الأغاني - ج8

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
520 /
229

الجزء الثامن‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء الثامن من كتاب الأغاني>

1-نسب جرير و أخباره‏

نسبه من قبل أبويه‏

:

جرير بن عطيّة بن الخطفى. و الخطفى لقب، و اسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. و يكنى أبا حزرة. و لقّب الخطفى لقوله:

يرفعن للّيل‏[1]إذا ما أسدفا[2] # أعناق جنّان و هاما رجّفا

و عنقا[3]بعد الكلال خيطفا

و يروى: خطفى.

/و هو و الفرزدق و الأخطل المقدّمون على شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية جميعا. و مختلف في أيّهم المتقدّم؛ و لم يبق أحد من شعراء عصرهم إلاّ تعرّض لهم فافتضح و سقط و بقوا يتصاولون؛ على أن الأخطل إنما دخل بين جرير و الفرزدق في آخر أمرهما و قد أسنّ و نفد أكثر عمره. و هو و إن كان له فضله و تقدّمه فليس‏[4]نجره‏[5] من نجار هذين في شي‏ء؛ و له أخبار مفردة عنهما ستذكر بعد هذا مع ما يغنّى من شعره.

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحيّ قال حدّثنا محمد بن سلاّم الجمحيّ، و أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ و عليّ بن سليمان الأخفش قالا حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب و أبي غسّان دماذ [1]في «اللسان» و «شرح القاموس» (مادتي خطف و سدف) و «الاشتقاق» لابن دريد و «المؤتلف و المختلف» للآمدي: «بالليل» .

[2]أسدف الليل: أظلم. و الجنان: جنس من الحيات إذا مشت رفعت رءوسها، واحدها جان. و الهام: الرءوس.

[3]العنق: السير المنبسط. و الخيطف و الخيطفي: سرعة انجذاب السير، كأنه يختطف في مشيه عنقه، أي يجتذبه. و رواية هذا الشطر في «الشعر و الشعراء» (ص 283 طبع أوروبا) :

و عنقا باقي الرسيم خيطفا و قد ذكر صاحب «اللسان» (مادة خطف) رواية الأصل كما أورد رواية أخرى هي:

و عنقا بعد الرسيم خيطفا و الرسيم: ضرب من السير سريع مؤثر في الأرض.

[4]كذا في جميع الأصول. و ليس لهذه الفاء، موقع في الكلام.

[5]النجر و النجار: الأصل و الحسب. يريد أنه ليس من معدنهما.

230

و إبراهيم بن سعدان عن أبيه جميعا عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، بنسب جرير على ما ذكرته و سائر ما أذكره في الكتاب من أخباره فأحكيه عن أبي عبيدة أو عن محمد بن سلاّم. قالوا جميعا:

و أمّ جرير أمّ قيس بنت معيد[1]بن عمير[2]بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب بن يربوع. و أمّ عطيّة النّوار بنت يزيد بن عبد العزّى بن مسعود بن حارثة بن عوف بن كليب.

قال أبو عبيدة و محمد بن سلاّم و وافقهما الأصمعيّ فيما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة عنه‏[3]:

/اتفقت العرب على أن أشعر أهل الإسلام ثلاثة: جرير و الفرزدق و الأخطل، و اختلفوا في تقديم بعضهم على بعض. قال محمد بن سلاّم: و الراعي معهم في طبقتهم و لكنّه آخرهم، و المخالف في ذلك قليل. و قد سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهدا قط قد ذكر فيه جرير و الفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. و كان يونس فرزدقيّا.

قال ابن سلاّم: و قال ابن دأب: الفرزدق أشعر عامّة و جرير أشعر خاصّة. و قال أبو عبيدة: كان أبو عمرو يشبّه جريرا بالأعشى، و الفرزدق بزهير، و الأخطل بالنابغة. قال أبو عبيدة: يحتجّ من قدّم جريرا بأنه كان أكثرهم فنون شعر، و أسهلهم ألفاظا، و أقلّهم تكلّفا، و أرقّهم نسيبا، و كان ديّنا عفيفا. و قال عامر بن عبد الملك: جرير كان أشبههما[4]و أنسبهما.

و نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ: قال خالد بن كلثوم: ما رأيت أشعر من جرير و الفرزدق؛ قال الفرزدق بيتا مدح فيه قبيلتين و هجا قبيلتين، قال:

عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدها # كما آل يربوع هجوا آل دارم‏[5]

/يعني بعبيدها بني حنيفة. و قال جرير بيتا هجا فيه أربعة:

إن الفرزدق و البعيث و أمّه # و أبا البعيث لشرّ ما إستار[6]

قال: و قال جرير: لقد هجوت التّيم في ثلاث كلمات ما هجا فيهنّ شاعر شاعرا قبلي، قلت:

من الأصلاب ينزل لؤم تيم # و في الأرحام يخلق و المشيم‏

[1]كذا في «النقائض» (ص 7 طبع أوروبا) عند الكلام على شرح بيت غسان بن ذهيل في هجاء جرير و هو:

ستعلم ما يغني معيد و معرض # إذا ما سليط غرّقتك بحورها

و في الأصول: «سعد» .

[2]في «النقائض» : «بن عثيم بن حارثة... إلخ» .

[3]في ب، س: «... عن عمر بن شبة أنه اتفقت إلخ» .

[4]كذا في م، أ، ء، و في ب، س: «كان أسنهما... » . و لعل الصواب فيه: «كان أسبهما» كما سيأتي في ص 9 من هذا الجزء.

[5]آل دارم: قوم الفرزدق. و آل يربوع: قوم جرير.

[6]الإستار (بكسر الهمزة) من العدد: الأربعة. و ما زائدة. يريد أن هؤلاء المذكورين في البيت شرّ أربعة.

231

جرير و طبقته من الشعراء

/و قال محمد بن سلاّم: قال العلاء بن جرير العنبريّ و كان شيخا و قد جالس الناس: إذا لم يجي‏ء الأخطل سابقا فهو سكّيت‏[1]، و الفرزدق لا يجي‏ء سابقا و لا سكّيتا، و جرير يجي‏ء سابقا و مصلّيا[2]و سكّيتا. قال محمد بن سلاّم: و رأيت أعرابيّا من بني أسد أعجبني ظرفه و روايته، فقلت له: أيّهما عندكم أشعر؟قال: بيوت الشعر أربعة:

فخر و مديح و هجاء و نسيب، و في كلّها غلب جرير؛ قال في الفخر:

إذا غضبت عليك بنو تميم # حسبت الناس كلّهم غضابا

و المديح:

أ لستم خير من ركب المطايا # و أندى العالمين بطون راح‏

و الهجاء:

فغضّ الطّرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا

و النّسيب:

إنّ العيون التي في طرفها حور # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

قال أبو عبد اللّه محمد بن سلاّم: و بيت النّسيب عندي:

فلما التقى الحيّان ألقيت العصا # و مات الهوى لما أصيبت مقاتله‏

قال كيسان‏[3]: أما و اللّه لقد أوجعكم (يعني في الهجاء) . فقال: يا أحمق!أ و ذاك يمنعه أن يكون شاعرا!.

تفضيله عبيدة بن هلال على الفرزدق‏

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة، و أخبرنا أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلاّم الجمحيّ قال حدّثني أبان بن عثمان البلخيّ قال:

/تنازع في جرير و الفرزدق رجلان‏[4]في عسكر المهلّب، فارتفعا إليه و سألاه؛ فقال: لا أقول بينهما شيئا و لكنّي أدلّكما على من يهون عليه سخطهما: عبيدة[5]بن هلال اليشكريّ-و كان بإزائه مع قطريّ‏[6]و بينهما نهر.

و قال عمر بن شبّة: في هؤلاء الخوارج من تهون عليه سبال‏[7]كلّ واحد منهما-فأمّا أنا فما كنت لأعرّض نفسي لهما. فخرج أحد الرجلين و قد تراضيا بحكم الخوارج؛ فبدر من الصفّ ثم دعا بعبيدة بن هلال للمبارزة فخرج إليه.

[1]السكيت (بتشديد الكاف و تخفيفها) : الذي يجي‏ء آخر الخيل في السباق.

[2]المصلى: الذي يجي‏ء بعد الأوّل في السباق.

[3]لم يتقدّم لهذا الاسم ذكر في هذا الخبر.

[4]في ب، س: «من» .

[5]هو عبيدة بن هلال اليشكري أحد زعماء الخوارج و قوّادهم و فصحائهم. (انظر فقرا عليه في «الطبري» ق 2 ص 391، 515، 585، 586، 762 طبع أوروبا) .

[6]هو قطري بن الفجاءة أحد أبطال الخوارج و متقدميها، و كان شاعرا.

[7]كذا في أ، حـ. و السبال: جمع سبلة و هي طرف الشارب و مقدّم اللحية. يريد أن في هؤلاء الخوارج من لا يباليهما. و في ب، س:

«يهون عليه أن يسأل كل واحد إلخ» . و في م، ء: «يهون عليه يسأل إلخ» .

232

فقال: إني أسألك عن شي‏ء تحاكمنا إليك فيه؛ فقال: و ما هو؟عليكما لعنة اللّه. قال: فأيّ الرجلين عندك أشعر:

أ جرير أم الفرزدق؟فقال: لعنكما اللّه و لعن جريرا و الفرزدق!أ مثلى يسأل عن هذين الكلبين!قالا: لا بدّ من حكمك. قال: فإنّي سائلكم قبل ذلك عن ثلاث. قالوا: سل. قال: ما تقولون في إمامكم إذا فجر؟قالوا: نطيعه و إن عصى اللّه عزّ و جلّ. قال: قبحكم اللّه!فما تقولون في كتاب اللّه و أحكامه؟قالوا: ننبذه وراء ظهورنا و نعطّل أحكامه. /قال: لعنكم اللّه إذا!فما تقولون في اليتيم؟قالوا: نأكل ماله و ننيك أمّه. قال: أخزاكم اللّه إذا!و اللّه لقد زدتموني فيكم‏[1]بصيرة. ثم ذهب لينصرف؛ فقالوا له: إن الوفاء يلزمك، و قد سألتنا فأخبرناك و لم تخبرنا؛ فرجع فقال: من الذي يقول:

/

إنّا لنذعر يا قفير[2]عدوّنا # بالخيل لاحقة[3]الاباطيل قودا

و تحوط حوزتنا و تحمي سرحنا # جرد ترى لمغارها[4]أخدودا

أجرى قلائدها و قدّد لحمها # ألاّ يذقن مع الشّكائم عودا

و طوى القياد مع الطّراد متونها # طيّ التّجار بحضرموت برودا

قالا: جرير، قال: فهو ذاك، فانصرفا.

حديث الأصمعيّ و غيره عنه‏

:

أخبرني عمّ أبي عبد العزيز بن أحمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال قال الأصمعيّ و ذكر جريرا فقال‏[5]:

كان ينهشه ثلاثة أو ربعون شاعرا فينبذهم وراء ظهره و يرمي بهم واحدا واحدا، و منهم من كان ينفحه‏[6]فيرمي به، و ثبت له الفرزدق و الأخطل. و قال جرير: و اللّه ما يهجوني الأخطل وحده و إنه ليهجوني معه خمسون شاعرا كلّهم عزيز[7]ليس بدون الأخطل، و ذلك أنه كان إذا أراد هجائي جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا و هذا بيتا، و ينتحل هو القصيدة بعد أن يتمّموها.

قال ابن سلاّم: و حدّثني أبو البيداء الرّياحيّ قال قال الفرزدق: إنّي و إيّاه لنغترف من بحر واحد و تضطرب دلاؤه عند طول النهر.

/أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني زيرك بن هبيرة المنانيّ قال:

كان جرير ميدان الشعر، من لم يجر فيه لم يرو شيئا، و كان من هاجى جريرا فغلبه جرير أرجح عندهم ممّن هاجى شاعرا آخر غير جرير فغلب.

[1]لعل الصواب: «... بكم بصيرة» .

[2]كذا في «ديوانه» المخطوط بقلم المرحوم الأستاذ الشنقيطي (المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 1 أدب ش) و «شرح القاموس» (مادة قفر) . و هي أم الفرزدق الشاعر. و في الأصول: «فقير» بتقديم الفاء على القاف، و هو تصحيف.

[3]الأياطل: جمع أيطل و هي الخاصرة. و لاحقة: ضامرة. و القود: جمع أقود و قوداء. و الأقود من الخيل: الطويل العنق العظيمة.

[4]المغار: الإغارة. و الأخدود. الشبق، يريد أثر حوافرها في الأرض.

[5]كذا في الأصول، و الكلام مستغن عنها.

[6]كذا في حـ، يقال: نفحه (بالحاء المهملة) بالسيف أي ضربه به ضربة خفيفة. و في سائر الأصول: «ينفخه» بالخاء المعجمة.

[7]في ب، س: «عربيّ» .

233

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال: تذاكروا جريرا و الفرزدق في حلقة يونس‏[1]بن معاوية بن أبي عمرو بن العلاء و خلف الأحمر و مسمع و عامر ابنا عبد الملك المسمعيّان، فسمعت عامرا و هو شيخ بكر بن وائل يقول: كان جرير و اللّه أنسبهما و أسبّهما و أشبههما.

سمع الراعي شعره فأقرّ بأنه جدير بالسبق‏

:

قال ابن سلاّم: و حدّثني أبو البيداء قال: مرّ راكب بالراعي و هو يغنّي بيتين لجرير، و هما:

و عاو عوى من غير شي‏ء رميته # بقارعة أنفاذها تقطر الدّما

خروج بأفواه الرّواة كأنّها # قرا هندوانيّ‏[2]إذا هزّ صمّما

فأتبعه الراعي رسولا يسأله لمن البيتان؟قال: لجرير. قال: لو اجتمع على هذا جميع الجنّ و الإنس ما أغنوا فيه شيئا. ثم قال لمن حضر: ويحكم أ ألام على أن يغلبني مثل هذا!.

رأي بشار فيه و في صاحبيه و رثاؤه ابنه‏

:

قال ابن سلاّم: و سألت بشّارا المرعّث: أيّ الثلاثة أشعر؟فقال: لم يكن الأخطل مثلهما و لكنّ ربيعة تعصّبت له و أفرطت فيه. قلت: فهذان؟قال: كانت لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، و لقد ماتت النّوار فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير. فقلت لبشّار: و أيّ شي‏ء لجرير من المراثي إلاّ التي رثى بها امرأته!فأنشدني لجرير يرثي ابنه سوادة و مات بالشأم:

قالوا نصيبك من أجر لهم # كيف العزاء و قد فارقت أشبالي

/فارقتني حين كفّ الدهر من بصري # و حين صرت كعظم الرّمة البالي

أمسى سوادة يجلو مقلتي لحم‏[3] # باز يصرصر فوق المربأ العالي

قد كنت أعرفه منّي إذا غلقت # رهن الجياد و مدّ الغاية الغالي‏[4]

إنّ الثّويّ‏[5]بذي الزّيتون فاحتسبي # قد أسرع اليوم‏[6]في عقلي و في حالي

إلاّ تكنّ لك بالدّيرين معولة # فربّ باكية بالرّمل معوال‏

[1]وردت هذه العبارة هكذا في جميع الأصول. و لعل الصواب فيها: في حلقة يونس بن حبيب و فيها أبو عمرو بن العلاء... إلخ» لأن الذي كانت له حلقة بالبصرة هو يونس بن حبيب و كان يقصده طلبة العربية و فصحاء الأعراب و البادية. و كان من معاصري أبي عمرو بن العلاء و خلف الأحمر و المسمعيين المذكورين هنا، و هم الذين تكررت رواية محمد بن سلام عنهم في «طبقاته» ، و كانوا يتزاورون و يتذاكرون في المسائل العربية و غيرها و لهم مجالس معروفة في ذلك. (راجع «الأمالي» لأبي علي القالي ج 1 ص 48 طبعة دار الكتب المصرية و «طبقات ابن سلام» طبعة أوروبا و «نزهة الألبا في طبقات الأدبا» لابن الأنباري) .

[2]الهندواني (بكسر الهاء و تضم) : المنسوب للهند، و هي نسبة شاذة.

[3]اللحم: البازي الذي يأكل اللحم أو يشتهيه. و صرصر: صوّت و صاح أشد الصياح. و المربأ: المرقب.

[4]الغالي: الرامي بالسهام.

[5]الثويّ المقيم.

[6]كذا في أكثر الأصول و «تجريد الأغاني» و «ديوانه» . و في ب، س: «الموت» .

234

كأمّ بوّ عجول عند معهده # حنّت إلى جلد[1]منه و أوصال

حتى إذا عرفت أن لا حياة به # ردّت هماهم‏[2]حرّى الجوف مثكال

زادت على وجدها وجدا و إن رجعت‏[3] # في الصدر منها خطوب ذات بلبال‏

أخبرني عبد الواحد بن عبيد عن قعنب بن المحرز الباهليّ عن المغيرة بن حجناء و عمارة بن عقيل قالا:

/خرج جرير إلى دمشق يؤمّ الوليد، فمرض ابن له يقال له سوادة، و كان به معجبا، فمات بالشأم، فجزع عليه و رثاه جرير فقال:

أودى سوادة يجلو مقلتي لحم # باز يصرصر فوق المربأ العالي‏

حديث الفرزدق عنه‏

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أحمد بن معاوية قال حدّثني رجل من أصحاب الحديث يقال له الحسن قال حدّثني أبو نصر اليشكريّ عن مولى لبني هاشم قال:

امترى‏[4]أهل المجلس في جرير و الفرزدق أيّهما أشعر، فدخلت على الفرزدق فما سألني عن شي‏ء حتى قال:

يا نوار، أدركت برنيّتك؟قالت: قد فعلت أو كادت. قال: فابعثي بدرهم فاشتري لحما، ففعلت و جعلت تشرّحه و تلقيه على النار و يأكل. ثم قال: هاني برنيّتك، فشرب قدحا ثم ناولني، و شرب آخر ثم ناولني. ثم قال: هات حاجتك يا ابن أخي، فأخبرته؛ قال: أ عن ابن الخطفى تسألني!ثم تنفّس حتى قلت: انشقّت حيازيمه‏[5]، ثم قال:

قاتله اللّه!فما أخشن ناحيته و أشرد قافيته!و اللّه لو تركوه لأبكى العجوز على شبابها، و الشابّة على أحبابها، و لكنهم هرّوه‏[6]فوجدوه عند الهراش نابجا و عند الجراء[7]قارحا، و قد قال بيتا لأن أكون قلته أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس:

إذا غضبت عليك بنو تميم # حسبت الناس كلّهم غضابا

أثنى عليه الفرزدق أمام الأحوص‏

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة، و أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عبيدة، قالا:

/نزل الفرزدق على الأحوص حين قدم المدينة. فقال الأحوص: ما تشتهي؟قال: شواء و طلاء[8]و غناء.

قال: ذلك لك؛ و مضى به إلى قينة بالمدينة؛ فغنّته:

[1]الجلد محركة لغة في الجلد.

[2]الهماهم: جمع همهمة و هي ترديد الزئير في الصدر من الهمّ.

[3]كذا في «ديوانه» . و في الأصول:

........... فلو رجعت # في الصدر منها خطوبا ذات بلبال‏

[4]أي تجادلوا.

[5]الحيازيم: جمع حيزوم و هو الصدر أو وسطه أو ما استدار بالظهر و البطن.

[6]كذا في «شرح شواهد التلخيص» ص 304 طبع بلاق. و في الأصول «هزوه» بالزاي المعجمة.

[7]جاراه مجاراة و جراء: جرى معه و سابقه.

[8]الطلاء: من أسماء الخمر.

235
صوت‏

ألا حيّ الديار بسعد[1]إنّي # أحبّ لحبّ فاطمة الدّيارا

إذا ما حلّ أهلك يا سليمى # بدارة صلصل‏[2]شحطوا مزارا

أراد الظاعنون ليحزنوني # فهاجوا صدع قلبي فاستطارا

-/غنّاه ابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر-فقال الفرزدق: ما أرقّ أشعاركم يأهل الحجاز و أملحها!قال: أ و ما تدري لمن هذا الشعر؟قال: لا و اللّه. قال: فهو و اللّه لجرير يهجوك به. فقال: ويل ابن المراغة!ما كان أحوجه مع عفافه إلى صلابة شعري، و أحوجني مع شهواتي إلى رقّة شعره!.

قدم المدينة و تحدث مع الأحوص حتى أخزاه و أقبل على أشعب و أجازه‏

:

أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق الموصليّ، و أخبرني محمد بن مزيد عن حمّاد عن أبيه قال [قال‏][3]إسحاق بن يحيى بن طلحة:

قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته، و جاء الأحوص فقال: أين هذا؟ فقلنا: قام آنفا، ما تريد منه؟قال: أخزيه، و اللّه إن الفرزدق لأشعر منه و أشرف. فأقبل جرير علينا و قال: من الرجل؟قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. قال: هذا الخبيث بن الطيّب. ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:

يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها # و أحسن شي‏ء ما به العين قرّت‏

/فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أ فيقرّ ذلك بعينك؟-قال: و كان الأحوص يرمى بالأبنة-فانصرف و أرسل إليه بتمر و فاكهة. و أقبلنا نسأل جريرا و هو في مؤخّر البيت و أشعب عند الباب؛ فأقبل أشعب يسأله؛ فقال له جرير: و اللّه إنك لأقبحهم وجها و لكنّي أراك أطولهم حسبا، و قد أبرمتني. فقال: أنا و اللّه أنفعهم لك. فانتبه جرير فقال: كيف؟قال: إني لأملّح شعرك؛ و اندفع يغنّيه قوله:

صوت‏

يا أخت ناجية السلام عليكم # قبل الفراق و قيل لوم العذّل

لو كنت أعلم أن آخر عهدكم # يوم الفراق فعلت ما لم أفعل‏

قال: فأدناه جرير منه حتى ألصق ركبته بركبته و جعله قريبا منه؛ ثم قال: أجل!و اللّه إنك لأنفعهم لي و أحسنهم تزيينا[4]لشعري، أعد؛ فأعاده عليه و جرير يبكي حتى اخضلّت لحيته، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه و كساه حلّة من حلل الملوك. و كان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنّيه أشعب و يعطيه جرير شعره فيغنّي فيه قال:

[1]سعد: ذكر البكري في «معجم ما استعجم» أنه موضع بنجد، و استشهد بهذا البيت.

[2]دارة صلصل: لعمرو بن كلاب و هي بأعلى دارها بنجد، كذا ذكر ياقوت في «معجمه» .

[3]الزيادة عن حـ.

[4]في الأصول: «ترتيبا لشعري» و هو تصحيف.

236

و كان أشعب من أحسن الناس صوتا. قال حماد: و الغناء الذي غنّاه فيه أشعب لابن سريج.

أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال و ذكر المغيرة بن حجناء مسعود بن خالد بن مالك بن ربعيّ بن سلمى بن جندل قال حدّثني مسحل بن كسيب بن عمران بن عطاء بن الخطفى، /و أمّه الرّبداء بنت جرير-و هذا الخبر و إن كان فيه طول محتو على سائر أخبار من ناقض جريرا أو اعتنّ‏[2]بينه و بين الفرزدق و غيره فذكرته هنا لاشتماله على ذلك في بلاغ و اختصار-:

أنّ جريرا قدم على الحكم بن أيوب بن يحيى بن الحكم بن أبي عقيل، و هو خليفة للحجّاج يومئذ، فمدحه جرير فقال:

أقبلت‏[3]من ثهلان أو جنبي خيم # على قلاص مثل خيطان‏[4]السّلم‏

/ثهلان: جبل كان لباهلة ثم غلبت عليه نمير. وخيم: جبل يناوحه من طرفه الأقصى فيما بين ركنه الأقصى و بين مطلع الشمس، به ماء و نخل-

قد طويت بطونها طيّ الأدم # يبحثن بحثا كمضلاّت الخدم‏[5]

إذا قطعن علما بدا علم # حتى تناهين‏[6]إلى باب الحكم

خليفة الحجّاج غير المتّهم # في معقد[7]العزّ و بؤبؤ الكرم‏

بعد انفضاج‏[8]البدن و اللحم زيم فلما قدم عليه استنطقه فأعجبه ظرفه و شعره؛ فكتب إلى الحجّاج: إنه قدم عليّ أعرابيّ شيطان من الشياطين. فكتب إليه أن أبعث به إليّ، ففعل. فقدم/عليه فأكرمه الحجّاج و كساه جبّة صبريّة[9]و أنزله فمكث أياما. ثم أرسل إليه بعد نومه فقالوا: أجب الأمير؛ فقال: ألبس ثيابي؛ فقالوا: لا!و اللّه لقد أمرنا أن نأتيه بك على الحال التي نجدك عليها؛ ففزع جرير و عليه قميص غليظ و ملاءة صفراء. فلما رأى ما به رجل من الرّسل دنا منه و قال: لا بأس عليك، إنما دعاك للحديث. قال جرير: فلما دخلت عليه قال: إيه يا عدوّ اللّه!علام تشتم الناس و تظلمهم؟فقلت: جعلني اللّه فداء الأمير، و اللّه إني ما أظلمهم و لكنّهم يظلمونني فأنتصر. ما لي و لابن أمّ غسّان!و ما لي و للبعيث!و ما لي [1]هكذا بالأصول.

[2]اعتن بينه و بينه: اعترض.

[3]في «ديوانه» : «أقبلن» و قد وردت هذه الأرجوزة في «ديوانه» باختلاف عما هنا فانظرها في ص 188 من نسخة الشنقيطي.

[4]الخيطان: جمع خوط و هو الغصن.

[5]الخدم: جمع خدمة و هي الخلخال. يريد أنهنّ يبحثن بمناسمهنّ الأرض كما تبحث النساء المعضلات خلاخلهنّ عنها في التراب.

[6]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «تناهينا» .

[7]كذا في س. و المعقد: موضع العقد. و في حديث الدعاء: «أسألك بمعاقد العز من عرشك» . و في سائر الأصول: «في مقعد العز» .

و في «ديوانه» : «في ضئضئ المجد» .

[8]كذا في «ديوانه» . و الانفضاج: السمن و الضخم. و في الأصول: «انفضاخ» بالخاء المعجمة و هو تصحيف. و البدن: النوق. و الزيم:

المتفرق على رءوس الأعضاء.

[9]صبرية: نسبة إلى صبر (بفتح فكسر) و هو الجبل الشامخ العظيم المطل على قلعة تعز (بفتح أوّله و كسر ثانيه و تشديد الزاي المعجمة) ، فيه عدّة حصون و قرى باليمن. ـ

237

و للفرزدق!و ما لي و للأخطل!و ما لي و للتّيميّ!حتى عدّدهم واحدا واحدا. فقال الحجاج: ما أدري مالك و لهم! قال: أخبر الأمير أعزّه اللّه: أمّا غسّان بن ذهيل فإنه رجل من قومي هجاني و هجا عشيرتي و كان شاعرا. قال: فقال لك ما ذا؟قال قال لي:

لعمري لئن كانت بجيلة زانها # جرير[1]لقد أخزي كليبا جريرها

رميت نضالا عن كليب فقصّرت # مراميك حتى عاد صفرا جفيرها[2]

و لا يذبحون الشاة إلا بميسر[3] # طويل تناجيها صغار قدورها

قال: فما قلت له؟قال قلت:

ألا ليت شعري عن سليط[4]أ لم تجد # سليط سوى غسّان جارا يجيرها

فقد ضمّنوا الأحساب صاحب سوأة # يناجي بها نفسا خبيثا ضميرها

/كأنّ سليطا في جواشنها الخصى # إذا حلّ بين الأملحين وقيرها[5]

أضجّوا الرّوايا بالمزاد فإنّكم # ستكفون ركض الخيل تدمى نحورها[6]

كأنّ السّليطيّات مجناة كمأة # لأوّل جان بالعصا يستشيرها[7]

عضاريط يشوون الفراسن بالضّحى # إذا ما السّرايا حثّ ركضا مغيرها[8]

فما في سليط فارس ذو حفيظة # و معقلها يوم الهياج جعورها[9]

عجبت من الدّاعي جحيشا و صائدا # و عيساء يسعى بالعلاب نفيرها[10]

[1]يريد جرير بن عبد اللّه البجلي، كان من أفاضل أهل الكوفة، قيل: إنه أسلم في السنة التي قبض فيها النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و مات في سنة 51 هجرية، و هو الذي هدم الصنم المسمى بذي الخلصة.

[2]الجفير: جعبة السهام.

[3]الميسر: اللعب بالقداح.

[4]سليط: قبيلة غسان بن ذهيل.

[5]الجواشن: الصدور. و في جواشنها الخصي أي هي عظام الصدور. يريد أن أبدانهم معضلة كخلق العبيد قد اكتنزت من العمل فتعضلت ليست سبطة كسبوطة الأحرار. و الأملحان: ماءان، و يقال: هما جبلان لبني سليط. و الوقير: الغنم فيها حماران أو أحمرة، و لا تسمى الغنم وقيرا إلاّ بحمرها. «النقائض بين جرير و الفرزدق» ص 11 طبع أوروبا) .

[6]كذا في «النقائض» . و في الأصول: «أضحوا» بالحاء المهملة و هو تصحيف. و أضجوا الروايا أي ألحوا عليها بالاستقاء حتى تضج و ترغو. و الروايا: الإبل يستقي عليها: و المزاد: جمع مزادة و هي القربة. يقول: اخدموا أنتم و استقوا فإن الحرب يكفيكموها غيركم.

[7]رواية «النقائض» : «كأن السليطيين أنقاض كمأة» . و الأنقاض: جمع نقض و هو هنا ما خرج من رأس الكمأة إذا انشقت عنها الأرض.

يصفهم بالذل و أنهم لا يمتنعون كما لا يمتنع هذه الكمأة إذا استثيرت بالعصا.

[8]العضاريط: الأتباع، و الواحد عضروط. و الفراسن: أخفاف الإبل واحدها فرسن. يقول: ذلك حظهم من الجزور، و هو شر ما فيه.

و يريد بقوله: «إذا ما السرايا حث ركضا مغيرها» أنه إذا ركب الناس لغارة أو فزع لم يركبوا معهم لأنهم ليسوا بأصحاب حرب و لا خيل.

[9]الجعر: ما يبس من العذرة في الدبر. يقول: إذا تهايج الناس أحدثوا هم من الفزع و الجبن.

[10]هذه رواية «النقائض» . و في الأصول: «و عيساء يدعى بالفلاة نصيرها» . و جحيش هو جحيش بن زياد أحد بني زبيد بن سليط.

238

قال: ثم منّ؟قال: البعيث. قال: مالك و له؟قال: اعترض دونه ابن أمّ غسّان يفضّله عليّ و يعينه. قال: فما قال لك؟قال قال لي:

/

كليب لئام الناس قد تعلمونه # و أنت إذا عدّت كليب لئيمها

أ ترجو كليب أن يجي‏ء حديثها # بخير و قد أعيا كليبا قديمها

/قال: فما قلت له؟قال قلت:

أ لم تر أنّي قد رميت ابن فرتنى # بصمّاء لا يرجو الحياة أميمها[1]

له أمّ سوء بئس ما قدّمت له # إذا فرط[2]الأحساب عدّ قديمها

قال: ثم من؟قلت: الفرزدق. قال: و ما لك و له؟قلت: أعان البعيث عليّ.

قال: فما قلت له؟قال قلت:

تمنّى رجال من تميم لي الرّدى # و ما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي

كأنّهم لا يعلمون مواطني # و قد جرّبوا أنّي أنا السابق المبلى‏[3]

فلو شاء قومي كان حلمي فيهم # و كان على جهّال أعدائهم جهلي

و قد زعموا أنّ الفرزدق حيّة # و ما قتل الحيّات من أحد قبلي‏

قال: ثم من؟قلت: الأخطل. قال: مالك و له؟قلت: رشاه محمد بن عمير ابن عطارد زقّا من خمر و كساه حلّة على أن يفضّل عليّ الفرزدق و يهجوني. قال: فما قال لك؟قال قال:

إخسأ إليك كليب إنّ مجاشعا # و أبا الفوارس نهشلا أخوان

و إذا وردت الماء كان لدارم # جمّاته و سهولة الأعطان‏[4]

و إذا قذفت أباك في ميزانهم # رجحوا و شال أبوك في الميزان‏

قال: فما قلت له؟قال قلت:

يا ذا العباءة[5]إنّ بشرا قد قضى # ألاّ تجوز حكومة النّشوان‏[6]

/فدعوا الحكومة لستم من أهلها # إنّ لحكومة في بني شيبان

قتلوا كليبكم بلقحة جارهم # يا خزر تغلب لستم بهجان‏[7]

() و صائد: سليطي. و عيساء: جدّة غسان بن ذهيل. و العلاب: جمع علبة و هي التي يحلب فيها، و هي تعمل من جلود الإبل.

و نفيرها: قومها.

[1]الفرتنى: الزانية. و الأميم: المشجوج الرأس.

[2]فرط الأحساب: ما مضى و سبق منها: يعني أوائلها.

[3]في ب، س: «المجلى» بالجيم.

[4]الجمة: مجتمع الماء و معظمه. و الأعطان: جمع عطن و هو مناخ الإبل حول وردها. و في «ديوانه» : «صفواته» بدل «جماته» .

[5]كذا في جـ و «النقائض» . و العباءة: الكساء. يعيره لبسها. و في سائر الأصول: «يا ذا الغباوة» .

[6]كذا في «النقائض» . و في الأصول: «النسوان» . بالسين المهملة و هو تصحيف. و بشر هو بشر بن مروان بن الحكم.

[7]اللقحة: الناقة الحلوب. و الخزر: جمع أخزر، و الخزر: حول إحدى العينين. و الهجان: البيض الكرام. يشير إلى حادثة كليب بن

239

قال: ثم من؟قلت: عمر بن لجأ التّيميّ. قال: مالك و له؟قال: قلت بيتا من شعر فقبّحه و قاله على غير ما قلته؟قلت:

لقومي أحمى للحقيقة منكم # و أضرب للجبّار و النّقع ساطع

و أوثق عند المرهفات عشيّة # لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع‏[1]

فزعم أنّي قلت:

و أوثق عند المردفات عشيّة # لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع‏

فقال: لحقتهنّ عند العشيّ و قد أخذن غدوة، و اللّه ما يمسين حتى يفضحن.

قال: فما قلت له؟قال قلت:

يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم # لا يوقعنّكم في سوأة عمر

خلّ الطريق لمن يبني المنار به # و ابرز ببرزة[2]حيث اضطرّك القدر

حتى أتى على الشعر. قال: ثم من؟قلت: سراقة بن مرداس البارقيّ. قال: مالك و له؟قال قلت: لا شي‏ء، حمله بشر بن مروان و أكرهه على هجائي، ثم بعث إليّ رسولا و أمرني أن أجيبه. قال: فما/قال لك؟قال قال:

إنّ الفرزدق برّزت أعراقه # عفوا و غودر في الغبار جرير

ما كنت أوّل محمر[3]قعدت به # مسعاته إنّ اللئيم‏[4]عثور

هذا قضاء البارقيّ و إنه # بالميل في ميزانكم لبصير

/قال: فما قلت له؟قال قلت:

يا بشر حقّ لوجهك التبشير # هلاّ غضبت لنا و أنت أمير

بشر أبو مروان إن عاسرته # عسر و عند يساره ميسور

إنّ الكريمة ينصر الكرم ابنها # و ابن اللئيمة للّئام نصور

قد كان حقّك أن تقول لبارق # يا آل بارق فيم سبّ جرير

و كسحت باستك للفخار و بارق # شيخان أعمى مقعد و كسير

قال: ثم من؟قلت: البلتع و هو المستنير[5]بن سبرة العنبريّ. قال: مالك و له؟قلت: أعان عليّ ابن لجأ.

قال: فما قال لك؟قلت قال:

() ربيعة و مقتله.

[1]اللامع: المشير بالسيف منذرا.

[2]برزة: اسم أم عمر بن لجأ.

[3]المحمر: اللئيم.

[4]كذا في حـ و نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه. و في سائر الأصول: «اللئام» و هو تحريف.

[5]قد ورد في هذا الاسم اختلاف (انظر «النقائض» و «ديوانه» المخطوط ص 184) .

240

إنّ التي ربّتك‏[1]لما طلّقت # قعدت على جحش المراغة[2]تمرغ

أ تعيب من رضيت قريش صهره # و أبوك عبد بالخورنق أذلغ‏[3]

قال: فما قلت له؟قال قلت:

فما مستنير الخبث إلا فراشة # هوت بين مؤتجّ‏[4]الحريقين ساطع

نهيت بنات المستنير[5]عن الرّقى # و عن مشيهنّ الليل بين المزارع‏

و يروى ... بين مؤتجّ من النار ساطع /قال: ثم من؟قلت: راعي الإبل. قال: مالك و له؟قلت: قدمت البصرة و كان بلغني أنه قال لي:

يا صاحبيّ دنا الرّواح فسيرا # غلب الفرزدق في الهجاء جريرا

و قال أيضا:

رأيت الجحش جحش بني كليب # تيمّم حوض دجلة ثم هابا

فقلت: يا أبا جندل، إنك شيخ مضر و شاعرها، و قد بلغني أنك تفضّل عليّ الفرزدق، و أنت يسمع قولك، و هو ابن عمّي دونك؛ فإن كان لا بدّ من تفضيل فأنا أحقّ به لمدحي قومك و ذكري إيّاهم. قال: و ابنه جندل على فرس له، فأقبل يسير بفرسه حتى ضرب عجز دابّتي و أنا قائم فكاد يقطع أصبع رجلي و قال: لا أراك واقفا على هذا الكلب من بني كليب؛ فمضى، و ناديته: [6]أنا ابن يربوع!إنّ أهلك بعثوك مائرا من هبّود[7]و بئس المائر، و إنما بعثني أهلي لأقعد على قارعة هذا المربد فلا يسبّهم أحد إلاّ سببته، و إنّ عليّ نذرا إن جعلت في عيني غمضا حتى أخزيك. قال:

فما أصبحت حتى هجوته فقلت:

فغضّ الطّرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا

قال فغدوت عليه من الغد فأخذت بعنانه، فما فارقته حتى أنشدته إيّاها. فلما مررت على قولي:

/

أ جندل ما تقول بنو نمير # إذا ما الأير في است أبيك غابا

[1]في ب، س: «زينت» و هو تحريف.

[2]المراغة في الأصل: الأتان التي لا تمتنع عن الفحول، و به لقب الأخطل أم جرير.

[3]في الأصول: «أولغ» بالواو و هو تحريف. و الأذلغ: الغليظ الشفتين، و هو أيضا الأقلف.

[4]كذا في ب و ديوانه، و اللجاج النار: التهابها. يريد أنه في تعرضه لي دون عمر بن لجأ كالفراشة نظرت إلى نار فألقت نفسها فيها.

و في سائر الأصول: «مرتج» و هو تحريف.

[5]قال في «شرح ديوانه» : «كانت تميمة بنت المستنير بن سبرة و هو البلتع العنبري جارية شابة جميلة و كانت تزعم أنها ترقى، فطبن لها فتى فأتاها يسترقيها، فلما خلا معها قال: ليس بي حاجة إلى الرقية و لكن قد قتلني حبك؛ فأمكنته من نفسها؛ فلم يرعهم إلا و هي في رابعها فهجاه جرير بذلك» .

[6]كذا في نسخة الشيخ الشنقيطي مصححة بقلمه، و يربوع من أجداده كما تقدّم. و في الأصول: «أ يا ابن يربوع» بالياء المثناة من تحت و هو تصحيف.

[7]هبود: اسم موضع ببلاد بني نمير.

241

قال: فأرسل يدي و قال: يقولون و اللّه شرّا.

قال: ثم من؟قلت: العباس بن يزيد الكنديّ قال: مالك و له؟قال لمّا قلت:

/

إذا غضبت عليك بنو تميم # حسبت الناس كلّهم غضابا

قال:

ألا رغمت أنوف بني تميم # فساة التمر إن كانوا غضابا

لقد غضبت عليك بنو تميم # فما نكأت بغضبتها ذبابا

لو اطّلع الغراب على تميم # و ما فيها من السّوءات شابا

قال: فتركته خمس سنين لا أهجوه، ثم قدمت الكوفة فأتيت مجلس كندة، فطلبت إليهم أن يكفّوه عنّي؛ فقالوا: ما نكفّه و إنه لشاعر و أوعدوني؛ فقلت:

ألا أبلغ بني حجر بن وهب # بأنّ التمر حلو في الشتاء

فعودوا للنّخيل فأبّروها[1] # و عيثوا بالمشقّر فالصّفاء

قال: فمكثت قليلا، ثم بعثوا إليّ راكبا فأخبروني بمثالبه و جواره في طيّ ء حيث جاور عتّابا، و حبّل أخته هضيبة حيث حبلت. قال: فقلت ما ذا؟قال قلت:

إذا جهل الشّقيّ و لم يقدّر # لبعض الأمر أو شك أن يصابا

أ عبدا حلّ في شعبى‏[2]غريبا # أ لؤما لا أبا لك و اغترابا

فما خفيت هضيبة حين جرّت‏[3] # و لا إطعام سخلتها الكلابا

تخرّق بالمشاقص‏[4]حالبيها # و قد بلّت مشيمتها الترابا

فقد حملت ثمانية و أوفت # بتاسعها و تحسبها كعابا

/قال: ثم من؟قلت: جفنة الهزّانيّ بن جعفر بن عباية بن شكس من عنزة. قال: و مالك و له؟قال: أقبل سائلا حتى أتاني و أنا أمدر[5]حوضا لي، فقال: يا جرير، قم إليّ هاهنا؛ قلت نعم. ثم أتيته فقلت: ما حاجتك؟ قال: مدحتك فاستمع منّي. قلت: أنشدني فأنشد؛ فقلت: قد و اللّه أحسنت و أجملت؛ فما حاجتك؟قال: تكسوني الحلّة التي كساكها الوليد بن عبد الملك العام. فقلت: أنّي لم أقف فيها بالموسم، و لا بدّ من أن أقف فيها العام، [1]أبر النخل: أصلحه. و المشقر: حصن بالبحرين عظيم لعبد القيس يلي حصنا لهم آخر يقال له الصفاء قبل مدينة هجر.

[2]شعبي: موضع في جبل طي‏ء. ( «عن شرح القاموس» ) .

[3]كذا في «ديوانه» . و قد جاء فيه في شرح هذا البيت أن العباس قتل ولدها فرمى به و قتلها؛ (الرماة بها جرير و عيره ذلك. و في الأصول:

فما تخفى هضيبة حيث تمسى

[4]المشقص من النصال: ما طال و عرض و قد جاء هذا البيت في «الديوان» هكذا:

يقطع بالمعابل حالبيها # و قد بلت مشيمتها الثيابا

و المعابل: المشاقص.

[5]المدر: تطيينك وجه الحوض بالطين المتماسك لئلا يخرج منه الماء.

242

و لكنّي أكسوك حلّة خيرا منها كان كسانيها الوليد عاما أوّل. فقال: ما أقبل غيرها بعينها. فقلت: بلى، فاقبل و أزيدك معها دنانير نفقة. فقال: ما أفعل؛ و مضى فأتى المرّار بن منقذ أحد بني العدويّة، فحمله على ناقة له يقال لها القصواء. فقال جفنة:

لعمرك للمرّار يوم لقيته # على الشّحط خير من جرير و أكرم‏

قال: فما قلت له؟قال قلت:

لقد بعثت هزّان جفنة مائرا # فآب و أحذى‏[1]قومه شرّ مغنم

فيا راكب القصواء ما أنت قائل # لهزّان إذ أسلمتها شرّ مسلم

أظنّ عجان‏[2]التّيس هزّان طالبا # علالة[3]سبّاق الأضاميم مرجم

/كأنّ بني هزّان حين رديتهم # وبار[4]تضاغت تحت غار مهدّم

بني عبد عمرو قد فرغت إليكم # و قد طال زجري لو نهاكم تقدّمي

/و رصعاء هزّانيّة قد تحفّشت‏[5] # على مثل حرباء الفلاة المعمّم‏

قال: ثم من؟قلت: المرّار بن منقذ. قال: مالك و له؟قلت: أعان عليّ الفرزدق. قال: فما قلت له؟قال قلت:

بني منقذ لا صلح حتى تضمّكم # من الحرب صمّاء القناة زبون‏[6]

و حتى تذوقوا كأس من كان قبلكم # و يسلح‏[7]منكم في الحبال قرين

فإن كنتم كلبى‏[8]فعندي شفاؤكم # و للجنّ إن كان اعتراك جنون‏

قال: ثم من؟قلت: حكيم بن معيّة من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. قال: و مالك و له؟قلت:

بلغني أنه أعان عليّ غسّان السّليطيّ. قال: فما قلت له؟قال قلت:

[1]كذا في أ، ء، م و «ديوانه» . و أحذاه: أعطاه مما أصاب. و في سائر الأصول: «أجدى» بالجيم.

[2]كذا في «ديوانه» . و العجان: الدبر. و في الأصول: «نحاف التيس» و لا معنى لها.

[3]العلالة: الجري بعد الجري. و الأضاميم: الجماعات، واحده إضمامة. و المرجم: الشديد.

[4]الوبار: مفرده وبر، و هي دويبة على قدر السنور طحلاء اللون لا ذنب لها تقيم في البيوت. و تضاغت: صوّتت.

[5]هذا البيت ساقط في الأصول عدا ب، س. و رواية «الديوان» :

و رصعاء هزانية يخلق ابنها # لئيما إذا ما ماص في اللحم و الدم

غليظة جلد الكاذتين تحفشت # على مثل حرباء الفلاة المعمم‏

الرصعاء: الزلاء التي لا عجيزة لها. و ماص: اغتسل. و الكاذتان: ما نتأ من اللحم في أعالي الفخذين. و تحفشت المرأة على زوجها: أقامت عليه و لزمته و أكبت عليه.

[6]حرب زبون: يدفع بعضها بعضا من الكثرة.

[7]في جـ: «و يصبح» .

[8]الكلبي: الذين أصابهم مرض الكلب، جمع كلب (بفتح فكسر) .

243

إذا طلع الرّكبان نجدا و غوّروا # بها فارجزا[1]يا بني معيّة أو دعا

أ تسمن أستاه المجرّ[2]و قد رأوا # مجرّا بوعساوي‏[3]رماح مصرعا

ألا إنّما كانت غضوب‏[4]محاميا # غداة اللّوى لم تدفع الضّيم مدفعا

/قال: ثم من؟قلت‏[ثور بن‏][5]الأشهب بن رميلة النّهشليّ. قال: و مالك و له؟قلت: أعان عليّ الفرزدق.

قال: فما قلت له؟قال قلت:

سيخزى إذا ضنّت‏[6]حلائب مالك # ثوير[7]و يخزى عاصم و جميع‏[8]

و قبلك ما أعيا الرّماة إذا رموا # صفا ليس في قاراتهنّ‏[9]صدوع‏

قال: ثم من؟قلت: الدّلهمس أحد بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة. قال: مالك و له؟قلت: أعان عليّ الفرزدق. قال: فما قلت له؟قال قلت:

لقد نفخت منك الوريدين‏[10]علجة # خبيثة ريح المنكبين‏[11]قبوع

و لو أنجبت أمّ الدّلهمس لم يعب‏[12] # فوارسنا لا عاش‏[13]و هو جميع

أ ليس ابن حمراء العجان كأنّما # ثلاثة غربان عليه وقوع

فلا تدنيا رحل‏[14]الدّلهمس إنه # بصير بما يأتي اللئام سميع‏[15]

هو النّخبة[16]الخوّار ما دون قلبه # حجاب و لا حول الحجاب ضلوع‏

[1]كذا في «الديوان» ، و هو الصواب؛ لأن حكيم بن معية و المرّار بن حكيم بن معية كانا راجزين و هما اللذان يعنيهما جرير. و في الأصول: «فازجرا» و هو تصحيف.

[2]بنو المجرّ: من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة.

[3]الوعساء: الأرض اللينة ذات الرمل. و في «ديوانه» : «بعبلاي رماح» . و العبلاء: الأرض ذات الحجارة البيض ليست بسود و لا حمر.

و رماح: موضع بالدهناء. و قد ورد في الأصول: «رماح و مصرعا» بزيادة الواو و هو تحريف.

[4]غضوب: امرأة من بني المجرّ كانت شاعرة بذية، قتلها بنو طهية في هجاء لها هجتهم به.

[5]التكملة عن «ديوانه» .

[6]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «إذا ضمت جلابيب مالك» و هو تحريف. و مالك هو مالك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل.

[7]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «نوير» بالنون و هو تصحيف.

[8]عاصم و جميع: رجلان من بني عامر.

[9]القارة: الصخرة العظيمة. و في «ديوانه» : «عاديهنّ» .

[10]كذا في «ديوانه» و أكثر الأصول. و في ب، س: «لقد نفخت منك الوريد ابن عجلة» . و هو تحريف.

[11]في «ديوانه» : «المنخرين» . يريد أن يصفها بأنها راعية. و القبوع: التي تقبع السقاء و هو أن تثنى رأس السقاء إلى داخله ثم تشده فيكون أحفظ لما فيه.

[12]كذا في أ، ء، م و «ديوانه» . و في سائر الأصول: «لم تعب» و هو تصحيف.

[13]كذا في «ديوانه» . و في الأصول: «لا مات» .

[14]كذا في أ، ء و «ديوانه» ، و في سائر الأصول: «رجل» بالجيم و هو تصحيف.

[15]يريد أنه محكم في اللؤم.

[16]النخبة: الجبان.

244

قال: ثم مررت على مجلس لهم فاعتذرت إليهم فلم يقبلوا عذري، و أنشدوني شعرا لم يخبروني من قاله:

/

غضبت علينا أن علاك ابن غالب‏[1] # فهلاّ على جدّيك في ذاك تغضب

هما إذ علا بالمرء مسعاة قومه # أناخا فشدّاك العقال المؤرّب‏[2]

قال: فعلمت أنه شعر قبضة[3]الكلب. قال: فجمعتهم في شعري فقلت:

[و][4]أكثر ما كانت ربيعة أنها # خباءان‏[5]شتّى لا أنيس و لا قفر

محالفهم فقر شديد و ذلّة # و بئس الحليفان المذلّة و الفقر

فصبرا على ذلّ ربيع بن مالك # و كلّ ذليل خير عادته الصبر

/قال: ثم من؟قلت: هبيرة بن الصّلت الرّبعيّ من ربيعة بن مالك أيضا، كان يروي شعر الفرزدق. قال: فما قلت له؟قال قلت:

يمشي هبيرة بعد مقتل شيخه # مشي المراسل‏[6] أوذنت بطلاق

ما ذا أردت إليّ حين تحرّقت # ناري و شمّر مئزري عن ساقي

إنّ القراف‏[7]بمنخريك لبيّن # و سواد وجهك يا ابن أمّ عفاق‏[8]

/سيروا فربّ مسبّحين و قائل # هذا شقا[9]لبني ربيعة باقي

أ بني ربيعة قد أخسّ بحظّكم # لؤم الجدود و دقّة[10]الأخلاق‏

قال: ثم من؟قلت: علقة[11]و السّرندى من بني الرّباب كانا يعينان ابن لجأ. قال: فما قلت لهما؟قال قلت:

[1]ابن غالب: الفرزدق.

[2]المؤرب: المحكم.

[3]في أ، ء، م: «قضية الكلب» بالياء المثناة من تحت.

[4]التكملة عن «ديوانه» (ص 62) . و هذه الأبيات من قصيدة مطلعها:

طربت و هاج الشوق منزلة قفر # تراوحها عصر خلا دونه عصر

[5]كذا في حـ و «ديوانه» . و في سائر الأصول: «حيان» و هو تحريف.

[6]المراسل: التي أحسنت من زوجها أنه يريد تطليقها فهي تزين لآخر، و هي أيضا التي مات عنها زوجها. يقول: هو لا يطلب بثأره و إنما همته التصنع كالمطلقة التي تخطب فهي تتهيأ و تتزين. فلو كان حرّا لأنصبه طلب ثأره. أو المراسل: التي طلقت مرات فقد اعتادت الطلاق لا تباليه. يقول: فهبيرة قد اعتاد أن يقتل له قتيل و لا يطلب بثأره فأصبح لا يبالي ذلك، مثل المراسل التي اعتادت الطلاق فلا تباليه.

[7]يريد قرفة أنفه أي قشرته و هي المخاط اليابس الذي يلزق بالأنف، و منه الحديث: «ما على أحدكم إذا أتى المسجد أن يخرج قرفة أنفه» أي ينقى أنقه.

[8]عفاق: اسم رجل، و لعله أخو هبيرة بن الصلت هذا.

[9]كذا في «ديوانه» . و الشقا يمد و يقصر. و في الأصول: «شفا» بالفاء و هو تصحيف.

[10]الدقة: الخسة. و رواية «الديوان» :

«.... إنما أزرى بكم # نكد الجدود.... »

[11]كذا في «ديوانه» و نسخة الأستاذ الشنقيطي. و في الأصول: «علفة» . بالفاء و هو تصحيف.

245

عضّ السّرندي على تثليم ناجذه # من أمّ علقة بظرا غمّه‏[1]الشّعر

و عضّ علقة لا يألو بعرعرة[2] # من بظر أم السّرندى و هو منتصر

قال: ثم من؟قلت: الطّهويّ، كان يروي شعر الفرزدق. قال: ما قلت له؟قال قلت:

أ تنسون وهبا يا بني زبد استها # و قد كنتم جيران وهب بن أبجرا[3]

فما تتّقون الشرّ حتّى يصيبكم # و لا تعرفون الأمر إلا تدبّرا

ألا ربّ أعشى ظالم متخمّط[4] # جعلت لعينيه جلاء[5]فأبصرا

قال: ثم من؟قلت: عقبة بن السّنيع‏[6]الطّهويّ و كان نذر دمي. قال: فما قلت له: قال قلت:

يا عقب يا ابن سنيع ليس عندكم # مأوى الرّفاق و لا ذو الراية الغادي‏[7]

/يا عقب يا ابن سنيع بعض قولكم # إن الوثاب لكم عندي بمرصاد

ما ظنّكم بيني ميثاء إن فزعوا # ليلا و شدّ عليهم حيّة الوادي

يغدو عليّ أبو ليلى ليقتلني # جهلا عليّ و لم يثأر بشدّاد[8]!

ارووا[9]عليّ و أرضوا بي صديقكم # و استسمعوا يا بني ميثاء إنشادي‏

ميثاء هي بنت زهير بن شدّاد الطّهويّ و هي أم عوف بن أبي سود بن مالك ابن حنظلة.

و قال أيضا لبني ميثاء:

نبّئت عقبة خصّافا[10]توعّدني # يا ربّ آدر من ميثاء مأفون

لو في طهيّة أحلام لما اعترضوا # دون الذي كنت أرميه و يرميني‏

قال: ثم من؟قلت: سحمة[11]الأعور النّبهانيّ، كانت له امرأة من طيّى‏ء ولدت في بني سليط فأعطوه و حملوه عليّ. فسألني فاشتطّ، و لم يكن عندي فحرمته، فقال:

[1]غمه: غطاه. و في ب، س: «عمه» بالعين المهملة.

[2]العرعرة: رأس كل شي‏ء و أعلاه.

[3]هو وهب بن أبجر بن جابر العجلي، و كان خرج مع يزيد بن المهلب، فلما هزم آل المهلب لحق بأخواله بني طهية، فبعث مسلمة بن عبد الملك قميرا المازني فأخذ وهبا فقتله. و في «ديوانه» : «أ تنعون وهبا... » .

[4]المتخمط: المتكبر الشديد الغضب و الجلبة.

[5]الجلاء: الكحل.

[6]كذا في «ديوانه» و «شرح القاموس» مادة «سنع» . و في الأصول: «السميع» و هو تحريف.

[7]كذا في أكثر الأصول و «ديوانه» . و في ب، س: «العادي» بالعين المهملة.

[8]هو شدّاد الميثاوي، كان يتحدّث إلى امرأة من بني ربيعة بن مالك بن زيد مناة، فألقاه أهلها في بئر.

[9]كذا في «ديوانه» . و في ب، س: «ردوا» و في أ، ء: «أردوا» . و في جـ: «أرزوا» و هو تحريف. و لعله يريد: ارووا شعر الفرزدق في هجائي و أرضوه بذلك.

[10]الخصاف: الكذاب. و الآدر: الذي أصابه فتق في إحدى خصيتيه.

[11]كذا في «اللسان» و «شرح القاموس» (مادة «قرن» ) و هو أحد الأقوال في اسم الأعور النبهاني. قال ابن الكلبي: اسمه سحمة بن نعيم بن الأخنس بن هوذة، و قال أبو عبيدة في «النقائض» : يقال له العناب و اسمه سحيم بن شريك. ـ

246

أقول لأصحابي النّجاء فإنه # كفى الذّم أن يأتي الضيوف جرير[1]

جرير ابن ذات البظر هل أنت زائل # لقدرك‏[2]دون النازلين ستور

/و هل يكرم الأضياف كلب لكلبة[3] # لها عند أطناب البيوت هرير

فلو عند غسّان السّليطيّ عرّست‏[4] # رغا[5]قرن منها و كاس عقير

/فتى هو خير منك نفسا و والدا # عليك إذا كان الجوار يجير

فقال‏[6]جرير:

وجدنا بني نبهان أذناب طيّ ء # و للناس أذناب ترى و صدور

تغنّى‏[7]ابن نبهانيّة طال بظرها # و باع ابنها عند الهياج قصير

و أعور من نبهان أمّا نهاره # فأعمى و أمّا ليلة فبصير[8]

ستأتي بني نبهان منّي قصائد # تطلع‏[9]من سلمى‏[10]و هنّ وعور

ترى قزم المعزى مهور نسائهم # و في قزم المعزى لهنّ مهور[11]

قال: و طلع الصبح فنهض و نهضت. قال: فأخبرني من كان قاعدا معه أنه قال: قاتله اللّه أعرابيّا!إنه لجرو هراش.

قصته مع الراعي و ابنه جندل‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ عن الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال و ذكر المغيرة بن حجناء قال حدّثني أبي عن أبيه قال:

كان راعي‏[12]الإبل يقضي للفرزدق على جرير و يفضّله، و كان راعي الإبل قد ضخم أمره و كان من شعراء [1]قد وردت هذه القصيدة هكذا في الأصول. و الرويّ فيها مرفوع؛ على أنه يلاحظ أن البيت الأوّل و الثاني منها يجب فيها نصب الروي؛ فأما البيت الأوّل فذلك فيه ظاهر. و أما الثاني فإن زال يتعدّى، يقال: زال الشي‏ء يزوله و يزيله أي نحاه. يريد هل أنت كاشف ستور قدرك لمن ينزل و يفد عليك؟

[2]كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «لقد زل» و هو تحريف.

[3]روايته في «النقائض» : «و أنت كليبي لكلب و كلبة» . شبهه في قلة خيره بالكلب.

[4]الضمير في عرست يفهم من البيت السابق لهذا البيت، و هو كما في «اللسان» و «النقائض» :

أقول لها أمى سليطا بأرضها # فبئس مناخ النازلين جرير

[5]كذا في «اللسان» و «شرح القاموس» (مادة «قرن» ) و «النقائض» . و القرن: البعير المقرون بآخر. و كأس عقير، يريد أنه عقر له بعير فقام على ثلاث. يقول: لو نزلت بغسان لأعطاني جملا يرغو و عقر لي آخر. و قد ورد هذا الشطر في ب، س «لعاقرن منها و هي كأس عقير» . و في سائر الأصول: «لها قرن منها و كأس عقير» و هما تحريف.

[6]المناسب لسياق القصة «فقلت» .

[7]كذا في «النقائض» . و في الأصول: «تعني» بالعين المهملة.

[8]هذا البيت ورد في جـ و سقط من سائر النسخ. يريد أنه أعمى النهار عن الخيرات بصير الليل بالسوءات يسرق و يزني.

[9]كذا في «النقائض» . و في الأصول: «تطلع» .

[10]سلمى: اسم جبل لطيئ، و هو لبني نبهان خاصة. و وعور: خشنة غلاظ، يعني القصائد.

[11]القزم: الصغار العليلة واحدتها قزمة. و روى «ترى شرط المعزى» ، و شرط المال: أخسه و شراره: يقول: ليس تبلغ أقدارهم أن تمهر نساؤهم الإبل إنما يمهرن خسيس المعزى.

[12]هو عبيد بن حصين بن معاوية بن جندل، و يكنى أبا جندل، و الراعي لقب غلب عليه لكثرة وصفه الإبل و جودة نعته إياها، و هو شاعر

247

الناس. فلما أكثر من ذلك خرج جرير إلى رجال من قومه فقال: هلاّ تعجبون لهذا الرجل الذي يقضي للفرزدق عليّ و هو يهجو قومه و أنا أمدحهم!قال جرير: فضربت‏[1]رأيي فيه. ثم خرج جرير ذات يوم يمشي و لم يركب دابّته، و قال: و اللّه ما يسرّني أن يعلم‏[2]أحد. و كان لراعي الإبل و الفرزدق و جلسائهما حلقة بأعلى المربد بالبصرة يجلسون فيها. قال: فخرجت أتعرّض له لألقاه من حيال حيث كنت أراه يمرّ إذا انصرف من مجلسه، و ما يسرّني أن يعلم أحد، حتى إذا هو قد مرّ على بغلة له و ابنه جندل يسير وراءه على مهر له أحوى‏[3]محذوف الذّنب و إنسان يمشي معه يسأله عن بعض السّبب، فلما استقبلته قلت: مرحبا بك يا أبا جندل!و ضربت بشمالي على معرفة بغلته، ثم قلت: يا أبا جندل!إن قولك يستمع و إنك تفضّل الفرزدق عليّ تفضيلا قبيحا و أنا أمدح قومك و هو يهجوهم و هو ابن عمي، و يكفيك من ذاك هيّن‏[4]: إذا ذكرنا أن تقول كلاهما شاعر كريم، و لا تحتمل مني و لا منه لائمة. قال:

فبينا أنا و هو كذاك واقفا عليّ. و ما ردّ عليّ بذلك شيئا حتى/لحق ابنه جندل، فرفع كرمانيّة[5]معه فضرب بها عجز بغلته ثم قال: لا أراك واقفا على كلب من بني كليب كأنك تخشى منه شرّا أو ترجو منه خيرا!و ضرب البغلة ضربة، فرمحتني‏[6]رمحة وقعت منها قلنسوتي، فو اللّه لو يعرّج عليّ الراعي لقلت سفيه غوى-يعني جندلا ابنه-و لكن لا و اللّه ما عاج عليّ، فأخذت قلنسوتي فمسحتها ثم أعدتها على رأسي ثم قلت:

أ جندل ما تقول بنو نمير # إذا ما الأير في است أبيك غابا

فسمعت الرّاعي قال لابنه: أما و اللّه لقد طرحت قلنسوته طرحة مشئومة. قال جرير: و لا و اللّه ما القلنسوة بأغيظ أمره إليّ لو كان عاج عليّ. فانصرف جرير غضبان حتى إذا صلّى العشاء بمنزله في علّيّة[7]له قال: ارفعوا إليّ باطية من نبيذ و أسرجوا لي، فأسرجوا له و أتوه بباطية من نبيذ. قال: فجعل يهمهم‏[8]؛ فسمعت صوته عجوز في الدار فاطّلعت في الدّرجة/حتى نظرت إليه، فإذا هو يحبو على الفراش عريانا لما هو فيه، فانحدرت فقالت: ضيفكم مجنون!رأيت منه كذا و كذا!فقالوا لها: اذهبي لطيّتك، نحن أعلم به و بما يمارس. فما زال كذلك حتى كان السّحر، ثم إذا هو يكبّر قد قالها ثمانين بيتا في بني نمير. فلما ختمها بقوله:

فغضّ الطّرف إنّك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا

كبّر ثم قال: أخزيته و ربّ الكعبة. ثم أصبح، حتى إذا عرف أن الناس قد جلسوا في مجالسهم بالمربد، و كان يعرف فحل من شعراء الإسلام، و كان مقدّما مفضلا حتى اعترض بين جرير و الفرزدق. (انظر ترجمته في «الأغاني» جـ 20 ص 168 طبع بلاق) .

[1]في جـ: «فصوّبت» .

[2]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «أن أعلم أحدا» .

[3]الأحوى: الذي يضرب إلى السواد من شدّة خضرته. و الحذف: قطف الشي‏ء من الطرف، يقال: حذف شعره و ذنب فرسه إذا قطع طرفه.

[4]هذه الكلمة «هين» ساقطة من ب، س.

[5]كذا في الأصول و «الأغاني» (جـ 20 ص 169 طبع بلاق) في ترجمة الراعي. و ظاهر أنها ضرب من السياط. و قد جاءت هذه القصة في «النقائض» (ص 431) و فيها: «فأقبل يشتد به فرسه حتى يهوى بالسوط لمؤخر بغلة أبيه.. إلخ» .

[6]في «النقائض» : «فزحمتني و اللّه زحمة وقعت منها على كفى في الأرض» .

[7]العلية: الغرفة.

[8]في جـ: «يهينم» . و الهمهمة و الهينمة: الصوت الخفيّ.

248

مجلسه و مجلس الفرزدق، دعا بدهن/فادّهن و كفّ‏[1]رأسه، و كان حسن الشّعر، ثم قال: يا غلام، أسرج لي، فأسرج له حصانا، ثم قصد مجلسهم؛ حتى إذا كان بموضع‏[2]السلام قال: يا غلام-و لم يسلّم-قل لعبيد: أبعثك نسوتك تكسبهنّ المال بالعراق!أما و الذي نفس جرير بيده لترجعنّ إليهنّ بمير يسوؤهن و لا يسرّهنّ!ثم اندفع فيها فأنشدها. قال: فنكس الفرزدق و راعى الإبل و أرمّ‏[3]القوم، حتى إذا فرغ منها سار[4]، و ثبت راعي الإبل ساعة ثم ركب بغلته بشرّ و عرّ و خلّى المجلس حتى ترقّى إلى منزله‏[5]الذي ينزله ثم قال لأصحابه: ركابكم ركابكم، فليس لكم هاهنا مقام، فضحكم و اللّه جرير!فقال له بعض القوم: ذاك شؤمك و شؤم ابنك. قال: فما كان إلا ترحّلهم. قال فسرنا إلى أهلنا سيرا ما ساره أحد، و هم بالشّريف و هو أعلى دار بني نمير. فيحلف باللّه راعى الإبل إنّا وجدنا في أهلنا:

فغضّ الطّرف إنك من نمير و أقسم باللّه ما بلّغه إنسيّ قطّ، و إنّ لجرير لأشياعا من الجنّ. فتشاءمت به بنو نمير و سبّوه و ابنه، فهم يتشاءمون به إلى الآن.

قال قصيدته في هجو الراعي عند رجل من أنصاره‏

:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ عن أبيه قال حدّثني مولى لبني كليب بن يربوع كان يبيع الرّطب بالبصرة أنسيت اسمه قال:

/كنت أجمع شعر جرير و أشتهي أن أحفظه و أرويه. فجاءني ليلة فقال: إن راعي الإبل النّميريّ قد هجاني، و إنّي آتيك الليلة فأعدّ لي شواء رشراشا[6]و نبيذا مخفسا[7]؛ فأعددت له ذلك. فلما أعتم جاءني فقال: هلمّ عشاءك، فأتيته به، فأكل ثم قال: هلمّ نبيذك، فأتيته به، فشرب أقداحا ثم قال: هات دواة و كتفا[8]؛ فأتيته بهما، فجعل يملي عليّ قوله:

أقلّي اللوم عاذل و العتابا # و قولي إن أصبت لقد أصابا

حتى بلغ إلى قوله:

فغضّ الطّرف إنك من نمير فجعل يردّده و لا يزيد عليه حتى حملتني عيني، فضربت بذقني صدري نائما، فإذا به قد وثب حتى أصاب السّقف رأسه و كبّر ثم صاح: أخزيته و اللّه!أكتب:

فلا كعبا بلغت و لا كلابا [1]كف شعره: جمعه و ضم أطرافه.

[2]كذا فيما سيأتي في «الأغاني» (ج 20 ص 170) طبع بلاق. و في باقي الأصول هنا: «موقع السلام» .

[3]كذا في حـ. و أرمّ القوم: سكنوا. و في سائر الأصول: «أزم بالزاي و هو تصحيف.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «... سار و ثبت راعى الإبل ساعتئذ فركب بغلته... إلخ» .

[5]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «حتى أتى إلى المنزل الذي ينزله» .

[6]شواء رشراش: خضل ند يقطر دسما.

[7]كذا في جـ. و المخفس: السريع الإسكار. و في سائر الأصول: «محفشا» و هو تصحيف.

[8]كانوا يكتبون في عظم الكتف لقلة القراطيس عندهم.

249

غضضته‏[1]و قدّمت إخوته عليه!و اللّه لا يفلح بعدها[أبدا]. فكان و اللّه كما قال ما أفلح هو و لا نميريّ بعدها.

أنشد الفرزدق أشطار شعر له فأخبر بتواليها

:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال:

أقبل راكب من اليمامة؛ فمرّ بالفرزدق و هو جالس في المربد؛ فقال له: من أين أقبلت؟قال: من اليمامة.

فقال: هل رأيت ابن المراغة؟قال نعم؟قال: فأيّ شي‏ء أحدث بعدي؟فأنشده:

هاج الهوى لفؤادك المهتاج /فقال الفرزدق:

فانظر بتوضح‏[2]باكر الأحداج فأنشده الرجل:

/هذا هوى شغف الفؤاد مبرّح فقال الفرزدق:

و نوّى تقاذف غير ذات خلاج‏[3]

فأنشده الرجل:

إن الغراب بما كرهت لمولع‏

فقال الفرزدق:

بنوى الأحبّة دائم التّشحاج‏[4]

فقال الرجل: هكذا و اللّه، قال أ فسمعتها من غيري؟قال: لا!و لكن هكذا ينبغي أن يقال؛ أ و ما علمت أن شيطاننا واحد!ثم قال: أمدح بها الحجّاج؟قال نعم. قال: إياه أراد.

أجاب الفرزدق في الحج جوابا حسنا

:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا محمد بن إسحاق بن عبد الرحمن قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال حدّثني أبو عبيدة قال:

التقى جرير و الفرزدق بمنى و هما حاجّان؛ فقال الفرزدق لجرير:

فإنك لاق بالمنازل من منى # فخارا فخبّرني بمن أنت فاخر

[1]في ب، س: «غصصته» بالصاد.

[2]توضح: كثيب أبيض من كثبان حمر بالدهناء قرب اليمامة. و الأحداج: مراكب النساء.

[3]غير ذات خلاج أي نوى مقطوع بها لا يخالج فيها الشك و الريب. يقال: خلجه و خالجه في الأمر شي‏ء إذا شك فيه. و في «لسان العرب» : «و نوى خلوج بينة الخلاج: مشكوك فيها» ثم استشهد بهذا البيت.

[4]تشحاج الغراب: صوته.

250

/فقال له جرير: بلبّيك اللهم‏[1]لبيك. قال إسحاق: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير و يعجبون‏[2] منه.

هجا التيم فلم يؤثر فيهم من لؤم أصلهم‏

:

أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلاّم، و أخبرني وكيع عن محمد بن إسماعيل‏[عن ابن‏[3]سلاّم‏]قال حدّثنا أبو الخطّاب عن أبيه عن حجناء بن جرير قال:

قلت لأبي: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلاّ أفسدتهم سوى التّيم. فقال: إنّي لم أجد حسبا أضعه، و لا بناء أهدمه.

حديثه مع ابنه عن درجات الشعراء

:

قال ابن سلاّم أخبرني أبو قيس‏[4]عن عكرمة بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت، من أشعر الناس؟فقال:

الجاهلية تريد أم الإسلام؟قلت: أخبرني عن الجاهلية. قال: شاعر الجاهلية زهير. قلت: فالإسلام؟قال: نبعة الشعر الفرزدق. قلت: فالأخطل؟قال: يجيد صفة الملوك و يصيب نعت الخمر. قلت: فما تركت لنفسك؟قال:

دعني فإني نحرت‏[5]الشعر نحرا.

سمعه الفرزدق ينشد بائيته فتوقع فيها نصف بيت فيه هجو له فكان كما ظن‏

:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني الحسن بن عليل قال حدّثني محمد بن عبد اللّه العبديّ عن عمارة بن عقيل عن جدّه قال:

وقف الفرزدق على أبي بمربد البصرة و هو ينشد قصيدته التي هجا بها الرّاعي؛ فلما بلغ إلى قوله:

فغضّ الطّرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا

أقبل الفرزدق على روايته فقال: غضّه‏[6]و اللّه فلا يجيبه أبدا و لا يفلح بعدها. فلما بلغ إلى قوله:

/بها برص بجانب إسكتيها[7] وضع الفرزدق يده على فيه و غطّى عنفقته‏[8]؛ فقال أبي:

كعنفقة الفرزدق حين شابا فانصرف الفرزدق و هو يقول: اللهم أخزه!و اللّه لقد علمت حين بدأ بالبيت أنه لا يقول غير هذا، و لكن طمعت ألاّ [1]في جـ: «لبيك اللهم لبيك» .

[2]في جـ: «و يعجبون به» .

[3]زيادة عن جـ.

[4]كذا في ابن سلام و هو أبو قيس العنبري، قال عنه ابن سلام: و لم أر بدويا يزيد عليه. و في أكثر الأصول: «أبو الدقيش» . و في جـ:

«أبو الدلهمس» و كلاهما تحريف.

[5]في ب، س: «بحرت الشعر بحرا» .

[6]في ب، س: «غصه» بالصاد المهملة.

[7]الإسكتان: جانبا الفرج.

[8]العنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى و الذقن.

251

يأبه فغطّيت وجهي، فما أغناني ذلك شيئا. قال العنزيّ حدّثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة قال قال يونس: ما أرى جريرا قال هذا المصراع إلا حين غطّى الفرزدق عنفقته، فإنه نبّهه عليه بتغطيته إيّاها.

سئل الفرزدق عمن يجاريه في الشعر فلم يعترف إلا به‏

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال:

قال رجل من بني دارم للفرزدق و هو بالبصرة: يا أبا فراس، هل تعلم اليوم أحدا يرمي معك؟فقال: لا!و اللّه ما أعرف نابحا إلا و قد استكان و لا ناهشا إلا و قد انجحر إلا القائل:

/

فإن لم أجد في القرب و البعد حاجتي # تشأمت أو حوّلت وجهي يمانيا

فردّي جمال الحيّ ثم تحمّلى # فمالك فيهم من مقام و لا ليا

فإنّي لمغرور أعلّل بالمنى # ليالي أرجو أنّ مالك ماليا

و قائلة و الدمع يحدر كحلها # أبعد جرير تكرمون المواليا

بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ما # قطعت القوى من محمل كان باقيا

بأيّ سنان تطعن القرم‏[1]بعد ما # نزعت سنانا من قناتك ماضيا

/لساني و سيفي صارمان كلاهما # و للسّيف أشوى‏[2]وقعة من لسانيا

قال: و هذا الشعر لجرير.

وفد على يزيد بن معاوية و أخذ جائزته‏

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال:

قال جرير: وفدت إلى يزيد بن معاوية و أنا شابّ‏[يومئذ][3]؛ فاستؤذن لي عليه في جملة الشعراء؛ فخرج الحاجب إليّ و قال: يقول لك أمير المؤمنين: إنه لا يصل إلينا شاعر لا نعرفه و لا نسمع بشي‏ء من شعره، و ما سمعنا لك بشي‏ء فنأذن لك على بصيرة. فقلت له: تقول لأمير المؤمنين: أنا القائل:

و إنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى # سريع إذا لم أرض داري انتقاليا

جري‏ء الجنان لا أهاب من الردى # إذا ما جعلت السيف قبض بنانيا

و ليس لسيفي في العظام بقيّة # و للسّيف أشوى وقعة من لسانيا

فدخل الحاجب عليه فأنشده الأبيات؛ ثم خرج إليّ و أذن لي، فدخلت و أنشدته و أخذت الجائزة مع الشعراء؛ فكانت أوّل جائزة أخذتها من خليفة، و قال لي: لقد فارق أبي الدنيا و ما يظنّ أبياتك التي توسّلت بها إليّ إلاّ لي.

[1]كذا في جـ. و في سائر الأصول: «القوم» بالواو.

[2]يقال: رماه فأشواه إذا أصاب شواه و لم يصب مقتله. و الشوى: الأطراف.

[3]زيادة عن جـ.

252

موازنة حماد الراوية بينه و بين الفرزدق‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية قال:

أتيت الفرزدق فأنشدني، ثم قال لي: هل أتيت الكلب جريرا؟قلت نعم. قال: فأنا أشعر أو هو؟فقلت: أنت في بعض الأمر و هو في بعض. /فقال: لم تناصحني. فقلت: هو أشعر إذا أرخى من خناقه، و أنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت. فقال: و هل الشعر إلا في الخوف و الرجاء و عند الخير و الشرّ!.

حكم له بشر بن مروان و قد تفاخر هو و الفرزدق بحضرته‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن الحارث قال حدّثنا المدائنيّ عن يحيى بن عنبسة القرشيّ و عوانة بن الحكم:

أنّ جريرا و الفرزدق اجتمعا عند بشر بن مروان؛ فقال لهما بشر: إنكما قد تقارضتما الأشعار و تطالبتما الآثار و تقاولتما الفخر و تهاجيتما. فأمّا الهجاء فليست بي إليه حاجة، فجدّدا بين يديّ فخرا و دعاني مما مضى. فقال الفرزدق:

نحن السّنام و المناسم‏[1]غيرنا # فمن ذا يساوي بالسّنام المناسما!

فقال جرير:

على موضع الأستاه أنتم زعمتم # و كلّ سنام تابع للغلاصم‏[2]

فقال الفرزدق:

على محرث‏[3]للفرث أنتم زعمتم # ألا إنّ فوق الغلصمات الجماجما

/فقال جرير:

و أنبأتمونا أنكم هام قومكم # و لا هام إلا تابع للخراطم‏

فقال الفرزدق:

فنحن الزّمام القائد المقتدى به # من الناس، ما زلنا و لسنا لهازما[4]

فقال جرير:

فنحن بني زيد قطعنا زمامها # فتاهت كسار طائش الرأس عارم‏[5]

/فقال بشر: غلبته يا جرير بقطعك الزّمام و ذهابك بالناقة. و أحسن الجائزة لهما و فضّل جريرا.

[1]المنسم: طرف خف البعير.

[2]الغلصمة: رأس الحلقوم.

[3]في ب، س: «محرض» و هو تحريف.

[4]اللهازم: جمع لهزمة. و اللهزمتان هما ما تحت الأذنين من أعلى اللحيين و الخدين. يريد أنه من الذين يقودون الناس لا ممن يقادون.

[5]العرام: الشدّة و القوّة و الشراسة.

253

جرير و سكينة بنت الحسين:

قال المدائنيّ و حدّثني عوانة بن الحكم قال:

جاء جرير إلى باب سكينة بنت الحسين عليه السّلام يستأذن عليها فلم تأذن له، و خرجت إليه جارية لها فقالت: تقول لك سيّدتي: أنت القائل:

طرقتك صائدة القلوب و ليس ذا # حين الزيارة فارجعي بسلام‏

قال نعم. قالت: فألاّ أخذت بيدها فرحّبت بها و أدنيت مجلسها و قلت لها ما يقال لمثلها!أنت عفيف و فيك ضعف، فخذ هذين الألفي الدرهم فالحق بأهلك.

تفضيل سكينة بنت الحسين له على الفرزدق‏

:

قال المدائنيّ في خبره هذا و حدّثني أبو يعقوب الثّقفيّ عن الشّعبيّ: أنّ الفرزدق خرج حاجّا؛ فلما قصى حجّه عدل إلى المدينة فدخل إلى سكينة بنت الحسين عليهما السلام فسلّم. فقالت له: يا فرزدق، من أشعر الناس؟قال:

أنا. قالت: كذبت!أشعر منك الذي يقول:

بنفسي من تجنّبه عزيز # عليّ و من زيارته لمام

و من أمسي و أصبح لا أراه # و يطرقني إذا هجع النّيام‏

فقال: و اللّه لو أذنت لي لأسمعتك أحسس منه. قالت: أقيموه فأخرج ثم عاد إليها من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس. قال: أنا. قالت: كذبت!صاحبك جرير أشعر منك حيث يقول:

لو لا الحياء لعادني استعبار # و لزرت قبرك و الحبيب يزار

كانت إذا هجر الضّجيع فراشها # كتم الحديث و عفّت الأسرار[1]

/لا يلبث القرناء أن يتفرّقوا # ليل يكرّ عليهم و نهار

/فقال: و اللّه لئن أذنت لي لأسمعنّك أحسن منه، فأمرت به فأخرج. ثم عاد إليها في اليوم الثالث و حولها مولّدات لها كأنهنّ التماثيل؛ فنظر الفرزدق إلى واحدة منهنّ فأعجب بها و بهت ينظر إليها. فقالت له سكينة: يا فرزدق، من أشعر الناس؟قال: أنا. قالت: كذبت!صاحبك أشعر منك حيث يقول:

إنّ العيون التي في طرفها مرض # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به # و هنّ أضعف خلق اللّه أركانا

أتبعتهم مقلة إنسانها غرق # هل ما ترى تارك للعين إنسانا

فقال: و اللّه لئن تركتني لأسمعنّك أحسن منه؛ فأمرت بإخراجه. فالتفت إليها و قال: يا بنت رسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلّم-إنّ لي [1]الضجيع: الحليل، و هجره هاهنا أن يغيب عنها فيهجر فراشها، فأما إذا أقربت فهي أكرم عليه من أن يهجر فراشها. و كتم الحديث أي لا تحدث أحدا بريبة. و السر هو النكاح، و منه قوله تعالى: وَ لََكِنْ لاََ تُوََاعِدُوهُنَّ سِرًّا . يصفها بأن ليس عندها إلا العفاف.

(عن «النقائض» ) . ـ

254

عليك حقّا عظيما. [قالت: و ما[1]هو؟قال: ]ضربت إليك‏[آباط الإبل‏][1]من مكة إرادة التسليم عليك، فكان جزائي من ذلك تكذيبي و طردي و تفضيل جرير عليّ و منعك إيّاي أن أنشدك شيئا من شعري، و بي ما قد عيل منه صبري، و هذه المنايا تغدو و تروح، و لعلّي لا أفارق المدينة حتى أموت؛ فإذا أنا متّ فمري بي أن أدرج في كفني و أدفن في حر هذه (يعني الجارية التي أعجبته) . فضحكت سكينة و أمرت له بالجارية، فخرج بها آخذا بريطتها[2]؛ و أمرت الجواري فدفعن في أقفيتهما، و نادته. يا فرزدق احتفظ بها و أحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي.

حضر أعرابي مائدة عبد الملك بن مروان و وصف له طعاما أشهى من طعامه ثم سأله عن أحسن الشعر فأجاب من شعر جرير

:

قال المدائنيّ في خبره هذا و حدّثني أبو عمران بن عبد الملك بن عمير عن أبيه، و حدّثنيه عوانة أيضا قالا:

/صنع عبد الملك بن مروان طعاما فأكثر و أطاب و دعا إليه الناس فأكلوا. فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام! ما نرى أن أحدا رأى أكثر منه و لا أكل أطيب منه. فقال أعرابيّ من ناحية القوم: أمّا أكثر فلا، و أمّا أطيب فقد و اللّه أكلت أطيب منه، فطفقوا[3]يضحكون من قوله. فأشار إليه عبد الملك فأدني منه؛ فقال: ما أنت بمحقّ فيما تقول إلاّ أن تخبرني بما يبين به صدقك. فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ بينا أنا بهجر[4]في برث‏[5]أحمر في أقصى حجر[6]، إذ توفّي أبي و ترك كلاّ[7]و عيالا، و كان له نخل، فكانت فيه نخلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها، كأن تمرها أخفاف الرّباع‏[8]لم ير تمر قطّ أغلظ و لا أصلب و لا أصغر نوّى و لا أحلى حلاوة منه‏[9]. و كانت تطرقها أتان وحشيّة قد ألفتها تأوي الليل تحتها، فكانت تثبت رجليها في أصلها و ترفع يديها و تعطو[10]بفيها فلا تترك فيها إلا النّبيذ[11] و المتفرّق؛ فأعظمني ذلك و وقع منّي كلّ موقع، فانطلقت بقوسي و أسهمي و أنا أظنّ أنّي أرجع من ساعتي؛ فمكثت يوما و ليلة لا أراها، حتى إذا كان السّحر أقبلت، فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها و أجهزت عليها، ثم عمدت إلى سرّتها فاقتددتها[12]، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رضف‏[13]و عمدت إلى زندي فقدحت و أضرمت النار في ذلك الحطب، و ألقيت/سرّتها فيه؛ و أدركني نوم الشّباب‏[14]فلم يوقظني إلاّ حرّ الشمس في ظهري؛ فانطلقت إليها [1]زيادة عن جـ.

[2]الريطة: الملاءة.

[3]في الأصول: «و طفقوا» .

[4]هجر: مدينة بالبحرين مشهورة بكثرة التمر.

[5]كذا في «البخلاء» طبع أوروبا ص 243، و البرث: الأرض اللينة السهلة، و منه في الحديث: «بين الزيتون إلى كذا برث أحمر» . و في الأصول: «ترب أحمر» و هو تصحيف.

[6]في أقصى حجر أي في أبعد ناحية. و في «البخلاء» : «في طلوع القمر» .

[7]الكل: الثقل و العيال، الذكر و الأنثى في ذلك سواء، و ربما جمع على الكلول في الرجال و النساء.

[8]الرباع: جمع ربع (كمضر) و هو الفصيل ينتج في الربيع و هو أوّل النتاج، و الذي ينتج في آخر النتاج يسمى هبع (بضم ففتح) .

[9]في الأصول: «منها» .

[10]تعطو: تتناول.

[11]كذا في أ، ء، م. و النبيذ: المنبوذ. و في سائر الأصول: «النبذ» و النبذ: الشي‏ء القليل اليسير.

[12]كذا في جـ. و اقتدّ الشي ء: قطعه. و في سائر الأصول: «فافترتها» و هو تحريف.

[13]الرضف: الحجارة المحماة بالشمس أو النار.

[14]كذا في جـ و «البخلاء» . و في سائر الأصول: «السبات» .

255

فكشفتها و ألقيت ما عليها من قذى و سواد و رماد، ثم قلبت‏[منها[1]]مثل الملاءة البيضاء، فألقيت عليها من رطب تلك النخلة المجزّعة[2]و المنصّفة، فسمعت لها أطيطا[3]كتداعي عامر و غطفان، ثم أقبلت أتناول الشّحمة و اللحمة فأضعها بين التمرتين و أهوي إلى فمي، فبما أحلف إنّي‏[4]ما أكلت طعاما مثله قطّ. فقال له عبد الملك: لقد أكلت طعاما طيّبا، فمن أنت؟قال: أنا رجل جانبتني عنعنة[5]تميم و أسد و كشكشة[6]ربيعة و حوشيّ‏[7]أهل اليمن و إن كنت منهم. فقال: من أيّهم أنت؟قال: من أخوالك من عذرة. قال: أولئك فصحاء الناس؛ فهل لك علم بالشعر؟ قال: سلني عمّا بدا لك يا أمير المؤمنين. قال: أيّ بيت قالته العرب أمدح؟قال: قول جرير:

أ لستم خير من ركب المطايا # و أندى العالمين بطون راح‏

/قال: و كان جرير في القوم، فرفع رأسه و تطاول لها. ثم قال: فأيّ بيت قالته العرب أفخر؟قال: قول جرير:

إذا غضبت عليك بنو تميم # حسبت الناس كلّهم غضابا

/قال: فتحرّك‏[لها[8]جرير]. ثم قال له: فأيّ بيت أهجى؟قال: قول جرير:

فغضّ الطّرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت و لا كلابا

قال: فاستشرف لها جرير. قال: فأيّ بيت أغزل؟قال: قول جرير:

إن العيون التي في طرفها مرض # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

قال: فاهتزّ جرير و طرب. ثم قال له: فأيّ بيت قالته العرب أحسن تشبيها؟قال: قول جرير:

سرى نحوهم ليل كأنّ نجومه # قناديل فيهنّ الذّبالى‏[9]المفتّل‏

فقال جرير: جائزتي للعذريّ يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: و له مثلها من بيت المال، و لك جائزتك يا جرير لا تنتقص منها شيئا. و كانت جائزة جرير أربعة آلاف درهم و توابعها من الحملان و الكسوة. فخرج العذريّ و في يده اليمنى ثمانية آلاف درهم و في اليسرى رزمة ثياب.

[1]زيادة عن جـ.

[2]جزع البسر: بلغ الإرطاب نصفه، و قيل: بلغ الإرطاب من أسفله إلى نصفه و قيل: إلى ثلثيه و قيل: بلغ بعضه من غير أن يحدّ.

و اختلف في المجزعة أ هي بفتح الزاي أم بكسرها. و نصف البسر: أرطب نصفه.

[3]أطيط كل شي‏ء : صوته. و عامر و غطفان: قبيلتان.

[4]في ب، س: «فيما أحلف... إلخ» . و في جـ: «فما أحلف أكلت... إلخ» أي فأحلف ما أكلت. فوقع فعل القسم معترضا بين «ما» النافية و منفيها.

[5]عنعنة تميم: إبدالهم العين من الهمزة فيقولون «عنّ» يريدون «أن» .

[6]كذا في جـ. و الكشكشة لغة ربيعة، يجعلون الشين مكان الكاف و ذلك في المؤنث خاصة فيقولون: عليش مكان عليك. و في سائر الأصول: «كسكسة ربيعة» و هو تصحيف لأن الكسكسة لغة هوازن. (انظر «اللسان» مادة كسس و كشش) .

[7]الحوشيّ من الكلام: الغامض.

[8]زيادة يقتضيها سياق الكلام.

[9]الذبالة: الفتيلة التي توضع في القنديل يوضع فيه الزيت ليستضاء به.

256

تفضيل عبيدة بن هلال لجرير على الفرزدق‏

:

أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا المدائنيّ عن أبي عبد الرحمن‏[1]عن عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ قال:

بينا المهلّب ذات يوم‏[أو ليلة[2]]بفارس و هو يقاتل الأزارقة إذ سمع في عسكره جلبة و صياحا؛ فقال: ما هذا؟قالوا: جماعة من العرب تحاكموا إليك في شي‏ء. فأذن لهم فقالوا: إنّا اختلفنا في جرير و الفرزدق؛ فكلّ فريق منّا يزعم أنّ أحدهما أشعر من الآخر، و قد رضينا بحكم الأمير. فقال: كأنكم أردتم‏[أن‏[2]]تعرّضوني/لهذين الكلبين فيمزّقا جلدتي!لا أحكم بينهما، و لكنّي أدلّكم على من يهون عليه سبال جرير و سبال‏[3]الفرزدق، عليكم بالأزارقة، فإنّهم قوم عرب يبصرون بالشعر[4]. و يقولون فيه بالحق. فلما كان الغد خرج عبيدة بن هلال اليشكريّ و دعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل من عسكر المهلّب كان لقطريّ صديقا؛ فقال له: يا عبيدة، سألتك اللّه إلاّ أخبرتني عن شي‏ء أسألك عنه. قال: سل. قال: أو تخبرني؟قال: نعم إن كنت أعلمه. قال: أ جرير أشعر أم الفرزدق؟قال: قبحك اللّه!أ تركت القرآن و الفقه و سألتني عن الشعر!إنا تشاجرنا في ذلك و رضينا بك. فقال من الذي يقول:

و طوى الطّراد[5]-مع القياد بطونها # طيّ التّجار بحضر موت برودا

فقال: جرير. قال: هذا أشعر الرجلين.

لم ينزع في شعره إلى الغزل و لا إلى الرجز

:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ عن العتبيّ قال:

قال جرير: ما عشقت قطّ، و لو عشقت لنسبت نسيبا تسمعه العجوز فتبكي على ما فاتها من شبابها، و إني لأرى من الرّجز أمثال آثار الخيل في الثّرى، و لو لا أنّي أخاف أن يستفرغني‏[6]لأكثرت منه.

جرير في ضيافة عبد العزيز بن الوليد

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و عمّي قالا حدّثنا ابن الأعرابيّ قال حدّثنا عبد الرحمن بن سعيد بن بيهس بن صهيب الجرميّ‏[عن عامر[7]بن شبل الجرميّ‏]قال:

[1]أبو عبد الرحمن كنية الهيثم بن عدي، و قد تقدّم مرارا أنه يروى عن عبد اللّه بن عياش الهمداني، و قد صححنا هذا السند بناء على ذلك. و في أكثر الأصول: «عن أبي عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عباس الهذلي» . و في ب، س مثل ذلك، غير أن فيهما «الهمداني» بدل «الهذلي» و كلاهما تحريف.

[2]زيادة عن حـ.

[3]السبال: الشوارب. و في ب، س: «سؤال» و هو تحريف.

[4]في الأصول: «يبصرون الشعر» و الأفصح تعديته بالباء.

[5]كذا في حـ هنا و جميع الأصول فيما تقدّم. و في سائر الأصول هنا: «و طوى الطراد بطونهن كأنها» .

[6]كذا في حـ. و هو محرّف في سائر النسخ.

[7]ما بين هاتين القوسين ساقط من ب، س.

257

/قدم جرير على عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك و هو نازل بدير مرّان‏[1]؛ فكنا نغدو إليه بكرا[2]، فيخرج إلينا و يجلس في برنس خزّ له لا يكلّمنا كلمة حتى يجي‏ء طبّاخ عبد العزيز إليه بقدح من طلاء مسخّن/يفور، و بكتلة من سمن كأنها هامة رجل فيخوضها فيه، ثم يدفعه إليه فيأتي عليه، و يقبل علينا و يحدّثنا في كل فنّ، و ينشدنا لنفسه و لغيره؛ حتى يحضر غداء عبد العزيز فنقوم إليه جميعا. و كان يختم مجلسه بالتسبيح فيطيل. فقال له رجل: ما يغني عنك هذا التسبيح مع قذفك للمحصنات!فتبسّم و قال: يا ابن أخي (خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا عسى اللّه أن يتوب عليهم) إنهم و اللّه يا ابن أخي يبدءوني ثم لا أحلم.

وفد رجل من قبيلة الفرزدق على امرأة من بني حنيفة فأسمعته هجو جرير لهم و قصة عشقها لابن عم محمد:

أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعيد بن جعفر بن يوسف بن محمد بن موسى‏[3]قال حدّثني الأخفش عن أبي محذورة الورّاق عن أبي مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول:

و أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني إبراهيم بن محمد الطائفيّ قال حدّثني محمد بن مسعدة[4]الأخفش عن أبي محذورة الورّاق عن أبي مالك الراوية قال:

سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منا يقال له الخضر، فحدّثني قال: خرجت في طلبهما و أنا على ناقة لي عيساء[5]كوماء أريد اليمامة؛ فلما صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصّرصران ارتفعت سحابة فرعدت و برقت و أرخت عزاليها[6]؛ /فعدلت إلى بعض ديارهم و سألت القرى فأجابوا (فدخلت دارا لهم و أنخت الناقة و جلست تحت ظلّة لهم من جريد النخل، و في الدار جويرية لهم سوداء، إذ دخلت جارية كأنها سبيكة فضة و كأن عينيها كوكبان درّيان؛ فسألت الجارية: لمن هذه العيساء؟ (تعني ناقتي) فقالت: لضيفكم هذا. فعدلت إليّ فقالت:

السلام عليكم، فرددت عليها السلام. فقالت لي: ممّن الرجل؟فقلت: من بني حنظلة. فقالت: من أيّهم؟فقلت:

من بني نهشل. فتبسّمت و قالت: أنت إذا ممّن عناه الفرزدق بقوله:

إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا دعائمه أعزّ و أطول

بيتا بناه لنا المليك و ما بنى # ملك السماء فإنه لا ينقل

بيتا زرارة محتب بفنائه # و مجاشع و أبو الفوارس نهشل‏

قال: فقلت: نعم جعلت فداك!و أعجبني ما سمعت منها. فضحكت و قالت: فإن ابن الخطفى قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي فخرتم به حيث يقول:

[1]دير مرّان: قرب دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران و رياض حسنة، و بناؤه بالجص و أكثر فرشه بالبلاط الملون. (انظر «معجم البلدان» لياقوت في الكلام عليه) .

[2]البكر (بالتحريك) : البكرة.

[3]ورد هذا الاسم هكذا في جميع الأصول.

[4]الأخافش كثيرون و ليس منهم من له هذا الاسم، غير أن أحدهم يسمى سعيد بن مسعدة.

[5]العيساء من النوق: التي يضرب لونها إلى الأدمة، و قيل: هي التي يخالط بياضها شي‏ء من الشقرة. و كوماء: عظيمة السنام طويلته.

[6]العزالي: جمع عزلاء، و العزلاء في الأصل: مصب الماء من الراوية و القربة. شبه اتساع المطر و اندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة.

258

أخزى الذي رفع السماء مجاشعا # و بنى بناءك‏[1]بالحضيض الأسفل

بيتا يحمّم‏[2]قينكم بفنائه # دنسا مقاعده خبيث المدخل‏

قال: فوجمت. فلما رأت ذلك في وجهي قالت: لا عليك؛ فإن الناس يقال فيهم و يقولون. ثم قالت: أين تؤمّ؟ قلت: اليمامة. فتنفّست الصّعداء ثم قالت: ها هي تلك أمامك؛ ثم أنشأت تقول:

تذكّرني بلادا خير أهلي # بها أهل المروءة و الكرامة

/ألا فسقى الإله أجشّ صوبا # يسحّ بدرّه بلد اليمامه

و حيّا بالسلام أبا نجيد # فأهل للتحيّة و السلامه‏

/قال: فأنست بها و قلت لها: أ ذات خدن أم ذات بعل؟فأنشأت تقول:

إذا رقد النّيام فإن عمرا # تؤرّقه الهموم إلى الصباح

تقطّع قلبه الذّكرى و قلبي # فلا هو بالخليّ و لا بصاح

سقى اللّه اليمامة دار قوم # بها عمرو و يحنّ إلى الرّواح‏

فقلت لها: من عمرو هذا؟فأنشأت تقول:

سألت و لو علمت كففت عنه # و من لك بالجواب سوى الخبير

فإن تك ذا قبول إن عمرا # هو القمر المضي‏ء المستنير[3]

و مالي بالتبعّل مستراح # و لو ردّ التبعّل لي أسيري‏

قال: ثم سكتت سكتة كأنها تتسمّع‏[4]إلى كلام، ثم تهافتت‏[5]و أنشأت تقول:

يخيّل لي هيا عمرو بن كعب # كأنك قد حملت على سرير

يسير بك الهوينى القوم لما # رماك الحبّ بالعلق‏[6]العسير

فإن تك هكذا يا عمرو إنّي # مبكّرة عليك إلى القبور

ثم شهقت شهقة فخرّت ميّتة. فقلت لهم: من هذه؟فقالوا: هذه عقيلة بنت الضحّاك بن عمرو بن محرّق بن النّعمان بن المنذر بن ماء السماء. فقلت لهم: فمن عمرو هذا؟قالوا: ابن عمّها عمرو بن كعب بن محرّق بن [1]في أكثر الأصول: «و بنى بناء» و التصويب عن و «النقائض» ص 413.

[2]يحمم: يسخن. و القين: الحداد، يشير إلى أن مجاشعا قبيلة الفرزدق كانت قيونا لعبد كان لصعصعة بن ناجية بن عقال يسمى جبيرا فنسب جرير غالبا أبا الفرزدق إلى القين و لذلك يقول جرير:

وجدنا جبيرا أبا غالب # بعيد القرابة من معبد

أ تجعل ذا الكير من دارم # و أين سهيل من الفرقد

[3]في هذا البيت أقواء، و هو اختلاف حركة الروي.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «تستمع إلى كلام» .

[5]يريد أنها تساقطت من ضعفها و خورها.

[6]العلق: الهوى يكون للرجل في المرأة.

259

النعمان بن المنذر؛ فارتحلت من عندهم. فلما دخلت اليمامة سألت عن عمرو هذا فإذا هو قد دفن في ذلك الوقت الذي قالت فيه ما قالت.

قصته مع عمر بن عبد العزيز حين وفد عليه‏

:

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدّثنا محمد بن الحكم، و أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو الهيثم بدر بن سعيد العطّار قال حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال:

لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه الشعراء فجعلوا لا يصلون إليه؛ فجاء عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود و عليه عمامة قد أرخى طرفيها فدخل؛ فصاح به جرير:

يا أيّها القارئ‏[1]المرخى عمامته # هذا زمانك إنّي قد مضى زمني

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه # أنّي لدى الباب كالمصفود في قرن‏

قال: فدخل على عمر فاستأذن له، فأدخله عليه. و قد كان هيأ له شعرا، فلما دخل عليه غيّره و قال:

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا # من الخليفة ما نرجو من المطر

نال الخلافة إذ كانت له قدرا # كما أتى ربّه موسى على قدر

أ أذكر الجهد و البلوى التي نزلت # أم تكتفي بالذي بلّغت من خبري

ما زلت بعدك في دار تعرّفني‏[2] # قد طال بعدك إصعادي و منحدري

لا ينفع الحاضر المجهود بادينا # و لا يجود لنا باد على حضر

كم بالمواسم من شعثاء أرملة # و من يتيم ضعيف الصوت و البصر

يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به # خبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر[3]

/ممّن يعدّك تكفي فقد والده # كالفرخ في العشّ لم ينهض و لم يطر

/قال: فبكى عمر ثم قال: يا ابن الخطفى، أ من أبناء المهاجرين أنت فنعرف لك حقّهم، أم من أبناء الأنصار فيجب لك ما يجب لهم، أم من فقراء المسلمين فنأمر صاحب صدقات قومك فيصلك بمثل ما يصل به قومك؟فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا بواحد من هؤلاء، و إني لمن أكثر قومي مالا، و أحسنهم حالا، و لكنّي أسألك ما عوّدتنيه الخلفاء: أربعة آلاف درهم و ما يتبعها من كسوة و حملان. فقال له عمر: كلّ امرئ يلقى فعله، و أمّا أنا فما أرى لك في مال اللّه حقّا، و لكن انتظر، يخرج عطائي، فأنظر ما يكفي عيالي سنة منه فادّخره لهم، ثم إن فضل فضل صرفناه إليك. فقال جرير: لا، بل يوفّر أمير المؤمنين و يحمد و أخرج راضيا؛ قال: فذلك أحبّ إليّ؛ فخرج. فلما ولّى قال عمر: إن شرّ هذا ليتّقى؛ ردّوه إليّ، فردّوه فقال: إن عندي أربعين دينارا و خلعتين إذا غسلت إحداهما [1]في ديوان جرير المخطوط: «يا أيها الرجل» .

[2]أصل معنى التعرّق أخذ ما على العظم من اللحم نهشا بالأسنان. يريد أنها تفقره و لا تدع له شيئا.

[3]كذا في ديوانه. و في الأصول: «من البشر» بالباء و هو تصحيف. و النشر: جمع نشر و هي رقية يعالج بها المجنون و المريض.

260

لبست الأخرى، و أنا مقاسمك ذلك، على أن اللّه جلّ و عزّ يعلم أن عمر أحوج إلى ذلك منك. فقال له: قد وفّرك اللّه يا أمير المؤمنين و أنا و اللّه راض. قال: أمّا و قد حلفت فإن ما وفّرته عليّ و لم تضيّق به معيشتنا آثر في نفسي من المدح، فامض مصاحبا؛ فخرج. فقال له أصحابه و فيهم الفرزدق: ما صنع بك أمير المؤمنين يا أبا حزرة؟قال:

خرجت من عند رجل يقرّب الفقراء و يباعد الشعراء و أنا مع ذلك عنه راض ثم وضع رجله في غرز راحلته و أتى قومه. فقالوا له: ما صنع بك أمير المؤمنين أبا حرزة؟فقال:

تركت لكم بالشأم حبل جماعة # أمين القوى مستحصد[1]العقد باقيا

وجدت رقى الشيطان لا تستفزّه # و قد كان شيطاني من الجنّ راقيا

هذه رواية عمر بن شبّة. و أما اليزيديّ فإنه قال في خبره: فقال له جرير يا أمير المؤمنين، فإنّي ابن سبيل. قال: لك ما لأبناء السبيل، زادك و نفقة تبلّغك/و تبدّل راحلتك إن لم تحملك. فألحّ عليه؛ فقالت له بنو أميّة: يا أبا حزرة، مهلا عن أمير المؤمنين، و نحن نرضيك من أموالنا عنه، فخرج. و جمعت له بنو أميّة مالا عظيما؛ فما خرج من عند خليفة بأكثر ممّا خرج من عند عمر.

رؤيا أمه و هي حامل به‏

:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال:

رأت أمّ جرير و هي حامل به كأنها ولدت حبلا من شعر أسود، فلما سقط منها جعل ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه حتى فعل ذلك برجال كثير، فانتبهت فزعة فأوّلت الرّؤيا فقيل لها: تلدين غلاما شاعرا ذا شرّ و شدّة شكيمة و بلاء على الناس. فلما ولدته جريرا باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها. قال: و الجرير: الحبل.

قال إنه أشعر الناس لأنه فاخر بأبيه و هو دني ء

:

قال إسحاق و قال الأصمعيّ حدّثني بلال بن جرير-أو حدّثت عنه- أنّ رجلا قال لجرير: من أشعر الناس؟قال له: قم حتى أعرّفك الجواب؛ فأخذ بيده و جاء به إلى أبيه عطيّة و قد أخذ عنزا له فاعتقلها و جعل يمصّ ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت؛ فخرج شيخ دميم رثّ الهيئة و قد سال لبن العنز على لحيته؛ فقال: أ لا[2]ترى هذا؟قال نعم. قال: أو تعرفه؟قال لا. هذا أبي، أ فتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟قلت لا. قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. ثم قال: أشعر الناس/من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعرا و قارعهم به فغلبهم جميعا.

إخوته‏

:

حدّثني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن موسى مولى بني هاشم قال حدّثني عمّارة بن عقيل عن المغيرة بن حجناء عن أبيه قال:

/ولد جرير لسبعة أشهر؛ فكان الفرزدق يعيّره ذلك‏[3]، و فيه يقول:

و أنت ابن صغرى لم تتمّ شهورها [1]المستحصد: المستحكم.

[2]في حـ: «أ ترى هذا؟» .

[3]في الأصول: «يعيره بذلك» و الفصيح الكثير تعديه بنفسه حتى أنكر بعضهم تعديه بالباء.

261

قال و ولد عطيّة جريرا-و أمّه أمّ قيس بنت معيد من بني كليب-و عمرا و أبا الورد. فأمّا أبو الورد فكان يحسد جريرا؛ فذهبت لجرير إبل فشمت به أبو الورد فقال له جرير:

أبا الورد أبقى اللّه منها بقيّة # كفت كلّ لوّام خذول و حاسد

و أما عمرو فكان أكبر من جرير، و كان يقارضه الشعر. فقال له جرير:

و عمرو[1]قد كرهت عتاب عمرو # و قد كثر المعاتب و الذّنوب

و قد صدّعت صخرة من رماكم # و قد يرمى بي الحجر الصّليب

و قد قطع الحديد فلا تماروا # فرند لا يفلّ و لا يذوب‏

شعر قاله ليزيد ابن معاوية يعاتب به أباه‏

:

قال: و أوّل شعر قاله جرير في زمن معاوية، قاله لابنه:

فردّي جمال البين ثم تحمّلي # فما لك فيهم من مقام و لا ليا

لقد قادني الجيران يوما و قدتهم # و فارقت حتّى ما تصبّ‏[2]جماليا

و إنّي لمغرور أعلّل بالمنى # ليالي أرجو أن مالك ماليا

بأيّ سنان تطعن القرم بعد ما # نزعت سنانا من قناتك ماضيا

بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ما # قطعت القوى من محمل كان باقيا

قال: و كان يزيد بن معاوية عاتب أباه بهذه الأبيات و نسبها إلى نفسه؛ لأن جريرا لم يكن شعره شهر حينئذ. فقدم جرير على يزيد في خلافته فاستؤذن له/مع الشعراء، فأمر يزيد ألاّ يدخل عليه شاعر إلاّ من عرف شعره؛ فقال جرير: قولوا له: أنا القائل:

فردّيي جمال الحيّ ثم تحمّلي # فما لك فيهم من مقام و لا ليا

فأمر بإدخاله. فلمّا أنشده قال يزيد: لقد فارق أبي الدنيا و ما يحسب إلاّ أنّي قائلها، و أمر له بجائزة و كسوة.

استعار من أبيه فحلا و لما استردّه منه عرّض به‏

:

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا محمد بن صالح بن النطّاح قال قال أبو عبيدة قال أبو عمرو:

استعار جرير من أبيه فحلا يطرقه في إبله، فلما استغنى عنه جاءه أبوه في بتّ‏[3]خلق يستردّه؛ فدفعه إليه و قال: يا أبت، هذا «تردّ إلى عطيّة تعتل» . يعرّض بقول الفرزدق فيه:

ليس الكرام بناحليك أباهم # حتى تردّ عطيّة تعتل‏[4]

[1]في ب، س: «أعمر» و في حـ: «و عمرا» . و قيل هذا البيت كما في ديوانه:

رأيتك يا حكيم علاك شيب # و لكن ما لحملك لا يثوب‏

[2]يقال: صب في الوادي إذا انحدر.

[3]البت: كساء غليظ مهلهل مربع أخضر، قيل: هو من وبر و صوف.

[4]نحل: أعطى. و تعتل: تساق قسرا. و يقال: تعتل: تقاد بين اثنين. (عن النقائض) .

262

اتعاظه بجنازة مرّت عليه‏

:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ و عمر بن شبّة قالا حدّثنا الأصمعيّ قال أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال:

جلس جرير يملي على رجل قوله:

ودّع أمامة حان منك رحيل # إنّ الوداع لمن تحبّ قليل‏

فمرّوا عليه بجنازة؛ فقطع الإنشاد و جعل يبكي، ثم قال: شيّبتني هذه الجنازة. قال أبو عمرو: /فقلت له: فعلام تقذف المحصنات منذ كذا و كذا!فقال: إنهم يبدءونني ثم لا أعفو.

قيل إنه فضل لمقاومته الفرزدق‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن المعذّل قال:

كان أبي و جماعة من علمائنا يقولون: إنما فضّل جرير لمقاومته الفرزدق، و أفضل‏[1]شعر قاله جرير:

حيّ الهدملة من ذات المواعيس‏[2]

هجا بني الهجيم لأنهم منعوه الإنشاد في مسجدهم‏

:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال حدّثنا أبو الغرّاف قال:

أتى الفرزدق مجلس بني الهجيم‏[3]في مسجدهم فأنشدهم؛ و بلغ ذلك جريرا فأتاهم من الغد لينشدهم كما أنشدهم الفرزدق. فقال له شيخ منهم: يا هذا اتّق اللّه!فإنّ هذا المسجد إنما بني لذكر اللّه و الصلاة. فقال جرير:

أقررتم للفرزدق و منعتموني!و خرج مغضبا و هو يقول:

إنّ الهجيم قبيلة ملعونة # حصّ‏[4]اللّحى متشابهو الألوان

هم يتركون بنيهم و بناتهم # صعر الأنوف لريح كلّ دخان

لو يسمعون بأكلة أو شربة # بعمان أصبح جمعهم بعمان‏

قال: و خفّة اللّحى في بني هجيم ظاهرة. و قيل لرجل منهم: ما بالكم يا بني الهجيم حصّ اللحى؟قال: إن الفحل واحد.

حديثه مع عبد الملك أو الوليد ابنه عن الشعراء و عن نفسه‏

:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن آدم قال سمعت عمارة بن عقيل يحدّث عن أبيه عن جدّه قال:

[1]في ب، س: «و أقوم شعر» .

[2]الهدملة: موضع بعينه، هكذا ذكره ياقوت و استشهد بقول جرير هذا. و المواعيس: موضع، كما جاء في «شرح القاموس» .

[3]بنو الهجيم: بطنان من العرب: أحدهما الهجيم بن عمرو بن تميم، و الثاني الهجيم بن علي بن سود من الأزد.

[4]حص: جمع أحص و أحص اللحية: قليل شعرها.

263

/قال عبد الملك أو الوليد ابنه لجرير: من أشعر الناس؟قال فقال: ابن العشرين‏[1]. قال: فما رأيك في ابنيّ‏[2]أبي سلمى؟قال: كان شعرهما نيّرا يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول في امرئ القيس؟قال: اتّخذ الخبيث الشعر نعلين، و أقسم باللّه لو أدركته لرفعت ذلاذله‏[3]. قال: فما تقول في ذي الرّمّة؟قال: قدر من ظريف الشعر و غريبه و حسنه‏[على‏][4]ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟قال: ما أخرج لسان ابن النّصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟قال: في يده و اللّه يا أمير المؤمنين نبعة من الشعر قد قبض عليها. قال: فما أراك أبقيت لنفسك شيئا!قال: بلى و اللّه يا أمير المؤمنين!إنّي لمدينة الشعر التي منها يخرج و إليها يعود، نسبت فأطربت، و هجوت فأرديت، و مدحت فسنّيت‏[5]، و أرملت فأغزرت، و رجزت‏[6]فأبحرت؛ فأنا قلت ضروب الشعر كلّها، و كلّ واحد منهم قال نوعا منها. قال: صدقت.

طلبت جاريه له أن يبيعها فعيره الفرزدق ذلك‏

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصبّاح عن ابن الكلبيّ قال:

كانت لجرير أمة و كان بها معجبا، فاستخفّت المطعم و الملبس و الغشيان و استقلّت ما عنده، و كانت قبله عند قوم يقال لهم بنو زيد، أهل خصب و نعمة، فسامته أن يبيعها و ألحّت في ذلك؛ فقال فيها:

/

تكلّفني معيشة آل زيد # و من لي بالمرفّق و الصّناب‏[7]

تقول أ لا تضمّ كضمّ زيد # و ما ضمّي و ليس معي شبابي‏

فقال الفرزدق يعيّر ذلك‏[8]:

فإن تفقرك علجة آل زيد # و يعجزك المرقّق و الصّناب‏[9]

/فقدما كان عيش أبيك مرّا # يعيش بما تعيش به الكلاب‏[10]

[1]يعني به طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك أحد شعراء المعلقات، قتل و هو ابن عشرين سنة فيقال له ابن العشرين: قتله عمرو بن هند بيد أبي الربيع بن حوثرة عامله على البحرين. (انظر «الشعر و الشعراء» ص 91) .

[2]يعني زهير بن أبي سلمى و ابنه كعب بن زهير.

[3]ذلاذل القميص: ما يلي الأرض من أسافله. و لعله يريد أنه كان يلزمه و يخدمه.

[4]الزيادة عن حـ.

[5]كذا في الأصول. و سنى الشي ء: سهله و فتحه، و الأحرى بهذه الكلمة أن تكون «فأسنيت» . و أسني: رفع و أعلى.

[6]كذا في أ، ء، م. و في ب، س، حـ: «و زجرت» و هو تصحيف.

[7]المرقق: الأرغفة الواسعة الرقيقة. و الصناب: أدم يتخذ من الخردل و الزبيب.

[8]في الأصول: «بذلك» راجع الحاشية رقم 1 ص 50 من هذا الجزء.

[9]قد ورد هذا البيت في حـ هكذا:

فإن تعدم معيشة آل زيد # و يعوزك المرقق و الصناب‏

و في «النقائض» :

«إن تفركك علجة آل زيد # و يعوزك...

إلخ» و فركت المرأة زوجها تفركه فركا إذا أبغضته.

[10]في ب، س: «كريها لا يعيش به الكلاب» .

264

قصته مع ذي الرمة عند المهاجر بن عبد اللّه‏

:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا العباس بن ميمون قال حدّثنا التّوّزيّ عن أبي عبيدة عن أيّوب بن كسيب قال:

دخل جرير على المهاجر بن عبد اللّه و هو والي اليمامة و عنده ذو الرّمّة ينشده. فقال المهاجر بن عبد اللّه لجرير:

كيف ترى؟قال: لقد قال و ما أنعم. فغضب ذو الرّمّة و نهض و هو يقول:

أنا أبو الحارث و اسمي غيلان فنهض جرير و قال.

إنّي‏[1]امرأ خلقت شكسا أشوسا # إن تضرساني تضرسا مضرسا[2]

قد لبس الدهر و أبقى ملبسا # من شاء من نار الجحيم اقتبسا

قال: فجلس ذو الرّمّة و حاد عنه فلم يجبه.

/أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا ابن النّطّاح عن أبي عبيدة قال:

كان ذو الرّمّة ممّن أعان على جرير و لم يصحر[3]له؛ فقال جرير فيه:

أقول نصاحة لبني عديّ # ثيابكم و نضح دم القتيل‏

و هي قصيدة. قال: و كانوا يتعاونون عليه و لا يصحرون له.

حديثه مع ذي الرمة و هشام المرئيّ‏

:

أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال حدّثني أبو الغرّاف قال:

قال الفرزدق لذي الرّمّة: ألهاك البكاء في الديار و هذا العبد يرجز بك (يعني هشاما المرئيّ) بمقبرة بني حصن.

قال: و كان السبب في الهجاء بين ذي الرّمة و هشام أن ذا الرمّة نزل بقرية لبني امرئ القيس يقال لها: مرأة[4]، فلم يقروه و لم يعلفوا له، فارتحل و هو يقول:

نزلنا و قد طال‏[5]النهار و أوقدت # علينا حصى المعزاء[6]شمس تنالها

أنخنا فظلّلنا بأبراد يمنة[7] # رقاق و أسياف قديم صقالها

[1]وردت هذه الأبيات في «ديوانه» المخطوط (صفحة 208) باختلاف عما هنا.

[2]الشكس: الصعب الخلق. و الأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه تكبرا أو تغيظا و الجري‏ء على القتال الشديد. و ضرسه: عضه و عجمه ليختبره.

[3]لم يصحر له: لم يبرز له، من قولهم: أصحر الرجل إذا برز إلى الصحراء.

[4]مرأة: قرية بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، كما ذكر أبو الفرج، و هي باليمامة. سميت بشطر اسم امرئ القيس، بينها و بين ذات غسل مرحلة على طريق النباج.

[5]رواية «الديوان» : «غار» . و غار النهار: انتصف. راجع هذا الشعر في «الديوان» ففيه اختلاف في الرواية عما هنا.

[6]المعزاء: الأرض الصلبة ذات الحصى.

[7]الأبراد: جمع برد و هو الثوب. و اليمنة: ضرب من برود اليمن.

265

فلمّا رآنا أهل مرأة أغلقوا # مخادع‏[1]لم ترفع لخير ظلالها

و قد سمّيت باسم امرئ القيس قرية # كرام صواديها[2]لئام رجالها

/يظلّ الكرام المرملون بجوّها # سواء عليهم حملها و حيالها[3]

و لو وضعت أكوارها عند بيهس # على ذات غسل لم تشمّس رحالها[4]

فقال جرير لهشام، و كان يتّهم ذا الرّمة بهجائه التّيم و هم إخوة عديّ: عليك العبد (يعني ذا الرّمة) . قال: فما أصنع يا أبا حزرة و هو يقول القصيد و أنا أقول الرّجز، و الرجز لا يقوم للقصيد؟فلو رفدتني!قال: قل له:

عجبت لرجل من عديّ مشمّس # و في أيّ يوم لم تشمّس رحالها

و فيم عديّ عند تيم من العلا # و أيّامنا اللاّتي يعدّ فعالها

مددت بكفّ من عديّ قصيرة # لتدرك من زيد يدا لا تنالها

و ضبّة عمّي يا ابن جلّ‏[5]فلا ترم # مساعي قوم ليس منك سجالها

يماشي عديّا لؤمها ما تجنّه # من الناس ما ماشت عديّا ظلالها

فقل لعديّ تستعن بنسائها # عليّ فقد أعيا عديّا رجالها

/أ ذا الرّمّ قد قلّدت‏[6]قومك رمّة # بطيئا بأيدي المطلقين انحلالها

ترى اللّؤم ما عاشت عديّ مخلّدا # سرابيلها منه و منه نعالها

قال: فلجّ الهجاء بين ذي الرمّة و هشام. فلما أنشد المرئيّ هذه الأبيات و سمعها ذو الرّمّة قال: كذب العبد السّوء! ليس هذا الكلام له، هذا كلام نجديّ حنظليّ، /هذا كلام ابن‏[7]الأتان. قال: و لم يزل ذو الرمّة مستعليا على هشام حتى لقيه جرير فرفده هذه الأبيات.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عدنان قال حدّثني أبو صخر[8]من ولد حجناء بن نوح بن جرير قال: سمعت أبي يحدّث عن أبيه قال:

أتى هشام بن قيس المرئيّ أبي (يعني جريرا) فاسترفده على ذي الرمّة، و قد كانا تهاجيا دهرا، و كان سبب ذلك [1]المخادع: البيوت.

[2]الصوادي: النخل التي لا تسقى و إنما تشرب بعروقها، الواحدة صادية.

[3]أرمل القوم: فني زادهم. يقول: سواء عليهم أحالت نخيلهم أم حملت، فهم لا ينالهم منها شي‏ء.

[4]بيهس و ذات غسل: سيذكرهما المؤلف بعد قليل. لم تشمّس رحالها: لم تعرّض للشمس. يريد أنها لا تهمل بل تكرم بإدخالها البيوت.

[5]كذا في نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه، و هو جل بن عدي، رجل من مضر رهط ذي الرمة العدوي. و في الأصول: «خل» بالخاء المعجمة، و هو تصحيف.

[6]كذا في جـ و نسخة الشنقيطي مصححة بقلمه و ترجمة ذي الرمة (ص 117 ج 16 من «الأغاني» طبع بلاق) . و في سائر الأصول: «قد قلدن» بالنون و هو تصحيف. و الرمة: الحبل يقلد به البعير.

[7]ابن الأتان: لقب كان ينبز به جرير.

[8]في ب، س: «أبو صخرة» .

266

أن ذا الرّمّة نزل على أهل قرية لبني امرئ القيس فلم يدخلوا رحله، فذمّهم في القرى، و مدح بيهسا صاحب ذات غسل-و هو مرئيّ. و ذات غسل: قرية له-فقال ذو الرّمّة:

و لمّا وردنا مرأة اللّؤم أغلقت # دساكر لم تفتح لخير ظلالها

و لو عرّيت أصلابها[1]عند بيهس # على ذات غسل لم تشمّس رحالها

إذا ما امرؤ القيس ابن لؤم تطعّمت # بكأس الندامى خبّثتها[2]سبالها

فقال جرير للمرئيّ: قل له:

غضبت لرحل من عديّ مشمّس # و في أيّ يوم لم تشمّس رحالها

و ذكر الأبيات الماضية المذكورة في رواية أبي خليفة. قال: فلقى ذو الرّمّة جريرا فقال له: تعصّبت للمرئيّ و أنا خالك!. قال: حين قلت ما ذا؟قال: حين قلت له أن يقول لي:

عجبت لرحل من عديّ مشمّس /فقال له جرير: لا!بل ألهاك البكاء في دارميّة حتى أبيحت محارمك. قال: و كان قد بلغ جريرا ميل ذي الرّمة عليه، فجعل يعتذر إليه و يحلف له. فقال له جرير: اذهب الآن فقل للمرئيّ:

يعدّ الناسبون إلى تميم # بيوت المجد أربعة كبارا

يعدّون الرّباب و آل سعد # و عمرا ثم حنظلة الخيارا

و يهلك بينها المرئيّ لغوا # كما ألغيت في الدّية الحوارا[3]

فقال ذو الرمّة قصيدته التي أوّلها:

نبت عيناك عن طلل بجزوى‏[4] # عفته الرّيح و امتنح القطارا

و ألحق فيها هذه الأبيات. فلما أنشدها و سمعها المرئيّ جعل يلطم رأسه و وجهه و يدعو بويله و حربه و يقول: ما لي و لجرير!فقيل له: و أين جرير منك!هذا رجل يهاجيك و تهاجيه!فقال: هيهات!لا و اللّه ما يحسن ذو الرّمّة أن يقول:

و يذهب بينها المرئيّ لغوا # كما ألغيت في الدّية الحوارا

هذا و اللّه كلام جرير ما تعدّاه قطّ. قال: و مرّ الفرزدق بذي الرّمّة و هو ينشد هذه القصيدة؛ فلما أنشد الأبيات الثلاثة فيها قال له الفرزدق: أعد يا غيلان، فأعاد؛ فقال له: أ أنت/تقول هذا؟قال: نعم يا أبا فراس. قال: كذب فوك! و اللّه لقد نحلكها أشدّ لحيين منك، هذا شعر ابن الأتان. قال: و جاء المرثيّون إلى جرير فقالوا: يا أبا حزرة، قد [1]الأصلاب: جمع صلب و هو عظم من لدن الكاهل إلى العجب. يريد: لو وضعت رحالها عن ظهورها عند بيهس لأكرمها و لم يتركها. و في ب، س: «غرست» و هو تحريف.

[2]كذا في أ، ء، م (و «ديوان» ذي الرمة طبع أوروبا ص 544) . و في سائر الأصول: «ما خبتها» و هو تحريف.

[3]الحوار: ولد الناقة، و قيل: هو الفصيل أوّل ما ينتج. يريد أن المرئي لا يؤبه له كما لا يؤبه لولد الناقة إذا تبع أمه و قد سيقت في دية القتيل.

[4]حزوي: موضع في ديار تميم.

267

استعلى علينا ذو الرمّة، فأعنّا على عادتك الجميلة. فقال: هيهات!قد و اللّه ظلمت خالي لكم مرّة و جاءني فاعتذر و حلف، و ما كنت لأعينكم عليه بعدها. قال: و مات ذو الرّمّة في تلك الأيام.

أقرّ له نصيب بالسبق عليه و على جميل‏

:

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن لقيط قال حدّثني أبو بكر بن نوفل قال حدّثني من سأل النّصيب قال: قلت له: يا أبا محجن، بيت قلته نازعك فيه جرير و جميل، فأحبّ أن تخبرني أيّكم فيه أشعر؟ قال: و ما هو؟قلت قولك:

أضرّ بها التهجير حتى كأنها # أكبّ عليها جازر متعرّق‏[1]

و قال جميل:

أضرّ بها التهجير حتى كأنها # بقايا سلال‏[2]لم يدعها سلالها

و قال جرير:

إذا بلغوا المنازل لم تقيّد # و في طول الكلال لها قيود

فقال نصيب: قاتل اللّه ابن الخطفى!ما أشعره!. قال: فقال له الرجل: أمّا أنت فقد فضلته؛ فقال: هو ما أقول لك.

قال عنه ابن مناذر هو أشعر الناس‏

:

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد الرحمن بن القاسم العجليّ قال حدّثني الحسن بن علي المنقريّ قال قال مسعود بن بشر:

قلت لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس؟قال: من إذا شئت‏[3]لعب، و إذا شئت جدّ؛ فإذا لعب أطعمك لعبه فيه، و إذا رمته بعد عليك؛ و إذا جدّ فيما قصد له أيأسك من نفسه. قلت: مثل من؟قال: مثل جرير حين يقول إذا لعب:

إنّ الّذين غدوا بلبّك غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا

/ثم قال حين جدّ:

إنّ الذي حرم المكارم تغلبا # جعل الخلافة و النبوّة فينا

مضر أبي و أبو الملوك فهل لكم # يا آل تغلب من أب كأبينا

هذا ابن عمّي في دمشق خليفة # لو شئت ساقكم إليّ قطينا[4]

[1]التعرّق: إزالة ما على العظم من اللحم.

[2]السلال: مثل السل، و هو داء معروف. يهزل و يضني و يقتل.

[3]في ب، س: «قال من إذا لعب شبب فإذا لعب أطمعك... إلخ» .

[4]القطين: الخدم و الحشم.

268

اعترض عليه عبد الملك بن مروان في هذا الشعر

:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن أبي عمرو قال:

لمّا بلغ عبد الملك قول جرير:

هذا ابن عمّي في دمشق خليفة # لو شئت ساقكم إليّ قطينا

قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطيّا!أما إنّه لو قال:

لو شاء ساقكم إليّ قطينا لسقتهم إليه كما قال.

فضله بشار على الأخطل و على الفرزدق‏

:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال:

سألت بشّارا العقيّليّ عن الثلاثة فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، و لكنّ ربيعة تعصّبت له و أفرطت فيه. قلت:

فجرير و الفرزدق؟قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق، و فضّل جريرا عليه.

مقارنة بينه و بين الأخطل و الفرزدق‏

:

و قال ابن سلاّم: قال العلاء بن جرير-و كان قد أدرك الناس و سمع-: كان يقال: الأخطل إذا لم يجي‏ء سابقا فهو سكّيت، و الفرزدق لا[1]يجي‏ء سابقا و لا سكّيتا فهو بمنزلة المصلّى/أبدا، و جرير يجي‏ء سابقا و مصلّيا و سكّيتا. قال ابن سلاّم: و تأويل قوله: إن للأخطل خمسا أو ستّا أو سبعا طوالا روائع غررا جيادا هو بهنّ سابق، و سائر شعره دون أشعارهما، فهو فيما بقي بمنزلة السّكّيت-و السكّيت: آخر الخيل/في الرّهان-و الفرزدق دونه في هذه الروائع و فوقه في بقيّة شعره، فهو كالمصلّي أبدا-و هو الذي يجي‏ء بعد السابق و قبل السكّيت-و جرير له روائع هو بهنّ سابق، و أوساط هو بهنّ مصلّ، و سفسافات‏[2]هو بهنّ سكّيت.

مناقضة بينه و بين الفرزدق‏

:

أخبرنا أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلاّم قال حدّثني حاجب بن زيد بن شيبان بن علقمة بن زرارة قال:

قال جرير بالكوفة:

لقد قادني من حبّ ماويّة الهوى # و ما كنت تلقاني الجنيبة أقودا[3]

أحبّ ثرى نجد و بالغور حاجة # فغار الهوى يا عبد قيس و أنجدا

أقول له يا عبد قيس صبابة # بأيّ ترى مستوقد النار أوقدا

فقال أرى نارا يشبّ وقودها # بحيث استفاض الجزع شيحا و غرقدا[4]

[1]في ب، س: «إذا لم يجي‏ء » و هو تحريف.

[2]سفساف الشعر: رديئه.

[3]كذا في «النقائض» رواية أشار إليها الشارح. و في الصلب: «و ما كان يلقاني الجنيبة... » . و في الأصول: «و ما كنت ألقى للجنيبة» بالقاف و لعلها «ألفى» بالفاء. و الجنيبة: التي تجنب معه. و الأقود: المنقاد المطيع.

[4]الغرقد: كبار العوسج.

269

فأعجبت الناس و تناشدوها. قال: فحدّثني جابر بن جندل قال: فقال لنا جرير: أعجبتكم هذه الأبيات؟قالوا: نعم.

قال: كأنكم بابن القين‏[1]و قد قال:

أعد نظرا يا عبد قيس لعلّما # أضاءت لك النار الحمار[2]المقيّدا

قال: فلم يلبثوا أن جاءهم قول الفرزدق هذا البيت و بعده:

حمار بمرّوت السّحامة قاربت # وظيفيه حول البيت حتى تردّدا[3]

/كليبيّة لم يجعل اللّه وجهها # كريما و لم يسنح بها الطير أسعدا

قال: فتناشدها الناس. فقال الفرزدق: كأنكم بابن المراغة قد قال:

و ما عبت من نار أضاء وقودها # فراسا و بسطام بن قيس‏[4]مقيّدا

قال فإذا بالبيت قد جاء لجرير و معه:

و أوقدت بالسّيدان نارا ذليلة # و أشهدت من سوءات جعثن‏[5]مشهدا

جرير و الأخطل في حضرة عبد الملك بن مروان‏

:

أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن آدم بن جشم عن عمارة بن عقيل عن أبيه قال:

وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان و الأخطل داخل عنده، و قد كانا تهاجيا و لم ير أحد منهما صاحبه، فلما استأذنوا عليه لجرير أذن له فدخل فسلّم ثم جلس و قد عرفه الأخطل، فطمح طرف جرير إلى الأخطل و قد رآه ينظر إليه نظرا شديدا فقال له: من أنت؟فقال: أنا الذي منعت نومك و تهضّمت قومك. فقال له جرير: ذلك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك بن مروان فقال: من هذا يا أمير المؤمنين؟جعلني اللّه فداءك!فضحك ثم قال: هذا الأخطل يا أبا حرزة. فردّ عليه بصره ثم قال: فلا حيّاك اللّه يا ابن النصرانية!أمّا منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. و أما تهضّمك قومي فكيف تهضّمهم و أنت ممن ضربت عليه الذّلّة و باء بغضب من اللّه و أدّى الجزية عن يد و هو صاغر. و كيف تتهضّم لا أمّ لك فيهم/النبوّة و الخلافة و أنت لهم عبد مأمور و محكوم عليه/لا حاكم. ثم أقبل على عبد الملك فقال: ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النّصرانية؛ فقال: لا يجوز أن يكون ذلك بحضرتي.

[1]ابن القين: لقب كان ينبز به الفرزدق، و راجع الحاشية رقم 2 ص 45.

[2]يريد حمارا من حمير بني كليب و ذلك أنهم أصحاب حمير، يهجوهم بذلك و يؤنبه و يضع من قدره، نسبه إلى رعية الحمير. (راجع «النقائض» ص 491) .

[3]المروت: لبني حمان بن عبد العزي بن كعب بن سعد. و السحامة: ماءة لبني كليب باليمامة. و ورد الشطر الأخير من هذا البيت في «النقائض» هكذا: «كليبية قينية حتى ترددا» . و القينان: الوظيفان أو موضع القيد منهما.

[4]يريد فراس بن عبد اللّه بن عامر بن سلمة بن قشير و كان أسيرا مع بسطام بن قيس بن مسعود (عن «النقائض» ) .

[5]قال أبو عبيدة: السيدان: موضع. و جعثن: أخت الفرزدق يريد بهذا البيت تعريضا بالفرزدق و بأخته ( «النقائض» ص 482) .

270

تحاكم هو و بنو حمان إلى إبراهيم بن عدي في بئر فحكم له‏

:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال حدّثني أبو يحيى الضّبّيّ قال:

نازع جرير بني حمّان‏[1]في ركيّة لهم؛ فصاروا إلى إبراهيم‏[2]بن عديّ باليمامة يتحاكمون إليه؛ فقال جرير:

أعوذ[3]بالأمير غير الجبّار # من ظلم حمّان و تحويل الدار

ما كان قبل حفرنا من محفار # و ضربي المنقار[4]بعد المنقار

في جبل أصمّ غير خوّار # يصيح بالجبّ‏[5]صياح الصّرّار[6]

له صهيل كصهيل الأمهار[7] # فاسأل بني صحب‏[8]و رهط الجرّار

و السّلميّين‏[9]العظام الأخطار # و الجار قد يخبر عن دار الجار

فقال الحمّانيّ‏[10]:

ما لكليب من حمى و لا دار # غير مقام أتن و أعيار[11]

قعس الظهور داميات الأثفار[12] /قال فقال جرير: فعن مقامهنّ، جعلت فداك، أجادل. فقال ابن عديّ للحمّانيّ: قد أقررت لخصمك؛ و حكم بها لجرير.

نزل ببني مازن و بني هلال فمدحهم بعد أن هجاهم‏

:

قال ابن سلاّم و أخبرني أبو يحيى الضّبّيّ قال:

بينا جرير يسير على راحلته إذ هجم على أبيات من مازن و هلال-و هما بطنان من ضبّة-فخافهم، لسوء أثره في ضبّة، فقال:

فلا خوف عليك و لن تراعي # بعقوة[13]مازن و بني هلال‏

[1]بنو حمان: حي من تميم أحد حبي بني سعد بن زيد مناة.

[2]في «ديوان جرير» المخطوط: «المهاجر بن عبد اللّه الكلابي» .

[3]راجع «الديوان» فبينه و بين ما هنا اختلاف كثير.

[4]المنقار: حديدة يحفر بها.

[5]كذا في «ديوانه» : و الجب: البئر. و في الأصول: «الحب» بالحاء المهملة و هو تصحيف.

[6]الصرّار: ضرب من الخنافس يصوّت في الصحاري من أوّل الليل إلى الصبح.

[7]في الأصول:

«له صليل كصليل الأمهار»

. و في «الديوان» :

«يصهلن في الجب صهيل الأمهار»

.

[8]كذا في «ديوانه» . و بنو صحب: قبيلة من باهلة. و في الأصول: «أبا عصم» .

[9]السلميون: أولاد سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

[10]في «ديوانه» :

«فقال عبد لبني حمان»

.

[11]الأتن: جمع أتان، و هي الحمارة. و الأعيار: جمع عير، و هو الحمار.

[12]القعس: جمع أقعس و قعساء. و القعس: خروج الصدر و دخول الظهر خلقة. و الثفر (بالضم و الفتح) لجميع ضروب السباع و لكل ذات مخلب: كالحياء للناقة، و قد يستعار لغير ذلك.

[13]العقوة: ساحة الدار. ـ

271

هما الحيّان إن فزعا يطيرا # إلى جرد كأمثال السّعالي‏[1]

أ مازن يا ابن كعب إنّ قلبي # لكم طول الحياة لغير قالي

غطاريف يبيت الجار فيهم # قرير العين في أهل و مال‏

قال‏[2]: أجل يا أبا حزرة فلا خوف عليك.

وفد على عبد الملك في دمشق فالتف الناس حوله في المسجد دون الفرزدق‏

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال شعيب بن صخر حدّثني هارون بن إبراهيم قال:

رأيت جريرا و الفرزدق في مسجد دمشق و قد قدماها على الوليد بن عبد الملك و الناس عنق‏[3]واحد على جرير: [قيس‏[4]و موالي بني أمية]يسلّمون عليه و يسألونه كيف كنت يا أبا حزرة في مسيرك، و كيف أهلك و أسبابك. و ما يطيف بالفرزدق/إلاّ نفر من خندف جلوس معه. قال شعيب: فقلت لهارون: و لم ذلك؟قال:

لمدحه قيسا و قوله في العجم:

فيجمعنا و الغرّ أولاد سارة[5] # أب لا نبالي بعده من تعذّرا

قال شعيب: بلغني أنه أهديت له يومئذ مائة حلّة، أهداها إليه الموالي سوى غيرهم، و أخبرني بهذا الخبر أبو خليفة عن محمد بن سلاّم عن شعيب بن صخر، فذكر نحوا من حكاية أبي زيد، إلا أنها أتمّ من حكاية ابن سلاّم. و قال أبو خليفة في خبره: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال يقول: وافته في يومه ذلك مائة حلّة من بني الأحرار[6].

رأي الأحوص في قباء فعرّض به لئلا يعين عليه‏

:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني أحمد بن الهيثم الفراسيّ قال:

بينا جرير بقباء إذ طلع الأحوص/و جرير ينشد قوله:

لو لا الحياء لعادني استعبار # و لزرت قبرك و الحبيب يزار

فلما نظر إلى الأحوص قطع الشعر و رفع صوته يقول:

[1]السعالي: جمع سعلاة، و هي الغول، و قيل: هي ساحرة الجن.

[2]كذا في الأصول: و لعل الصواب: «قالوا أجل... إلخ» .

[3]العنق: الجماعة الكثيرة.

[4]الذي بين القوسين هو عبارة ابن سلام في «الطبقات» و هو الذي يناسب ما يأتي من قوله: «لمدحه قيسا و قوله في العجم إلخ» . و في ب، س: «... على جرير و كلهم من قريش و موالي قريش يسلمون عليه... إلخ» . و في سائر الأصول: «و الناس عنق واحدة يسألونه كيف كنت يا أبا حزرة إلخ» .

[5]كذا في «ديوانه» ، و هو الصحيح. و هي سارة زوجة إبراهيم الخليل صلوات اللّه عليه. و قد جاء عقب هذا البيت قوله:

أبونا خليل اللّه و اللّه ربنا # رضينا بما أعطى الإله و قدّرا

و في الأصول: «سادة» بالدال المهملة، و هو تحريف.

[6]بنو الأحرار: أبناء الموالي من الفرس.

272

عوى‏[1]

الشعراء بعضهم لبعض # عليّ فقد أصابهم انتقام

إذا أرسلت قافية شرودا # رأوا أخرى تحرّق فاستداموا[2]

/فمصطلم‏[3]المسامع أو خصيّ # و آخر عظم هامته حطام‏

ثم عاد من حيث قطع. فلما فرغ قيل له: و لم قلت هذا؟قال: قد نهيت الأحوص أن يعين عليّ الفرزدق، فأنا و اللّه يا بني عمرو بن عوف ما تعوّذت من شاعر قطّ، و لو لا حقّكم ما تعوّذت منه.

أوفده الحجاج على عبد الملك مع ابنه محمد و أوصاه به‏

:

أخبرنا علي بن سليمان الأخفش قال حدّثنا الحسن بن الحسين السّكّريّ قال: قال عمارة بن عقيل حدّثني أبي عن أبيه:

أن الحجّاج أوفد ابنه محمّد بن الحجّاج إلى عبد الملك و أوفد إليه جريرا معه و وصّاه به و أمره بمسألة عبد الملك في الاستماع منه و معاونته عليه. فلما وردوا استأذن له محمد على عبد الملك، فلم يأذن له، و كان لا يسمع من شعراء مضر و لا يأذن لهم، لأنهم كانوا زبيريّة. فلما استأذن له محمد على عبد الملك و لم يأذن له أعلمه أن أباه الحجاج يسأله في أمره و يقول: إنه لم يكن ممّن والى ابن الزبير و لا نصره بيده و لا لسانه، و قال له محمد: يا أمير المؤمنين، إنّ العرب لتحدّث أنّ عبدك و سيفك الحجّاج شفع في شاعر قد لاذ به و جعله وسيلته ثم رددته؛ فأذن له فدخل فاستأذن في الإنشاد؛ فقال له: و ما عساك أن تقول فينا بعد قولك في الحجّاج!أ لست القائل:

من سدّ مطّلع النّفاق عليكم # أم من يصول كصولة الحجاج‏

إن اللّه لم ينصرني بالحجّاج و إنما نصر دينه و خليفته. أ و لست القائل:

أم من يغار على النساء حفيظة # إذ لا يثقن بغيرة الأزواج‏

يا عاضّ كذا و كذا من أمّه!و اللّه لهممت أن أطير بك طيرة بطيئا سقوطها، أخرج عنّي، فأخرج بشرّ. فلما كان بعد ثلاث شفع إليه محمد لجرير و قال له: /يا أمير المؤمنين، إني أدّيت رسالة عبدك الحجّاج و شفاعته في جرير، فلما أذنت له خاطبته بما أطار لبّه منه و أشمت به عدوّه، و لو لم تأذن له لكان خيرا له مما سمع. فإن رأيت أن تهب كلّ ذنب له لعبدك الحجّاج و لي فافعل، فإذن له. فاستأذنه في الإنشاد، فقال: لا تنشدني إلاّ في الحجاج فإنما أنت للحجاج خاصّة. فسأله أن ينشده مديحه فيه، فأبى و أقسم ألاّ ينشده إلاّ من قوله في الحجّاج؛ فأنشده و خرج بغير جائزة. فلما أزف الرّحيل قال جرير لمحمد: إن رحلت عن أمير المؤمنين و لم يسمع منّي و لم آخذ له جائزة سقطت آخر الدهر، و لست بارحا بابه أو يأذن لي في الإنشاد. و أمسك عبد الملك عن الإذن له. فقال جرير: ارحل أنت و أقيم أنا. فدخل محمد على عبد الملك فأخبره بقول جرير و استأذنه له و سأله أن يسمع منه و قبّل يده و رجله، فإذن [1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «غوى» بالغين المعجمة و هو تصحيف. و عواؤهم: المراد به تناصرهم و تعاونهم، كما يعوي الذئب لأصحابه لتجتمع حوله.

[2]رواية «الديوان» و «لسان العرب» (مادة دوم) : «إذا أوقعت صاعقة عليهم» . و معنى استداموا: انتظروا، كقول الشاعر:

ترى الشعراء من صعق مصاب # بصكته و آخر مستديم‏

[3]الاصطلام: القطع.

273

له. فدخل فاستأذن في الإنشاد، فأمسك عبد الملك. فقال له محمد: أنشد ويحك!فأنشده قصيدته/التي يقول فيها:

أ لستم خير من ركب المطايا # و أندى العالمين بطون راح‏

فتبسّم عبد الملك و قال: كذلك نحن و ما زلنا كذلك. ثم اعتمد على ابن الزّبير فقال:

دعوت الملحدين أبا خبيب‏[1] # جماحا هل شفيت من الجماح

و قد وجدوا الخليفة هبرزيّا[2] # ألفّ‏[3]العيص ليس من النّواحي

و ما شجرات عيصك في قريش # بعشّات‏[4]الفروع و لا ضواحي‏

/قال: ثم أنشده إيّاها حتى أتى على ذكر زوجته فيها فقال:

تعزّت أمّ حزرة ثم قالت # رأيت الموردين ذوي لقاح

تعلّل و هي ساغبة بنيها # بأنفاس‏[5]من الشّبم القراح‏

فقال عبد الملك: هل ترويها مائة لقحة؟فقال: إن لم يروها ذلك فلا أرواها اللّه!فهل إليها-جعلني اللّه فداك يا أمير المؤمنين-من سبيل؟فأمر له بمائة لقحة و ثمانية من الرّعاء. و كانت بين يديه جامات من ذهب؛ فقال له جرير: يا أمير المؤمنين، تأمر لي بواحدة منهنّ تكون محلبا؟فضحك و ندس‏[6]إليه واحدة منهنّ بالقضيب و قال: خذها لا نفعتك!فأخذها و قال: بلى و اللّه يا أمير المؤمنين لينفعنّي كلّ ما منحتنيه، و خرج من عنده. قال: و قد ذكر ذلك جرير في شعره فقال يمدح يزيد بن عبد الملك.

أعطوا هنيدة[7]يحدوها ثمانية # ما في عطائهم منّ و لا سرف‏

هجا سراقة البارقي بأمر بشر بن مروان لأنه فضل الفرزدق عليه‏

:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ أبو غسّان عن أبي عبيدة قال:

بذل محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة أربعة آلاف درهم و فرسا لمن فضّل من الشعراء الفرزدق على جرير، فلم يقدم عليه أحد منهم إلا سراقة البارقيّ فإنه قال يفضل الفرزدق:

[1]أبو خبيب: هو عبد اللّه بن الزبير، و خبيب ابنه، و به كان يدعى.

[2]الهبرزي: الخالص.

[3]الألف: الملتف. و العيص: الأصل، و هو أيضا الشجر. يريد أنه من وسط العز لا من نواحيه.

[4]العشة: الشجرة الدقيقة القضبان اللئيمة المنبت. و الضواحي: البادية العيدان لا ورق عليها. و في اللسان (مادة ضحى) بعد أن أورد هذا البيت «قال أبو منصور: أراد جرير بالضواحي في بيته قريش الظواهر، و هم الذين لا ينزلون شعب مكة و بطحاءها. أراد جرير أن عبد الملك من قريش الأباطح لا من قريش الظواهر، و قريش الأباطح أشرف و أكرم من قريش الظواهر؛ لأن البطحاويين من قريش حاضرة و هم قطان الحرم، و الظواهر أعراب بادية» .

[5]الأنفاس: جمع نفس (كسبب) و هو جرعة الماء. و الشيم: البارد. و القراح: الخالص. يريد أنها تعلمهم بالماء عند افتقاد اللبن.

[6]كذا في ديوانه المخطوط ص 20 و الندس في الأصل: القطن الخفيف. يريد أنه دفع إليه جاما منها بعصا كانت في يده. و في بعض الأصول: «و دحس» . و في بعضها: «و دس» و كلاهما تحريف.

[7]هنيدة: اسم من الإبل و غيرها.

274

أبلغ تميما غثّها و سمينها # و الحكم يقصد مرّة و يجور

أنّ الفرزدق برّزت أعراقه # سبقا و خلّف في الغبار جرير

/ذهب الفرزدق بالفضائل‏[1]و العلا # و ابن المراغة مخلف محسور

هذا قضاء البارقيّ و إنني # بالميل في ميزانهم لبصير

قال أبو عبيدة فحدّثني أيّوب بن كسيب قال حدّثني أبي قال: كنت مع جرير، فأتاه رسول بشر بن مروان فدفع إليه كتابه، و قال له: إنه قد أمرني أن أوصله إليك و لا أبرح حتى تجيب عن العشر في يومك إن لقيتك نهارا أو ليلتك إن لقيتك ليلا، و أخرج إليه كتاب بشر و قد نسخ له القصيدة و أمره بأن يجيب عنها. فأخذها و مكث ليلته يجتهد أن يقول شيئا فلا يمكنه؛ فهتف به صاحبه من الجنّ من زاوية البيت فقال له: أ زعمت أنك تقول الشعر!ما هو إلاّ أن غبت عنك ليلة حتى لم تحسن أن تقول شيئا[2]!فهلاّ قلت:

يا بشر حقّ لوجهك التبشير # هلاّ قضيت لنا و أنت أمير

/فقال له جرير: حسبك كفيتك. قال: و سمع قائلا يقول لآخر: قد أنار الصبح؛ فقال جرير:

يا صاحبيّ هل الصباح منير # أم هل للوم عواذلي تفتير[3]

إلى أن فرغ منها. و فيها يقول:

قد كان حقّك أن تقول لبارق # يا آل بارق فيم سبّ جرير

يعطى النساء مهورهنّ كرامة # و نساء بارق ما لهنّ مهور

فأخذها الرسول و مضى بها إلى بشر، فقرئت بالعراق و أفحم سراقة فلم ينطق بعدها بشي‏ء من مناقضته.

مناقضته عمر بن لجأ و سبب ذلك‏

:

أخبرني أبو خليفة قال حدّثني محمد بن سلاّم حدّثني أبو يحيى الضّبّيّ قال:

كان الذي هاج الهجاء بين جرير و عمر بن لجأ أن عمر كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله و جرير حاضر، فقال فيها:

قد وردت قبل إنا ضحائها # تفرّس الحيّات في خرشائها[4]

[جرّ العجوز الثّني من ردائها[5]] فقال له جرير: أخفقت. فقال: كيف أقول؟قال تقول:

جرّ العروس الثّني من ردائها [1]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «بالقصائد» .

[2]في جـ: «حتى لم تحسن أن تجيب عنها» .

[3]الفتور و التفتير: السكون بعد الحدة و اللين بعد الشدّة. و فتر (بالتضعيف) يتعدى و يلزم.

[4]الأنا (بفتح الهمزة و كسرها) : الوقت. و الضحاء: الضحى. و تفرس: تقتل. و الخرشاء: جلد الحية.

[5]التكملة عن ابن سلام ص 101 طبع أوربا.

275

فقال له التّيميّ أنت أسوأ قولا منّي حيث تقول:

و أوثق عند المردفات عشيّة # لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع‏

فجعلتهنّ مردفات غدوة ثم تداركتهنّ عشيّة. فقال: كيف أقول؟قال تقول:

و أوثق عند المرهفات عشيّة

فقال جرير: و اللّه لهذا البيت أحبّ إليّ من بكري حزرة، و لكنك مجلب‏[1]للفرزدق‏[2]. و قال فيه جرير:

هلاّ سوانا ادّرأتم يا بني لجأ # شيئا يقارب أو وحشا لها غرر[3]

أ حين كنت سماما يا بني لجأ # و خاطرت بي عن أحسابها مضر!

/خلّ الطريق لمن يبني المنار به # و ابرز ببرزة[4]حيث اضطرّك القدر

أنت ابن برزة منسوبا إلى لجأ # عند العصارة و العيدان تعتصر

و يروي:

أ لست نزوة خوّار على أمة # عند العصارة و العيدان تعتصر

فقال ابن لجأ يردّ عليه:

لقد كذبت و شرّ القول أكذبه # ما خاطرت بك عن أحسابها مضر

بل أنت‏[5]نزوة خوّار على أمة # لا يسبق الحلبات اللؤم و الخور

ما قلت من هذه إلا سأنقضها # يا ابن الأتان بمثلى تنقض المرر

و قال عمر بن لجأ[6]:

عجبت لما لاقت رياح‏[7]من الأذى # و ما اقتبسوا منّي و للشّر قابس

غضابا لكلب من كليب فرسته # هوى و لشدّات الأسود فرائس

إذا ما ابن يربوع أتاك لمأكل # على مجلس إن الأكيل مجالس

فقل لابن يربوع أ لست براحض # سبالك عنّا إنهنّ نجائس‏

[1]كذا في حـ و المجلب: المعين. و في سائر الأصول: «محلب» بالحاء المهملة و هو تصحيف.

[2]يلاحظ أن في هذا تنافيا مع ما تقدم في حديثه مع الحجاج؛ إذ صرح فيما تقدّم بأن عمر بن لجأ هو الذي عمد إلى هذا التغيير تقبيحا للشعر. (راجع ص 18 من هذا الجزء) .

[3]ادرأتم: ختلتم: و غرر: غفلات، واحدها غرة.

[4]برزة: أم عمر بن لجأ.

[5]في الأصول: «أ لست نزوة إلخ» و التصحيح عن «النقائض» ص 488.

[6]في جميع الأصول: «و قال جرير» و هو خطأ إذ أن هذا الشعر قاله ابن لجأ يهجو به جريرا. (انظر في ترجمة الأخطل صفحة 181- 182 طبع بلاق) .

[7]رياح هو ابن يربوع و هو أحد أجداد جرير.

276

/

تمسّح يربوع سبالا لئيمة # بها من منيّ العبد رطب و يابس‏[1]

قال: ثم اجتمع جرير و ابن لجأ بالمدينة و قد وردها الوليد بن عبد الملك، و كان يتألّه‏[2]في نفسه، فقال: أ تقذفان المحصنات و تغضبانهنّ!ثم أمر أبا بكر محمد بن حزم/الأنصاريّ-و كان واليا له بالمدينة-بضربهما، فضربهما و أقامهما على البلس‏[3]مقرونين، و التّيميّ يومئذ أشبّ من جرير، فجعل يشول‏[4]بجرير و جرير يقول و هو المشول به:

فلست مفارقا قرنيّ حتى # يطول تصعّدي بك و انحداري‏

فقال ابن لجأ:

و لمّا أن قرنت إلى جرير # أبى ذو بطنه‏[5]إلاّ انحدارا

فقال له قدامة بن إبراهيم الجمحيّ: و بئسما قلت!جعلت نفسك المقرون إليه!قال: فكيف أقول؟قال تقول:

و لمّا لزّ في قرني جرير فقال: جزيت خيرا، لا أقوله و اللّه أبدا إلا هكذا.

هو و الأخطل في حضرة عبد الملك ابن مروان‏

:

حدّثني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه العبديّ قال حدّثني عمارة بن عقيل عن أبيه قال:

وقف جرير على باب عبد الملك بن مروان و الأخطل داخل عنده، و قد كانا تهاجيا و لم يلق أحدهما صاحبه.

فلما استأذنوا لجرير أذن له فسلّم و جلس، و قد عرفه الأخطل، فطمح بصر جرير إليه فقال له: من أنت؟فقال: أنا الذي منعت نومك و هضمت قومك. فقال له جرير: ذاك أشقى لك كائنا من كنت. ثم أقبل على عبد الملك فقال:

من هذا يا أمير المؤمنين؟فضحك و قال: هذا الأخطل يا أبا حزرة. فردّ بصره إليه و قال: فلا حيّاك اللّه يا ابن النصرانية!أمّا/منعك نومي فلو نمت عنك لكان خيرا لك. و أما تهضّمك قومي فكيف تهضّمهم و أنت ممن ضربت عليهم الذّلّة و المسكنة و باءوا بغضب من اللّه!. ائذن لي يا أمير المؤمنين في ابن النصرانيّة. فقال: لا يكون ذلك بين يديّ. فوثب جرير مغضبا. فقال عبد الملك: قم يا أخطل و اتبع صاحبك؛ فإنما قام غضبا علينا فيك؛ فنهض الأخطل. فقال عبد الملك لخادم له: انظر ما يصنعان إذا برز له الأخطل. فخرج جرير فدعا بغلام له فقدّم إليه حصانا له أدهم فركبه و هدر و الفرس يهتزّ من تحته، و خرج الأخطل فلاذ بالباب و توارى خلفه، و لم يزل واقفا حتى مضى جرير. فدخل الخادم إلى عبد الملك فأخبره؛ فضحك و قال: قاتل اللّه جريرا!ما أفحله!أما و اللّه لو كان النصرانيّ برز إليه لأكله.

[1]لهذا قصة بسطها أبو الفرج في ترجمة الأخطل في الصفحتين السابقتين.

[2]التأله: التنسك و التعبد.

[3]البلس: غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التين و يشهر عليها من ينكل به و ينادى عليه.

[4]يشول به: يرتفع به.

[5]ذو البطن: الرجيع.

277

سئل عن نفسه و عن الفرزدق و الأخطل فأجاب‏

:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعيّ عن أبي عمرو قال:

سئل جرير أيّ الثلاثة أشعر؟فقال: أمّا الفرزدق فيتكلّف منّي ما لا يطيقه؛ و أمّا الأخطل فأشدّنا اجتراء و أرمانا للغرض؛ و أما أنا فمدينة الشعر. و قد حدّثني بهذا الخبر حبيب بن نصر عن عمر بن شبّة عن الأصمعيّ فذكر نحو ما ذكره الرّياشيّ، و قال في خبره: و أما الأخطل فأنعتنا للخمر و أمدحنا للملوك.

فضله أبو مهدي على جميع الشعراء

:

أخبرنا عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن عطاء بن مصعب قال:

قلت لأبي مهديّ الباهليّ و كان من علماء العرب: أيّما أشعر أ جرير أم الفرزدق؟فغضب ثم قال: جرير أشعر العرب كلّها؛ ثم قال: /لا يزال الشعراء موقوفين يوم القيامة حتى يجي‏ء جرير فيحكم بينهم.

لم يحفل بنو طهية بهجائه حتى هجاهم في قصيدة الراعي فجزعوا

:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثني العباس بن ميمون قال سمعت أبا عثمان المازنيّ يقول:

/قال جرير: هجوت بني طهيّة أنواع الهجاء، فلم يحفلوا بقولي حتى قلت في قصيدة الراعي:

كأنّ بني طهيّة رهط سلمى # حجارة خارئ يرمي كلابا

فجزعوا حينئذ و لا ذوا بي.

كان عاقا لأبيه و ابنه عاق له:

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ قال:

كان جرير من أعقّ الناس بأبيه‏[1]، و كان بلال ابنه أعقّ الناس به. فراجع جرير بلالا الكلام يوما؛ فقال له بلال: الكاذب منّي و منك ناك أمّه. فأقبلت أمّه عليه و قالت له: يا عدوّ اللّه!أ تقول هذا لأبيك!فقال جرير: دعيه، فو اللّه لكأنه سمعها[2]منّي و أنا أقولها لأبي.

هجا عمر بن يزيد لتعصبه للفرزدق عليه‏

:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن لقيط قال:

كان عمر بن يزيد بن عمير الأسديّ يتعصّب للفرزدق على جرير. فتزوّج امرأة من بني عدس بن زيد بن عبد اللّه بن دارم؛ فقال جرير:

نكحت إلى بني عدس بن زيد # فقد هجّنت خيلهم العرابا

أ تنسى يوم مسكن‏[3]إذ تنادي # و قد أخطأت بالقدم الرّكابا

[1]كذا في الأصول و لعله: «أعق الناس لأبيه.. أعق الناس له» .

[2]كذا في حـ: و في سائر الأصول: «لكأني أسمعها مني... » .

[3]مسكن: موضع كانت به الوقعة بين عبد الملك بن مروان و مصعب بن الزبير في سنة 71 هـ، و فيها قتل مصعب.

278

و هي قصيدة، فاجتمعوا على عمر بن يزيد. و لم يزالوا به حتى خلعوا المرأة منه.

استشفع عنبسة بن سعيد إلى الحجاج ثم أنشده فأجازه‏

:

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني محمد بن الهيثم قال حدّثني عمّي أبو فراس قال حدّثني ودقة بن معروف قال:

نزل جرير على عنبسة[1]بن سعيد بواسط، و لم يكن أحد يدخلها إلا بإذن الحجّاج. فلما دخل على عنبسة، قال له: ويحك!لقد غرّرت بنفسك!فما حملك على ما فعلت؟قال: شعر قلته اعتلج في صدري و جاشت به نفسي و أحببت أن يسمعه الأمير. قال: فعنّفه و أدخله بيتا في جانب داره و قال: لا تطلعنّ رأسك حتى ننظر كيف تكون الحيلة لك. قال: فأتاه رسول الحجّاج من ساعته يدعوه في يوم قائظ، و هو قاعد في الخضراء[2]و قد صبّ فيها ماء استنقع‏[3]في أسفلها و هو قاعد على سرير و كرسيّ موضوع ناحية. قال عنبسة: فقعدت على الكرسيّ، و أقبل عليّ الحجّاج يحدّثني. فلما رأيت تطلّقه و طيب نفسه قلت: أصلح اللّه الأمير!رجل من شعراء العرب قال فيك شعرا أجاد فيه، فاستخفّه عجبه به حتى دعاه إلى أن رحل إليك و دخل مدينتك من غير أن يستأذن له. قال: و من هو؟ قلت: ابن الخطفى. قال: و أين هو؟قلت: في المنزل. قال: يا غلام!فأقبل الغلمان يتسارعون. قال: صف لهم موضعه من دارك؛ فوصفت لهم البيت الذي هو فيه، فانطلقوا حتى جاءوا به، فأدخل عليه و هو مأخوذ بضبعيه حتى رمي به في الخضراء، فوقع على وجهه في الماء ثم قام يتنفّش كما يتنفش الفرخ. فقال له: هيه!ما أقدمك علينا بغير إذننا/لا أمّ لك؟قال: اصلح اللّه الأمير!قلت في الأمير شعرا لم يقل مثله أحد، فجاش به صدري و أحببت أن يسمعه منّي الأمير، فأقبلت به إليه. قال: فتطلّق الحجّاج و سكن، و استنشده فأنشده. ثم قال: يا غلام!فجاءوا يسعون. فقال: عليّ بالجارية/التي بعث بها إلينا عامل اليمامة؛ فأتي بجارية بيضاء مديدة القامة. فقال: إن أصبت صفتها فهي لك. فقال: ما اسمها؟قال: أمامة؛ فأنشأ يقول:

ودّع أمامة حان منك رحيل # إنّ الوداع لمن تحبّ قليل

مثل الكثيب تهيّلت أعطافه # فالريح تجبر متنه و تهيل

تلك القلوب صواديا تيّمتها # و أرى الشفاء و ما إليه سبيل‏

فقال: خذ بيدها. فبكت الجارية و انتحبت. فقال: ادفعوها إليه بمتاعها و بغلها و رحالها.

أمره الحجاج و أمر الفرزدق بأن يدخلا عليه بلباس آبائهما في الجاهلية

:

أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلام قال حدّثني أبو الغرّاف قال:

قال الحجّاج لجرير و الفرزدق و هو في قصره بجزيز[4]البصرة: ائتياني في لباس آبائكما في الجاهليّة. فلبس [1]هو عنبسة بن سعيد بن العاص أحد أشراف بني أمية، حبسه عبد الملك بن مروان يوم قتل أخيه عمرو بن سعيد الأشدق. (انظر الطبري ق 2 ص 792، 869، 871 طبع أوربا) .

[2]المراد بها خضراء واسط، و تعرف بالقبة الخضراء، بناها الحجاج مع قصره و المسجد الجامع بهذه المدينة. (راجع المجلد السابع من المكتبة الجغرافية ص 322 طبع أوربا) .

[3]استنقع الماء: اجتمع.

[4]كذا في جـ و «معجم ما استعجم» للبكري و معجم ياقوت. و حزيز: موضع بالبصرة بين العقيق و أعلى المربد. و قد ورد محرّفا في جميع الأصول. ـ