الأغاني - ج10

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
469 /
241

الجزء العاشر

مقدمة التحقيق‏

بيان حول الجزء العاشر

بحمد اللّه و حسن توفيقه، تمّ هذا الجزء بعد مقابلته بأصوله المخطوطة و المطبوعة، و بعد تصحيح ما وفّقنا له، و ضبط ما ينبغي ضبطه من لغة و أسماء، و تحرّي وجه الصواب جهد الطاقة فيما وضعناه من شروح و تعليقات.

و الأصول التي اعتمدنا عليها في المراجعة هي الأصول التي اعتمدنا عليها في مراجعة الأجزاء السابقة، و قد تقدّم وصف هذه الأصول جميعا في تصدير الجزء الأول. و تقدّم في هذا التصدير أن النسخة التي اصطلحنا على أن نرمز لها بحرف «أ» مكتوبة بخطوط مختلفة.

و المجلد الذي راجعنا عليه في هذا الموضع من هذه النسخة مكتوب بالخط المغربي، كتبه-كما هو وارد في آخر صفحة منه-بثغر الجزائر محمد بن محمد المدعو السلاوي الحسني الفاسي المنشأ و الدار في أواخر جمادي الثانية من سنة ست و تسعين و مائة و ألف هجرية. و هو أكبر حجما من سائر مجلدات هذه النسخة؛ إذ يبلغ طول صحفة 31 سنتيمترا، و عرضها 20 و طول ما رسم من الكتابة في الصحف 22 بعرض 13 و في كل صفحة 29 سطرا. أما سائر الأجزاء فهي دونه في الحجم و في عدد السطور. و أوّل هذا المجلد محلى و مجدول بالذهب، و يقع في 303 ورقة و باقي الصحف مجدول بالمداد الأحمر.

و يبتدئ هذا المجلد بأخبار عنترة بن شدّاد العبسي التي تقع في أوّل صفحة 237 من الجزء الثامن من هذه الطبعة، و ينتهي بأخبار أبي زبيد و تقع في الجزء الثاني عشر من هذه الطبعة.

و هذا الاختلاف بين هذا المجلد و سائر المجلدات يدل على أنه ليس من أسفار النسخة التي في دار الكتب المصرية و المرقومة برقم 1318 أدب، و إنما جمع معها و سلك في رقمها. و في آخره ما يدل على ذلك صراحة إذ ورد فيه: «تم السفر الثالث من كتاب الأغاني... » و هذا السفر يصل إلى قريب من نصف الكتاب مع أن هذه النسخة تقع في أربعة عشر مجلدا كما قلنا في وصفها في تصدير الكتاب. و واضح من هذا أن هذا المجلد لا بد أن يكون جزءا من نسخة أخرى لا تعدو أسفارها ستة أو سبعة على الأكثر.

و قد اطلع على هذا المجلد كما اطلع على سائر مجلدات هذه النسخة الأستاذ الكبير شيخ الأزهر الشيخ حسن بن محمد العطار من جلّة العلماء و الأدباء في القرن الثالث عشر الهجري.

و قد وضعت لهذا الجزء فهارس كاملة كالأجزاء السابقة، غير أنا توسعنا في فهرس هذا الجزء عند ذكر أسماء رجال السند؛ إذ لم نكتف بذكر رقم أو رقمين لكل رجل بل أثبتنا كل أرقام الراوي إذا اختلف من روى عنهم أو من رووا عنه، ليكون ذلك مرجعا للرجال الذين روى عنهم أبو الفرج أخباره التي ذكرها في كتابه.

242

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

243

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* <الجزء العاشر من كتاب الأغاني>

1-أخبار دريد بن الصمة و نسبه‏

نسبه:

هو دريد بن الصّمّة. و اسم الصّمّة، فيما ذكر أبو عمرو، معاوية الأصغر بن الحارث بن معاوية الأكبر بن بكر بن علقة، و قيل علقمة، بن خزاعة بن غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. و أما أبو عبيدة فقال: هو دريد بن الصّمّة، و اسمه معاوية بن الحارث بن بكر بن علقة و لم يذكر معاوية. و قال ابن سلاّم: الحارث بن معاوية بن بكر بن علقة.

صفاته:

و دريد بن الصّمّة فارس شجاع شاعر فحل، و جعله محمد بن سلاّم أوّل شعراء الفرسان. و قد كان أطول الفرسان الشعراء غزوا، و أبعدهم أثرا، و أكثرهم ظفرا، و أيمنهم نقيبة عند العرب، و أشعرهم دريد[1]بن الصّمّة.

قتل يوم حنين:

و قال أبو عبيدة: كان دريد بن الصّمّة سيّد بني جشم و فارسهم و قائدهم، و كان مظفّرا ميمون النّقيبة، و غزا نحو مائة غزاة ما أخفق في واحدة منها، و أدرك/الإسلام فلم يسلم، و خرج مع قومه في يوم حنين مظاهرا للمشركين، و لا فضل فيه للحرب، و إنّما أخرجوه تيمّنا به و ليقتبسوا من رأيه، فمنعهم مالك بن عوف من قبول مشورته، و خالفه لئلا يكون له ذكر، فقتل دريد يومئذ على شركه. و خبره يأتي بعد هذا.

إخوته:

و كان لدريد أخوة و هم عبد اللّه الذي قتلته غطفان، و عبد يغوث قتله بنو مرّة، و قيس قتله بنو أبي بكر بن كلاب، و خالد قتله بنو الحارث بن كعب، أمّهم جميعا ريحانة بنت معد يكرب الزّبيديّ أخت عمرو بن معد يكرب كان الصّمّة سباها ثم تزوّجها فأولدها بنيه. و إيّاها يعني أخوها عمرو بقوله في شعره:

أ من ريحانة الدّاعي السّميع # يؤرّقني و أصحابي هجوع

/إذا لم تستطع شيئا[2]فدعه # و جاوزه إلى ما تستطيع‏

[1]يلاحظ بأدنى تأمل أن سياق الكلام مستغن عن ذكر هذا الاسم.

[2]في «أ، حـ، م» : «أمزا» .

244

ابنه و بنته شاعران:

و كان لدريد ابن يقال له سلمة، و كان شاعرا و هو الذي رمى أبا عامر الأشعريّ‏[1]بسهم فأصاب ركبته فقتله و ارتجز فقال:

إن تسألوا عنّي فإني سلمه # ابن سمادير[2]لمن توسّمه

أضرب بالسيف رءوس المسلمة

و كانت لدريد أيضا بنت يقال لها عمرة[و كانت‏][3]شاعرة، و لها فيه مراث كثيرة.

شعره في الصبر على النوائب:

أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة و أخبرني به محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، و أخبرني بأخبار/له مجموعة و متفرّقة جماعة من شيوخنا أذكرهم في مواضعهم، و أخبرني أيضا بخبره محمد بن خلف بن المرزبان عن صالح بن محمد عن أبي عمرو الشّيبانيّ و قد بيّنت رواية كل واحد منهم في موضعها، قال أبو عبيدة سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أحسن شعر قيل في الصبر على النوائب قول دريد بن الصّمّة حيث يقول:

تقول أ لا تبكي أخاك!و قد أرى # مكان البكا لكن بنيت على الصبر

لمقتل عبد اللّه و الهالك الذي # على الشّرف الأعلى قتيل أبي بكر

و عبد يغوث أو خليلي خالد # و عزّ مصابا حثو[4]قبر على قبر

أبى القتل إلاّ آل صمّة إنهم # أبوا غيره و القدر يجري إلى القدر

فإمّا ترينا ما تزال دماؤنا # لدى واتر يشقى بها آخر الدهر

فإنّا للحم السيف غير نكيرة # و نلحمه‏[5]حينا و ليس بذي نكر

يغار علينا واترين فيشتفى # بنا إن أصبنا، أو نغير على وتر

بذاك قسمنا الدّهر شطرين قسمة # فما ينقضي إلا و نحن على شطر

و أخبرني ابن عمّار قال: حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال حدّثني محمد بن القاسم الأسديّ عن صاعد مولى الكميت بن زيد يقول: أحسن شعر قيل في الصبر على النوائب قول دريد بن الصّمّة، و ذكر هذه الأبيات.

يوم اللوى و مقتل أخيه عبد اللّه و ما رثاه به من الشعر:

قال أبو عبيدة: فأما عبد اللّه بن الصّمّة فإن السبب في مقتله إنه كان غزا غطفان و معه بنو جشم و بنو نصر [1]أبو عامر الأشعري هو ابن عم أبي موسى الأشعري، و قد كان هذا الحادث يوم حنين.

[2]سمادير اسم أم سلمة امرأة دريد بن الصمة.

[3]الزيادة عن «حـ» .

[4]في «أ» : «حثى قبر» يقال: حثوت عليه التراب أحثوه حثوا و حثيته أحثية حثيا، و الياء أعلى.

[5]لحمه (من باب فتح) : أطعمه اللحم. و في «الصحاح» : «و لا تقل ألحمه و الأصمعي يقوله» .

245

أبناء معاوية فظفر بهم و ساق أموالهم في يوم يقال له يوم اللّوى و مضى بها. و لما كان منهم غير بعيد قال: انزلوا بنا، فقال له/أخوه دريد: يا أبا فرعان-و كانت لعبد اللّه ثلاث كنى: أبو فرعان، و أبو ذفافة، و أبو أوفى، و كلّها قد ذكرها دريد في شعره-: نشدتك اللّه ألاّ تنزل فإنّ غطفان ليست بغافلة عن أموالها، فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه‏[1]و ينقع نقيعه‏[2]، فيأكل و يطعم و يقسم البقيّة بين أصحابه، فبينا هم في ذلك و قد سطعت الدّواخن، إذا بغبار قد ارتفع أشدّ من دخانهم، و إذا عبس و فزارة و أشجع قد أقبلت فقالوا لربيئتهم‏[3]: انظر ما ذا ترى؟فقال أرى قوما جعادا كأن سرابيلهم قد غمست في الجاديّ‏[4]قال: تلك أشجع، ليست بشي‏ء. ثم نظر فقال: أرى قوما كأنهم الصّبيان، أسنّتهم عند آذان خيلهم. /قال: تلك فزارة. ثم نظر فقال: أرى قوما أدمانا[5]كأنما يحملون الجبل‏[6]بسوادهم، يخدّون‏[7]الأرض بأقدامهم خدّا، و يجرّون رماحهم جرّا، قال: تلك عبس و الموت معهم!فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللّوى فاقتتلوا فقتل رجل من بني قارب و هم من بني عبس عبد اللّه بن الصّمّة فتنادوا: قتل أبو ذفافة!فعطف دريد فذبّ عنه فلم يغن شيئا و جرح دريد فسقط فكفّوا عنه و هم يرون أنه قتل، و استنقذوا المال و نجا من هرب. فمرّ الزّهدمان و هما من بني عبس، و هما زهدم و قيس ابنا حزن بن وهب بن رواحة و إنما قيل لهم الزّهدمان تغليبا لأشهر الاسمين عليهما، كما قيل العمران لأبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، و القمران للشمس و القمر. قال دريد: فسمعت زهدما العبسيّ يقول لكردم الفزاريّ إني لأحسب دريدا حيّا/فانزل فأجهز عليه، قال: قد مات، قال: انزل فانظر إلى سبّته‏[8]هل ترمّز؟قال دريد: فسددت من حتارها[9]أي من شرجها، قال فنظر فقال: هيهات، أي قد مات، فولّى عنّي، قال و مال بالزّجّ في شرج دريد فطعنه فيه فسال دم كان قد احتقن في جوفه، قال دريد فعرفت الخفّة حينئذ فأمهلت، حتى إذا كان الليل مشيت و أنا ضعيف قد نزفني‏[10]الدّم حتى ما أكاد أبصر، فجزت بجماعة تسير[11]فدخلت فيهم، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة، فنفر البعير فنادت: نعوذ باللّه منك، فانتسبت لها فأعلمت الحيّ بمكاني، فغسل عنّي الدم و زوّدت زادا و سقاء فنجوت، و زعم بعض الغطفانيّين أن المرأة كانت فزاريّة و أنّ الحيّ كانوا علموا بمكانه فتركوه فداوته المرأة حتى برأ و لحق بقومه، قال: ثم حجّ كردم بعد ذلك في نفر من بني عبس، فلما قاربوا ديار دريد تنكّروا خوفا، و مرّ بهم فأنكرهم، فجعل يمشي فيهم و يسألهم من هم؟فقال له كردم: عمّن تسأل؟فدفعه دريد، و قال:

أمّا عنك و عمّن معك فلا أسأل أبدا، و عانقه، و أهدي إليه فرسا و سلاحا، و قال له: هذا بما فعلت بي يوم اللّوى.

[1]المرباع بكسر أوله: ربع الغنيمة، و هو حظ الرئيس في الجاهلية.

[2]نقع الشي‏ء في الماء و غيره ينقعه (من باب فتح) فهو نقيع، و مثله أنقعه. نبذه: أي اتخذ منه النبيذ.

[3]الربيئة: الطليعة.

[4]الجاديّ: الزعفران.

[5]الأدمان: جمع آدم على مثال سودان و حمران. و الآدم من الناس: الأسمر.

[6]في جـ م: «الأرض» .

[7]يخدون: يشقون.

[8]السبة بالضم: الاست. و ترمز (بحذف إحدى تاءيها) : تضطرب و تتحرك.

[9]الحتار بالكسر: ما أحاط بالشي‏ء كحتار الغربال و المنخل.

[10]يقال: نزف الدم فلانا فهو منزوف و نزيف أي سال منه دم كثير حتى يضعف.

[11]في «أ، م» : «قيس» .

246

و قال دريد يرثي أخاه عبد اللّه:

أرثّ جديد الحبل من أمّ معبد # بعاقبة[1]و أخلفت كلّ موعد

و بانت و لم أحمد إليك جوارها # و لم ترج منّا ردّة اليوم أوغد

/و هي طويلة و فيها يقول:

أ عاذلتي كلّ امرئ و ابن أمّه # متاع كزاد الراكب المتزوّد

أعاذل إن الرّزء أمثال خالد[2] # و لا رزء ممّا أهلك المرء عن يد

نصحت لعارض و أصحاب عارض # و رهط بني‏[3]السّوداء و القوم شهّدي

فقلت لهم ظنّوا[4]بألفي مدجّج # سراتهم في الفارسيّ المسرّد

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى # فلم يستبينوا الرّشد إلاّ ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم و قد أرى # غوايتهم و أنّني‏[5]غير مهتد

و هل أنا إلاّ من غزيّة[6]إن غوت # غويت، و إن ترشد غزيّة أرشد

دعاني أخي و الخيل بيني و بينه # فلما دعاني لم يجدني بقعدد[7]

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا # فقلت أعبد اللّه ذلكم الرّدي

/فإن يك عبد اللّه خلّى مكانه # فلم يك وقّافا و لا طائش اليد

/و لا برما[8]إذا الرياح تناوحت # برطب العضاه و الهشيم المعضّد

نظرت إليه و الرّماح تنوشه‏[9] # كوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد

فطاعنت عنه الخيل حتى تبدّدت # و حتى علاني اشقر اللّون مزبد[10]

[1]بعاقبة أي بأخرة.

[2]ذكر المؤلف فيما مر إخوة دريد و ذكر منهم خالدا و عبد اللّه. و التصريح بهذا الاسم في هذا الشعر الذي قاله دريد في رثاء أخيه عبد اللّه خاصة يدل على أن عبد اللّه و خالدا و عارضا (المذكور في البيت التالي) ثلاثة أسماء لشخص واحد و قد صرح بذلك شارح الحماسة جـ 2 ص 156 حيث قال: «عارض هو أخو دريد و كانت له ثلاثة أسماء عارض و عبد اللّه و خالد، و ثلاث كنى كان يكنى أبا أوفى و أبا ذفافة و أبا فرعان أو أبا فرغان» .

[3]رهط بني السوداء يعني بهم أصحاب أخيه عبد اللّه. و القوم شهدي أي شهودي.

[4]ظنوا: أي أيقنوا أو معناه ما ظنكم بألفين من الأعداء راصدين لكم يرقبونكم. و المدجج: التام السلاح، من الدجة و هي شدة الظلمة لأن الظلمة تستر كل شي‏ء، و المدجج يستر نفسه بالسلاح. و سراتهم: أشرافهم و سادتهم. و الفارسي المسرد عني به الدروع المتتابعة الحلق في نسجها.

[5]كذا في «حـ» و «الحماسة» . و في «سائر الأصول» : «أو» .

[6]غزية: قبيلة من هوازن. و هي رهط الشاعر.

[7]القعدد كقنفذ: الجبان اللئيم القاعد عن المكارم.

[8]البرم: الضجر. و تناوحت الرياح هبت صبا مرة و شمالا مرة و جنوبا مرة، و ذلك آية الجدب. و العضاه: كل شجر يعظم و له شوك.

و الهشيم: النبت اليابس المتكسر. و المعضد: المقطع بالمعضد.

[9]تنوشه: تتناوله. و الصياصي: جمع صيصية و هي شوكة الحائك التي يسوى بها السداة و اللحمة.

[10]هذه رواية الأصول و فيه إقواء. و رواية «الحماسة» ،

247

فما رمت حتى خرّقتني رماحهم # و غودرت أكبو في القنا المتقصّد[1]

قتال امرئ واسى أخاه بنفسه # و أيقن أنّ المرء غير مخلّد

صبور على وقع المصائب حافظ # من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

في بعض هذه الأبيات غناء و هو:

صوت‏
تمثل عليّ عليه السّلام بشعره:

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى # فلم يستبينوا الرّشد إلاّ ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم و قد أرى # غوايتهم و أنّني غير مهتد

و هل أنا إلاّ من غزيّة إن غوت # غويت و إن ترشد غزيّة أرشد

الغناء ليحيى المكيّ ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر من رواية ابنه أحمد، و ذكره إسحاق في هذه الطريقة و لم ينسبه إلى أحمد. و هذه الأبيات تمثّل بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه عند منصرفه من صفّين.

/حدّثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ قال حدّثنا حسين بن نضر بن مزاحم قال حدّثنا عمر بن سعيد عن أبي مخنف عن رجاله أن عليّا عليه السّلام لمّا اختلفت كلمة أصحابه في أمر الحكمين و تفرّقت الخوارج و قالوا له ارجع عن أمر الحكمين و تب و اعترف بأنك كفرت إذ حكّمت، و لم يقبل ذلك منهم، و خالفوه و فارقوه تمثّل بقول دريد:

أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى # فلم يستبينوا الرّشد إلاّ ضحى الغد

الأبيات:

أخوه عبد اللّه و أسماؤه و كناه:

قال أبو عبيدة: كانت لعبد اللّه بن الصّمّة ثلاثة أسماء و ثلاث كنى: عبد اللّه و معبد و خالد. و يكنى أبا ذفافة و أبا فرعان و أبا أوفى.

و قال دريد:

أبا ذفافة من للخيل إذ طردت # فاضطرّها الطعن في وعث‏[2]و إيجاف

يا فارس الخيل في الهيجاء إذ شغلت # كلتا اليدين درورا غير وقّاف‏

له أفضل بيت في الصبر على النوائب:

فطاعنت عنه الخيل حتى تنفست # و حتى علاني حالك اللون أسودي‏

قال التبريزي: و يروي أسود على الإقواء. و أسودي يريد أسوديا كما قيل في الأحمر أحمري و في الدوّار دوّاري ثم خففت ياء النسب بحذف إحداهما.

[1]المتقصد: المتكسر.

[2]الوعث هنا: الطريق الخشن الغليظ العسر. و الإيجاف: سرعة السير.

248

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس أنه كان يقول: أفضل بيت قالته العرب في الصبر على النوائب قول دريد بن الصّمّة:

قليل التّشكّي للمصيبات حافظ # من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

عاتبته زوجته أم معبد على بكائه أخاه فطلقها و قال شعرا:

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير عن أبي المهاجر، و ذكر مثله أبو عمرو الشّيبانيّ، أنّ أمّ معبد التي ذكرها دريد في شعره هذا كانت امرأته فطلّقها، لأنها/رأته شديد الجزع على أخيه، فعاتبته على ذلك و صغّرت شأن أخيه و سبّته، فطلّقها و قال فيها:

أرثّ جديد الحبل من أم معبد # بعاقبة و أخلفت كلّ موعد

/و بانت و لم أحمد إليك جوارها # و لم ترج منا ردّة اليوم أوغد

فقالت له أمّ معبد: بئس و اللّه ما أثنيت عليّ يا أبا قرّة!لقد أطعمتك مأدومي، و بثثتك مكتومي، و أتيتك باهلا[1]غير ذات صرار و ما استفرمت‏[2]قبلك إلاّ من حيض.

و قال أبو عبيدة في خبره: بلغ دريد بن الصّمّة أن زوجته سبّت أخاه فطلّقها و ألحقها بأهلها و قال في ذلك:

أعبد اللّه إن سبّتك عرسي # تقدّم بعض لحمي قبل بعض

إذا عرس امرئ شتمت أخاه # فليس فؤاد شانئه بحمض‏[3]

معاذ اللّه أن يشتمن رهطي # و أن يملكن إبرامي و نقضي‏

حارب غطفان يوم الغدير طلبا بثأر أخيه و قال شعرا:

أخبرنا هاشم بن محمد قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال:

أغار دريد بن الصّمّة بعد مقتل أخيه عبد اللّه على غطفان يطالبهم بدمه، فاستقراهم‏[4]حيّا حيّا، و قتل من بني عبس ساعدة بن مرّ، و أسر ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب، أسره مرّة بن عوف الجشميّ. فقالت بنو جشم: لو فاديناه‏[5]!فأبى ذلك دريد عليهم، و قتله بأخيه عبد اللّه، و قتل من بني فزارة رجلا يقال له حزام و إخوة له، و أصاب/جماعة من بني مرّة و من بني ثعلبة بن سعد و من أحياء غطفان، و ذلك في يوم الغدير. و في هذا اليوم و في من قتل فيه منهم يقول:

تأبّد من أهله معشر # فجوّ سويقة[6]فالأصفر

[1]الباهل «في الأصل» : الناقة لإصرار عليها، تريد أنها أباحته نفسها.

[2]كذا في «حـ» ، و استفرمت المرأة: تضيقت بالفرم (بفتح أوله و إسكان ثانيه) أي عالجت ذلك الموضع منها ليضيق و يستحصف، و ربما تتعالج بحب الزبيب و نحوه تضيق به متاعها.

[3]فؤاد حمض: فاسد متغير.

[4]استقراهم: تتبعهم.

[5]فاداه: أطلقه و قبل فديته. و في «القرآن الكريم» وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسََارى‏ََ تُفََادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرََاجُهُمْ .

[6]تأبد: أقفر. و معشر و جو سويقة و الأصفر أسماء مواضع.

249

فجزع الحليف‏[1]إلى واسط # فذلك مبدى و ذا محضر

فأبلغ سليمى و ألفافها[2] # و قد يعطف النّسب الأكبر

بأنّي ثأرت بإخوانكم # و كنت كأنّي بهم مخفر[3]

صبحنا فزارة سمر القنا # فمهلا فزارة لا تضجروا

و أبلغ لديك بني مازن # فكيف الوعيد و لم تقرروا

فإن تقتلوا فتية أفردوا # أصابهم الحين أو تظفروا

فإنّ حزاما لدى معرك # و أخوته حولهم أنسر

و يوم يزيد بني ناشب # و قبل يزيدكم الأكبر

أثرنا صريخ بني ناشب # و رهط لقيط فلا تفخروا

تجرّ الضّباع‏[4]بأوصالهم # و يلقحن منهم و لم يقبروا

/و يقول في ذلك أيضا دريد بن الصّمّة في قصيدة له أخرى:

جزينا بني عبس جزاء موفّرا # بمقتل عبد اللّه يوم الذّنائب‏[5]

و لو لا سواد الليل أدرك ركضنا # بذي الرّمث و الأرطى‏[6]عياض بن ناشب

قتلنا بعبد اللّه خير لداته # ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب‏

قال أبو عبيدة: أنشد عبد الملك بن مروان شعر دريد بن الصّمّة هذا فقال: كاد دريد أن ينسب ذؤاب بن أسماء إلى آدم. فلما بلغ المنشد قوله:

و لو لا سواد الليل أدرك ركضنا # بذي الرّمث و الأرطى عياض بن ناشب‏

/قال عبد الملك: ليت الشمس كانت بقيت له قليلا حتى يدركه.

قال أبو عبيدة و قال دريد أيضا في هذه الوقعة:

قتلنا بعبد اللّه خير لداته # و خير شباب الناس لو ضمّ أجمعا

ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب # منيّته أجرى‏[7]إليها و أوضعا

فتى مثل متن السيف يهتزّ للنّدى # كعالية الرّمح الرّدينيّ أروعا

[1]الجزع: منعطف الوادي. و الحليف و واسط: موضعان.

[2]ألفافها: قومها المجتمعون حولها، مفرده لف بالكسر.

[3]أخفره: نقض عهده و غدره. و الهمزة فيه للإزالة أي أزال خفارته كأشكاه إذا أزال شكواه.

[4]يشير إلى ما هو معروف عن الضبع من أنها إذا لقيت قتيلا بالعراء و ورم و انتفخ غرموله تأتيه فتركبه و تقضي حاجتها منه ثم تأكله (راجع «نهاية الأرب» ج 9 ص 274 طبع دار الكتب المصرية و «الحيوان» للجاحظ طبع مصر ج 5 ص 40) .

[5]الذنائب يوم من أيام العرب المشهورة (راجع «الأغاني» ج 5 ص 35-63 طبع دار الكتب المصرية) .

[6]ذو الرمث: موضع. و الرمث و الأرطى نبتان.

[7]أجرى إليها: قصد إليها.

250

أغرته أمه بالاستعانة بأخواله في ثأر أخيه فأبى و قتل ذؤاب بن أسماء:

و قال ابن الكلبيّ: قالت ريحانة بنت معد يكرب لدريد بن الصّمّة بعد حول من مقتل أخيه: يا بنيّ إن كنت عجزت عن طلب الثأر بأخيك فاستعن بخالك و عشيرته من زبيد، فأنف من ذلك و حلف لا يكتحل و لا يدّهن و لا يمسّ طيبا و لا يأكل لحما و لا يشرب خمرا حتى يدرك ثأره، فغزا هذه الغزاة و جاءها بذؤاب بن أسماء فقتله بفنائها، و قال: هل بلغت ما في نفسك؟!قالت: نعم متّعت بك!و روي عن ابن الكلبيّ لريحانة في هذا المعنى أبيات لم تحضرني و قد كتبت خبرها.

أخوه قيس بن الصمة و مقتله:

و أمّا قتيل أبي بكر الذي ذكره دريد فإنه أخوه قيس بن الصّمّة، قتله بنو أبي بكر بن كلاب. و كان السبب في ذلك، فيما أخبرني به هاشم بن محمد عن دماذ عن أبي عبيدة، أنّه غزا في قومه بني خزاعة من بني جشم، فأغاروا على إبل لبني كعب بن أبي بكر بن كلاب، فانطلقوا بها. و خرج بنو أبي بكر بن كلاب في طلبها حتى إذا دنوا منهم قال عمرو بن سفيان الكلابيّ، و كان حازما عاقلا، امكثوا، و مضى هو متنكّرا حتى لقي رجلا من بني خزاعة فسلّم عليه و استسقاه فسقاه و انتسب له هلاليّا، فسأله عن قومه و أين مرعى إبلهم، و أعلمه أنه جاء رائدا[1]لقومه يريد مجاورتهم، فخبّره الرجل بكلّ ما أراد، فرجع إلى قومه و قد عرف بغيته، فصبح القوم فظفرت بهم بنو كلاب و قتلوا قيس بن الصّمّة، و ذهبوا بإبل بني خزاعة و ارتجعوا إبلهم‏[2]. و كان يقال لعمرو بن سفيان ذو السيفين، لأنه كان يلقى الحرب و معه سيفان خوفا من أن يخونه أحدهما. و إيّاه عنى دريد بن الصّمّة بقوله:

إنّ امرأ بات عمرو بين صرمته‏[3] # عمرو بن سفيان ذو السّيفين مغرور

يا آل سفيان ما بالي و بالكمو # هل تنتهون و باقي القول مأثور؟

يا آل سفيان ما بالي و بالكمو # أنتم كبير و في الأحلام عصفور

هلاّ نهيتم أخاكم عن سفاهته # إذ تشربون و غاوي الخمر مدحور؟

لا أعرفن لمّة سوداء داجية # تدعو كلابا و فيها الرمح مكسور

لن تسبقوني و لو أمهلتكم‏[4]شرفا # عقبى إذا أبطأ الفحج‏[5]المخاصير[6]

خبر الحرب بين بني عامر و بني جشم و بين أسد و غطفان:

و أخبرنا بخبر ابتداء هذه الحروب محمد بن العبّاس اليزيديّ قال قرأت على أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ قال:

[1]في ب، س، حـ: «زائرا» و هو تحريف.

[2]في ب، س: «أموالهم» .

[3]الصرمة بكسر الصاد: القطيع من الإبل و الغنم اختلف في عدده.

[4]في ب، س: «أهملتكم» .

[5]الفحج بضم الفاء و سكون الحاء: جمع أفحج أو فحجاء، وصف من الفحج بفتح الفاء و الحاء و هو تباعد ما بين أوساط الساقين من الرجل و الدابة.

[6]المخاصير: جمع مخصور و هو الذي يشتكي خصره.

251

أغارت بنو عامر بن صعصعة و بنو جشم بن معاوية على أسد و غطفان، و كان دريد بن الصّمّة و عمرو بن سفيان بن ذي اللّحية متساندين‏[1]، فدريد على بني جشم بن معاوية، و عمرو بن سفيان على بني عامر. فقال عبد اللّه بن الصّمّة/لأخيه: إنّي غير معطيك الرّئاسة، و لكنّ لي في هذا اليوم شأنا. ثم اشترك عبد اللّه و شراحيل بن سفيان، فلما أغار القوم أخذ عبد اللّه من نعم بني أسد ستّين و أصاب القوم ما شاءوا. و أدرك رجل من بني جذيمة عبد اللّه بن الصّمّة فقال له عبد اللّه بن الصّمّة: ارجع فإني كنت شاركت شراحيل بن سفيان، فإن استطاع دريد فليأته و ليأخذ مالي منه. و أقام دريد في أواخر الحيّ فقال له عمرو: ارتحل بالناس قبل أن يأتيك الصّراخ‏[2]، فقال: إني أنتظر أخي عبد اللّه. حتى إذا أطال عليه قال له: إن أخاك قد أدرك فوارس من الحليفيّين يسوقون بظعنهم فقتلوه. فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيث يفترقون قال دريد لشراحيل‏[3]: إن عبد اللّه أنبأني و لم يكذبني قطّ أن له شركة مع شراحيل فأدّوا إلينا شركته. فقالوا له: ما شاركناه قطّ. فقال دريد: ما أنا بتارككم حتى أستحلفكم عند ذي الخلصة (وثن من أوثانهم) . فأجابوه إلى ذلك و حلفوا، ثم جاء عبد اللّه بغنيمة عظيمة فجاءوه ينشدونه الشّرك. فقال لهم دريد: أ لم أحلّفكم حين ظننتم أن عبد اللّه قد قتل. فقالوا: ما حلفنا و جعلوا يناشدون عبد اللّه أن يعطيهم، فقال: لا، حتى يرضى دريد، فأبى أن يرضى فتوعّدوه أن يسرقوا إبله. فقال دريد في ذلك:

/

هل مثل قلبك في الأهواء معذور # و الحبّ بعد مشيب المرء مغرور

و ذكر الأبيات التي تقدّمت في الخبر قبل هذا و زاد فيها:

إذا غلبتم صديقا تبطشون به # كما تهدّم في الماء الجماهير[4]

و أنتم معشر في عرقكم شنج‏[5] # بزخ الظهور و في الأستاه تأخير

قد علم القوم أنّي من سراتهم # إذا تقبّض في البطن المذاكير

و قد أروع سوام القوم ضاحية # بالجرد يركضها الشّعث المغاوير[6]

يحملن كلّ هجان‏[7]صارم ذكر[8] # و تحتهم شزّب‏[9]قبّ مضامير

أو عدتم إبلي كلاّ سيمنعها # بنو غزيّة لا ميل و لا صور[10]

[1]التساند: التعاضد.

[2]الصراخ: صوت الاستغاثة.

[3]بالتأمل في سياق هذه القصة يلاحظ أن هذه الكلمة زائدة.

[4]الجماهير: الرمال الكثيرة المتراكمة.

[5]العرق: الأصل. و الشنج: التقبض و التقلص، و البزخ: تقاعس الظهر عن البطن، و قيل هو خروج الصد و دخول الظهر يريد أنهم مشوهو الأجسام غير أهل للرئاسة.

[6]الجرد: جمع أجرد و هو الفرس القصير الشعر. و الشعث جمع أشعث و هو المغبر الرأس المتلبد الشعر. و المغاوير جمع مغوار و هو المقاتل الكثير الغارات.

[7]الهجان: الكريم.

[8]كذا في «حـ» . و في «سائر الأصول» : «كرم» .

[9]الشزب: جمع شازب، و هو الضامر اليابس، و القب: جمع أقب و هو من الخيل الدقيق الخصر الضامر البطن.

[10]الصور: جمع أصور و هو المائل و في حـ، أ، م «و لا عور» .

252

أخوه عبد يغوث و مقتله و ما رثاه به:

و أمّا عبد يغوث بن الصّمّة و خبر مقتله فإنه كان ينزل بين أظهر بني الصّادر فقتلوه. قال أبو عبيدة في خبره:

قتله مجمّع بن مزاحم أخو شجنة بن مزاحم و هو من بني يربوع بن غيظ بن مرّة. فقال دريد بن الصّمّة:

أبلغ نعيما و أوفى إن لقيتهما # إن لم يكن كان في سمعيهما صمم

فما أخي بأخي سوء فينقصه # إذا تقارب بابن الصّادر القسم

/و لن يزال شهابا يستضاء به # يهدي المقانب‏[1]ما لم تهلك الصّمم‏[2]

عاري الأشاجع‏[3]معصوب بلمّته # أمر الزّعامة، في عرنينه شمم‏

خالد بن الصمة و مقتله:

قال أبو عبيدة: أمّا قوله «أو نديمي خالد» ، فإنه يعني خالد بن الصّمّة؛ فإن بني الحارث بن كعب غزت بني جشم بن معاوية، فخرجوا إليهم فقاتلوهم فقتلت بنو الحارث خالد بن الصّمّة، و إيّاه عنى. و قال غير أبي عبيدة:

خالد بن الحارث‏[4]الذي عناه دريد هو عمّه خالد بن الحارث أخو الصّمّة/بن الحارث قتلته أحمس (بطن من شنوءة) ، و كان دريد بن الصّمّة أغار عليهم في قومه فظفر بهم و استاق إبلهم و أموالهم و سبى نساءهم و ملأ يديه و أيدي أصحابه، و لم يصب أحد ممّن كان معه إلاّ خالد بن الحارث عمّه، رماه رجل منهم بسهم فقتله؛ فقال دريد بن الصّمّة يرثيه:

يا خالدا خالد الأيسار و النّادي # و خالد الرّيح إذ هبّت بصرّاد[5]

و خالد القول و الفعل المعيش به # و خالد الحرب إذ عضّت بأزراد[6]

و خالد الرّكب إذ جدّ السّفار بهم # و خالد الحيّ لمّا ضنّ بالزاد

/و قال أبو عبيدة: قال دريد يرثي أخاه خالدا:

أميم أجدّي عافي الرّزء و اجشمي # و شدّي على رزء ضلوعك و ابأسي

حرام عليها أن ترى في حياتها # كمثل أبي جعد فعودي أو اجلسي

أعفّ و أجدى نائلا لعشيرة # و أكرم مخلود[7]لدى كلّ مجلس

و ألين منه صفحة لعشيرة # و خيرا أبا ضيف و خيرا لمجلس‏

[1]المقانب: جمع مقنب و هو الجماعة من الخيل تجتمع للغارة.

[2]الصمم: جمع صمة و هو الشجاع. و لعله عنى قومه.

[3]الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، و قيل هي عروق ظاهر الكف واحدها أشجع. و العرنين: الأنف.

[4]كذا في «الأصول» . و لعله: «خالد الذي عناه دريد هو عمه خالد بن الحارث... إلخ» .

[5]الصراد: الغيم الرقيق لا ماء فيه.

[6]كذا في أ، م، . و الأزراد: جمع زرد و هي الدرع المزرودة؛ سميت بذلك للينها و تداخل بعضها في بعض. و في «سائر الأصول» :

«قصت بأوراد» . و الأوراد: جمع ورد، و الورد من معانيه القطيع من الطير و الجيش على التشبيه به.

[7]كذا في الأصول.

253

تقول هلال خارج من غمامة # إذا جاء يجري في شليل‏[1]و قونس

يشدّ متون الأقربين بهاؤه # و يخبث نفس الشانئ المتعبّس

و ليس بمكباب‏[2]إذا الليل جنّه # نؤوم إذا ما أدلجوا في المعرّس

و لكنّه مدلاج ليل إذا سرى # يندّ[3]سراه كلّ هاد مملّس‏[4]

هذه رواية أبي عبيدة.

يوم ثيل:

و أخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن عمّه العبّاس بن هشام عن أبيه أن خالد بن الصّمّة قتل في غارة أغارتها بنو الحارث بن كعب على بني نصر بن معاوية في يوم يقال له يوم ثيل‏[5]، فأصابوا ناسا من بني نصر.

و بلغ الخبر بني جشم فلحقوهم، و رئيس بني جشم يومئذ مالك بن حزن، فاستنقذوا ما كان في أيديهم من غنائم بني نصر، فأصابوا ذا القرن الحارثيّ أسيرا و فقئوا عين شهاب بن أبان الحارثيّ بسهم، /و قتل يومئذ خالد بن الصّمّة و كان مع مالك بن حزن، و أصابت بنو جشم منهم ناسا، و كان رئيس بني الحارث بن كعب يومئذ شهاب بن أبان، و لم يشهد دريد بن الصّمّة ذلك اليوم؛ فلما رجعوا قتلوا ذا القرن بخالد بن الصّمّة، و لما قدّم لتضرب عنقه، صاح بأوس بن الصّمّة، و كان له صديقا، و لم يكن أوس حاضرا، فلم ينفعه ذلك و قتل. فلما قدم أوس غضب و قال: أ قتلتم رجلا استجار باسمي!فقال عوف بن معاوية في ذلك:

نبّئت أوسا بكى ذا القرن إذ شربا # على عكاظ بكاء غال مجهودي‏[6]

إنّي حلفت بما جمّعت من نشب # و ما ذبحت على أنصابك السّود

لتبكينّ قتيلا منك مقتربا # إنّي رأيتك تبكي للأباعيد

قصة زواجه بامرأة وجدها ثيبا:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة، و أخبرني عبد اللّه بن مالك النحويّ الضّرير قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال:

تزوّج دريد بن الصّمّة امرأة فوجده ثيّبا، و كانوا قالوا له إنها بكر، فقام عنها قبل أن يصل إليها، /و أخذ سيفه فأقبل به إليها ليضربها، فتلقّته أمّها لتدفعه عنها، فوقف يديها (أي حزّهما و لم يقطعهما) ، فنظر إليها بعد ذلك و هي معصوبة فقال:

أقرّ العين أن عصبت يديها # و ما إن تعصبان على خضاب‏

[1]الشليل: الغلالة تلبس تحت الدرع. و القونس: أعلى بيضة الحديد، و قيل مقدم البيضة.

[2]المكباب: الكثير النظر إلى الأرض.

[3]يندّ: يشر، و ينفر.

[4]كذا في الأصول. و الظاهر أنها محرفة عن «عملس» و هو القوي الشديد على السفر أو القوي على السير السريع، و مثله «العمرس» .

[5]لم نجد يوما بهذا الاسم فيما راجعنا من مصادر. و في ياقوت: «ثيتل بالفتح ثم السكون ماء قرب النباج كانت به وقعة مشهورة» .

[6]في «جـ» : «مجلودي» .

254

فأبقاهنّ أن لهنّ جدّا # و واقية كواقية الكلاب‏

قالوا: يريد أن الكلب يصيبه الجرح فيلحس نفسه فيبرأ.

ما جرى بينه و بين عياض الثعلبي:

قال أبو عبيدة و ابن الأعرابيّ جميعا في هذه الرواية: أسر دريد بن الصّمّة عياضا الثّعلبيّ أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فأنعم‏[1]عليه. ثم إن دريدا أتاه بعد ذلك يستثيبه. فقال له: ائت رحلك حتى أبعث إليك بثوابك؛ فانصرف دريد. فبعث إليه بوطب‏[2]نصفه لبن و نصفه بول. فغضب دريد و لم يلبث إلاّ قليلا حتى أغار على بني ثعلبة، و استاق إبل عياض، و أفلت عياض منه جريحا؛ فقال دريد في ذلك من قصيدة:

فإن تنج يدمى عارضاك فإنّنا # تركنا بنيك للضّباع و للرّخم‏[3]

جزيت عياضا كفره و عقوقه # و أخرجته من المدفّأة[4]الدّهم

ألا هل أتاه ما ركبنا سراتهم # و ما قد عقرنا من صفيّ‏[5]و من قرم‏

هجا عبد اللّه بن جدعان ثم مدحه:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: هجا دريد بن الصّمّة عبد اللّه بن جدعان التّيميّ تيم قريش فقال:

هل بالحوادث و الأيام من عجب # أم بابن جدعان عبد اللّه من كلب

است حميت‏[6]و هي في عكم ربّته # في يوم حرّ شديد الشرّ و الهرب

إذا لقيت بني حرب و أخوتهم # لا يأكلون عطين‏[7]الجلد و الأهب

لا ينكلون و لا تشوي‏[8]رماحهم # من الكماة ذوي الأبدان و الجبب‏[9]

/فاقعد بطينا مع الأقوام ما قعدوا # و إن غزوت فلا تبعد من النّصب

فلو ثقفتك‏[10]وسط القوم ترصدني # إذا تلبّس منك العرض‏[11]بالحقب‏

[1]أنعم عليه: أطلقه.

[2]الوطب: سقاء للبن يتخذ من جلد.

[3]الرخم: (بضم الراء و سكون الخاء) : جمع رخمة (بفتح الراء و الخاء) . و هي طائر أبقع على شكل النسر خلقة إلا أنه مبقع بسواد و بياض يقال له الأنوق.

[4]المدفأة: الإبل الكثيرة الأوبار و الشحوم.

[5]الصفي: الناقة الغزيرة اللبن. و القرم: الفحل.

[6]الحميت: المتين. و العكم (بكسر العين و سكون الكاف) : العدل يجعل فيه المتاع و يشد عليه بالعكام أي الحبل. و يلاحظ أن هذا الشطر غير واضح.

[7]العطين: الجلد المدبوغ.

[8]تشوي: تصيب الشوى و لا تقتل. و الشوى: الأطراف.

[9]الأبدان: جمع بدن و هو هنا الدرع القصيرة. و الجبب: جمع جبة و هي هنا الدرع أيضا.

[10]ثقفه: صادفه.

[11]العرض هنا: الجسد، و الحقب شي‏ء تتخذه المرأة تعلق به معاليق الحلي تشده على وسطها. يريد إذا صادفتك وسط القوم لبست

255

و ما سمعت بصقر ظلّ يرصده # من قبل هذا بجنب المرج‏[1]من خرب‏[2]

قال: فلقيه عبد اللّه بن جدعان بعكاظ فحيّاه و قال له: هل تعرفني يا دريد؟قال لا. قال: فلم هجوتني؟ قال: و من أنت؟قال: أنا عبد اللّه بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت امرأ كريما، فأحببت أن أضع شعري موضعه. فقال له عبد اللّه: لئن كنت هجوت لقد مدحت؛ و كساه و حمله على ناقة برحلها. فقال دريد يمدحه:

إليك ابن جدعان أعملتها # مخفّفة للسّرى و النّصب

فلا خفض حتّى تلاقي امرأ # جواد الرّضا و حليم الغضب

و جلدا إذا الحرب مرّت به # يعين عليها بجزل الحطب

رحلت البلاد فما إن أرى # شبيه ابن جدعان وسط العرب

سوى ملك شامخ ملكه # له البحر يجري و عين الذّهب‏

تغزل في الخنساء و خطبها فامتنعت و تهاجيا:

/أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم موقوفا عليه لم يتجاوزه إلى غيره، و حدّثني حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة عن الأصمعيّ و أبي عبيدة، و أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة، و أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدثني عليّ بن المغيرة عن أبي عبيدة، و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان/قال حدّثني أبو بكر العامريّ قال حدّثني ابن نوبة[3]عن أبي عمرو الشّيبانيّ، و أخبرني عمّي قال حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابيّ‏[4]، و قد جمعت أخبارهم على اختلاف ألفاظهم في هذا الموضع، أن دريد بن الصّمّة مرّ بالخنساء بنت عمرو بن الشّريد، و هي تهنأ بعيرا لها و قد تبذّلت حتى فرغت منه، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت و دريد بن الصّمّة يراها و هي لا تشعر به فأعجبته؛ فانصرف إلى رحله و أنشأ يقول:

حيّوا تماضر و اربعوا صحبي # وقفوا فإن وقوفكم حسبي

أخناس قد هام الفؤاد بكم # و أصابه تبل من الحبّ

ما إن رأيت و لا سمعت به # كاليوم طالي أينق جرب

متبذّلا تبدو محاسنه # يضع الهناء مواضع النّقب‏[5]

متحسّرا نضح الهناء به # نضح العبير بريطة العصب‏[6]

لبسة النساء و استخفيت.

[1]كذا في «الأصول» . و لعله «المرخ» و هو شجر سريع الورى يقتدح به.

[2]الخرب: ذكر الحباري، و قيل الحباري كلها.

[3]الذي في جـ، أ: «... و أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو نوبة... إلخ» .

[4]في أ، م هنا زيادة، هي: «و أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو بكر العامري عن ابن الأعرابي» .

[5]الهناء: القطران. و النقب (بضم النون و تسكين القاف أو فتحها) : القطع المتفرقة من الجرب. و الواحدة نقبة، و قيل هي أول ما يبدو من الجرب.

[6]في ب، س: «العطب» . و العطب (بالضم و بضمتين) : القطن.

256

فسليهم عنّي خناس إذا # عضّ الجميع الخطب ما خطبي‏

-قالوا: و تماضر اسمها. و الخنساء لقب غلب عليها-فلما أصبح غدا على أبيها[1]فخطبها إليه. فقال له أبوها: مرحبا بك أبا قرّة!إنك للكريم لا يطعن في حسبه، و السيّد لا يردّ عن حاجته، و الفحل لا يقرع أنفه. -و قال أبو عبيدة خاصّة مكان «لا يطعن في حسبه» «لا يطعن في عيبه» [2]-و لكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها، و أنا ذاكرك لها/و هي فاعلة. ثم دخل إليها و قال لها: يا خنساء، أتاك فارس هوازن و سيّد بني جشم دريد بن الصّمّة يخطبك و هو من تعلمين، و دريد يسمع قولهما. فقالت: يا أبت، أ تراني تاركة بني عمّي مثل عوالي الرّماح و ناكحة شيخ بني جشم هامة[3]اليوم أو غد!. فخرج إليه أبوها فقال: يا أبا قرّة قد امتنعت، و لعلّها أن تجيب فيما بعد.

فقال: قد سمعت قولكما، و انصرف. هذه رواية من ذكرت. و قال ابن الكلبيّ: قالت لأبيها: أنظرني حتى أشاور نفسي، ثم بعثت خلف دريد وليدة فقالت لها: انظري دريدا إذا بال، فإن وجدت بوله قد خرق الأرض ففيه بقيّة، و إن وجدته قد ساح على وجهها فلا فضل فيه. فاتّبعته وليدتها ثم عادت إليها فقالت: وجدت بوله قد ساح على وجه الأرض، فأمسكت. و عاود دريد أباها فعاودها فقالت له هذه المقالة المذكورة؛ ثم أنشأت تقول:

أ تخطبني، هبلت، على دريد # و قد أطردت‏[4]سيّد آل بدر!

معاذ اللّه ينكحني حبركى‏[5] # يقال أبوه من جشم بن بكر

/و لو أمسيت في جشم هديّا[6] # لقد أمسيت في دنس و فقر

فغضب دريد من قولها و قال يهجوها:

وقاك اللّه يا ابنة آل عمرو # من الفتيان أمثالي و نفسي

فلا تلدي و لا ينكحك مثلي # إذا ما ليلة طرقت بنحس

/لقد علم المراضع في جمادى # إذا استعجلن عن حزّ[7]بنهس

بأنّي لا أبيت بغير لحم # و أبدأ بالأرامل حين أمسي

و أنّى لا ينال الحيّ ضيفي‏[8] # و لا جاري يبيت خبيث نفس

إذا عقب القدور تكنّ مالا[9] # تحتّ حلائل الأبرام عرسي‏

[1]في «الأمالي» ج 2 ص 161 طبع دار الكتب المصرية أنه خطبها إلى أخيها معاوية.

[2]كذا في الأصول. و لعلها: «في غيبة» بالغين المعجمة.

[3]يقال: فلان هامة اليوم أو غد؛ إذا شاخ و أشرف على الموت.

[4]أطردت: أمرت بطرده.

[5]الحبركى: الغليظ الطويل الظهر القصير الرجلين، و الأنثى منه حبركاة. و قد ورد هذا البيت في «اللسان» هكذا:

و لست بمرضع ثديي حبركي # قصير الشبر من جشم بن بكر

[6]الهدي: العروس.

[7]الحز: القطع. و النهس: تعرّق ما على العظم و انتزاعه بمقدم الأسنان.

[8]رواية «الأمالي» :

و أني لا يهر الضيف كلبي‏

أي لا ينبح في وجهه لأنسه به.

[9]كذا في «حـ» . و في «سائر الأصول» : «تكن ملأى» و هو تحريف. و رواية هذا الشطر في «الأمالي» و «اللسان» (في مادة برم) : «إذا

257

و أصفر من قداح النّبع صلب # خفيّ الوسم في ضرس‏[1]و لمس

دفعت إلى المفيض‏[2]إذا استقلّوا # على الرّكبات‏[3]مطلع كلّ شمس

فإن أكدى‏[4]فتامكة تؤدّى‏[5] # و إن أربى فإني غير نكس

و تزعم أنني شيخ كبير # و هل خبّرتها أني ابن أمس

/تريد شرنبث‏[6]القدمين شثنا # يبادر بالجدائر كلّ كرس

و ما قصرت يدي عن عظم أمر # أهمّ به و لا سهمي بنكس

و ما أنا بالمزجّى‏[7]حين يسمو # عظيم في الأمور و لا بوهس‏

قال: فقيل للخنساء: أ لا تجيبينه؟فقالت: لا أجمع عليه أن أردّه و أهجوه.

آخر أيامه و شعره بعد أن أسن و ضعف جسمه:

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: لما أسنّ دريد جعل له قومه بيتا مفردا عن البيوت، و وكّلوا به أمة تخدمه، فكانت إذا أرادت أن تبعد في حاجة قيّدته بقيد الفرس. فدخل إليه رجل من قومه فقال له: كيف أنت يا دريد؟فأنشأ يقول:

أصبحت أقذف أهداف المنون‏[8]كما # يرمي الدّريئة[9]أدنى فوقة[10]الوتر

عقب القدور عددن مالا» . و عقبه القدر: ما التزق بأسفلها من تابل و غيره. و تحت: تعجل، يقال حته دراهمه إذا عجل له النقد.

و قد وردت هذه الكلمة في الأصول «تحب» و التصويب عن «اللسان» . يريد أنه إذا اشتد القحط و عدّت عقب القدور مالا عجلت زوجته العطاء لزوجات الأبرام. و الأبرام: اللئام، الواحد: برم، و هو في «الأصل» الذي لا يدخل مع القوم في الميسر.

[1]ضرس السهم: عجمه.

[2]المفيض: الضارب بالقداح.

[3]في الأصول: «الركبان» و التصويب عن «الأمالي» ؛ و يروى فيه:

دفعت إلى النجيّ و قد تجاثوا # على الركبات مطلع كل شمس‏

قال أبو علي قال لنا أبو بكر قال أبو حاتم عن الأصمعي: هذا غلط، إنما هو مغرب كل شمس، لأن الأيسار إنما يتياسرون بالعشيات.

[4]أكدى: أخفق و لم يصب.

[5]كذلك في الأصول. و يلاحظ أنه لم يرد في «كتب اللغة» إلا التامك بدون هاء التأنيث. و التامك: الناقة العظيمة السنام أو السنام نفسه. و النكس: الرجل الضعيف لا خير فيه.

[6]الشرنبث: الغليظ. و الشئن: الغليظ أيضا. و الكرس: ما تكرس أي صار بعضه فوق بعض. و الجدائر: جمع جديرة و هي الحظيرة.

و قد رواه أبو علي في «الأمالي» :

تريد أ فيحج الرجلين شثنا # يقلع بالجديرة كل كرس‏

و قال: و يروى:

تريد شرنبث الكفين شئنا # يقلع بالجدائر كل كرس‏

[7]المزجي من القوم: المزلج و هو الملصق بالقوم و ليس منهم، و الرجل الناقص المروءة، و الدون من كل شي‏ء، و البخيل. و الوهس:

الذليل الموطوء.

[8]في أ، م: «السنين» . و في حـ: «المئين» .

[9]الدريئة: حلقة يتعلم عليها الرامي الرمي؛ قال عمرو بن معد يكرب:

ظلت كأني للرماح دريئة # أ قاتل عن أبناء جرم و فرّت‏

[10]في «اللسان» : «الفوق: مشق رأس السهم حيث يقع الوتر. و حرفاه: زنمتاه. و هذيل تسمى الزنمتين الفوقتين.

258

في منصف‏[1]من مدى تسعين من مائة # كرمية الكاعب العذراء بالحجر

في منزل نازح م الحيّ منتبذ # كمربط العير لا أدعى إلى خبر

/كأنّني خرب‏[2]قصّت قوادمه # أو جثّة من بغاث في يدي خصر[3]

يمضون أمرهم دوني و ما فقدوا # منّي عزيمة أمر ما خلا كبري

و نومة لست أقضيها و إن متعت‏[4] # و ما مضى قبل من شأوي و من عمري

و أنني رابني قيد حبست به # و قد أكون و ما يمشى على أثري

إن السّنين إذا قرّبن من مائة # لوين مرّة[5]أحوال على مرر

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: قالت امرأة دريد له: قد أسننت و ضعف جسمك و قتل أهلك و فني شبابك، و لا مال لك و لا عدّة، فعلى أيّ شي‏ء تعوّل إن طال بك العمر أو على أي شي‏ء تخلّف أهلك إن قتلت؟فقال دريد:

صوت‏

أعاذل إنما أفنى شبابي # ركوبي في الصّريخ إلى المنادي

مع الفتيان حتى كلّ جسمي # و أقرح عاتقي حمل النّجاد

أعاذل إنه مال طريف # أحبّ إليّ من مال تلاد

أعاذل عدّتي بدني‏[6]و رمحي # و كلّ مقلّص شكس القياد

و يبقى بعد حلم القوم حلمي # و يفنى قبل زاد القوم زادي‏

هذا الشعر رواه أبو عبيدة لدريد، و غيره يرويه لعمرو بن معد يكرب، و قول أبي عبيدة أصحّ. لابن‏[7] محرز في هذه الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر/عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أن لابن سريج فيها ثاني ثقيل بالبنصر. و خلط المغنّون بهذا الشعر قول عمرو بن معد يكرب في هذين اللحنين:

أريد حياته‏[8]و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد

و لو لا لاقيتني و معي # تكشّف شحم قلبك عن سواد

[1]منصف الشي‏ء: وسطه.

[2]الخرب: ذكر الحباري.

[3]كذا في الأصول. و لعلها «هصر» . و يقال ليث هصور و هصر (ككتف) و هصر (كصرد) .

[4]متعت: طابت.

[5]المرة: طاقة الحبل.

[6]البدن هنا: الدرع. و فرس مقلص (بكسر اللام) : طويل القوائم منضم البطن.

[7]في الأصول هنا. «و لابن محرز... إلخ» .

[8]في ب، س: «حباءه» .

259

قتلت بنو يربوع الصمة أباه فغزاهم:

و قال أبو عبيدة فيما رويناه عن دماذ عنه: قتلت بنو يربوع الصّمّة أبا دريد غدرا، و أسروا ابن عمّ له؛ فغزاهم دريد ببني نصر فأوقع ببني يربوع و بني سعد جميعا، فقتل فيهم. و كان فيمن قتل عمّار بن كعب؛ و قال فيهم:

دعوت الحيّ نصرا فاستهلّوا # بشبّان ذوي كرم و شيب

على جرد كأمثال السّعالي # و رجل مثل أهمية[1]الكثيب

فما جبنوا و لكنّا نصبنا # صدور الشّرعبيّة[2]للقلوب

فكم غادرن من كاب صريع # يمجّ نجيع جائفة[3]ذنوب

و تلكم عادة لبني رباب # إذا ما كان موت من قريب

فأجلوا و السّوام لنا مباح # و كلّ كريمة خو عروب

و قد ترك ابن كعب في مكرّ # حبيسا بين ضبعان و ذيب‏

كان أبوه شاعرا:

قال أبو عبيدة: و كان الصّمة أبو دريد شاعرا، و هو الذي يقول في حرب الفجار التي كانت بينهم و بين قريش:

/

لاقت قريش غداة العقيـ # ق أمرا لها وجدته وبيلا

و جئنا إليهم كموج الأتيّ‏[4] # يعلو النّجاد و يملا المسيلا

و أعددت للحرب خيفانة[5] # و رمحا طويلا و سيفا صقيلا

و محكمة من دروع القيو # ن تسمع للسيف فيها صليلا

و كان أخوه مالك شاعرا:

قال: و كان أخوه مالك بن الصّمّة شاعرا؛ و هو القائل يرثي أخاه خالدا:

أ بني غزيّة إنّ شلوا[6]ماجدا # وسط البيوت السّود مدفع كركر[7]

لا تسقني بيديك إن لم ألتمس # بالخيل بين هبولة[8]فالقرقر

[1]كذا في أكثر الأصول. و في م، حـ: «أمهية» و لا معنى لهما. فلعل الصواب «أهيلة» جمع هيال و هو ما انهال من الرمال.

[2]الشرعبية: الطويلة، يريد الرماح.

[3]الجائفة: الطعنة التي تنفذ إلى الجوف. و ذنوب: طويلة الشر و الأذى؛ و مثله قولهم: يوم ذنوب إذا كان طويل الشر لا ينقضي.

[4]الأتي: السيل لا يدري من أين أتى.

[5]الخيفانة: الفرس.

[6]الشلو (بالكسر) هنا: الجسد.

[7]كركر: علم على عدة مواضع.

[8]هبولة و القرقر: موضعان.

260

تحالف مع معاوية بن عمرو بن الشريد ورثاه:

/أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: تحالف دريد بن الصّمّة و معاوية بن عمرو بن الشّريد و تواثقا إن هلك أحدهما أن يرثيه الباقي بعده، و إن قتل أن يطلب بثأره. فقتل معاوية بن عمرو بن الشّريد، قتله هاشم بن حرملة بن الأشعر المرّيّ. فرثاه دريد بقصيدته التي أولها:

ألا هبّت تلوم بغير قدر # و قد أحفظتني و دخلت ستري

و إلاّ تتركي لومي سفاها # تلمك عليه نفسك غير عصر

و فيها يقول:

فإنّ الرّزء يوم وقفت أدعو # فلم أسمع معاوية بن عمرو

و لو أسمعته لأتاك يسعى # حثيث السّعي أو لأتاك يجري

بشكّة[1]حازم لا غمز فيه # إذا لبس الكماة جلود نمر[2]

/عرفت مكانه فعطفت زورا[3] # و أين مكان زور يا ابن بكر

على إرم‏[4]و أحجار ثقال # و أغصان من السلمات سمر

و بنيان القبور أتى عليها # طوال الدهر شهرا بعد شهر

حديث عارض الجشمي عنه و قد خرف:

أخبرني عبد اللّه بن مالك النحويّ قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال:

وقف عارض الجشميّ على دريد و قد خرف و هو عريان و هو يكوّم كوم بطحاء[5]بين رجليه يلعب بذلك؛ فجعل عارض يتعجّب مما صار إليه دريد. فرفع رأسه دريد إليه و قال:

كأنّني رأس حضن‏[6] # في يوم غيم و دجن‏[7]

يا ليتني عهد زمن # أنفض رأسي و ذقن

كأنّني فحل حصن # أرسل في حبل عنن

أرسل كالظّبي الأرن‏[8] # ألصق أذنا بأذن‏

قال: ثم سقط؛ فقال له عارض: انهض دريد!فقال:

[1]الشكة: السلاح.

[2]يقال: لبس فلان لفلان جلد النمر إذا تنكر له. و كانت ملوك العرب إذا جلست لقتل إنسان لبست جلود النمر ثم أمرت بقتل من تريد قتله.

[3]الزور في اللغة: الجمل القوي، و لعله هنا اسم جملة.

[4]الإرم: حجارة تنصب علما في المفازة.

[5]البطحاء هنا: الحصى الصغار.

[6]حضن: سم جبل.

[7]الدجن: جمع دجنة و هي الظلمة.

[8]الأرن: النشيط.

261

لا نهض في مثل زماني الأوّل # محنّب الساق شديد[1]الأعصل

ضخم الكراديس‏[2]خميص الأشكل‏[3] # ذي‏[4]حنجر رحب و صلب أعدل‏

خرج في حرب حنين و هو شيخ و نصح مالك بن عوف فخالفه:

حدّثنا محمد بن جرير الطّبري قال حدّثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الزّهريّ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه قال:

لمّا فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكة أقام بها خمس عشرة ليلة يقصر[5]، و كان فتحها في عشر ليال بقين من شهر رمضان. قال ابن إسحاق: و حدّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: لمّا سمعت به هوازن جمعها مالك بن عوف النّصريّ، فاجتمعت إليه ثقيف مع هوازن، و لم يجتمع إليه من قيس إلاّ هوازن و ناس قليل من بني هلال، و غابت عنها كعب و كلاب، فجمعت نصر و جشم و سعد و بنو بكر و ثقيف و احتشدت، و في بني جشم دريد بن الصّمّة شيخ كبير فان ليس فيه شي‏ء إلا التيمّن برأيه و معرفته بالحرب، و كان شيخا مجرّبا، و في ثقيف في الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود، و في بني مالك ذو الخمار سبيع/بن الحارث، و جماع أمر الناس إلى مالك بن عوف. فلمّا أجمع مالك المسير حطّ مع الناس أموالهم و أبناءهم و نساءهم. فلمّا نزلوا بأوطاس‏[6] اجتمع إليه الناس و فيهم دريد بن الصّمّة في شجار[7]له يقاد به. فقال لهم دريد: بأيّ واد أنتم؟قالوا:

بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، ليس بالحزن الضّرس‏[8]و لا السّهل الدّهس‏[9]. ما لي أسمع رغاء الإبل و نهيق الحمير و بكاء الصغير و ثغاء الشاء؟!قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم و نساءهم و أموالهم. فقال: أين مالك؟فدعي له به. فقال له: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، و إنّ هذا اليوم كائن له ما بعده من الأيام!. ما لي أسمع رغاء البعير و نهيق الحمير و بكاء الصّبيان و ثغاء الشاء؟!قال: سقت مع الناس نساءهم و أبناءهم و أموالهم. قال: /و لم؟قال: أردت أن أجعل مع كلّ رجل أهله و ماله ليقاتل عنهم. قال: فانقضّ به و وبّخه و لامه، ثم قال: راعي ضأن و اللّه (أي أحمق) !و هل يردّ المنهزم شي‏ء!إنها إن كانت لك لم ينفعك إلاّ رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك. ثم قال: ما فعلت كعب و كلاب؟قال: لم يشهدها أحد منهم. قال: غاب الحدّ و الجدّ!لو كان يوم علاء و رفعة لم تغب عنه كعب و كلاب!و لوددت أنكم [1]التحنيب: احديداب في وظيفي يدي الفرس، و هو مما يوصف صاحبه بالشدّة. و الأعصل: المعوج الصلب من كل شي‏ء، و منه ناب أعصل أي معوج شديد؛ قال أوس بن حجر:

رأيت لها نابا من الشر أعصلا

و في الأصول: «أعضل» بالضاد و هو تصحيف.

[2]الكراديس: جمع كردوس و هو كل عظم تام ضخم.

[3]ليس في «كتب اللغة» إلا الشاكلة بمعنى الخاصرة و هي المرادة في هذا الشعر.

[4]كذا في «جميع الأصول» : المراد به ليس واضحا.

[5]قصر الصلاة: أن يترك من ذوات الأربع ركعتين و يصلي ركعتين.

[6]أوطاس: واد بديار هوازن.

[7]الشجار: مركب أصغر من الهودج.

[8]الضرس: الصعب.

[9]الدهس: اللين السهل. ـ

262

فعلتم مثل ما فعلوا. فمن شهدها منهم؟قالوا: بنو عمرو بن عامر و بنو عوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان‏[1] من عامر لا ينفعان و لا يضرّان. ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة[2]بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا. ارفعهم إلى أعلى‏[3]بلادهم و علياء قومهم ثم الق القوم بالرجال على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، و إن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك و مالك و لم تفضح في حريمك. قال: لا و اللّه ما أفعل ذلك أبدا!إنك قد خرفت و خرف رأيك و علمك. و اللّه لتطيعنّني يا معشر هوازن أو لأتكئنّ على هذا السيف حتى يخرج من وراء ظهري-فنفس على دريد أن يكون له في ذلك اليوم ذكر و رأي-فقالوا له: أطعناك و خالفنا دريدا. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده و لم أغب عنه. ثم قال:

يا ليتني فيها جذع # أخبّ فيها و أضع

أقود وطفاء الزّمع # كأنّها شاة صدع‏

قال: فلما لقيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم انهزم المشركون فأتوا الطائف و معهم مالك بن عوف، و عسكر بعضهم بأوطاس و توجّه بعضهم نحو نخلة[4]، و تبعت خيل/رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من سلك نخلة، فأدرك ربيعة بن رفيع السّلميّ أحد بني يربوع بن سمّال‏[5]بن عوف دريد بن الصّمّة فأخذ بخطام جمله و هو يظن أنه‏[6]امرأة، و ذلك أنه كان في شجار له، فأناخ به فإذا هو برجل شيخ كبير و لم يعرفه الغلام. فقال له دريد: ما ذا تريد؟قال:

أقتلك. قال: و من أنت؟قال: أنا ربيعة بن رفيع السّلميّ. فأنشأ دريد يقول:

ويح ابن أكمة[7]ما ذا يريد # من المرعش الذّاهب الأدرد

فأقسم لو أنّ بي قوّة # لولّت فرائصه ترعد

و يا لهف نفسي ألاّ تكون # معي قوّة الشارخ‏[8]الأمرد

/ثم ضربه السّلميّ بسيفه فلم يغن شيئا. فقال له: بئس ما سلّحتك أمّك!خذ سيفي هذا من مؤخّر رحلي في القراب فاضرب به و ارفع عن العظام و اخفض عن الدّماغ، فإنّي كذلك كنت أفعل بالرجال، ثم إذا أتيت أمّك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصّمّة، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك!. فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال: لمّا ضربته بالسيف سقط فانكشف، فإذا عجانه‏[9]و بطن فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراء[10]. فلمّا رجع ربيعة [1]الجذع: الشاب الحدث.

[2]بيضة القوم: أصلهم و مجتمعهم.

[3]في السيرة: «متمنع بلادهم» .

[4]نخلة: المراد هنا نخلة اليمانية، و هي واد يصب فيه يدعان (اسم واد) و به مسجد لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و به عسكرت هوازن يوم حنين ( «معجم البلدان» لياقوت) .

[5]في الأصول: «سماك» و التصويب من «السيرة لابن هشام» و «القاموس» .

[6]كذا في السيرة. و في الأصول: «أنها» .

[7]كذا في الأصول. و في «مختصر الأغاني» : «تكمة» . و قد جاء في «سيرة ابن هشام» (ج 2 ص 852) أن ربيعة بن رفيع هذا يقال له ابن الدغنة و هي أمه فغلبت على اسمه، و يقال: ابن لذعة.

[8]كذا في «مختصر الأغاني» . و في سائر الأصول: «الشامخ» و الشارخ: الشاب.

[9]العجان: الدبر، و قيل هو ما بين الدبر و القبل.

[10]فرس عري: غير مسرج، وصف بالمصدر، ثم جعل اسما فجمع فقيل خيل أعراء. و لا يقال فرس عريان كما لا يقال رجل عري.

263

إلى أمّه أخبرها بقتله إياه؛ فقالت له: لقد أعتق قتيلك ثلاثا من أمهاتك. و بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في آثار من توجّه قبل أوطاس أبا عامر الأشعريّ ابن عمّ أبي موسى الأشعريّ، فهزمهم/اللّه جلّ و عزّ و فتح عليه. فيزعمون أنّ سلمة بن دريد بن الصّمّة رماه بسهم فأصاب ركبته فقتله (يعني أبا عامر) .

فقالت عمرة بنت دريد ترثيه:

جزى عنّا الإله بني سليم # و أعقبهم بما فعلوا عقاق‏[1]

و أسقانا إذا سرنا إليهم # دماء خيارهم يوم التّلاقي

فربّ منوّه بك من سليم # أجيب و قد دعاك بلا رماق‏[2]

و ربّ كريمة أعتقت منهم # و أخرى قد فككت من الوثاق‏

و قالت عمرة ترثيه أيضا:

قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا # و ظلّ دمعي على الخدّين يبتدر[3]

لو لا الذي قهر الأقوام كلّهم # رأت سليم و كعب كيف تأتمر

إذا لصبّحهم غبّا و ظاهرة[4] # حيث استقرّ نواهم جحفل ذفر[5]

استحثه قومه على الأخذ بثأر أخيه خالد من بني الحارث فقال شعرا و أجابه عبد اللّه بن عبد المدان:

و نسخت من كتاب مترجم بأنه نسخ من نسخة عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ يأثره عن أبيه قال قال محمد بن السّائب الكلبيّ:

كان دريد بن الصّمّة يوما يشرب مع نفر من قومه، فقالوا له: يا أبا ذفافة-و كان يكنى بأبي ذفافة و بأبي قرّة-أ ينجو بنو الحارث بن كعب منك و قد قتلوا/أخاك خالدا!؟فقال لهم: إنّ القوم جمرة[6]مذحج، و هم أكفاء جشم، و لا يجمل بي هجاؤهم. فاحفظوه بكثرة القول و أغضبوه، فقال:

يا بني الحارث أنتم معشر # زندكم وار و في الحرب بهم‏[7]

[1]في «لسان العرب» و «السيرة لابن هشام» : «و عقتهم» بدل «و أعقبهم» . و عقاق (بالبناء على الكسر) : العقوق.

[2]الرماق من العيش: البلغة و القليل يمسك الرمق.

[3]في أ، م: «ينحدر» . و في «سيرة ابن هشام» «فظل دمعي على السربال ينحدر» .

[4]كذا في «السيرة» لابن هشام. و قد جاء في «لسان العرب» (في مادة «غبب» ) : «و من كلامهم لأضربنك غب الحمار و ظاهرة الفرس؛ فغب الحمار أن يرعى يوما و يشرب يوما، و ظاهرة الفرس أن يشرب كل يوم نصف النهار» . و في الأصول: «عنا و ظاهرهم» و هو تحريف.

[5]كذا في «السيرة» . و الذفر: المتغير الرائحة؛ يقال: كتيبة ذفرا. أي إنها سهكة من الحديد و صدئه. و في الأصول «زفر» بالزاي و هو تحريف.

[6]يقال: بنو فلان جمرة، إذا كانوا أهل منعة و شدّة. و الجمرة: كل قوم يصبرون لقتال من قاتلهم لا يخالفون أحدا و لا ينضمون إلى أحد، تكون القبيلة نفسها جمرة تصبر لفراغ القبائل، كما صبرت عبس لقبائل قيس. قال أبو عبيدة: جمرات العرب ثلاثة بنو ضبة بن أد، و بنو الحارث بن كعب، و بنو نمير بن عامر، و طفئت منهم جمرتان: طفئت ضبة لأنها حالفت الرباب، و طفئت بنو الحارث لأنها حالفت مذحج، و بقيت نمير لم تطفأ لأنها لم تحالف.

[7]بهم: جمع بهمة و هو الشجاع.

264

و لكم خيل عليها فتية # كأسود الغاب يحمين الأجم

ليس في الأرض قبيل مثلكم # حين يرفضّ العدا غير جشم

لست للصّمّة إن لم آتكم # بالخناذيذ[1]تبارى في اللّجم

فتقرّ العين منكم مرّة # بانبعاث الحرّ نوحا تلتدم‏[2]

و ترى نجران منكم بلقعا # غير شمطاء و طفل قد يتم

فانظروها كالسّعالي‏[3]شزّبا # قبل رأس الحول إن لم أخترم‏

قال: فنمي قوله إلى عبد اللّه بن عبد المدان، فقال يجيبه:

نبّئت أنّ دريدا ظلّ معترضا # يهدي الوعيد إلى نجران من حضن‏[4]

/كالكلب يعوي إلى بيداء مقفرة # من ذا يواعدنا بالحرب لم يحن‏[5]

إن تلق حيّ بني الدّيّان تلقهم # شمّ الأنوف إليهم عزّة[6]اليمن

ما كان في الناس للدّيّان من شبه # إلاّ رعين و إلاّ آل ذي يزن

/أغمض جفونك عمّا لست نائله # نحن الذين سبقنا الناس بالدمن

نحن الذين تركنا خالدا عطبا # وسط العجاج كأنّ المرء لم يكن

إن تهجنا تهج أنجادا شرامحة[7] # بيض الوجوه مرافيدا على الزمن

أورى زياد لنا زندا و والدنا # عبد المدان و أورى زنده قطن‏[8]

رده أسماء بن زنباع عن ظعينته زينب و طعنه فأصاب عينه:

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أبو بكر العامريّ عن ابن الأعرابيّ قال:

أغار دريد بن الصّمّة في نفر من أصحابه، فمرّوا بأسماء بن زنباع الحارثي و معه ظعينته زينب، فأحاطوا به لينتزعوها في يده، فقاتلهم دونها فقتل منهم و جرح، ثم اختلف هو و دريد طعنتين: فطعنه دريد فأخطأه، و طعنه أسماء فأصاب عينه، و انهزم دريد و لحق بأصحابه؛ فقال دريد في ذلك:

شلّت يميني و لا أشرب معتّقة # إذ أخطأ الموت أسماء بن زنباع‏

قال: و هي قصيدة.

[1]الخناذيذ: جياد الخيل، واحدها خنذيذ.

[2]تلتدم: تضرب صدرها في النياحة.

[3]السعالي: الغيلان، واحدها سعلاة. و الشزب: جمع شازب و هو الضامر.

[4]حضن: جبل بنجد.

[5]لم يحن: لم يهلك.

[6]في الأصول: «غرة» بالراء المهملة و هو تصحيف.

[7]الشرامحة: جمع شرمح و هو القوي و الطويل.

[8]في هذا البيت إقواء و هو اختلاف حركة الروي.

265

قصته مع أنس بن مدركة الخثعمي و يزيد بن عبد المدان و شعره في ذلك:

و نسخت من كتاب أبي عمرو الشّيبانيّ الذي ذكرته يأثره عن محمد بن السّائب الكلبيّ قال:

جاور رجل من ثمالة عبد اللّه بن الصمّة، فهلك عبد اللّه و أقام الرجل في جوار دريد. و أغار أنس بن مدركة الخثعميّ على بني جشم، فأصاب مال الثّماليّ و أصاب ناسا من ثمالة كانوا جيرانا لدريد؛ فكفّ دريد عن طلب القوم و شغل بحرب من يليه، و قال لجاره ذلك: أمهلني عامي هذا. فقال الثماليّ: قد أمهلتك عامين. و خرج دريد ليلة لحاجته و قد أبطأ في أمر الثّماليّ، فسمعه يقول:

/

كساك دريد الدهر ثوب خزاية # و جدّعك الحامي حقيقته أنس

دع الخيل و السّمر الطّوال لخثعم # فما أنت و الرّمح الطويل و ما الفرس

و ما أنت و الغزو المتابع للعدا # و همّك سوق العود و الدّلو و المرس‏[1]

فلو كان عبد اللّه حيّا لردّها # و ما أصبحت إبلي بنجران تحتبس

و لا أصبحت عرسي بأشقى معيشة # و شيخ كبير من ثمالة في تعس

يراعي نجوم الليل من بعد هجعة # إلى الصبح محزونا يطاوله النّفس

و كنت و عبد اللّه حيّ و ما أرى # أبالي من الأعداء من قام أو جلس

فأصبحت مهضوما حزينا لفقده # و هل من نكير بعد حولين تلتمس‏

قال: فضاق دريد ذرعا بقوله، و شاور أولي الرأي من قومه؛ فقالوا له: ارحل إلى يزيد بن عبد المدان؛ فإنّ أنسا قد خلّف المال و العيال بنجران للحرب التي وقعت بين خثعم، و إن يزيد يردّها عليك. فقال دريد: بل أقدّم إليه قبل ذلك مدحة ثم أنظر ما موقعي من الرجل، فقال هذه القصيدة و بعث بها إلى يزيد:

/

بني الدّيّان ردّوا مال جاري # و أسرى في كبولهم‏[2]الثّقال

و ردّوا السّبي إن شئتم بمنّ # و إن شئتم مفاداة بمال

فأنتم أهل عائدة و فضل # و أيد في مواهبكم طوال

متى ما تمنعوا شيئا فليست # حبائل أخذه غير السؤال

و حربكم بني الدّيّان حرب # يغصّ المرء منها بالزّلال

و جارتكم بني الدّيّان بسل‏[3] # و جاركم يعدّ مع العيال

حذا عبد المدان لكم حذاء # مخصّرة الصدور على مثال

/بني الدّيّان إنّ بني زياد # هم أهل التكرّم و الفعال

فأولوني بني الدّيّان خيرا # أقرّ لكم به أخرى الليالي‏

[1]العود: المسن من الإبل. و المرس: الحبل، و المراد هنا حبل الاستقاء.

[2]في أ، م، حـ: «في كبولكم» .

[3]البسل: الحرام.

266

قال: فلما بلغ يزيد شعره قال: وجب حقّ الرجل!فبعث إليه أن اقدم علينا. فلما قدم عليه أكرمه و أحسن مثواه. فقال له دريد يوما: يا أبا النّضر، إني رأيت منكم خصالا لم أرها من أحد من قومكم: إني رأيت أبنيتكم متفرّقة، و نتاج خيلكم قليلا، و سرحكم يجي‏ء معتما، و صبيانكم يتضاغون‏[1]من غير جوع. قال: أجل!أمّا قلّة نتاجنا فنتاج هوازن يكفينا و أمّا تفرّق أبنيتنا فللغيرة على النساء. و أمّا بكاء صبياننا فإنّا نبدأ بالخيل قبل العيال. و أمّا تمسّينا بالنّعم فإنّ فينا الغرائب و الأرامل، تخرج المرأة إلى مالها حيث لا يراها أحد. قال: و أقبلت طلائعهم على يزيد، فقال شيخ منهم:

أتتك السلامة فارع النّعم # و لا تقل الدّهر إلاّ نعم

و سرّح دريدا بنعمى جشم # و إن سالك المرء إحدى القحم‏[2]

فقال له دريد: من أين جاء هؤلاء؟فقال: هذه طلائعنا لا نسرح و لا نصطبح حتى يرجعوا إلينا. فقال له: ما ظلمكم من جعلكم جمرة مذحج. و ردّ يزيد عليه الأسارى من قومه و جيرانه، ثم قال له: سلني ما شئت؛ فلم يسأله شيئا إلاّ أعطاه إيّاه. فقال دريد في ذلك:

مدحت يزيد بن عبد المدان # فأكرم به من فتى ممتدح

إذا المدح زان فتى معشر # فإنّ يزيد يزين المدح

حللت به دون أصحابه # فأورى زنادي لمّا قدح

/و ردّ النساء بأطهارها # و لو كان غير يزيد فضح

و فكّ الرجال و كلّ امرئ # إذا أصلح اللّه يوما صلح

و قلت له بعد عتق النساء # و فكّ الرّجال و ردّ اللّقح‏[3]

أجر لي فوارس من عامر # فأكرم بنفحته إذا نفح

و ما زلت أعرف في وجهه # بكرّي السؤال ظهور الفرح

رأيت أبا النّضر في مذحج # بمنزلة الفجر حين اتّضح

إذا قارعوا عنه لم يقرعوا # و إن قدّموه لكبش نطح

/و إن حضر الناس لم يخزهم # و إن وازنوه بقرن رجح

فذاك فتاها و ذو فضلها # و إن نابح بفخار نبح‏

قصته مع مسهر بن يزيد الحارثي و شعره:

قال و قال ابن الكلبيّ: خرج دريد بن الصّمّة في فوارس من قومه في غزاة له، فلقيه مسهر بن يزيد الحارثيّ، الذي فقأ عين عامر بن الطّفيل، يقود بامرأته أسماء بنت حزن الحارثيّة. فلما رآه القوم قالوا: الغنيمة، [1]تضاغى من الطوى: تضوّر من الجوع و صاح.

[2]القحم: جمع قحمة و هي الأمر الشاق لا يكاد يركبه أحد.

[3]اللقح: جمع لقحة و هي الناقة الحلوب.

267

هذا فارس واحد يقود ظعينة، و خليق أن يكون الرجل قرشيّا. فقال دريد: هل منكم رجل يمضي إليه فيقتله و يأتينا به و بالظّعينة؟فانتدب إليه رجل من القوم فحمل عليه، فلقيه مسهر فاختلفا طعنتين بينهما، فقتله مسهر بن الحارث. ثم حمل عليه آخر فكانت سبيله سبيل صاحبه؛ حتى قتل منهم أربعة نفر. و بقي دريد وحده فأقبل إليه؛ فلما رآه ألقى الخطام من يده إلى المرأة و قال: خذي خطامك؛ فقد أقبل إليّ فارس ليس كالفرسان الذين تقدّموه؛ ثم قصد إليه و هو يقول:

أما ترى الفارس بعد الفارس # أرداهم عامل رمح يابس‏

/فقال له دريد: من أنت للّه أبوك؟قال: رجل من بني الحارث بن كعب. قال: أنت الحصين؟قال لا. قال:

فالمحجّل هوذة؟قال لا. قال: فمن أنت؟قال: أنا مسهر بن يزيد. قال: فانصرف دريد و هو يقول:

أ من ذكر سلمى ماء عينيك يهمل # كما انهلّ خزر من شعيب مشلشل‏[1]

و ما ذا ترجّي بالسلامة بعد ما # نأت حقب و ابيضّ منك المرجّل‏[2]

و حالت عوادي الحرب بيني و بينها # و حرب تعلّ الموت صرفا و تنهل

قراها إذا باتت لديّ مفاضة # و ذو خصل نهد المراكل هيكل‏[3]

كميش‏[4]كتيس الرّمل أخلص متنه # ضريب‏[5]الخلايا و النّقيع المعجّل

عتيد لأيّام الحروب كأنّه # إذا انجاب ريعان العجاجة أجدل‏[6]

يجاوب‏[7]جردا كالسّراحين‏[8]ضمّرا # ترود بأبواب البيوت و تصهل

على كل حيّ قد أطلّت بغارة # و لا مثل ما لاقى الحماس و زعبل‏

-الحماس و زعبل: قبيلتان من بني الحارث بن كعب-

غداة رأونا بالغريف‏[9]كأنّنا # حبيّ‏[10]أدرّته الصّبا متهلّل

بمشعلة تدعو هوازن، فوقها # نسيج من الماذيّ‏[11]لأم مرفّل

/لدى معرك فيها تركنا سراتهم # ينادون، منهم موثق و مجدّل‏

[1]شلشل الماء: قطر.

[2]المرجل: الشعر؛ يقال: رجل الشعر إذا سرحه.

[3]المفاضة هنا: الدرع. و ذو خصل: يريد فرسا. و المراكل: جمع مركل و هو حيث تصير رجلك من الدابة؛ يقال فرس نهد المراكل أي واسع الجوف. و الهيكل: الضخم.

[4]الكميش: السريع.

[5]الضريب: اللبن. و الخلايا: جمع خلية و هي الناقة المخلاة للحلب. يريد أن هذا الفرس معتنى به.

[6]الأجدل: الصقر.

[7]كذا في حـ. و في سائر الأصول: «يحارب» و هو تحريف.

[8]السراحين: الذئاب واحدها سرحان.

[9]كذا في الأصول. و لعلها العزيف أو نحو ذلك.

[10]الحبي: السحاب المتراكم. و في الأصول: «حيي» بياءين.

[11]الماذي: الدروع اللينة السهلة. و اللأم: الدروع، واحدها لأمة. و المرفل: المسبغ.

268

نجذّ جهارا بالسيوف رءوسهم # و أرماحنا منهم تعلّ و تنهل

ترى كلّ مسودّ العذارين فارس # يطيف به نسر و عرفاء[1]جيأل‏

قال مؤلّف هذا الكتاب: هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبيّ موضوعة كلّها، و التوليد بيّن فيها و في أشعارها، و ما رأيت شيئا منها في ديوان دريد بن الصّمّة على سائر الروايات. و أعجب من ذلك هذا الخبر الأخير؛ فإنه ذكر فيه ما لحق دريدا من الهجنة و الفضيحة في أصحابه و قتل من قتل معه و انصرافه منفردا، و شعر دريد هذا يفخر فيه/بأنّه ظفر ببني الحارث و قتل أمائلهم؛ و هذا من أكاذيب ابن الكلبيّ. و إنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شي‏ء قد رواه الناس و تداولوه.

[1]كذا في جـ و العرفاء: الضبع؛ سميت بذلك لكثرة شعر رقبتها. و جيأل: من أسماء الضبع أيضا، معرفة بغير ألف و لام. و قال كراع: الجيأل، فأدخل عليها الألف و اللام، و شاهده قول العجاج:

يدعن ذا الثروة كالمجبل # و صاحب الإقتار لحم الجيأل‏

و في سائر الأصول: «و غربال جيأل» و هو تحريف.

269

2-أخبار المعتضد في صنعة هذا اللحن و غيره من الأغاني‏

<-دون أخباره في غير ذلك لأنها كثيرة تخرج عن حدّ الكتاب- و شي‏ء من أخباره مع المغنّين و غيرهم يصلح لما هاهنا>

راسل عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر في أمر النغم العشر حتى فهمها و جمعها في صوت:

حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر أن المعتضد بعث إليه-لما صنعت جاريته شاجي اللحن الذي يجمع النّغم العشر-بظبي و حبيب جاريتي أخيه سليمان بن عبد اللّه بن طاهر حتى أخذتا اللحن عنه و نقلتاه إليه و ألقتاه على جواريه. قال: و لم يزل يراسلني مع عبد اللّه بن أحمد بن حمدون في أمر النّغم العشر و يسألني عنها و أشرحها له، حتى فهمها جيّدا و جمعها في صوت صنعه في شعر دريد بن الصّمّة:

يا ليتني فيها جذع # أخبّ فيها و أضع‏

و ألقاه عليهما حتى أدّتاه إليّ مستعلما بذلك هل هو صحيح القسمة و الأجزاء أم لا، فعرّفته صحّته و دللته على ذلك حتى تيقّنه فسرّ بذلك؛ و هو لعمري من جيّد الصنعة و نادرها. و قد صنع المعتضد ألحانا في عدّة أشعار قد صنع فيها الفحول من القدماء و المحدثين و عارضهم بصنعته فأحسن و شاكل و ضاهى، فلم يعجز و لا قصّر و لا أتى بشي‏ء يعتذر منه. فمن ذلك أنه صنع في:

أمّا القطاة فإنّي سوف أنعتها # نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها

لحنا في الثقيل الأوّل بالبنصر في نهاية الجودة، سمعت إبراهيم بن القاسم بن زرزور يغنّيه، فكان من أحسن ما صنع في هذا الصوت على كثرة الصنعة فيه و اشتراك/القدماء و المحدثين في صنعته مثل معبد و نشيط و مالك و ابن محرز و سنان و عمر الوادي و ابن جامع و إبراهيم و ابنه إسحاق و علّويه. و أظرف من ذلك أنه صنع في:

تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته # و بيّن لو يستطيع أن يتكلّما

لحنا من الثقيل الأوّل‏[1]بالوسطى، و قد صنع قبله ابن سريج لحنا هو من الألحان الثلاثة المختارة من الغناء كلّه، فما قصّر في صنعته و لا عجز عن بلوغ الغاية فيها؛ هذا بعد أن صنع إسحاق فيها لحنا من الثقيل الثاني عارض ابن سريج به في لحنه، فما امتنع من أن يتلو مثل هذين و لا نظير لهما في القدماء و المحدثين، ثم جوّد غاية التجويد فيما اتّبعهما به و عارضهما فيه. هذا مع أصوات له صنعها تزاهي‏[2]المائة صوت، ما فيها ساقط و لا مرذول، و سأذكر منها ما يصلح ذكره في موضعه إن شاء اللّه تعالى.

[1]في أ، م: «الثاني» .

[2]تزاهي: تضاهي. و زهاء الشي‏ء: قدره.

270

و من نادر صنعة المعتضد:

صوت‏

أناة فإن تغن عقّب بعدها # وعيدا، فإن لم يغن أغنت عزائمه‏

/الشعر لإبراهيم بن العبّاس، و الغناء للمعتضد ثقيل أوّل. هذا بيت قاله إبراهيم و هو لا يعلم أنه شعر، و إنما كتب به في رسالة عن المعتصم‏[1]إلى بعض أصحاب الأطراف فقال في فصل منه: «و إن عند أمير المؤمنين في أمرك أناة، فإن لم تغن عقّب بعدها وعيدا، فإن لم يغن أغنت عزائمه» . فلما تأمّله أنه شعر و أنه بيت نادر فأخرجه في شعره.

[1]في جـ: «عن المعتضد» .

271

3-أخبار إبراهيم بن العباس و نسبه‏

نسبه، و شي‏ء عن آبائه:

إبراهيم بن العبّاس بن محمد بن صول، و كان صول رجلا من الأتراك، ففتح يزيد بن المهلّب بلده و أسلم على يديه، فهم موالي يزيد. و لما دعا يزيد إلى نفسه لحق به صول لينصره فصادفه قد قتل. و كان يقاتل كلّ من بينه و بين يزيد من جيش بني أميّة و يكتب على سهامه: صول يدعوكم إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه. فبلغ ذلك يزيد بن عبد الملك، فاغتاظ و جعل يقول: ويلي على ابن الغلفاء!و ما له و للدّعاء إلى كتاب اللّه و سنّة و نبيّه!و لعلّه لا يفقه صلاته!. و كان ابنه محمد بن صول من رجال الدولة العبّاسية و دعاتها، و قد كان بعض أهليهم ادّعوا أنه عرب و أن العباس بن الأحنف خالهم. و أمّا صول فإنّ خالد بن خداش‏[1]ذكر عن أهله قالوا: كان صول و فيروز أخوين ملكا على جرجان، و كانا تركيّين تمجّسا و تشبّها بالفرس. فلما حضر يزيد بن المهلّب جرجان أمّنهما، فأسلم صول على يديه و لم يزل معه حتى قتل يوم العقر[2]. و كان محمد بن صول يكنى‏[3]أبا عمارة، أحد الدّعاة، و قتله عبد اللّه بن عليّ لما خالف مع مقاتل بن حكيم العكّيّ‏[4]و عدّة آخرين.

كان يقول الشعر ثم يختاره:

و أمّا إبراهيم بن العباس و أخوه عبد اللّه فإنهما كانا من وجوه الكتّاب، و كان عبد اللّه أسنّهما و أشدّهما تقدّما، و كان إبراهيم آدبهما و أحسنهما شعرا، و كان يقول الشعر ثم يختاره، و يسقط رذله، ثم يسقط الوسط، ثم يسقط ما يسبق إليه، فلا يدع من القصيدة إلا اليسير، و ربما لم يدع منها إلاّ بيتا أو بيتين؛ فمن ذلك قوله:

/

و لكنّ الجواد أبا هشام # و فيّ العهد مأمون المغيب‏

و هذا ابتداء يدلّ على أنّ قبله غيره؛ و قوله في أخيه:

و لكنّ عبد اللّه لما حوى الغنى # و صار له من بين إخوته مال‏

و هذا أيضا ابتداء يدلّ على أنّ قبله غيره. و كان إبراهيم و أخوه عبد اللّه من صنائع ذي الرّئاستين، اتّصلا به فرفع منهما. و تنقّل إبراهيم في الأعمال الجليلة و الدواوين إلى أن مات و هو يتقلّد ديوان الضّياع و النفقات بسرّ من رأى في سنة ثلاث و أربعين و مائتين للنصف من شعبان.

قال محمد[5]بن داود و حدّثني أحمد بن سعيد بن حسّان قال حدّثني ابن إبراهيم قال سمعت دعبلا يقول:

[1]في الأصول «خراش» بالراء. و قد تقدم خالد بن خداش غير مرة في الأجزاء السابقة.

[2]هو عقر بابل و هو موضع عند كربلاء قتل عنده يزيد بن المهلب (انظر الحاشية رقم 1 ص 22 ح 9 من «الأغاني» طبع دار الكتب المصرية) .

[3]كذا في الأصول. و لعله: «و يكنى أبا عمارة إلخ» .

[4]هو أحد قواد أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة العباسية. (انظر الكلام عليه في «تاريخ الطبري» ق 2 ص 2001-2003، 2005، 2016 طبعة أوربا) .

[5]كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «أحمد بن داود» .

272

لو تكسّب إبراهيم بن العبّاس بالشعر لتركنا في غير شي‏ء. قال: ثم أنشدنا له، و كان يستحسن ذلك من قوله:

إنّ امرأ ضنّ بمعروفه # عنّي لمبذول له عذري

ما أنا بالراغب في عرفه # إن كان لا يرغب في شكري‏

هجاؤه محمد بن عبد الملك الزيات و تشفيه بموته:

/و كان إبراهيم بن العباس صديقا لمحمد بن عبد الملك الزيّات، ثم آذاه و قصده و صارت بينهما شحناء عظيمة لم يمكن تلافيها، فكان إبراهيم يهجوه؛ فمن قوله فيه:

أبا جعفر خف خفضة بعد رفعة # و قصّر قليلا عن مدى غلوائكا

لئن كان هذا اليوم يوما حويته # فإن رجائي في غد كرجائكا

و له فيه أيضا:

دعوتك في بلوى ألمّت صروفها # فأوقدت من ضغن عليّ سعيرها

فإنّي إذا أدعوك عند ملمّة # كداعية عند القبور نصيرها

/و قال فيه لمّا مات:

لمّا أتاني خبر الزيّات # و أنّه قد صار في الأموات

أيقنت أنّ موته حياتي‏

هجره صديقه الحارث بن بُسخُنَّر مرضاة لمحمد بن عبد الملك الزيّات فقال في ذلك شعرا:

أخبرني حجظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال: لما انحرف محمد بن عبد الملك الزيّات عن إبراهيم تحاماه الناس أن يلقوه، و كان الحارث بن بُسخُنَّر صديقا له مصافيا، فهجره فيمن هجره من إخوانه؛ فكتب إليه:

تغيّر لي فيمن تغيّر حارث # و كم من أخ قد غيّرته الحوادث

أ حارث إن شوركت فيك فطالما # غنينا و ما بيني و بينك ثالث‏

و قد قيل: إن هذه الأبيات لإسحاق بن إبراهيم الموصليّ.

و من جيّد قول إبراهيم بن العباس و فيه غناء:

صوت‏

خلّ النّفاق لأهله # و عليك فالتمس الطّريقا

و اذهب بنفسك أن ترى # إلاّ عدّوا أو صديقا

الغناء لأبي العبيس بن حمدون، ثقيل أوّل.

273

قصة عشقه لقينة و انكماشه لتأخرها و شعره فيها:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: كان إبراهيم بن العباس يهوى قينة بسرّ من رأى، فكان لا يكاد يفارقها. فجلس يوما للشرب و معه إخوان له، و دعا جماعة من جواري القيان، و دعاها فأبطأت، فتنغّص عليهم يومهم لما رأوا من شغل قلبه بتأخّرها، ثم وافت فسرّي عنه و طابت نفسه و شرب و طرب، ثم دعا بدواة فكتب:

أ لم ترنا يومنا إذ نأت # فلم تأت من بين أترابها

و قد غمرتنا دواعي السرور # بإشعالها و بإلهابها بها

/و مدّت علينا سماء النعيم # و كلّ المنى تحت أطنابها[1]

و نحن فتور إلى أن بدت # و بدر الدّجى بين أثوابها

فلمّا نأت كيف كنّا لها # و لمّا دنت كيف صرنا بها

و أمر من حضر فقرأ عليها الأبيات؛ فتجنّت و قالت: ما القصّة كما وصفت، و قد كنتم في قصفكم مع من حضر. و إنما تجمّلتم لي لمّا حضرت. فأنشأ يقول:

يا من حنيني إليه # و من فؤادي لديه

/و من إذا غاب من بيـ # نهم أسفت عليه

إذا حضرت فما[1]منـ # هم من اصبو إليه

من غاب غيرك منهم # فأمره في يديه‏

قال: فرضيت عنه، و أتممنا يومنا على أحسن حال.

أجازه دعبل في شعر:

و قال محمد بن داود حدّثني محمد بن القاسم قال حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال حدّثني إبراهيم بن العباس-قال حدّثني به دعبل أيضا فكانا متفقين في الرواية-قال: كنّا نطلب جميعا بالشعر، فخرجنا و كنا في محمل، فابتدأت أقول في المطّلب بن عبد اللّه بن مالك:

أ مطّلب أنت مستعذب‏

فقال دعبل:

لسمّ الأفاعي و مستقتل‏

فقلت:

فإن أشف منك تكن سبّة

فقال دعبل:

[1]الأطناب: جمع طنب: و هو حبل طويل يشدّ به سرادق البيت. ـ

274

و إن أعف عنك فما تفعل‏

روى له الأخفش أبياتا كان يفضلها و يستجيدها:

أنشدني الأخفش لإبراهيم بن العباس و كان يفضّلها و يستجيدها:

أميل مع الذّمام على ابن أمّي # و آخذ للصّديق من الشقيق

و إن ألفيتني حرّا مطاعا # فإنك واجدي عبد الصديق

أفرّق بين معروفي و منّي # و أجمع بين مالي و الحقوق‏

جوابه لأبي أيوب:

أخبرني عمّي قال حدّثني أبو الحسن بن أبي البغل قال حدّثني عمّي قال:

اجتاز محمد[1]بن عليّ برد الخيار على أبي أيوب ابن أخت الوزير و هو متولّي ديار مضر فلم يتلقّه، و نزل الرّقّة فلم يصل إليه و لم يبرّه، و خرج عنها فلم يشيّعه. فلامه إخوانه و قالوا: يشكوك إلى إبراهيم بن العباس.

فكتب إلى إبراهيم يعتذر مما جرى بعلّة.

فكتب إليه إبراهيم على ظهر كتابه:

أبدا معتذر لا يعذر # و ركوب للتي لا تغفر

و ملقّى بمساو كلّها # منه تبدو و إليه تصدر

هي من كل الورى منكرة # و هي منه وحده لا تنكر

كان يهوى جارية اسمها «سامر» أهدت له جاريتين:

أخبرني عمّي قال حدّثني ابن برد الخيار عن أبيه قال:

كان إبراهيم بن العباس يهوى جارية لبعض المغنّين بسرّ من رأى يقال لها سامر، و شهر بها، فكان منزله لا يخلو منها. ثم دعيت في وليمة لبعض أهلها فغابت عنه أياما ثم جاءته و معها جاريتان لمولاتها. و قالت له: قد أهديت صاحبتيّ إليك عوضا من مغيبي عنك؛ فأنشأ يقول:

صوت‏

أقبلن يحففن مثل الشمس طالعة # قد حسّن اللّه أولاها و أخراها

ما كنت فيهن إلاّ كنت واسطة # و كنّ دونك يمناها و يسراها

الغناء لسلسل مولى بني هاشم، ثاني ثقيل بالوسطى مطلق. و ليس لسلسل خبر يدوّن و لا هو من المشهورين و لا ممّن خدم الخلفاء أو دوّن له حديث. و ذكر حبش أنه لسلسل مولاة محمد بن حرب الهلاليّ.

و سلسل هذه كانت من أحسن الناس وجها و غناء، و كانت لبعض المغنّين بالبصرة، و كان محمد بن حرب هذا [1]كذا في الأصول و «تاريخ الطبري» (ق 3 ص 1499) . و في «معجم الأدباء» لياقوت في الكلام على إبراهيم بن العباس: «محمد بن علي بن برد الخباز» بالزاي.

275

يتعشّقها و لم تكن مولاته. فأخبرني الحرميّ بن أبي/العلاء قال حدّثنا إسحاق بن محمد النّخعيّ قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال: أتى أبان بن عبد الحميد الشاعر رجلا بالبصرة و له قينة يقال لها سلسل، فصادف عندها محمد بن قطن الهلاليّ و عثمان بن الحكم بن صخر الثّقفيّ فقال:

فتنت سلسل قلب ابن قطن # ثم ثنّت بابن صخر فافتتن

فأتيت اليوم كي أنقذهم # فإذا نحن جميعا في قرن‏

فأظنّ الغلط وقع على حبش من هاهنا أو سمع هذا الخبر فتوهّم أنّها مولاة محمد بن حرب.

ذهابه مع دعبل و رزين و ركوبهم حمير أهل الشوك و شعرهم في ذلك:

أخبرني عمّي و وكيع قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثني محمد بن عيسى بن عبد الرحمن قال:

خرج إبراهيم بن العباس و دعبل بن عليّ و أخوه رزين في نظرائهم من أهل الأدب رجّالة إلى بعض البساتين في خلافة المأمون، فلقيهم قوم من أهل السواد من أصحاب الشّوك، فأعطوهم شيئا و ركبوا تلك الحمير؛ فأنشأ إبراهيم يقول:

/

أعيضت بعد حمل الشّو # ك أحمالا من الحرف‏[1]

نشاوى لا من الصّهبا # ء بل من شدّة الضّعف‏

فقال رزين:

فلو كنتم على ذاك # تؤولون إلى قصف

تساوت حالكم فيه # و لم تبقوا على خسف‏

فقال دعبل:

و إذا فات الذي فات # فكونوا من بني الظّرف

و مرّوا نقصف اليوم # فإني بائع خفّي‏

فانصرفوا معه فباع خفّه و أنفقه عليهم.

رثاؤه لابنه:

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال قال لي عليّ بن الحسين الإسكافيّ:

كان لإبراهيم ابن قد يفع و ترعرع، و كان معجبا به فاعتلّ علّة لم تطل و مات؛ فرثاه بمرات كثيرة، و جزع عليه جزعا شديدا. فممّا رثاه به قوله:

كنت السواد لمقلتي # فبكى عليك النّاظر

من شاء بعدك فليمت # فعليك كنت أحاذر

فيه رمل لابن القصّار. و من مراثيه إيّاه قوله:

[1]كذا في الأصول.

276

و ما زلت مذ لد أعطيته # أدافع عنه حمام الأحل

أعوّذه دائبا بالقرآن # و أرمي بطرفي إلى حيث حلّ

فأضحت يدي قصدها واحد # إلى حيث حلّ فلم يرتحل‏

عاتبه أبو وائلة في لهوه فقال شعرا:

و قال أحمد بن أبي طاهر حدّثني أبو وائلة قال: قلت لإبراهيم بن العبّاس: قد أخملت نفسك و رضيت أن تكون تابعا أبدا لاقتصارك على القصف و اللعب؛ فأنشأ يقول:

/

إنّما المرء صورة # حيث حلّت تناهت‏

أنا مذ كنت في التصرّف لي حال ساعتي‏

وهبه أخوه عبد اللّه ثلث ماله و أخته الثلث الآخر و شعره في ذلك:

أخبرنا محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني ابن السّخيّ قال:

وهب عبد اللّه بن العبّاس لأخيه إبراهيم ثلث ماله، و وهب لأخته الثلث الآخر، فسار مساويا لهما في الحال؛ فقال إبراهيم:

/

و لكنّ عبد اللّه لمّا حوى الغنى # و صار له من بين أخوته مال

رأى خلّة منهم تسدّ بماله # فساهمهم حتى استوت بهم الحال‏

و هذا مما عيب على إبراهيم قوله ابتداء «و لكنّ عبد اللّه» . و قد كرّره في شعره فقال:

و لكنّ الجواد أبا هشام # و فيّ العهد مأمون المغيب

بطي‏ء عنك ما استغنيت عنه # و طلاّع عليك مع الخطوب‏

و السبب في ذلك اختياره شعره و إسقاطه ما لم يرضه منه.

عزله عن الأهواز:

و قرأت في بعض الكتب: لمّا عزل إبراهيم بن العبّاس عن الأهواز في أيام محمد بن عبد الملك الزيّات اعتقل بها و أوذي، و كان محمد قبل الوزارة صديقه، و كان يؤمّل منه أن يسامحه و يطلقه، فكتب إليه:

فلو إذ نبا دهر و أنكر صاحب # و سلّط أعداء و غاب نصير

تكون عن الأهواز داري بنجوة # و لكن مقادير جرت و أمور

و إني لأرجو بعد هذا محمدا # لأفضل ما يرجى أخ و وزير

فأقام محمد على قصده و تكشّفه و الإساءة إليه حتى بلغ منه كلّ مكروه، و انفرجت الحال بينهما على ذلك، و هجاه إبراهيم هجاء كثيرا.

أرسل ابن الزيات أبا الجهم للنكاية به:

و أخبرني محمد بن يحيى الصّولي قال حدّثني أبو عبد اللّه الباقطانيّ أو الطّالقانيّ قال حدّثني عليّ بن الحسين بن‏

277

عبد الأعلى قال:

وجّه محمد بن عبد الملك بأبي الجهم أحمد بن سيف إلى الأهواز ليكشف إبراهيم بن العبّاس، فتحامل عليه تحاملا شديدا. فكتب إبراهيم إلى محمد بن عبد الملك يعرّفه ذلك و يشكوه إليه و يقول له: أبو الجهم كافر لا يبالي ما عمل، و هو القائل لمّا مات غلامه يخاطب ملك الموت:

و أقبلت تسعى إلى واحدي # ضرارا كأنّي قتلت الرسولا

تركت عبيد بني طاهر # و قد ملئوا الأرض عرضا و طولا

فسوف أدين بترك الصلاة # و أصطبح الخمر صرفا شمولا

فكان محمد لعصبيّته على إبراهيم و قصده له يقول: ليس هذا الشعر لابي الجهم، إنما إبراهيم قاله و نسبه إليه.

مدح المتوكل ببيتين و غنى بهما جعفر بن رفعة:

أخبرني أحمد بن جعفر بن رفعة قال حدّثني أبي قال دعاني إبراهيم بن العبّاس و قال: قد مدحت أمير المؤمنين المتوكّل ببيتين، فغنّ فيهما و أشعهما، و دعا لي بطيب كثير فأعطانيه، و خلع عليّ خلعة سريّة، فغنّيت فيهما. و البيتان:

صوت‏

ما واحد من واحد # أولى بفضل أو مروّه

ممّن أبوه و جدّه # بين الخلافة و النّبوّة

و أشعتهما و غنّى فيهما المتوكّل فاستحسنهما و وصله صلة سنيّة.

لحن جعفر بن رفعة في هذين البيتين رمل بالبنصر.

مدح الرضا لما عقدت ولاية العهد فأجازه:

/أخبرني محمد بن يونس الأنباريّ قال حدّثني أبي:

أن إبراهيم بن العباس الصّوليّ دخل على الرّضا لمّا عقد له المأمون و ولاّه العهد، فأنشده قوله:

أزالت عزاء القلب بعد التجلّد # مصارع أولاد النبيّ محمد

/-صلى اللّه عليه و سلم-فوهب له عشرة آلاف درهم من الدراهم التي ضربت باسمه. فلم تزل عند إبراهيم، و جعل منها مهور نسائه، و خلّف بعضها لكفنه و جهازه إلى قبره.

آذى إسحاق ابن أخي زيدان فهدّده فكف عنه:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني أبو العبّاس بن الفرات و الباقطانيّ قالا:

كان إسحاق بن إبراهيم ابن أخي زيدان صديقا لإبراهيم بن العبّاس، فأنسخه شعره في مدح الرّضا، ثم ولي إبراهيم بن العبّاس في أيام المتوكّل ديوان الضّياع، فعزله عن ضياع كانت بيده بحلوان، و طالبه بمال وجب عليه، و تباعد بينهما. فقال إسحاق لبعض من يثق به: قل لإبراهيم بن العبّاس: و اللّه لئن لم يكفف عمّا يفعله فيّ‏

278

لأخرجنّ قصيدته في الرّضا بخطّه إلى المتوكّل. فأحجم عنه إبراهيم و تلافاه، و وجّه من ارتجع القصيدة منه و جعله على ثقة من أنه لا يظهرها، ثم أفرج عنه و أزال ما كان يطالبه به.

نادرته في ثقيل:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا إبراهيم بن المدبّر قال:

راكبت إبراهيم بن العبّاس، فلقينا رجل كان إبراهيم يستثقله، فسلّم عليه. فلمّا مضى قال: يا أبا إسحاق إنه جرميّ. فقلت: ما كان عندي إلا أنه من أهل السّواد. فضحك و قال: إنما أردت قول الشاعر:

تسائل عن أخي جرم # ثقيل و الذي خلقه‏

كتابه في شفاعة لرجل إلى بعض إخوانه:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد[1]بن السّخيّ قال حدّثني الحسن بن عبد اللّه الصّوليّ قال:

/كتب عمّي إبراهيم بن العبّاس شفاعة لرجل إلى بعض إخوانه: فلان ممّن يزكو شكره، و يحسن ذكره، و يعني أمره، و الصنيعة عنده واقعة موقعها، و سالكة طريقها.

و أفضل ما يأتيه ذو الدّين و الحجا # إصابة شكر لم يضع معه أجر

مدحه عبيد اللّه بن يحيى عند المتوكل:

أخبرني عمّي عن أبي العيناء قال:

كان عبيد اللّه بن يحيى يقول للمتوكّل: يا أمير المؤمنين، إن إبراهيم بن العبّاس فضيلة خبأها اللّه لك، و ذخيرة ذخرها لدولتك.

طلب إليه المتوكل وصف القدور الإبراهيمية و مجونهما في ذلك:

و ذكر عن عليّ بن يحيى:

أنّ المتوكل بعث إلى إبراهيم بن العبّاس يأمره أن يصف له القدور الإبراهيميّة، و كان ابتدعها؛ فكتب له صفتها، و كتب في آخرها في ذكر الأبازير: «و وزن دانق» و نسي أن يكتب من أيّ شي‏ء. فلمّا وصلت إليه الصفة اغتاظ ثم قال لعليّ بن يحيى: احلف بحياتي أن تقول له ما آمرك به، ففعل. فقال له: قل وزن دانق من أي شي‏ء؟ أ من بظر أمّك!قال عليّ بن يحيى: فدخلت إليه فقلت: إني جئتك في رسالة عزيز عليّ أن أؤدّيها؛ فقال: هاتها، فأدّيتها. قال: فارجع إليه و قل له عنّي: يا سيّدي، إن عليّ بن يحيى أخي و صديقي و قد أدّى الرسالة؛ فإن رأيت أن تجعل وزن الدّانق من بظر أمّي و بظر أمّه جمعا تفضّلت بذلك. فقلت: قبحك اللّه!و أنا أيش ذنبي!قال: قد أدّيت الرسالة و هذا جوابها. فدخلت إلى المتوكّل فقال: إيه ما قال لك؟فقلت: قبح اللّه ما جئتك به!و أخبرته بالجواب؛ فضحك حتى فحص برجله و جعل يشرب عليه بقيّة يومه. و إذا لقيته قال لي: يا عليّ، وزن دانق أيش!فأقول: لعنة اللّه على إبراهيم.

[1]كذا في جميع الأصول هنا. و قد جاء في صفحة 55 في جميع الأصول أيضا: «أحمد بن السخي» . و ليس لدينا ما يرجع إحدى الروايتين.

279

داعب الحسن بن وهب و شعره في ذلك:

أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني محمد بن موسى بن حمّاد قال:

دعا الحسن بن وهب إبراهيم بن العبّاس؛ فقال له: أركب و أجيئك عشيّا فلا تنتظرني بالغداة. /فأبطأ عليه، و أسرع الحسن في شربه فسكر و نام، و جاء إبراهيم فرآه على تلك الحال، فدعا بدواة و كتب:

رحنا إليك و قد راحت بك الرّاح # و أسرعت فيك أوتار و أقداح‏

قال: و حدّثني محمد بن موسى قال:

نظر إبراهيم بن العباس الحسن بن وهب و هو مخمور فقال له:

عيناك قد حكتا مبيـ # تك كيف كنت و كيف كانا

و لربّ عين قد أرتـ # ك مبيت صاحبها عيانا

فأجابه الحسن بن وهب بعشرين بيتا و طالبه بمثلها؛ فكتب إليه بأربعة أبيات و طالبه بأربعين بيتا. و أبيات إبراهيم:

أ أبا عليّ خير قولك ما # حصّلت أنجعه و مختصره

ما عندنا في البيع من غبن # للمستقلّ بواحد عشرة

أنا أهل ذلك غير محتشم # أرضى القديم و أقتفي أثره

ها نحن وفّيناك أربعة # و الأربعون لديك منتظره‏

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني القاسم بن إسماعيل قال:

سمعت إبراهيم بن العبّاس و قد لبس سواده يوما يقول: يا غلام هات ذلك السيف الذي ما ضرّ اللّه به أحدا قطّ غيري.

كان يستثقل ابن أخيه و حكايات عنه في ذلك:

قال: و سأل يوما عن ابن أخيه طماس و هو أحمد بن عبد اللّه بن العبّاس فقيل له:

هو مشغول بطبيب و منجّم عنده، و كان يستثقله، فقال قل له يا غلام: و اللّه ما لك في الناس طبع؛ و لا في السماء نجم، فما لك تكلّف هذا التّكلّف.

/أخبرني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن السّخيّ قال:

أمر إبراهيم بن العبّاس أن يجمع كلّ أعور يمرّ في الطريق، فجمعوهم و وقفوهم و خرج و معه طماس، فلما رأى العور مجتمعين قال لطماس: كلّهم مثلك، فاترك هذا الصّلف فإنه داعية إلى التّلف.

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني ميمون بن موسى قال:

قال الحسن بن وهب لإبراهيم بن العبّاس: تعال حتى نعدّ البغضاء؛ قال: ابدأ بي أوّلا من أجل ابن أخي طماس ثم ثنّ بمن شئت.

280

أمر الحسن بن مخلد بأمر فأبطأ فيه فقال شعرا:

أخبرني الصّوليّ قال قال جعفر بن محمود:

ركبت بين يدي إبراهيم بن العبّاس. فأمر الحسن بن مخلّد[1]بأمر فاستبطأه فيه فنظر إليه فقال:

معجب عند نفسه # و هو لي غير معجب

إن أقل لا يقل نعم # عاتب غير معتب

مولع بالخلاف لي # عامدا و التجنّب

قلت فيه بضدّ ما # قيل في أمّ جندب‏

يريد قول امرئ القيس:

«خليليّ مرّا بي على أمّ جندب»

أي فأنا لا أريد أن أمرّ بك.

تنادر بابن الكلبي عند المتوكل لما جاء كتابه:

قال و أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا أحمد بن يزيد المهلّبيّ عن أبيه قال:

كان المتوكل قد ولّى ابن الكلبيّ البريد، و أحلفه بالطّلاق ألاّ يكتمه شيئا من أمر الناس جميعا و لا من أمره هو في نفسه. فكتب إليه يوما أن امرأته/خرجت مع حبّتها في نزهة، و أن حبّتها[2]/عربدت عليها فجرحتها في صدغها. فقرأه إبراهيم بن العبّاس على المتوكّل ثم قال له: يا أمير المؤمنين، قد صحّف ابن الكلبيّ، إنما هو: «جرحتها في سرمها» [3]، فضحك المتوكّل و قال: صدقت. ما أظن القصة إلاّ هكذا. قال: و لم يكن ابن الكلبيّ هذا من العرب، إنما كان أبوه يلقّب «كلب الرّحل» فقيل له الكلبيّ.

استعطافه محمد بن عبد الملك الزيات:

أخبرني عمّي قال حدّثنا ميمون بن هارون قال:

كتب إبراهيم بن العبّاس إلى محمد بن عبد الملك يستعطفه: كتبت إليك و قد بلغت المدية المحزّ[4]، و عدت الأيام بك عليّ، بعد عدوي بك عليها، و كان أسوأ ظنّي و أكثر خوفي، أن تسكن في وقت حركتها، و تكفّ عند أذاها، فصرت عليّ أضرّ منها، و كفّ الصديق عن نصرتي خوفا منك، و بادر إليّ العدوّ تقرّبا إليك.

و كتب تحت ذلك:

أخ بيني و بين الدّهـ # ر صاحب أيّنا غلبا

[1]هو الحسن بن مخلد بن الجراح. تولى «ديوان الضياع» للمتوكل بعد موت إبراهيم بن العباس هذا. (انظر الكلام عليه في «تاريخ الطبري» : ق 3 ص 1435 و 1444-1447 و 1647-1648) .

[2]الحبة: المحبوبة.

[3]في الأصول: «صرمها» بالصاد. و هو تحريف.

[4]كذا في «معجم الأدباء» لياقوت. و في الأصول: «المحزة» .

281

صديقي

ما استقام فإن # نبا دهر عليّ نبا

و ثبت على الزمان به # فعاد به و قد وثبا

و لو عاد الزمان لنا # لعاد به أخا حدبا

قال و كتب إليه: أما و اللّه لو أمنت ودّك لقلت؛ و لكني أخاف منك عتبا لا تنصفني فيه، و أخشى من نفسي لائمة لا تحتملها لي. و ما قد قدّر فهو كائن، و عن كل حادثة أحدوثة. و ما استبدلت بحالة كنت فيها مغتبطا حالة أنا في مكروهها و ألمها أشدّ عليّ من أنّي فزعت إلى ناصري عند ظلم لحقني، فوجدت من يظلمني أخفّ نيّة في ظلمي منه، و أحمد اللّه كثيرا. ثم كتب في أسفلها:

/

و كنت أخي بإخاء الزمان # فلما نبا صرت حربا عوانا

و كنت أذمّ إليك الزمان # فأصبحت فيك أذمّ الزمانا

و كنت أعدّك للنائبات # فأصبحت أطلب منك الأمانا

هجا محمد بن عبد الملك و كان قد أغرى به الواثق:

أخبرني الصّوليّ قال أخبرني الحسين بن فهم قال:

كان محمد بن عبد الملك قد أغرى الواثق بإبراهيم بن العبّاس، و كان إبراهيم يعاتبه على ذلك و يداريه، ثم وقف الواثق على تحامله عليه فرفع يده عنه و أمر أن يقبل منه ما رفعه، و ردّه إلى الحضرة مصونا، فلما أحسّ إبراهيم بذلك بسط لسانه في محمد، و حسن ما بينه و بين‏[1]ابن أبي دواد. و هجا محمد بن عبد الملك هجاء كثيرا؛ منه قوله:

قدرت فلم تضرر عدوّا بقدرة # و سمت بها أخوانك الذّلّ و الرّغما

و كنت مليئا بالتي قد يعافها # من الناس من يأبى الدّنيئة و الذّما

تمادح هو و أبو تمام:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا ابن السّخيّ قال حدثني الحسين بن عبد اللّه قال:

سمعت إبراهيم بن العبّاس حدّثنا يقول لأبي تمّام الطائي و قد أنشده شعرا له في المعتصم: يا أبا تمّام، أمراء الكلام رعيّة لإحسانك. فقال له أبو تمّام: ذلك لأني أستضي‏ء بك و أرد شريعتك.

اعتذر له إبراهيم بن المدبر عن أخيه فقال شعرا:

أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال سمعت إبراهيم بن المدبّر يقول:

جرى بين إبراهيم/بن العبّاس و بين أخي أحمد بن المدبّر شي‏ء، و كان يودّني دون أخي؛ فلقيته فاعتذرت إليه عنه؛ فقال لي: يا أبا إسحاق:

[1]يعني بهذا أن محمد بن عبد الملك كان يعادي أحمد بن أبي دواد يهجوه. (انظر خبر ذلك مفصلا في ج 20 ص 51 من «الأغاني» طبع بلاق) .

282
صوت‏

خلّ النّفاق لأهله # و عليك فالتمس الطّريقا

و اذهب بنفسك أن ترى # إلاّ عدوّا أو صديقا

الغناء لأبي العبيس.

احتال على المتوكل لينجي بعض عماله من العقوبة:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني القاسم بن إسماعيل قال:

انصرف إبراهيم بن العبّاس يوما من دار المتوكّل فقال لنا: أنا و اللّه مسرور بشي‏ء مغموم منه. فقلنا له: و ما ذاك أعزّك اللّه؟قال: كان أحمد بن المدبّر رفع إلى أمير المؤمنين أن بعض عمّالي اقتطع مالا، و صدق في الذي قاله، و كنت قد رأيت هلال الشهر و نحن مع أمير المؤمنين على وجهه فدعوت له، و ضحك إليّ فقال لي: إن أحمد قد رفع على عاملك كذا و كذا فاصدقني عنه؛ فضاقت عليّ الحجّة، و خفت أن أحقّق قوله إن اعترفت، ثم لا أرجع منه إلى شي‏ء فيعود عليّ الغرم، فعدلت عن الحجّة إلى الحيلة فقلت: أنا في هذا يا أمير المؤمنين كما قلت فيك:

صوت‏

ردّ قولي و صدّق الأقوالا # و أطاع الوشاة و العذّالا

أ تراه يكون شهر صدود # و على وجهه رأيت الهلالا

قال: لا يكون و اللّه ذلك بحياتي يا إبراهيم!روّ هذا الشعر بنانا حتى يغنّيني فيه. فقلت: نعم يا سيّدي على ألاّ يطالب صاحبي بقول أحمد. فقال للوزير: تقبّل قول صاحبه في المال. فسررت بالظّفر، و اغتممت لبطلان هذا المال و ذهابه بمثل هذه الحيلة، و لعله قد جمع في زمن طويل و تعب شديد.

سرق ابن دريد و ابن الرومي شعره:

أنشدت عمّي رحمه اللّه أبياتا لابن دريد يمدح رجلا من أهل البصرة:

يا من يقبّل كفّ كلّ مخرّق # هذا ابن يحيى ليس بالمخراق

قبّل أنامله فلسن أناملا # لكنّهنّ مفاتح الأرزاق‏

فقال: يا بنيّ هذا سرقه هو و ابن الرّوميّ جميعا من إبراهيم بن العبّاس؛ قال إبراهيم بن العبّاس يمدح الفضل بن سهل:

لفضل بن سهل يد # تقاصر عنها الأمل

فباطنها للنّدى # و ظاهرها للقبل

و بسطتها للغنى # و سطوتها للأجل‏

و سرقه ابن الرّوميّ فقال:

283

أصبحت بين خصاصة و مذلّة # و الحرّ بينهما يموت هزيلا

فامدد إليّ يدا تعوّد بطنها # بذل النّدى و ظهورها التّقبيلا

قال ثعلب إنه كان أشعر المحدثين:

أخبرني الصّوليّ قال سمعت أحمد بن يحيى ثعلبا يقول:

كان إبراهيم بن العبّاس أشعر/المحدثين. قال: و ما روى ثعلب شعر كاتب قطّ قال: و كان يستحسن كثيرا قوله:

لنا إبل كوم‏[1]يضيق بها الفضا # و يفترّ عنها أرضها و سماؤها

فمن دونها أن تستباح دماؤنا # و من دوننا أن تستباح دماؤها

حمى و قرى فالموت دون مرامها # و أيسر خطب يوم حقّ فناؤها

ثم قال: و اللّه لو كان هذا لبعض الأوائل لاستجيد له.

مدح الحسن بن سهل:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد قال سمعت الحسن بن رجاء يقول:

كنّا بفم‏[2]الصّلح أيام بنى المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل؛ فقدم إبراهيم بن العبّاس علينا و دخل إلى الحسن بن سهل فأنشده:

ليهنئك أصهار أذلّت بعزّها # خدودا و جدّعت الأنوف الرّواغما

جمعت بها الشملين من آل هاشم # و حزت بها للأكرمين الأكارما

بنوك غدوا آل النبيّ و وارثو الـ # خلافة و الحاوون كسرى و هاشما

فقال له الحسن: «شنشنة أعرفها[3]من أخرم» أي إنّك لم تزل تمدحنا، ثم قال له: أحسن اللّه عنّا جزاءك يا أبا إسحاق؛ فما الكثير من فعلنا بك بجزاء لليسير من حقّك.

قال شعرا في قينة اسمها «سامر» كان يهواها فغضبت عليه:

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال:

أنشدني إبراهيم بن العبّاس لنفسه في قينة اسمها سامر كان يهواها فغضبت عليه:

و علّمتني كيف الهوى و جهلته # و علّمكم صبري على ظلمكم ظلمي

و أعلم ما لي عندكم فيردّني # هواي إلى جهل فأقصر عن علمي‏

[1]الكوم: الإبل الضخمة العظيمة السنام، الواحد أكوم و الأنثى كوماء.

[2]فم الصلح: نهر كبير فوق واسط عليه عدة قرى و فيه كانت دار الحسن بن سهل. ( «معجم البلدان» لياقوت) .

[3]هذا مثل، قاله أبو أخزم الطائي و كان له ابن يقال له أخزم؛ قيل: كان عاقا فمات و ترك بنين، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه، فقال:

إن بني ضرّجوني بالدم # شنشنة أعرفها من أخزم

من يلق آساد الرجال يكلم‏

284

شعره في قصر الليل:

أخبرني الصّوليّ قال:

سمعت عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر يقول: لا يعلم لقديم و لا لمحدث في قصر اللّيل أحسن من قول إبراهيم بن العبّاس:

/

و ليلة من اللّيالي الزّهر # قابلت فيها بدرها ببدر

لم تك غير شفق و فجر[1] # حتى تولّت و هي بكر الدّهر

تنكر له ابن الزيات لصلته بابن أبي دواد فاعتذر له بشعر:

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال: حدّثني أحمد بن بشر المرثديّ قال: كان إبراهيم بن العبّاس يوما عند أحمد بن أبي دواد، فلمّا خرج من عنده لقيه محمد بن عبد الملك الزيّات و هو خارج من داره؛ فتبيّن إبراهيم في وجه محمد الغضب فلم يخاطبه في العاجل بشي‏ء. فلما انصرف إلى منزله كتب إليه.

دعني أواصل من قطعـ # ت يراك بي إذ لا يراكا

إنّي متى أهجر لهجـ # رك لا أضرّ به سواكا

و إذا قطعتك في أخيـ # ك قطعت فيك غدا أخاكا

حتى أرى متقسّما # يومي لذا و غدي لذاكا

مسح المداد بكم ثوبه و شعره في ذلك:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني أبو العيناء قال:

كنت عند إبراهيم بن العبّاس و هو يكتب كتابا، فنقّط من القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمّه؛ فتعجّبت من ذلك؛ فقال: لا تعجب، المال/فرع و القلم أصل، و من هذا السّواد جاءت هذه الثياب، و الأصل أحوج إلى المراعاة من الفرع. ثم فكّر قليلا و قال:

إذا ما الفكر ولّد حسن لفظ # و أسلمه الوجود إلى العيان

و وشّاه فنمنمه مسدّ[2] # فصيح في المقال بلا لسان

ترى حلل البيان منشّرات # تجلّى بينها صور المعاني‏

اتهمه المأمون بإفشاء سر مقتل الفضل بن سهل ثم عفا عنه بشفاعة هشام الخطيب:

أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن صالح بن النطّاح قال:

[1]في ب و س: «و بدر» .

[2]مسد: مصيب السداد.

285

لمّا عزم‏[1]المأمون على الفتك بالفضل بن سهل، و ندب له عبد العزيز بن عمران الطائيّ، و مؤنسا البصريّ، و خلفا المصريّ، و عليّ بن أبي سعد ذا القلمين، و سراجا الخادم، نمي الخبر إلى الفضل، فأظهره للمأمون و عاتبه عليه. فلمّا قتل الفضل و قتل المأمون قتلته، سأل من أين سقط الخبر إلى الفضل؟فعرّف أنه من جهة إبراهيم بن العبّاس، فطلبه فاستتر. و كان إبراهيم عرف هذا الخبر من جهة عبد العزيز بن عمران، و كان الفضل استكتب إبراهيم لعبد العزيز بن عمران، فأخبر به الفضل. قال: و تحمّل إبراهيم بالناس على المأمون، و جرّد في أمره هشاما الخطيب المعروف بالعبّاسيّ و كان جريئا على المأمون لأنه ربّاه، و شخص إليه إلى خراسان في فتنة إبراهيم بن المهديّ، فلم يجبه المأمون إلى ما سأل. فلقيه إبراهيم مستترا و سأله عمّا عمل في حاجته.

فقال له هشام: قد وعدني في أمرك بما تحبّ. فقال له إبراهيم: أظنّ أن الأمر على غير هذا!قال: و ما تظنّ؟ قال: محلّك عند أمير المؤمنين أجلّ من أن يعدك شيئا فترضى بتأخيره، و هو أكرم من أن يعد مثلك شيئا فيؤخّره، و لكنك سمعت ما لا تحبّ فيّ فكرهت أن تغمّني به فقلت لي هذا القول، و أحسن اللّه على كل الأحوال جزاءك، فمضى هشام إلى المأمون فعرّفه خبر إبراهيم، فعجب من فطنته و عفا عنه. قال: و في هشام يقول إبراهيم بن العبّاس:

من كانت الأموال ذخرا له # فإنّ ذخري أملي في هشام

فتى يقي اللاّمة عن عرضه # و أنهب المال قضاء الذّمام‏

مدح الفضل بن سهل:

أخبرني عمّي قال حدّثني أبو الحسين بن أبي البغل قال:

دخل إبراهيم بن العبّاس على الفضل بن سهل فاستأذنه في الإنشاد، فقال هات، فأنشده:

يمضي الأمور على بديهته # و تريه فكرته عواقبها

فيظلّ يصدرها و يوردها # فيعمّ حاضرها و غائبها

و إذا ألمّت صعبة عظمت # فيها الرزيّة كان صاحبها

المستقلّ بها و قد رسبت # و لوت على الأيام جانبها

و عدلتها بالحقّ فاعتدلت # و وسعت راغبها و راهبها

و إذا الحروب غلت بعثت لها # رأيا تفلّ به كتائبها

رأيا إذا نبت السيوف مضى # عزم بها فشفى مضاربها

أجرى إلى فئة بدولتها # و أقام في أخرى نوادبها

/و إذا الخطوب تأثّلت و رست # هدّت فواصله نوائبها

و إذا جرت بضميره يده # أبدت به الدّنيا مناقبها

و أنشدني عمّي لإبراهيم بن العبّاس في الفضل بن سهل و فيه غناء:

[1]راجع الطبري في هذه القصة (ق 3 ص 1025-1028) ففيها اختلاف عما هنا. ـ

286
صوت‏

فلو كان للشكر شخص يبين # إذا ما تأمّله النّاظر

لمثّلته لك حتى تراه # فتعلم أنّي امرؤ شاكر

الغناء لأبي العبيس ثقيل أوّل. و فيه لرذاذ ثاني ثقيل. حدّثني أبو يعقوب إسحاق بن يعقوب النّوبختيّ قال حدّثني جماعة من عمومتي و أهلنا أن رذاذا صنع في هذين البيتين لحنا أعجب به الناس و استحسنوه، فلما كثر ذلك صنع فيه أبو العبيس لحنا آخر، فسقط لحن رذاذ و اختار الناس لحن أبي العبيس.

مدح المتوكل و ولاة العهود فأجازوه:

أخبرني حنظلة قال حدّثني ميمون بن هارون قال:

لمّا عقد المتوكّل لولاة العهود من ولده ركب بسرّ من رأى ركبة لم ير أحسن منها، و ركب ولاة العهود بين يديه، و الأتراك بين أيديهم أولادهم يمشون بين يدي المتوكّل بمناطق الذهب، في أيديهم الطّبرزينات‏[1]المحلاّة بالذّهب، ثم نزل في الماء فجلس فيه و الجيش معه في الجوانحيّات‏[2]و سائر السفن، و جاء حتى نزل في القصر الذي يقال له العروس، و أذن للناس فدخلوا إليه. فلما تكاملوا بين يديه، مثل إبراهيم بن العبّاس بين الصفّين، فاستأذن في الإنشاد فأذن له، فقال:

و لمّا بدا جعفر في الخميـ # س بين المطلّ‏[3]و بين العروس

بدا لا بسا بهما حلّة # أزيلت بها طالعات النّحوس

و لمّا بدا بين أحبابه # ولاة العهود و عزّ النفوس

غدا قمرا بين أقماره # و شمسا مكلّلة بالشموس

لإيقاد نار و إطفائها # و يوم أنيق و يوم عبوس‏

ثم أقبل على ولاة العهود فقال:

أضحت عرى الإسلام و هي منوطة # بالنّصر و الإعزاز و التأييد

بخليفة من هاشم و ثلاثة # كنفوا الخلافة من ولاة عهود

قمر توافت حوله أقماره # فحففن مطلع سعده بسعود

رفعتهم الأيام و ارتفعوا به # فسعوا بأكرم أنفس و جدود

قال: فأمر له المتوكّل بمائة ألف درهم، و أمر له ولاة العهود بمثلها.

[1]الطبرزين: آلة من السلاح تشبه الطبر (الفأس) أو هو الطبر بعينه. و هذا أصح لأن أصل معناه الطبر المعلق في السرج. فالفرس كان من عادتهم أن يعلقوا الطبر في السروج. (كتاب «الألفاظ الفارسية المعربة» ) .

[2]الجوانحيات: نوع من السفن كما هو ظاهر من السياق.

[3]المطل: اسم مكان أو قصر، كما هو ظاهر من السياق. و لم نقف عليه فيما بين أيدينا من معجمات البلدان.

287

فضل ابن برد الخيار شعره على شعر محمد بن عبد الملك الزيات:

أخبرني عمّي قال: اجتمعت أنا و هارون بن محمد بن عبد الملك و ابن برد الخيار في مجلس عبيد اللّه بن سليمان قبل وزارته، فجعل هارون ينشد من أشعار أبيه محاسنها، و يفضلها و يقدّمها. فقال له ابن برد الخيار: إن كان لأبيك مثل قول إبراهيم بن العبّاس:

أسد ضار إذا هيّجته # و أب برّ إذا ما قدرا

/يعرف الأبعد إن أثرى و لا # يعرف الأدنى إذا افتقرا

أو مثل قوله:

تلج السنون بيوتهم و ترى لهم # عن جار بيتهم ازورار مناكب

و تراهم بسيوفهم و شفارهم # مستشرفين لراغب أو راهب

حامين أو قارين حيث لقيتهم # نهب العفاة و نهزة للرّاغب‏

فاذكره و افخر به، و إلاّ فأقلل من الافتخار و التّطاول بما لا طائل فيه؛ فحجل هارون. و قال عبيد اللّه بن سليمان: لعمري ما في الكتّاب أشعر من أبي إسحاق و أبي عليّ، (يعني عمّه الحسن بن وهب) ثم أمر بعض كتّابه بكتب المقطوعتين اللتين أنشدهما ابن برد الخيار.

هنأ الحسن بن سهل بصهر المأمون:

أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش لإبراهيم بن العبّاس يهنّئ الحسن بن سهل بصهر المأمون:

هنتك أكرومة جلّلت نعمتها # أعلت وليّك و اجتثّت أعاديكا

ما كان يحيا[1]بها إلا الإمام و ما # كانت إذا قرنت بالحقّ تعدوكا

هجا محمد بن عبد الملك الزيات:

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني أبو محمد الحسن بن مخلد قال:

/أودع محمد بن عبد الملك الزيّات مالا عظيما و جوهرا نفيسا، و قد رأى تغيّرا من الواثق فخافه و فرّق ذلك في ثقاته من أهل الكرخ و معامليه من التّجار. و كان إبراهيم بن العبّاس يعاديه و يرصد له بالمكاره لإساءته إليه، فقال أبياتا و أشاعها حتى بلغت الواثق يغريه به:

نصيحة شانها وزير # مستحفظ سارق مغير

ودائع جمّة عظام # قد أسبلت دونها السّتور

تسعة آلاف ألف ألف # خلالها جوهر خطير

بجانب الكرخ عند قوم # أنت بما عندهم خبير

و الملك اليوم في أمور # تحدث من بعدها أمور

[1]كذا في جميع الأصول و لعلها «يحبو» .

288

قد شغلته محقّرات # و صاحب الكارة[1]الوزير

مدح المعتز بشعر:

أنشدني عليّ بن سليمان الأخفش لإبراهيم بن العبّاس يمدح المعتزّ و فيه غناء:

صوت‏

سحور محاجر الحدقه # مليح و الذي خلقه

سواء في رعايته # مجانبه و من عشقه

لعيني في محاسنه # رياض محاسن أنقه

فأحيانا أنزّهها # و طورا في دم غرقه‏

يقول فيها في مدح المعتزّ باللّه:

فيا قمرا أضاء لنا # يلألئ نوره أفقه

يشبّهه سنا المعتزّ # ذو مقة إذا رمقه

أمير قلّد الرحمـ # ن أمر عباده عنقه

/و فضّله و طيّبه # و طهر في الورى خلقه‏

في الأربعة الأبيات الأول رمل ذكر الهشاميّ أنه لابن القصّار، و وجدته في بعض الكتب لعريب.

هنأه أحمد بن المدبر و كان يحرّض عليه فقال شعرا:

أنشدني الأخفش لإبراهيم بن العبّاس يقولها لأحمد بن المدبّر و قد جاءه بعد خلاصة من النكبة مهنّئا، و كان استعان به في أمر نكبته فقعد عنه، و بلغه أنه كان يحرّض عليه ابن الزيّات:

و كنت أخي بالدّهر حتى إذا نبا # نبوت فلمّا عاد عدت مع الدّهر

فلا يوم إقبال عددتك طائلا # و لا يوم إدبار عددتك في وتر

و ما كنت إلاّ مثل أحلام نائم # كلا حالتيك من وفاء و من غدر

عاتبه ابن المدبر فقال شعرا:

و أنشدني الصّوليّ له في أحمد بن المدبر أيضا و قد عاتبه أحمد بن المدبّر على شي‏ء بلغه فقال:

هب الزّمان رماني # الشأن في الخلاّن

فيمن رماني لمّا # رأى الزمان رماني

و من ذخرت لنفسي # فصار ذخر الزمان

لو قيل لي خذ أمانا # من أعظم الحدثان‏

[1]الكارة: ما يجمع و يشد، و يعني بها السرة التي فيها المال.

289

لما أخذت أمانا # إلاّ من الإخوان‏

و من أخبار المعتضد باللّه الجارية مجرى هذا الكتاب.

المعتضد و غلامه بدر:

حدّثني عمّي عن جدّي رحمهما اللّه قال قال لي عبيد اللّه بن سليمان، و كان يأنس بي أنسا شديدا لقديم الصّحبة و ائتلاف المنشأ: دعاني المعتضد يوما فقال:

/أ لا تعاتب بدرا[1]على ما لا يزال يستعمله من التخرّق في النّفقات و الإثابات و الزيادات و الصّلات! و جعل يؤكّد القول عليّ في ذلك؛ فلم أخرج عن حضرته حتى دخل إليه بدر فجعل يستأمره في إطلاقات مسرفة و نفقات واسعة و صلات سنيّة و هو يأذن له في ذلك كلّه. فلما خرج رأى في وجهي إنكارا لما فعله بعد ما جرى بيني و بينه؛ فقال لي: يا عبيد اللّه قد عرفت ما في نفسك، و أنا و إيّاه كما قال الشاعر:

صوت‏

في وجهه شافع يمحو إساءته # من القلوب مطاع حيثما شفعا

مستقبل الذي يهوى و إن كثرت # منه الإساءة مغفور لما صنعا

و في هذين البيتين خفيف رمل.

كان المعتضد يطرب لغناء ابن العلاء في شعر الوليد بن يزيد:

حدّثني محمد بن إبراهيم قريض قال حدّثني أحمد بن العلاء قال:

غنّيت المعتضد:

كلّلاني توّجاني # و بشعري غنّياني‏[2]

أطلقاني من وثاقي # و اشدداني بعناني‏

فاستحسنه جدّا، ثم قال لي: ويحك يا أحمد!أما ترى زهو الملك في شعره و قوله:

كلّلاني توّجاني # و بشعري غنّياني‏

و استعاده مرارا، ثم وصلني كلّ مرّة استعاده بعشرة آلاف درهم، و ما وصل بها مغنّيا قبلي/و لا بعدي.

قال: و استعاده منّي ستّ مرّات و وهب لي ستّين ألفا، و قال النّوشجانيّ: بل وصله بعشرة آلاف درهم مرّة واحدة.

[1]كان بدر هذا غلام المعتضد، ولاه الشرطة يوم ولي الخلافة، ثم ولاه بعد ذلك فارس. (انظر «تاريخ ابن الأثير» ص 317، 328، 332، 335 جـ 7) . قتله المكتفي سنة 289 لأنه أبى أن يبايعه. (انظر سبب مقتله بإسهاب في «تاريخ الطبري» ق 3 ص 2209- 2216) .

[2]هذا من شعر الوليد بن يزيد (انظر ج 7 ص 93 من هذه الطبعة) .

290

صنعة أولاد الخلفاء الذّكور منهم و الإناث‏

فأوّلهم و أتقنهم صنعة و أشهرهم ذكرا في الغناء إبراهيم بن المهديّ؛ فإنه كان يتحقّق‏[1]به تحقّقا شديدا و يبتذل نفسه و لا يستتر منه و لا يحاشي أحدا. و كان في أوّل أمره لا يفعل ذلك إلاّ من وراء ستر و على حال تصوّن عنه و ترفّع، إلا أن يدعوه إليه الرّشيد في خلوة و الأمين بعده. فلمّا أمّنه المأمون تهتّك بالغناء و شرب النّبيذ بحضرته و الخروج من عنده ثملا و مع المغنّين، خوفا منه و إظهارا له أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه و هتك ستره فيها حتى صار لا يصلح لها. و كان من أعلم الناس بالنّغم و الوتر و الإيقاعات و أطبعهم في الغناء و أحسنهم صوتا. و هو من المعدودين في طيب الصّوت خاصّة؛ فإنّ المعدودين منهم في الدولة العبّاسية: ابن جامع و عمرو بن أبي الكنّات و إبراهيم ابن المهديّ و مخارق. و هؤلاء من الطبقة الأولى، و إن كان بعضهم يتقدّم. و كان إبراهيم مع علمه و طبعه مقصّرا عن أداء الغناء القديم و عن أن ينحوه في صنعته، فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة العمل حذفا شديدا و يخفّفها على قدر ما يصلح‏[2]له و يفي بأدائه. فإذا عيب ذلك عليه قال: أنا ملك و ابن ملك، أغنّي كما أشتهي و على ما ألتذّ. فهو أوّل من أفسد الغناء القديم، و جعل للناس طريقا إلى الجسارة على تغييره. فالناس إلى الآن صنفان: من كان منهم على مذهب إسحاق و أصحابه ممّن كان ينكر تغيير الغناء القديم و يعظم الإقدام عليه و يعيب من فعله، فهو يغنّي الغناء القديم على جهته أو قريبا منها. و من أخذ بمذهب إبراهيم بن المهديّ أو اقتدى به مثل مخارق و شارية و ريّق و من أخذ عن هؤلاء إنما يغنّي الغناء القديم كما/يشتهي هؤلاء لا كما غنّاه من ينسب إليه، و يجد على ذلك مساعدين ممّن يشتهي أن يقرب عليه مأخذ الغناء و يكره ما ثقل و ثقلت أدواره، و يستطيل الزمان في أخذ الغناء الجيّد على جهته بقصر معرفته. و هذا إذا اطّرد فإنّما الصنعة لمن غنّى في هذا الوقت لا للمتقدّمين؛ لأنهم إذا غيّروا ما أخذوه كما يرون و قد غيّره من أخذوه عنه و أخذ ذلك أيضا عمّن غيّره، حتى يمضي على هذا خمس طبقات أو نحوها. لم‏[3]يتأدّ إلى الناس في عصرنا هذا من جهة الطبقة غناء قديم على الحقيقة البتّة. و ممن أفسد هذا الجنس خاصّة بنو حمدون بن إسماعيل فإن أصلهم فيه مخارق، و ما نفع اللّه أحدا قطّ بما أخذ عنه، و زرياب الواثقيّة فإنها كانت بهذه الصورة تغيّر الغناء كما تريد، و جواري شارية و ريّق. فهذه الطبقة على ما ذكرت. و من عداهم من الدّور بمثل‏[4]دور غريب و دور جواريها و القاسم بن زرزور و ولده و دور بذل الكبرى و من أخذ عنها، و جواري البرامكة و آل هاشم و آل يحيى بن معاذ و دور آل الرّبيع و من جرى مجراهم ممّن‏[5]تمسّك بالغناء القديم و حمله كما سمعه، فعسى أن يكون قد بقي ممّن أخذ بذلك المذهب قليل من كثير، و على‏[6]أن/الجميع من [1]كذا في الأصول. و لعلها «يتحفى به تحفيا... إلخ» .

[2]في الأصول: «ما أصلح له» و هو تحريف.

[3]في الأصول: «فلم» .

[4]لعله: «مثل» .

[5]لعله: «فقد» .

[6]لعله: «على» .