الأغاني - ج14

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
512 /
251

الجزء الرابع عشر

مقدمة التحقيق‏

بيان‏

رأت دار الكتب المصرية أن تستعين بنخبة من جهابذة العلماء المتضلعين في فنون العربية و آدابها و تاريخها لإنجاز الكتب الّتي تقوم بتحقيقها و إخراجها من ذخائر التراث العربي القديم، و عهدت بالجزء الرابع عشر من كتاب الأغاني إلى العلامة الجليل الأستاذ أحمد زكي صفوت وكيل كلّيّة دار العلوم سابقا، فقام سيادته بهذا العمل، و بذل أوسع الجهد في تحقيقه و مراجعته على النّسخ الّتي رجعت إليها الدار في تحقيق الأجزاء السابقة، و هي:

أ، ب، ج، س؛ و قد سبق وصفها في مقدّمة الجزء الأوّل.

ط؛ و قد سبق وصفها في مقدّمة الجزء الثاني.

ثم حصلت الدار أخيرا على أجزاء متفرّقة من هذا الكتاب، من مكتبتي ميونيخ و توبنجن بألمانيا، فقام موظّفو قسم حماية التراث بمقابلتها على ما يوافق هذا الجزء منها؛ و بيانها:

1-جزء مصوّر في مجلدين، محفوظ بدار الكتب المصرية برقم 24658 ز؛ مأخوذ عن أصله المحفوظ بمكتبة ميونيخ، برقم 470؛ مكتوب بخط نسخ جليّ؛ بقلم مسعود بن محمّد بن غازي، في السابع عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة و ستمائة. و جميع الأبيات الّتي ترد في أوّل الصفحة و آخرها، و كذلك البيت الأوّل في كل صوت؛ مكتوبة بالخط الثلث الغليظ؛ و بأوّل الجزء ثبت بأسماء التراجم الّتي تبدأ ببقية أخبار عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ‏[1]؛ و ينتهي بآخر أخبار مقتل ابني عبيد اللّه بن العباس‏[2].

و يقع في 290 لوحة، و مسطرته من 15-19 سطرا. و قد أعطى هذا الجزء رمز «مب» .

2-جزء مصوّر في مجلد واحد، محفوظ بدار الكتب المصرية برقم 24664 ز، مأخوذ عن أصله المحفوظ بمكتبة ميونيخ برقم 480، و هو بخط مغربيّ و ليس به تاريخ. و يبتدئ ببقية أخبار عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ، و ينتهي بوقفة قلم عند البيت:

أبعد نديميّ اللّذين بعاقل # بكيتهما حولا مدى أتوجّس‏

في أثناء خبر قس‏[3]بن ساعدة الإياديّ.

و بأوّله ثبت بأسماء المترجمين في هذا الجزء، من بقية أخبار عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ، إلى أخبار قسّ بن ساعدة.

[1]طبعة الدار 14: 228.

[2]طبعة بولاق 15: 48.

[3]طبعة بولاق 14: 43.

252

و يقع في 165 لوحة، و مسطرته 17 سطرا، و قد أعطى هذا الجزء رمز «مط» .

3-جزء في مجلد واحد، مصوّر بدار الكتب المصرية برقم 23063 ز، مأخوذ عن أصله المحفوظ بمكتبة توبنجن، برطم 7397 (أهلوارد) ، يبدأ أوّله ببقية أخبار عبد اللّه بن الزّبير الأسديّ. و به نقص من آخره عن نسخة «مب» مقداره صفحة. مكتوب بقلم تعليق. و يبدو من بعض التصويبات الّتي بحواشيه، أنه مقابل على نسخة أخرى؛ و يقع في 210 لوحة، و مسطرته 24 سطرا. و قد أعطي هذا الجزء رمز «ها» .

253

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-أخبار الحصين بن الحمام و نسبه‏

نسبه‏

هو الحصين بن الحمام بن ربيعة بن مساب‏[1]بن حرام بن واثلة[2]بن سهم بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الرّيث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار.

مكانته في قومه‏

أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

كان الحصين بن الحمام سيّد بني سهم بن مرّة. و كان خصيلة بن مرّة و صرمة بن مرّة و سهم بن مرّة أمهم جميعا حرقفة[3]بنت مغنم بن عوف بن بليّ بن عمرو بن/الحاف‏[4]بن قضاعة، فكانوا يدا واحدة على من سواهم، و كان حصين ذا رأيهم و قائدهم و رائدهم. و كان يقال له: مانع الضّيم‏[5].

وفود ابنه على معاوية

و حدّثني جماعة من أهل العلم أنّ ابنه أتى باب معاوية بن أبي سفيان فقال لآذنه: استأذن لي على أمير المؤمنين و قل: ابن مانع الضيم، فاستأذن له؛ فقال له معاوية: ويحك!لا يكون هذا إلا ابن عروة بن الورد العبسيّ، أو الحصين بن الحمام المرّيّ، أدخله. فلمّا دخل إليه قال له: ابن من أنت؟قال: أنا ابن مانع الضيم الحصين بن الحمام؛ فقال: صدقت، و رفع مجلسه و قضى حوائجه.

حرب قومه بني سهم بن مرة مع بني صرمة بن مرة

أخبرني ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

كان ناس من بطن من قضاعة يقال لهم: بنو سلامان بن سعد بن زيد بن الحاف بن قضاعة. و بنو سلامان بن [1]مساب: جاء في «خزانة الأدب» مضبوطا بالعبارة قال: «مساب بضم الميم و تخفيف السين» و جاء مضبوطا بالشكل بفتح الميم في كتاب «أشعار الحماسة» شرح التبريزي طبع أوربة ص 187، و لم يرد في المعجمات اللغوية الّتي بأيدينا.

[2]ورد هذا الاسم في الأصول «واثلة» بالثاء؛ و التصويب من «تاج العروس» (مستدرك مادة وأل ) .

[3]في ب، س: «حرقلة» و في جـ: «حرقفة» و كذا في «مختار الأغاني» الكبير لابن المكرم صاحب «لسان العرب» (نسخة مصوّرة بدار الكتب المصرية) ج 3 ص 403. و في «أشعار الحماسة» طبع أوربة ص 190: «حرقفة البلوية» مضبوطا بهذا الضبط بالشكل -و البلوية نسبة إلى جدها بليّ-و لم يرد في المعجمات.

[4]الحاف؛ أصله الحافي، و هو مما حذفت العرب ياءه اجتزاء بالكسرة، كما قالوا العاص بن أمية بن عبد شمس، و العاص بن وائل السهمي، و حذيفة بن اليمان؛ و الأصل العاصي و اليماني.

[5]كذا في ب، س، و في حـ: «و كان حصين ذا رأيهم و رائدهم. قال أبو حاتم قال أبو عبيدة قال أبو عمرو: كان الحصين بن الحمام سيد بني سهم بن مرة، و كان يقال له مانع الضيم» .

254

سعد إخوة عذرة بن سعد، و كانوا حلفاء لبني صرمة بن مرّة و نزولا فيهم. و كان الحرقة[1]و هم بنو حميس بن عامر بن جهينة حلفاء لبني سهم بن مرّة، و كانوا قوما/يرمون بالنّبل رميا سديدا[2]، فسمّوا الحرقة لشدّة قتالهم.

و كانوا نزولا في حلفائهم بني سهم بن مرّة. و كان في بني صرمة يهوديّ من أهل تيماء يقال له جهينة بن أبي حمل.

و كان في بني سهم يهوديّ من/أهل وادي القرى يقال له غصين‏[3]بن حيّ، و كانا تاجرين في الخمر[4]. و كان بنو جوشن-أهل بيت من عبد اللّه بن غطفان-جيرانا لبني صرمة، و كان يتشاءم بهم ففقدوا منهم رجلا يقال له خصيلة[5]كان يقطع الطريق وحده. و كانت أخته و إخوته يسألون الناس عنه، و ينشدونه في كل مجلس و موسم.

فجلس ذات يوم أخ لذلك المفقود الجوشنيّ في بيت غصين بن حيّ جار بني سهم يبتاع خمرا، فبينما هو يشتري‏[6] إذ مرّت أخت المفقود تسأل عن أخيها خصيلة، فقال غصين‏[7]:

تسائل عن أخيها كلّ ركب # و عند جهينة الخبر اليقين‏

فأرسلها مثلا[8]، يعني بجهينة نفسه. فحفظ الجوشنيّ هذا البيت، ثم أتاه من الغد فقال له: نشدتك اللّه و دينك هل تعلم لأخي علما؟فقال له: لا و ديني لا أعلم. فلما مضى أخو المفقود تمثّل:

/

لعمرك ما ضلّت ضلال ابن جوشن # حصاة بليل ألقيت وسط جندل‏

-أراد أن تلك الحصاة يجوز أن توجد، و أن هذا لا يوجد أبدا-فلما سمع الجوشنيّ ذلك تركه، حتى إذا أمسى أتاه فقتله. و قال الجوشني:

طعنت و قد كاد الظلام يجنّني # غصين بن حيّ في جوار بني سهم‏[9]

فأتي حصين بن الحمام‏[10]فقيل له: إنّ جارك غصينا اليهوديّ قد قتله ابن‏[11]جوشن جار بني صرمة. فقال حصين:

[1]اختلف اللغويون في ضبطه: فضبط بضم فسكون، و بضمتين، و بضم ففتح (انظر «تاج العروس» ) .

[2]في الأصول «شديدا» ، و الصواب «سديدا» ؛ كما في «مختار الأغاني الكبير» ج 3 ص 403.

[3]في ب، س «حصين» و الصواب غصين كما في جـ و «مختار الأغاني الكبير» ج 3: ص 404 و «لسان العرب» مادة جفن، و قد تكرر هذا الاسم بعد محرفا.

[4]كذا في جـ. و في ب، س: «و كان تاجرا في الخمر» .

[5]في ب، س «حصين» .

[6]في جـ و «مختار الأغاني» . «فبينما هما يشربان» .

[7]في ب، س: «جهينة» و هو تحريف.

[8]ورد في «مجمع الأمثال» للميداني (1: 394) في شرح هذا المثل ما ملخصه: أن حصين بن سبيع الغطفاني خرج مع الأخنس بن كعب الجهني و تعاقدا على السلب و النهب، و كلاهما فاتك يحذر صاحبه. و كان من أمرهما أن طلبا رجلا من لخم ليسلباه، فوجداه نازلا في ظل شجرة و قدامه طعام و شراب فنزلا به و أكلا و شربا معه. ثم إن الجهني ذهب لبعض شأنه، فرجع فرأى الحصين قد فتك باللخمي. و أراد الحصين بعد ذلك أن يتغفل صاحبه الجهني ليقتله، و لكنه فطن لما يراد به، فبادره بقتله، و احتوى على متاعه و متاع اللخمي، و انصرف راجعا إلى قومه، فإذا هو بامرأة تنشد الحصين بن سبيع، فقال لها: من أنت؟قالت: أنا صخرة امرأة الحصين، قال: أنا قتلته. فقالت: كذبت، ما مثلك يقتل مثله، أما لو لم يكن الحي خلوا ما تكلمت بهذا. ثم قال في ذلك أبياتا منها:

تسائل عن حصين كل ركب # و عند جهينة الخبر اليقين‏

اقرأ هذا الخبر أيضا و شرح المثل المذكور في «لسان العرب» مادة جفن، و فيه أنه يروى «حفينة» بالحاء، و يروى «جفينة» بالجيم.

[9]في الأصول و «مختار الأغاني» : «ظعنت» و هو تصحيف. و أجنه: ستره.

[10]في الأصول: «فقال له» و التصويب من «مختار الأغاني الكبير» .

[11]في الأصول: «أبو جوشن» و التصحيح عن «مختار الأغاني» .

255

فاقتلوا اليهوديّ الّذي في جوار بني صرمة، فأتوا جهينة بن أبي حمل فقتلوه. فشدّ بنو صرمة على ثلاثة من حميس بن عامر جيران بني سهم فقتلوهم. فقال حصين: اقتلوا من جيرانهم بني سلامان ثلاثة نفر، ففعلوا. فاستعر الشرّ بينهم. قال: و كانت بنو صرمة أكثر من بني سهم رهط الحصين بكثير. فقال لهم الحصين: يا بني صرمة، قتلتم جارنا اليهودي فقتلنا به جاركم اليهودي، فقتلتم من جيراننا من قضاعة ثلاثة نفر و قتلنا من جيرانكم بني سلامان ثلاثة نفر، و بيننا و بينكم رحم ماسّة قريبة، فمروا جيرانكم من بني سلامان فيرتحلون عنكم، و نأمر جيراننا من قضاعة فيرتحلون عنا جميعا، ثم هم أعلم. فأبى ذلك بنو صرمة، و قالوا: قد قتلتم جارنا ابن جوشن، فلا نفعل حتى نقتل مكانه رجلا من جيرانكم؛ فإنك‏[1]تعلم أنكم أقلّ منا عددا و أذلّ، و إنّما بنا تعزّون و تمنعون. فناشدهم اللّه و الرحم فأبوا. و أقبلت الخضر[2]من محارب، و كانوا في بني ثعلبة بن سعد، فقالوا: نشهد نهب/بني سهم إذا انتهبوا فنصيب منهم. و خذلت غطفان كلّها حصينا، و كرهوا ما كان من منعه جيرانه من قضاعة. و صافّهم حصين الحرب و قاتلهم و معه جيرانه، و أمرهم ألاّ يزيدوهم على النّبل، و هزمهم الحصين، و كفّ يده بعد ما أكثر فيهم القتل. و أبى ذلك البطن‏[3]من قضاعة أن يكفّوا عن القوم حتى أثخنوا فيهم. و كان سنان بن أبي حارثة[4]خذّل الناس عنه لعداوته قضاعة، و أحبّ سنان أن يهبّ الحيّان من قضاعة، و كان عيينة بن حصن و زبّان/بن سيّار بن عمرو بن جابر ممن خذّل عنه أيضا. فأجلبت بنو ذبيان على بني سهم مع بني صرمة، و أجلبت محارب بن خصفة معهم.

شعره في لوم بني عمه على تجردهم لقتاله‏

فقال الحصين بن الحمام في ذلك من أبيات:

أ لا تقبلون النّصف منّا و أنتم # بنو عمّنا!لا بلّ هامكم القطر[5]

سنأبى كما تأبون حتى تلينكم # صفائح بصرى و الأسنّة و الأصر[6]

أ يؤكل مولانا و مولى ابن عمنا # مقيم و منصور كما نصرت جسر[7]

فتلك الّتي لم يعلم الناس أنني # خنعت لها حتى يغيّبني القبر

فليتكم قد حال دون لقائكم # سنون ثمان بعدها حجج عشر[8]

/أجدّي لا ألقاكم الدهر مرّة # على موطن إلاّ خدودكم صعر[9]

[1]كذا في حـ. و في ب، س: «فإنا نعلم» .

[2]في الأصول «الحضر» بالحاء؛ و هو تصحيف. و الصواب الخضر، و هم بطن من قيس عيلان سموا بذلك لخضرة ألوانهم. و قد رأيته بعد في «مختار الأغاني الكبير» ج 3: ص 405 قال: «و أقبلت الحضر خضر محارب» .

[3]أي بنو حميس بن عامر.

[4]في الأصول «أبي جارية» و هو تصحيف.

[5]النصف: الإنصاف كالنصف محركة. و الهام: جمع هامة، و هي الرأس. يدعو عليهم بألا يمطروا.

[6]الصفائح: السيوف العريضة. بصرى: بلد بالشام من أعمال دمشق، و تنسب إليها السيوف البصرية. الأصر: الكسر و الحبس.

[7]في ب، س «نعيم» و هو تحريف، و تصويبه عن حـ و «مختار الأغاني» . المولى: الحليف و الجار. يعني حلفاءهم من بني حميس.

و مولى ابن عمنا: يعني بني سلامان حلفاء بني عمهم صرمة بن مرة. و جسر: هم جسر بن محارب بن خصفة بن قيس عيلان. و قد تقدم في القصة: أن محارب بن خصفة أجلبت مع بني صرمة على بني سهم قوم الحصين.

[8]حجج: جمع حجة بالكسر، و هي السنة.

[9]تقول العرب: أجدّي و أجدك، بالنصب و بكسر الجيم و فتحها. فمن قال: أجدك بكسر الجيم فإنه يستحلفه بجده و حقيقته، و من فتح

256

إذا ما دعوا للبغي قاموا و أشرقت # وجوههم، و الرّشد ورد له نفر[1]

فوا عجبا حتّى خصيلة أصبحت # موالي عزّ لا تحلّ لها الخمر!

-قوله: موالي عزّ، يهزأ بهم. و لا تحلّ لهم الخمر، أراد فحرّموا الخمر على أنفسهم كما يفعل العزيز، و ليسوا هناك-:

أ لمّا كشفنا لأمة الذّلّ عنكم # تجرّدت لا برّ جميل و لا شكر[2]

فإن يك ظنّي صادقا تجز منكم # جوازي الإله و الخيانة و الغدر[3]

قال: فأقاموا على الحرب و النزول على حكمهم، و غاظتهم بنو ذبيان و محارب بن خصفة. و كان رئيس محارب حميضة بن حرملة. و نكصت عن حصين قبيلتان من بني سهم و خانتاه، و هما عدوان و عبد عمرو بنا سهم، فسار حصين، و ليس معه من بني سهم إلا بنو وائله بن سهم و حلفاؤهم و هم الحرقة، و كان فيهم العدد، فالتقوا بدارة موضوع، فظفر بهم الحصين و هزمهم و قتل منهم فأكثر. و قال الحصين بن الحمام في ذلك:

انتصاره عليهم و شعره في ذلك و فخره بقومه‏

جزى اللّه أفناء العشيرة كلّها # بدارة موضوع عقوقا و مأثما[4]

بني عمّنا الأدنين منهم و رهطنا # فزارة إذا رامت بنا الحرب معظما[5]

/و لمّا رأيت الودّ ليس بنافعي # و إن كان يوما ذا كواكب مظلما[6]

صبرنا و كان الصبر منا سجيّة # بأسيافنا يقطعن كفا و معصما

نفلّق هاما من رجال أعزّة # علينا و هم كانوا أعقّ و أظلما

نطاردهم نستنقذ الجرد بالقنا # و يستنقذون السّمهريّ المقوّما[7]

-نستنقذ الجرد، أي نقتل الفارس فنأخذ فرسه. و يستنقذون السمهريّ و هو القنا الصلب، أي نطعنهم فتجرّهم الرماح-

لدن غدوة[8]حتى أتى الليل ما ترى # من الخيل‏[9]إلاّ خارجيّا مسوّما

-الجيم استحلفه بجده و هو بخته. و نصبه على المصدر، كأنه قال: أجدا منك، أو بطرح الباء و معناه أبجد هذا منك. و لا يستعمل إلا مضافا. و صعر: جمع أصعر، وصف من الصعر بالتحريك و هو ميل الخد؛ يقال: صعر خده، إذا أماله عن النظر إلى الناس تهاونا.

[1]النفر: الجماعة يتقدمون في الأمر.

[2]اللأمة: الدرع. يريد لباس الذل. تجرد للأمر: جدّ فيه، أي جددت في قتالنا.

[3]الجوازي: الجزاء، جمع جازية، مصدر على فاعلة.

[4]الأفناء من الناس: الأخلاط، واحدها فنو بالكسر أو فنا كعصا. و دارة موضوع: موضع بين ديار بني مرة و ديار بني شيبان.

[5]أي جزى اللّه بني عمنا معظما أي أمرا معظما.

[6]اسم كان ضمير اليوم، أي و إن كان اليوم يوما ذا كواكب. و يوم ذو كواكب: ذو شدائد، كأنه أظلم بما فيه من الشدائد حتى رئيت كواكب السماء.

[7]الجرد: جمع أجرد و جرداء. و فرس أجرد: قصير الشعر رقيقه، و ذلك من علامات العتق و الكرم. و السمهري: نسبة إلى سمهر، و هو رجل كان يثقف الرماح.

[8]ورد نصب غدوة بعد لدن و هو نادر، فلدن حينئذ منقطعة عن الإضافة لفظا و معنى، و غدوة بعدها منصوبة على التمييز للدن أو على أنها خبر لكان محذوفة مع اسمها أي لدن كانت الساعة غدوة. و يجوز جر غدوة بالإضافة على الأصل، و رفعها بكان تامة محذوفة.

و الغدوة: البكرة أو ما بين صلاة الفجر و طلوع الشمس.

[9]في الأصول: «من الليل» . و التصحيح عن «مختار الأغاني» و «المفضليات» و «منتهي الطلب» . و الخارجي هنا: كل ما فاق جنسه

257

و أجرد كالسّرحان يضربه النّدى # و محبوكة كالسيّد شقّاء صلدما[1]

يطأن من القتلى و من قصد القنا # خبارا فما يجرين إلا تقحّما[2]

/عليهنّ فتيان كساهم محرّق # و كان إذا يكسو اجاد و أكرما[3]

/صفائح بصرى أخلصتها قيونها # و مطّردا من نسج داود مبهما[4]

جزى اللّه عنا عبد عمرو ملامة # و عدوان سهم ما أذلّ و ألأما

فلست بمبتاع الحياة بسبّة # و لا مرتق من خشية الموت سلّما

رثاؤه نعيم بن الحارث‏

و قال أبو عبيدة:

و قتل في تلك الحرب نعيم بن الحارث بن عباد بن حبيب بن وائلة بن سهل، قتلته بنو صرمة يوم دارة موضوع، و كان وادّا للحصين فقال يرثيه:

قتلنا خمسة و رموا نعيما # و كان القتل للفتيان زينا

لعمر الباكيات على نعيم # لقد جلّت رزيّته علينا

فلا تبعد نعيم فكلّ حيّ # سيلقى من صروف الدهر حينا[5]

لومه بني حميس حين فارقوا قومه‏

قال أبو عبيدة:

ثم إن بني حميس كرهوا مجاورة بني سهم ففارقوهم و مضوا، فلحق بهم الحصين بن الحمام فردّهم و لامهم على كفرهم نعمته و قتاله عشيرته عنهم، و قال في ذلك:

إنّ امرأ بعدي تبدّل نصركم # بنصر بني ذبيان حقّا لخاسر[6]

-و نظائره. و الخيل المسومة: الّتي عليها سمة أي علامة تعرف بها، و المرسلة عليها ركبانها.

[1]السرحان: الذئب، و كذا السيد. و المحبوك: الفرس الشديد الخلق القويّ. و الأشق من الحيل: ما يشتق في عدوه و يذهب يمينا و شمالا كأنه يميل في أحد شقيه، و الطويل. يقال: فرس أشق، و الأنثى شقاء. و في ب، س: «نيقا» و هو تحريف، و الصلدم:

الصلب، و الشديد الحافر.

[2]انقصد الرمح: انكسر نصفين حتى يبين، و كل قطعة قصدة بالكسر و الجمع قصد. و الخبار من الأرض: ما لان و استرخى و كانت فيه أحجار، و في ب، س: «جيادا» ، و في جـ «شريحا» و هو تحريف. و تقحم الأمر: رمى بنفسه فيه، و في «المفضليات» و «منتهى الطلب» : «إلا تجشما» .

[3]محرق: لقب الحارث بن عمرو ملك الشام من آل جفنة. و إنما سمي بذلك لأنه أوّل من حرق العرب في ديارهم. فهم يدعون آل محرق؛ و هو أيضا لقب عمرو بن هند لأنه حرق مائة من بني تميم.

[4]في ب، س: «محكما» . و القيون: جمع قين بالفتح، و هو الحداد. و مطردا: أي و درعا مطردا (و الدرع قد تذكر) و اطرد الشي‏ء: تبع بعضه بعضا، و اطرد الأمر: استقام. و المعنى تتابعت حلقاتها و اتصلت، و مبهما: لا مأتى له و لا ثلم فيه.

[5]فلا تبعد: فلا تهلك. و الحين: الموت.

[6]في البيت خرم.

258

أولئك قوم لا يهان ثويّهم # إذا صرّحت كحل و هبّ الصّنابر[1]

/و قال لهم أيضا:

ألا أبلغ لديك أبا حميس # و عاقبة الملامة للمليم‏[2]

فهل لكم إلى مولى نصور # و خطبكم من اللّه العظيم

فإنّ دياركم بجنوب بسّ # إلى ثقف إلى ذات العظوم‏[3]

-بسّ: بناء بنته غطفان شبّهوه بالكعبة، و كانوا يحجّونه و يعظّمونه و يسمّونه حرما، فغزاهم زهير بن جناب الكلبيّ فهدمه-

غذتكم في غداة الناس حجّا # غذاء الجائع الجدع اللئيم‏[4]

فسيروا في البلاد و ودّعونا # بقحط الغيث و الكلإ الوخيم‏

قوله في بني حميس أيضا يلومهم و يذكر يده عليهم‏

قال أبو عبيدة: قال عمرو:

زعموا أن المثلّم بن رباح قتل رجلا يقال له حباشة في جوار الحارث بن ظالم المرّي، فلحق المثلّم بالحصين بن الحمام، فأجاره. فبلغ ذلك الحارث بن ظالم، فطلب الحصين بدم حباشة، فسأل في قومه و سأل في بني حميس جيرانه فقالوا: إنّا لا نعقل‏[5]بالإبل، و لكن إن شئت أعطيناك الغنم. فقال في ذلك و في كفرهم نعمته:

/

خليليّ لا تستعجلا أن تزوّدا # و أن تجمعا شملي و تنتظرا غدا

فما لبث يوما بسائق مغنم # و لا سرعة يوما بسابقة غدا[6]

و إن تنظراني اليوم أقض لبانة # و تستوجبا منّا عليّ و تحمدا[7]

لعمرك إنّي يوم أغدو بصرمتي # تناهى حميس بادئين و عوّدا[8]

[1]الثوي: الضيف. كحل: السنة المجدبة (تصرف و لا تصرف) و يقال: صرحت كحل، إذا لم يكن في السماء غيم. و الصنابر: الرياح الباردة.

[2]ألام: أتى ما يلام عليه.

[3]في ب، س: «لبس» و التصحيح عن حـ و «معجم البلدان» في الكلام على «ثقف» ج 3: 19-قال في «القاموس المحيط» : «بس:

بيت لغطفان بناه ظالم بن أسعد لما رأى قريشا يطوفون بالكعبة، و يسعون بين الصفا و المروة، فذرع البيت و أخذ حجرا من الصفا و حجرا من المروة و رجع إلى قومه و بنى بيتا على قدر البيت و وضع الحجرين فقال: هذان الصفا و المروة، فاجتزءوا به عن الحج.

فأغار زهير بن جناب الكلبي فقتل ظالما و هدم بناءه» . و ثقف و ذات العظوم: موضعان.

[4]في الأصول: «غدتكم في غدا الناس حجنا: غداء» و هو تحريف، و حجا بالضم (و بكسر أيضا) جمع حاج مثل بازل و بزل. و الجدع:

السيئ الغذاء.

[5]عقل القتيل: دفع ديته.

[6]اللبث بالتحريك: المكث و الإبطاء كاللبث بفتح اللام و ضمها. و يلاحظ أن هنا إيطاء.

[7]أنظره: أخره و أمهله. و اللبانة: الحاجة.

[8]الصرمة: القطعة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين؛ و قيل غير ذلك. تناهى: كف، أي كف بنو حميس عن معاونتنا في إبل الدية، أو معناه: تناهى بنو حميس أي نهى بعضهم بعضا عن معاونتنا في ذلك فكفوا. ـ

259

و قد ظهرت منهم بوائق جمّة # و أفرع مولاهم بنا ثم أصعدا[1]

و ما كان ذنبي فيهم غير أنّني # بسطت يدا فيهم و أتبعتها يدا

و أني أحامي من وراء حريمهم # إذا ما المنادي بالمغيرة ندّدا[2]

/إذا الفوج لا يحميه إلاّ محافظ # كريم المحيّا ماجد غير أجردا

فإن صرّحت كحل و هبّت عريّة # من الرّيح لم تترك لذي العرض مرفدا[3]

صبرت على وطء الموالي و خطبهم # إذا ضنّ ذو القربى عليهم و أجمدا[4]

الحصين و البرج بن الجلاس‏

أخبرني ابن دريد قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

كان البرج بن الجلاس الطائيّ خليلا للحصين بن الحمام و نديما له على الشراب، و فيه يقول البرج بن الجلاس:

/

و ندمان يزيد الكأس طيبا # سقيت و قد تغوّرت النجوم‏[5]

رفعت برأسه فكشفت عنه # بمعرقة ملامة من يلوم‏[6]

و نشرب ما شربنا ثم نصحوا # و ليس بجانبي خدّي كلوم

و نجعل عبأها لبني جعيل # و ليس إذا انتشوا فيهم حليم‏[7]

كانت للبرج أخت يقال لها العفاطة[8]، و كان البرج يشرب مع الحصين ذات يوم فسكر و انصرف إلى أخته فافتضّها، و ندم على ما صنع لمّا أفاق، و قال لقومه: أيّ رجل أنا فيكم؟قالوا: فارسنا و أفضلنا و سيّدنا. قال: فإنه إن علم بما صنعت أحد من العرب أو أخبرتم به أحدا ركبت رأسي فلم تروني أبدا، فلم يسمع بذلك أحد منهم. ثم إن أمة لبعض طيئ وقعت إلى الحصين بن الحمام، فرأت عنده البرج الطائي يوما و هما يشربان. فلما خرج من عنده قالت للحصين: إنّ نديمك هذا سكر عندك ففعل بأخته كيت و كيت، و أوشك أن يفعل ذلك بك كلّما أتاك فسكر عندك. فزجرها الحصين و سبّها، فأمسكت. ثم إنّ البرج بعد ذلك أغار على جيران الحصين بن الحمام من الحرقة فأخذ أموالهم، و أتى الصّريخ‏[9]الحصين بن الحمام، فتبع القوم، فأدركهم، فقال للبرج: ما صبّك على جيراني يا برج؟فقال له: و ما أنت و هم هؤلاء من أهل اليمن و هم منّا، و أنشأ يقول:

[1]بوائق: جمع بائقة، و هي الداهية. و أفرع بهم: نزل.

[2]بالمغيرة: أي بالخيل المغيرة أي بركابها. و ندّد: رفع صوته.

[3]العرية: الريح الباردة. و العرض: السعة. و المرفد بفتح الميم و ضمها: المعونة.

[4]وطئه: داسه. و خطبهم: حالهم و شأنهم. المجمد: البخيل.

[5]تغور النجم و غار: غاب.

[6]بمعرقة: أي بخمر معرقة؛ يقال: أعرق الشراب: جعل فيه عرقا من الماء: أي قليلا.

[7]انتشى: سكر.

[8]كذا في ب، س، و في جـ «القفاطة» .

[9]الصريخ هنا: المستغيث.

260

/

أنّى لك الحرقات فيما بيننا! # عنن بعيد منك يا ابن حمام‏[1]

أقبلت تزجي ناقة متباطئا # علطا تزجّيها بغير خطام‏

تزجي: تسوق، علطا: لا خطام عليها و لا زمام، أي أتيت هكذا من العجلة-فأجابه الحصين بن الحمام:

برج يؤثّمني و يكفر نعمتي # صمّي لما قال الكفيل صمام‏[2]

مهلا أبا زيد فإنّك إن تشأ # أوردك عرض مناهل أسدام‏[3]

أوردك أقلبة إذا حافلتها # خوض القعود خبيئة الأخصام‏[4]

أقبلت من أرض الحجاز بذمّة # عطلا أسوّقها بغير خطام‏[5]

في إثر إخوان لنا من طيئ # ليسوا بأكفاء و لا بكرام

لا تحسبنّ أخا العفاطة أنني # رجل بخبرك ليس بالعلاّم‏[6]

فاستنزلوك و قد بللت نطاقها # عن بنت أمّك و الذيول دوامي‏[7]

/ثم ناصب الحصين بن الحمام البرج الحرب، فقتل من أصحاب البرج عدّة و هزم، سائرهم، /و استنقذ ما في أيديهم، و أسر البرج، ثم عرف له حقّ ندامه و عشرته إياه فمنّ عليه و جزّ ناصيته و خلّى سبيله. فلما عاد البرج إلى قومه و قد سبّه الحصين بما فعل بأخته لامهم و قال: أشعتم ما فعلت بأختي و فضحتموني، ثم ركب رأسه و خرج من بين أظهرهم فلحق ببلاد الروم، فلم يعرف له خبر إلى الآن.

و قال ابن الكلبيّ: بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته.

غارته على بني عقيل و بني كعب و شعره في ذلك‏

أخبرني ابن دريد قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

جمع الحصين بن الحمام جمعا من بني عديّ ثم أغار على بني عقيل و بني كعب فأثخن فيهم و استاق نعما كثيرا و نساء، فأصاب أسماء بنت عمرو سيّد بني كعب فأطلقها و منّ عليها، و قال في ذلك:

[1]أنى لك الحرقات: أي من أين لك قرابتهم. عنّ الشي‏ء عننا: ظهر أمامك و عرص. أي إن ما عنّ لك في هذا الشأن بعيد و باطل.

[2]أثمه تأثيما: قال له أثمت. الكفيل هنا: الّذي لا يثبت على ظهر الدابة (انظر «تاج العروس» ) و من أمثال العرب: صمى صمام، و الخطاب للداهية. و صمام كقطام: الداهية الشديدة. و صمى صمام أي زيدي يا داهية.

[3]العرض من النهر و البحر: وسطه. مياه أسدام: متغيرة.

[4]كذا في الأصول. و الأقلبة: جمع قليب و هي البئر. و الأخصام: جمع خصم بالضم. و خصم كل شي‏ء: طرفه و جانبه. و لعل صوابه:

أوردك أقلبة إذا ما خلتها الخ‏

و المعنى على ذلك: أوردك أقلبة خبيئة الأخصام إذا ما ظننتها سهلة الاستقاء غير شاقة كالمخاضة الّتي تخوضها القعود بسهولة، أو لعل صوابه «أوردك أقلبة أجاجا ماؤها: خوص القعور... » و خوص (بالضم) جمع خوصاء، و بئر خوصاء: بعيدة القعر لا يروي ماؤها الأنعام.

[5]بذمة: أي بناقة ذمة أي مفرطة الهزال شبه الهالكة، فهي مذمومة لأجل ذلك؛ من قولهم: بئر ذمة أي قليلة الماء مذمومة. العطل في الأصل: المرأة ليس عليها حلي، يريد أن الناقة ليس عليها زمام، أو هو «علطا» كما جاء في بيت البرج بن الجلاس السابق.

[6]الخبر: العلم بالشي‏ء. و في ب، س: «كالعلام» و هو تحريف.

[7]كذا في «مختار الأغاني الكبير» جـ 3: ص 408 و في الأصول: «من بيت أمك» و هو تصحيف.

261

فدى لبني عديّ ركض ساقي # و ما جمّعت من نعم مراح‏[1]

تركنا من نساء بني عقيل # أيامى تبتغي عقد النكاح‏[2]

أ رعيان الشّويّ وجدتمونا # أم اصحاب الكريهة و النّطاح‏[3]؟

لقد علمت هوازن أنّ خيلي # غداة النّعف صادقة الصّباح‏[4]

عليها كلّ أروع هبرزيّ # شديد حدّه شاكي السّلاح‏[5]

/فكرّ عليهم حتّى التقينا # بمصقول عوارضها صباح‏[6]

فأبنا بالنّهاب و بالسّبايا # و بالبيض الخرائد و اللّقاح‏[7]

و أعتقنا ابنة العمريّ عمرو # و قد خضنا عليها بالقداح‏

إدراكه الإسلام و شعره الدال على ذلك‏

أخبرنا ابن دريد قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة أنّ الحصين بن الحمام أدرك الإسلام. قال: و يدلّ على ذلك قوله:

و قافية غير إنسيّة # قرضت من الشّعر أمثالها[8]

شرود تلمّع بالخافقين # إذا أنشدت قيل من قالها[9]

و حيران لا يهتدي بالنهار # من الظلع يتبع ضلاّلها[10]

وداع دعا دعوة المستغيث # و كنت كمن كان لبّى لها

إذا الموت كان شجا بالحلوق # و بادرت النفس أشغالها[11]

[1]النعم: الإبل و الشاء، أو خاص بالإبل. و أراح الإبل: ردها إلى المراح (بالضم) أي المأوى.

[2]أيامى: جمع أيم كسيد، و هي من لا زوج لها بكرا أو ثيبا.

[3]الشويّ: جمع شاة.

[4]النعف: ما انحدر من حزونة الجبل و ارتفع عن منحدر الوادي، و هو هنا موضع بعينه، و صادقة الصباح أي الغارة في الصباح. و كانوا أكثر ما يغيرون عند الصباح، و يسمون يوم الغارة يوم الصباح.

[5]الأروع: من يعجبك بحسنه أو بشجاعته. و الهبرزي: المقدام. و حدّه: بأسه. و شاكي السلاح: ذو شوكة و حدّ في سلاحه.

[6]بمصقول عوارضها أي بنساء مصقول عوارضها. و العوارض: جمع عارضة، و هي صفحة الخد. و صباح: جمع صبيحة، أي جميلة وضيئة الوجه.

[7]النهاب: جمع نهب، و هو الغنيمة. و الخريد و الخريدة و الخرود: البكر لم تمسس، أو الحيية الطويلة السكوت الخافضة الصوت المتسترة، و الجمع خرائد. و اللقاح: الإبل، واحدتها لقوح كصبور.

[8]غير إنسية: يعني أنه ألهمه إياها جنيّ. و كانت العرب تزعم أن لبعض الفحول من شعرائهم شياطين يلهمونهم الشعر. ذكر صاحب «جمهرة أشعار العرب» أنه كان لعبيد بن الأبرص صاحب منهم اسمه هبيد، و للأعشى صاحب اسمه مسحل، و لامرئ القيس صاحب اسمه لافظ بن لاحظ، و للنابغة الذبياني صاحب اسمه هاذر... الخ.

[9]قافية شرود: سائرة في البلاد تشرد كما يشرد البعير. و تلمع: تبرق و أصله تتلمع فحذفت إحدى التاءين تخفيفا. و الخافقان: المشرق و المغرب.

[10]ظلع الرجل كمنع: عرج و غمز في مشيه.

[11]الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه.

262

صبرت و لم أك رعديدة # و للصّبر في الرّوع أنجى لها[1]

/و يوم تسعّر فيه الحروب # لبست إلى الرّوع سربالها[2]

مضعّفة السّرد عاديّة # و عضب المضارب مفصالها[3]

و مطّردا من ردينيّة # أذود عن الورد أبطالها[4]

فلم يبق من ذاك إلا التّقى # و نفس تعالج آجالها

أمور من اللّه فوق السماء # مقادير تنزل أنزالها[5]

أعوذ بربّي من المخزيا # ت يوم ترى النفس أعمالها

و خفّ الموازين بالكافرين # و زلزلت الأرض زلزالها

و نادى مناد بأهل القبور # فهبّوا لتبرز أثقالها

/و سعّرت النار فيها العذاب # و كان السلاسل أغلالها

موته و رثاء أخيه إياه‏

حدّثنا ابن دريد قال حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال:

مات حصين بن الحمام في بعض أسفاره، فسمع صائح في الليل يصيح لا يعرف في بلاد بني مرّة:

ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل # و من عقده حزم و عزم و نائل‏[6]

-الحلو: الجميل، و الحلال: الّذي لبس عليه في ماله عيب‏[7]. و الحلاحل: الشريف العاقل-:

و من خطبه فصل إذا القوم أفحموا # يصيب مرادي قوله من يحاول‏

/-المرادي: جمع مرادة، و هي صخرة تردى بها الصخور، أي تكسر-قال: فلما سمع أخوه معيّة بن الحمام ذلك قال: هلك و اللّه الحصين، ثم قال يرثيه:

إذا لاقيت جمعا أو فئاما # فإنّي لا أرى كأبي يزيدا[8]

أشدّ مهابة و أعزّ ركنا # و أصلب ساعة الضّرّاء عواد

صفيّي و ابن أمّي و المواسي # إذا ما النفس شارفت الوريدا[9]

[1]في جـ «و لا الصبر» و في ب، س «و الصبر» و هما تحريف. رجل رعديد و رعديدة: جبان يرعد عند القتال جبنا. و الروع: الفزع.

[2]تسعر أصله تتسعر، أي تتقد. السربال: القميص، و تطلق على الدرع كما في البيت.

[3]السرد: نسج الدرع. و مضعفة: مضاعفة. و عادية: قديمة، نسبة إلى عاد. و عضب المضارب: سيفا قاطعا. و مفصال: مبالغة في فاصل أي ماض.

[4]من ردينية أي من رماح ردينية، نسبة إلى ردينة زوجة سمهر، و كانا مثقفين للرماح. و رمح مطرد: الأنابيب و الكعوب أي مستقيمها متتابعها.

[5]أنزال جمع نزل كعنق و قفل، و هو المنزل، أي تقع مواقعها.

[6]النائل: النوال و العطاء.

[7]في ب، س «عين» و هو تحريف.

[8]الفئام: الجماعة من الناس.

[9]الصفي: الحبيب المصافي.

263

كأنّ مصدّرا يحبو ورائي # إلى أشباله يبغي الأسودا

المصدّر: العظيم الصدر، شبّه أخاه بالأسد.

صوت‏

لا أرّق اللّه عيني من أرقت له # و لا ملا مثل قلبي قلبه ترحا

يسرّني سوء حالي‏[1]في مسرّته # فكلّما ازددت سقما زادني فرحا

الشعر لمحمد بن يسير، و الغناء لأحمد بن صدقة، رمل بالوسطى.

[1]في ب، س: «من» .

264

2-أخبار محمّد بن يسير و نسبه‏

نسبه‏

محمّد بن يسير[1]الرّياشي، يقال إنه مولى لبني رياش الذين منهم العباس بن الفرج الرّياشي الأخباري الأديب، و يقال إنه منهم صلبية. و بنو رياش يذكرون أنهم من خثعم، و لهم بالبصرة[2]خطّة و هم معروفون بها، و كان محمّد بن يسير هذا شاعرا ظريفا من شعراء المحدثين، متقلّل، لم يفارق البصرة، و لا وفد إلى خليفة و لا شريف منتجعا، و لا تجاوز بلده، و صحبته طبقته، و كان ماجنا هجّاء خبيثا.

قصته مع والي البصرة

أخبرني عمي الحسن بن محمّد قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن القاسم بن عليّ بن سليمان طارمة[3]قال:

بعث إليّ محمّد بن أيّوب بن سليمان بن جعفر بن سليمان-و هو يتولّى البصرة حينئذ-في ليلة صبيحتها يوم سبت، فدخلت إليه و قد بقي من الليل ثلثه/أو أكثر[4]. فقلت له: أنمت و انتبهت أم لم تنم بعد؟فقال:

قد قضيت حاجتي من النوم، و أريد أن أصطبح‏[5]و أبتدئ الساعة بالشرب، و أصل ليلتي بيومي‏[6]محتجبا عن الناس، و عندي محمّد بن رباح، و قد وجّهت إلى إبراهيم بن رياش، و حضرت أنت، فمن ترى أن يكون خامسنا؟ قلت: محمّد بن يسير. فقال: و اللّه ما عدوت ما في نفسي. فقال لي ابن رباح: اكتب إلى محمّد بن يسير بيتين تدعوه فيهما و تصف له طبب هذا الوقت، و كان يوم غيم، و السماء تمطر مطرا غير شديد و لا متتابع؛ فكتب إليه ابن رباح:

[1]ورد اسم هذا الشاعر في نسخ «الأغاني» المطبوعة و المخطوطة. و في «الأمالي» ، و في «أشعار الحماسة شرح التبريزي» طبع أوربة و مصر «محمّد بن بشير» ؛ و هو تصحيف-و قد تكرر هذا الخطأ إلى آخر الترجمة-و التصويب عن «الشعر و الشعراء» ص 560 طبع أوربة» و يؤكد ذلك ما ورد في «القاموس» و «تاج العروس» ، مادة يسر: «و أبو جعفر محمّد بن يسير البصري شاعر، و هو القائل يرثي نفسه:

كأنه قد قيل في مجلس # قد كنت آتيه و أغشاه:

صار اليسيري إلى ربه # يرحمنا الله و إياه‏

و كذا أخوه عليّ شاعر أيضا ذكرهما الذهبي» و قد جاء هذان البيتان في ترجمته في «الأغاني» -و سيردان عليك بعد-فعلم أنه هو.

و قال فيه ابن قتيبة في «الشعر و الشعراء» : «و كان في عصر أبي نواس و عمر بعده حينا» و قد توفي أبو نواس 198 هـ.

[2]خطة: أرض اختطوها و اتخذوا فيها مساكن لهم.

[3]جاء في «تاج العروس» (مستدرك مادة طرم) : «الطارمة: بيت من خشب كالقبة، فارسي معرّب» . و الظاهر أنه لقب له.

[4]في الأصول: «أو أكثره» .

[5]اصطبح: شرب الصبوح (كصبور) ، و هو شرب الغداة.

[6]في الأصول: «بنومي» و هو تصحيف.

265
صوت‏

يوم سبت و شنبذ و رذاذ # فعلام الجلوس يا بن يسير؟[1]

قم بنا نأخذ المدامة من كفّ غزال مضمّخ بالعبير[2] -في هذين البيتين لعباس أخي بحر ثقيل أوّل بالبنصر-و بعث إليه بالرّقعة، فإذا الغلمان قد جاءوا بالجواب. فقال لهم: بعثتكم لتجيئوني برجل فجئتموني برقعة!فقالوا: لم نلقه، و إنما كتب جوابها في منزله، و لم تأمرنا بالهجوم عليه فنهجم. فقرأها فإذا فيها:

/

أجي‏ء على شرط فإن كنت فاعلا # و إلاّ فإنّي راجع لا أناظر

ليسرج لي البرذون في حال دلجتي # و أنت بدلجاتي مع الصبح خابر[3]

لأقضي حاجاتي إليه و أنثني # إليك، و حجّام إذا جئت حاضر

فيأخذ من شعري و يصلح لحيتي # و من بعد حمّام و طيب و جامر[4]

و دستيجة من طيّب الراح ضخمة # يروّدنيها طائعا لا يعاسر[5]

فقال محمّد بن أيوب: ما نقول؟فقلت: إنك لا تقوى على مطاولته، و لكن اضمن له ما طلب، فكتب إليه: قد أغدّ لك-و حياتك-كلّ ما طلبت فلا تبطئ؛ فإذا به قد طلع علينا، فأمر محمّد بن أيوب بإحضار المائدة. فلما أحضرت أمر بمحمد بن يسير فشدّ بحبل إلى أسطوانة من أساطين المجلس، و جلسنا نأكل بحذائه. فقال لنا: أيّ شي‏ء يخلّصني؟قلنا: تجيب نفسك عما كتبت به أقبح جواب. فقال: كفّوا عن الأكل إذا و لا تستبقوني به فتشغلوا خاطري، ففعلنا ذلك و توقّفنا، فأنشأ يقول:

أيا عجبا من ذا التّسرّي فإنّه # له نخوة في نفسه و تكابر[6]

/يشارط لمّا زار حتّى كأنه # مغنّ مجيد أو غلام مؤاجر[7]

[1]شنبذ: كلمة فارسية. جاء في «معجم جونسون» -و هو معجم فارسي عربي إنجليزي- «شنبذ-يوم السبت. جنبد-يتحرك، يحرك.

جنبد-يثب، يقفز، يجري» . و جاء في «معجم ستنجاس» : جنبد-القفز، اللعب، تقريب عقب الرجل من الرأس» و يفهم من ذلك أن هذا اليوم يوم مرح و لعب و نشاط و نحو ذلك. و الرذاذ: المطر الضعيف.

[2]المدامة و المدام: الخمر. و مضمخ: مدهن. و العبير: اخلاط من الطيب.

[3]البرذون من الخيل: ما كان من غير نتاج العراب. و الدلجة: سير السحر.

[4]جاء في «لسان العرب» : «أجمر الثوب و جمره: بخره بالطيب، و الّذي يتولى ذلك مجر و مجمّر، و الجامر: الّذي يلي ذلك من غير فعل، إنما هو علي النسب.

[5]في الأصول «طابعا» و هو تصحيف. و الدستيج: آنية تحوّل باليد و تنقل، فارسي معرب. و الراح: الخمر. يروّدنيها: رادت الإبل ترود: اختلفت في المرعى مقبلة و مدبرة، وردتها أنا و أردتها؛ أي جعلتها ترعى، فمعنى يروّدنيها هنا على التشبيه بذلك أي يجعلني أستقي منها غاديا رائحا أي مرارا. و لا يعاسر: لا يشاكس.

[6]السرو: المروءة في شرف، سرو، ككرم و دعا و رضى فهو سريّ، و تسري تسريا: تكلف السرو. و تكابر و تكبر و استكبر بمعنى.

[7]في الأصول «يشابط» و هو تحريف. و مؤاجر: جاء في «المصباح المنير» : «قال الأخفش: و من العرب من يقول آجرته فأنا مؤجر (بسكون الهمز) -في تقدير أفعلت فأنا مفعل-و بعضهم يقول فأنا مؤاجر-في تقدير فاعلته اهـ.

266

فلو لا ذمام كان بيني و بينه # للطّم بشّار قفاه و ياسر[1]

فقال محمّد: حسبك، لم نرد هذا كله، ثم حلّه و جلس يأكل معنا، و تممنا يومنا.

فعلة شاة منيع معه و هجاؤه إياها

أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن محمّد بن سليمان النّوفليّ قال:

كان محمّد بن يسير من شعراء أهل البصرة و أدبائهم، و هو من خثعم و كان من بخلاء الناس، و كان له في داره بستان قدره أربعة طوابيق‏[2]قلعها من داره، فغرس فيه أصل رمّان و فسيلة[3]لطيفة، و زرع حواليه بقلا، فأفلتت شاة لجار له يقال له: منيع، فأكلت البقل و مضغت الخوص، و دخلت إلى بيته فلم تجد فيه إلا القراطيس‏[4]فيها شعره و أشياء من سماعاته، فأكلتها و خرجت، فعدا إلى الجيران في المسجد يشكو ما جرى عليه، و عاد فزرع البستان، و قال يهجو شاة منيع:

لي بستان أنيق زاهر # ناضر الخضرة ريّان ترف‏[5]

/راسخ الأعراق ريّان الثّرى # غدق تربته ليست تجفّ‏[6]

لمجاري الماء فيه سنن # كيفما صرّفته فيه انصرف‏[7]

مشرق الأنوار ميّاد النّدى # منثن في كلّ ريح منعطف‏[8]

/تملك الريح عليه أمره # فإذا لم يؤنس الريح وقف‏[9]

يكتسي في الشرق ثوبي يمنة # و مع الليل عليها يلتحف‏[10]

ينطوي الليل عليه فإذا # واجه الشرق تجلّى و انكشف

صابر ليس يبالي كثرة # جزّ بالمنجل أو منه نتف

كلما ألحف منه جانب # لم يتلبّث منه تعجيل الخلف‏[11]

[1]الذمام: الحق و الحرمة. و المفهوم أنه يعني ببشار و ياسر خادمين من خدم الوالي أو رجلين من أتباعه. و في الأصول: «تلطم» ؛ و هو تحريف.

[2]الطابق كهاجر و صاحب و الطاباق: الآجر الكبير. و يظهر من قوله «قلعها من داره» أن البستان كان يدور حول المنزل، و أن ذلك القدر المذكور قدر عرضه.

[3]الفسيلة: النخلة الصغيرة.

[4]القراطيس: جمع قرطاس (و كسر القاف أشهر من ضمها) ، و هو ما يكتب فيه.

[5]أنيق: حسن معجب. و ناضر: شديد الخضرة. و يبالغ به في كل لون فيقال: أخضر ناضر، و أحمر ناضر، و أصفر ناضر. ترف: ترف النبات كفرح: تروّى، فهو ترف.

[6]أرض غدقة: في غاية الريّ، و هي الندبة المبتلة.

[7]سنن: جمع سنة و هي الطريقة.

[8]الأنوار: جمع نور (بالفتح) : و هو الزهر. و يقال للنبت ندى، لأنه عن ندى المطر نبت.

[9]آنس الشي‏ء: أحس به.

[10]اليمنة: برد يمني، و هو موشى.

[11]في الأصول «ألحق» بدل «ألحف» ؛ و هو تحريف. و ألحفه: استأصله. و لم يتلبث: أي لم يتوقف و لم يبطئ. ـ

267

لا ترى للكفّ فيه أثرا # فيه بل ينمي على مسّ الأكف‏[1]

فترى الأطباق لا تمهله # صادرات واردات تختلف

فيه للخارف من جيرانه # كلّما احتاج إليه مخترف‏[2]

أقحوان و بهار مونق # و سوى ذلك من كلّ الطّرف‏[3]

/و هو زهر للنّدامى أصلا # برضا قاطفهم ممّا قطف‏[4]

و هو في الأيدي يحيّون به # و على الآناف طورا يستشف‏[5]

اعفه يا ربّ من واحدة # ثم لا أحفل أنواع التّلف‏[6]

اكفه شاة منيع وحدها # يوم لا يصبح في البيت علف

اكفه ذات سعال شهلة # متّعت في شرّ عيش بالخرف‏[7]

اكفه يا ربّ و قضاء الطّلى # ألحم الكتفين منها بالكتف‏[8]

و كلوح أبدا مفترة # لك عن هتم كليلات رجف‏[9]

و نئوس الأنف لا يرقا و لا # أبدا تبصره إلاّ يكف‏[10]

/لم تزل أظلافها عافية # لم يظلّف أهلها منها ظلف‏[11]

[1]نما ينمو نموا، و نمى ينمي نميا و نماء: زاد. و «فيه» الثانية حشو.

[2]خرف الثمار خرفا كنصر: جناها، كاخترفها. و مخترف: مجتني. أو هو برفع «كل» و فصلها من «ما» ، و كسر الراء من «مخترف» .

[3]الأقحوان: نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض و وسطه أصفر. و البهار: نبت أصفر طيب الريح. و مونق: معجب.

[4]أصلا: جمع أصيل، و هو الوقت بعد العصر إلى المغرب. و الندامى: جمع ندمان، و هو المجالس على الشراب.

[5]استشفه: تأمل ما فيه، و استشف ما في الإناء: شرب جميع ما فيه و تقصى شربه. و المعنى على هذا: يتقصى شمه كما يستشف الماء.

[6]يقال: ما حفله (كضرب) و ما حفل به، و ما احتفل به، أي ما بالي.

[7]الشهلة: العجوز. و الخرف هنا: الشبص (أردأ التمر) .

[8]الطلى: الأعناف أو أصولها جمع طلية أو طلاة. و الوقص (بفتحتين) : قصر العنق. وقص (كفرح) فهو أوقص و هي و قصاء.

و الكتف، بكسر التاء و سكونها مع فتح الكاف و كقرد. و لحمه (كنصر) و ألحمه: لأمه، يدعو عليها أن يلحم اللّه كتفيها حتى تصيرا كتفا واحدة.

[9]الكالح: الّذي قد قلصت شفته عن أسنانه نحو ما ترى من رءوس الغنم إذا برزت الأسنان و تشمرت الشفاه. و افترّ عن ثغره: أبدى أسنانه. و عن هتم؛ أي عن أسنان مكسرة. و رجف: جمع رجوف، من رجف الشي‏ء (كنصر) إذا خفق و اضطرب اضطرابا شديدا.

[10]نئوس: وصف، من ناس اللعاب: إذا سال فاضطرب. و يرقأ: يجف و يسكن و ينقطع، سهلت همزته. يعني أن رغامها (مخاطها) يسيل من منخريها لهزالها. و وكف الدمع و الماء (كوعد) : سال.

[11]أظلاف: جمع ظلف (بالكسر) ، و هو للشاة كالحافر للفرس و القدم للإنسان. يقال: عفا الشعر و النبت و غيرهما إذا كثر و طال. و لم يظلف؛ اشتق من الظلف؛ يظلف بمعنى يقلم. و قلم الظفر: قطع ما طال منه. و ظلف: أصله ظلفا (بسكون اللام و بالألف، مفعول يظلف) وقف عليه بنقل فتحة الفاء إلى اللام و حذف الألف و سكن الفاء؛ لأن الروي مقيد، متبعا في ذلك مذهب نحاة الكوفة و بعض نحاة البصرة المعاصرين له. و لبيان ذلك نقول: ذكروا أن في الوقف على المتحرك-غير هاء التأنيث-خمسة أوجه:

الإسكان و الروم و الإشمام و التضعيف و النقل، أي إنه يجوز نقل حركة الحرف الموقوف عليه إلى ما قبله بشروط، منها: أن يكون ساكنا و ألا تكون الحركة فتحة، كقراءة بعضهم: وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ* بكسر الباء و سكون الراء، فأما الفتحة فقد منع البصريون نقلها إذا كان المنقول عنه غير همزة، فلا يجوز عندهم رأيت بكر (بفتح الكاف و سكون الراء) و لا ضربت الضرب، لما يلزم على النقل

268

فترى في كل رجل و يد # من بقاياهنّ فوق الأرض خفّ‏[1]

تنسف الأرض إذا مرّت به # فلها إعصار ترب منتسف‏[2]

ترهج الطّرق على مجتازها # بيد في المشي و الخطو القطف‏[3]

في يديها طرق، مشيتها # حلقة القوس، و في الرجل حنف‏[4]

/فإذا ما سعلت واحد و دبت # جاوب البعر عليها فخصف‏[5]

و أحصّ الشعر منها، جلدها # شنّة في جوف غار منخسف‏[6]

ذات قرن و هي جمّاء، ألا # إنّ ذا الوصف كوصف مختلف‏[7]

و إذا تدنو إلى مستعسب # عافها نتنا إذا ما هو كرف‏[8]

لا ترى تيسا عليها مقدما # رميت من كل تيس بالصّلف‏[9]

شوهة الخلقة، ما أبصرها # من جميع الناس إلاّ و حلف‏[10]

ما رأى شاة و لا يعلمها # خلقت خلقتها فيما سلف

عجبا منها و من تأليفها # عجبا من خلقها كيف ائتلف!

لو ينادون عليها عجبا # كسبوا منها فلوسا و رغف‏

-حينئذ في المنون من حذف ألف التنوين، و حمل غير المنون عليه، و أجاز ذلك الكوفيون. و نقل عن الجرمي-و هو نحوي بصري توفى سنة 225-أنه أجازه. و عن الأخفش-و هو نحوي بصري أيضا توفي سنة 215-أنه أجازه في المنون على لغة من قال رأيت بكر، و هم ربيعة. فأما المهموز فيجوز نقل حركته و إن كانت فتحة، فيقال رأيت الخبأ و الردأ في رأيت الخب‏ء و الرد. (انظر «شرح الأشموني» باب الوقف) .

[1]في الأصول كلها: «جف» بالجيم؛ و هو تصحيف. و الخف: ما يلبس في الرجل.

[2]في الأصول: «تبدأ» بدل «بيد» : و هو تحريف. و «به» بالخف. و نسفه و انتسفه: قلعه من أصله. و الإعصار: الريح الّتي تهب من الأرض كالعمود نحو السماء، أو الّتي فيها العصار (ككتاب) و هو الغبار الشديد.

[3]أرهج: أثار الغبار. و القطف، أصله القطف (بسكون الطاء و كسر الفاء) فوقف عليه بالنقل كما تقدّم. يقال: قطفت الدابة كضرب قطفا، و كنصر قطافا و قطوفا، و ككرم فهي قطوف كصبور، أي بطيئة متقاربة الخطو.

[4]في الأصول: «في يدها طرف من مشيتها: خلقة... » و هو تحريف و خطأ، و قد صححته كما ترى. و الطرق: ضعف في ركبتي البعير و يده، أو اعوجاج في ساقه؛ يقال: بعير أطرق و ناقة طرقاء، أي في يديها لين و استرخاء و تكسر و ضعف. مشيتها حلقة القوس أي مشيتها معوجة كحلقة القوس غير مستقيمة. و الحنف: الاعوجاج في الرجل إلى داخل.

[5]في الأصول: «جاوب البعر منها فحصف» و هو خطأ؛ و قد صححته كما ترى. خصف الورق على بدنه: ألزقه و أطبقه عليه ورقة ورقة، أي فخصف عليها، فلصق بجسمها.

[6]في الأصول: «و أخفى الشعر» ؛ و هو تحريف. يقال: حص شعره و انحص إذا انجرد و تناثر. و ذنب أحص: لا شعر عليه. و في كتب اللغة أن الفعل يتعدى بنفسه بدون الهمز، يقال: حص الشعر كنصر إذا حلقه. و الشنة و الشنّ: القربة الخلق الصغيرة.

[7]في الأصول: «و هي حما» و هو تصحيف. جممت الشاة، إذا لم يكن لها قرن، فهي جماء.

[8]استعسب التيس: هاج و اغتلم. و عافها: كرهها و أعرض عنها. و كرفها: شمها؛ يقال كرف الفحل إذا شم طروقته ثم رفع رأسه نحو السماء و كشر حتى تقلص شفتاه.

[9]صلفت المرأة كفرح صلفا: لم تحظ عند زوجها و أبغضها. و الصلف أيضا: الكبر. أي صلف التيس و أدل عليها.

[10]يقال: رجل أشوه و امرأة شوهاء، إذا كانت قبيحة، و الاسم الشوهة بالضم. و لم ترد كلمة «شوهة» في كتب اللغة وصفا، فالتقدير في البيت «شوهة الخلقة صفة ثابتة لها، أو شوهة خلقتها ليس لها نظير» . أو أنه استعمل الاسم استعمال الوصف مجازا.

269

/

ليتها قد أفلتت في جفنة # من عجين أو دقيق مجترف‏[1]

فتلقّت شفرة من أهله # قدر الإصبع شيئا أو أشفّ‏[2]

أحكمت كفّا حكيم صنعها # فأتت مجدولة[3]فيها رهف

أدمجت من كلّ وجه غير ما # ألّل الأقيان من حدّ الطّرف‏[4]

قابض الرّونق فيها ماتع # يخطف الأبصار منها يستشفّ‏[5]

لمحتها فاستخفّت نحوها # [عجلا]ثم أحالت تنتسف‏[6]

فتناهت بين أضعاف المعى # و تبوّت بين أثناء الشّغف‏[7]

أو رمتها قرحة زادت لها # ذوبانا كلّ يوم و نحف

كل يوم فيه يدنو يومها # أو ترى واردة حوض الدّنف

/بينما ذاك بها إذ أصبحت # كحميت‏[8]مفعم أو مثل جف

شاغرا عرقوبها قد أعتبت # بطنة من بعد إدمان الهيف‏[9]

و غدا الصّبية من جيرانها # ليجرّوها إلى مأوى الجيف

فتراها بينهم مسحوبة # تجرف التّرب بجنب منحرف‏[10]

فإذا صاروا إلى المأوى بها # أعملوا الآجرّ فيها و الخزف‏[11]

ثم قالوا: ذا جزاء للتي # تأكل البستان منا و الصّحف‏[12]

لا تلوموني، فلو أبصرت ذا # كلّه فيها إذن لم أنتصف‏

[1]في الأصول: «مخترف» بالخاء، و هو تصحيف و الجفنة: القصعة.

[2]في الأصول: «فتلفت شعرة» ؛ و هو تحريف.

[3]لعل الأصل «مصقولة» ؛ إذ المناسب للسكين الصقل لا الجدل. و رهف (ككرم) رهافة و رهفا بالفتح و بالتحريك: دق و لطف.

[4]ألل الشي‏ء تأليلا: حدّد طرفه. و الأقيان: جمع قين، و هو الحداد.

[5]في الأصول «مانع» بالنون و هو تصحيف. و الماتع من كل شي‏ء: البالغ في الجودة الغاية في بابه. و رونق السيف: ماؤه و حسنه.

و قابض الرونق، أي ما يمسكه و يحفظه. و خطف كسمع و ضرب، أو هذه قليلة أو رديئة. و استشفه: رأى ما وراءه.

[6]لمحتها، أي الشفرة أسند اللمح إليها و يريد أصحابها. فاستخفت: يريد فخفت إليها أي أسرعت لذبحها و القضاء عليها. و قد زدت كلمة «عجلا» ليستقيم الوزن، و أحالت: تحوّلت، أي هوت عليها تنسفها.

[7]تناهت: انتهت أي بلغت و وصلت. و أضعاف المعى: أثناؤها جمع ضعف بالكسر. و تبوّت سهل تبوأت، أي حلت و أقامت.

و الشغف: غلاف القلب أو حبته كالشغاف.

[8]في الأصول «لحميت» باللام؛ و هو تحريف. و الحميت: الزق الّذي يجعل فيه السمن. و الجف: و الشن البالي يقطع من نصفه و يجعل كالدلو.

[9]في ب، س «شاعرا عرفوا بها» و في جـ شاعرا عرقوبها و هو تحريف. شاغرا عرقوبها أي مرفوعا، من شغر الكلب برجله كفتح إذا رفعها، و البطنة: عظم البطن. و الهيف: ضمر البطن ورقة الخاصرة.

[10]جرفه كنصر: كسحه.

[11]الآجرّ: الطوب. و الخزف: الطين المعمول آنية قبل أن يطبخ؛ و هو الصلصال، فإذا شوى فهو الفخار.

[12]في الأصول: «للذي» ؛ و هو تحريف.

270

شعره إلى امرأته و قد كتبت إليه تعاتبه‏

أخبرني عليّ بن سليمان قال حدّثنا محمّد بن يزيد قال حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن يسير، و حدّثني سوار بن أبي شراعة قال‏[1]حدّثني عبد اللّه بن محمّد بن يسير قال:

هوي أبي قينة من قيان أبي هاشم بالبصرة، فكتبت إليه أمي تعاتبه، فكتب إليها:

/

لا تذكري لوعة إثري و لا جزعا # و لا تقاسنّ بعدي الهمّ و الهلعا[2]

بل ائتسي تجدي إن ائتسيت أسا # بمثل ما قد فجعت اليوم قد فجعا[3]

ما تصنعين بعين عنك قد طمحت # إلى سواك و قلب عنك قد نزعا[4]

إن قلت قد كنت في خفض و تكرمة # فقد صدقت، و لكن ذاك قد نزعا[5]

و أيّ شي‏ء من الدنيا سمعت به # إلا إذا صار في غاياته انقطعا

و من يطيق خليعا عند صبوته # أم من يقوم لمستور إذا خلعا

هجاؤه أبا النجم المغني‏

أخبرني عمي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن يسير أن أباه دعي إلى وليمة و حضرها مغنّ يقال له أبو النجم، فعبث بأبي و باغضه و أساء أدبه، فقال يهجوه:

نشت بأبي النّجم المغنّي سحابة # عليه من الأيدي شآبيبها القفد[6]

/نشا[7]نوؤها بالنّحس حتى تصرّمت # و غابت‏[8]فلم يطلع لها كوكب سعد

سقته فجادت فارتوى من سجالها # ذرا رأسه و الوجه و الجيد و الخدّ[9]

فلا زال يسقيه بها كلّ مجلس # به فتية أمثالها الهزل و الجدّ

[1]في الأصول: «سراعة» ؛ و هو تصحيف. و التصحيح عن «الأمالي» و «القاموس المحيط» . و من أسمائهم سوار ككتاب و سوّار كشدّاد.

[2]في رواية «الأمالي» (جـ 1: ص 23) : «لا تتبعن لوعة إثرى و لا هلعا» بتأكيد الفعل بنون التوكيد الخفيفة. و في الأصول: «و لا تقاسين» تحريف. و الهلع: أفحش الجزع.

[3]أسا (بالضم و الكسر) : جمع أسوة (بالضم و الكسر أيضا) ، و هي القدوة و ما يأتسي به الحزين أي يتعزى به. و ائتسي به: اقتدى به، و جعله أسوة أي قدوة.

[4]نزع عن الأمر كضرب نزوعا: كف و انتهى عنه و أباه.

[5]الخفض: الدعة. و في «الأمالي» : «في ودّ» . و فيه أيضا: «قد منعا» .

[6]نشت، نشى بالشي‏ء: عاوده مرة بعد أخرى، أو هو مسهل عن «نشأت» ؛ يقال: نشأت السحابة إذا ارتفعت. و شآبيب: جمع شؤبوب كعصفور، و هو الدفعة من المطر. و قفده قفدا كضربه: صفع قفاه بباطن كفه. و في الأصول: «الفقد» ؛ و هو تصحيف.

[7]في ب و س: «فشانأها» ، و هو تحريف. و النوء: سقوط نجم في المغرب و طلوع آخر في المشرق. و كانت العرب في الجاهلية تضيف الأمطار و الرياح و الحر و البرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع، فإذا سقط نجم و طلع آخر قالوا لا بد من أن يكون عند ذلك مطر أو رياح، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، و الدبران، و السماك.

[8]في الأصول: «و غاب» و هو تحريف. و في البيت تهكم به و تعريض لأنه يدعى «أبا النجم» .

[9]سجال: جمع سجل بالفتح، و هو الدلو العظيمة مملوءة.

271

/أراد به يسقيانه‏[1].

قصته مع صديق له يدعى داود

أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال و حدّثني عبد اللّه بن محمّد بن يسير قال:

كان لأبي صديق يقال له داود من أسمج الناس وجها و أقلّهم أدبا، إلا أنه كان وافر المتاع، فكان القيان يواصلنه و يكثرن عنده، و يهدين إليه الفواكه و النبيذ و الطيب، فيدعو بأبي فيعاشره. فهويته قينة من قيان البصرة، كانت من أحسن الناس وجها، فبعثت إلى داود برقعة طويلة جدّا تعاتبه فيها و تستجفيه و تستزيره‏[2]. فسأل أبي أن يجيبها عنه، فقال أبي: اكتب يا بنيّ قبل أن أجيب عنها:

و ابلائي من طول هذا الكتاب # أسعدوني عليه يا أصحابي

أسعدوني على قراة كتاب # طوله مثل طول يوم الحساب‏[3]

/إنّ فيه منّي البلاء ملقّى # و لغيري فيه الهوى و التّصابي

و له الودّ و الهوى، و علينا # فيه للكاتبين ردّ الجواب

ثم ممن يا سيّدي؟و إلى من؟ # من هضيم الحشا لعوب كعاب‏[4]

و إلى من إن قلت فيه بعيب # لم أحط في مقالتي بالصواب‏[5]

لا يساوي على التأمّل و التفـ # تيش يوما في الناس كفّ تراب‏

شعره في رثاء داود

فقال عبد اللّه: و كان أبي إذا انصرف من مجلس فيه داود هذا أخذه معه، فيمشي قدّامه، فإن كان في الطريق طين أو بئر أو أذى لقي داود شرّه و حذره أبي. فمات داود. و انصرف أبي ذات ليلة و هو سكران، فعثر بدكّان‏[6] و تلوّث بطين و دخل في رجله عظم و لقي عنتا، فقال يرثي داود:

أقول و الأرض قد غشّى و جلّلها # ثوب الدّجى فهو فوق الأرض ممدود[7]

و سدّ كلّ فروج الجوّ منطبقا # و كلّ فرج به في الجوّ مسدود

و في الوداع و في الإبداء لي عنت # دون المسير و باب الدار مسدود[8]

من لي بداود في ذي الحال يرشدني؟ # من لي بداود؟لهفي!أين داود؟

[1]أي فلا زال الهزل و الجد يسقيانه أمثال هذه السحابة في كل مجلس به فتية.

[2]في الأصول «فبعث إلى داود برقعة طويلة جدا يعاتبه فيها و يستجفيه و يستزيده» و كله تحريف. و تستجفيه: تنسبه إلى الجفاء و تعدّ جافيا. و تستزيره: تسأله أن يزورها.

[3]قراة، مسهّل عن قراءة.

[4]امرأة هضيم: لطيفة الكشحين ضامرة البطن. و لعوب: حسنة الدل. و كعاب: كعب ثديها، أي نهد.

[5]في الأصول: «بعيث» «لم أخط» و هو تصحيف و في ب، س «من مقالتي» .

[6]الدكان: بناء يسطح أعلاه للقعود-المصطبة.

[7]غشاها: غطاها. و جلل المطر الأرض: عمها و طبقها فلم يدع شيئا إلا غطاه.

[8]الإبداء: الابتداء، بدأ الشي‏ء و أبدأه: فعله ابتداء.

272

لهفي على رجله ألاّ أقدّمها # قدّام رجلي فتلقاها الجلاميد

/إذ لا أزال إذا أقبلت ينكبني # حرف و جرف و دكّان و أخدود[1]

فإن تكن شوكة كانت تحل به # أو نكتة في سواد الليل أو عود[2]

أبيات له في شاة منيع‏

أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان الهاشمي قال:

هجمت شاة منيع البقّال على دار ابن يسير و هو غائب، و كانت له قراطيس فيها أشعار و آداب مجموعة، فأكلتها كلّها، فقال في ذلك:

قل لبغاة الآداب ما صنعت # منها إليكم فلا تضيعوها

و ضمّنوها صحف الدّفاتر بالـ # حبر و حسن الخطوط أوعوها [3]

فإن عجزتم و لم يكن علف # تسيغه عندكم فبيعوها[4]

قوله في يوسف بن جعفر و قد عربد عليه وشجه‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني ابن شبل البرجميّ قال:

/كان محمّد بن يسير يعاشر يوسف بن جعفر بن سليمان، و كان يوسف أشدّ خلق اللّه عربدة، و كان يخاف لسان ابن يسير فلا يعربد عليه. ثم جرى بينهما ذات يوم كلام على النبيذ و لحاء[5]، فعربد يوسف عليه و شجّه، فقال ابن يسير يهجوه:

لا تجلسن مع يوسف في مجلس # أبدا و لم تحمل دم الأخوين‏[6]

ريحانه بدم الشباب ملطّخ # و تحيّة النّدمان لطم العين‏

شعر له في غلام‏

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني الحسين بن يحيى المنجّم قال حدّثني أبو عليّ بن الخراسانيّ قال:

كان لمحمد بن يسير البصريّ بابان يدخل من أحدهما و هو الأكبر، و يدخل إليه إخوانه من الباب الآخر و هو الأصغر، و من يستشرط[7]من المرد. فجاء يوما غلام قد خرجت لحيته، كانت عادته أن يدخل من الباب الأصغر، فمرّ من ذلك‏[الباب‏]، فجعل يخاصم لدالّته‏[8]، و بلغ ابن يسير فكتب إليه:

[1]الجرف (بالضم و كعنق) : ما تجرفته السيول و أكلته من الأرض. و الأخدود: الحفرة المستطيلة في الأرض.

[2]نكتة، من نكته أي ألقاه على رأسه.

[3]أوعى الشي‏ء في الوعاء و وعاه: جمعه فيه.

[4]في الأصول «يسيغها» ؛ و هو تحريف. يقال: ساغ الشراب و الطعام: سهل مدخله في الحلق، و أساغ هو الطعام و الشراب يسيغه.

[5] لاحاه لحاء و ملاحاة: نازعه و خاصمه.

[6]في الأصول «و لا تجلسا» و مع الواو لا يستقيم الوزن. و دم الأخوين-العندم-البقم: صبغ أحمر.

[7]من استشرط المال، أي فسد بعد صلاح. و المرد: جمع أمرد، و هو الشاب لم تنبت لحيته.

[8]أدل عليه و تدلل: وثق بمحبته فأفرط عليه. و الاسم الدالة.

273

قل لمن رام بجهل # مدخل الظّبي الغرير

بعد أن علّق في خدّ # يه مخلاة الشّعير

ليته يدخل إن جا # ء من الباب الكبير

شعر له في عمرو القصافي و قد عان مفنية

و أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان قال:

كنّا في مجلس و معنا محمّد بن يسير و عمرو القصافيّ‏[1]، و عندنا مغنية حسنة الوجه شهلة[2]تغنّي غناء حسنا، فكنّا معها في أحسن يوم، و كان القصافيّ يعين‏[3]في كل شي‏ء يستحسنه و يحبّه، فما برحنا من المجلس حتى عانها، فانصرفت محمومة شاكية العين. فقال ابن يسير:

/

إنّ عمرا جنى بعينيه ذنبا # قلّ منّي فيه عليه الدّعاء

عان عينا[4]، فعينه للتي عا # ن فدى، و قلّ منه الفداء

شرّ عين تعين أحسن عين # تحمل الأرض أو تظلّ السماء[5]

استعار حمارا من جار له فأبى عليه فقال شعرا يشكوه‏

أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا القاسم بن الحسن قال: استعار ابن يسير من بعض الهاشميين من جيرانه حمارا كان له ليمضي عليه في حاجة أرادها[فأبى عليه‏][6]، فمضى إليها ماشيا، و كتب إلى عمرو القصافيّ-و كان جارا للهاشميّ و صديقا-يشكوه إليه و يخبره بخبره:

إن كنت لا عير لي يوما يبلّغني # حاجي و أقضي عليه حقّ إخواني‏[7]

و ضنّ أهل العواري حين أسألهم # من أهل ودّي و خلصاني و جيراني‏[8]

فإنّ رجليّ عندي-لا عدمتهما- # رجلا أخي ثقة مذ كان جولاني‏[9]

تبلّغاني حاجاتي و إن بعدت # و تدنياني مما ليس بالداني

كأنّ خلفي إذا ما جدّ جدّهما # إعصار عاصفة مما تثيران‏

[1]القصافي: نسبة إلى بني قصاف، و هم بطن من العرب.

[2]الشهلة: النّصف العاقلة.

[3]عانه كباع: أصابه بعينه.

[4]عيناء: واسعة العين، قصر للشعر.

[5]في الأصول: «أو تقل السماء» .

[6]زيادة يستقيم بها الكلام.

[7]العير: الحمار، و غلب على الوحشي. حاج: جمع حاجة.

[8]العواري: جمع عارية، و هي ما يستعار، و في الجمع و المفرد التخفيف و التشديد. و فلان خلصي، بالكسر؛ و هو الخالص المودة، و هم خلصاني، بالضم، يستوي فيه الواحد و الجماعة. و تقول: هؤلاء خلصاني و خلصاني (كظرفاء) .

[9]في الأصول: «جولان» و هو تحريف. يقال: رجل جولانيّ (بتشديد الياء) أي عام المنقعة للقريب و البعيد يجول معروفه في كل أحد. ـ

274

رجلاي لم تألما نكبا كأنّهما # قطّا و قدّا و إدماجا مدا كان‏[1]

/كأن ما بهما أخطو إذا ارتهيا # في سكّة من أي ذاك سماكان‏[2]

/إن تبعثا في دهاس تبعثا رهجا # أوفى حزون ذكا فيها شهابان‏[3]

فالحمد للّه يا عمرو الّذي بهما # عن العواري و عن ذا الناس أغناني‏

قصة جلة التمر و شعره إلى والي البصرة في ذلك‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمّد بن داود بن الجرّاح قال حدّثني محمّد بن سعد الكرانيّ قال:

كنّا في حلقة التّوّزيّ‏[4]، فلما تقوّضت أنشدنا محمّد بن يسير لنفسه قوله:

جهد المقلّ إذا أعطاه مصطبرا # و مكثر من غنى سيّان في الجود[5]

لا يعدم السائلون الخير أفعله # إمّا نوالي و إمّا حسن مردود[6]

فقلنا له: ما هذا التكارم‏[7]!و قمنا إلى بيته فأكلنا من جلّة[8]تمر كانت عنده أكثرها و حملنا بقيّتها. فكتب إلى والي البصرة عمر بن حفص:

يا أبا حفص بحرمتنا # عنّ نفسا حين تنتهك‏[9]

خذ لنا ثأرا بجلّتنا # فبك الأوتار تدّرك‏[10]

/كهف كفّي حين تطرحها # بين أيدي القوم تبترك‏[11]

زارنا زور فلا سلموا # و أصيبوا أيّة سلكوا[12]

[1]لم تألما نكبا، أي من نكب، يقال: نكب الحجر رجله أو ظفره نكبا إذا أصابها. قطا، في الأصول «فظا» و هو تصحيف، و القط:

القطع عرضا أو عامة. و القدّ: القطع المستطيل أو الشق طولا. و المداك، كالمدوك، و زان مبرد: مدقّ الطيب.

[2]كذا في الأصول!!

[3]الدهاس: المكان السهل ليس برمل و لا تراب. و الرهج: الغبار. و الحزون: جمع حزن (بالفتح) ، و هو ما غلظ من الأرض. و ذكت النار تذكو: اشتدّ لهبها. و الشهاب: شعلة من نار ساطعة. و في ب، س: «إن يبعثاني دهاسا يبعثا» و في جـ: «إن يبعثاني دهاث يبعثا» و هو تحريف.

[4]التوّزي: نسبة إلى توّز بلد بفارس؛ و هو عبد اللّه بن محمّد بن هارون التوزي، من أئمة اللغة و النحو بالبصرة، و قرأ على الجرمي كتاب سيبويه، و توفى سنة 238 هـ.

[5]قبل هذين البيتين في «الشعر و الشعراء» :

ما ذا عليّ إذا ضيف تأوّبني # ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي‏

[6]في «الشعر و الشعراء» : «نوالا» .

[7]التكارم: التظاهر بالكرم و ادّعاؤه.

[8]الجلة: وعاء من خوص.

[9]عناه: جشمه العناء و أتعبه، و عناه أيضا: حبسه حبسا طويلا. حين تنتهك، أي تنتهك حرمتنا.

[10]الأوتار: جمع وتر (بالكسر) و هو الثأر. تدّرك: تدرك.

[11]الكهف: الملجأ و الوزر. و ابتركت السحابة: اشتد انهلالها و ألحت بالمطر.

[12]في الأصول «فلا سلم» و الصواب من «الشعر و الشعراء» . و الزور: الزائرون.

275

أكلوا حتّى إذا شبعوا # أخذوا الفضل الّذي تركوا

قال: فبعث إلينا فأحضرنا فأغرمنا مائة درهم، و أخذ من كلّ واحد منّا جلّة تمر، و دفع ذلك إليه.

قصته مع أحمد بن يوسف‏

أخبرني الأخفش قال حدّثنا أبو العيناء قال:

كان بين محمّد بن يسير و أحمد بن يوسف الكاتب شرّ، فزجّه‏[1]أحمد يوما بحماره تعرّضا لشرّه و عبثا به، فأخذ ابن يسير بأذن الحمار و قال له: قل لهذا الحمار الراكب فوقك لا يؤذي الناس، فضحك أحمد و نزل، فعانقه و صالحه.

قصته مع أبي عمرو المديني و شعره في ذلك‏

أخبرني عمي قال حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني محمّد بن عليّ الشاميّ قال:

طلب محمّد بن يسير من ابن أبي عمرو المدينيّ فراخا من الحمام الهدّاء[2]، فوعده أن يأخذها له من المثنّى بن زهير، ثم نوّر[3]عليه (أي أعطاه فراخا غير منسوبة دلّسها عليه و أخذ المنسوبة لنفسه) . فقال محمّد بن يسير:

يا ربّ ربّ الرائحين عشيّة # بالقوم بين منى و بين ثبير[4]

/و الواقفين على الجبال عشية # و الشمس جانحة إلى التغوير[5]

حتى إذا طفل العشيّ و وجّهت # شمس النهار و آذنت بغئور[6]

رحلوا إلى خيف نواحل ضمّها # طول السّفار و بعد كلّ مسير[7]

ابعث على طير المدينيّ الّذي # قال المحال و جاءني بغرور[8]

ابعث على عجل إليها بعد ما # يأخذن زينتهنّ في التحسير[9]

[1]زجه: طعنه بالزج و رماه به. و المعنى هنا صدمه.

[2]في ب، س «الهندي» و هو تحريف. و في جـ «الهدى» بألف مقصورة. و الهدّاء: ضرب من الحمام و هو ما يعرف بالزاجل.

الواحد الهادي، جاء في «المخصص» 8: 170 «و هنّ اللائي يدرّبن و يرفعن من مرحل إلى مرحل حتى يجئن من البعد؛ من بلاد الروم و عريش بمصر و دون ذلك من مواضع كثيرة مسماة، و هي محفوظة أنسابهن... » .

[3]نوّر عليه: لبّس عليه أمره، و أصله أن امرأة كانت تسمى «نورة» بالضم، و كانت ساحرة، فقيل لمن فعل فعلها قد نوّر.

[4]ثبير: جبل بمكة.

[5]جانحة: مائلة. و غوّرت الشمس تغويرا: غارت و غربت.

[6]طفلت الشمس كنصر: دنت للغروب. وجهت: توجهت، أي ولت و ذهبت. و غارت غيارا و غئورا: غابت.

[7]خيف، يريد خفيف منى، و هو ناحية منها. و الخيف ما انحدر من غلظ الجبل و ارتفع عن سيل الماء، و منه سمي مسجد الخيف من منى؛ قال مجنون ليلى:

و لم أر ليلى بعد موقف ساعة # بخيف منى ترمي جمار المحصب‏

و في ب، س: «جيف» و هو تصحيف. رحلوا نواحل، أي إبلا نواحل مهزولة. و رحل البعير: حط عليه الرحل.

[8]أي ابعث عليها ما يؤذيها و يهلكها.

[9]التحسير: سقوط ريش الطائر. و انحسرت الطير: خرجت من الريش العتيق إلى الحديث.

276

في كل ما وصفوا المراحل و ابتدوا # في المبتدين بهنّ و التكسير[1]

و مضين عن دور الخريبة زلفة # دون القصور و حجرة الماخور[2]

مع كلّ ريح تغتدي‏[3]بهبوبها # في الجوّ بين شواهن و صقور

/من كلّ أكلف بات يدجن ليله # فغدا بغدوة[4]ساغب ممطور

ضرم يقلّب طرفه متأنّسا[5] # شيئا فكنّ له من التقدير

يأتي لهنّ ميامنا و مياسرا # صكّا بكل مزلّق ممكور[6]

من طائر متحيّر عن قصده # أو ساقط خلج الجناح كسير[7]

لم ينج منه شريدهن فإن نجا # شي‏ء فصار بجانبات الدّور[8]

لمشمّرين عن السواعد حسّر # عنها بكل رشيقة التّوتير[9]

سدد الأكفّ إلى المقاتل صيّب # سمت الحتوف‏[10]بجؤجؤ و نحور

/ليس الّذي تخطي يداه رميّة # منهم بمعدود و لا معذور[11]

يتبوّعون و تمتطي أيديهم # في كل معطية الجذاب نتور[12]

[1]كذا في الأصول!!و لعله «التكثير» .

[2]الخربية موضع بالبصرة يسمى البصرة الصغرى و الزلفة: الطائفة من أوّل الليل. و زلف الليل: ساعات من أوله. و الحجرة: الناحية؛ يقال:

قعد حجرة و حجرا بالفتح، أي ناحية. و في الأصول «و حمرة» بالميم و هو تحريف. الماخور: مجمع أهل الفسق و الفساد، و بيوت الخمارين.

[3]في الأصول «يعتري و هو تحريف. و الشاهين: من سباع الطير، معرب، و الجمع شواهين.

[4]في الأصول «فعدا بعدوة» و هو تصحيف. و الكلفة بالضم: لون بين السواد و الحمرة. و الدجن بالفتح: إلباس الغيم أقطار السماء، يقال: دجن يومنا كنصر و أدجن إذا أضب فأظلم. و الغدوة: البكرة أو ما بين صلاة الفجر و طلوع الشمس. و الساغب: الجائع.

و الممطور الّذي أصابه المطر.

[5]ضرم كفرح: اشتد جوعه، و ضرم في الطعام: جدّ في أكله لا يدفع شيئا منه. و في الأصول «متناسيا» ؛ و هو تحريف، و تأنس البازي نظر رافعا رأسه و طرفه. و في الأصول أيضا: «فكان له» ؛ و هو تحريف، و التصحيح عن «الحيوان للجاحظ» (5: 234) .

[6]في الأصول: «يأتي بهن» و التصويب من «الحيوان» . و صكه: ضربه شديدا. و بكل مزلق، أي بكل منقار أو مخلب مزلق، من زلق الحديدة: أدمن تحديدها. و الممكور: المصبوغ بالمكر أي المغرة (بفتح الميم فيهما) و في حمراء أي كأنه مصبوغ بها. و في «الحيوان» «مذلق مطرور» و ذلق السكين: حدّده، و المطرور: المحدّد أيضا.

[7]خلج كفرح: اشتكى لحمه و عظامه من عمل يعمله، أو من طول مشى و تعب.

[8]في الأصول «شيئا» و هو تحريف. جانبات: جمع جانبة، و الجانب: الغريب.

[9]لمشمرين، أي هذه الشواهين و الصقور لصيادين مشمرين؛ و حسر: جمع حاسر؛ يقال: حسره كنصر و ضرب إذا كشفه؛ وتر القوس توتيرا: شد وترها. و الرشيق من الغلمان و الجواري: الخفيف الحسن القد اللطيفة، و ناقة رشيقة: خفيفة سريعة. و يقال للقوس ما أرشقها أي ما أخفها و أسرع سهمها. و الرشق محركة: القوس السريعة السهم الرشيقة. و في «البيان و التبين» (ج 3: ص 36) :

«دقيقة التوتير» .

[10]في الأصول «الجيوف» ، و هو تصحيف. سدد: جمع سديد، و صاب يصيب (كيصوب) صيبا: أصاب، فهو صائب، و الجمع صيب. و سهم صيوب كغيور و الجمع صيب كعنق. و السمت: الطريق و المذهب و القصد: و الجؤجؤ: الصدر.

[11]الرمية: الصيد الّذي ترميه. و في «الحيوان» و «البيان و التبيين» : «... تشوى... فيهم بمعتذر» يقال: رمى فأشوى: إذا أصاب الأطراف و لم يصب المقتل.

[12]تبوّع: مدّ باعه و ملأ ما بين خطوه. و في الأصول: «يتسرعون...

في كل طائفة الجدار بتور»

و هو تحريف. و التصحيح عن

277

عطف السّيات دوائرا في عطفها # تعزى صناعتها إلى عصفور[1]

ينفثن عن جذب الأكفّ ثواقبا # متشابهات القدّ و التدوير[2]

تجري بها مهج النفوس و إنّها # لنواصل‏[3]سلت من التّحبير

ما إن تقصّر عن مدى متباعد # في الجوّ يحسر طرف كلّ بصير[4]

حتّى تراه مزمّلا بدمائه # فكأنه متضمّخ بعبير[5]

فيظلّ يومهم بعيش ناصب # نصب المراجل معجلي التنوير[6]

/و يئوب ناجيهنّ بين مضرّج # بدم و مخلوب إلى منسور[7]

عاري الجناح من القوادم، و القرا # كاس، عليه مائر التّامور[8]

فيئوده متبهنس في مشيه # خطف المؤخّر مشبع التصدير[9]

ذو حلكة مثل الدّجى أو غبثة # شغب شديد الجدّ و التشمير[10]

«الحيوان» . و قوس معطية: لينة ليس بكزة و لا ممتنعة على من يمدّ وترها. و الجذاب: المجاذبة. و التنوّر: الشديدة الجذب.

[1]سية القوس: ما عطف من طرفيها. و عطف: جمع عطوف. و قوس عطوف كصبور و معطفة و عطفى و معطوفة، أي عطفت سيتها عليها عطفا شديدا. و عطف القوس بالكسر: سيتها. و عصفور: جاء في «الحيوان» 5: 233 «و عصفور القواس: إليه تضاف القسيّ العصفورية، و قد ذكره ابن يسير حين دعا على حمام بالشواهين و الصقور و السنانير و البنادق» .

[2]في الأصول: «عن حدب» و هو تصحيف. و ثواقبا: في جـ «ثواقبا» بالثاء، و في ب، س «نواقبا» بالنون، و كلاهما صحيح، أي سهاما ثواقب تثقب الرمية و تنفذ فيها، أو نواقب تنقب الهدف و تخرقه.

[3]في ب، س: «لنواضل» و هو تصحيف. و مهج: جمع مهجة، و هي الدم. و نواصل جمع ناصل، و سهم ناصل: ذو نصل، و سهم ناصل أيضا. سقط منه نصله، ضد. و حبرت الشي‏ء تحبيرا: حسنته، و سهم محبر: حسن البري. و سلت: جمع أسلت، و هو في الأصل: الرجل الّذي أوعب جدع أنفه. يريد به هنا السهم الّذي أجيد بريه و أزيل ما فيه من نتوء.

[4]مدى متباعد: أي مدى طائر متباعد. حسر البصر (لازما) كحلس: كل و انقطع من طول مدى، و حسر العين بعد ما حدّقت إليه (متعديا كنصر) : أكلّها.

[5]زمله: لفه. و تضمخ بالطيب: تلطخ، و العبير: الزعفران أو أخلاط من الطيب.

[6]فيظل يومهم: إسناد مجازي؛ أي فيظلون في يومهم. عيش ناصب: فيه نصب و كد و جهد؛ المراجل: جمع مرجل كمنبر، و هو القدر يطبخ فيها. نصب المراجل: أي قد نصبوا المراجل و أقاموها لطبخ ما صادوه من الطيور، و التنوير: الإنارة، و يريد إيقاد النار.

[7]في الأصول «ميسور» و هو تصحيف. و مضرج: ملطخ. خلبه بظفره كضرب و نصر: جرحه أو خدشه أو قطعه. منسور: النسر: نتف البازي اللحم بمنسره أي بمنقاره، نسر اللحم كضرب و نصر: نتفه.

[8]في الأصول: «ما يرى التامور» و هو تحريف. و القوادم: عشر ريشات في مقدم كل جناح. القرا: الظهر. و التامور التأمور: الدم؛ و مار الدم يمور: إذا جرى، أي إن القرا، قد كسى بالدم المائر. و في «الحيوان» «بصائر التامور» و بصائر جمع بصيرة و هي الدفعة من الدم.

[9]أخذ يدعو على ما بقي من الحمام أن يقع بين مخاطب السنانير. جاء في «الحيوان» للجاحظ في «وصف السنور بصفة الأسد» 5: 271 «قال ابن يسير في صفة السنور فوصفه بصفة الأسد. في دعائه على حمام ذلك الجار حين انتهى إلى ذكر السنور:

و خبعثن في مشيه متبهنس # خطف المؤخر كامل التصدير

الخبعثن (كقذعمل ) : الأسد؛ أراد به السنور، و المتبهنس: المتبختر، و في الأصول: «متيقن» و هو تحريف. و آده يئوده: عطفه، يعني فيمسكه. و الخطف (كتفل و عنق) : الضمر و خفة لحم الجنب. و إخطاف الحشا: انطواؤه، و الوصف منه: مخطف الحشا (بفتح الطاء) و أخطف الحشا و مخطوفه، أي ضامره. أما الوصف «بخطف» كما في البيت فلم يرد في كتب اللغة.

[10]الحلكة: شدة السواد و الدجى: جمع دجية، و هي الظلمة. و الغبثة (و البغثة) : لون إلى الغبرة. و شغبهم و بهم و عليهم كمنع و فرح:

هيج الشر عليهم، و هو شغب. و في الأصول «شديد الحد و التيسير» و أراه «و التشمير» لأنه المناسب للجد. و في «الحيوان» . :

متسربل ثوب الدجى أو غبشة # شيبت على متنيه بالتنمير

278

فيمرّ منها في البراري و القرى # من كل أعصل كالسّنان هصور[1]

في حين تؤذيها المبايت موهنا # أو بعد ذلك آخر التسحير[2]

يختصّ كلّ سليل سابق غاية # محض النّجار مجرّب مخبور[3]

/عجّل عليه بما دعوت له به # أره بذاك عقوبة التّنوير

حتى يقول جميع من هو شامت # هذي إجابة دعوة ابن يسير

فلألفينّك عند حالي حسرة # و تأسّف و تلهّف و زفير

و لتلفينّ إذا رمتك بسهمها # أيدي المصائب منك غير صبور

قوله في قصر خرب‏

أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني القاسم بن الحسن مولى جعفر بن سليمان قال:

خرجنا مع بعض ولد النّوشجانيّ‏[4]إلى قصر له في بستانهم بالجعفريّة[5]، و معنا محمّد بن يسير، و كان ذلك القصر من القصور الموصوفة بالحسن، فإذا هو قد خرب و اختلّ، فقال فيه محمّد بن يسير:

ألا يا قصر قصر النّوشجاني # أرى بك بعد أهلك ما شجاني‏[6]

/فلو أعفى البلاء ديار قوم # لفضل منهم و لعظم شان

لما كانت ترى بك بيّنات # تلوح عليك آثار الزمان‏

قوله في رثاء نفسه‏

أخبرني عمّي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثنا محمّد بن أبي حرب قال أنشدنا يوما محمّد بن يسير في مجلس أبي محمّد الزاهد صاحب الفضيل بن عياض لنفسه قال:

ويل لمن لم يرحم اللّه # و من تكون النار مثواه

و اغفلتا في كلّ يوم مضى # يذكرني الموت و أنساه

من طال في الدنيا به عمره # و عاش فالموت قصاراه‏[7]

/كأنّه قد قيل في مجلس # قد كنت آتيه و أغشاه

محمّد صار إلى ربّه # يرحمنا اللّه و إيّاه‏

قال: فأبكى و اللّه جميع من حضر.

[1]ناب أعصل: معوج شديد. و في ب، س «أعبل» و في جـ «أعضل» و هو تحريف. و هصور: كاسر.

[2]الموهن (و الوهن) : نحو من نصف الليل أو بعد ساعة منه.

[3]سليل: ولد. و النجار بالكسر و الضم: الأصل. و المحض من كل شي‏ء: الخالص. و مخبور: مختبر.

[4]نسبة إلى نوشجان، و هي مدينة بفارس.

[5]الجعفرية: محلة كبيرة في الجانب الشرقي من بغداد.

[6]شجاني: أحزنني.

[7]قصاراه: غايته.

279

قصته مع داود بن أحمد بن أبي دواد

أخبرني الحسن بن عليّ و عمّي قالا حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني أبو الشّبل قال:

كان محمّد بن يسير صديقا لداود[1]بن أحمد بن أبي دواد كثير الغشيان له ففقده أهله أيّاما و طلبوه فلم يجدوه، و كان مع أصحاب له قد خرجوا يتنزّهون فجاءوا إلى داود بن أحمد يسألونه عنه، فقال لهم: اطلبوه في منزل «حسن» المغنّية فإن وجدتموه و إلا فهو في حبس أبي شجاع صاحب شرطة «خمار» التركي. فلما كان بعد أيام جاءه ابن يسير فقال له: إيه‏[2]أيها القاضي، كيف دللت عليّ أهلي؟قال: كما بلغك، و قد قلت في ذلك أبياتا.

قال: أو فعلت ذلك أيضا؟زدني من برّك، هات، أيش‏[3]قلت؟فأنشده:

و مرسلة توجّه كلّ يوم # إليّ و ما دعا للصبح داعي

تسائلني و قد فقدوه حتّى # أرادوا بعده قسم المتاع

/إذا لم تلقه في بيت «حسن» # مقيما للشّراب و للسّماع

و لم ير في طريقي بني سدوس # يخطّ الأرض منه بالكراع‏[4]

يدقّ‏[5]حزونها بالوجه طورا # و طورا باليدين و بالذّراع

فقد أعياك مطلبه و أمسى # (فلا تغلط) حبيس أبي شجاع‏

قال: فجعل ابن يسير يضحك و يقول: أيّها القاضي لو غيرك يقول لي هذا لعرف خبره. ثم لم يبرح ابن يسير حتى أعطاه داود مائتي درهم و خلع عليه خلعة من ثيابه.

أبيات له في الحكم‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني عليّ بن القاسم طارمة قال: كنت مع المعتصم لمّا غزا الروم، فجاء بعض سراياه‏[6]بخبر عمّه‏[7]، فركب من فوره و سار أجدّ سير و أنا أسايره، فسمع منشدا يتمثّل في عسكره:

[1]لعله «دواد» اسم جده.

[2]إيه: كلمة استزادة و استنطاق.

[3]جاء في كتاب «معاني القرآن للفراء» (نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية) : «و مما كثر في كلام العرب فحذفوا منه أكثر من ذا (يشير إلى حذف الألف من بسم اللّه) قولهم: أيش عندك، فحذفوا إعراب «أي» و إحدى ياءيه، و حذفت الهمزة من «شي‏ء» و كسرت الشين» . و جاء في «المصباح المنير» في مادة شيأ، «و قالوا: أي شي‏ء، ثم خففت الياء و حذفت الهمزة تخفيفا و جعلا كلمة واحدة فقيل: أيش، قاله الفارابي» و جاء في «شفاء الغليل» ص 15: «أيش: بمعنى أي شي‏ء خفف منه، نص عليه ابن السيد في شرح أدب الكاتب، و صرحوا لأنه سمع من العرب» و فيه أيضا: «قال السهيلي: و أيش في معنى أي شي‏ء، كما يقال و يلمه في معنى ويل لأمه، على الحذف لكثرة الاستعمال. » أقول: و قد جاء في «الأغاني» (ج 2: ص 36 من هذه الطبعة) قال مجنون ليلى:

قالت جننت على أيش فقلت لها # الحب أعظم مما بالمجانين

الحب ليس يفيق الدهر صاحبه # و إنما يصرع المجنون في الحين‏

[4]الكراع من الإنسان: ما دون الركبة إلى الكعب.

[5]في الأصول: «يدف» بالفاء، تصحيف.

[6]سرايا: جمع سرية كقضية، و هي قطعة من الجيش، من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة أو أربعمائة.

[7]هو إبراهيم بن المهدي، و خبره هو خروجه على المأمون.

280

إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها # فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا[1]

لا تيأسنّ و إن طالت مطالبة # إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

فسرّ بذلك و طابت نفسه، ثم التفت إليّ و قال لي: يا عليّ أ تروي هذا الشعر؟قلت: نعم. قال: من يقوله؟قلت:

محمّد بن يسير. فتفاءل باسمه و نسبه. و قال: أمر محمود و سير سريع يعقب هذا/الأمر. ثم قال: أنشدني الأبيات، فأنشدته قوله:

ما ذا يكلّفك الرّوحات و الدّلجا # البرّ طورا و طورا تركب اللّججا[2]

/كم من فتى قصرت في الرّزق خطوته # ألفيته بسهام الرزق قد فلجا[3]

لا تيأسنّ و إن طالت مطالبة # إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

إنّ الأمور إذا انسدّت مسالكها # فالصبر يفتح منها كلّ ما ارتتجا

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته # و مدمن القرع للأبواب أن يلجا

فاطلب لرجلك قبل الخطو موضعها # فمن علا زلقا عن غرّة زلجا[4]

و لا يغرّنك صفو أنت شاربه # فربّما كان بالتكدير ممتزجا

لا ينتج النّاس إلا من لقاحهم # يبدو لقاح الفتى يوما إذا نتجا[5]

أبيات له في وصيفة بخرته و طيبته‏

أخبرني عيسى بن الحسين و الحسن بن عليّ و عمّي قالوا: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني أبو الشّبل قال:

كنا عند قثم‏[6]بن جعفر بن سليمان ذات يوم و معنا محمّد بن يسير و نحن على شراب، فأمر أن نبخّر و نطيّب‏[7]، فأقبلت وصيفة له حسنة الوجه، فجعلت تبخّرنا و تغلّفنا بغالية[8]كانت معه. فلما غلّفت ابن يسير و بخّرته التفت إليّ-و كان إلى جنبي-فأنشدني:

[1]رتج الباب و أرتجه: أغلقه إغلاقا وثيقا. و ارتتج: استغلق.

[2]الروحات: جمع روحة و هي المرة من الرواح؛ يقال راح رواحا إذا سار أو عمل في الروح و هو العشيّ. و الدلج: جمع دلجة بالضم و الفتح و هي: السير من أوّل الليل. و في «لسان العرب» : «الدلجة بالضم: سير السحر، و الدلجة بالفتح: سير الليل كله. و يقال:

خرجنا بدلجة و دلجة: إذا خرجوا في آخر الليل» . و اللجج: جمع لجة، و هي معظم الماء.

[3]فلج كنصر: ظفر و فاز.

[4]في «أشعار الحماسة» «قدّر لرجلك» . علا زلقا: أي مكانا زلقا. و هي في الأصل مصدر. و في جـ «على زلقا» و في ب، س: «على زلق» و هو تحريف. الغرة: الغفلة، زلج: زل و زلق.

[5]يقال: نتجت الناقة (بالبناء للمجهول) إذا ولدت، فإذا وليها الإنسان حتى تضع قيل نتجها نتجا كضرب. و اللقاح: اسم ماء الفحل من الإبل و الخيل، و هو في «اللسان» و «القاموس» بالكسر. و في «النهاية» بالفتح، و في «المصباح» : و الاسم اللقاح بالفتح و الكسر.

[6]في جـ «قيم» و في ب، س: «قاسم» تحريف.

[7]في الأصول: «يبخر و يطيب» تصحيف.

[8]الغالية: أخلاط من الطيب و علف لحيته بالطيب و الغالية و الحناء: لطخها.

281

يا باسطا كفّه نحوي يطيّبني # كفّاك أطيب يا حبّي من الطّيب

/كفّاك يجري مكان الطيب طيبهما # فلا تزدني عليها عند تطييبي

يا لائمي في هواها أنت لم ترها # فأنت مغرى بتأنيبي و تعذيبي

انظر إلى وجهها، هل مثل صورتها # في الناس وجه مجلّى غير محجوب؟

فقلت له: اسكت ويلك!لا، تصفع و اللّه و تخرج. فقال: و اللّه لو وثقت بأن نصفع جميعا لأنشدته الأبيات، و لكني أخشى أن أفرد بالصّفع دونك.

أبيات له في أهل الجدل‏

أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا الكرانيّ قال: حدّثنا الرّياشي قال:

كان محمّد بن يسير جالسا في حلقتنا في مسجد البصرة، و إلى جانبنا حلقة قوم من أهل الجدل يتصايحون في المقالات و الحجج فيها، فقال ابن يسير: اسمعوا ما قلت في هؤلاء، فأنشدنا قوله:

يا سائلي عن مقالة الشّيع # و عن صنوف الأهواء و البدع

دع عنك ذكر الأهواء ناحية # فليس ممن شهدت ذو ورع

كلّ أناس بديّهم حسن # ثم يصيرون بعد للسّمع

أكثر ما فيه أن يقال لهم: # لم يك في قوله بمنقطع‏

قوله في استغنائه عن تدوين ما يسمعه‏

أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني محمّد بن عليّ الشاميّ قال:

كان محمّد بن يسير يصف نفسه بالذكاء و الحفظ و الاستغناء عن تدوين شي‏ء يسمعه؛ من ذلك قوله:

إذا ما غدا الطّلاّب للعلم ما لهم # من الحظّ إلا ما يدوّن في الكتب

/غدوت بتشمير و جدّ عليهم # فمحبرتي أذني و دفترها قلبي‏[1]

بيتان من الشعر الحكمي‏

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر[2]قال:

كان إبراهيم بن رياح إذا حزبه‏[3]الأمر يقطعه بمثل قول محمّد بن يسير:

تخطي النفوس مع العيا # ن و قد تصيب مع المظنّة

كم من مضيق في الفضا # ء و مخرج بين الأسنّه‏

[1]جاء في «المصباح المنير» : «في المحبرة لغات: أجودها محبرة بفتح الميم و الباء، و الثانية محبرة بضم الباء، مثل مأدبة و مأدبة، و الثالثة محبرة بكسر الميم و فتح الباء لأنها آلة» .

[2]المدبر بفتح الباء، و الضبط عن كتاب «المشتبه في أسماء الرجال للذهبي» ص 472 طبع أوربة.

[3]حزبه الأمر، نابه و اشتدّ عليه و ضغطه.

282

قوله في نعل خلق له‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني الحسن بن أبي السريّ قال:

مرّ ابن يسير بأبي عثمان المازنيّ فجلس إليه ساعة، فرأى من في مجلسه يتعجّبون من نعل كانت في رجله خلق‏[1] وسخة مقطّعة، فأخذ ورقة و كتب فيها:

كم أرى ذا تعجّب من نعالي # و رضائي منها بلبس البوالي

كلّ جرداء قد تكتفيها # من أقطارها بسود النّقال‏[2]

لا تداني، و ليس تشبه في الخلـ # قة إن أبرزت، نعال الموالي

/من يغال من الرجال بنعل # فسواي إذا بهنّ يغالي‏[3]

لو حذاهنّ للجمال فإنّي # في سواهنّ زينتي و جمالي‏[4]

في إخائي و في وفائي و رأيي # و لساني و منطقي و فعالي‏[5]

ما وقاني الحفا و بلّغني الحا # جة منها فإنني لا أبالي‏

قوله و قد أخذ من قثم بن جعفر ألواح آبنوس بعد أن أسكره‏

أخبرني عمّي قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه‏[6]بن محمّد بن يسير قال:

دعا قثم بن جعفر بن سليمان أبي‏[7]فشرب عنده، فلما[سكر][8]سرق منه ألواح آبنوس كانت تكون في كمّه، فقال في ذلك:

عين بكّي بعبرة تسفاح # و أقيمي مآتم الألواح‏[9]

أوحشت حجزتي و ردناي منها # في بكوري و عند كلّ رواح‏[10]

[1]في الأصول «خلقة» ؛ و هو تحريف. جاء في «لسان العرب» : «شي‏ء خلق: بال، الذكر و الأنثى فيه سواء؛ لأنه في الأصل مصدر الأخلق و هو الأملس. يقال: ثوب خلق، و ملحفة خلق، و دار خلق، و يقال: جبة خلق بغير هاء، و لا يجوز: جبة خلقة. قال اللحياني: قال الكسائي: لم نسمعهم قالوا: خلقة في شي‏ء من الكلام» .

[2]هكذا ورد البيت في الأصول!!

[3]في الأصول «يغالي» و هو فعل الشرط، و حذف الياء لا يخل بالوزن، و فيه كف كما في أوّل الشطر الثاني.

[4]في الأصول «حداهن» تصحيف. و حذا النعل: قدّرها و قطعها. يريد: لو فصلهن و اقتناهن للتجمل و الزينة.

[5]في الأصول «في إخاء و في وفاء» و الفعال: اسم الفعل الحسن، و الكرم.

[6]في الأصول «محمّد بن عبد اللّه بن بشير» .

[7]في الأصول «إليّ» تحريف.

[8]تكملة يقتضيها السياق.

[9]في الأصول «عين بلى» ...... «مآتم الأنواح» و هو تحريف.

[10]ورد هذا البيت في ب، س هكذا:

أوحشت حجرتي و ردّ أناتي # منها في بكور و عنه كل رواح‏

و كله تحريف. و في جـ بأقل من هذا التحريف. و قد صححته كما ترى. و الحجزة: معقد الإزار. و الردن: أصل الكم.

283

و اذكريها إذا ذكرت بما قد # كان فيها من مرفق و صلاح‏[1]

/آبنوس دهماء حالكة اللّو # ن لباب من اللّطاف الملاح‏[2]

ذات نفع خفيفة القدر و المحـ # مل حلكوكة الذّرا و النواحي‏[3]

و سريع جفوفها إن محاها # عند ممل مستعجل القوم ماحي‏[4]

هي كانت على‏[علومي‏][5]و الآ # داب و الفقه عدّتي و سلاحي

كنت أغدو بها على طلب العلـ # م إذا ما غدوت كلّ صباح

هي كانت غذاء زوري إذا زا # ر، و ريّ النديم يوم الصطباحي‏[6]

-يعني أنه يعمل فيها الشعر و يطلب لزوّاره المأكول و المشروب-

آب عسري و غاب يسري و جودي # حين غابت و غاب عنّي سماحي‏

هجاؤه أحمد بن يوسف‏

أخبرني محمّد بن خلف وكيع قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا عبد اللّه بن أحمد قال:

كان محمّد بن يسير يعادي أحمد بن يوسف، فبلغه أنه يتعشّق جارية سوداء مغنّية، فقال/ابن يسير يهجوه:

أقول لمّا رأيته كلفا # بكلّ سوداء نزرة قذره‏[7]

أهل لعمري لما كلفت به # عند الخنازير تنفق العذره‏[8]

/أخبرني وكيع قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثنا أبو العواذل قال: عوتب محمّد بن يسير على حضور المجالس بغير ورق و لا محبرة، و أنه لا يكتب ما يسمعه، فقال:

ما دخل الحمّام من علمي # فذاك ما فاز به سهمي‏[9]

و العلم لا ينفعني جمعه # إذا جرى الوهم على فهمي‏

قوله في ألواح الآبنوس أيضا

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن يزيد قال:

[1]المرفق من الأمر (كمجلس و منبر) : ما ارتفقت و انتفعت به.

[2]في الأصول: «و هما» ؛ تحريف. و الدهماء: السوداء و لباب كل شي‏ء و لبه: خالصه و خياره.

[3]الحلكة بالضم: شدّة السواد، و هو حالك و حلكوك كعصفور.

[4]في ب، س: «جفونها» و في جـ «خفوتها» تحريف.

[5]زيادة يقتضيها المقام.

[6]الزور: الزائرون.

[7]كلفا: مولعا، و امرأة نزور و نزرة (بكسر الزاي و سكن هنا للشعر) : قليلة الولد أو قليلة اللبن.

[8]تنفق: تروج. و العذرة: الغائط.

[9]أي ما دخل معي الحمام عن علمي؛ و ذلك أن المرء إذا دخل الحمام تجرّد من ثيابه و كتبه و غيرها و لكنه لا يتجرّد من علمه، يريد أن علمه محفوظ في صدره. ـ

284

كان محمّد بن يسير يعاشر ولد جعفر بن سليمان، فأخذ منه قثم بن جعفر ألواح آبنوس كان يكتب فيها بالليل، فقال ابن يسير في ذلك:

أبقت الألواح إذ أخذت # حرقة في القلب تضطرم

زانها فصّان من صدف # و احمرار السّيّر[1]و القلم

و تولّى أخذها قثم # لا تولّى نفعها قثم‏

شعره إلى بعض الهاشميين و قد جفاه‏

أخبرني الأخفش قال: حدّثنا محمّد بن يزيد قال:

كان محمّد بن يسير يعاشر بعض الهاشميين، ثم جفاه الهاشميّ لملال كان فيه فكتب إليه ابن يسير قوله:

قد كنت منقبضا و أنت بسطتني # حتى انبسطت إليك ثم قبضتني

أذكرتني خلق النّفاق و كان لي # خلقا فقد أحسنت إذ أذكرتني

لو دام ودّك و انبسطت إلى امرئ # في الودّ بعدك كنت أنت غررتني

فهلمّ نجتذب التّذاكر بيننا # و نعود بعد كأنّنا لم نفطن‏[2]

قوله و قد أفاق من سكر

أخبرني أحمد بن العبّاس العسكريّ قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثنا مسعود بن يسير قال:

شرب محمّد بن يسير نبيذا مع قوم فأسكروه، حتى خرج من عندهم و هو لا يعقل فأخذ رداءه و عثر في طريقه و أصاب وجهه آثار؛ فلما أفاق أنشأ يقول:

شاربت قوما لم أطق شربهم # يغرق في بحرهم بحري

لمّا تجارينا إلى غاية # قصّر عن صبرهم صبري

خرجت من عندهم مثخنا[3] # تدفعني الجدر إلى الجدر

مقبّح المشي كسير الخطا # تقصر عند الجدّ عن سيري‏[4]

فلست أنسى ما تجشّمت‏[5]من # كدح و من جرح و من أثر[6]

و شقّ ثوب و توى‏[7]آخر # و سقطة بان بها ظفري‏

[1]السير: ما قد من الجلد طولا.

[2]فطن إليه و له، كفرح و نصر و كرم: فهم.

[3]أثخنه: أوهنه بالجراحة و أضعفه.

[4]في الأصول:

«مقبح المشي كثير الخطا # يقصر عند الجدّ عن سري»

[5]في الأصول «ما نحبى: من» و هو تحريف و الوزن غير مستقيم؛ و قد صححته كما ترى.

[6]الكدح: كل أثر من خدش أو عض. و قيل: الكدح أكبر من الخدش. و الأثر: أثر الجرح يبقى بعد البرء.

[7]توى كفرح توى: هلك. و في ب، س «و ثور أخد» و في جـ: «و ثوى أخذ» و هو تحريف.

285

حدّثني عمّي و جحظة عن أحمد بن الطبيب قال: حدّثنا بعض أصحابنا عن مسعود بن يسير، ثم ساق الخبر مثله سواء.

أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثني أبو العيناء قال:

اجتمع جعيفران الموسوس و محمّد بن يسير في بستان، فنظر إلى محمّد بن يسير و قد انفرد/ناحية للغائط، ثم قام عن شي‏ء عظيم خرج منه، فقال جعيفران:

قد قلت لابن يسير # لمّا رمى من عجانه‏[1]

/في الأرض تلّ سماد # علا على كثبانه‏[2]

طوبى لصاحب أرض # خرئت في بستانه‏

قال: فجعل ابن يسير يشتم جعيفران و يقول: أيّ شي‏ء أردت مني يا مجنون يا ابن الزانية حتى صيّرتني شهرة[3]بشعرك!!

شعره إلى والي البصرة يستسقيه نبيذا

أخبرني جحظة قال: حدّثني سوار بن أبي شراعة قال: حدّثني عبد اللّه بن محمّد بن يسير قال:

كان أبي مشغوفا بالنبيذ مشتهرا بالشّرب، و ما بات قطّ إلاّ و هو سكران، و ما نبذ قطّ نبيذا، و إنما كان يشربه عند إخوانه و يستسقيه منهم، فأصبحنا بالبصرة يوما على مطر هادّ[4]، و لم تمكنه معه الحركة إلى قريب من إخوانه و لا بعيد و كاد[5]يجنّ لمّا فقد النبيذ. فكتب إلى والي البصرة و كان هاشميا، و هو محمّد بن أيّوب بن جعفر بن سليمان قال:

كم في علاج نبيذ التمر لي تعب # الطبخ و الدّلك و المعصار و العكر[6]

و إن عدلت إلى المطبوخ معتمدا # رأيتني منه عند الناس أشتهر[7]

نقل الدّنان إلى الجيران يفضحني # و القدر تتركني في القوم أعتذر

فصرت في البيت أستسقي و أطلبه # من الصّديق و رسلي فيه تبتدر[8]

فمنهم باذل سمح بحاجتنا # و منهم كاذب بالزّور يعتذر

/فسقّني ريّ أيّام لتمنعني # عمّن سواك و تغنيني فقد خسروا

إن كان زقّ فزقّ أو فوافرة # من الدّساتيج لا يزري بها الصّفر[9]

[1]العجان: الاست.

[2]كثبان: جمع كثيب، و هو التل من الرمل.

[3]الشهرة: ظهور الشي‏ء في شنعة.

[4]هادّ، من الهدّ و هو الصوت، يقال هدّ يهدّ (مثل فر) ، و ما سمعنا العام هادة. أي رعدا.

[5]في الأصول: «و كان» .

[6]المعصار: الّذي يجعل فيه الشي‏ء فيعصر. العكر: دردى كل شي‏ء.

[7]اشتهر: أظهر في شنعة. شهره كمنعه و شهره و اشتهره فاشتهر.

[8]تبتدر: تستبق.

[9]الصفر: الفراغ و الخلو، عنى أنها ممتلئة، و في ب، س «السفر» ، تحريف.

286

و إن تكن حاجتي ليست بحاضرة # و ليس في البيت من آثارها أثر

فاستسق غيرك أو فاذكر له خبري # إن اعتراك حياء منه‏[1]أو حصر

ما كان من ذلكم فليأتني عجلا # فإنّني واقف بالباب أنتظر

لا لي نبيذ و لا حرّ فيدعوني # و قد حماني من تطفيلي المطر[2]

قال: فضحك لمّا قرأها، و بعث إليه بزقّ نبيذ و مائتي درهم، و كتب إليه: اشرب النبيذ و أنفق الدراهم إلى أن يمسك المطر و يتّسع لك التطفيل، و متى أعوزك مكان فاجعلني فيئة[3]لك، و السلام.

صوت‏

أنت حديثي في النوم و اليقظه # أتعبت ممّا أهذي بك الحفظه

كم واعظ فيك لي و واعظة # لو كنت ممن تنهاه عنك عظه‏

الشعر لديك الجنّ الحمصيّ. و الغناء لعريب، هزج، ذكر ذلك ذكاء وجه الرّزّة و قمريّ جميعا، و اللّه أعلم [1]في الأصول: «منك» و هو تحريف. و الحصر: العي و ضيق الصدر.

[2]طفل: تطفل.

[3]الفيئة بالفتح و الكسر: الرجوع: أي فاجعلني مرجعا لك.

287

3-أخبار ديك الجنّ و نسبه‏

نسبه و نبذة في ترجمته‏

/ديك الجنّ لقب غلب عليه‏[1]، و اسمه عبد السّلام بن رغبان‏[2]بن عبد السّلام بن حبيب بن عبد اللّه بن رغبان بن يزيد[3]بن تميم. و كان جدّه تميم ممن أنعم اللّه-عزّ و جلّ-عليه بالإسلام من أهل مؤتة[4]على يدي حبيب‏[5]بن مسلمة الفهريّ، و كان شديد التشعّب‏[6]و العصبيّة على العرب، يقول: ما للعرب علينا فضل، جمعتنا و إيّاهم ولادة إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلّم، و أسلمنا كما أسلموا، و من قتل منهم رجلا منّا قتل به، و لم نجد اللّه عزّ و جلّ فضّلهم علينا، إذ جمعنا[7]الدين.

و هو شاعر مجيد يذهب مذهب أبي تمّام و الشاميّين في شعره. من شعراء الدّولة العبّاسيّة. و كان من ساكني حمص، و لم يبرح نواحي الشأم، و لا وفد إلى العراق و لا إلى غيره منتجعا بشعره و لا متصدّيا لأحد. و كان يتشيّع تشيّعا حسنا، و له مراث كثيرة في الحسين بن عليّ-عليهما السلام-، منها قوله:

يا عين لا للقضا و لا الكتب # بكا الرّزايا سوى بكا الطّرب‏

/و هي مشهورة عند الخاص و العام، و يناح بها. و له عدّة أشعار في هذا المعنى، و كانت له جارية يهواها، فاتّهمها بغلام له فقتلها، و استنفد شعره بعد ذلك في مراثيها.

قصيدته في هجاء ابن عمه‏

قال أبو الفرج: و نسخت خبره في ذلك من كتاب محمّد بن طاهر، أخبره بما فيه ابن أخ لديك الجنّ يقال له أبو وهب الحمصيّ، قال:

كان عمّي خليعا ماجنا معتكفا[8]على القصف و اللهو، متلافا لما ورث عن آبائه، و اكتسب بشعره من أحمد [1]أصله دويبة توجد في البساتين (انظر «حياة الحيوان الكبرى» للدميري ج 1: ص 519) .

[2]ترجم له ابن خلكان (ج 1: 415) و قد جاء فيه: «و مولده سنة 161 هـ و توفى في أيام المتوكل سنة 235 أو سنة 236» .

[3]كذا في جـ، و «تاريخ ابن عساكر» (نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية رقم 1041 «تاريخ» جـ 24 ص 112) . و في ب، س، و «وفيات الأعيان» «زيد» .

[4]مؤتة: قرية من قرى البلقاء بمشارف الشام.

[5]كان من خواص معاوية و له معه في وقعة صفين آثار شكرها له.

[6]الشعوبية (بضم الشين) : الذين يحتقرون أمر العرب و يصغرون شأنهم و لا يرون لهم فضلا على غيرهم، و الواحد شعوبي، نسبة إلى شعوب. و شعوب: جمع شعب (بالفتح) ؛ و هو ما تشعب من قبائل العرب أو العجم. و لكن الشعوب بلفظ الجمع غلب على العجم و نسبوا إليه فقالوا شعوبي، كما قالوا أنصاري نسبة إلى الأنصار.

[7]يحتجون بقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ و قوله: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و بقوله صلّى اللّه عليه و سلّم في خطبته في حجة الوداع: «ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، كلكم لآدم و آدم من تراب» .

[8]في ب، س: «منعكفا» و هو تحريف، يقال: اعتكف و تعكف. قال في «القاموس المحيط» : «و لا تقل انعكف» . و القصف: اللهو

288

و جعفر ابني عليّ الهاشميّين، و كان له ابن عم يكنى أبا الطّيّب يعظه و ينهاه عما يفعله، و يحول بينه و بين ما يؤثره و يركبه من لذّاته و ربما هجم عليه و عنده قوم من السفهاء و المجّان و أهل الخلاعة، فيستخفّ بهم و به. فلما كثر ذلك على عبد السلام قال فيه:

مولاتنا يا غلام مبتكره # فباكر الكأس لي بلا نظره‏[1]

غدت على اللهو و المجون، على # أن الفتاة الحييّة الخفره‏[2]

لحبّها-لا عدمتها-حرق # مطويّة في الحشا و منتشره‏[3]

ما ذقت منها سوى مقبّلها # و ضمّ تلك الفروع منحدره‏[4]

و انتهرتني فمتّ من فرق # يا حسنها في الرّضا و منتهره‏[5]!

/ثم انثنت سورة الخمار بنا # خلال تلك الغدائر الخمره‏[6]

و ليلة أشرفت بكلكلها # عليّ كالطّيسان معتجره‏[7]

فتقت ديجورها إلى قمر # أثوابه بالعفاف مستتره‏[8]

عج عبرات المدام نحوي من # عشر و عشرين و اثنتي عشره‏[9]

قد ذكر الناس عن قيامهم # ذكرى بعقلي ما أصبحت نكره‏[10]

معرفتي بالصواب معرفة # غرّاء إمّا عرفتم النّكره‏[11]

يا عجبا من أبي الخبيث و من # سروحه في البقائر الدّثره‏[12]

-و اللعب، و يقال إنها مولدة. قال ابن دريد: لا أحسبه عربيا.

[1]باكره: بكر إليه، يريد: أسرع إليّ بالكأس. النظرة: التأخير في الأمر.

[2]غدت: في الأصول «عدت» و هو تصحيف، الحيية: في الأصول «الخبيثة» و هو تحريف. الخفرة: وصف من الخفر بالتحريك و هو شدّة الحياء.

[3]في ب، س: «يحبها لاعج منها و بي حرق» و هو تحريف. و في جـ: «يحنها... خرق» .

[4]الفروع: جمع فرع، و هو الشعر التام.

[5]انتهره و نهره: زجره. و في الأصول «و ابتهرتني» «و مبهّرة» ؛ و هو تصحيف، و الصواب بالنون لأنه في مقابله «الرضا» . و الفرق:

الخوف و الفزع.

[6]انثنت، في الأصول «انتبت» و هو تصحيف. سورة الخمر: حدتها. و خمار الخمر: ما أصاب الشارب من ألمها و صداعها و أذاها.

الغدائر: جمع غديرة، و هي الخصلة من الشعر. الخمر بالتحريك: كل ما واراك من شجر و غيره. و مكان خمر (بفتح فكسر) : كثير الخمر (بالتحريك) . و الغدائر الخمرة على التشبيه بذلك.

[7]الكلكل: الصدر. و في ب، س: «بعد كلكلها» و هو خطأ. الطيلسان: كساء من أكسية العجم أسود، فارسي معرب. و الاعتجار:

و لبسة كالالتحاف.

[8]الديجور: الظلام.

[9]عاجه يعوجه: أماله و عطفه، و أراد بعبرات المدام ما يصب منها في الكأس. و في الأصول «فحوي» و هو تحريف.

[10]قيامهم: أي بعثهم يوم القيامة. نكرة: اسم من الإنكار كنفقة من الإنفاق، بمعنى اسم المفعول أي منكرة. و في ب و س «نفرة» و في جـ «طفرة» و أراه تحريفا.

[11]غراء: معروفة مشهورة. إما: أصله إن ما، و ما زائدة بعد إن.

[12] «من أبي الخبيث» يريد «من أبي الطيب» قلب كنيته إلى الضد تهكما به و زراية عليه. و في الأصول «سروجه في البكائر» و هو

289

يحمل رأسا تنبو المعاول عن # صفحته و الجلامد الوعره‏[1]

/لو البغال الكمت ارتقت سندا # فيه لمدّت قوائما خدره‏[2]

و لا المجانيق فيه مغنية # ألف تسامى و ألف منكدره‏[3]

انظر إلى موضع المقصّ من الـ # هامة تلك الصّفيحة العجره‏[4]

فلو أخذتم لها المطارق # حرّانيّة صنعة اليد الخبره‏[5]

إذا لراحت أكفّ جلّتهم # كليلة و الأداة منكسره‏[6]

كم طربات أفسدتهنّ و كم # صفوة عيش غادرتها كدره

و كم إذا ما رأوك يا ملك الـ # موت لهم من أنامل خصره‏[7]

و كم لهم دعوة عليك و كم # قذفة أمّ شنعاء مشتهره

كريمة لؤمك استخفّ بها # و نالها بالمثالب الأشره‏[8]

قفوا على رحله تروا عجبا # في الجهل يحكي طرائف البصرة[9]

/يا كلّ مني و كلّ طالعة # نحس و يا كلّ ساعة عسره‏[10]

سبحان من يمسك السماء على الـ # أرض و فيها أخلاقك القذره‏

قصته مع زوجه ورد

قال: و كان عبد السلام قد اشتهر بجارية نصرانية من أهل حمص هويها و تمادى به الأمر حتى غلبت عليه -تحريف. سروحه، من سرحت الماشية سروحا، و البقير و البقيرة: برد يشق ثم تلقيه المرأة في عنقها من غير كمين و لا جيب، و الجمع بقائر. الدثرة: الوسخة؛ وصف من الدثر (بالتحريك) و هو الوسخ.

[1]تنبو: تكل. المعاول: جمع معول، و هو الفأس العظيمة الّتي ينقر بها الصخر. و الجلامد: جمع جلمد كجعفر و هو الصخر كالجلمود. و الوعرة (بكسر العين) : ضد السهلة كالوعرة (بسكونها) .

[2]في الأصول: «لو لا البغال» تحريف. و كلمة «الكمت» ساقطة من ب، س. و الكمت: جمع كميت، كسروه على مكبره المتوهم، وصف من الكمتة: و هي لون بين السواد و الحمرة. و السند: ما قابلك من الجبل و علا عن السفح. و خدرت رجله كقرح: غشيها ثقل و فتور فلم تقو على المشي.

[3]في الأصول «معنية» و هو تصحيف. و المجانيق: جمع منجنيق (بفتح الميم و تكسر) : آلة ترمى بها الحجارة، معرّبة. و منكدرة، من انكدرت النجوم أي تناثرت، و انكدر أيضا: أسرع و انقض. و انكدر عليه القوم: انصبوا.

[4]في الأصول «الصبيحة» تحريف. و الصفيحة: الحجر العريض. و العجرة: الضخمة الصلبة.

[5]في الأصول «المطارف» بالفاء؛ و هو تصحيف. و حرانية: نسبة إلى حران، و هي مدينة على طريق الموصل و الشام و الروم، و قرية من قرى حلب، و قرية بغوطة دمشق. و خبر بالشي‏ء: عالم به. مثل خبير و خابر.

[6]جلتهم: كبارهم.

[7]خصرة: باردة. و تبرد أطراف المرء عند نزول الموت به.

[8]المثالب: العيوب جمع مثلبة (بفتح اللام و تضم) » . و في ب، س «دنا لها» تحريف. و في جميع الأصول: «الأشرة» و لعلها محرفة عن «الدفرة» بالدال أو الذال، وصف من الدفر (بالتحريك) . و الذفر كذلك، و هو النتن.

[9]الرحل: المنزل و المسكن. و البصرة: بلد معروف بالعراق و هو بفتح الباء، و كسرها، و يحرك، و تكسر الصاد.

[10]مني: يقال: مناه به يمنيه منيا، و مناه يمنوه منوا: إذا ابتلاه، و مني ببلية: ابتلي بها.

290

و ذهبت به. فلمّا اشتهر بها دعاها إلى الإسلام ليتزوّج بها، فأجابته لعلمها برغبته فيها، و أسلمت على يده، فتزوّجها، و كان اسمها وردا؛ ففي ذلك يقول:

انظر إلى شمس القصور و بدرها # و إلى خزاماها و بهجة زهرها[1]

لم تبل عينك أبيضا في أسود # جمع الجمال كوجهها في شعرها[2]

ورديّة الوجنات يختبر اسمها # من ريقها من لا يحيط بخبرها

و تمايلت فضحكت من أردافها # عجبا و لكنّي بكيت لخصرها

تسقيك كأس مدامة من كفّها # ورديّة و مدامة من ثغرها

قال: و كان قد أعسر و اختلّت حاله، فرحل إلى سلمية[3]قاصدا لأحمد بن عليّ الهاشميّ، فأقام عنده مدّة طويلة، و حمل ابن عمّه بغضه‏[4]إيّاه بعد مودّته له و إشفاقه عليه بسبب هجائه له على أن أذاع على تلك المرأة الّتي تزوّجها عبد السلام أنها تهوى غلاما له، و قرّر ذلك عند جماعة من أهل بيته و جيرانه و إخوانه، و شاع ذلك الخبر حتى أتى عبد السلام، فكتب إلى أحمد بن عليّ شعرا يستأذنه في الرجوع إلى حمص و يعلمه ما بلّغه من خبر المرأة من قصيدة أوّلها:

إنّ ريب الزمان طال انتكاثه # كم رمتني بحادث أحداثه‏[5]

/يقول فيها:

ظبي إنس قلبي مقيل ضحاه # و فؤادي بريره و كباثه‏[6]

و فيها يقول:

خيفة أن يخون عهدي و أن يضحي # لغيري حجوله و رعاثه‏[7]

و مدح أحمد بعد هذا؛ و هي طويلة. فأذن له فعاد إلى حمص؛ و قدّر[8]ابن عمّه وقت قدومه، /فأرصد له قوما يعلمونه بموافاته باب حمص. فلمّا وافاه خرج إليه مستقبلا و معنّفا على تمسّكه بهذه المرأة بعد ما شاع من ذكرها بالفساد، و أشار عليه بطلاقها، و أعلمه أنّها قد أحدثت في مغيبه حادثة لا يجمل به معها المقام عليها، و دسّ الرجل الّذي رماها به، و قال له: إذا قدم عبد السلام و دخل منزله فقف على بابه كأنّك لم تعلم بقدومه، و ناد باسم ورد؛ فإذا قال: من أنت؟فقل: أنا فلان. فلمّا نزل عبد السلام منزله و ألقى ثيابه، سألها عن الخبر و أغلظ عليها، فأجابته جواب من لم يعرف من القصّة شيئا. فبينما هو في ذلك إذ قرع الرجل الباب فقال: من هذا؟فقال: أنا [1]الخزامي: نبت زهره أطيب الأزهار نفحة.

[2]لم تبل: لم تختبر و لم تر. و في ب، س: «لم تبك» و هو تحريف.

[3]سلمية: بلبدة بالشام من أعمال حمص.

[4]في ب، س «على بغضه» . بزيادة «على» و هو خطأ.

[5]انتكاثه: انتقاضه.

[6]البرير: الأول من ثمر الأراك. و الكباث: النضيج منه.

[7]حجول: جمع حجل (بالفتح و الكسر) و هو الخلخال. و رعاث: جمع رعثة كوردة و رقبة، و هي القرط.

[8]في ب و س «وفر» و هو تحريف.

291

فلان. فقال لها عبد السلام: يا زانية، زعمت أنّك لا تعرفين من هذا الأمر شيئا!ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها، و قال في ذلك:

ليتني لم أكن لعطفك نلت # و إلى ذلك الوصال وصلت

فالذي منّي اشتملت عليه # العار ما قد عليه اشتملت

قال ذو الجهل قد حلمت و لا أعـ # لم أنّي حلمت حتى جهلت

لاثم لي بجهله و لما ذا # أنا وحدي أحببت ثم قتلت!

/سوف آسى طول الحياة و أبكيـ # ك على ما فعلت لا ما فعلت‏

و قال فيها أيضا:

لك نفس مواتية # و المنايا معاديه‏[1]

أيّها القلب لا تعد # لهوى البيض ثانيه

ليس برق يكون أخـ # لب من برق غانيه‏[2]

خنت سرّي و لم أخنـ # ك فموتي علانيه‏

قال: و بلغ السلطان الخبر فطلبه، فخرج إلى دمشق فأقام بها أياما. و كتب أحمد بن عليّ إلى أمير دمشق أن يؤمّنه، و تحمّل عليه بإخوانه حتى يستوهبوا جنايته‏[3]فقدم حمص و بلغه الخبر على حقيقته و صحّته، و استيقنه فندم، و مكث شهرا لا يستفيق من البكاء و لا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه، و قال في ندمه على قتلها:

يا طلعة طلع الحمام عليها # و جنى لها ثمر الرّدى بيديها

روّيت من دمها الثّرى و لطالما # روّى الهوى شفتيّ من شفتيها

قد بات سيفي في مجال وشاحها # و مدامعي تجري على خدّيها[4]

فو حقّ نعليها و ما وطئ الحصى # شي‏ء أعزّ عليّ من نعليها

ما كان قتليها لأنّي لم أكن # أبكي إذا سقط الذّباب عليها

لكن ضننت على العيون بحسنها # و أنفت من نظر الحسود إليها[5]

و هذه الأبيات تروى لغير ديك الجن.

/أخبرني بها محمّد بن زكريا الصحّاف قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني محمّد بن منصور قال:

[1]مواتية: موافقة مطاوعة.

[2]أخلب: أخدع، من حلبه كنصره: خدعه؛ و يقال: برق خلب (كسكر) : أي مطمع مخلف. و الغانية: المرأة الّتي تطلب و لا تطلب، أو الغنية بحسنها عن الزينة.

[3]في الأصول: «خيانته» تصحيف.

[4]الوشاح: أديم عريض يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها و كشحها. و في «تاريخ ابن عساكر» «في مجال خناقها» .

[5]في «وفيات الأعيان و ابن عساكر» :

لكن بخلت على سواي بحبها # و أنفت من نظر الغلام إليها

292

كان من غطفان رجل يقال له السّليك بن مجمّع، و كان من الفرسان، و كان مطلوبا في سائر القبائل بدماء قوم قتلهم، و كان يهوى/ابنة عمّ له، و كان خطبها مدّة فمنعها أبوها، ثم زوّجه إياها خوفا منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسا كلّهم يطلبه بذحل‏[1]، فحلّقوا[2]عليه، و قاتلهم و قتل منهم عددا، و أثخن بالجراح آخرين، و أثخن هو حتى أيقن بالموت. فعاد إليها فقال: ما أسمح بك نفسا لهؤلاء، و إني أحبّ أن أقدّمك قبلي. قالت: افعل، و لو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك. فضربها بسيفه حتى قتلها، و أنشأ يقول:

يا طلعة طلع الحمام عليها

و ذكر الأبيات المنسوبة إلى ديك الجن، ثم نزل إليها فتمرّغ في دمها و تخضّب به، ثم تقدّم فقاتل حتى قتل.

و بلغ قومه خبره، فحملوه و ابنة عمّه فدفنوهما. قال: و حفظت فزارة عنه هذه الأبيات فنقلوها. قال: و بلغني أن قومه أدركوه و به رمق، فسمعوه يردّد هذه الأبيات، فنقلوها و حفظوها عنه، و بقي عندهم يوما ثم مات.

و قال ديك الجن في هذه المقتولة[3]:

أشفقت أن يرد الزمان بغدره # أو أبتلى بعد الوصال بهجره

/قمر أنا استخرجته من دجنه # لبليّتي و جلوته من خدره

فقتلته و له عليّ كرامة # مل‏ء الحشى و له الفؤاد بأسره

عهدي به ميتا كأحسن نائم # و الحزن يسفح عبرتي في نحره

لو كان يدري الميت ما ذا بعده # بالحيّ حلّ بكى له في قبره

غصص تكاد تفيظ منها نفسه # و تكاد تخرج قلبه من صدره‏[4]

و قال فيها أيضا:

أ ساكن حفرة و قرار لحد # مفارق خلّة من بعد عهد[5]

أجبني إن قدرت على جوابي # بحقّ الودّ كيف ظللت بعدي

و أين حللت بعد حلول قلبي # و أحشائي و أضلاعي و كبدي؟

أما و اللّه لو عاينت وجدي # إذا استعبرت‏[6]في الظّلمات وحدي‏

[1]الذحل: الثأر، و في ب، س «بدم» .

[2]في الأصول: «فحنقوا» و أراه محرفا.

[3]في «وفيات الأعيان» : «و يروى أن المتهم بالجارية غلام كان يهواه فقتله أيضا، و صنع فيه أبياتا و هي... و أورد الأبيات» . و في «ابن عساكر» : «و كان له غلام كالشمس و جارية كالقمر، و كان يهواهما جميعا، فدخل يوما منزله، فوجد الجارية معانقة للغلام تقبله، فشدّ عليهما فقتلهما، ثم جلس عند رأس الجارية فبكاها طويلا، ثم قال: يا طلعة طلع الحمام...... الأبيات، ثم جلس عند رأس الغلام فبكاه و أنشأ يقول: أشفقت أن يرد الزمان... الأبيات» .

[4]فاظت نفسه تفيظ: خرجت روحه، مثل فاضت تفيض؛ و كرهها بعضهم، و زعم أبو عبيدة أنها لغة لبعض تميم.

[5]الخلة: الصديق للذكر و الأنثى و الواحد و الجمع.

[6]استعبر: جرت عبرته. ـ

293

و جدّ تنفّسي و علا زفيري # و فاضت عبرتي في صحن خدّي

إذا لعلمت أنّي عن قريب # ستحفر حفرتي و يشقّ لحدي

و يعذلني السفيه على بكائي # كأنّي مبتلى بالحزن و حدي

يقول قتلتها سفها و جهلا # و تبكيها بكاء ليس يجدي

كصيّاد الطّيور له انتحاب # عليها و هو يذبحها بحدّ

و قال فيها أيضا:

ما لامرئ بيد الدّهر الخئون يد # و لا على جلد الدّنيا له جلد

طوبى لأحباب أقوام أصابهم # من قبل أن عشقوا موت فقد سعدوا

/و حقّهم إنّه حقّ أضنّ به # لأنفدنّ‏[1]لهم دمعي كما نفدوا

يا دهر إنّك مسقي بكأسهم # و وارد ذلك الحوض الّذي وردوا

/الخلق ماضون و الأيّام تتبعهم # نفنى‏[جميعا][2]و يبقى الواحد الصّمد

و قال فيها:

أ ما آن للطّيف أن يأتيا # و أن يطرق الوطن الدّانيا

و إنّي لأحسب ريب الزّما # ن يتركني جسدا باليا

سأشكر ذلك لا ناسيا # جميل الصّفاء و لا قاليا[3]

و قد كنت أنشره ضاحكا # فقد صرت أنشره باكيا

و قال أيضا:

قل لمن كان‏[4]وجهه كضياء الـ # شّمس في حسنه و بدر منير

كنت زين الأحياء إذ كنت فيهم # ثم‏[قد][5]صرت زين أهل القبور

بأبي أنت في الحياة و في المو # ت و تحت الثرى و يوم النّشور

خنتني في المغيب و الخون نكر # و ذميم في سالفات الدّهور

فشفاني سيفي و أسرع في حـ # زّ التّراقي قطعا و حزّ النّحور[6]

[1]في الأصول «لا ينفذن» و هو تحريف.

[2]زيادة يستقيم بها الكلام. و قد جاء هذا الشطر في س: «تفنى و لم يبق إلا الواحد الصمد» .

[3]قاليا: مبغضا كارها.

[4]في ب، جـ: «لمن قال» .

[5]زيادة يستقيم بها الشعر. و قد جاء هذا الشطر في س: «و لقد صرت... » .

[6]في الأصول: «فسقاني» و هو تصحيف.

294

قوله في غلامه الّذي يقال له بكر

قال أبو الفرج: و نسخت من هذا الكتاب قال:

كان ديك الجنّ يهوى غلاما من أهل حمص يقال له بكر، و فيه يقول و قد جلسا يوما يتحدثان إلى أن غاب القمر:

دع البدر فليغرب فأنت لنا بدر # إذا ما تجلّى من محاسنك الفجر

/إذا ما انقضى سحر الذين ببابل # فطرفك لي سحر و ريقك لي خمر[1]

و لو قيل لي قم فادع أحسن من ترى # لصحت بأعلى الصوت يا بكر يا بكر

قال: و كان هذا الغلام يعرف ببكر بن دهمرد. قال: و كان شديد التمنّع و التصوّن، فاحتال قوم من أهل حمص فأخرجوه إلى متنزّه‏[2]لهم يعرف بميماس، فأسكروه و فسقوا به جميعا، و بلغ ديك الجنّ الخبر فقال فيه:

قل لهضيم الكشح ميّاس # انتقض العهد من النّاس‏[3]

يا طلعة الآس الّتي لم تمد # إلاّ أذلّت قضب الآس‏[4]

وثقت بالكأس و شرّابها # و حتف أمثالك في الكاس‏[5]

و حال ميماس و يا بعد ما # بين مغيثيك و ميماس‏[6]

تقطيع أنفاسك في أثرهم # و ملكهم قطّع أنفاسي‏[7]

لا بأس مولاي، على أنها # نهاية المكروه و الباس

هي اللّيالي و لها دولة # و وحشة من بعد إيناس

بينا أنافت و علت بالفتى # إذ قيل حطّته على الرّاس

/فاله و دع عنك أحاديثهم # سيصبح الذّاكر كالنّاسي‏

و قال فيه أيضا:

يا بكر ما فعلت بك الأرطال # يا دار ما فعلت بك الأيام‏[8]

[1]بابل: مدينة بالعراق ينسب إليها السحر و الخمر.

[2]في الأصول «منتزه» و هو تصحيف. جاء في «المصباح المنير» و قال ابن قتيبة: «ذهب بعض أهل العلم في قول الناس: خرجوا يتنزهون إلى البساتين أنه غلط و هو عندي ليس بغلط؛ لأن البساتين في كل بلد إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل و البيوت، ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر و الجنان» .

[3]هضيم الكشح: ضامر الخصر. و مياس: متبختر.

[4]الآس: شجر عطر الرائحة. و ماد يميد: تحرك و تبختر.

[5]في الأصول «و حيف» تصحيف.

[6]كذا في الأصول: و لا معنى له. و لعل صوابه:

«... و يا بعده # بين مغيثيك و معاس»

و معاس: جمع ماعس، من معس المرأة:

وطئها. أي حال ابتعادك في هذا المنتزه بين المغيثين لك و بين الفاتكين بك.

[7]الأثر: إكثار الفحل من ضراب الناقة؛ و قد أثرها كنصر. و ملكهم: من ملك العجين كضرب ملكا: أنعم عجنه. كملكه و أملكه.

[8]في جـ، ب: «بل يا دار» و لا يستقيم به الوزن. الأرطال: يعني بها أرطال الخمر. و من تعبيرهم المألوف في هذا الصدد قولهم في الشارب: «شرب رطلا» . قال أحمد بن يوسف من أبيات:

فعين الرأي أن تأتي برطل # فتشربه و تدعو لي برطل‏

295

/

في الدار بعد بقيّة نستامها # إذ ليس فيك بقيّة تستام‏[1]

عرم الزّمان على الدّيار برغمهم # و عليك أيضا للزّمان عرام‏[2]

شغل الزمان كراك في ديوانه # فتفرّغت لدواتك الأقلام‏[3]

قال فيه أيضا:

قولا لبكر بن دهمرد إذا اعتكرت # عساكر اللّيل بين الطّاس و الجام‏[4]

أ لم أقل لك إنّ البغي مهلكة # و البغي و العجب إفساد لأقوام

قد كنت تفرق من سهم بغانية # فصرت غير رميم رقعة الرامي‏[5]

و كنت تفزع من لمس و من قبل # فقد ذللت لإسراج و إلجام

إن تدم فخذاك من ركض فربّتما # أمسي و قلبي عليك الموجع الدامي‏

/أخبرني أبو المعتصم عاصم بن محمّد الشاعر بأنطاكية، و بها أنشدني قصيدة البحتريّ:

ملامك إنّه عهد قريب # و رزء ما انقضت منه النّدوب‏[6]

و أنشدني لديك الجنّ يعزّي جعفر بن عليّ الهاشميّ:

نغفل و الأيّام لا تغفل # و لا لنا من زمن موئل

و الدّهر لا يسلم من صرفه # أعصم في القنّة مستوعل‏[7]

يتّخذ الشّعرى شعارا له # كأنما الأفق له منزل‏[8]

كأنّه بين شناظيرها # بارقة تكمن أو تمثل‏[9]

و لا حباب صلتان السّرى # أرقم لا يعرف ما يجهل‏[10]

[1]السوم: عرض السلعة على البيع، و استامه إياها: غالى.

[2]عرم (كنصر و ضرب و علم و كرم عرامة و عراما) : اشتدّ. و في الأصول‏

«غرم... عزم... غرام»

و هو تصحيف.

[3]في س «فتفرقت» و هو تحريف، و كنى بالدواة و الأقلام عما يستقبح ذكره.

[4]اعتكر الليل: اشتد سواده و التبس، و اعتكروا: اختلطوا في الحرب، و اعتكر العسكر: رجع بعضهم على بعض فلم يقدر على عدّهم. و الجام: إناء من فضة.

[5]تفرق: تفزع. و أراد بسهم الغانية: عينها. غير رميم: غير بال، من رم العظم (كضرب) إذا بلى و ربما كان غير ذميم» أو «دميم» .

[6]البيت مطلع قصيدة للبحتري يرثي غلامه قيصر. ملامك: أي دع ملامك و اكفف. و في «الديوان» «ما عفت منه الندوب» و عفا الأثر:

درس و امّحى.

[7]صرف الدهر: حدثانه و نوائبه. و الأعصم من الوعول: ما في ذراعيه أو في إحداهما بياض و سائره أسود أو أحمر. و القنة: أعلى الجبل كالقلة. و استوعل الوعل: إذا ذهب في قلة الجبل.

[8]الشعرى: كوكب نير يطلع بعد الجوزاء، و هما شعريان: الشعرى العبور، و الشعرى الغميصاء و في ب، س «الشعر» و هو تحريف.

و أصل الشعار: ما ولى شعر الجسد من الثياب.

[9]شناظير الجبل: أطرافه و حروفه، الواحد شنظير كخنزير.

[10]الحباب: الحية، و هو معطوف على أعصم. و الصلتان: النشيط الحديد الفؤاد من الخيل. و السرى: سير عامة الليل. و الأرقم:

أخبث الحيات و أطلبها للناس.

296

نضناض فيفاء يرى أنّه # بالرمل غان و هو المرمل‏[1]

يطلب من فاجئة معقلا # و هو لما يطلب لا يعقل

و الدهر لا يسلم من صرفه # مسربل بالسّرد مستبسل‏[2]

/و لا عقنباة السّلامى لها[3] # في كلّ أفق علق مهمل

فتخاء في الجوّ خداريّة # كالغيم و الغيم لها مثقل‏[4]

آمن من كان لصرف الرّدى # أنزلها من جوّها منزل

و الدّهر لا يحجبه مانع # يحجبه العامل و المنصل‏[5]

يصغي جديداه إلى حكمه # و يفعل الدهر بما يفعل‏[6]

كأنّه من فرط عزّ به # أشوس إذ أقبل أو أقبل‏[7]

الأقبل: الّذي في عينه قبل، و هو دون الحول.

في حسب أوفى، له جحفل # يقدمه من رأيه جحفل‏[8]

بينا على ذلك إذ عرّشت # في عرشه داهية ضئبل‏[9]

إن يك في العزّ له مشقص # ماض فقد تاح له مقتل‏[10]

/جاد على قبرك من ميّت # بالرّوح ربّ لك لا يبخل‏[11]

/و حنّت المزن على قبره # بعارض نجوته محفل‏[12]

[1]حية نضناض و نضناضة: لا تستقر في مكان، أو إذا نهشت قتلت من ساعتها. و الفيفاء و الفيفاة: المفازة. غان: غنيّ. و في الأصول: «عان» تصحيف. مرمل: من أرمل إذا نفد زاده.

[2]السرد هنا: الدرع المسرودة أي المنسوجة. و سربله: ألبسه السربال، و هو الدرع أو كل ما لبس.

[3]في «معجم البلدان» السلامي: اسم موضع مضافا إليه «ذو» . و المعروف في كلامهم «عقاب ملاع» (كسحاب و كتاب) ، و عقاب عقنباة و عبنقاة و بعنقاة: ذات مخالب حداد، و يقال: عقاب ملاع بالإضافة، و عقاب ملاع و ملوع كصبور على النعت، أي خفيفة الضرب و الاختطاف، و ملاع قيل هو من نعت العقاب، و قيل اسم هضبة عقبانها أخبث العقبان، و قيل أرض أضيفت إليها عقاب في قولهم:

أودت بهم عقاب ملاع، و قيل المفازة لا نبات بها. و العرب تقول في أمثالها: «أبصر من عقاب ملاع» ؛ لأن عقاب الصحراء أبصر و أسرع من عقاب الجبال. و العلق: الدم عامة أو الشديد الحمرة أو الغليظ أو الجامد، يريد به دم الفرائس الّتي تصرعها العقاب.

[4]الفتخاء من العقبان: اللينة الجناح. و خدارية: سوداء.

[5]مانع: أي سيد مسلط مانع لحوزته حام لذماره. و عامل الرمح و عاملته: صدره. و المنصل: السيف.

[6]الجديدان: الليل و النهار. و الضمير في «جديداه» للدهر، و في «حكمه» لمانع و كذا في «يفعل» الثاني.

[7]الأشوس: الّذي ينظر بمؤخر العين تكبرا أو تغيظا.

[8]في ب و س. «في حب» و في كل الأصول: «فله جحفل» : و هو تحريف.

[9]عرشت: بنت عريشا. و الضئبل: الداهية.

[10]المشقص: النصل العريض أو الطويل. و تاح له الشي‏ء يتيح و يتوح: تهيأ.

[11]الروح: الرحمة.

[12]المزن: السحاب. و العارضي: السحاب الّذي يعترض في أفق السماء. و النجوة: ما ارتفع من الأرض فلم يعله السيل. و المحفل:

مجتمع الماء حيث يحفل أي يجتمع.

297

غيث ترى الأرض على وبله # تضحك إلا أنّه يهمل‏[1]

يصلّ و الأرض تصلّي له # من صلوات معه تسأل‏[2]

أنت أبا العبّاس عبّاسها # إذا استطار الحدث المعضل‏[3]

و أنت ينبوع أفانينها # إذا هم في سنة أمحلوا

و أنت علاّم غيوب النّثا # يوما إذا نسأل أو نسأل‏[4]

نحن نعزّيك و منك الهدى # مستخرج و النّور مستقبل‏[5]

نقول بالعقل و أنت الّذي # نأوي إليه و به نعقل

نحن فداء لك من أمّة # و الأرض و الآخر و الأوّل

إذا غفا عنك و أودى بها # ذا الدهر فهو المحسن المجمل‏[6]

رثاؤه جعفر بن علي الهاشميّ‏

قال أبو المعتصم: ثم مات جعفر بن عليّ الهاشمي، فرثاه ديك الجن فقال:

على هذه كانت تدور النوائب # و في كلّ جمع للذهاب مذاهب

/نزلنا على حكم الزّمان و أمره # و هل يقبل النّصف الألدّ المشاغب؟[7]

و تضحك سنّ المرء و القلب موجع # و يرضى الفتى عن دهره و هو عاتب

ألا أيّها[8]الرّكبان و الرّدّ واجب # قفوا حدّثونا ما تقول النّوادب

إلى أيّ فتيان النّدى قصد الرّدى # و أيّهم نابت حماه النّوائب؟

فيا لأبي العبّاس كم ردّ راغب # لفقدك ملهوفا و كم جبّ غارب‏[9]

و يا لأبي العبّاس إنّ مناكبا # تنوء بما حمّلتها لنواكب

فيا قبره جد كلّ قبر بجوده # ففيك سماء ثرّة و سحائب‏[10]

[1]الوبل: المطر الشديد الضخم القطر. و تضحك: تتفتح فيها الزهر، و هملت السماء: دام مطرها في سكون.

[2]في الأصول «يصلي» و هو تحريف. و يصل: يصوّت. و تصلى له، أي تصل لأجله شكرا للّه. «معه تسأل» كذا في الأصول، و لعله «دمعه تسال» أي تسال انهلاله و انصبابه.

[3]استطار: انتشر و تفرق.

[4]في ب، س: «غبوب الثناء» و في جـ «عيوب الثناء» و هو تصحيف: و نثا الحديث و الخبر نثوا: حدث به و أشاعه و أظهره، و الاسم منه النثا. و في الأصول «إذا نسأل أو تسأل» و هو تصحيف.

[5]في الأصول: «نحن نجزيك» تحريف، و في «المثل الثائر» -باب الفرقات ص 468: - «و الضبر» بدل «و النور» .

[6]في طبعة بولاق «عفا» . و غفا: نام نومة خفيفة.

[7]النصف (بفتح النون و ضمها و كسرها) : الإنصاف. و الألدّ: الخصم الشحيح الّذي لا يرجع إلى الحق.

[8]في الأصول: «إنها» ، و هو تصحيف.

[9]في الأصول: «حب عارب» تصحيف. و الغارب: الكاهل.

[10]ثرة: غزيرة. و الجود: المطر الغزير.

298

فإنّك لو تدري بما فيك من علا # علوت و باتت في ذراك الكواكب‏[1]

أخا كنت أبكيه دما و هو نائم # حذارا و تعمى مقلتي و هو غائب

فمات و لا صبري على الأجر واقف # و لا أنا في عمر إلى اللّه راغب

أ أسعى لأحظى فيك بالأجر إنّه # لسعي إذن منّي لدى اللّه خائب

و ما الإثم إلاّ الصّبر عنك و إنّما # عواقب حمد أن تذمّ العواقب

يقولون: مقدار على المرء واجب # فقلت: و إعوال على المرء واجب

هو القلب لمّا حمّ يوم ابن أمّه # و هي جانب منه و أسقم جانب

ترشّفت أيّامي و هنّ كوالح # عليك، و غالبت الرّدى و هو غالب

و دافعت في صدر الزّمان و نحره # و أيّ يد لي و الزمان محارب؟

و قلت له: خلّ الجواد لقومه # و ها أنا ذا فازدد فإنّا عصائب‏[2]

/فو اللّه إخلاصا من القول صادقا # و إلاّ فحبّي آل أحمد كاذب

لو انّ يدي كانت شفاءك أو دمي # دم القلب حتّى يقضب القلب قاضب‏[3]

/لسلّمت تسليم الرّضا و تخذتها # يدا للرّدى ما حجّ للّه راكب

فتى كان مثل السيف من حيث جئته # لنائبة نابتك فهو مضارب

فتى همّه حمد على الدّهر رابح # و إن غاب عنه ماله فهو عازب

شمائل إن يشهد فهنّ مشاهد # عظام و إن يرحل فهنّ كتائب

بكاك أخ لم تحوه بقرابة # بلى إنّ إخوان الصّفاء أقارب

و أظلمت الدّنيا الّتي كنت جارها # كأنّك للدّنيا أخ و مناسب

يبرّد نيران المصائب أنّني # أرى زمنا لم تبق فيه مصائب‏

أبيات له في أهل حمص و قد عزلوا إمام مسجدهم‏

قال أبو الفرج: و نسخت من كتاب محمّد بن طاهر عن أبي طاهر:

إنّ خطيب أهل حمص كان يصلّي على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم على المنبر ثلاث مرات في خطبته، و كان أهل حمص كلّهم من اليمن، لم يكن فيهم من مضر إلاّ ثلاثة أبيات، فتعصّبوا على الإمام و عزلوه؛ فقال ديك الجنّ:

سمعوا الصّلاة على النبيّ توالى # فتفرّقوا شيعا و قالوا: لا لا

ثم استمرّ على الصلاة إمامهم # فتحزّبوا و رمى الرّجال رجالا

[1]ذراك: كنفك و ظلك.

[2]كذا في جـ. و في ب، س: «و هل ندّ فاردده» و هو تحريف.

[3]في الأصول: «لو أن دمي كانت شفاؤك» و هو تحريف. قضبه: قطعه.

299

يا آل حمص توقّعوا من عارها # خزيا يحلّ عليكم و وبالا

شاهت وجوهكم وجوها طالما # رغمت معاطسها و ساءت حالا[1]

صوت‏

أيا ابنة عبد الله و ابنة مالك # و يا ابنة ذي البردين و الفرس الورد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له # أكيلا فإنّي لست آكله وحدي‏

عروضه من الطويل. الشعر لقيس بن عاصم المنقريّ، و الغناء لعلّويه، ثقيل أوّل بالوسطى.

[1]شاهت: قبحت. و رغم أنفه (مثلثة الغين) : ذل عن كره. و المعطس، وزان مجلس و مقعد: الأنف.

300

4-أخبار قيس بن عاصم و نسبه‏

نسبه‏

هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس. و اسم مقاعس الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. و يكنى أبا عليّ. و أمّه أمّ أصعر بنت خليفة بن جرول بن منقر.

بعض صفاته‏

و هو شاعر فارس شجاع حليم كثير الغارات، مظفّر في غزاوته. أدرك الجاهليّة و الإسلام فساد فيهما. و هو أحد من وأد بناته‏[1]في الجاهليّة، و أسلم و حسن إسلامه، و أتى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و صحبه في حياته، و عمّر بعده زمانا، و روى عنه عدّة أحاديث.

وأده بناته في الجاهلية

أخبرني عمّي الحسن بن محمّد قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ عن أبيه قال:

وفد قيس بن عاصم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، فسأله بعض الأنصار عما يتحدّث به عنه من الموءودات الّتي وأدهنّ من بناته؛ فأخبر أنه ما ولدت له بنت قطّ إلاّ وأدها. ثم أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يحدثه فقال له: كنت أخاف سوء الأحدوثة و الفضيحة في البنات، فما ولدت لي بنت قطّ إلا وأدتها، و ما/رحمت منهن موءودة قطّ إلاّ بنيّة لي ولدتها أمّها و أنا في سفر، فدفعتها أمّها إلى أخوالها فكانت فيهم؛ و قدمت فسألت عن الحمل، فأخبرتني المرأة أنّها ولدت ولدا ميّتا. و مضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبيّة و يفعت، فزارت أمّها ذات يوم، فدخلت فرأيتها و قد ضفرت شعرها و جعلت في قرونها شيئا من خلوق‏[2]و نظمت عليها ودعا، و ألبستها قلادة جزع‏[3]، و جعلت في عنقها مخنقة[4]/بلح: فقلت، من هذه الصبيّة فقد أعجبني جمالها و كيسها؟[5]فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبّرتك أنّي ولدت ولدا ميّتا، و جعلتها عند أخوالها حتّى بلغت هذا المبلغ. فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها، ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة فجعلتها فيها و هي تقول: يا أبت‏[6]ما تصنع بي؟و جعلت أقذف عليها التّراب و هي تقول: يا أبت أ مغطّى أنت بالتّراب؟!أ تاركي أنت وحدي و منصرف عني؟!و جعلت أقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها و انقطع صوتها، فما رحمت أحدا ممن واريته غيرها. فدمعت عينا النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم ثم قال: «إنّ هذه لقسوة، [1]وأد ابنته: دفنها حية.

[2]الخلوق: ضرب من الطيب.

[3]الجزع بالفتح (و يكسر) : الخرز اليماني الصيني، فيه سواد و بياض، تشبه به الأعين.

[4]المخنقة: القلادة.

[5]الكيس: العقل.

[6]يا أبت: التاء فيه عوض من ياء المتكلم، و يجوز فيها الفتح و الكسر، و سمع فيها الضم أيضا. قال في «التسهيل» : «و جعلها هاء في الخط و الوقف جائز» ، و رسمت في المصحف بالتاء؛ قال الدماميني: «فرسمها بالتاء أولى» .