الأغاني - ج7

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
225 /
5

الجزء السابع‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء السابع من كتاب الأغاني>

1-أخبار الوليد بن يزيد و نسبه‏

نسبه و كنيته:

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، و يكنى أبا العبّاس. و أمّه أم الحجّاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثّقفيّ، و هي بنت أخي الحجّاج. و فيه يقول أبو نخيلة[1]:

بين أبي العاصي و بين الحجّاج # يا لكما نورا سراج وهّاج

عليه بعد عمّه عقد التّاج‏

و أم يزيد بن عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة. و أمّها أم كلثوم بنت عبد اللّه بن عامر. و أمّ عبد اللّه بن عامر أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم؛ و لذلك قال الوليد بن يزيد:

نبيّ الهدى خالي و من يك خاله # نبيّ الهدى يقهر به من يفاخر

كان شاعرا خليعا مرميا بالزندقة

:

و كان الوليد بن يزيد من فتيان بني أميّة و ظرفائهم و شعرائهم و أجوادهم و أشدّائهم، و كان فاسقا خليعا متّهما في دينه مرميّا بالزندقة؛ و شاع ذلك من أمره و ظهر حتى أنكره الناس فقتل. و له أشعار كثيرة تدلّ على خبثه و كفره. و من الناس من ينفي ذلك عنه و ينكره، و يقول: إنه نحله و ألصق إليه. و الأغلب الأشهر غير ذلك.

ولاه أبوه العهد بعد هشام و طمع هشام في خلعه‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ و أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ عن إسحاق بن أيّوب القرشيّ و جويرية بن أسماء و عامر بن الأسود و المنهال بن عبد الملك و أبي‏[2]عمرو بن المبارك و سحيم بن حفص و غيرهم:

أن يزيد بن عبد الملك لما وجّه الجيوش إلى يزيد[3]بن المهلّب و عقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش [1]أبو نخيلة و هو اسمه. و كنيته أبو الجنيد، شاعر يغلب عليه الرجز، عاصر الدولتين الأموية و العباسية، اتصل ببني هاشم و مدح خلفاء بني العباس في دولتهم و هجا بني أمية. (انظر ترجمته في «الأغاني» حـ 18 ص 139 طبع بولاق)

[2]في الأصول: «أبو عمرو» .

[3]هو يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، كان اتهمه عمر بن عبد العزيز و سجنه فهرب من السجن في آخر خلافة عمر. فلما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة طلبه فخرج عليه و خلعه و حاز البصرة فحاربه يزيد. (انظر «الطبري» ق 2 ص 1379 طبع أوروبا) .

6

و بعث العبّاس بن الوليد بن عبد الملك و عقد له على أهل دمشق، قال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق أهل غدر و إرجاف، و قد وجهتنا محاربين و الأحداث تحدث، و لا آمن أن يرجف أهل العراق و يقولوا: مات أمير المؤمنين و لم يعهد، فيفتّ ذلك في أعضاد أهل الشأم؛ فلو عهدت عهدا لعبد العزيز بن الوليد!قال: غدا.

/و بلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أيّما أحبّ إليك: ولد عبد الملك أو ولد الوليد؟فقال: بل ولد عبد الملك. قال: أ فأخوك أحقّ بالخلافة أم ابن أخيك؟قال: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحقّ بها من ابن أخي. قال: فابنك لم يبلغ، فبايع لهشام ثم لابنك بعد هشام-قال: و الوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة-قال: غدا/أبايع له. فلما أصبح فعل ذلك و بايع لهشام، و أخذ العهد عليه ألاّ يخلع الوليد بعده و لا يغيّر عهده و لا يحتال عليه. فلما أدرك الوليد ندم أبوه، فكان ينظر إليه و يقول: اللّه بيني و بين من جعل هشاما بيني و بينك.

و توفّي يزيد سنة خمس و مائة و ابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة. قالوا[1]: فلم يزل الوليد مكرّما عند هشام رفيع المنزلة مدّة، ثم طمع في خلعه و عقد العهد بعده لابنه مسلمة بن هشام، فجعل يذكر الوليد بن يزيد و تهتّكه و إدمانه على الشراب، و يذكر ذلك في مجلسه و يقوم و يقعد به، و ولاّه الحجّ ليظهر ذلك منه بالحرمين فيسقط؛ فحجّ و ظهر منه فعل كثير مذموم، و تشاغل بالمغنّين و بالشّراب، و أمر مولّى له فحجّ بالناس. فلما حجّ طالبه هشام بأن يخلع نفسه فأبى ذلك؛ فحرمه العطاء و حرم سائر مواليه و أسبابه و جفاه جفاء شديدا. فخرج متبدّيا[2]و خرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّبه‏[3]، و كان يرمى بالزندقة. و دعا هشام الناس إلى خلعه و البيعة لمسلمة بن هشام- و أمّه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي. و كان مسلمة يكنى أبا شاكر؛ كني بذلك لمولّى كان لمروان يكنى أبا شاكر، كان ذا رأي و فضل و كانوا يعظّمونه و يتبركون به-فأجابه إلى خلع الوليد و البيعة لمسلمة بن هشام محمد و إبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميّ و الوليد و عبد العزيز و خالد بن القعقاع بن خويلد العبسيّ و غيرهم من خاصّة هشام. و كتب إلى الوليد: ما تدع شيئا من المنكر إلاّ أتيته و ارتكبته غير متحاش و لا مستتر، فليت شعري ما دينك؟!أ على الإسلام أنت أم لا؟!فكتب إليه الوليد بن يزيد-و يقال: بل قال‏[4]ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى و نحله إيّاه-:

صوت‏

يا أيّها السائل عن ديننا # نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا و ممزوجة # بالسّخن أحيانا و بالفاتر

-غنّاه عمر الوادي رملا بالبنصر-فغضب هشام على ابنه مسلمة، و قال: يعيّرني بك الوليد و أنا أرشّحك للخلافة!فألزم الأدب، و احضر الصلوات. و ولاّه الموسم سنة سبع عشرة و مائة، فأظهر النّسك و قسم بمكة و المدينة أموالا. فقال رجل من موالي أهل المدينة:

يا أيّها السائل عن ديننا # نحن على دين أبي شاكر

[1]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «قال» .

[2]كذا في أكثر النسخ: و تبدّى: أقام بالبادية. و في ب، س: «منتدبا» و هو تصحيف.

[3]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «مؤدبا» .

[4]في ب، س: «بل قال له ذلك» .

7

الواهب البزل‏[1]بأرسانها # ليس بزنديق و لا كافر

قال المدائنيّ: و بلغ خالدا القسريّ ما عزم عليه هشام، فقال: أنا بري‏ء من خليفة يكنى أبا شاكر؛ فبلغت هشاما عنه هذه، فكان ذلك سبب إيقاعه به.

تساب هو و العباس بن الوليد في مجلس هشام‏

:

أخبرني محمد بن الحسن الكنديّ المؤدّب قال حدّثني أبي عن العباس بن هشام قال:

دخل الوليد بن يزيد يوما مجلس هشام بن عبد الملك و قد كان في ذكره قبل أن يدخل، فحمّقه من حضر من بني أميّة. فلما جلس قال له العباس بن الوليد و عمر بن عبد الوليد: كيف حبّك يا وليد للروميّات، فإنّ أباك كان بهنّ مشغوفا؟قال: إني لأحبهنّ؛ و كيف لا أحبهنّ و لن تزال الواحدة منهن قد جاءت بالهجين مثلك-و كانت أمّ العباس روميّة-قال: اسكت فليس الفحل يأتي عسبه‏[2]بمثلي؛ فقال/له الوليد: اسكت يا بن البظراء!قال: أ تفخر عليّ بما قطع من بظر أمك. و أقبل هشام على الوليد فقال له: ما شرابك؟قال: شرابك يا أمير المؤمنين؛ و قام مغضبا فخرج. فقال هشام: أ هذا الذي تزعمون أنّه أحمق!ما هو أحمق، و لكني لا أظنّه على الملّة.

دخل مجلس هشام فعبث بمن كان فيه من وجوه بني أمية

:

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال:

دخل الوليد بن يزيد يوما مجلس هشام/بن عبد الملك و فيه سعيد بن هشام بن عبد الملك و أبو الزّبير مولى مروان و ليس هشام حاضرا؛ فجلس الوليد مجلس هشام، ثم أقبل على سعيد بن هشام فقال له: من أنت؟و هو به عارف؛ قال: سعيد ابن أمير المؤمنين؛ قال: مرحبا بك. ثم نظر إلى أبي الزبير فقال: من أنت؟قال: أبو الزبير مولاك أيها الأمير؛ قال: أنسطاس أنت؟مرحبا بك. ثم قال لإبراهيم بن هشام: من أنت؟قال: إبراهيم بن هشام.

قال: من إبراهيم بن هشام؟و هو يعرفه؛ قال: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل. قال: من إسماعيل؟و هو يعرفه؛ قال: إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة. قال: من الوليد بن المغيرة؟قال: الذي لم يكن جدّك يرى أنه في شي‏ء حتى زوّجه أبي و هو بعض ولد ابنته. قال: يا بن اللّخناء!أ تقول هذا!و ائتخذا[3]. و أقبل هشام؛ فقيل لهما: قد جاء أمير المؤمنين، فجلسا و كفّا. و دخل هشام؛ فما كاد الوليد يتنحّى له عن صدر مجلسه، إلا أنه زحل‏[4]له قليلا؛ فجلس هشام و قال له: كيف أنت يا وليد؟قال: صالح. قال: ما فعلت/برابطك‏[5]؟قال: معملة أو مستعملة. قال: فما فعل ندماؤك؟قال: صالحون، و لعنهم اللّه إن كانوا شرّا ممّن حضرك؛ و قام؛ فقال له هشام:

يا بن اللّخناء!جئوا عنقه؛ فلم يفعلوا و دفعوه رويدا. فقال الوليد:

أنا ابن أبي العاصي و عثمان والدي # و مروان جدّي ذو الفعال و عامر

[1]البازل من الإبل: الذي استكمل السنة الثامنة و طعن في التاسعة.

[2]العسب: طرق الفحل، و قيل: هو ماء الفحل فرسا كان أو بعيرا: يقال: قطع اللّه عسبه أي ماءه و نسله.

[3]ائتخذا: تصارعا.

[4]كذا في «تجريد الأغاني» ، و زحل تنحى. و في الأصول: «دخل» بالدال المهملة و الخاء المعجمة، و هو تحريف.

[5]كذا في أكثر النسخ. و البربط: العود. و في ب، س: «برأيك» . و هو تحريف.

8

أنا ابن عظيم القريتين‏[1]و عرّها # ثقيف و فهر و العصاة الأكابر

نبيّ الهدى خالي و من يك خاله # نبيّ الهدى يقهر به من يفاخر

مات مسلمة بن عبد الملك فرثاه‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال:

كان هشام بن عبد الملك يكثر تنقّص الوليد بن يزيد؛ فكان مسلمة يعاتب هشاما و يكفّه؛ فمات مسلمة؛ فغمّ الوليد و رثاه فقال:

صوت‏

أنانا بريدان من واسط # يخبّان بالكتب المعجمة

أقول و ما البعد إلاّ الرّدى # أ مسلم لا تبعدن‏[2]مسلمة

فقد كنت نورا لنا في البلاد # تضي‏ء فقد أصبحت مظلمة

كتمنا نعيّك نخشى اليقين # فجلّى اليقين عن الجمجمة[3]

/و كم من يتيم تلافيته # بأرض العدوّ و كم أيّمه

و كنت إذا الحرب درّت دما # نصبت لها راية معلمه‏

/غنّى في هذه الأبيات التي أوّلها:

أقول و ما البعد إلا الرّدى‏

يونس خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و ذكر الهشاميّ أن فيه ثقيلا أوّل ينسب إلى أبي كامل‏[4]و عمر الوادي. و ذكر حبش أن ليونس فيه رملا بالبنصر.

أخبرني الطّوسيّ و الحرميّ بن أبي العلاء قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني موسى بن زهير بن مضرّس بن منظور بن زبّان بن سيّار عن أبيه قال:

رأيت هشام بن عبد الملك و أنا في عسكره يوم توفّي مسلمة بن عبد الملك و هشام في شرطته، إذ طلع الوليد بن يزيد على الناس و هو نشوان يجرّ مطرف خزّ عليه؛ فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى؛ و قد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن يرى‏[5]، و اختلّ الثغر فوهى، و على أثر من سلف يمضي من [1]القريتان: مكة و الطائف. و اختلف في عظيم القريتين، فقيل: الوليد بن المغيرة بمكة و عروة بن مسعود الثقفي بالطائف. و قال ابن عباس: الوليد بن المغيرة من مكة و من الطائف حبيب بن عميرة الثقفي.

[2]لا تبعدن: لا تهلكن.

[3]جلى عن الشي ء: كشفه و أظهره. و الجمجمة: إخفاء الكلام.

[4]ستأتي ترجمته في هذا الجزء.

[5]كذا بالأصول.

9

خلف؛ فتزوّدوا، فإنّ خير الزاد التّقوى. فأعرض عنه هشام و لم يردّ جوابا؛ و وجم الناس فما همس أحد بشي‏ء.

قال: فمضى الوليد و هو يقول:

أ هينمة[1]حديث القوم أم هم # سكوت بعد ما متع‏[2]النهار

عزيز كان بينهم نبيّا # فقول القوم وحي لا يحار

كأنّا بعد مسلمة المرجّى # شروب طوّحت بهم عقار

أو الاّف هجان في قيود # تلفّت كلّما حنّت ظؤار[3]

فليتك لم تمت و فداك قوم # تريح غبيّهم عنّا[4]الدّيار

/سقيم الصّدر أو شكس نكيد # و آخر لا يزور و لا يزار

يعني بالسّقيم الصدر يزيد بن الوليد، و يعني بالشّكس هشاما، و الذي لا يزور و لا يزار مروان بن محمد.

أراد هشام خلعه من ولاية العهد فقال شعرا

:

قال الزّبير و حدّثني محمد بن الضّحاك عن أبيه قال:

أراد هشام أن يخلع الوليد و يجعل العهد لولده؛ فقال الوليد:

كفرت يدا من منعم لو شكرتها # جزاك بها الرحمن ذو الفضل و المنّ

رأيتك تبني جاهدا في قطعيتي # و لو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبنى

أراك على الباقين تجني ضغينة # فيا ويحهم إن متّ من شرّ ما تجني

كأنّي بهم يوما و أكثر قولهم # أيا ليت أنّا، حين «يا ليت» لا تغي‏

أمره هشام بطرد عبد الصمد فطرده و لما اضطهد أعوانه ذمه بشعر

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال:

عتب هشام على الوليد و خاصّته. فخرج الوليد و معه قوم من خاصّته و مواليه فنزل بالأبرق بين أرض بلقين و فزارة على ماء يقال له الأغدف، و خلّف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك ليكاتبه بما يحدث، و أخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى. فشربوا يوما؛ فقال له الوليد: يا أبا وهب، قل أبياتا نغنّي فيها؛ فقال أبياتا، و أمر عمر الوادي فغنّى فيها و هي:

صوت‏

/

أ لم تر للنّجم إذ سبّعا[5] # يبادر في برجه المرجعا

[1]الهينمة: الكلام الخفيّ لا يفهم.

[2]متع النهار: بلغ غاية ارتفاعه قبل الزوال، و قيل: متع النهار: طال و امتدّ.

[3]الظؤار: جمع نادر، مفرده ظئر و هي الناقة العاطفة على غير ولدها المرضعة له.

[4]كذا في ء و هامش أ؛ و في سائر الأصول: «عنها» .

[5]سبعا: أقام سبع ليال.

10

تحيّر عن قصد مجراته # إلى‏[1]الغور و التمس المطلعا

/فقلت و أعجبني شأنه # و قد لاح إذ لاح لي مطمعا

لعلّ الوليد دنا ملكه # فأمسى إليه‏[2]قد استجمعا

و كنّا نؤمّل في ملكه # كتأميل ذي الجذب أن يمرعا

عقدنا له محكمات الأمو # ر طوعا و كان لها موضعا

فروي هذا الشعر، و بلغ هشاما، فقطع عن الوليد ما كان يجري عليه و على أصحابه و حرمهم؛ و كتب إلى الوليد: قد بلغني أنّك اتّخذت عبد الصمد خذنا و محدّثا و نديما؛ و قد حقّق ذلك ما بلغني عنك، و لن أبرّئك من سوء؛ فأخرج عبد الصمد مذموما. قال: فأخرجه الوليد و قال:

لقد قذفوا أبا وهب بأمر # كبير بل يزيد على الكبير

و أشهد أنهم كذبوا عليه # شهادة عالم بهم خبير

فكتب الوليد إلى هشام بأنه قد أخرج عبد الصمد، و اعتذر إليه من منادمته، و سأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه-و كان من خاصّة الوليد-فضرب هشام ابن سهيل و نفاه و سيّره-و كان ابن سهيل من أهل النّباهة، و قد ولي الولايات، ولي دمشق مرارا و ولي غيرها-و أخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه ضربا مبرّحا و ألبسه المسوح و قيّده و حبسه، فغمّ ذلك الوليد فقال: من يثق بالناس!و من يصنع المعروف!هذا الأحول المشئوم قدّمه أبي على ولده و أهل بيته و ولاّه و هو يصنع بي ما ترون، و لا يعلم أنّ لي في أحد هوى إلاّ أضرّ به؛ كتب إليّ بأن أخرج عبد الصمد فأخرجته، و كتبت إليه في أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليّ فضربه و طرده و قد علم رأيي فيه؛ و عرف مكان عياض منّي و انقطاعه إليّ فضربه و حبسه، يضارّني بذلك؛ اللهمّ أجرني منه. ثم قال الوليد:

صوت‏

أنا النّذير لمسدي نعمة أبدا # إلى المقاريف‏[3]لمّا يخبر الدّخلا

إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بطروا # و إن أهنتهم ألفيتهم ذللا

أ تشمخون و منّا رأس نعمتكم # ستعلمون إذا أبصرتم الدّولا

انظر فإن أنت لم تقدر على مثل # لهم سوى الكلب فاضربه لهم مثلا

بينا يسمّنه للصيد صاحبه # حتى إذا ما استوى من بعد ما هزلا

عدا عليه فلم تضرره عدوته # و لو أطاق له أكلا لقد أكلا

غنّاه مالك خفيف ثقيل من رواية الهشاميّ.

[1]كذا في ء، م و هامش أ. و في سائر الأصول: «أتى» .

[2]في س: «عليه» .

[3]المقاريف: الأنذال، و المقرف أيضا: الذي أمه عربية و أبوه غير عربي.

11

شعره في الفخر على هشام‏

:

قال: و قال الوليد أيضا يفتخر على هشام:

صوت‏

أنا الوليد أبو العباس قد علمت # عليا معدّ مدى كرّي و إقدامي

إني لفي الذّروة العليا إذا انتسبوا # مقابل‏[1]بين أخوالي و أعمامي

/بنى لي المجد بان لم يكن وكلا # على منار مضيئات و أعلام

حللت من جوهر الأعياص‏[2]قد علموا # في باذخ مشمخرّ العزّ قمقام‏[3]

صعب المرام يسامي النّجم مطلعه # يسمو إلى فرع طود شامخ سامي‏

غنّاه عمر الوادي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.

/و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثني مصعب الزّبيريّ قال:

بعث الوليد بن يزيد إلى هشام بن عبد الملك راويته فأنشده قوله:

أنا الوليد أبو العباس قد علمت # عليا معدّ مدى كرّي و إقدامي‏

فقال هشام: و اللّه ما علمت له معدّ كرّا و لا إقداما، إلا أنه شرب مرّة مع عمّه بكّار بن عبد الملك فعربد عليه و على جواريه؛ فإن كان يعني ذلك بكّره و إقدامه فعسى.

عابه هشام و الزهري فحقد عليهما

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو ابن أبي سعد قال حدّثت أن أبا الزّناد قال:

دخلت على هشام بن عبد الملك و عنده الزّهريّ و هما يعيبان الوليد، فأعرضت و لم أدخل في شي‏ء من ذكره.

فلم ألبث أن استؤذن للوليد فأذن له، فدخل و هو مغضب فجلس قليلا ثم نهض. فلما مات هشام و ولي الوليد كتب إلى المدينة فحملت فدخلت عليه؛ فقال: أ تذكر قول الأحول و الزهريّ؟قلت: نعم، و ما عرضت في شي‏ء من أمرك؛ قال: صدقت؛ أ تدري من أبلغني ذلك؟قلت لا؛ قال: الخادم الواقف على رأسه، وايم اللّه لو بقي الفاسق الزهريّ لقتلته. ثم قال: ذهب هشام بعمري؛ فقلت: بل يبقيك اللّه يا أمير المؤمنين، و قام و صلّى العصر. ثم جلس يتحدّث إلى المغرب ثم صلّى المغرب و دعا بالعشاء فتعشّيت معه ثم جلس يتحدّث حتى صلّى العتمة، ثم تحدّثنا قليلا ثم قال: اسقينني فأتينه‏[4]بإناء مغطّى، و جاء/جوار فقمن بيني و بينه فشرب و انصرفن؛ و مكث قليلا ثم قال:

[1]المقابل: الكريم النسب من قبل أبويه. قال الشاعر:

إن كنت في بكر تمت خئولة # فأنا المقابل في ذوي الأعمام‏

.

[2]الأعياص من قريش: أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، و هم أربعة: العاص و أبو العاص و العيص و أبو العيص.

[3]القمقام هنا: العدد الكثير قال الشاعر:

من نوفل في الحسب القمقام‏

.

[4]في الأصول: «فأقره» .

12

اسقينني ففعلن مثل ذلك. و ما زال و اللّه ذلك دأبه حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحا.

و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب عن أبي الزّناد قال:

أجمع الزّهريّ على أن يدخل إلى بلاد الروم إن ولي الوليد بن يزيد؛ فمات الزهريّ قبل ذلك.

عابه بعض بني مروان بالشراب فلعنهم و قال شعرا

:

قال المدائنيّ: و بلغ الوليد أنّ العباس بن الوليد و غيره من بني مروان يعيبونه بالشّراب؛ فلعنهم و قال: إنهم ليعيبون عليّ ما لو كانت لهم فيه لذّة ما تركوه، و قال هذا الشعر، و أمر عمر الوادي أن يغنّي فيه-و هو من جيّد شعره و مختاره. و فيه غناء قديم ذكره يونس لعمر الوادي غير مجنّس-:

صوت‏

و لقد قضيت-و إن تجلّل لمّتي # شيب-على رغم العدا لذّاتي

من كاعبات كالدّمى و مناصف # و مراكب للصيد و النّشوات

في فتية تأبى الهوان وجوههم # شمّ الأنوف جحاجح سادات

إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها # أو يطلبوا لا يدركوا بترات‏

الكتابان المتبادلان بينه و بين هشام‏

:

حدّثني‏[1]المنهال بن عبد الملك قال: كتب الوليد إلى هشام‏[2]: «قد بلغني أحدث أمير/المؤمنين من قطع ما قطع عنّي و محو من محا من أصحابي، و أنّه حرمني و أهلي. و لم أكن أخاف أن يبتلي اللّه أمير المؤمنين بذلك فيّ و لا ينالني مثله/منه، و لم يبلغ استصحابي لابن سهيل و مسألتي في أمره أن يجري عليّ ما جرى. و إن كان ابن سهيل على ما ذكره أمير المؤمنين، فبحسب العير أن يقرب من الذئب. و على ذلك فقد عقد اللّه لي من العهد و كتب لي من العمر و سبّب لي من الرزق ما لا يقدر أحد دونه تبارك و تعالى على قطعه عنّي دون مدّته و لا صرفه عن مواقعه المحتومة له. فقدر اللّه يجري على ما قدّره فيما أحبّ الناس و كرهوا، لا تعجيل لآجله و لا تأخير لعاجله؛ و الناس بعد ذلك يحتسبون الأوزار و يقترفون الآثام على أنفسهم من اللّه بما يستوجبون العقوبة عليه. و أمير المؤمنين أحقّ بالنظر في ذلك و الحفظ له. و اللّه يوفّق أمير المؤمنين لطاعته، و يحسن القضاء له في الأمور بقدرته. و كتب إليه الوليد في آخر كتابه:

أ ليس عظيما أن أرى كلّ وارد # حياضك يوما صادرا بالنّوافل

فأرجع محمود[3]الرّجاء مصرّدا # بتحلئة عن ورد تلك المناهل

فأصبحت مما كنت آمل منكم # و ليس بلاق ما رجا كلّ آمل‏

[1]راجع نص هذين الكتابين في «الطبري» (قسم 2 ص 1746 طبع أوروبا) .

[2]كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «قال بلغني» و هو تحريف.

[3]كذا بالأصول.

13

كمقتبض يوما على عرض هبوة[1] # يشدّ عليها كفّه بالأنامل‏

فكتب إليه هشام: «قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع و غير ذلك. و أمير المؤمنين يستغفر اللّه من إجرائه ما كان يجري عليك، و لا يتخوّف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع و محو من محا من صحابتك، لأمرين: أمّا أحدهما فإنّ أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك.

و أما الآخر فإثبات صحابتك و أرزاقهم دارّة عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم و هم معك تجول بهم في سفهك. و أمير المؤمنين/يرجو أن يكفّر اللّه عنه ما سلف من إعطائه إيّاك باستئنافه قطعه عنك. و أما ابن سهيل، فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوؤك ما جرى عليه لما جعله اللّه لذلك أهلا. و هل زاد ابن سهيل، للّه أبوك، على أن كان زفّانا[2]مغنيّا قد بلغ في السّفه غايته!و ليس مع ذلك ابن سهيل بشرّ ممّن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزّه أمير المؤمنين نفسه عنها مما كنت لعمري أهلا للتوبيخ فيه. و أما ما ذكرت ممّا سبّبه اللّه لك، فإن اللّه قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك و اصطفاه له، و اللّه بالغ أمره. و لقد أصبح أمير المؤمنين و هو على يقين من رأيه إلاّ أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه اللّه من كرامته ضرّا و لا نفعا، و إن اللّه وليّ ذلك منه و إنه لا بدّ له من مفارقته، و إنّ اللّه أرأف بعباده و أرحم من أن يولّي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم. و إن أمير المؤمنين مع حسن ظنّه بربّه لعلى أحسن الرجاء لأن يولّيه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرّضا به لهم؛ فإنّ بلاء اللّه عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلاّ بعون منه. و لئن كان قد قدر اللّه لأمير المؤمنين وفاة تعجيل، فإن في الذي هو مفض و صائر إليه من كرامة اللّه لخلفا/من الدنيا. و لعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك و حمقك، فأبق على نفسك و قصّر من غلوائها و اربع على ظلعك؛ فإنّ للّه سطوات و غيرا يصيب بها من يشاء من عباده.

و أمير المؤمنين يسأل اللّه العصمة و التوفيق لأحبّ الأمور إليه و أرضاها له. و كتب في أسفل الكتاب:

إذا أنت سامحت الهوى قادك الهوى # إلى بعض ما فيه عليك مقال‏

و السلام.

بشر بالخلافة بعد موت هشام‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، و أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء[3]عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيّوب كلّهم عن أبي الزّبير المنذر بن عمرو-قال: و كان كاتبا للوليد بن يزيد-قال:

أرسل إليّ الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته؛ فقال لي: يا أبا الزّبير، ما أتت عليّ ليلة أطول من هذه الليلة، عرضتني أمور و حدّثت نفسي فيها بأمور، و هذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفّس. فركب و سرت معه، فسار ميلين و وقف على تلّ فجعل يشكو هشاما، إذ نظر إلى رهج‏[4]قد أقبل-قال عمر بن شبّة في حديثه- [1]الهبوة: الغبرة.

[2]الزفن: الرقص.

[3]كذا ورد هذا الاسم في جميع الأصول فيما سبق، و هو الموافق لما جاء في «تهذيب التهذيب» و «الطبري» في عدّة مواضع. و قد ورد هنا في هذا الموضع: «جويرية بن إسماعيل» و هو تحريف.

[4]الرهج (بفتح فسكون و يحرك) : الغبار. ـ

14

و سمع قعقعة البريد، فتعوّذ باللّه من شرّ هشام، و قال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحيّ‏[1]أو بملك عاجل.

فقلت: لا يسوؤك اللّه أيها الأمير بل يسرّك و يبقيك، إذ بدا رجلان على البريد يقبلان، أحدهما مولّى لآل أبي سفيان بن حرب؛ فلما قربا رأيا الوليد فنزلا يعدوان حتى دنوا فسلّما عليه بالخلافة فوجم، و جعلا يكرران عليه التسليم بالخلافة؛ فقال: ويحكم!ما الخبر؟أمات هشام؟قالا نعم؛ قال: فمرحبا بكما!ما معكما؟قالا: كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن؛ فقرأ الكتاب و انصرفنا. و سأل عن عيّاض بن مسلم كاتبه الذي كان هشام ضربه و حبسه، فقالا: يا أمير المؤمنين، لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام أمر اللّه، فلمّا صار إلى حال لا تزجى الحياة لمثله معها، أرسل عياض إلى الخزّان: احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلنّ أحد إلى/شي‏ء. و أفاق هشام إفاقة فطلب شيئا فمنعه، فقال: أرانا كنّا خزّانا للوليد؛ و قضى من ساعته. فخرج عياض من السجن ساعة قضى هشام، فختم الأبواب و الخزائن؛ و أمر بهشام فأنزل عن فراشه و منعهم أن يكفّنوه من الخزائن، فكفّنه غالب مولى هشام، و لم يجدوا قمقما[2]حتى استعاروه. و أمر الوليد بأخذ ابني هشام بن إسماعيل المخزوميّ، فأخذا بعد أن عاذ إبراهيم بن هشام بقبر يزيد بن عبد الملك؛ فقال الوليد: ما أراه إلاّ قد نجا؛ فقال له يحيى بن عروة بن الزّبير و أخوه عبد اللّه: إن اللّه لم يجعل قبر أبيك معاذا للظالمين، فخذه برّد ما في يده من مال اللّه؛ فقال: صدقت، و أخذهما فبعث بهما إلى يوسف بن عمر، و كتب إليه أن يبسط عليهما العذاب حتى يتلفا، ففعل ذلك بهما و ماتا جميعا في العذاب بعد أن أقيم إبراهيم بن هشام للناس حتى اقتضوا[3]منه المظالم.

و قال عمر بن شبّة في خبره: إنه لمّا نعي له هشام قال: و اللّه لأتلقّينّ هذه النعمة بسكرة قبل الظهر؛ ثم أنشأ يقول:

طاب يومي و لذّ شرب السّلافه # إذ أتاني نعيّ من بالرّصافه

/و أتانا البريد ينعي هشاما # و أتانا بخاتم للخلافة

فاصطبحنا من خمر عانة[4]صرفا # و لهونا بقينة عزّافه‏

ثم خلف ألاّ يبرح موضعه حتى يغنّى في هذا الشعر و يشرب عليه؛ فغنّي له فيه و شرب و سكر، ثم دخل فبويع له بالخلافة.

/قال: و سمع صياحا، فسأل عنه، فقيل له: هذا من دار هشام يبكيه بناته؛ فقال:

إني سمعت بليل # ورا المصلّى برنّه

إذا بنات هشام # يندبن و الدهنّه

يندبن فرما جليلا # قد كان يعضدهنّه‏

[1]كذا في ب، حـ، و الوحيّ: السريع. و في سائر الأصول: «بموت حيّ» .

[2]القمقم: إناء من نحاس يسخن فيه الماء.

[3]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «اقتصوا» بالصاد المهملة.

[4]عانة: بلدة على الفرات تنسب إليها الخمر العانية. قال زهير:

كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت # من خمر عانة لما بعد أن عنقا

15

أنا المخنّث حقّا # إن لم أنيكنّهنّه‏

و قال المدائنيّ في خبر أحمد بن الحارث: و شرب الوليد يوما، فلما طابت نفسه تذكّر هشاما، فقال لعمر الوادي غنّني:

إنّي سمعت بليل # ورا المصلّى برنّه‏

فغنّاه فيه، فشرب عليه ثلاثة أرطال، ثم قال: و اللّه لئن سمعه منك أحد أبدا لأقبلنّك. قال: فما سمع منه بعدها و لا عرف.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

طاب يومي و لذّ شرب السّلافه # إذ أتانا نعيّ من في الرّصافه‏

غنّاه عمر الوادي خفيف رمل بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني أبو غسّان قال قال حكم الوادي:

كنّا عند الوليد بن يزيد و هو يشرب، إذ جاءنا خصيّ فشقّ جيبه و عزّاه عن عمه هشام و هنأه بالخلافة و في يده قضيب و خاتم و طومار[1]؛ فأمسكنا ساعة و نظرنا إليه بعين الخلافة؛ فقال: غنّوني، غنّياني: قد طاب شرب السلافة... البيتين؛ فلم نزل نغنّيه بهما الليل كلّه.

سأل الرشيد عنه ابن أبي حفصة فمدحه و ذكر من شعره:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدّثني مروان بن أبي حفصة قال:

دخلت على الرشيد أمير المؤمنين فسألني عن الوليد بن يزيد فذهبت أتزحزح، فقال: إن أمير المؤمنين لا ينكر ما تقول فقل؛ قلت: كان من أصبح الناس و أظرف الناس و أشعر الناس. فقال: أ تروى من شعره شيئا؟قلت: نعم، دخلت عليه مع عمومتي و في يده قضيب و لي جمّة[2]فينانة فجعل يدخل القضيب في جمّتي و جعل يقول: يا غلام، ولدتك سكّر (و هي أمّ ولد كانت لمروان بن الحكم فزوّجها أبا حفصة) قال: فسمعته يومئذ ينشد:

ليت هشاما عاش حتى يرى # مكياله الأوفر قد أترعا[3]

كلنا له الصاع التي‏[4]كالها # فما ظلمناه بها أصوعا

[1]الطومار: الصحيفة.

[2]الجمة: مجتمع شعر الرأس و هي أكثر من الوفرة، و هي أيضا ما تدلى من شعر الرأس على المنكبين.

[3]رواية «الطبري» لهذه الأبيات (ص 1752 ق 2 طبع أوروبا) :

ليت هشاما عاش حتى يرى # مكياله الأوفر قد طبعا

كلناه بالصاع الذي كاله # و ما ظلمناه به إصبعا

و ما أتينا ذاك عن بدعة # أحله الفرقان لي أجمعا

[4]في الأصول: «الذي» . و الصاع يذكر و يؤنث. و قد آثرنا ما وضعناه لتتلاءم الضمائر.

16

لم نأت ما نأتيه عن بدعة # أحلّه القرآن لي أجمعا

قال: فأمر الرشيد بكتابتها[1]فكتبت.

كان شاعرا مجيدا و شي‏ء من شعره:

و للوليد أشعار جياد فوق هذا الشعر الذي اختاره/مروان. فمنها-و هو ما برّز فيه و جوّده و تبعه الناس جميعا فيه و أخذوه منه-قوله في صفة الخمر-أنشدنيه/الحسن بن عليّ قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبّة قال أنشدني أبو غسّان محمد بن يحيى و غيره للوليد. قال: و كان أبو غسّان يكاد يرقص إذا أنشدها-:

اصدع نجيّ الهموم بالطرب # و انعم على الدهر بابنة العنب

و استقبل العيش في غضارته # لا تقف منه آثار معتقب

من قهوة زانها تقادمها # فهي عجوز تعلو على الحقب

أشهى إلى الشّرب يوم جلوتها # من الفتاة الكريمة النّسب

فقد تجلّت و رقّ جوهرها # حتى تبدّت في منظر عجب

فهي بغير المزاج من شرر # و هي لدى المزج سائل الذهب

كأنها في زجاجها قبس # تذكو ضياء في عين مرتقب

في فتية من بني أميّة أهـ # ل المجد و المأثرات و الحسب

ما في الورى مثلهم و لا فيهم‏[2] # مثلي و لا منتم لمثل أبي‏

قال المدائنيّ في خبره: و قال الوليد حين أتاه نعي هشام:

طال ليلي فبتّ أسقى المداما # إذ أتاني البريد ينعي هشاما

و أتاني بحلّة و قضيب # و أتاني بخاتم ثم قاما

فجعلت الوليّ من بعد فقدي # يفضل الناس ناشئا و غلاما

ذلك ابني و ذاك قرم قريش # خير قرم و خيرهم أعماما

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائنيّ عن جرير قال قال لي عمر الوادي:

/كنت يوما أغنّي الوليد إذ ذكر هشاما؛ فقال لي: غنّني بهذه الأبيات؛ قلت: و ما هي يا أمير المؤمنين؟فأنشأ يقول:

[1]في ب، س، حـ: «بكتابها» و هو مصدر كالكتابة.

[2]في ب، س: «و لا بهم» و هو تحريف.

17

هلك الأحول المشو # م فقد أرسل المطر

ثمّت استخلف الوليـ # د فقد أورق الشجر

أخذ أبو نواس و غيره من الشعراء معانيه في أشعارهم:

و للولى في ذكر الخمر و صفتها أشعار كثيرة قد أخذها الشعراء فأدخلوها في أشعارهم، سلخوا معانيها، و أبو نواس خاصّة سلخ معانيه كلّها و جعلها في شعره فكرّرها في عدّة مواضع منه. و لو لا كراهة التطويل لذكرتها هاهنا، على أنها تنبئ عن نفسها.

و له أبيات أنشدنيها الحسن بن عليّ قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبّة قال أنشدني أبو غسّان و غيره للوليد-و كان أبو غسان يكاد أن يرقص إذا أنشدها-:

اصدع نجيّ الهموم بالطرب # و انعم على الدهر بابنة العنب‏

الأبيات التي مضت متقدّما. و هذا من بديع الكلام و نادره؛ و قد جوّد فيه منذ ابتدأ إلى أن ختم. و قد نقلها أبو نواس و الحسين بن الضحاك في أشعارهما.

و من جيّد معانيه قوله:

/

رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي # و لو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني‏

و قد مضت في أخباره مع هشام.

و أنشدني الحسن بن عليّ عن الحسين بن فهم قال أنشدني عمرو بن أبي عمرو للوليد بن يزيد و كان يستجيده فقال:

/

إذا لم يكن خير مع الشرّ لم تجد # نصيحا و لا ذا حاجة حين تفزع

و كانوا إذا همّوا بإحدى هناتهم # حسرت لهم رأسي فلا أ تقنّع‏

و من نادر شعره قوله لهشام:

فإن تك قد مللت القرب منّي # فسوف ترى مجانبتي و بعدي

و سوف تلوم نفسك إن بقينا # و تبلو الناس و الأحوال بعدي

فتندم في الذي فرّطت فيه # إذا قايست في ذمّي و حمدي‏

قال يوم بيعته على المنبر بدمشق شعرا:

أخبرني الحسين بن يحيى قال حدّثنا ابن مهرويه و عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قالا[1]حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن الحارث الحرشيّ قال حدّثنا محمد بن عائذ قال حدّثني الهيثم بن عمران قال سمعته يقول:

لما بويع الوليد سمعته على المنبر يقول بدمشق:

[1]في الأصول: «قال» .

18

ضمنت لكم إن لم ترعني منيّتي # بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع‏

كتب إلى أهل المدينة شعرا و ردّ عليه حمزة بن بيض:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال:

لمّا ولى الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة[1]و الشعر له:

محرّمكم‏[2]ديوانكم و عطاؤكم # به يكتب الكتّاب و الكتب تطبع

ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي # بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع‏

و أوّل هذه الأبيات:

ألا أيّها الركب المخبّون أبلغوا # سلامي سكّان البلاد فاسمعوا

/و قولوا أتاكم أشبه الناس سنّة # بوالده فاستبشروا و توقّعوا

سيوشك إلحاق بكم و زيادة # و أعطية تأتي تباعا فتشفع‏

و كان سبب مكاتبته أهل الحرمين بذلك أنّ هشاما لمّا خرج عليه زيد بن عليّ رضي اللّه عنه منع أهل مكة و أهل المدينة أعطياتهم سنة. فقال حمزة بن بيض يردّ على الوليد لمّا فعل خلاف ما قال:

وصلت سماء الضرّ بالضرّ بعد ما # زعمت سماء الضرّ عنّا ستقلع

فليت هشاما كان حيّا يسوسنا # و كنّا كما كنا نرجّي و نطمع‏

بعث إلى جماعة من أهله يوم بيعته و أنشدهم شعرا يدل على مجونه:

أخبرني أحمد قال حدّثني عمر بن شبّة قال روى جرير بن حازم عن الفضل بن سويد قال:

بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أهله لمّا ولي الخلافة فقال: أ تدرون لم دعوتكم؟قالوا لا، قال: ليقل قائلكم؛ فقال رجل منهم: أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدّد اللّه لك من نعمته و إحسانه؛ فقال: نعم، و لكني:

/

أشهد اللّه و الملائكة الأبـ # رار و العابدين أهل الصلاح

أنني أشتهي السّماع و شرب الـ # كأس و العض للخدود الملاح

و النديم الكريم و الخادم الفا # ره يسعى عليّ بالأقداح‏

قوموا إذا شئتم.

عرضت عليه جارية و غننه فأمر بشرائها:

أخبرني إسماعيل بن يونس و أحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال:

[1]في أ، م: «مكة» .

[2]كذا في أ، م و نسخة الشنقيطي مصححة و مضبوطة بقلمه. و في ب، س، حـ: «محزمكم» بالزاي.

19

عرضت على الوليد بن يزيد جارية صفراء كوفيّة مولّدة يقال لها سعاد، فقال لها: أيّ شي‏ء تحسنين؟فقال:

أنا مغنّية؛ فقال لها: غنّيني، فغنّت:

صوت‏

/

لو لا الذي حمّلت من حبّكم # لكان في إظهاره مخرج

أو مذهب في الأرض ذو فسحة # أجل و من حجّت له مذحج

لكن سباني منكم شادن # مربّب ذو غنّة أدعج

أغرّ ممكور[1]هضيم الحشى # قد ضاق عنه الحجل و الدّملج‏

-الشعر للحارث بن خالد. و الغناء لابن سريج خفيف رمل بالبنصر. و فيه لدحمان هزج بالوسطى؛ و ذكر الهشاميّ أن الهزج ليحيى المكيّ-فطرب طربا شديدا و قال: يا غلام اسقني، فسقاه عشرين قدحا و هو يستعيدها.

ثم قال لها: لمن هذا الشعر؟قالت: للحارث بن خالد. قال: و ممّن أخذتيه؟قالت: من حنين. قال: و أين لقيته؟ قالت: ربيت بالعراق و كان أهلي يجيئون به فيطارحني. فدعا صاحبه فقال: اذهب فابتعها بما بلغت و لا تراجعني في ثمنها ففعل؛ و لم تزل عنده حظيّة.

شرب هو و محمد بن سليمان بن عبد الملك بجرن:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عبيد اللّه بن أحمد بن الحارث القرشيّ قال حدّثنا العباس بن الوليد قال حدّثنا ضمرة قال:

خرج عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام يوما إلى بعض الدّيارات فنزل فيه و هو وال على الرّملة؛ فسأل صاحب الدّير: هل نزل بك أحد من بني أميّة؟قال: نعم، نزل بي الوليد بن يزيد و محمد بن سليمان بن عبد الملك. قال:

فأيّ شي‏ء صنعا؟قال: شربا في ذلك الموضع، و لقد رأيتهما شربا في آنيتهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: /هلمّ نشرب بهذا الجرن‏[2]-و أومأ إلى جرن عظيم من رخام-قال: أفعل؛ فلم يزالا يتعاطيانه بينهما و ينسربان و يشربان به حتى ثملا. فقال عبد الوهاب لمولى له أسود: هاته. قال ضمرة: و قد رأيته و كان يوصف بالشدّة، فذهب يحرّكه فلم يقدر. فقال الراهب: و اللّه لقد رأيتهما يتعاطيانه و كلّ واحد منهما يملؤه لصاحبه فيرفعه و يشربه غير مكترث.

وفد عليه سعد بن مرة و مدحه فأجازه:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى قال:

وفد سعد بن مرّة بن جبير مولى آل كثير بن الصّلت، و كان شاعرا، على الوليد بن يزيد، فعرض له في يوم من أيام الربيع و قد خرج إلى متنزّه له، فصاح به: يا أمير المؤمنين، وافدك و زائرك و مؤمّلك؛ فتبادر الحرس إليه ليصدّوه عنه، فقال: دعوه، أدن إليّ فدنا إليه؛ فقال: من أنت؟قال: أنا رجل من أهل الحجاز شاعر؛ قال: تريد ما ذا؟ قال: تسمع منّي أربعة أبيات؛ قال: هات.

[1]المرأة الممكورة: المستديرة الساقين، أو هي المدمجة الخلق الشديدة البضعة.

[2]الجرن: حجر منقور يصب فيه الماء فيتوضأ به.

20
صوت‏

شمن المخايل نحو أرضك بالحيا # و لقين ركبانا بعرفك قفّلا

قال: ثم مه؛ قال:

فعمدن نحوك لم ينخن‏[1]لحاجة # إلاّ وقوع الطير حتى ترحلا

قال: إن هذا[2]السير حثيث؛ ثم ما ذا؟قال:

يعمدن نحو موطّئ حجراته # كرما و لم تعدل بذلك معدلا

/قال: فقد وصلت إليه، فمه؛ قال:

لاحت لها نيران حيي قسطل‏[3] # فاخترن نارك في المنازل منزلا

قال: فهل غير هذا؟قال لا؛ قال: أنجحت وفادتك، و وجبت ضيافتك؛ أعطوه أربعة آلاف دينار؛ فقبضها و رحل.

الغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو و الهشاميّ.

مسلمة بن هشام و زوجته:

رجعت الرواية إلى الحديث المدائنيّ قال:

لمّا قدم العباس بن الوليد لإحصاء ما في خزائن هشام و ولده سوى مسلمة بن هشام فإنه كان كثيرا ما يكفّ أباه عن الوليد و يكلّمه فيه ألاّ يعرض له و لا يدخل منزله. و كانت عند مسلمة أمّ سلمة[4]بنت يعقوب المخزوميّة، و كان مسلمة يشرب. فلمّا قدم العبّاس لإحصاء ما كتب إليه الوليد، كتبت إليه أم سلمة: ما يفيق من الشّراب و لا يهتمّ بشي‏ء مما فيه إخوته و لا بموت أبيه. فلما راح مسلمة بن هشام إلى العباس قال له: يا مسلمة، كان أبوك يرشّحك للخلافة و نحن نرجوك لما بلغني عنك، و أنّبه و عاتبه على الشراب؛ فأنكر مسلمة ذلك و قال: من أخبرك بهذا؟قال:

كتبت إليّ به أمّ سلمة؛ فطلّقها في ذلك المجلس، فخرجت إلى فلسطين، و بها كانت تنزل، و تزوّجها أبو العباس السفّاح هناك.

قصة طلاق الوليد لزوجته سعدة و تعشقه أختها سلمى:

و سلمى التي عناها الوليد هناك هي سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ و أمها أمّ عمرو بنت مروان بن الحكم، و أمّها بنت عمر بن أبي ربيعة المخزوميّ.

[1]كذا في نسخة المرحوم الشنقيطي مصححة بخطه. و في الأصول: «لم ينجن بحاجة» .

[2]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «إن هذا لسير حثيث» .

[3]قسطل: موضع قرب البلقاء من أرض دمشق في طريق المدينة، و هو أيضا موضع بين حمص و دمشق. و في الأصول: «لاحت لها نيران حي قسسطلا» .

[4]كذا في «عقد الجمان» و «الطبرى» (ق 3 ص 2507) و فيما سيأتي في بعض روايات أ. و في جميع الأصول هنا: «أم مسلمة» و هو تحريف.

21

/فأخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلاّم و عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء:

أن يزيد بن عبد الملك كان خرج إلى قرين‏[1]متبدّيا[2]به، و كان هناك قصر لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان؛ و كانت بنته أمّ عبد الملك، و اسمها سعدة، تحت الوليد بن يزيد. فمرض سعيد في ذلك الوقت، و جاءه الوليد عائدا، فدخل فلمح سلمى بنت سعيد أخت زوجته و سترها حواضنها و أختها فقامت ففرعتهن‏[3]طولا، فوقعت بقلب الوليد. فلما مات أبوه طلّق أمّ عبد الملك زوجته و خطب سلمى إلى أبيها. و كانت لها أخت يقال لها أمّ عثمان تحت هشام بن عبد الملك؛ فبعثت إلى أبيها-و قيل: بعث إليه هشام-: أ تريد أن تستفحل الوليد لبناتك يطلّق هذه و ينكح هذه!فلم يزوّجه سعيد و ردّه أقبح ردّ. و هويها الوليد و رام السلوّ عنها فلم يسل؛ و كان يقول:

العجب لسعيد!خطبت إليه فردّني، و لو قد مات هشام و وليت لزوّجني!و هي طالق ثلاثا إن تزوّجتها حينئذ و إن كنت أهواها. فيقال: إنه لما طلّق سعدة ندم على ذلك/و غمّه. و كان لها من قلبه محلّ و لم تحصل له سلمى؛ فاهتمّ لذلك و جزع. و راسل سعدة، و قد كانت زوّجت غيره فلم ينتفع بذلك.

أرسل أشعب لزوجته بعد طلاقها فردّته:

فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و الحسن بن عليّ قالا حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم قال حدّثنا المدائنيّ قال:

بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعد ما طلّق امرأته، فقال: يا أشعب، لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة؛ فقال: أحضر العشرة الآلاف/الدرهم حتى أنظر إليها؛ فأحضرها الوليد؛ فوضعها أشعب على عنقه و قال: هات رسالتك؛ قال: قل لها يقول لك أمير المؤمنين:

أ سعدة هل إليك لنا سبيل # و هل حتى القيامة من تلاقي

بلى و لعلّ دهرا أن يؤاتي # بموت من حليلك أو طلاق

فأصبح شامتا و تقرّ عيني # و يجمع شملنا بعد افتراق‏

فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه، فأمرت لها ففرشت و جلست و أذنت له. فلما دخل أنشدها ما أمره؛ فقالت لخدمها: خذوا الفاسق!فقال: يا سيّدتي إنها بعشرة آلاف درهم. قالت: و اللّه لأقتلنك أو تبلّغه كما بلّغتني؛ قال: و ما تهبين لي؟قالت: بساطي الذي تحتي؛ قال: قومي عنه؛ فقامت فطواه و جعله إلى جانبه، ثم قال: هات رسالتك جعلت فداك؛ قالت: قل له:

أ تبكي على لبنى و أنت تركتها # فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع‏[4]

[1]قرين: موضع باليمامة يسمى قرين نجدة، قتل عنده نجدة الحروري.

[2]في ب، س: «مبتدئا» ، و هو تحريف.

[3]كذا في أكثر الأصول. و فرعتهن: علتهن. و في ب، س: «فبرعهن» .

[4]رواية البيت في «أمالي القالي» (ج 2 ص 315 طبع دار الكتب المصرية) عند ذكره لعينية قيس هكذا:

تبكي على لبنى و أنت تركتها # و كنت كآت غيه و هو طائع‏

22

فأقبل أشعب فدخل على الوليد؛ فقال: فأنشده البيت؛ أوّه قتلتني يا بن الزانية!ما أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع‏[9]يا بن الزانية، إمّا أن أدلّيك/على رأسك منكّسا في بئر أو أرمي بك منكّسا من فوق القصر أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربة، هذا الذي أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع؛ فقال: ما كنت لتفعل شيئا من ذلك؛ قال: و لم يا بن الزانية؟قال: لم تكن عينين نظرتا إلى سعدة. قال: أوّه!أ فلتّ و اللّه بهذا يا بن الزانية!اخرج عنّي. و قال الحسن في روايته: إنها قالت له أنشده:

أ تبكي على لبنى و أنت تركتها # و أنت عليها بالملا[1]كنت أقدر

و في هذه الأبيات غناء هذه نسبته:

صوت‏

أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر # و هجران لبنى يا لك الخير منكر

فإن تكن الدنيا بلبنى تغيّرت # فللدّهر و الدنيا بطون و أظهر

أ تبكي على لبنى و أنت تركتها # و أنت عليها بالحرا[2]كنت أقدر

عروضه من الطويل. و الشعر لقيس بن ذريح. و الغناء في الثاني و الثالث للغريض ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو و الهشاميّ. ، و فيهما[3]لعريب رمل بالبنصر. و فيه لشارية خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ. و في الأوّل خفيف ثقيل مجهول.

تزيا بزي زيات ليرى سلمى و شعره في ذلك:

قال ابن سلاّم و المدائنيّ في خبرهما: و خرج الوليد بن يزيد يريد فرتنى‏[4]لعلّه يراها؛ فلقيه زيّات معه حمار عليه زيت؛ فقال له: هل لك أن تأخذ فرسي هذا و تعطيني حمارك هذا بما عليه و تأخذ ثيابي و تعطيني ثيابك؟ /ففعل الزيات ذلك. و جاء الوليد و عليه الثياب و بين يديه الحمار يسوقه متنكّرا حتى دخل قصر سعيد، /فنادى:

من يشتري الزيت، فاطّلع بعض الجواري فرأينه فدخلن إلى سلمى و قلن: إن بالباب زيّاتا أشبه الناس بالوليد، فاخرجي فانظري إليه؛ فخرجت فرأته و رآها، فرجعت القهقرى و قالت: هو و اللّه الفاسق الوليد!و قد رآني!فقلن له: لا حاجة بنا إلى زيتك؛ فانصرف و قال:

إنني أبصرت شيخا # حسن الوجه مليح‏

[4]و تتفق هذه الرواية مع الرواية صاحب الأغاني عند ذكره للبيت في ترجمة قيس (ج 8 ص 132 طبع بولاق) و هي:

أ تبكي على لبنى و أنت تركتها # و كنت كات حتفه و هو طائع‏

و وردت كلمة «ما أنت صانع» في بيت آخر من هذه القصيدة و نصه:

فيا قلب خبرني إذا شطت النوى # بلبنى و صدّت عنك ما أنت صانع‏

[1]الملا: موضع بعينه.

[2]الحرا: جناب الرجل و ما حوله، يقال: نزل بحراء و عراه إذا نزل بساحته.

[3]كذا في أ، م. و في سائر النسخ «و فيها» .

[4]فرتنى: قصر بمرو الروذ.

23

و لباسي ثوب شيخ # من عباء مسوح

و أبيع الزيت بيعا # خاسرا غير ربيح‏

و قال أيضا:

فما مسك يعلّ بزنجبيل # و لا عسل بألبان اللقاح

بأشهى من مجاجة ريق سلمى # و لا ما في الزّقاق من القراح

و لا و اللّه لا أنسى حياتي # وثاق الباب دوني و اطّراحي‏

قال: فلما ولى الخلافة أشخص إلى المغنّين فحضروه و فيهم معبد و ابن عائشة و ذووهما. فقال لابن عائشة:

يا محمد، إن غنّيتني صوتين في نفسي فلك عندي مائة ألف درهم؛ فغنّاه قوله:

إنني أبصرت شيخا

و غنّاه:

فما مسك يعلّ بزنجبيل‏

الأبيات، فقال الوليد: ما عدوت ما في نفسي؛ و أمر له بمائة ألف درهم و ألطاف و خلع، و أمر لسائر المغنّين بدون ذلك.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

فما مسك يعلّ بزنجبيل # و لا عسل بألبان اللّقاح

بأطيب من مجاجة ريق سلمى # و لا ما في الزّقاق من القراح‏

غنّاه ابن عائشة، و لحنه ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ و حماد بن إسحاق.

تزوّج سلمى بعد ولايته الخلافة و ماتت بعد قليل فرثاها:

قال المدائنيّ و ابن سلاّم: فلمّا طال بالوليد ما به كتب إلى أبيها سعيد:

أبا عثمان هل لك في صنيع # تصيب الرشد في صلتي هديتا

فأشكر منك‏[1]ما تسدى و تحيى # أبا عثمان ميّتة و ميتا

قالوا: فلم يجبه إلى ذلك حتى ولى الخلافة، فلما وليها زوّجه إياها؛ فلم يلبث إلاّ مدّة يسيرة حتى ماتت.

و قال فيها ليلة زفّت إليه:

خفّ من دار جيرتي # يا بن داود أنسها

[1]في ح

«فأشكر منك المسدي و تحيى»

. ـ

24

و هي طويلة. و فيها ممّا يغنّى به:

أو لا تخرج العرو # س فقد طال حبسها

قد دنا الصبح أو بدا # و هي لم يقض لبسها

برزت كالهلال في # ليلة غاب نحسها

/بين خمس كواعب # أكرم الخمس جنسها

غناء ابن سريج، فيما ذكره حبش، رمل بالبنصر، أوّله:

خفّ من دار جيرتي‏

و غناء معبد فيه خفيف ثقيل، أوّله:

و متى تخرج العروس‏

/في رواية الهشاميّ و ابن المكيّ. و غناء عمر الواديّ في الأربعة الأبيات الأخر خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. و ذكر في النسخة الثانية و وافقه الهشاميّ أنّ فيه هزجا بالوسطى ينسب إلى حكم و إلى أبي كامل و إلى عمر.

غنى حكم الوادي للمهدي فوصله‏

:

و قد أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال: رأيت حكما الوادي قد تعرّض للمهديّ و هو يريد الحجّ، فوقف له في الطريق و كانت له شهرة، فأخرج دفّا له فنقر فيه و قال: أنا، أطال اللّه بقاءك، القائل:

و متى تخرج العرو # س فقد طال حبسها

قد دنا الصبح أو بدا # و هي لم يقض لبسها

قال: فتسرّع إليه الحرس، فصيح بهم، و إذا هو حكم الوادي؛ فأدخل إليه المضرب فوصله و انصرف.

نسبة أو لا تخرج العروس-قال: الشعر للوليد بن يزيد. و الغناء لعمر الواديّ. و فيه لحنان هزج خفيف بالخنصر في مجرى البنصر[و خفيف‏[1]رمل بالخنصر في مجرى البنصر جميعا عن إسحاق‏]؛ و ذكر حكم الواديّ أنّ الهزج له؛ و ذكر إسحاق أن لحن حكم خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى. و قال في كتاب يحيى: إن هذا اللحن لعمر الواديّ. و ذكر الهشاميّ أنّ فيه خفيف ثقيل لمعبد و رملا لابن سريج. و ذكر عمرو بن بانة أنّ فيه للدّلال خفيف ثقيل أوّل بالبنصر.

ماتت سلمى فرثاها الوليد

:

و قال المدائنيّ: مكثت عنده سلمى أربعين يوما ثم ماتت؛ فقال:

أ لمّا تعلما سلمى أقامت # مضمّنة من الصحراء لحدا

[1]هذه العبارة ساقطة من ء، ب. س.

25

لعمرك يا وليد لقد أجنّوا # بها حسبا و مكرمة و مجدا

/و وجها كان يقصر عن مداه # شعاع الشمس أهل أن يفدّى

فلم أر ميّتا أبكى لعين # و أكثر جازعا و أجلّ فقدا

و أجدر أن تكون لديه ملكا # يريك جلادة و يسرّ وجدا

شعره في سلمى‏

:

ذكر أشعار الوليد التي قالها في سلمى و غنّى المغنّون فيها منها:

صوت‏

عرفت المنزل الخالي # عفا من بعد أحوال

عفاه كلّ حنّان # عسوف الوبل هطّال

لسلمى قرّة العين # و بنت العمّ و الخال

بذلت اليوم في سلمى # خطارا[1]أتلفت مالي

/كأنّ الريق من فيها # سحيق‏[2]بين جريال‏

غنّاه عمر الواديّ هزجا بالوسطى عن عمرو. و ذكر ابن خرداذبه أنّ هذا اللحن للوليد بن يزيد. و فيه رمل ذكر الهشاميّ أنه لابن سريج.

و منها و هو الصوت الذي غنّاه أبو كامل فأعطاه الوليد قلنسيته‏[3]:

صوت‏

منازل قد تحلّ بها سليمى # دوارس قد أضرّ بها السّنون

أميت السرّ حفظا يا سليمى # إذا ما السرّ باح به الحزون‏[4]

/غنّاه أبو كامل من الثقيل الأوّل. و فيه لابن سريج، و يقال للغريض، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ، و قيل: إنه لحكم أو لعمر الوادي.

و منها:

[1]الخطار: جمع خطر (بالتحريك) و هو السبق الذي يترامى عليه في الرهان.

[2]كذا في «اللسان» (مادة جرل) . و الجريال: صفوة الخمر. و السحيق: المسك. أي مسك سحيق بين قطع جريال أو أجزاء جريال.

و في الأصول: «كأن المسك في فيها» .

[3]كذا في حـ. و في سائر النسخ: «قلنسية» .

[4]الحزون: الكثير الحزن.

26
صوت‏

أراني قد تصابيت # و قد كنت تناهيت‏[1]

و لو يتركني الحبّ # لقد صمت و صلّيت

إذا شئت تصبّرت # و لا أصبر إن شيت

و لا و اللّه لا يصبـ # ر في الدّيمومة[2]الحوت

سليمى ليس لي صبر # و إن رخّصت لي جيت

فقبّلتك ألفين # و فدّيت و حيّيت

ألا أحبب بزور زا # ر من سلمى ببيروت‏[3]

غزال أدعج العين‏[4] # نقيّ الجيد و اللّيت‏[5]

غنّاه ابن جامع في البيتين الأوّلين هزجا بالوسطى، و غنّاه أبو كامل في الأبيات كلها على ما ذكرت بذل و لم تجنّسه. و غنّى حكم الوادي في الثالث و الرابع و السابع و الثامن خفيف رمل بالوسطى عن عمرو و الهشاميّ.

/و منها:

صوت‏

عتبت سلمى علينا سفاها # أن سببت اليوم فيها أباها

كان حقّ العتب يا قوم منّي # ليس منها كان قلبي فداها

فلئن كنت أردت بقلبي # لأبي سلمى خلاف هواها

فثكلت اليوم سلمى فسلمى # ملأت أرضي معا و سماها

غير أني لا أظن عدوّا # قد أتاها كاشحا بأذاها[6]

فلها العتبى لدينا و قلّت # أبدا حتى أنال رضاها

[1]في هذا الشعر السناد و هو أحد عيوب القافية. و السناد هنا-و هو أحد أوجه السناد الثلاثة-: اختلاف الحرف الذي قبل الردف بالفتح و الكسر. و الردف هو حرف اللين (الألف و الواو و الياء) قبل الرويّ. فالتاء في هذا الشعر هي حرف الرويّ أي القافية، و الواو و الياء ردف.

[2]الديمومة: الصحراء البعيدة.

[3]في هذا البيت و البيت الذي يليه إقواء و هو اختلاف حركة الروي. و قد ورد البيت الأوّل منهما في «معجم ياقوت» مع بيتين آخرين أثناء الكلام على بيروت هكذا:

ألا يا حبذا شخص # حمت لقياه بيروت‏

[4]في جميع الأصول: «العينين» .

[5]الليت (بالكسر) : صفحة العنق.

[6]كذا في نسخة الشنقيطي مصححة بخطه. و في جميع الأصول: «فأذاها» بالفاء، و هو تحريف.

27

غنّاه أبو كامل خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه ليحيى المكيّ ثقيل أوّل من رواية عليّ بن يحيى. و فيه رمل يقال: إنه لابن جامع، و يقال: بل لحن ابن جامع خفيف رمل أيضا.

خطب سلمى إلى أبيها و هو سكران فرده فسبته فقال شعرا

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو قال:

لقي سعيد بن خالد الوليد بن يزيد و هو ممل؛ فقال له: يا أبا عثمان، /أ تردّني على‏[1]سلمى!و كأني بك لو قد وليت الخلافة خطبتني فلم أجبك؛ و إن تزوّجتها حينئذ فهي طالق ثلاثا. فقال له سعيد: إن المرء يجعل كريمته عند مثلك لحقيق بأكثر مما قلت؛ فأمضّه الوليد و شتمه و تسامعا و افترقا. و بلغ الوليد أنّ سلمى جزعت لما جرى و بكت و سبّت الوليد و نالت منه؛ فقال:

عتبت سلمى علينا سفاها # أن هجوت اليوم فيها أباها

/و ذكر الأبيات. و قال أيضا في ذلك:

صوت‏

على الدّور[2]التي بليت سفاها[3] # قفا يا صاحبيّ فسائلاها

دعتك صبابة و دعاك شوق # و أخضل دمع عينك مأقياها[4]

و قالت عند هجوتنا[5]أباها # أردت الصّرم فانتده انتداها[6]

أردت بعادنا بهجاء شيخي # و عندك خلّة تبغي هواها

فإن رضيت فذاك و إن تمادت # فهبها خطّة بلغت مداها

-غنّاه مالك بن أبي السّمح خفيف رمل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و للهذلي فيه ثاني ثقيل بالوسطى عن يونس و الهشاميّ؛ و ذكر حبش: أنّ الثقيل الثاني لإسحاق-يعني بقوله:

أردت بعادنا بهجاء شيخي‏

أنه كان هجا سعيد بن خالد، فقال:

و من يك مفتاحا لخير يريده # فإنك قفل يا سعيد بن خالد

قال المدائنيّ: لمّا غضبت سلمى من هجائه أباها قال يعتذر إليه بقوله:

[1]كذا في جميع الأصول. و لعله: «أ تردّني عن سلمى» .

[2]في حـ: «على الدار» .

[3]السفا: التراب، و السفاة: الكبة منه.

[4]مأقي العين: طرفها مما يلي الأنف و هو مجرى الدمع من العين. و لعله جاء على لغة من يلزم المثنى الألف في كل أحواله.

[5]كذا في س. و في سائر النسخ: «هجرتنا» بالراء، و هو تحريف.

[6]انتده انتداها: أي ازدجر ازدجارا. و ندهه ندها: زجره و رده و طرده بالصياح.

28

ألا أبلغ أبا عثما # ن عذرة معتب أسفا

فلست كمن يودّك بالـ # لسان و يكثر الحلفا

/عتبت عليّ في أشيا # ء كانت بيننا سرفا

فلا تشمت بي الأعدا # ء و الجيران ملتهفا

تودّ لو أنّني لحم # رأته الطير فاختطفا

و لا ترفع به رأسا[1] # عفا الرحمن ما سلفا

و منها و هو من سخيف شعره:

صوت‏

خبّروني أن سلمى # خرجت يوم المصلّى

فإذا طير مليح # فوق غصن يتفلّى

قلت من يعرف سلمى # قال ها ثم تعلّى

قلت يا طير ادن منّي # قال ها ثم تدلّى

قلت هل أبصرت سلمى # قال لا ثم تولّى

فنكا[2]في القلب كلما # باطنا ثم تعلّى‏

/فيه ثقيل أوّل بالبنصر مطلق، ذكر الهشاميّ أنه لأبي كامل و لعمر الوادي، و ذكر حبش أنه لدحمان.

و منها:

صوت‏

اسقني يا ابن سالم قد أنارا # كوكب الصبح و انجلى و استنارا

اسقني من سلاف ريق سليمى # واسق هذا النديم كأسا عقارا

/غنّاه ابن قدح‏[3]ثاني ثقيل بالوسطى من رواية حبش.

سأل المأمون ندماءه عن شعر يدل على أنه لملك ثم قال لهم: إنه شعر الوليد

:

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي عبيد اللّه قال حدّثني أبي:

[1]يريد: لا تذكره و لا تعلنه.

[2]نكا مسهل نكأ. و نكأ القرحة (من باب فتح) : قشرها قبل أن تبرأ فنديت. و الكلم: الجرح.

[3]راجع الحاشية رقم 5 ص 150 من الجزء الثاني من «الأغاني» طبع دار الكتب المصرية.

29

أنّ المأمون قال لمن حضره من جلسائه: أنشدوني بيتا لملك يدلّ البيت و إن لم يعرف قائله أنه شعر ملك؛ فأنشده بعضهم قول امرئ القيس:

أ من أجل أعرابيّة حلّ أهلها # جنوب الملا[1]عيناك تبتدران‏

قال: و ما في هذا مما يدلّ على ملكه!قد يجوز أن يقول هذا سوقة من أهل الحضر، فكأنه يؤنّب نفسه على التعلّق بأعرابيّة؛ ثم قال: الشعر الذي يدلّ على أن قائله ملك قول الوليد:

اسقني من سلاف ريق سليمى # و اسق هذا النديم كأسا عقارا

أما ترى إلى إشارته في قوله هذا النديم و أنها إشارة ملك. و مثل قوله:

لي المحض من ودّهم # و يغمرهم نائلي‏

و هذا قول من يقدر بالملك على طويّات الرجال، يبذل‏[2]المعروف لهم و يمكنه استخلاصها لنفسه.

و في هذا البيت مع أبيات قبله غناء و هو قوله:

صوت‏

سقيت أبا كامل # من الأصفر البابلي

و سقّيتها معبدا # و كلّ فتى بازل‏[3]

/لي المحض من ودّهم # و يغمرهم نائلي

فما لا مني فيهم # سوى حاسد جاهل‏

غنّاه أبو كامل ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

و منها و هو من ملح‏[4]شعره:

صوت‏

أراني اللّه يا سلمى حياتي # و في يوم الحساب كما أراك

ألا تجزين من تيّمت عصرا # و من لو تطلبين لقد قضاك

و من لو متّ مات و لا تموتي # و لو أنسي‏[5]له أجل بكاك

و من حقّا لو اعطي ما تمنّى # من الدنيا العريضة ما عداك‏

[1]الملا: موضع.

[2]في ب، س، م: «ليبذل» .

[3]البازل: الكامل في عقله و تجربته. قال في «اللسان» : «و قد قالوا: رجل بازل على التشبيه بالبعير. و ربما قالوا ذلك يعنون به كما له في عقله و تجربته» . و البازل من الإبل: الذي استكمل الثامنة و طعن في التاسعة و فطر نابه. و ليس بعد البازل اسم.

[4]كذا في أكثر الأصول. و في س: «أملح» . و في حـ: «جيد» .

[5]أنسأ اللّه أجله: أخره.

30

و من لو قلت مت فأطاق موتا # إذا ذاق الممات و ما عصاك

أثيبي عاشقا كلفا معنى # إذا خدرت له رجل دعاك‏

كانت العرب تقول: إن الإنسان إذا خدرت قدمه دعا باسم أحبّ الناس إليه فسكنت. في الخبر أن رجل عبد اللّه بن عمر خدرت؛ فقيل له: ادع باسم أحبّ الناس إليك؛ فقال: /يا رسول اللّه، صلى اللّه على رسول اللّه و على‏[1]آله و سلّم. ذكر يونس أنّ في هذه الأبيات لحنا لسنان الكاتب، و ذكرت دنانير أنه لحكم و لم تجنّسه‏[2].

/و منها:

صوت‏

ويح سلمى لو تراني # لعناها ما عناني

متلفا في اللهو ما لي # عاشقا حور القيان

إنما أحزن قلبي # قول سلمى إذ أتاني

و لقد كنت زمانا # خالي الذّرع لشاني

شاق قلبي و عناني # حبّ سلمى و براني

و لكم لام نصيح # في سليمى و نهاني‏

غنّته فريدة خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيه ثقيل أوّل ينسب إلى معبد؛ و هو فيما يذكر إسحاق يشبه غناءه و ليس تعرف صحّته له، و ذكر كثير الكبير أنه له، و ذكر الهشاميّ أنه لابن المكيّ. و فيه لحكم هزج صحيح.

/و منها:

صوت‏

بلّغا عنّي سليمى # و سلاها لي عمّا

فعلت في شأن صبّ # دنف أشعر همّا

و لقد قلت لسلمى # إذ قتلت البين علما

أنت همّي يا سليمى # قد قضاه الربّ حتما

نزلت في القلب قسرا # منزلا قد كان يحمى‏

غنّاه حكم خفيف ثقيل. و لعمر الوادي فيه خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.

و منها:

[1]في «اللسان» (مادة خدر) : «و في حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه خدرت رجله، فقيل له: ما لرجلك؟قال: اجتمع عصبها؛ قيل: اذكر أحب الناس إليك؛ قال: يا محمد فبسطها» .

[2]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «و لم يجنسها» ، و هو تحريف.

31
صوت‏

يا سليمى يا سليمى # كنت للقلب عذابا

يا سليمى ابنة عمّي # برد الليل و طابا

أيّما واش وشى بي # فاملئي فاه ترابا

ريقها في الصبح مسك # باشر العذب الرّضابا

غنّاه عمر الوادي هزجا بالبنصر عن الهشاميّ، و ذكر ابن المكيّ أنّه لمعان‏[1]. و في كتاب إبراهيم أنه لعطرّد.

و منها:

صوت‏

أسلمى تلك حيّيت # قفي‏[2]نخبرك إن شيت

و قيلي ساعة نشك # إليك الحبّ أو بيتي

فما صهباء لم تكس # قذى من خمر بيروت

ثوت في الدّنّ أعواما # ختيما عند حانوت‏

غنّاه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو.

و منها:

صوت‏

يا من لقلب في الهوى متشعب # بل من لقلب بالحبيب عميد

سلمى هواه ليس يعرف غيرها # دون الطّريف و دون كلّ تليد

/إن القرابة و السعادة ألّفا # بين الوليد و بين بنت سعيد

يا قلب كم كلف الفؤاد بغادة # ممكورة ريّا العظام خريد

غنّاه عمر الوادي رملا بالبنصر عن عمرو.

و منها:

[1]هكذا أثبتناه كما مرّ في (ج 2 ص 68 من هذه الطبعة) نقلا عن ب، س، حـ. و قد ورد هنا في أ، ء، م: «يمان» . و في ب، س، حـ:

«مان» .

[2]في الأصول: «قفا» و هو تحريف.

32
صوت‏

قد تمنّى معشر إذا أطربوا # من عقار و سوام‏[1]و ذهب

ثم قالوا لي تمنّ و استمع # كيف ننحو في الأماني و الطلب

فتمنّيت سليمى إنها # بنت عمّي من لهاميم‏[2]العرب‏

فيه للهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و ذكر الهشاميّ أن هذا الخفيف الثقيل لخالد صامة[3].

و ذكر ابن المكيّ أن فيه لمالك ثاني ثقيل بالوسطى.

و منها:

صوت‏

هل إلى أمّ سعيد # من رسول أو سبيل

ناصح يخبر أنّي # حافظ ودّ خليل

يبذل الودّ لغيري # و أكافي بالجميل

لست أرضى لخليلي # من وصالي بالقليل‏

غنّاه عمر الوادي هزجا خفيفا بالسبّابة في مجرى الوسطى.

/و منها:

صوت‏

طاف من سلمى خيال # بعد ما نمت فهاجا

قلت عج نحوي أسائلـ # ك عن الحبّ فعاجا

يا خليلي يا نديمي # قم فأنفث‏[4]لي سراجا

بفلاة ليس ترعى # أنبتت شيحا و حاجا[5]

غنّاه عمر الوادي ثانيّ ثقيل بالوسطى عن عمرو. و لابن سريج فيه خفيف رمل بالوسطى عن حبش. و لأبي سلمى المدنيّ ثقيل أوّل عن ابن خرداذبه.

و منها:

[1]السوام: كل ما رعى من المال في الفلوات.

[2]اللهاميم: جمع لهموم، و هو الجواد من الناس و الخبل.

[3]كذا في «الأغاني» (ج 8 ص 161 و 162 و ج 21 ص 170 و 171 طبع بولاق، و «الكامل» للمبرد ج 1 ص 386 طبع أوروبا) .

و في ب، س في هذا الموضع: «خاصة» بالخاء و الصاد. و في سائر الأصول: «خامة» بالخاء و الميم، و هما تحريف.

[4]النفث: النفخ. و لعله قطعت همزة الوصل فيه للضرورة، إذ لم يرد في معاجم اللغة في مادّة نفث إلا الثلاثي.

[5]الحاج: نبت من الحمض.

33
صوت‏

أمّ سلاّم أثيبي عاشقا # يعلم اللّه يقينا ربّه

أنّكم من عيشه في نفسه # يا سليمى فاعلميه حسبه

فارحميه إنه يهذي بكم # هائم صبّ قد أودى قلبه

أنت لو كنت له راحمة # لم يكدّر يا سليمى شربه‏

غنّاه حكم رملا بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن سريج/رملا بالوسطى.

و منها:

صوت‏

ربّ بيت كأنه متن سهم # سوف نأتيه من قرى بيروت

من بلاد ليست لنا ببلاد # كلما جئت نحوها حييت

/أمّ سلاّم لا برحت بخير # ثم لا زلت جنّتي ما حييت

طربا نحوكم و توقا و شوقا # لادّكاريكم [1]و طيب المبيت

حيثما كنت من بلاد و سرتم # فوقاك الإله ما قد خشيت‏

في البيت الأوّل و الثاني لابن عائشة ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر عن الهشاميّ، و ذكر غيره‏[2]أنه لإبراهيم. و في الثالث و ما بعده و الثاني لابن عائشة أيضا رمل بالوسطى، و لابن سريج خفيف رمل بالبنصر. و قيل:

إن الرّمل لعمر الوادي، و هو أن يكون له أشبه.

و منها:

صوت‏

طرقتني و صحابي هجوع # ظبية أدماء مثل الهلال

مثل قرن الشمس لما تبدّت # و استقلّت في رءوس‏[3]الجبال

تقطع الأهوال نحوي و كانت # عندنا سلمى ألوف الحجال

كم أجازت نحونا من بلاد # وحشة قتّالة للرجال‏

[1]في ب، س، حـ: «لادّكار بكم» بالباء الموحدة.

[2]كذا في ب، س، حـ، و في سائر النسخ: «بجير» و لم نعثر على هذا الاسم في رواة الألحان.

[3]كذا في ب، س. و في سائر النسخ: «فوق روس» .

34

لابن محرز فيه ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق في الثاني و الثالث. و لابن سريج في الأوّل و ما بعده خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. و فيه لحن لابن عائشة ذكر الهشاميّ أنه رمل بالوسطى. و فيه خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج و عمر الوادي.

/و منها:

صوت‏

أنا الوليد الإمام مفتخرا # أنعم بالي و أتبع الغزلا

أهوى سليمى و هي تصرمني # و ليس حقّا جفاء من وصلا

أسحب بردى إلى منازلها # و لا أبالي مقال من عذلا

غنّى فيه أبو كامل رملا بالبنصر. و غنّى عمر الوادي فيه خفيف رمل بالوسطى، و يقال إن هذا اللحن للوليد.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال:

قال الوليد على لسان سلمى:

صوت‏

اقر منّي على الوليد السلاما # عدد النجم قلّ ذا للوليد

حسدا ما حسدت أختي عليه # ربّنا بيننا و بين سعيد

غنّاه الهذليّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن ابن المكيّ.

غضب على جاريته صدوف ثم صالحها لشعر رجل من قريش‏

:

حدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا خالد بن النّضر القرشيّ بالبصرة قال حدّثنا أبو حاتم السّجستانيّ قال حدّثنا العتبيّ قال:

كانت للوليد بن يزيد جارية يقال لها صدوف؛ فغاضبها، ثم لم يطعه قلبه فجعل يتسبّب لصلحها، فدخل عليه رجل قرشيّ من أهل المدينة فكلّمه في حاجة و قد عرف خبره، فبرم به؛ فأنشده:

/

أعتبت أن عتبت عليك صدوف # و عتاب مثلك مثلها تشريف

/لا تقعدنّ تلوم نفسك دائما # فيها و أنت بحبّها مشغوف

إن القطيعة لا يقوم لمثلها # إلا القويّ، و من يحبّ ضعيف

الحبّ أملك بالفتى من نفسه # و الذلّ فيه مسلك مألوف‏

قال: فضحك و جعل ذلك سببا لصلحها، و أمر بقضاء حوائج القرشيّ كلّها.

استقدم حمادا الرواية ليسأله عن شعر و أجازه‏

:

أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال قال حمّاد الرّاوية:

35

استدعاني الوليد بن يزيد و أمر لي بألفين لنفقتي و ألفين لعيالي، فقدمت عليه. فلما دخلت داره قال لي الخدم: أمير المؤمنين من خلف الستارة الحمراء، فسلّمت بالخلافة؛ فقال لي: يا حمّاد؛ قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال: «ثم ثاروا» ؛ فلم أدر ما يعني فقال: ويحك يا حمّاد! «ثم ثاروا» ؛ فقلت في نفسي: راوية أهل العراق لا يدري عمّا يسأل!ثم انتبهت فقلت:

ثم ثاروا إلى الصّبوح فقامت # قينة في يمينها إبريق

قدّمته على عقار كعين # الدّيك صفّى سلافها الرّاووق

ثم فضّ الختام عن حاجب‏[1]الدّ # نّ و قامت لدى اليهوديّ سوق

فسباها منه أشمّ عزيز # أريحيّ غذاه عيش رقيق‏

-الشعر لعديّ بن زيد. و الغناء لحنين خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. و فيه لمالك خفيف رمل. و لعبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ رمل، كل ذلك عن الهشاميّ-قال: فإذا جارية قد أخرجت كفّا لطيفة من تحت الستر في يدها قدح، و اللّه ما أدري/أيّهما أحسن الكفّ أم القدح؛ فقال: ردّيه فما أنصفناه!تغدّينا و لم نغدّه!فأتيت بالغداء، و حضر أبو كامل مولاه فغنّاه:

صوت‏

أدر الكأس يمينا # لا تدرها ليسار

اسق هذا ثم هذا # صاحب العود النّضار

من كميت عتّقوها # منذ دهر في جرار

ختموها بالأفاويـ # ه‏[2]و كافور وقار

فلقد أيقنت أنّي # غير مبعوث لنار

سأروض الناس حتى # يركبوا أير[3]الحمار

و ذروا من يطلب الجـ # نة يسعى لتبار[4]

-فيه هزجان بالوسطى و البنصر لعمر الوادي و أبي كامل-فطرب و برز إلينا و عليه غلالة مورّدة، و شرب حتى سكر. فأقمت عنده مدّة ثم أذن بالانصراف؛ و كتب لي إلى عامله بالعراق بعشرة آلاف درهم.

حكايات تروى عن تهتكه‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال:

لما ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء و الشّراب و الصيد، و حمل المغنّين من المدينة و غيرها إليه و أرسل إلى [1]في ب، س، م: «صاحب» و هو تحريف.

[2]الأفاويه: ما يعالج به الطيب و هي أيضا ما أعدّ للطيب من الرياحين.

[3]في أ، ء: «دين الحمار» .

[4]التبار: الهلاك.

36

أشعب فجاء[1]به، فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، و قال/له: ارقص و غنّني شعرا يعجبني؛ فإن فعلت فلك ألف درهم؛ فغنّاه فأعجبه فأعطاه ألف درهم.

/و دخل إليه يوما، فلما رآه الوليد كشف عن أيره و هو منعظ-قال أشعب: فرأيته كأنه مزمار آبنوس مدهون- فقال لي: أ رأيت مثله قطّ؟قلت: لا يا سيّدي؛ قال: فاسجد له، فسجدت ثلاثا؛ فقال: ما هذا؟قلت: واحدة لأيرك و ثنتين لخصيتيك. قال: فضحك و أمر لي بجائزة.

قال: و تكلم بعض جلسائه و المغنّية تغنّي، فكره ذلك و أضجره؛ فقال لبعض جلسائه: قم فنكه، فقام فناكه و الناس حضور و هو يضحك.

و ذكرت جارية أنه واقعها يوما و هو سكران؛ فلما تنحّى عنها آذنه المؤذّن بالصلاة، فحلف ألاّ يصلّي بالناس غيرها؛ فخرجت متلثّمة فصلّت بالناس.

قال: و نزل على غدير ماء فاستحسنه. فلما سكر حلف ألاّ يبرح حتى يشرب ذلك الغدير كلّه و نام، فأمر العلاء بن البندار بالقرب و الرّوايا فأحضرت، فجعل ينزحه و يصبّه على الأرض و الكثب التي حولهم حتى لم يبق فيه شي‏ء؛ فلما أصبح الوليد رآه قد نشف فطرب و قال: أنا أبو العباس!ارتحلوا. فارتحل الناس.

نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال النّضر بن حديد حدّثني ابن أبي جناح قال أخبرني عمر بن جبلة:

أنّ الوليد بن يزيد بات عند امرأة وعدته المبيت؛ فقال حين انصرف:

قامت إليّ بتقبيل تعانقني # ريّا العظام كأن المسك في فيها

أدخل فديتك لا يشعر بنا أحد # نفسي لنفسك من داء تفدّيها

بتنا كذلك لا نوم على سرر # من شدّة الوجد تدنيني و أدنيها

/حتى إذا ما بدا الخيطان‏[2]قلت لها # حان الفراق فكاد الحزن يشجيها

ثم انصرفت و لم يشعر بنا أحد # و اللّه عنّي بحسن الفعل يجزيها

مر بنسوة من بني كلب استسقاهن و قال فيهن شعرا

:

و حدّثني النّضر بن حديد قال حدّثنا هشام بن الكلبيّ عن خالد بن سعيد قال:

مرّ الوليد بن يزيد و هو متصيّد بنسوة من بني كلب من بني المنجاب، فوقف عليهن و استسقاهنّ و حدّثهن و أمر لهنّ بصلة، ثم مضى و هو يقول:

و لقد مررت بنسوة أعشينني # حور المدامع من بني المنجاب

فيهنّ خرعبة[3]مليح دلّها # غرثى الوشاح دقيقة الأنياب‏

[1]كذا في جميع النسخ. و لعله: «فجي‏ء به» .

[2]الخيطان: يعني بهما الخيط الأبيض و الخيط الأسود من الفجر. قال اللّه تعالى: حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلْخَيْطُ اَلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ . و قد فسرهما صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: «إنما ذلك سواد الليل و بياض النهار» .

[3]الخرعبة: اللينة الرخصة الحسنة الخلق. ـ

37

زين الحواضر ما ثوت في حضرها # و تزين باديها من الأعراب‏

أطلق غزالا صاده لشبهه سلمى‏

:

قال النّضر و حدّثني ابن الكلبيّ عن أبيه:

أن الوليد خرج يتصيّد ذات يوم، فصادت كلابه غزالا، فأتي به فقال: خلّوه‏[1]، فما رأيت أشبه منه جيدا و عينين بسلمى. ثم أنشأ يقول:

و لقد صدنا غزالا سانحا # قد أردنا ذبحه لما سنح

فإذا شبهك ما ننكره # حين أزجى‏[2]طرفه ثم لمح

فتركناه و لو لا حبّكم # فاعلمي ذاك لقد كان انذبح

أنت يا ظبي طليق آمن # فاغد في الغزلان مسرورا و رح‏

بعث إلى شراعة بن الزندبوذ و ماجنه‏

:

نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال أخبرني عمرو عن أبيه عن عمرو بن واقد الدمشقيّ/قال:

/بعث الوليد بن يزيد إلى شراعة[3]بن الزّندبوذ، فلما قدم عليه قال: يا شراعة، إني لم أستحضرك لأسألك عن العلم و لا لأستفتيك في الفقه و لا لتحدّثني و لا لتقرئني القرآن؛ قال: لو سألتني عن هذا لوجدتني فيه حمارا.

قال: فكيف علمك بالفتوّة؟قال: ابن بجدتها، و على الخبير بها سقطت، فسل عما شئت. قال: فكيف علمك بالأشربة؟قال: ليسألني أمير المؤمنين عما أحبّ. قال: ما قولك في الماء؟قال: هو الحياة، و يشركني فيه الحمار.

قال: فاللّبن؟قال: ما رأيته قطّ إلا ذكرت أميّ فاستحيت. قال: فالخمر؟قال: تلك السارّة البارّة[4]و شراب أهل الجنة. قال: للّه درّك!فأيّ شي‏ء أحسن ما يشرب عليه؟قال: عجبت لمن قدر أن يشرب على وجه السماء في كنّ من الحرّ و القرّ كيف يختار عليها شيئا!.

الوليد و حادثة المصحف‏

:

قال و أخبرنا عمرو عن أبيه عن يحيى بن سليم قال:

دعا الوليد بن يزيد ذات ليلة بمصحف؛ فلما فتحه وافق ورقة فيها: وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ. `مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى‏ََ مِنْ مََاءٍ صَدِيدٍ ، فقال: أ سجعا سجعا!علّقوه؛ ثم أخذ القوس و النّبل فرماه حتى مزّقه؛ ثم قال:

أتوعد كلّ جبّار عنيد # فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا لاقيت ربّك يوم حشر # فقل‏[5]للّه مزّقني الوليد

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «حلوه» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.

[2]لعلها «أرخى» بالخاء المعجمة، فصحفها الناسخ.

[3]كان من المجان الندماء، من أصحاب والبة بن الحباب و مطيع بن زياد و حماد عجرد. (انظر ما كتب عنه في «الأغاني» ج 10 ص 135، ج 12 ص 96 و 106، ج 13 ص 79 و 134 طبع بولاق) .

[4]في ب، س، حـ: «الباردة» .

[5]في ء: «فقل يا رب مزقني» و في م: «فقل يا رب خرقي» . و في أ، حـ: «فقل للّه خرقني» .

38

قال: فما لبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى قتل.

غضب على جارية أمرها بالغناء في شعر لم تعرفه‏

:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال حدّثني معاوية بن بكر عن يعقوب بن عيّاش المروزيّ (من أهل ذي‏[1]المروة) أن أباه حمل عدّة جوار إلى الوليد بن يزيد؛ فدخل إليه و عنده أخوه عبد الجبار و كان حسن الوجه و الشّعرة و فيّها؛ فأمر الوليد جارية منهنّ أن تغنّي:

لو كنت من هاشم أو من بني أسد # أو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد

و أمرها أخوه أن تغنّي:

أتعجب أن طربت لصوت حاد # حدا بزلا يسرن ببطن واد

فغنّت ما أمرها به الغمر[2]؛ فغضب الوليد و احمرّ وجهه، و ظن أنها فعلت ذلك ميلا إلى أخيه. و عرفت الشرّ في وجهه، فاندفعت فغنّت:

صوت‏

أيها العاتب الذي خاف هجري # و بعادي و ما عمدت‏[3]لذاكا

أ ترى أنّني بغيرك صبّ # جعل اللّه من تظنّ فداكا

أنت كنت الملول في غير شي‏ء # بئس ما قلت ليس ذاك كذاكا

و لو أنّ الذي عتبت عليه # خيّر الناس واحدا ما عداكا

فارض عنّي جعلت نعليك إنّي # و العظيم الجليل أهوى رضاكا

/-الشعر لعمر[4]. و الغناء لمعبد من روايتي يونس و إسحاق، و لحنه من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. و ذكر حماد في أخبار ابن عائشة أن له فيه لحنا-قال: فسرّي عن الوليد و قال لها: ما منعك أن تغنّي ما دعوتك إليه؟قالت: لم أكن أحسنه، و كنت أحسن الصوت/الذي سألنيه، أخذته من ابن عائشة؛ فلما تبيّنت غضبك غنّيت هذا الصوت و كنت أخذته من معبد. تعني الذي اعتذرت به إليه.

[1]ذو المروة: قرية بوادي القرى.

[2]في هذا الخبر الذي ساقه أبو الفرج تباين؛ فقد ذكر أن عبد الجبار هو الذي أمر الجارية بالغناء ثم قال بعد ذلك: «فغنت ما أمرها به الغمر» و الغمر من أولاد يزيد بن عبد الملك و أخو الوليد. و لم نقف على أسماء أولاد يزيد كلهم. غير أن ابن قتيبة في «المعارف» و «صاحب عقد الجمان» و غيرهما ذكروا أن ليزيد ثمانية ذكور و لم يسموهم. فالغالب أن في الخبر تحريفا في أحد الاسمين لم نتبين صوابه لخلو المصادر التاريخية و الأدبية التي بين أيدينا من هذا الخبر.

[3]في ب، س: «عهدت» ، و هو تحريف.

[4]وردت هذه الأبيات في ديوانه (ص 162 طبع أوروبا) باختلاف عما هنا.

39

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت‏

لو كنت‏[1]من هاشم أو من بني أسد # أو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد[2]

أو من بني نوفل أو آل مطّلب # أو من بني جمح الخضر الجلاعيد[3]

أو من بني زهرة[4]الأبطال قد عرفوا # للّه درّك لم تهمم بتهديد

الشعر لحسّان بن ثابت، يقوله لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرّة، و خبره يذكر بعد هذا. و الغناء لابن سريج خفيف رمل بالخنصر[5]، و قيل: إنه لمالك.

/و منها:

صوت‏

أتعجب أن طربت لصوت حاد # حدا بزلا يسرن ببطن واد

فلا تعجب فإن الحبّ أمسى # لبثنة في السّواد من الفؤاد

الشعر لجميل. و الغناء لابن عائشة رمل بالبنصر.

غنته جارية بشعر المخزومي فطرب و أمر بشرائها

:

أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال:

عرضت على الوليد بن يزيد جارية مغنيّة؛ فقال لها: غنّي؛ فغنّت:

صوت‏

لو لا الذي حمّلت من حبّكم # لكان من إظهاره مخرج

أو مذهب في الأرض ذو فسحة # أجل و من حجّت له مذحج

لكن سباني منهم شادن # مربّب بينهم أدعج‏

[1]وردت هذه القصيدة في «ديوانه» و «الكامل» و «المبرد» (ج 1 ص 141) باختلاف عما هنا.

[2]هاشم: يريد به هاشم بن عبد مناف بن قصيّ. و بنو أسد هم بنو أسد بن عبد العزي بن قصيّ. و عبد شمس هو ابن عبد مناف بن قصيّ. و أصحاب اللواء: بنو عبد الدار بن قصيّ. و الصيد: جمع أصيد و هو الملك أو من هو رافع رأسه كبرا.

[3]بنو نوفل هم بنو نوفل بن عبد مناف بن قصيّ. و آل مطلب، هم أبناء المطلب بن عبد مناف بن قصيّ. و بنو جمح هم بنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي. و الخضر فيه قولان: أحدهما أنه يريد سواد جلودهم كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:

و أنا الأخضر من يعرفني # أخضر الجلدة في بيت العرب‏

و القول الثاني أنه شبههم في جودهم بالبحور. و الجلاعيد: الشداد الصلاب، و أحدهم جلعد، و زاد الياء للحاجة.

[4]بنو زهرة: أبناء زهرة بن كلاب بن مرة. (انظر «الكامل» ص 142 طبع أوروبا في شرح هذه الأبيات) .

[5]في أ، ء، م: «بالبنصر» .

40

أغرّ ممكور هضيم الحشى # قد ضاق عنه الحجل و الدّملج‏

فقال لها الوليد: لمن هذا الشعر؟قالت: للوليد بن يزيد المخزوميّ. قال: فممّن أخذت الغناء؟قالت: من حنين. فقال: أعيديه، فأعادته فأجادت؛ فطرب الوليد و نعر[1]و قال: أحسنت و أبى و جمعت كلّ ما يحتاج إليه في غنائك، و أمر بابتياعها، و حظيت عنده.

غنّى في هذا الصوت ابن سريج و لحنه رمل بالبنصر. و غنّى فيه إسحاق فيما ذكر الهشاميّ خفيف ثقيل.

/و ممّا يغنّى به من هذه القصيدة:

صوت‏

قد صرّح القوم و ما لجلجوا # لجّوا علينا ليت لم يلججوا

باتوا و فيهم كالمها طفلة # قد زانها الخلخال و الدّملج‏

غنّاه صباح‏[2]الخيّاط خفيف ثقيل بالبنصر. و غنّى فيه ابن أبي الكنّات خفيف ثقيل بالوسطى.

حسان بن ثابت و هجوه مسافع بن عياض‏

:

فأمّا خبر الشعر الذي قاله حسّان بن ثابت لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرّة، فأخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن:

أنّ عبيد[3]اللّه بن معمر و عبد اللّه‏[4]بن عامر بن كريز اشتريا من عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رقيقا ممّن سبي، ففضل عليهما ثمانون ألف درهم؛ فأمر بهما عمر أن يلزما[5]. فمرّ/بهما طلحة[6]بن عبيد اللّه و هو يريد الصلاة في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/فقال: ما لابن معمر يلازم؟فأخبر خبره؛ فأمر له بالأربعين ألفا[7]التي عليه تقضى عنه. فقال ابن معمر لابن عامر: إنها إن قضيت عنّي بقيت ملازما، و إن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى يقضي عنّي؛ فدفع إليه الأربعين ألفا[7]درهم فقضاها ابن عامر عن نفسه و خلّيت سبيله. فمرّ طلحة منصرفا من [1]نعر: صوّت بخيشومه و هو كناية عن الطرب و الاستحسان.

[2]في حـ «صياح» بالياء المثناة من تحت.

[3]هو عبيد اللّه بن معمر بن عثمان بن عمرو القرشيّ التيميّ، اختلف في صحبته، قيل: إنه صحب النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و كان من أحدث أصحابه سنا، و قيل: إنه لا يطلق على مثله أنه صحب النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و هو غلام. و استشهد باصطخر مع ابن عامر و هو ابن أربعين سنة و كان على مقدمة الجيش. (راجع «أسد الغابة في معرفة الصحابة» ج 3 ص 345 طبع بولاق) .

[4]هو عبد اللّه بن عامر بن كريز بن ربيعة القرشي العبشمي ابن خال عثمان بن عفان. ولد على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم. و كان كريما ميمون النقيبة. و استعمله عثمان على البصرة سنة تسع و عشرين و هو ابن خمس و عشرين سنة، فافتتح خراسان كلها و أطراف فارس و سجستان و كرمان. و كان أحد الأجواد الممدّحين توفي سنة سبع و خمسين أو ثمان و خمسين. (راجع «أسد الغابة» ج 3 ص 191 طبع بولاق) .

[5]لزم الغريم و لازمه: تعلق به.

[6]هو طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو القرشيّ التيميّ، يعرف بطلحة الخير و طلحة الفياض. و هو من السابقين الأولين إلى الإسلام، شهد أحدا و ما بعدها و بايع بيعة الرضوان و أبلى يوم أحد بلاء عظيما و وقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بنفسه. قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادي الآخرة سنة ست و ثلاثين، و كان عمره ستين أو اثنتين و ستين أو أربعا و ستين سنة. (راجع «أسد الغابة» ج 3 ص 59) .

[7]في الأصول: «الألف» بالألف و اللام.

41

الصلاة فوجد ابن معمر يلازم فقال: ما لابن معمر؟أ لم آمر بالقضاء عنه!فأخبر بما صنع؛ فقال: أمّا ابن معمر فعلم أنّ له ابن عم لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا و خلّي سبيله. فقال حسّان بن ثابت لمسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة:

يا آل تيم أ لا تنهون جاهلكم # قبل القذاف بصمّ كالجلاميد

فنهنهوه‏[1]فإنّي غير تارككم # إن عاد ما اهتزّ ماء في ثرى عود

لو كنت من هاشم أو من بني أسد # أو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد

أو من بني نوفل أو آل مطّلب # أو من بني جمح الخضر الجلاعيد

أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا # للّه درّك لم تهمم بتهديد

أو في الدّؤابة من تيم إذا انتسبوا # أو من بني الحارث البيض الأماجيد

لكن سأصرفها عنكم و أعدلها # لطلحة بن عبيد اللّه ذي الجود

رجع الخبر إلى سياقة أخبار الوليد:

الوليد بن يزيد و أبو الأقرع الشاعر

:

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو قال قال الهيثم حدّثني ابن عيّاش قال:

/دخل أبو[2]الأقرع على الوليد بن يزيد؛ فقال له: أنشدني قولك في الخمر؛ فأنشده قوله:

كميت إذا شجّت و في الكأس وردة # لها في عظام الشاربين دبيب

تريك القذى من دونها و هي دونه # لوجه أخيها في الإناء قطوب‏

فقال الوليد: شربتها يا أبا الأقرع و ربّ الكعبة!فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابني معرفتك بها.

رأى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن فأعجبته‏

:

أخبرني الحسن قال حدّثني ابن مهرويه قال حدّثني عبد اللّه بن عمرو قال قال المدائنيّ:

نظر الوليد بن يزيد إلى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف و قد مرّوا بين يديها بالشمع ليلا؛ فلما رآها أعجبته و راعه جمالها و حسنها؛ فسأل عنها فقيل له: إن لها زوجا؛ فأنشأ يقول:

[1]نهنهوه: ازجروه و كفوه.

[2]كذا فيما سيأتي من «الأغاني» في الكلام على ترجمته (ج 12 ص 25 طبع بولاق) . و هو عبد اللّه بن الحجاج بن محصن بن جندب، شاعر فاتك شجاع من معدودي فرسان مضر. خرج على عبد الملك بن مروان مع عمرو بن سعيد الأشدق ثم استأمن عبد الملك فأمنه. و في جميع النسخ هنا: «ابن الأقرع» .

42
صوت‏

إنما هاج لقلبي # شجوه بعد المشيب

نظرة قد وقرت في الـ # قلب من أمّ حبيب

فإذا ما ذقت فاها # ذقت عذبا ذا غروب‏[1]

خالط الراح بمسك # خالص غير مشوب‏

/غنّاه ابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ؛ و ذكر عمرو بن بانة أنه للأبجر، و هو الصحيح.

الوليد بن يزيد في آخر دولته‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن النّضر بن عمرو عن العتبيّ قال:

لمّا ظهرت المسوّدة[2]بخراسان كتب نصر بن سيّار إلى الوليد[3]يستمدّه، فتشاغل عنه؛ فكتب إليه كتابا و كتب في أسفله يقول:

أرى خلل الرّماد وميض جمر # و أحر بأن يكون له ضرام

فإن النار بالعودين تذكى # و إنّ الحرب مبدؤها الكلام

فقلت من التعجّب ليت شعري # أ أيقاظ أميّة أم نيام‏

فكتب إليه الوليد: قد أقطعتك خراسان، فاعمل لنفسك أودع، فإني مشغول عنك بابن سريج و معبد و الغريض.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد عن ابن الصبّاح عن ابن الكلبيّ عن حمّاد الراوية قال:

دخلت يوما على الوليد و كان آخر يوم لقيته فيه، فاستنشدني فأنشدته كلّ ضرب من شعر أهل الجاهليّة و الإسلام؛ فما هشّ لشي‏ء منه حتى أخذت في السّخف فأنشدته لعمّار[4]ذي مجنبذا[5]:

/

أشتهي منك منك منـ # ك مكانا مجنبذا[6]

[1]الغروب: جمع غرب و هو كثرة ريق الفم و بلله. و غروب الأسنان: مناقع ريقها، و قيل: أطرافها و حدتها و ماؤها. قال عنترة:

إذ تستبيك بذي غروب واضح # عذب مقبله لذيذ المطعم‏

[2]المسوّدة: المراد بهم دعاة بني العباس. و كان السواد شعارا للعباسيين و شيعتهم.

[3]الذي في «مروج الذهب» (ج 2 ص 159 طبع بولاق) و «ابن الأثير» (ج 5 ص 278 طبع أوروبا) و سائر كتب التاريخ أن نصر بن سيار إنما بعث بهذا الشعر إلى مروان بن محمد الجعدي آخر ملوك بني أمية.

[4]كذا في حـ، ب مصححة بقلم المرحوم الشنقيطي و هو الموافق لما سيأتي في «الأغاني» (ج 20 ص 174 طبع بولاق) في ترجمته و هو عمار بن عمرو بن عبد الأكبر يلقب ذا كنار. كان شاعرا ماجنا خميرا معاقرا للشراب و قد حدّ فيه مرارا، و كان يقول شعرا طريفا يضحك من أكثره جم السخف. و هو صديق حماد الراوية. و قد نشأ في دولة بني أمية. و في سائر النسخ: «عمار بن ذي كناز» .

و الظاهر أن لفظة «ابن مقحمة من الناسخ.

[5]وردت هذه الكلمة هكذا في الأصول و لا معنى لها.

[6]في ب، س، حـ: «بجنب ذا» ، و هو تحريف. و المجنبذ: المرتفع.

43

فأجا[1]فيه فيه فيـ # ه بأير كمثل ذا

ليت أيري و حرك يو # ما جميعا تجابذا[2]

فأخذ ذا بشعر ذا # و أخذ ذا بقعر ذا

فضحك حتى استلقى و طرب، و دعا بالشراب فشرب؛ و جعل يستعيدني الأبيات فأعيدها حتى سكر و أمر لي بجائزة؛ فعلمت أن أمره قد أدبر. ثم أدخلت على أبي مسلم فاستنشدني فأنشدته، قول الأفوه‏[3]:

لنا معاشر لم يبنوا لقومهم‏

فلما بلغت إلى قوله:

تهدى الأمور بأهل الرشد ما صلحت # و إن تولّت فبالأشرار تنقاد

قال: أنا ذلك الذي تنقاد به الناس؛ فأيقنت حينئذ أنّ أمره مقبل.

خطب يوما خطبة الجمعة بشعر

:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: وجدت في كتاب‏[4]عن عبيد اللّه بن سعيد الزّهريّ عن عمر عن أبيه قال:

خرج الوليد بن يزيد و كان مع أصحابه على شراب؛ فقيل له: إن اليوم الجمعة؛ فقال: و اللّه لأخطبنّهم اليوم بشعر؛ فصعد المنبر فخطب فقال:

الحمد للّه وليّ الحمد # أحمده في يسرنا و الجهد

و هو الذي في الكرب أستعين # و هو الذي ليس له قرين

/أشهد في الدنيا و ما سواها # أن لا إله غيره إلها

ما إن له في خلقه شريك # قد خضعت لملكه الملوك

أشهد أن الدّين دين أحمد # فليس من خالفه بمهتدي

و أنّه رسول ربّ العرش # القادر الفرد الشديد البطش

أرسله في خلقه نذيرا # و بالكتاب واعظا بشيرا

/ليظهر اللّه بذاك الدّينا # و قد جعلنا قبل مشركينا

من يطع اللّه فقد أصابا # أو يعصه أو الرسول خابا

ثم القرآن و الهدى السبيل # قد بقيا لمّا مضى الرسول‏

[1]أجا مسهل أجأ: و الوج ء: اللكز.

[2]في حـ و فيما سيأتي في ترجمته: «تآخذا» .

[3]هو الأفوه الأودى و اسمه صلاة بن عمرو من مذحج و يكنى أبا ربيعة. و قد وردت هذه القصيدة في ديوانه (نسخة ضمن مجموعة مخطوطة بقلم الشيخ الشنقيطي محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 12 أدب ش) و مطلعها فيه و في «الأغاني» (ج 11 ص 44 طبع بولاق) يختلف عما هنا.

[4]في حـ: «كتاب عبيد اللّه بن سعيد» .

44

كأنّه لما بقى لديكم # حيّ صحيح لا يزال فيكم

إنّكم من بعد إن تزلّوا # عن قصده أو نهجه تضلّوا

لا تتركن نصحي فإني ناصح # إنّ الطريق فاعلمنّ واضح

من يتّق اللّه يجد غبّ التّقى # يوم الحساب صائرا إلى الهدى

إن التّقى أفضل شي‏ء في العمل # أرى جماع البرّ فيه قد دخل

خافوا الجحيم إخوتي لعلّكم # يوم اللقاء تعرفوا ما سرّكم

قد قيل في الأمثال لو علمتم # فانتفعوا بذاك إن عقلتم

ما يزرع الزارع يوما يحصده # و ما يقدّم من صلاح يحمده

فاستغفروا ربّكم و توبوا # فالموت منكم فاعلموا قريب‏

ثم نزل.

الوليد بن يزيد و الوليد البندار

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه عن الوليد البندار[1]قال:

/حججت مع الوليد بن يزيد؛ فقلت له لما أراد أن يخطب الناس: أيها الأمير، إن اليوم يوم يشهده الناس من جميع الآفاق، و أريد أن تشرّفني بشي‏ء. قال: و ما هو؟قلت: إذا علوت المنبر دعوت بي فيتحدّث الناس بذلك و بأنك أسررت إليّ شيئا؛ فقال: أفعل. فلما جلس على المنبر قال: الوليد البندار؛ فقمت إليه؛ فقال: ادن منّي فدنوت؛ فأخذ بأذني ثم قال: البندار ولد زنا، و الوليد ولد زنا، و كلّ من ترى حولنا ولد زنا، أ فهمت؟قلت: نعم؛ قال: انزل الآن، فنزلت.

نادرة له مع أشعب‏

:

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسد قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن أشعب قال:

دخلت على الوليد بن يزيد الخاسر و قد تناول نبيذا، فقال لي: تمنّ؛ فقلت: يتمنّى أمير المؤمنين ثم أتمنّي؛ قال: فإنما أردت أن تغلبني، فإني لأتمنّى ضعف ما تتمنّى به كائنا ما كان؛ قلت: فإني أتمنّى كفلين‏[2]من العذاب؛ فضحك ثم قال: إذا نوفّرهما عليك. ثم قال لي: ما أشياء تبلغني عنك؟قلت: يكذبون عليّ. قال: متى عهدك بالأصمّ؟قلت: لا عهد لي به. فأخرج أيره كأنه ناي مدهون، فسجدت له ثلاث سجدات؛ فقال: ويلك إنما يسجد الناس سجدة واحدة؛ فقلت: واحدة للأصمّ و اثنتين لخصيتيك.

[1]البندار: الخازن.

[2]الكفل: النصيب.

45

كان يغالي بالجوهر

:

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن عليّ بن حمزة قال حدّثني عبد الصمد بن موسى الهاشميّ قال:

إنما أغلى الجوهر بنو أميّة؛ و لقد كان الوليد بن يزيد يلبس منه العقود و يغيّرها في اليوم مرارا كما تغيّر الثياب شغفا؛ فكان يجمعه من كلّ وجه و يغالي به.

برز للناس راكبا فرسا و هو متهتك‏

:

قال: و كان يوما داره على فرس له و جارية تضرب بطبل قدّامه؛ فأخذه منها و وضعه على رقبته، و نفر الفرس من صوت الطبل فخرج به على أصحابه في هذه الهيئة، و كان خليعا.

قدم المدينة و بعث لابن يسار بخمر

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ عن جويرية بن أسماء قال:

قدم/الوليد بن يزيد المدينة؛ فقلت لإسماعيل بن يسار: أحذنا[1]ممّا أعطاك اللّه؛ فقال: هلمّ أقاسمك إن قبلت، بعث إليّ براوية[2]من خمر.

مر بإسكار حاجبه و كان لا يشرب‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثني رجل قال:

كان الوليد بن يزيد إذا أصبح يوم الاثنين تغدّى و شرب رطلين ثم جلس للناس. قال: فحدّثني عمر الوادي قال: دخلت عليه و عنده أصحابه و قد تغدّى و هو يشرب؛ فقال لي: اشرب فشربت، و طرب، و غنّى صوتا واحدا و أخذ دفّافة فدفف بها، فأخذ كلّ واحد منا دفافة فدفف‏[3]بها، و قام و قمنا حتى بلغنا إلى الحاجب؛ فلما رآنا الحاجب صاح بالناس: الحرم الحرم؛ اخرجوا. و دخل الحاجب فقال: جعلني اللّه فداءك، اليوم يحضر فيه الناس؛ فقال له: اجلس و اشرب؛ فقال: إنما أنا حاجب فلا تحملني على الشّراب فما شربته قطّ؛ قال: اجلس فاشرب، فامتنع؛ فما[4]فارقناه حتى صببنا في حلقه بالقمع و قام و هو سكران.

قيل إنه افترع بنتا له و كذب ذلك أبو الفرج‏

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن شريك قال حدّثني عمّي علي بن عمرو قرقارة قال حدّثني أنيف بن هشام بن الكلبيّ و مات قبل أبيه قال حدّثني أبي قال:

/خرج الوليد بن يزيد بن مقصورة له إلى مقصورة؛ فإذا هو ببنت له معها حاضنتها، فوثب عليها فاقترعها؛ فقالت له الحاضنة: إنها المجوسيّة؛ قال: اسكتي!ثم قال:

[1]أحذى الرجل: أعطاه مما أصابه.

[2]الراوية: المزادة (القرية) .

[3]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «يدفف» .

[4]في ب، س: «لما» و هو تحريف. ـ

46

من راقب الناس مات غمّا # و فاز باللذّة الجسور

و أحسب أنا أنّ هذا الخبر باطل؛ لأنّ هذا الشعر لسلم الخاسر، و لم يدرك زمن الوليد.

تمنى غلاء الخمر و عزة النساء لئلا يبتذلا

:

أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال أخبرني مسلمة بن سلّم الكاتب قال:

قال الوليد بن يزيد: وددت أنّ كل كأس تشرب من خمر بدينار، و أن كلّ حر في جبهة أسد، فلا يشرب إلا سخيّ، و لا ينكح إلا شجاع.

شرب شرب الفرس سبعة أسابيع‏

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال: سمعت رجلا يحدّث أبي بالكوفة قال:

أرسلت إلى الوليد جفنة مملوءة قوارير فرعونيّة لم ير[1]مثلها قطّ. فلما أمسينا صببنا فيها الشراب في ليلة أربع عشرة، حتى إذا استوى القمر على رءوسنا و صار في الجفنة قال الوليد: في أيّ منزلة القمر الليلة؟فقال بعضهم: في الحمل، و قال بعضهم: في منزلة كذا و كذا من منازل القمر؛ فقال بعض جلسائه: القمر في الجفنة؛ قال: قاتلك اللّه!أصبت ما في نفسي!لتشربنّ الهفتجنّة[2]. فقال مصعب: فسأل أبي عن الهفتجنّة فقال: شرب كانت الفرس تشربه سبعة أسابيع. فشرب تسعة و أربعين يوما.

غناء المغنون فطرب و اعترض على شعر لابن أذينة

:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ عن عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال أخبرني خالد صامة المغنّي و كان من أحسن الناس غناء على عود، قال:

بعث إليّ الوليد بن يزيد، فقدمت عليه، فوجدت عنده معبدا و مالكا و الهذليّ و عمر الوادي و أبا كامل؛ فغنّى القوم و نحن في مجلس يا له من مجلس!و غلام للوليد يقال له سبرة يسقي القوم الطّلاء، إذ جاءت نوبة الغناء إليّ، فأخذت/عودي فغنّيت بأبيات قالها عروة بن أذينة يرثي أخاه بكرا:

صوت‏

سرى همّي و همّ المرء يسري # و غار النجم إلا قيد[3]فتر

أراقب في المجرّة كلّ نجم # تعرّض في المجرّة كيف يجري‏

[1]في ب، س: «لم أر» .

[2]وردت هذه الكلمة محرّفة في الأصول و صوابها ما أثبتناه و هي كلمة فارسية مركبة من كلمتين «هفت» و معناها سبعة و «جنة» و معناها مرح.

[3]في م، ء، حـ: «قيس شبر» . و القاد و القيد و القاس و القيس، كل ذلك القدر.

47

بحزن ما أزال له مديما # كأنّ القلب أسعر حرّ جمر

على بكر أخي ولّى حميدا # و أيّ العيش يحسن بعد بكر

-غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. و غنّى فيه ابن عبّاد الكاتب و لحنه رمل بالوسطى عن الهشاميّ-قال خالد: فقال لي الوليد: أعد يا صام فأعدت؛ فقال: من يقوله ويحك؟قلت: ابن أذينة؛ قال: هذا و اللّه العيش الذي نحن فيه على رغم أنفه، لقد تحجّر[1]واسعا. قال عبد الرحمن بن عبد اللّه قال عبد اللّه بن أبي فروة: و أنشدها ابن أذينة ابن أبي عتيق؛ فضحك ابن أبي عتيق و قال: كلّ العيش يحسن حتى الخبز و الزيت؛ فحلف ابن أذينة لا يكلّمه أبدا؛ فمات ابن أبي عتيق و ابن أذينة مهاجر له.

أنشدت سكينة بنت الحسين شعر ابن أذينة فاعترضت عليه‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال: بلغني أن سكينة بنت الحسين رضي اللّه عنها أنشدت، و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير عن مصعب قال: أنشدت سكينة، و أخبرني الحسين بن يحيى عن عبّاد عن أبيه عن أبي يحيى العباديّ:

أنّ سكينة أنشدت أبيات عروة بن أذينة في أخيه بكر؛ فلما انتهت إلى قوله:

على بكر أخي ولّى حميدا # و أيّ العيش يحسن بعد بكر

قالت سكينة: و من أخوه بكر!أ ليس الدّحداح‏[2]الأسيّد القصير الذي كان يمرّ بنا صباحا و مساء؟قالوا: نعم؛ قالت: كلّ العيش و اللّه يصلح و يحسن بعد بكر حتى الخبز و الزيت.

سبق سليمان بن عبد الملك بين المغنين ببدرة فأخذها ابن سريج‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ عن إسحاق قال:

قدم سليمان بن عبد الملك المدينة، فجمع المغنّين و سبّق‏[3]بينهم ببدرة، و قال: أيّكم كان أحسن غناء فهي له؛ فاجتمعوا. فبلغ الخبر ابن سريج، فجاء و قد أغلق الباب؛ فقال للحاجب: استأذن لي؛ قال: لا يمكن و قد أغلق الباب، و لو كنت جئت قبل أن يغلق الباب لاستأذنت لك. قال: فدعني أغنّ من شقّ الباب؛ قال نعم. فسكت حتى فرغ جميع المغنّين من غنائهم ثم اندفع فغنّى:

سرى همّي و همّ المرء يسري‏

فنظر المغنّون بعضهم إلى بعض و عرفوه؛ فلما فرغ قال سليمان: أحسن و اللّه!هذا و اللّه أحسن منكم غناء، أخرج يا غلام إليه بالبدرة، فأخرجها إليه.

[1]تحجر واسعا: ضيقه.

[2]الدحداح: القصير الغليظ البطن. و الأسيد: تصغير الأسود.

[3]يقال: سبق البدرة بين الشعراء، من غلب أصحابه أخذها، أي جعلها سبقا بينهم (انظر «أساس البلاغة» و «شرح القاموس» مادة سبق. و في س: «سابق» .

48

الوليد بن يزيد و فرسه السندي‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن ابن جعدبة:

أنّ رجلا أهدى إلى هشام بن عبد الملك خيلا، فكان فيها فرس مربوع‏[1]قريب الرّكاب؛ فعرف الوليد منه ما لم يعرف هشام، فنهر الرجل و شتمه و قال. أ تجي‏ء بمثل هذا إلى أمير المؤمنين!ردّوه عليه، فردّوه. فلما خرج وجّه إليه بثلاثين ألف درهم و أخذه منه؛ فهو فرسه الذي يسمّيه السّنديّ.

فأخبرني بعض أصحابي أن الوليد خرج يوما يتصيّد وحده؛ فانتدب إليه مولّى لهشام يريد الفتك به. فلما بصر به الوليد حاوله فقهره بفرسه الذي كان/تحته فقتله. و قال في ذلك:

أ لم تر أنّي بين ما أنا آمن # يخبّ بي السّنديّ قفرا فيافيا

تطلّعت من غور فأبصرت فارسا # فأوجست منه خيفة أن يرانيا

و لما بدا لي أنما هو فارس # وقفت له حتى أتى فرمانيا

رماني ثلاثا ثم إنّي طعنته # فروّيت منه صعدتي و سنانيا

غنّاه أبو كامل لحنا من الماخوريّ بالبنصر. و لإبراهيم فيه ثقيل أوّل، و قيل: إن له فيه ماخوريّا آخر. و فيه لعمر الواديّ ثاني ثقيل. و لمالك رمل من رواية الهشاميّ.

قال: و قال الوليد أيضا في فرسه السّنديّ:

قد أغتدي بذي سبيب هيكل‏[2] # مشرّب‏[3]مثل الغراب أرجل‏[4]

/أعددته لحلبات الأحول # و كلّ نقع ثائر لجحفل

و كلّ خطب ذي شئون معضل‏

فقال هشام: لكنّا أعددنا له ما يسوؤه، نخلعه و نقصيه، فيكون مهانا مدحورا مطّرحا.

ماتت سلمى بعد زفافها بسبعة أيام فرثاها

:

نسخت من كتاب أحمد بن أبي طاهر حدّثني أبو الحسن‏[5]العقيليّ:

أنّ الوليد لمّا ولي الخلافة خطب سلمى التي كان ينسب بها، فزوّجها لمّا مضى صدر من خلافته؛ فقامت عنده سبعة أيام فماتت؛ فقال يرثيها:

يا سلّم كنت كجنّة قد أطعمت‏[6] # أفنانها دان جناها موضّع‏[7]

[1]المربوع: الوسيط القامة.

[2]الهيكل من الخيل: الكثيف العبل اللين، و هو أيضا الطويل علوا و عدوا.

[3]المشرب: الممزوج لونه بحمرة.

[4]الأرجل من الخيل: الذي في إحدى رجليه بياض. و الرجل مكروه في الخيل إلا أن يكون به وضح غيره. (عن «اللسان» مادة رجل) .

[5]في ب، س، حـ: «أبو الحسين» ، و هو تحريف.

[6]أطعمت الشجرة: أثمرت.

[7]الموضع: المنضد.

49

أربابها شفقا[1]عليها نومهم # تحليل موضعها و لمّا يهجعوا

حتى إذا فسح الربيع ظنونهم # نثر الخريف ثمارها فتصدّعوا

أمر و هو سكران بقتل نديمه القاسم ثم ندم و رثاه‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي العالية، و أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزّبير بن بكّار عن عمّه:

أنّ الوليد بن يزيد لمّا انهمك على شربه و لذّاته و رفض الآخرة وراء ظهره و أقبل على القصف و العسف مع المغنّين مثل مالك و معبد و ابن عائشة و ذويهم، كان نديمه القاسم بن الطويل العباديّ، و كان أديبا ظريفا شاعرا، فكان لا يصبر عنه؛ فغنّاه معبد ذات يوم شعر عديّ:

صوت‏

بكر العاذلون في وضح الصبـ # ح يقولون لي أ لا تستفيق

لست أدري و قد جفاني خليلي # أ عدوّ يلومني أم صديق

/ثم قالوا ألا اصبحونا فقامت # قينة في يمينها إبريق

قدّمته على عقار كعين الدّ # يك صفّى سلافها الرّاووق‏

-فيه لمعبد ثقيل و يقال إنه لحنين. و فيه لمالك خفيف رمل. و فيه لعبد اللّه بن العباس رمل كلّ ذلك عن الهشاميّ-قال: فاستحسنه الوليد و أعجب به و طرب عليه و جعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر فنام في موضعه، فانصرف ابن الطويل. فلما أفاق الوليد سأل عنه، /فعرّف حين انصرافه؛ فغضب و قال و هو سكران لغلام كان واقفا على رأسه يقال له سبرة: اثنتي برأسه، فمضى الغلام حتى ضرب عنقه و أتاه برأسه فجعله في طست بين يديه؛ فلما رآه أنكره و سأل عن الخبر فعرّفه، فاسترجع و ندم على ما فرط منه، و جعل يقلّب الرأس بيده. ثم قال يرثيه:

صوت‏

عينيّ للحدث الجليل # جودا بأربعة[2]همول

جودا بدمع‏[3]إنّه # يشفي الفؤاد من الغليل

للّه قبر ضمّنت # فيه عظام ابن الطويل

ما ذا تضمّن إذ ثوى # فيه من اللّبّ الأصيل‏

[1]شفقا: خوفا.

[2]الأربعة يعني بها اللحاظين و الموقين فإن الدمع يجري من الموقين فإذا غلب و كثر جري من اللحاظين أيضا. قال المتنبي:

كأن الصبح يطردها فتجري # مدامعها بأربعة سجام‏

(انظر «شرح التبيان» للعكبري على «ديوان أبي الطيب» ج 2 ص 414 طبع بولاق) .

[3]كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «بدمعي» .

50

قد كنت آوي من هوا # ك إلى ذرى كهف ظليل

أصبحت بعدك واحدا # فردا بمدرجة السيول‏

/-غنّاه الغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. و غنّى فيه سليم لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر عن الهشاميّ، و ذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان، و ذكر حبش أنّه لأبي كامل، و ذكر غيره أن‏[1]لحن الغريض لدحمان-قال: ثم دخل إلى جواريه فقال: و اللّه ما أبالي متى جاءني الموت بعد الخليل ابن الطويل. فيقال: إنه لم يعش بعده إلا مديدة حتى قتل. و اللّه أعلم.

أجاز حمادا الراوية لطربه لشعر أنشده إياه‏

:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال روى الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش عن حمّاد الراوية قال:

دعاني الوليد يوما من الأيام في السّحر و القمر طالع و عنده جماعة من ندمائه و قد اصطبح؛ فقال: أنشدني في النّسيب؛ فأنشدته أشعارا كثيرة، فلم يهشّ لشي‏ء منها، حتى أنشدته قول عمّار ذي كناز[2]:

اصبح‏[3]القوم قهوة # في الأباريق تحتذى

من كميت مدامة # حبّذا تلك حبّذا

فطرب. ثم رفع رأسه إلى خادم و كان قائما كأنه الشمس، فأومأ إليه فكشف سترا خلف ظهره، فطلع منه أربعون وصيفا و وصيفة كأنهم اللؤلؤ المنثور في أيديهم الأباريق و المناديل؛ فقال: اسقوهم، فما بقي أحد إلا أسقي، و أنا في خلال ذلك أنشده الشعر؛ فما زال يشرب و يسقى إلى طلوع الفجر. ثم لم نخرج عن حضرته/حتى حملنا الفرّاشون في البسط فألقونا في دار الضيافة، فما أفقنا حتى طلعت الشمس. قال حمّاد: ثم أحضرني فخلع عليّ خلعا من فاخر ثيابه و أمر لي بعشرة آلاف درهم و حملني على فرس.

خاصم وكيله الجعفريّ في أرض لدى هشام فلم ينصفه فقال هو شعرا

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال:

كان بين الحكم بن الزّبير أخي أبي بكر بن كلاب و بين بكر بن نوفل أحد بني جعفر بن كلاب شي‏ء في وكالة للوليد بن يزيد يخاصم الجعفريّ في الرّحبة[4]من أرض دمشق، و كان الجعفريّ قد استولى عليها فقطع شفره الأعلى، فاستعدى عليه هشاما فلم يعده؛ فقال الوليد في ذلك:

[1]يلاحظ أن هذه الجملة مكررة في أكثر الأصول و قد جاءت في‏ء هكذا:

«... بالبنصر عن الهشامي و ذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان ثم دخل إلى جواريه... إلخ» .

[2]في الأصول «قول عديّ بن زيد» و هو خطأ، فإن هذه الأبيات من القصيدة الذالية السالفة الواردة في أخبار الوليد و المنسوبة لعمار ذي كناز. و قد جاءت هذه القصة في «الأغاني» (ج 20 ص 179-180 طبع بولاق) في ترجمة عمار هذا و نسب الشعر فيها له.

[3]صبحت فلانا: ناولته صبوحا من لبن أو خمر.

[4]رحبة دمشق: قرية بينها و بين دمشق ميل.

51
صوت‏

/

أيا حكم المتبول‏[1]لو كنت تعتزى‏[2] # إلى أسرة ليسوا بسود زعانف

لأيقنت قد أدركت و ترك عنوة # بلا حكم قاض بل بضرب السوالف‏

-غنّاه الهذليّ ثقيلا أوّل عن الهشاميّ و يونس-قال: فلما استخلف الوليد بعث إلى بكر بن نوفل الجعفريّ‏[3] فقال: أ لا[4]تعطي حكم بن الزّبير حقّه!قال: لا؛ فأمر به فشترت‏[5]عينه. ثم قال:

يا ربّ أمر ذي شئون جحفل‏[6] # قاسيت فيه جلبات‏[7]الأحول‏

مات ابنه مؤمن و نعاه إليه سنان الكاتب و هو سكران فرثاه‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال:

خرج الوليد إلى متصيّد له فأقام به، و مات له ابن يقال له مؤمن بن الوليد، فلم يقدر أحد أن ينعاه إليه، حتى ثمل فنعاه إليه سنان الكاتب و كان مغنّيا؛ فقال الوليد-و في هذا الشعر غناء من الأصوات التي اختيرت للواثق و الرشيد قبله-:

صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى‏

أتاني سنان بالوداع لمؤمن # فقلت له إني إلى اللّه راجع

ألا أيّها الحاثي‏[8]عليه ترابه # هبلت و شلّت من يديك الأصابع

يقولون لا تجزع و أظهر جلادة # فكيف بما تحنى عليه الأضالع‏

عروضه من الطويل. غنّاه سنان الكاتب، و لحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لأبي كامل خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. و قيل: إن فيه لحنا لعبد اللّه بن يونس صاحب أيلة.

كتب له مؤدبه يزيد شعرا ينصحه فرد عليه‏

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عقيل بن عمرو قال:

[1]المتبول: المصاب بتبل و هو الذحل و العداوة.

[2]تعتزي: تنتسب.

[3]كذا في ب مصححة بقلم المرحوم الشنقيطي و هو الموافق لسياق القصة. و في الأصول «إلى بكر بن الجعدي» و هو تحريف.

[4]كذا في ب مصححة بقلم المرحوم الشنقيطي. و في الأصول: «لا تعطي» بدون ألف و هو خطأ.

[5]شتر عينه: شقها و قلب جفنها.

[6]الجحفل: العظيم.

[7]كذا في حـ. و الجلبات: الشدائد. و في سائر الأصول: «حلبات» بالحاء المهملة و هو تصحيف.

[8]حثا التراب عليه و في وجهه يحثوه: قبضه و رماه.

52

قال يزيد بن أبي مساحق‏[1]السّلميّ مؤدّب الوليد شعرا و بعث به إلى النّوار جارية الوليد، فغنّته به، و هو:

مضى الخلفاء بالأمر الحميد # و أصبحت المذمّة للوليد

تشاغل عن رعيّته بلهو # و خالف فعل ذي الرأي الرشيد

/فكتب إليه الوليد:

ليت حظّي اليوم من كلّ معاش لي و زاد

قهوة أبذل فيها # طارفي ثم تلادي

فيظلّ القلب منها # هائما في كلّ واد

إنّ في ذاك صلاحي # و فلاحي و رشادي‏

نهى بني أمية عن الغناء و قال إنه رقية الزنا

:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إبراهيم بن الوليد الحمصيّ قال حدّثنا هارون بن الحسن العنبريّ قال:

قال الوليد بن يزيد: يا بني أميّة، إياكم و الغناء فإنّه ينقص الحياء و يزيد في الشهوة و يهدم المروءة و يثوّر على الخمر و يفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بدّ فاعلين، فجنّبوه النساء فإنّ الغناء رقية الزّنا. و إني لأقول ذلك فيه على أنه/أحبّ إليّ من كل لذّة و أشهى إليّ من الماء البارد إلى ذي الغلّة، و لكن الحقّ أحقّ أن يقال.

قال له بعض مواليه إن الناس أنكروا عليك البيعة لابنيك فأجابه و قال شعرا

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال حدّثني بعض موالي الوليد قال:

دخلت إليه و قد عقد لابنيه بعده و قدّم عثمان؛ فقلت له: يا أمير المؤمنين، أقول قول الموثوق بنصيحته أو يسعني السكوت؟قال: بل قل قول الموثوق به؛ فقلت: إن الناس قد أنكروا ما فعلت و قالوا: يبايع لمن لم يحتلم؛ و قد سمعت ما أكره فيك؛ فقال: عضّوا ببظور أمهاتكم، أ فأدخل بيني و بين ابني غيري؛ فيلقى منه كما لقيت من الأحول بعد أبي!ثم أنشأ يقول:

صوت‏

سرى طيف ذا الظبي بالعاقدا # ن ليلا فهيّج قلبا عميدا

و أرّق عيني على غرّة # فباتت بحزن تقاسى السّهودا

/نؤمل عثمان بعد الوليـ # د للعهد فينا و نرجو سعيدا[2]

[1]في حـ: (يزيد بن مساحق) .

[2]كذا في الأصول. و رواية هذا البيت في «الطبري» (ق 2 ص 1756) :

نؤمل عثمان بعد الوليـ # د للعهد فينا و نرجو يزيدا

و في هامشه رواية أخرى و هي:

53

كما كان إذ كان في دهره # يزيد يرجّي لتلك الوليدا

على أنها شسعت‏[1]شسعة # فنحن نرجّي لها أن تعودا

فإن هي عادت فعاص‏[2]القريـ # ب منها لتؤيس منها البعيدا

-غنّاه أبو كامل ثاني ثقيل بالبنصر من أصوات قليلة الأشباه. و ذكر عمرو بن بانة أن فيه لعمر الوادي لحنا من الماخوريّ بالوسطى. و ذكر الهشاميّ أن فيه خفيف رمل لحكم، و ذكرت دنانير عن حكم أنه لعمر الوادي، و ذكر حبش أن الثقيل الثاني لمالك و أن فيه لفضل النجّار رملا بالبنصر-أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد عن الزّبير بن بكّار قال: هو:

سرى طيف ظبي بأعلى الغوير

و لكن هذا تصحيف سليمان السّوادي أو قال: خليد.

حبس يزيد الناقص وليي عهد الوليد و قتلهما

:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال:

كان الوليد قد بايع لابنيه الحكم و عثمان، و هو أوّل من بايع لابن سرّيّة أمة، و لم يكونوا يفعلون ذلك، و أخذهما يزيد بن الوليد الناقص، فحبسهما ثم قتلهما؛ و فيهما يقول ابن أبي عقب:

/

إذا قتل الخلف المديم لسكره # بقفر من البخراء[3]أسّس في الرّمل

و سيق بلا جرم إلى الحتف و الرّدى # بنيّاه حتى يذبحا مذبح السّخل

فويل بني مروان ما ذا أصابهم # بأيدي بني العباس بالأسر و القتل‏

تبع الكلبي الزنديق على قوله في ماني و ردّه العلاء البندار

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني علي بن محمد النّوفليّ قال حدّثني أبي عن العلاء البندار قال:

كان الوليد زنديقا، و كان رجل من كلب يقول بمقالته مقالة الثّنويّة[4]؛ فدخلت على الوليد يوما و ذلك الكلبيّ عنده، و إذا بينهما سفط قد رفع رأسه عنه فإذا ما يبدو لي منه حرير أخضر؛ فقال: ادن يا علاء فدنوت، فرفع الحريرة فإذا في السّفط صورة إنسان و إذا الزئبق و النوشادر قد جعلا في جفنه فجنفه يطرف كأنه يتحرّك؛ فقال:

يا علاء، هذا ماني‏[5]، لم يبتعث اللّه نبيّا قبله و لا يبتعث نبيّا بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتّق اللّه/و لا يغرّنّك

نؤمل عثمان بعد الوليـ # د أو حكما ثم نرجو سعيدا

و لم نجد في كتب التاريخ ما يدل على أن للوليد ابنا يسمى سعيدا.

[1]شسعت: بعدت.

[2]عاص القريب، يريد جاف القريب و لا تدنه من الخلافة بتوليتك إياه العهد. و رواية الطبري:

فإن هي عادت فأوص القريـ # ب عنها ليؤيس منها البعيدا

[3]البخراء: أرض بالشام سميت بذلك لعفونة في تربتها و نتنها.

[4]الثنوية: أصحاب الاثنين الأزليين، يزعمون أن النور و الظلمة أزليان قديمان. (انظر «الملل و النحل» للشهرستاني ص 188) .

[5]هو ماني بن فاتك الحكيم، ظهر في زمان سابور بن أردشير و قتله بهرام بن هرمز بن سابور و ذلك بعد عيسى عليه السّلام. اتخذ دينا بين المجوسية و النصرانية، و كان يقول بنبوّة المسيح عليه السّلام و لا يقول بنبوّة موسى عليه السّلام. (عن «الملل و النحل» ) .

54

هذا الذي ترى عن دينك. فقال له الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، أ لم أقل لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: و مكثت أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به و الكلبيّ عنده، إذ نزل من عنده و قد كان الولد حمله على برذون هملاج‏[1]أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلاّ و أعراب قد جاءوا به يحملونه منفسخة عنقه ميّتا/و برذونه يقاد حتى أسلموه.

فبلغني ذلك، فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، و قد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها و لا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو اللّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه‏[2]فاحتمله ثم نكسه و ضرب برأسه الأرض فدقّ عنقه ثم غاب عن عيوننا؛ فاحتملناه فجئنا به.

قصة الخارجين عليه و مقتله‏

:

و أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال:

لما أكثر الوليد بن يزيد التهتّك و انهمك في اللذّات و شرب الخمر و بسط المكروه على ولد هشام و الوليد و أفرط في أمره و غيّه، ملّ الناس أيامه و كرهوه. و كان قد عقد لابنيه بعده و لم يكونا بلغا؛ فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه، و كان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فمشى إلى أخيه العباس- و كان امرأ صدق و لم يكن في بني أميّة مثله، كان يتشبّه بعمر بن عبد العزيز-فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد؛ فقال له: يا أخي، إن الناس قد ملّوا بني مروان، و إنّ مشى بعضكم في أمر[3]بعض أكلتم، و للّه أجل لا بدّ أن يبلغه فانتظره. فخرج من عنده و مشى إلى غيره، فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه؛ فعاد إلى أخيه و معه مولّى له و أعاد عليه القول و عرّض له بأنه قد دعي إلى الخلافة؛ فقال له: و اللّه لو لا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجّهت بك إليه مشدودا؛ فنشدتك اللّه ألاّ تسعى في شي‏ء من هذا. فانصرف/من عنده و جعل يدعو الناس إلى نفسه. و بلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه و مشى بعضهم إلى بعض في خلعه:

صوت‏

سلّ همّ النفس عنها # بعلنداة[4]علاة

تتّقي الأرض و تهوي # بخفاف مدمجات

ذاك أم ما بال قومي # كسروا سنّ قناتي

و استخفّوا بي و صاروا # كقرود خاسئات‏

[1]الهملاج: الحسن السير في سرعة و بخترة.

[2]الضبع: العضد و الإبط، يقال: أخذ بضبعيه أي بعضديه.

[3]في ب، س، حـ: «في أثر» .

[4]العلنداة: الناقة الضخمة الطويلة. و ناقة علاة الخلق أي طويلة جسيمة. ـ