الأغاني - ج21

- ابو الفرج الأصفهاني المزيد...
266 /
5

الجزء الحادي و العشرون‏

تتمة التراجم‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ*

1-أخبار المنخل و نسبه‏

هو المنخّل بن عمرو-و يقال: المنخّل بن مسعود-بن أفلت بن عمرو بن كعب بن سواءة بن غنم بن حبيب بن يشكر بن بكر بن وائل. و ذكر أبو محلّم النسابة: أنه المدخل بن مسعود بن أفلت بن قطن بن سوأة بن مالك بن ثعلبة بن حبيب بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. و قال ابن الأعرابيّ: هو المنخّل بن الحارث بن قيس ابن عمرو بن ثعلبة بن عديّ بن جشم بن حبيب بن كعب بن يشكر.

يتهمه النعمان بالمتجردة فيقتله‏

:

شاعر مقلّ من شعراء الجاهلية، و كان النعمان بن المنذر قد اتهمه بامرأته المتجرّدة-و قيل: بل وجده معها، و قيل: بل سعي به إليه في أمرها فقتله، و قيل: بل حبسه، ثم غمض خبره، فلم تعلم له حقيقة إلى اليوم. فيقال: إنه دفنه حيّا، و يقال: إنه غرقه. و العرب تضرب به المثل كما تضربه بالقارظ العنزيّ‏[1]و أشباهه ممن هلك و لم يعلم له خبر. و قال ذو الرّمة:

تقارب حتى تطمع التابع الصّبا # و ليست بأدنى من إياب المنخّل‏

و قال النّمر بن تولب:

و قولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم # تلاقونه حتى يئوب المنخّل‏

تفصيل سبب قتله‏

:

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: أخبرني أحمد بن زهير قال: أخبرني عبد اللّه بن كريم قال:

أخبرني أبو عمرو الشيبانيّ قال:

كان سبب قتل المنخّل أنّ المتجرّدة-و اسمها ماويّة و قيل: هند بنت المنذر بن الأسود الكلبيّة-كانت عند ابن عم لها يقال له: حلم، و هو الأسود بن المنذر/بن حارثة الكلبيّ، و كانت أجمل أهل زمانها، فرآها المنذر بن المنذر الملك اللّخميّ فعشقها، فجلس ذات يوم على شرابه و معه حلم و امرأته المتجرّدة، فقال المنذر لحلم: إنه لقبيح بالرجل أن يقيم على المرأة زمانا طويلا حتى لا يبقى في رأسه و لا لحيته شعرة بيضاء إلا عرفتها، فهل لك أن تطلّق امرأتك المتجرّدة و أطلّق امرأتي سلمى؟قال: نعم، فأخذ كلّ واحد منهما على صاحبه عهدا. قال: فطلّق المنذر امرأته سلمى، و طلّق حلم امرأته المتجرّدة، فتزوّجها المنذر و لم يطلق لسلمى أن تتزوج حلما، و حجبها -و هي أمّ ابنه النعمان بن المنذر-فقال النابغة الذبياني يذكر ذلك:

قد خادعوا حلما عن حرّة خرد # حتى تبطّنها الخدّاع ذو الحلم‏

[1]هو يذكر بن عنزة، أو عامر بن رهم، و كلاهما من عنزة، خرجا في طلب القرظ فلم يرجعا.

6

قال: ثم مات المنذر بن المنذر، فتزوّجها بعده النعمان بن المنذر ابنه، و كان قصيرا دميما أبرش، و كان ممن يجالسه و يشرب معه النابغة الذبيانيّ-و كان جميلا عفيفا-و المنخّل اليشكريّ-و كان يتّهم-بالمتجردة.

فأما النابغة فإن النعمان أمره بوصفها فقال قصيدته التي أولها:

من آل ميّة رائح أو مغتدى # عجلان ذا زاد و غير مزوّد

و وصفها فأفحش فقال:

و إذا طعنت طعنت في مستهدف # رابي المجسّة بالعبير مقرمد[1]

و إذا نزعت نزعت عن مستحصف‏[2] # نزع الحزوّر[3]بالرشاء المحصد[4]

فغار المنخّل من ذلك، و قال: هذه صفة معاين، فهمّ النعمان بقتل النابغة حتى هرب منه، /و خلا المنخّل بمجالسته، و كان يهوى المتجردة و تهواه، و قد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخل، و كانت العرب تقول: إنهما منه. فخرج/النعمان لبعض غزواته-قال ابن الأعرابيّ: بل خرج متصيّدا-فبعثت المتجردة إلى المنخّل فأدخلته قبّتها، و جعلا يشربان، فأخذت خلخالها و جعلته في رجله، و أسدلت شعرها فشدّت خلخالها إلى خلخاله الذي في رجله من شدة إعجابها به. و دخل النعمان بعقب ذلك فرآها على تلك الحال، فأخذه فدفعه إلى رجل من حرسه من تغلب يقال له: عكبّ، و أمره بقتله، فعذّبه حتى قتله.

يحرض على عكب قاتله‏

:

فقال المنخّل يحرّض قومه عليه:

ألا من مبلغ الحيّين عنّي # بأن القوم قد قتلوا أبيّا

فإن لم تثأروا لي من عكبّ # فلا روّيتم أبدا صديا

و قال أيضا:

ظلّ وسط النديّ قتلى بلا جر # م و قومي ينتجون السّخالا[5]

من شعره في المتجردة

:

و قال في المتجرّدة:

ديار للّتي قتلتك غصبا # بلا سيف يعدّ و لا نبال

بطرف ميّت في عين حيّ # له خبل يزيد على الخبال‏

و قال أيضا:

و لقد دخلت على الفتا # ة الخدر في اليوم المطير

[1]مقرمد: مطلى.

[2]مستحصف: قليل البلولة ضيق.

[3]الحزور: الرجل القوي.

[4]المحصد: الحبل الشديد الفتل.

[5]السخال: أولاد الغنم من الضأن و المعز ساعة: يولد.

7

الكاعب الخنساء[1]تر # فل في الدّمقس و في الحرير

دافعتها فتدافعت # مشى القطاة إلى الغدير

و لثمتها فتنفّست # كتنفّس الظبي البهير[2]

و رنت و قالت يا منخّ # ل هل بجسمك من فتور؟[3]

/ما مس جسمي غير حبّ # ك فاهدئي عنّي و سيري

يا هند هل من نائل # يا هند للعاني الأسير؟

و أحبّها و تحبّني # و يحبّ ناقتها بعيري

و لقد شربت من المدى # مة بالكبير و بالصغير

فإذا سكرت‏[4]فإنني # ربّ الخورنق‏[5]و السرير

و إذا صحوت فإنني # ربّ الشّويهة و البعير

يا ربّ يوم-للمنخّ # ل قد لها فيه-قصير

رواية أخرى لخبر المنخل مع المتجردة

:

و أخبرني بخبر المنخّل مع المتجرّدة أيضا عليّ بن سليمان الأخفش قال: أخبرني أبو سعيد السكريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال:

كانت المتجردة امرأة النعمان فاجرة، و كانت تتّهم بالمنخّل، و قد ولدت للنعمان غلامين جميلين يشبهان المنخّل، فكان يقال: إنهما منه، و كان جميلا و سيما، و كان النعمان أحمر أبرش قصيرا دميما. و كان للنعمان يوم يركب فيه فيطيل المكث، و كان المنخّل من ندمائه لا يفارقه، و كان يأتي المتجرّدة في ذلك اليوم الذي يركب فيه النعمان فيطيل عندها، حتى إذا جاء النعمان آذنتها بمجيئه وليدة لها موكّلة بذلك فتخرجه.

فركب النعمان ذات يوم و أتاها المنخّل كما كان يأتيها فلا عبته، /و أخذت قيدا، فجعلت إحدى حلقتيه في رجله و الأخرى في رجلها، و غفلت الوليدة عن ترقّب النعمان؛ لأن الوقت الذي يجي‏ء فيه لم يكن قرب بعد، و أقبل النعمان حينئذ و لم يطل في‏[6]مكثه كما كان يفعل، فدخل إلى المتجرّدة، فوجدها مع المنخّل قد قيّدت رجلها، و رجله بالقيد، فأخذه النعمان فدفعه إلى عكبّ صاحب سجنه ليعذّبه-و عكبّ/رجل من لخم-فعذّبه حتى قتله.

و قال المنخّل قبل أن يموت هذه الأبيات، و بعث بها إلى ابنيه:

ألا من مبلغ الحرّين عنّي # بأن القوم قد قتلوا أبيا

[1]الخنس بالتحريك: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة، و في جـ: «الحسناء» .

[2]البهير: المتتابع الأنفاس.

[3]رواية «الحماسة» :

فدنت و قالت يا منخـ # ل ما بجسمك من حرور

[4]في جـ: «شربت» .

[5]الخورنق: قصر للنعمان الأكبر. و في «الحماسة» : «السدير» ، و هو نهر بناحية الحيرة.

[6]في جـ. ف: «و لم يطل في وجهه» .

8

و إن لم تثأروا لي من عكبّ # فلا أرويتما أبدا صديّا

يطوّف بي عكبّ في معدّ # و يطعن بالصّملّة[1]في قفيّا

الأصح أن قاتله هو النعمان لا عمرو بن هند

:

قال ابن حبيب: و زعم ابن الجصّاص أن عمرو بن هند هو قاتل المنخّل، و القول الأول أصحّ.

قصيدته في المتجردة

:

و هذه القصيدة التي منها الغناء يقولها في المتجرّدة، و أولها قوله:

إن كنت عاذلتي فسيري # نحو العراق و لا تحوري

لا تسألي عن جلّ ما # لي و اذكري كرمي و خيري

و إذا الرياح تناوحت # بجوانب البيت الكسير[2]

ألفيتني هشّ النديّ # بمرّ قدحي أو شجيري‏[3]

-الشجير: القدح الذي لم يصلح حسنا، و يقال: بل هو القدح العاريّة-.

و نهى أبو أفعى فقلّ # دني أبو أفعى جريري‏[4]

و جلالة[5]خطّارة[6] # هو جاء جائلة الضّفور[7]

/تعدو بأشعث قد وهى # سر باله باقي المسير[8]

فضلا[9]على ظهر الطر # يق إليك علقمة بن صير

الواهب الكوم‏[10]الصّفا[11] # يا و الأؤانس في الخدور

يصفيك حين تجيئه # بالعصب‏[12]و الحلي الكثير

[1]ب، س: «الصميلة» ، تحريف، و زاد في ف بعد الأبيات: «الصملة: الحربة» .

[2]البيت الكسير: الذي له كسور، و هي ما مس الأرض من هدابة، و في ف: «الكبير» .

[3]في «حماسة» أبي تمام «و اللسان» : ألفيتني هش اليدين بمرى قدحي أو شجيري.

و يقول التبريزي في «شرحه» : الشجير: القريب، و إنما يعني قدحا يتبرك به فيستعار. يقول: تجدني خفيف اليد بمسح القداح و عند حضور الأيسار، سواء القدح الذي جربته و الذي لم أجربه حبا للندى.

[4]الجرير: الزمام، و حبل يجعل للبعير بمنزلة العذار للدابة. و المراد منعه أن يعمل ما يريد.

[5]جلالة: ناقة مسنة.

[6]خطارة: تضرب بذنبها يمينا و شمالا.

[7]الضفور: جمع ضفر كحبل، و هو ما يشد البعير به من مضفور.

[8]باقي المسير: لم يستنفد القدرة على المسير.

[9]فضلا: متفضلا في ثوب واحد. و في ف:

«قصدا على: وضح الطريق»

.

[10]الكوم: جمع كوماء، و هي الناقة العظيمة السنام.

[11]الصفايا: النوق الغزيرة اللبن.

[12]العصب: هو ضرب من البرود. و في ب، س: «بالغض» .

9

و فوارس كأوار[1]حرّ # النار أحلاس‏[2]الذّكور

شدّوا دوابر بيضهم # في كلّ محكمة القتير[3]

فاستلأموا[4]و تلبّبوا # إن التلبّب للمغير

و على الجياد المضمرا # ت فوارس مثل الصقور

يخرجن من خلل الغبا # ر يجفن بالنّعم الكثير

فشفيت نفسي من أولـ # ئك و الفوائح بالعبير

يرفلن في المسك الذكيّ # و صائك‏[5]كدم النّحير

يعكفن‏[6]مثل أساود التّ‏[7] # نّوم لم تعكف لزور

/و لقد دخلت على الفتا # ة الخدر في اليوم المطير

الكاعب الخنساء[8]تر # فل في الدمقس و في الحرير

/فدفعتها فتدافعت # مشى القطاة إلى الغدير

و لثمتها فتنفّست # كتنفّس الظبي البهير

فدنت و قالت يا منخّ # ل ما بجسمك من حرور؟

ما شفّ جسمي غير حبّك # فاهدئي عنّي و سيري

و لقد شربت من المدى # مة بالصغير و بالكبير

و لقد شربت الخمر بالـ # خيل الإناث و بالذّكور

و لقد شربت الخمر بالـ # عبد الصحيح و بالأسير

فإذا سكرت فإنني # ربّ الخورنق و السدير

و إذا صحوت فإنني # ربّ الشّويهة و البعير

يا ربّ يوم للمنخّ # ل قد لها فيه قصير

يا هند هل من نائل # يا هند للعاني الأسير[9]

[1]الأوار: اللهب و الوهج.

[2]أحلاس: ملازمون، جمع حلس بكسر فسكون، من حلس البيت، و هو الكساء يبسط تحت حر الثياب.

[3]القتير: رءوس مسامير الدروع.

[4]استلأموا: لبسوا اللأمات، و هي الدروع، و تلببوا: تحزموا، و في ب، س:

«فاستلبثوا و تلبثوا # .. إن التلبث» ..

[5]صائك: وصف من صاك به الطيب يصيك: لزق.

[6]يعكفن: يمشطن أو يضفرن شعورهن.

[7]التنوم: شجر يسود كله، شبه ضفائرهن بفروعه.

[8]ف «الحسناء» .

[9]جاء هذا البيت في من مو، هد، مد، و لم يرد في سائر النسخ.

10

و من الناس من يزيد في هذه القصيدة:

و أحبّها و تحبّني # و يحبّ ناقتها بعيري‏

و لم أجده في رواية صحيحة.

صوت‏

لمن شيخان قد نشدا كلابا # كتاب اللّه لو قبل الكتابا

أناشده فيعرض في إباء # فلا و أبي كلاب ما أصابا

الشعر لأميّة بن الأسكر الليثيّ، و الغناء لعبد اللّه بن طاهر، رمل بالوسطى. صنعه و نسبه إلى لميس جاريته، و ذكر الهشاميّ أن اللحن لها، و ذكره عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر في جامع أغانيهم و وقع إليّ، فقال: الغناء فيه للدّار الكبيرة، و كذلك كان يكنّى عن أبيه، و عن إسحاق بن إبراهيم بن مصعب و جواريهم، و يكنّى عن نفسه و جاريته شاجي و ما يصنع في دور إخوته بالدار الصغيرة.

11

2-أخبار أمية بن الأسكر و نسبه‏

نسبه‏

:

هو أمية بن حرثان بن الأسكر بن عبد اللّه بن سرابيل الموت بن زهرة بن زبينة[1]بن جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.

شاعر فارس مخضرم أدرك الجاهلية و الإسلام، و كان من سادات قومه و فرسانهم، و له أيام مأثورة مذكورة.

عمر يستعمل ابنه كلابا على الأبلة

:

و كان له أخ يقال له: أبو لاعق الدم، و كان من فرسان قومه و شعرائهم، و ابنه كلاب بن أمية أيضا أدرك النبي صلى اللّه عليه و سلّم فأسلم مع أبيه، ثم هاجر إلى النبي صلى اللّه عليه و سلّم فقال أبوه فيه شعرا، ذكر أبو عمرو الشيباني أنه هذا الشعر، و هو خطأ، إنما خاطبه بهذا الشعر لما غزا[2]مع أهل العراق لقتال الفرس، و خبره في ذلك يذكر بعد هذا.

قال أبو عمرو في خبره: فأمره صلى اللّه عليه و سلّم بصلة أبيه و ملازمته طاعته.

و كان عمر بن الخطاب استعمل كلابا على الأبلّة[3]، فكان أبواه ينتابانه، يأتيه أحدهما في كل سنة، ثم أبطئا عليه و كبرا فضعفا عن لقائه، فقال أبياتا و أنشدها عمر، فرقّ له و رده/إليهما، فلم يلبث معهما إلا مدة حتى نهشته أفعى؛ فمات و هذا أيضا و هم من أبي عمرو، و قد عاش كلاب حتى ولي لزياد الأبلّة، ثم استعفى، أعفاه. و سأذكر خبره في ذلك و غيره هاهنا إن شاء اللّه تعالى.

شعره لابنه كلاب لما أغزاه عمر و طالت غيبته عنه‏

:

فأما خبره مع عمر فإنّ الحسن بن عليّ أخبرني به، قال: حدثني الحارث بن محمد قال: حدثني المدائنيّ عن أبي بكر الهذليّ عن الزّبيريّ عن عروة بن الزبير قال:

/هاجر كلاب بن أمية بن الأسكر إلى المدينة في خلافة عمر بن الخطاب، فأقام بها مدّة، ثم لقي ذات يوم طلحة بن عبيد اللّه و الزبير بن العوّام، فسألهما: أيّ الأعمال أفضل في الإسلام؟فقالا: الجهاد، فسأل عمر فأغزاه في جيش، و كان أبوه قد كبر و ضعف، فلما طالت غيبة كلاب عنه قال:

لمن شيخان قد نشدا كلابا # كتاب اللّه إن‏[4]قبل الكتابا

أناديه فيعرض في إباء # فلا و أبي كلاب ما أصابا

[1]في ب، س: «زينبة» .

[2]ف: «بهذا الشعر لما غزا» .

[3]الأبلة: بلدة غربي البصرة، و نهرها معدود من أجمل متنزهات الدنيا.

[4]في ف: «لو قبل» ، و الأبيات في «أمالي القالي» 3: 108 بترتيب مخالف.

12

إذا سجعت‏[1]حمامة بطن واد # إلى‏[2]بيضاتها دعرا كلابا

أتاه مهاجران تكنفاه # ففارق‏[3]شيخه خطأ[4]و خابا

تركت أباك مرعشة يداه # و أمّك ما تسيغ لها شرابا

تمسّح مهره شفقا عليه # و تجنبه أباعرها الصعابا

-قال: تجنبه و تجنّبه واحد، من قول اللّه عز و جل: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ [5]. قال: -

فإنك قد تركت أباك شيخا # يطارق‏[6]أينقا شزبا[7]طرابا

/فإنك و التماس الأجر بعدي # كباغي الماء يتّبع السرابا[8]

ينشد عمر شعرا ليرد له كلابا فيبكي عمر رحمة له و يرده عليه‏

:

فبلغت أبياته عمر، فلم يردد كلابا و طال مقامه‏[9]فأهتر أمية و خلط جزعا عليه، ثم أتاه يوما و هو في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و حوله المهاجرون و الأنصار، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:

أعاذل قد عذلت بغير قدر # و لا تدرين عاذل ما ألاقي

فإمّا كنت عاذلتي فردّي # كلابا إذ توجّه للعراق

و لم أقض اللّبانة من كلاب # غداة غد و أذّن بالفراق

فتى الفتيان في عسر و يسر # شديد الرّكن في يوم التلاقي

فلا و اللّه ما باليت وجدي # و لا شفقي عليك و لا اشتياقي

و إبقائي عليك إذا شتونا # و ضمّك تحت نحري و اعتناقي

فلو فلق الفؤاد شديد وجد # لهمّ سواد قلبي بانفلاق

سأستعدى على الفاروق ربّا # له دفع الحجيج إلى بساق‏[10]

و أدعو اللّه مجتهدا عليه # ببطن الأخشبين إلى دفاق

إن الفاروق لم يردد كلابا # إلى شيخين هامهما زواق‏

[1]في «الأمالي» : «هتفت» .

[2]في «الأمالي» : «على» .

[3]في «الأمالي» : «ليترك» .

[4]كذا في «الأمالي» و السمط. و في ب، س، ف: «خطا و طابا» تحريف.

[5]سورة إبراهيم، آية: 35.

[6]يطارق: يطابق.

[7]شزبا: ضامرة. و في «الأمالي» .

و إن إياك حيث علمتماه # يطارد أينقا شسبا طرابا

[8]هذا البيت ساقط من «الأمالي» .

[9]في ب، س: «أمية» ، تحريف.

[10]بساق: موضع بعينه.

13

عمر يسأل كلابا عن مبلغ بره بأبيه فيصفه له‏

:

قال: فبكى عمر بكاء شديدا، و كتب بردّ كلاب إلى المدينة، فلما قدم دخل إليه، فقال: ما بلغ من برّك /بأبيك؟قال: كنت أوثره‏[1]و أكفيه أمره، و كنت أعتمد إذا أردت أن أحلب له لبنا أغزر ناقة في إبله و أسمنها فأريحها[2]و أتركها حتى تستقرّ، ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحتلب له‏[2]فأسقيه.

عمر يرد كلابا عليه و يأمره أن يلزم أبويه‏

:

فبعث/عمر إلى أميّة من جاء به إليه، فأدخله يتهادى و قد ضعف بصره و انحنى. فقال له: كيف أنت يا أبا كلاب؟قال: كما تراني يا أمير المؤمنين. قال: فهل لك من حاجة؟قال: نعم، أشتهي أن أرى كلابا فأشمّه شمة، و أضمّه ضمّة قبل أن أموت. فبكى عمر، ثم قال: ستبلغ من هذا ما تحبّ إن شاء اللّه تعالى. ثم أمر كلابا أن يحتلب لأبيه ناقة كما كان يفعل، و يبعث إليه. بلبنها، ففعل فناوله عمر الإناء، و قال: دونك هذا يا أبا كلاب‏[3].

فلما أخذه و أدناه إلى فمه قال: لعمر: و اللّه يا أمير المؤمنين، إني لأشمّ رائحة يدي كلاب من هذا الإناء، فبكى عمر، و قال: هذا كلاب عندك حاضرا قد جئناك به، فوثب إلى ابنه و ضمّه إليه و قبّله، و جعل عمر يبكي و من حضره، و قال لكلاب: الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا، ثم شأنك بنفسك بعدهما، و أمر له بعطائه، و صرفه مع أبيه، فلم يزل معه مقيما حتى مات أبوه.

يخرجه قومه لأن إبله أصيبت بالهيام‏

:

و نسخت من كتاب أبي سعيد السكريّ أن أمية كانت له إبل هائمة-أي أصابها الهيام و هو داء يصيب الإبل من العطش-فأخرجته بنو بكر مخافة أن يصيب إبلهم، فقال لهم: يا بني بكر، إنما هي ثلاث ليال: ليلة بالبقعاء[4] و ليلة بالفرع‏[5]، و ليلة بلقف‏[6]في سامر من بني بكر، فلم ينفعه ذلك و أخرجوه، فأتى مزينة فأجاروه، و أقام عندهم إلى أن صحّت إبله، و سكنت، فقال يمدح مزينة:

تكنّفها الهيام و أخرجوها # فما تأوى إلى إبل صحاح

/فكان إلى مزينة منتهاها # على ما كان فيها من جناح

و ما يكن الجناح فإنّ فيها # خلائق ينتمين إلى صلاح

و يوما في بني ليث بن بكر # تراعى تحت قعقعة الرماح

فإمّا أصبحن شيخا كبيرا # وراء الدار يثقلني سلاحي

فقد آتى الصريخ إذا دعاني # على ذي منعة[7]عتد[8]وقاح‏

[1]في ب، س: «أدثره» . و في «المختار» : «كنت أبره» .

(2-2) زيادة: من هد، ف.

[3]في ب، س: «يا كلاب» .

[4]البقعاء: ماء لعبس، و قيل: مياه لبني السليط، تلقاء نجد على 24 ميلا من المدينة.

[5]الفرع: قرية من ناحية المدينة.

[6] «لقف» موضع أيضا، و في ب، س: «تلقف» ، تحريف.

[7]و في جـ. ف: «ميعة» و هي جري الفرس و نشاطه.

[8]عتد أي شديد نام الخلق. و الوقاح: ذو الصلابة و في ب، س: «عند» ، تحريف.

14

و شرّ أخي مؤامرة خذول # على ما كان مؤتكل‏[1]و لاح‏

شعره حين ضحك راع منه و قد عمر حتى خرف‏

:

أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن عبد اللّه الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه، و أخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أبو توبة عن أبي عمرو قال:

عمّر أمية بن الأسكر عمرا طويلا حتى خرف، فكان ذات يوم جالسا في نادي قومه و هو يحدّث نفسه، إذ نظر إلى راعي ضأن لبعض قومه يتعجب منه، فقام لينهض فسقط على وجهه، فضحك الراعي منه، و أقبل ابناه إليه، فلما رآهما أنشأ يقول:

يا بني‏[2]أمية إني عنكما غان # و ما الغنى غير أني مرعش فان

يا بني أمية إلاّ تحفظا كبرى # فإنما أنتما و الثّكل سيّان‏[3]

هل لكما في تراث تذهبان به # إن التراث لهيّان بن بيّان‏

-يقال: هيان بن بيان، و هي ترى للقريب و البعيد-.

/

أصبحت هزءا[4]لراعي الضأن يسخر بي‏[5] # ما ذا يريبك منّي راعي الضأن

/أعجب لغيري إني تابع سلفي # أعمام مجد و أجدادي و إخواني

و انعق بضأنك في أرض تطيف بها # بين الأساف‏[6]و أنتجها بجلذان‏[7]

-جلذان‏[8]: موضع بالطائف-

ببلدة لا ينام الكالئان بها # و لا يقرّبها أصحاب ألوان‏

الإمام علي يتمثل بشعر له‏

:

و هذه الأبيات تمثّل بها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه في خطبة له على المنبر بالكوفة.

حدثنا بها أحمد بن عبيد اللّه بن عمار و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال: حدثنا محمد بن أبي رجاء، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: قال عبد اللّه بن عديّ بن الخيار:

شهدت الحكمين، ثم أتيت الكوفة و كانت لي إلى عليّ عليه السلام حاجة، فدخلت عليه، فلما رآني قال:

مرحبا بك يا ابن أمّ قتّال، أ زائرا جئتنا أم لحاجة؟فقلت: كلّ جاء بي، جئت لحاجة، و أحببت أن أجدّد بك عهدا، [1]مؤتكل: غاضب هائج.

[2]في ب، س: «بني أمية» .

[3]في ف: «مثلان» .

[4]في ب، س: «قردا» .

[5]ف: «يلعب بي» .

[6]الأساف: البقاع التي لا تنبت، جمع أسافة، كسحابة و كناسة.

[7]في «الأمالي» : «جمدان» كعثمان، و هو اسم واد، و اسم جبل. في ب، س: «بخلدان» .

[8]في ب، س: «خلدان» . ـ

15

و سألته عن حديث فحدثني على ألا أحدّث به واحدا[1]، فبينا أنا يوما بالمسجد في الكوفة إذا عليّ صلوات اللّه عليه متنكّب قرنا[2]له. فجعل يقول: الصلاة جامعة. و جلس على المنبر، فاجتمع الناس، و جاء الأشعث بن قيس فجلس إلى جانب المنبر. فلما اجتمع الناس، و رضي منهم قام فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

/أيها الناس، إنكم تزعمون أن عندي من رسول اللّه-صلى اللّه عليه و سلّم-ما ليس عند الناس، ألا و إنه ليس‏[3]عندي إلا ما في قرني هذا، ثم نكت‏[4]كنانته، فأخرج منها صحيفة فيها: المسلمون تتكافأ دماؤهم، و هم يد على من سواهم.

من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين» . فقال له الأشعث بن قيس: هذه و اللّه عليك لا لك، دعها تترحّل، فخفض عليّ-صلوات اللّه عليه-إليه بصره، و قال: ما يدريك ما عليّ مما لي!عليك لعنة اللّه و لعنة اللاعنين، حائك ابن حائك، منافق ابن منافق، كافر ابن كافر. و اللّه لقد أسرك الإسلام مرة و الكفر مرة، فما فداك من واحد منهما حسبك و لا مالك، ثم رفع إليّ بصره فقال: يا عبيد اللّه:

أصبحت قنّا لراعي الضأن يلعب بي # ما ذا يريبك منّي راعي الضان‏

فقلت: بأبي أنت و أمي، قد كنت و اللّه أحبّ أن أسمع هذا منك. قال: هو و اللّه ذلك، قال:

فما قيل من بعدها من مقالة # و لا علقت مني جديدا و لا درسا

يعود كلاب إلى البصرة بعد موت أبيه و يولي الأبلة ثم يستعفى منها

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا الحارث، عن المدائنيّ قال:

لما مات أمية بن الأسكر عاد ابنه كلاب إلى البصرة، فكان يغزو مع المسلمين، منها مغازيهم، و شهد فتوحات كثيرة، و بقي إلى أيام زياد، فولاه الأبلّة، فسمع كلاب يوما عثمان بن أبي العاص يحدّث أن داود نبيّ اللّه-عليه السلام-كان يجمع أهله في السّحر فيقول: ادعوا ربكم فإن في السّحر ساعة لا يدعو فيها عبد مؤمن إلا غفر له، إلا أن يكون عشّارا[5]أو عريفا[6].

/فلما سمع ذلك كلاب كتب إلى زياد، فاستعفاه من عمله فأعفاه.

قال المدائنيّ: و لم يزل كلاب بالبصرة[7]حتى مات، و المربعة المعروفة بمربعة كلاب بالبصرة[7]منسوبة /إليه.

شعر أمية و قد ظفر بنو ليث بقومه‏

:

و قال أبو عمرو الشيبانيّ: كان بين بني غفار قومه و[7]و بني ليث حرب، فظفرت بنو ليث بغفار، فحالف رحضة بن خزيمة بن خلاف بن حارثة بن غفار و قومه‏[7]جميعا بني أسلم بن أفصى بن خزاعة، فقال أمية بن الأسكر [1]في ب، س: «حديثا» ، تحريف.

[2]قرنا: جعبة.

[3]في ف: «و إنه و اللّه» .

[4]في ب، س: «نكب» ، تحريف.

[5]العشار: جابى عشر الأموال.

[6]العريف: الرئيس، أو النقيب، و هو دون الرئيس.

(7-7) تكملة من ف.

16

في ذلك، و كان سيد بني جندع بن ليث و فارسهم:

لقد طبت نفسا عن مواليك يا رحضا # آثرت أذناب الشوائل و الحمضا[1]

تعلّلنا بالنّصر في كل شتوة # و كلّ ربيع أنت رافضنا رفضا

فلو لا تأسّينا و حدّ رماحنا # لقد جرّ قوم لحمنا تربا قضّا

-القضّ و القضيض: الحصا الصغار-

عبد اللّه بن الزبير يتمثل بشعره‏

:

أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثني أحمد بن زهير قال: حدثنا مصعب بن عبد اللّه عن أبيه قال:

افتعل عمرو بن الزبير كتابا عن معاوية إلى مروان بن الحكم بأن يدفع إليه مالا، فدفعه إليه، فلما عرف معاوية خبره كتب إلى مروان بأن يحبس عمرا حتى يؤدّي المال، فحبسه مروان، و بلغ الخبر عبد اللّه بن الزبير، فجاء إلى مروان و سأله عن الخبر، فحدّثه به، فقال: ما لكم في ذمتي، فأطلق عمرا، و أدّى عبد اللّه المال عنه، و قال: و اللّه إني لأؤديه عنه و إني لأعلم أنه غير شاكر، ثم تمثّل قول أمية بن الأسكر الليثيّ:

/

فلو لا تأسّينا و حدّ رماحنا # لقد جرّ قوم لحمنا تربا قضّا

سيدان يخطبان بنتا له و يتفاخران في الظفر بها

:

و قال ابن الكلبيّ: حدثنا بعض بني الحارث بن كعب قال:

اجتمع يزيد بن عبد المدان و عامر بن الطّفيل بموسم عكاظ، فقدم أمية بن الأسكر، و معه بنت له من أجمل أهل زمانها، فخطبها يزيد و عامر، فقالت أمّ كلاب امرأة أمية: من هذان الرجلان؟قال: هذا ابن الديّان، و هذا عامر بن الطفيل. قالت: أعرف ابن الديّان، و لا أعرف عامرا. قال: هل سمعت بملاعب‏[2]الأسنة؟قالت: نعـ و اللّه. قال: فهذا ابن أخيه.

و أقبل يزيد فقال: يا أميّة أنا ابن الديان، صاحب الكثيب، و رئيس مذحج، و مكلّم العقاب، و من كان يصوب أصابعه فتنطف دما، و يدلك راحتيه فتخرجان‏[3]ذهبا. قال أمية: بخ بخ.

فقال عامر: جدّي الأحزم، و عمّي أبو الأصبع، و عمّي ملاعب الأسنة، و جدّي الرّحّال، و أبي فارس قرزل.

قال أمية: بخ بخ، مرعى و لا كالسّعدان‏[4]، فأرسلها. مثلا.

فقال يزيد: يا عامر، هل تعلم شاعرا من قومي رحل بمدحه إلى رجل من قومك؟قال: لا، قال: فهل تعلم أن شعراء قومك يرحلون بمدحهم إلى قومي؟قال: نعم. قال: فهل لك نجم يمان أو برد يمان أو سيف يمان أو ركن يمان؟فقال: لا، قال: فهل ملكناكم و لم تملكونا؟قال: نعم، فنهض يزيد و قام، ثم قال:

[1]الشوائل: جمع شائلة، و هي التي أتى على حملها سبعة أشهر، و الحمض: نبت ترعاه الإبل. و في ب، س، السوالك و المحضا» .

[2]في ب، س: «ملاعب» .

[3]في ب، س: «فتخرج» ، تحريف.

[4]السعدان: نبت من أفضل مراعي الإبل. مثل يضرب للشي‏ء يفضل على أقرانه: و في «مجمع الأمثال» للميداني: أنه للخنساء.

17

/

أميّ يا ابن الأسكر بن مدلج # لا تجعلن‏[1]هوازنا كمذحج

إنك إن تلهج بأمر تلجج‏[2] # ما النّبع في مغرسه كالعوسج

و لا الصّريح المحض كالممزّج‏

و قال مرّة بن دودان العقيلي، و كان عدوّا لعامر بن الطفيل:

يا ليت شعري عنك يا يزيد # ما ذا الذي من عامر تريد؟

لكلّ قوم فخرهم عتيد # أ مطلقون نحن أم عبيد؟

/لا بل عبيد زادنا الهبيد[3]

فزوّج أمية يزيد[4]فقال يزيد في ذلك:

يا للرجال لطارق الأحزان # و لعامر بن طفيل الوسنان

كانت إتاوة قومه لمحرّق‏[5] # زمنا و صارت بعد للنعمان

عدّ[6]الفوارس من هوازن كلّها # كثفا[7]عليّ و جئت بالديان

فإذا لي الفضل المبين بوالد # ضخم الدّسيعة[8]أزأنيّ‏[9]و يمان

يا عام إنك فارس متهوّر # غضّ الشباب أخو ندى و قيان

/و اعلم بأنك يا ابن فارس قرزل # دون الذي تسمو له و تدانى

ليست فوارس عامر بمقرّة # لك بالفضيلة في بني عيلان

فإذا لقيت بني الخميس و مالكا # و بني الضّباب و حيّ آل قنان

فاسأل من المرء المنوّه باسمه # و الدافع الأعداء عن نجران؟

يعطى المقادة في فوارس قومه # كرما لعمرك و الكريم يمان‏[10]

فقال عامر بن الطفيل مجيبا له:

يا للرجال لطارق الأحزان # و لما يجي‏ء به بنو الدّيان

فخروا عليّ بحبوة لمحرّق # و إتاوة سلفت من النعمان‏

[1]في ب، س: «لا تخلن» تحريف.

[2]في ف: «تلهج» .

[3]الهبيد: الحنظل.

[4]في ف: «يزيد بن عبد المدان ابنته» .

[5]ممن يلقبون بالمحرق: عمرو بن هند، و الحارث بن عمرو.

[6]في ب، س: «غدت» .

[7]الكثف: الكثرة و الالتفاف.

[8]الدسيعة: الجفنة و المائدة الكريمة.

[9]أزأنيّ: لغة في يزني، نسبة إلى يزن، بطن من حمير، و واد لهم: حماه أحد ملوكهم، فسمي بذي يزن. و في ف: «زانني و نماني» .

[10]في ب، س: «معان» .

18

ما أنت و ابن محرق و قبيله # و إتاوة اللخميّ في عيلان؟

فاقصد بذرعك قصد أمرك‏[1]قصده # ودع القبائل من بني قحطان

إذ كان سالفنا الإتاوة فيهم # أولى ففخرك فخر كل يمان

و افخر[2]برهط بني الحماس‏[3]و مالك # و ابن الضّباب و زعبل و قيان

و أنا المنخل و ابن فارس فرزل # و أبو نزار زانني و نماني‏[2]

و إذا تعاظمت الأمور موازنا # كنت المنوّه باسمه و الثاني‏

فلما رجع القوم إلى بني عامر وثبوا على مرّة بن دودان، و قالوا: أنت شاعر بني عامر و لم تهج بني الديان، فقال:

/

تكلّفني هوازن فخر قوم # يقولون الأنام لنا عبيد

أبوهم مذحج و أبو أبيهم # إذا ما عدّت الآباء-هود

و هل لي إن فخرت بغير فخر # مقال و الأنام له شهود؟

فإنّا لم نزل لهم قطينا[4] # تجي‏ء إليهم منا الوفود

فإنّا[5]نضرب الأحلام صفحا # عن العلياء أو[6]من ذا بكيد؟

فقولوا يا بني عيلان كنا # لكم قنّا و ما عنكم محيد[7]

و هذا الخبر مصنوع من مصنوعات ابن الكلبيّ، و التوليد فيه بيّن، و شعره شعر ركيك غثّ، لا يشبه أشعار القوم، و إنما ذكرته لئلا يخلو الكتاب من شي‏ء قد روي.

شعره حين أصيب رهط من قومه يوم المريسيع‏

:

و قال محمد بن حبيب فيما روى عنه أبو سعيد السكّريّ، و نسخته من كتابه، قال أبو عمرو الشيبانيّ:

أصيب قوم من بني جندع بن ليث بن بكر بن هوازن رهط أمية بن الأسكر يقال لهم/: بنو زبينة، أصابهم أصحاب النبي-صلى اللّه عليه و سلّم-يوم المريسيع‏[8]في غزوته بني المصطلق، و كانوا جيرانه يومئذ-و معهم ناس من بني لحيان من هذيل، و مع بني جندع رجل من خزاعة يقال له: طارق، فاتهمه بنو ليث بهم، و أنه/دلّ عليهم. و كانت خزاعة مسلمها[9]و مشركها يميلون إلى النبي-صلى اللّه عليه و سلّم-على قريش. فقال أمية بن الأسكر لطارق الخزاعيّ:

[1]في ف: «قصد قومك قصره» .

(2-2) زيادة من ف.

[3]ذكروا في شعر يزيد باسم «بني الخميس» .

[4]قطينا: أتباعا.

[5]في ب، س: «و إني» .

[6]في ف: «أم» .

[7]في ف: «لهم قنا و ما عنها» .

[8]المريسيع: بئر أو ماء الواحة.

[9]في ف: «مسلموها و مشركوها.

19

لعمرك إني و الخزاعيّ طارقا # كنعجة عاد حتفها تتحفّر

أثارت عليها شفرة بكراعها # فظلّت بها من آخر الليل تجزر[1]

شمتّ بقوم هم صديقك أهلكوا # أصابهم يوم من الدهر أعسر

كأنك لم تنبأ بيوم ذؤالة # و يوم الرّجيع إذ تنحّر حبتر[2]

فهلاّ أباكم في هذيل و عمّكم # ثأرتم و هم أعدى قلوبا و أوتر

و يوم الأراك يوم أردف سبيكم‏[3] # صميم سراة الدّيل عبد و يعمر

و سعد بن ليث إذ تسلّ نساؤكم # و كلب بن عوف نحّروكم و عقّروا[4]

عجبت لشيخ من ربيعة مهتر[5] # أمرّ له يوم من الدهر منكر

شعر طارق الخزاعي يجيبه فيه‏

:

فأجابه طارق الخزاعيّ فقال:

لعمرك ما أدري و إني لقائل # إلى أيّ من يظنّني‏[6]أتعذّر؟

أعنّف أن كانت زبينة أهلكت # و نال بني لحيان شرّ و نفّروا

ابن عباس و معاوية يتمثلان بشعره و شعر صاحبه‏

:

و هذه الأبيات: الابتداء، و الجواب تمثّل بابتدائها ابن عباس في رسالة إلى معاوية، و تمثل بجوابها معاوية في رسالة أجابه بها.

حدّثني بذلك أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ العطار بالكوفة، قال: حدثنا الحسين بن نصر بن مزاحم المنقريّ قال: حدثنا زيد بن المعذّل النّمريّ، قال: حدثنا يحيى بن شعيب الخراز، قال: حدثنا أبو مخنف، قال:

لما بلغ معاوية مصاب أمير المؤمنين عليّ-عليه السلام-دسّ رجلا من بني القين إلى البصرة يتجسس الأخبار و يكتب بها إليه، فدلّ على القينيّ بالبصرة في بني سليم، فأخذ و قتل.

و كتب ابن عباس من البصرة إلى معاوية:

أما بعد، فإنك و دسّك أخا بني القين إلى البصرة تلتمس من غفلات قريش مثل الذي ظفرت به من يمانيتك لكما قال الشاعر:

لعمرك إني و الخزاعيّ طارقا # كنعجة عاد حتفها تتحفّر

أثارت عليها شفرة بكراعها # فظلّت بها من آخر الليل تجزر

[1]في ف: «تنحر» .

[2]في ف: «خيبر» .

[3]في ب، س: «سيبكم» .

[4]في ب، س: «عقر» ، تحريف.

[5]المهتر: الرجل يفقد عقله من الكبر أو المرض أو الحزن.

[6]يظنّني: يتهمني.

20

شمتّ بقوم هم صديقك أهلكوا # أصابهم يوم من الذهر أمعر[1]

فأجابه معاوية: أما بعد، فإن الحسن قد كتب إليّ بنحو مما كتبت به و أنّبني/بما لم أجن‏[2]ظنا و سوء رأي، و إنك لم تصب مثلنا، و لكن مثلنا و مثلكم كما قال طارق الخزاعيّ:

فو اللّه ما أدري و إني لصادق # إلى أيّ من يظنّني أتعذر؟

أعنّف أن كانت زبينة أهلكت # و نال بني لحيان شرّ و نفّروا

صوت‏

أ بنيّ إني قد كبرت و رابني # بصري و فيّ لمصلح مستمتع

فلئن كبرت نقد دنوت من‏[3]البلى # و حلت لكم منّي خلائق أربع‏

عروضه من الكامل، و الشعر لعبدة بن الطبيب، و الغناء لابن محرز، و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، و فيه لمعبد خفيف ثقيل أول بالبنصر في مجراها عنه أيضا.

[1]الأمعر: القليل الخير، و في ب، س: «أصعر» .

[2]في ب، س: «أجز» ، تحريف.

[3]في ف: «إلى» و رواية «المفضليات» : (146) :

فلئن هلكت لقد بنيت مساعيا # تبقى لكم منها مآثر أربع‏

21

3-نسب عبدة بن الطبيب و أخباره‏

نسبه و اسم الطبيب أبيه‏

:

هو فيما ذكر ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ، و أبو نصر أحمد بن حاتم عن الأصمعيّ و أبي عمرو الشيبانيّ و أبي فروة العكليّ: عبدة بن الطبيب، و الطبيب اسمه يزيد بن عمرو بن وعلة بن أنس بن عبد اللّه بن عبد تيم بن جشم بن عبد شمس. و يقال: عبشمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم.

و قال ابن حبيب خاصة: و قد أخبرني أبو عبيدة قال:

تميم كلها كانت في الجاهلية يقال لها: عبد تيم، و تيم: صنم كان لهم يعبدونه.

كان شاعرا مجيدا ليس بالمكثر

:

و عبدة شاعر مجيد ليس بالمكثر، و هو مخضرم، أدرك الإسلام فأسلم، و كان في جيش النعمان بن المقرّن الذين حاربوا معه الفرس بالمدائن. و قد ذكر ذلك في قصيدته التي أولها:

هل حبل خولة بعد الهجر موصول # أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟

حلّت خويلة في دار مجاورة # أهل المدينة[1]فيها الديك و الفيل

يقارعون رءوس العجم ضاحية # منهم فوارس لا عزل و لا ميل‏[2]

أرثى بيت قالته العرب من شعره‏

:

أخبرني محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال:

أرثى بيت قالته العرب قول عبدة بن الطبيب:

فما كان قيس هلكه هلك واحد # و لكنه بنيان قوم تهدّما

/و تمام هذه الأبيات: أنشدناه عليّ بن سليمان الأخفش عن السكري و المبرّد و الأحول‏[3]لعبدة يرثي قيسا:

عليك سلام اللّه قيس بن عاصم # و رحمته ما شاء أن يترحّما

تحية من أوليته منك نعمة # إذا زار عن شحط بلادك سلّما

و ما كان قيس هلكه هلك واحد # و لكنه بنيان قوم تهدّما

[1]في «المفضليات» : «المدائن» .

[2]ميل: جمع أميل، و هو الجبان و السيئ الركوب. أو من لا ثرمل معه و لا سيف و لا رمح.

[3]في ب، س: «الأقول» ، تحريف.

22

يترفع عن الهجاء

:

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو عثمان الأشناندانيّ عن التوّزيّ عن أبي عبيدة عن يونس قال:

قال رجل لخالد بن صفوان: كان عبدة بن الطبيب لا يحسن أن يهجو، فقال: لا تقل ذاك، فو اللّه ما أبى من عيّ، و لكنه كان يترفع عن الهجاء و يراه ضعة، كما يرى تركه مروءة و شرفا، قال:

و أجرأ من رأيت بظهر غيب # على عيب الرجال أولو[1]العيوب‏

عبد الملك بن مروان يروي أفضل ما ذكره في شعر له‏

:

/أخبرني محمد بن القاسم الأنباريّ قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن ابن الأعرابيّ: أن عبد الملك بن مروان قال يوما لجلسائه:

أيّ المناديل أشرف؟فقال قائل منهم: مناديل مصر، كأنها غرقى‏ء[2]البيض. و قال آخرون: مناديل اليمن، كأنها نور الربيع. فقال عبد الملك: مناديل أخي بني سعد عبدة بن الطبيب، قال:

لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية[3] # و فار للقوم باللحم المراجيل

/ورد و أشقر[4]ما يؤنيه‏[5]طابخه # ما غيّر الغلي منه فهو مأكول

ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة # أعرافهنّ لأيدينا مناديل‏

يعني بالمراجيل: المراجل، فزاد فيها الياء ضرورة.

صوت‏

إن الليالي أسرعت في نقضي # أخذن بعضي و تركن بعضي

حنين طولي و طوين عرضي # أقعدنني من بعد طول نهض‏

عروضه من الرّجز، الشعر للأغلب العجليّ، و الغناء لعمرو بن بانة، هزج بالبنصر.

[1]في ف: «أخو» .

[2]الغرقئ: القشرة الملتزقة ببياض البيض.

[3]في «المفضليات» : 141: «لما وردنا رفعنا ظل أردية» .

[4]في «المفضليات» : «وردا» . شبه ما أخذ فيه النضج من اللحم بالورد، و ما لم ينضج بالأشقر.

[5]يؤنيه، أي يمهله. و في «المفضليات» : «لم ينهئه» أي ينضجه و في ب، س «ما ينهئه» ، تحريف.

23

4-أخبار الأغلب و نسبه‏

نسبه‏

:

هو-فيما ذكر ابن قتيبة-الأغلب بن جشم بن سعد بن عجل بن لجيم بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل.

إسلامه و استشهاده‏

:

و هو أحد المعمّرين، عمّر في الجاهلية عمرا طويلا، و أدرك الإسلام فأسلم، و حسن إسلامه و هاجر، ثم كان فيمن توجّه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقّاص، فنزلها، و استشهد في وقعة بنهاوند[1]، فقبره هناك في قبور الشهداء.

هو أول من رجز الأراجيز الطوال‏

:

و يقال: إنه أوّل من رجّز الأراجيز الطّوال من العرب، و إياه عنى الحجاج بقوله مفتخرا:

إني أنا الأغلب أمسى قد نشد[2]

قال ابن حبيب: كانت العرب تقول الرجز في الحرب و الحداء و المفاخرة و ما جرى هذا المجرى، فتأتي منه بأبيات يسيرة، فكان الأغلب أول من قصّد الرجز، ثم سلك الناس بعده طريقته.

كانت له سرحة يصعد عليها و يرتجز

:

أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحيّ أبو خليفة في كتابه إلينا، قال: أخبرنا محمد بن سلاّم، قال: حدثنا الأصمعيّ.

و أخبرنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأسديّ قال حدثنا الرياشيّ، قال حدثنا معمر بن عبد الوارث عن أبي عمرو بن العلاء، قال:

كانت للأغلب سرحة[3]يصعد عليها، ثم يرتجز:

قد عرفتني سرحتي فأطّت‏[4] # و قد شمطت بعدها و اشمطّت‏

فاعترضه رجل من بني سعد، ثم أحد بني الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد، فقال له:

/

قبحت من سالفة[5]و من قفا # عبد إذا ما رسب القوم طفا

[1]نهاوند: من بلاد الجبل. جنوبي همذان.

[2]في ف: «نثر» .

[3]السرحية: كل شجرة لا شوك فيها.

[4]أطت: صوتت.

[5]أصل السالفة: مقدم عنق الفرس. و المراد ذمه بقبح وجهه و قفاه.

24

كما شرار الرّعي‏[1]أطراف السّفى‏

ينقص عمر عطاءه لقبوله الإنشاد من شعر في الجاهلية

:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثني محمد بن عباد بن حبيب المهلّبيّ، قال: حدثني نصر بن ناب عن داود بن أبي هند عن الشعبيّ، قال:

كتب/عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة و هو على الكوفة: أن أستنشد من قبلك من شعراء قومك‏[2]ما قالوا في الإسلام، فأرسل إلى الأغلب العجليّ فاستنشده فقال:

لقد سألت هيّنا موجودا # أ رجزا تريد أم قصيدا؟

ثم أرسل إلى لبيد فقال له: إن شئت مما عفا اللّه عنه-يعني الجاهلية-فعلت. قال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق لبيد فكتب سورة البقرة في صحيفة، و قال: أبدلني اللّه عزّ و جلّ بهذه في الإسلام مكان الشعر.

فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فنقص عمر من عطاء الأغلب خمسمائة، و جعلها في عطاء لبيد؛ فكتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، أ تنقص عطائي أن أطعتك‏[3]!فرد عليه خمسمائة و أقرّ عطاء لبيد على ألفين و خمسمائة.

أخبرني محمد بن عبد العزيز[4]، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن حاتم، قال: حدثنا عليّ بن القاسم، عن الشعبيّ قال:

/دخل الأغلب على عمر، فلما رآه قال: هيه، أنت القائل:

أ رجزا تريد أم قصيدا؟ # لقد سألت هيّنا موجودا

فقال: يا أمير المؤمنين إنما أطعتك، فكتب عمر إلى المغيرة: أن أردد عليه الخمس المائة[5]و أقرّ الخمس المائة للبيد.

شعر في سجاح حين تزوجت مسيلمة

:

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلاّم قال: قال الأغلب العجليّ في سجاح لما تزوجت مسيلمة الكذّاب:

لقد لقيت سجاح من بعد العمى # ملوّحا[6]في العين مجلود القرا[7]

مثل العتيق‏[8]في شباب قد أتى # من اللّجيميّين أصحاب القرى‏

[1]الرعي: ما يرعى.

[2]في ف: «مصرك» .

[3]ف: «إنما أطعتك» .

[4]ف: «أحمد بن عبد العزيز» .

[5]في ب، س: «الخمسمائة» .

[6]ملوحا: وصف من لوحة السفر و نحوه، أي غيره و أضمره، أو من لوحت الشي‏ء بالنار بمعنى أحميته.

[7]القرا: الظهر.

[8]العتيق: الجواد الرائع، و الفحل من النخل. و قد تكون محرفة عن الفنيق، و هو الفحل المكرم لا يؤذي لكرامته على أهله و لا يركب. ـ

25

ليس بذى واهنة[1]و لا نسا[2] # نشأ بلحم و بخبز ما اشترى‏[3]

حتى شتا[4]ينتح‏[5]ذفراه‏[6]الندى # خاظى‏[7]البضيع‏[8]لحمه خظا بظا[9]

/كأنما جمّع من لحم الخصى # إذا تمطّى بين برديه صأى‏[10]

كأنّ عرق أيره إذا ودى‏[11] # حبل عجوز ضفّرت سبع قوى

يمشي على قوائم خمس زكا[12] # يرفع وسطاهنّ من برد النّدى

قالت: متى كنت أبا الخير متى؟ # قال حديثا لم يغيّرني البلى

و لم أفارق خلّة لي عن قلى # فانتسفت‏[13]فيشته ذات الشّوى‏[14]

كأن في أجلادها[15]سبع كلى‏[16] # ما زال عنها بالحديث و المنى

و الخلق السّفساف يردى في الردى # قال: أ لا ترينه قالت: أرى

قال: أ لا أدخله؟قالت: بلى # فشام فيها مثل محراث‏[17]الغضى‏[18]

يقول لما غاب فيها و استوى # لمثلها كنت أحسّيك الحسا

من أخبار سجاح‏

:

و كان من خبر سجاح و ادعائها النبوة و تزويج مسيلمة الكذاب إياها ما أخبرنا به إبراهيم بن النسوي يحيى، عن أبيه عن شعيب عن سيف:

إنّ سجاح التميميّة ادعت النبوّة بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، و اجتمعت/عليها بنو تميم، فكان فيما ادّعت أنه أنزل/عليها: يا أيها المؤمنون المتقون، لنا نصف الأرض، و لقريش نصفها، و لكنّ قريشا قوم يبغون.

[1]الواهنة: ريح تأخذ في المنكبين، أو في العضد، أو في الأخدعين عند الكبر.

[2]النسا: عرق من الورك إلى الكعبين، كأنه يريد أن نساه صحيح.

[3]في ف، مد: «ما اشتهى» .

[4]في ف: «نشا» .

[5]ينتح: يخرج.

[6]الذفري: العظم الشاخص خلف الأذن.

[7]خاظى: مكتنز.

[8]البضيع: ما انماز من لحم الفخذ، جمع بضيعة.

[9]و خظا: اكتنز و ركب لحمه بعضه بعضا، و بظا: و توكيد لما قبله.

[10]صأى: صوت.

[11]ودى: المراد نعظ، أي قام.

[12]أصل الزكا: الشفع من العدد. و قيل في الشفع و الوتر: الأعداد كلها شفع و وتر. فيكون خمس زكا، خمس عددا.

[13]انتسف اللون بالبناء للمجهول: التمع، و انتسف الطائر الشي‏ء: نقره. و في «المختار» : «فانتفشت» .

[14]الشوى: في الأصل: قحف الرأس.

[15]أجلادها: أصل الأجلاد من الإنسان جسمه أو حملة شخصه.

[16]من معاني الكلية: مقعد حمالة القوس.

[17]المحراث: ما تحرك به النار.

[18]في ب، س «الفضا» ، و في ف: «القضا» . و كل تحريف.

26

و اجتمعت بنو تميم كلها إليها لتنصرها. و كان فيهم الأحنف بن قيس، و حارثة بن بدر، و وجوه تميم كلها.

و كان مؤذّنها شبيب بن ربعيّ الرياحيّ، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذاب و هو باليمامة، و قالت: يا معشر تميم، اقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كل هامة، و أضرموا فيها نارا ملهامة، حتى تتركوها سوداء كالحمامة[1].

و قالت لبني تميم: إن اللّه لم يجعل هذا الأمر في ربيعة، و إنما جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش. فسارت في قومها و هم الدّهم‏[2]الداهم. و بلغ مسيلمة خبرها، فضاق بها ذرعا، و تحصّن في حجر حصن اليمامة. و جاءت في جيوشها فأحاطت به، فأرسل إلى وجوه قومه و قال: ما ترون؟قالوا:

نرى أن نسلّم هذا الأمر إليها و تدعنا، فإن لم نفعل فهو البوار.

و كان مسيلمة ذا دهاء، فقال: سأنظر في هذا الأمر. ثم بعث إليها: إن اللّه-تبارك و تعالى-أنزل عليك وحيا، و أنزل عليّ. فهلمّي نجتمع، فنتدارس ما أنزل اللّه علينا، فمن عرف الحق تبعه، و اجتمعنا فأكلنا العرب أكلا بقومي و قومك.

فبعثت إليه: أفعل، فأمر بقيّة أدم فضربت، و أمر بالعود المندليّ‏[3]فسجر فيها، و قال: أكثروا من الطيب و المجمر[4]، فإنّ المرأة إذا شمت رائحة الطيب ذكرت الباه، ففعلوا ذلك.

/و جاءها رسوله يخبرها بأمر القبّة المضروبة للاجتماع، فأتته فقالت: هات ما أنزل عليك. فقال: أ لم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نطفة تسعى، بين صفاق‏[5]و حشا، من بين ذكر و أنثى، و أموات و أحيا، ثم إلى ربهم يكون المنتهى. قالت: و ما ذا؟قال: أ لم تر أن اللّه خلقنا أفواجا، و جعل النساء لنا أزواجا، فنولج فيهن الغراميل إيلاجا، و نخرجها منهن إذا شئن إخراجا. قالت: فبأي شي‏ء أمرك؟قال:

ألا قومي إلى النّيك # فقد هبّي لك المضجع

فإن شئتي‏[6]ففي البيت # و إن شئتي ففي المخدع

و إن شئتي سلقناك‏[7] # و إن شئتي على أربع

و إن شئتي بثلثيه # و إن شئتي به أجمع‏

قال: فقالت: لا، إلاّ به أجمع. قال: فقال: كذا أوحى اللّه إليّ، فواقعها. فلما قام عنها قالت: إن مثلي لا يجري أمرها هكذا، فيكون وصمة على قومي و عليّ، و ليكن مسلّمة النبوّة إليك، فاخطبني إلى أوليائي يزوّجوك، ثم أقود تميما معك.

فخرج و خرجت معه، فاجتمع الحيّان من حنيفة و تميم، فقالت لهم سجاح: إنه قرأ عليّ ما أنزل عليه، [1]عبارة الطبري (2: 239) : ... و دفوا دفيف الحمامة.

[2]الدهم: العدد الكثير.

[3]العود المندلي: هو المطري بالمسك و العنبر. و اللبان. منسوب إلى مندل: قرية بالهند.

[4]المجمر: ما يوضع فيه الجمر.

[5]الصفاق: الجلد الأسفل الذي تحث الجلد الذي عليه الشعر.

[6]وصلت تاء الفاعل المكسورة بالياء لهجة لربيعة.

[7]سلقها: بسطها فجامعها.

27

فوجدته حقّا، فاتبعته، ثم خطبها، فزوّجوه إياها، و سألوه عن المهر، فقال: قد وضعت عنكم صلاة العصر، فبنو تميم إلى الآن بالرّمل لا يصلّونها، و يقولون: هذا حق لنا، و مهر كريمة منا لا نردّه. قال: و قال شاعر من بني تميم يذكر أمر سجاح في كلمة له:

أضحت نبيّتنا أنثى نطيف بها # و أصبحت أنبياء اللّه ذكرانا

قال: و سمع الزبرقان بن بدر لأحنف يومئذ، و قد ذكر مسيلمة و ما تلاه عليهم، فقال/الأحنف: و اللّه ما رأيت أحمق من هذا النبي قطّ. فقال الزبرقان: و اللّه لأخبرن بذلك مسيلمة. قال: /إذا و اللّه أحلف أنك كذبت فيصدّقني و يكذبك. قال: فأمسك الزبرقان، و علم أنه قد صدق.

قال: و حدّث الحسن البصريّ بهذا الحديث، فقال: أمن و اللّه أبو بحر من نزول الوحي. قال: فأسلمت سجاح بعد ذلك و بعد قتل مسيلمة، و حسن إسلامها.

صوت‏

كم ليلة فيك بتّ أسهرها # و لوعة من هواك أضمرها

و حرقة و الدموع تطفئها # ثم يعود الجوى فيسعرها

بيضاء رود[1]الشباب قد غمست # في خجل دائب يعصفرها

اللّه جار لها فما امتلأت # عيناي إلا من حيث أبصرها

الشعر للبحتريّ، و الغناء لعريب، رمل مطلق من مجموع أغانيها، و هو لحن مشهور في أيدي الناس، و اللّه أعلم.

[1]الرود: مخفف الرؤد، و هي الشابة الحسنة السريعة الشباب مع حسن غذاء.

28

5-أخبار البحتري و نسبه‏

نسبه و كنيته‏

:

هو الوليد بن عبيد اللّه‏[1]بن يحيى بن عبيد بن شملال بن جابر بن سلمة بن مسهر بن الحارث بن خيثم‏[2] ابن أبي حارثة بن جدي بن تدول بن بحتر بن عتود بن عثمة[3]بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن جلهمة و هو طيّى‏ء بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

شاعريته و ندرة هجائه‏

:

و يكنى أبا عبادة، شاعر فاضل فصيح حسن المذهب، نقيّ الكلام، مطبوع، كان مشايخنا رحمة اللّه عليهم يختمون به الشعراء، و له تصرّف حسن فاضل نقيّ في ضروب الشعر، سوى الهجاء، فإن بضاعته فيه نزرة، و جيّده منه قليل. و كان ابنه أبو الغوث يزعم أن السبب في قلة بضاعته في هذا الفن أنه لمّا حضره الموت دعا به، و قال له:

اجمع كلّ شي‏ء قلته في الهجاء. ففعل، فأمره بإحراقه، ثم قال له: يا بني، هذا شي‏ء قلته في وقت، فشفيت به غيظي، و كافأت به قبيحا فعل بي، و قد انقضى أربي في ذلك، و إن بقي روي، و للناس أعقاب يورثونهم العداء و المودة، و أخشى أن يعود عليك من هذا شي‏ء[4]في نفسك أو معاشك لا فائدة لك و لي فيه، قال: فعلمت أنه قد نصحني و أشفق عليّ، فأحرقته.

أخبرني بذلك عليّ بن سليمان الأخفش عن أبي الغوث.

و هذا-كما قال أبو الغوث-لا فائدة لك و لا لي فيه، لأن الذي وجدناه و بقي في أيدي الناس من هجائه أكثره ساقط، مثل قوله في ابن شير زاد:

/

نفقت نفوق الحمار الذّكر # و بان ضراطك عنا فمر

و مثل قوله في عليّ بن الجهم‏[5]:

و لو أعطاك ربّك ما تمنّى‏[6] # لزادك منه في غلظ الأيور

علام طفقت تهجوني مليّا # بما لفّقت من كذب و زور

[1]مم، ف: «عبيد» .

[2]ف: «جشم» .

[3]ف: عمير» .

[4]ف: «شر» .

[5]ف: «مروان بن أبي الجنوب» بدل «علي بن الجهنم» و المثبت في «الديوان» هو ما ذكرناه.

[6]تمنى هنا ليس فعلا ماضيا، و لكنه مضارع محذوف أحد التاءين.

29

و أشباه لهذه الأبيات، و مثلها[1]لا يشاكل طبعه، و لا تليق بمذهبه، و تنبئ بركاكتها و غثاثة/ألفاظها عن قلّة حظّه في الهجاء، و ما يعرف له هجاء جيّد إلا قصيدتان إحداهما قوله في ابن أبي قماش:

مرّت على عزمها و لم تقف # مبدية للشّنان و الشّنف‏

يقول فيها لابن أبي قماش:

قد كان في الواجب المحقّق أن # تعرف ما في ضميرها النّطف

بما تعاطيت في العيوب و ما # أوتيت من حكمة و من لطف

أ ما رأيت المرّيخ قد مازج الزّ # هرة في الجدّ منه و الشّرف

و أخبرتك النّحوس أنكما # في حالتي ثابت و منصرف

من أين أعملت ذا و أنت على # التّقويم و الزّيج جدّ منعكف‏[2]

أ ما زجرت الطيّر العلا أو تعيّ # فت المها[3]أو نظرت في الكتف

رذلت في هذه الصناعة أو # أكديت أو رمتها على الخرف

لم تخط باب الدّهليز منصرفا # إلا و خلخالها مع الشّنف‏[4]

/و هي طويلة، و لم يكن مذهبي ذكرها إلا للإخبار عن مذهبه في هذا الجنس، و قصيدته في يعقوب بن الفرج النّصرانيّ، فإنها-و إن لم تكن في أسلوب هذه و طريقتها-تجري مجرى التّهكّم باللفظ الطيّب الخبيث المعاني، و هي:

تظنّ شجوني لم تعتلج # و قد خلج البين من قد خلج‏

و كان البحتريّ يتشبّه بأبي تمّام من شعره، و يحذو مذهبه، و ينحو نحوه في البديع الذي كان أبو تمام يستعمله، و يراه صاحبا و إماما، و يقدّمه على نفسه، و يقول في الفرق بينه و بينه قول منصف: إنّ جيّد أبي تمّام خير من جيّده، و وسطه و رديئه خير من وسط أبي تمّام و رديئه‏[5]، و كذا حكم هو على نفسه.

هو و أبو تمام‏

:

أخبرني محمد بن يحيى الصولي: قال: حدثني الحسين بن علي الياقظانيّ: قال:

قلت للبحتريّ: أيّما أشعر أنت أو أبو تمام؟فقال: جيّده خير من جيّدي، و رديئي خير من رديئه.

حدثني محمد بن يحيى قال: حدثني أبو الغوث يحيى بن البحتري: قال:

كان أبي يكنّى أبا الحسن، و أبا عبادة، فأشير عليّ‏[6]في أيام المتوكل بأن أقتصر[7]على أبي عبادة، فإنها أشهر، فاقتصرت‏[8]عليها.

[1]ف، مم: «من جنسها» .

[2]البيت ساقط من ب، س.

[3]لعلها: «تعيفت لها» بدل «تعيفت المها» .

[4]الشّنف: ما علّق بالأذن، و في ف: «الكتف» .

[5]كذا في ف: و في باقي النسخ: «و وسطه خير من وسط أبي تمام و رديئه» و هذا أسلم للعبارة.

[6]ف، مم: «فأشير عليه... بأن يقتصر... فاقتصر» .

30

حدثني محمد قال:

سمعت عبد اللّه بن الحسين بن سعد يقول للبحتريّ-و قد اجتمعنا في دار عبد اللّه بالخلد، و عنده المبرّد في سنة ست و سبعين و مائتين، و قد أنشد البحتريّ شعرا لنفسه قد كان أبو تمام قال في مثله-: أنت و اللّه أشعر من أبي تمّام في هذا الشعر، /قال: كلاّ و اللّه، إن أبا تمام للرّئيس و الأستاذ، و اللّه ما أكلت الخبر إلاّ به، فقال له المبرّد: للّه درّك يا أبا الحسن، فإنك تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك.

حدثني محمد: قال: حدثني الحسين بن إسحاق: قال:

قلت للبحتريّ: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: و اللّه ما ينفعني هذا القول، و لا يضرّ أبا تمّام، و اللّه ما أكلت الخبز إلا به، و لوددت أنّ الأمر كان كما قالوا، و لكني و اللّه تابع له آخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه، و أرضي تنخفض عند سمائه.

حدثني محمد بن يحيى: قال: حدثني سوّار بن أبي شراعة، عن البحتري: قال: و حدثني أبو عبد اللّه الألوسيّ، عن علي بن يوسف‏[1]، /عن البحتري: قال:

كان أوّل أمري في الشعر و نباهتي أنّي صرت إلى أبي تمّام، و هو بحمص، فعرضت عليه شعري، و كان الشّعراء يعرضون عليه أشعارهم، فأقبل عليّ، و ترك سائر من حضر، فلما تفرّقوا قال لي: أنت أشعر من أنشدني، فكيف باللّه حالك؟فشكوت خلّة[2]فكتب إلى أهل معرّة النّعمان، و شهد لي بالحذق بالشعر، و شفع لي إليهم و قال: امتدحهم، فصرت إليهم، فأكرموني بكتابه، و وظّفوا لي أربعة آلاف درهم، فكانت أول مال أصبته. و قال عليّ بن يوسف في خبره: فكانت نسخة كتابه: «يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائيّ، و هو-على بذاذته‏[3]-شاعر، فأكرموه» .

يعشق غلاما. فيلتحى‏

:

حدثني جحظة: قال: سمعت البحتريّ يقول: كنت أ تعشق غلاما من أهل/منبج يقال له شقران، و اتّفق لي سفر، فخرجت فيه، فأطلت الغيبة، ثم عدت، و قد التحى، فقلت فيه، و كان أول شعر قلته:

نبتت لحية شقرا # ن شقيق النّفس بعدي

حلقت‏[4]، كيف أتته # قبل أن ينجز وعدي!

و قد روى في غير هذه الحكاية أن اسم الغلام شندان.

بدء التعارف بينه و بين أبي تمام‏

:

حدثني عليّ بن سليمان: قال: حدثني أبو الغوث بن البحتريّ عن أبيه، و حدثني عمي: قال: حدثني علي بن العباس النّوبختيّ، عن البحتريّ، و قد جمعت الحكايتين، و هما قريبتان: قال:

[1]ف، مم: «علي بن سيف» .

[2]الخلة: الحاجة.

[3]بذ بذاذة و بذوذة: ساءت حاله و رثّت هيئته.

[4]حلقت بالبناء للمجهول: جملة دعائية، و في بعض النسخ: خلقت، و هو تصحيف.

31

أول ما رأيت أبا تمّام أنّي دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف، و قد مدحته بقصيدتي:

أ أفاق صبّ من هوى فأفيقا # أو خان عهدا أو أطاع شفيقا؟

فسر بها أبو سعيد، و قال: أحسنت و اللّه يا فتى و أجدت، قال: و كان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر عنده، تكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عليّ ثم قال: يا فتى، أ ما تستحي منّي!هذا شعر لي تنتحله، و تنشده بحضرتي!فقال له أبو سعيد: أ حقّا تقول!قال: نعم، و إنما علقه مني، فسبقني به إليك، و زاد فيه، ثم اندفع فأنشد أكثر هذه القصيدة، حتى شكّكني-علم اللّه-في نفسي، و بقيت متحيّرا، فأقبل عليّ أبو سعيد، فقال: يا فتى، قد كان في قرابتك منّا و ودّك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف له بكل محرجة من الأيمان أنّ الشّعر لي ما سبقني إليه أحد، و لا سمعته منه، و لا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئا، و أطرق أبو سعيد، و قطع بي، حتى تمنّيت أني سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجرّ رجليّ، فخرجت، فما هو إلا أن بلغت باب الدّار حتى خرج الغلمان فردّوني، فأقبل عليّ الرّجل، فقال: الشعر لك يا بني، و اللّه/ما قلته قطّ، و لا سمعته إلا منك، و لكنني ظننت أنّك تهاونت بموضعي، فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد بذلك مضاهاتي و مكاثرتي، حتى عرّفني الأمير نسبك و موضعك، و لوددت ألاّ تلد أبدا طائيّة إلا مثلك، و جعل أبو سعيد يضحك، و دعاني أبو تمام، و ضمّني إليه، و عانقني، و أقبل يقرّظني، و لزمته بعد ذلك، و أخذت عنه، و اقتديت به، هذه رواية من ذكرت.

إنشاد له بأبي سعيد محمد بن يوسف الثغري‏

:

و قد حدثني عليّ بن سليمان الأخفش أيضا قال: حدثني عبد اللّه بن الحسين بن سند القطربليّ:

أن البحتريّ حدثه أنّه دخل على/أبي سعيد محمد بن يوسف الثّغريّ، و قد مدحه بقصيدة، و قصده بها، فألقى عنده أبا تمام و قد أنشده قصيدة له فيه، فاستأذنه البحتريّ في الإنشاد و هو يومئذ حديث السّنّ، فقال له: يا غلام أ تنشدني بحضرة أبي تمّام؟فقال: تأذن و يستمع‏[1]، فقام، فأنشده إياها، و أبو تمام يسمع و يهتزّ من قرنه إلى قدمه استحسانا فلما فرغ منها قال: أحسنت و اللّه يا غلام، فممّن أنت؟قال: من طيّى‏ء، فطرب أبو تمّام و قال: من طيّ ء، الحمد للّه على ذلك، لوددت أن كل طائية تلد مثلك، و قبّل بين عينيه، و ضمّه إليه و قال لمحمد بن يوسف:

قد جعلت له جائزتي، فأمر محمد بها، فضمّت إلى مثلها، و دفعت‏[2]إلى البحتريّ، و أعطى أبا تمّام مثلها، و خصّ به، و كان مدّاحا له طول أيامه و لابنه بعده، و رثاهما بعد مقتليهما، فأجاد، و مراثيه فيهما أجود من مدائحه، و روى أنه قيل له في ذلك فقال: من تمام الوفاء أن تفضل المراثي المدائح‏[3]لا كما قال الآخر-و قد سئل عن ضعف مراثيه فقال-: كنا نعمل للرّجاء، نحن نعمل اليوم للوفاء. و بينهما بعد.

كان بخيلا زري الهيئة

:

حدثني حكم بن يحيى الكنتحي قال:

/كان البحتريّ من أوسخ خلق اللّه ثوبا و آلة و أبخلهم على كل شي‏ء[4]، و كان له أخ و غلام معه في داره، [1]ف، مم: «تأذن و تستمع» .

[2]ف: «و دفعتا» .

[3]زيادة «لا» عن مم، ف، و هي زيادة ضرورية، لأن مذهب الشاعرين على طرفي نقيض.

[4]مم: «و أبخلهم على الطعام» .

32

فكان يقتلهما جوعا، فإذا بلغ منهما الجوع أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيّقا مقتّرا، و يقول: كلا، أجاع اللّه أكبادكما[1]و أعرى أجلادكما[1]و أطال إجهادكما.

قال حكم بن يحيى: و أنشدته يوما من شعر أبي سهل بن نوبخت، فجعل يحرّك رأسه، فقلت له: ما تقول فيه؟فقال: هو يشبه مضغ الماء ليس له طعم و لا معنى.

و حدثني أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهانيّ الكاتب، قال:

دخلت على البحتريّ يوما فاحتبسني عنده، و دعا بطعام له، و دعاني إليه، فامتنعت من أكله، و عنده شيخ شاميّ لا أعرفه، فدعاه إلى الطّعام، فتقدّم، و أكل معه أكلا عنيفا، فغاظه ذلك، و التفت إليّ، فقال لي: أ تعرف هذا الشيخ؟فقلت: لا، قال: هذا شيخ من بني الهجيم الذين يقول فيهم الشاعر:

و بنو[2]الهجيم قبيلة ملعونة # حصّ اللّحى‏[3]متشابهو الألوان

لو يسمعون بأكلة أو شربة # بعمان أصبح جمعهم بعمان‏[4]

قال: فجعل الشيخ يشتمه، و نحن نضحك.

ماء من يد حسناء

:

و حدثني جحظة: قال: حدثني عليّ‏[5]بن يحيى المنجّم: قال:

اجتازت جارية بالمتوكّل معها كوز ماء، و هي أحسن من القمر، فقال لها: ما اسمك؟ /قالت: برهان، قال: و لمن هذا الماء؟قالت: لستيّ قبيحة، قال: صبيّه في حلقي، فشربه عن آخره، ثم قال للبحتريّ: قل في هذا شيئا، فقال البحتريّ:

ما شربة[6]من رحيق كأسها ذهب # جاءت بها الحور من جنّات رضوان

يوما بأطيب من ماء بلا عطش # شربته عبثا من كف برهان‏

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، و أحمد بن جعفر جحظة: قالا: حدثنا أبو الغوث بن البحتري: قال:

كتبت إلى أبي يوما أطلب منه نبيذا، فبعث إليّ بنصف قنّينة درديّ‏[7]، و كتب إليّ: دونكها يا بنيّ، فإنها تكشف القحط، و تضبط الرّهط. قال الأخفش، و تقيت الرّهط.

قصته مع أحمد بن علي الإسكافي‏

:

حدثني أبو الفضل عباس بن أحمد بن ثوابة قال:

(1-1) التكملة من: ف، مم.

[2]ب، س: «و بني الهجيم» .

[3]حص اللحى: قليلو شعر اللحية.

[4]عمان الأولى ممنوعة من الصرف، و عمان الثانية مصروفة، و ليس في هذا ضرورة شعرية. لأنه يجوز فيها الأمران، كقريش و تميم و نحوهما، على معنى حي أو قبيلة.

[5]كذا في النسخ، و في نسخة بيروت: «يحيى بن علي المنجم» .

[6]ف: «قهوة» .

[7]الدردي: ما رسب أسفل العسل و الزيت و نحوهما من كل شي‏ء مائع كالأشربة و الأدهان.

33

قدم البحتريّ النّيل‏[1]على أحمد/بن عليّ الإسكافيّ مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدّته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها:

ما كسبنا من أحمد بن عليّ # و من النّيل غير حمى النّيل‏

و هجاه بقصيدة أخرى أولها:

قصّة النّيل فاسمعوها عجابه‏

فجمع إلى هجائه إياه هجاء أبي ثوابة، و بلغ ذلك أبي، فبعث إليه بألف درهم و ثياب و دابّة بسرجها و لجامها، فردّه إليه، و قال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول رفدكم‏[2]، فكتب إليه أبي: أمّا الإساءة فمغفورة و أما المعذرة فمشكورة، و الحسنات/يذهبن السيئات، و ما يأسو جراحك مثل يدك. و قد رددت إليك ما رددته عليّ، و أضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا و شكرنا، و إن لم تفعل احتملنا و صبرنا. فقبل ما بعث به، و كتب إليه: كلامك و اللّه أحسن من شعري، و قد أسلفتني ما أخجلني، و حمّلتني ما أثقلني، و سيأتيك ثنائي. ثم غدا إليه بقصيدة أولها:

ضلال لها ما ذا أرادت إلى الصّد

و قال فيه بعد ذلك:

برق أضاء العقيق من ضرمه‏

و قال فيه أيضا:

دان دعا داعي الصّبا فأجابه‏

قال: و لم يزل أبي يصله بعد ذلك، و يتابع برّه لديه حتى افترقا.

شعره في نسيم غلامه‏

:

أخبرني جحظة قال:

كان نسيم غلام البحتريّ الذي يقول فيه:

دعا عبرتي تجري على الجور و القصد # أظنّ نسيما قارف الهمّ من بعدي

خلا ناظري من طيفه بعد شخصه # فيا عجبا للدّهر فقد[3]على فقد

غلاما روميّا ليس بحسن الوجه، و كان قد جعله بابا من أبواب الحيل على النّاس، فكان يبيعه و يعتمد أن يصيّره إلى ملك بعض أهل المروءات و من ينفق عنده الأدب، فإذا حصل في ملكه شبّب به، و تشوّقه، و مدح مولاه، حتى يهبه له، فلم يزل ذلك دأبه حتى مات نسيم، فكفي النّاس أمره.

خبره مع محمد بن علي القمي و غلامه:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال:

[1]النيل: بليدة في سواد الكوفة، و نهر من أنهار الرقة، عن «معجم ياقوت» .

[2]ف: «صلتكم» .

[3]فقد بالرفع على أنها خبر لمبتدإ محذوف، و في ف: فقدا بالنصب على الحالية. ـ

34

كتب البحتريّ إلى أبي محمد بن عليّ القمّيّ‏[1]يستهديه نبيذا، فبعث إليه نبيذا مع/غلام له أمرد، فجمّشه‏[2]البحتريّ، فغضب الغلام غضبا شديدا، دلّ البحتريّ على أنه سيخبر مولاه بما جرى، فكتب إليه:

أبا جعفر كان تجميشنا # غلامك إحدى الهنات الدّنيّه

بعثت إلينا بشمس المدام # تضي‏ء لنا مع شمس البريّة

فليت الهديّة كان الرّسول # و ليت الرسول إلينا الهديّة

فبعث إليه محمد بن عليّ الغلام هديّة، فانقطع البحتريّ عنه بعد ذلك مدة، خجلا مما جرى، فكتب إليه محمد بن عليّ:

هجرت كأنّ البرّ أعقب حشمة # و لم أر وصلا قبل ذا أعقب الهجرا

فقال فيه قصيدته التي أولها:

فتى مذحج عفوا فتى مذحج غفرا[3]

و هي طويلة. و قال فيه أيضا:

أ مواهب‏[4]هاتيك أم أنواء # هطل و أخذ ذاك أم إعطاء

إن دام ذا أو بعض ذا من فعل ذا # ذهب‏[5]السخاء فلا يعدّ[6]سخاء

/ليس الذي حلّت تميم وسطه # الدّهناء، لكن صدرك الدهناء[7]

ملك أغر لآل طلحة مجده # كفّاه بحر سماحة و سماء[8]

/و شريف أشراف إذا احتكّت بهم # جرب القبائل أحسنوا و أساءوا[9]

أ محمد بن عليّ أسمع عذرة # فيها شفاء للمسي‏ء و داء

ما لي إذ ذكر الكرام رأيتني # مالي مع النّفر الكرام وفاء؟

يضفو عليّ العذل و هو مقارب # و يضيق عني العذر و هو فضاء

إنّي هجرتك إذ هجرتك حشمة # لا العود يذهبها و لا الإبداء

[1]نسبة إلى بلدة «قم» قال ياقوت: و هي مدينة إسلامية لا أثر للأعاجم فيها بين أصبهان و ساوة.

[2]التجميش: المغازلة و الملاعبة.

[3]مذحج كمجلس: أكمة، ولدت مالكا و طيئا أمهما عندها، فسموا مذحجا، و في ب: «فتى مذحج غفرا فتى مذحج غفرا» ، و المثبت من ف، و هو الوجه.

[4]مواهب بالتنوين للضرورة.

[5]في «المختار» : فني السخاء.

[6]في «الديوان» :

«فلا يحس سخاء»

.

[7]الدهناء: الصحراء.

[8]ف: «و عطاء» .

[9]ب، مم: «إذا احتلت» بدل «إذا احتكت» . و «حرب» بدل «جرب» و المثبت من ف.

35

أخجلتني بندى يديك فسوّدت # ما بيننا تلك اليد البيضاء[1]

و قطعتني بالبرّ حتى إنني # متوهّم أن لا يكون لقاء

صلة غدت في الناس و هي قطيعة # عجبا و برّ راح و هو جفاء

ليواصلنّك ركب شعري سائرا # تهدى به في مدحك الأعداء[2]

حتى يتمّ لك الثّناء مخلّدا # أبدا كما دامت لك النّعماء

فتظلّ تحسدك الملوك الصيد بي # و أظلّ يحسدني بك الشّعراء

كان موته بالسكتة

:

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش: قال: سألني القاسم بن عبيد اللّه عن خبر البحتريّ، و قد كان أسكت، و مات من تلك العلّة، فأخبرته بوفاته، و أنه مات في تلك السّكتة، فقال: ويحه رمي في أحسنه‏[3].

أبو تمام يلقن البحتري درسا في الاستطراد

:

أخبرني محمد بن يحيى: قال: حدثني محمد بن عليّ الأنباريّ: قال:

سمعت البحتريّ يقول: أنشدني أبو تمام يوما لنفسه:

و سابح هطل التّعداء هتّان # على الجراء أمين غير خوّان‏[4]

أظمي الفصوص و لم تظمأ قوائمه # فخلّ عينيك في ظمآن ريّان‏[5]

فلو تراه مشيحا و الحصى زيم‏[6] # بين السّنابك من مثنّى و وحدان

أيقنت إن لم تثبّت أنّ حافره # من صخر تدمر أو من وجه عثمان‏[7]

ثم قال لي: ما هذا الشعر؟قلت: لا أدري، قال: هذا هو المستطرد، أو قال الاستطراد. قلت: و ما معنى ذلك؟قال: يريك أنه يريد وصف الفرس و هو يريد هجاء عثمان، و قد فعل البحتري ذلك، فقال في صفة الفرس:

ما إن يعاف قذى و لو أوردته # يوما خلائق حمدويه الأحول‏

و كان حمدويه الأحول عدوّا لمحمد بن علي القمّي الممتدح بهذه القصيدة فهجاه في عرض مدحه محمدا.

و اللّه أعلم.

[1]لعله يريد بتسويد النعمة البيضاء، ما فرط منه من تجميشه للغلام، أو يريد أن هذه النعمة جعلته له رقيقا على حد قول الشاعر:

كلما قلت أعتق اللّه رقي # صيرتني له المكارم عبدا

[2]في ب: «لأوصلنك» . و في مم: «تهذي» بدل «تهدي» و في «المختار» : «يرويه فيك لحسنه الأعداء» .

[3]لعله يريد بأحسن ما فيه، لسانه.

[4]ب: «الشعراء» بدل «التعداء» و هو تحريف، و الجراء: جمع جرو، و هو ولد الكلب و كل سبع.

[5]الفصوص: المفاصل، و ظمؤها: ضمورها، و جر «ريان» و كذا عثمان في البيت الأخير لضرورة الشعر، و في «المختار: «فجل بعينيك في ظمآن ريان» .

[6]زيم: جمع زيمة، و هو القطعة من الشي‏ء.

[7]تثبت: فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين. و تدمر: قال ياقوت: تدمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام، و المقصود وصف وجه عثمان بالصفافة، حتى كأنه قطعة قدت من صخر، و عثمان هو عثمان بن إدريس.

36

أبو تمام يشيد به‏

:

حدثني عليّ بن سليمان الأخفش: قال: حدّثني أبو الغوث بن البحتريّ: قال:

حدثني أبي: قال: قال لي أبو تمام: بلغني أنّ بني حميد أعطوك مالا جليلا فيما مدحتهم به، فأنشدني شيئا منه، فأنشدته بعض ما قلته فيهم، فقال لي: كم أعطوك؟فقلت: كذا و كذا، فقال: ظلموك، و اللّه ما و فوك حقّك، فلم استكثرت ما دفعوه إليك؟/و اللّه لبيت منها خير مما أخذت، ثم أطرق قليلا، ثم قال: لعمري لقد استكثرت ذلك، و استكثر لك لمّا مات الناس و ذهب/الكرام، و غاضت المكارم، فكسدت سوق الأدب، أنت و اللّه يا بنيّ أمير الشعراء غدا بعدي، فقمت فقبّلت رأسه و يديه و رجليه، و قلت له: و اللّه لهذا القول أسرّ إلى قلبي و أقوى لنفسي مما وصل إليّ من القوم.

أبو تمام ينعي نفسه‏

:

حدثني محمد بن يحيى عن الحسن بن علي الكاتب: قال: قال لي البحتريّ: أنشدت أبا تمام يوما شيئا من شعري، فتمثّل ببيت أوس بن حجر:

إذا مقرم منا ذرا حدّ نابه # تخمّط فينا ناب آخر مقرم‏[1]

ثم قال لي: نعيت و اللّه إليّ نفسي، فقلت: أعيدك باللّه من هذا القول، فقال: إنّ عمري لن يطول، و قد نشأ في طي‏ء مثلك، أ ما علمت أنّ خالد بن صفوان رأى شبيب بن شيبة، و هو من رهطة يتكلم، فقال: يا بنيّ، لقد نعى إليّ نفسي إحسانك في كلامك، ، لأنّا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب قطّ إلاّ مات من قبله، فقلت له: بل يبقيك اللّه، و يجعلني فداءك. قال: و مات أبو تمام بعد سنة.

يشمخ بأنفه فيغري به المتوكل الصيمري‏

:

حدثني أحمد بن جعفر جحظة: قال: حدثني أبو العنبس الصّميريّ قال:

كنت عند المتوكل و البحتريّ ينشده:

عن أيّ ثغر تبتسم # و بأيّ طرف تحتكم؟

حتى بلغ إلى قوله:

قل للخليفة جعفر الـ # متوكّل بن المعتصم

/المبتدي للمجتدي‏[2] # و المنعم بن المنتقم

أسلم لدين محمد # فإذا سلمت فقد سلم‏

قال: و كان البحتريّ من أبغض الناس إنشادا، يتشادق و يتزاور[3]في مشيه مرة جانبا، و مرّة القهقري، و يهزّ [1]المقرم: السيد المقدم، تشبيها بالمقرم من الإبل، و هو المكرم الذي لا يحمل عليه و لا يذلل، و ذرا حد نابه: انكسر، و التخمط:

الأخذ و القهر بغلبة، و البيت في معنى قول الآخر:

إذا مات منا سيد قام صاحبه‏

[2]ب، مم: «المجتدي للمتجدي» ، و ما أثبتناه من ف. و هو أبلغ في المدح، لأن المراد أن يعطي قبل السؤال.

[3]يتزاور: ينحرف.

37

رأسه مرّة، و منكبيه أخرى، و يشير بكمّه، و يقف عند كل بيت، و يقول: أحسنت و اللّه، ثم يقبل على المستمعين، فيقول: ما لكم لا تقولون أحسنت؟هذا و اللّه ما لا يحسن أحد أن يقول مثله: فضجر المتوكل من ذلك و أقبل عليّ، و قال: أ ما تسمع يا صيمريّ ما يقول؟فقلت: بلى يا سيّدي، فمرني فيه بما أحببت، فقال: بحياتي أهجه على هذا الرّويّ الذي أنشدنيه، فقلت: تأمر ابن حمدون أن يكتب ما أقول، فدعا بداوة و قرطاس، و حضرني على البديهة أن قلت:

أدخلت رأسك في الرّحم # و علمت أنّك تنهزم

يا بحتريّ حذار ويحك # من قضاقضة ضغم‏[1]

فلقد أسلت بوادييـ # ك‏[2]من الهجا سيل العرم

فبأيّ عرض تعتصم # و بهتكه جفّ القلم؟

و اللّه حلفة صادق # و بقبر أحمد و الحرم

و بحقّ جعفر الإما # م ابن الإمام المعتصم

لأصيّرنّك شهرة # بين المسيل إلى العلم

/حيّ الطّلول‏[3]بذي سلم # حيث الأراكة و الخيم

يا بن الثّقيلة و الثقـ # يل على قلوب ذوي النّعم

/و على الصغير مع الكبـ # ير من الموالي و الحشم

في أي سلح ترتطم # و بأيّ كفّ تلتقم؟

يا بن المباحة للورى # أ من العفاف أم التّهم‏[4]

إذ رحل أختك للعجم # و فراش أمّك في الظّلم

و بباب دارك حانة # في بيته يؤتى الحكم‏

قال: فغضب، و خرج يعدو، و جعلت أصيح به:

أدخلت رأسك في الرّحم # و علمت أنّك تنهزم‏

و المتوكل يضحك، و يصفّق حتى غاب عن عينه.

هكذا حدثني جحظة عن أبي العنبس.

و وجدت هذه الحكاية بعينها بخط الشاهيني حكاية عن أبي العنبس، فرأيتها قريبة اللفظ، موافقة المعنى لما ذكره جحظة، و الذي يتعارفه الناس أن أبا العنبس قال هذه الأبيات ارتجالا، و كان واقفا خلف البحتريّ، فلما ابتدأ و أنشد قصيدته:

[1]القضاقض: الأسد، و جمعه قضاقضة، و ضغمه: عضه بمل‏ء فيه، فهو ضاغم، و جمعه ضغم.

[2]ب، مم: «بوالديك» و المثبت من ف.

[3]ب، س: «حيث الطلول» .

[4]ب: «أ من العقاب أم الفهم» و المثبت من مم، ف، و المستفهم عنه ما ورد في البيتين التاليين.

38

عن أيّ ثغر تبتسم # و بأيّ طرف تحتكم‏

صاح به أبو العنبس من خلفه:

في أيّ سلح ترتطم # و بأيّ كفّ تلتقم

أدخلت رأسك في الرّحم # و علمت أنك تنهزم‏

/فغضب البحتريّ، و خرج، فضحك المتوكّل حتى أكثر، و أمر لأبي العنبس بعشرة آلاف درهم و اللّه أعلم.

و أخبرني بهذا الخبر محمد بن يحيى الصّوليّ، و حدثني عبد اللّه بن أحمد بن حمدون عن أبيه: قال: و حدثني يحيى بن علي عن أبيه:

إن البحتريّ أنشد المتوكّل-و أبو العنبس الصّيمريّ حاضر-قصيدته:

عن أيّ ثغر تبتسم # و بأيّ طرف تحتكم؟

[1]إلى آخرها، و كان إذا أنشد يختال، و يعجب بما يأتي به، فإذا فرغ من القصيدة ردّ البيت الأول، فلما رده بعد فراغه منها. و قال:

عن أيّ ثغر تبتسم # و بأيّ طرف تحتكم‏[1]

قال أبو العنبس و قد غمزه المتوكل أن يولع به:

في أي سلح ترتطم # و بأي كفّ تلتقم

أدخلت رأسك في الرّحم # و علمت أنّك تنهزم‏

فقال نصف البيت الثاني، فلما سمع البحتريّ قوله ولّى مغضبا، فجعل أبو العنبس يصيح به:

و علمت أنك تنهزم‏

فضحك المتوكل من ذلك حتى غلب، و أمر لأبي العنبس بالصّلة التي أعدّت للبحتري.

قال أحمد بن زياد[2]: فحدّثني أبيّ قال:

/جاءني البحتريّ، فقال لي: يا أبا خالد أنت عشيرتي و ابن عمّي و صديقي، و قد رأيت ما جرى عليّ، أ فتأذن لي‏[3]أن أخرج إلى منبج بغير إذن، فقد ضاع العلم، و هلك الأدب؟فقلت: لا تفعل من هذا شيئا، فإن الملوك تمزح بأعظم مما جرى، و مضيت معه إلى الفتح، فشكا إليه ذلك، فقال له نحوا من قولي، و وصله، /و خلع عليه، فسكن إلى ذلك.

الصيمري يسترسل في سخريته به بعد موت المتوكل:

حدثني جحظة عن عليّ بن يحيى المنجّم: قال:

لمّا قتل المتوكّل قال أبو العنبس الصّيمريّ:

(1-1) التكملة من هد، هج.

[2]مم، ف: «أحمد بن يزيد» .

[3]ف: «أ فترى لي» . و منبج: بلدة الشاعر شمالي سوريا.

39

يا وحشة الدنيا على جعفر # على الهمام الملك الأزهر[1]

على قتيل من بني هاشم # بين سرير الملك و المنبر

و اللّه ربّ البيت و المشعر # و اللّه أن لو قتل البحتري

لثار بالشّام له ثائر # في ألف نغل‏[2]من بني عض خرى

يقدمهم كلّ أخي ذلّة # على حمار دابر أعور

فشاعت الأبيات حتى بلغت البحتريّ، فضحك، ثم قال: هذا الأحمق يرى أنّي أجيبه على مثل هذا، فلو عاش امرؤ القيس. فقال، من كان يجيبه‏[3]؟.

[1]البيت من مم، ف، و هو ساقط من ب، س.

[2]ب: «نفل» بدل «نغل» و النغل ابن الزنا، أما عض خرى فلعله اسم قبيلة اخترعها للصيمري اختراعا لمجرد السخرية.

[3]في «المختار» : «و لو عاش امرؤ القيس. فقال مثل قوله لم أجبه» .

40

6-ذكر نتف من أخبار عريب مستحسنة

منزلتها في الغناء و الأدب‏

:

كانت عريب مغنّية محسنة، و شاعرة صالحة الشعر، و كانت مليحة الخط و المذهب في الكلام، و نهاية في الحسن و الجمال و الظّرف، و حسن الصورة و جودة الضّرب، و إتقان الصنعة و المعرفة بالنّغم و الأوتار، و الرواية للشعر و الأدب، لم يتعلق بها أحد من نظرائها، و لا رئي في النساء بعد القيان الحجازيّات القديمات، مثل جميلة و عزّة الميلاء و سلاّمة الزرقاء و من جرى مجراهن-على قلة عددهن-نظير لها، و كانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهنّ مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء، و من نشأ في قصور الخلافة و غذّي برقيق العيش، الذي لا يدانيه عيش الحجاز، و النش بين العامة و العرب الجفاة، و من غلظ طبعه، و قد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.

أخبرني محمد بن خلف وكيع، عن حماد بن إسحاق: قال: قال لي أبي:

ما رأيت امرأة أضرب من عريب، و لا أحسن صنعة و لا أحسن وجها، و لا أخفّ روحا، و لا أحسن خطابا، و لا أسرع جوابا، و لا ألعب بالشّطرنج و النّرد، و لا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حمّاد:

فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي، فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك، قلت: أ فسمعتها؟قال: نعم هناك، يعني في دار المأمون، قلت: أ فكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك، فهو أعلم مني بها، فأخبرت بذلك أبي، فضحك، ثم قال: ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا.

هي و إسحاق و الخليفة المعتصم‏

:

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى: قال: حدثني أبي، قال:

قال لي إسحاق: كانت عندي صنّاجة[1]كنت بها معجبا، و اشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون، فبينا أنا ذات يوم في منزلي، إذ أتاني إنسان يدقّ الباب دقّا/شديدا، فقلت: انظروا من هذا؟فقالوا: رسول أمير المؤمنين، فقلت: ذهبت صنّاجتي، تجده ذكرها له ذاكر، فبعث إليّ فيها. فلمّا مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب، و أنا مثخن، فدخلت، فسلّمت، فردّ عليّ السلام، و نظر إلى تغيّر وجهي، فقال لي: أسكن، فسكنت، فقال لي:

غنّ صوتا[2]و قال لي: أ تدري لمن هو؟فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء اللّه ذلك، فأمر جارية من وراء الستارة، فغنّته و ضربت، فإذا هي قد شبّهته بالغناء القديم، فقلت: زدني معها عودا آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عودا آخر، /فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، قال: من أين قلت ذاك؟قلت: لمّا سمعت لينه [1]الصناجة: آلة موسيقية ذات أوتار.

[2]ف، مم: «فسألني عن صوت» .

41

عرفت أنه محدث من غناء النساء، و لما رأيت جودة مقاطعه علمت أنّ صاحبته ضاربة، و قد حفظت مقاطعه و أجزاءه، ثم طلبت عودا آخر، فلم أشكّ، فقال: صدقت، الغناء لعريب.

قال ابن المعتز: و قال يحيى بن عليّ‏[1]:

أمرني المعتمد على اللّه أن أجمع غناءها الذي صنعته، فأخذت منها دفاترها و صحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فكتبته فكان ألف صوت.

أصواتها كمّا و كيفا

:

و أخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبه:

أنه سأل عريب عن صنعتها، فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت.

و حدثني محمد بن إبراهيم قريض‏[2]أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز، و أبي العبيس بن حمدون، و ما أخذه عن بدعة جاريتها التي أعطاها إياها بنو هاشم، فقابل بعضه ببعض، فكان ألفا و مائة و خمسة و عشرين صوتا.

و ذكر العتّابيّ أنّ أحمد بن يحيى حدثه: قال:

سمعت أبا عبد اللّه الهشاميّ يقول-و قد ذكرت صنعة عريب-: صنعتها مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول:

/

يا عين بكّي خالدا # ألفا و يدعى واحدا

يريد أنّ غناءها ألف صوت في معنى واحد، فهي بمنزلة صوت واحد و حكى عنه أيضا هذه الحكاية ابن المعتز.

و هذا تحامل لا يحلّ‏[3]، و لعمري إن في صنعتها لأشياء مرذولة ليّنة، و ليس ذلك مما يضعها، و لا عري كبير أحد من المغنّين القدماء و المتأخرين من أن يكون صنعته النادر و المتوسّط سوى قوم معدودين مثل ابن محرز و معبد في القدماء، و مثل إسحاق وحده في المتأخرين، و قد عيب بمثل هذا ابن سريج في محله، فبلغه أن المغنين يقولون: إنما يغنى ابن سريج الأرمال و الخفاف، و غناؤه يصلح للأعراس و الولائم، فبلغه ذلك فتغنى بقوله:

لقد حبّبت نعم إلينا بوجهها # مساكن‏[4]ما بين الوتائر فالنّقع‏

ثم توفّي بعدها، و غناؤه يجري مجرى المعيب‏[5]عليه، و هذا إسحاق يقول في أبيه: -على عظيم محلّه في هذه الصناعة و ما كان إسحاق يشيد به من ذكره و تفضيله على ابن جامع و غيره-و لأبي ستّمائة صوت، منها مائتان تشبّه فيها بالقديم، و أتى بها في نهاية من الجودة، و مائتان غناء وسط مثل أغاني سائر الناس، و مائتان فلسية[6]وددت أنه [1]ف: «علي بن يحيى» و المثبت من ب، مم.

[2]ب: «محمد بن القاسم قريض» .

[3]ف، مم: «لا يجمل» .

[4]ف: «منازل» ، و الوتار: موقع بين مكة و الطائف، و البيت لعمر بن أبي ربيعة.

[5]ف: «ثم توفي بعدها فجرى مجرى المعتب عليه» .

[6]ف، مم: «فلسية» و لعله يقصد أنها تافهة، فينسبها إلى الفلس المقابل للدرهم و الدينار.

42

لم يظهرها و ينسبها لنفسه، فأسترها عليه، فإذا كان هذا قول إسحاق في أبيه فمن يعتذر بعده من أن يكون له جيّد و ردي‏ء، و ما عري أحد في صناعة من الصناعة من حال ينقصه عن الغاية، لأن الكمال شي‏ء تفرّد اللّه العظيم به، و النقصان جبلّة طبع بني آدم‏[1]عليها، و ليس ذلك إذا وجد في بعض أغاني عريب مما يدعو إلى إسقاط سائرها، و يلزمه اسم الضّعف و اللّين، و حسب المحتجّ لها شهادة إسحاق بتفضيلها، و قلّما شهد/لأحد، أو سلم خلق-و إن تقدّم و أجمع على فضله-من شينه‏[2]إيّاه و طعنه عليه، لنفاسته في هذه الصناعة، و استصغاره أهلها، فقد تقدّم في أخباره مع علّوية، و مخارق، و عمرو بن بانة، و سليم بن سلام، و حسين بن محرز، و من قبلهم/و من فوقهم مثل ابن جامع و إبراهيم بن المهديّ و تهجينه إياهم، و موافقته لهم على خطئهم فيما غنّوه و صنعوه مما يستغنى به عن الإعادة في هذا الموضع، فإذا انضاف فعله هذا بهم، و تفضيله إياها، كان ذلك أدلّ على التحامل ممّن طعن عليها، و إبطاله فيما ذكرها به، و لقائل ذلك-و هو أبو عبد اللّه الهشامي-سبب كان يصطنعه عليها، فدعاه إلى ما قال، نذكره بعد هذا إن شاء اللّه تعالى.

و مما يدلّ على إبطاله أنّ المأمون أراد أن يمتحن إسحاق في المعرفة بالغناء القديم و الحديث، فامتحنه بصوت من غنائها من صنعتها، فكاد يجوز عليه، لو لا أنه أطال الفكر و التلوّم و استثبت، مع علمه بالمذاهب في الصنعة، و تقدّمه في معرفة النّغم و عللها، و الإيقاعات و مجاريها.

و أخبرنا بذلك يحيى بن عليّ بن يحيى: قال: حدثني أبي عن إسحاق:

فأمّا السبب الذي كان من أجله يعاديها الهشامي، فأخبرني به يحيى بن محمد بن عبد اللّه بن طاهر قال: ذكر لأبي أحمد عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر عميّ أنّ الهشاميّ زعم أن أحسن صوت صنعته عريب:

صاح قد لمت ظالما

و إن غناءها بمنزلة قول أبي دلف في خالد:

يا عين بكّي خالدا # ألفا و يدعى واحدا

فقال: ليس الأمر كما ذكر، و لعريب صنعة فاضلة متقدّمة، و إنما قال هذا فيها/ظلما و حسدا، و غمطها ما تستحقّه من التّفضيل، بخبر لها معه طريف، فسألناه عنه، فقال: أخرجت الهشاميّ معي إلى سرّ من رأى، بعد وفاة أخي، يعني أبا محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فأدخلته على المعتزّ، و هو يشرب، و عريب تغنّي، فقال له: يا بن هشام، غنّ، فقال: تبت من الغناء قتل سيّدي المتوكل، فقالت له عريب: قد و اللّه أحسنت حيث تبت، فإن غناءك كان قليل المعنى، لا متقن‏[3]و لا صحيح و لا مطرب، فأضحكت أهل المجلس جميعا منه، فخجل؛ فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها، و يعيب صنعتها، و يقول: هي ألف صوت في العدد، و صوت واحد في المعنى.

و ليس الأمر كما قاله، إن لها لصنعة تشبّهت فيها بصنعة الأوائل، و جوّدت، و برزت فيها، منها:

أ إن سكنت نفسي و قلّ عويلها

و منها:

[1]كذا في ب على أن فاعل طبع ضمير ذى الجلال، و في ف، مم: «طبع بالبناء للمجهول» .

[2]مم: «تليه» .

[3]كان القياس لا متقنا، و لا صحيحا، و لا مطربا بالنصب، فلعل هنا مبتدأ مقدرا «لا هو متقن... » إلخ. ـ

43

تقول همّي يوم ودّعتها

و منها:

إذا أردت انتصافا كان ناصركم‏

و منها:

بأبي من هو دائي‏[1]

و منها:

أسلموها في دمشق كما

و منها:

فلا تتعنّتي ظلما و زورا[2]

/و منها:

لقد لام ذا الشوق الخليّ من الهوى‏[3]

و نسخت ما أذكره من أخبارها، فأنسبه إلى ابن المعتزّ من كتاب دفعه إليّ محمد بن إبراهيم الجراحيّ المعروف بقريض، و أخبرني أن عبد اللّه بن المعتز دفعه إليه، من جمعه و تأليفه، فذكرت منها ما استحسنته من أحاديثها، إذا كان فيها حشو كثير، و أضفت إليه ما سمعته و وقع إليّ غير مسموع مجموعا و متفرقا، و نسبت كل رواية إلى راويها.

برمكية النسب‏

:

قال ابن المعتز: حدّثني الهشاميّ أبو عبد اللّه و أخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبه قالا:

كانت عريب لعبد اللّه بن إسماعيل صاحب مراكب الرّشيد، و هو الذي ربّاها، و أدّبها، و علّمها الغناء.

قال ابن المعتزّ: و حدثني غير الهشاميّ، عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم: أنها بنت جعفر بن يحيى، و أنّ البرامكة لما انتهبوا سرقت و هي صغيرة.

قال: فحدثني عبد الواحد بن إبراهيم بن محمد بن الخصيب: قال:

حدّثني/من أثق به، عن أحمد بن عبد اللّه بن إسماعيل المراكبي: أنّ أمّ عريب كانت تسمّى فاطمة، و كانت قيّمة لأم عبد اللّه بن يحيى بن خالد، و كانت صبيّة نظيفة، فرآها جعفر بن يحيى، فهويها، و سأل أمّ عبد اللّه أن تزوّجه إيّاها، ففعلت، و بلغ الخبر يحيى بن خالد، فأنكره؛ و قال له: أ تتزوّج من لا تعرف لها أمّ و لا أب؟اشتر مكانها مائة[4]جارية و أخرجها، فأخرجها، و أسكنها دارا في ناحية باب الأنبار سرّا من أبيه. و وكّل بها من يحفظها، و كان يتردّد إليها، فولدت عريب في سنة/إحدى و ثمانين و مائة، فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا و تسعين سنة، قال:

و ماتت أمّ عريب في حياة جعفر، فدفعها إلى امرأة نصرانية، و جعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها [1]ب: «دان» بدل: «دائي» .

[2]ساقطة من ب، و هي في مم، ف.

[3]ب، س، مم:

«لقد نام ذو الشوق القديم من الهوى»

.

[4]ف: «ألف جارية» .

44

من سنبس النخّاس، فباعها من المراكبي.

قال ابن المعتز: و أخبرني يوسف بن يعقوب:

إنه سمع الفضل بن مروان يقول: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبّهتهما بقدمي جعفر بن يحيى، قال:

و سمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتّاب فقال: فما يمنعها من ذلك و هي بنت جعفر بن يحيى؟.

و أخبرني جحظة قال: دخلت إلى عريب مع شروين المغني و أبي العبيس بن حمدون، و أنا يومئذ غلام عليّ قباء و منطقة، فأنكرتني و سألت عنّي، فأخبرها شروين، و قال: هذا فتى من أهلك، هذا ابن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد، و هو يغنّي بالطّنبور، فأدنتني، و قرّبت مجلسي، و دعت بطنبور، و أمرتني بأن أغنّي فغنّيت أصواتا، فقالت: قد أحسنت يا بنيّ و لتكوننّ مغنّيا، و لكن إذا حضرت بين هذين الأسدين ضعت أنت و طنبورك بين عوديهما، و أمرت لي بخمسين دينارا.

قال ابن المعتزّ: و حدّثني ميمون بن هارون: قال:

حدّثتني عريب قالت: بعث الرشيد إلى أهلها[1]-تعني البرامكة-رسولا يسألهم عن حالهم، و أمره ألاّ يعلمهم أنه من قبله، قالت: فصار إلى عمي الفضل، فسأله، فأنشأ عمّي يقول:

صوت‏

سألونا عن حالنا كيف أنتم # من هوى نجمه فكيف يكون؟

نحن قوم أصابنا عنت الدّهر # فظلنا لريبه نستكين‏

/ذكرت عريب أنّ هذا الشعر للفضل بن يحيى، و لها فيه لحنان: ثاني ثقيل و خفيف ثقيل، كلاهما بالوسطى، و هذا غلط من عريب، و لعله بلغها أنّ الفضل تمثل بشعر غير هذا، فأنسيته و جعلت هذا مكانه.

فأمّا هذا الشّعر فللحسين بن الضحّاك، لا يشكّ فيه، يرثي به محمدا الأمين بعد قوله:

نحن قوم أصابنا حادث # الدّهر فظلنا لريبه نستكين

نتمنّى من الأمين إيابا # كلّ يوم و أين منّا الأمين؟

و هي قصيدة.

تعشق، و تهرب إلى معشوقها

:

قال ابن المعتزّ: و حدّثني الهشاميّ:

إنّ مولاها خرج إلى البصرة، و أدّبها و خرّجها و علّمها الخطّ و النّحو و الشّعر و الغناء، فبرعت في ذلك كله، و تزايدت حتى قالت الشعر، و كان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عديّ من قوّاد خراسان، و قيل: إنه كان يكتب /لعجيف على ديوان الفرض، فكان مولاها يدعوه كثيرا، و يخالطه، ثم ركبه دين فاستتر عنده، فمدّ عينه إلى عريب، فكاتبها، فأجابته، و كانت المواصلة بينهما، و عشقته عريب، فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلّما من [1]ف، مم: «أهلنا» .

45

عقب‏[1]، و قيل: من خيوط غلاظ، و سترته، حتى إذا همّت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمدّة-و قد أعدّ لها موضعا-لفّت ثيابها و جعلتها في فراشها بالليل، و دثرتها بدثارها، ثم تسوّرت من الحائط، حتى هربت، فمضت إليه، فمكثت عنده زمانا، قال: و بلغني أنها لمّا صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنّيه به، فأعاره عودها، و هو لا يعلم أنها عنده، و لا يتهمه بشي‏ء من أمرها، فقال عيسى بن عبد اللّه بن إسماعيل المراكبيّ، و هو عيسى ابن زينب يهجو أباه و يعيّره بها، و كان كثيرا ما يهجوه:

/

قاتل اللّه عريبا # فعلت فعلا عجيبا

ركبت و الليل داج # مركبا صعبا مهوبا[2]

فارتقت متّصلا بالنّجم # أو منه قريبا

صبرت حتى إذا ما # أقصد النّوم الرّقيبا[3]

مثّلت بين حشايا # ها لكيلا تستريبا[4]

خلفا منها إذا نو # دي لم يلف مجيبا

و مضت يحملها الخو # ف قضيبا و كثيبا

محّة[5]لو حرّكت خفت # عليها أن تذوبا

فتدلّت لمحبّ # فتلقّاها حبيبا

جذلا قد نال في الدّنيا # من الدّنيا نصيبا

أيّها الظّبي الذي تسحر # عيناه القلوبا

و الذي يأكل بعضا # بعضه حسنا و طيبا

كنت نهبا لذئاب # فلقد أطعمت ذيبا

و كذا الشاة إذا لم # يك راعيها لبيبا

لا يبالي و بأ المر # عى إذا كان خصيبا[6]

فلقد أصبح عبد اللّه م # كشخان حريبا[6]

/قد لعمري لطم الوجه # و قد شقّ الجيوبا

و جرت منه دموع # بكت الشّعر الخضيبا

و قال ابن المعتزّ: حدّثنا محمد بن موسى بن يونس:

[1]العقب: العصب الذي تعمل منه الأوتار.

[2]ف، مم: «المختار» «مهيبا» بدل «مهوبا» و كلاهما صحيح.

[3]أقصد النوم الرقيبا أي أصاب الرقيب سهم النوم.

[4]المراد: أنها مثلت في مخدع نومها شبحا يوهم أنه هي حتى لا تبعث الريبة.

[5]المحّة: صفرة البيض، يشبهها بمح البيضة في اللين.

[6]الكشخان: الديوث، و الحريب: المسلوب المال، و في مم: «كشخان مريبا» ، و في «المختار» «كشخانا حريبا» .

46

أنّها ملّته بعد ذلك، فهربت منه، فكانت تغنّي عند أقوام عرفتهم ببغداد، و هي متستّرة متخفية، فلمّا كان يوم من الأيّام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغنّي، فسمع غناءها، فعرفه، فبعث إلى عمه من وقته، و أقام هو بمكانه، فلم يبرح حتى جاء عمّه، فلبّبها[1]و أخذها، فضربها مائة مقرعة، و هي تصيح: يا هذا لم تقتلني! أنا لست أصبر عليك، أنا امرأة حرّة إن كنت مملوكة فبعني، لست أصبر على الضّيقة، /فلما كان من غد ندم على فعله، و صار إليها فقبّل رأسها و رجلها، و وهب لها عشرة آلاف درهم، ثم بلغ محمّدا الأمين خبرها، فأخذها منه، قال: و كان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه، فطلبها منه، فلم يجبه إلى ما سأل، و قبل ذلك ما كان طلب منه خادما عنده، فاضطغن لذلك عليه، فلما ولي الخلافة جاء المراكبيّ، و محمد راكب، ليقبّل يده، فأمر بمنعه و دفعه، ففعل ذلك الشّاكريّ، فضربه المراكبيّ و قال له: أ تمنعني من يد سيّدي أن أقبّلها؟فجاء الشّاكريّ لمّا نزل محمد فشكاه، فدعا محمد بالمراكبيّ، و أمر بضرب عنقه، فسئل في أمره، فأعفاه، و حبسه، و طالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع، و بعث، فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له، فلما قتل محمّد هربت إلى المراكبيّ، فكانت عنده، قال: و أنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عديّ الذي كانت عنده لمّا هربت إليه، ثم ملّته فهربت منه، و هي أبيات عدّة، هذان منها:

و رشّوا على وجهي من الماء و اندبوا # قتيل عريب لا قتيل حروب

فليتك إن عجّلتني فقتلتني # تكونين من بعد الممات نصيبي‏

/قال ابن المعتزّ: و أمّا رواية إسماعيل بن الحسين، خال المعتصم فإنها تخالف هذا، و ذكر أنّها إنما هربت من دار مولاها المراكبيّ إلى محمد بن حامد الخاقانيّ المعروف بالخشن، أحد قوّاد خراسان قال: و كان أشقر أصهب الشعر أزرق، و فيه تقول عريب-و لها فيه هزج و رمل من روايتي الهشامي و أبي العباس-:

بأبي كلّ أزرق # أصهب اللون أشقر[2]

جنّ قلبي به و لـ # يس جنوني بمنكر

تذكر ناسيا

:

قال ابن المعتزّ: و حدثني ابن المدبّر قال:

خرجت مع المأمون إلى أرض الروم، أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق، فكنا نسير مع العسكر، فلما خرجنا من الرّقّة رأينا جماعة من الحرم في العماريّات على الجمّازات‏[3]و كنّا رفقة، و كنّا أترابا، فقال لي أحدهم:

على بعض هذه الجمّازات عريب، فقلت: من يراهنني أمرّ في جنبات هذه العماريّات، و أنشد أبيات عيسى ابن زينب؟.

قاتل اللّه عريبا # فعلت فعلا عجيبا

فراهتني بعضهم و عدّل الرّهنان‏[4]و سرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها، حتى أتممتها، فإذا أنا [1]لبّبها: أخذ بتلابيبها، و هي مجتمع ثيابها عند العنق، و في مم: «فكببها» بدل «لبّبها» .

[2]ف:

«بأبي كل أصهب # أزرق العين أشقر»

.

[3]ف: «رأينا جماعة من الخدم معهم جماعة الحرام» . و العماريات: الهوادج، و الجمازات جمع جماز و توصف بها النياق السريعة.

[4]عدّل الرهنان: سوّى بين المبلغين اللذين تراهن عليهما المتراهنان.

47

بامرأة قد أخرجت رأسها فقالت: يا فتى أنسيت‏[1]أجود الشّعر و أطيبه؟أنسيت قوله:

و عريب رطبة الشّفـ # رين قد نيكت ضروبا[2]

/اذهب فخذ ما بايعت فيه، ثم ألقت السّجف، فعلمت أنها عريب، و بادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم.

رقيب يحتاج إلى رقيب‏

:

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: قال لنا عمر بن شبّة:

كانت للمراكبيّ جارية يقال لها مظلومة، جميلة الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمّام، أو إلى من تزوره من أهله و معارفه، فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، فقال فيها بعض الشعراء و قد رآها عنده:

لقد ظلموك يا مظلوم لمّا # أقاموك الرّقيب على عريب

/و لو أولوك إنصافا و عدلا # لما أخلوك أنت من الرّقيب

أ تنهين المريب عن المعاصي # فكيف و أنت من شأن المريب

و كيف يجانب الجاني ذنوبا # لديك و أنت داعية الذّنوب

فإن يسترقبوك على عريب # فما رقبوك من غيب القلوب‏[3]

و في هذا المعنى، و إن لم يكن من جنس ما ذكرته ما أنشدنيه عليّ بن سليمان الأخفش في رقيبة مغنّية استحسنت و أظنه للنّاشئ:

فديتك لو أنهم أنصفوا # لقد منعوا العين عن ناظريك‏[4]

أ لم يقرءوا ويحهم ما يرو # ن من وحي طرفك في مقلتيك

و قد بعثوك رقيبا لنا # فمن ذا يكون رقيبا عليك

تصدّين أعيننا عن سواك # و هل تنظر العين إلا إليك‏

من بلاط الأمين إلى بلاط المأمون‏

:

قال ابن المعتز: و حدثني عبد الواحد بن إبراهيم، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، و عن محمد بن إسحاق البغويّ، عن إسحاق بن إبراهيم:

أنّ خبر عريب لمّا نمي إلى محمد الأمين بعث في إحضارها و إحضار مولاها، فأحضرا، و غنّت بحضرة إبراهيم بن المهديّ تقول:

[1]و لو قرئت (أ أنسيت) بالبناء للمجهول على أن الجملة خبرية لا إنشائية لكان ذلك حسنا.

[2]المعروف: إن رطوبة الشفرين ليست من الصفات المستحسنة في المرأة، فلعل الشاعر يكنى بذلك عن استدامة غشيان الرجال لها بدليل تتمة البيت.

[3]ف: «من ريب القلوب» .

[4]ف، «و المختار» :

«فديتك لو أنهم أنصفوك # لما منعوا العين عن ناظريك»

48

لكلّ أناس جوهر متنافس # و أنت طراز الآنسات الملائح‏

فطرب محمد، و استعاد الصوت مرارا، و قال لإبراهيم: يا عمّ كيف سمعت؟قال: يا سيدي، سمعت حسنا، و إن تطاولت بها الأيام، و سكن روعها ازداد غناؤها حسنا، فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك، و ساوم بها، ففعل، فاشتطّ مولاها في السّوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار، و انتقض أمر محمّد، و شغل عنها، و شغلت عنه، فلم يأمر لمولاها بثمنها حتى قتل بعد أن أفتضّها، فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عديّ، و ذكر باقي الخبر كما ذكره من تقدم.

و قال في خبره: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد[1]، فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد، فتظلّم إليه المراكبيّ من محمد بن حامد[2]، فأمر بإحضاره فأحضر، فسأله عنها فأنكر، فقال له المأمون: كذبت قد سقط إليّ خبرها. و أمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة، و يضع عليه السّياط حتى يردّها، فأخذه، و بلغها الخبر فركبت حمار مكار، و جاءت و قد جرّد ليضرب، و هي مكشوفة الوجه، و هي تصيح: أنا عريب، إن كنت مملوكة فليبعني، و إن كنت حرّة فلا سبيل له عليّ، فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها[3]عند قتيبة بن زياد القاضي، فعدّلت عنده، و تقدّم إليه المراكبيّ مطالبا بها، فسأله البيّنة على ملكه إياها، فعاد متظلّما إلى المأمون، و قال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق، و لا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة.

/و تظلمت إليه زبيدة، و قالت: من أغلظ ما جرى عليّ بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبيّ على داري و أخذه عريبا منها. فقال المراكبيّ: إنما أخذت ملكي، لأنّه لم ينقدني الثّمن، فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقديّ-و كان قد ولاّه القضاء بالجانب/الشرقي-فأخذها من قتيبة بن زياد، فأمر ببيعها ساذجة، فاشتراها المأمون بخمسين ألف درهم، فذهبت به كلّ مذهب ميلا إليها و محبّة لها.

قال ابن المعتز: و لقد حدثني علي بن يحيى المنجم أن المأمون قبّل في بعض الأيام رجلها، قال: فلما مات المأمون بيعت في ميراثه، و لم يبع له عبد و لا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم، و أعتقها، فهي مولاته.

و ذكر حمّاد بن إسحاق عن أبيه أنها لمّا هربت من دار محمد حين قتل تدلّت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق، و هربت إلى حاتم بن عديّ.

و أخبرني جحظة، عن ميمون بن هارون:

أنّ المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار، و دعا بعبد اللّه بن إسماعيل، فدفعها إليه و قال: لو لا أنّي حلفت ألاّ أشتري مملوكا بأكثر من هذا لزدتك، و لكني سأولّيك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة، و رمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر، قيمتها ألف دينار، و خلع خلعا سنيّة، فقال: يا سيدي، إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، و أما أنا فإني ميّت لا محالة، لأن هذه الجارية كانت حياتي، و خرج عن حضرته، فاختلط و تغيّر عقله، و مات بعد أربعين يوما.

[1]ف: «حاتم» .

[2]ف: «حاتم بن عدي» .

[3]عدل الشي‏ء أو الحكم: أقامه و سواه. و تعديلها عند قتيبة بن زياد إقامة العدل في أمرها عنده.

49

قال ابن المعتز: فحدثني عليّ بن يحيى قال: حدثني كاتب الفضل بن مروان: قال:

حدثني إبراهيم بن رباح قال:

كنت أتولّى نفقات المأمون، فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عريب، فأمره أن يشتريها، فاشتراها بمائة ألف درهم، فأمرني المأمون بحملها، و أن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم أخرى. ففعلت ذلك، و لم أدر كيف/أثبتها، فحكيت في الدّيوان أن المائة الألف خرجت في ثمن جوهرة، و المائة الألف الأخرى خرجت لصائغها و دلاّلها، فجاء الفضل بن مروان إلى المأمون، و قد رأى ذلك، فأنكره، و سألني عنه، فقلت: نعم هو ما رأيت، فسأل المأمون عن ذلك، و قال: أوجب وهب لدلاّل و صائغ مائة ألف درهم، و غلّظ القصة، فأنكرها المأمون، فدعاني، و دنوت إليه، و أخبرته أنه المال الذي خرج في ثمن عريب وصلة إسحاق، و قلت: أيّما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت أو أثبت في الدّيوان أنها خرجت في صلة مغنّ و ثمن مغنّية؟فضحك المأمون و قال: الذي فعلت أصوب، ثم قال للفضل بن مروان: يا نبطىّ، لا تعترض على كاتبي هذا في شي‏ء.

و قال ابن المكي: حدثني أبي عن تحرير الخادم: قال:

دخلت يوما قصر الحرم، فلمحت عريب جالسة[1]على كرسي ناشرة شعرها تغتسل، فسألت عنها، فقيل:

هذه عريب‏[1]دعا بها سيدها اليوم، فافتضّها.

قال ابن المعتزّ: فأخبرني ابن عبد الملك البصريّ:

أنّها لما صارت في دار المأمون احتالت حتى وصلت إلى محمد بن حامد، و كانت قد عشقته و كاتبته بصوت قالته، ثم احتالت في الخروج إليه، و كانت تلقاه في الوقت بعد الوقت، حتى حبلت منه و ولدت بنتا، و بلغ ذلك المأمون فزوّجه إياها.

و أخبرنا إبراهيم بن القاسم بن زرزور، عن أبيه، و حدّثني به المظفّر بن كيغلغ عن القاسم بن زرزور، قال:

لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبّة صوف و ختم زيقها[2]و حبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء، يدخل إليها خبز و ملح و ماء من تحت الباب/في كل يوم، ثم ذكرها، فرقّ لها، و أمر بإخراجها، فلما فتح الباب عنها، و أخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني:

/

حجبوه عن بصري فمثّل شخصه # في القلب فهو محجّب لا يحجب‏

فبلغ ذلك المأمون، فعجب منها، و قال: لن تصلح هذه أبدا، فزوّجها إيّاه.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

لو كان يقدر أن يبثّك ما به # لرأيت أحسن عاتب يتعتّب

حجبوه عن بصري فمثّل شخصه # في القلب فهو محجب لا يحجب‏

(1-1) التكملة من: مم، ف.

[2]زيق القميص و نحوه: ما أحاط بالعنق منه.

50

الغناء لعريب ثقيل أول بالوسطى.

رقعة منها في تركه‏

:

قال ابن المعتزّ: و حدثني لؤلؤ صديق عليّ بن يحيى المنجّم: قال: حدثني أحمد بن جعفر بن حامد: قال:

لما توفّي عمّي محمد بن حامد صار جدّي إلى منزله، فنظر إلى تركته، و جعل يقلّب ما خلّف، و يخرج إليه منها الشي‏ء بعد الشي‏ء إلى أن أخرج إليه سفط مختوم، ففضّ الخاتم، و جعل يفتحه، فإذا فيه رقاع عريب إليه، فجعل يتصفّحها و يبتسم، فوقعت في يده رقعة، فقرأها، و وضعها من يده و قام لحاجة، فقرأتها فإذا فيها قوله:

صوت‏

ويلي عليك و منكا # أوقعت في الحق شكّا

زعمت أنّي خئون # جورا عليّ و إفكا

إن كان ما قلت حقا # أو كنت أزمعت تركا

فأبدل اللّه ما بي # من ذلّة الحبّ نسكا

/لعريب في هذه الأبيات رمل و هزج، عن الهشاميّ و الشّعر لها.

تجيب على قبلة بطعنة

:

قال ابن المعتز: و حدثني عبد الوهاب بن عيسى الخراسانيّ، عن يعقوب الرّخاميّ: قال:

كنّا مع العباس بن المأمون بالرّقة و على شرطته هاشم-رجل من أهل خراسان-فخرج إليّ، و قال: يا أبا يوسف، ألقي إليك سرّا لثقتي بك، و هو عندك أمانة، قلت: هاته، قال: كنت واقفا على رأس الأمين‏[1]و بي حرّ شديد، فخرجت عريب، فوقفت معي، و هي تنظر في كتاب‏[2]فما ملكت نفسي أن أومأت بقبلة، فقالت: كحاشية البرد. فو اللّه ما أدري ما أرادت، فقلت: قالت لك: طعنة.

قال: و كيف ذاك؟قلت: أرادت قول الشاعر:

رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة # كحاشية البرد اليماني المسهّم‏[3]

و حكى هذه القصة أحمد بن أبي طاهر، عن بشر بن زيد، عن عبد اللّه بن أيوب بن أبي شمر، أنهم كانوا عند المأمون و معهم محمد بن حامد، و عريب تغنّيهم، فغنّت تقول:

رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة # كحاشية البرد اليماني المسهّم:

فقال لها المأمون: من أشار إليك بقبلة، فقلت له طعنة؟فقالت له: يا سيدي، من يشير إليّ بقبلة من [1]ف: «الأمير» .

[2]ف: «و هو ينظر في كتاب» .

[3]الناب: الناقة المسنة، و المراد أن الطعنة كانت نافذة فأحدثت بالضرع ما يشبه النقش المسهم في البرود اليمنية، و يعتبر قولها:

كحاشية البرد، من الكنايات الخفية، كأنها تقول لمن أومأ إليها بالقبلة: رميت بمثل هذه الطعنة.

يفهم من هذا أن قصة القبلة الأولى و ما لابسها من الطعنة المشار إليها في هذا البيت كانت قد شاعت و تدوولت حتى أوحى تكرار البيت أمام المأمون أن ثمة قبلة أخرى أومأ بها مومئ إلى عريب، فوقف الغناء و جعل يتحرى مصدر هذه القبلة.

51

مجلسك؟فقال: بحياتي عليك!قالت: محمد بن حامد، فسكت.

تحب أميرا و تتزوج خادما

:

قال ابن المعتز: و حدثني محمد بن موسى: قال:

اصطبح المأمون يوما و معه ندماؤه، و فيهم محمد بن حامد و جماعة من المغنين، و عريب معه على مصلاّه، فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة، فاندفعت تغني ابتداء.

/

رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة # كحاشية البرد اليمانيّ المسهّم‏

تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له: طعنة، فقال لها المأمون: أمسكي، فأمسكت، ثم أقبل على النّدماء فقال: من فيكم أومأ إلى عريب بقبله؟و اللّه لئن لم يصدقني لأضربنّ عنقه، فقام محمد، فقال: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها، و العفو أقرب للتقوى، فقال: قد عفوت.

فقال: كيف استدلّ أمير المؤمنين على ذلك؟قال: ابتدأت صوتا، و هي لا تغني ابتداء إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تبتدئ بهذا الصوت إلا لشي‏ء أومئ به إليها، و لم يكن من شرط هذا الموضع إلاّ إيماء بقبلة، فعلمت أنها أجابت بطعنة.

قال ابن المعتز: و حدثني عليّ بن الحسين:

أنّ عريب كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد و روى غيره أنها كانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى و حسن غنائه، و كانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم و أصفته المحبّة من الخلفاء و أولادهم سواه.

قال ابن المعتز: و حدثني بعض جوارينا:

إنّ عريب كانت تتعشّق صالحا المنذريّ الخادم، و تزوّجته سرّا، فوجّه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له، فقالت فيه شعرا، و صاغت لحنه في خفيف الثقيل و هو:

صوت‏

أمّا الحبيب فقد مضى # بالرغم منّي لا الرّضا

أخطأت في تركي لمن # لم ألق منه معوّضا[1]

قال: فغنّته يوما بين يدي المتوكل، فاستعاده، و جعل جواريه يتغامزن و يضحكن، فأصغت إليهنّ سرّا من المتوكل، فقالت: يا سحّاقات، هذا خير من عملكنّ.

قبلي سالفتي تجدي ريح الجنة

:

قال: و حدّثت عن بعض جواري المتوكل، أنها دخلت يوما على عريب، فقالت لها: تعالي ويحك إليّ، فجاءت. قال: فقالت: قبّلي هذا الموضع منّي فإنك تجدين ريح الجنّة فأومأت إلى سالفتها[2]، ففعلت، ثم قالت لها: ما السبب في هذا؟قالت: قبّلني صالح المنذريّ في ذلك الموضع.

[1]ب، مم: «عوضا» و المثبت من ف، و هو أرجح؛ لأن البيتين من مجزوء الكامل لا مجزوء الرجز. و في «المختار» : «لم ألف» .

[2]السالفة: ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى نقرة الترقوة.

52

وقت انسجام لا وقت ملام‏

:

قال ابن المعتز: و أخبرني أبو عبد اللّه الهشاميّ قال: حدثني حمدون بن إسماعيل، قال: حدثني محمد بن يحيى الواثقيّ، قال:

قال لي محمد بن حامد ليلة: أحبّ أن تفرغ لي مضربك، فإني أريد أن أجيئك، فأقيم عندك، ففعلت، و وافاني، فلما جلس جاءت عريب، فدخلت.

و قد حدّثني به جحظة: قال: حدثني أبو عبد اللّه بن حمدون:

أنّ عريب زارت محمد بن حامد، و جلسا جميعا، فجعل يعاتبها، و يقول: فعلت كذا، و فعلت كذا، فقالت لي: يا محمد، هذا عندك رأي‏[1]؟ثم أقبلت عليه، فقالت: يا عاجز خذ بنا فيما نحن فيه و فيما جئنا إليه.

/و قال جحظة في خبره:

اجعل سراويلي مخنقتي، و ألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غد فاكتب إليّ بعتابك في طومار حتى أكتب إليك بعذري في ثلاثة، ودع هذا الفضول، فقد قال الشّاعر:

صوت‏

دعي عدّ الذّنوب إذا التقينا # تعالي لا أعدّ و لا تعدّي‏[2]

و تمام هذا قوله:

فأقسم لو هممت بمدّ شعري # إلى نار الجحيم لقلت مدّي‏

الشعر للمؤمّل: و الغناء لعريب، خفيف رمل، و فيه لعلوية رمل بالبنصر من رواية عمرو بن بانة:

مع ثمانية من الخلفاء

:

أخبرني أبو يعقوب إسحاق بن الضحّاك بن الخصيب: قال:

حدثني أبو الحسن/عليّ بن محمد بن الفرات قال: كنت يوما عند أخي أبي العباس، و عنده عريب جالسة على دست مفرد لها، و جواريها يغنّين بين يدينا و خلف ستارتنا، فقلت لأخي-و قد جرى ذكر الخلفاء-: قالت لي عريب: ناكني منهم ثمانية ما اشتهيت منهم أحدا إلا المعتزّ، فإنه كان يشبه أبا عيسى بن الرشيد. قال ابن الفرات:

فأصغيت إلى بعض بني أخي، فقلت له: فكيف ترى شهوتها الساعة، فضحك و لمحته، فقالت: أيّ شي‏ء قلتم؟ فجحدتها. فقالت لجواريها: أمسكن، ففعلن، فقالت: هنّ حرائر لئن لم تخبراني بما قلتما لينصرفن جميعا، و هنّ حرائر[3]. إن حردت من شي‏ء جرى، و لو أنها تسفيل، فصدقتها. فقالت: و أي شي‏ء في هذا؟أما الشهوة فبحالها، و لكن الآلة قد بطلت‏[4]أو قالت: قد كلّت، عودوا إلى ما كنتم فيه.

[1]الجملة استفهامية حذفت منها أداة الاستفهام، كأنها تقول له: أ توافق على أن هذا وقت عتاب.

[2]لا في «لا أعد» نافية؛ لأن المرء لا ينهى نفسه؛ و لا الثانية ناهية بدليل حذف النون.

[3]استئناف لكلام جديد، تبين فيه أنها لن تغضب مما يتسارون به في شأنها مهما يكن.

[4]و لكن الآلة قد بطلت: تريد أن شبابها ولى.

53

شرطان فاحشان‏

:

و حدثني الحسن بن علي بن مودّة: قال: حدثني إبراهيم بن أبي العبيس: قال: حدثنا أبي: قال:

دخلنا على عريب يوما مسلّمين، فقالت: أقيموا اليوم عندي حتى أطعمكم لوزنيجة صنعتها بدعة بيدها من لوز رطب، و ما حضر من الوظيفة، و أغنيكم أنا و هي، قال: فقلت لها على شريطة، قالت: و ما هي؟قلت: شي‏ء أريد أن أسألك عنه منذ سنين، و أنا أهابك؟قالت: ذاك لك، و أنا أقدم الجواب قبل أن تسأل، فقد علمت ما هو، فعجبت لها، و قلت: فقولي، فقالت: تريد أن تسألني عن شرطي أي شرط هو؟فقلت: إي و اللّه ذاك الذي أردت.

قالت: شرطي أير صلب، و نكهة طيبة، فإن انضاف إلى ذلك حسن يوصف، و جمال يحمد فقد زاد قدره عندي، و إلا فهذان ما لا بدّ لي منهما.

تلقن حبيبها درسا في كيف تكون الهدية

:

و حدّثني الحسن بن علي، عن محمد بن ذى السّيفين إسحاق بن كنداجيق‏[1]. عن أبيه: قال:

كانت عريب تولع بي و أنا حديث السن، فقالت لي يوما: يا إسحاق قد بلغني أنّ عندك دعوة فابعث إليّ نصيبي منها، قال: فاستأنفت طعاما كثيرا. و بعثت إليها منه شيئا كثيرا؛ فأقبل رسولي من عندها مسرعا. فقال لي:

لما بلغت إلى بابها، و عرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب و قد وجّهت إليك برسول. و هو معي، فتحيّرت و ظننت أنها قد استقصرت فعلي، فدخل الخادم و معه شي‏ء مشدود في منديل و رقعة، فقرأتها، فإذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا عجميّ يا غبيّ، ظننت أنّي من الأتراك و وخش‏[2]الجند، فبعثت إليّ بخبز و لحم و حلواء، اللّه المستعان عليك، يا فدتك نفسي، قد وجهت إليك زلّة[3]من حضرتي، فتعلم ذلك من الأخلاق و نحوه من الأفعال، و لا تستعمل أخلاق العامة، /في ردّ الظرف. فيزداد العيب و العتب عليك إن شاء اللّه، فكشفت المنديل، فإذا طبق و مكبّه من ذهب منسوج على عمل الخلاف، و فيه زبدية فيها لقمتان من رقاق، و قد عصبت طرفيهما و فيها قطعتان من صدر درّاج مشوي و نقل و طلع‏[4]و ملح. و انصرف رسولها[5].

أيهما أغلى: الخلافة أم الخل الوفي؟

قال ابن المعتز: حدثني الهشاميّ أبو عبد اللّه. عن رجل ذكره، عن علّوية قال:

أمرين المأمون و سائر المغنين في ليلة من اللّيالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح، فغدونا و لقيني المراكبيّ مولى عريب، و هي يومئذ عنده، فقال لي: يا أيها الرجل الظالم المعتدي، أ ما ترقّ و لا ترحم و لا تستحي؟عريب هائمة تحلم بك في النوم ثلاث مرات في كلّ ليلة، قال علّوية: فقلت: أمّ الخلافة زانية[6]. و مضيت معه، فحين/دخلت قلت: استوثق من الباب، فإني أعرف خلق اللّه بفضول البوّابين و الحجاب، و إذا عريب جالسة على كرسيّ تطبخ، [1]ب: «كنداجيق» .

[2]الوخش: الردى‏ء من كل شي‏ء.

[3]الزلة: ما يحمل إلى الصديق من مائدة صديقه.

[4]الطلع: ثمر النخل أول ظهوره. و في ف: «و طلح» و الطلح: الموز.

[5]تشير هذه القصة و الرسالة التي بعثت بها عريب إلى أن هذا الطعام إنما يقدم للطغام، أما ما يقدم لمثلها فشي‏ء فوق ذلك يعتمد على الكيف لا على الكم، و قد شفعت رأيها هذا بالنموذج الذي بعثت به إليه.

[6]أم الخلافة زانية، يريد بهذه العبارة تنبيه عريب، و الاستخفاف بموعد الخليفة كائنة ما تكون النتيجة.

54

و بين يديها ثلاث قدور من دجاج، فلما رأتني قامت تعانقني و تقبّلني، ثم قالت: أيما أحب إليك أن تأكل من هذه القدور، أو تشتهي شيئا يطبخ لك، فقلت: بل قدر من هذه تكفينا، فغرفت قدرا منها، و جعلتها بيني و بينها، فأكلنا و دعونا[1]بالنبيذ، فجلسنا نشرب حتى سكرنا، ثم قالت: يا أبا الحسن، صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية، فقلت: و ما هو؟فقالت هو:

عذيري من الإنسان لا إن جفوته # صفا لي و لا إن كنت طوع يديه‏[2]

و قالت لي: قد بقي فيه شي‏ء، فلم نزل نردده أنا و هي حتى استوى، ثم جاء الحجّاب/فكسروا باب المراكبيّ و استخرجوني، فدخلت على المأمون، فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص و تصفيق، و أنا أغنّي الصوت، فسمع و سمع من عنده ما لم يعرفوه و استظرفوه، و سألني المأمون عن خبره، فشرحته له. فقال لي: ادن و ردّده، فردّدته عليه سبع مرات. فقال في آخر مرة: يا علّوية. خذ الخلافة و اعطني هذا الصاحب.

نسبة هذا الصوت‏

صوت‏

عذيري من الإنسان لا إن جفوته # صفا لي و لا إن كنت طوع يديه

و إنّي لمشتاق إلى قرب صاحب # يروق و يصفو إن كدرت عليه‏[3]

الشعر من الطويل و هو لأبي العتاهية، و الغناء لعريب، خفيف ثقيل أول بالوسطى، و نسبه عمرو بن بانة في هذه الطريقة و الأصبغ إلى علّوية.

لما ذا غضب الواثق و المعتصم عليها

:

قال ابن المعتز: و حدثني القاسم بن زرزور: قال: حدثتني عريب قالت: كنت في أيام محمد[4]ابنة أربع عشرة سنة، و أنا حينئذ أصوغ الغناء.

قال القاسم: و كانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان و تصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا أجود من لحنه، فمن ذلك:

لم آت عامدة ذنبا إليك بلى # أقرّ بالذنب فاعف اليوم عن زللي‏

لحنها فيه حفيف ثقيل، و لحن الواثق رمل، و لحنها أجود من لحنه، و منها:

أشكو إلى اللّه ما ألقى من الكمد # حسبي بربّي و لا أشكو إلى أحد

لحنها و لحن الواثق جميعا من الثقيل الأول، و لحنها أجود من لحنه.

[1]مم: «و دعت» .

[2]ف:

«و لا إن صرت»

بدل:

«و لا إن كنت»

.

[3]ف:

«و إني لمشتاق إلى ظل صاحب # يرق و يصفو أن كدرت عليه‏

[4]تقصد محمدا الأمين.