الأغاني - ج13

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
247 /
5

الجزء الثالث عشر

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

تتمة التراجم‏

1-أخبار أبي الطّمحان القينيّ‏

اسمه و نسبه‏

أبو الطّمحان اسمه حنظلة بن الشّرقيّ‏[1]، أحد بني القين بن جسر بن شيع اللّه، من قضاعة. و قد تقدّم هذا النسب في عدّة مواضع من الكتاب في أنساب شعرائهم.

إدراكه الجاهلية و الإسلام و اتصاله بالزبير بن عبد المطلب‏

و كان أبو الطّمحان شاعرا فارسا خاربا[2]صعلوكا. و هو من المخضرمين، أدرك الجاهلية و الإسلام، فكان خبيث الدّين فيهما كما يذكر. و كان تربا للزّبير بن عبد المطّلب في الجاهلية و نديما له. أخبرنا بذلك أبو الحسن الأسديّ عن الرّياشيّ عن أبي عبيدة.

وقوع قيسبة السكوني في أسر العقيليين و حمل أبي الطمحان خيره إلى قومه‏

و مما يدلّ على أنه قد أدرك الجاهلية ما ذكره ابن الكلبيّ عن أبيه قال: خرج قيسبة بن كلثوم السّكونيّ، و كان ملكا، يريد الحج-و كانت العرب تحج في الجاهلية فلا يعر[3]، بعضها لبعض-فمرّ ببني عامر بن عقيل، فوثبوا عليه فأسروه و أخذوا/ماله و ما كان معه، و ألقوه في القدّ[9]، فمكث فيه ثلاث سنين، و شاع باليمن أن الجنّ استطارته‏[4]. فبينا هو في يوم شديد البرد في بيت عجوز منهم إذ قال لها: أ تأذنين/لي أن آتي الأكمة فأتشرّق‏[5] عليها فقد أضرّ بي القرّ[6]؟!فقالت له نعم. كانت عليه جبة له حبرة[7]لم يترك عليه غيرها، فتمشّى في أغلاله [1]قال الآمدي في «المؤتلف و المختلف في أسماء الشعراء» : «أبو الطمحان القيني اسمه حنظلة بن الشرقي، كذا وجدته في «كتاب بني القين بن جسر» . و وجدت نسبه في «ديوانه المفرد» : أبو الطمحان ربيعة بن عوف بن غنم بن كنانة بن القين بن جسر» . و في «الحماسة» طبع أوربا ص 558: «و اسمه حنظلة بن الشرقي و قيل ربيعة بن عوف بن غنم بن كنانة بن جسر» .

[2]الخارب: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيره اتساعا. قال الجوهري: خرب فلان بإبل فلان و يخرب خرابة مثل كتب يكتب كتابة، أي سرقها، و خرب فلان: صار لصا.

[3]القد: سير يقد من جلد غير مدبوغ، فتشدّ به الأقتاب و المحامل، و يتخذ منه السوط، و يقيد به الأسير. قال يزيد بن الصعق يعيب بعض بني أسد:

فرغتم لتمرين السياط و كنتم # يصب عليكم بالقناكل مربع‏

فأجابه شاعرهم:

أعبتم علينا أن نمرّن قدّنا # و من لم يمرّن قدّه يتقطع‏

[4]استطارته الجن: ذهبت به. و في حديث ابن مسعود: «فقدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقلنا: اغتيل أو استطير» ، أي ذهب به بسرعة، كأن الطير حملته أو اغتاله أحد.

[5]تشرق: جلس بالمشرقة، و هو موضع القعود للشمس، و الموضع الّذي تشرق عليه الشمس.

[6]القرّ، بالضم: البرد، أو هو برد الشتاء خاصة؛ سمي بذلك من الاستقرار و السكون كأنه يسكن الحرّ و يطفئه.

[7]في «مختار الأغاني الكبير» (نسخة مأخوذة بالتصوير الشمسي و محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 4646 أدب) : «جبة من حبرة» .

6

و قيوده حتى صعد الأكمة، ثم أقبل يضرب ببصره نحو اليمن، و تغشاه عبرة فبكى، ثم رفع طرفه إلى السماء و قال:

اللهم ساكن السماء فرّج لي مما أصبحت فيه. فبينا هو كذلك إذ عرض له راكب يسير، فأشار إليه أن أقبل، فأقبل الراكب، فلما وقف عليه قال له: ما حاجتك يا هذا؟قال: أين تريد؟قال: أريد اليمن. قال: و من أنت؟قال [أنا][1]أبو الطّمحان القينيّ، فاستعبر باكيا. فقال‏[له‏][1]أبو الطّمحان: من أنت؟فإني أرى عليك سيما الخير و لباس الملوك، و أنت بدار ليس فيها ملك. قال: أنا قيسبة بن كلثوم السّكونيّ، خرجت عام كذا و كذا أريد الحج، فوثب عليّ هذا الحيّ فصنعوا بي ما ترى، و كشف عن أغلاله/و قيوده؛ فاستعبر أبو الطمحان، فقال له قيسبة: هل لك في مائة ناقة حمراء؟قال: ما أحوجني إلى ذلك!قال: فأنخ، فأناخ. ثم قال له: أ معك سكّين؟قال نعم. قال:

ارفع لي عن رحلك، فرفع له عن رحله حتى بدت خشبة مؤخره‏[2]؛ فكتب عليها قيسبة بالمسند[3]، و ليس يكتب به غير أهل اليمن:

بلّغا كندة[4]الملوك جميعا # حيث سارت بالأكرمين الجمال

أن ردوا العين بالخميس‏[5]عجالا # و اصدروا عنه و الرّوايا[6]ثقال

هزئت جارتي و قالت عجيبا # إذ رأتني في جيدي الأغلال

إن تريني عاري العظام أسيرا # قد براني تضعضع و اختلال

فلقد أقدم الكتيبة بالسيـ # ف عليّ السلاح و السربال‏

و كتب تحت الشعر إلى أخيه أن يدفع إلى أبي الطّمحان مائة ناقة. ثم قال له: أقرى‏ء هذا قومي؛ فإنهم سيعطونك مائة ناقة حمراء. فخرج تسير به ناقته، حتى أتى/حضر موت، فتشاغل بما ورد له و نسي أمر قيسبة حتى فرغ من حوائجه. ثم سمع نسوة من عجائز اليمن يتذاكرن قيسبة و يبكين، فذكر أمره، فأتى أخاه الجون بن كلثوم، و هو أخوه لأبيه و أمه، فقال له: يا هذا، إني أدلّك على قيسبة و قد جعل لي مائة من الإبل. قال له: فهي لك.

فكشف عن الرحل، فلما قرأه الجون أمر له بمائة ناقة، ثم أتى قيس بن معديكرب الكنديّ أبا الأشعث بن قيس، فقال له: يا هذا، إن أخي في بني عقيل أسير، فسر معي بقومك، فقال له: أ تسير تحت لوائي حتى أطلب ثأرك و أنجدك، و إلا فامض راشدا. فقال له الجون: مسّ السماء أيسر من ذلك و أهون عليّ مما خيّرته. و ضجّت [1]زيادة عن نسخة ط.

[2]يجوز فيه سكون الهمزة مع فتح الخاء و كسرها، و فتح الهمزة مع تشديد الخاء مفتوحة و مكسورة، كما يقال فيه آخرة الرحل و آخره و مؤخرته، و في «مؤخرته» من اللغات ما في «مؤخره» .

[3]المسند: هو خط حمير و هو مخالف لخطنا. و قد نشرت كلية الآداب بجامعة فؤاد الأوّل كتابا في حروف هذا الخط، و حل الآثار اليمنية المكتوبة به من تأليف الأستاذ أغناطيوس جويدي، اسمه «المختصر في علم اللغة العربية الجنوبية القديمة» . و يعدّ أجود المراجع في خط اليمن و لغتها.

[4]كان قيسبة من قبيلة السكون. و السكون: بطن من كندة. لذلك استنجد بملوكهم.

[5]الخميس: الجيش الكامل، و هو المؤلف من خمس فرق: المقدمة، و القلب، و الميمنة، و الميسرة و الساقة.

[6]الروايا: جمع راوية و هي هنا المزادة فيها الماء. و تطلق الرواية أيضا على البعير أو البغل أو الحمار الّذي يستقى عليه الماء. و الرجل المستقى أيضا راوية. و من الأوّل قول عمرو بن ملقط:

ذاك سنان محلب نصره # كالجمل الأوطف بالراويه‏

و من الثاني قول أبي طالب:

و ينهض قوم في الحديد إليكمو # نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل‏

7

السّكون‏[1]ثم فاءوا و رجعوا و قالوا له: و ما عليك من هذا!هو ابن عمك و يطلب لك بثأرك!فأنعم له بذلك‏[2].

اجتماع السكون و كندة لإنقاذ قيسبة

و سار قيس و سار الجون معه تحت لوائه، و كندة و السّكون معه؛ فهو أوّل يوم اجتمعت فيه السّكون و كندة لقيس، و به أدرك الشرف. فسار حتى أوقع بعامر بن عقيل فقتل منهم مقتلة عظيمة و استنقذ قيسبة. و قال في ذلك سلامة بن صبيح الكنديّ:

لا تشتمونا إذ جلبنا لكم # ألفي كميت كلّها سلهبه‏[3]

نحن أبلنا[4]الخيل في أرضكم # حتى ثأرنا منكم قيسبه

/و اعترضت من دونهم مذحج # فصادفوا من خيلنا مشغبه‏[5]

اعتراف أبي الطمحان بأدنى ذنوبه‏

حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن أيّوب قال حدّثنا عبد اللّه بن مسلم قال:

بلغني أنّ أبا الطّمحان القينيّ قيل له، و كان فاسقا خاربا، ما أدنى ذنوبك؟قال: ليلة الدّير. قيل له: و ما ليلة الدير؟قال: نزلت بديرانيّة فأكلت عندها طفيشلا[6]بلحم خنزير، و شربت من خمرها، و زنيت بها، و سرقت كساءها[7]، ثم انصرفت عنها.

التجاؤه إلى بني فزارة من جناية جناها و إقامته عندهم حتى هلك‏

أخبرني عمي قال حدّثني محمّد بن عبد اللّه الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ عن أبيه قال:

جنى أبو الطّمحان القينيّ جناية و طلبه السلطان، فهرب من بلاده و لجأ إلى بني فزارة فنزل على رجل منهم يقال له: مالك بن سعد أحد بني شمخ؛ فآواه و أجاره و ضرب عليه بيتا و خلطه بنفسه. فأقام مدّة، ثم تشوّق يوما إلى أهله و قد شرب شرابا ثمل منه، فقال لمالك: لو لا أن يدي تقصر عن دية جنايتي لعدت إلى أهلي. فقال له: هذه إبلي فخذ منها دية جنايتك و اردد[8]ما شئت. فلمّا أصبح ندم على ما قاله و كره مفارقة موضعه و لم يأمن على نفسه، فأتى مالكا فأنشده:

سأمدح مالكا في كلّ ركب # لقيتهم و أترك كل رذل

فما أنا و البكارة أو مخاض # عظام جلّة سدس و بزل‏[9]

[1]السكون كصبور: بطن من بطون العرب بكندة.

[2]أنعم له، أي قال له: نعم.

[3]الكميت: الّذي خالط حمرته سواد. السلهب: الطويل من الخيل و الناس؛ يقال فرس سلهب و سلهبة إذا عظم و طال و طالت عظامه.

و فرس مسلهبّ: ماض.

[4]أبال الخيل و استبالها: وقفها للبول؛ يقال: لنبيلن الخيل في عرصاتكم.

[5]مشغبة: من الشغب بسكون الغين، و هو هيجاء القتال.

[6]الطفيشل كسميدع: نوع من المرق.

[7]كساء هنا: جمع كسوة مثل كسى كما ورد في القاموس.

[8]في «المختار» : «و ازدد» و لعلها أصوب.

[9]البكارة: جمع بكر. و البكر بالفتح: الفتيّ من الإبل بمنزلة الغلام من الناس، و الأنثى بكرة. و المخاض: الحوامل من النوق. و جلة الإبل: مسانّها، و هو جمع جليل مثل صبي و صبية. و السدس: جمع سديس كرغيف و رغف، و هي من الإبل ما دخل في السنة

8

/

و قد عرفت كلابكم ثيابي # كأنّي منكم و نسيت أهلي

نمت‏[1]بك من بني شمخ زناد # لها ما شئت من فرع و أصل‏

قال فقال مالك: مرحبا!فإنك حبيب ازداد حبا، إنما اشتقت إلى أهلك و ذكرت أنه يحبسك عنهم ما تطالب به من عقل‏[2]أو دية، فبذلت لك ما بذلت، و هو لك على كل حال، فأقم في الرّحب و السّعة. فلم يزل مقيما عندهم حتى هلك في دارهم.

قال أبو عمرو في هذه الرواية: و أخبرني أيضا بمثله محمّد بن جعفر النّحوي صهر المبرّد، قال حدّثنا ثعلب عن ابن الأعرابي قال:

شعره في الاعتذار لامرأته من ركوبه الأهوال‏

عاتبت أبا الطّمحان القينيّ امرأته في غاراته و مخاطرته بنفسه، و كان لصّا خاربا خبيثا، و اكثرت لومه على ركوب الأهوال و مخاطرته بنفسه في مذاهبه، فقال لها:

لو كنت في ريمان‏[3]تحرس بابه # أراجيل أحبوش و أغضف آلف

إذا لأتتني حيث كنت منيّتي # يخبّ بها هاد بأمري قائف‏[4]

فمن رهبة آتي المتالف سادرا # و أيّة أرض ليس فيها متالف‏[5]

شعره في بجير بن أوس الطائي و إطلاقه من الأسر

فأمّا البيت الّذي ذكرت من شعره أنّ فيه لعريب صنعة و هو:

أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم‏

فإنه من قصيدة له مدح بها بجير بن أوس بن حارثة بن لأم الطائيّ، و كان أسيرا في يده. فلما مدحه بهذه القصيدة أطلقه و جزّ ناصيته، فمدحه بعد هذا بعدّة قصائد. و أوّل هذه الأبيات:

إذا قيل أيّ الناس خير قبيلة[6] # و أصبر يوما لا توارى كواكبه‏

-الثامنة، و ذلك إذا ألقى السن الّتي بعد الرباعية. و البزل: جمع بازل، و هو الناقة و البعير إذا استكمل السنة الثامنة و طعن في التاسعة و فطر نابه. و في قافية البيت إقواء.

[1]كذا في الأصول. و المعروف «ورت» . و ورى الزناد يضرب مثلا للظفر و النجاح أي هم ينجحون فيدركون ما يطلبون بك.

[2]العقل هو الدية، و هي ما يدفع فدية للقتيل.

[3]ريمان بفتح الراء موضعان: أحدهما حصن باليمن و هو المقصود هنا، و قصر باليمن وصفه الأعشى في أبياته الّتي يقول فيها:

يا من يرى ريمان أمـ # سى خاويا خربا كعابه‏

و البيت في «معجم البكري» منسوب لأوس بن حجر. و أراجيل: جمع أرجال، و أرجال: جمع راجل كصاحب و أصحاب، و هو خلاف الفارس. و الأحبوش: جماعة الحبش، أو الجماعة أيا كانوا؛ لأنهم إذا تجمعوا اسودّوا. و جمعه أحابيش. و الأغضف:

المسترخي الأذن من الكلاب و الآلف: المستأنس بمن يحرسهم، من الإلف بكسر الهمزة.

[4]يخب بها: يسير بها خببا، و هو ضرب من العدو السريع. و الهادي بالأمر: العارف به، المهتدي. و القائف: متتبع الآثار العارف بها.

[5]السادر: الّذي لا يهتم بشي‏ء، و لا يبالي ما صنع. و المتالف: المهالك.

[6] «قبيلة» منصوبة على التمييز، و كذلك «يوما» ، و يعني بذكر اليوم الوقعات و الحروب. و قوله لا توارى كواكبه، أي لا تتوارى، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. و يروى: لا توارى كواكبه (بضم التاء بالبناء للمفعول) ، أي لا تستر. و الأصل في هذا و ما يجري مجرى الأمثال «يوم حليمة» . و ذلك أن غطيت عين الشمس في ذلك اليوم بالغبار الثائر في الجو فرئيت الكواكب ظهرا، على ما ذكروا فقيل: «ما يوم حليمة بسر» و صار الأمر إلى ما قيل في التوعد «لأرينك الكواكب ظهرا» . (عن التبريزي في شرحه على حماسة أبي تمام ج 4 ص 73 طبع بولاق) .

9

فإنّ بني لأم بن عمرو أرومة # علت فوق صعب لا تنال مراقبه‏[1]

أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم # دجى الليل حتى نظّم الجزع‏[2]ثاقبه

//لهم مجلس لا يحصرون‏[3]عن النّدى # إذا مطلب المعروف أجدب راكبه‏

/و أمّا خبر أسره و الوقعة الّتي اسر فيها فإن عليّ بن سليمان الأخفش أخبرني بها عن أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال:

حرب جديلة و الغوث الطائيين‏

كان أبو الطّمحان القيني مجاورا في جديلة من طيّئ، و كانت قد اقتتلت بينها و تحاربت الحرب الّتي يقال لها «حرب الفساد» [4]و تحزّبت حزبين: حزب جديلة و حزب الغوث، و كانت هذه الحرب بينهم أربعة أيام، ثلاثة منها للغوث و يوم لجديلة. فأمّا اليوم الّذي كان لجديلة فهو «يوم ناصفة» . و أما الثلاثة الأيام الّتي كانت للغوث فإنها «يوم قارات حوق» [5]و «يوم البيضة» [6]و «يوم عرنان» [7]و هو آخرها و أشدّها و كان للغوث، فانهزمت جديلة هزيمة قبيحة، و هربت فلحقت بكلب و حالفتهم و أقامت فيهم عشرين سنة.

شعر أبي الطمحان لما أسر في هذه الحرب‏

و أسر أبو الطّمحان في هذه الحرب: أسره رجلان من طيّى‏ء و اشتركا فيه، فاشتراه منهما بجير بن أوس بن حارثة لمّا بلغه قوله:

/

أرقت و آبتنى الهموم الطّوارق # و لم يلق ما لاقيت قبلي عاشق‏

[1]الأرومة: الأصل. و المراقب: جمع مرقبة، و هي المنظرة في رأس جبل أو حصن. و روى في «الكامل للمبرد» هذا البيت ضمن أبيات في هذه القصيدة لم يذكرها المؤلف، و ها هي ذي:

و إني من القوم الذين هم هم # إذا مات منهم سيد قام صاحبه

نجوم سماء كلما غار كوكب # بدا كوكب تأوي إليه كواكبه

أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم # دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه

و ما زال منهم حيث كانوا مسود # تسير المنايا حيث سارت كتائبه‏

( «الكامل» ص 30 طبع ليبسك) .

[2]الجزع اليماني: الخرز اليماني و الصيني، و هو الّذي فيه سواد و بياض. و هو يختلط على ناظم العقد في الظلام.

[3]لا يحصرون عن الندى: لا يبخلون. و فعله من باب فرح.

[4]حرب الفساد من أيام العرب كانت كما قال المؤلف بين الغوث و جديلة من طيئ، سميت بذلك لما حدث فيها من الفظائع و الأهوال؛ فقد قيل إن هؤلاء خصفوا نعالهم بآذان هؤلاء، و هؤلاء شربوا الشراب بأقحاف رءوس هؤلاء. و فيه يقول جابر بن الحريش الطائي:

إذ لا تخاف حد و جنا قذف النوى # قبل الفساد إقامة و نذيرا

و يقال له أيضا: زمن الفساد، و عام الفساد.

[5]حوق بالضم: موضع. و هذا اليوم هو المعروف أيضا بيوم اليحاميم. و سببه أن الحارث بن جبلة النسائي كان قد أصلح بين طيئ، فلما هلك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة و الغوث بموضع يقال له عرنان فقتل قائد بني جديلة و هو أسبع بن عمرو بن لأم عم أوس بن خالد بن حارثة بن لأم، و أخذ رجل من سنبس يقال له مصعب أذنيه فخصف بهما نعليه. و في ذلك يقول أبو سروة السنبسي:

نخصف بالآذان منكم نعالنا # و نشرب كرها منكم في الجماجم‏

و تناقل الحيان في ذلك أشعارا كثيرة. (ابن الأثير ج ص 476 طبع أوربا) . و قارات جمع قارة و هي أصاغر الجبال و الآكام.

[6]البيضة: عين ماء لبني دارم، كما ذكر أبو محمّد الأعرابي الأسود.

[7]عرنان: جبل بين تيماء و جبلي طيئ.

10

إليكم بني لأم تخبّ هجانها # بكلّ طريق صادفته شبارق‏[1]

لكم نائل غمر و أحلام سادة # و ألسنة يوم الخطاب مسالق‏[2]

و لم يدع داع مثلكم لعظيمة # إذا و زمت بالساعدين السّوارق‏[3]

السوارق: الجوامع‏[4]، واحدتها سارقة.

قال فابتاعه بجير من الطائيّين بحكمهما، فجزّ ناصيته و اعتقه.

جواره في بني جديلة و قتل تيس له غلاما منهم و شعره في ذلك‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا أبو أيّوب المديني قال: حدّثني مصعب بن عبد اللّه الزّبيري قال:

كان أبو الطّمحان القينيّ مجاورا لبطن من طيّى‏ء يقال لهم بنو جديلة، فنطح تيس له غلاما منهم فقتله، فتعلّقوا أبا الطمحان و أسروه حتى أدّى‏[5]ديته مائة من الإبل. و جاءهم نزيله، و كان يدعى هشاما، ليدفع عنه فلم يقبلوا قوله؛ فقال له أبو الطمحان:

أتاني هشام يدفع الضّيم جاهدا # يقول ألا ما ذا ترى و تقول

فقلت له قم يا لك الخير أدّها # مذلّلة إنّ العزيز ذليل

فإن يك دون القين أغبر شامخ # فليس إلى القين الغداة سبيل‏[6]

انتعاش المأمون ببنين لأبي الطمحان في ساعة اكتئابه‏

أخبرني عمي قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن مالك، عن إسحاق قال:

دخلت يوما على المأمون فوجدته حائرا متفكّرا غير نشيط، فأخذت أحدّثه بملح الأحاديث و طرفها، أستميله لأن يضحك أو ينشط، فلم يفعل. و خطر ببالي بيتان فأنشدته إيّاهما، و هما:

ألا علّلاني قبل نوح النّوائح‏[7] # و قبل نشوز[8]النفس بين الجوانح

و قبل غد، يا لهف نفسي على غد # إذا راح أصحابي و لست برائح‏[9]

[1]تخب: تسير الخبب، و هو العدو السريع. و الهجان: كرام الإبل. و الشبارق: جمع شبرق بكسر الشين و الراء، و هو شجر منبته نجد و تهامة، و ثمرته شاكة صغيرة الجرم حمراء مثل الدم منبتها السباخ و القيعان، و إذا يبس فهو الضريع.

[2]مسالق: ذربة حادة؛ و منه قوله تعالى: سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدََادٍ .

[3]في ب، س، ط: «إذا رزمت» و هو تحريف. و وزمت: عضت. و رواية «اللسان» و «أساس البلاغة» (مادة أزم) : «إذا أزمت» . و الأزم:

العض كالوزم.

[4]الجوامع: القيود الّتي تشد بها سواعد الأسرى و المحبوسين.

[5]لعلّها: يؤدي.

[6]القين: قبيلة أبي الطمحان منسوبة إلى جدّه القين بن جسر. يقول: إنه منقطع عن قبيلته و أهل نصرته بما يقوم بينه و بينهم من مفازة و جبل، فلا مناص من أداء دية الغلام المقتول. و إذا كان في أدائها معنى من معاني الذل، لأن جرح العجماء جبار (بضم الجيم) و هو يذهب هدرا، فإن العزيز يذل إذا وقع في مثل ما وقع فيه أبو الطمحان.

[7]و في «الحماسة» : «و يروى قبل صدح الصوادح» . و الصدح: شدّة صوت الديك و الغراب و غيرهما.

[8]النشوز: ارتفاع الشي‏ء عن موضعه، و نشوز النفس بين الجوانح: خروجها منها عند الموت. و في «الحماسة» : «و قبل ارتقاء النفس فوق الجوانح» . و الجوانح: ضلوع الصدر. و ارتقاء النفس فوقها: بلوغها التراقي.

[9]راح أصحابي: رجعوا في العشية إلى منازلهم و بقيت في قبري منفردا.

11

فتنبّه كالمتفزّع ثم قال: من يقول هذا ويحك؟قلت: أبو الطّمحان القينيّ يا أمير المؤمنين. قال: صدق و اللّه، أعدهما عليّ. فأعدتهما عليه حتى حفظهما. ثم دعا بالطعام فأكل، و دعا بالشراب فشرب. و أمر لي بعشرين ألف درهم.

استشهاد خالد بن يزيد ببيتين له في ريبة اعتذر عنها الحسن لعبد الملك‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثني أحمد بن الحارث الخرّاز قال: [حدّثني‏]المدائنيّ قال:

عاتب عبد الملك بن مروان الحسن بن/الحسن عليهما السلام على شي‏ء بلغه عنه من دعاء أهل العراق إيّاه إلى الخروج معهم على عبد الملك، فجعل يعتذر إليه و يحلف له. فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين، أ لا تقبل عذر ابن عمك و تزيل عن قلبك ما قد أشربته إيّاه؟أ ما سمعت قول أبي الطّمحان القينيّ:

/

إذا كان في صدر ابن عمّك إحنة # فلا تستثرها سوف يبدو دفينها

و إن‏[1]حمأة المعروف أعطاك صفوها # فخذ عفوه لا يلتبس بك طينها

استئذانه الزبير بن عبد المطلب في الرجوع إلى أهله و شعره في ذلك‏

قال المدائني: و نزل أبو الطمحان على الزّبير بن عبد المطّلب بن هاشم، و كانت العرب تنزل عليه، فطال مقامه لديه، و استأذنه في الرجوع إلى أهله و شكا إليه شوقا[2]إليهم، فلم يأذن له. و سأله المقام، فأقام عنده مدّة، ثم أتاه فقال له:

ألا حنّت المرقال و ائتبّ‏[3]ربّها # تذكّر أوطانا[4]و أذكر معشري

و لو عرفت صرف البيوع لسرّها # بمكة أن تبتاع حمضا بادخر[5]

أسرّك لو أنّا بجنبي عنيزة[6] # و حمض‏[7]و ضمران‏[8]الجناب و صعتر

/إذا شاء راعيها استقى من وقيعة[9] # كعين الغراب صفوها لم يكدّر

فلمّا أنشده إيّاها أذن له فانصرف، و كان نديما له.

[1]الحمأة: الطين الأسود المنتن. و المقصود هنا عين الماء و فيها صفو و كدرة. و هو يوصيه بأخذ الصفو و ترك الطين.

[2]في «المختار» : «شوقه» .

[3]المرقال: الناقة تسرع في سيرها، من الإرقال، و هو ضرب من العدو فوق الخبب. و ائتب: تهيأ للذهاب و تجهز، كأب الثلاثي من بابي نصر و ضرب.

[4]رواية الشعر و الشعراء ص 229: «أرماما» . و أرمام: موضع، و له يوم يعرف بيوم أرمام.

[5]يقول: إن ناقته لو عرفت صرف البيوع، لسرها أن تنتقل من بلاد الإذخر إلى بلاد الحمض لشوقها إلى البادية. و الحمض من النبات كل نبت مالح أو حامض يقوم على سوق و لا أصل له كالنجيل و الرمث و الطرفاء و ما أشبهها. و من الأعراب من يسمى كل نبات فيه ملوحة حمضا ضد الخلة من النبات و هو ما كان حلوا. و العرب تقول: الخلة خيز الإبل، و الحمض فاكهتها. و إذا شبعت الإبل من الخلة اشتهت الحمض. و الإذخر: حشيش طيّب الرائحة.

[6]عنيزة: قارة سوداء في بطن وادي فلج من ديار بني تميم.

[7]حمض بفتح أوله هنا: موضع بالبحرين. و إذخر هنا: مكان بمكة.

[8]الضمران: موضع، و صعتر بفتح أوّله و إسكان ثانيه: موضع. قاله أبو حنيفة عند ذكر الصعتر في أصناف النبات ( «معجم ما استعجم» ص 608) . و البيت في رواية أبي حنيفة كما في «تاج العروس» (مادة: صعتر) :

بودّك لو أنا بفرش عنازة # بحمض و ضمران الجناب و صعتر

[9]الوقيعة: مكان صلب يمسك الماء.

12
صوت‏

لا يعتري شربنا اللّحاء و قد # توهب فينا القيان و الحلل‏[1]

و فتية كالسّيوف نادمتهم # لا حصر[2]فيهم و لا بخل‏

الشعر للأسود بن يعفر، و الغناء لسليم، خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. / [1]الشرب (بالفتح) : القوم يجتمعون على الشراب. و اللحاء: النزاع. و القيان: جمع قينة، و هي الأمة المغنية. يقول: إنهم قوم لا يعتريهم النزاع، و قد يجود الواحد منهم بالقينة و الحلة.

[2]الحصر هنا: البخل.

13

2-أخبار الأسود و نسبه‏

نسبه و منزلته في الشعر

الأسود بن يعفر-و يقال يعفر بضم الياء[1]-ابن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. و أمّ الأسود بن يعفر رهم بنت العبّاب، من بني سهم بن عجل. شاعر متقدّم فصيح، من شعراء الجاهلية، ليس بالمكثر. و جعله محمّد بن سلام في الطبقة الثامنة[2]مع خداش بن زهير، و المخبّل السعديّ، و النّمر بن تولب العكلى. و هو من العشي-و يقال العشو بالواو-المعدودين في الشعراء.

و قصيدته الدالية المشهورة:

نام الخليّ و ما أحسّ رقادي # و الهمّ مختصر لديّ و سادي‏

معدودة من مختار أشعار العرب و حكمها، مفضّلية مأثورة.

توقف سوّار القاضي في شهادة دارمي يجهل الأسود بن يعفر

أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ و أبو الحسن أحمد بن محمّد الأسديّ قالا: حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال:

/تقدّم رجل من أهل البصرة من بني دارم إلى سوّار بن عبد اللّه ليقيم عنده شهادة، فصادفه يتمثّل قول الأسود بن يعفر[3]:

و لقد علمت لو أنّ علمي نافعي‏[4] # أنّ السّبيل سبيل ذي الأعواد[5]

إنّ المنيّة و الحتوف كلاهما # يوفي المخارم يرميان سوادي‏[6]

[1]إذا فتحت الياء منع من الصرف لشبهه بالفعل. و إذا ضمت الياء مع الفاء صرف؛ لأنه زال عنه شبه الفعل. و يقال فيه أيضا: يعفر (بفتح الياء و كسر الفاء) كما يقال: يونس و يوسف (بضم النون و السين و كسرهما) .

[2]كذا في جميع الأصول. و في «خزانة الأدب» (ج 1 ص 195 طبع بلاق) : «قال السيوطي: و جعله محمّد بن سلام في الطبقة الثانية مع خداش بن زهير، و المخبل السعدي، و النمر بن تولب» .

و الّذي في «طبقات الشعراء» لابن سلام تحت عنوان: الطبقة الخامسة: «و هم أربعة رهط: خداش بن زهير بن ربيعة ذي الشامة بن عمرو-و هو فارس الضحياء-بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، و الأسود بن يعفر بن عبد الأسود بن جندل بن نهشل بن دارم، و أبو يزيد المخبل بن ربيعة بن عوف بن قتال ابن أنف الناقة بن قريع، و تميم ابن أبي مقبل بن عوف بن حنيف بن العجلان بن عبد اللّه بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة» .

[3]من قصيدة له هي إحدى مختارات المفضل الضبي، و هي عنده في ستة و ثلاثين بيتا.

[4]في س: «نافع» . و رواية الضبي لهذا الشطر: «و لقد علمت سوى الّذي نبأتني» .

[5]ذو الأعواد، من أجداد أكثم بن صيفي حكيم تميم. و قيل له ذو الأعواد لسرير كانوا يحملونه عليه لما أسنّ، فكان سريره ملاذ الخائف و ملجأ المحتاج. و اسم ذي الأعواد مخاشن بن معاوية. يقول الأسود: إن سبيل كل حي سبيل ذي الأعواد بعد أن عمر طويلا، فكان مصيره إلى الموت.

[6]في جـ و المفضليات و شعر الأعشين: «يرقبان» بدل «يرميان» . و يوفى: يعلو. و رجع الضمير هنا مفردا و في «يرميان» مثنى، و هو جائز. و المخارم: أفواه الفجاج و الطرق في الجبال، واحدها مخرم. و سواد الرجل: شخصه. ـ

14

ما ذا أؤمّل بعد آل محرّق # تركوا منازلهم و بعد إياد[1]/

/أهل الخورنق و السّدير و بارق # و القصر ذي الشّرفات من سنداد[2]

نزلوا بأنقرة يفيض عليهم # ماء الفرات يفيض من أطواد[3]

جرت الرّياح على محلّ ديارهم # فكأنّما كانوا على ميعاد

ثم أقبل على الدارميّ فقال له: أ تروي هذا الشعر؟قال: لا. قال: أ فتعرف من يقوله؟قال: لا. قال: رجل من قومك له هذه النباهة و قد قال مثل هذه الحكمة لا ترويها و لا تعرفه!يا مزاحم، أثبت شهادته عندك، فإني متوقّف عن قبوله حتى أسأل عنه، فإني أظنّه ضعيفا.

أخبرني عميّ قال حدّثنا الكرانيّ عن الرياشيّ عن أبي عبيدة بمثله.

وعد الرّشيد بعشرة آلاف لمن يروي قصيدة «نام الخليّ... »

أخبرني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني الحكم بن موسى السّلوليّ قال حدّثني أبي قال:

بينا نحن بالرافقة[4]على باب الرّشيد وقوف، و ما أفقد أحدا من وجوه العرب من أهل الشام و الجزيرة و العراق، إذ خرج وصيف كأنه درّة فقال: يا معشر الصحابة، /إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام و يقول لكم:

من كان منكم يروي قصيدة الأسود بن يعفر:

نام الخليّ و ما أحسّ رقادي # و الهمّ مختصر[5]لديّ و سادي‏

فليدخل فلينشدها أمير المؤمنين و له عشرة آلاف درهم. فنظر بعضنا إلى بعض، و لم يكن فينا أحد يرويها. قال:

فكأنما سقطت و اللّه البدرة عن قربوسي‏[6]. قال الحكم: فأمرني أبي فرويت شعر الأسود بن يعفر من أجل هذا الحديث.

[1]آل محرّق هنا: هم ملوك الحيرة من لخم. و محرّق الّذي أضيفوا إليه هو امرؤ القيس بن عمرو بن عدي أحد ملوكهم، و يقال له:

المحرق الأكبر. و لقب به أيضا من اللخميين عمرو بن هند من ملوكهم، و يقال له: المحرّق الثاني. و محرق أيضا: لقب الحارث بن عمرو أبي شمر ملك الشام من آل جفنة؛ لأنه أوّل من حرّق العرب في ديارهم. و يقال لآل جفنة أيضا: آل محرق.

(ملخص عن «اللسان» و «القاموس» و «شرحه» مادة حرق، و «المعارف» لابن قتيبة ص 317) . و إياد: حي من معد بن عدنان، و هم بنو إياد بن نزار، منهم قس بن ساعدة الّذي يضرب به المثل في الجود و الفصاحة. و كانت ديارهم مع العدنانية، و حين تكاثر بنو إسماعيل و تفردت مضر بالرئاسة خرج بنو إياد إلى العراق، و كان لهم مع الأكاسرة أيام مشهودة إلى أن أغار عليهم سابور ذو الأكتاف من ملوك الأكاسرة فأبادهم و أفناهم. راجع كتاب ( «نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب» للقلقشندي ص 82 طبع مطبعة الرياض ببغداد) .

[2]الخورنق كسفرجل: قصر من قصور الحيرة، و الخورنق هو بالفارسية خورنكاه و هو بيت الضيافة، بناه شخص رومي اسمه سنمار للنعمان بن امرئ القيس اللخمي، و كمله في عشرين سنة، فلما وقف عليه النعمان استجاده و أثنى على سنمار فقال له سنمار: لو شئت أن أجعله يدور مع الشمس لفعلت، فأمر به أن يطرح من أعلى شرفاته، فضرب به المثل فقيل: «جزاه جزاء سنمار» . (عن «مسالك الأبصار» جـ 1 ص 230 طبع دار الكتب) . و السدير: قصر كان ما بين نهر الحيرة إلى النجف إلى كسكر من هذا الجانب.

و بارق: ماء بالعراق، أو هو نهر كما في معجم البلدان بين القادسية و البصرة، و هو من أعمال الكوفة. و سنداد: منزل لإياد، و هو أسفل سواد الكوفة. و قال ابن الكلبي في القصر ذي الشرفات: إن العرب كانت تحج إليه.

[3]أنقرة: مدينة بالأناضول على طريق القسطنطينية و هي عاصمة الدولة التركية اليوم، لها ذكر في رحلة امرئ القيس إلى الروم، و افتتحها المعتصم في طريقه إلى عمورية سنة 223، و كانت إياد قد نزلتها لما نفاها كسرى عن بلاده.

[4]الرافقة: بلد متصل البناء بالزقة على ضفة الفرات، ثم خربت الرقة و غلب اسمها على الرافقة، و صار اسم المدينة الرقة، و هي من أعمال الجزيرة، و هي مدينة كبيرة كثيرة الخيرات (عن «معجم البلدان» ) .

[5]المحتضر: الحاضر.

[6]القربوس: حنو السرج و هو الجزء المعوج في السرج.

15

التمثل بشعره لما انتهى علي إلى مدائن كسرى‏

أخبرني محمّد بن القاسم الأنباريّ قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عبد اللّه بن عبد الرحمن المدائنيّ قال: حدّثنا [أبو][1]أمية بن عمرو بن هشام الحرّانيّ قال: حدّثنا محمّد بن يزيد بن سنان قال: حدّثني جدّي سنان بن يزيد قال:

كنت مع مولاي جرير بن سهم التميميّ و هو يسير أمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام و يقول:

يا فرسي سيري و أمّي الشاما # و خلّفي الأخوال و الأعماما

و قطّعي الأجواز و الأعلاما[2] # و قاتلي من خالف الإماما

إني لأرجو إن لقينا العاما # جمع بني أميّة الطّغاما

أن نقتل العاصي و الهماما # و أن نزيل من رجال هاما

فلما انتهى إلى مدائن كسرى وقف عليّ عليه السلام و وقفنا، فتمثّل مولاي قول الأسود بن يعفر:

جرت الرّياح على مكان ديارهم # فكأنّما كانوا على ميعاد

/فقال له عليّ عليه السلام: فلم لم تقل كما قال اللّه جلّ و عزّ: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ. `وَ زُرُوعٍ وَ مَقََامٍ كَرِيمٍ. `وَ نَعْمَةٍ كََانُوا فِيهََا فََاكِهِينَ. `كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ .

ثم قال: يا ابن أخي، إن هؤلاء كفروا النعمة، فحلّت بهم النّقمة، فإيّاكم و كفر النّعمة فتحلّ بكم النقمة.

التمثل بشعره لما مرّ عمر بن عبد العزيز بقصر لآل جفنة

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمّد بن موسى قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ قال:

مرّ عمر بن عبد العزيز و معه مزاحم مولاه يوما بقصر من قصور آل جفنة، و قد خرب، فتمثّل مزاحم بقول الأسود بن يعفر:

جرت الرّياح على محلّ ديارهم # فكأنّما كانوا على ميعاد

و لقد غنوا[3]فيها بأنعم عيشة # في ظلّ ملك ثابت الأوتاد

فإذا النّعيم و كلّ ما يلهى به # يوما يصير إلى بلى و نفاد

فقال له عمر: هلاّ قرأت: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنََّاتٍ وَ عُيُونٍ ، إلى قوله جلّ و عزّ: كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا قَوْماً آخَرِينَ .

ما قاله في استنقاذ إبل له أخذتها بكر بن وائل‏

نسخت من كتاب محمّد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل قال:

كان الأسود بن يعفر مجاورا في بني قيس بن ثعلبة ثم في بني مرّة بن عباد بالقاعة[4]، فقامرهم فقمروه، حتى حصل عليه تسعة عشر بكرا، فقالت لهم أمّه و هي رهم بنت العبّاب: يا قوم، أ تسلبون ابن أخيكم‏[5]ماله؟قالوا:

[1]الزيادة عن نسخة ط.

[2]الأجواز جمع جوز بقصد الجهات. و الأعلام: الجبال.

[3]غنوا: أقاموا. و يستعمل إذا كانت الإقامة في غنى و نعيم. و منه المغنى و جمعه مغان.

[4]القاعة من بلاد سعد بن زيد مناة بن تميم قبل يبرين، و قيل منازل بني مرة بن عباد بن قيس بن ثعلبة، و تسمى الأجواف أيضا. (عن «معجم ما استعجم» ) .

[5]في نسخة ط: «ابن أختكم» .

16

فما ذا نصنع؟قالت: احبسوا قداحه‏[1]. /فلما راح القوم قالوا له: أمسك‏[2]. فدخل ليقامرهم فردّوا قداحه. فقال:

لا أقم بين قوم لا أضرب فيهم بقدح؛ فاحتمل قبل دخول الأشهر الحرم، فأخذت إبله طائفة من بكر بن وائل؛ فاستسعى الأسود بني مرّة بن‏[3]عباد و ذكّرهم الجوار و قال لهم:

يال عباد دعوة بعد هجمة # فهل فيكم من قوّة و زماع‏[4]

فتسعوا لجار حلّ وسط بيوتكم # غريب و جارات تركن جياع‏

و هي قصيدة طويلة، فلم يصنعوا شيئا. فادّعى جوار بني محلّم بن ذهل بن شيبان، فقال:

قل لبني محلّم يسيروا # بذمّة يسعى بها خفير[5]

لا قدح‏[6]بعد اليوم حتى توروا

و يروى «إن لم توروا» . فسعوا معه حتى استنقذوا إبله، فمدحهم بقصيدته الّتي أوّلها:

أجارتنا غضّي من السّير أو قفي # و إن كنت قد أزمعت بالبين فاصرفي‏[7]

أسائلك أو أخبرك عن ذي لبانة # سقيم الفؤاد بالحسان مكلّف‏[8]

/يقول فيها:

تداركني أسباب آل محلّم # و قد كدت أهوي بين نيقين نفنف‏[9]

هم القوم يمسي جارهم في غضارة # سويّا سليم اللّحم لم يتحوّف‏[10]

فلما بلغتهم أبياته ساقوا إليه مثل إبله الّتي استنقذوها من أموالهم.

طلب طلحة من الأسود بن يعفر أن يسعى له في إبله‏

قال المفضّل: كان رجل من بني سعد بن عوف بن مالك بن حنظلة يقال له طلحة، جارا لبني ربيعة بن عجل بن لجيم‏[11]، فأكلوا[12]إبله، فسأل في قومه حتّى أتى الأسود بن يعفر يسأله أن يعطيه و يسعى له في إبله. فقال له الأسود: لست جامعهما لك، و لكن اختر أيّهما شئت. قال: أختار أن تسعى لي بإبلي. فقال الأسود لأخواله من بني عجل:

يا جار طلحة هل تردّ لبونه # فتكون أدنى للوفاء و أكرما

[1]القداح جمع قدح: سهام الميسر الّتي كانوا يتقامرون بها. و في س، ش: «أقداحه» .

[2]كذا في ط. و في سائر الأصول: «أمسك قدحك» .

[3]في س، ب، ط: «فاستسعى الأسود بن مرة بن عباد» و هو تحريف. و التصويب عن نسخة جـ.

[4]الزماع (كسحاب و كتاب) : المضاء في الأمر و العزم عليه.

[5]الخفير هنا: المانع المجير.

[6]القدح: طلب الإيراء، يقال: قدح بالزند يقدح قدحا. و اقتدح: رام الإيراء به. و تورون: تستخرجون نار الزند، يقال: ورى الزند خرجت ناره، و أوراه غيره إذا استخرج ناره. و ورى الزناد و إيراؤها يراد به الإنجاح و إدراك المطالب.

[7]الصرف هنا: رد الشي‏ء عن وجهه. يريد: اعدلي عما أزمعته من البين.

[8]مكلف: مولع.

[9]النيق: حرف من حروف الجبل، و أرفع موضع فيه. و النفنف: مهواة ما بين جبلين. و كل شي‏ء بينه مهوى، فهو نفنف.

[10]الغضارة: النعمة و السعة في العيش. و يتحوف: يتنقص. و في كل الأصول بالراء بدل الواو و هو تحريف.

[11]في ب، س، جـ: «جشم» و التصويب من ط و كتب «الأنساب» .

[12]يريد أخذوها.

17

تاللّه لو جاورتموه بأرضه # حتّى يفارقكم إذا ما أحرما[1]

و هي قصيدة طويلة.

رد الإبل مكرمة للأسود

فبعث أخواله من بني عجل بإبل طلحة إلى الأسود بن يعفر فقالوا: أمّا إذ كنت شفيعه فخذها، و تولّ ردّها لتحرز المكرمة عنده دون غيرك.

النعمان يحث خالد بن مالك على المطالبة بثأر عمه الّذي قتله وائل و سليط العجليان‏

و قال ابن الأعرابيّ: قتل رجلان من بني سعد بن عجل يقال لهما وائل و سليط ابنا عبد اللّه، عمّا لخالد بن مالك بن ربعيّ النّهشليّ يقال له عامر بن ربعيّ، و كان خالد بن مالك عند النّعمان حينئذ و معه الأسود بن يعفر.

فالتفت النعمان يوما إلى/خالد بن مالك فقال له: أيّ فارسين/في العرب تعرف هما أثقل على الأقران و أخفّ على متون الخيل؟فقال له: أبيت اللّعن!أنت أعلم. فقال: خالا ابن عمّك الأسود بن يعفر و قاتلا عمّك عامر بن ربعيّ (يعني العجليّين وائلا و سليطا) . فتغيّر لون خالد بن مالك. و إنّما أراد النّعمان أن يحثّه‏[2]على الطّلب بثأر عمّه. فوثب الأسود فقال: أبيت اللعن!عضّ بهن أمّه من رأى حقّ أخواله فوق حقّ أعمامه. ثم التفت إلى خالد بن مالك فقال: يا ابن عمّ، الخمر عليّ حرام حتى أثأر لك بعمك. قال: و عليّ مثل ذلك.

الأسود و خالد يجمعان جمعا و يغيران على كاظمة فقتل وائل و سليط

و نهضا يطلبان القوم؛ فجمعا جمعا من بني نهشل بن دارم فأغارا بهم على كاظمة[3]، و أرسلا رجلا من بني زيد بن نهشل بن دارم يقال له عبيد يتجسّس لهم الخبر، فرجع إليهم فقال: جوف كاظمة ملآن من حجّاج و تجار، و فيهم وائل و سليط متساندان‏[4]في جيش. فركبت بنو نهشل حتى أتوهم، فنادوا: من كان حاجّا فليمض لحجه، و من كان تاجرا فليمض لتجارته. فلمّا خلص لهم وائل و سليط في جيشهما اقتتلوا، فقتل وائل و سليط، قتلهما هزّان بن زهير بن جندل بن نهشل، عادى بينهما[5]. و ادّعى الأسود بن يعفر أنه قتل وائلا. ثم عاد إلى النّعمان فلما رآه تبسّم و قال: و في نذرك يا أسود؟قال: نعم أبيت اللّعن!ثم أقام عنده مدّة ينادمه و يؤاكله.

ما قاله الأسود في مرضه‏

ثم مرض مرضا شديدا، فبعث النعمان إليه رسولا يسأله عن خبره و هول ما به؛ فقال:

/

نفع قليل إذا نادى الصّدى‏[6]أصلا # و حان منه لبرد الماء تغريد

و ودّعوني فقالوا ساعة انطلقوا # أودى فأودى النّدى و الحزم و الجود

فما أبالي إذا ما متّ ما صنعوا # كلّ امرئ بسبيل الموت مرصود

[1]لعلها «ما أجرما» .

[2]في ط: «يبعثه» .

[3]كاظمة: موضع على سيف البحر في طريق البحرين من البصرة بينها و بين البصرة مرحلتان. و فيها ركايا كثيرة و ماؤها شروب. و هي الواردة في «بردة البوصيري» .

[4]متساندان: متعاونان يسند كل واحد منهما الآخر و يعضده، و كل منهما تحت راية.

[5]عادى الفارس بين رجلين، إذا طعنهما طعنتين متواليتين.

[6]الصدى هنا: الطائر الّذي يخرج من هامة الميت إذا بلى، و جمعه أصداء، و هو من خرافات العرب. و أصلا (بضمتين) : جمع أصيل و هو العشيّ.

18

و نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ يأثره عن أبيه، قال:

ما قاله في فرس أخذها ابنه جراح من بني الحارث بن تيم اللّه و استولدها أمهارا

كان أبو جعل أخو عمرو بن حنظلة من البراجم قد جمع جمعا من شذّاذ أسد و تميم و غيرهم، فغزوا بني الحارث بن تيم اللّه بن ثعلبة، فنذروا[1]بهم و قاتلوهم قتالا شديدا حتى فضّوا جمعهم، فلحق رجل من بني الحارث بن تيم اللّه بن ثعلبة جماعة من بني نهشل فيهم جرّاح بن الأسود بن يعفر، و الحرّ بن شمر بن هزّان بن زهير بن جندل، و رافع بن صهيب بن حارثة بن جندل، و عمرو و الحارث ابنا حرير[2]بن سلمى بن جندل، فقال لهم الحارثيّ‏[3]: هلمّ إليّ طلقاء[4]؛ فقد أعجبني قتالكم سائر اليوم، و أنا خير لكم من العطش. قالوا نعم. فنزل ليجّز نواصيهم. فنظر الجرّاح بن الأسود إلى فرس من خيلهم فإذا هي أجود فرس في الأرض، فوثب فركبها و ركضها و نجا عليها. فقال الحارثيّ للذين بقوا معه: أ تعرفون هذا؟قالوا: نعم نحن لك عليه خفراء. فلمّا أتى جرّاح أباه أمره فهرب بها في بني سعد فابتطنها[5]ثلاثة أبطن، و كان يقال لها: العصماء. فلما رجع النّفر النّهشليّون إلى قومهم قالوا إنّا خفراء فارس العصماء، فو اللّه لنأخذنّها، فأوعدوه‏[6]. و قال حرير[7]و رافع: نحن الخفيران/بها.

و كان بنو جرول حلفاء بني سلمى بن جندل على بني حارثة بن جندل، فأعانه على ذلك التّيحان بن بلج بن جرول بن نهشل. فقال الأسود بن يعفر يهجوه:

//

أتاني و لم أخش الّذي ابتعثا به # خفيرا بني سلمى حرير و رافع

هم خيّبوني يوم كلّ غنيمة # و أهلكتهم‏[8]لو أنّ ذلك نافع

فلا أنا معطيهم عليّ ظلامة # و لا الحقّ معروفا لهم أنا مانع

و إني لأقري الضيف وصّى به أبي # و جار أبي التّيحان ظمآن جائع

فقولا لتيحان ابن عاقرة استها # أ مجر[9]فلاقي الغيّ أم أنت نازع‏[10]

و لو أنّ تيحان بن بلج أطاعني # لأرشدته و للأمور مطالع

و إن يك مدلولا[11]عليّ فإنّني # أخو الحرب لا قحم‏[12]و لا متجاذع‏[13]

[1]نذر بالشي‏ء و بالعدو (بكسر الذال) نذرا: علمه فحذره.

[2]في الأصول: «حدين» صوابه من نقل البغدادي في «الخزانة» 1: 195 عن «الأغاني» .

[3]في سائر الأصول: «الحارث» و ظاهر أنه تحريف، إذ هو الرجل الّذي لحق بجماعة بني نهشل. و هو منسوب إلى بني الحارث بن تيم اللّه بن ثعلبة، و سيأتي بعد سطور بلفظ «الحارثي» .

[4]طلقاء: جمع طليق، و هو الأسير أطلق عنه إساره.

[5]ابتطنها: نتجها ثلاث مرات.

[6]أوعدوه: هددوه.

[7]كذا في ط. و في سائر الأصول «جرير» بالجيم.

[8]كذا في الأصل و «خزانة الأدب» .

[9]مجر: قاصد إلى الشر، يقال: أجرى إلى الشي‏ء قصده؛ و أكثر ما يستعمل الإجراء، محذوف المفعول، في الأمر المنكر المذموم.

قال غلاق بن مروان بن الحكم بن زنباع:

هم قطعوا الأرحام بيني و بينهم # و أجروا إليها و استحلوا المحارما

[10]النازع من النزوع و هو الكف عن الشي‏ء، و الانتهاء عنه.

[11]مدلولا علي: أي اجترأ القوم علي.

[12]القحم: الكبير السن.

[13]المتجاذع: الّذي يرى أنه صغير السن. و الجذع: الصغير السن.

19

و لكنّ تيحان ابن عاقرة استها # له ذنب‏[1]من أمره و توابع‏

قال: فلمّا رأى الأسود أنهم لا يقلعون عن الفرس أو يردّوها، أحلفهم عليها فحلفوا أنهم خفراء لها، فردّ الفرس عليهم و أمسك أمهارها، فردّوا الفرس إلى صاحبها. ثم أظهر الأمهار بعد ذلك، فأوعدوه فيها أن يأخذوها.

فقال الأسود:

أ حقّا بني أبناء سلمى بن جندل # وعيدكم إياي وسط المجالس

فهلاّ جعلتم نحوه من وعيدكم # على رهط قعقاع و رهط ابن حابس

/هم منعوا منك تراث أبيكم # فصار التّراث للكرام الأكايس

هم أوردوكم ضفّة البحر طاميا # و هم تركوكم بين خاز[2]و ناكس‏[3]

رثاؤه مسروق بن المنذر النهشلي و كان كثير البر به‏

و قال أبو عمرو: كان مسروق بن المنذر بن سلمى بن جندل بن نهشل سيّدا جوادا، و كان مؤثرا للأسود بن يعفر، كثير الرّفد له و البرّ به. فمات مسروق و اقتسم أهله ماله، و بان فقده على الأسود بن يعفر فقال يرثيه:

أقول لمّا أتاني هلك سيّدنا # لا يبعد اللّه ربّ الناس مسروقا

من لا يشيّعه‏[4]عجز و لا بخل # و لا يبيت لديه اللّحم موشوقا[5]

مردى حروب‏[6]إذا ما الخيل ضرّجها[7] # نضخ الدماء و قد كانت أفاريقا[8]

و الطاعن الطعنة النّجلاء تحسبها # شنّا[9]هزيما[10]يمجّ الماء مخروقا

و جفنة[11]كنضيح‏[12]البئر متأقة[13] # ترى جوانبها باللحم مفتوقا[14]

يسّرتها ليتامى أو لأرملة # و كنت بالبائس المتروك محقوقا[15]

يا لهف أمّي إذ أودى و فارقني # أودى ابن سلمى نقيّ العرض مرموقا

[1]له ذنب: لأمره عواقب.

[2]الخازي، من خزي بالكسر يخزي خزيا، إذا ذل و هان، كما فسرها البغدادي في «الخزانة» .

[3]الناكس: المطأطئ رأسه.

[4]يشيعه: يصحبه و يتبعه.

[5]الموشوق: المقدد. يقال و شق اللحم بشقه إذا شرحه و قدّده، يقول: إنه لكرمه لا يدّخر اللحم إلى غد.

[6]مردى حروب: شجاع صبور عليها، غالب؛ و أصل المردى: الحجر الّذي تكسر به الصخور، و يكسر به النوى، و أكثر ما يقال في الحجر الثقيل.

[7]ضرجها: لطخها.

[8]الأفاريق: جمع أفراق، و أفراق جمع فرقة و هي: الطائفة و الجماعة.

[9]الشن: القربة القديمة الصغيرة.

[10]الهزيم: اليابس المتكسر.

[11]الجفنة: القصعة.

[12]نضيح البئر: حوضها.

[13]المتاقة: الممتلئة.

[14]المفتوق: المشقوق. قال في «اللسان» «مادة فتق» بعد أن ذكر هذا الشطر: «إنما أراد مفتوقة فأوقع الواحد موقع الجماعة» . و في ط و «اللسان» : «... بالشحم مفتوقا» .

[15]المحقوق هنا: الخليق. قال في «اللسان» : «قال شمر: تقول العرب: حق علي أن أفعل ذلك، و حق، و إني لمحقوق أن أفعل خيرا، و هو حقيق به، و محقوق به، أي خليق له، و الجمع أحقاء و محقوقون» .

20

ما أجاب به بنته و قد لامته على جوده‏

و قال أبو عمرو: عاتبت سلمى بنت الأسود بن يعفر أباها على إضاعته ماله فيما ينوب قومه من حمالة[1]و ما يمنحه فقراءهم و يعين به مستمنحهم، فقال لها:

و قالت لا أراك تليق شيئا # أ تهلك ما جمعت و تستفيد[2]

فقلت بحسبها يسر و عار # و مرتحل إذا رحل الوفود[3]

فلومي إن بدا لك أو أفيقي # فقبلك فاتني و هو الحميد

أبو العوراء لم أكمد عليه # و قيس فاتني و أخي يزيد

مضوا لسبيلهم و بقيت وحدي # و قد يغني رباعته الوحيد[4]

/فلو لا الشامتون أخذت حقّي # و إن كانت بمطلبه كئود[5]

و يروى:

و إن كانت له عندي كئود

ما قاله في ابنه جراح و كان ضئيلا و ضعيفا

قال أبو عمرو: و كان الجرّاح بن الأسود في صباه ضئيلا ضعيفا، فنظر إليه الأسود و هو يصارع صبيّا من الحيّ -و قد صرعه الصبيّ-و الصبيان يهزءون منه، فقال:

سيجرح جرّاح و أعقل ضيمه # إذا كان مخشيّا من الضّلع المبدي‏[6]

فآباء جرّاح ذؤابة دارم # و أخوال جرّاح سراة بني نهد

قال: و كانت أمّ الجرّاح أخيذة، أخذها الأسود من بني نهد في غارة أغارها عليهم.

ما قاله لما أسنّ و كف بصره‏

و قال أبو عمرو: لمّا أسنّ الأسود بن يعفر كفّ بصره، فكان يقاد إذا أراد مذهبا. و قال في ذلك:

قد كنت أهدي و لا أهدى فعلّمني # حسن المقادة أني أفقد البصرا

أمشي و أتبع جنّابا ليهديني # إنّ الجنيبة مما تجشم الغدرا[7]

الجنّاب: الرجل الّذي يقوده كما تقاد الجنيبة. الجشم: المشي ببطء. و الغدر: مكان ليس مستويا.

[1]الحمالة: ما يحمله عنهم من مغارم.

[2]يقال: فلان ما يليق شيئا أي ما يمسك شيئا.

[3]اليسر: القوم المجتمعون على الميسر. و العاري: الّذي يعرو القوم يلتمس معروفهم. و المرتحل: الّذي يرتحل البعير، أي يركبه بالقتب.

[4]الرباعة، بالفتح و بالكسر: الشأن و الأمر و هي القبيلة أيضا.

[5]كئود صفة لموصوف محذوف و هو العقبة الّتي تعترض من الطريق، و كان تامة. و رواية ط:

فلو لا الشامتون لأخذ حقي # و إن كانت بمطلبه كئود

[6]أعقل: أحمل عنه. الضلع: الاعوجاج خلقة. و المعنى أن هذا العيب لا يمنع من أنه سيقوى فآباؤه و أخواله رؤساء و سادة و لن يتخلف عن صفاتهم و شمائلهم. و المبدي، لعلها «المندي» بالنون، أي المخزي.

[7]جناب بضم الجيم لا بالفتح: الّذي يسير مع الرجل إلى جنبه (كما ورد في «اللسان» ) . و الجنيبة: الدابة تقاد. و الغدر: ما واراك و سد بصرك.

21

شعر لأخيه حطائط و قد لامته أمه على جوده‏

و ذكر محمّد بن حبيب، عن ابن الأعرابيّ، عن المفضّل: أن الأسود كان له أخ يقال له حطائط بن يعفر شاعر، و أن ابنه الجرّاح كان شاعرا أيضا. قال: و أخوه حطائط الّذي قال لأمّهما رهم بنت العبّاب، و عاتبته على جوده فقال:

تقول ابنة العبّاب رهم حربتني # حطائط لم تترك لنفسك مقعدا[1]

إذا ما جمعنا صرمة بعد هجمة # تكون علينا كابن أمّك أسودا[2]

فقلت و لم أعي الجواب: تأمّلي # أ كان هزالا حتف زيد و أربدا[3]

أريني جوادا مات هزلا لعلّني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا

ذريني أكن للمال ربّا و لا يكن # لي المال ربا تحمدي غبّه غدا

/ذريني فلا أعيا بما حلّ ساحتي # أسود فأكفى أو أطيع المسوّدا

ذريني يكن مالي لعرضي وقاية # يقي المال عرضي قبل أن يتبدّدا

أ جارة أهلي بالقصيمة لا يكن # عليّ-و لم أظلم-لسانك مبردا[4]

صوت‏

أ عاذلتي ألا لا تعذلينا # أقلّي اللوم إن لم تنفعينا

فقد أكثرت لو أغنيت شيئا # و لست بقابل ما تأمرينا

الشعر لأرطاة بن سهيّة، و الغناء لمحمد بن الأشعث، خفيف رمل بالبنصر، من نسخة عمرو بن بانة.

[1]حربتني: سلبتني مالي.

[2]في «الحماسة» (طبع أوربا ص 755) : «أفدنا» بدل جمعنا. و الصرمة: القطعة من الإبل نحو الثلاثين. و الهجمة: أربعون من الإبل إلى سبعين فما دون المائة. فإذا بلغت المائة فهي الهنيدة. و قد روى «عليها» و في الأصول: «علينا» . يريد: تعود عليها سالكا طريق أخيك الأسود بن يعفر في السخاء بذلك المال.

[3]يقول: إن زيدا و أربد من كرام قومنا لم يموتا من هزال. و في «الحماسة» : «نهد» بدل «زيد» . و فيها أيضا: «و قيل إن بهذا و أربد كانا أخوين لحطائط» .

[4]القصيمة: (بالفتح ثم الكسر) الرملة التي تنبت الغضى. و في «معجم البلدان» : القصيمة بلفظ التصغير، و يضاف فيقال قصيمة الطرّاد.

قال الأسود بن يعفر:

بالجوّ فالأمراج حول مرامر # فبضارج فقصيمة الطرّاد

22

3-أخبار ارطاة و نسبه‏

نسبه من قبل أبويه و بيان أن أمه كانت لضرار بن الأزور فصارت إلى زفر و هي حامل بأرطأة

هو أرطاة بن زفر بن عبد اللّه بن مالك بن شدّاد بن عقفان‏[1]بن أبي حارثة بن مرّة بن نشبة بن غيظ بن مرّة[بن عوف‏][2]بن سعد بن ذبيان. و قد تقدّم هذا النسب في عدّة مواضع من هذا الكتاب. و سهيّة أمّه؛ و هي بنت زامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن حديج بن أبي جشم/بن كعب بن عوف بن عامر بن عوف، سبيّة من كلب، و كانت لضرار بن الأزور ثم صارت إلى زفر و هي حامل فجاءت بأرطأة من ضرار على فراش زفر؛ فلما ترعرع أرطاة جاء ضرار إلى الحارث بن عوف فقال له:

يا حارث افكك لي بنيّ من زفر

-و يروى:

«يا حار أطلق لي»

-

في بعض من تطلق من أسرى مضر

إنّ أباه امرؤ سوء إن كفر[3]

فأعطاه الحارث إياه و قال: انطلق بابنك، فأدركه نهشل بن حرّيّ بن غطفان فانتزعه و ردّه إلى زفر. و في تصداق ذلك يقول أرطاة لبعض أولاد زفر:

فإذا خمصتم‏[4]قلتم يا عمّنا # و إذا بطنتم‏[5]قلتم ابن الأزور

/قال: و لهذا غلبت أمه سهيّة على نسبه فنسب إليها. و ضرار بن الأزور هذا قاتل مالك بن نويرة الّذي يقول فيه أخوه متمّم:

نعم القتيل إذا الرّياح تناوحت # تحت البيوت، قتلت يا ابن الأزور

منزلته في الشعر

و أرطاة شاعر فصيح، معدود في طبقات الشعراء المعدودين من شعراء الإسلام في دولة بني أميّة لم يسبقها و لم يتأخّر عنها. و كان امرأ صدق شريفا في قومه جوادا.

إنشاده عبد الملك بعض ما ناقض به شبيب بن البرصاء

أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان رفيع بن سلمة الملقّب بدماذ، قال: حدّثنا أبو عبيدة قال:

[1]في الأصول: «غطفان» و التصويب مما سيأتي في الشعر. و قد صححها كذلك الشنقيطي في نسخته.

[2]الزيادة من «شرح شواهد المغني للبغدادي» (ج 2 ص 572) نسخة مخطوطة و محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (2 نحو-ش) و «القاموس المحيط» مادة (غيظ) و مما تقدّم في هذا الكتاب و من ذلك ما ورد في أخبار النابغة و نسبه. (الجزء الحادي عشر الصفحة الثالثة من هذه الطبعة) .

[3]كفر: جحد حقه في أبوّته.

[4]خمصتم: جعتم.

[5]بطنتم: شبعتم. ـ

23

دخل أرطاة بن سهيّة على عبد الملك بن مروان، فاستنشده شيئا مما كان يناقض‏[1]به شبيب بن البرصاء، فأنشده:

أبي كان خيرا من أبيك و لم يزل # جنيبا لآبائي و أنت جنيب‏[2]

فقال له عبد الملك بن مروان: كذبت، شبيب خير منك أبا. ثم أنشده:

و ما زلت خيرا منك مذ عضّ كارها # برأسك عاديّ النّجاد رسوب‏[3]

معرفة عبد الملك مقادير الناس على بعدهم‏

فقال له عبد الملك: صدقت، أنت في نفسك خير من شبيب. فعجب من عبد الملك من حضر و من معرفته مقادير الناس‏[4]على بعدهم منه في بواديهم، و كان الأمر على ما قال: كان شبيب أشرف أبا من أرطاة، و كان أرطاة أشرف فعلا و نفسا من شبيب.

ما قاله لعبد الملك و قد أسنّ‏

/أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعيّ قال حدّثنا عمرو بن بحر الجاحظ و دماذ أبو غسّان، قالا جميعا، قال أبو عبيدة:

دخل أرطاة بن سهيّة على عبد الملك بن مروان، فقال له: كيف حالك يا أرطاة؟-و قد كان أسنّ-فقال:

ضعفت أوصالي، و ضاع مالي، و قلّ منّي ما كنت أحبّ كثرته، و كثر مني ما كنت أحبّ قلّته. قال: فكيف أنت في شعرك؟فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما أطرب و لا أغضب و لا أرغب و لا أرهب، و ما يكون الشعر إلا من نتائج هذه الأربع، و على أنّي القائل:

رأيت المرء تأكله اللّيالي # كأكل الأرض ساقطة الحديد

و ما تبغي المنيّة حين تأتي # على نفس ابن آدم من مزيد

و أعلم أنها ستكرّ حتّى # توفّي نذرها بأبي الوليد

فارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفّى نذرها بك ويلك!ما لي و لك؟فقال: لا ترع يا أمير المؤمنين، /فإنّما عنيت نفسي-و كان أرطاة يكنى أبا الوليد فسكّن عبد الملك، ثم استعبر باكيا و قال: أما و اللّه على ذلك لتلمّنّ‏[5]بي.

أخبرني به حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان محمّد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت، فذكر قريبا منه يزيد و ينقص و لا يحيل‏[6]معنى.

مدحه مروان لما اجتمع له أمر الخلافة

أخبرني عبد الملك بن مسلمة القرشيّ الهشاميّ بأنطاكية[7]قال أخبرني أبي عن أهلنا أن أرطاة بن سهيّة دخل على مروان بن الحكم لما اجتمع له أمر الخلافة.

[1]يناقض: يعارض، و المناقضة هي أن يعارض الشاعر غيره في قصيدته من نفس الوزن و الروي.

[2]الجنيب: الطائع المنقاد.

[3]النجاد: حمائل السيف. و عادي النجاد: سيف قديم، كأنه لقدمه أدرك زمن عاد، و الرسوب: الماضي الّذي يغيب في الضريبة و يرسب. و في ب، س، ط: «ركوب» و لا وجه له.

[4]في ط «بسائر الناس» .

[5]لتلمنّ بي: لتنزلن بي.

[6]أحال الكلام يحيله إحالة: عيره و فسده.

[7]أنطاكية (بتخفيف الياء) : بلد معروف في شمال الساحل الشامي.

24

/و فرغ من الحروب الّتي كان بها متشاغلا. و صمد[1]لإنفاذ الجيوش إلى ابن الزّبير لمحاربته، فهنّأه و كان خاصّا به و بأخيه يحيى بن الحكم، ثم أنشده:

تشكّى قلوصي إليّ الوجى # تجرّ السّريج و تبلي الخداما[2]

تزور كريما له عندها[3] # يد لا تعدّ و تهدي السّلاما

و قلّ ثوابا له أنّها # تجيد القوافي عاما فعاما

و سادت معدّا على رغمها # قريش و سدت قريشا غلاما

جعلت على الأمر فيه صغا[4] # فما زال غمزك حتى استقاما

لقيت الزّحوف فقاتلتها # فجرّدت فيهنّ عضبا حساما

تشقّ القوانس‏[5]حتى تنا # ل ما تحتها ثم تبري العظاما

نزعت‏[6]على مهل سابقا # فما زادك النّزع إلاّ تماما

فزاد لك اللّه سلطانه # و زاد لك الخير منه فداما

فكساه مروان و أمر له بثلاثين ناقة و أوقرهنّ له برّا و زبيبا و شعيرا.

هجاؤه شبيبا و قد وقع فيه عند يحيى بن الحكم‏

قال: و كان أرطأة يهاجي شبيب بن البرصاء، و لكلّ واحد منهما في صاحبه هجاء كثير، و كان كلّ واحد منهما ينفي صاحبه عن عشيرته في أشعاره، فأصلح بينهما/يحيى بن الحكم، و كانت بنو مرّة تألفه و تنتجعه لصهره فيهم.

فلما افترقا سبعه‏[7]شبيب عند يحيى بن الحكم؛ فقال أرطاة له:

رمتك فلم تشو[8]الفؤاد جنوب # و ما كلّ من يرمي الفؤاد يصيب

و ما زوّدتنا غير أن خلطت لنا # أحاديث منها صادق و كذوب

ألا مبلغ فتيان قومي أنّني # هجاني ابن برصاء اليدين شبيب

و في آل عوف من يهود قبيلة # تشابه منها ناشئون و شيب

أبي كان خيرا من أبيك و لم يزل # جنيبا لآبائي و أنت جنيب‏[9]

[1]صمد: قصد.

[2]القلوص: الناقة الشابة. الوجى: الحفا. و السريج: الّذي تشدّ به الخدمة فوق الرسغ. و الخدام جمع خدمة (بالتحريك) هي السير الغليظ المحكم مثل الحلقة يشدّ في رسغ البعير ثم يشدّ إليها سرائج نعلها.

[3]في س: «عنده» و هو تحريف.

[4]الصغا: الميل.

[5]القوانس: جمع قونس، و هو أعلى البيضة من الحديد.

[6]نزعت: جريت.

[7]سبعه: شتمه و وقع فيه بالقول القبيح.

[8]لم تشو: لم تصب الشوى، و الشوى: كل ما كان غير مقتل من الأعضاء. و جنوب: اسم امرأة.

[9]الجنيب: المنقاد.

25

و ما زلت خيرا منك مذ عضّ كارها # برأسك عاديّ النّجاد رسوب

فما ذنبنا إن أمّ حمزة جاورت # بيثرب أتياسا لهنّ نبيب‏[1]

و إنّ رجالا بين سلع و واقم‏[2] # لأير أبيهم في أبيك نصيب

فلو كنت عوفيّا عميت و أسهلت # كداك و لكنّ المريب مريب‏[3]

حرص العوفيين على العمى عند الكبر

فأخبرني عمي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال: لمّا قال هذا الشعر أرطاة في شبيب بن البرصاء كان كلّ شيخ من بني عوف يتمنّى أن يعمى-و كان العمى شائعا/في بني عوف كلّما أسنّ منهم رجل عمي-فعمر أرطاة و لم يعم، فكان شبيب يعيّره بذلك. ثم مات أرطاة و عمي شبيب، فكان يقول بعد ذلك: ليت أرطاة عاش حتى يراني أعمى فيعلم أنّي عوفيّ.

ما كان له مع شبيب و قد تمنى لقاءه في يوم قتال‏

و نسخت من كتاب ابن الأعرابيّ في شعر أرطاة قال: كان شبيب بن البرصاء يقول: وددت أنّي جمعني و ابن الأمة أرطاة بن سهيّة يوم قتال فأشفي منه غيظي. فبلغ ذلك أرطاة فقال له:

إن تلقني لا ترى غيري بناظرة # تنس السلاح و تعرف جهة الأسد[4]

ما ذا تظنّك تغنى في أخي رصد # من أسد خفّان جابي العين ذي لبد[5]

-جابي العين و جائب العين: شديد النظر-

أبى ضراغمة غبر يعوّدها # أكل الرجال متى يبدأ لها يعد

يا أيها المتمنّي أن يلاقيني # إن تنأ آتك أو إن تبغني تجد

نقض اللبانة من مرّ شرائعه # صعب المقادة تخشاه فلا تعد[6]

متى تردني لا تصدر لمصدرة # فيها نجاة و إن أصدرك لا ترد

لا تحسبنّي كفقع‏[7]القاع ينقره # جان‏[8]بإصبعه أو بيضة[9]البلد

أنا ابن عقفان معروف له نسبي # إلا بما شاركت أمّ على ولد

[1]النبيب: صياح التيوس عند هياجها.

[2]سلع: جبل متصل بالمدينة. و واقم: أطم من آطامها و إليه تنسب حرة واقم.

[3]كدى: جمع كدية (بالضم) و الكدية: الأرض الغليظة. يريد: لو كنت من بني عوف بن سعد بن ذبيان لعميت مثل كثيرين منهم و لسهلت أرضك الغليظة.

[4]الناظرة: العين.

[5]في ب، س «ما ذا أظنك» . و التصحيح من نسخة ط. أخي رصد، يقال رصده رصدا و رصدا بفتح الصاد: رقبه، كرصده. و الراصد:

الأسد. و الرصيد: السبع يرصد الوثوب، كما في «القاموس» . و خفان: موضع قرب الكوفة كان مأسدة.

[6]الشرائع: (جمع شريعة) و هي مورد الشاربة، يقول: إن من يطمع في مواردي يجد ماء مرا.

[7]فقع القاع: الكمأة.

[8]الجاني: الّذي يجنيها.

[9]بيضة البلد: الخامل الّذي لا يعرف نسبه، و يضرب به المثل للذل.

26

لاقى الملوك فأثأى‏[1]في دمائهم # ثم استقرّ بلا عقل و لا قود[2]

من عصبة يطعنون الخيل ضاحية[3] # حتى تبدّد كالمزءودة[4]الشّرد[5]

و يمنعون نساء الحيّ إن علمت # و يكشفون قتام‏[6]الغارة العمد

/أنا ابن صرمة إن تسأل خيارهم # أضرب برجلي في ساداتهم و يدي‏[7]

و في بني مالك أم و زافرة # لا يدفع المجد من قيس إلى أحد[8]

ضربت فيهم بأعرافي كما ضربت # عروق ناعمة في أبطح ثئد[9]

جدّي قضاعة معروف و يعرفني # جبا رفيدة أهل السّرو و العدد[10]

خبر حبه لوجزة و بعض ما قال فيها

أخبرني عمي قال حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه قال:

كان أرطاة بن سهيّة يتحدث إلى امرأة من غنيّ يقال لها وجزة، و كان يهواها ثم افترقا و حال الزمان بينهما و كبر أرطاة، ثم اجتمعت غنيّ و بنو مرّة في دار، فمرّ أرطاة بوجزة و قد هرمت و تغيّرت محاسنها و افتقرت، فجلس إليها و تحدّث معها و هي تشكو إليه أمرها، فلما أراد الانصراف أمر راعيه فجاء بعشرة من إبله فعقلها بفنائها و انصرف و قال:

مررت على حدثي‏[11]برمّان‏[12]بعد ما # تقطّع أقران الصّبا و الوسائل

فكنت كظبي مفلت ثمّ لم يزل # به الحين‏[13]حتى أعلقته الحبائل‏[14]

أرطاة ينسب بوجزة

قال أبو الفرج الأصبهانيّ: و قد ذكر أرطاة بن سهية وجزة هذه، و نسب بها في مواضع شعره، فقال في قصيدة:

/

و داوية[15]نازعتها الليل زائرا # لوجزة تهديني النجوم الطوامس‏[16]

[1]أثأى: جرح و طعن.

[2]أي لم يرزأ بدية و لا قصاص.

[3]الضاحية: البارزة.

[4]المزءودة: المذعورة.

[5]الشرد (جمع شرود) : النافر.

[6]القتام: الغبار.

[7]صرمة: هو ابن مرة بن عوف بن سعد، من أسلاف أرطاة.

[8]زافرة الرجل: عشيرته و أنصاره.

[9]أ عراقي: أصولي. و الناعمة: النبتة الحسنة الغذاء و الري. و الأبطح: المسيل الواسع، و ثئد: نديّ.

[10]قضاعة: جد الشاعر لأمه و هي سهية الكلبية. الجبا، بالفتح: الحوض، و ما حول البئر. يعني به جماعة القبيلة. و رفيدة ابن ثور الجد الأعلى لقبائل كلب الذين تنسب إليهم أم الشاعر. و السرو: المروءة و الندى.

[11]الحدث: المحدث و المسامر.

[12]رمان: جبل في بلاد طيئ.

[13]الحين: الهلاك.

[14]الحبائل جمع حبالة (بالكسر) و هي: الّتي يصاد بها.

[15]الداوية، بتشديد الياء و تخفيفها: الفلاة الواسعة المستوية.

[16]النجوم الطوامس: الّتي ذهب نورها.

27

أعوج‏[1]بأصحابي عن القصد[2]تعتلي‏[3] # بنا عرض كسريها[4]المطيّ‏[5]العرامس‏[6]/

فقد تركتني لا أعيج‏[7]بمشرب # فأروى و لا ألهو إلى من أجالس

و من عجب الأيام أن‏[8]كلّ منزل # لوجزة من أكناف رمّان دارس

و قد جاورت قصر العذيب‏[9]فما يرى # برمّان إلا ساخط العيش بائس

طلاب بعيد و اختلاف من النوى # إذا ما أتى من دون و جزة قادس‏[10]

لئن أنجح الواشون بيني و بينها # و طال التنائي و النفوس النوافس‏[11]

لقد طالما عشنا جميعا و ودّنا # جميع إذا ما يبتغي الأنس آنس‏[12]

كذلك صرف الدهر ليس بتارك # حبيبا و يبقى عمره المتقاعس‏

شـ /و قال ابن الأعرابيّ: كانت بين أرطاة بن سهيّة و بين رجل من بني أسد يقال له حيان مهاجاة، فاعترض بينهما حباشة الأسديّ فهجا أرطاة فقال فيه أرطاة:

أبلغ حباشة أني غير تاركه # حتى أذلّله إذا كان ما كانا

الباعث القول يسديه و يلحمه # كالمجتدي الثّكل إذ حاورت حيانا

إن تدع خندف بغيا أو مكاثرة # أدع القبائل من قيس بن عيلانا

قد نحبس الحقّ حتى ما يجاوزنا # و الحقّ يحبسنا في حيث يلقانا

نبني لآخرنا مجدا نشيّده # إنّا كذاك ورثنا المجد أولانا

و قال ابن الأعرابيّ: وفد أرطاة بن سهيّة إلى الشأم زائرا لعبد الملك بن مروان عام الجماعة[13]، و قد هنّاه [1]أعوج: أميل.

[2]القصد: استقامة الطريق.

[3]تعتلي: ترتفع.

[4]كسرا كل شي‏ء: ناحيتاه.

[5]المطي: جمع مطية، و هي الناقة الّتي يركب مطاها أي ظهرها.

[6]العرامس: جمع عرمس (بالكسر) ، و هي الناقة الصلبة الشديدة.

[7]لا أعيج بمشرب: لا أكترث له و لا أباليه.

[8]أن هنا: مخففة من الثقيلة.

[9]العذيب: واد بظاهر الكوفة، أو هو ماء بين القادسية و المغيثة، بينه و بين القادسية أربعة أميال. و قصر العذيب: هو القصر الّذي أشرف منه سعد بن أبي وقاص على جيش المسلمين في قتاله مع جيش الفرس في وقعة القادسية. انظر «معجم ما استعجم للبكري» ، و «معجم البلدان لياقوت» و «تاريخ الطبري» (القسم الأوّل ص 2351 طبع أوربا) .

[10]النوى: النية، و القصد لبلد غير الّذي أنت مقيم فيه، و البعد و التحول. و قادس: أراد بها القادسية. قال الكميت:

كأني على حب البويب و أهله # يرى بالجباتين العذيب و قادسا

انظر «معجم ما استعجم» في رسم: «الجأب» .

[11]كذا في جـ. و النوافس: جمع نافس، و هو الحاسد. و في بقية الأصول: «النفائس» و هو تحريف لأن «فعائل» لا يطرد في «فاعل» سواء أ كان اسما أو وصفا، و إنما الّذي يطرد فيه «فواعل» . انظر «شرح الأشموني» (ج 3 ص 177 طبع بولاق) .

[12]كذا في ب، س، و في ط: «إلى ما يبتغي» . و في جـ: «إلى من يبتغي» .

[13]المعروف أن عام الجماعة هو عام 41 هـ حينما تنازل الحسن رضي اللّه عنه عن الخلافة إلى معاوية و عبد الملك بن مروان ولي الخلافة سنة 65. و عام الجماعة هنا العام الّذي فرغ فيه عبد الملك من قتال الزبيريين و الخوارج، و قتله عمرو بن سعيد الأشدق و كان يشارك عبد الملك في الخلافة.

28

بالظّفر، و مدحه فأطال المقام عنده، و أرجف أعداؤه بموته، فلما قدم-و قد ملأ يديه-بلغه ما كان منهم، فقال فيهم:

إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف‏[1] # فخبّر رجالا يكرهون إيابي

و خبّرهم أني رجعت بغبطة # أحدّد أظفاري و يصرف‏[2]نابي

و إني ابن حرب لا تزال تهرّني # كلاب عدوّي أو تهرّ كلابي‏

أرطاة و زميل يتلاحيان‏

و قال أبو عمرو الشّيبانيّ: وقع بين زميل‏[3]قاتل ابن دارة و بين أرطاة بن سهيّة لحاء؛ فتوعده زميل، و قال:

إني لأحسبك ستجرع مثل كأس ابن دارة. فقال له أرطاة:

/

يا زمل إني إن أكن لك سائقا # تركض برجليك النجاة و ألحق

لا تحسبنّي كامرئ صادفته # بمضيعة فخدشته بالمرفق

إنّي امرؤ أوفي إذا قارعتكم # قصب الرّهان و ما أشأ أتعرّق‏[4]

فقال له زميل:

يا أرط إن تك فاعلا ما قلته # و المرء يستحيي إذا لم يصدق

فافعل كما فعل ابن دارة سالم # ثم امش هونك‏[5]سادرا لا تتّق

و إذا جعلتك بين لحيي شابك الأ # نياب فارعد ما بدا لك و ابرق‏

أخبرني أبو الحسن الأسديّ، قال: حدّثنا الرّياشيّ، قال: حدّثنا الأصمعيّ قال: قال أرطاة بن سهية للربيع بن قعنب:

لقد رأيتك عريانا و مؤتزرا # فما عرفت أ أنثى أنت أم ذكر؟

/فقال له الربيع: لكن سهيّة قد عرفتني. فغلبه و انقطع أرطاة.

عبد الرحمن بن سهيل يتزوّج أم هشام و يأخذ عليها المواثيق عند وفاته ألا تتزوّج بعده و لكنها تزوجت عمر بن عبد العزيز

أخبرني عمي، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدّثنا قعنب بن المحرز عن الهيثم بن الربيع عن عمرو بن جبلة الباهليّ قال: تزوّج عبد الرحمن بن سهيل بن عمرو أمّ هشام بنت عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، و كانت من أجمل نساء قريش‏[6]، و كان يجد بها وجدا شديدا، فمرض مرضته الّتي هلك فيها، فجعل يديم النظر [1]لفلف: بلد تجاه برد من حرة ليلي. و هي من أداني ديار بني مرة (عن «معجم ما استعجم للبكري» ) . و في هامش ط: «و يروى فبشر رجالا» .

[2]صريف الأنياب: حرقها و سماع صوتها.

[3]زميل: هو زميل بن عبد مناف الفزاري، تولى قتل ابن دارة لأنه هجا ثابت بن رافع الفزاري و هجا كذلك فزارة جميعا فقال:

لا تأمنن فزاريا خلوت به # على قلوصك و اكتبها بأسيار

و ابن دارة هذا: هو سالم بن مسافع. و دارة أمه. (انظر «الشعر و الشعراء» ص 236 طبع ليبسك) .

[4]أتعرق: أذهب.

[5]الهون و مثله الهوينى: التؤدة و الرفق. و السادر هنا: الّذي لا يهتم لشي‏ء و لا يبالي ما صنع.

[6]في أغلب النسخ: «قيس» . و التصويب من جـ و نسخة الشنقيطي.

29

إليها و هي عند رأسه، فقالت له: إنك لتنظر إليّ نظر رجل له حاجة، قال: إي و اللّه إن لي إليك حاجة لو ظفرت بها لهان علي ما أنا فيه. قالت: و ما هي؟قال: أخاف أن تتزوّجي بعدي. قالت: فما يرضيك من ذلك؟قال: أن توثّقي لي/بالأيمان المغلّظة. فحلفت له بكلّ يمين سكنت إليها نفسه ثم هلك. فلما قضت عدتها خطبها عمر بن عبد العزيز و هو-أمير المدينة-فأرسلت إليه: ما أراك إلا و قد بلغتك يميني، فأرسل إليها: لك مكان كلّ عبد و أمة عبدان و أمتان، و مكان كلّ علق‏[1]علقان، و مكان كلّ شي‏ء ضعفه. فتزوّجته، فدخل عليها بطال بالمدينة، و قيل:

بل كان رجلا من مشيخة قريش مغفّلا، فلما رآها مع عمر جالسة قال:

تبدلت بعد الخيزران جريدة # و بعد ثياب الخزّ أحلام نائم‏

فقال له عمر: جعلتني ويلك جريدة و أحلام نائم!فقالت أمّ هشام: ليس كما قلت، و لكن كما قال أرطاة بن سهية:

و كائن ترى من ذات بثّ و عولة # بكت شجوها بعد الحنين المرجع

فكانت كذات البو[2]لمّا تعطفت # على قطع من شلوه المتمزّع

متى لا تجده تنصرف لطياتها[3] # من الأرض أو تعمد لإلف فتربع

عن الدهر فاصفح إنه غير معتب # و في غير من قد وارت الأرض فاطمع‏

و هذه الأبيات من قصيدة يرثي بها أرطاة ابنه عمرا.

أرطأة يقيم عند قبر ابنه حولا و يرق قومه لحاله بعد ذلك فيقيمون عامهم ذلك‏

أخبرني محمّد بن عمران الصّيرفيّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليل، قال: حدّثنا قعنب بن المحرز عن أبي عبيدة، قال: كان لأرطاة بن سهيّة ابن يقال له: عمرو، فمات، فجزع عليه أرطاة حتى كاد عقله يذهب، فأقام على قبره، و ضرب بيته عنده لا يفارقه حولا. ثم إن الحيّ أراد الرّحيل بعد حول لنجعة بغوها، فغدا على قبره، فجلس عنده/حتى إذا حان الرواح ناداه: رح يا ابن سلمى معنا!فقال له قومه: ننشدك اللّه في نفسك و عقلك و دينك، كيف يروح معك من مات مذ حول؟فقال: أنظروني الليلة إلى الغد. فأقاموا عليه، فلمّا أصبح ناداه: اغد يا ابن سلمى معنا، فلم يزل الناس يذكّرونه اللّه و يناشدونه، فانتضى سيفه و عقر راحلته على قبره، و قال: و اللّه لا أتبعكم فامضوا إن شئتم أو أقيموا. فرقّوا له و رحموه، فأقاموا عامهم ذلك، و صبروا على منزلهم. و قال أرطاة يومئذ في ابنه عمرو يرثيه:

وقفت على قبر ابن سلمى فلم يكن # وقوفي عليه غير مبكى و مجزع

هل انت ابن سلمى إن نظرتك رائح # مع الركب أو غاد غداة غد معي

أ أنسى ابن سلمى و هو لم يأت دونه # من الدهر إلا بعض صيف و مربع/

وقفت على جثمان عمرو فلم أجد # سوى جدث عاف ببيداء بلقع‏

[1]العلق: النفيس من كل شي‏ء.

[2]البوّ: جلد الحوار يحشى ثماما أو تبنا أو غيرهما فيقرب من أم الفصيل فتعطف عليه فتدر.

[3]طياتها (غير مشددة) : أراد بها طياتها (بالتشديد) فحذف الياء الثانية. و هي جمع طية. و الطية هنا: الوجه الّذي يراد و يقصد. و قد نص صاحب «اللسان» على تخفيف ياء هذا الجمع في الشعر.

30

ضربت عمودى بانة[1]سموا معا # فخرّت و لم أتبع قلوصي بدعدع

و لو أنها حادت‏[2]عن الرمس نلتها # ببادرة من سيف أشهب‏[3]موقع

تركتك إن تحيي تكوسي‏[4]و إن تنؤ # على الجهد تخذلها توال فتصرع

فدع ذكر من قد حالت الأرض دونه # و في غير من قد وارت الأرض فاطمع‏

أرطأة يناجي قبر ولده في العشي حولا كاملا

و قد أخبرني بهذا الخبر محمّد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، فذكر أن أرطاة كان يجي‏ء إلى قبر ابنه عشيّا فيقول: هل أنت رائح معي يا ابن سلمى؟ثم ينصرف فيغدو عليه و يقول له مثل ذلك حولا، ثم تمثّل قول لبيد:

إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما # و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر

/أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ، قال: حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا المدائني قال: قال أرطاة بن سهيّة يوما للربيع بن قعنب كالعابث به:

لقد رأيتك عريانا و مؤتزرا # فما دريت أ أنثى أنت أم ذكر

فقال له الربيع:

لكن سهيّة تدري إذ أتيتكم # على عريجاء لما احتلّت الأزر[5]

فغلبه الربيع، و لجّ الهجاء بينهما، فقال الربيع بن قعنب يهجو أرطاة:

و ما عاشت بنو عقفان إلا # بأحلام كأحلام الجواري

و ما عقفان من غطفان إلا # تلمّس مظلم بالليل ساري

إذا نحرت بنو غيظ جزورا # دعوهم بالمراجل و الشّفار

طهاة اللحم حتى ينضجوه # و طاهي اللحم في شغل و عار

فقال أرطاة يجيبه و يعيّره بأن أمّة من عبد القيس:

و هذا الفسو[6]قد شاركت فيه # فمن شاركت في أير الحمار[7]

و أيّ الناس أخبث من‏[8]هبلّ # فزارىّ و أخبث ريح دار

[1]البانة: واحدة شجر البان، و هو شجر يسمو و يطول في استواء. وسموا معا و ارتفعا. و في النسخ «شمرا» و لا وجه له. شبه بها راحلته الّتي عفرها على قبر ابنه. و دعدع: كلمة يدعى بها للعاثر في معنى قم و انتعش و اسلم.

[2]في ط: «جارت» .

[3]الأشهب: النصل الّذي برد بردا خفيفا فلم يذهب سواده كله. و الموقع هنا: الوقيع. و الوقيع من السيوف ما شحذ بالحجر.

[4]تكوسى: تمشى على ثلاث قوائم.

[5]عريجاء: موضع. احتلت، كذا وردت. و المعروف «انحلت» .

[6]الفسو عرف به حي من عبد القيس يقال لهم الفساة. حكى أنه جاء رجل منهم يقال له زيد بن سلامة ببردى حبرة إلى سوق عكاظ فقال: من يشتري منا هذا الفسو بهذين البردين، فقام رجل من مهو، يقال له: عبد اللّه بن بيذرة فارتدى بأحدهما و ائتزر بالآخر فسمى مشترى الفسو ببردى حبرة فضرب به المثل فقيل «أخيب صفقة من شيخ مهو» . انظر اللسان و القاموس و شرحه (مادة فسا) .

[7]نبزه بذلك لما كانت تعير به فزارة من أكل أير الحمار. قال سالم بن دارة:

لا تأمنن فزاريا خلوت به # على قلوصك و اكتبها بأسيار

لا تأمننه و لا تأمن من بواثقه # من بعد ما امتل أير العير في النار

[8]الهبل: الثقيل المسن الكبير من الناس و الإبل.

31

مسرف بن عقبة يطرد قومه و معهم أرطاة لما استرفدوه بعد التهنئة و المديح بفوزه على أهل الحرة

أخبرني عبد اللّه بن محمّد اليزيديّ، قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، قال: حدّثنا المدائنيّ عن أبي بكر الهذلي، قال: قدم مسرف بن‏[1]عقبة المريّ المدينة، و أوقع بأهل الحرة، فأتاه قومه من بني مرّة و فيهم أرطاة فهنّئوه بالظفر و استرفدوه‏[2]فطردهم و نهرهم، و قام أرطاة بن سهيّة ليمدحه فتجهّمه بأقبح قول و طرده. و كان في جيش مسرف رجل من أهل الشام من عذرة، يقال له عمارة، قد كان رأى أرطاة عند معاوية بن أبي سفيان، و سمع شعره، و عرف إقبال معاوية عليه، و رفده له، فأومأ إلى أرطاة فأتاه، فقال له: لا يغررك ما بدا لك من الأمير، فإنه عليل ضجر، و لو قد صحّ و استقامت الأمور لزال عما رأيت من قوله و فعله، و أنا بك عارف، و قد رأيتك عند أمير المؤمنين-يعني معاوية-و لن تعدم مني ما تحبّ. و وصله و كساه و حمله على ناقة، فقال أرطاة يمدحه و يهجو مسرفا:

/

لحا اللّه فودى مسرف و ابن عمه # و آثار نعلي مسرف حيث أثرا

مررت على ربعيهما فكأنّني # مررت بجبّارين‏[3]من سرو حميرا

-و يروى: «تضيّفت جبّارين» -

على أن ذا العليا عمارة لم أجد # على البعد حسن العهد منه تغيّرا

حباني ببرديه و عنس‏[4]كأنما # بنى فوق متنيها الوليدان قهقرا

أرطاة يسب من تطاولت على أمه و يضربها فيلومه قومه‏

و قال أبو عمرو الشيبانيّ: خاصمت امرأة من بني مرة سهية أمّ أرطاة بن سهيّة، و كانت من غيرهم أخيذة أخذها أبوه، فاستطالت عليها المرأة و سبّتها، فخرج أرطاة إليها فسبها و ضربها، فجاء قومه، و لاموه، و قالوا له مالك تدخل نفسك في خصومات النساء!فقال لهم:

يعيّرني قومي المجاهل‏[5]و الخنا # عليهم و قالوا أنت غير حليم

هل الجهل فيكم أن أعاقب بعد ما # تجوّز سبّي و استحلّ حريمي

إذا أنا لم امنع عجوزي منكم # فكانت كأخرى في النساء عقيم

و قد علمت أفناء[6]مرّة أننا # إذا ما اجتدانا[7]الشرّ كلّ حميم‏

[1]مسرف: لقب مسلم بن عقبة المرى، لقب به لأنه أسرف في القتل في وقعة الحرة.

[2]استرفدوه: طلبوا الرفد و هو العطاء.

[3]الجبار هو: الملك أو هو المتكبر الّذي لا يرى لأحد عليه حقا. و سرو حمير: محلتهم. و به فسر قول ابن مقبل:

بسرو حمير أبوال البغال به # أني تسديت و هنا ذلك البينا

انظر «تاج العروس» مادة (سرو) .

[4]العنس: الناقة الصلبة القوية. و الوليد هنا: العبد أو الغلام. و القهقر: جمع القهقرة، و هي الصخرة العظيمة. يريد: إن ما على متنيها من اللحم مثل الصخرة العظيمة. و قد يكون «القهقر» لغة في «القهقور» كعصفور، و هو بناء من حجارة طويل يبنيه الصبيان.

«القاموس» (قهر) .

[5]المجاهل: هذا الجمع ليس له واحد يجمع عليه إلا قولهم «جهل» و فعل لا يكسر على مفاعل، فمجاهل هنا: واحده جهل على غير قياس، كما كسروا ملامح و محاسن على لمحة و حسن على غير قياس.

[6]كذا في ط. و الأفناء: الأخلاط. و في سائر الأصول «أبناء» .

[7]اجتدانا الشر: طلب إلينا الشر، و هو يريد طلب معونتنا لدفع الشر. فسمى المعونة شرا للمشاكلة.

32

حماة لأحساب العشيرة كلّها # إذا ذمّ يوم الرّوع كلّ مليم‏[1]

و تمام الأبيات الّتي فيها الغناء، المذكورة قبل أخبار أرطاة بن سهيّة، و ذكرت في قوله في قتلى من قومه قتلوا يوم بنات قين‏[2]-هو:

فلا و أبيك لا ننفكّ نبكي # على قتلى هنالك ما بقينا

على قتلى هنالك أوجعتنا # و أنستنا رجالا آخرينا

/سنبكي بالرّماح إذا التقينا # على إخواننا و على بنينا

بطعن ترعد الأحشاء منه # يردّ البيض و الأبدان جونا[3]

كأنّ الخيل إذ آنسن كلبا[4] # يرين وراءهم ما يبتغينا

صوت‏

عجبت لمسراها و أنّى تخلّصت # إليّ و باب السجن بالقفل‏[5]مغلق

ألمّت فحيّت ثم قامت‏[6]فودّعت # فلما تولت كادت النفس تزهق‏

الشعر لجعفر بن علبة الحارثيّ، و الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. و ذكر عمرو بن بانة أن فيه خفيفا ثقيلا أوّل بالوسطى لابن سريج. و ذكر حماد بن إسحاق أن فيه خفيف الثقيل للهذلي.

[1]المليم: الّذي يأتي ذنبا يلام عليه.

[2]بنات قين: آكام معروفة في ديار بني كلب كانت بها وقعة لبني فزارة على كلب زمن عبد الملك بن مروان. قال عويف القوافي:

صبحناهم غداة بنات قين # ململمة لها لجب طحونا

انظر «اللسان» (مادة قين) و «معجم ما استعجم للبكري» .

[3]البيض: السيوف. و الأبدان معناه: الدروع القصيرة. و الجون هنا: الحمر من كثرة الدم السائل من الجراح.

[4]كلب: قبيلة.

[5]كذا في ب، س. و في جـ و «أشعار الحماسة» (طبع أوربا ص 22) : «دوني مغلق» .

[6]في ط: «ولت» ، و كتب بهامشها: كلمة «قامت» و تحتها لفظة (صح) .

33

4-أخبار جعفر بن علبة الحارثي و نسبه‏

أخبار جعفر بن علبة الحارثي و نسبه‏

هو جعفر بن علبة بن ربيعة، بن عبد يغوث الشاعر أسير يوم الكلاب بن معاوية[1]بن صلاءة بن المعقّل بن كعب بن الحارث بن كعب، و يكنى أبا عارم، و عارم، ابن له قد ذكره في شعره. و هو من مخضرمي الدولتين الأموية و العباسية، شاعر مقلّ غزل فارس مذكور في قومه، و كان أبوه علبة بن ربيعة شاعرا أيضا، و كان جعفر قتل رجلا من بني عقيل: قيل: /إنه قتله في شأن أمة كانا يزورانها فتغايرا عليها. و قيل: بل في غارة أغارها عليهم. و قيل: بل كان يحدّث نساءهم فنهوه فلم ينته، فرصدوه في طريقه إليهن فقاتلوه فقتل منهم رجلا فاستعدوا عليه السّلطان فأقاد[2]منه. و أخباره في هذه الجهات كلّها تذكر و تنسب إلى من رواها.

أخبرني محمّد بن القاسم الأنباريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني الحسن بن عبد الرحمن الرّبعيّ، قال:

حدّثنا أبو مالك اليمانيّ، قال: شرب جعفر بن علبة الحارثيّ حتى سكر فأخذه السّلطان فحبسه، فأنشأ يقول في حبسه:

لقد زعموا أني سكرت و ربّما # يكون الفتى سكران و هو حليم

لعمرك ما بالسّكر عار على الفتى # و لكنّ عارا أن يقال لئيم

و إنّ فتى دامت مواثيق عهده # على دون‏[3]ما لاقيته لكريم‏

/قال: ثمّ حبس معه رجل من قومه من بني الحارث بن كعب في ذلك الحبس، و كان يقال له دوران‏[4]، فقال جعفر:

إذا باب دوران ترنّم في الدّجى # و شدّ بأغلاق علينا و أقفال

و أظلم ليل قام علج بجلجل‏[5] # يدور به حتّى الصباح بإعمال‏

[1]كذا في جميع الأصول و فيما سيأتي في أخبار عبد يغوث و نسبه. و المعروف أن عبد يغوث أسير يوم الكلاب هو: عبد يغوث بن وقاص بن صلاءة. انظر «النقائض» ص 149 (طبع أوربا) و «الأمالي» ج 3 ص 130 (طبع دار الكتب) و «الأغاني» ج 15 ص 72 (طبع بولاق) .

[2]أقاد منه: قتله به.

[3]في جـ: «مثل» .

[4]كذا في جميع الأصول. و لم نهتد إلى مكان هذا السجن فيما لدينا من المصادر. و إنما المعروف-كما في «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» - «دوّار» بفتح الدال و تشديد الواو. و هم اسم سجن باليمامة. قال جرير، و قد نهى قوما من بني كليب عن شي‏ء وقع بينهم فلم ينتهوا فحبسوا و قيدوا في سجن اليمامة:

لما عصتني كليب اللؤم قلت لها # ذوقي الحديد و شمي ريح دوّار

و قال السمهري و قد سجن فيه:

كانت منازلنا الّتي كنا بها # شتّى فألف بيننا دوّار

راجع «معجم ما استعجم للبكري» و كذلك «معجم البلدان لياقوت» .

[5]العلج هنا: الرجل الشديد الغليظ. و الجلجل: الجرس الصغير.

34

و حراس سوء ما ينامون حوله # فكيف لمظلوم بحيلة محتال

و يصبر فيه ذو الشجاعة و النّدى # على الذّل للمأمور و العلج و الوالي‏

جعفر بن علبة و علي بن جعدب يغيران على بني عقيل‏

فأما ما ذكر أن السبب في أخذ جعفر و قتله في غارة أغارها على بني عقيل، فإني نسخت خبره في ذلك من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ يأثره عن أبيه، قال: خرج جعفر بن علبة و عليّ بن جعدب الحارثيّ القنانيّ و النضر بن مضارب المعاويّ، فأغاروا على بني عقيل، و إن بني عقيل خرجوا في طلبهم و افترقوا عليهم في الطريق و وضعوا عليهم الأرصاد على المضايق، فكانوا كلما أفلتوا من عصبة لقيتهم أخرى، حتى انتهوا إلى بلاد بني نهد فرجعت عنهم بنو عقيل، و قد كانوا قتلوا فيهم، ففي ذلك يقول جعفر:

/

ألا لا أبالي بعد يوم بسحبل‏[1] # إذا لم أعذّب أن يجي‏ء حماميا

تركت بأعلى سحبل و مضيقه # مراق دم لا يبرح الدّهر ثاويا

شفيت به غيظي و جرّب موطني‏[2] # و كان سناء[3]آخر الدهر باقيا

أرادوا ليثنوني فقلت تجنبوا # طريقي فمالي حاجة من ورائيا

فدى لبني عمّ أجابوا لدعوتي # شفوا من بني القرعاء عمّي و خاليا

كأنّ بني القرعاء يوم لقيتهم # فراخ القطا لاقين صقرا يمانيا

تركناهم صرعى كأنّ ضجيجهم # ضجيج دبارى‏[4]النّيب لاقت مداويا

أقول و قد أجلت من اليوم عركة[5] # ليبك العقيليّين من كان باكيا

فإنّ بقرّى‏[6]سحبل لأمارة # و نضح دماء منهم و محابيا

-المحابي: آثارهم، حبوا من الضعف للجراح الّتي بهم- /

و لم أتّرك لي ريبة غير أنني # وددت معاذا كان فيمن أتانيا

-أراد: وددت أن معاذا كان أتاني معهم فأقتله-.

شفيت غليلي من خشينة بعد ما # كسوت الهذيل المشرفيّ اليمانيا[7]

أ حقّا عباد اللّه أن لست رائيا # صحاريّ نجد و الرّياح الذواريا

/و لا زائرا شمّ العرانين أنتمى # إلى عامر يحللن رملا معاليا

[1]سحبل: موضع في ديار بني الحارث بن كعب. و هو الموضع الّذي أدركت فيه بنو عقيل جعفر بن علبة فقاتلهم و قتل منهم كما سيأتي. و يقال لكل ما عظم و اتسع سحبل كالجراب و الوطب.

[2]موطني: موقفي.

[3]السناء (بالمدّ) : المجد و الشرف و الرفعة. و النيب جمع ناب، و الناب: الناقة المسنة.

[4]دبارى النيب: الّتي أصابها الدبر.

[5]العركة: المرة من العراك.

[6]قرى هنا: موضع في بلاد بني الحارث بن كعب. و حكى البكري في «معجم ما استعجم» عن أبي حنيفة أن: قرّى ماءة قريبة من تبالة. و في جميع الأصول: «بقرني» و هو تحريف. و ما أثبتناه عن «معجم ما استعجم للبكري» و «معجم البلدان لياقوت» و «أشعار الحماسة» (ص 19 طبع أوربا) .

[7]خشينة و الهذيل: شخصان كانا فيمن التقى بجعفر من العقيليين فقتل جعفر خشينة و عرقب الهذيل: ضربه في عرقوبه.

35

إذا ما أتيت الحارثيات فانعني # لهن و خبّرهنّ أن لا تلاقيا

و قوّد قلوصي بينهن فإنها # ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا[1]

أوصيكم إن متّ يوما بعارم‏[2] # ليغني شيئا أو يكون مكانيا

و يروى:

و عطّل قلوصي في الرّكاب فانها # ستبرد أكبادا و تبكي بواكيا[3]

و هذا البيت بعينه يروى لمالك بن الرّيب في قصيدته المشهورة الّتي يرثي بها نفسه. و قال في ذلك جعفر أيضا:

و سائلة عنا بغيب و سائل # بمصدقنا في الحرب كيف نحاول

عشية قرّى سحبل إذ تعطّفت # علينا السرايا و العدوّ المباسل‏[4]

ففرج عنا اللّه مرحى‏[5]عدوّنا # و ضرب ببيض المشرفيّة خابل

إذا ما قرى‏[6]هام الرءوس اعترامها[7] # تعاورها[8]منهم أكفّ و كاهل‏[9]

/إذا ما رصدنا مرصدا فرجت لنا # بأيماننا بيض جلتها الصياقل

و لما أبوا إلا المضيّ و قد رأوا # بأن ليس منا خشية الموت ناكل

حلفت يمينا برّة لم أرد بها # مقالة تسميع و لا قول باطل‏[10]

ليختضمنّ الهندوانيّ منهم # معاقد يخشاها الطبيب المزاول‏[11]

و قالوا لنا ثنتان لا بد منهما # صدور رماح أشرعت أو سلاسل‏

[1]قوّد: أكثر القياد. و القلوص: الفتية من الإبل بمنزلة الجارية الفتاة من النساء. و في «أساس البلاغة» : «في الركاب» بدل «بينهن» .

[2]عارم: ابن جعفر بن علبة و به كان يكنى. و في «مختار الأغاني الكبير» القسم الثاني ص 248 نسخة بالتصوير الشمسي: «أوصيهم» بدل «أوصيكم» .

[3]رواية بيت مالك بن الريب في «الخزانة» (ج 1 ص 319 طبع بولاق) هي:

و عطل قلوصي في الركاب فإنها # ستفلق أكبادا و تبكي بواكيا

و روايته في «الأمالي» (ج 3 ص 138 طبع دار الكتب المصرية) هي:

و عرّ قلوصي في الركاب فإنها # ستفلق أكبادا و تبكي بواكيا

[4]السرايا: جمع سرية، و هي الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة رجل. و المباسلة: المصاولة في الحرب. و البيت في «أشعار الحماسة» في إحدى روايتيه و في «معجم البلدان» و «مختار الأغاني الكبير» :

أ لهفى بقرّى سحبل حين أحلبت # علينا الولايا و العدوّ المباسل‏

و أحلبت: جاءت من كل أوب للنصرة. و الولايا هنا: العشائر و القبائل. و في «معجم ما استعجم» : «أجلبت» بالجيم بدل «أحلبت» أي صار لها جلبة و ضوضاء.

[5]المرحى: الموضع الّذي تدور عليه رحى الحرب.

[6]قراه: أطعمه القرى، و هو كناية عن كثرة الضرب.

[7]اعترامها: اشتدادها.

[8]تعاورها: تداولها.

[9]الكاهل: مقدّم أعلى الظهر مما يلي العنق، و هو الثلث الأعلى فيه ست فقر. و في جـ: «احتدامها» بدل «اعترامها» .

[10]التسميع: التشهير و التشنيع. و البيت فيه إقواء.

[11]الاختضام: القطع. و في الأصل: «ليختصمن» .

36

فقلنا لهم تلكم إذا بعد كرة # تغادر صرعى نهضها متخاذل‏[1]

و قتلى نفوس في الحياة زهيدة # إذا اشتجر الخطّيّ و الموت نازل

نراجعهم في قالة بدءوا بها # كما راجع الخصم البذيّ المناقل‏[2]

لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل # و لي منه ما ضمّت عليه الأنامل‏

عامل مكة أخذ بحق بني عقيل و يقتل جعفر بن علبة

قال: فاستعدت عليهم بنو عقيل السّريّ بن عبد اللّه الهاشميّ عامل مكة لأبي جعفر؛ فأرسل إلى أبيه علبة بن ربيعة فأخذه بهم، و حبسه حتى دفعهم و سائر من كان معهم إليه، فأما النضر فاستقيد[3]منه بجراحة[4]، و أمّا عليّ بن جعدب فأفلت من الحبس، و أما جعفر بن علبة فأقامت عليه بنو عقيل قسامة[5]: أنه قتل صاحبهم فقتل به.

هذه رواية أبي عمرو.

و ذكر ابن الكلبيّ أن الّذي هاج الحرب بين جعفر بن علبة و بني عقيل أن إياس بن يزيد الحارثيّ و إسماعيل بن أحمر العقيليّ اجتمعا عند أمة لشعيب بن صامت الحارثيّ، و هي في إبل لمولاها في موضع يقال له صمعر من بلاد بلحارث‏[6]، فتحدّثا/عندها فمالت إلى العقيليّ، /فدخلتهما مؤاسفة[7]حتى تخانقا بالعمائم، فانقطعت عمامة الحارثيّ و خنقه العقيليّ حتّى صرعه، ثم تفرّقا. و جاء العقيليّون إلى الحارثيّين فحكّموهم فوهبوا لهم، ثم بلغهم بيت قيل، و هو:

أ لم تسأل العبد الزياديّ ما رأى # بصمعر و العبد الزياديّ قائم‏

فغضب إياس من ذلك فلقي هو و ابن عمه النضر بن مضارب ذلك العقيليّ، و هو إسماعيل بن أحمر، فشجه شجّتين و خنقه؛ فصار الحارثيّون إلى العقيليّين فحكموهم فوهبوا لهم. ثم لقى العقيليون جعفر بن علبة الحارثيّ فأخذوه فضربوه و خنقوه و ربطوه و قادوه طويلا ثم أطلقوه. و بلغ ذلك إياس بن يزيد فقال يتوجع لجعفر:

أبا عارم كيف اغتررت و لم تكن # تغرّ إذا ما كان أمر تحاذره

فلا صلح حتى يخفق‏[8]السيف خفقة # بكفّ فتى جرّت عليه جرائره‏

ثم إن جعفر بن علبة تبعهم و معه ابن أخيه جعدب، و النضر بن مضارب، و إياس بن يزيد، فلقوا المهديّ بن عاصم و كعب بن محمّد بحبرّ-و هو موضع بالقاعة[9]-فضربوهما ضربا مبرّحا، ثم انصرفوا فضلّوا عن الطريق، فوجدوا العقيليّين و هم تسعة، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلّى لهم العقيليون الطريق ثم مضوا حتى وجدوا من عقيل جمعا آخر [1]في ط: «بعد عركة» .

[2]المناقل: الّذي يتحدّث مع غيره و يراجعه.

[3]استقيد منه: اقتص منه.

[4]الجراحة: الضربة أو الطعنة.

[5]القسامة: الجماعة يقسمون على الشي‏ء أو يشهدون. و يمين القسامة منسوبة إليهم. و راجع «اللسان» (مادة قسم) ففيه تفصيل واف عن القسامة.

[6]هم بنو الحارث بن كعب، كما في «معجم البلدان» .

[7]المؤاسفة: المغاضبة.

[8]خفق السيف: اضطرابه. و في ط: «خفقة» بالتاء.

[9]الّذي في «معجم البلدان» و «معجم ما استعجم» أنه جبل لبني سليم. و أنشد لابن مقبل:

سل الدار من جنبي حبر فواهب # إذا ما رأى هضب القليب المضيح‏

37

بسحبل فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل جعفر بن علبة رجلا من عقيل يقال له خشينة، فاستعدى العقيليّون إبراهيم بن هشام المخزوميّ عامل مكة، فرفع الحارثيين‏[1]الأربعة من نجران حتى حبسهم بمكة، ثم أفلت منه رجل فخرج هاربا، فأحضرت عقيل قسامة: حلفوا أن جعفر قتل صاحبهم. فأقاده إبراهيم بن هشام. /قال و قال جعفر بن علبة قبل أن يقتل و هو محبوس:

عجبت لمسراها و أنّي تخلّصت # إليّ و باب السجن بالقفل‏[2]مغلق

ألمّت فحيّت ثم قامت فودّعت # فلما تولّت كادت النفس تزهق

فلا تحسبي أني تخشّعت بعدكم # لشي‏ء و لا أنّي من الموت أفرق

و كيف و في كفي حسام مذلّق‏[3] # يعضّ بها مات الرجال و يعلق

و لا أن قلبي يزدهيه و عيدهم # و لا أنّني بالمشي في القيد أخرق‏[4]

و لكن عرتني من هواك‏[5]صبابة # كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق

فأما الهوى و الودّ مني فطامح # إليك و جثماني بمكة موثق‏

و قال جعفر بن علبة لأخيه‏[ماعز][6]يحرّضه:

و قل لأبي عون إذا ما لقيته # و من دونه عرض الفلاة يحول‏

-في نسخة ابن الأعرابي:

... إذا ما لقيته # و دونه من عرض الفلاة محول‏

بالميم، و بشمّ الهاء في «دونه» بالرفع و تخفيفها، و هي لغتهم خاصة- /

تعلّم وعدّ الشّكّ أنّي يشفّني # ثلاثة أحراس معا و كبول‏[7]

إذا رمت مشيا أو تبوّأت مضجعا # يبيت لها فوق الكعاب صليل

و لو بك كانت لابتعثت مطيّتي # يعود الحفا أخفافها و تجول

/إلى العدل حتى يصدر[8]الأمر مصدرا # و تبرأ منكم قالة و عدول‏

[1]رفعهم: أرسلهم إلى الوالي.

[2]الرواية في «أشعار الحماسة» : «دوني» بدل «بالقفل» .

[3]مذلق: محدّد.

[4]في جـ و «أشعار الحماسة» و «مختار الأغاني» و «معاهد التنصيص» (ص 57 طبع بولاق) : «وعيدكم» . و رواية الشطر في «أشعار الحماسة» :

و لا أن نفسي يزدهيها وعيدكم‏

و قال التبريزي في شرحه لهذا البيت: (و يروى «وعيدهم» ) . و الأخرق هنا: الدهش فزعا، أو هو القليل الرفق بالشي‏ء.

[5]كذا في جميع الأصول. و في معاهد التنصيص و ط: «ضمانة» . و كتب بهامشها: و يروى:

و لكنّ ما بي من هواك ضمانة

و الضمانة: المرض و الزمانة.

[6]زيادة عن جـ.

[7]يشفه: يهزله و يضمره و يذهب بعقله. و الكبول: القيود، واحدها كبل (بالفتح و بكسر) . و الكبل: القيد أو هو أعظم ما يكون من القيود.

[8]في ط: «حتى تصدر» بالتاء.

38

و نسخت أيضا خبره من كتاب للنضر بن حديد، فخالف هاتين الرّوايتين، و قال فيه: كان جعفر بن علبة يزور نساء من عقيل بن كعب، و كانوا متجاورين هم و بنو الحارث بن كعب، فأخذته عقيل، فكشفوا دبر قميصه، و ربطوه إلى جمّته، و ضربوه بالسياط، و كتّفوه، ثم أقبلوا به و أدبروا على النّسوة اللاتي كان يتحدّث إليهن على تلك الحال ليغيظوهن، و يفضحوه عندهنّ، فقال لهم: يا قوم، لا تفعلوا فإن هذا الفعل مثلة، و أنا أحلف لكم بما يثلج صدوركم ألا أزور بيوتكم أبدا، و لا ألجها. فلم يقبلوا منه. فقال لهم: فإن لم تفعلوا ذلك فحسبكم ما قد مضى، و منّوا عليّ بالكفّ عنّى فإني أعدّه نعمة لكم و يدا لا أكفرها أبدا، أو فاقتلوني و أريحوني، فأكون رجلا آذى قوما في دارهم فقتلوه. فلم يفعلوا، و جعلوا يكشفون عورته بين أيدي النساء، و يضربونه، و يغرون به سفهاءهم حتى شفوا أنفسهم منه، ثم خلّوا سبيله. فلم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد جعفر و معه صاحبان له، فدفع، راحلته حتى أولجها البيوت، ثم مضى. فلما كان في نقرة من الرمل أناخ هو و صاحباه، و كانت عقيل أقفى خلق اللّه لأثر، فتبعوه حتى انتهوا إليه و إلى صاحبيه، و العقيليّون مغترّون ليس مع أحد منهم عصا و لا سلاح، فوثب عليهم جعفر بن علبة و صاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلا و جرحوا آخر و افترقوا، فاستعدت عليهم عقيل السريّ/ابن عبد اللّه الهاشميّ عامل المنصور على مكة، فأحضرهم و حبسهم، فأقاد من الجارح، و دافع عن جعفر بن علبة-و كان يحبّ أن يدرأ عنه الحدّ لخئولة أبي العباس السفاح في بني الحارث، و لأن أخت جعفر كانت تحت السريّ بن عبد اللّه، و كانت حظية عنده-إلى أن أقاموا عليه قسامة: أنه قتل صاحبهم. و توعدوه بالخروج إلى أبي جعفر و التظلم إليه، فحينئذ دعا بجعفر فأقاد منه، و أفلت عليّ بن جعدب من السجن فهرب. قال و هو ابن أخي جعفر بن علبة. فلما أخرج جعفر للقود قال له غلام من قومه: أسقيك شربة من ماء بارد؟فقال له: اسكت لا أمّ لك، إني إذا لمهياف‏[1].

و انقطع شسع نعله‏[2]فوقف فأصلحه، فقال له رجل: أ ما يشغلك عن هذا ما أنت فيه؟فقال:

أشدّ قبال نعلي‏[3]أن يراني # عدوّي للحوادث مستكينا

قال: و كان الّذي ضرب عنق جعفر بن علبة نحبة بن كليب أخو المجنون، و هو أحد بني عامر بن عقيل، فقال:

في ذلك:

شفى النفس ما قال ابن علبة جعفر # و قولي له اصبر ليس ينفعك الصبر

هوى رأسه من حيث كان كما هوى # عقاب تدلّى طالبا جانب الوكر[4]

أبا عارم، فينا عرام‏[5]و شدّة # و بسطة أيمان سواعدها شعر

هم ضربوا بالسيف هامة جعفر # و لم ينجه برّ عريض و لا بحر

و قدناه قود البكر قسرا و عنوة # إلى القبر حتى ضم أثوابه القبر

/و قال علبة يرثي ابنه جعفرا:

لعمرك إني يوم أسلمت جعفرا # و أصحابه للموت لما أقاتل

لمتجنب حبّ المنايا و إنما # يهيج المنايا كلّ حق و باطل‏

[1]المهياف: الّذي لا يصبر على العطش.

[2]شسع النعل: أحد سيورها، و هو الّذي يدخل بين الإصبعين و يدخل طرفه في الثقب الّذي في صدر النعل المشدود في الزمام.

و الزمام: السير الّذي يعقد فيه الشسع.

[3]قبال النعل (بالكسر) : شسعها.

[4]كذا في الأصول و لا يستقيم بغيره الشعر، و فيه إقواء. و الّذي في «كتب اللغة» : أن العقاب مؤنثة. و قيل العقاب يقع على الذكر و الأنثى، إلا أن يقولوا: هذا عقاب. ذكره في «اللسان» مادة عقب.

[5]العرام (بالضم) : الشدّة و القوّة و الشراسة.

39

فراح بهم قوم و لا قوم عندهم # مغلّلة أيديهم في السلاسل

و رب أخ لي غاب لو كان شاهدا # رآه التباليّون‏[1]لي غير خاذل‏

و قال علبة أيضا لامرأته أمّ جعفر قبل أن يقتل جعفر:

لعمرك إن الليل يا أمّ جعفر # عليّ و إن علّلتني لطويل

أحاذر أخبارا من القوم قد دنت # و رجعة أنقاض لهنّ دليل‏[2]

فأجابته فقالت:

أبا جعفر أسلمت للقوم جعفرا # فمت كمدا أو عش و أنت ذليل‏

بنت يحيى بن زياد تبكيه و تستجيد له الكفن و ترثيه بأبياته‏

قال أبو عمرو في روايته: و ذكر شداد بن إبراهيم أن بنتا ليحيى بن زياد بن عبيد اللّه الحارثيّ حضرت الموسم في ذلك العام لما قتل فكفّنته و استجادت له الكفن، و بكته و جميع من كان معها من جواريها، و جعلن يندبنه بأبياته الّتي قالها قبل قتله:

أ حقا عباد اللّه أن لست رائيا # صحاريّ نجد و الرياح الذّواريا

و قد تقدمت في صدر أخباره. و في هذه القصيدة يقول جعفر:

وددت معاذا كان فيمن أتانيا

/فقال معاذ يجيبه عنها بعد قتله، و يخاطب أباه، و يعرّض له أنه قتل ظلما لأنهم أقاموا قسامة كاذبة عليه حين قتل، و لم يكونوا عرفوا القاتل من الثلاثة بعينه، إلا أن غيظهم على جعفر حملهم على أن ادّعوا القتل عليه:

أبا جعفر سلّب بنجران و احتسب # أبا عارم و المسمنات العواليا[3]

و قوّد قلوصا أتلف السّيف ربها # بغير دم في القوم إلا تماريا[4]

إذا ذكرته معصر[5]حارثيّة # جرى دمع عينيها على الخد صافيا

فلا تحسبنّ الدّين يا علب منسأ # و لا الثائر الحرّان ينسى التقاضيا

سنقتل منكم بالقتيل ثلاثة # و نغلي و إن كانت دماء غواليا

تمنيت أن تلقى معاذا سفاهة # ستلقى معاذا و القضيب اليمانيا

و وجدت الأبيات القافيّة الّتي فيها الغناء في نسخة النّضر بن حديد أتمّ مما ذكره أبو عمرو الشيبانيّ. و أوّلها:

ألا هل إلى فتيان لهو و لذّة # سبيل و تهتاف الحمام المطوق‏[6]

[1]التباليون: المنسوبون إلى تبالة، و هو بلد باليمن.

[2]الأنقاض: جمع نقض (بالكسر) ، و هو المهزول من الإبل و الخيل كأن السفر نقض بنيته. «ذليل» بدل «دليل» و في «مختار الأغاني» :

«هزيل» .

[3]سلب: ألبس ثياب الحداد السود. و الأصل في التسلب أن يكون للمرأة الّذي يموت زوجها أو حميمها. يقال تسلب المرأة إذا لبست ثياب المأتم السود. و المسمنات: ذوات السمنة.

[4]قوّد: اجعلها تقاد و لا تركب. و القلوص: الشابة أو الباقية على السير، و أوّل ما يركب من إناثها إلى أن تثنى ثم هي ناقة و الناقة الطويلة القوائم خاص بالإناث. تماريا: تكذيبا.

[5]المعصر: الجارية الّتي بلغت عصر شبابها و أدركت.

[6]المطوق من الحمام: ما كان له طوق في عنقه. ـ

40

و شربة ماء من خدوراء[1]بارد # جرى تحت أظلال‏[2]الأراك المسوّق

و سيري مع الفتيان‏[3]كلّ عشية # أبارى مطاياهم‏[4]بصهباء سيلق

/إذا كلحت‏[5]عن نابها مجّ شدقها # لغاما[6]كمحّ البيضة المترقرق

و أصهب جونيّ كأن بغامه # تبغّم مطرود من الوحش مرهق‏[7]

/برى‏[8]لحم دفّيه و أدمى أظله أجـ # تيابي الفيافي سملقا بعد سملق‏[9]

و ذكر بعده الأبيات الماضية. و هذا وهم من النضر، لأن تلك الأبيات مرفوعة القافية و هذه مخفوضة، فأتيت بكل واحدة منهما منفردة و لم أخلطهما لذلك.

علبة ينحر أولاد النوق و الشياه لتصيح مع النسوة بكاء على جعفر

أخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة قال: لما قتل جعفر بن علبة قام نساء الحيّ يبكين عليه، و قام أبوه إلى كلّ ناقة و شاة فنحر أولادها، و ألقاها بين أيديها و قال: ابكين معنا على جعفر!فما زالت النوق ترغو و الشاء تثغو و النساء يصحن و يبكين و هو يبكي معهنّ؛ فما رئى يوم كان أوجع و أحرق مأتما في العرب من يومئذ.

صوت‏

/

علّلاني إنما الدنيا علل # و اسقياني عللا بعد نهل‏[10]

أصحب الصاحب ما صاحبني # و أكفّ اللوم عنه و العذل‏[11]

الشعر للعجير السلولي. و الغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالوسطى عن حبيش. و ذكر الهشاميّ أنه من منحول يحيى المكّيّ.

[1]خدوراء: موضع في بلاد بني الحارث بن كعب ذكره ياقوت في «معجم البلدان» .

[2]في «معجم البلدان لياقوت» في روايته لهذا البيت: «أفنان» بدل «أظلال» .

[3]في ط: «و سير مع الفتيان» .

[4]كذا أصلحها الشنقيطي في نسخته، و في سائر الأصول: «نداماهم» . و الأصهب من الإبل: الّذي يخالط بياضه حمرة، و هو أن يحمرّ أعلى الوبر و تبيض أجوافه. و إنما خص الإبل الصهب بالذكر لأنها خير الإبل لسرعتها. و السيلق: الماضية في سيرها. و رواية البيت في «اللسان» (مادة سلق) :

و سيري مع الركبان كل عشية # أباري مطاياهم بأدماء سيلق‏

و الأدماء من الإبل: البيضاء ذات المقلتين السوداوين.

[5]كلحت: كشرت في عبوس.

[6]اللغام: زبد أفواه الإبل، و هو من البعير بمنزلة البزاق أو اللعاب من الإنسان. و مح البيضة و محتها: صفرتها. و في «اللسان» (مادة محح) : «و قال ابن شميل: مح البيض: ما في جوفه من أصفر و أبيض كله مح. و منهم من قال: المحة: الصفراء. و الغرقئ:

البياض الّذي يؤكل» . و المترقرق: المتحرك جيئة و ذهوبا.

[7]يريد: بعيرا جونيا، و هو الأسود المشرب حمرة. و بغامه: صوته. يقال بغمت الناقة تبغم (بالكسر) بغاما: قطعت الحنين و لم تمده.

و يكون ذلك للبعير أيضا. و تبغم (بالتشديد) لبغم. انظر «اللسان» (مادة بغم) .

[8]في سائر الأصول: «ترى» بالتاء و هو تحريف. و ما أثبتنا عن نسخة الشنقيطي مصححا بقلمه.

[9]دفا البعير: جنباه. و أظله: باطن منسمه، أو هو باطن إصبعه. السملق: الأرض المستوية الجرداء لا نبات فيها.

[10]العل و العلل (محركة) : الشربة الثانية، و قيل الشرب بعد الشرب تباعا. و النهل (بالتحريك) : أول الشرب.

[11]العذل (بالتحريك) : الاسم من عذله يعذله عذلا فاعتذل و تعذل: لامه فقبل منه و أعتب.

41

5-أخبار العجير السّلوليّ و نسبه‏

أخبار العجير السلولي و نسبه‏

هو-فيما ذكر محمّد بن سلاّم-العجير بن عبد اللّه بن عبيدة[1]بن كعب بن عائشة[2]بن الربيع‏[3]بن ضبيط بن جابر بن عبد اللّه بن سلول. و نسخت نسبه من نسخة عبيد اللّه بن محمّد اليزيديّ عن ابن حبيب قال: هو العجير بن عبيد اللّه بن كعب بن عبيدة بن جابر بن عمرو بن سلول‏[4]بن مرة بن صعصعة، أخي عامر بن صعصعة. شاعر مقلّ إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية. و جعله محمّد بن سلام في طبقة أبي زبيد الطائيّ؛ و هي الخامسة من طبقات شعراء الإسلام.

أخبرني أبو خليفة في كتابه إليّ قال: حدّثنا محمّد بن سلاّم الجمحيّ، قال: حدّثنا أبو الغرّاف‏[5]قال: كان العجير السّلوليّ دلّ عبد الملك بن مروان على ماء يقال له مطلوب‏[6]، و كان لناس من خثعم، فأنشأ يقول:

/

لا نوم إلا غرار العين ساهرة # إن لم أروّع بغيظ أهل مطلوب‏[7]

إن تشتموني فقد بدّلت أيكتكم # ذرق الدّجاج بحفّان اليعاقيب‏[8]

و كنت أخبركم أن سوف يعمرها # بنو أمية وعدا غير مكذوب‏

العجير يذهب ليلا إلى عبد الملك حين طلبه‏

قال: فركب رجل من خثعم يقال له أميّة إلى عبد الملك حتّى دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما أراد العجير أن يصل إليك و هو شويعر سآل‏[9]. و حرّبه‏[10]عليه. فكتب إلى عامله بأن يشدّ يدي العجير إلى عنقه ثم يبعثه في الحديد. فبلغ العجير الخبر فركب في الليل حتّى أتى عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا عندك فاحتبسني [1]عبيدة (بفتح العين و كسر الباء) : هكذا ضبطه البغدادي في «خزانة الأدب» . ثم قال بعد ذلك: «و يقال ابن عبيدة بضم العين» .

[2]كذا في سائر الأصول ما عدا ط. و في ط: «ابن عابسة» .

[3]في المؤتلف و المختلف للآمدي: «... بن ضبيط بن رفيع بن جابر بن عمرو بن مرة بن صعصعة و هم سلول» .

[4]في «الخزانة» ما يفيد أن «سلول» اسم امرأة؛ ففيها: «و أم بني مرة سلول بنت ذهل بن شيبان بن ثعلبة غلبت عليهم و بها يعرفون.

و جاء في المعارف لابن قتيبة: «فأما بنو مرة فيعرفون ببني سلول و هي أمهم. منهم أبو مريم السلولي و منهم العجير السلولي الشاعر و عبد اللّه بن همام الشاعر السلولي» . انظر «خزانة الأدب» (ج 2 ص 298 طبع بلاق) و المؤتلف و المختلف (ص 166 طبع السلفية) و «المعارف لابن قتيبة» (ص 42 طبع أوربا) .

[5]في الأصول: «العراف» بالعين المهملة، و هو تحريف و التصويب من «طبقات الشعراء لابن سلام» (ص 132 طبع أوربا) .

[6]مطلوب: اسم بئر بين المدينة و الشام بعيدة القعر يستقى منها بدلاء.

[7]غرار العين: قلّة نومها.

[8]الأيكة: الغيضة تنبت السدر و الأراك و نحوهما من ناعم الشجر. و ذرق الدجاج: خرؤه. و اليعاقيب جمع يعقوب. و هو هنا ذكر الحجل. و حفان اليعاقيب: فراخها.

[9]السآل: الملحاح في السؤال.

[10]حربه: حرضه عليه و أثار عليه حرب الغضب.

42

و ابعث من يبصر الأرضين و الضياع، فإن لم يكن الأمر على ما أخبرتك فلك دمي حلّ‏[1]و بلّ، فبعث فاتخذ ذلك الماء، فهو اليوم من خيار ضياع بني أمية.

نافع الكناني يطلبه ليقيم الحد أو يقيم عليه ذلك بنو حنيفة فيهرب‏

نسخت من كتاب عبيد اللّه بن محمّد اليزيديّ عن ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: هجا العجير قوما من بني حنيفة و شتمهم، فأقاموا عليه البيّنة عند نافع بن/علقمة الكنانيّ، فأمرهم بطلبه و إحضاره ليقيم عليه الحدّ و قال لهم: إن وجدتموه أنتم فأقيموا عليه الحد و ليكن ذلك في ملأ يشهدون به لئلا يدّعي عليكم تجاوز الحق. فهرب العجير منهم ليلا حتى أتى نافع بن علقمة، فوقف له متنكرا حتى خرج من المسجد، ثم تعلق بثوبه و قال:

/

إليك سبقنا السوط و السجن، تحتنا # حيال يسامين الظلال و لقّح‏[2]

إلى نافع لا نرتجي ما أصابنا # تحوم علينا السانحات و تبرح

فإن أك مجلودا فكن أنت جالدي # و إن أك مذبوحا فكن أنت تذبح‏

فسأله عن المطر و كيف كان أثره، فقال له:

يا نافع يا أكرم البرية[3] # و اللّه لا أكذبك العشيّه

إنا لقينا سنة قسيّه‏[4] # ثم مطرنا مطرة رويه

فنبت البقل و لا رعيه‏[5]

-يعني أن المواشي هلكت قبل نبات البقل-فقال له: انج بنفسك فإنّي سأرضي خصومك، ثمّ بعث إليهم فسألهم الصفح عن حقّهم و ضمن لهم أن لا يعاود هجاءهم.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال:

حدّثنا الزبير بن بكّار قال: حدّثني عمر بن إبراهيم السعديّ عن عباس بن عبد الصمد السعديّ قال: قال هشام بن عبد الملك للعجير السلوليّ: أصدقت فيما قلته لابن عمك؟قال: نعم يا أمير المؤمنين، إلا أني قلت:

فتى قد قد السيف لا متضائل # و لا رهل لبّاته و بآدله‏[6]

/-هذا البيت يروى لأخت يزيد بن الطّثريّة[7]ترثيه به- [1]حل: حلال. وبل: مباح مطلق. وبل من برد الماء أي أن دمي يبرد صدرك. و قيل: «بل» إتباع «لحل» أي توكيد. إلا أن أبا عبيدة و ابن السكيت لم يرتضيا هذا الإتباع لمكان الواو بينهما. انظر «اللسان» (مادة بلل) .

[2]حيال: جمع حائل. و الحائل: الناقة الّتي ضربها الفحل فلم تحمل. و لقح: جمع لاقح. و اللاقح: الناقة الحامل. و يسامين الظلال:

يبارينها. و في ط: «طلح» بدل «لقح» و كتب بهامشها كلمة «لقح» إشارة إلى الروايتين. و طلح: جمع طالح. و الطالح: الناقة الّتي أجهدها السير فأصابها الكلال و الإعياء.

[3]رواية «اللسان» لهذا الشطر منسوبا إلى العجير السلولي (مادة قسا) :

يا عمرو يا أكيرم البرية

[4]القسية: الشديدة لا مطر فيها، من القسوة.

[5]الرعية: الماشية الراعية أو المرعية. (كما في «القاموس» ) .

[6]الرهل: يقال رهل لحمه اضطرب و استرخى أو ورم من غير داء. اللبة: موضع النحر. و البآدل: جمع بأدلة؛ و هي اللحمة بين العنق و الترقوة. و في «الأغاني» (ج 8 ص 183 طبع دار الكتب) و هامش ط: «أباجله» . و الأباجل: جمع أبجل؛ و هو عرق غليظ في الرجل، و قيل في باطن الذراع.

[7]في «أشعار الحماسة» (ص 416 طبع أوربا) ذكر هذا البيت ضمن أبيات ستة منسوبة إلى العجير السلولي، لكن مع اختلاف في تقديم

43

جميل إذا استقبلته من أمامه # و إن هو ولّى أشعث الرأس جافله‏[1]

طويل سطيّ‏[2]الساعدين عذوّر[3] # على الحيّ حتى تستقلّ مراجله

ترى جارزيه يرعدان و ناره # عليها عداميل الهشيم و صامله‏[4]

/يجران ثنيا[5]خيرها عظم جاره # على عينه لم تعد[6]عنها مشاغله

تركنا أبا الأضياف في كل شتوة[7] # بمرّ[8]و مردى‏[9]كلّ خصم يجادله

مقيما سلبناه دريسي مفاضة # و أبيض هنديّا طوالا حمائله‏[10]

فقال هشام: هلك و اللّه الرجل.

-الأبيات و تأخيرها و كذلك في ألفاظ بعض الأبيات. و في «أشعار الحماسة» أيضا (ص 468) و «الأمالي» (ج 2 ص 85 طبع دار الكتب) و «الأغاني» (ج 8 ص 182 طبع دار الكتب) ورد هذا البيت ضمن قصيدة لزينب بنت الطثرية ترثي أخاها يزيد بن الطثرية؛ و في هذه القصيدة أبيات مما نسب للعجير مع اختلاف في اللفظ أيضا. و الطثرية (بإسكان الثاء) ؛ هكذا ضبطه ابن خلكان بالعبارة في ترجمته ليزيد بن الطثرية فقال: «و الطثرية بفتح الطاء و إسكان الثاء و بعدها راء ثم ياء النسب و هاء و هي أمة ينسب يزيد المذكور إليها؛ و هي من بني طثر بن عنز بن وائل. و الطثرة: الخصب و كثرة اللبن. يقال: إن أمه كانت مولعة بإخراج زبد اللبن» . و في «القاموس و شرحه» (مادة طثر) : «و طثرية (محركة) : أم يزيد بن الطثرية الشاعر القشيري» . و قد ضبط بالقلم في ط بإسكان التاء. و في «أشعار الحماسة» و «الشعر و الشعراء» و «طبقات ابن سلام» و «الكامل للمبرد» ضبط بالحركة بإسكان التاء أيضا.

[1]الشعث: تلبد الشعر و اغبراره. يقال: شعث يشعث شعثا و شعوثة فهو شعث و أشعث و شعثان إذا أغبر شعره و تلبد. و جافله هنا: من الجفال؛ و هو الشعر الكثير. و رواية البيت في «الحماسة» و «الأمالي» :

كريم إذا لاقيته مبتسما # و إما تولى أشعث الرأس جافله‏

[2]سطي الساعدين: ذو بطش، و هو مبالغة من سطا عليه و به سطوا و سطوة، إذا بطش به برفع اليد.

[3]العذور: السيئ الخلق. و إنما جعله عذورا لشدّة تهممه بأمر الأضياف و حرصه على تعجيل قراهم، حتى تنصب المراجل و تهيأ المطاعم للضيفان ثم يعود إلى خلقه الأول. و رواية البيت في «الحماسة» و «الأمالي» :

إذا نزل الأضياف كان عذوّرا # على الحيّ حتى تستقل مراجله‏

[4]يرعدان: تصيبهما الرعدة إما من خوفه لاستعجاله إياهما و إما من البرد. يخبر أنه ينحر في الشتاء و الجدب. و إنما جعل له جازرين على عادتهم في جعلهم أصحاب المهن فيهم اثنين اثنين؛ كالبائن و المستعلي في الحلب و الماتح و القابل في الاستقاء. انظر «شرح التبريزي للحماسة» 470، و في «اللسان» : «و للناقة حالبان أحدهما يمسك العلبة من الجانب الأيمن، و الآخر يحلب من الجانب الأيسر. و الّذي يحلب يسمى المستعلى و المعلى، و الّذي يمسك يسمى البائن» . و العداميل جمع عدمل: الضخم القديم من الشجر.

و الصامل و الصميل: اليابس. و يروي «عدولي» كما في حـ و «اللسان» «مادة عدل» . و العدولي هنا: نسبة إلى عدولي، و هو موضع بنواحي البحرين تنسب إليه السفن. و الهشيم هنا: الشجرة البالية يأخذها الحاطب كيف شاء لأنها بدون ثمر. و صامله: يابسه.

يقول: على النار حطب يابس. و في «اللسان» (مادة صمل) ورد هذا البيت منسوبا للعجير و لبنت الطثرية بلفظ «عداميل» بدل «عدولي» . و في بقية الأصول: «... السنام و ناصله» و هو تحريف. و رواية الشطر في الحماسة و الأمالي:

عليها عداميل الهشيم و صامله‏

[5]الثنى: الناقة الّتي ولدت بطنين. و ولدها الثاني يسمى ثنيا أيضا. و خيرها عظم جاره يريد أن خير عظم فيها يهديه لجاره.

[6]لم تعد: لم تصرف. يريد: لم يشغله عن نحرها ضنه بها لبصرة بقرى الأضياف و النحر لهم. و في «الحماسة» و «الأمالي» : «بصيرا بها» يدل «على عينه» .

[7]كذا في جميع الأصول. و في «أشعار الحماسة» : «في ليلة الصبا» ، و في «معجم البلدان» : «في ليلة الدجا» .

[8] «مر» : ماءة لبني أسد بينها و بين الخوة يوم شرقي سميراء و بهامات ابن عم العجير و اسمه جابر بن زيد. (انظر «معجم البلدان» في رسم «مر» ) . و في «أشعار الحماسة» : «مرو» و هو تحريف.

[9]المردى في الأصل: صخرة يكسر بها النوى. يقال: فلان مردى الحروب أو الخصوم أي يرمون به فيكسرهم.

[10]الدريس هنا: الدرع الخلقة. و المفاضة: الدرع الواسعة. و أبيض هنديا: يريد سيفا. و جعله طويل الحمائل لطول قوامه. يقول: إنه أنفق ماله فيما نشر له حمدا فلم يكن لإرثه إلا ما ذكر من السلاح. و رواية البيت في «الحماسة» و «اللسان» (مادة درس) :

مضى و ورثناه دريس مفاضة # و أبيض هنديا طويلا حمائله‏

44

و نسخت من كتاب ابن حبيب قال ابن الأعرابي: اصطحب العجير و شاعر من خزاعة إلى المدينة فقصد الخزاعيّ الحسن بن الحسن بن عليّ عليهم السلام، و قصد العجير رجلا من بني عامر بن صعصعة كان قد نال سلطانا، فأعطى الحسن بن الحسن الخزاعيّ و كساه و لم يعط العامريّ العجير شيئا، فقال العجير:

العجير يقول حين حرمه العامري العطاء

يا ليتني يوم حزّمت القلوص له # يمّمتها هاشميّا غير ممذوق‏[1]

محض النّجار[2]من البيت الّذي جعلت # فيه النبوّة يجري غير مسبوق

لا يمسك الخير إلا ريث يسأله # و لا يلاطم‏[3]عند اللحم في السوق‏[4]

فبلغت أبياته الحسن، فبعث إليه بصلة إلى محلّة قومه و قال له: قد أتاك حظّك و إن لم/تتصدّ له.

العجير يشرب حتى ينتشي فيأمر بنحر حمله و يقول شعرا

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال: حدّثنا محمّد بن الحسن بن دينار الأحول قال: حدّثني بعض الرواة أن العجير بن عبد اللّه السلولي مر بقوم يشربون فسقوه فلما انتشى قال: انحروا جملي و أطعمونا منه. فنحروا و جعلوا يطعمونه و يسقونه و يغنّونه بشعر قال يومئذ، و هو:

علّلاني إنما الدنيا علل # و اسقياني عللا بعد نهل

و انشلا[5]ما اغبرّ من قدريكما # و أصبحاني‏[6]أبعد اللّه الجمل

أصحب الصاحب ما صاحبني # و أكفّ اللّوم عنه و العذل

و إذا أتلف شيئا لم أقل # أبدا يا صاح ما كان فعل‏

/قال: فلما صحا سأل عن جمله فقيل له: نحرته البارحة. فجعل يبكي و يصيح: وا غربتاه!و هم يضحكون منه. ثم وهبوا له بعيرا فارتحله‏[7]و انصرف إلى أهله.

ندمه على ذلك بعد صحوه و ارتحاله على بعير وهب له‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن يزيد قال: حجّ العجير السلوليّ فنظر إلى امرأته و كان قد حجّ بها معه و هي تلحظ فتى من بعد و تكلمه فقال فيها:

أيا ربّ لا تغفر لعثمة ذنبها # و إن لم يعاقبها العجير فعاقب

أشارت و عقد اللّه بينى و بينها # إلى راكب من دونه ألف راكب

حرام عليك الحجّ لا تقربنّه # إذا حان حجّ المسلمات التوائب‏

[1]المذق: الخلط. يريد أنه هاشمي صريح النسب.

[2]النجار (بالكسر و بضم) : الأصل و الحسب. و محضه: خالصه.

[3]في جميع الأصول: «يطاعم» و هو تحريف. و التصويب عن المرحوم الشنقيطي في نسخته. و الملاطمة: مفاعلة من اللطم، و هو ضرب الجسد و صفحة الجسد بالكف مفتوحة.

[4]يريد أنه لا يشتري لضيفانه اللحم من السوق و إنما يذبح لهم في بيته.

[5]انشلا: أمر من نشل اللحم ينشله (بضم الشين و كسرها) نشلا إذا أخرجه من القدر بيده من غير مغرفة فهو نشيل. و النشيل: ما طبخ من اللحم بغير توابل. و ما اغبر: ما بقي.

[6]أصبحاني: أعطياني الصبوح. و هو هنا ما أكل أو شرب عدوة.

[7]ارتحله: خط عليه الرحل.

45

العجير يكل زواجه ابنته إلى خالها ثم يطلقها من المولى بعد قدومه‏

و قال ابن الأعرابي: غاب العجير غيبة إلى الشآم، و جعل أمر ابنته إلى خالها، و أمره أن يزوّجها بكف‏ء.

فخطبها مولى لبني هلال كان ذا مال، فرغبت أمّها فيه و أمرت خال الصبية الموصى إليه بأمرها أن يزوّجها ففعل.

فلاذت الجارية بأخيها الفرزدق بن العجير، و برجال من قومها، و بابن عمّ لها يقال له قيل، فمنعوا جميعا منها سوى ابن عمها القيل فإنّه ساعد أمها على ما أرادت، و منع منها الفرزدق. فلما قدم العجير أخبر بما جرى ففسخ النكاح و خلع ابنته من المولى و قال:

ألا هل لبعجان الهلاليّ زاجر # و بعجان مأدوم الطعام سمين

أ ليس أمير المؤمنين ابن عمها # و بالحنو[1]آساد لها و عرين

و عاذت بحقوى‏[2]عامر و ابن عامر # و للّه قد بتت عليّ يمين

تنالونها[3]أو يخضب الأرض منكم # دم خرّ عنه حاجب و جبين‏

/و قال أيضا في ذلك:

إذا ما أتيت الخاضبات أكفّها # عليهنّ مقصور الحجال المروّق‏[4]

فلا تدعونّ القيل‏[5]إلا لمشرب # رواء و لكنّ الشجاع الفرزدق

هو ابن لبيضاء الجبين نجيبة # تلقّت‏[6]بطهر لم يجي‏ء و هو أحمق

تداعى إليه أكرم الحيّ نسوة # أطفن بكسري بيتها حين تطلق‏[7]

فجاءت بعريان اليدين كأنّه # من الطير باز ينفض الطّلّ أزرق‏

قول العجير في رفيق‏

و قال ابن الأعرابيّ: كان للعجير رفيق يقال له أصبح، و كانا يصيبان الطريق، و فيه يقول العجير:

و منخرق عن منكبيه قميصه # و عن ساعديه، للأخلاّء و واصل

إذا طال بالقوم المطافى تنوفة # و طول السّرى ألفيته غير ناكل‏[8]

دعوت و قد دبّ الكرى في عظامه # و في رأسه حتّى جرى في المفاصل

كما دبّ صافي الخمر في مخّ شارب # يميل بعطفيه، عن اللّبّ ذاهل‏

[1]الحنو: حنو ذي قار قرب الكوفة.

[2]الحقو (بالفتح و بكسر) : معقد الإزار. و يسمى الإزار كذلك حقوا لأنه يشد على الحقو، كما تسمى المزادة الراوية لأنها تحمل على الراوية، و هو الجمل. و العرب تقول: «عذت بحقوه إذا عاذ به ليمنعه» .

[3]تنالونها: لا تنالونها. و حذف «لا» النافية في مثل هذا كثير.

[4]المروق: ذو الستور. و الرواق: ستر دون السقف، أو مقدّم البيت. و ورد في هامش ط: «المروق الّذي عليه رواق، أي ستر» .

[5]كذا في جـ و هامش ط، و في سائر الأصول: «فلا يذعرنك القيل» . و القيل: اللبن يشرب في القائلة.

[6]تلقت: علقت، أي حبلت.

[7]الكسر: جانب البيت أو الشقة السفلى. و تطلق بالبناء للمجهول من طلقت، كعنى، في المخاض أصابها وجع الولادة.

[8]المطا هنا: التمطي، و التمطي: السير الممتد. و التنوفة كالتنوفية: الأرض الواسعة البعيدة الأطراف و تسمى المفازة. و الناكل هنا:

الجبان الضعيف.

46

فلبّى ليثنيني بثنيي لسانه # ثقيلين من نوم غلوب الغياطل‏[1]

فقلت له قم فارتحل ليس هاهنا # سوى وقفة السّاري مناخ لنازل

فقام اهتزاز الرمح يسرو قميصه # و يحسر عن عاري الذّراعين ناحل‏[2]

/و قال ابن الأعرابيّ: كانت للعجير امرأة يقال لها أمّ خالد، فأسرع في ماله فأتلفه و كان جوادا، ثم جعل يدّان حتى أثقل بالدين و مد يده إلى مالها، فمنعته منه و عاتبته على فعله، فقال في ذلك:

تقول و قد غالبتها أمّ خالد # على مالها أغرقت دينا فأقصر[3]

أبي القصر من يأوى إذا اللّيل جنّني # إلى ضوء ناري من فقير و مقتر

أيا موقدي ناري ارفعاها لعلّها # تشبّ لمقو[4]آخر الليل مقفر

أ من راكب أمسى بظهر تنوفة # أواريك أم من جاري المتنظّر

و لا قدر دون الجار إلاّ ذميمة # و هذا المقاسي ليلة ذات منكر

تكاد الصّبا تبتزّه من ثيابه # على الرّحل إلا من قميص و مئزر[5]

و ما ذا علينا أن يخالس ضوأها # كريم نثاه شاحب المتحسّر[6]

-المتحسر: ما انكشف و تجرد من جسمه-

فيخبرنا عمّا قليل و لو خلت # له القدر لم نعجب و لم نتخبّر

صوت‏[7]

سلي الطارق المعترّيا أمّ مالك # إذا ما أتاني بين قدري و مجزرى‏[8]

أ أبسط وجهي أنّه أول القرى # و أبذل معروفي له دون منكرى‏[9]

فلا قصر حتّى يفرج الغيث من أوى # إلى جنب رحلي كلّ أشعث أغبر[10]

/أقي العرض بالمال التّلاد[11]و ما عسى # أخوك إذا ما ضيّع العرض يشترى‏

[1]الغياطل: جمع غيطلة، و الغيطلة هنا: غلبة النعاس.

[2]يسرو قميصه: يلقيه عنه. يقال: سروت الثوب عن سروا و سريته إذا ألقيته عنك و نضوته.

[3]الإقصار: الامتناع.

[4]المقوى: الّذي لا زاد معه، يقال: أقوى الرجل إذا نفد طعامه و فني زاده.

[5]الصبا: ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش و تبتزه: تجرده. و الرحل بالحاء المهملة في ط، و وردت بالجيم في باقي الأصول، و هو تحريف.

[6]يخالس: ينتهز. و النثا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سيّئ.

[7]كلمة «صوت» ليس في ب، ج.

[8]الطارق: الآتي بالليل. و المعتر: الّذي يطيف بك يطلب ما عندك، سألك أو سكت عن السؤال. و الجزر، وردت بفتح الزاي في ط خطأ و الصواب كسرها مثل مشرق و مغرب.

[9]ورد في جـ «قبل» بدل «دون» .

[10]يفرج بكسر الراء.

[11]التلاد: المال القديم الأصلي الّذي ولد عندك من مالك أو نتج. و كل مال قديم من حيوان و غيره يورث عن الآباء. و هو التالد و التليد و المتلد.

47

يؤدّي إليّ النّيل‏[1]قنيان ماجد # كريم و مالي سارحا مال مقتر

-القنيان‏[2]: ما اقتنى من المال. يقول: إنه لبذله القرى كأنه موسر، و إذا سرح ماله علم أنه مقتر[3]-

إذا متّ يوما فاحضري أمّ خالد # تراثك من طرف و سيف و أقدر[4]

قال ابن حبيب: من الناس من يروي هذه الأبيات الأخيرة الّتي أوّلها:

سلي الطارق المعترّ يا أمّ مالك‏

لعروة بن الورد، و هي للعجير.

العجير يفد على عبد الملك فيقيم ببابه‏

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا علي بن الصّبّاح عن هشام بن محمّد قال: وفد العجير السّلوليّ-و سلول بنو مرّة بن صعصعة-على عبد الملك بن مروان، فأقام ببابه/شهرا لا يصل إليه لشغل عرض لعبد الملك، ثم وصل إليه فلما مثل بين يديه أنشد:

/

ألا تلك أمّ الهبرزيّ تبيّنت # عظامي و منها ناحل و كسير[5]

و قالت تضاءلت الغداة و من يكن # فتى قبل عام الماء فهو كبير[6]

فقلت لها إنّ العجير تقلّبت # به أبطن أبلينه و ظهور

فمنهنّ إدلاجي على كلّ كوكب # له من عمانيّ النجوم نظير[7]

[1]النيل و النائل: ما نلته. و رواية ط لهذا الشطر:

يؤدي إليّ الليل قنوان ماجد

و في مثل هذا المعنى قال الشاعر:

ليس العطاء من الفضول سماحة # حتى تجود و ما لديك قليل‏

[2]يقال بضم القاف و كسرها. و في ط: «القنوان» . و هي صحيحة و قافها مضمونة، بمعنى القنيان.

[3]في ط: «فقير» .

[4]الطرف هنا: الكريم من الخيل. و الأقدر: الفرس الّذي يجاوز حافرا رجليه مواقع حافري يديه.

[5]أم الهبرزي: الحمى. هكذا في «لسان العرب» و «تاج العروس» حيث رويا البيت منسوبا للعجير شاهدا على ذلك، مع اختلاف في بعض ألفاظ الشطر الأول. و مثله كذلك ما أورده المحيي في «ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه» حيث قال: «أم الهبرزي هي الحمى» . ثم قال في موضع آخر: «أم الهدبذي، بالدال و الذال، هي الداهية و الحمى» . ثم أورد البيت شاهدا على ذلك، مع اختلاف في بعض ألفاظ الشطر الأول كذلك. ناحل: مهزول دقيق. و في جميع الأصول: «ناصل» ، و التصويب من «لسان العرب» و «تاج العروس» و ما يعول عليه. و رواية البيت في «اللسان» و «التاج» (مادة هبرز) :

فإن تك أم الهبرزي تمصرت # عظامي فمنها ناحل و حسير

و تمصرت: اعتصرت. و حسير: تعب. و روايته في (ما يعول عليه) :

فمنهن أم الهبرزي تتابعت # عظامي فمنها ناحل و كسير

و الكسير: المكسور.

[6]عام الماء، قال أبو حنيفة: «إذا كان عام خصيب مشهور بالكلإ و الكمأة و الجراد سمي عام الماء» . انظر «المخصص» (10: 17) .

و رواية البيت في «اللسان» (مادة عوم) :

رأتني تحادبت الغداة و من يكن # فتى عام عام الماء فهو كبير

قال في «اللسان» هنا: «فسره ثعلب. فقال: العرب تكرر الأوقات فيقولون: أتيتك يوم يوم قمت، و يوم تقوم» . و انظر ما سيأتي في ص 75.

[7]العماني: المنسوب إلى عمان. ـ

48

و قرعي بكفّي باب ملك كأنّما # به القوم يرجون الأذين نسور[1]

/و يوم تبارى ألسن القوم فيهم # و للموت أرحاء بهنّ تدور[2]

لو ان الجبال الصّمّ يسمعن وقعها # لعدن و قد بانت بهنّ فطور[3]

فرحت جوادا و الجواد مثابر # على جريه، ذو علة و يسير

عطاء عبد الملك له لطول مقامه‏

فقال له: يا عجير ما مدحت إلاّ نفسك، و لكنّا نعطيك لطول مقامك. و أمر له بمائة من الإبل يعطاها من صدقات بني عامر، فكتب له بها.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال: حدّثنا محمّد بن سعد الكرانيّ قال: حدّثنا العمريّ عن العتبيّ قال: نظر أبي إلى فتى من بني العبّاس يسحب مطرف‏[4]خزّ عليه و هو سكران-و كان فتى متهتّكا-فحرك رأسه مليّا ثم قال:

للّه درّ العجير السّلوليّ حيث يقول:

و ما لبس الناس من حلّة # جديد و لا خلقا يرتدى‏[5]

كمثل المروءة للاّبسين # فدعني من المطرف المستدى‏[6]

فليس يغيّر فضل الكريم # خلوقة أثوابه و البلى‏[7]

/و ليس يغيّر طبع اللّئيم # مطارف خز رقاق السّدى‏[8]

يجود الكريم على كلّ حال # و يكبو اللئيم إذا ما جرى‏

قوله في ابنه الفرزدق‏

أخبرني عمّي قال: حدّثني محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبو القاسم اللّهبيّ عن أبي عبيدة قال:

كان العجير السلولي له ابن يقال له الفرزدق، و فيه يقول العجير:

و لقد وضعتك غير متّرك # من جابر[9]في بيتها الضّخم

و اخترت أمّك من نسائهم # و أبوك كلّ عذوّر شهم‏[10]

[1]الأذين: الحاجب الّذي يبلغ إذن الملك للمثول بين يديه، و هو الآذن. و النسور: جمع نسر. و في جـ بالشين المعجمة، و هو تحريف.

و المعنى أن طلاب المغانم يتجمعون على باب الملك مثل تجمع النسور.

[2]الألسن: جمع لسان، و «اللسان» : المقول يذكر و يؤنث، ففي حالة التذكير يجمع على ألسنة كحصان و أحصنة، و في حالة التأنيث يجمع على ألسن كذراع و أذرع. (انظر «اللسان» مادة لسن) . و رواية البيت في جـ:

و يوم تنادي ألسن القوم فيهم # و للقوم أرحاء بهن تدور

[3]الفطور: الشقوق جمع فطر بالفتح.

[4]المطرف (بالضم و يكسر) و أحد المطارف، و هي أردية من خر مربعة لها أعلام.

[5]الحلة: إزار و رداء، بردا كان أو غيره. و لا تكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة. و خلق: بال، الذكر و الأنثى فيه سواء.

[6]المستدى هنا: المنسوج.

[7]الخلوقة، بضم الخاء: البلى. و في الأصل: «خلوقات» .

[8]السدى من الثوب: ما مدّ منه، و هو خلاف اللحمة.

[9]من جابر: يريد من قبيلة جابر، و جابر من آباء العجير.

[10]العذور: السيئ الخلق، القليل الصبر فيما يريده و يهم به.

49

فلئن كذبت المنح من مائة # فلتقبلن بسائغ وخم‏[1]

إن الندى و الفضل غايتنا # و نجاتنا و طريق من يحمي‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ قال قال الحرمازي: وقف العجير السّلولي لبعض الأمراء، و قد علق به غريم له من أهله فقال له:

أتيتك إنّ الباهلي يسوقني‏[2] # بدين و مطلوب الدّيون رقيق

ثلاثتنا إن يسّر اللّه: فائر # بأجر، و معطى حقّه، و عتيق‏

فأمر بقضاء دينه.

بنت عمه تختار العامري عليه و تتزوجه ليساره‏

و قال ابن الأعرابيّ: كانت للعجير بنت عمّ و كان يهواها و تهواه، فخطبها إلى أبيها فوعده و قاربه‏[3]. ثم خطبها رجل من بني عامر موسر، فخيرها أبوها بينه و بين العجير، /فاختارت العامريّ ليساره، فقال العجير في ذلك:

ألمّا على دار لزينب قد أتى # لها بلوى ذي المرخ صيف و مربع‏[4]

و قولا لها قد طالما لم تكلّمي # و راعاك بالعين الفؤاد المروّع

و قولا لها قال العجير و خصّني # إليك، و إرسال الخليلين ينفع

أ أنت الّتي استودعتك السّرّ فانتحى # لي الخون مرّاح من القوم أفرع‏[5]

إذا مت كان الناس نصفين: شامت # و مثن بما قد كنت أسدي و أصنع‏[6]

و مستلحم قد صكّه القوم صكّة # بعيد الموالي نيل ما كان يمنع‏[7]

رددت له ما أفرط القتل بالضحى # و بالأمس حتى اقتاله فهو أصلع‏[8]

و لست بمولاه و لا بابن عمّه # و لكن متى ما أملك النفع أنفع‏[9]

[1]من مائة: يريد مائة من الإبل. «فلتقبلن» كذا في ط. و في سائر الأصول: «فلتقتلن» و هو تحريف. بسائغ: في ط هكذا: «بسائغ» بإهمال الحرفين الأخيرين، و في سائر الأصول: «بسائغ» . الوخم: الّذي لا تحمد مغبته. و في ب و س و ط: «وحم» و لا وجه له.

و في جـ: «ضخم» .

[2]كذا في جميع الأصول. و كتب على هامش ط إشارة إلى نسخة أخرى: «خ استرقني» . و استرقني: أدخلني في الرق أي العبودة.

[3]قاربه: قرب منه في الرأي و الموافقة.

[4]اللوى: منقطع الرمل، يقال: ألويتم فأنزلوا، و ذلك إذا بلغوا لوى الرمل. و ذو المرخ هنا: واد كثير الشجر قريب من فدك.

[5]انتحى: قصد. و الخون: مصدر كالخيانة. و مراح مبالغة من المرح و هو نشاط الروح. و أفرع: له جمة، وافى الشعر.

[6]مثن في جـ و الشواهد الكبرى للعيني و «شرح الحماسة» ، و في بقية الأصول: «مسد» . و رواية البيت في الشواهد:

إذا مت كان الناس صنفان: شامت # و آخر مثن بالذي كنت أصنع‏

و صنفان خير الناس لا خبر «كان» .

[7]المستلحم: الّذي أرهق في القتال و احتوشه العدو. صكه القوم: ضربوه ضربا شديدا. و نيل بالبناء للمجهول. أي نال القوم منه ما كان يمنعه، لضعفه.

[8]القتل، كذا في جـ، و في بقية الأصول «القيل» بالياء بعد القاف. «اقتاله» يقال اقتاله شيئا بشي‏ء: بدّله. و في جـ: «اقتاده» ، بالدال قبل الهاء.

[9]في ط و شواهد العيني «الضر» في مكان «النفع» و هي أبلغ في المعنى، و بيان ذلك أنه في الحالة الّتي يستطيع فيها أن يضر ينفع.

50

تحبب العجير إلى امرأة من عامر فانتهبوا ماله، فشكاهم إلى محمّد بن مروان‏

و قال ابن الأعرابيّ: كان العجير يتحدث إلى امرأة من بني عامر يقال لها جمل فألفها و علقها. ثم انتجع أهلها نواحي نصيبين، فتتّبعتها نفسه، فسار إليهم فنزل فيهم مجاورا[1]، ثم رأوه منازلا ملازما محادثة تلك المرأة فنهوه عنها و قالوا: قد رأينا أمرك فإمّا أن انقطعت عنها أو ارتحلت عنّا، أو فأذن بحرب‏[2]. فقال: ما بيني و بينها ما ينكر، و إنما كنت أتحدث إليها كما يتحدّث الرجل الكريم إلى المرأة الحرّة الكريمة، فأمّا الريبة فحاش للّه منها. ثم عاود محادثتها؛ فانتهبوا ماله و طردوه. فأتى محمّد بن مروان بن الحكم و هو يومئذ يتولّى الجزيرة لأخيه عبد الملك بن مروان، فأتاه مستعديا على بني عامر و على الّذي أخذ ماله خصوصيّة[3]، و هو رجل من بني كلاب يقال له ابن الحسام، و أنشده قوله:

عفا يافع من أهله فطلوب # و أقفر لو كان الفؤاد يثوب‏[4]

وقفت بها من بعد ما حلّ أهلها # نصيبين و الرّاقي الدموع طبيب

و قد لاح معروف القتير و قد بدت # بك اليوم من ريب الزمان ندوب‏[5]

و سالمت روحات المطيّ و أحمدت # مناسم منها تشتكي و صلوب‏[6]

/و ما القلب أم ما ذكره أمّ صبية # أريكة منها مسكن فهروب‏[7]

حصان الحميّا حرة حال دونها # حليل لها شاكي السلاح غضوب‏[8]

شموس، دنوّ الفرقدين اقترابها، # لغيّ مقاريف الرجال سبوب‏[9]

أ حقّا عباد اللّه أن لست ناظرا # إلى وجهها إلا عليّ رقيب

عدتني العدا عنها بعيد تساعف # و ما أرتجي منها إليّ قريب‏[10]

لقد أحسنت جمل لو أنّ تبيعها # إذا ما أرادت أن تثيب يثيب‏[11]

تصدّين حتّى يذهب اليأس بالمنى # و حتّى تكاد النفس عنك تطيب‏

[1]المجاور: الجار و لو من بعد. و المنازل: الّذي ينزل بجانب بيتك. و الملازم: الّذي لا ينقطع عن البقاء في المنزل الّذي يجاور من يهواه.

[2]يقال ائذن بهذا الأمر، أي اعلمه.

[3]الخصوصية بفتح الخاء و ضمها: اسم من خصه يخصه، أي خاصة.

[4]يافع: مكان. و طلوب: علم لقليب عن يمين سميراء في طريق الحاج، طيب الماء قريب الرشاء. عن «معجم البلدان لياقوت» . و قال أبو عبيد البكري: إنه من مياه بني عوف بن عقيل.

[5]معروف القتير: هو الشيب الّذي لا يمكن نكرانه. و لاح: ظهر. و الندوب آثار الجروح على الجلد.

[6]المراد من سالمت روحات المطي: أنها سلمت من عنائها في الغدو و الرواح. و أحمدت: حمدت و أثنت. و المناسم: جمع منسم بفتح الميم و كسر السين: خف البعير. و الصلوب بضم الصاد كما ورد في الأصول لم يعثر عليه في المعاجم، و هو جمع قياسي للصلب، و الصلب يبدأ من الكاهل إلى أصل الذنب أي المؤخر.

[7]ما: اسم استفهام. و أم: حرف عطف. و أريكة: اسم جبل بالبادية. و قال الأصمعي أريكة: ماء لبني كعب ( «معجم البلدان» جـ 1 ص 212) . و هروب: من قرى صنعاء باليمن.

[8]الحصان: العفيفة أو المتزوّجة. و الحميا: الحوزة و الجانب.

[9]الشموس: الجامحة. و مقاريف الرجال: المتهمون. و السبوب: من السب و الطعن.

[10]التساعف: الدنو و القرب و الإقبال الشديد.

[11]التبيع: المولى و الناصر. و تثيب: تعطف.

51

-هذا البيت يروى لابن الدّمينة، و هو بشعره أشبه، و لا يشاكل أيضا هذا المعنى و لا هو من طريقه؛ لأنه تشكى في سائر الشعر قومها دونها، و هذا بيت يصف فيه الصدّ منها، و لكن/هكذا هو في رواية ابن الأعرابي-

و أنت المنى لو كنت تستأنفيننا # بخير و لكن معتفاك جديب‏[1]

أ يؤكل مالي و ابن مروان شاهد # و لم يقض لي و ابن الحسام قريب

فتى محض أطراف العروق مساور # جبال العلا طلق اليدين و هوب‏[2]

فأمر محمّد بن مروان بإحضار ابن الحسام الكلابي فأحضر، فحبسه حتى ردّ مال العجير، و أمر العجير بالانصراف إلى حيّه و ترك النزول على المرأة أو في قومها. قال: و قال العجير فيها أيضا:

/

هاتيك جمل بأرض لا يقرّبها # إلاّ هبلّ من العيدي معتقد[3]

و دونها معشر خزر عيونهم # لو تخمد النار من حرّ لما خمدوا[4]

عدّوا علينا ذنوبا في زيارتها # ليحجبوها و في أخلاقهم نكد[5]

و حال من دونها شكس خلائقه # كأنّه نمر في جلده الرّبد[6]

فليس إلا عويل كلما ذكرت # أو زفرة طالما أنّت بها الكبد

و تيّمتني جمل فاستمرّ بها # شحط من الدار لا أمّ و لا صدد[7]

قالوا غداة استقلت: ما لمقلته # أ من قذى هملت أم عارها رمد[8]

فقلت لا بل غدت سلمى لطيّتها # فليتهم مثل وجدي بكرة وجدوا[9]

إن كان وصلك أبلى الدّهر جدّته # و كلّ شي‏ء جديد هالك نفد[10]

فقد أراني و وجدي إذ تفارقني # يوما كوجد عجوز درعها قدد[11]

تبكي على بطل حمّت منيته # و كان واتر أعداء به ابتردوا[12]

و قد خلا زمن لو تصرمين له # وصلي لأيقنت أنّي ميّت كمد[13]

[1]تستأنفيننا: تعودين إلينا بخير و تجدّدين العودة. و المعتفى: الموضع الّذي يطلب فيه الحاجة.

[2]محض أطراف العروق: خالص الأصول طاهرها. و المساور: المواثب. و في بعض الأصول «حبال» بالحاء، أما في ط فبالجيم.

[3]الهبل: الضخم أو الطويل يقال بكسر الهاء و الباء، و بكسرها مع فتح الباء. و العيدي: منسوب إلى فحل معروف منجب، و يقال النجائب العيدية. و المعتقد: الموثق الظهر الصبور الشديد الصلب.

[4]خزر العيون: جمع أخزر، و هو ضيق العين، كناية عن العداوة.

[5]النكد: الشح و العسر و البخل.

[6]الشكس: الصعب. الربد: جمع ربدة، و هو السواد المنقطع فيه احمرار، أو الغبرة.

[7]الشحط: البعد. و الأم: القصد. و في الأصول: «أيم» . و الصدد: القرب. يريد أن المسافة بعيدة و أنها أرض لا يسهل قطعها.

[8]هملت: فاضت و دام نزول دمعها. و عارها: أصابها.

[9]طيتها: وجهها الّذي تريده و نيتها الّتي انتوتها. و الطبية: الحاجة و الوطر و تكون منزلا منتوى. و جدوا بفتح الجيم: اعتراهم الوجد، و هو الحب الشديد.

[10]نفد بالتحريك. و في ط بكسر الفاء، و هو: الفاني.

[11]القدد: القطع، جمع قدة بالكسر.

[12]حمت: نزلت. و الواتر: المفزع المدرك الأعداء. و ابتردوا، معناه في الأصل: صبوا على أجسامهم الماء أو شربوه، أي أثلجت قلوبهم لموته.

[13]من الكمد، و هو الحزن الشديد.

52

/

أزمان تعجبني جمل و أكتمه # جملا حياء، و ما وجد كما أجد

فقد برئت على أني إذا ذكرت # ينهلّ دمعي و تحيا غصّة تلد[1]

من عهد سلمى الّتي هام الفؤاد بها # أزمان أزمان سلمى طفلة رؤد[2]

قد قلت للكاشح المبدي عداوته # قد طالما كان منك الغشّ و الحسد

ألا تبيّن لي لا زلت تبغضني # حتّام أنت إذا ما ساعفت ضمد[3]

وصية عبد الملك لمؤدب ولده أن يرويهم مثل قول العجير

و قال ابن حبيب: قال عبد الملك لمؤدّب ولده: إذا روّيتهم شعرا فلا تروّهم إلاّ مثل قول العجير السلولي:

يبين الجار حين يبين عنّي # و لم تأنس إليّ كلاب جاري

و تظعن جارتي من جنب بيتي # و لم تستر بستر من جداري‏[4]

و تأمن أن أطالع حين آتي # عليها و هي واضعة الخمار

كذلك هدي آبائي قديما # توارثه النّجار عن النّجار

فهديي هديهم و هم افتلوني # كما افتلي العتيق من المهار[5]

/و قال ابن حبيب أيضا: نزل العجير بقوم فأكرموه و أطعموه و سقوه، فلما سكر قام إلى جمله فعقره، و أخرج كبده و جبّ سنامه، فجعل يشوى و يأكل و يطعم و يغني:

علّلاني إنما الدنيا علل # و اسقياني عللا بعد نهل‏[6]

و انشلا لي اللحم من قدريكما # و اصبحاني أبعد اللّه الجمل‏[7]

فلما أفاق سأل عن جمله فأخبر ما صنع به، فجعل يبكي و يصيح: وا غربتاه!و هم يضحكون منه. ثم أعطوه جملا و زوّدوه، فانصرف حتّى لحق بقومه.

أخبرني عمّي بهذا الخبر قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثنا الحكم بن موسى بن الحسين بن يزيد السلولي قال: حدّثني أبي عن عمّه فقال فيه:

مر العجير بفتيان من قومه يشربون نبيذا لهم فشرب معهم، و ذكر باقي القصّة نحوا مما ذكر ابن حبيب، و لم يقل فيها: -فلما أصبح جعل يبكي و يصيح: وا غربتاه!-و لكنه قال: فلمّا أصبح ساق قومه إليه ألف بعير مكان بعيره.

[1]ينهل دمعي: يشتدّ انصبابه. و الغصة: ما يعترض في الحلق و يدفع بالماء. قال الشاعر:

لو بغير الماء حلقي شرق # كنت كالغصان بالماء اعتصاري‏

و تلد بفتح التاء و اللام، و هي لغة في التلاد، و هو القديم.

[2]الرؤد: الشابة الحسنة. و انظر ما مضى من الكلام على تكرار الظرف في حواشي ص 68.

[3]الضمد، يقال ضمد فلان على فلان: حقد عليه.

[4]في ط «حذار» بالحاء بدل الجيم.

[5]افتلوني، يقال فلا الصبي و المهر فلوا و أفلاه و افتلاه: عزله عن الرضاع و فصله. و افتليته: فطمته أي: فطموني عن جهل الصبا و عقلت. و العتيق: الفرس الرائع الكريم. و المهار، بكسر الميم: جمع مهر بالضم، و هو ولد الفرس.

[6]عللاني: أشغلاني بطعام و حديث و نحوهما. و العلل: الشرب الثاني. و النهل: الشرب الأوّل.

[7]انشلاه: أخرجاه باليد من غير مغرفة. اصبحاني: اسقياني الصبوح من لبن النوق.

53

سليمان بن عبد الملك يعجب بشعر العجير و يأمر له بثلاثين ألفا ردها على قومه و وهبها لهم‏

أخبرني عمّي و حبيب بن نصر المهلبيّ قالا: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني الحكم بن موسى بن الحسين السلولي قال: حدّثني أبي عن عمه قال: عرض العجير لسليمان بن عبد اللّه و هو في الطواف، و على العجير بردان يساويان مائة و خمسين دينارا، فانقطع شسع‏[1]نعله فأخذها بيده، ثم هتف بسليمان فقال:

و دلّيت دلوي في دلاء كثيرة # إليك فكان الماء ريّان معلما[2]

/فوقف سليمان ثم قال: للّه درّه ما أفصحه، و اللّه ما رضي أن قال ريان حتى قال معلما، و اللّه إنه ليخيّل إليّ أنه العجير، و ما رأيته قط إلا عند عبد الملك. فقيل له: هو العجير. فأرسل إليه: أن صر إلينا إذا حللنا. فصار إليه، فأمر له بثلاثين ألفا و بصدقات قومه، فردّها العجير عليهم و وهبها لهم.

رثاء العجير لابن عمه‏

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدّثني هارون بن موسى الفروي‏[3]قال: كان ابن عم للعجير السّلولي إذا سمع بأضياف عند العجير لم يدعهم حتى يأتي بجزور كوماء[4]، فيطعن في لبّتها عند بيته، فيبيتون في شواء و قدير[5]، ثم مات، فقال العجير يرثيه:

تركنا أبا الأضياف في ليلة الصّبا # بمرّ و مردي كل خصم يجادله‏[6]

و أرعيه سمعي كلّما ذكر الأسى # و في الصّدر مني لوعة ما تزايله

و كنت أعير الدّمع قبلك من بكى # فأنت على من مات بعدك شاغله‏

هكذا ذكر هارون بن موسى في هذا الخبر، و البيت الثالث من هذه الأبيات للشّمردل بن شريك لا يشكّ فيه، من قصيدة له طويلة. فيه غناء قد ذكرته في أخباره.

صوت‏

فتاة كأن رضاب العبير # بفيها يعلّ‏[7]به الزنجبيل

قتلت أباها على حبّها # فتبخل إن بخلت أو تنيل‏

الشعر لخزيمة بن نهد، و الغناء لطويس. خفيف رمل بالبنصر عن يحيى المكيّ.

[1]الشسع: قبال النعل، و القيال ككتاب: زمام بين الإصبع الوسطى و الّتي تليها.

[2]الريان: الكثير. المعلم: ما فيه علامة، أراد أنه مشهور معروف.

[3]الفروي: نسبة إلى جد له يقال له «أبو فروة» .

[4]الكوماء: الناقة العظيمة السنام.

[5]القدير: ما يطبخ في القدر.

[6]مر، بفتح الميم: ماءة لبني أسد مات بها جابر بن زيد، و هو ابن عم العجير. انظر «معجم البلدان» (مر) حيث أنشد المرثية. و في بعض الأصول: «بصر» تحريف. و مردى الخصومة و الحرب: الصبور عليهما.

[7]يعل به: يخلط.

54

6-أخبار خزيمة بن نهد و نسبه‏

أخبار خزيمة و نسبه‏

هو خزيمة بن نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. شاعر مقل من قدماء الشعراء في الجاهلية. و فاطمة الّتي عناها في شعره هذا: فاطمة بنت يذكر بن عنزه بن أسد بن ربيعة بن نزار، كان يهواها فخطبها من أبيها فلم يزوّجه إياها، فقتله غيلة. و إياها عني بقوله:

إذا الجوزاء أردفت الثّريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا[1]

خزيمة يشبب بفاطمة بنت يذكر بن عنزة

أخبرني بخبره محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا عبيد اللّه بن سعد الزبيري قال: حدّثني عمّي قال حدّثني أبي -أظنه عن الزهري-قال: كان بدء تفرّق بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام عن تهامة و نزوعهم عنها إلى الآفاق، و خروج من خرج منهم عن نسبه، أنه كان أوّل من ظعن عنها و أخرج منها قضاعة بن معدّ. و كان سبب خروجهم أن خزيمة بن نهد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة بن معدّ كان مشئوما فاسدا، متعرّضا للنساء، فعلق فاطمة بنت يذكر بن عنزة-و اسم يذكر عامر-فشبب بها و قال فيها:

إذا الجوزاء أردفت الثريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا

و حالت دون ذلك من همومي # هموم تخرج الشجن الدّفينا/

أرى ابنة يذكر ظعنت، فحلّت # جنوب الحزن يا شحطا مبينا[2]

مقتل يذكر بن عنزة و إشعاله الشربين قضاعة و نزار

قال: فمكث زمانا، ثم إن خزيمة بن نهد قال ليذكر بن عنزة: أحب أن تخرج معي حتى نأتي بقرظ. فخرجا جميعا، فلما خلا خزيمة بن نهد بيذكر بن عنزة قتله، فلما رجع-و ليس هو معه-سأله عنه أهله، فقال: لست أدري، فارقني و ما أدري أين سلك. فكان في ذلك شرّ بين قضاعة و نزار ابني معد، و تكلموا فيه فأكثروا، و لم يصحّ على خزيمة عندهم شي‏ء يطالبون به، حتى قال خزيمة بن نهد:

فتاة كأنّ رضاب العبير # بفيها يعلّ به الزنجبيل‏[3]

قتلت أباها على حبّها # فتبخل إن بخلت أو تنيل‏

[1]الجوزاء: برج في السماء. أردفت الثريا: ردفتها و تلتها، و ذلك يكون في شدّة الحرّ فتكبد السماء في آخر الليل، و عند ذلك تنقطع المياه و تجف و يتفرق الناس في طلبها. و ظنه محتمل أمرين: أن تكون مجاورة له، فهي حينئذ تفارقه مع أهلها لطلب الماء. و قد تكون في موطن آخر، فهو متوقع أن يجمع بينهما ماء من المياه. انظر «الأزمنة و الأمكنة» (2: 130-131) .

[2]ظعنت: رحلت. و الحزن: ما غلظ من الأرض. و الشحط المبين: البعد الفني.

[3]بهامش ط: «العصير» . ـ