الأغاني - ج9

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
237 /
5

الجزء التاسع‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء التاسع من كتاب الأغاني>

1-ذكر أخبار كثير و نسبه‏

نسبه:

هو، فيما أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ، أبو صخر كثيّر بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر بن مخلد[1]بن سعيد بن سبيع‏[2]بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو و هو[3]خزاعة بن ربيعة و هو يحيى بن حارثة بن عمرو و هو مزيقيا بن عامر و هو ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول‏[بن مازن‏[4]]بن الأزد و هو درء[5]-و قيل دراء ممدودا-بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

و أخبرنا أبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن إسحاق الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو صخر بن أبي الزّعراء الخزاعيّ عن أمّه ليلى بنت كثيّر قالت: /هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن مخلد بن سبيع بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. و أمه جمعة بنت الأشيم بن خالد بن عبيد بن مبشّر بن رياح بن سيالة بن عامر بن جعثمة بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. و كانت كنية الأشيم جدّه أبي أمّه أبا جمعة، و لذلك قيل له ابن أبي جمعة.

و كان له ابن يقال له ثواب من أشعر أهل زمانه، مات سنة إحدى و أربعين و مائة و لا ولد له.

و مات كثيّر سنة خمس و مائة في ولاية يزيد بن عبد الملك. و ليس له اليوم ولد إلاّ من بنته ليلى. و لليلى بنته ابن يكنى أبا سلمة شاعر، و هو الذي يقول:

صوت‏

و كان عزيزا أن تبيتي و بيننا # حجاب فقد أمسيت منّي على شهر

ففي القرب تعذيب و في النأي حسرة # فيا ويح نفسي كيف أصنع بالدهر

[1]كذا في «وفيات الأعيان» لابن خلكان و «تجريد الأغاني» ، و سيأتي في النسب الذي يذكره عن ليلى بنت كثير: «... بن عامر بن مخلد بن سبيع... » . و في الأصول هنا: «عويمر بن مخارق بن سعيد... » .

[2]كذا ورد هذا الاسم في الأصول و في «وفيات الأعيان» و «تجريد الأغاني» و «السيرة» لابن هشام في نسب أميّة بنت خلف. و قال أبو ذر بن مسعود الخشني في كتابه على السيرة (جـ 1 ص 80 طبع مطبعة هدية) صوابه: «يثيع» بالياء المثناة و الثاء المثلثة.

[3]في الأصول: «مليح بن عمرو بن خزاعة... » و هو تحريف. (راجع في «القاموس» و «شرحه» مادة ملح و النسب الآتي الذي روي عن ليلى ابنته) .

[4]زيادة من «وفيات الأعيان و تجريد الأغاني» .

[5]في الأصول: «درى» . و التصويب عن «القاموس» .

6

في هذين البيتين غناء لمقاسة. و لحنه من الثقيل الأول بالخنصر عن حبس.

كنيته و طبقته في الشعراء و نحلته:

و يكنى كثيّر أبا صخر. و هو من فحول شعراء الإسلام، و جعله ابن سلاّم في الطبقة الأولى منهم و قرن به جريرا و الفرزدق و الأخطل و الرّاعي. و كان غاليا في التشيّع يذهب مذهب الكيسانيّة[1]، و يقول بالرّجعة و التّناسخ، و كان محمّقا مشهورا بذلك. و كان آل مروان يعلمون بمذهبه فلا يغيّرهم ذلك لجلالته في أعينهم و لطف محلّه في أنفسهم و عندهم. و كان من أتيه الناس و أذهبهم بنفسه على كل أحد.

الحديث عنه و على شعره:

أخبرني به‏[2]أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهريّ قال حدّثني سليمان بن فليح قال: سمعت محمد بن عبد العزيز (يعني ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف) يقول ما قصّد القصيد و لا نعت الملوك مثل كثيّر.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال كتب إليّ إسحاق بن إبراهيم الموصليّ حدّثني إبراهيم بن سعد قال: إني لأروي لكثيّر ثلاثين قصيدة لو رقي بها/مجنون لأفاق.

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزبير قال حدّثني بعض أصحاب الحديث قال:

كنّا نأتي إبراهيم بن سعد و هو خبيث‏[3]النفس، فنسأله عن شعر كثيّر فتطيب نفسه و يحدّثنا.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّليّ‏[4]عن عبد اللّه بن أبي عبيدة قال:

من لم يجمع من شعر كثيّر ثلاثين لاميّة فلم يجمع شعره. قال الزبير قال المؤمّليّ: و كان ابن أبي عبيدة يملي شعر كثيّر بثلاثين دينارا. قال و سئل عمّي مصعب: من أشعر الناس؟فقال: كثيّر بن أبي جمعة، و قال: هو أشعر من جرير و الفرزدق و الراعي و عامّتهم (يعني الشعراء) ، و لم يدرك أحد في مديح الملوك ما أدرك كثيّر.

أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب إجازة قال حدّثنا محمد بن سلاّم الجمحيّ قال:

/كان كثيّر شاعر أهل الحجاز، و هو شاعر فحل، و لكنه منقوص حظّه بالعراق.

أخبرني أبو خليفة قال أخبرنا ابن سلاّم قال سمعت يونس النحويّ يقول:

كثيّر أشعر أهل الإسلام. قال ابن سلاّم: و سمعت ابن أبي حفصة يعجبه مذهبه في المديح جدّا، و يقول: كان يستقصي المديح، و كان فيه مع جودة شعره خطل و عجب.

[1]الكيسانية: فرقة من الشيعة الإمامية، و هم أصحاب كيسان مولى علي بن أبي طالب. (انظر الحاشية رقم 3 في ج 7 ص 231 من هذه الطبعة) .

[2]وردت هذه الكلمة «به» في جميع الأصول.

[3]المراد بخبث النفس: غثيانها.

[4]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «الموصلي» . (انظر الحاشية رقم 1 ص 123 من الجزء الرابع من هذه الطبعة، و «المشتبه» ص 300 طبع أوربا) .

7

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ قال أخبرني إبراهيم بن إبراهيم بن حسين بن زيد قال:

سمعت المسور بن عبد الملك يقول: ما ضرّ من يروي شعر كثيّر و جميل ألاّ تكون عنده مغنّيتان مطربتان.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائنيّ عن الوقّاصيّ قال:

رأيت كثيّرا يطوف بالبيت، فمن حدّثك أنه يزيد على ثلاثة أشبار فكذّبه؛ و كان إذا دخل على عبد العزيز بن مروان يقول: طأطئ رأسك لا يصبه السقف.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائنيّ، و عن ابن حبيب عن أبيه عن جدّه عن جدّ أبيه عبد العزيز و أمّه جمعة بنت كثيّر قال:

قال‏[جرير[1]]لكثيّر: أيّ رجل أنت لو لا دمامتك!فقال كثيّر:

إن أك قصدا[2]في الرجال فإنّني # إذا حلّ أمر ساحتي لطويل‏

ما كان بينه و بين الحزين الديلي:

أخبرني حبيب بن نصر و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن المدائنيّ عن الوقّاصيّ قال، و أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن يحيى عن بعض أصحابهم الدّيليّين قال:

التقى كثيّر و الحزين‏[3]الدّيليّ بالمدينة في دار ابن أزهر في سوق الغنم، فضمّهما المجلس. فقال كثيّر للحزين: ما أنت شاعر يا حزين، إنما توصل الشي‏ء إلى الشي‏ء. فقال له الحزين: أ تأذن لي أن أهجوك؟قال نعم.

و كان كثيّر قال قبل ذلك و هو ينتسب إلى بني الصّلت‏[4]بن النّضر بن كنانة:

أ ليس أبي بالنّضر أ و ليس إخوتي # بكلّ هجان من بني الصّلت أزهرا

فإن لم تكونوا من بني الصّلت فاتركوا # أراكا بأذيال الخمائل‏[5]أخضرا

قال: فلما أذن كثيّر للحزين أن يهجوه قال الحزين:

/

لقد علقت زبّ الذّباب كثيّرا # أساود[6]لا يطنينه و أراقم‏

[1]التكملة من «تجريد الأغاني» :

[2]في الأصول: «قصيرا» و التصويب عن «تجريد الأغاني» . و القصد: الربعة من الرجال.

[3]اسمه عمرو بن عبيد بن وهيب بن مالك، و الحزين لقبه، من شعراء الدولة الأموية، حجازي مطبوع ليس من فحول طبقته. و كان هجاء خبيث اللسان ساقطا يرضيه اليسير و يتكسب بالشعر و هجاء الناس. (انظر ترجمته في ج 14 ص 76 من «الأغاني» طبع بولاق) .

[4]الصلت بن النضر: أبو خزاعة.

[5]كذا في نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بقلمه. و الخميلة: المنهبط الغامض من الرمل، و هي مكرمة للنبات. و في الأصول:

«الحمائل» بالحاء المهملة.

[6]الأساود: الحيات. و لا يطنينه: لا يبقين عليه؛ يقال: رماه اللّه بأفعى لا تطنى أي لا يفلت لديغها. و الأرقم: أخبث الحيات و أطلبها للناس.

8

قصير القميص فاحش عند بيته # يعضّ القراد باسته و هو قائم

و ما أنتم منّا و لكنكم لنا # عبيد العصا ما ابتلّ في البحر عائم

و قد علم الأقوام أن بني استها # خزاعة أذناب و أنّا القوادم

/و و اللّه لو لا اللّه ثم ضرابنا # بأسيافنا دارت عليها المقاسم

و لو لا بنو بكر لذلّت و أهلكت # بطعن و أفنتها السيوف الصوارم‏

تهدده أبو الطفيل و استوهبه خندف الأسديّ:

قال: فقام كثيّر فحمل عليه فلكزه. و كان الحزين طويلا أيّدا. فقال له الحزين. أنت عن هذا أعجز، و احتمله فكان في يده مثل الكرة، فضرب به الأرض، فخلّصه منه الأزهريّون. فبلغ ذلك‏[أبا[1]]الطّفيل عامر بن واثلة و هو بالكوفة، فأقسم لئن ملأ عينيه من كثيّر ليضربنّه بالسيف أو ليطعننّه بالرمح. و كان خندف الأسديّ صديقا لأبي الطّفيل، فطلب إلى أبي الطفيل في كثيّر و استوهبه إيّاه فوهبه له. و التقيا بمكة و جلسا جميعا مع عمر بن عليّ بن أبي طالب، فقال: أمّا و اللّه لو لا ما أعطيت خندفا من العهد لوفيت لك. فذلك قول كثيّر في قصيدته التي يرثي فيها خندفا:

ينال رجالا نفعه و هو منهم # بعيد كعيّوق‏[2]الثّريّا المحلّق‏

أنكر على الأحوص ضراعته في الاستجداء:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال:

قال كثيّر: في أيّ شعر أعطى هؤلاء الأحوص عشرة آلاف دينار؟قالوا: في قوله فيهم:

و ما كان مالي طارفا من تجارة # و ما كان ميراثا من المال متلدا

و لكن عطايا من إمام مبارك # ملا الأرض معروفا وجودا و سوددا

فقال كثيّر: إنه لضرع قبحه اللّه!أ لا قال كما قلت:

صوت‏

دع عنك سلمى إذ فات مطلبها # و اذكر خليليك‏[3]من بني الحكم

ما أعطياني و لا سألتهما # إلاّ و إنّي لحاجزي كرمي

إنّي متى لا يكن نوالهما # عندي مما قد فعلت أحتشم

مبدي الرّضا عنهما و منصرف # عن بعض ما لو فعلت لم ألم‏

[1]التكملة عن ترجمته في «الأغاني» (جـ 13 ص 166 طبع بولاق) و «شرح القاموس» (مادة طفل) » . و هو عامر بن واثلة بن عبد اللّه بن عمرو بن جابر بن خميس، له صحبة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و عمر بعده طويلا، كان مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و روي عنه و كان من وجوه شيعته.

[2]العيوق: كوكب أحمر مضي‏ء بحيال الثريا في ناحية الشمال، و يطلع قبل الجوزاء.

[3]في الأصول: «خليلك» و يعني بهما عبد الملك و عبد العزيز ابني مروان بن الحكم.

9

لا أنزر النائل الخليل إذا # ما اعتلّ نزر الظّئور لم ترم‏[1]

عروضه من المنسرح. غنّى في هذا الشعر يونس ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. و غنّى فيه الغريض ثاني ثقيل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. و فيه لحن من الثقيل الأوّل ينسب إلى معبد، و ليس بصحيح له. قال الزّبير بن بكّار في تفسير قوله: «لا أنزر النائل الخليل» يقول: لا ألحّ عليه بالمسألة، يقال: نزرته أنزره إذا ألححت عليه. و الظّئور: المتعطّفة على‏[غير[2]]أولادها.

حديثه مع عبد الملك في استقطاعه أرضا له:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا المؤمّليّ عن أبي عبيدة، و أخبرنا أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر قالا حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال:

/دخل كثيّر على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ أرضا لك يقال لها غرّب‏[3]ربما أتيتها و خرجت إليها بولدي و عيالي فأصبنا من رطبها و تمرها بشراء/مرّة و طعمة مرّة. فإن رأى أمير المؤمنين أن يعمّرنيها[4]فعل. فقال له عبد الملك: ذلك لك. فندّمه الناس و قالوا له: أنت شاعر الخليفة و لك عنده منزلة، فهلاّ سألت الأرض قطيعة!. فأتى الوليد فقال: إنّ لي إلى أمير المؤمنين حاجة فأجلسني قريبا من البرذون. فلما استوى عليه عبد الملك قال له: إيه!و علم أنّ له إليه حاجة. فقال كثيّر:

جزتك الجوازي عن صديقك نضرة # و أدناك ربّي في الرّفيق المقرّب

فإنّك لا يعطى عليك ظلامة # عدوّ و لا تنأى عن المتقرّب

و إنّك ما تمنع فإنك مانع # بحقّ، و ما أعطيت لم تتعقّب‏

فقال له: أ ترغب غرّبا؟قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: اكتبوها له، ففعلوا.

هجاء الحزين له في مجلس ابن أبي عتيق:

أخبرني الحرميّ قال حدّثني الزّبير قال حدّثنا عمر بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي عبيدة قال:

كان الحزين الكنانيّ قد ضرب على كل رجل من قريش درهمين في كل شهر، منهم ابن أبي عتيق. فجاءه لأخذ درهميه على حمار له أعجف-قال: و كثيّر مع ابن أبي عتيق-فدعا ابن أبي عتيق للحزين بدرهمين. فقال الحزين لابن أبي عتيق: من هذا معك؟قال: هذا أبو صخر كثيّر بن أبي جمعة-قال: و كان قصيرا دميما-فقال له الحزين: أ تأذن لي أن أهجوه ببيت من شعر؟قال: لا!لعمري لا آذن لك أن تهجو جليسي، و لكني أشتري عرضه منك بدرهمين آخرين و دعا له بهما. فأخذهما ثم قال: لا بدّ من هجائه ببيت. قال: أو أشتري/ذلك منك بدرهمين آخرين، و دعا له بهما. فأخذهما ثم قال: ما أنا بتاركه حتى أهجوه. قال: أو أشتري/ذلك منك بدرهمين. فقال له [1]ترم: تحن و تعطف. و أصله «ترأم» سهلت الهمزة ثم حذفت لالتقاء الساكنين؛ فإن آخر الفعل ساكن بالجازم و حرك بالكسر للقافية.

[2]التكملة عن «معاجم اللغة» .

[3]غرب: ماء بنجد ثم بالشريف من مياه بني نمير. و غرب أيضا: جبل دون الشام في ديار بني كلب و عنده عين ماء تسمى غربة. هذا ما ورد في «معجم البلدان» لياقوت. لعله يعني هنا موضعا آخر.

[4]يقال: عمر فلان فلانا كذا إذا جعله له طول عمره.

10

كثيّر: ائذن له، ما عسى أن يقول في بيت!فأذن له ابن أبي عتيق. فقال:

قصير القميص فاحش عند بيته # يعضّ القراد باسته و هو قائم‏

قال: فوثب كثيّر إليه فلكزه، فسقط هو و الحمار، و خلّص ابن أبي عتيق بينهما، و قال لكثيّر قبحك اللّه!أ تأذن له و تسفه عليه!فقال كثيّر: أو أنا ظننته أن يبلغ بي هذا كلّه في بيت واحد!.

ادّعى أنه قرشي فرده الشعراء و سبه الكوفيون:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة و لم يتجاوزه، و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا عبد الرحمن بن الخضر الخزاعيّ عن ولد جمعة بنت كثيّر أنه وجد في كتب أبيه التي فيها شعر كثيّر: أنّ عبد الملك بن مروان قال له: ويحك!الحق بقومك من خزاعة، فأخبر أنه من كنانة قريش، و أنشد كثيّر قوله:

أ ليس أبي بالصّلت أم ليس إخوتي # بكل هجان من بني النّضر أزهرا

فإن لم تكونوا من بني النّضر فاتركوا # أراكا بأذناب القوابل‏[1]أخضرا

أبيت التي قد سمتني و نكرتها # و لو سمتها قبلي قبيصة[2]أنكرا

لبسنا ثياب العصب‏[3]فاختلط السّدى # بنا و بهم و الحضرميّ المخصّرا

/فقال له عبد الملك: لا بدّ أن تنشد هذا الشعر على منبري الكوفة و البصرة، و حمله و كتب/به إلى‏[4]العراق في أمره. قال عمر بن شبّة في خبره خاصّة: فأجابته خزاعة الحجاز إلى ذلك. و قال فيه الأحوص-و يقال: بل قاله سراقة البارقيّ-:

لعمري لقد جاء العراق كثيّر # بأحدوثة من وحيه المتكذّب

أ يزعم أنّي من كنانة أولى # و ما لي من أمّ هناك و لا أب

فإن كنت حرّا أو تخاف معرّة # فخذ ما أخذت من أميرك و اذهب‏

فقال كثيّر يجيبه-و في خبر الزّبير: قال هذا لأبي علقمة الخزاعي-:

أيا خبث أكرم كنانة إنّهم # مواليك إن أمر سما بك معلق‏

-و في رواية الزّبير: «أبا علقم» .

[1]تقدمت فيه راوية أخرى: «بأذيال الخمائل» . (راجع الحاشية رقم 3 ص 7 من هذه الترجمة) .

[2]هو قبيصة بن ذؤيب الخزاعي الكعبي أبو سعيد و أبو إسحاق، ولد في حياة النبي صلى اللّه عليه و سلم. و توفي سنة 86 (عن «شرح القاموس» مادة قبص) .

[3]كذا في كتاب «السيرة» لابن هشام (ج 1 ص 61 طبع أوربا) و «الروض الأنف» للسهيلي. و العصب: برود يمنية يعصب غزلها (أي يجمع و يشد) ثم يصبغ و ينسج فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. قال السهيلي في كتابه «الروض الأنف» في معنى هذا البيت: «يريد أن قدودنا من قدودهم، فسدي أثوابنا مختلط بسدي أثوابهم. و الحضرمي: النعال المخصرة التي تضيق من جانبيها كأنها ناقصة الخصرين» .

[4]وردت هذه العبارة في جـ: «و كتب في أمره» . و في سائر الأصول: «و كتب به إلى العراق في أمره» .

11

بنو النّضر ترمي من ورائك بالحصى # أولو حسب فيهم وفاء و مصدق

يفيدونك المال الكثير و لم تجد # لملكهم شبها لو انّك تصدق

إذا ركبوا ثارت عليك عجاجة # و في الأرض من وقع الأسنّة أولق‏[1]

فأجابه الأحوص بقوله:

دع القوم ما حلّوا ببطن قراضم‏[2] # و حيث تفشّى‏[3]بيضه المتفلّق

فإنّك لو قاربت أو قلت شبهة # لذي الحقّ فيها و المخاصم معلق

عذرناك أو قلنا صدقت و إنما # يصدّق بالأقوال من كان يصدق

ستأبى بنو عمرو عليك و ينتمي # لهم حسب في جذم‏[4]غسّان معرق

فإنّك لا عمرا أباك حفظته # و لا النّضر إن ضيّعت شيخك تلحق

/و لم تدرك القوم الذين طلبتهم # فكنت كما كان السّقاء المعلّق

بجذمة[5]ساق ليس منه لحاؤها[6] # و لم يك عنها قلبه يتعلّق

فأصبحت كالمهريق فضلة مائه # لبادي سراب بالملا[7]يترقرق‏

قال: فخرج كثيّر فأتى الكوفة، فرمي به إلى مسجد بارق. فقالوا له: أنت من أهل الحجاز؟قال نعم. قالوا: فأخبرنا عن رجل شاعر ولد زنا يدعى كثيّرا. قال سبحان اللّه!أمّا تسمعون أيها المشايخ ما يقول الفتيان!قالوا: هو ما قاله لنفسه. فانسلّ منهم و جاء إلى والي الكوفة حسّان بن كيسان، فطّيره على البريد. و قال عمر بن شبّة في خبره: إنّ سراقة البارقيّ هو المخاطب له بهذه الشتيمة و إنه عرفه و قال له: إن قلت هذا على المنبر قتلتك قحطان و أنا أوّلهم، فانصرف إلى منزله و لم يعد إلى عبد الملك.

نبذة عن سراقة البارقي و قصته مع المختار حين أسر:

و كان سراقة هذا شاعرا ظريفا. فأخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ عن النّضر بن عمر[8]عن الهيثم بن عديّ عن الأعمش عن إبراهيم قال:

كان سراقة البارقيّ من ظرفاء أهل العراق، فأسره المختار يوم جبّانة[9]السّبيع، و كانت للمختار فيها وقعة [1]الأولق: الجنون.

[2]قراضم: موضع بالمدينة.

[3]كذا في «معجم ياقوت» في الكلام على قراضم. و في الأصول: «تغشى» بالغين المعجمة.

[4]الجذم: الأصل.

[5]كذا في جـ: و الجذمة: القطعة. و في سائر الأصول: «بخدمة ساق» . و يتعلق: لعل صوابه «يتفلق» . أي و لم يكن قلبه منشقا عنها.

[6]اللحاء: قشر الشجرة.

[7]الملا: الصحراء.

[8]في حـ هنا: «عمرو» .

[9]جبانة السبيع: محلة بالكوفة مضافة إلى السبيع و هي قبيلة؛ و كانت وقعة المختار بن أبي عبيد الثقفي بها حين خرج للثأر من قتلة الحسن بن علي بن أبي طالب. الطبري (ق 2 ج 2) .

12

منكرة، فجاء به الذي أسره إلى المختار فقال له: إنّي أسرت هذا. فقال له سراقة: كذب!ما هو الذي أسرني، إنما أسرني غلام أسود على برذون أبلق عليه ثياب خضر، ما أراه في عسكرك الآن، و سلّمني إليه. فقال المختار: أمّا إنّ الرجل قد عاين/الملائكة!خلّوا سبيله فخلّوه، فهرب فأنشأ يقول:

/

ألا أبلغ أبا إسحاق أنّي # رأيت البلق دهما مصمتات‏[1]

أري عينيّ ما لم تبصراه # كلانا عالم بالتّرّهات

كفرت بدينكم و جعلت نذرا # عليّ قتالكم حتى الممات‏

كان يرى أن ابن الحنفية لم يمت و كان ذلك رأي السيد:

أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزبير قال أخبرنا عمرو[2]و محمد بن الضّحاك قالا: كان كثيّر يتشيّع تشيّعا قبيحا، يزعم أنّ محمد بن الحنفيّة لم يمت. قال: و كان ذلك رأي السيّد، و قد قال فيه (يعني السيّد) شعرا كثيرا، منه:

ألا قل للوصيّ فدتك نفسي # أطلت بذلك الجبل المقاما

أضرّ بمعشر والوك منّا # و سمّوك الخليفة و الإماما

و عادوا فيك أهل الأرض طرّا # مقامك عنهم ستّين عاما

و ما ذاق ابن خولة[3]طعم موت # و لا وارت له أرض عظاما

لقد أوفى بمورق شعب رضوى # تراجعه الملائكة الكلاما

و إنّ له به لمقيل صدق # و أندية تحدّثه كراما

هدانا اللّه إذ جرتم لأمر # به ولديه نلتمس التّماما

تمام مودّة المهديّ حتّى # تروا راياتنا تترى نظاما

و قال كثيّر في ذلك:

ألا إنّ الأئمّة من قريش # ولاة الحقّ أربعة سواء

عليّ و الثلاثة من بنيه # هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان و برّ # و سبط غيّبته كربلاء

/و سبط لا تراه العين حتّى # يقود الخيل يقدمها[4]اللّواء

تغيّب لا يرى عنهم زمانا # برضوى عنده عسل و ماء

[1]كذا في الطبري (ق 2 ص 665) و به يستقيم الرويّ. و في الأصول «... عني أن البلق دهم مصمتات» . و مصمت: لا يخالط لونه لون آخر. أي أن دهمتها خالصة لا يشوبها لون آخر.

[2]في حـ: «عمر» .

[3]خولة: اسم أم محمد بن الحنفية.

[4]كذا فيما تقدم (ج 7 ص 276 من هذه الطبعة) . و في الأصول هنا: «يتبعها» .

13

شعره في ابن الحنفية حين سجنه ابن الزبير في سجن عارم:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الحارث بن محمد عن المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ قال:

كان عبد اللّه بن الزّبير قد أغري ببني هاشم يتبعهم بكل مكروه و يغري بهم و يخطب بهم على المنابر و يصرّح و يعرّض بذكرهم. فربما عارضه ابن عبّاس و غيره منهم. ثم بدا له فيهم فحبس ابن الحنفيّة في سجن عارم‏[1]، ثم جمعه و سائر من كان بحضرته من بني هاشم، فجعلهم في محبس و ملأه حطبا و أضرم فيه النار. و قد كان بلغه أنّ أبا[2]عبد اللّه الجدليّ و سائر شيعة ابن الحنفيّة قد وافوا لنصرته و محاربة ابن الزبير، فكان ذلك سبب إيقاعه به. و بلغ أبا عبد اللّه الخبر فوافى ساعة أضرمت النار عليهم فأطفأها و استنقذهم، و أخرج ابن الحنفيّة عن جوار ابن الزّبير منذ يومئذ. فأنشدنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال أنشدنا محمد بن حبيب لكثيّر يذكر ابن الحنفيّة و قد حبسه‏[3]ابن الزّبير في سجن يقال له سجن عارم:

من ير هذا الشيخ بالخيف من منّى # من الناس يعلم أنّه غير ظالم

/سميّ النبيّ المصطفى و ابن عمّه # و فكّاك أغلال و نفّاع غارم

أبي فهو لا يشري هدى بضلالة # و لا يتّقي في اللّه لومة لائم

و نحن بحمد اللّه نتلو كتابه # حلولا بهذا الخيف خيف المحارم

بحيث الحمام آمن الرّوع ساكن # و حيث العدوّ كالصديق المسالم

/فما فرح الدّنيا بباق لأهله # و لا شدّة البلوى بضربة لازم

تخبّر[4]من لاقيت أنك عائذ # بل العائذ المظلوم في سجن عارم‏

أنشد عليّ بن عبد اللّه شعرا له في ابن الحنفية و حديثه معه:

حدّثني أحمد بن محمد بن سعيد الهمدانيّ قال حدّثنا يحيى بن الحسن العلوي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار، و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن سعيد عن عقبة الجهنيّ عن أبيه قال:

سمعت كثيّرا ينشد عليّ بن عبد اللّه بن جعفر قوله في محمد بن الحنفيّة:

أقرّ اللّه عيني إذ دعاني # أمين اللّه يلطف في السؤال

و أثنى في هواى عليّ خيرا # و ساءل عن بنيّ و كيف حالي

و كيف ذكرت حال أبي خبيب # و زلّة فعله عند السّؤال

هو المهديّ خبّرناه كعب‏[5] # أخو الأحبار في الحقب الخوالي‏

[1]سجن بمكة.

[2]هو أبو عبد اللّه الجدلي عبدة بن عبد، أرسله المختار بن أبي عبيد نجدة لبني هاشم لما حبسهم ابن الزبير، كما هو ظاهر في القعمة.

(انظر الطبري ق 2 ص 693-695) .

[3]في الأصول: «و قد حبسهم» .

[4]يريد عبد اللّه بن الزبير، و كان يدّعي أنه عائذ بالبيت فلا يحل قتاله.

[5]هو كعب الأحبار بن ماتع و يكنى أبا إسحاق، و هو من حمير من آل ذي رعين، و كان على دين يهود فأسلم و قدم المدينة ثم خرج إلى

14

فقال له عليّ بن عبد اللّه: يا أبا صخر، ما يثني عليك في هواك خيرا إلاّ من كان على مثل مذهبك. قال: أجل بأبي أنت و أمي!. قال: و كان كثيّر كيسانيا[1]يرى الرّجعة. قال الزّبير: أبو خبيب عبد اللّه بن الزّبير، كناه بابنه خبيب و هو أكبر ولده، و كان كثيّر سيّئ الرأي فيه. قال الزّبير: فأخبرني عمّي قال: لمّا قال كثيّر:

هو المهديّ خبّرناه كعب # أخو الأحبار في الحقب الخوالي‏

/فقيل له: ألقيت كعبا؟قال: لا. قيل: فلم قلت «خبّرناه كعب» ؟قال: بالتوهّم.

غلوه في التشيع و القول بالرجعة و أخبار له في ذلك:

قال: و كان كثيّر شيعيا غاليا يزعم أن الأرواح تتناسخ، و يحتجّ بقول اللّه تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مََا شََاءَ رَكَّبَكَ و يقول: أ لا ترى أنه حوّله من صورة[2]في صورة!.

قال: فحدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّليّ عن عبد اللّه بن أبي عبيدة قال: خندف الأسديّ الذي أدخل كثيّرا في الخشبيّة.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني إبراهيم بن المنذر الحزاميّ عن محمد ابن معن الغفاريّ قال:

كنّا بالسّيالة[3]في مشيخة نتحدّث، إذا بكثيّر قد طلع علينا متّكئا على عصا.

فقال: كنّا ببيداء[4]بأشراف السّيالة و بهذه الناحية، فما بقي موضع‏[5]ببيداء إلاّ و قد جئته، فإذا هو على حاله ما تغيّر و ما تغيّرت الجبال و لا الموضع الذي كنا نطوف فيه، و هذا يكون حتى نرجع إليه. و كان يؤمن بالرّجعة.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يحيى بن محمد قال:

دخل عبد اللّه بن حسن على كثيّر يعوده في مرضه الذي مات فيه. فقال له كثيّر: أبشر!فكأنّك بي بعد أربعين ليلة قد طلعت عليك على فرس عتيق. فقال له عبد اللّه بن حسن: مالك عليك لعنة اللّه!فو اللّه لئن متّ لا أشهدك و لا أعودك و لا أكلّمك أبدا.

كان أبو هاشم يتجسس أخباره:

/أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يحيى بن محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز أحسبه عن ابن الماجشون قال:

/و كان أبو هاشم عبد اللّه بن محمد بن عليّ قد وضع الأرصاد على كثيّر فلا يزال يؤتّى بالخبر من حبره، فيقول له إذا لقيه: كنت في كذا و كنت في كذا، إلى أن جرى بين كثيّر و بين رجل كلام فأتي به أبو هاشم. فأقبل به على -الشام فسكن حمص حتى توفي بها سنة اثنتين و ثلاثين في خلافة عثمان بن عفان. (انظر «طبقات ابن سعد» جـ 7 ق 2 ص 156 طبع أوروبا) .

[1]في جـ: «خشبيا» . و الخشبية: قوم من الجهمية يقولون إن اللّه تعالى لا يتكلم و إن القرآن مخلوق. و قال ابن الأثير: هم أصحاب المختار بن أبي عبيد، و يقال: هم ضرب من الشيعة. و في سبب تسميتهم بالخشبية خلاف ذكره شارح «القاموس» في مادة خشب.

[2]لعله: «إلى صورة» .

[3]السيالة: بجوار المدينة، قيل: هي أوّل مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة.

[4]بيداء: يريد بها موضعا بعينه.

[5]في الأصول: «فما بقي موضع ببيداء فيه إلاّ و قد جئته... إلخ» . و ظاهر أن كلمة «فيه» مقحمة من الناسخ. ـ

15

أدراجه‏[1]، فقال له أبو هاشم: كنت الساعة مع فلان فقلت له كذا و كذا و قال لك كذا و كذا. فقال له كثيّر: أشهد أنّك رسول اللّه.

كان يقول عن الأطفال من آل البيت إنهم الأنبياء الصغار:

أخبرنا محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا محمد، و أخبرنا!الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن إسماعيل عن موسى بن عبد اللّه فيما أحسب قال:

نظر كثيّر إلى بني حسن بن حسن و هم صغار فقال: بأبي أنتم!هؤلاء الأنبياء الصغار. و كان يرى الرّجعة.

و روى عليّ‏[2]بن بشر بن سعيد الرازيّ عن محمد بن حميد عن أبي زهير عبد الرحمن بن مغراء الدّوسيّ عن محمد بن عمارة قال:

مرّ كثيّر بمعاوية بن عبد اللّه بن جعفر و هو في المكتب، فأكبّ عليه يقبّله و قال: أنت من الأنبياء الصغار و ربّ الكعبة!.

أخبرنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا محمد بن إسماعيل قال حدّثنا قعنب بن المحرز قال حدّثني إبراهيم بن داجة قال:

كان كثيّر شيعيا، و كان يأتي ولد حسن بن حسن إذا أخذ عطاءه، فيهب لهم الدراهم و يقول: وا بأبي الأنبياء الصغار!. و كان يؤمن بالرّجعة. فيقول له محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، و هو أخوهم لأمّهم، : يا عمّ هب لي، فيقول: لا!لست من الشجرة.

كان عمرو بن عبد العزيز يعرف بحبه صلاح بني هاشم و فسادهم:

أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني عثمان بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبيد اللّه قال:

قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاح بني هاشم من فسّادهم بحبّ كثيّر: من أحبّه منهم فهو فاسد، و من أبغضه فهو صالح، لأنه كان خشبيا يقول بالرجعة.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ‏[3]عن أبي لهيعة عن رجاء بن حيوة قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: إن مما أعتبر به صلاح بني هاشم و فسّادهم حبّ كثيّر، ثم ذكر مثله.

قال لعمته إنه يونس بن متى:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عليّ بن صالح عن ابن دأب قال:

كان كثيّر يدخل على عمّه له برزة[4]فتكرمه و تطرح له و سادة يجلس عليها. فقال لها يوما: لا و اللّه ما تعرفينني [1]لعله «فأقبل على أدراجه» يريد أنه حضر لوقته لم يلو على شي‏ء؛ فتكون كلمة «به» من زيادة النساخ.

[2]في جـ: «علي بن سعيد بن بشر الرازي» .

[3]الدراوردي: نسبة شاذة إلى دارابجرد (يقال: درابجرد) : بلد بفارس و محلّة بنيسابور أيضا. (راجع «لب اللباب في تحرير الأنساب» للسيوطي) .

[4]البرزة: المرأة الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الثواب و هي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس إلى الناس و تحدثهم.

16

و لا تكرمينني حقّ كرامتي!قالت: بلى و اللّه إني لأعرفك. قال: فمن أنا؟قالت: ابن فلان و ابن فلانة، و جعلت تمدح أباه و أمّه. فقال: قد عرفت أنك لا تعرفينني. قالت: فمن أنت؟قال: أنا يونس بن متّى.

كان عاقا لأبيه:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني أبي قال:

كان كثيّر عاقا لأبيه‏[1]، و كان أبوه قد أصابته قرحة في إصبع من أصابع يده. فقال له كثيّر: أ تدري لم أصابتك هذه القرحة في إصبعك؟قال: لا أدري قال: مما ترفعها إلى اللّه في يمين كاذبة.

ضافه مزني و ذمه بأنه لم يقم لصلاة الصبح:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد بن معن الغفاريّ عن أبيه و غيره قال حدّثني رجل من مزينة قال:

ضفت كثيّرا ليلة و بتّ عنده ثم تحدّثنا و نمنا. فلما طلع الفجر تضوّر[2]، ثم قمت/فتوضّأت و صلّيت و كثيّر راقد في لحافه. فلما طلع قرن الشمس تضوّر ثم قال: يا جارية اسجري لي ماء. قال قلت: تبّا لك سائر اليوم!أ و هذه الساعة هذا!و ركبت راحلتي و تركته. قال الزبير: أسخني لي ماء.

كان يهزأ به و يصدق ما يسمع عن نفسه:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن طلحة بن عبيد اللّه قال:

ما رأيت قطّ أحمق من كثيّر. دخلت عليه يوما في نفر من قريش و كنّا كثيرا ما نتهزّأ به، و كان يتشيّع تشيّعا قبيحا. فقلت له: كيف تجدك يا أبا صخر؟و هو مريض، فقال: أجدني ذاهبا. فقلت: كلاّ!فقال: هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟فقلت: نعم!يتحدّثون أنك الدجّال. قال: أما لئن قلت ذاك إنّي لأجد في عيني ضعفا منذ أيّام.

كان تياها و يستحمقه فتيان المدينة لذلك:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران:

أن ناسا من أهل المدينة كانوا يلعبون بكثيّر فيقولون و هو يسمع: إن كثيّرا لا يلتفت من تيهه. فكان الرجل يأتيه من ورائه فيأخذ رداءه فلا يلتفت من الكبر و يمضي في قميص.

سأله عبد الملك عن شي‏ء و حلفه بأبي تراب:

أخبرنا إبراهيم بن محمد بن أيّوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة قال:

بلغني أن كثيّرا دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن شي‏ء فأخبره به. فقال و حقّ عليّ بن أبي طالب إنه [1]في الأصول: «بأبيه» .

[2]التضوّر: التلوّي.

17

كما ذكرت؟قال كثيّر: يا أمير المؤمنين، لو سألتني بحقّك لصدقتك. قال: لا أسألك إلاّ بحقّ أبي تراب‏[1]. فحلف له به فرضي.

تمثل عبد الملك بشعر له حين منعته عاتكة من الخروج لحرب مصعب و حديثه معه عن هذه الحرب:

أخبرنا الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال أخبرني عثمان بن عبد الرحمن، و أخبرنا محمد بن جعفر النحويّ قال حدّثنا محمد بن يزيد المبرّد قال، و أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبة، و أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا المؤمّلي عن ابن أبي عبيدة، قالوا جميعا.

لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب لاذت به عاتكة بنت يزيد بن معاوية و هي أمّ ابنه يزيد، و قالت: يا أمير المؤمنين، لا تخرج السنة لحرب مصعب، فإنّ آل الزّبير ذكروا خروجك، و ابعث إليه الجيوش، و بكت و بكى جواريها معها. و جلس و قال: قاتل اللّه ابن أبي جمعة!فأين قوله:

صوت‏

إذا ما أراد الغزو لم تثن همّه # حصان عليها عقد درّ يزينها

نهته فلما لم تر النّهي عاقه # بكت فبكى مما شجاها قطينها[2]

-غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق-و اللّه لكأنه/يراني و يراك يا عاتكة، ثم خرج.

قال محمد بن جعفر النحويّ في خبره-و وافقه عليه عمر بن شبّة-: فلما خرج عبد الملك نظر إلى كثيّر في ناحية عسكره يسير مطرقا، فدعا به و قال: لأعلم ما أسكتك و ألقى عليك بثّك، فإن أخبرتك عنه أ تصدقني؟قال نعم!قال:

قل و حقّ أبي تراب لتصدقنّي، قال: و اللّه لأصدقنّك. قال: لا أو تحلف به، فحلف به. فقال تقول: رجلان من قريش يلقي أحدهما صاحبه فيحاربه، القاتل و المقتول في النار، فما معنى سيرى مع أحدهما إلى الآخر و لا آمن سهما عائرا لعلّه أن يصيبني فيقتلني فأكون معهما!قال: و اللّه يا أمير المؤمنين/ما أخطأت. قال: فارجع من قريب، و أمر له بجائزة.

بكى لقتل آل المهلب فزجره يزيد و ضحك منه:

أخبرنا وكيع قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثنا أبو تمّام الطائيّ حبيب بن أوس قال حدّثني العطّاف بن هارون عن يحيى بن حمزة قاضي دمشق قال حدّثني حفص الأمويّ قال:

كنت أختلف إلى كثيّر أتروّى شعره. قال: فو اللّه إني لعنده يوما إذ وقف عليه واقف فقال: قتل آل المهلّب [1]أبو تراب: لقب عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، لقبه بذلك النبي صلى اللّه عليه و سلم، و ذلك أن عليا دخل على فاطمة رضي اللّه عنهما ثم خرج فاضطجع في المسجد. فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: أين ابن عمك؟قالت: في المسجد. فخرج إليه صلى اللّه عليه و سلم فوجد رداءه قد سقط عن ظهره و خلص التراب إلى ظهره؛ فجعل عليه الصلاة و السلام يمسح التراب عن ظهره و يقول له: أجلس يا أبا تراب (مرتين) . (عن «شرح القسطلاني على صحيح البخاري» ج 6 ص 138) .

[2]القطين: الخدم و الأتباع و الحشم.

18

بالعقر[1]. فقال: ما أجلّ الخطب!ضحّى آل أبي سفيان بالدّين‏[2]يوم الطّفّ، و ضحّى بنو مروان بالكرم يوم العقر! ثم انتضحت عيناه باكيا. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك فدعا به. فلما دخل عليه قال: عليك لعنة اللّه!أ ترابيّة[3] و عصبيّة!و جعل يضحك منه.

سأله عبد الملك عن أشعر الناس فأجابه:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد عن أبيه قال:

قال عبد الملك بن مروان لكثيّر: من أشعر الناس اليوم يا أبا صخر؟قال: من يروي أمير المؤمنين شعره.

فقال عبد الملك: أما إنّك لمنهم.

جواب عبد الملك له و قد سأله عن شعره:

أخبرنا وكيع قال حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن ابن أبي‏[4]عوف عن عوانة قال:

قال كثيّر لعبد الملك: كيف ترى شعري يا أمير المؤمنين؟قال أراه يسبق السحر، و يغلب الشعر.

كان عبد الملك يروي أولاده شعره:

أخبرنا عمّي عن الكرانيّ عن النّضر بن عمر قال:

كان عبد الملك بن مروان يخرج شعر كثيّر إلى مؤدّب ولده مختوما يروّيهم إياه و يرده.

نزل مرعي لإبله فضيق عليه أهله فذم جوارهم:

أخبرنا الحرميّ قال أخبرنا الزّبير قال حدّثنا عبد اللّه بن خالد الجهنيّ:

أن كثيّرا شبّ في حجر عمّ له صالح، فلما بلغ الحلم أشفق عليه أن يسفه، و كان غير جيّد الرأي و لا حسن النظر في عواقب الأمور. فاشترى له عمّه قطيعا من الإبل و أنزله فرش‏[5]ملل فكان به، ثم ارتفع فنزل فرع المسور بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من جبل جهينة الأصغر، و كان قبل المسور لبني مالك بن أفصى، فضيّقوا على كثيّر و أساءوا جواره، فانتقل عنهم و قال:

[1]هو عقر بابل قرب كربلاء من الكوفة قتل عنده يزيد بن المهلب بن أبي صفرة سنة 102، و كان خلع طاعة بني مروان و دعا إلى نفسه و أطاعه أهل البصرة و الأهواز و واسط و خرج في مائة و عشرين ألفا. فندب له يزيد بن عبد الملك أخاه مسلمة فوافقه بالعقر من أرض بابل فأجلت الحرب عن قتله. (عن «معجم البلدان» لياقوت) .

[2]كذا في «وفيات الأعيان» لابن خلكان (ج 1 ص 618) . و في الأصول: «بالدمن» و هو تحريف. و الطف: أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية، فيها كان مقتل الحسين بن علي رضي اللّه عنه.

[3]يعني أنه من شيعة أبي تراب، و هو لقب علي بن أبي طالب كما أسلفنا.

[4]في جـ: «عن أبي عوف عن عوانة» .

[5]في الأصول: «فرش مالك» . و التصويب عن «القاموس» و «شرحه» . و فرش ملل: واد بين عميس الحمائم و صخيرات الثمامة بالقرب من ملل قرب المدينة، يقال له الفرش و فرش ملل، أضيف إلى ملل لقربه منه. و هذه كلها مواضع نزلها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حين مسيره إلى بدر. راجع «القاموس و شرحه» مادة فرش و «معجم البلدان» لياقوت في الكلام عن فرش) .

19

/

أبت إبلي ماء الرّداة[1]و شفّها # بنو العمّ يحمون النّضيح‏[2]المبرّدا

و ما يمنعون الماء إلاّ ضنانة # بأصلاب عسرى‏[3]شوكها قد تخدّدا

فعادت فلم تجهد على فضل مائه # رياحا و لا سقيا ابن طلق بن أسعدا

قال: و يروى أنّه أوّل شعر قاله.

روايته عن بدء قوله الشعر:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي قال:

قال كثيّر: ما قلت الشعر حتى قوّلته. قيل له: و كيف ذاك؟قال: بينا أنا يوما نصف النهار أسير على بعير لي بالغميم‏[4]أو بقاع حمدان‏[5]، إذا راكب قد دنا منّي حتى صار إلى جنبي، فتأمّلته فإذا هو من صفر[6]و هو يجرّ نفسه في الأرض جرا. فقال لي: قل الشعر و ألقاه عليّ. قلت: من أنت؟قال: أنا قرينك من الجنّ. فقلت الشعر.

عزة عشيقته و أول عشقه لها:

و نسب كثيّر لكثرة تشبيبه بعزّة الضّمريّة إليها، و عرف بها فقيل‏[7]كثيّر عزّة. و هي عزّة بنت حميل‏[8]بن وقّاص. أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الحسن قال:

أبو بصرة[8]الغفاريّ المحدّث و اسمه حميل بن وقّاص هو أبو عزّة التي كان ينسب بها كثيّر. و كان ابتداء عشقه إيّاها-على أنه قد قيل: إنه كان في ذلك/كاذبا و لم يكن بعاشق، و ذلك يذكر بعد خبره معها-فيما أخبرني به الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم/السعديّ قال حدّثني إبراهيم بن يعقوب بن جميع الخزاعيّ:

أنه كان أوّل عشق كثيّر عزّة أن كثيّرا مرّ بنسوة من بني ضمرة و معه جلب غنم، فأرسلن إليه عزّة و هي صغيرة، فقالت: يقلن‏[9]لك النسوة: بعنا كبشا من هذه الغنم و أنسئنا بثمنه إلى أن ترجع، فأعطاها كبشا و أعجبته. فلما رجع جاءته امرأة منهنّ بدراهمه، فقال: و أين الصبيّة التي أخذت منّي الكبش؟قالت: و ما تصنع بها!هذه دراهمك. قال:

لا آخذ دراهمي إلاّ ممن دفعت الكبش إليها. و خرج و هو يقول:

قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه # و عزّة ممطول معنى غريمها

قال: فكان أوّل لقائه إياها.

[1]الرداة: الصخرة.

[2]النضيح: الحوض. و في الأصول: «النصيح» بالصاد المهملة و هو تصحيف.

[3]العسرى (بفتح العين و ضمها) : البقلة إذا يبست. و رواية «لسان العرب» (مادة عسر) : «بأطراف عسرى» .

[4]الغميم: موضع قرب المدينة بين رابغ و الجحفة.

[5]ظاهر أنه موضع بعينه.

[6]الصفر: النحاس.

[7]عبارة أ، م: «و نسب كثير إلى عزة لكثرة تشبيبه بعزة الضمرية و غزله فيها فقيل... إلخ» .

[8]اختلف في اسم أبي بصرة هذا فقيل: هو حميل (بالحاء المهملة مصغرا) و قيل جميل (بالجيم) و كل ذلك مضبوط محفوظ. و هو أبو بصرة حميل (أو جميل) بن بصرة بن وقاص بن حبيب بن غفار؛ له صحبة برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و روي عنه أبو هريرة. في الأصول:

«حميد بن وقاص» و هو تحريف. (راجع «الاستيعاب في معرفة الأنساب» ) .

[9]إثبات نون النسوة هنا لغة ضعيفة.

20

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عبد الرحمن بن الخضر[1]بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن أبي جندل‏[2]عن أبيه عبد العزيز الخزاعيّ-و أمّه جمعة بنت كثيّر-عن أمه جمعة عن أبيها كثيّر:

أنّ أوّل علاقته بعزّة أنه خرج من منزله يسوق خلف‏[3]غنم إلى الجار[4]، فلما كان بالخبت وقف على نسوة من بني ضمرة فسألهنّ عن الماء، فقلن لعزّة و هي جارية/حين كعب ثدياها: أرشديه إلى الماء، فأرشدته و أعجبته.

فبينا هو يسقى غنمه إذ جاءته عزّة بدراهم، فقالت: يقلن لك النسوة: بعنا بهذه الدراهم كبشا من ضأنك: فأمر الغلام فدفع إليها كبشا، و قال: ردّي الدراهم و قولي لهنّ: إذا رحت بكنّ اقتضيت حقي. فلما راح مرّ بهنّ، فقلن له: هذا حقّك فخذه. فقال: عزّة غريمي‏[5]، و لست أقتضي حقّي إلاّ منها. فمزحن معه و قلن: ويحك!عزّة جارية صغيرة و ليس فيها وفاء لحقّك فأحله على إحدانا فإنها أملأ به منها و أسرع له أداء. فقال: ما أنا بمحيل حقّي عنها.

و مضى لوجهه، ثم رجع إليهنّ حين فرغ من بيع جلبه فأنشدهنّ فيها:

نظرت إليها نظرة و هي عاتق # على حين أن شبّت و بان نهودها

و قد درّعوها و هي ذات مؤصّد # مجوب و لمّا يلبس الدّرع ريدها[6]

من الخفرات البيض ودّ جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

في هذا البيت و أبيات أخر معه غناء يذكر بعد تمام هذا الخبر و ما يضاف إليه من جنسه. و أنشدهنّ أيضا:

قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه # و عزّة ممطول معنى غريمها

فقلن له: أبيت إلاّ عزّة!و أبرزنها إليه و هي كارهة. ثم أحبّته عزّة بعد ذلك أشدّ من حبّه إيّاها. قال الزّبير: فسألت محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الخزاعيّ المعروف بأبي جندل عن هذا الحديث، فعرفه و حدّثنيه عن أبيه عن جدّه عبد العزيز بن أبي جندل عن أمه جمعة بنت كثيّر عن أبيها.

سؤال عبد الملك لعزة عن كثير و سبب إعجابه بها:

و أخبرني عمي الحسن بن محمد الأصفهاني رحمه اللّه قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثنا النّضر بن عمرو قال حدّثني عمر بن عبد اللّه بن خالد المعيطيّ، و أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني إبراهيم بن إسحاق الطّلحيّ، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا/الزّبير قال حدّثني يعقوب بن عبد اللّه الأسديّ و غيره، قال الزبير و حدّثني محمد بن صالح الأسلميّ قال:

[1]لعله: «عن أبي بكر بن عبد العزيز» إلخ.

[2]في الأصول: «عبد الرحمن بن جندل» . و قد أصلحناه مما يأتي في الصفحة التالية.

[3]يحتمل أن يكون: «يسوق جلب غنم» .

[4]الجار: موضع على ثلاث مراحل من المدينة بساحل البحر. و الخبث في الأصل: المطمئن من الأرض فيه رمل، أو هو الوادي العميق الوطي‏ء ينبت ضروب العضاء، و اسم لعدة مواضع.

[5]في الأصول: «غريمتي» . و فعيل بمعنى مفعول إذا ذكر موصوفه يستوي فيه المذكر و المؤنث.

[6]المؤصد: صدار تلبسه الجارية (الفتاة الصغيرة) فإذا أدركت درّعت. و المجوب: الذي جعل له جيب. وريدها: تربها و ندها.

و الأصل في «الرئد» بالهمز.

21

دخلت عزّة على عبد الملك بن مروان و قد عجزت، فقال لها أنت عزّة كثير!فقالت: أبا عزّة بنت حميل.

قال: أنت التي يقول لك كثيّر:

لعزّة نار ما تبوخ‏[1]كأنها # إذا ما رمقناها من البعد كوكب‏

فما الذي أعجبه منك؟قالت: كلاّ يا أمير المؤمنين!فو اللّه لقد كنت في عهده أحسن من النار في الليلة القرّة. و في حديث محمد بن صالح الأسلميّ: فقالت له: أعجبه منّي ما أعجب المسلمين منك حين صيّروك خليفة. قال:

و كانت له سنّ سوداء يخفيها، فضحك حتى بدت. فقالت له: هذا الذي أردت أن أبديه. فقال لها: هل تروين قول كثيّر فيك:

و قد زعمت أنّي تغيّرت بعدها # و من ذا الّذي يا عزّ لا يتغيّر

تغيّر جسمي و الخليفة كالّتي # عهدت و لم يخبر بسرّك مخبر

قالت‏[لا[2]!]و لكني أروي قوله:

كأنّي أنادي صخرة حين أعرضت # من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت

صفوحا[3]فما تلقاك إلاّ بخيلة # فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت‏

فأمر بها فأدخلت على عاتكة بنت يزيد-و في غير هذه الرواية: أنها أدخلت على أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان- فقالت لها: أ رأيت قول كثيّر:

/

قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه # و عزّة ممطول معنى غريمها

ما هذا الذي ذكره؟قالت: قبلة وعدته إياها. قالت: أنجزيها و عليّ إثمها.

قصة غلام له مع عزة و إعتاقه بسبب ذلك:

أخبرنا الحسن بن الطيّب البجليّ الشّجاعيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال روى ابن جعدبة عن أشياخه، و أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا أبو بكر بن يزيد بن عياض بن جعدبة عن أبيه.

أنّ كثيّرا كان له غلام تاجر، فباع من عزّة بعض سلعه و مطلته مدّة و هو لا يعرفها. فقال لها يوما: أنت و اللّه كما قال مولاي:

قضى كلّ ذي دين فوفّى غريمه # و عزّة ممطول معنى غريمها

فانصرف عنه خجلة. فقالت له امرأة: أ تعرف عزّة؟قال: لا و اللّه!. قالت: فهذه و اللّه عزّة. فقال: لا جرم و اللّه لا آخذ منها شيئا أبدا و لا أقتضيها. و رجع إلى كثيّر فأخبره بذلك، فأعتقه و وهب له المال الذي كان في يده.

[1]تبوخ: تسكن.

[2]هذه الكلمة ساقطة من ب، س.

[3]صفوحا: معرضة صادّة.

22

لقيت قسيمة بنت عياض عزة و وصفتها:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يعقوب بن حكيم السّلميّ عن قسيمة بنت عياض بن سعيد الأسلميّة، و كنيتها أمّ البنين، قالت:

سارت علينا عزّة في جماعة من قومها بين يدي يربوع و جهينة، فسمعنا بها، فاجتمعت جماعة من نساء الحاضر أنا فيهن، فجئناها فرأينا امرأة حلوة حميراء[1]نظيفة، فتضاءلنا لها، و معها نسوة كلهن لها عليهن فضل من الجمال و الخلق، إلى أن تحدّثت ساعة فإذا هي أبرع الناس و أحلاهم حديثا، فما فارقناها إلاّ و لها علينا الفضل/في أعيننا، و ما نرى في الدّنيا امرأة تروقها[2]جمالا و حسنا و حلاوة.

سأل عبد الملك كثيّرا عن أعجب خبر له مع عزة فذكر له ملاقاتها له مع زوجها إذ أمرها بشتمه:

أخبرني عمّي قال حدّثني فضل اليزيديّ عن إسحاق الموصليّ عن أبي نصر (شيخ له) عن الهيثم بن عدي:

أنّ عبد الملك سأل كثيّرا عن أعجب خبر له مع عزّة، فقال:

حججت سنة من السنين و حج زوج عزة بها، و لم يعلم أحد منّا بصاحبه. فلمّا كنا ببعض الطريق أمرها زوجها بابتياع سمن تصلح به طعاما لأهل رفقته، فجعلت تدور الخيام‏[3]خيمة خيمة حتى دخلت إليّ و هي لا تعلم أنها خيمتي، و كنت أبري أسهما لي. فلما رأيتها جعلت أبري و أنا أنظر إليها و لا أعلم حتى بريت عظامي مرّات و لا أشعر به و الدم يجري. فلما تبيّنت ذلك دخلت إليّ فأمسكت يدي و جعلت تمسح الدم عنها بثوبها، و كان عندي نحي‏[4] من سمن، فحلفت لتأخذنّه، فأخذته و جاءت إلى زوجها بالسمن. فلما رأى الدم سألها عن خبره فكاتمته، حتى حلف لتصدقنّه فصدقته، فضربها و حلف لتشتمنّي في وجهي. فوقفت عليّ و هو معها فقالت لي: يا ابن الزانية و هي تبكي، ثم انصرفا. فذلك حين أقول:

يكلّفها الخنزير شتمي و ما بها # هواني و لكن للمليك استذلّت‏

نسبة ما في هذه القصيدة من الغناء:

صوت‏

خليليّ هذا رسم‏[5]عزّة فاعقلا # قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت

و ما كنت أدري قبل عزّة ما البكا # و لا موجعات القلب‏[6]حتّى تولّت

/فليت قلوصي عند عزّة قيّدت # بحبل ضعيف بان منها فضلّت

و أصبح في القوم المقيمين رحلها # و كان لها باغ سواي فبلّت‏[7]

[1]أي بيضاء. و العرب يقولون الأحمر و الحمراء في نعت الآدميين و يريدون الأبيض و البيضاء.

[2]لعله: «تفوقها» .

[3]نصب «الخيام» إما على حذف حرف الجر، و إما على تضمين «تدور» معنى تجوز المتعدّي.

[4]النحى: زق للسمن.

[5]في «كتاب الشعر و الشعراء» : «ربع عزة» .

[6]في جـ و «كتاب الشعر و الشعراء» : «موجعات الحزن» .

[7]يقال: بلت مطيته على وجهها إذا ذهبت في الأرض ضالة.

23

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة # إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت

أسيئي بنا أو أحسني، لا ملومة # لدينا و لا مقليّة إن تقلّت‏[1]

هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزّة من أعراضنا ما استحلّت

تمنّيتها حتّى إذا ما رأيتها # رأيت المنايا شرّعا قد أظلّت

كأنّي أنادي صخرة حين أعرضت # من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت

صفوحا فما تلقاك إلاّ بخيلة # فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت

أصاب الرّدى أن كان يهوى لك الرّدى # و جنّ اللواتي قلن عزّة جنّت‏

عروضه من الطويل. غنّى معبد في الخمسة الأول ثقيلا أوّل بالوسطى. و غنى إبراهيم في الثالث و الرابع ثقيلا أوّل بالبنصر عن عمرو، و غنّى في «هنيئا مريئا» و الذي بعده خفيف رمل بالوسطى. و غنّى إبراهيم في الخامس و ما بعده ثاني ثقيل. و ذكر الهشاميّ أنّ لابن سريج في «هنيئا مريئا» و ما بعده ثاني ثقيل بالبنصر. و ذكر أحمد بن المكيّ أن لإبراهيم في «كأني أنادي» و الذي بعده و في «أسيئي بنا أو أحسني» هزجا بالسبّابة في مجرى البنصر، و لإسحاق فيه هزج آخر به‏[2]. و لعريب في «كأني أنادي» أيضا رمل. و لإسحاق في «و ما كنت/أدري» ثقيل أوّل. و له في «أصاب الردى» ثقيل أوّل آخر، و قيل: إن لإبراهيم في «فقلت لها يا عزّ» خفيف ثقيل ينسب إلى دحمان و إلى سياط.

اجتمعا ذات ليلة و وصف ذلك صديق له:

أخبرني الحرميّ و حبيب بن نصر قالا حدّثنا الزّبير قال حدّثنا يعقوب بن حكيم عن إبراهيم بن أبي عمرو الجهنيّ عن أبيه قال:

سارت علينا عزّة في جماعة من قومها، فنزلت حيالنا. فجاءني كثيّر ذات يوم فقال لي: أريد أن أكون عندك اليوم فأذهب إلى عزّة، فصرت به إلى منزلي. فأقام عندي حتى كان العشاء، ثم أرسلني إليها و أعطاني خاتمه و قال:

إذا سلّمت فستخرج إليك جارية، فادفع إليها خاتمي و أعلمها مكاني. فجئت بيتها فسلّمت فخرجت إليّ الجارية فأعطيتها الخاتم. فقالت: أين الموعد؟قلت: صخرات أبي عبيد الليلة، فواعدتها هناك، فرجعت إليه فأعلمته.

فلما أمسى قال لي: انهض بنا، فنهضنا[3]فجلسنا هناك نتحدّث حتى جاءت من الليل فجلست فتحدّثا فأطالا، فذهبت لأقوم. فقال لي: إلى أين تذهب؟فقلت: أخلّيكما ساعة لعلكما تتحدّثان ببعض ما تكتمان. قال لي:

اجلس!فو اللّه ما كان بيننا شي‏ء قطّ. فجلست و هما يتحدّثان و إنّ بينهما لثمامة[4]عظيمة هي من ورائها جالسة حتى أسحرنا، ثم قامت فانصرفت، و قمت أنا و هو، فظلّ عندي حتى أمسى ثم انطلق.

سامته سكينة بجمله فلما رأى عزة معها تركه لهم:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد اللّه بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي قال:

[1]تقلى: تبغض. أي لا هي ملومة لدينا و لا مقلية إن تقلت أي تبغضت. خاطبها أوّلا ثم غائب أي ذكرها بضمير الغيبة.

[2]لعله: «بها» أي بالسبابة في مجرى البنصر.

[3]في جـ: «فمضينا» .

[4]كذا في «تجريد الأغاني» و الثمام: نبت ضعيف شبيه بالخوص. و في الأصول: «لهامة» و هو تحريف. ـ

24

خرج كثيّر في الحاجّ بجمل له يبيعه، فمرّ بسكينة بنت الحسين و معها عزّة و هو لا يعرفها. فقالت سكينة: هذا كثيّر فسوموه بالجمل، فساموه فاستام مائتي درهم فقالت: ضع عنّا فأبى. فدعت له بتمر و زبد فأكل، ثم قالت له:

ضع عنا كذا و كذا (لشي‏ء يسير) فأبى. فقالوا: قد أكلت يا كثيّر بأكثر مما نسألك!فقال:

/ما أنا بواضع شيئا. فقالت سكينة: اكشفوا، فكشفوا عنها و عن عزّة. فلما رآهما استحيا و انصرف و هو يقول: هو لكم هو لكم!.

قال بعض الرواة إنه لم يكن صادقا في عشقه:

من ذكر أن كثيّرا كان يكذب في عشقه:

أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا ابن سلاّم قال:

كان كثيّر مدّعيا و لم يكن عاشقا، و كان جميل صادق الصّبابة و العشق.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال‏[1]زعم إسحاق بن إبراهيم أنه سمع أبا عبيدة يقول: كان جميل يصدق في حبه، و كان كثيّر يكذب.

و مما وجدناه في أخباره و لم نسمعه من أحد أنه نظر إلى عزّة ذات يوم و هي منتقبة تميس في مشيتها، فلم يعرفها كثيّر، فاتّبعها و قال: يا سيّدتي!قفي حتّى أكلّمك فإني لم أر مثلك قطّ، فمن أنت ويحك؟قالت: ويحك! و هل تركت عزّة فيك بقيّة لأحد؟قال: بأبي أنت!و اللّه لو أنّ عزّة أمة لي لوهبتها لك.

قالت: فهل لك في المخاللة؟قال: و كيف لي بذلك؟قالت: أنّي و كيف بما قلت في عزّة؟!قال: أقلبه فأحوّله إليك. فسفرت عن وجهها ثم قالت: أ غدرا يا فاسق و إنك لهكذا!فأبلس‏[2]و لم ينطق و بهت. فلما مضت أنشأ يقول:

ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي # من السمّ جدحات‏[3]بماء الذّرارح

فمتّ و لم تعلم عليّ خيانة # و كم طالب للريح ليس برابح

/أبوء بذنبي إنني قد ظلمتها # و إني بباقي سرّها غير بائح‏

لقي عزة في طريقه إلى مصر و تعاتبا:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة قال زعم ابن الكلبيّ عن أبي المقوّم قال أخبرني سائب راوية كثيّر قال:

خرجت معه نريد مصر، فمررنا بالماء الذي فيه عزّة فإذا هي في خباء، فسلّمنا جميعا، فقالت عزة: و عليك السلام يا سائب. ثم أقبلت على كثيّر فقالت: ويحك!أ لا تتّقي اللّه!أ رأيت قولك:

بآية ما أتيتك أمّ عمرو # فقمت لحاجتي و البيت خالي‏

[1]في جـ: «زعم لي إسحاق بن إبراهيم... إلخ» .

[2]أبلس: سكت و تحير.

[3]في ب، س: «بخضخاض» . و في سائر الأصول: «بخدخاد» . و التصويب عن «تجريد الأغاني» . و الجدحة اللتة؛ يقال: جدح السويق: إذالته. و الذرارح: دويبات أعظم من الذباب شيئا مجزعة مبرقشة بحمرة و سواد و صفرة لها أجنحة تطير بها و هي سم قاتل.

25

أ خلوت معك في بيت أو غير بيت قطّ؟!قال. لم أقله، و لكنني قلت:

فأقسم لو أتيت البحر يوما # لأشرب ما سقتني من بلال

و أقسم إنّ حبّك أمّ عمرو # لداء عند[1]منقطع السّعال‏

قالت: أمّا هذا فنعم. فأتينا عبد العزيز[2]ثم عدنا، فقال كثيّر: عليك السلام يا عزّة قالت: عليك السلام يا جمل.

فقال كثيّر.

صوت‏

حيتك عزّة بعد الهجر فانصرفت # فحيّ وحيك من حيّاك يا جمل

لو كنت حيّيتها ما زلت ذا مقة[3] # عندي و ما مسّك الإدلاج و العمل

ليت التحيّة كانت لي فأشكرها # مكان يا جمل حيّيت يا رجل‏

ذكر يونس أنّ في هذه الأبيات غناء لمعبد. و ذكر الهشاميّ أن فيها لبثينة خفيف رمل بالبنصر. و ذكر حبش أنّ فيها للغريض خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، و لإبراهيم ثاني ثقيل بالوسطى.

قصته مع أم الحويرث الخزاعية و حديث عشقه لها:

أخبرني عمّي قال حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني عليّ بن محمد البرمكيّ قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ قال:

قدم عليّ هشام بن محمد الكلبيّ فسألته عن العشّاق يوما فحدّثني قال: تعشّق كثيّر امرأة من خزاعة يقال لها أمّ الحويرث فنسب بها، و كرهت أن يسمّع بها و يفضحها كما سمّع بعزّة، فقالت له: إنك رجل فقير لا مال لك، فابتغ ما لا يعفّى‏[4]عليك ثم تعال فاخطبني كما يخطب الكرام. قال: فاحلفي لي و وثّقي أنّك لا تتزوّجين حتى أقدم عليك، فحلفت و وثّقت له. فمدح عبد الرحمن بن إبريق‏[5]الأزديّ، فخرج إليه، فلقيته ظباء سوانح و لقي غرابا يفحص التراب بوجهه، فتطيّر من ذلك حتى قدم على حيّ من لهب‏[6]فقال: أيّكم يزجر؟فقالوا: كلّنا، فمن تريد؟ قال: أعلمكم بذاك. قالوا: ذاك الشيخ المنحني الصّلب. فأتاه فقصّ عليه القصة، فكره ذلك له و قال له: قد توفّيت أو تزوجت رجلا من بني عمّها. فأنشأ يقول:

صوت‏

تيمّمت لهبا أبتغى العلم عندهم # و قد ردّ علم العائفين إلى لهب‏

[1]كذا في «تجريد الأغاني» . و يعني بمنقطع السعال: الصدر. و قد ورد هذا الشعر في كتاب «الشعر و الشعراء» هكذا: «لدى جنبي و منقطع السعال» . و في الأصول: «لداء عند منقطع السؤال» و هو تحريف.

[2]يريد عبد العزيز بن مروان والي مصر من قبل أخيه عبد الملك بن مروان.

[3]المقة: المحبة.

[4]أي يصلحك و يحل الغنى منك محل الفقر.

[5]في «تجريد الأغاني» : «عبد الرحمن بن الأبرش الأزدي» .

[6]لهب: قبيلة من اليمن معروفة بالعيافة و زجر الطير.

26

تيمّمت شيخا منهم ذا بجالة[1] # بصيرا بزجر الطير منحنى الصّلب

فقلت له ما ذا ترى في سوانح # و صوت غراب يفحص الوجه بالتّرب

/فقال جرى الطير السّنيح ببينها # و قال غراب جدّ منهمر السّكب

فإلاّ تكن ماتت فقد حال دونها # سواك خليل باطن من بني كعب‏

-غنّاه مالك من رواية يونس و لم يجنّسه-قال: فمدح الرجل الأزديّ ثم أتاه فأصاب منه خيرا كثيرا، ثم قدم عليها فوجدها قد تزوجت رجلا من بني كعب، /فأخذه الهلاس‏[2]، فكشح‏[3]جنباه بالنار. فلما اندمل‏[4]من علّته وضع يده على ظهره فإذا هو برقمتين، فقال: ما هذا؟قالوا: إنه أخذك الهلاس و زعم الأطبّاء أنه لا علاج لك إلاّ الكشح بالنار فكشحت بالنار. فأنشأ يقول:

صوت‏

عفا اللّه عن أمّ الحويرث ذنبها # علام تعنّيني و تكمي‏[5]دوائيا

فلو آذنوني‏[6]قبل أن يرقموا بها # لقلت لهم أمّ الحويرث دائيا

-في هذين البيتين لمالك ثقيل أوّل بالوسطى. و لابن سريج رمل بالبنصر كلاهما عن عمرو و الهشاميّ. و قيل:

إن فيهما لمعبد لحنا-و قد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة و لم يتجاوزاه بالرواية فذكر نحو هذا و قال فيه: إنه قصد ابن الأزرق بن حفص بن المغيرة المخزوميّ الذي كان باليمن، و إنه فعل ذلك بعد موت عزّة. و سائر الخبر متقارب.

سأله ابن جعفر عن سبب هزاله فأجابه:

و أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن محمد بن سليمان بن فليح أو فليح بن سليمان-أنا شككت-عن أبيه عن جدّه قال:

جاء كثيّر إلى عبد اللّه بن جعفر و قد نحل و تغيّر. فقال له عبد اللّه: ما لي أراك متغيرا يا أبا صخر؟قال: هذا ما عملت بي أمّ الحويرث، ثم ألقى قميصه فإذا به قد صار مثل القشّ و إذا به آثار من كيّ، ثم أنشده:

عفا اللّه عن أمّ الحويرث ذنبها

الأبيات.

[1]ذا بجالة: يبجله الناس و يعظمونه.

[2]الهلاس: داء يهزل الجسم أو هو السل.

[3]الكشح: الكيّ بالنار.

[4]أي تماثل و تراجع للبرء.

[5]تكمي: تستر.

[6]كذا في «تجريد الأغاني» : و في الأصول: «و لو لا ذنوبي» و هو تحريف.

27

أغرت عزة به بثينة لتتبين حاله:

أخبرني عمّي قال حدّثني ابن أبيّ قال حدّثني الحزاميّ عمن حدّثه من أهل قديد[1]:

أنّ عزّة قالت لبثينة: تصدّي لكثيّر و أطمعيه في نفسك حتى أسمع ما يجيبك به. فأقبلت إليه و عزّة تمشي وراءها مختفية، فعرضت عليه الوصل، فقاربها ثم قال:

رمتني على عمد بثينة بعد ما # تولّى شبابي و ارججنّ‏[2]شبابها

و ذكر أبياتا[3]أخر سقط من الكتّاب ذكرها. فكشفت عزّة عن وجهها، فبادرها الكلام ثم قال:

و لكنّما ترمين نفسا مريضة # لعزّة منها صفوها و لبابها

فضحكت ثم قالت: أولى لك بها قد نجوت، و انصرفتا تتضاحكان.

قال لأهله إذ بكوا في مرضه سأرجع بعد أيام:

أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهري قال:

بكى بعض أهل كثيّر عليه حين نزل به الموت. فقال له كثيّر: لا بتك، فكأنّك بي بعد أربعين ليلة تسمع خشفة[4]نعلى من تلك الشّعبة راجعا إليكم.

مات هو و عكرمة في يوم واحد سنة 105:

أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدّثنا محمد بن سلاّم قال حدّثني ابن جعدبة و أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال:

مات كثيّر و عكرمة مولى ابن عبّاس في يوم واحد، فاجتمعت قريش في جنازة كثيّر، و لم يوجد لعكرمة من يحمله.

/أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن مصعب قال/حدّثني الواقديّ قال حدّثني خالد بن القاسم البياضيّ قال:

مات عكرمة مولى ابن عبّاس و كثيّر بن عبد الرحمن الخزاعيّ صاحب عزّة في يوم واحد في سنة خمس و مائة، فرأيتهما جميعا صلّي عليهما في يوم واحد بعد الظهر في موضع الجنائز، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس و أشعر الناس.

ما جرى في جنازته بين أبي جعفر الباقر و زينب بنت معيقب:

و قال ابن أبي سعد الورّاق حدّثني رجاء بن سهل أبو نصر الصاغانيّ قال حدّثنا يحيى بن غيلان قال حدّثني المفضّل بن فضالة عن يزيد بن عروة قال:

[1]قديد: اسم موضع قرب مكة.

[2]أرججن شبابها: يريد اهتز نضارة و حسنا.

[3]في جـ: «و ذكر بيتا آخر سقط من الكتاب» .

[4]خشفة النعل: صوتها.

28

مات عكرمة و كثيّر عزّة في يوم واحد، فأخرجت جنازتاهما، فما علمت تخلّفت امرأة بالمدينة و لا رجل عن جنازتيهما. قال: و قيل مات اليوم أشعر الناس و أعلم الناس. قال: و غلب النساء على جنازة كثيّر يبكينه و يذكرن عزّة في ندبتهنّ له. قال: فقال أبو جعفر محمد[1]بن عليّ: افرجوا لى عن جنازة كثيّر لأرفعها. قال: فجعلنا ندفع عنها النساء و جعل يضربهنّ محمد بن عليّ بكمّه و يقول: تنحّين يا صواحبات يوسف. فانتدبت له امرأة منهنّ فقالت:

يا ابن رسول اللّه لقد صدقت، إنّا لصواحبات يوسف و قد كنّا له خيرا منكم له. قال: فقال أبو جعفر لبعض مواليه:

احتفظ بها حتى تجيئني بها إذا انصرفنا. قال: فلما انصرف أتي بتلك المرأة كأنها شرارة النار. فقال لها محمد بن عليّ: أنت القائلة إنّكن ليوسف خير منّا؟قال: نعم!تؤمنني غضبك يا ابن رسول اللّه؟قال: أنت آمنة من غضبي فأبيني. قالت: نحن يا ابن رسول اللّه دعوناه إلى اللذّات من المطعم/و المشرب و التمتّع و التنعّم، و أنتم معاشر الرجال ألقيتموه في الجبّ و بعتموه بأبخس الأثمان و حبستموه في السّجن. فأيّنا كان عليه أحنى و به‏[2]أرأف؟!فقال محمد: للّه درّك!و لن تغالب امرأة إلاّ غلبت. ثم قال لها: أ لك بعل؟قالت: لي من الرجال من أنا بعله. قال: فقال أبو جعفر: صدقت، مثلك من تملك بعلها و لا يملكها. قال: فلما انصرفت قال رجل من القوم: هذه زينب بنت معيقب‏[3].

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء:

صوت‏

نظرت إليها نظرة و هي عاتق # على حين أن شبّت و بان نهودها

نظرت إليها نظرة ما يسّرني # بها حمر أنعام البلاد و سودها

و كنت إذا ما جئت سعدى بأرضها # أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها

من الخفرات البيض ودّ جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

عروضه من الطويل. البيت الأول لكثيّر، و الثاني و الثالث لنصيب من قصيدته التي أوّلها:

لقد هجرت سعدى و طال صدودها غنّى في البيت الثاني و الثالث جحدر الراعي خفيف رمل بالبنصر. و غنّى فيهما الهذليّ رملا بالوسطى. و غنّى في الثالث و الرابع دعامة ثقيلا أوّل بالبنصر.

عمر الوادي يأخذ صوتا عن راعي غنم في شعر له:

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال عمر الواديّ، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني مكين العذريّ قال:

/سمعت عمر الواديّ يقول: بينا أنا أسير بين الرّوحاء و العرج إذ سمعت إنسانا يغنّي غناء لم أسمع/قطّ مثله في بيتي كثيّر:

[1]هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر المدني المعروف بالباقر توفي سنة 114 هـ.

[2]في الأصول: «فأينا كان به أحنى و عليه أرأف» . و التصويب عن «تجريد الأغاني» .

[3]في جـ: «معيقيب» .

29

و كنت إذا ما جئت سعدى بأرضها # أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها

من الخفرات البيض ودّ جليسها # إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

قال: فكدت أسقط عن راحلتي طربا، و قلت: و اللّه لألتمسنّ الوصول إلى هذا الصوت و لو بذهاب عضو من أعضائي، فتيمّمت سمته‏[1]فإذا راع في غنم، فسألته إعادته عليّ. قال: نعم!و لو حضرني قرى أقريكه ما أعدته، و لكنّي أجعله قراك، فربما ترنّمت به و أنا غرثان فأشبع، و عطشان فأروى، و مستوحش فآنس، و كسلان فأنشط.

قال: فأعادهما عليّ حتى أخذتهما، فما كان زادي حتى و لجت المدينة غيرهما.

[1]سمته: ناحيته و جهته.

30

2-أخبار عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر

كان عالما و مغنيا و نسب غناءه لجاريته شاجي ترفعا:

هو عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين، و يكنى أبا أحمد. و له محلّ من الأدب و التصرّف في فنونه و رواية الشعر و قوله و العلم باللغة و أيّام الناس و علوم الأوائل من الفلاسفة في الموسيقى و الهندسة و غير ذلك مما يجلّ عن الوصف و يكثر ذكره. و له صنعة في الغناء حسنة متقنة عجيبة تدلّ على ما ذكرناه هاهنا من توصّله إلى ما عجز عنه الأوائل من جمع النّغم كلّها في صوت واحد تتبّعه هو و أتى به على فضله فيها و طلبه لها. و كان المعتضد باللّه، رحمة اللّه عليه، ربما كان أراد أن يصنع في بعض الأشعار غناء و بحضرته أكابر المغنّين مثل القاسم بن زرزور و أحمد بن المكيّ و من دونهما مثل أحمد بن أبي العلاء و طبقتهم، فيعدل عنهم إليه فيصنع فيها أحسن صنعة، و يترفّع عن إظهار نفسه بذلك، و يومئ إلى أنه من صنعة جاريته شاجي‏[1]، و كانت إحدى المحسنات المبرّزات المقدّمات؛ و ذلك بتخريجه و تأديبه، و كان بها معجبا و لها مقدّما.

كان المعتضد يتفقده لما رقت حاله و طلب منه جاريته ليسمع غناءها فأرسلها له:

فأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: لمّا اختلت حال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر كان المعتضد يتفقّده بالصّلات الفينة بعد الفينة. و اتّفق يوما كان فيه مصطبحا أن غنّي بصوت الصنعة فيه لشاجي جارية عبيد اللّه؛ فكتب إليه كتابا يقسم أن يأمرها بزيارته ففعل. قال: فحدّثني من حضر من المغنّيات ذلك المجلس بعد موت المعتضد قالت: دخلت إلينا و ما منّا إلاّ من يرفل في الحليّ و الحلل و هي في أثواب ليست كثيابنا، فاحتقرناها؛ فلمّا غنّت احتقرنا أنفسنا. و لم تزل تلك حالنا حتى صارت في أعيننا كالجبل و صرنا كلا شي‏ء. قال: و لمّا انصرفت أمر لها /المعتضد بمال و كسوة. و دخلت إلى مولاها فجعل يسألها عن أمرها و ما رأت مما استظرفت و سمعت مما استغربت. فقالت: ما استحسنت هناك شيئا و لا استغربته من غناء و لا غيره إلا عودا من عود محفور[2]فإنّي استظرفته. قال جحظة: فما قولك فيمن يدخل دار الخلافة فلا يمدّ عينه لشي‏ء يستحسنه فيها إلا عودا!.

كانت شاجي جاريته تلحن للمعتضد بعض الشعر:

قال محمد بن الحسن الكاتب و حدّثني النّوشجانيّ قال:

كان المعتضد إذا استحسن شعرا بعث به إلى شاجي جارية عبيد اللّه بن طاهر فتغنّى فيه. قال: و كانت صنعتها تسمّى في عصره غناء الدار.

[1]في «نهاية الأرب» (جـ 5 ص 66) : «ساجي» بالسين المهملة.

[2]كذا في أ، م و «نهاية الأرب» . و في سائر الأصول: «مفحور» و هو تحريف.

31

ماتت شاجي فرثاها:

قال محمد بن الحسن: و ماتت شاجي في حياة/عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر و كان عليلا، فقال يرثيها-و له فيه صنعة من خفيف الثّقيل الأوّل بالوسطى-:

يمينا يقينا لو بليت بفقدها # و بي نبض عرق للحياة أو النّكس

لأوشكت قتل النفس قبل فراقها # و لكنها ماتت و قد ذهبت نفسي‏

له كتاب الآداب الرفيعة في الغناء:

و من نادر صنعة عبيد اللّه و جيّد شعره قوله-و له فيه لحنان ثقيل أوّل و هزج، و الثقيل الأوّل أجودهما-:

أنفق إذا أيسرت غير مقتّر # و أنفق على ما خيلت حين تعسر

غير الجود يفنى المال و المال مقبل‏[1] # و لا البخل يبقي المال و الجدّ مدبر

و أشعاره كثيرة جيّدة كثيرة النادر و المختار. و كتابه في النّغم و علل الأغاني المسمّى «كتاب الآداب الرفيعة» كتاب مشهور جليل الفائدة دالّ على فضل مؤلّفه.

قص عليه الزبير بن بكار قصة فاستحسنها و أمر له بمال:

أخبرني جحظة قال حدّثني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني موسى بن هارون، فيما أرى، قال:

/كنت عند عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر و قد جاءه الزّبير بن بكّار فأعلمه أن المتوكّل أو المعتزّ-و أراه المعتزّ- بعث إلى أخيه محمد بن عبد اللّه بن طاهر يأمر بإحضاره و تقليده القضاء. فقال له الزّبير بن بكّار: قد بلغت هذه السّنّ و أتولى القضاء!أ و بعد ما رويت أنّ من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكّين!فقال له: فتلحق بأمير المؤمنين بسرّ من رأى، فقال له: أفعل. فأمر له بمال ينفقه، و بظهر يحمله و يحمل ثقله. ثم قال له: إن رأيت يا أبا عبد اللّه أن تفيدنا شيئا قبل أن نفترق!قال: نعم!انصرفت من عمرة المحرّم؛ فبينا أنا بأثاية[2]العرج، إذا أنا بجماعة مجتمعة، فأقبلت إليهم و إذا رجل كان يقنص الظباء و قد وقع ظبي في حبالته فذبحه، فانتفض في يده فضرب بقرنه صدره فنشب القرن فيه فمات. و أقبلت فتاة كأنها المهاة، فلما رأت زوجها ميّتا شهقت ثم قالت:

يا حسن لو بطل لكنّه أجل # على الأثاية ما أودى به البطل

يا حسن جمّع أحشائي و أقلقها # و ذاك يا حسن لو لا غيره جلل

أضحت فتاة نهد علانية # و بعلها بين أيدي القوم محتمل‏

قال: ثم شهقت فماتت. فما رأيت أعجب من الثلاثة: الظبي مذبوح، و الرجل جريح ميت، و الفتاة ميتة[حرّى‏[3]].

[1]الرواية المشهورة: «و الجد مقبل» .

[2]الأثاية: موضع في طريق الجحفة بينه و بين المدينة خمسة و عشرون فرسخا و هو بين الرويثة و العرج، مر به النبي صلى اللّه عليه و سلم في خرجة له إلى مكة و هو محرم. و رواه بعضهم «أثاثة» بثاء مثلثة أخرى كما ورد في الأصول، و رواه آخرون «أثانة» بالنون. و كلاهما خطأ. راجع «معجم البلدان» لياقوت و «معجم ما استعجم» للبكري.

[3]زيادة عن جـ.

32

فأمر له عبيد اللّه بمال آخر. ثم أقبل إلى أخيه محمد بن عبد اللّه بعد خروج الزبير فقال: أما إنّ الذي أخذناه من الفائدة في خبر حسن و في قولها[1]:

أضحت فتاة بني نهد علانية

/-تريد ظاهرة-أكثر عندي مما أعطيناه من الحباء و الصّلة. و قد أخبرني الحسين بن عليّ عن الدمشقيّ عن الزبير بخبر حسن فقط، و لم يذكر فيه من خبر عبيد اللّه شيئا.

و من الأصوات التي تجمع النّغم العشر

:

صوت‏
لحنه في شعر ابن هرمة يجمع النغم العشر:

/و هو يجمع النّغم العشر كلّها على غير توال:

و إنّك إذا أطمعتني منك بالرّضا # و أيأستني من بعد ذلك بالغضب

كممكنة من ضرعها كفّ حالب # و دافقة من بعد ذلك ما حلب‏

عروضه من الطويل. الشعر لإبراهيم بن عليّ بن هرمة. و الغناء في هذا اللحن الجامع للنّغم لعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها و عليها ابتدأ الصوت.

أثبت في كتابه نقد أبي نواس لشعر لابن هرمة و شعر لجرير:

و قال عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات حدّثني بعض أصحابنا عن أبي نواس أنه قال: شاعران قالا بيتين وضعا التشبيه فيهما في غير موضعه. فلو أخذ البيت الثاني من شعر أحدهما فجعل مع بيت الآخر، و أخذ بيت ذاك فجعل مع هذا لصار متّفقا معنى و تشبيها. فقلت له: أنّى ذلك؟فقال: قول جرير للفرزدق:

فإنك إذ تهجو تميما و ترتشى # تبابين‏[2]قيس أو سحوق العمائم

كمهريق ماء بالفلاة و غرّه # سراب أذاعته رياح السّمائم‏

و قول ابن هرمة:

و إنّي و تركي ندى الأكرمين # و قدحي بكفّيّ زندا[3]شحاحا

/كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا

فلو قال جرير:

فإنك إذ تهجو تميما و ترتشي # تبابين قيس أو سحوق العمائم‏

[1]في الأصول: «و في قوله» . و التصويب عن «تجريد الأغاني» .

[2]التبابين: جمع تبان و هو سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط يكون للملاحين. و السحوق: جمع سحق، و هو الثوب الخلق البالي.

[3]كذا في «أكثر الأصول و اللسان» مادة شح. و زند شحاح: لا يورى. و في ب، س، هنا و فيما سيأتي في جميع الأصول: «زنادا شحاحا» .

33

كتاركة بيضها بالعراء # و ملبسة بيض أخرى جناحا

لكان أشبه منه ببيته. و لو قال ابن هرمة مع بيته:

و إني و تركي ندى الأكرمين # و قدحي بكفّيّ زندا شحاحا

كمهريق ماء بالفلاة و غرّه # سراب أذاعته رياح السمائم‏

كان أشبه به. ثم قال: و لكن ابن هرمة قد تلافى ذلك بعد فقال:

و إنك إذ أطمعتني منك بالرضا # و أيأستني من بعد ذلك بالغضب

كممكنة من ضرعها كفّ حالب # و دافقة من بعد ذلك ما حلب‏

و قد أتى عبيد اللّه بن عبد اللّه بهذا الكلام بعينه في «الآداب الرفيعة» [1]. و إنما أخذه من أبي نواس على ما روي عنه.

و مما يجمع النغم العشر صوت ابن أبي مطر في شعر نصيب:

و وجدت في كتاب مؤلّف في النّغم غير مسمّى الصانع: أنّ من الأصوات التي تجمع النّغم العشر صوت ابن أبي مطر المكيّ في شعر نصيب و هو:

صوت‏

ألا أيّها الرّبع المقيم بعنبب‏[2] # سقتك السّوافي من مراح و معزب

بذي هيدب أمّا الرّبى تحت ودقه # فتروى و أمّا كلّ واد فيزعب‏[3]

/عروضه من الطويل. و يروى «الربع الخلاء بعنبب» أي الخالي. و عنبب: موضع، و يروى «سقتك الغوادي من مراد» . و المراد. الموضع الذي يرتاد فيرعى فيه الكلأ. و المراح: الموضع/الذي تروح إليه المواشي و تبيت فيه‏[4].

و في الحديث أنه رخّص في الصلاة في مراح الغنم و نهى عنها في أعطان الإبل. و المعزب: الموضع الذي يعزب فيه الرجل عن البيوت و المنازل. و أصل العزوب: البعد يقال عزب عنه رأيه و حلمه أي بعد، و العزب مأخوذ من ذلك.

و هيدب السماء أطراف‏[5]تراه في أذنابه كأنه معلّق به. قال أوس‏[6]بن حجر:

دان مسفّ فويق الأرض هيدبه # يكاد يدفعه من قام بالراح‏

و يزعب: يطفح، يقال: زعبه السيل إذا ملأه‏[7]. الشعر لنصيب يقوله في عبد العزيز بن مروان.

[1]في الأصول هنا: «الآداب التسعة» و هو تحريف، و قد تقدّم اسم هذا الكتاب.

[2]عنبب (بضم العين و سكون النون و ضم الباء الأولى كما رواه السكري، و في أمثلة سيبويه أنه بفتح الباء) : موضع.

[3]أورد صاحب «اللسان» هذا البيت في مادة «رعب» بالراء المهملة. و رعب و زعب بمعنى، يستعملان لازمين فيقال رعب الوادي أو زعب إذا تملأ، و متعديين فيقال رعب السيل الوادي أو زعبه إذا ملأه. و روي في البيت أيضا «فيروي» بضم الياء و كسر الواو، و بنصب «كل» على أن تكون «الربى» «و كل واد» مفعولين مقدمين. (راجع «اللسان» في مادة رعب) .

[4]هذا المعنى للمراح بضم الميم. و أما بفتحها فهو الموضع الذي يروح إليه القوم أو يروحون منه كالمغدي للموضع الذي يغدي منه أو إليه.

[5]كذا في الأصول. و لعل صوابه: «أطراف تراها في أذنابه كأنها معلقة به» . و المراد بالسماء السحاب.

[6]لقد ورد في «اللسان» في مادتي «هدب و سف» أن هذا البيت يروى أيضا لعبيد بن الأبرص.

[7]في الأصول: «إذا علاه» و التصويب عن «معاجم اللغة» . و قول المؤلف «يطفح» تفسير لمعنى الفعل لازما. و قوله بعد ذلك: «يقال زعبه السيل إذا ملأه» تفسير لمعناه متعديا. فكان ينبغي أن يكون «و يقال... إلخ» بالواو للدلالة على أنه لازم و متعد.

34

وفد نصيب على عبد العزيز بن مروان و مدحه فأجازه:

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني جميع بن عليّ النّميريّ عن عبد اللّه بن عبد العزيز بن محجن بن النّصيب، قال الزبير و كتب إليّ بذلك عبد اللّه بن عبد العزيز يذكره عن عوضة بنت النّصيب قالت:

وفد أبي على عبد العزيز بن مروان بمصر، فوقف على الباب فاستأذن فلم يؤذن له. فأرسل إليه حاجبه فقال:

استنشده، فإن كان شعره رديئا فاردده، و إن كان جيّدا/فأدخله. فقال نصيب: قد جلبنا شيئا للأمير، فإن قبله نشرناه عليه و إلاّ طويناه و رجعنا به. فقال عبد العزيز: إنّ هذا لكلام رجل ذهن، فأدخله. فلمّا واجهه أنشده قصيدته التي يقول فيها:

ألا هل أتى الصقر بن مروان أنّني # أردّ لدي الأبواب عنه و أحجب

و أنّي ثويت اليوم و الأمس قبله # على الباب حتى كادت الشمس تغرب

و أنّي إذا رمت الدخول تردّني # مهابة قيس و الرّتاج المضبّب‏[1]

قال: و كان حاجب عبد العزيز يسمى قيسا. قال: و تشبيب هذه القصيدة:

ألا أيها الرّبع المقيم بعنبب # سقتك السّواقي من مراح و معزب‏

قال: فلمّا دخل على عبد العزيز أعجب بشعره و أوجهه‏[2]، و قال للفرزدق: كيف تسمع هذا الشعر؟قال: حسن إلاّ من لغته. قال: هذا و اللّه أشعر منك!. قال: و قال نصيب فيها أيضا:

و أهلي بأرض نازحون و ما لهم # كاسب غيري و لا متقلّب

فهل تلحقنّيهم بعبل‏[3]مواشك # على الأين من نجب ابن مروان أصهب

أبو بكرات إن أردت افتحاله # و ذو ثبتات بالرّديفين متعب‏

فقال له عبد العزيز: أدخل على المهاري‏[4]فخذ منها ما شئت، فلو كنت سألت غيره لأعطيته. فدخل فردّه الجمّال.

فقال عبد العزيز: دعه فإنما يأخذ الذي نعت، فأخذه.

/قال الزّبير و حدّثني بعض أصحابنا عن محمد بن عبد العزيز قال:

نزل عبد العزيز بن عبد الوهّاب على المهدي بعنبب من وادي السّراة الذي عنى نصيب بقوله:

ألا أيها الرّبع الخلاء بعنبب‏

و المهدي‏[5]هو الذي يقول فيه الشاعر:

اسلمي يا دار من هند # بالسّويقات إلى المهدي‏

[1]رتاج مضبب: مجعولة له ضبة.

[2]أوجهه: جعله وجيها و شرفه.

[3]العبل: الضخم. و المواشك: السريع. و الأين: الإعياء و التعب. و في هذا البيت إقواء.

[4]المهرية: إبل منسوبة إلى مهرة بن حيدان و هو أبو قبيلة.

[5]الظاهر أنه اسم موضع و لم نقف عليه. (و سويقة) : اسم لمواضع كثيرة. و لعل «السويقات» موضع بعينه.

35

صوت له يجمع ثماني نغم و قد مدحه إسحاق‏

صوت‏

و هو يجمع من النّغم ثمانيا:

يا من لقلب مقصر # ترك المنى لفواتها

/و تظلّف النفس التي # قد كان من حاجاتها

و طلابك الحاجات من # سلمى و من جاراتها

كتطرّد العنس الذّمو # ل‏[1]الفضل من مثناتها

قوله: «يا من لقلب مقصر» تأسّف على شبابه، و يدلّ على ذلك قوله:

و تظلّف النفس التي # قد كان من حاجاتها

يقال: اظلف نفسك عن كذا أي أمنعها منه لئلا بكون لها أثر فيه. و هو مأخوذ من ظلف الأرض و هو المكان‏[2]الذي لا أثر فيه. قال عوف بن الأحوص:

أ لم أظلف‏[3]عن الشعراء عرضي # كما ظلف الوسيفة بالكراع‏

/الوسيقة: الجماعة من الإبل. يعني أنها تساق فلا يوجد لها أثر في الكراع، و هو منقطع الجبل. قال الشاعر:

أمست كراع الغميم‏[4]موحشة # بعد الذي قد خلا، من العجب‏

و قوله:

كتطرّد العنس الذّمو # ل الفضل من مثناتها

يقول: طلابك هذه الحاجات ضلال و تتابع كتطرّد العنس (و هي الناقة المذكّرة الخلق) الفضل من مثناتها. و التطرّد:

التتبّع، و مثله قول الشاعر:

خبطت الصّبا خبط البعير خطامه # فلم أنتبه للشّيب حتى علانيا

الشعر لمسافر بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس. و الغناء لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. و هذا الصوت يجمع من النّغم ثمانيا، و كذلك ذكر إسحاق و وصف أنه لم يجمع شي‏ء من الغناء قديمه و حديثه إلى عصره من النغم ما جمعه هذا الصوت، و وصف أنه لو تلطّف متلطّف لأن يجمع النّغم العشر في صوت واحد لأمكنه ذلك، بعد أن يكون فهما بالصناعة طويل المعاناة لها و بعد أن يتعب نفسه في ذلك حتى يصحّ له. فلم يقدر على ذلك سوى عبيد اللّه بن عبد اللّه إلى وقتنا هذا.

[1]ناقة ذمول: تسير سيرا سريعا لينا. و المثناة الحبل.

[2]أي المكان الصلب الذي لا يبقى فيه أثر للمشي.

[3]أي عميت عليهم أثري. و قوله: «كما ظلف الوسيقة بالكراع» قال ابن الأعرابي: هذا رجل سل إبلا فأخذ في كراع من الأرض لئلا تستبين آثارها فتتبع. (عن «لسان العرب» مادة ظلف) .

[4]كراع الغميم: موضع بين مكة و المدينة.

36

3-ذكر مسافر و نسبه‏

نسبه و هو أحد السادات المعروفين بأزواد الركب:

مسافر بن أبي عمرو بن أميّة، و يكنى أبا أميّة. و قد تقدّم نسبه و أنساب أهله. و أمّه آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، و هي أمّ أبي معيط أبان بن عمرو بن أميّة. و أبو معيط و مسافر أخوان لأب و أمّ، و هما أخوا عمومتهما أبي العاصي و أخويه من بني أميّة الذين أمّهم آمنة، لأنّ أبا عمرو تزوجها بعد أبيه. و كان سيّدا جوادا، و هو أحد أزواد[1]الركب، و إنما سمّوا بذلك لأنهم كانوا لا يدعون غريبا و لا مارّ طريق و لا محتاجا يجتاز بهم إلاّ أنزلوه و تكفّلوا به حتى يظعن.

مناقضاته عمارة بن الوليد:

و هو أحد شعراء قريش، و كان يناقض عمارة[2]بن الوليد الذي أمر النّجاشيّ السواحر فسحرته. فمن ذلك قول عمارة:

خلق البيض الحسان لنا # و جياد الرّيط و الأزر

كابرا كنّا أحقّ به # حين صيغ الشمس و القمر

/و قال مسافر يردّ عليه:

أعمار بن الوليد و قد # يذكر الشّاعر من ذكره

هل أخو كأس محقّقها # و موقّ صحبه سكره

و محيّيهم إذا شربوا # و مقلّ فيهم هذره

/خلق البيض الحسان لنا # و جياد الرّيط و الحبره

كابرا كنّا أحقّ به # كلّ حيّ تابع أثره‏

خطب هندا بنت عتبة و لما تزوجت أبا سفيان مرض و اعتل حتى مات:

و له شعر ليس بالكثير. و الأبيات التي فيها الغناء يقولها في هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و كان يهواها. فخطبها إلى أبيها بعد فراقها الفاكه بن المغيرة، فلم ترض ثروته و ماله. فوفد على النّعمان يستعينه على أمره [1]أزواد الركب: ثلاثة نفر من قريش: مسافر بن أبي عمرو بن أمية، و زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ، و أبو أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم. سموا بذلك لأنه لم يكن يتزوّد معهم أحد في سفره و كانوا يطعمون كل من يصحبهم و يكفونه الزاد. و كان ذلك خلقا من أخلاق قريش؛ و لكن لم يسم بهذا الاسم إلاّ هؤلاء الثلاثة. (راجع «ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه» ) .

[2]سيأتي الكلام عنه في هذه الترجمة.

37

ثم عاد، فكان أوّل من لقيه أبو سفيان، فأعلمه بتزويجه من هند. فأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني ابن أبي سلمة عن هشام، قال ابن عمّار و قد حدّثناه ابن أبي سعد عن عليّ بن الصبّاح عن هشام، قال ابن عمّار و حدّثنيه عليّ بن محمد بن سليمان النّوفليّ عن أبيه-دخل حديث بعضهم في بعض-:

أنّ مسافر بن أبي عمرو بن أميّة كان من فتيان قريش جمالا و شعرا و سخاء. قالوا: فعشق هندا بنت عتبة بن ربيعة و عشقته، فاتّهم بها و حملت منه. قال بعض الرواة: فقال معروف بن خرّبوذ: فلما بان حملها أو كاد قالت له:

اخرج، فخرج حتى أتى الحيرة، فأتى عمرو بن هند فكان ينادمه. و أقبل أبو سفيان بن حرب إلى الحيرة في بعض ما كان يأتيها، فلقي مسافرا، فسأله عن حال قريش و الناس، فأخبره و قال له فيما يقول: و تزوّجت هندا بنت عتبة.

فدخله من ذلك ما اعتلّ معه حتى استسقى‏[1]بطنه. قال ابن خرّبوذ: قال مسافر في ذلك:

ألاّ إنّ هندا أصبحت منك محرما # و أصبحت من أدنى حموّتها حما

و أصبحت كالمقمور جفن سلاحه # يقلّب بالكفّين قوسا و أسهما

فدعا له عمرو بن هند الأطبّاء، فقالوا: لا دواء له إلاّ الكيّ. فقال له: ما ترى؟قال: افعل. فدعا له الذي يعالجه فأحمى مكاويه، فلما صارت كالنار قال: ادع/أقواما يمسكونه. فقال لهم مسافر: لست أحتاج إلى ذلك. فجعل يضع المكاوي عليه. فلما رأى صبره ضرط الطبيب، فقال مسافر:

قد يضرط العير و المكواة في النار

لما مات رثاه أبو طالب:

-فجرت مثلا-فلم يزده إلاّ ثقلا. فخرج يريد مكة. فلما انتهى إلى موضع يقال له هبالة[2]مات فدفن بها، و نعي إلى قريش. فقال أبو طالب بن عبد المطّلب يرثيه:

ليت شعري مسافر بن أبي عمـ # رو و ليت يقولها المحزون

رجع الركب سالمين جميعا # و خليلي في مرمس‏[3]مدفون

بورك الميّت الغريب كما بو # رك نضر[4]الرّيحان و الزيتون

بيت صدق على هبالة قدحا # لت فياف من دونه و حزون

/مدره يدفع الخصوم بأيد # و بوجه يزينه العرنين‏

[1]استسقى بطنه: اجتمع فيه ماء أسفر. و هو المعروف بمرض الاستسقاء.

[2]قال البكري في «معجم ما استعجم» : إن هبالة: موضع لبني عقيل. و قال ياقوت في كتابه «معجم البلدان» بعد كلام: و قال أبو زياد:

هبالة و هيبل من مياه بني نمير. ثم ذكر موت مسافر بن أبي عمرو بها و رثاه أبي طالب بن عبد المطلب له.

[3]المرمس: القبر.

[4]كذا في «معجم ياقوت» : و في الأصول: «نضح الرمان» . و النضح: «البلل. و لعله يعني به العصير.

38
صوت‏

كم خليل رزئته و ابن عمّ # و حميم قضت عليه المنون

فتعزّيت بالتّأسّي و بالصبـ # ر و إنّي بصاحبي لضنين‏

غنّى في هذين البيتين يحيى المكّيّ ثاني ثقيل بالوسطى من رواية ابنه و الهشاميّ.

و أنشدنا الحرميّ قال أنشدنا الزبير لأبي طالب بن عبد المطلّب في مسافر بن أبي عمرو:

ألا إنّ خير الناس غير مدافع # بسرو سحيم‏[1]غيّبته المقابر

/تبكّي أباها أمّ وهب و قد نأى # و ريسان‏[2]أمسى دونه و يحابر

على خير حاف من معدّ و ناعل # إذا الخير يرجى أو إذا الشرّ حاضر

تنادوا و لا أبو أميّة فيهم # لقد بلغت كظّ النفوس الحناجر[3]

قال و قال النّوفليّ: إنّ البيتين:

ألا إنّ هندا أصبحت منك محرما

و الذي بعده لهشام بن المغيرة، و كانت عنده أسماء بنت مخرمة النّهشليّة، فولدت له أبا جهل و أخاه الحارث، ثم غضب عليها فجعلها مثل ظهر أمّه-و كان أوّل ظهار كان-فجعلته قريش طلاقا. فأرادت أسماء الانصراف إلى أهلها، فقال لها هشام: و أين الموعد؟قالت: الموسم. فقال لها ابناها: أقيمي معنا فأقامت معهما. فقال المغيرة بن عبد اللّه و هو أبو زوجها: أما و اللّه لأزوجنّك غلاما ليس بدون هشام، فزوّجها أبا ربيعة ولده الآخر، فولدت له عيّاشا و عبد اللّه. فذلك قول هشام:

تحدّثنا أسماء أن سوف نلتقي # أحاديث طسم‏[4]، إنما أنت حالم‏

و قوله:

ألا أصبحت أسماء حجرا محرّما # و أصبحت من أدنى حموّتها حما

قال النّوفليّ في خبره و حدّثني أبي: أنه إنما كان مسافر خرج إلى النّعمان بن المنذر يتعرّض لإصابة مال ينكح به هندا، فأكرمه النعمان و استظرفه و نادمه و ضرب عليه قبّة من أدم حمراء. و كان الملك إذا فعل ذلك برجل عرف قدره منه و مكانه عنده. و قدم أبو سفيان بن حرب في بعض تجاراته، فسأله مسافر عن حال الناس بمكة، /فذكر له أنه تزوّج هندا؛ فاضطرب مسافر حتى مات. و قال بعض الناس: إنه استسقى بطنه فكوي فمات بهذا السبب. قال النّوفليّ: فهو أحد من قتله العشق.

[1]كذا في جـ: و نسخه الشنقيطي مصححة بقلمه. و سرو سحيم: موضع. و في سائر الأصول: «بسرولنجم» و هو تحريف.

[2]في م: «ديسان» . و يحابر: اسم قبيلة.

[3]يريد لقد بلغت القلوب الحناجر لكظ النفوس أي لكربها و امتلائها بالهم و الحزن.

[4]طسم: إحدى القبائل العربية القديمة البائدة.

39

خبر طلاق هند بنت عتبة من الفاكه بن المغيرة:

فأمّا خبر هند و طلاق الفاكه بن المغيرة إيّاها، فأخبرني به أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني ابن أبي سعد قال حدّثني أبو السّكين زكريّا بن يحيى بن عمرو بن حصن بن حميد بن حارثة الطائيّ قال حدّثني عمّي زحر[1]بن حصن عن جدّه حميد بن حارثة قال:

كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة، و كان الفاكه من فتيان قريش، و كان له بيت للضيافة بارز من البيوت يغشاه الناس من غير إذن. فخلا البيت ذات يوم، فاضطجع هو و هند فيه ثم نهض لبعض حاجته. و أقبل رجل ممّن كان يغشى البيت فولجه، فلما رآها رجع هاربا، و أبصره الفاكه فأقبل إليها فضربها برجله/و قال: من هذا الذي خرج من عندك!؟قالت: ما رأيت أحدا و لا انتبهت حتى أنبهتني. فقال لها: ارجعي إلى أمّك. و تكلّم الناس فيها، و قال لها أبوها: يا بنيّة!إنّ الناس قد أكثروا فيك، فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقا دسست عليه من يقتله فتنقطع عنك المقالة، و إن يك كذبا حاكمته إلى بعض كهّان اليمن. فقالت: لا و اللّه ما هو عليّ بصادق. فقال له: يا فاكه، إنك قد رميت بنتي بأمر عظيم، فحاكمني إلى بعض كهّان اليمن. فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم و خرج عتبة في جماعة من عبد مناف و معهم هند و نسوة. فلمّا شارفوا البلاد و قالوا غدا نرد على الرجل تنكّرت حال هند. فقال لها عتبة: إنّي أرى ما حلّ بك من تنكّر الحال، و ما ذاك إلاّ لمكروه عندك.

قالت: لا و اللّه يا أبتاه ما ذاك لمكروه، و لكنّي أعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ و يصيب، و لا آمنه أن يسمني ميسما يكون عليّ سبّة. فقال/لها: إني سوف أختبره لك، فصفر بفرسه حتى أدلى‏[2]، ثم أدخل في إحليله حبّة برّ و أوكأ عليها بسير. فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم و نحر لهم. فلما قعدوا قال له عتبة: جئناك في أمر و قد خبأت لك خبئا أختبرك به فانظر ما هو؟قال: ثمرة في كمرة[3]. قال: إني أريد أبين من هذا. قال: حبّة برّ في إحليل مهر. قال: صدقت، أنظر في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بيده على كتفها و يقول: انهضي، حتى دنا من هند فقال لها: انهضي غير رسحاء[4]و لا زانية، و لتلدنّ ملكا يقال له معاوية. فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنثرت يدها من يده و قالت: إليك عنّي!فو اللّه لأحرص أن يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان.

و قد قيل: إنّ بيتي مسافر بن أبي عمرو أعني:

ألا إنّ هندا أصبحت منك محرما

لابن عجلان‏[5].

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني عبد اللّه بن عليّ بن الحسن عن أبي نصر عن الأصمعيّ عن عبد اللّه بن أبي سلمة عن أيّوب عن ابن سيرين قال:

[1]في الأصول: «أبو زحر» و هو خطأ. (راجع شرح «القاموس» مادة زحر) .

[2]أدلى الفرس و غيره: أخرج جرذانه ليبول أو يضرب.

[3]الكمرة: رأس الذكر.

[4]الرسح: خفة العجيزة و لصوقها.

[5]هو عبد اللّه بن العجلان بن عبد الأحب بن عامر بن كعب، شاعر جاهلي و هو أحد المتيمين من الشعراء و من قتله الحب منهم. و كان له زوجة يقال لها هند فطلقها ثم ندم على ذلك، فتزوجت زوجا غيره فمات أسفا عليها. (انظر ترجمته في «الأغاني» ج 19 ص 102 طبعة بولاق) .

40

خرج عبد اللّه بن العجلان في الجاهليّة فقال:

ألا إنّ هندا أصبحت منك محرما # و أصبحت من أدنى حموّتها حما

فأصبحت كالمقمور جفن سلاحه # يقلّب بالكفّين قوسا و أسهما

/شعر لمسافر في الفخر:

ثم مدّ بهما صوته فمات. قال ابن سيرين: فما سمعت أن أحدا مات عشقا غير هذا. و مما يغنّي فيه من شعر مسافر بن أبي عمرو و هو من جيّد شعره قوله يفتخر:

صوت‏

أ لم نسق الحجيج و ننـ # حر المذلاقة[1]الرّفدا

و زمزم من أرومتنا # و نفقأ عين من حسدا

و إنّ مناقب الخيرا # ت لم نسبق بها عددا

فإن نهلك فلم نملك # و هل من خالد خلدا

غنّاه ابن سريج رملا بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. و فيه لسائب خائر لحن من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى من رواية حمّاد. و فيه للزّفّ ثقيل بالوسطى.

فأما خبر عمارة بن الوليد و السبب الذي من أجله أمر النّجاشيّ السواحر فسحرته‏

ما كان بين عمرو و عمارة لدى النجاشي:

فإن الواقديّ ذكره عن عبد اللّه بن جعفر بن أبي عون قال:

كان عمارة بن الوليد المخزوميّ بعد ما مشت‏[2]قريش بعمارة إلى أبي طالب خرج هو و عمرو بن العاص بن وائل السّهميّ، و كانا كلاهما تاجرين، إلى النجاشيّ، و كانت/أرض الحبشة لقريش متجرا و وجها، و كلاهما مشرك شاعر فاتك و هما في جاهليّتهما، و كان عمارة معجبا بالنساء صاحب محادثة[3]؛ فركبا في السفينة ليالي فأصابا من خمر معهما. فلما انتشى عمّارة قال لامرأة عمرو بن العاص: قبّليني. فقال لها عمرو: قبّلي ابن عمّك فقبّلته. و حذر عمرو على زوجته فرصدها و رصدته، فجعل إذا شرب معه أقلّ عمرو من الشراب و أرقّ لنفسه بالماء مخافة أن يسكر فيغلبه عمارة على أهله. و جعل عمارة يراودها على نفسها فامتنعت منه. ثم إنّ عمرا جلس إلى ناحية السفينة يبول، [1]كذا في «اللسان» (مادتي ذلق و رفد) . و المذلاقة: يريد بها النوق السريعة السير و في الأصول: «الدلافة» و هو تحريف. و الرفد: جمع رفود و هي التي تملأ الرفد (و هو بالفتح و الكسر القدح الضخم) من النوق في حلبة واحدة.

[2]قال ابن إسحاق: ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و إسلامه و إجماعه لفراقهم في ذلك و عداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني: «يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش و أجمله. فخذه فلك عقله و نصره و اتخذه ولدا فهو لك و أسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك و دين آبائك و فرق جماعة قومك و سفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل كرجل. فقال: و اللّه لبئس ما تسومونني!أ تعطونني ابنكم أغذوه لكم و أعطيكم ابني تقتلونه!هذا و اللّه ما لا يكون أبدا» . ( «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 169) .

[3]يحتمل أن تكون: «صاحب مخادنة» . و الرجل يوصف بأنه حدث نساء كما يوصف بأنه خدنهن.

41

فدفعه عمارة في البحر. فلمّا وقع فيه سبح حتى أخذ بالقلس‏[1]فارتفع فظهر على السفينة. فقال له عمارة: أما و اللّه لو علمت يا عمرو أنك تحسن السّباحة ما فعلت. فاضطغنها عمرو و علم أنه أراد قتله. فمضينا على وجههما ذلك حتى قدما أرض الحبشة و نزلاها. و كتب عمرو بن العاص إلى أبيه العاص أن اخلعني و تبرّأ من جريرتي إلى بني المغيرة و جميع بني مخزوم. و ذلك أنه خشي على أبيه أن يتبع بجريرته و هو يرصد لعمارة ما يرصد. فلما ورد الكتاب على العاص بن وائل مشى في رجال من قومه منهم نبيه و منبّه ابنا الحجّاج‏[2]إلى بني المغيرة و غيرهم من بني مخزوم فقال: إنّ هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم، و كلاهما فاتك صاحب شرّ، و هما غير مأمونين على أنفسهما و لا ندري ما يكون. و إنّي أبرأ إليكما من عمرو و من جريرته و قد خلعته. فقالت بنو المغيرة و بنو مخزوم:

أنت تخاف عمرا على عمارة!و قد خلعنا نحن عمارة و تبرّأنا كلّ قوم من صاحبهم و مما جرّ عليهم، فبعثوا مناديا ينادي بمكة بذلك. فقال الأسود بن المطّلب: بطل و اللّه دم عمارة بن الوليد آخر الدهر!. فلما اطمأنّا بأرض الحبشة لم يلبث عمارة أن دبّ لامرأة النجاشيّ فأدخلته فاختلف إليها. فجعل إذا رجع من مدخله يخبر عمرو بن العاص بما كان من أمره. فجعل عمرو يقول: ما أصدّقك أنك قدرت على هذا الشأن، إنّ المرأة أرفع من ذلك.

فلما أكثر على عمرو مما كان يخبره، و قد كان صدّقه و لكن أحبّ التثبّت، و كان عمارة يغيب عنه حتى يأتيه في السّحر، و كان في منزل واحد معه، و جعل عمارة يدعوه إلى أن يشرب معه فيأبى عمرو و يقول: إنّ هذا يشغلك عن مدخلك، و كان عمرو يريد أن يأتيه بشي‏ء لا يستطيع دفعه إن هو رفعه إلى النجاشيّ. فقال له في بعض ما يذكر له من أمرها: إن كنت صادقا فقل لها تدهنك من دهن النجاشيّ الذي لا يدّهن به غيره فإنّي أعرفه، لو أتيتني به لصدّقتك. ففعل عمارة[فجاء[4]]بقارورة من دهنه، فلمّا شمّه عرفه. فقال له عمرو عند ذلك: أنت صادق!لقد أصبت شيئا ما أصاب/أحد مثله قطّ من العرب و نلت من امرأة الملك شيئا ما سمعنا بمثل هذا-و كانوا أهل جاهليّة-ثم سكت عنه، حتى إذا اطمأنّ دخل على النجاشيّ فقال: أيها الملك!إنّ ابن عمّي سفيه، و قد خشيت أن يعرّني‏[5]عندك أمره، و قد أردت أن أعلمك شأنه. [و لم أفعل‏[6]]حتى استثبتّ أنّه‏[7]قد دخل على بعض نسائك فأكثر. و هذا من دهنك قد أعطيه و دهنني منه. فلما شمّ النجاشيّ الدّهن قال: صدقت، هذا دهني الذي لا يكون إلاّ عند نسائي. ثم دعا بعمارة/و دعا بالسواحر، فجرّدوه من ثيابه فنفخن في إحليله، ثم خلى سبيله فخرج هاربا[8].

فلم يزل بأرض الحبشة حتى كانت خلافة عمر بن الخطّاب. فخرج إليه عبد اللّه بن أبي ربيعة-و كان اسمه قبل أن [1]القلس: حبل غليظ من حبال السفن.

[2]هما نبيه و منبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، كانا من أشراف قريش، ماتا على الشرك في غزوة بدر؛ قتل الأوّل حمزة بن المطلب، و الثاني أبو اليسر أخو بني سلمة. ( «السيرة» ج 1 ص 324، 436، 475، 510) .

[3]السهميون: قوم عمرو بن العاص، و بنو سهم من هصيص بن كعب بن لؤي.

[4]زيادة عن «تجريد الأغاني» .

[5]عره: لطخه بعيب.

[6]التكملة عن «تجريد الأغاني» .

[7]في الأصول: «حتى استثبت و أنه... » بزيادة الواو.

[8]في «تجريد الأغاني» «فخرج هاربا هائما على وجهه مع الوحش. و متى رأى الإنس هرب منهم و طلع له شعر غطى جميع بدنه.

و لم يزل كذلك مدّة أيام النبيّ صلى اللّه عليه و سلم و أيام أبي بكر رضي اللّه عنه و صدرا من خلافة عمر رضي اللّه عنه، فخرج إليه... إلخ» .

42

يسلم بحيرا فسمّاه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عبد اللّه-فرصده على ماء بأرض الحبشة، و كان يرده مع الوحش، فورد، فلما وجد ريح الإنس هرب، حتّى إذا أجهده العطش ورد فشرب حتى تملأ[1]، و خرجوا في طلبه. فقال عبد اللّه بن أبي ربيعة:

فسعيت إليه فالتزمته، فجعل يقول لي: يا بحير أرسلني!يا بحير أرسلني!إني أموت إن أمسكتموني. قال عبد اللّه:

و ضغطته‏[2]فمات في يدي مكانه. فواراه ثم انصرف. و كان شعره قد غطّى على كل شي‏ء منه.

قال الواقديّ عن ابن أبي الزّناد: و قال عمرو لعمارة: يا فائد، إن كنت تحبّ أن أصدّقك بهذا أو أقبله منك فأتني بثوبين أصفرين. فلمّا رأى النجاشيّ الثوبين قال له عمرو: أ تعرف الثوبين؟قال نعم.

و قال الواقديّ عن ابن أبي الزّناد عن أبيه، قال النجاشيّ لعمارة: إنّي أكره أن أقتل قرشيّا، و لو قتلت قرشيّا لقتلتك، فدعا بالسواحر.

شعر عمرو بن العاص في عمارة:

فقال عمرو بن العاص يذكر عمارة و ما صنع به-قال الواقديّ أخبرني ابن أبي الزّناد أنه سمع ذلك من ابن ابنه عمرو بن شعيب بن عبد اللّه بن عمرو يذكره لحدّه-:

/

تعلّم عمار أنّ من شرّ شيمة # لمثلك أن يدعى ابن عمّ له ابنما

و إن كنت ذا بردين أحوى مرجّلا # فلست براع‏[3]لابن عمّك محرما

إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه # و لم ينه قلبا غاويا حيث يمّما

قضى وطرا منه يسيرا و أصبحت # إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما

فليس الفتى و لو أتمّت‏[4]عروقه # بذي كرم إلاّ بأن يتكرّما

صحبت من الأمر الرفيق طريقه # و ولّيت غيّ الأمر من قد تلوّما

من الآن فانزع عن مطاعم جمّة # و عالج أمور المجد لا تتندّما

شعر خولة بنت ثابت في عمارة:

قال إسحاق و حدّثني الأصمعيّ: أنّ خولة بنت ثابت أخت حسّان قالت في عمارة لمّا سحر:

يا ليلتي‏[5]لم أنم و لم أكد # أقطعها بالبكاء و السّهد

أبكي على فتية رزئتهم # كانوا جبالي فأوهنوا عضدي

كانوا جمالي و نصرتي و بهم # أمنع ضيمي و كلّ مضطهد

فبعدهم أرقب النجوم و أذ # ري الدمع و الحزن والج كبدي‏

[1]كذا في «تجريد الأغاني» . و تملأ الرجل من الطعام و الشراب: امتلأ. و في الأصول: «ملأ» .

[2]كذا في أ، م و في سائر الأصول: «و ضبطته» .

[3]كذا في «تجريد الأغاني» . و في الأصول: «براء» .

[4]أتمت عروقه: بلغت تمامها في الكرم.

[5]في الأصول: «يا ليتني» و هو تحريف.

43

قال الأصمعيّ و اجتاز ابن سريج بطويس و معه فتية من قريش و هو يغنّيهم في هذا/الصوت، فوقف حتى سمعه، ثم أقبل عليهم فقال: هذا و اللّه سيّد من غنّاه.

هذه الأصوات التي ذكرتها الجامعة للنّغم العشر و الثماني النّغم‏[1]منها هي المشهورة المعروفة عند الرّواة و في روايات الرّواة و عند المغنّين.

كان عبيد اللّه يراسل المعتضد على لسان جواريه:

و كان عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر يراسل المعتضد باللّه إذا استزار جواريه على ألسنتهم و مع ذوي الأنس عنده من رسله: مع أحمد بن الطّيّب و ثابت بن قرّة/الطائي، يذكر النّغم و تفصيل مجاريها و معانيها حتى فهم ذلك.

فصنع لحنا فجمع النّغم العشر في قول دريد بن الصّمّة:

يا ليتني فيها جذع # أخبّ فيها و أضع‏

كان المكتفي يراسله في الغناء:

و صنع صنعة متقنة جيّدة، منها ما سمعناه من المحسنين و المحسنات و منها ما لم نسمعه، يكون مبلغها نحو خمسين صوتا. و قد ذكرت من ذلك ما صلح في أغاني الخلفاء. ثم صنع مثل ذلك للمكتفي‏[2]باللّه لرغبته في هذه الصناعة.

فوجدت رقعة بخطه كتب بها إلى المكتفي نسختها: «قال إسحاق بن إبراهيم حين صاغ عند أبي العبّاس عبد اللّه بن طاهر بأمره لحنه في:

يوم تبدي لنا قتيلة عن جيـ # د تليع‏[3]تزينه الأطواق‏

و شتيت كالأقحوان جلاه الطّل فيه عذوبة و اتّساق إني نظرت مع إبراهيم و تصفّحت غناء العرب كلّه، فلم نجد في جميع غناء العرب صوتا أطول إيقاعا من:

عادك الهمّ ليلة الإيجاف‏[4] # من غزال مخضّب الأطراف‏

و لحنه خفيف ثقيل لابن محرز؛ فإن إيقاعه ستة و خمسون دورا. ثم لحن معبد:

هريرة ودّعها و إن لام لائم # غداة غد أم أنت للبين واجم‏

و هو أحد سبعته‏[5]. و لحنه خفيف ثقيل، و دور إيقاعه ستّة و خمسون دورا، إلا أن صوت ابن محرز سداسيّ في العروض من الخفيف، و صوت معبد ثماني من الطويل؛ فصوت ابن محرز أعجب لأنه أقصر. و ما زلنا حتى تهيّأ لنا شعر رباعيّ في سيّدنا أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، دور إيقاعه ستّة و خمسون دورا، و هو يجمع من النّغم/العشر ثمانيا؛ و هذا ظريف جدّا بديع لم يكن مثله. و أمّا الصوت الذي في تهنئة النّوروز فلأنفسنا عملناه؛ إذ لم يكن لنا من [1]في الأصول: «الثماني نغم» بدون أداة التعريف في المضاف إليه.

[2]في الأصول: «بالمكتفي» و هو تحريف.

[3]تليع: طويل.

[4]الإيجاف: سرعة السير.

[5]أي أحد أصواته السبعة و هي مدنه المعروفة. و في الأصول: «أحد سبعاته» .

44

يدبّر مثل هذا معه غيره. و قد كتبنا شعره و شعر الآخر، و إيقاع كلّ واحد منهما خفيف ثقيل، و الصنعة فيهما تستظرف:

جمع الخلائف‏[1]كلّهم لجميع‏[2]ما # بلغوا و أعطوا في الإمام المكتفي

و له الهدايا ألف نوروز و هـ # ذا الشعر منها لحنه لم يعرف‏

و الآخر:

دولة المكتفي الخليـ # فة تفنى مدى الدّول

يوم عيد و يوم عر # س فما بعدها أمل‏

الصنعة في البيت الأوّل خاصّة تدور على ستة و خمسين إيقاعا» .

هكذا وجدت في الرقعة بخط عبيد اللّه. و ما سمعت أحدا يغنّي هذين الصوتين. و قد عرضتهما على غير واحد من المتقدّمين/و من مغنيّات القصور فما عرفهما أحد منهن. و ذكرتهما في الكتاب لأنّ شريطته توجب ذكرهما.

الأرمال الثلاثة المختارة

الأرمال المختارة و الكلام عنها:

أخبرني يحيى بن عليّ و محمد بن خلف وكيع و الحسين بن يحيى قالوا حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي، قال أبو أحمد رحمه اللّه و أخبرني أبي أيضا عن إسحاق، و أخبرنا عليّ بن عبد العزيز قال حدّثنا عبيد اللّه بن خرداذبه قال قال إسحاق: أجمع العلماء بالغناء أن أحسن رمل غنّي رمل:

فلم أر كالتّجمير منظر ناظر

ثم رمل:

أ فاطم مهلا بعض هذا التدلّل‏

و لو عاش ابن سريج حتى يسمع لحني الرمل:

لعلّك إن طالت حياتك أن ترى‏

لاستحيا أن يصنع بعده شيئا. و في روايتي وكيع و عليّ بن يحيى «و لعلم‏[3]أني نعم الشاهد له» .

[1]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «الخلائق» بالقاف.

[2]كذا في الأصول: و لعله: «بجميع» .

[3]لعل الواو من زيادات النساخ.

45

نسبة الأصوات و أخبارها:

صوت‏
الصوت الأوّل من هذه الأرمال في شعر ابن أبي ربيعة:

فلم أر كالتّجمير منظر ناظر # و لا كليالي الحجّ أفلتن ذا هوى

فكم من قتيل ما يباء[1]به دم # و من غلق رهنا إذا لفّه منى

و من مالئ عينيه من شي‏ء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى

يسحّبن أذيال المروط بأسوق‏[2] # خدال و أعجاز مآكمها[3]روا

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء لابن سريج رمل بالبنصر. و قد كان علّويه فيما بلغنا صنع فيه رملا، و في «أ فاطم مهلا» خفيف رمل، و في «لعلّك إن طالت حياتك» رملا آخر، و لم يصنع شيئا و سقطت ألحانه فيها فما تكاد تعرف. و هذه الأبيات يقولها عمر بن أبي ربيعة في بنت مروان بن الحكم.

ابن أبي ربيعة و أم عمرو بنت مروان:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا ابن كناسة عن أبي بكر بن عيّاش قال:

حجّت أمّ عمرو بنت مروان، فلما قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة و قد أخفت نفسها في نساء معها، فحادثته ثم انصرفت، و عادت إليه منصرفها من عرفات و قد أثبتها. فقالت له: لا تذكرني في شعرك، و بعثت إليه بألف دينار. فقبلها و اشترى بها ثيابا من ثياب اليمن و طيبا فأهداه إليها فردّته. فقال: إذا و اللّه أنهبه الناس فيكون مشهورا؛ فقبلته. و قال فيها:

أيّها الرائح المجدّ ابتكارا # قد قضى من تهامة الأوطارا

من يكن قلبه الغداة خليّا # ففؤادي بالخيف أمسى مطارا

ليت ذا الدهر كان حتما علينا # كلّ يومين حجّة و اعتمارا

قال ابن كناسة قال ابن عيّاش: فلما وجّهت منصرفة قال فيها:

فكم من قتيل ما يباء به دم # و من غلق رهنا إذا لفّه منى‏

/قال: و يروى «و من غلق رهن» كأنه قال و من رهن غلق؛ لا يجعل من نعت الرهن. كأنه جعل الإنسان غلقا و جعله رهنا؛ كما يقال: كم من عاشق مدنف، و من كلف صبّ.

قال الزّبير و حدّثني مسلم بن عبد اللّه بن مسلم بن جندب عن أبيه قال: أنشده ابن أبي عتيق فقال: إن في نفس الجمل ما ليس في نفس الجمّال.

[1]أباء فلان القتيل بالقاتل: قتله به. يريد: كم من قتيل يطل دمه و لا يؤخذ له بثأر. و غلق الرهن في يد المرتهن يغلق غلقا. لم يقدر الراهن على افتكاكه في الوقت المشروط. يريد: كم من قلوب أسيرة لا يقدر أصحابها على افتكاكها.

[2]الأسؤق: جمع ساق. و الخدال: الممتلئة.

[3]المأكمة: العجيزة.

46

قال: و قال عبد اللّه بن عمر، و قد أنشده عمر بن أبي ربيعة شعره هذا: يا ابن أخي!أ ما اتّقيت اللّه حيث تقول:

ليت ذا الدهر كان حتما علينا # كلّ يومين حجّة و اعتمارا

فقال له عمر بن أبي ربيعة: بأبي أنت و أمي!إني وضعت ليتا حيث لا تغنى.

أمر عمر بن عبد العزيز بنفيه ثم خلاه لما تاب:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، و أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن إسحاق، و أخبرني ببعض هذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثنا مصعب بن عثمان:

أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة لم تكن له همة إلا عمر بن أبي ربيعة و الأحوص. فكتب إلى عامله على المدينة: «قد عرفت عمر و الأحوص بالخبث و الشرّ. فإذا أتاك كتابي هذا فاشددهما و احملهما إليّ» . فلما أتاه الكتاب حملهما إليه. فأقبل على عمر فقال له هيه!

فلم أر كالتّجمير منظر ناظر # و لا كليالي الحجّ أفلتن ذا هوى

و كم مالئ عينيه من شي‏ء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى‏

فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون!أما و اللّه لو اهتممت بأمر حجّك لم تنظر إلى شي‏ء غيرك!ثم أمر بنفيه. فقال: يا أمير المؤمنين، أو خير من ذلك؟قال: و ما هو؟قال: أعاهد اللّه ألاّ أعود إلى مثل هذا الشعر و لا أذكر النساء في شعر أبدا و أجدّد توبة على يديك. قال: أو تفعل؟قال نعم. فعاهد اللّه على توبة و خلاّه. ثم دعا بالأحوص فقال هيه!

نفى الأحوص و لم يطلقه إلا يزيد بن عبد الملك:

اللّه بيني و بين قيّمها # يهرب منّي بها و أتّبع‏

با اللّه بين قيّمها و بينك!ثم أمر بنفيه إلى بيش‏[1]، و قيل إلى دهلك و هو الصحيح، فنفي إليها، فلم يزل بها. فرحل إلى عمر عدّة من الأنصار فكلّموه في أمره و سألوه أن يقدمه و قالوا له: قد عرفت نسبه و قدمه و موضعه و قد أخرج إلى بلاد/الشرك، فنطلب إليك أن تردّه إلى حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و دار قومه. فقال لهم عمر: من الذي يقول:

فما هو إلاّ أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أحير

-و في رواية الزبير «أجيب» مكان «أخير» -قالوا: الأحوص‏[2]. قال: فمن الذي يقول:

أدور و لو لا أن أرى أمّ جعفر # بأبياتكم ما درت حيث أدور

و ما كنت زوّارا و لكنّ ذا الهوى # إذا لم يزر لا بدّ أن سيزور

قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:

[1]بيش: من بلاد اليمن قرب دهلك. و دهلك جزيرة في بحر اليمن، مرسى بين بلاد اليمن و الحبشة، بلدة ضيقة حرجة حارة و هي تجاه مصوع. و كان بنو أمية إذا سخطوا على أحد نفوه إليها. (عن «معجم البلدان» لياقوت) .

[2]نسب هذا البيت لعروة بن حزام. (انظره في ترجمته ج 20 ص 156 من «الأغاني» طبع بلاق) .

47

كأنّ لبنى صبير[1]غادية # أو دمية زيّنت بها البيع

اللّه بيني و بين قيّمها # يهرب منّي بها و أتّبع‏

/قالوا: الأحوص. قال: إن الفاسق عنها يومئذ لمشغول، و اللّه لا أردّه ما كان لي سلطان. فمكث هناك بعد ولاية عمر صادرا من ولاية يزيد بن عبد الملك ثم خلاّه.

قال: و كتب إلى عمر بن عبد العزيز من موضعه-قال الزّبير: أنشدنيها عبد الملك بن عبد العزيز ابن بنت الماجشون قال أنشدنيها يوسف بن الماجشون يعني هذه الأبيات-:

أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن # هديت أمير المؤمنين رسائلي

و قل لأبي حفص إذا ما لقيته # لقد كنت نفّاعا قليل الغوائل

أ في اللّه أن تدنوا ابن حزم‏[2]و تقطعوا # قوى حرمات بيننا و وصائل‏[3]

/فكيف ترى للعيش طيبا و لذّة # و خالك أمسى موثقا في الحبائل

و ما طمع الحزميّ في الجاه قبلها # إلى أحد من آل مروان عادل

وشى و أطاعوه بنا و أعانه # على أمرنا من ليس عنّا بغافل

و كنت أرى أنّ القرابة لم تدع # و لا الحرمات في العصور الأوائل

إلى أحد من آل مروان ذي حجّى‏[4] # بأمر كرهناه مقالا لقائل

يسرّ بما أنهى العدوّ و إنه # كنافلة لي من خيار النوافل

فهل ينقصنّي القوم أن كنت مسلما # بريئا بلائي في ليال قلائل

ألا ربّ مسرور بنا سيغيظه # لدي غبّ أمر عضّه بالأنامل

رجا الصّلح منّي آل حزم بن فرتنى # على دينهم جهلا و لست بفاعل

ألا قد يرجّون الهوان فإنهم # بنو حبق‏[5]ناء عن الخير فائل

على حين حلّ القول بي و تنظّرت # عقوبتهم منّي رءوس القبائل

فمن يك أمسى سائلا بشماتة # بما حلّ بي أو شامتا غير سائل

فقد عجمت منّي العواجم ما جدا # صبورا على عضّات تلك التلاتل‏[6]

إذا نال لم يفرح و ليس لنكبة # إذا حدثت بالخاضع المتضائل‏

قال الزبير: و قال الأحوص أيضا:

[1]الصبير: السحابة البيضاء.

[2]يريد به أبا بكر بن محمد عمرو بن حزم والي المدينة لعمر بن عبد العزيز.

[3]في حـ: «و وسائلي» و الوصائل: جمع وصيلة، و هي ما يوصل به الشي‏ء.

[4]كذا في حـ: و في سائر الأصول: «ذي حمى» .

[5]الحبق، الضراط.

[6]التلاتل: الشدائد.

48

هل أنت أمير المؤمنين فإنّني # بودّك من ودّ العباد لقانع

متمّم أجر قد مضى و صنيعة # لكم عندنا أو ما تعدّ الصنائع

فكم من عدوّ سائل ذي كشاحة # و منتظر بالغيب ما أنت صانع‏

فلم يغن عنه ذلك و لم يخل سبيل عمر، حتى ولي يزيد بن عبد الملك فأقدمه و قد غنّته حبابة بصوت في شعره.

/أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال هشام بن حسّان:

كان السبب في ردّ يزيد بن عبد الملك الأحوص أن جميلة غنّته يوما:

كريم قريش حين ينسب و الّذي # أقرّت له بالملك كهلا و أمردا

فطرب يزيد و قال: ويحك!من كريم قريش هذا؟قالت: أنت يا أمير المؤمنين، و من عسى أن يكون ذلك غيرك! قال: و من قائل هذا الشعر فيّ؟قالت: الأحوص و هو منفيّ. فكتب بردّه/و حمله إليه و أنفذ إليه صلات سنيّة. فلمّا قدم إليه أدناه و قرّبه و أكرمه. و قال له يوما في مجلس حافل: و اللّه لو لم تمت إلينا بحقّ و لا صهر و لا رحم إلاّ بقولك:

و إني لأستحييكم أن يقودني # إلى غيركم من سائر الناس مطمع‏

لكفاك ذلك عندنا. قال: و لم يزل ينادمه و ينافس به حتى مات. و أخبار الأحوص في هذا السبب و غيره قد مضت مشروحة في أوّل ما مضى من ذكره و أخباره؛ لأن الغرض هاهنا ذكر بقية خبره مع عمر بن أبي ربيعة في الشعرين اللّذين أنكرهما عليهما عمر بن عبد العزيز و أشخصا من أجلهما.

سليمان بن عبد الملك و نفيه ابن أبي ربيعة إلى الطائف:

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أحمد بن زهير قال: مصعب بن عبد اللّه قال:

حجّ سليمان بن عبد الملك و هو خليفة، فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له: أ لست القائل:

فكم من قتيل ما يباء به دم # و من غلق رهنا إذا لفّه منى

و من مالئ عينيه من شي‏ء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى

يسحّبن أذيال المروط بأسؤق # خدال و أعجاز مآكمها روا

/أوانس يسلبن الحليم فؤاده # فيا طول ما شوق و يا طول مجتلى‏[1]

قال نعم. قال لا جرم و اللّه لا تحضر الحجّ العام مع الناس!فأخرجه إلى الطائف.

ابن أبي عتيق و غناء ابن سريج:

أخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي حدّثني ابن الكلبيّ عن أبي مسكين و عن صالح بن حسّان قال:

قدم ابن أبي عتيق إلى مكة فسمع غناء ابن سريج:

[1]كذا في أو «ديوانه» طبع مطبعة السعادة ص 16. و في سائر الأصول: «و يا طول ما اجتلى» .

49

فلم أر كالتجمير منظر ناظر # و لا كليالي الحجّ أفلتن ذا هوى‏

فقال: ما سمعت كاليوم قطّ، و ما كنت أحسب أن مثل هذا بمكة، و أمر له بمال و حدره معه إلى المدينة، و قال:

لأصغّرنّ‏[1]إلى معبد نفسه و لأهدينّ إلى المدينة شيئا لم ير أهلها مثله حسنا و ظرفا و طيب مجلس و دماثة خلق و رقّة منظر و مقة[2]عند كل أحد. فقدم به المدينة و جمع بينه و بين معبد. فقال لابن سريج: ما تقول فيه؟قال: إن عاش كان مغنّي بلاده.

أبو السائب و ابن سريج:

و قال إسحاق و حدّثني المدائني عن جرير قال: قال لي أبو السائب يوما: ما معك من مرقصات ابن سريج؟ فغنّيته:

فلم أر كالتجمير منظر ناظر

فقال: كما أنت حتى أنحرّم لهذا بركعتين.

الوليد بن عبد الملك يأمر والي المدينة أن يشخص إليه ابن سريج:

حدّثني الحسين قال قال حمّاد قرأت على أبي و حدّثني أبو عبد اللّه الزبيري قال:

كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إليّ ابن سريج. فورد الرسول إلى الوالي، فمرّ في بعض طريقه على ابن سريج و هو جالس بين قرني بئر و هو يغنّي:

فلم أر كالتجمير منظر ناظر

/فقال له الرسول: تاللّه ما رأيت كاليوم قطّ و لا رأيت أحمق ممّن يتركك و يبعث إلى غيرك. فقال له ابن سريج: أمّا و اللّه ما هو بقدم و لا ساق، و لكنه بقسم و أرزاق. ثم مضى الرسول فأوصل الكتاب، و بعث الولي إلى ابن سريج فأحضره. فلما رآه الرسول قال: قد عجبت أن يكون المطلوب غيرك.

عبد اللّه بن الزّبير يعجب لسماع غناء ابن سريج:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال رقي عبد اللّه بن الزّبير أبا قبيس‏[3] ليلا، فسمع/غناء فنزل هو و أصحابه يتعجّبون و قال: لقد سمعت صوتا إن كان من الإنس إنه لعجب، و إن كان من الجن لقد أعطوا شيئا كثيرا. فاتّبعوا الصوت فإذا ابن سريج يتغنّى في شعر عمر:

فلم أر كالتجمير منظر ناظر

و من هذه الأرمال الثلاثة:

[1]في جميع الأصول: «لأقصدن» و قد صححها الأستاذ الشنقيطي في نسخته كما صححناها.

[2]المقة: المحبة.

[3]أبو قبيس: جبل بمكة.

50
ثاني الأرمال الثلاثة في شعر امرئ القيس:
صوت‏

أ فاطم مهلا بعض هذا التدلّل # و إن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي # و أنّك مهما تأمري القلب يفعل‏

الشعر لامرئ القيس. و الغناء في هذين البيتين من الرمل المختار لإسحاق بالبنصر. و في هذين البيتين مع أبيات أخر من هذه القصيدة ألحان شتّى لجماعة نذكرها هاهنا و من غنّى فيها، ثم نتبع ما يحتاج إلى ذكره منها، و قد يجمع سائر ما يغنّى فيه من القصيدة معه:

شي‏ء من معلقته و شرحه:

قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل # بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل

فتوضخ فالمقراة لمن يعف رسمها # لما نسجتها من جنوب و شمال

أ فاطم مهلا بعض هذا التّدلّل # و إن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

/و إن كنت قد ساءتك منّي خليفة # فسلّي ثيابي من ثيابك تنسل

أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي # و أنّك مهما تأمري القلب يفعل

و ما ذرفت عيناك إلاّ لتضربي # بسهميك في أعشار قلب مقتّل

تسلّت عمايات الرجال عن الصّبا # و ليس فؤادي عن هواك بمنسلي

ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجل # بصبح و ما الإصباح فيك بأمثل

و بيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتّعت من لهو بها غير معجل

تجاوزت أحراسا إليها و معشرا # عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي

ألا ربّ يوم صالح لك منهما[1] # و لا سيما يوم بدارة جلجل

و يوم عقرت للعذارى مطيّتي # فوا عجبي من رحلها المتحمّل‏[2]

و قد أغتدي و الطير في وكناتها # بمنجرد قيد الأوابد هيكل

مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا # كجملود صخر حطّه السيل من عل

فقلت لها سيري و أرخي زمامه # و لا تبعدينا من جناك المعلّل‏

عروضه من الطويل. و سقط اللوى منقطعه. و اللّوى: المستدقّ من الرمل حيث يستدق فيخرج منه إلى اللّوى.

[1]الضمير في «منهما» مرجعه في قوله:

كدأبك من أم الحويرث قبلها # و جارتها أم الرباب بمأسل‏

و يروى: «صالح لك منهم» يعني النساء و أهلهن. قال التبريزي: و أجود الروايات: «ألا رب يوم لك منهن صالح» على ما فيه من الكف، و هو حذف النون من مفاعيلن. (راجع «شرح التبريزي للمعلقات» طبع أوروبا) .

[2]لما نحر ناقته للعذارى اقتسمن متاع راحلته: تحمل هذه حشيته و تلك طنفسته فكان ذلك مثار عجبه.

51

و الدّخول و حومل و توضح و المقراة: مواضع ما بين إمّرة إلى أسود[1]العين. و قال أبو عبيدة في سقط اللوى و سقط الولد و سقط النار/سقط و سقط و سقط ثلاث لغات. و قال أبو زيد: اللوى: أرض تكون بين الحزن و الرمل فصلا بينهما. و قال الأصمعيّ: قوله «بين الدّخول فحومل» خطأ و لا يجوز إلا بواو «و حومل» ؛ لأنه لا يجوز أن يقال:

رأيت فلانا بين زيد فعمرو، إنما يقال و عمرو؛ و يقال: رأيت زيدا فعمرا إذا رأى كلّ/واحد منهما بعد صاحبه.

و قال غيره: يجوز «فحومل» كما يقال: مطرنا بين الكوفة فالبصرة، كأنه قال: من الكوفة إلى البصرة، يريد أن المطر لم يتجاوز ما بين هاتين الناحيتين؛ و ليس هذا مثل بين زيد فعمرو. و يعف رسمها: يدرس. و نسجتها: ضربتها مقبلة و مدبرة فعفتها. يعني أن الجنوب تعفي هذا الرسم إذا هبّت و تجي‏ء الشمأل فتكشفه. و قال غير أبي عبيدة: المقراة ليس اسم موضع إنما هو الحوض الذي يجمع فيه الماء. و الرسم: الأثر الذي لا شخص له. و يروي «لما نسجته» يعني الرسم. و يقال عفا يعفو عفوّا و عفاء؛ قال الشاعر:

على آثار من ذهب العفاء

يعني محو الأثر. و فاطمة التي خاطبها فقال «أ فاطم مهلا» بنت العبيد بن ثعلبة بن عامر بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة، و هي التي يقول فيها:

لا و أبيك ابنة العامريّ‏[2]

«و أزمعت صرمي» ، يقال أزمعت و أجمعت و عزمت و كله سواء. يقول: إن كنت عزمت على الهجر فأجملي. و يقول الأسير: أجملوا في قتلي، قتلة أحسن من هذه، أي على رفق و جميل. و الصّرم: القطيعة، و الصّرم المصدر؛ يقال:

/صرمته أصرمه صرما مفتوح إذا قطعته، و منه سيف صارم أي قاطع، و منه الصّرام‏[3]، و منه الصرائم و هي القطع من الرمل تنقطع من معظمه. قوله: «سلّي ثيابي من ثيابك» كناية، أي اقطعي أمري من أمرك. و قوله تنسل: تبن عنها. و يقال للسنّ إذا بانت فسقطت و النّصل إذا سقط: نسل ينسل، و هو النسيل و النّسال.

و قال قوم: الثياب: القلب. و قوله: «و ما ذرفت عيناك» أي ما بكيت إلاّ لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتّل. قال الأصمعيّ: يعني أنك ما بكيت إلاّ لتخرقي قلبا معشّرا، أي مكسّرا، شبهه بالبرمة إذا كانت قطعا، و يقال: برمة أعشار. قال: و لم أسمع للأعشار واحدا. يقول: لتضربي بسهميك أي بعينيك فتجعلي قلبي مخرّقا فاسدا كما يخرّق الجابر أعشار البرمة؛ فالبرمة تنجبر إذا أخرقت و أصلحت، و القلب لا ينجبر. قال: و مثله قوله:

رمتك ابنة البكريّ عن فرع ضالة

أي نظرت إليك فأفرحت قلبك. و قال غير الأصمعيّ و هو قول الكوفيين: إنما هذا مثل أعشار الجزور، و هي تنقسم [1]إمرة: منزل في طريق من البصرة بعد القريتين إلى جهة مكة، و بعد رامة و هي منهل. و أسود العين: جبل بنجد يشرف على طريق البصرة إلى مكة.

[2]يريد قوله:

فلا و أبيك ابنة العامري # لا يدعي القوم أني أفرّ

في قصيدته التي مطلعها:

أ حار بن عمرو كأني خمر # و يعدو على المرء ما يأتمر

[3]الصرام (بفتح الصاد و كسرها) : جذاذ النخل أي أوان إدراكه.

52

على عشرة أنصباء، فضربت فيها بسهميك المعلى‏[1]و له سبعة أنصباء و الرقيب و له ثلاثة أنصباء، فأراد أنها ذهبت بقلبه كلّه. مقتّل أي مذلّل، يقال بعير مقتّل أي مذلّل. تسلّت: ذهبت. يقال: سلوت عنه و سليت إذا طابت نفسك بتركه. قال رؤية:

لو أشرب السّلوان ما سليت‏

/و العمايات: الجهالات. عدّ الجهل عمي. و الصّبا: اللعب. قال ابن السّكّيت: صبا يصبو صبوا و صبوا[2]و صباء و صبا. انجل: انكشف. و الأمر الجليّ: المنكشف. و قوله: أنا ابن جلا أي أنا ابن المكشوف الأمر المشهور غير المستور، و منه جلاء العروس و جلاء السيف. و قوله «فيك بأمثل» يقول: إذا جاءني الصباح و أنا فيك فليس ذلك بأمثل، لأن الصبح قد يجي‏ء و الليل مظلم بعد. يقول: ليس الصبح بأمثل و هو فيك، أي يريد أن يجي‏ء منكشفا منجليا لا سواد فيه. و لو أراد أن الصباح فيك أمثل من الليل لقال: منك بأمثل و مثله قول حميد بن ثور في ذكر مجي‏ء/الصبح و الليل باق:

فلما تجلّى الصبح عنها و أبصرت # و في غبش الليل الشخوص الأباعد

غبش الليل: بقيّته. هذا قول يعقوب بن السّكّيت. «و بيضة خدر» شبّه المرأة بالبيضة لصفائها و رقّتها. «غير معجل» أي لم يعجلني أحد عما أريده منها. و الخباء: ما كان على عمودين أو ثلاثة. و البيت: ما كان على ستة أعمدة إلى تسعة. و الخيمة: من الشّعر. و قوله: «يسرّون مقتلي» ، قال الأصمعيّ: يسرّونه، و روى غيره: يشرّون بالشين المعجمة أي يظهرونه. و قال الشاعر:

فما برحوا حتى أتى اللّه نصره # و حتى أشرّت بالأكفّ الأصابع‏[3]

أي أظهرت. و قال غيرهما: لو يسرّونه: من الإسرار أي لو يستطيعون قتلي لأسرّوه من الناس و قتلوني. قال أبو عبيدة: «دارة جلجل» في الحمى، و قال ابن الكلبيّ:

/هي عند عين كندة. و يروى سيما مخفّفة و سيّما مشدّدة. و يقال: ربّ رجل و ربّ رجل و ربّت‏[4]رجل. و من القرّاء من يقرأ رُبَمََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مخفّفة. و قرأ عليه رجل «ربّما» فقال له: أظنّك يعجبك الرّبّ‏[5].

و يروى:

فيا عجبا من رحلها المتحمّل‏

[1]سهام الميسر عشرة و هي: الفذ و التوأم و الضريب و يقال له الرقيب و الحلس (بالكسر) و النافس و المسبل (بضم الميم و كسر الباء) و المعلى، و ثلاثة ليس لها شي‏ء و هي الوغد و السفيح و المنيح. قال ابن الأنباري: فأما الفذ فله سهم واحد إن فاز و على صاحبه غرم سهم أن خاب. و التوأم له سهمان أن فاز و عليه سهمان إن خاب... و هكذا على الترتيب.

[2]في الأصول: «صبيا» ، و التصويب عن كتب اللغة.

[3]ورد هذا البيت في «اللسان» (مادة شرر) هكذا:

فما برحوا حتى رأى اللّه صبرهم # و حتى أشرت بالأكف المصاحف‏

و ذكر أنه لكعب بن جعيل أو للحصين بن الحمام المري يذكره يوم صفين. يريد: و حتى نشرت المصاحف و رفعها أصحاب معاوية بالأكف على أطراف الرماح.

[4]و فيها لغات أخرى غير ذلك.

[5]الرب: ما يطبخ من الثمر.

53

أي يا عجبا لسفهي و سبابي يومئذ. و يروي:

و قد أغتدي و الطير في وكراتها

بالراء. قال أبو عبيدة: و الأكنات في الجبال كالتّماريد[1]في السهل، و الواحدة أكنة و هي الوقنات، و الواحدة أقنة، و قد وقن يقن. و قال الأصمعيّ: إذا أوى الطير إلى وكره قيل وكر يكر و وكن يكن، و يقال: إنه جاءنا و الطير وكّن ما خرجن. و المنجرد: القصير الشّعرة، و ذلك من العتق. و الأوابد: الوحش، و تأبّدت: توحّشت، و تأبّد الموضع إذا توحّش و قيد الأوابد: يعني الفرس. يقول: هو قيد لها لأنها لا تفوته كأنها مقيّدة. و الهيكل: العظيم من الخيل و من الشجر؛ و منه سمّي بيت النصارى الهيكل. و قال أبو عبيدة: يقال: قيد الأوابد و قيد الرّهان، و هو الذي كأن طريدته في قيد له إذا طلبها، و كأن مسابقه في الرّهان مقيّد. قال أبو عبيدة: و أوّل من قيّدها امرؤ القيس. و المنجرد: القصير الشّعرة الصافي الأديم. و الهيكل الذكر، و الأنثى هيكلة، و الجمع هياكل، و هو العظيم العبل الكثيف الليّن. و قوله «مكرّ مفرّ» يقول: إذا شئت أن أكرّ عليه وجدته، و كذلك إذا أردت أن أفرّ عليه أو أقبل أو أدبر. و الجلمود:

الصخرة. و وصفها بأن السيل/حطّها من عل لأنها إذا كانت في أعلى الجبل كان أصلب لها. «من عل» : من فوق.

و يقال من عل عل و من علا و من علو و من عال و من علو و من معال. و قوله «سيري و أرخي زمامه» أي هوّني عليك الأمر و لا تبالي أعقر أم سلم. «و جناك» كلّ شي‏ء اجتنيته من قبلة و ما أشبه: ذلك هو الجنى، و هو من الإنسان مثل الجنى من الشجر أي ما اجتنى من ثمره. و المعلّل: الملهّي.

غنّى في «قفا نبك» ، و «أ فاطم مهلا» ، و «أغرّك» و «و ما ذرفت عيناك» معبد لحنا من الثقيل الأوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى. و غنّى معبد أيضا في الأوّل و الرابع من هذه الأبيات خفيف رمل بالوسطى. و غنّى سعيد بن جابر في الأربعة الأبيات رملا. و غنّت عريب في:

أغرّك مني أن حبّك قاتلي‏

و بعده شعر ليس منه و هو:

/

فلا تحرجي من سفك مهجة عاشق # بلى فاقتلي ثم اقتلي ثم فاقتلي‏[2]

فلا تدعي أن تفعلي ما أردته # بنا، ما أراك اللّه من ذاك فافعلي‏

و لحنها فيها خفيف رمل. و غنّى ابن محرز في «تسلّت عمايات الرجال» و بعده «ألا أيها الليل الطويل» ثاني ثقيل بالوسطى. و غنّى فيهما عبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ ثاني ثقيل آخر بالسبّابة في مجرى البنصر. و غنّت جميلة في «تسلت عمايات الرجال» و بعده «ألا رب يوم لك» لحنا من الثقيل الأوّل عن الهشامي. و غنّت عزّة الميلاء في «تسلّت عمايات الرجال» و بعده «و يوم عقرت للعذارى مطيتي» ثقيلا أوّل آخر عن الهشاميّ. و غنّت حميدة جارية ابن تفّاحة في «و بيضة خدر» و «تجاوزت أحراسا» لحنا من الثقيل الأوّل بالوسطى. و لطويس في «قفانبك» /و بعده «فتوضح فالمقراة» ثقيل أوّل آخر. و في «أ فاطم مهلا» و «أغرّك مني أن حبّك قاتلي» ليزيد بن الرّحال هزج. و لأبي عيسى بن الرشيد في «وفد أغتدي» و «مكرّ مفرّ» ثقيل أوّل. و لفليح في «قفا نبك» و بعده «أغرّك منّي» رمل.

[1]التماريد: جمع تمراد (بالكسر) و هو برج صغير للحمام.

[2]لعل صوابه: «ثمت اقتلي» لقبح اجتماع حرفي عطف متواليين.

54

و قيل: إن لمعبد في «و بيضة خدر» لحنا من الثقيل الأوّل، و قيل: هو لحن حميدة. و لعريب في هذين البيتين خفيف ثقيل من رواية أبي العبيس. و غنّى سلام بن الغسّال-و قيل بل عبيدة أخوه-في «و إن كنت قد ساءتك مني» و «أغرّك مني» رملا بالوسطى. و غنّى في «فقلت لها سيرى و أرخى زمامه» سعدويه بن نصر ثاني ثقيل. و غنّى في «قفا نبك» و بعده «فتوضح فالمقراة» إبراهيم الموصليّ ثقيلا أوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن ابن المكّيّ. و زعم حبش أن لإسحاق فيهما ثقيلا. و غنّى في «أغرّك مني» و «و ما ذرفت» ابن سريج خفيف رمل بالوسطى من رواية ابن المكّيّ، و قيل: بل هو من منحوله. و غنّى بديح مولى ابن جعفر في «و ما ذرفت عيناك» بيتا واحدا ثقيلا أوّل مطلقا في مجرى الوسطى عن ابن المكّيّ. فجميع ما جمع في هذه المواضع مما وجد في شعر «قفا نبك» من الأغاني صحيحها و المشكوك فيه منها اثنان و عشرون لحنا: منها في الثقيل الأوّل تسعة أصوات، و في الثقيل الثاني ثلاثة أصوات، و في الرمل أربعة أصوات، و في خفيف الرمل صوتان، و في الهزج صوت، و في خفيف الثقيل ثلاثة أصوات.