتواها و قال في ذلك-و أنشدني بعض هذه القصيدة اليزيديّ عن سليمان بن أبي شيخ-:

طلبت الصّبا إذ علا المكبر # و شاب القذال‏[8]و ما تقصر

و بان الشباب و لذّاته # و مثلك في الجهل لا يعذر

[1]في ب، س:

«و اشتدي... لا يشتدون»

و في سائر الأصول: «و أستدي» ، و كلاهما تحريف. و استرى بمعنى سرى.

[2]السلف: المتقدّم.

[3]المستضاف: من يفزع إليه غيره و يلتجئ به، يريد به الكميّ الشجاع.

[4]في حـ و «تجريد الأغاني» : «ينبو» .

[5]كذا في أكثر الأصول و «تجريد الأغاني» . و في ب، س: «الجواد» .

[6]مطرد الكعوب: الرمح، و اطراد كعوبه: تتابعها. و المثقف: المقوّم المسوّى.

[7]مكران (بالضم ثم السكون و أكثر ما تجي‏ء في شعر العرب مشدّدة الكاف مفتوحتها) : ولاية واسعة تشتمل على عدة مدن و قرى و هي بين كرمان من غربيها و سجستان شماليها و البحر جنوبيها و الهند في شرقيها. و قال الإصطخري: هي ناحية واسعة عريسة و الغالب عليها المفاوز و الضر و القحط. (راجع «معجم البلدان» ) .

[8]القذال: جماع مؤخر الرأس، و قيل: ما بين نقرة القفا إلى الأذن.

317

و قال العواذل هل ينتهي # فيقدعه‏[1]الشيب أو يقصر

و في أربعين توفّيتها # و عشر مضت لي مستبصر

و موعظة لامرئ حازم # إذا كان يسمع أو يبصر

فلا تأسفنّ على ما مضى # و لا يحزننّك ما يدبر

فإنّ الحوادث تبلي الفتى # و إنّ الزمان به يعثر

فيوما يساء بما نابه # و يوما يسرّ فيستبشر

و من كلّ ذلك يلقى الفتى # و يمنى له منه ما يقدر

/كأنّي لم أرتحل جسرة # و لم أجفها بعد ما تضمر[2]

فأجشمها كلّ ديمومة[3] # و يعرفها البلد المقفر

و لم أشهد البأس يوم الوغى # عليّ المفاضة و المغفر[4]

و لم أخرق الصفّ حتى تميـ # ل دارعة[5]القوم و الحسّر

و تحتى جرداء خيفانة # من الخيل أو سابح مجفر[6]

أطاعن بالرمح حتى اللّبا # ن‏[7]يجري به العلق الأحمر

و ما كنت في الحرب إذ شمّرت # كمن لا يذيب و لا يخثر[8]

و لكنّني كنت ذا مرّة # عطوفا إذا هتف المحجر[9]

أجيب الصّريخ إذا ما دعا # و عند الهياج أنا المسعر[10]

فإن أمس قد لاح فيّ المشيـ # ب أمّ البنين، فقد أذكر

رخاء من العيش كنّا به # إذ الدهر خال لنا مصحر[11]

و إذ أنا في عنفوان الشبا # ب يعجبني اللّهو و السّمّر

[1]يقدعه: يكفه.

[2]ارتحل الرجل البعير: شد عليه الرحل. و الجسرة: الناقة العظيمة الطويلة. و أجفاها: أتعبها و لم يدعها تأكل و لا علفها قبل ذلك، و ذلك إذا ساقها سوقا شديدا.

[3]الديمومة: الفلاة الواسعة.

[4]المفاضة: الدرع الواسعة. و المعفر: زرد ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة للوقاية به.

[5]دارعة القوم: الفرقة اللابسة الدروع.

[6]الجرداء: القصيرة الشعر. و الخيفانة: السريعة. و المجفر: الواسع الجفرة أي الوسط.

[7]اللبان: الصدر أو وسطه.

[8]لا يذيب و لا يخثر: أي متردد متحير، مأخوذ من المثل: «و ما يدري أ يخثر أم يذيب» . و أصله أن المرأة تسلأ السمن فيختلط خاثره -أي غليظه-برقيقه فلا يصفو؛ فتبرم بأمرها فلا تدري أتوقد حتى يصفو و تخشى إن أوقدت أن يحترق فتحار.

[9]المحجر (كمجلس و منبر) : لعله يريد به هنا ما حول القرية. و منه محاجر أقيال اليمن و هي الأحماء، كان لكل قيل حمى لا يرعاه غيره؛ على أن يكون المعنى إذا هتف أهل المحجر.

[10]المسعر: موقد نار الحرب كأنه آلة في إيقادها.

[11]المصحر: المتسع الواضح المنكشف.

318

/

أصيد الحسان و يصطدنني # و تعجبني الكاعب المعصر[1]

و بيضاء مثل مهاة الكثيـ # ب لا عيب فيها لمن ينظر

كأن مقلّدها إذ بدا # به الدّرّ و الشّذر[2]و الجوهر

مقلّد أدماء نجديّة # يعنّ لها شادن أحور[3]

كأنّ جنى النحل و الزنجبيـ # ل و الفارسيّة[4]إذ تعصر

يصبّ على برد أنيابها # مخالطه المسك و العنبر

/إذا انصرفت و تلوّت بها # رقاق المجاسد[5]و المئزر

و غصّ السّوار و جال الوشاح # على عكن‏[6]خصرها مضمر

و ضاق عن الساق خلخالها # فكاد مخدّمها يندر[7]

فتور القيام رخيم الكلى # م يفزعها الصوت إذ تزجر

و تنمى إلى حسب شامخ # فليست تكذّب إذ تفخر

فتلك التي شفّني حبّها # و حمّلني فوق ما أقدر

فلا تعذلاني في حبّها # فإنّي بمعذرة أجدر

-و من هاهنا رواية اليزيديّ-:

و قولا لذي طرب عاشق: # أشطّ المزار بمن تذكر؟

بكوفيّة أصلها بالفرا # ت تبدو هنالك أو تحضر[8]

/و أنت تسير إلى مكران # فقد شحط الورد و المصدر

و لم تك من حاجتي مكران # و لا الغزو فيها و لا المتجر

و خبّرت عنها و لم آتها # فما زلت من ذكرها أذعر

بأنّ الكثير بها جائع # و أنّ القليل بها مقتر

و أنّ لحى الناس من حرّها # تطول فتجلم‏[9]أو تضفر

[1]المعصر من النساء: التي بلغت شبابها أو أدركت؛ و قيل: التي راهقت العشرين.

[2]الشذر: اللؤلؤ الصغير؛ و قيل: خرز يفصل به بين الجواهر في النظم؛ أو هو قطع من الذهب تلقط من معدنه بدون إذابة الحجارة.

[3]الأدماء من الظباء: البيضاء تعلوها جدد فيهن غبرة. و الشادن: ولد الظبية.

[4]الفارسية: الخمر.

[5]المجاسد: الأثواب التي تلي البدن، جمع مجسد (كمنبر) .

[6]العكن: جمع عكنة، و هي ما انطوى و تثني من لحم البطن سمنا.

[7]المخدم: موضع الخلخال. و ندر الشي‏ء يندر ندورا (من باب نصر) : سقط، و في الحديث: «فضرب رأسه فندر» .

[8]بدا: أقام بالبادية. و حضر: أقام بالحضر.

[9]تجلم: تقطع بالجلم، و هو المقص.

319

و يزعم من جاءها قبلنا # بأنّا سنسهم‏[1]أو ننحر[2]

أعوذ بربّي من المخزيا # ت فيما أسرّ و ما أجهر

و حدّثت أن ما لنا رجعة # سنين و من بعدها أشهر

إلى ذاك ما شاب أبناؤنا # و باد الأخلاّء و المعشر

و ما كان بي من نشاط لها # و إنّي لذو عدّة موسر

و لكن بعثت لها كارها # و قيل انطلق كالذي يؤمر

فكان النّجاء[3]و لم ألتفت # إليهم و شرّهم منكر

هو السيف جرّد من غمده # فليس عن السيف مستأخر

و كم من أخ لي مستأنس # يظلّ به الدمع يستحسر

يودّعني و انتحت عبرة # له كالجداول أو أغزر

فلست بلاقيه من بعدها # يد الدهر[4]ما هبّت الصّرصر

و قد قيل إنكم عابرو # ن بحرا لها لم يكن يعبر

إلى السّند و الهند في أرضهم # هم الجنّ لكنّهم أنكر

/و ما رام غزوا لها قبلنا # أكابر عاد و لا حمير

و لا رام سابور غزوا لها # و لا الشيخ كسرى و لا قيصر

و من دونها معبر واسع # و أجر عظيم لمن يؤجر

قصته مع جارية خالد بن عتاب الرياحي:

و ذكر محمد بن صالح بن النّطّاح أنّ هشام بن محمد الكلبيّ حدّث عن أبيه:

أن أعشى همدان كان مع خالد بن عتّاب بن ورقاء الرّياحيّ بالرّيّ و دستبي‏[9]، و كان الأعشى شاعر أهل اليمن بالكوفة و فارسهم، فلما قدم خالد من مغزاه خرج جواريه يتلقّينه و فيهنّ أمّ ولد له كانت رفيعة القدر عنده، فجعل الناس يمرّون عليها إلى أن جاز بها الأعشى و هو على فرسه يميل يمينا و يسارا من النّعاس؛ فقالت أمّ ولد خالد بن عتّاب لجواريها: إن امرأة خالد لتفاخرني بأبيها و عمّها و أخيها، و هل يزيدون على أن يكونوا مثل هذا الشيخ المرتعش. و سمعها الأعشى فقال: من هذه؟فقال له بعض الناس: هذه جارية خالد؛ فضحك و قال لها: إليك عني يا لكعاء؛ ثم أنشأ يقول:

[1]سهم الرجل (من بابي قطع و كرم) سهوما و سهومة: تغير لونه و بدنه مع هزال و يبس.

[2]كذا بالأصل. و لعلها مصحفة عن: «ننجر» (بالجيم المعجمة) . و نجر الرجل ينجر (من باب علم) : أصابه عطش شديد.

[3]النجاء: السرعة في السير.

[4]يد الدهر: كناية عن الأبد. يقال: لا أفعل كذا يد الدهر، أي أبدا.

[5]انظر الحاشية رقم 2 ص 34 من هذا الجزء.

320

و ما يدريك ما فرس جرور[1] # و ما يدريك ما حمل السّلاح

و ما يدريك ما شيخ كبير # عداه الدهر عن سنن المراح

فأقسم لو ركبت الورد يوما # و ليلته إلى وضح الصّباح

إذا لنظرت منك إلى مكان # كسحق‏[2]البرد أو أثر الجراح‏

قال: فأصبحت الجارية فدخلت إلى خالد فشكت إليه الأعشى؛ فقالت: و اللّه ما تكرم، و لقد اجترئ عليك‏[3]!فقال لها: و ما ذاك؟فأخبرته أنها مرّت برجل في وجه الصبح، و وصفته له و أنه سبّها؛ فقال: ذلك أعشى همدان؛ فأيّ شي‏ء قال لك؟/فأنشدته الأبيات. فبعث إلى الأعشى، فلما دخل عليه قال له: ما تقول؟هذه زعمت أنك هجوتها؛ فقال: أساءت سمعا، إنما قلت:

مررت بنسوة متعطّرات # كضوء الصبح أو بيض الأداحي‏[4]

على شقر البغال فصدن قلبي # بحسن الدّلّ و الحدق الملاح

فقلت من الظباء فقلن سرب # بدا لك من ظباء بني رياح‏

فقالت: لا و اللّه، ما هكذا قال، و أعادت الأبيات؛ فقال له خالد: أما إنّها لو لا أنّها قد ولدت منّي لوهبتها لك، و لكنّي أفتدي جنايتها بمثل ثمنها، فدفعه إليه و قال له: أقسمت عليك يا أبا المصبّح ألاّ تعيد في هذا المعنى شيئا بعد ما فرط منك.

و ذكر هذا الخبر العنزيّ في روايته التي قدّمت ذكرها، و لم يأت به على هذا الشرح.

خبره مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي:

و قال هو و ابن النّطّاح جميعا:

و كان خالد يقول للأعشى في بعض ما يمنّيه إيّاه و يعده به: إن ولّيت عملا كان لك ما دون الناس جميعا، فمتى استعملت فخذ خاتمي و اقض في أمور الناس كيف شئت. قال: فاستعمل خالد على أصبهان و صار معه الأعشى، فلما وصل إلى عمله جفاه و تناساه، ففارقه الأعشى و رجع إلى الكوفة و قال فيه:

تمنّيني إمارتها تميم # و ما أمّي بأمّ بني تميم

و كان أبو سليمان أخا لي # و لكنّ الشّراك‏[5]من الأديم

أتينا أصبهان فهزّلتنا # و كنّا قبل ذلك في نعيم

/أتذكرنا و مرّة إذ غزونا # و أنت على بغيلك ذي الوشوم

/و يركب رأسه في كل وحل # و يعثر في الطريق المستقيم‏

[1]الفرس الجرور: الذي لا ينقاد و لا يكاد يتبع صاحبه.

[2]السحق: الثوب البالي، و يضاف للبيان فيقال: سحق برد و سحق عمامة.

[3]في ب، س: «... و لقد اجترأ» .

[4]الأداحي: جمع أدحية و هي مبيض النعام في الرمل.

[5]الشراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها.

321

و ليس عليك إلا طيلسان # نصيبيّ و إلاّ سحق نيم‏[1]

فقد أصبحت في خزّ و قزّ # تبختر ما ترى لك من حميم

و تحسب أن تلقّاها زمانا # كذبت و ربّ مكة و الحطيم‏

-هذه رواية ابن النطّاح، و زاد العنزيّ في روايته-:

و كانت أصبهان كخير أرض # لمغترب و صعلوك عديم

و لكنّا أتيناها و فيها # ذو و الأضغان و الحقد القديم

فأنكرت الوجوه و أنكرتني # وجوه ما تخبّر عن كريم

و كان سفاهة منّي و جهلا # مسيري لا أسير إلى حميم

فلو كان ابن عتاب كريما # سما لرواية[2]الأمر الجسيم

و كيف رجاء من غلبت عليه # تنائي الدار كالرّحم العقيم‏

قال ابن النّطاح: فبعث إليه خالد: من مرّة هذا الذي ادعيت أني و أنت غزونا معه على بغل ذي وشوم؟و متى كان ذلك؟و متى رأيت عليّ الطّيلسان و النّيم اللذين و صفتهما؟فأرسل إليه: هذا كلام أردت‏[3]وصفك بظاهره، فأمّا تفسيره، فإن مرّة مرارة ثمرة ما غرست عندي من القبيح. و البغل المركب الذي ارتكبته مني لا يزال يعثر بك في كل وعث و جدد و وعر و سهل. و أما الطيلسان فما ألبسك إياه من العار و الذمّ؛ و إن شئت راجعت الجميل فراجعته لك؛ فقال: لا، بل أراجع الجميل و تراجعه؛ فوصله بمال عظيم و ترضّاه. هكذا روى من قدّمت ذكره.

/أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعي قال:

لما ولي خالد بن عتّاب بن ورقاء أصبهان، خرج إليه أعشى همدان، و كان صديقه و جاره بالكوفة، فلم يجد عنده ما يحبّ؛ و أعطى خالد الناس عطايا فجعله في أقلّها و فضّل عليه آل عطارد؛ فبلغه عنه أنه ذمّه فحبسه مدّة ثم أطلقه؛ فقال يهجوه:

و ما كنت ممن ألجأته خصاصة # إليك و لا ممن تغرّ المواعد

و لكنّها الأطماع و هي مذلّة # دنت بي و أنت النازح المتباعد

أ تحبسني في غير شي‏ء و تارة # تلاحظني شزرا و أنفك عاقد[4]

فإنك لا كابني فزارة فاعلمن # خلقت و لم يشبههما لك والد

و لا مدرك ما قد خلا من نداهما # أبوك و لا حوضيهما أنت وارد

و إنك لو ساميت آل عطارد # لبذّتك أعناق لهم و سواعد

و مأثرة عاديّة لن تنالها # و بيت رفيع لم تخنه القواعد

[1]النيم: الفرو، أو هو ثوب ينام فيه من القطيفة.

[2]كذا في الأصول. و لعلها: «لذؤابة الأمر الجسيم» . و ذؤابة الشي‏ء: أعلاه. و تستعار للعز و الشرف و علو الرتبة.

[3]في حـ: «وضعك» .

[4]يريد أنه غضبان معرض عنه. ـ

322

و هل أنت إلا ثعلب في ديارهم # تشلّ‏[1]-فتعسا-أو يقودك قائد

أرى خالدا يختال مشيا كأنه # من الكبرياء نهشل أو عطارد[2]

/و ما كان يربوع شبيها لدارم # و ما عدلت شمس النهار الفراقد

مدح ابن الأشعث و حرّض أهل الكوفة للقتال معه ضد الحجاج:

قالوا: و لما خرج ابن الأشعث على الحجّاج بن يوسف حشد معه أهل الكوفة، فلم يبق من وجوههم و قرّائهم أحد له نباهة إلاّ خرج معه لثقل وطأة الحجّاج عليهم. فكان عامر الشّعبيّ و أعشى همدان ممّن خرج معه، و خرج أحمد النّصبي‏[3]أبو أسامة/الهمداني المغنّي مع الأعشى لالفته إياه، و جعل الأعشى يقول الشعر في ابن الأشعث يمدحه، و لا يزال يحرّض أهل الكوفة بأشعاره على القتال، و كان مما قاله في ابن الأشعث يمدحه:

يأبى الإله و عزة ابن محمد # و جدود ملك قبل آل ثمود

أن تأنسوا بمذمّمين، عروقهم # في الناس إن نسبوا عروق عبيد

كم من أب لك كان يعقد تاجه # بجبين أبلج مقول صنديد

و إذا سألت: المجد أين محلّه # فالمجد بين محمد و سعيد

بين الأشجّ و بين قيس باذخ # بخ بخ لوالده و للمولود

ما قصّرت بك أن تنال مدى العلا # أخلاق مكرمة و إرث جدود

قرم‏[4]إذا سامى القروم ترى له # أعراق مجد طارف و تليد

و إذا دعا لعظيمة حشدت له # همدان تحت لوائه المعقود

يمشون في حلق الحديد كأنهم # أسد الإباء سمعن زأر أسود

و إذا دعوت بآل كندة أجفلوا # بكهول صدق سيّد و مسود

و شباب مأسدة كأنّ سيوفهم # في كلّ ملحمة بروق رعود

ما إن ترى قيسا يقارب قيسكم # في المكرمات و لا ترى كسعيد

طلب من ابن الأشعث في سجستان زيادة عطائه فردّه فقال شعرا:

و قال حمّاد الراوية في خبره: كانت لأعشى همدان مع ابن الأشعث مواقف محمودة و بلاء حسن و آثار مشهورة؛ و كان الأعشى من أخواله، لأن أمّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أمّ عمرو بنت سعيد بن قيس الهمداني. قال: فلما صار ابن الأشعث إلى سجستان جبى مالا كثيرا، فسأله أعشى همدان أن يعطيه منه زيادة على عطائه فمنعه؛ فقال الأعشى في ذلك:

[1]تشل: تطرد.

[2]نهشل و عطارد: قبيلتان من العرب ينتسبان إلى دارم بن مالك بن حنظلة. و خالد-المقصود في الشعر هنا-من رياح و رياح من دارم.

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «النصيبي» و هو تحريف.

[4]القرم: السيد العظيم.

323

/

هل تعرف الدار عفا رسمها # بالحضر[1]فالروضة من آمد[2]

دار لخود طفلة رودة # بانت فأمسى حبّها عامدي‏[3]

بيضاء مثل الشمس رقراقة # تبسم عن ذي أشر[4]بارد

لم يخط[5]قلبي سهمها إذ رمت # يا عجبا من سهمها القاصد

يا أيها القرم الهجان‏[6]الذي # يبطش بطش الأسد اللاّبد

و الفاعل الفعل الشريف الذي # ينمى إلى الغائب و الشاهد

كم قد أسدّي لك من مدحة # تروى مع الصادر و الوارد

و كم أجبنا لك من دعوة # فاعرف فما العارف كالجاحد

نحن حميناك و ما تحتمي # في الرّوع من مثنّى و لا واحد

/يوم انتصرنا لك من عابد # و يوم أنجيناك من خالد

و وقعة الرّيّ التي نلتها # بجحفل من جمعنا عاقد

و كم لقينا لك من واتر # يصرف نابي حنق حارد[7]

ثم وطئناه بأقدامنا # و كان مثل الحيّة الراصد

إلى بلاء حسن قد مضى # و أنت في ذلك كالزاهد

فاذكر أيادينا و آلاءنا # بعودة من حلمك الراشد

/و يوم الأهواز فلا تنسه # ليس النّثا[8]و القول بالبائد

إنا لنرجوك كما نرتجي # صوب الغمام المبرق الراعد

فانفح بكفّيك و ما ضمّتا # و افعل فعال السّيّد الماجد

ما لك لا تعطي و أنت امرؤ # مثر من الطارف و التالد

تجبي سجستان و ما حولها # متكئا في عيشك الراغد

[1]الحضر: مدينة بإزاء تكريت في البرية بينها و بين الموصل و الفرات.

[2]آمد: أعظم مدن ديار بكر، و هي قديمة حصينة مبنية بالحجارة السوداء و على نشز، و يحيط دجلة بأكثرها، و في وسطها عيون و آبار قريبة يتناول ماؤها باليد، و فيها بساتين.

[3]الخود: المرأة الشابة ما لم تصر نصفا. و الطفلة: الرخصة الناعمة. و الرودة: الشابة الحسنة. و عامدي: مضني و مهلكي.

[4]الأشر: التحزيز الذي يكون في الأسنان، يكون خلقة و مصنوعا.

[5]أصلها: «لم يخطئ» فسهلت الهمزة ثم حذفت الياء.

[6]الهجان: الخالص و خيار كل شي‏ء.

[7]صرف نابه و بنابه: حرقه فسمع له صوت. و الحارد: الغاضب.

[8]كذا في حـ. و النثا (بالتحريك و القصر) : ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيّئ. و في سائر الأصول: «الثنا» (بثاء مثلثة بعدها نون) .

324

لا ترهب الدهر و أيامه # و تجرد[1]الأرض مع الجارد

إن يك مكروه تهجنا له # و أنت في المعروف كالراقد

ثم ترى أنّا سنرضى بذا # كلاّ و ربّ الراكع السّاجد

و حرمة البيت و أستاره # و من به من ناسك عابد

تلك لكم أمنيّة باطل # و غفوة من حلم الراقد

ما أنا إن هاجك من بعدها # هيج بآتيك و لا كابد

و لا إذا ناطوك‏[2]في حلقة # بحامل عنك و لا فاقد

فأعط ما أعطيته طيّبا # لا خير في المنكود و الناكد[3]

نحن ولدناك فلا تجفنا # و اللّه قد وصّاك بالوالد

إن تك من كندة في بيتها # فإنّ أخوالك من حاشد[4]

شمّ العرانين و أهل الندى # و منتهى الضّيفان و الرائد

كم فيهم من فارس معلم # وسائس للجيش أو قائد

/و راكب للهول يجتابه # مثل شهاب القبس الواقد

أو ملأ يشفى بأحلامهم # من سفه الجاهل و المارد[5]

لم يجعل اللّه بأحسابنا # نقصا و ما الناقص كالزائد

و ربّ خال لك، في قومه # فرع طويل الباع و الساعد

يحتضر البأس و ما يبتغى # سوى إسار البطل الناجد[6]

و الطعن بالراية مستمكنا # في الصفّ ذي العادية الناهد[7]

فارتح لأخوالك و اذكرهم # و ارحمهم للسّلف العائد

فإنّ أخوالك لم يبرحوا # يربون بالرّفد على الرّافد

/لم يبخلوا يوما و لم يجبنوا # في السّلف الغازي و لا القاعد

و ربّ خال لك في قومه # حمّال أثقال لها واجد

معترف للرزء في ماله # و الحقّ للسائل و العامد

[1]جرد الأرض: جعلها جرداء.

[2]ناطه: علقه.

[3]المنكود: الذي يلح عليه في المسألة. و الناكد: الملح.

[4]حاشد: حي من همدان.

[5]المارد: العاتي و الباغي.

[6]في ب، س: «الماجد» .

[7]الناهد: الأسد.

325

مدح النعمان بن بشير عامل حمص لوساطته له في عطاء:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد الأزدي قال حدّثني عمّي عن العبّاس بن هشام عن أبيه، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن ابن الكلبي، و أخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ، و ذكره العنزيّ عن أصحابه، قالوا جميعا:

خرج أعشى همدان إلى الشأم في ولاية مروان بن الحكم، فلم ينل فيها حظّا؛ فجاء إلى النعمان بن بشير و هو عامل على حمص، فشكا إليه حاله؛ فكلّم له النعمان بن بشير اليمانية و قال لهم: هذا شاعر اليمن و لسانها، و استماحهم له؛ فقالوا: نعم، /يعطيه كلّ رجل منا دينارين من عطائه؛ فقال: لا، بل أعطوه دينارا دينارا و اجعلوا ذلك معجّلا؛ فقالوا: أعطه إيّاه من بيت المال و احتسبها على كلّ رجل من عطائه؛ ففعل النّعمان-و كانوا عشرين ألفا-فأعطاه عشرين ألف دينار و ارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان:

و لم أر للحاجات عند التماسها # كنعمان نعمان النّدى ابن بشير

إذا قال أوفى ما يقول و لم يكن # كمدل إلى الأقوام حبل غرور

متى أكفر النعمان لم ألف شاكرا # و ما خير من لا يقتدي بشكور

فلو لا أخو الأنصار كنت كنازل # ثوى ما ثوى لم ينقلب بنقير[1]

شعره في حرب نصيبين بين المهلب و يزيد بن أبي صخر:

و قال الهيثم بن عديّ في خبره: حاصر المهلّب بن أبي صفرة نصيبين، و فيها أبو قارب يزيد بن أبي صخر و معه الخشبيّة[2]؛ فقال المهلّب: يا أيها الناس، لا يهولنّكم هؤلاء القوم فإنما هم العبيد بأيديها العصيّ. فحمل عليهم المهلّب و أصحابه فلقوهم بالعصيّ فهزموهم حتى أزالوهم عن موقفهم. فدسّ المهلّب رجلا من عبد القيس إلى يزيد بن أبي صخر ليغتاله، و جعل له على ذلك جعلا سنيّا-قال الهيثم: بلغني أنه أعطاه مائتي ألف درهم قبل أن يمضي و وعده بمثلها إذا عاد-فاندسّ له العبديّ فاغتاله فقتله و قتل بعده. فقال أعشى همدان في ذلك:

يسمّون أصحاب العصيّ و ما أرى # مع القوم إلا المشرفيّة من عصا

ألا أيّها اللّيث الذي جاء حاذرا[3] # و ألقى بنا جرمى‏[4]الخيام و عرّصا

/أ تحسب غزو الشأم يوما و حربه # كبيض ينظّمن الجمان المفصصا

و سيرك بالأهواز إذ أنت آمن # و شربك ألبان الخلايا[5]المقرّصا

فأقسمت لا تجبي لك الدهر درهما # نصيبون حتّى تبتلى و تمحّصا

[1]النقير: النكتة في ظهر النواة.

[2]الخشبية: أتباع المختار بن أبي عبيد.

[3]حاذرا: متأهبا مستعدا.

[4]كذا في حـ. و في ب، س:

«و ألقى بنا جرم»

. و في أ، ء:

«و ألقى بنا جرى»

. و الظاهر من السياق أنه اسم موضع. و لم نوفق في المظان التي بين أيدينا إلى وجه الصواب فيه.

[5]الخلايا: الإبل المخلاة للحلب، الواحدة خلية. و المقرص: اللبن الذي يجعل في المقارص ليصير قارصا أي حامضا. و المقارص:

الأوعية التي يقرّص فيها اللبن.

326

و لا أنت من أثوابها الخضر لابس # و لكنّ خشبانا شدادا و مشقصا[1]

فكم ردّ من ذي حاجة لا ينالها # جديع العتيك ردّه اللّه أبرصا

و شيّد بنيانا و ظاهر كسوة # و طال جديع بعد ما كان أوقصا

[تصغير جدع‏[2]جديع بالدال غير معجمة]. و الأبيات التي كان فيها الغناء المذكور معه خبر الأعشى في هذا الكتاب يقولها في زوجة له من همدان يقال لها جزلة، هكذا رواه الكوفيون، و هو الصحيح. و ذكر الأصمعي أنها خولة، هكذا رواه في شعر الأعشى.

طلق زوجته أم الجلال و تزوّج غيرها و شعره في ذلك:

فذكر العنزيّ في أخبار الأعشى المتقدّم إسنادها: أنها كانت عند الأعشى امرأة من قومه يقال لها أمّ الجلال‏[3]، فطالت مدتها معه و أبغضها، ثم خطب امرأة من قومه يقال لها جزلة-و قال الأصمعي: خولة-فقالت له: لا، حتى تطلّق أمّ الجلال؛ فطلّقها؛ و قال في ذلك:

تقادم ودّك أمّ الجلال # فطاشت نبالك عند[4]النّضال

و طال لزومك لي حقبة # فرثّت قوى الحبل بعد الوصال

و كان الفؤاد بها معجبا # فقد أصبح اليوم عن ذاك سالي

/صحا لا مسيئا و لا ظالما # و لكن سلا سلوة في جمال

و رضت خلائفنا كلّها # و رضنا خلائقكم كلّ حال

فأعييتنا في الذي بيننا # تسومينني كلّ أمر عضال

و قد تأمرين بقطع الصديق # و كان الصديق لنا غير قالي

و إتيان ما قد تجنّبته # وليدا و لمت عليه رجالي

أ فاليوم أركبه بعد ما # علا الشّيب منّي صميم القذال‏[5]

لعمر أبيك لقد خلتني # ضعيف القوى أو شديد المحال

هلمّي اسألي نائلا فانظري # أ أحرمك الخير عند السؤال

أ لم تعلمي أنّني معرق # نماني إلى المجد عمّي و خالي

و أنّي إذا ساءني منزل # عزمت فأوشكت منه ارتحالي

فبعض العتاب، فلا تهلكي # فلا لك في ذاك خير و لا لي‏

[1]المشقص: نصل عريض، و قيل: سهم فيه ذلك يرمى به الوحش.

[2]هذه الجملة ساقطة من جميع الأصول ما عدا ب، س.

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول هنا و فيما سيأتي: أم الحلال (بالحاء المهملة) .

[4]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «بعد النصال» .

[5]القذال: جماع مؤخر الرأس، أو هو ما بين نفرة القفا إلى الأذن.

327

فلما بدا لي منها البذا # ء صبّحتها بثلاث عجال

ثلاثا خرجن جميعا بها # فخلّينها ذات بيت و مال

إلى أهلها غير مخلوعة # و ما مسّها عندنا من نكال

فأمست تحنّ حنين اللّقا # ح من جزع إثر من لا يبالي

فحنّي حنينك و استيقني # بأنا اطّرحناك ذات الشمال

و أن لا رجوع فلا تكذبيـ # ن ما حنّت النّيب إثر الفصال

و لا تحسبيني بأنّي ندمـ # ت كلاّ و خالقنا ذي الجلال‏

فقالت له أمّ الجلال: بئس و اللّه بعل الحرّة و قرين الزوجة المسلمة أنت!ويحك!أعددت طول الصحبة و الحرمة ذنبا تسبّني و تهجوني به!ثم دعت عليه أن يبغّضه/اللّه إلى زوجته التي اختارها، و فارقته. فلما انتقلت إلى أهلها؛ و صارت جزلة إليه، و دخل بها لم يحظ عندها، ففركته‏[1]و تنكّرت له و اشتدّ شغفه بها؛ ثم خرج مع ابن الأشعث فقال فيها:

/

حيّيا جزلة منّي بالسّلام # درّة البحر و مصباح الظلام

لا تصدّي بعد ودّ ثابت # و اسمعي يا أمّ عيسى من كلامي‏[2]

إن تدومي لي فوصلي دائم # أو تهمّي لي بهجر أو صرام

أو تكوني مثل برق خلّب # خادع يلمع في عرض الغمام

أو كتخييل سراب معرض # بفلاة أو طروق في المنام

فاعلمي إن كنت لمّا تعلمي # و متى ما تفعلي ذاك تلامي

بعد ما كان الذي كان فلا # تتبعي الإحسان إلا بالتمام

لا تناسي كلّ ما أعطيتني # من عهود و مواثيق عظام

و اذكري الوعد الذي واعدتني # ليلة النّصف من الشهر الحرام

فلئن بدّلت أو خست بنا # و تجرّأت على أمّ صمام‏[3]

[أم صمام: الغدر و الحنث‏][4]:

لا تبالين إذا من بعدها # أبدا ترك صلاة أو صيام‏

[1]فركته: أبغضته.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «من كلام» .

[3]كذا في أكثر الأصول. و في م:

«على أمر صمام»

. و لعل هذا أقرب إلى الصواب، إذ لم نجد في المظان ما يؤيد ما ورد في أكثر الأصول، على أن يكون المعنى: على أمر شديد، و يكون التفسير الذي ورد في ب، س: بأنه الغدر و الحنث تفسيرا بالمراد.

و صمام (وزان قطام) : الداهية الشديدة.

[4]زيادة عن ب، س.

328

راجعي الوصل و ردّي نظرة # لا تلجّي‏[1]في طماح و أثام

/و إذا أنكرت منّي شيمة # و لقد ينكر[2]ما ليس بذام

فاذكريها لي أزل عنها و لا # تسفحي عينيك بالدمع السّجام

و أرى حبلك رثّا خلقا # و حبالي جددا غير رمام‏[3]

عجبت جزلة منّي أن رأت # لمّتي حفّت بشيب كالثّغام‏[4]

و رأت جسمي علاه كبرة # و صروف الدهر قد أبلت عظامي

و صليت الحرب حتى تركت # جسدي نضوا كأشلاء اللّجام‏[5]

و هي بيضاء على منكبها # قطط جعد و ميّال سخام‏[6]

و إذا تضحك تبدي حببا # كرضاب المسك في الرّاح المدام

كملت ما بين قرن فإلى # موضع الخلخال منها و الخدام‏[7]

فأراها اليوم لي قد أحدثت # خلقا ليس على العهد القدام‏

تمثل الشعبي بشعر له فخربه على البصريين في حضرة الأحنف:

أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعيد الكراني قال حدّثنا العمري عن الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ:

أنه أتى البصرة أيام ابن الزبير، فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل الكوفة و أهل البصرة و فاخروا بينهم، إلى أن قال قائل من أهل البصرة: و هل أهل الكوفة إلا خولنا؟استنقذناهم من عبيدهم! (يعني الخوارج) . قال الشعبي: فهجس في صدري أن تمثّلت قول أعشى همدان:

/

أ فخرتم أن قتلتم أعبدا # و هزمتم مرّة آل عزل‏[8]

نحن سقناهم إليكم عنوة # و جمعنا أمركم بعد فشل

فإذا فاخرتمونا فاذكروا # ما فعلنا بكم يوم الجمل

/بين شيخ خاضب عثنونه # و فتى أبيض وضّاح رفل‏[9]

جاءنا يرفل في سابغة # فذبحناه ضحّى ذبح الحمل

و عفونا فنسيتم عفونا # و كفرتم نعمة اللّه الأجلّ‏

[1]لا تلجى (من بابي ضرب و علم) : لا تتمادى. و في الأصول: «لا تلحى» بالحاء المهملة.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «و لقد أنكرت» .

[3]حبل رمام: بال.

[4]الثغام: نبت يكون في الجبل ينبت أخضر ثم يبيض إذا يبس فيشبه به الشيب.

[5]النضو: المهزول. و أشلاء اللجام: حدائده بلا سيور.

[6]القطط: الشعر القصير. و السخام: الشعر اللين الحسن. و في هذا البيت إقواء، و هو اختلاف حركة الرويّ.

[7]كذا في الأصول. و الخدام: الخلاخيل، واحده خدمة (بالتحريك) . و في ب، س: «الحزام» .

[8]العزل: الاعتزال و التنحي. و يريد بآل عزل الخوارج لاعتزالهم جماعة المسلمين.

[9]العثنون: اللحية أو ما فضل منها بعد العارضين. و الرفل من الناس: الطويل الذيل.

329

قال: فضحك الأحنف، ثم قال: يأهل البصرة، قد فخر عليكم الشعبيّ و صدق و انتصف، فأحسنوا مجالسته.

شعر له في هزيمة الزبير الخثعميّ بجلولاء:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا الرياشيّ عن أبي محلّم‏[1]عن الخليل بن عبد الحميد عن أبيه قال:

بعث بشر بن مروان الزبير بن خزيمة الخثعميّ إلى الريّ؛ فلقيه الخوارج بجلولاء[2]، فقتلوا جيشه و هزموه و أبادوا[3]عسكره، و كان معه أعشى همدان، فقال في ذلك:

/

أمّرت خثعم على غير خير # ثم أوصاهم الأمير بسير

أين ما كنتم تعيفون للنا # س و ما تزجرون من كل طير

ضلّت الطير عنكم بجلولا # ء و غرّتكم أماني الزّبير

قدر ما أتيح لي من فلسطيـ # ن على فالج‏[4]ثقال‏[5]و عير

خثعميّ مغصّص جزجمانـ # يّ محلّ غزا مع ابن نمير[6]

مدح الأصمعي شعره و فضله:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم قال:

سألت الأصمعيّ عن أعشى همدان فقال: هو من الفحول و هو إسلامي كثير الشعر؛ ثم قال لي: العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال:

من دعا لي غزيّلي # أربح اللّه تجارته‏

ثم قال: سبحان اللّه!أمثل هذا يجوز على الأعشى؟أن يجزم اسم اللّه عزّ و جلّ و يرفع تجارته و هو نصب. ثم قال لي خلف الأحمر: و اللّه لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين ظنّ أن هذا يقبل منه و أن له من المحل مثل أن يجوّز مثل هذا. قال ثم قال: و مع ذلك أيضا إن قوله:

من دعا لي غزيّلي‏

[1]هو أبو محلم الشيباني. و اسمه محمد بن سعد، و يقال محمد بن هشام بن عوف السعدي. و كان يسمى محمدا و أحمد. أعرابي، أعلم الناس بالشعر و اللغة، و كان يغلظ طبعه و يفخم كلامه و يعرب منطقه. و قال ابن السكيت: أصل أبي محلم من الفرس و مولده بفارس، و إنما انتسب إلى أبي سعد. و قال مؤرج: كان أبو محلم أحفظ الناس، استعار مني جزءا و رده من الغد و قد حفظه في ليلة، و كان مقداره نحو خمسين ورقة. و قال أبو محلم: ولدت في السنة التي حج فيها المنصور. و توفي سنة ثمان و أربعين و مائتين. و له من الكتب «كتاب الأنواء» ، و «كتاب الخيل» ، و «كتاب خلق الإنسان» (راجع «كتاب الفهرست» ص 46 طبع أوروبا) .

[2]جلولاء (بالمد) : طسوج (ناحية) من طساسيج السواد في طريق خراسان بينها و بين خانقين سبعة فراسخ. و بها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة 16 هـ فاستباحهم المسلمون، فسميت جلولاء الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون.

[3]في حـ: «و أبا حوا» .

[4]الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من السند للفحلة.

[5]كذا في ب، س، حـ و الثقال (بالفتح و بالضم) : الثقيل. و في سائر الأصول: «ثفال» (بالفاء) ، و الثفال (بالفتح) : البطي‏ء من الدواب و الناس.

[6]ورد هذا البيت هكذا بالأصول.

330

لا يجوز، إنما هو: من دعا لغزيّلي، و من دعا لبعير ضال.

مدح خالد بن عتاب فأجازه:

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق و محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا[1]حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ قال:

/أملق أعشى همدان فأتى خالد بن عتّاب بن ورقاء فأنشده:

رأيت ثناء الناس بالقول طيبا # عليك و قالوا ماجد و ابن ماجد

بني الحارث السامين للمجد، إنكم # بنيتم بناء ذكره غير بائد

هنيئا لما أعطاكم اللّه و اعلموا # بأني سأطري خالدا في القصائد

فإن يك عتّاب مضى لسبيله # فما مات من يبقى له مثل خالد

فأمر له بخمسة آلاف درهم.

أنشد سابق البربري من شعره عمر بن عبد العزيز فأبكاه:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدّثنا أبو غسّان‏[قال‏][2]:

قال عمر بن عبد العزيز يوما لسابق البربريّ-و دخل عليه-: أنشدني يا سابق شيئا من شعرك تذكّرني به؛ فقال: أو خيرا من شعري؟فقال: هات؛ قال قال أعشى همدان:

و بينما المرء أمسى ناعما جذلا # في أهله معجبا بالعيش ذا أنق‏[3]

/غرّا، أتيح له من حينه عرض # فما تلبّث حتى مات كالصّعق

ثمّت أضحى ضحى من غبّ ثالثة # مقنّعا غير ذي روح و لا رمق

يبكى عليه و أدنوه لمظلمة # تعلى جوانبها بالتّرب و الفلق‏[4]

فما تزوّد ممّا كان يجمعه # إلاّ حنوطا[5]و ما واراه من خرق

و غير نفحة أعواد تشبّ له # و قلّ ذلك من زاد لمنطلق‏

قال: فبكى عمر حتى أخضل لحيته.

هجا شجرة العبسي بشعر أجازه عليه الحجاج:

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الحسين بن محمد بن أبي‏[6]طالب الديناريّ قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية قال:

[1]في جميع الأصول: «قال» ، و هو تحريف.

[2]زيادة عن أ، ء، م.

[3]الأنق (محركة) : الفرح و السرور.

[4]في جميع الأصول: «القلق» (بالقاف) و هو تصحيف.

[5]الحنوط: طيب يخلط للميت خاصة.

[6]كلمة: «أبى» ساقطة في جميع الأصول. راجع الحاشية رقم 2 ص 319 من الجزء الخامس من هذه الطبعة.

331

سأل أعشى همدان شجرة بن سليمان العبسيّ حاجة فردّه عنها، فقال يهجوه:

لقد كنت خيّاطا فأصبحت فارسا # تعدّ إذا عدّ الفوارس من مضر

فإن كنت قد أنكرت هذا فقل كذا # و بيّن لي الجرح الذي كان قد دثر[1]

و إصبعك الوسطى عليه شهيدة # و ما ذاك إلا وخزها[2]الثوب بالإبر

قال و كان يقال: إن شجرة كان خيّاطا، و قد كان ولي للحجّاج بعض أعمال السواد. فلما قدم على الحجّاج قال له: يا شجرة، أرني إصبعك أنظر إليها؛ قال: أصلح اللّه الأمير، و ما تصنع بها؟قال: أنظر إلى صفة الأعشى؛ فخجل شجرة. فقال الحجاج لحاجبه: مر المعطي أن يعطى الأعشى من عطاء شجرة كذا و كذا. يا شجرة، إذا أتاك امرؤ ذو حسب و لسان فاشتر عرضك منه.

أسبره الحجاج و ذكره بشعر قاله ليبكته ثم قتله:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد الأزديّ قال حدّثنا أحمد بن عمرو الحنفيّ عن جماعة-قال المبرّد: أحسب أن أحدهم مؤرّج بن عمرو السّدوسيّ-قالوا:

لما أتي الحجاج بن يوسف الثقفيّ بأعشى همدان أسيرا، قال: الحمد للّه الذي أمكن منك، أ لست القائل:

/

لمّا سفونا[3]للكفور الفتّان # بالسيّد الغطريف عبد الرحمن‏[4]

سار بجمع كالقطا[5]من قحطان # و من معدّ قد أتى ابن عدنان

أمكن ربّي من ثقيف همدان # يوما إلى الليل يسلّي ما كان

إنّ ثقيفا منهم الكذّابان # كذّابها الماضي و كذاب ثان‏

أ و لست القائل:

يا ابن الأشجّ‏[6]قريع كنـ # دة لا أبالي فيك عتبا

أنت الرئيس ابن الرئيـ # س و أنت أعلى الناس كعبا

نبّئت حجّاج بن يو # سف خرّ من زلق فتبّا

فانهض فديت لعلّه # يجلو بك الرحمن كربا

و ابعث عطيّة[7]في الخيو # ل يكبّهنّ عليه كبّا

[1]في ب، س: «دبر» . و هو تصحيف.

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «وخزك » .

[3]كذا في أكثر الأصول. و سفا: خف و أسرع. و في ب، س: «سمونا» .

[4]ورد هذا الشعر في «الطبري» (ق 2 ص 1056) على غير هذا الترتيب و بزيادات كثيرة.

[5]في «الطبري» : «كالدبى» و الدبى: الجراد.

[6]الأشج: هو الأشعث بن قيس الكندي جد عبد الرحمن بن محمد المعني في هذا الشعر. و القريع: السيد.

[7]هو عطية بن عمرو العنبري، و كان على مقدّمة جيوش عبد الرحمن بن الأشعث إلى العراق. و قد بعث إليه الحجاج بالخيل فجعل عطية لا يلقى خيلا إلا هزمها. فقال الحجاج من هذا؟فقيل عطية. فذلك قول الأعشى: و ابعث عطية... إلخ. ـ

332

كلاّ يا عدوّ اللّه، بل عبد الرحمن بن الأشعث هو الذي خرّ من زلق فتبّ، و حار و انكبّ، و ما/لقي ما أحب؛ و رفع بها صوته و اربدّ وجهه و اهتزّ منكباه، فلم يبق أحد في المجلس إلا أهمّته نفسه و ارتعدت فرائصه. فقال له الأعشى بل أنا القائل أيها الأمير:

/

أبى اللّه إلا أن يتم نوره # و يطفئ نار الفاسقين فتخمدا

و ينزل ذلاّ بالعراق و أهله # كما نقضوا[1]العهد الوثيق المؤكّدا

و ما لبث الحجاج أن سلّ سيفه # علينا فولّى جمعنا و تبدّدا

و ما زاحف الحجاج إلا رأيته # حساما ملقّى للحروب معوّدا

فكيف رأيت اللّه فرّق جمعهم # و مزّقهم عرض البلاد و شرّدا

بما نكثوا من بيعة بعد بيعة # إذا ضمنوها اليوم خاسوا[2]بها غدا

و ما أحدثوا من بدعة و عظيمة # من القول لم تصعد إلى اللّه مصعدا

و لمّا دلفنا لابن يوسف ضلّة[3] # و أبرق منا العارضان و أرعدا

قطعنا إليه الخندقين و إنما # قطعنا و أفضينا إلى الموت مرصدا[4]

فصادمنا الحجاج دون صفوفنا # كفاحا و لم يضرب لذلك موعدا

بجند أمير المؤمنين و خيله # و سلطانه أمسى معانا مؤيّدا

ليهنئ أمير المؤمنين ظهوره # على أمة كانوا بغاة و حسّدا

وجدنا بني مروان خير أئمة # و أعظم هذا الخلق حلما و سؤددا

و خير قريش في قريش أرومة # و أكرمهم إلاّ النبيّ محمدا

إذا ما تدبّرنا عواقب أمرنا # وجدنا أمير المؤمنين المسدّدا

سيغلب قوما[5]غالبوا اللّه جهرة[6] # و إن كايدوه كان أقوى و أكيدا

كذاك يضلّ اللّه من كان قلبه # ضعيفا و من والى النفاق و ألحدا

/فقد تركوا الأموال و الأهل خلفهم # و بيضا عليهن الجلابيب خرّدا[7]

ينادينهم مستعبرات إليهم # و يذرين دمعا في الخدود و إثمدا

[1]في «الطبري» (ق 2 ص 1114) : «لما نقضوا» . و فيه رواية أخرى في بعض نسخة أشير إليها في هامشه و هي: «بما نقضوا» .

[2]خاس: غدر و نكث.

[3]الضلة (بالكسر) : ضد الهدى.

[4]مرصدا: مترقبا.

[5]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «قوم» .

[6]كذا في «الطبري» . و في م: «حيلة» . و في سائر الأصول: «جهلة» .

[7]الخرد: جمع خريدة، و هو جمع نادر، لأن فعيلة لا تجمع على فعل، بل القياس: خرائد و خرد (بضمتين) . و الخريدة من النساء البكر التي لم تمسس قط؛ و قيل: هي الحيية الطويلة السكوت الخافضة الصوت الخفرة المستترة قد جاوزت الإعصار و لم تعنس.

333

و إلا تناولهنّ منك برحمة # يكن سبايا و البعولة أعبدا

تعطّف أمير المؤمنين عليهم # فقد تركوا أمر السفاهة و الرّدى

لعلهم أن يحدثوا العام توبة # و تعرف نصحا منهم و تودّدا

لقد شمت‏[1]يا ابن الأشعث العام مصرنا # فظلّوا و ما لاقوا من الطير أسعدا

كما شاءم اللّه النّجير[2]و أهله # بجدّك من قد كان أشقى و أنكدا

فقال من حضر من أهل الشام: قد أحسن أيها الأمير، فخلّ سبيله؛ فقال: أ تظنون أنه أراد المدح!لا و اللّه! لكنه قال هذا أسفا لغلبتكم إياه و أراد به أن يحرّض أصحابه. ثم أقبل عليه فقال له: أ ظننت يا عدوّ اللّه أنك تخدعني بهذا الشعر و تنفلت من يدي حتى تنجو!أ لست القائل!ويحك!.

و إذا سألت: المجد أين محلّه # فالمجد بين محمد و سعيد

/بين الأغرّ و بين قيس باذخ # بخ بخ لوالده و للمولود

/و اللّه لا تبخبخ بعدها أبدا. أ و لست القائل:

و أصابني قوم و كنت أصيبهم # فاليوم أصبر للزمان و أعرف!

كذبت و اللّه، ما كنت صبورا و لا عروفا. ثم قلت بعده:

و إذا تصبك من الحوادث نكبة # فاصبر فكل غيابة ستكشّف‏

أما و اللّه لتكوننّ نكبة لا تنكشف غيابتها عنك أبدا!يا حرسيّ، اضرب عنقه؛ فضرب عنقه.

و ذكر مؤرّج السّدوسيّ أن الأعشى كان شديد التحريض على الحجّاج في تلك الحروب، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه و نزعه عن فرسه، و نزع درعه فوضعها فوق السرج، ثم جلس عليها فأحدث و الناس يرونه، ثم أقبل عليهم فقال لهم: لعلكم أنكرتم ما صنعت!قالوا: أ و ليس هذا موضع نكير؟قال: لا، كلّكم قد سلح في سرجه و درعه خوفا و فرقا، و لكنكم سترتموه و أظهرته؛ فحمي القوم و قاتلوا أشدّ قتال يومهم إلى الليل، و شاعت فيهم الجراح و القتلى، و انهزم أهل الشأم يومئذ، ثم عاودوهم من غد و قد نكأتهم‏[3]الحرب؛ و جاء مدد من أهل الشأم؛ فباكروهم القتال و هم مستريحون فكانت الهزيمة و قتل ابن الأشعث. و قد حكيت هذه الحكاية عن أبي كلدة[4]اليشكريّ أنه فعلها في هذه الوقعة، و ذكر ذلك أبو عمرو الشّيباني في أخبار أبي كلدة[4]، و قد ذكر ما حكاه مع أخباره في موضعه من هذا الكتاب.

[1]رواية هذا البيت في الطبري هكذا:

لقد شأم المصرين فرخ محمد # بحق و ما لاقى من الطير أسعدا

و لعل رواية الأصل كانت: «لقد شأمت» فسهلت الهمزة ثم حذفت. يقال: شأم فلان أصحابه يشأمهم إذا أصابهم شؤم من قبله.

[2]النجير: حصن باليمن قرب حضر موت منيع، لجأ إليه أهل الردة مع الأشعث بن قيس في أيام أبي بكر رضي اللّه عنه فحاصره زياد بن لبيد البياضي حتى افتتحه عنوة و قتل من فيه و أسر الأشعث بن قيس و ذلك في سنة 12 للهجرة (راجع «معجم البلدان» لياقوت) .

[3]نكأ (بالهمز) لغة في نكى بمعنى أثخن و أكثر الجرح و القتل.

[4]في جميع الأصول هنا: «ابن حلزة» و هو تحريف. و قد وردت هذه القصة في أخبار أبي كلدة اليشكري في الجزء العاشر من «الأغاني» (ص 110-120) طبع بولاق. و قد ذكر أبو كلدة هذا في «الشعر و الشعراء» و «الطبري» باسم: أبي جلدة (بالجيم) و ذكره «اللسان» في مادة: كلد (بالكاف) كما في «الأغاني» .

334

5-أخبار أحمد النّصبي و نسبه‏

نسبه، و هو مغن طنبوري كان ينادم عبيد اللّه بن زياد:

النّصبيّ هو صاحب الأنصاب. و أوّل من غنّى بها و عنه أخذ النّصب‏[1]في الغناء هو أحمد بن أسامة الهمداني، من رهط الأعشى الأدنين. و لم أجد نسبه متّصلا فأذكره. و كان يغني بالطّنبور في الإسلام. و كان، فيما يقال، ينادم عبيد اللّه بن زياد سرّا و يغنّيه. و له صنعة كثيرة حسنة لم يلحقها أحد من الطّنبوريّين و لا كثير ممّن يغنّي بالعود.

حديث جحظة عنه:

و ذكره جحظة في كتاب الطّنبوريين فأتى من ذكره بشي‏ء ليس من جنس أخباره و لا زمانه، و ثلبه فيما ذكره.

و كان مذهبه-عفا اللّه عنا و عنه-في هذا الكتاب أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بأقبح ما قدر عليه، و كان يجب عليه ضدّ هذا، لأن من انتسب إلى صناعة، ثم ذكر متقدّمي أهلها، كان الأجمل به أن يذكر محاسن أخبارهم و ظريف قصصهم و مليح ما عرفه منهم لا أن يثلبهم بما لا يعلم و ما يعلم. فكان فيما قرأت عليه من هذا الكتاب أخبار أحمد النّصبي، و به صدّر كتابه فقال: أحمد النّصبي أوّل من غنّى الأنصاب على الطنبور و أظهرها و سيّرها؛ و لم يخدم خليفة و لا كان له شعر و لا أدب.

كان بخيلا مرابيا و مات بفالوذجة حارة:

و حدّثني جماعة من الكوفيّين أنه لم يكن بالكوفة أبخل منه مع يساره، و أنه‏[2]كان يقرض الناس بالرّبا[3]، و أنه اغتصّ في دعوة دعي إليها بفالوذجة حارّة فبلعها فجمعت/أحشاءه فمات. و هذا كلّه/باطل. أما الغناء فله منه صنعة في الثقيل الأول و خفيف الثقيل و الثقيل الثاني، ليس لكثير[4]أحد مثلها. منها الصوت الذي تقدّم ذكره و هو قوله:

حيّيا خولة منّي بالسلام‏

و منها:

سلبت الجواري حليهنّ فلم تدع # سوارا و لا طوقا على النحر مذهبا

[1]النصب: ضرب من الغناء أرق من الحداء.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «مع أنه كان... إلخ» .

[3]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «بعينة» و العينة (بالكسر) : الربا.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «لكبير» و هو تصحيف.

335

و هو من الثقيل الثاني، و الشعر للعديل بن الفرخ‏[1]، و قد ذكرت ذلك في أخباره‏[2].

و منها:

يا أيها القلب المطيع الهوى # أنّى اعتراك الطّرب النازح‏

و هو أيضا من الثقيل الثاني، و أصوات‏[3]كثيرة نادرة تدل على تقدمه.

و أما ما وصفه من بخله و قرضه للناس بالرّبا و موته من فالوذجة حارة أكلها، فلا أدري من من الكوفيين حدّثه بهذا الحديث، ليس يخلو من أن يكون كاذبا، أو نحل هو هذه الحكاية و وضعها هنا، لأن أحمد النّصبي خرج مع أعشى همدان و كان قرابته و إلفه في عسكر ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل. روى ذلك الثّقات من أهل الكوفة و العلم بأخبار الناس، و ذلك يذكر في جملة أخباره.

اتصاله بأعشى همدان و غناؤه بشعره في سليم بن صالح إذ نزلا عليه:

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر و الحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه، و ذكره العنزي في أخبار أعشى همدان المذكورة عنه عن رجاله المسمّين قال:

كان أحمد النّصبي مواخيا لأعشى همدان مواصلا له، فأكثر غنائه في أشعاره مثل صنعته في شعره:

حيّيا خولة منّي بالسلام‏

و

لمن الظّعائن سيرهن ترجّف‏

و

يا أيها القلب المطيع الهوى‏

و هذه الأصوات قلائد صنعته و غرر أغانيه. قال: و كان سبب قوله الشعر في سليم بن صالح بن سعد بن جابر العنبريّ-و كان منزل سليم ساباط[4]المدائن-أن أعشى همّدان و أحمد النّصبيّ خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليم فأحسن قراهما و أمر لدوابّهما بعلوفة[5]و قضيم‏[6]، و أقسم عليهما أن ينتقلا إلى منزله ففعلا، فعرض عليهما الشراب فأنعما به و طلباه فوضعه بين أيديهما و جلسا يشربان؛ فقال أحمد النّصبي للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعرا تمدحه به حتى أغنّي فيه؛ فقال الأعشى يمدحه:

[1]كذا في حـ و «الشعر و الشعراء» (ص 244) و «خزانة الأدب» (حـ 2 ص 368) ، و هو العديل بن الفرخ (بضم الفاء و سكون الراء و خاء معجمة) شاعر إسلامي في الدولة المروانية، و لقبه: العباب (بفتح العين المهملة و تشديد الموحدة الأولى) ، و العباب: اسم كلبه. و في سائر الأصول: «للعديل بن الفرج» (بالجيم) و هو تصحيف.

[2]تقع أخباره في (حـ 20 ص 11-19 طبع بولاق) .

[3]في م، س: «و ذكرت أصوات... إلخ» .

[4]ساباط: موضع بالمدائن لكسرى أبرويز، و هو معرب: «بلاس أباد» ، و بلاس: اسم رجل. و قد ذكره الأعشى في شعر له-يذكر النعمان بن المنذر و كان أبرويز قد حبسه بساباط ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة-منه:

فذاك و ما أنجى من الموت ربه # بساباط حتى مات و هو محرزق‏

(الحرزقة: التضييق) .

[5]العلوفة (بالضم كما في «شرح القاموس» ) : جمع علف، و هو ما تطعمه الدواب.

[6]كذا في حـ. و القضيم: شعير الدابة. و في سائر الأصول: «قضم» . و القضم (بضمتين) جمع قضيم بمعنى الأديم، و اسم الجمع:

«قضم» (بفتحتين) عند سيبويه و قيل هو جمع أيضا، و لم تنص كتب اللغة على جمع للقضيم بمعنى الشعير.

336

/

يا أيها القلب المطيع الهوى # أنّى اعتراك الطّرب النازح

تذكر جملا فإذا ما نأت # طار شعاعا قلبك الطامح

هلاّ تناهيت و كنت امرأ # يزجرك المرشد و النّاصح

مالك لا تترك جهل الصّبا # و قد علاك الشّمط الواضح

فصار من ينهاك عن حبّها # لم تر إلا أنه كاشح

يا جمل ما حبّي لكم زائل # عنّي و لا عن كبدي نازح

حمّلت ودّا لكم خالصا # جدّا إذا ما هزل المازح

ثم لقد طال طلابيكم # أسعى و خير العمل النّاجح

إني توسّمت امرأ ماجدا # يصدق في مدحته المادح

ذؤابة العنبر فاخترته # و المرء قد ينعشه الصالح

/أبلج بهلولا[1]و ظنّي به # أنّ ثنائي عنده رابح

سليم ما أنت بنكس‏[2]و لا # ذمّك لي غاد و لا رائح

أعطيت ودّي و ثنائي معا # و خلّة ميزانها راجح

أرعاك بالغيب و أهوى لك الـ # رّشد و جيبي‏[3]فاعلمن ناصح

إني لمن سالمت سلم و من # عاديت أمسي و له ناطح

في الرأس منه و على أنفه # من نقماتي ميسم لائح

نعم فتى الحيّ إذا ليلة # لم يور فيها زنده القادح

/و راح بالشّول‏[4]إلى أهلها # مغبّرة أذقانها[5]كالح‏[6]

و هبّت الريح شآمية # فانجحر القابس و النابح

قد علم الحيّ إذا أمحلوا # أنك رفّاد لهم مانح

في الليلة القالي قراها التي # لا عابق فيها و لا صابح

فالضيف معروف له حقّه # له على أبوابكم فاتح‏

[1]البهلول: السيد الجامع لكل خير.

[2]النكس (بالكسر) : الضعيف الدني‏ء الذي لا خير فيه و المقصر عن غاية النجدة و الكرم.

[3]كذا في أكثر الأصول. و الجيب: القلب و الصدر. يقال فلان ناصح الجيب أي أمين، و منه قول الشاعر:

و خشنت صدرا جيبه لك ناصح‏

و في ب، س: «و حبي» .

[4]الشول: جمع شائلة على غير قياس. و الشائلة من الإبل: ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر فارتفع ضرعها و جف لبنها.

[5]في حـ: «أرقابها» و في أ، ء، م: «أذنابها» .

[6]الكالح: الأمر الشديد، و هو فاعل «راح» .

337

و الخيل قد تعلم يوم الوغى # أنّك من جمرتها ناضح‏[1]

قال: فغنّى أحمد النّصبيّ في بعض هذه الأبيات، و جارية لسليم في السطح، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها و قالت: إني سمعت من أضيافك شعرا ما سمعت أحسن منه؛ فخرج معها مولاها فاستمع حتى فهم، ثم نزل فدخل عليهما، فقال لأحمد: لمن هذا الشعر و الغناء؟و من أنتما؟فقال: الشعر لهذا، و هو أبو المصبّح أعشى همدان، و الغناء لي، و أنا أحمد النّصبيّ الهمداني؛ فانكبّ على رأس أعشى همدان فقبّله و قال: كتمتماني أنفسكما، و كدتما أن تفارقاني و لم أعرفكما، و لم أعلم خبركما، و احتبسهما شهرا ثم حملهما على فرسين، و قال: خلّفا عندي ما كان من دوابكما، و ارجعا من مغزاكما إليّ. فمضيا إلى مغزاهما، فأقاما حينا ثم انصرفا، فلما شارفا منزله قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبا!قال: و ما هو؟قال: أرى فوق قصر سليم ثعلبا؛ قال: لئن كنت صادقا فما بقي في القرية أحد. فدخلا القرية، /فوجدا سليما و جميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم و انتقل باقيهم.

هكذا ذكر إسحاق، و ذكر غيره: أن الحجاج طالب سليما بمال عظيم، فلم يخرج منه حتى باع كل ما يملكه، و خربت قريته و تفرّق أهلها؛ ثم باعه الحجاج عبدا، فاشتراه بعض أشراف أهل الكوفة، إما أسماء بن خارجة و إما بعض نظرائه، فأعتقه.

نسبة هذا الصوت الذي قال الأعشى شعره‏[2] و صنع أحمد النصبيّ لحنه في سليم‏

صوت‏

يا أيها القلب المطيع الهوى # أنّى اعتراك الطرب النازح

تذكر جملا فإذا ما نأت # طار شعاعا قلبك الطامح

/أعطيت ودّي و ثنائي معا # و خلّة ميزانها راجح

إني تخيرت امرأ ماجدا # يصدق في مدحته المادح

سليم ما أنت بنكس و لا # ذمّك لي غاد و لا رائح

نعم فتى الحيّ إذا ليلة # لم يور فيها زنده القادح

و راح بالشّول إلى أهلها # مغبرّة أذقانها كالح

و هبّت الريح شآمية # فانجحر القابس و النابح‏

الشعر لأعشى همدان. و الغناء لأحمد النّصبي، و لحنه ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.

و ذكر يونس أن فيه لمالك لحنا و لسنان الكاتب لحنا آخر.

[1]الجمرة: القبيلة فيها ثلاثمائة فارس، و قيل: ألف. أو هي كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم لا يحالفون أحدا و لا ينضمون إلى أحد، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لقراع القبائل كما صبرت عبس لقبائل قيس. و الناضح: المدافع الرامي.

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «الذي قاله الأعشى في شعره... إلخ» و هو تحريف.

338

صوت من المائة المختارة

تنكّر من سعدى و أقفر من هند # مقامهما بين الرّغامين‏[1]فالفرد[2]

محلّ لسعدى طالما سكنت به # فأوحش ممن كان يسكنه بعدي‏

الشعر لحمّاد الراوية. و الغناء لعبادل، و لحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، ذكر[3]الهشاميّ أنه للهذليّ، و ذكر عمرو بن بانة أنه لعبادل بن عطيّة[4].

[1]الرغام: اسم رملة بعينها من نواحي اليمامة بالوشم، و قد ثناه الشاعر لضرورة الشعر.

[2]كذا في حـ، ب، س. و الفرد: موضعان. أحدهما (بفتح الفاء) : جبل من جبلين يقال لهما الفردان في ديار سليم بالحجاز. و الآخر (بالكسر) : موضع عند بطن إياد من ديار يربوع. و الظاهر أن كلا الموضعين ليس مرادا هنا لبعد ما بينهما و بين الرغام. و في سائر الأصول: «بالقرد» (بالقاف) و لم نعثر في المظان التي بين أيدينا على موضع بهذا الاسم، و الظاهر أنه اسم موضع قريب من الرغامين.

[3]في جميع الأصول: «و ذكر» بزيادة الواو.

[4]في جميع الأصول هنا: «عقبة» و هو تحريف. و ستأتي ترجمته في هذا الجزء بعد قليل.

339

6-أخبار حماد الراوية و نسبه‏

نسبه و ولاؤه و علمه بأخبار العرب و أيامها:

هو حمّاد بن ميسرة، فيما ذكره الهيثم بن عديّ، و كان صاحبه و راويته و أعلم الناس به، و زعم أنه مولى [بني‏][1]شيبان. و ذكر المدائنيّ و القحذميّ أنه حماد بن سابور، و كان من أعلم الناس بأيام العرب و أخبارها و أشعارها و أنسابها و لغاتها. و كانت ملوك بني أمية تقدّمه و تؤثره و تستزيره، فيفد عليهم و ينادمهم و يسألونه عن أيام العرب و علومها و يجزلون صلته.

حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ و عمّي و إسماعيل العتكيّ قالوا حدّثنا الرّياشيّ قال:

قال الأصمعيّ: كان حمّاد أعلم الناس إذا نصح. قال و قلت لحماد: ممن أنتم؟قال: كان أبي من سبى سلمان بن ربيعة، فطرحتنا[2]سلمان‏[3]لبني شيبان، فولاؤنا لهم. قال: و كان أبوه يسمّى ميسرة، و يكنى أبا ليلى.

قال العتكيّ في خبره: قال الرّياشيّ: و كذلك ذكر الهيثم بن عديّ في أمر حمّاد.

سأله الوليد عن سبب تلقيبه بالراوية فأجابه:

أخبرني عمي قال حدّثني الكراني قال حدّثنا العمري عن العتبيّ و الهيثم بن عديّ و لقيط[4]قالوا:

/قال الوليد بن يزيد لحمّاد الراوية: بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية؟فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه و لم تسمع به، ثم لا أنشد شعرا قديما و لا[5]محدثا إلا ميّزت القديم منه من المحدث؛ فقال: إنّ هذا لعلم و أبيك كثير[6]!فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟قال: كثيرا، و لكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة/قصيدة كبيرة سوى المقطّعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام؛ قال: سأمتحنك في هذا، و أمره بالإنشاد؛ فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكّل به من استحلفه أن يصدقه عنه و يستوفى عليه؛ فأنشده ألفين و تسعمائة قصيدة للجاهليين، و أخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم.

[1]زيادة عن حـ و «مختار الأغاني» و «تجريد الأغاني» .

[2]في ب، س: «فطوحتنا» .

[3]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «سهمان» و هو تحريف.

[4]هو أبو هلال لقيط بن بكر المحاربي الكوفي من بني محارب، من الرواة للعلم المصنفين للكتب، و كان شاعرا سيّئ الخلق، عاش إلى سنة تسعين و مائة، و له من الكتب: «كتاب السمر» ، و «كتاب الحراب و اللصوص» ، و «كتاب أخبار الجن» . (راجع «فهرست ابن النديم» ص 94 طبع أوروبا) .

[5]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «شعرا لقديم و لا محدث» .

[6]كذا في «تجريد الأغاني» و «مختار الأغاني» . و في الأصول: «كبير» (بالباء الموحدة) و هو تصحيف.

340

ما كان بينه و بين مروان بن أبي حفصة في حضرة الوليد:

أخبرني يحيى بن عليّ المنجّم قال حدّثني أبي قال حدّثني إسحاق الموصليّ عن مروان بن أبي حفصة، و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو بكر العامريّ عن الأثرم‏[1]عن مروان بن أبي حفصة قال:

دخلت أنا و طريح بن إسماعيل الثّقفي و الحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد و هو في فرش قد غاب فيها، و إذا رجل عنده، كلّما أنشد شاعر شعرا، وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره و قال: هذا أخذه من موضع كذا و كذا، و هذا المعنى نقله من موضع كذا و كذا من شعر فلان، حتى أتى على أكثر الشعر؛ فقلت: من هذا؟فقالوا: حمّاد الراوية. فلما وقفت بين يدي/الوليد أنشده قلت: ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين و هو لحنة لحّانة؛ فأقبل الشيخ عليّ و قال: يا ابن أخي، إني رجل أكلّم العامة فأتكلم بكلامها، فهل تروي من أشعار العرب شيئا؟فذهب عنّي الشعر كله إلا شعر ابن مقبل؛ فقلت له: نعم، شعر ابن مقبل؛ قال:

أنشد، فأنشدته قوله:

سل الدار من جنبي حبرّ فواهب # إذا ما رأى هضب القليب المضيّح‏[2]

ثم جزت؛ فقال لي: قف فوقفت؛ فقال لي: ما ذا يقول؟فلم أدر ما يقول!فقال لي حماد: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بكلام العرب. يقال: تراءى الموضعان إذا تقابلا.

سأل الهيثم بن عديّ عن معنى شعر فعجز:

حدّثني عمّي قال حدّثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عديّ قال:

قلت لحماد الراوية يوما: ألق عليّ ما شئت من الشعر أفسّره لك؛ فضحك و قال لي: ما معنى قول ابن مزاحم‏[3]الثّماليّ:

تخوّف السير منها تامكا قردا # كما تخوّف عود النّبعة السّفن‏[4]؟

/فلم أدر ما أقول؛ فقال: تخوّف: تنقّص. قال اللّه عزّ و جلّ: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ََ تَخَوُّفٍ أي على تنقّص.

قال الهيثم: ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حمّاد.

[1]هو أبو الحسن علي بن المغيرة صاحب الأصمعي و أبي عبيدة، روى عن جماعة من العلماء و عن فصحاء العرب، و توفي سنة ثلاثين و مائتين. (راجع «فهرست ابن النديم» ص 56 طبع أوروبا) .

[2]كذا في «معجم ما استعجم» . و حبر (بكسر أوّله و ثانيه و بالراء المهملة المشدّدة) : جبل لبني سليم و كذلك واهب. و هضب القليب:

ماء لبني قنفذ من بني سليم، و هناك فتلت بنو قنفذ المقصص العامري. و المضيح (بضم أوّله و فتح ثانيه و تشديد الياء المثناة المفتوحة بعدها حاء مهملة) : ماء لبني البكاء.

و قد ورد هذا البيت في الأصول محرّفا هكذا:

سلى الدار من خنبيّ خبير فذاهب # إذا ما رأى هضب القليب المصبح‏

[3]كذا في «مختار الأغاني» و هامش «لسان العرب» (مادة سفن) . و في جميع الأصول: «مزاحم» . و قد نسب هذا البيت لذي الرمة كما نسب لابن مقبل و لعبد اللّه بن عجلان النهدي. (راجع «اللسان» و «الصحاح» مادتي سفن و خوف) .

[4]التامك: السنام. و القرد: المتلبد الصوف. و السفن: الحديدة التي تبرد بها القسيّ. و رواية هذا البيت في «الصحاح» (مادتي سفن و خوف) :

تخوف الرحل منها... # ... ظهر النبعة السفن‏