التفسير الكبير - ج1

- الفخر الرازي‏ المزيد...
245 /
21

الجزء الأول‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي وفقنا لأداء أفضل الطاعات، و وفقنا على كيفية اكتساب أكمل السعادات، و هدانا إلى قولنا: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من كل المعاصي و المنكرات‏ بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ نشرع في أداء كل الخيرات و المأمورات‏ اَلْحَمْدُ لِلََّهِ الذي له ما في السموات‏ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ بحسب كل الذوات و الصفات اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ على أصحاب الحاجات و أرباب الضرورات‏ مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ في إيصال الأبرار إلى الدرجات، و إدخال الفجار في الدركات‏ إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ في القيام أداء جملة التكليفات، اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ بحسب كل أنواع الهدايات‏ صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ في كل الحالات و المقامات غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضََّالِّينَ من أهل الجهالات و الضلالات.

و الصلاة على محمد المؤيد بأفضل المعجزات و الآيات، و على آله و صحبه بحسب تعاقب الآيات و سلم تسليما.

أما بعد: فهذا كتاب مشتمل على شرح بعض ما رزقنا اللّه تعالى من علوم سورة الفاتحة، و نسأل اللّه العظيم أن يوفقنا لإتمامه، و أن يجعلنا في الدارين أهلا لإكرامه و إنعامه، إنه خير موفق و معين، و بإسعاف الطالبين قمين، و هذا الكتاب مرتب على مقدمة و كتب.

سورة الفاتحة

مقدمة و ففيها فصول:

الفصل الأول في التنبيه على علوم هذه السورة على سبيل الإجمال‏

علوم الفاتحة اعلم أنه مر على لساني في بعض الأوقات أن هذه السورة الكريمة يمكن أن يستنبط من فوائدها و نفائسها عشرة آلاف مسألة، فاستبعد هذا بعض الحساد، و قوم من أهل الجهل و الغي و العناد، و حملوا ذلك على ما ألفوه من أنفسهم من التعلقات الفارغة عن المعاني، و الكلمات الخالية عن تحقيق المعاقد و المباني، فلما شرعت في تصنيف هذا الكتاب، قدمت هذه المقدمة لتصير كالتنبيه على أن ما ذكرناه أمر ممكن الحصول، قريب الوصول، فنقول و باللّه التوفيق:

22
تفسير الاستعاذة

إن قولنا: (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم) لا شك أن المراد منه الاستعاذة باللّه من جميع المنهيات و المحظورات، و لا شك أن المنهيات إما أن تكون من باب/الاعتقادات، أو من باب أعمال الجوارح، أما الاعتقادات فقد جاء في الخبر المشهور

قوله صلّى اللّه عليه و سلم «ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة: كلهم في النار إلا فرقة واحدة»

و هذا يدل على أن الاثنتين و السبعين موصوفون بالعقائد الفاسدة، و المذاهب الباطلة، ثم إن ضلال كل واحدة من أولئك الفرق غير مختص بمسألة واحدة، بل هو حاصل في مسائل كثيرة من المباحث المتعلقة بذات اللّه تعالى، و بصفاته، و بأحكامه، و بأفعاله، و بأسمائه، و بمسائل الجبر، و القدر، و التعديل، و التجويز، و الثواب، و المعاد، و الوعد، و الوعيد، و الأسماء، و الأحكام، و الإمامة، فإذا وزعنا عدد الفرق الضالة-و هو الاثنتان و السبعون-على هذه المسائل الكثيرة بلغ العدد الحاصل مبلغا عظيما، و كل ذلك أنواع الضلالات الحاصلة في فرق الأمة، و أيضا فمن المشهور أن فرق الضلالات من الخارجين عن هذه الأمة يقربون من سبعمائة، فإذا ضمت أنواع ضلالاتهم إلى أنواع الضلالات الموجودة في فرق الأمة في جميع المسائل العقلية المتعلقة بالإلهيات، و المتعلقة بأحكام الذوات و الصفات بلغ المجموع مبلغا عظيما في العدد، و لا شك أن قولنا (أعوذ باللّه) يتناول الاستعاذة من جميع تلك الأنواع، و الاستعاذة من الشي‏ء لا تمكن إلا بعد معرفة المستعاذ منه، و إلا بعد معرفة كون ذلك الشي‏ء باطلا و قبيحا، فظهر بهذا الطريق أن قولنا: (أعوذ باللّه) مشتمل على الألوف من المسائل الحقيقية اليقينية، و أما الأعمال الباطلة فهي عبارة عن كل ما ورد النهي عنه إما في القرآن، أو في الأخبار المتواترة، أو في أخبار الآحاد، أو في إجماع الأمة، أو في القياسات الصحيحة، و لا شك أن تلك المنهيات تزيد على الألوف، و قولنا (أعوذ باللّه) متناول لجميعها و جملتها، فثبت بهذا الطريق أن قولنا (أعوذ باللّه) مشتمل على عشرة آلاف مسألة أو أزيد أو أقل من المسائل المهمة المعتبرة.

23

سورة الفاتحة

تفسير البسملة
:

و أما قوله جل جلاله: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ ففيه نوعان من البحث: النوع الأول: قد اشتهر عند العلماء أن للّه تعالى ألفا و واحدا من الأسماء المقدسة المطهرة، و هي موجودة في الكتاب و السنة و لا شك أن البحث عن كل واحد من تلك الأسماء مسألة شريفة عالية، و أيضا فالعلم بالاسم لا يحصل إلا إذا كان مسبوقا بالعلم بالمسمى، و في البحث عن ثبوت تلك المسميات، و عن الدلائل الدالة على ثبوتها، و عن أجوبة الشبهات التي تذكر في نفيها مسائل كثيرة، و مجموعها يزيد على الألوف، النوع الثاني: من مباحث هذه الآية: أن الباء في قوله بِسْمِ اَللََّهِ باء الإلصاق، و هي متعلقة بفعل، و التقدير: باسم اللّه أشرع في أداء الطاعات، و هذا المعنى لا يصير ملخصا معلوما إلا بعد الوقوف على أقسام الطاعات، و هي العقائد الحقة و الأعمال الصافية مع الدلائل و البينات، و مع الأجوبة عن الشبهات، و هذا المجموع ربما زاد على عشرة آلاف مسألة.

و من اللطائف أن قوله (أعوذ باللّه) إشارة إلى نفي ما لا ينبغي من العقائد و الأعمال، و قوله بِسْمِ اَللََّهِ إشارة إلى ما ينبغي من الاعتقادات و العمليات، فقوله بِسْمِ اَللََّهِ لا يصير/معلوما إلا بعد الوقوف على جميع العقائد الحقة، و الأعمال الصافية، و هذا هو الترتيب الذي يشهد بصحته العقل الصحيح، و الحق الصريح.

نعم اللّه تعالى التي لا تحصى‏
:

أما قوله جل جلاله اَلْحَمْدُ لِلََّهِ فاعلم أن الحمد إنما يكون حمدا على النعمة، و الحمد على النعمة لا يمكن إلا بعد معرفة تلك النعمة، لكن أقسام نعم اللّه خارجة عن التحديد و الإحصاء، كما قال تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا [إبراهيم: 34]و لنتكلم في مثال واحد، و هو أن العاقل يجب أن يعتبر ذاته، و ذلك لأنه مؤلف من نفس و بدن، و لا شك أن أدون الجزءين و أقلهما فضيلة و منفعة هو البدن، ثم إن أصحاب التشريح وجدوا قريبا من خمسة آلاف نوع من المنافع و المصالح التي دبرها اللّه عز و جل بحكمته في تخليق بدن الإنسان، ثم إن من وقف على هذه الأصناف المذكورة في «كتب التشريح» عرف أن نسبة هذا القدر المعلوم المذكور إلى ما لم يعلم و ما لم يذكر كالقطرة في البحر المحيط، و عند هذا يظهر أن معرفة أقسام حكمة الرحمن في خلق الإنسان تشتمل على عشرة آلاف مسألة أو أكثر، ثم إذا ضمت إلى هذه الجملة آثار حكم اللّه تعالى في تخليق العرش و الكرسي و أطباق السموات، و أجرام النيرات من الثوابت و السيارات، و تخصيص كل واحد منها بقدر مخصوص و لون مخصوص و غير مخصوص، ثم يضم إليها آثار حكم اللّه تعالى في تخليق الأمهات‏

24

و المولدات من الجمادات و النباتات و الحيوانات و أصناف أقسامها و أحوالها-علم أن هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقل، ثم إنه تعالى نبه على أن أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان، كما قال تعالى:

وَ سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ [الجاثية: 13]و حينئذ يظهر أن قوله جل جلاله: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ مشتمل على ألف ألف مسألة، أو أكثر أو أقل.

أنواع العالم و إمكان وجود عوالم أخرى‏
:

و أما قوله جل جلاله: رَبِّ اَلْعََالَمِينَ فاعلم أن قوله: رَبِّ مضاف و قوله: اَلْعََالَمِينَ مضاف إليه، و إضافة الشي‏ء إلى الشي‏ء تمتنع معرفتها إلا بعد حصول العلم بالمتضايفين، فمن المحال حصول العلم بكونه تعالى ربا للعالمين إلا بعد معرفة رب و العالمين، ثم إن العالمين عبارة عن كل موجود سوى اللّه تعالى، و هي على ثلاثة أقسام: المتحيزات، و المفارقات، و الصفات. أما المتحيزات فهي إما بسائط أو مركبات، أو البسائط فهي الأفلاك و الكواكب و الأمهات، و أما المركبات فهي المواليد الثلاثة، و اعلم أنه لم يقم دليل على أنه لا جسم إلا هذه الأقسام الثلاثة، و ذلك لأنه ثبت بالدليل أنه حصل خارج العالم خلاء لا نهاية له، و ثبت بالدليل أنه تعالى قادر على جميع الممكنات، فهو تعالى قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج العالم، /بحيث يكون كل واحد من تلك العوالم أعظم و أجسم من هذا العالم، و يحصل في كل واحد منها مثل ما حصل في هذا العالم من العرش و الكرسي و السموات و الأرضين و الشمس و القمر، و دلائل الفلاسفة في إثبات أن العالم واحد دلائل ضعيفة ركيكة مبنية على مقدمات واهية، قال أبو العلاء المعري: -

يا أيها الناس كم للّه من فلك # تجري النجوم به و الشمس و القمر

هين على اللّه ماضينا و غابرنا # فما لنا في نواحي غيره خطر

و معلوم أن البحث عن هذه الأقسام التي ذكرناها للمتحيزات مشتمل على ألوف ألوف من المسائل، بل الإنسان لو ترك الكل و أراد أن يحيط علمه بعجائب المعادن المتولدة في أرحام الجبال من الفلزات و الأحجار الصافية و أنواع الكباريت و الزرانيخ و الأملاح، و أن يعرف عجائب أحوال النبات مع ما فيها من الأزهار و الأنوار و الثمار، و عجائب أقسام الحيوانات من البهائم و الوحوش و الطيور و الحشرات-لنفد عمره في أقل القليل من هذه المطالب، و لا ينتهي إلى غورها كما قال تعالى: وَ لَوْ أَنَّ مََا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاََمٌ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مََا نَفِدَتْ كَلِمََاتُ اَللََّهِ [لقمان: 27]و هي بأسرها و أجمعها داخلة تحت قوله رَبِّ اَلْعََالَمِينَ .

رحمة اللّه تعالى بعباده لا تنحصر أنواعها
:

و أما قوله تعالى: اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ فاعلم أن الرحمة عبارة عن التخليص من أنواع الآفات، و عن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات، أما التخليص عن أقسام الآفات فلا يمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات، و هي كثيرة لا يعلمها إلا اللّه تعالى، و من شاء أن يقف على قليل منها فليطالع «كتب الطب» حتى يقف عقله على أقسام الأسقام التي يمكن تولدها في كل واحد من الأعضاء و الأجزاء، ثم يتأمل في أنه تعالى كيف هدى عقول‏

25

الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية و الأدوية من المعادن و النبات و الحيوان، فإنه إذا خاض في هذا الباب وجده بحرا لا ساحل له.

و قد حكى جالينوس أنه لما صنف كتابه في منافع أعضاء العين قال: بخلت على الناس بذكر حكمة اللّه تعالى في تخليق العصبين المجوفين ملتقيين على موضع واحد، فرأيت في النوم كأن ملكا نزل من السماء و قال يا جالينوس، إن إلهك يقول: لم بخلت على عبادي بذكر حكمتي؟قال: فانتبهت فصنفت فيه كتابا، و قال أيضا: إن طحالي قد غلظ فعالجته بكل ما عرفت فلم ينفع، فرأيت في الهيكل كأن ملكا نزل من السماء و أمرني بفصد العرق الذي بين الخنصر و البنصر، و أكثر علامات الطب في أوائلها تنتهي إلى أمثال هذه التنبيهات /و الإلهامات، فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث عرف أن أقسام رحمة اللّه تعالى على عباده خارجة عن الضبط و الإحصاء.

أحوال الآخرة و تقسيمها إلى عقلية و سمعية
:

و أما قوله تعالى: مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ فاعلم أن الإنسان كالمسافر في هذه الدنيا، و سنوه كالفراسخ، و شهوره كالأميال، و أنفاسه كالخطوات، و مقصده الوصول إلى عالم أخراه، لأن هناك يحصل الفوز بالباقيات الصالحات، فإذا شاهد في الطريق أنواع هذه العجائب في ملكوت الأرض و السموات فلينظر أنه كيف يكون عجائب حال عالم الآخرة في الغبطة و البهجة و السعادة، إذا عرفت هذه فنقول: قوله: مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ إشارة إلى مسائل المعاد و الحشر و النشر، و هي قسمان: بعضها عقلية محضة، و بعضها سمعية:

أما العقلية المحضة

فكقولنا: هذا العالم يمكن تخريبه و إعدامه، ثم يمكن إعادته مرة أخرى، و إن هذا الإنسان بعد موته تمكن إعادته، و هذا الباب لا يتم إلا بالبحث عن حقيقة جوهر النفس، و كيفية أحوالها و صفاتها، و كيفية بقائها بعد البدن، و كيفية سعادتها و شقاوتها، و بيان قدرة اللّه عز و جل على إعادتها، و هذه المباحث لا تتم إلا بما يقرب من خمسمائة مسألة من المباحث الدقيقة العقلية.

و أما السمعيات‏
فهي على ثلاثة أقسام: أحدها: الأحوال التي توجد عند قيام القيامة، و تلك العلامات منها صغيرة، و منها كبيرة و هي العلامات العشرة التي سنذكرها و نذكر أحوالها. و ثانيها: الأحوال التي توجد عند قيام القيامة، و هي كيفية النفخ في الصور، و موت الخلائق، و تخريب السموات و الكواكب، و موت الروحانيين و الجسمانيين. و ثالثها: الأحوال التي توجد بعد قيام القيامة و شرح أحوال أهل الموقف، و هي كثيرة يدخل فيها كيفية وقوف الخلق، و كيفية الأحوال التي يشاهدونها، و كيفية حضور الملائكة و الأنبياء عليهم السلام، و كيفية الحساب، و كيفية وزن الأعمال، و ذهاب فريق إلى الجنة و فريق إلى النار، و كيفية صفة أهل الجنة و صفة أهل النار، و من هذا الباب شرح أحوال أهل الجنة و أهل النار بعد وصولهم إليها، و شرح الكلمات التي يذكرونها و الأعمال التي يباشرونها، و لعل مجموع هذه المسائل العقلية و النقلية يبلغ الألوف من المسائل، و هي بأسرها داخلة تحت قوله مََالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ .

و أما قوله تعالى إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ فاعلم أن العبادة عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على‏

26

سبيل التعظيم للآمر فما لم يثبت بالدليل أن لهذا العالم إلها واحدا. قادرا على مقدورات لا نهاية لها، عالما بمعلومات لا نهاية لها، غنيا عن كل الحاجات، فإنه أمر عباده ببعض الأشياء، و نهاهم عن بعضها، و أنه يجب على الخلائق طاعته و الانقياد لتكاليفه-فإنه/لا يمكن القيام بلوازم قوله تعالى: إِيََّاكَ نَعْبُدُ ثم إن بعد الفراغ من المقام المذكور لا بد من تفصيل أقسام تلك التكاليف، و بيان أنواع تلك الأوامر و النواهي، و جميع ما صنف في الدين من «كتب الفقه» يدخل فيه تكاليف اللّه، ثم كما يدخل فيه تكاليف اللّه تعالى بحسب هذه الشريعة فكذلك يدخل فيه تكاليف اللّه تعالى بحسب الشرائع التي قد كان أنزلها اللّه تعالى على الأنبياء المتقدمين، و أيضا يدخل فيه الشرائع التي كلف اللّه بها ملائكته في السموات منذ خلق الملائكة و أمرهم بالاشتغال بالعبادات و الطاعات، و أيضا «فكتب الفقه» مشتملة على شرح التكاليف المتوجهة في أعمال الجوارح، أما أقسام التكاليف الموجودة في أعمال القلوب فهي أكبر و أعظم و أجل، و هي التي تشتمل عليها «كتب الأخلاق» ، و «كتب السياسات» ، بحسب الملل المختلفة و الأمم المتباينة، و إذا اعتبر الإنسان مجموع هذه المباحث و علم أنها بأسرها داخلة تحت قوله تعالى: إِيََّاكَ نَعْبُدُ علم حينئذ أن المسائل التي اشتملت هذه الآية عليها كالبحر المحيط الذي لا تصل العقول و الأفكار إلا إلى القليل منها.

أما قوله جل جلاله: اِهْدِنَا اَلصِّرََاطَ اَلْمُسْتَقِيمَ فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية، و لتحصيل الهداية طريقان: أحدهما: طلب المعرفة بالدليل و الحجة، و الثاني: بتصفية الباطن و الرياضة، أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنها لا ذرة من ذرات العالم الأعلى و الأسفل إلا و تلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته، و بعزة عزته، و بجلال صمديته، كما قيل: -

و في كل شي‏ء له آية # تدل على أنه واحد

و تقريره: أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية، و مختلفة في الصفات، و هي الألوان و الأمكنة و الأحوال، و يستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية، و إلا لزم حصول الاستواء، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص و تدبير مدبر، و ذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه، و إن لم يكن جسما فهو المطلوب، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا، بل كان تأثيره بالفيض و الطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء، و إن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات و الأرض شاهد صادق، و مخبر ناطق، بوجود الإله القادر الحكيم العليم، و كان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر رحمه اللّه يقول: إن للّه تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة و الحكمة و الرحمة، و ذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل، و يمكن أيضا اتصافه بصفات غير متناهية/على البدل، و كل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه. و أما تحصيل الهداية بطريق الرياضة و التصفية فذلك بحر لا ساحل له، و لكل واحد من السائرين إلى اللّه تعالى منهج خاص، و مشرب معين، كما قال: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهََا [البقرة: 148]و لا وقوف للعقول على تلك الأسرار، و لا خبر عند الأفهام من مبادئ ميادين تلك الأنوار، و العارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة، و أسرارا دقيقة، قلما ترقى إليها أفهام الأكثرين.

27

و أما قوله جل جلاله: صِرََاطَ اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ اَلضََّالِّينَ فما أجل هذه المقامات، و أعظم مراتب هذه الدرجات!و من وقف على ما ذكرناه من البيانات أمكنه أن يطلع على مبادئ هذه الحالات، فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه السورة مشتملة على مباحث لا نهاية لها، و أسرار لا غاية لها، و أن قول من يقول هذه السورة مشتملة على عشرة آلاف مسألة، كلام خرج على ما يليق بأفهام السامعين.

الفصل الثاني في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة

و لنتكلم في قولنا: أَعُوذُ بِاللََّهِ فنقول: أعوذ نوع من أنواع الفعل المضارع، و الفعل المضارع نوع من أنواع الفعل، و أما الباء في قوله «باللّه» فهي باء الإلصاق، و هي نوع من أنواع حروف الجر، و حروف الجر نوع من أنواع الحروف. و أما قولنا «اللّه» فهو اسم معين: إما من أسماء الأعلام، أو من الأسماء المشتقة، على اختلاف القولين فيه، و الاسم العلم و الاسم المشتق كل واحد منهما نوع من أنواع مطلق الاسم، و قد ثبت في العلوم العقلية، أن معرفة النوع ممتنع حصولها إلا بعد معرفة الجنس، لأن الجنس جزء من ماهية النوع، و العلم بالبسيط مقدم على العلم بالمركب لا محالة، فقولنا: أَعُوذُ بِاللََّهِ لا يمكن تحصيل العلم به كما ينبغي إلا بعد معرفة الاسم و الفعل و الحرف أولا، و هذه المعرفة لا تحصل إلا بعد ذكر حدودها و خواصها، ثم بعد الفراغ منه لا بد من تقسيم الاسم إلى الاسم العلم، و إلى الاسم المشتق، و إلى اسم الجنس، و تعريف كل واحد من هذه الأقسام بحده و رسمه و خواصه، ثم بعد الفراغ منه يجب الكلام في أن لفظة اَللََّهِ اسم علم، أو اسم مشتق، و بتقدير أن يكون مشتقا فهو مشتق من ماذا؟و يذكر فيه الوجوه الكثيرة التي قيل بكل واحد منها، و أيضا يجب البحث/عن حقيقة الفعل المطلق، ثم يذكر بعده أقسام الفعل، و من جملتها الفعل المضارع، و يذكر حده و خواصه و أقسامه، ثم يذكر بعده المباحث المتعلقة بقولنا «أعوذ» على التخصيص، و أيضا يجب البحث عن حقيقة الحرف المطلق، ثم يذكر بعده حرف الجر وحده و خواصه و أحكامه ثم يذكر بعده باء الإلصاق وحده و خواصه، و عند الوقوف على تمام هذه المباحث يحصل الوقوف على تمام المباحث اللفظية المتعلقة بقوله:

أَعُوذُ بِاللََّهِ و من المعلوم أن المباحث التي أشرنا إلى معاقدها كثيرة جدا.

ثم نقول: و المرتبة الرابعة: من المراتب أن نقول: الاسم و الفعل و الحرف أنواع ثلاثة داخلة تحت جنس الكلمة، فيجب البحث أيضا عن ماهية الكلمة وحدها و خواصها، و أيضا فههنا ألفاظ أخرى شبيهة بالكلمة، و هي: الكلام، و القول، و اللفظ، و اللغة، و العبارة، فيجب البحث عن كل واحد منها، ثم يجب البحث عن كونها من الألفاظ المترادفة، أو من الألفاظ المتباينة، و بتقدير أن تكون ألفاظا متباينة فإنه يجب ذكر تلك الفروق على التفصيل و التحصيل.

ثم نقول: و المرتبة الخامسة: من البحث أن نقول: لا شك أن هذه الكلمات إنما تحصل من الأصوات

28

و الحروف، فعند ذلك يجب البحث عن حقيقة الصوت، و عن أسباب وجوده و لا شك أن حدوث الصوت في الحيوان إنما كان بسبب خروج النفس من الصدر، فعندها يجب البحث عن حقيقة النفس، و أنه ما الحكمة في كون الإنسان متنفسا على سبيل الضرورة و أن هذا الصوت يحصل بسبب استدخال النفس أو بسبب إخراجه، و عند هذا تحتاج هذه المباحث إلى معرفة أحوال القلب و الرئة، و معرفة الحجاب الذي هو المبدأ الأول لحركة الصوت و معرفة سائر العضلات المحركة للبطن و الحنجرة و اللسان و الشفتين، و أما الحرف فيجب البحث أنه هل هو نفس الصوت، أو هيئة موجودة في الصوت مغايرة له؟و أيضا لا شك أن هذه الحروف إنما تتولد عند تقطيع الصوت، و هي مخارج مخصوصة في الحلق و اللسان و الأسنان و الشفتين، فيجب البحث عن أحوال تلك المحابس، و يجب أيضا البحث عن أحوال العضلات التي باعتبارها تتمكن الحيوانات من إدخال الأنواع الكثيرة من الجنس في الوجود و هذه المباحث لا تتم دلالتها إلا عند الوقوف على علم التشريح.

ثم نقول: و المرتبة السادسة: من البحث هي أن الحرف و الصوت كيفيات محسوسة بحاسة السمع، و أما الألوان و الأضواء فهي كيفيات محسوسة بحاسة البصر، و الطعوم كيفيات محسوسة بحاسة الذوق، و كذا القول في سائر الكيفيات المحسوسة، فهل يصح أن يقال: هذه الكيفيات/أنواع داخلة تحت جنس واحد و هي متباينة بتمام الماهية، و أنه لا مشاركة بينها إلا باللوازم الخارجية أم لا؟.

ثم نقول: و المرتبة السابعة: من البحث أن الكيفيات المحسوسة نوع واحد من أنواع جنس الكيف في المشهور، فيجب البحث عن تعريف مقولة الكيف، ثم يجب البحث أن وقوعه على ما تحته هل هو قول الجنس على الأنواع أم لا؟.

ثم نقول: و المرتبة الثامنة: أن مقولة الكيف، و مقولة الكم، و مقولة النسبة عرض، فيجب البحث عن مقولة العرض و أقسامه، و عن أحكامه و لوازمه و توابعه.

ثم نقول: و المرتبة التاسعة: أن العرض و الجواهر يشتركان في الدخول تحت الممكن و الواجب مشتركان في الدخول تحت الموجود، فيجب البحث عن لواحق الوجود و العدم، و هي كيفية وقوع الموجود على الواجب و الممكن أنه هل هو قول الجنس على أنواعه أو هو قول اللوازم على موصوفاتها و سائر المباحث المتعلقة بهذا الباب.

ثم نقول: و المرتبة العاشرة: أن نقول: لا شك أن المعلوم و المذكور و المخبر عنه يدخل فيها الموجود و المعدوم، فكيف يعقل حصول أمر أعم من الموجود؟و من الناس من يقول المظنون أعم من المعلوم، و أيضا فهب أن أعم الاعتبارات هو المعلوم، و لا شك أن المعلوم مقابله غير المعلوم، لكن الشي‏ء ما لم تعلم حقيقته امتنع الحكم عليه بكونه مقابلا لغيره، فلما حكمنا على غير المعلوم بكونه مقابلا للمعلوم، وجب أن يكون غير المعلوم معلوما، فحينئذ يكون المقابل للمعلوم معلوما، و ذلك محال.

و اعلم أن من اعتبر هذه المراتب العشرة في كل جزء من جزئيات الموجودات فقد انفتحت عليه أبواب مباحث لا نهاية لها، و لا يحيط عقله بأقل القليل منها، فظهر بهذا كيفية الاستنباط للعلوم الكثيرة من الألفاظ القليلة

29

الفصل الثالث في تقرير مشرع آخر لتصحيح ما ذكرناه من استنباط المسائل الكثيرة من هذه السورة

اعلم أنا إذا ذكرنا مسألة واحدة في هذا الكتاب و دللنا على صحتها بوجوه عشرة فكل واحد من تلك الوجوه و الدلائل مسألة بنفسها، ثم إذا حكينا فيها مثلا شبهات خمسة فكل واحد منها أيضا مسألة مستقلة بنفسها، ثم إذا أجبنا عن كل واحد منها بجوابين أو ثلاثة فتلك الأجوبة/الثلاثة أيضا مسائل ثلاثة، و إذا قلنا مثلا: الألفاظ الواردة في كلام العرب جاءت على ستين وجها، و فصلنا تلك الوجوه، فهذا الكلام في الحقيقة ستون مسألة، و ذلك لأن المسألة لا معنى لها إلا موضع السؤال و التقرير، فلما كان كل واحد من هذه الوجوه كذلك كان كل واحد منها مسألة على حدة، و إذا وقفت على هذه الدقيقة فنقول: إنا لو اعتبرنا المباحث المتعلقة بالاسم و الفعل، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بتقسيم الأفعال بالمعلوم و المذكور، و المباحث المتعلقة بالموجود و المعدوم، و المباحث المتعلقة بالواجب و الممكن، و المباحث المتعلقة بالجوهر و العرض، و المباحث المتعلقة بمقولة الكيف و كيفية انقسامه إلى الكيفية المحسوسة و غير المحسوسة، و المباحث المتعلقة بالصوت و كيفية حدوثه و كيفية العضلات المحدثة للأصوات و الحروف-عظم الخطب، و اتسع الباب، و لكنا نبدأ في هذا الكتاب بالمباحث المتعلقة بالكلمة و الكلام و القول و اللفظ و العبارة، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بالاسم و الفعل و الحرف، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بتقسيمات الأسماء و الأفعال و الحروف حتى ننتهي إلى الأنواع الثلاثة الموجودة في قوله: أَعُوذُ بِاللََّهِ و نرجو من فضل اللّه العميم أن يوفقنا للوصول إلى هذا المطلوب الكريم.

الكتاب الأول في العلوم المستنبطة من قوله: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم‏

اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان: أحدهما: المباحث المتعلقة باللغة و الإعراب و الثاني:

المباحث المتعلقة بعلم الأصول و الفروع.

القسم الأول من هذا الكتاب في المباحث الأدبية المتعلقة بهذه الكلمة، و فيه أبواب.

الباب الأول في المباحث المتعلقة بالكلمة، و ما يجري مجراها، و فيه مسائل‏

المسألة الأولى: اعلم أن أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ هو طريقة الاشتقاق، ثم إن الاشتقاق على نوعين: الاشتقاق الأصغر، و الاشتقاق الأكبر، أما الاشتقاق الأصغر فمثل اشتقاق صيغة الماضي‏

30

و المستقبل من المصدر، و مثل اشتقاق اسم الفاعل و اسم المفعول و غير هما منه، و أما الاشتقاق الأكبر فهو أن الكلمة إذا كانت مركبة من الحروف كانت قابلة/للانقلابات لا محالة، فنقول: أول مراتب هذا التركيب أن تكون الكلمة مركبة من حرفين و مثل هذه الكلمة لا تقبل إلا نوعين من التقليب، كقولنا: «من» و قلبه «نم» و بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة مركبة من ثلاثة أحرف كقولنا: «حمد» و هذه الكلمة تقبل ستة أنواع من التقليبات، و ذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الثلاثة ابتداء لتلك الكلمة، و على كل واحد من التقديرات الثلاث فإنه يمكن وقوع الحرفين الباقيين على وجهين لكن ضرب الثلاثة في اثنين بستة فهذه التقليبات الواقعة في الكلمات الثلاثيات يمكن وقوعها على ستة أوجه، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة رباعية كقولنا:

«عقرب، و ثعلب» و هي تقبل أربعة و عشرين وجها من التقليبات، و ذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الأربعة ابتداء لتلك الكلمة، و على كل واحد من تلك التقديرات الأربعة فإنه يمكن وقوع الحروف الثلاثة الباقية على ستة أنواع من التقليبات، و ضرب أربعة في ستة يفيد أربعة و عشرين وجها، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة خماسية كقولنا: «سفرجل» و هي تقبل مائة و عشرين نوعا من التقليبات، و ذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الخمسة ابتداء لتلك الكلمة و على كل واحد من هذه التقديرات فإنه يمكن وقوع الحروف الأربعة الباقية على أربعة و عشرين وجها على ما سبق تقريره، و ضرب خمسة في أربعة و عشرين بمائة و عشرين و الضابط في الباب أنك إذا عرفت التقاليب الممكنة في العدد الأقل ثم أردت أن تعرف عدد التقاليب الممكنة في العدد الذي فوقه فاضرب العدد الفوقاني في العدد الحاصل من التقاليب الممكنة في العدد الفوقاني، و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اعلم أن اعتبار حال الاشتقاق الأصغر سهل معتاد مألوف، أما الاشتقاق الأكبر فرعايته صعبة، و كأنه لا يمكن رعايته إلا في الكلمات الثلاثية لأن تقاليبها لا تزيد على الستة، أما الرباعيات و الخماسيات فإنها كثيرة جدا، و أكثر تلك التركيبات تكون مهملة فلا يمكن رعاية هذا النوع من الاشتقاق فيها إلا على سبيل الندرة.

و أيضا الكلمات الثلاثية قلما يوجد فيها ما يكون جميع تقاليبها الممكنة معتبرة. بل يكون في الأكثر بعضها مستعملا و بعضها مهملا، و مع ذلك فإن القدر الممكن منه هو الغاية القصوى في تحقيق الكلام في المباحث اللغوية.

المسألة الثالثة: في تفسير الكلمة: اعلم أن تركيب الكاف و اللام و الميم بحسب تقاليبها الممكنة الستة تفيد القوة و الشدة، خمسة منها معتبرة، و واحدة ضائع، فالأول: «ك ل م» فمنه الكلام، لأنه يقرع السمع و يؤثر فيه، و أيضا يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى، و منه/الكلم للجرح، و فيه شدة، و الكلام ما غلظ من الأرض، و ذلك لشدته، الثاني: «ك م ل» لأن الكامل أقوى من الناقص، و الثالث: «ل ك م» و معنى الشدة في اللكم ظاهر، و الرابع: «م ك ل» و منه «بئر مكول» إذا قل ماؤها، و إذا كان كذلك كان ورودها مكروها فيحصل نوع شدة عند ورودها، الخامس: «م ل ك» يقال «ملكت العجين» إذا أمعنت عجنه فاشتد و قوى، و منه «ملك الإنسان» لأنه نوع قدرة، و «أملكت الجارية» لأن بعلها يقدر عليها.

المسألة الرابعة: لفظ الكلمة قد يستعمل في اللفظة الواحدة و يراد بها الكلام الكثير الذي قد ارتبط بعضه‏

31

ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها «كلمة» ، و منها يقال: «كلمة الشهادة» ، و يقال: «الكلمة الطيبة صدقة» ، و لما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن إطلاق لفظ الكلمة على المركب مجاز، و ذلك لوجهين، الأول: أن المركب إنما يتركب من المفردات، فإطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون إطلاقا لاسم الجزء على الكل، و الثاني: أن الكلام الكثير إذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له وحدة فصار شبيها بالمفرد في تلك الوجوه، و المشابهة سبب من أسباب حسن المجاز، فأطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا السبب.

المسألة الخامسة: لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين: أحدهما: يقال لعيسى كلمة اللّه، إما لأنه حدث بقوله: «كن» أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك، و الثاني: أنه تعالى سمى أفعاله كلمات، كما قال تعالى في الآية الكريمة: قُلْ لَوْ كََانَ اَلْبَحْرُ مِدََاداً لِكَلِمََاتِ رَبِّي لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمََاتُ رَبِّي : [الكهف: 109]و السبب فيه الوجهان المذكوران فيما تقدم و اللّه أعلم.

المسألة السادسة: في القول: هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة و الخفة، فالأول:

«ق و ل» فمنه القول، لأن ذلك أمر سهل على اللسان، الثاني: «ق ل و» و منه القلو و هو حمار الوحش، و ذلك لخفته في الحركة و منه «قلوت البر و السويق» فهما مقلوان، لأن الشي‏ء إذا قلي جف و خف فكان أسرع إلى الحركة، و منه القلولي، و هو الخفيف الطائش، و الثالث: «و ق ل» الوقل الوعل، و ذلك لحركته، و يقال «توقل في الجبل» إذا صعد فيه، و الرابع: «و ل ق» يقال: ولق يلق إذا أسرع، و قرئ‏ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور: 15]أي: تخفون و تسرعون، و الخامس: «ل و ق» كما جاء

في الحديث «لا آكل الطعام إلا ما لوق لي»

أي: أعملت اليد في تحريكه و تليينه حتى يصلح، و منه اللوقة و هي الزبدة قيل لها ذلك لخفتها و إسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن و المصل، و السادس: «ل ق و» و منه اللقوة و هي العقاب، قيل لها ذلك لخفتها و سرعة طيرانها، و منه اللقوة في الوجه لأن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه و طيش، و اللقوة الناقة السريعة اللقاح.

المسألة السابعة: قال ابن جني رحمه اللّه تعالى: اللغة فعلة من لغوت أي: تلكمت، و أصلها لغوة ككرة و قلة فإن لاماتها كلها واوات، بدليل قولهم كروت بالكرة و قلوت بالقلة، و قيل فيه لغى يلغى إذا هذا، و منه قوله تعالى: وَ إِذََا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرََاماً : [الفرقان: 72]قلت: إن ابن جني قد اعتبر الاشتقاق الأكبر في الكلمة و القول و لم يعتبره هاهنا، و هو حاصل فيه، فالأول: «ل غ و» و منه اللغة و منه أيضا الكلام اللغو، و العمل اللغو، و الثاني: «ل و غ» و يبحث عنه، و الثالث: «غ ل و» و منه يقال: لفلان غلو في كذا، و منه الغلوة، و الرابع:

«غ و ل» و منه قوله تعالى: لاََ فِيهََا غَوْلٌ : [الصافات: 47]و الخامس: «و غ ل» و منه يقال: فلان أوغل في كذا و السادس: «و ل غ» و منه يقال: ولغ الكلب في الإناء، و يشبه أن يكون القدر المشترك بين الكل هو الإمعان في الشي‏ء و الخوض التام فيه.

المسألة الثامنة: في اللفظ: و أقول: أظن أن إطلاق اللفظ على هذه الأصوات و الحروف على سبيل المجاز، و ذلك لأنها إنما تحدث عنه إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج فالإنسان عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج يحبسه في المحابس المعينة، ثم يزيل ذلك الحبس، فتتولد تلك الحروف في آخر زمان حبس النفس و أول زمان إطلاقه، و الحاصل أن اللفظ هو: الرمي، و هذا المعنى حاصل في هذه الأصوات‏

32

و الحروف من وجهين: الأول: أن الإنسان يرمي ذلك النفس من داخل الصدر إلى خارجه و يلفظه، و ذلك هو الإخراج، و اللفظ سبب لحدوث هذه الكلمات، فأطلق اسم اللفظ على هذه الكلمات لهذا السبب، و الثاني: أن تولد الحروف لما كان بسبب لفظ ذلك الهواء من الداخل إلى الخارج صار ذلك شبيها بما أن الإنسان يلفظ تلك الحروف و يرميها من الداخل إلى الخارج، و المشابهة إحدى أسباب المجاز.

المسألة التاسعة، العبارة: و تركيبها من «ع ب ر» و هي في تقاليبها الستة تفيد العبور و الانتقال، فالأول:

«ع ب ر» و منه العبارة لأن الإنسان لا يمكنه أن يتكلم بها إلا إذا انتقل من حرف إلى حرف آخر، و أيضا كأنه بسبب تلك العبارة ينتقل المعنى من ذهن نفسه إلى ذهن السامع، و منه العبرة لأن تلك الدمعة تنتقل من داخل العين إلى الخارج، و منه العبر لأن الإنسان ينتقل فيها من الشاهد إلى الغائب. و منه المعبر لأن الإنسان ينتقل بواسطته من أحد طرفي البحر إلى الثاني، و منه التعبير لأنه ينتقل مما يراه في النوم إلى المعاني الغائبة، و الثاني:

«ع ر ب» و منه تسمية العرب بالعرب لكثرة انتقالاتهم بسبب رحلة الشتاء و الصيف/و منه «فلان أعرب في كلامه» لأن اللفظ قبل الإعراب يكون مجهولا فإذا دخله الإعراب انتقل إلى المعرفة و البيان، و الثالث: «ب ر ع» و منه «فلان برع في كذا» إذا تكامل و تزايد، الرابع: «ب ع ر» و منه البعر لكونه منتقلا من الداخل إلى الخارج، الخامس: «ر ع ب» و منه يقال للخوف رعب لأن الإنسان ينتقل عند حدوثه من حال إلى حال أخرى، و السادس: «ر ب ع» و منه الربع لأن الناس ينتقلون منها و إليها.

الفرق بين الكلمة و الكلام:

المسألة العاشرة: الفرق بين الكلمة و الكلام‏ قال أكثر النحويون: الكلمة غير الكلام، فالكلمة هي اللفظة المفردة، و الكلام هو الجملة المفيدة، و قال أكثر الأصوليين إنه لا فرق بينهما، فكل واحد منهما يتناول المفرد و المركب، و ابن جني وافق النحويين و استبعد قول المتكلمين، و ما رأيت في كلامه حجة قوية في الفرق سوى أنه نقل عن سيبويه كلاما مشعرا بأن لفظ الكلام مختص بالجملة المفيدة، و ذكر كلمات أخرى إلا أنها في غاية الضعف، أما الأصوليون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه، الأول: أن العقلاء قد اتفقوا على أن الكلام ما يضاد الخرس و السكوت، و التكلم بالكلمة الواحدة يضاد الخرس و السكوت، فكان كلاما، الثاني: أن اشتقاق الكلمة من الكلم، و هو الجرح و التأثير، و معلوم أن من سمع كلمة واحدة فإنه يفهم معناها، فههنا قد حصل معنى التأثير، فوجب أن يكون كلاما، و الثالث: يصح أن يقال: إن فلانا تكلم بهذه الكلمة الواحدة، و يصح أن يقال أيضا: أنه ما تكلم إلا بهذه الكلمة الواحدة، و كل ذلك يدل على أن الكلمة الواحدة كلام، و إلا لم يصح أن يقال تكلم بالكلمة الواحدة، الرابع: أنه يصح أن يقال تكلم فلان بكلام غير تام، و ذلك يدل على أن حصول الإفادة التامة غير معتبر في اسم الكلام.

مسألة فقهية في الطلاق:

المسألة الحادية عشرة مسألة فقهية في الطلاق‏ : تفرع على الاختلاف المذكور مسألة فقهية، و هي أولى مسائل أيمان «الجامع الكبير» لمحمد بن الحسن رحمه اللّه تعالى، و هي أن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: إن كلمتك فأنت طالق ثلاث مرات، قالوا: إن ذكر هذا الكلام في المرة الثانية طلقت طلقة واحدة، و هل تنعقد هذه الثانية طلقة؟

33

قال أبو حنيفة و صاحباه: تنعقد، و قال زفر: لا تنعقد، و حجة زفر أنه لما قال في المرة الثانية إن كلمتك فعند هذا القدر من الكلام حصل الشرط، لأن اسم الكلام اسم لكل ما أفاد شيئا، سواء أفاد فائدة تامة أو لم يكن كذلك و إذا حصل الشرط حصل الجزاء، و طلقت عند قوله إن كلمتك، فوقع تمام قوله: «أنت طالق» خارج تمام ملك النكاح، و غير مضاف إليه، فوجب أن لا تنعقد، و حجة أبي حنيفة أن الشرط-و هو قوله إن كلمتك-غير تام، و الكلام اسم للجملة التامة، فلم يقع الطلاق/إلا عند تمام قوله إن كلمتك فأنت طالق، و حاصل الكلام أنا إن قلنا إن اسم الكلام يتناول الكلمة الواحدة كان القول قول زفر، و إن قلنا إنه لا يتناول إلا الجملة فالقول قول أبي حنيفة و مما يقوي قول زفر أنه لو قال في المرة الثانية «إن كلمتك» و سكت عليه و لم يذكر بعده قوله:

«فأنت طالق» طلقت، لولا أن هذا القدر كلام و إلا لما طلقت، و مما يقوي قول أبي حنيفة أنه لو قال: «كلما كلمتك فأنت طالق» ثم ذكر هذه الكلمة في المرة الثانية فكلمة «كلما» توجب التكرار فلو كان التكلم بالكلمة الواحدة كلاما لوجب أن يقع عليه الطلقات الثلاث عند قوله في المرة الثانية: «كلما كلمتك» و سكت عليه و لم يذكر بعده قوله: «فأنت طالق» لأن هذا المجموع مشتمل على ذكر الكلمات الكثيرة، و كل واحد منها يوجب وقوع الطلاق و أقول: لعل زفر يلتزم ذلك.

المسألة الثانية عشرة: محل الخلاف المذكور بين أبي حنيفة و زفر ينبغي أن يكون مخصوصا بما إذا قال:

«إن كلمتك فأنت طالق» أما لو قال: «إن تكلمت بكلمة فأنت طالق» أو قال: «إن نطقت» أو قال: «إن تلفظت بلفظة» أو قال: «إن قلت قولا فأنت طالق» وجب أن يكون الحق في جميع هذه المسائل قول زفر قولا واحدا، و اللّه أعلم.

هل يطلق الكلام على المهمل:

المسألة الثالثة عشرة هل يطلق الكلام على المهمل‏ : لفظ الكلمة و الكلام هل يتناول المهمل أم لا؟منهم من قال يتناوله لأنه يصح أن يقال الكلام منه مهمل و منه مستعمل، و لأنه يصح أن يقال تكلم بكلام غير مفهوم، و لأن المهمل يؤثر في السمع فيكون معنى التأثير و الكلام حاصلا فيه، و منهم من قال الكلمة و الكلام مختصان بالمفيد، إذ لو لم يعتبر هذا القيد لزم تجويز تسمية أصوات الطيور بالكلمة و الكلام.

هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاما:

المسألة الرابعة عشرة هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاما : إذا حصلت أصوات متركبة تركيبا يدل على المعاني إلا أن ذلك التركيب كان تركيبا طبيعيا لا وضعيا فهل يسمى مثل تلك الأصوات كلمة و كلاما؟مثل أن الإنسان عند الراحة أو الوجع قد يقول أخ، و عند السعال قد يقول أح أح، فهذه أصوات مركبة، و حروف مؤلفة، و هي دالة على معان مخصوصة، لكن دلالتها على مدلولاتها بالطبع لا بالوضع، فهل تسمى أمثالها كلمات؟و كذلك صوت القطا يشبه كأنه يقول قطا، و صوت اللقلق يشبه كأنه يقول لق لق، فأمثال هذه الأصوات هل تسمى كلمات؟اختلفوا فيه، و ما رأيت في الجانبين حجة معتبرة، و فائدة هذا البحث تظهر فيما إذا قال: إن سمعت كلمة فعبدي حر، فهل يترتب الحنث و البر على سماع هذه الألفاظ أم لا؟.

المسألة الخامسة عشرة: قال ابن جني: لفظ القول يقع على الكلام التام، و على الكلمة الواحدة، على‏

34

سبيل الحقيقة، أما لفظ الكلام فمختص بالجملة التامة، و لفظ الكلمة مختص بالمفرد و حاصل كلامه في الفرق بين البابين أنا إذا بينا أن تركيب القول يدل على الخفة و السهولة وجب أن يتناول الكلمة الواحدة، أما تركيب الكلام فيفيد التأثير، و ذلك لا يحصل إلا من الجملة التامة، إلا أن هذا يشكل بلفظ الكلمة، و مما يقوي ذلك قول الشاعر: -

قلت لها قفي فقالت قاف‏

سمى نطقها بمجرد القاف قولا.

المسألة السادسة عشرة: قال أيضا إن لفظ القول يصح جعله مجازا عن الاعتقادات و الآراء، كقولك: فلان يقول بقول أبي حنيفة، و يذهب إلى قول مالك، أي: يعتقد ما كانا يريانه و يقولان به، ألا ترى أنك لو سألت رجلا عن صحة رؤية اللّه تعالى فقال: لا تجوز رؤيته، فتقول: هذا قول المعتزلة، و لا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على سبيل التعسف، و ذكر أن السبب في حسن هذا المجاز أن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره، فلما حصلت المشابهة من هذا الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازا عنه.

يستعمل القول في غير النطق:

المسألة السابعة عشرة يستعمل القول في غير النطق‏ : لفظ قال قد يستعمل في غير النطق، قال أبو النجم: -

قالت له الطير تقدم راشدا # إنك لا ترجع إلا حامدا

و قال آخر: -

و قالت له العينان سمعا و طاعة # و حدرتا كالدر لما يثقب‏

و قال: -

امتلأ الحوض و قال: قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني‏

و يقال في المثل: قال الجدار للوتد لم تشقني، قال: سل من يدقني، فإن الذي ورايى ما خلاني ورايى، و منه قوله تعالى: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْ‏ءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ : [النحل: 40]و قوله تعالى: فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ : [فصلت: 11].

المسألة الثامنة عشرة: الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام و القول اسم لهذه الألفاظ و الكلمات، أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى بالكلام و بالقول، و احتجوا عليه بالقرآن و الأثر و الشعر: أما القرآن فقوله تعالى: وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ : [المنافقون: 1] و ظاهر أنهم ما كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمدا/رسول اللّه و كانوا صادقين فيه، فوجب أن يقال إنهم كانوا كاذبين في كلام آخر سوى اللفظ و ما هو إلا كلام النفس، و لقائل أن يقول: لا نسلم أنهم ما كانوا كاذبين في القول اللساني، قوله: «أخبروا أن محمدا رسول اللّه» قلنا: لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمدا رسول اللّه، لأنهم كانوا قالوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ : [المنافقون: 1]و الشهادة لا تحصل إلا مع العلم، و هم ما كانوا عالمين به، فثبت أنهم كانوا كاذبين، فيما أخبروا عنه بالقول اللساني، و أما الأثر فما نقل

35

أن عمر قال يوم السقيفة: كنت قد زورت في نفسي كلاما فسبقني إليه أبو بكر، و أما الشاعر فقول الأخطل: -

إن الكلام لفي الفؤاد و إنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا

و أما اللذين أنكروا كون المعنى القائم بالنفس يسمى بالكلام فقد احتجوا عليه بأن من لم ينطق و لم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم، و أيضا الحنث و البر يتعلق بهذه الألفاظ، و من أصحابنا من قال: اسم القول و الكلام مشترك بين المعنى النفساني و بين اللفظ اللساني.

المسألة التاسعة عشرة: هذه الكلمات و العبارات قد تسمى أحاديث، قال اللّه تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور: 34]و السبب في هذه التسمية أن هذه الكلمات إنما تتركب من الحروف المتعاقبة المتوالية فكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه، فلهذا السبب سميت بالحديث و يمكن أيضا أن يكون السبب في هذه التسمية أن سماعها يحدث في القلوب العلوم و المعاني، و اللّه أعلم.

المسألة العشرون: هاهنا ألفاظ كثيرة، فأحدها: الكلمة، و ثانيها: الكلام، و ثالثها: القول، و رابعها:

اللفظ، و خامسها: العبارة، و سادسها: الحديث، و قد شرحناها بأسرها، و سابعها: النطق و يجب البحث عن كيفية اشتقاقه، و أنه هل هو مرادف لبعض تلك الألفاظ المذكورة أو مباين لها، و بتقدير حصول المباينة فما الفرق.

المسألة الحادية و العشرون: في حد الكلمة، قال الزمخشري في أول «المفصل» : الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع. و هذا التعريف ليس بجيد، لأن صيغة الماضي كلمة مع أنها لا تدل على معنى مفرد بالوضع، فهذا التعريف غلط، لأنها دالة على أمرين: حدث و زمان و كذا القول في أسماء الأفعال، كقولنا: مه، و صه، و سبب الغلط أنه كان يجب عليه جعل المفرد صفة للفظ، فغلط و جعله صفة للمعنى.

اللفظ مهمل و مستعمل و أقسامه:

المسألة الثانية و العشرون‏ اللفظ مهمل و مستعمل و أقسامه‏ : اللفظ إما أن يكون مهملا، و هو معلوم، أو مستعملا و هو على ثلاثة أقسام:

أحدها: أن لا يدل شي‏ء من أجزائه على شي‏ء من المعاني ألبتة، و هذا/هو اللفظ المفرد كقولنا فرس و جمل، و ثانيها: أن لا يدل شي‏ء من أجزائه على شي‏ء أصلا حين هو جزؤه أما باعتبار آخر فإنه يحصل لأجزائه دلالة على المعاني، كقولنا: «عبد اللّه» فإنا إذا اعتبرنا هذا المجموع اسم علم لم يحصل لشي‏ء من أجزائه دلالة على شي‏ء أصلا، أما إذا جعلناه مضافا و مضافا إليه فإنه يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على شي‏ء آخر، و هذا القسم نسميه بالمركب، و ثالثها: أن يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على مدلول آخر على جميع الاعتبارات، و هو كقولنا: «العالم حادث، و السماء كرة، و زيد منطلق» و هذا نسميه بالمؤلف.

المسموع المقيد و أقسامه:

المسألة الثالثة و العشرون‏ المسموع المقيد و أقسامه‏ : المسموع المفيد ينقسم إلى أربعة أقسام: لأنه إما أن يكون اللفظ مؤلفا و المعنى مؤلفا كقولنا: «الإنسان حيوان، و غلام زيد» و إما أن يكون المسموع مفردا و المعنى مفردا، و هو كقولنا:

«الوحدة» و «النقطة» بل قولنا: «اللّه» سبحانه و تعالى، و إما أن يكون اللفظ مفردا و المعنى مؤلفا و هو كقولك:

36

«إنسان» فإن للفظ مفرد و المعنى ماهية مركبة من أمور كثيرة، و إما أن يكون اللفظ مركبا و المعنى مفردا، و هو محال.

المسألة الرابعة و العشرون: الكلمة هي اللفظة المفردة الدالة بالاصطلاح على معنى، و هذا التعريف مركب من قيود أربعة: فالقيد الأول كونه لفظا، و الثاني كونه مفردا، و قد عرفتهما، و الثالث كونه دالا و هو احتراز عن المهملات، و الرابع كونه دالا بالاصطلاح و سنقيم الدلالة على أن دلالات الألفاظ وضعية لا ذاتية.

المسألة الخامسة و العشرون: قيل: الكلمة صوت مفرد دال على معنى بالوضع: قال أبو علي بن سينا في كتاب «الأوسط» : و هذا غير جائز لأن الصوت مادة و اللفظ جنس، و ذكر الجنس أولى من ذكر المادة، و له كلمات دقيقة في الفرق بين المادة و الجنس، و مع دقتها فهي ضعيفة قد بينا وجه ضعفها في العقليات، و أقول:

السبب عندي في أنه لا يجوز ذكر الصوت أن الصوت ينقسم إلى صوت الحيوان و إلى غيره، و صوت الإنسان ينقسم إلى ما يحدث من حلقه و إلى غيره، و الصوت الحادث من الحلق ينقسم إلى ما يكون حدوثه مخصوصا بأحوال مخصوصة مثل هذه الحروف، و إلى ما لا يكون كذلك مثل الأصوات الحادثة عند الأوجاع و الراحات و السعال و غيرها، فالصوت جنس بعيد، و اللفظ جنس قريب، و إيراد الجنس القريب أولى من الجنس البعيد.

المسألة السادسة و العشرون: قالت المعتزلة: الشرط في كون الكلمة مفيدة أن تكون مركبة من حرفين فصاعدا، فنقضوه بقولهم: «ق» و «ع» و أجيب عنه بأنه مركب في التقدير/فإن الأصل أن يقال: «قي» و «عي» بدليل أن عند التثنية يقال: «قيا» و «عيا» و أجيب عن هذا الجواب بأن ذلك مقدر، أما الواقع فحرف واحد، و أيضا نقضوه بلام التعريف و بنون التنوين و بالإضافة فإنها بأسرها حروف مفيدة، و الحرف نوع داخل تحت جنس الكلمة، و متى صدق النوع فقد صدق الجنس، فهذه الحروف كلمات مع أنها غير مركبة.

المسألة السابعة و العشرون: الأولى أن يقال: كل منطوق به أفاد شيئا بالوضع فهو كلمة و على هذا التقدير يدخل فيه المفرد و المركب، و بقولنا: منطوق به، يقع الاحتراز عن الخط و الإشارة.

دلالة اللفظ على معناه غير ذاتية المسألة الثامنة و العشرون: دلالة الألفاظ على مدلولاتها ليست ذاتية حقيقية، خلافا لعباد لنا أنها تتغير باختلاف الأمكنة و الأزمنة، و الذاتيات لا تكون كذلك، حجة عباد أنه لو لم تحصل مناسبات مخصوصة بين الألفاظ المعينة و المعاني المعينة و إلا لزم أن يكون تخصيص كل واحد منها بمسماه ترجيحا للممكن من غير مرجح، و هو محال، و جوابنا أنه ينتقض باختصاص حدوث العالم بوقت معين دون ما قبله و ما بعده، و إلا لم يرجح، و يشكل أيضا باختصاص كل إنسان باسم علمه المعين.

المسألة التاسعة و العشرون: و قد يتفق في بعض الألفاظ كونه مناسبا لمعناه مثل تسميتهم القطا بهذا الاسم، لأن هذا اللفظ يشبه صوته، و كذا القول في اللقلق، و أيضا وضعوا لفظ «الخضم» لأكل الرطب نحو البطيخ و القثاء، و لفظ «القضم» لأكل اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها، لأن حرف الخاء يشبه صوت أكل الشي‏ء الرطب و حرف القاف يشبه صوت أكل الشي‏ء اليابس، و لهذا الباب أمثلة كثيرة ذكرها ابن جني في «الخصائص» .

37

اللغة إلهام المسألة الثلاثون‏ اللغة إلهام‏ : لا يمكننا القطع بأن دلالة الألفاظ توقيفية، و منهم من قطع به، و احتج فيه بالعقل و النقل: أما العقل فهو أن وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة لا يمكن إلا بالقول، فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل وضع مسبوقا بوضع آخر لا إلى نهاية، و هو محال، فوجب الانتهاء إلى ما حصل بتوقيف اللّه تعالى، و أما النقل فقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمََاءَ كُلَّهََا [البقرة: 31] و أجيب عن الأول بأنه لم لا يجوز أن يكون وضع الألفاظ للمعاني يحصل بالإشارة؟و عن الثاني لم لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الإلهام؟و أيضا لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام، ثم إنه تعالى علمها لآدم عليه السلام.

المسألة الحادية و الثلاثون: لا يمكن القطع بأنها حصلت بالاصطلاح، خلافا للمعتزلة، و احتجوا بأن العلم بالصفة إذا كان ضروريا كان العلم بالموصوف أيضا ضروريا، فلو خلق اللّه تعالى العلم في قلب العاقل بأنه وضع هذا اللفظ لهذا المعنى لزم أن يكون العلم باللّه ضروريا و ذلك يقدح في صحة التكليف، و أجيب عنه بأنه لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يخلق علما ضروريا في القلب بأن واضعا وضع هذا اللفظ لهذا المعنى من غير أن يخلق العلم بأن ذلك الواضع هو اللّه تعالى؟و على هذا التقدير فيزول الإشكال.

المسألة الثانية و الثلاثون: لما ضعفت هذه الدلائل جوزنا أن تكون كل اللغات توقيفية و أن تكون كلها اصطلاحية، و أن يكون بعضها توقيفيا و بعضها اصطلاحيا.

المسألة الثالثة و الثلاثون: اللفظ المفرد لا يفيد ألبتة مسماه لأنه ما لم يعلم كون تلك اللفظة موضوعة لذلك المعنى لم يفد شيئا، لكن العلم بكونها موضوعة لذلك المعنى علم بنسبة مخصوصة بين ذلك اللفظ و ذلك المعنى، و العلم بالنسبة المخصوصة بين أمرين مسبوق بكل واحد منهما فلو كان العلم بذلك المعنى مستفادا من ذلك اللفظ لزم الدور. و هو محال، و أجيب عنه بأنه يحتمل أنه إذا استقر في الخيال مقارنة بين اللفظ المعين و المعنى المعين فعند حصول الشعور باللفظ ينتقل الخيال إلى المعنى، و حينئذ يندفع الدور.

المسألة الرابعة و الثلاثون: و الإشكال المذكور في المفرد غير حاصل في المركب، لأن إفادة الألفاظ المفردة لمعانيها إفادة وضعية، أما التركيبات فعقلية، فلا جرم عند سماع تلك المفردات يعتبر العقل تركيباتها ثم يتوصل بتلك التركيبات العقلية إلى العلم بتلك المركبات، فظهر الفرق.

اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي المسألة الخامسة و الثلاثون‏ اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي‏ : للألفاظ دلالات على ما في الأذهان لا على ما في الأعيان و لهذا السبب يقال: الألفاظ تدل على المعاني، لأن المعاني هي التي عناها العاني، و هي أمور ذهنية، و الدليل على ما ذكرناه من وجهين: الأول أنا إذا رأينا جسما من البعد و ظنناه صخرة قلنا إنه صخرة، فإذا قربنا منه و شاهدنا حركته و ظنناه طيرا قلنا إنه طير، فإذا ازداد القرب علمنا أنه إنسان فقلنا إنه إنسان، فاختلاف الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنية يدل على أن مدلول الألفاظ هو الصور الذهنية لا الأعيان الخارجة، الثاني أن اللفظ لو دل على الموجود الخارجي لكان إذا قال إنسان العالم قديم و قال آخر العالم حادث لزم كون العالم قديما حادثا

38

معا، و هو محال، أما إذا قلنا إنها دالة على المعاني الذهنية كان هذان القولان دالين على حصول هذين /الحكمين من هذين الإنسانين، و ذلك لا يتناقض.

المسألة السادسة و الثلاثون لا يمكن أن تكون جميع الماهيات مسميات بالألفاظ، لأن الماهيات غير متناهية، و ما لا نهاية له لا يكون مشعورا به على التفصيل، و ما لا يكون مشعورا به امتنع وضع الاسم بإزائه.

المسألة السابعة و الثلاثون: كل معنى كانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم، كان وضع اللفظ بإزائه أولى، مثل صيغ الأوامر و النواهي، و العموم و الخصوص، و الدليل عليه أن الحاجة إلى التعبير عنها ماسة فيكون الداعي إلى ذلك الوضع كاملا، و المانع زائلا، و إذا كان الداعي قويا و المانع زائلا، كان الفعل به واجب الحصول.

المسألة الثامنة و الثلاثون: المعنى الذي يكون خفيا عند الجمهور يمتنع كونه مسمى باللفظ المشهور، مثاله لفظة الحركة لفظة مشهورة و كون الجسم منتقلا من جانب إلى جانب أمر معلوم لكل أحد، أما الذي يقول به بعض المتكلمين-و هو المعنى الذي يوجب ذلك الانتقال-فهو أمر خفي لا يتصوره إلا الخواص من الناس، و إذا كان كذلك وجب أن يقال: الحركة اسم لنفس هذا الانتقال لا للمعنى الذي يوجب الانتقال و كذلك يجب أن يكون العلم اسما لنفس العالمية، و القدرة اسما للقادرية، لا للمعنى الموجب للعالمية و القادرية.

المعنى اسم للصورة الذهنية المسألة التاسعة و الثلاثون‏ المعنى اسم للصورة الذهنية في المعنى: المعنى اسم للصورة الذهنية لا للموجودات الخارجية لأن المعنى عبارة عن الشي‏ء الذي عناه العاني و قصده القاصد، و ذاك بالذات هو الأمور الذهنية، و بالعرض الأشياء الخارجية، فإذا قيل: أن القائل أراد بهذا اللفظ هذا المعنى، فالمراد أنه قصد بذكر ذلك اللفظ تعريف ذلك الأمر المتصور.

المسألة الأربعون: قد يقال في بعض المعاني: إنه لا يمكن تعريفها بالألفاظ، مثل أنا ندرك بالضرورة تفرقة بين الحلاوة المدركة من النبات و الحلاوة المدركة من الطبرزذ، فيقال: إنه لا سبيل إلى تعريف هذه التفرقة بحسب اللفظ، و أيضا ربما اتفق حصول أحوال في نفس بعض الناس و لا يمكنه تعريف تلك الحالة بحسب التعريفات اللفظية، إذا عرفت هذا فنقول: أما القسم الأول فالسبب فيه أن ما به يمتاز حلاوة النبات من حلاوة الطبرزذ ما وضعوا له في اللغة لفظة معينة، بل لا يمكن ذكرها إلا على سبيل الإضافة، مثل أن يقال حلاوة النبات و حلاوة الطبرزذ، فلما لم توضع لتلك التفرقة لفظة مخصوصة لا جرم لا يمكن تعريفها باللفظ، و لو أنهم وضعوا لها لفظة لقد كان يمكن تعريفها باللفظ على ذلك التقدير، /و أما القسم الثاني و هو أن الإنسان إذا أدرك من نفسه حالة مخصوصة و سائر الناس ما أدركوا تلك الحالة المخصوصة استحال لهذا المدرك وضع لفظ لتعريفه، لأن السامع ما لم يعرف المسمى أولا لم يمكنه أن يفهم كون هذا اللفظ موضوعا له، فلما لم يحصل تصور تلك المعاني عند السامعين امتنع منهم أن يتصوروا كون هذه الألفاظ موضوعة لها، فلا جرم امتنع تعريفها، أما لو فرضنا أن جماعة تصوروا تلك المعاني ثم وضعوا لها ألفاظا مخصوصة فعلى هذا التقدير كان‏

39

يمكن تعريف تلك الأحوال بالبيانات اللفظية-فهكذا يجب أن يتصور معنى ما يقال إن كثيرا من المعاني لا يمكن تعريفها بالألفاظ.

الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني المسألة الحادية و الأربعون‏ الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني‏ : في الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني: و هي أن الإنسان خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع مهماته فاحتاج إلى أن يعرف غيره ما في ضميره ليمكنه التوسل به إلى الاستعانة بالغير، و لا بد لذلك التعريف من طريق، و الطرق كثيرة مثل الكتابة و الإشارة و التصفيق باليد و الحركة بسائر الأعضاء، إلا أن أسهلها و أحسنها هو تعريف ما في القلوب و الضمائر بهذه الألفاظ، و يدل عليه وجوه:

أحدها أن النفس عند الإخراج سبب لحدوث الصوت، و الأصوات عند تقطيعاتها أسباب لحدوث الحروف المختلفة، و هذه المعاني تحصل من غير كلفة و معونة بخلاف الكتابة و الإشارة و غيرهما، و الثاني أن هذه الأصوات كما توجد تفنى عقيبه في الحال، فعند الاحتياج إليه تحصل و عند زوال الحاجة تفنى و تنقضي، و الثالث: أن الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة في مخارج الحروف تتولد منها الحروف الكثيرة، و تلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير غير متناهية، فإذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحدا من تلك الكلمات توزعت الألفاظ على المعاني من غير التباس و اشتباه، و مثل هذا لا يوجد في الإشارة و التصفيق، فلهذه الأسباب الثلاثة قضت العقول السليمة، بأن أحسن التعريفات لما في القلوب هو الألفاظ.

لذاته معرفة الحق المسألة الثانية و الأربعون‏ لذاته معرفة الحق‏ : كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، و الخير لأجل العمل به، و جوهر النفس في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين، و لا يمكنها اكتساب هذه الكمالات إلا بواسطة هذا البدن، فصار تخليق هذا البدن مطلوبا لهذه الحكمة، ثم إن مصالح هذا البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعا للحرارة الغريزية، و لما كانت هذه الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل، فدبر الخالق الرحيم الحكيم هذا المقصود بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من خارج البدن إلى نفسه، ثم إذا بقي ذلك الهواء في القلب لحظة/تسخن و احتد و قويت حرارته، فاحتاج القلب إلى دفعه مرة أخرى، و ذلك هو الانقباض فإن القلب إذا انقبض انعصر ما فيه من الهواء و خرج إلى الخارج، فهذا هو الحكمة في جعل الحيوان متنفسا، و المقصود بالقصد الأول هو تكميل جوهر النفس بالعلم و العمل، فوقع تخليق البدن في المرتبة الثانية من المطلوبية، و وقع تخليق القلب و جعله منبعا للحرارة الغريزية في المرتبة الثالثة، و وقع إقدار القلب على الانبساط الموجب لانجذاب الهواء الطيب من الخارج لأجل الترويح في المرتبة الرابعة، و وقع إقدار القلب على الانقباض الموجب لخروج ذلك الهواء المحترق في المرتبة الخامسة، و وقع صرف ذلك الهواء الخارج عند انقباض القلب إلى مادة الصوت في المرتبة السادسة، ثم إن المقدر الحكيم و المدبر الرحيم جعل هذا الأمر المطلوب على سبيل الغرض الواقع في المرتبة السابعة مادة للصوت، و خلق محابس و مقاطع للصوت في الحلق و اللسان و الأسنان و الشفتين، و حينئذ يحدث بذلك السبب هذه الحروف المختلفة، و يحدث من تركيباتها الكلمات التي لا نهاية لها، ثم أودع في هذا النطق و الكلام حكما عالية و أسرارا باهرة عجزت عقول الأولين‏

40

و الآخرين عن الإحاطة بقطرة من بحرها و شعلة من شمسها، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة الباهرة و القدرة الغير متناهية.

الكلام اللساني المسألة الثالثة و الأربعون‏ الكلام اللساني‏ : ظهر بما قلناه أنه لا معنى للكلام اللساني إلا الاصطلاح من الناس على جعل هذه الأصوات المقطعة و الحروف المركبة معرفات لما في الضمائر، و لو قدرنا أنهم كانوا قد تواضعوا على جعل أشياء غيرها معرفات لما في الضمائر لكانت تلك الأشياء كلاما أيضا، و إذا كان كذلك لم يكن الكلام صفة حقيقية مثل العلم و القدرة و الإرادة، بل أمرا وضعيا اصطلاحيا، و التحقيق في هذا الباب: أن الكلام عبارة عن فعل مخصوص يفعله الحي القادر لأجل أن يعرف غيره ما في ضميره من الإرادات و الاعتقادات، و عند هذا يظهر أن المراد من كون الإنسان متكلما بهذه الحروف مجرد كونه فاعلا لها لهذا الغرض المخصوص، و أما الكلام الذي هو صفة قائمة بالنفس فهي صفة حقيقية كالعلوم و القدر و الإرادات.

الكلام النفسي و الذهني:

المسألة الرابعة و الأربعون‏ الكلام النفسي و الذهني‏ : لما ثبت أن الألفاظ دلائل على ما في الضمائر و القلوب، و المدلول عليه بهذه الألفاظ هو الإرادات و الاعتقادات أو نوع آخر، قالت المعتزلة: صيغة «افعل» لفظة موضوعة لإرادة الفعل، و صيغة الخبر لفظة موضوعة لتعريف أن ذلك القائل يعتقد أن الأمر لفلاني كذا و كذا، و قال أصحابنا: الطلب النفساني مغاير للإرادة، و الحكم الذهني أمر مغاير للاعتقاد، أما بيان أن الطلب النفساني مغاير للإرادة فالدليل عليه إنه تعالى/أمر الكافر بالإيمان، و هذا متفق عليه، و لكن لم يرد منه الإيمان، و لو أراده لوقع، و يدل عليه وجهان: الأول أن قدرة الكافر إن كانت موجبة للكفر كان خالق تلك القدرة مريدا للكفر، لأن مريد العلة مريد للمعلول، و إن كانت صالحة للكفر و الإيمان امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلا بمرجح، و ذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه، و إن كان من اللّه تعالى فحينئذ يكون مجموع القدرة مع الداعية موجبا للكفر، و مريد العلة مريد للمعلول، فثبت أنه تعالى مريد الكفر من الكافر، و الثاني أنه تعالى عالم بأن الكافر يكفر و حصول هذا العلم ضد لحصول الإيمان، و الجمع بين الضدين محال، و العالم بكون الشي‏ء ممتنع الوقوع لا يكون مريدا له، فثبت أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان، و ثبت أنه لا يريد منه الإيمان فوجب أن يكون مدلول أمر اللّه تعالى فعل شي‏ء آخر سوى الإرادة، و ذلك هو المطلوب، و أما بيان أن الحكم الذهني مغاير للاعتقاد و العلم فالدليل عليه أن القائل إذا قال: العالم قديم فمدلول هذا اللفظ هو حكم هذا القائل بقدم العالم، و قد يقول القائل بلسانه هذا مع أنه يعتقد أن العالم ليس بقديم، فعلمنا أن الحكم الذهني حاصل، و الاعتقاد غير حاصل، فالحكم الذهني مغاير للاعتقاد.

مدلولات الألفاظ المسألة الخامسة و الأربعون‏ مدلولات الألفاظ : مدلولات الألفاظ قد تكون أشياء مغايرة للألفاظ: كلفظة السماء و الأرض، و قد تكون مدلولاتها أيضا ألفاظا كقولنا: اسم، و فعل، و حرف، و عام، و خاص، و مجمل، و مبين، فإن هذه الألفاظ أسماء و مسمياتها أيضا ألفاظ.

41

طرق معرفة اللغة المسألة السادسة و الأربعون‏ طرق معرفة اللغة : طريق معرفة اللغات إما العقل وحده و هو محال، و إما النقل المتواتر أو الآحاد و هو صحيح، و إما ما يتركب عنهما: كما إذا قيل: ثبت بالنقل جواز إدخال الاستثناء على صيغة من، و ثبت بالنقل أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل فيه، فيلزم من مجموعهما بحكم العقل كون تلك الصيغة موضوعة للعموم، و على هذا الطريق تعويل الأكثرين في إثبات أكثر اللغات، و هو ضعيف، لأن هذا الاستدلال إنما يصح لو قلنا إن واضع تينك المقدمتين وجب أن يكون معترفا بهذه الملازمة، و إلا لزم التناقض، لكن الواضع للغات لو ثبت أنه هو اللّه تعالى وجب تنزيهه عن المناقضة، أما لو كان هو الناس لم يجب ذلك و لما كان هذا الأصل مشكوكا كان ذلك الدليل مثله.

من اللغة ما بلغنا بالتواتر المسألة السابعة و الأربعون‏ من اللغة ما بلغنا بالتواتر : اللغات المنقولة إلينا بعضها منقول بالتواتر، و بعضها منقول بالآحاد، و طعن بعضهم في كونها متواترة فقال: أشهر الألفاظ هو قولنا «اللّه» ، و قد اختلفوا فيها فقيل: إنها ليست عربية بل هي عبرية، و قيل: إنها اسم علم، و قيل: إنها من الأسماء/المشتقة، و ذكروا في اشتقاقها وجوها عشرة، و بقي الأمر في هذه الاختلافات موقوفا إلى الآن و أيضا فلفظة الإيمان و الكفر قد اختلفوا فيهما اختلافا شديدا، و كذا صيغ الأوامر و النواهي، و العموم و الخصوص، مع أنها أشد الألفاظ شهرة، و إذا كان الحال كذلك في الأظهر الأقوى فما ظنك بما سواها؟و الحق أن ورود هذه الألفاظ في أصول هذه الموارد معلوم بالتواتر، فأما ماهياتها و اعتباراتها فهي التي اختلفوا فيها، و ذلك لا يقدح في حصول التواتر في الأصل.

المسألة الثامنة و الأربعون: منهم من سلم حصول التواتر في بعض هذه الألفاظ في هذا الوقت، إلا أنه زعم أن حال الأدوار الماضية غير معلوم، فلعل النقل ينتهي في بعض الأدوار الماضية إلى الآحاد، و ليس لقائل أن يقول: لو وقع ذلك لاشتهر و بلغ إلى حد التواتر، لأن هذه المقدمة إن صحت فإنما تصح في الوقائع العظيمة. و أما التصرفات في الألفاظ فهي وقائع حقيرة، و الحق أن العلم الضروري حاصل بأن لفظ السماء و الأرض و الجدار و الدار كان حالها و حال أشباهها في الأزمنة الماضية كحالها في هذا الزمان.

المسألة التاسعة و الأربعون: لا شك أن أكثر اللغات منقول بالآحاد، و رواية الواحد إنما تفيد الظن عند اعتبار أحوال الرواة و تصفح أحوالهم بالجرح و التعديل، ثم إن الناس شرطوا هذه الشرائط في رواة الأحاديث، و لم يعتبروها في رواة اللغات، مع أن اللغات تجري مجرى الأصول للأحاديث، و مما يؤكد هذا السؤال أن الأدباء طعن بعضهم في بعض بالتجهيل تارة و بالتفسيق أخرى، و العداوة الحاصلة بين الكوفيين و البصريين مشهورة، و نسبة أكثر المحدثين أكثر الأدباء إلى ما لا ينبغي مشهورة، و إذا كان كذلك صارت رواياتهم غير مقبولة و بهذا الطريق تسقط أكثر اللغات عن درجات القبول، و الحق أن أكثر اللغات قريب من التواتر، و بهذا الطريق يسقط هذا الطعن.

دلالة الألفاظ على معانيها ظنية:

المسألة الخمسون‏ دلالة الألفاظ على معانيها ظنية : دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات، و نقل الإعرابات

42

و التصريفات، مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحادا و رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن، و أيضا فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك، و عدم المجاز، و عدم النقل، و عدم الإجمال، و عدم التخصيص، و عدم المعارض العقلي، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز، و لا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض، و الموقوف على الظن أولى أن يكون ظنا، و اللّه أعلم.

الباب الثاني في المباحث المستنبطة من الصوت و الحروف و أحكامها، و فيه مسائل‏

كيفية حدوث الصوت:

المسألة الأولى‏ كيفية حدوث الصوت‏ : ذكر الرئيس أبو علي بن سينا في تعريف الصوت أنه كيفية تحدث من تموج الهواء المنضغط بين قارع و مقروع، و أقول: إن ماهية الصوت مدركة بحس السمع و ليس في الوجود شي‏ء أظهر من المحسوس حتى يعرف المحسوس به، بل هذا الذي ذكره إن كان و لا بد فهو إشارة إلى سبب حدوثه، لا إلى تعريف ماهيته.

الصوت ليس بجسم:

المسألة الثانية الصوت ليس بجسم‏ : يقال إن النظام المتكلم كان يزعم أن الصوت جسم، و أبطلوه بوجوه: منها أن الأجسام مشتركة في الجسمية و غير مشتركة في الصوت، و منها أن الأجسام مبصرة و ملموسة أولا و ثانيا و ليس الصوت كذلك، و منها أن الجسم باق و الصوت ليس كذلك، و أقول: النظام كان من أذكياء الناس و يبعد أن يكون مذهبه أن الصوت نفس الجسم، إلا أنه لما ذهب إلى أن سبب حدوث الصوت تموج الهواء ظن الجهال به أنه يقول أنه عين ذلك الهواء.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: الصوت اصطكاك الأجسام الصلبة، و هو باطل، لأن الاصطكاك عبارة عن المماسة و هي مبصرة، و الصوت ليس كذلك، و قيل: الصوت نفس القرع أو القلع، و قيل إنه تموج الحركة، و كل ذلك باطل، لأن هذه الأحوال مبصرة، و الصوت غير مبصر، و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: قيل سببه القريب تموج الهواء، و لا نعني بالتموج حركة انتقالية من مبدأ واحد بعينه إلى منتهى واحد بعينه، بل حالة شبيهة بتموج الهواء فإنه أمر يحدث شيئا فشيئا لصدم بعد صدم و سكون بعد سكون، و أما سبب التموج فإمساس عنيف، و هو القرع، أو تفريق عنيف، و هو القلع، و يرجع في تحقيق هذا إلى «كتبنا العقلية» .

حد الحرف:

المسألة الخامسة حد الحرف‏ : قال الشيخ الرئيس في حد الحرف: إنه هيئة عارضة للصوت يتميز بها عن صوت آخر مثله في الخفة و الثقل تميزا في المسموع.

43

حروف المد و اللين:

المسألة السادسة حروف المد و اللين‏ : الحروف إما مصوتة، و هي التي تسمى في النحو حروف المد و اللين، و لا يمكن الابتداء بها أو صامتة و هي ما عداها، أما المصوتة فلا شك أنها من الهيئات العارضة للصوت، و أما الصوامت فمنها ما لا يمكن تمديده كالباء و التاء و الدال و الطاء، و هي لا توجد/إلا في «الآن» الذي هو آخر زمان حبس النفس و أول زمان إرساله، و هي بالنسبة إلى الصوت كالنقطة بالنسبة إلى الخط و الآن بالنسبة إلى الزمان، و هذه الحروف ليست بأصوات و لا عوارض أصوات، و إنما هي أمور تحدث في مبدأ حدوث الأصوات، و تسميتها بالحروف حسنة لأن الحرف هو الطرف، و هذه الحروف أطراف الأصوات و مباديها، و من الصوامت ما يمكن تمديدها بحسب الظاهر، ثم هذه على قسمين: منها ما الظن الغالب أنها آنية الوجود في نفس الأمر، و إن كانت زمانية بحسب الحس، مثل الحاء و الخاء، فإن الظن أن هذه جاءت آنية متوالية كل واحد منها آتي الوجود في نفس الأمر، لكن الحس لا يشعر بامتياز بعضها عن بعض فيظنها حرفا واحدا زمانيا، و منها ما الظن الغالب كونها زمانية في الحقيقة كالسين و الشين، فإنها هيئات عارضة للصوت مستمرة باستمراره.

المسألة السابعة: الحرف لا بد و أن يكون إما ساكنا أو متحركا، و لا نريد به حلول الحركة و السكون فيه، لأنهما من صفات الأجسام، بل المراد أنه يوجد عقيب الصامت بصوت مخصوص.

المسألة الثامنة: الحركات أبعاض المصوتات، و الدليل عليه أن هذه المصوتات قابلة للزيادة و النقصان و لا طرف في جانب النقصان إلا هذه الحركات، و لأن هذه الحركات إذا مدت حدثت المصوتات و ذلك يدل على قولنا.

المسألة التاسعة: الصامت سابق على المصوت المقصور الذي يسمى بالحركة، بدليل أن التكلم بهذه الحركات موقوف على التكلم بالصامت، فلو كانت هذه الحركات سابقة على هذه الصوامت لزم الدور، و هو محال.

الكلام حادث لا قديم:

المسألة العاشرة الكلام حادث لا قديم‏ : الكلام الذي هو متركب من الحروف و الأصوات فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديما لوجهين: الأول: أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية فالسابق المنقضي محدث، لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه، و الآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث، و الثاني: أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة، لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معا لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها، و لو حصلت على التعاقب كانت حادثة، و احتج القائلون بقدم الحروف بالعقل و النقل: أما العقل فهو أن لكل واحد من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها، و الماهيات لا تقبل/الزوال و لا العدم، فكانت قديمة، و أما النقل فهو أن كلام اللّه قديم، و كلام اللّه ليس إلا هذه الحروف، فوجب القول بقدم هذه الحروف، أما أن كلام اللّه قديم فلأن الكلام صفة كمال و عدمه صفة نقص، فلو لم يكن كلام اللّه قديما لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصا ثم صار فيما لا يزال كاملا، و ذلك بإجماع المسلمين باطل، و إنما قلنا إن كلام اللّه تعالى ليس‏

44

إلا هذه الحروف لوجوه: أحدها: قوله تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجََارَكَ فَأَجِرْهُ حَتََّى يَسْمَعَ كَلاََمَ اَللََّهِ [التوبة: 6]و معلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام اللّه، و ثانيها: أن من حلف على سماع كلام اللّه تعالى فإنه يتعلق البر و الحنث بسماع هذه الحروف، و ثالثها: أنه نقل بالتواتر إلينا

أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يقول: «إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام اللّه»

فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد عليه الصلاة و السلام فيلزمه الكفر. و الجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ماهية، فيلزمكم قدم الكل، و عن الثاني أن ما ذكرتم من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلا.

وصف كلام اللّه تعالى بالقدم:

المسألة الحادية عشرة وصف كلام اللّه تعالى بالقدم‏ : إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية و الأصوات المتعاقبة إنها كلام اللّه تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات اللّه تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز، و أما حديث الحنث و البر فذلك لأن مبنى الأيمان على العرف، و إذا قلنا: كلام اللّه قديم، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ و العبارات. و إذا قلنا: كلام اللّه معجزة لمحمد صلى اللّه عليه و سلم، عنينا به هذه الحروف و هذه الأصوات التي هي حادثة، فإن القديم كان موجودا قبل محمد عليه الصلاة و السلام فكيف يكون معجزة له؟و إذا قلنا: كلام اللّه سور و آيات، عنينا به هذه الحروف، و إذا قلنا: كلام اللّه فصيح، عنينا به هذه الألفاظ، و إذا شرعنا في تفسير كلام اللّه تعالى عنينا به أيضا هذه الألفاظ.

الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام اللّه:

المسألة الثانية عشرة الأصوات التي نقرأ بها ليس كلام اللّه‏ : زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام اللّه تعالى، و هذا باطل، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف و الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه و أصواته، فلو قلنا بأنها عين كلام اللّه تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات اللّه تعالى و حالة في بدن هذا الإنسان، و هذا معلوم الفساد بالضرورة، و أيضا فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح، و زعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام، و مع ذلك فهي صفة للّه تعالى، و غير زائلة عنه، و هذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام اللّه تعالى حال في لسان هذا الإنسان/مع أنه غير زائل عن ذات اللّه تعالى، و لا فرق بين القولين، إلا أن النصارى قالوا بهذا القول في حق عيسى وحده، و هؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب.

المسألة الثالثة عشرة: قالت الكرامية: الكلام اسم للقدرة على القول، بدليل أن القادر على النطق يقال إنه متكلم، و إن لم يكن في الحال مشتغلا بالقول، و أيضا فضد الكلام هو الخرس، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة على القول، و إذا ثبت هذا فهم يقولون: إن كلام اللّه تعالى قديم، بمعنى أن قدرته على القول قديمة، أما القول فإنه حادث، هذا تفصيل قولهم و قد أبطلناه.

خلاف الحشوية و الأشعرية في صفة القرآن:

المسألة الرابعة عشرة خلاف الحشوية و الأشعرية في صفة القرآن‏ : قالت الحشوية للأشعرية: إن كان مرادكم من قولكم: «إن القرآن قديم» هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات و المحرمات وجب أن يكون كل كتاب صنف في الدنيا

45

قديما، لأن ذلك الكتاب له مدلول و مفهوم، و كلام اللّه سبحانه و تعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبرا عن مدلولات ذلك الكتاب فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن و بين سائر كتب الفحش و الهجو في كونه قديما بهذا التفسير، و إن كان المراد من كونه قديما وجها آخر سوى ذلك فلا بد من بيانه. و الجواب أنا لا نلتزم كون كلامه تعالى متعلقا بجميع المخبرات، و على هذا التقدير فيسقط هذا السؤال.

و اعلم أنا لا نقول: إن كلامه لا يتعلق بجميع المخبرات لكونها كذبا، و الكذب في كلام اللّه محال، لأنه تعالى لما أخبر أن أقواما أخبروا عن تلك الأكاذيب و الفحشيات فهذا لا يكون كذبا، و إنما يمنع منه لأمر يرجع إلى تنزيه اللّه تعالى عن النقائص، و الأخبار عن هذه الفحشيات و السخفيات يجري مجرى النقص، و هو على اللّه محال. و اعلم أن مباحث الحرف و الصوت و تشريح العضلات الفاعلات للحروف و ذكر الإشكالات المذكورة في قدم القرآن أمور صعبة دقيقة، فالأولى الاكتفاء بما ذكرناه، و اللّه أعلم بالصواب.

الباب الثالث في المباحث المتعلقة بالاسم و الفعل و الحرف، و فيه مسائل‏

المسألة الأولى: اعلم أن تقسيم الكلمة إلى هذه الأنواع الثلاثة يمكن إيراده من وجهين: الأول: أن الكلمة إما أن يصح الأخبار عنها و بها، و هي الاسم، و إما أن لا يصح الأخبار عنها، لكن يصح الأخبار بها، و هي الفعل، و إما أن لا يصح الأخبار عنها و لا بها، و هو/الحرف و اعلم أن هذا التقسيم مبني على أن الحرف و الفعل لا يصح الأخبار عنهما، و على أن الاسم يصح الأخبار عنه، فلنذكر البحثين في مسألتين.

الكلمة اسم و فعل و حرف:

المسألة الثانية الكلمة اسم و فعل و حرف‏ : اتفق النحويون على أن الفعل و الحرف لا يصح الأخبار عنهما، قالوا: لأنه لا يجوز أن يقال: ضرب قتل، و لقائل أن يقول المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم العام، و أيضا فإنه لا يصح أن يقال:

جدار سماء، و لم يدل ذلك على أن الاسم لا يصح الأخبار عنه و به، لأجل أن المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم العام، فكذا هاهنا، ثم قيل، الذي يدل على صحة الأخبار عن الفعل و الحرف وجوه: الأول: أنا إذا أخبرنا عن «ضرب يضرب أضرب» بأنها أفعال فالمخبر عنه في هذا الخبر إما أن يكون اسما أو فعلا أو حرفا، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذبا، و ليس كذلك، و إن كان الثاني كان الفعل من حيث إنه فعل مخبرا عنه، فإن قالوا: المخبر عنه بهذا الخبر هو هذه الصيغ، و هي أسماء قلنا: هذا السؤال ركيك، لأنه على هذا التقدير يكون المخبر عنه بأنه فعل اسما، فرجع حاصل هذا السؤال إلى القسم الأول من القسمين المذكورين في أول هذا الإشكال، و قد أبطلناه، الثاني: إذا أخبرنا عن الفعل و الحرف بأنه ليس باسم فالتقدير عين ما تقدم، الثالث: أن قولنا: «الفعل لا يخبر عنه» إخبار عنه بأنه لا يخبر عنه، و ذلك متناقض، فإن قالوا: المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه هو هذا اللفظ، فنقول: قد أجبنا على هذا السؤال، فإنا نقول: المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه إن كان اسما فهو باطل لأن كل اسم مخبر عنه، و أقل درجاته أن يخبر عنه بأنه اسم، و إن كان فعلا فقد صار الفعل مخبرا عنه.

الرابع: الفعل من حيث هو فعل و الحرف من حيث هو حرف ماهية معلومة متميزة عما عداها، و كل ما كان‏

46

كذلك صح الأخبار عنه بكونه ممتازا عن غيره، فإذا أخبرنا عن الفعل من حيث هو فعل بأنه ماهية ممتازة عن الاسم فقد أخبرنا عنه بهذا الامتياز، الخامس: الفعل إما أن يكون عبارة عن الصيغة الدالة على المعنى المخصوص، و إما أن يكون عبارة عن ذلك المعنى المخصوص الذي هو مدلول لهذه الصيغة، فإن كان الأول فقد أخبرنا عنه بكونه دليلا على المعنى، و إن كان الثاني فقد أخبرنا عنه بكونه مدلولا لتلك الصيغة، فهذه سؤالات صعبة في هذا المقام.

المسألة الثالثة: طعن قوم في قولهم: «الاسم ما يصح الأخبار عنه» بأن قالوا: لفظة «أين و كيف و إذا» أسماء مع أنه لا يصح الأخبار عنها، و أجاب عبد القاهر النحوي عنه بأنا إذا قلنا: «الاسم ما جاز الأخبار عنه» أردنا به ما جاز الأخبار عن معناه، و يصح الأخبار عن معنى/إذا لأنك إذا قلت: آتيك إذا طلعت الشمس، كان المعنى آتيك وقت طلوع الشمس، و الوقت يصح الأخبار عنه، بدليل أنك تقول: طاب الوقت، و أقول هذا العذر ضعيف، لأن «إذا» ليس معناه الوقت فقط، بل معناه الوقت حال ما تجعله ظرفا لشي‏ء آخر، و الوقت حال ما جعل ظرفا لحادث آخر فإنه لا يمكن الأخبار عنه ألبتة، فإن قالوا لما كان أحد أجزاء ماهيته اسما وجب كونه اسما، فنقول: هذا باطل، لأنه إن كفى هذا القدر في كونه اسما وجب أن يكون الفعل اسما، لأن الفعل أحد أجزاء ماهيته المصدر، و هو اسم، و لما كان هذا باطلا فكذا ما قالوه.

المسألة الرابعة: في تقرير النوع الثاني من تقسيم الكلمة أن تقول: الكلمة إما أن يكون معناها مستقلا بالمعلومية أو لا يكون، و الثاني: هو الحرف، أما الأول: فإما أن يدل ذلك اللفظ على الزمان المعين لمعناه، و هو الفعل، أو لا يدل و هو الاسم، و في هذا القسم سؤالات نذكرها في حد الاسم و الفعل.

تعريف الاسم:

المسألة الخامسة تعريف الاسم‏ : في تعريف الاسم: الناس ذكروا فيه وجوها، التعريف الأول: أن الاسم هو الذي يصح الأخبار عن معناه، و اعلم أن صحة الأخبار عن ماهية الشي‏ء حكم يحصل له بعد تمام ماهيته فيكون هذا التعريف من باب الرسوم لا من باب الحدود، و الأشكال عليه من وجهين: الأول: أن الفعل و الحرف يصح الأخبار عنهما، و الثاني: أن «إذا و كيف و أين» لا يصح الأخبار عنها و قد سبق تقرير هذين السؤالين.

التعريف الثاني: أن الاسم هو الذي يصح أن يأتي فاعلا أو مفعولا أو مضافا، و اعلم أن حاصله يرجع إلى أن الاسم هو الذي يصح الأخبار عنه.

و التعريف الثالث: أن الاسم كلمة تستحق الإعراب في أول الوضع، و هذا أيضا رسم، لأن صحة الإعراب حالة طارئة على الاسم بعد تمام الماهية، و قولنا في أول الوضع احتراز عن شيئين: أحدهما: المبنيات، فإنها لا تقبل الإعراب بسبب مناسبة بينها و بين الحروف، و لولا هذه المناسبة لقبلت الإعراب، و الثاني: أن المضارع معرب لكن لا لذاته بل بسبب كونه مشابها للاسم، و هذا التعريف أيضا ضعيف.

التعريف الرابع: قال الزمخشري في «المفصل» : الاسم ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الاقتران. و اعلم أن هذا التعريف مختل من وجوه: الأول: أنه قال في تعريف الكلمة أنها اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع، ثم ذكر فيما كتب من حواشي «المفصل» أنه إنما وجب/ذكر اللفظ لأنا لو قلنا: «الكلمة هي‏

47

الدالة على المعنى» لانتقض بالعقد و الخط و الإشارة كذلك، مع أنها ليست أسماء. و الثاني: أن الضمير في قوله: «في نفسه» إما أن يكون عائدا إلى الدال، أو إلى المدلول، أو إلى شي‏ء ثالث، فإن عاد إلى الدال صار التقدير الاسم ما دل على معنى حصل في الاسم، فيصير المعنى الاسم ما دل على معنى هو مدلوله، و هذا عبث، ثم مع ذلك فينتقض بالحرف و الفعل، فإنه لفظ يدل على مدلوله، و إن عاد إلى المدلول صار التقدير الاسم ما دل على معنى حاصل في نفس ذلك المعنى، و ذلك يقتضي كون الشي‏ء حاصلا في نفسه، و هو محال، فإن قالوا معنى كونه حاصلا في نفسه أنه ليس حاصلا في غيره، فنقول: فعلى هذا التفسير ينتقض الحد بأسماء الصفات و النسب، فإن تلك المسميات حاصلة في غيرها.

التعريف الخامس: أن يقال: الاسم كلمة دالة على معنى مستقل بالمعلومية من غير أن يدل على الزمان المعين الذي وقع فيه ذلك المعنى، و إنما ذكرنا الكلمة ليخرج الخط و العقد و الإشارة فإن قالوا: لم لم يقولوا لفظة دالة على كذا و كذا؟قلنا: لأنا جعلنا اللفظ جنسا للكلمة، و الكلمة جنس للاسم، و المذكور في الحد هو الجنس القريب لا البعيد، و أما شرط الاستقلال بالمعلومية فقيل: إنه باطل طردا و عكسا، أما الطرد فمن وجوه.

الأول: أن كل ما كان معلوما فإنه لا بد و أن يكون مستقلا بالمعلومية لأن الشي‏ء ما لم تتصور ماهيته امتنع أن يتصور مع غيره، و إذا كان تصوره في نفسه متقدما على تصوره مع غيره كان مستقلا بالمعلومية، الثاني: أن مفهوم الحرف يستقل بأن يعلم كونه غير مستقل بالمعلومية، و ذلك استقلال. الثالث: أن النحويين اتفقوا على أن «الباء» تفيد الإلصاق، و «من» تفيد التبعيض، فمعنى الإلصاق إن كان مستقلا بالمعلومية وجب أن يكون المفهوم من الباء مستقلا بالمعلومية فيصير الحرف اسما، ، و إن كان غير مستقل بالمعلومية كان المفهوم من الإلصاق غير مستقل بالمعلومية، فيصير الاسم حرفا، و أما العكس فهو أن قولنا: «كم و كيف و متى و إذا» و ما الاستفهامية و الشرطية كلها أسام مع أن مفهوماتها غير مستقلة، و كذلك الموصولات. الثالث: أن قولنا: «من غير دلالة على زمان ذلك المعنى» يشكل بلفظ الزمان و بالغد و باليوم و بالاصطباح و بالاغتباق، و الجواب عن السؤال الأول: أنا ندرك تفرقة بين قولنا الإلصاق و بين حرف الباء في قولنا: «كتبت بالقلم» فنريد بالاستقلال هذا القدر. فأما لفظ الزمان و اليوم و الغد فجوابه أن مسمى هذه الألفاظ نفس الزمان، و لا دلالة منها على زمان آخر لمسماه. و أما الاصطباح و الاغتباق فجزؤه الزمان، و الفعل هو الذي يدل على زمان خارج عن/المسمى، و الذي يدل على ما تقدم قولهم: اغتبق يغتبق، فأدخلوا الماضي و المستقبل على الاصطباح و الاغتباق.

علامات الاسم:

المسألة السادسة علامات الاسم‏ : علامات الاسم إما أن تكون لفظية أو معنوية، فاللفظية إما أن تحصل في أول الاسم، و هو حرف تعريف، أو حرف جر، أو في حشوه كياء التصغير، و حرف التكسير، أو في آخره كحرفي التثنية و الجمع. و أما المعنوية فهي كونه موصوفا، و صفة، و فاعلا، و مفعولا، و مضافا إليه، و مخبرا عنه، و مستحقا للإعراب بأصل الوضع.

تعريفات الفعل:

المسألة السابعة تعريفات الفعل‏ : ذكروا للفعل تعريفات: التعريف الأول: قال سيبويه إنها أمثلة أخذت من لفظ أحداث‏

48

الأسماء، و ينتقض بلفظ الفاعل و المفعول.

التعريف الثاني: أنه الذي أسند إلى شي‏ء و لا يستند إليه شي‏ء و ينتقض بإذا و كيف، فإن هذه الأسماء يجب إسنادها إلى شي‏ء آخر، و يمتنع استناد شي‏ء آخر إليها.

التعريف الثالث: قال الزمخشري: الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان، و هو ضعيف لوجهين: الأول:

أنه يجب أن يقال: «كلمة دالة على اقتران حدث بزمان» و إنما يجب ذكر الكلمة لوجوه: أحدها: أنا لو لم نقل بذلك لا لانتقض بقولنا اقتران حدث بزمان فإن مجموع هذه الألفاظ دال على اقتران حدث بزمان مع أن هذا المجموع ليس بفعل، أما إذا قيدناه بالكلمة اندفع هذا السؤال، لأن مجموع هذه الألفاظ ليس كلمة واحدة.

و ثانيها: أنا لو لم نذكر ذلك لا لانتقض بالخط و العقد و الإشارة، و ثالثها: أن الكلمة لما كانت كالجنس القريب لهذه الثلاثة فالجنس القريب واجب الذكر في الحد. الوجه الثاني ما نذكره بعد ذلك.

التعريف الرابع: الفعل كلمة دالة على ثبوت المصدر لشي‏ء غير معين في زمان معين، و إنما قلنا كلمة لأنها هي الجنس القريب، و إنما قلنا دالة على ثبوت المصدر و لم نقل دالة على ثبوت شي‏ء لأن المصدر قد يكون أمرا ثابتا كقولنا ضرب و قتل و قد يكون عدميا مثل فني و عدم فإن مصدرهما الفناء و العدم، و إنما قلنا بشي‏ء غير معين لأنا سنقيم الدليل على أن هذا المقدار معتبر، و إنما قلنا في زمان معين احترازا عن الأسماء. و اعلم أن في هذه القيود مباحثات: القيد الأول: هو قولنا: «يدل على ثبوت المصدر لشي‏ء» فيه إشكالات: الأول: أنا إذا قلنا خلق اللّه العالم فقولنا خلق إما أن يدل على ثبوت الخلق للّه سبحانه و تعالى أو لا يدل، فإن لم يدل بطل ذلك القيد، و إن دل فذلك الخلق يجب أن يكون مغايرا للمخلوق، و هو إن كان محدثا افتقر إلى خلق آخر و لزم التسلسل، و إن كان قديما لزم قدم المخلوق. و الثاني: /إنا إذا قلنا وجد الشي‏ء فهل دل ذلك على حصول الوجود لشي‏ء أو لم يدل؟فإن لم يدل بطل هذا القيد، و إن دل لزم أن يكون الوجود حاصلا لشي‏ء غيره، و ذلك الغير يجب أن يكون حاصلا في نفسه لأن ما لا حصول له في نفسه امتنع حصول غيره له، فيلزم أن يكون حصول الوجود له مسبوقا بحصول آخر إلى غير النهاية، و هو محال. و الثالث: إذا قلنا عدم الشي‏ء و فني فهذا يقتضي حصول العدم و حصول الفناء لتلك الماهية، و ذلك محال، لأن العدم و الفناء نفي محض فكيف يعقل حصولهما لغيرهما و الرابع: إن على تقدير أن يكون الوجود زائدا على الماهية فإنه يصدق قولنا: «إنه حصل الوجود لهذه الماهية» فيلزم حصول وجود آخر لذلك الوجود إلى غير نهاية، و هو محال، و أما على تقدير أن يكون الوجود نفس الماهية فإن قولنا: حدث الشي‏ء و حصل فإنه لا يقتضي حصول وجود لذلك الشي‏ء، و إلا لزم أن يكون الوجود زائدا على الماهية، و نحن الآن إنما نتكلم على تقدير أن الوجود نفس الماهية.

و أما القيد الثاني: و هو قولنا: «في زمان معين» ففيه سؤالات أحدها: أنا إذا قلنا: «وجد الزمان» أو قلنا:

«فني الزمان» فهذا يقتضي حصول الزمان في زمان آخر، و لزم التسلسل، فإن قالوا: يكفي في صحة هذا الحد كون الزمان واقعا في زمان آخر بحسب الوهم الكاذب، قلنا: الناس أجمعوا على أن قولنا حدث الزمان و حصل بعد أن كان معدوما كلام حق ليس فيه باطل و لا كذب، و لو كان الأمر كما قلتم لزم كونه باطلا و كذبا، و ثانيها:

أنا إذا قلنا: كان العالم معدوما في الأزل، فقولنا: كان فعل فلو أشعر ذلك بحصول الزمان لزم حصول الزمان في الأزل، و هو محال، فإن قالوا: ذلك الزمان مقدر لا محقق، قلنا التقدير الذهني إن طابق الخارج عاد

49

السؤال، و إن لم يطابق كان كذبا، و لزم فساد الحد، و ثالثها: إنا إذا قلنا: كان اللّه موجودا في الأزل، فهذا يقتضي كون اللّه زمانيا، و هو محال، و رابعها أنه ينتقض بالأفعال الناقصة، فإن كان الناقصة إما أن تدل على وقوع حدث في زمان أو لا تدل: فإن دلت كان تاما لا ناقصا، لأنه متى دل اللفظ على حصول حدث في زمان معين كان هذا كلاما تاما لا ناقصا، و إن لم يدل وجب أن لا يكون فعلا، و خامسها أنه يبطل بأسماء الأفعال، فإنها تدل على ألفاظ دالة على الزمان المعين، و الدال على الدال على الشي‏ء دال على ذلك الشي‏ء فهذه الأسماء دالة على الزمان المعين، و سادسها أن اسم الفاعل يتناول إما الحال و إما الاستقبال و لا يتناول الماضي ألبتة، فهو دال على الزمان المعين، و الجواب أما السؤالات الأربعة المذكورة على قولنا: «الفعل يدل على ثبوت المصدر لشي‏ء» و الثلاثة المذكورة على قولنا/ «الفعل يدل على الزمان» فجوابها أن اللغوي يكفي في علمه تصور المفهوم، سواء كان حقا أو باطلا، و أما قوله: «يشكل هذا الحد بالأفعال الناقصة» قلنا: الذي أقول به و أذهب إليه أن لفظة كان تامة مطلقا، إلا أن الاسم الذي يسند إليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل قولنا: كان الشي‏ء، بمعنى حدث و حصل، و قد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية شي‏ء لشي‏ء آخر مثل قولنا: كان زيد منطلقا، فإن معناه حدوث موصوفية زيد بالانطلاق فلفظ كان هاهنا معناه أيضا الحدوث و الوقوع، إلا أن هذه الماهية لما كانت من باب النسب، و النسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين، لا جرم وجب ذكرهما هاهنا، فكما أن قولنا: كان زيد، معناه أنه حصل و وجد، فكذا قولنا: كان زيد منطلقا، معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق، و هذا بحث عميق عجيب دقيق غفل الأولون عنه، و قوله: «خامسا: يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال» قلنا المعتبر في كون اللفظ فعلا دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة، و قوله: «سادسا: اسم الفاعل مختص بالحال و الاستقبال» قلنا: لا نسلم، بدليل أنهم قالوا: إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل، و إذا كان بمعنى الحال فإنه يعمل عمل الفعل.

المسألة الثامنة: الكلمة إما أن يكون معناها مستقلا بالمعلومية، أو لا يكون، و هذا الأخير هو الحرف، فامتياز الحرف عن الاسم و الفعل بقيد عدمي، ثم نقول: و المستقل بالمعلومية إما أن يدل على الزمان المعين لذلك المسمى، أو لا يدل، و الذي لا يدل هو الاسم، فامتاز الاسم عن الفعل بقيد عدمي، و أما الفعل فإن ماهيته متركبة من القيود الوجودية.

هل يدل الفعل على الفاعل المبهم المسألة التاسعة هل يدل الفعل على الفاعل المبهم‏ : إذا قلنا: ضرب، فهو يدل على صدور الضرب عن شي‏ء ما إلا أن ذلك الشي‏ء غير مذكور على التعيين، بحسب هذا اللفظ، فإن قالوا: هذا محال، و يدل عليه وجهان: الأول أنه لو كان كذلك لكانت صيغة الفعل وحدها محتملة للتصديق و التكذيب، الثاني أنها لو دلت على استناد الضرب إلى شي‏ء مبهم في نفس الأمر وجب أن يمتنع إسناده إلى شي‏ء معين، و إلا لزم التناقض، و لو دلت على استناد الضرب إلى شي‏ء معين فهو باطل، لأنا نعلم بالضرورة أن مجرد قولنا ضرب ما وضع لاستناد الضرب إلى زيد بعينه أو عمرو بعينه، و الجواب عن هذين السؤالين بجواب واحد، و هو أن ضرب صيغة غير موضوعة لإسناد الضرب إلى شي‏ء مبهم في نفس الأمر، بل وضعت لإسناده إلى شي‏ء معين يذكره ذلك القائل فقبل أن يذكره القائل لا يكون الكلام تاما و لا محتملا للتصديق و التكذيب، و على هذا التقدير فالسؤال زائل.

50

المسألة العاشرة: قالوا الحرف ما جاء لمعنى في غيره، و هذه لفظ مبهم، لأنهم إن أرادوا معنى الحرف أن الحرف ما دل على معنى يكون المعنى حاصلا في غيره و حاصلا في غيره لزمهم أن تكون أسماء الأعراض و الصفات كلها حروفا، و إن أرادوا به أنه الذي دل على معنى يكون مدلول ذلك اللفظ غير ذلك المعنى فهذا ظاهر الفساد، و إن أرادوا به معنى ثالثا فلا بد من بيانه.

المسألة الحادية عشرة: التركيبات الممكنة من هذه الثلاثة ستة: الاسم مع الاسم، و هو الجملة الحاصلة من المبتدأ و الخبر، و الاسم مع الفعل، و هو الجملة الحاصلة من الفعل و الفاعل و هاتان الجملتان مفيدتان بالاتفاق، و أما الثالث-و هو الاسم مع الحرف-فقيل: إنه يفيد في صورتين.

الصورة الأولى: قولك: «يا زيد» فقيل: ذلك إنما أفاد لأن قولنا يا زيد في تقدير أنادي و احتجوا على صحة قولهم بوجهين: الأول أن لفظ يا تدخله الإمالة و دخول الإمالة لا يكون إلا في الاسم أو الفعل، و الثاني أن لام الجر تتعلق بها فيقال: «يا لزيد» فإن هذه اللام لام الاستغاثة و هي حرف جر، و لو لم يكن قولنا يا قائمة مقام الفعل و إلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر، لأن الحرف لا يدخل على الحرف، و منهم من أنكر أن يكون يا بمعنى أنادي و احتج عليه بوجوه: الأول إن قوله أنادي إخبار عن النداء، و الإخبار عن الشي‏ء مغاير للمخبر عنه، فوجب أن يكون قولنا أنادي زيدا مغايرا لقولنا يا زيد، الثاني أن قولنا أنادي زيدا كلام محتمل للتصديق و التكذيب و قولنا يا زيد لا يحتملهما، الثالث أن قولنا يا زيد ليس خطابا إلا مع المنادى، و قولنا أنادي زيدا غير مختص بالمنادي. الرابع أن قولنا يا زيد يدل على حصول النداء في الحال، و قولنا أنادي زيدا لا يدل على اختصاصه بالحال، الخامس أنه يصح أن يقال أنادي زيدا قائما، و لا يصح أن يقال يا زيد قائما، فدلت هذه الوجوه الخمسة على حصول التفرقة بين هذين اللفظين.

الصورة الثانية: قولنا: «زيد في الدار» فقولنا زيد مبتدأ و الخبر هو ما دل عليه قولنا في إلا أن المفهوم من معنى الظرفية قد يكون في الدار أو في المسجد، فأضيفت هذه الظرفية إلى الدار لتتميز هذه الظرفية عن سائر أنواعها، فإن قالوا: هذا الكلام إنما أفاد لأن التقدير زيد استقر في الدار و زيد مستقر في الدار، فنقول: هذا باطل، لأن قولنا استقر معناه حصل في الاستقرار فكان قولنا فيه يفيد حصولا آخر، و هو أنه حصل فيه حصول ذلك الاستقرار و ذلك يفضي إلى التسلسل و هو محال، ثبت أن قولنا زيد في الدار كلام تام و لا يمكن تعليقه بفعل مقدر مضمر.

المسألة الثانية عشرة: الجملة المركبة إما أن تكون مركبة تركيبا أوليا أو ثانويا، أما المركبة تركيبا أوليا فهي الجملة الاسمية أو الفعلية، و الأشبه أن الجملة الاسمية أقدم في الرتبة من الجملة الفعلية لأن الاسم بسيط و الفعل مركب، و البسيط مقدم على المركب، فالجملة الاسمية يجب أن تكون أقدم من الجملة الفعلية، و يمكن أن يقال: بل الفعلية أقدم، لأن الاسم غير أصيل في أن يسند إلى غيره، فكانت الجملة الفعلية أقدم من الجملة الاسمية، و أما المركبة تركيبا ثانويا فهي الجملة الشرطية كقولك: «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» لأن قولك: «الشمس طالعة» جملة و قولك: «النهار موجود» جملة أخرى، ثم أدخلت حرف الشرط في إحدى الجملتين، و حرف الجزاء في الجملة الأخرى، فحصل من مجموعهما جملة واحدة، و اللّه سبحانه و تعالى أعلم.

51
الباب الرابع في تقسيمات الاسم إلى أنواعه، و هي من وجوه‏

أنواع الاسم التقسيم الأول‏ أنواع الاسم‏ إما أن يكون نفس تصور معناه مانعا من الشركة، أو لا يكون، فإن كان الأول، فإما أن يكون مظهرا، و هو العلم، و إما أن يكون مضمرا، و هو معلوم، و أما إذا لم يكن مانعا من الشركة فالمفهوم منه:

إما أن يكون ماهية معينة، و هو أسماء الأجناس، و إما أن يكون مفهومه أنه شي‏ء ما موصوف بالصفة الفلانية، و هو المشتق، كقولنا أسود، فإن مفهومه أنه شي‏ء ماله سواد. فثبت بما ذكرناه أن الاسم جنس تحته أنواع ثلاثة:

أسماء الأعلام، و أسماء الأجناس، و الأسماء المشتقة، فلنذكر أحكام هذه الأقسام.

أحكام الأعلام‏

النوع الأول: أحكام الأعلام، و هي كثيرة: الحكم الأول قال المتكلمون: اسم العلم لا يفيد فائدة أصلا، و أقول: حق أن العلم لا يفيد صفة في المسمى. و أما ليس بحق أنه لا يفيد شيئا، و كيف و هو يفيد تعريف تلك الذات المخصوصة؟ الحكم الثاني اتفقوا على أن الأجناس لها أعلام، فقولنا: «أسد» اسم جنس لهذه الحقيقة، و قولنا: «أسامة» اسم علم لهذه الحقيقة، و كذلك قولنا: «ثعلب» اسم جنس لهذه الحقيقة، و قولنا: «ثعالة» اسم علم لها و أقول: الفرق بين اسم الجنس و بين علم الجنس من وجهين: الأول: إن اسم العلم هو الذي يفيد الشخص المعين من حيث إنه ذلك المعين، فإذا سمينا أشخاصا كثيرين باسم زيد فليس ذلك لأجل أن قولنا: «زيد» موضوع لإفادة القدر المشترك بين تلك الأشخاص، بل لأجل أن لفظ زيد وضع لتعريف هذه الذات من حيث أنها هذه، و لتعريف تلك من حيث إنها تلك على/سبيل الاشتراك، إذا عرفت هذا فنقول:

إذا قال الواضع: وضعت لفظ أسامة لإفادة ذات كل واحد من أشخاص الأسد بعينها من حيث هي هي على سبيل الاشتراك اللفظي، كان ذلك علم الجنس، و إذا قال: وضعت لفظ الأسد لإفادة الماهية التي هي القدر المشترك بين هذه الأشخاص فقط من غير أن يكون فيها دلالة على الشخص المعين، كان هذا اسم الجنس، فقد ظهر الفرق بين اسم الجنس و بين علم الجنس. الثاني: أنهم وجدوا أسامة اسما غير منصرف و قد تقرر عندهم أنه ما لم يحصل في الاسم شيئان لم يخرج عن الصرف، ثم وجدوا في هذا اللفظ التأنيث، و لم يجدوا شيئا آخر سوى العلمية، فاعتقدوا كونه علما لهذا المعنى.

الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام:

الحكم الثالث‏ الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام‏ : اعلم أن الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام أنه ربما اختص نوع بحكم و احتج إلى الأخبار عنه بذلك الحكم الخاص، و معلوم أن ذلك الأخبار على سبيل التخصيص غير ممكن إلا بعد ذكر المخبر عنه على سبيل الخصوص، فاحتج إلى وضع الأعلام لهذه الحكمة.

الحكم الرابع: أنه لما كانت الحاجات المختلفة تثبت لأشخاص الناس فوق ثبوتها لسائر الحيوانات،

52

لا جرم كان وضع الأعلام للأشخاص الإنسانية أكثر من وضعها لسائر الذوات.

العلم اسم و لقب و كنية:

الحكم الخامس‏ العلم اسم و لقب و كنية : في تقسيمات الأعلام، و هي من وجوه: الأول: اعلم إما أن يكون اسما كإبراهيم و موسى و عيسى، أو لقبا كإسرائيل، أو كنية كأبي لهب. و اعلم أن هذا التقسيم يتفرع عليه أحكام: الحكم الأول: الشي‏ء إما أن يكون له الاسم فقط، أو اللقب فقط، أو الكنية فقط، أو الاسم مع اللقب، أو الاسم مع الكنية، أو اللقب مع الكنية، و اعلم أن سيبويه أفرد أمثلة الأقسام المذكورة من تركيب الكنية و الاسم، و هي ثلاثة: أحدها: الذي له الاسم و الكنية كالضبع، فإن اسمها حضاجر، و كنيتها أم عامر، و كذلك يقال للأسد أسامة و أبو الحارث، و للثعلب ثعالة و أبو الحصين، و للعقرب شبوة و أم عريط. و ثانيها: أن يحصل له الاسم دون الكنية كقولنا قثم لذكر الضبع، و لا كنية له. و ثالثها: الذي حصلت له الكنية و لا اسم له، كقولنا للحيوان المعين أبو براقش. الحكم الثالث: الكنية قد تكون بالإضافات إلى الآباء، و إلى الأمهات، و إلى البنين، و إلى البنات، فالكنى بالآباء كما يقال للذئب أبو جعدة للأبيض، و أبو الجون، و أما الأمهات فكما يقال للداهية أم حبوكرى، و للخمر أم ليلى، و أما البنون فكما يقال للغراب ابن دأية، و للرجل الذي يكون حاله منكشفا ابن جلا، و أما البنات فكما يقال للصدى ابنة الجبل، و للحصاة بنت الأرض. الحكم الرابع: الإضافة في الكنية قد تكون مجهولة النسب نحو ابن عرس و حمار قبان و قد تكون معلومة النسب نحو ابن لبون و بنت لبون و ابن مخاض و بنت مخاض، لأن الناقة/إذا ولدت ولدا ثم حمل عليها بعد ولادتها فإنها لا تصير مخاضا إلا بعد سنة، و المخاض الحامل المقرب، فولدها إن كان ذكرا فهو ابن مخاض، و إن كان أنثى فهي بنت مخاض، ثم إذا ولدت و صار لها لبن صارت لبونا فأضيف الولد إليها بإضافة معلومة. الحكم الخامس: إذا اجتمع الاسم و اللقب: فالاسم إما أن يكون مضافا أو لا، فإن لم يكن مضافا أضيف الاسم إلى اللقب يقال هذا سعيد كرز و قيس بطة، لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد، و أما إن كان الاسم مضافا فهم يفردون اللقب فيقولون هذا عبد اللّه بطة.

السر في وضع الكنية:

الحكم السادس‏ السر في وضع الكنية : المقتضى لحصول الكنية أمور: أحدها: الأخبار عن نفس الأمر كقولنا أبو طالب، فإنه كني بابنه طالب، و ثانيها: التفاؤل و الرجا كقولهم أبو عمرو لمن يرجو ولدا يطول عمره، و أبو الفضل لمن يرجو ولدا جامعا للفضائل: و ثالثها: الإيماء إلى الضد كأبي يحيى للموت، و رابعها: أن يكون الرجل إنسانا مشهورا و له أب مشهور فيتقارضان الكنية فإن يوسف كنيته أبو يعقوب و يعقوب كنيته أبو يوسف، و خامسها: اشتهار الرجل بخصلة فيكنى بها إما بسبب اتصافه بها أو انتسابه إليها بوجه قريب أو بعيد.

التقسيم الثاني للأعلام:

التقسيم الثاني للأعلام: العلم إما أن يكون مفردا كزيد، أو مركبا من كلمتين لا علاقة بينهما كبعلبك، أو بينهما علاقة و هي: أما علاقة الإضافة كعبد اللّه و أبي زيد، أو علاقة الإسناد و هي إما جملة اسمية أو فعلية، و من فروع هذا الباب أنك إذا جعلت جملة اسم علم لم تغيرها ألبتة، بل تتركها بحالها مثل تأبط شرا و برق نحره.

التقسيم الثالث للأعلام:

التقسيم الثالث: العلم إما أن يكون منقولا أو مرتجلا، أما المنقول فإما أن يكون منقولا عن لفظ مفيد أو

53

غير مفيد، و المنقول من المفيد إما أن يكون منقولا عن الاسم، أو الفعل أو الحرف، أو ما يتركب منها، أما المنقول عن الاسم فإما أن يكون عن اسم عين: كأسد و ثور، أو عن اسم معنى: كفضل و نصر، أو صفة حقيقية: كالحسن، أو عن صفة إضافية كالمذكور و المردود، و المنقول عن الفعل إما أن يكون منقولا عن صيغة الماضي كشمر، أو عن صيغة المضارع كيحيى، أو عن الأمر كاطرقا، و المنقول عن الحرف كرجل سميته بصيغة من صيغ الحروف، و أما المنقول عن المركب من هذه الثلاثة فإن كان المركب مفيدا فهو المذكور في التقسيم الثاني، و إن كان غير مفيد فهو يفيد، و أما المنقول عن صوت فهو مثل تسمية بعض العلوية بطباطبا، و أما المرتجل فقد يكون قياسا مثل عمران و حمدان فإنهما من أسماء الأجناس مثل سرحان و ندمان، و قد يكون شاذا قلما يوجد له نظير مثل محبب و موهب.

التقسيم الرابع للأعلام:

التقسيم الرابع: الأعلام إما أن تكون للذوات أو المعاني، و على التقديرين فإما أن يكون العلم علم الشخص، أو علم الجنس، فههنا أقسام أربعة، و قبل الخوض في شرح هذه الأقسام فيجب أن تعلم أن وضع الأعلام للذوات أكثر من وضعها للمعاني، لأن أشخاص الذوات هي التي يتعلق الغرض بالأخبار عن أحوالها على سبيل التعيين، أما أشخاص الصفات فليست كذلك في الأغلب. و لنرجع إلى أحكام الأقسام الأربعة، فالقسم الأول: العلم للذوات و الشرط فيه أن يكون المسمى مألوفا للواضع، و الأصل في المألوفات الإنسان، لأن مستعمل أسماء الأعلام هو الإنسان، و إلف الشي‏ء بنوعه أتم من إلفه بغير نوعه، و بعد الإنسان الأشياء التي يكثر احتياج الإنسان إليها و تكثر مشاهدته لها، و لهذا السبب وضعوا أعوج و لا حقا علمين لفرسين، و شذ قما و عليا لفحلين، و ضمران لكلب، و كساب لكلبة، و أما الأشياء التي لا يألفها الإنسان فقلما يضعون الأعلام لأشخاصها، أما القسم الثاني: فهو علم الجنس للذوات، و هو مثل أسامة للأسد، و ثعالة للثعلب، و أما القسم الثالث: فهو وضع الأعلام للأفراد المعينة من الصفات، و هو مفقود لعدم الفائدة، و أما القسم الرابع: فهو علم الجنس للمعاني، و الضابط فيه أنا إذا رأينا حصول سبب واحد من الأسباب التسعة المانعة من الصرف ثم منعوه الصرف علمنا أنهم جعلوه علما لما ثبت أن المنع من الصرف لا يحصل إلا عند اجتماع سببين، و ذكر ابن جني أمثلة لهذا الباب، و هي تسميتهم التسبيح بسبحان، و الغدو بكيسان، لأنهما غير منصرفين، فالسبب الواحد-و هو الألف و النون-حاصل. و لا بد من حصول العلمية ليتم السببان.

التقسيم الخامس للأعلام:

التقسيم الخامس للأعلام: اعلم أن اسم الجنس قد ينقلب اسم علم. كما إذا كان المفهوم من اللفظ أمرا كليا صالحا لأن يشترك فيه كثيرون: ثم إنه في العرف يختص بشخص بعينه، مثل «النجم» فإنه في الأصل اسم لكل نجم، ثم اختص في العرف بالثريا، و كذلك «السماك» اسم مشتق من الارتفاع ثم اختص بكوكب معين.

54
الباب الخامس في أحكام أسماء الأجناس و الأسماء المشتقة، و هي كثيرة
أحكام اسم الجنس:

أما أحكام أسماء الأجناس فهي أمور: الحكم الأول: الماهية قد تكون مركبة، و قد تكون بسيطة، و قد ثبت في العقليات أن المركب قبل البسيط في الجنس، و أن/البسيط قبل المركب في الفصل، و ثبت بحسب الاستقراء أن قوة الجنس سابقة على قوة الفصل في الشدة و القوة، فوجب أن تكون أسماء الماهيات المركبة سابقة على أسماء الماهيات البسيطة.

الحكم الثاني في اسم الجنس:

الحكم الثاني: أسماء الأجناس سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقة، لأن الاسم المشتق متفرع على الاسم المشتق منه، فلو كان اسمه أيضا مشتقا لزم إما التسلسل أو الدور، و هما محالان، فيجب الانتهاء في الاشتقاقات إلى أسماء موضوعة جامدة، فالموضوع غني عن المشتق و المشتق محتاج إلى الموضوع، فوجب كون الموضوع سابقا بالرتبة على المشتق، و يظهر بهذا أن هذا الذي يعتاده اللغويون و النحويون من السعي البليغ في أن يجعلوا كل لفظ مشتقا من شي‏ء آخر سعي باطل و عمل ضائع.

الحكم الثالث في اسم الجنس:

الحكم الثالث: الموجود إما واجب و إما ممكن، و الممكن إما متحيز أو حال في المتحيز، أو لا متحيز و لا حال في المتحيز أما هذا القسم الثالث فالشعور به قليل، و إنما يحصل الشعور بالقسمين الأولين، ثم إنه ثبت بالدليل أن المتحيزات متساوية في تمام ذواتها، و أن الاختلاف بينها إنما يقع بسبب الصفات القائمة بها، فالأسماء الواقعة على كل واحد من أنواع الأجسام يكون المسمى بها مجموع الذات مع الصفات المخصوصة القائمة بها، هذا هو الحكم في الأكثر الأغلب.

أحكام الأسماء المشتقة
:

و أما أحكام الأسماء المشتقة فهي أربعة: الحكم الأول: ليس من شرط الاسم المشتق أن تكون الذات موصوفة بالمشتق منه، بدليل أن المعلوم مشتق من العلم، مع أن العلم غير قائم بالمعلوم. و كذا القول في المذكور و المرئي و المسموع، و كذا القول في اللائق و الرامي. الحكم الثاني: شرط صدق المشتق حصول المشتق منه في الحال، بدليل أن من كان كافرا ثم أسلم فإنه يصدق عليه أنه ليس بكافر. و ذلك يدل على أن بقاء المشتق منه شرط في صدق الاسم المشتق. الحكم الثالث: المشتق منه إن كان ماهية مركبة لا يمكن حصول أجزائها على الاجتماع، مثل الكلام و القول و الصلاة، فإن الاسم المشتق إنما يصدق على سبيل الحقيقة عند حصول الجزء الأخير من تلك الأجزاء. الحكم الرابع: المفهوم من الضارب أنه شي‏ء ماله ضرب، فأما أن ذلك الشي‏ء جسم أو غيره فذلك خارج عن المفهوم لا يعرف إلا بدلالة الالتزام.

55
الباب السادس في تقسيم الاسم إلى المعرب و المبني، و ذكر الأحكام المفرعة على هذين القسمين، و فيه مسائل‏

المسألة الأولى: في لفظ الأعراب وجهان: أحدهما: أن يكون مأخوذا من قولهم: «أعرب عن نفسه» إذا بين ما في ضميره، فإن الإعراب إيضاح المعنى، و الثاني: أن يكون أعرب منقولا من قولهم: «عربت معدة الرجل» إذا فسدت، فكان المراد من الإعراب إزالة الفساد و رفع الإبهام، مثل أعجمت الكتاب بمعنى أزلت عجمته.

المسألة الثانية: إذا وضع لفظ الماهية و كانت تلك الماهية موردا لأحوال مختلفة وجب أن يكون اللفظ موردا لأحوال مختلفة لتكون الأحوال المختلفة اللفظية دالة على الأحوال المختلفة المعنوية، كما أن جوهر اللفظ لما كان دالا على أصل الماهية كان اختلاف أحواله دالا على اختلاف الأحوال المعنوية، فتلك الأحوال المختلفة اللفظية الدالة على الأحوال المختلفة المعنوية هي الإعراب.

المسألة الثالثة: الأفعال و الحروف أحوال عارضة للماهيات، و العوارض لا تعرض لها عوارض أخرى، هذا هو الحكم الأكثري، و إنما الذي يعرض لها الأحوال المختلفة هي الذوات، و الألفاظ الدالة عليها هي الأسماء، فالمستحق للإعراب بالوضع الأول هو الأسماء.

المسألة الرابعة: إنما اختص الإعراب بالحرف الأخير من الكلمة لوجهين: الأول: أن الأحوال العارضة للذات لا توجد إلا بعد وجود الذات، و اللفظ لا يوجد إلا بعد وجود الحرف الأخير منه، فوجب أن تكون العلامات الدالة على الأحوال المختلفة المعنوية لا تحصل إلا بعد تمام الكلمة. الثاني: أن اختلاف حال الحرف الأول و الثاني من الكلمة للدلالة على اختلاف أوزان الكلمة، فلم يبق لقبول الأحوال الإعرابية إلا الحرف الأخير من الكلمة.

المسألة الخامسة: الإعراب ليس عبارة عن الحركات و السكنات الموجودة في أواخر الكلمات بدليل أنها موجودة في المبينات و الإعراب غير موجود فيها بل الإعراب عبارة عن استحقاقها لهذه الحركات بسبب العوامل المحسوسة، و ذلك الاستحقاق معقول لا محسوس، و الإعراب حاجة معقولة لا محسوسة.

المسألة السادسة: إذا قلنا في الحرف: إنه متحرك أو ساكن، فهو مجاز، لأن الحركة/و السكون من صفات الأجسام، و الحرف ليس بجسم، بل المراد من حركة الحرف صوت مخصوص يوجد عقيب التلفظ بالحرف، و السكون عبارة عن أن يوجد الحرف من غير أن يعقبه ذلك الصوت المخصوص المسمى بالحركة.

المسألة السابعة: الحركات إما صريحة أو مختلسة، و الصريحة إما مفردة أو غير مفردة فالمفردة ثلاثة و هي: الفتحة، و الكسرة، و الضمة، و غير المفردة ما كان بين بين، و هي ستة لكل واحدة قسمان، فللفتحة ما بينها و بين الكسرة أو ما بينها و بين الضمة، و للكسرة ما بينها و بين الضمة أو ما بينها و بين الفتحة، و الضمة على هذا القياس، فالمجموع تسعة. و هي أما مشبعة أو غير مشبعة، فهي ثمانية عشر، و التاسعة عشرة المختلسة، ـ

56

و هي ما تكون حركة و إن لم يتميز في الحس لها مبدأ، و تسمى الحركة المجهولة، و بها قرأ أبو عمرو فَتُوبُوا إِلى‏ََ بََارِئِكُمْ [البقرة: 54]مختلسة الحركة من بارئكم و غير ظاهرة بها.

المسألة الثامنة: لما كان المرجع بالحركة و السكون في هذا الباب إلى أصوات مخصوصة لم يجب القطع بانحصار الحركات في العدد المذكور، قال ابن جني اسم المفتاح بالفارسية-و هو كليد-لا يعرف أن أوله متحرك أو ساكن، قال: و حدثني أبو علي قال: دخلت بلدة فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل، فتعجبت منها و أقمت هناك أياما فتكلمت أيضا بها، فلما فارقت تلك البلدة نسيتها.

المسألة التاسعة: الحركة الإعرابية متأخرة عن الحرف تأخرا بالزمان، و يدل عليه وجهان: الأول: أن الحروف الصلبة كالباء و التاء و الدال و أمثالها إنما تحدث في آخر زمان حبس النفس و أول إرساله، و ذلك آن فاصل ما بين الزمانين غير منقسم، و الحركة صوت يحدث عند إرسال النفس، و معلوم أن ذلك الآن متقدم على ذلك الزمان فالحرف متقدم على الحركة. الثاني: أن الحروف الصلبة لا تقبل التمديد، و الحركة قابلة للتمديد، فالحرف و الحركة لا يوجدان معا لكن الحركة لا تتقدم على الحرف، فبقي أن يكون الحرف متقدما على الحركة.

المسألة العاشرة: الحركات أبعاض من حروف المد و اللين، و يدل عليه وجوه، الأول: أن حروف المد و اللين قابلة للزيادة و النقصان، و كل ما كان كذلك فله طرفان، و لا طرف لها في النقصان إلا هذه الحركات، الثاني: أن هذه الحركات إذا مددناها ظهرت حروف المد و اللين فعلمنا أن هذه الحركات ليست إلا أوائل تلك الحروف، الثالث: لو لم تكن الحركات أبعاضا لهذه الحروف لما جاز الاكتفاء بها لأنها إذا كانت مخالفة لها لم تسد مسدها فلم/يصح الاكتفاء بها منها بدليل استقراء القرآن و النثر و النظم، و بالجملة فهب أن إبدال الشي‏ء من مخالفة القريب منه جائز إلا أن إبدال الشي‏ء من بعضه أولى، فوجب حمل الكلام عليه.

الابتداء بالساكن:

المسألة الحادية عشرة الابتداء بالساكن‏ : الابتداء بالحرف الساكن محال عند قوم، و جائز عند آخرين، لأن الحركة عبارة عن الصوت الذي يحصل التلفظ به بعد التلفظ بالحرف، و توقيف الشي‏ء على ما يحصل بعده محال.

المسألة الثانية عشرة: أثقل الحركات الضمة، لأنها لا تتم إلا بضم الشفتين، و لا يتم ذلك إلا بعمل العضلتين الصلبتين الواصلتين إلى طرفي الشفة، و أما الكسرة فإنه يكفي في تحصيلها العضلة الواحدة الجارية، ثم الفتحة يكفي فيها عمل ضعيف لتلك العضلة، و كما دلت هذه المعالم التشريحية على ما ذكرناه فالتجربة تظهره أيضا، و اعلم أن الحال فيما ذكرناه يختلف بحسب أمزجة البلدان، فإن أهل أذربيجان يغلب على جميع ألفاظهم إشمام الضمة، و كثير من البلاد يغلب على لغاتهم إشمام الكسرة و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة عشرة: الحركات الثلاثة مع السكون إن كانت إعرابية سميت بالرفع و النصب و الجر أو الخفض و الجزم، و إن كانت بنائية سميت بالفتح و الضم و الكسر و الوقف.

المسألة الرابعة عشرة: ذهب قطرب إلى أن الحركات البنائية مثل الإعرابية، و الباقون خالفوه، و هذا الخلاف لفظي، فإن المراد من التماثل إن كان هو التماثل في الماهية فالحس يشهد بأن الأمر كذلك و إن كان‏

57

المراد حصول التماثل في كونها مستحقة بحسب العوامل المختلفة فالعقل يشهد أنه ليس كذلك.

المسألة الخامسة عشرة: من أراد أن يتلفظ بالضمة فإنه لا بد له من ضم شفتيه أولا ثم رفعهما ثانيا، و من أراد التلفظ بالفتحة فإنه لا بد له من فتح الفم بحيث تنتصب الشفة العليا عند ذلك الفتح، و من أراد التلفظ بالكسرة فإنه لا بد له من فتح الفم فتحا قويا و الفتح القوي لا يحصل إلا بانجرار اللحى الأسفل و انخفاضه، فلا جرم يسمى ذلك جرا و خفضا و كسرا لأن انجرار القوي يوجب الكسر، و أما الجزم فهو القطع. و أما أنه لم سمي وقفا و سكونا فعلته ظاهرة.

المسألة السادسة عشرة: منهم من زعم أن الفتح و الضم و الكسر و الوقف أسماء للأحوال البنائية، كما أن الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية، و منهم من جعل الأربعة الأول: أسماء تلك الأحوال سواء كانت بنائية أو إعرابية، و جعل الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية، فتكون الأربعة الأولى بالنسبة إلى الأربعة الثانية كالجنس بالنسبة إلى النوع.

المسألة السابعة عشر: أن سيبويه يسميها بالمجاري، و يقول: هي ثمانية و فيه سؤالان: الأول: لم سمى الحركات بالمجاري فإن الحركة نفسها الجري، و المجرى موضع الجري، فالحركة لا تكون مجرى؟و جوابه أنا بينا أن الذي يسمى هاهنا بالحركة فهو في نفسه ليس بحركة إنما هو صوت يتلفظ به بعد التلفظ بالحرف الأول، فالمتكلم لما انتقل من الحرف الصامت إلى هذا الحرف فهذا الحرف المصوت إنما حدث لجريان نفسه و امتداده، فلهذا السبب صحت تسميته بالمجرى. السؤال الثاني: قال المازني: غلط سيبويه في تسميته الحركات البنائية بالمجاري لأن الجري إنما يكون لما يوجد تارة و يعدم تارة. و المبني لا يزول عن حاله، فلم يجز تسميته بالمجاري، بل كان الواجب أن يقال: المجاري أربعة و هي الأحوال الإعرابية. و الجواب أن المبنيات قد تحرك عند الدرج، و لا تحرك عند الوقف، فلم تكن تلك الأحوال لازمة لها مطلقا.

المسألة الثامنة عشرة: الإعراب اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل: بحركة أو حرف تحقيقا أو تقديرا، أما الاختلاف فهو عبارة عن موصوفية آخر تلك الكلمة بحركة أو سكون بعد أن كان موصوفا بغيرها، و لا شك أن تلك الموصوفية حالة معقولة لا محسوسة فلهذا المعنى قال عبد القاهر النحوي: الإعراب حالة معقولة لا محسوسة، و أما قوله: «باختلاف العوامل» فاعلم أن اللفظ الذي تلزمه حالة واحدة أبدا هو المبني، و أما الذي يختلف آخره فقسمان: أحدهما: أن لا يكون معناه قابلا للأحوال المختلفة كقولك: «أخذت المال من زيد» فتكون «من» ساكنة، ثم تقول: «أخذت المال من الرجل» فتفتح النون، ثم تقول «أخذت المال من ابنك» فتكون مكسورة فههنا اختلف آخر هذه الكلمة إلا أنه ليس بإعراب، لأن المفهوم من كلمة «من» لا يقبل الأحوال المختلفة في المعنى، و أما القسم الثاني: و هو الذي يختلف آخر الكلمة عند اختلاف أحوال معناها- فذلك هو الإعراب.

المسألة التاسعة عشرة: أقسام الإعراب ثلاثة: الأول: الإعراب بالحركة، و هي في أمور ثلاثة: أحدها:

الاسم الذي لا يكون آخره حرفا من حروف العلة، سواء كان أوله أو وسطه معتلا أو لم يكن، نحو رجل، و وعد، و ثوب، و ثانيها: أن يكون آخر الكلمة واوا أو ياءً و يكون ما قبله ساكنا، فهذا كالصحيح في تعاقب الحركات عليه، تقول: هذا ظبي و غزو و من هذا الباب المدغم فيهما كقولك: كرسي و عدو لأن المدغم يكون‏

58

ساكنا فسكون الياء من كرسي و الواو من عدو كسكون الباء من ظبي و الزاي من غزو، و ثالثها: أن تكون الحركة /المتقدمة على الحرف الأخير من الكلمة كسرة و حينئذ يكون الحرف الأخير ياء، و إذا كان آخر الكلمة ياء قبلها كسرة كان في الرفع و الجر على صورة واحدة و هي السكون، و أما في النصب فإن الياء تحرك بالفتحة قال اللّه تعالى: أَجِيبُوا دََاعِيَ اَللََّهِ [الأحقاف: 31]القسم الثاني من الإعراب: ما يكون بالحرف، و هو في أمور ثلاثة: أحدها: في الأسماء الستة مضافة، و ذلك جاءني أبوه و أخوه و حموه و هنوه و فوه و ذو مال، و رأيت أباه و مررت بأبيه، و كذا في البواقي، و ثانيها: «كلا» مضافا إلى مضمر، تقول: جاءني كلاهما و مررت بكليهما و رأيت كليهما، و ثالثها: التثنية و الجمع، تقول: جاءني مسلمان و مسلمون و رأيت مسلمين و مسلمين و مررت بمسلمين و مسلمين. و القسم الثالث: الإعراب التقديري، و هو في الكلمة التي يكون آخرها ألفا و تكون الحركة التي قبلها فتحة، فإعراب هذه الكلمة في الأحوال الثلاثة على صورة واحدة تقول: هذه رحا و رأيت رحا و مررت برحا.

أصول الإعراب:

المسألة العشرون‏ أصول الإعراب‏ : أصل الإعراب أن يكون بالحركة، لأنا ذكرنا أن الأصل في الإعراب أن يجعل الأحوال العارضة للفظ دلائل على الأحوال العارضة للمعنى، و العارض للحرف هو الحركة لا الحرف الثاني، و أما الصور التي جاء إعرابها بالحروف فذلك للتنبيه على أن هذه الحروف من جنس تلك الحركات.

أنواع الاسم المعرب:

المسألة الحادية و العشرون‏ أنواع الاسم المعرب‏ : الاسم المعرب، و يقال له المتمكن نوعان: أحدهما: ما يستوفي حركات الإعراب و التنوين، و هو المنصرف و الأمكن، و الثاني: ما لا يكون كذلك بل يحذف عنه الجر و التنوين و يحرك بالفتح في موضع الجر إلا إذا أضيف أو دخله لام التعريف، و يسمى غير المنصرف، و الأسباب المانعة من الصرف تسعة فمتى حصل في الاسم اثنان منها أو تكرر سبب واحد فيه امتنع من الصرف، و هي: العلمية، و التأنيث اللازم لفظا و معنى، و وزن الفعل الخاص به أو الغالب عليه، و الوصفية، و العدل، و الجمع الذي ليس على زنة واحدة، و التركيب، و العجمة في الأعلام خاصة، و الألف و النون المضارعتان لألفي التأنيث.

سبب منع الصرف:

المسألة الثانية و العشرون‏ سبب منع الصرف‏ : إنما صار اجتماع اثنين من هذه التسعة مانعا من الصرف، لأن كل واحد منها فرع، و الفعل فرع عن الاسم، فإذا حصل في الاسم سببان من هذه التسعة صار ذلك الاسم شبيها بالفعل في الفرعية، و تلك المشابهة تقتضي منع الصرف، فهذه مقدمات أربع: - المقدمة الأولى: في بيان أن كل واحد من هذه التسعة فرع، أما بيان أن العلمية فرع فلأن وضع الاسم للشي‏ء لا يمكن إلا بعد صيرورته معلوما، و الشي‏ء في الأصل لا يكون معلوما ثم يصير معلوما و أما أن التأنيث فرع فبيانه تارة بحسب اللفظ و أخرى بحسب المعنى: أما بحسب اللفظ فلأن كل لفظة وضعت لماهية فإنها تقع على الذكر من تلك الماهية بلا زيادة و على الأنثى بزيادة علامة التأنيث، و أما بحسب المعنى فلأن الذكر أكمل من الأنثى، و الكامل مقصود بالذات، و الناقص مقصود بالعرض، و أما أن الوزن الخاص بالفعل أو الغالب عليه‏

59

فرع فلأن وزن الفعل فرع للفعل، و الفعل فرع للاسم، و فرع الفرع فرع، و أما أن الوصف فرع فلأن الوصف فرع عن الموصوف، و أما أن العدل فرع فلأن العدول عن الشي‏ء إلى غيره مسبوق بوجود ذلك الأصل و فرع عليه، و أما أن الجمع الذي ليس على زنته واحد فرع فلان ذلك الوزن فرع على وجود الجمع، لأنه لا يوجد إلا فيه، و الجمع فرع على الواحد لأن الكثرة فرع على الوحدة، و فرع الفرع فرع، و بهذا الطريق يظهر أن التركيب فرع، و أما أن المعجمة فرع فلأن تكلم كل طائفة بلغة أنفسهم أصل و بلغة غيرهم فرع، و أما أن الألف و النون في سكران و أمثاله يفيدان الفرعية فلأن الألف و النون زائدان على جوهر الكلمة، و الزائد فرع، فثبت بما ذكرنا أن هذه الأسباب التسعة توجب الفرعية.

المقدمة الثانية: في بيان أن الفعل فرع، و الدليل عليه أن الفعل عبارة عن اللفظ الدال على وقوع المصدر في زمان معين، فوجب كونه فرعا على المصدر.

المقدمة الثالثة: أنه لما ثبت ما ذكرناه ثبت أن الاسم الموصوف بأمرين من تلك الأمور التسعة يكون مشابها للفعل في الفرعية و مخالفا له في كونه اسما في ذاته، و الأصل في الفعل عدم الإعراب كما ذكرنا، فوجب أن يحصل في مثل هذا الاسم أثران بحسب كل واحد من الاعتبارين المذكورين، و طريقه أن يبقى إعرابها من أكثر الوجوه، و يمنع من إعرابها من بعض الوجوه، ليتوفر على كل واحد من الاعتبارين ما يليق به.

المسألة الثالثة و العشرون: إنما ظهر هذا الأثر في منع التنوين و الجر لأجل أن التنوين يدل على كمال حال الاسم، فإذا ضعف الاسم بحسب حصول هذه الفرعية أزيل عنه ما دل على كمال حاله، و أما الجر فلأن الفعل يحصل فيه الرفع و النصب، و أما الجر فغير حاصل فيه فلما صارت الأسماء مشابهة للفعل لا جرم سلب عنها الجر الذي هو من خواص الأسماء.

المسألة الرابعة و العشرون: هذه الأسماء بعد أن سلب عنها الجر إما أن تترك ساكنة في/حال الجر أو تحرك، و التحريك أولى، تنبيها على أن المانع من هذه الحركة عرضي لا ذاتي، ثم النصب أول الحركات لأنا رأينا أن النصب حمل على الجر في التثنية و الجمع السالم، فلزم هنا حمل الجر على النصب تحقيقا للمعارضة.

المسألة الخامسة و العشرون: اتفقوا على أنه إذا دخل على ما لا ينصرف الألف و اللام أو أضيف انصرف كقوله: مررت بالأحمر، و المساجد، و عمركم، ثم قيل: السبب فيه أن الفعل لا تدخل عليه الألف و اللام و الإضافة فعند دخولهما على الاسم خرج الاسم عن مشابهة الفعل، قال عبد القاهر: هذا ضعيف، لأن هذه الأسماء إنما شابهت الأفعال لما حصل فيها من الوصفية و وزن الفعل، و هذه المعاني باقية عند دخول الألف و اللام و الإضافة فيها فبطل قولهم: إنه زالت المشابهة و أيضا فحروف الجر و الفاعلية و المفعولية من خواص الأسماء ثم إنها تدخل على الأسماء مع أنها تبقى غير منصرفة، و الجواب عن الأول: أن الإضافة و لام التعريف من خواص الأسماء فإذا حصلتا في هذه الأسماء فهي و إن ضعفت في الاسمية بسبب كونها مشابهة للفعل إلا أنها قويت بسبب حصول خواص الأسماء فيها، إذا عرفت هذا فنقول: أصل الاسمية يقتضي قبول الإعراب من كل الوجوه، إلا أن المشابهة للفعل صارت معارضة للمقتضي، فإذا صار هذا المعارض معارضا بشي‏ء آخر ضعف المعارض، فعاد المقتضي عاملا عمله، و أما السؤال الثاني فجوابه: أن لام التعريف و الإضافة أقوى من الفاعلية و المفعولية لأن لام التعريف و الإضافة يضادان التنوين، و الضدان متساويان في القوة فلما كان التنوين دليلا على‏

60

كمال القوة فكذلك الإضافة و حرف التعريف.

المسألة السادسة و العشرون: لو سميت رجلا بأحمر لم تصرفه، بالاتفاق، لاجتماع العلمية و وزن الفعل، أما إذا نكرته فقال سيبويه: لا أصرفه، و قال الأخفش: أصرفه. و اعلم أن الجمهور يقولون في تقرير مذهب سيبويه على ما يحكى أن المازني قال: قلت للأخفش: كيف قلت مررت بنسوة أربع فصرفت مع وجود الصفة و وزن الفعل؟قال: لأن أصله الاسمية فقلت: فكذا لا تصرف أحمر اسم رجل إذا نكرته لأن أصله الوصفية، قال المازني: فلم يأت الأخفش بمقنع، و أقول: كلام المازني ضعيف، لأن الصرف ثبت على وفق الأصل في قوله: «مررت بنسوة أربع» لأنه يكفي عود الشي‏ء إلى حكم الأصل أدنى سبب، بخلاف المنع من الصرف، فإنه على خلاف الأصل فلا يكفي فيه إلا السبب القوي، و أقول: الدليل على صحة مذهب سيبويه أنه حصل فيه وزن الفعل و الوصفية الأصلية فوجب كونه غير/منصرف، أما المقدمة الأولى فهي إنما تتم بتقرير ثلاثة أشياء:

الأول: ثبوت وزن الفعل و هو ظاهر، و الثاني: الوصفية، و الدليل عليه أن العلم إذا نكر صار معناه الشي‏ء الذي يسمى بذلك الاسم. فإذا قيل: «رب زيد رأيته» كان معناه رب شخص مسمى باسم زيد رأيته، و معلوم أن كون الشخص مسمى بذلك الاسم صفة لا ذات، و الثالث: أن الوصفية أصلية، و الدليل عليه أن لفظ الأحمر حين كان وصفا معناه الاتصاف بالحمرة، فإذا جعل علما ثم نكر كان معناه كونه مسمى بهذا الاسم، و كونه كذلك صفة إضافية عارضة له، فالمفهومان اشتركا في كون كل واحد منهما صفة إلا أن الأول يفيد صفة حقيقية و الثاني يفيد صفة إضافية، و القدر المشترك بينهما كونه صفة، فثبت بما ذكرنا أن حصل فيه وزن الفعل و الوصفية الأصلية فوجب كونه غير منصرف لما ذكرناه.

فإن قيل: يشكل ما ذكرتم بالعلم الذي ما كان وصفا فإنه عند التنكير ينصرف مع أنه عند التنكير يفيد الوصفية بالبيان الذي ذكرتم.

قلنا إنه و إن صار عند التنكير وصفا إلا أن وصفيته ليست أصلية لأنها ما كانت صفة قبل ذلك بخلاف الأحمر فإنه كان صفة قبل ذلك، و الشي‏ء الذي يكون في الحال صفة مع أنه كان قبل ذلك صفة كان أقوى في الوصفية مما لا يكون كذلك، فظهر الفرق.

و احتج الأخفش بأن المقتضى للصرف قائم و هو الاسمية، و العارض الموجود لا يصح معارضا، لأنه علم منكر و العلم المنكر موصوف بوصف كونه منكرا، و الموصوف باق عند وجود الصفة، فالعلمية قائمة في هذه الحالة، و العلمية تنافي الوصفية، فقد زالت الوصفية فلم يبق سوى وزن الفعل و السبب الواحد لا يمنع من الصرف، و الجواب: أنا بينا بالدليل العقلي أن العلم إذا جعل منكرا صار وصفا في الحقيقة فسقط هذا الكلام.

المسألة السابعة و العشرون: قال سيبويه: السبب الواحد لا يمنع الصرف، خلافا للكوفيين، حجة سيبويه أن المقتضى للصرف قائم، و هو الاسمية، و السببان أقوى من الواحد فعند حصول السبب الواحد وجب البقاء على الأصل. و حجة الكوفيين قولهم المقدم، و قد قيل أيضا: -

و ما كان حصن و لا حابس # يفوقان مرداس في مجمع‏

و جوابه أن الرواية الصحيحة في هذا البيت: يفوقان شيخي في مجمع.

61

المسألة الثامنة و العشرون: قال سيبويه: ما لا ينصرف يكون في موضع الجر مفتوحا/و اعترضوا عليه بأن الفتح من باب البناء، و ما لا ينصرف غير مبني، و جوابه أن الفتح اسم لذات الحركة من غير بيان أنها إعرابية أو بنائية.

المسألة التاسعة و العشرون: إعراب الأسماء ثلاثة: الرفع، و النصب، و الجر، و كل واحد منها علامة على معنى، فالرفع علم الفاعلية، و النصب علم المفعولية، و الجر علم الإضافة و أما التوابع فإنها في حركاتها مساوية للمتبوعات.

سر ارتفاع الفاعل و انتصاب المفعول:

المسألة الثلاثون‏ سر ارتفاع الفاعل و انتصاب المفعول‏ : السبب في كون الفاعل مرفوعا و المفعول منصوبا و المضاف إليه مجرورا وجوه:

الأول: أن الفاعل واحد، و المفعول أشياء كثيرة، لأن الفعل قد يتعدى إلى مفعول واحد، و إلى مفعولين، و إلى ثلاثة، ثم يتعدى أيضا إلى المفعول له، و إلى الظرفين، و إلى المصدر و الحال، فلما كثرت المفاعيل اختير لها أخف الحركات و هو النصب، و لما قل الفاعل اختير له أثقل الحركات و هو الرفع، حتى تقع الزيادة في العدد مقابلة للزيادة في المقدار فيحصل الاعتدال.

الثاني: أن مراتب الموجودات ثلاثة: مؤثر لا يتأثر و هو الأقوى، و هو درجة الفاعل و متأثر لا يؤثر و هو الأضعف، و هو درجة المفعول، و ثالث يؤثر باعتبار و يتأثر باعتبار و هو المتوسط، و هو درجة المضاف إليه، و الحركات أيضا ثلاثة: أقواها الضمة و أضعفها الفتحة و أوسطها الكسرة، فألحقوا كل نوع بشبيهه، فجعلوا الرفع الذي هو أقوى الحركات للفاعل الذي هو أقوى الأقسام، و الفتح الذي هو أضعف الحركات للمفعول الذي هو أضعف الأقسام و الجر الذي هو المتوسط للمضاف إليه الذي هو المتوسط من الأقسام.

الثالث: الفاعل مقدم على المفعول: لأن الفعل لا يستغني عن الفاعل، و قد يستغني عن المفعول، فالتلفظ بالفاعل يوجد و النفس قوية، فلا جرم أعطوه أثقل الحركات عند قوة النفس، و جعلوا أخف الحركات لما يتلفظ به بعد ذلك.

أنواع المرفوعات و أصلها:

المسألة الحادية و الثلاثون‏ أنواع المرفوعات و أصلها : المرفوعات سبعة: الفاعل، و المبتدأ، و خبره، و اسم كان، و اسم ما و لا المشبهتين بليس، و خبر إن، و خبر لا النافية للجنس، ثم قال الخليل الأصل في الرفع الفاعل، و البواقي مشبهة به، و قال سيبويه: الأصل هو المبتدأ، و البواقي مشبهة به، و قال الأخفش: كل واحد منهما أصل بنفسه، و احتج الخليل بأن جعل الرفع إعرابا للفاعل أولى من جعله إعرابا للمبتدأ، و الأولوية تقتضي الأولية: بيان الأول: أنك إذا قلت: «ضرب زيد بكر» بإسكان المهملتين لم يعرف أن الضارب من هو و المضروب من هو أما إذا قلت: «زيد/قائم» بإسكانهما عرفت من نفس اللفظتين أن المبتدأ أيهما و الخبر أيهما، فثبت أن افتقار الفاعل إلى الإعراب أشد، فوجب أن يكون الأصل هو. و بيان الثاني أن الرفعية حالة مشتركة بين المبتدأ و الخبر، فلا يكون فيها دلالة على خصوص كونه مبتدأ و لا على خصوص كونه خبرا، أما لا شك أنه في الفاعل يدل على خصوص كونه فاعلا، فثبت أن الرفع حق الفاعل، إلا أن المبتدأ لما أشبه الفاعل في كونه مسندا إليه‏

62

جعل مرفوعا رعاية لحق هذه المشابهة، و حجة سيبويه: أنا بينا أن الجملة الاسمية مقدمة على الجمل الفعلية، فإعراب الجملة الاسمية يجب أن يكون مقدما على إعراب الجملة الفعلية، و الجواب: أن الفعل أصل في الإسناد إلى الغير فكانت الجملة الفعلية مقدمة. و حينئذ يصير هذا الكلام دليلا للخليل.

أنواع المفاعيل:

المسألة الثانية و الثلاثون‏ أنواع المفاعيل‏ :

المفاعيل خمسة، لأن الفاعل لا بد له من فعل و هو المصدر، و لا بد لذلك الفعل من زمان، و لذلك الفاعل من عرض، ثم قد يقع ذلك الفعل في شي‏ء آخر و هو المفعول به، و في مكان، و مع شي‏ء آخر، فهذا ضبط القول في هذه المفاعيل. و فيه مباحث عقلية: أحدها: أن المصدر قد يكون هو نفس المفعول به كقولنا:

«خلق اللّه العالم» فإن خلق العالم لو كان مغايرا للعالم لكان ذلك المغاير له إن كان قديما لزم من قدمه قدم العالم و ذلك ينافي كونه مخلوقا و إن كان حادثا افتقر خلقه إلى خلق آخر و لزم التسلسل و ثانيها: أن فعل اللّه يستغني عن الزمان، لأنه لو افتقر إلى زمان وجب أن يفتقر حدوث ذلك الزمان إلى زمان آخر و لزم التسلسل و ثالثها: أن فعل اللّه يستغني عن العرض، لأن ذلك العرض إن كان قديما لزم قدم الفعل و إن كان حادثا لزم التسلسل، و هو محال.

عامل النصب في المفاعيل:

المسألة الثالثة و الثلاثون‏ عامل النصب في المفاعيل‏ :

اختلفوا في العامل في نصب المفعول على أربعة أقوال: الأول: و هو قول البصريين-أن الفعل وحده يقتضي رفع الفاعل و نصب المفعول: و الثاني: و هو قول الكوفيين-أن مجموع الفعل و الفاعل يقتضي نصب المفعول، و الثالث: و هو قول هشام بن معاوية من الكوفيين-أن العامل هو الفاعل فقط، و الرابع:

و هو قول خلف الأحمر من الكوفيين-أن العامل في الفاعل معنى الفاعلية، و في المفعول معنى المفعولية.

حجة البصريين أن العامل لا بد و أن يكون له تعلق بالمعمول، و أحد الاسمين لا تعلق له بالآخر، فلا يكون له فيه عمل ألبتة، و إذا سقط لم يبق العمل إلا للفعل.

حجة المخالف أن العامل الواحد لا يصدر عنه أثران لما ثبت أن الواحد لا يصدر عنه/إلا أثر واحد.

قلنا: ذاك في الموجبات، أما في المعرفات فممنوع.

و احتج خلف بأن الفاعلية صفة قائمة بالفاعل، و المفعولية صفة قائمة بالمفعول، و لفظ الفعل مباين لهما، و تعليل الحكم بما يكون حاصلا في محل الحكم أولى من تعليله بما يكون مباينا له، و أجيب عنه بأنه معارض بوجه آخر: و هو أن الفعل أمر ظاهر، و صفة الفاعلية و المفعولية أمر خفي، و تعليل الحكم الظاهر بالمعنى الظاهر أولى من تعليله بالصفة الخفية و اللّه أعلم. ـ

63
الباب السابع في إعراب الفعل‏

إعراب الفعل:

اعلم أن قوله: (أعوذ) يقتضي إسناد الفعل إلى الفاعل، فوجب علينا أن نبحث عن هذه المسائل.

المسألة الأولى: إذا قلنا في النحو فعل و فاعل، فلا نريد به ما يذكره علماء الأصول لأنا نقول: «مات زيد» و هو لم يفعل، و نقول من طريق النحو: مات فعل، و زيد فاعله، بل المراد أن الفعل لفظة مفردة دالة على حصول المصدر لشي‏ء غير معين في زمان غير معين، فإذا صرحنا بذلك الشي‏ء الذي حصل المصدر له فذاك هو الفاعل، و معلوم أن قولنا حصل المصدر له أعم من قولنا حصل بإيجاده و اختياره كقولنا قام، أولا باختياره كقولنا مات، فإن قالوا: الفعل كما يحصل في الفاعل فقد يحصل في المفعول، قلنا: إن صيغة الفعل من حيث هي تقتضي حصول ذلك المصدر لشي‏ء ما هو الفاعل، و لا تقتضي حصوله للمفعول، بدليل أن الأفعال اللازمة غنية عن المفعول.

وجوب تقديم الفعل:

المسألة الثانية وجوب تقديم الفعل‏ : الفعل يجب تقديمه على الفاعل، لأن الفعل-إثباتا كان أو نفيا يقتضي أمرا ما يكون هو مسندا إليه، فحصول ماهية الفعل في الذهن يستلزم حصول شي‏ء يسند الذهن ذلك الفعل إليه، و المنتقل إليه متأخر بالرتبة عن المنتقل عنه، فلما وجب كون الفعل مقدما على الفاعل في الذهن وجب تقدمه عليه في الذكر، فإن قالوا: لا نجد في العقل فرقا بين قولنا: «ضرب زيد» و بين قولنا: «زيد ضرب» قلنا: الفرق ظاهر، لأنا إذا قلنا زيد لم يلزم من وقوف الذهن على معنى هذا اللفظ أن يحكم بإسناد معنى آخر إليه، أما إذا فهمنا معنى لفظ ضرب لزم منه حكم الذهن بإسناد هذا المفهوم إلى شي‏ء ما، إذا عرفت هذا فنقول: إذا قلنا: «ضرب زيد» /فقد حكم الذهن بإسناد مفهوم ضرب إلى شي‏ء، ثم يحكم الذهن بأن ذلك الشي‏ء هو زيد الذي تقدم ذكره، فحينئذ قد أخبر عن زيد بأنه هو ذلك الشي‏ء الذي أسند الذهن مفهوم ضرب إليه، و حينئذ يصير قولنا: زيد مخبرا عنه و قولنا ضرب جملة من فعل و فاعل وقعت خبرا عن ذلك المبتدأ.

ارتباط الفعل بالفاعل:

المسألة الثالثة ارتباط الفعل بالفاعل‏ : قالوا: الفاعل كالجزء من الفعل، و المفعول ليس كذلك، و في تقريره وجوه: الأول: أنهم قالوا ضربت فاسكنوا لام الفعل لئلا يجتمع أربع متحركات، و هم يحترزون عن تواليها في كلمة واحدة، و أما بقرة فإنما احتملوا ذلك فيها لأن التاء زائدة، و احتملوا ذلك في المفعول كقولهم ضربك، و ذلك يدل على أنهم اعتقدوا أن الفاعل جزء من الفعل، و أن المفعول منفصل عنه، الثاني: أنك تقول: الزيدان قاما أظهرت الضمير للفاعل، و كذلك إذا قلت زيد ضرب وجب أن يكون الفعل مسند إلى الضمير المستكن طردا للباب، و الثالث:

و هو الوجه العقلي-أن مفهوم قولك ضرب هو أنه حصل الضرب لشي‏ء ما في زمان مضى، فذلك الشي‏ء الذي حصل له الضرب جزء من مفهوم قولك ضرب، فثبت أن الفاعل جزء من الفعل.

64

الإضمار قبل الذكر:

المسألة الرابعة: الإضمار قبل الذكر على وجوه: أحدها: أن يحصل صورة و معنى، كقولك ضرب غلامه زيدا و المشهور أنه لا يجوز لأنك رفعت غلامه بضرب فكان واقعا موقعه و الشي‏ء إذا وقع موقعه لم تجز إزالته عنه، و إذا كان كذلك كانت الهاء في قولك غلامه ضميرا قبل الذكر، و أما قول النابغة: -

جزى ربه عني عدي بن حاتم # جزاء الكلاب العاويات و قد فعل‏

فجوابه: أن الهاء عائدة إلى مذكور متقدم، و قال ابن جني: و أنا أجيز أن تكون الهاء في قوله ربه عائدة على عدي خلافا للجماعة، ثم ذكر كلاما طويلا غير ملخص، و أقول: الأولى في تقريره أن يقال: الفعل من حيث أنه فعل كان غنيا عن المفعول لكن الفعل المتعدي لا يستغني عن المفعول، و ذلك لأن الفاعل هو المؤثر، و المفعول هو القابل، و الفعل مفتقر إليهما و لا تقدم لأحدهما على الآخر، أقصى ما في الباب أن يقال إن الفاعل مؤثر، و المؤثر أشرف من القابل، فالفاعل متقدم على المفعول من هذا الوجه، لأنا بينا أن الفعل المتعدي مفتقر إلى المؤثر و إلى القابل معا و إذا ثبت هذا فكما جاز تقديم الفاعل على المفعول وجب أيضا جواز تقديم المفعول على الفاعل.

القسم الثاني: و هو أن يتقدم المفعول على الفاعل في الصورة لا في المعنى، و هو كقولك ضرب غلامه زيد: فغلامه مفعول، و زيد فاعل، و مرتبه، المفعول بعد مرتبة الفاعل، إلا أنه و أن تقدم في اللفظ لكنه متأخر في المعنى.

و القسم الثالث: و هو أن يقع في المعنى لا في الصورة، كقوله تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ [البقرة: 124]فههنا الإضمار قبل الذكر غير حاصل في الصورة، لكنه حاصل في المعنى، لأن الفاعل مقدم في المعنى، و متى صرح بتقديمه لزم الإضمار قبل الذكر.

إظهار الفاعل و إضماره:

المسألة الخامسة إظهار الفاعل و إضماره‏ : الفاعل قد يكون مظهرا كقولك ضرب زيد، و قد يكون مضمرا بارزا كقولك ضربت و ضربنا، و مضمرا مستكنا كقولك زيد ضرب، فتنوي في ضرب فاعلا و تجعل الجملة خبرا عن زيد، و من إضمار الفاعل قولك إذا كان غدا فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه غدا.

قد يحذف الفعل:

المسألة السادسة: الفعل قد يكون مضمرا، يقال: من فعل؟ فتقول: زيد، و التقدير فعل زيد، و منه قوله تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ اِسْتَجََارَكَ فَأَجِرْهُ حَتََّى يَسْمَعَ كَلاََمَ اَللََّهِ [التوبة: 6]و التقدير و إن استجارك أحد من المشركين.

التنازع في العمل:

المسألة السابعة التنازع في العمل‏ : إذا جاء فعلان معطوفا أحدهما على الآخر و جاء بعدهما اسم صالح لأن يكون معمولا لهما فهذا على قسمين، لأن الفعلين: أما أن يقتضيا عملين متشابهين، أو مختلفين و على التقديرين فأما أن يكون‏

65

الاسم المذكور بعدهما واحدا، أو أكثر فهذه أقسام أربعة.

القسم الأول: أن يذكر فعلان يقتضيان عملا واحدا، و يكون المذكور بعدهما اسما واحدا، كقولك: قام و قعد زيد، فزعم الفراء أن الفعلين جميعا عاملان في زيد، و المشهور أنه لا يجوز، لأنه يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين، و الأقرب راجح بسبب القرب، فوجب إحالة الحكم عليه، و أجاب الفراء بأن تعليل الحكم الواحد بعلتين ممتنع في المؤثرات، أما في المعرفات فجائز، و أجيب عنه بأن المعرف يوجب المعرفة، فيعود الأمر إلى اجتماع المؤثرين في الأثر الواحد.

القسم الثاني: إذا كان الاسم غير مفرد، و هو كقولك، قام و قعد أخواك، فههنا إما أن ترفعه بالفعل الأول، أو بالفعل الثاني، فإن رفعته بالأول قلت: قام و قعدا أخواك، لأن التقدير قام أخواك و قعدا، أما إذا أعملت الثاني جعلت في الفعل الأول ضمير الفاعل، لأن الفعل لا يخلوا من فاعل مضمر أو مظهر، تقول: قاما و قعد أخواك، و عند البصريين أعمال الثاني أولى، و عند الكوفيين أعمال الأول أولى، حجة البصريين أن أعمالهما معا ممتنع، فلا بد من/أعمال أحدهما، و القرب مرجح، فأعمال الأقرب أولى، و حجة الكوفيين أنا إذا أعملنا الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير، و يلزم حصول الإضمار قبل الذكر، و ذلك أولى بوجوب الاحتراز عنه.

القسم الثالث: ما إذا اقتضى الفعلان تأثيرين متناقضين، و كان الاسم المذكور بعدهما مفردا، فيقول البصريون إن أعمال الأقرب أولى، خلافا للكوفيين، حجة البصريين وجوه، الأول: قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف: 96]فحصل هاهنا فعلان كل واحد منهما يقتضي مفعولا: فأما أن يكون الناصب لقوله قطرا هو قوله آتوني أو أفرغ، و الأول باطل، و إلا صار التقدير آتوني قطرا، و حينئذ كان يجب أن يقال أفرغه عليه، و لما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقوله قطرا هو قوله أفرغ، الثاني: قوله تعالى: هََاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتََابِيَهْ [الحاقة: 19]فلو كان العامل هو الأبعد لقيل هاؤم اقرءوه، و أجاب الكوفيون عن هذين الدليلين بأنهما يدلان على جواز أعمال الأقرب، و ذلك لا نزاع فيه، و إنما النزاع في أنا نجوز أعمال الأبعد، و أنتم تمنعونه و ليس في الآية ما يدل على المنع. الحجة الثالثة: للبصريين أنه يقال: ما جاءني من أحد، فالفعل رافع، و الحرف جار، ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب. الحجة الرابعة: أن إهمالهما و إعمالهما لا يجوز، و لا بد من الترجيح، و القرب مرجح، فأعمال الأقرب أولى.

و احتج الكوفيون بوجوه: الأول: أنا بينا أن الاسم المذكور بعد الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعا فأعمال الثاني يوجب في الأول الإِضمار قبل الذكر و أنه لا يجوز، فوجب القول بأعمال الأول هناك، فإذا كان الاسم مفردا وجب أن يكون الأمر كذلك طردا للباب. الثاني: أن الفعل الأول وجد معمولا خاليا عن العائق، لأن الفعل لا بد له من مفعول، و الفعل الثاني وجد المعمول بعد أن عمل الأول فيه، و عمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه و معلوم أن أعمال الخالي عن العائق أولى من أعمال العامل المقرون بالعائق.

القسم الرابع: إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعا فإن أعملت الفعل الثاني قلت ضربت و ضربني الزيدان و ضربت و ضربني الزيدون، و إن أعملت الأول قلت ضربت و ضرباني الزيدين و ضربت و ضربوني الزيدين.

66

المسألة الثامنة: قول امرئ القيس: -

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة # كفاني و لم أطلب قليل من المال

و لكنما أسعى لمجد مؤثل # و قد يدرك المجد المؤثل أمثالي‏

فقوله كفاني و لم أطلب ليسا متوجهين إلى شي‏ء واحد، لأن قوله كفاني موجه إلى قليل من المال، و قوله و لم أطلب غير موجه إلى قليل من المال، و إلا لصار التقدير فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلا من المال، و كلمة لو تفيد انتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره فيلزم حينئذ أنه ما سعى لأدنى معيشة و مع ذلك فقد طلب قليلا من المال، و هذا متناقض، فثبت أن المعنى و لو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل من المال و لم أطلب الملك، و على هذا التقدير فالفعلان غير موجهين إلى شي‏ء واحد، و لنكتف بهذا القدر من علم العربية قبل الخوض في التفسير.

القسم الثاني من هذا الكتاب المشتمل على تفسير (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم) في المباحث النقلية و العقلية، و فيه أبواب: -.

الباب الأول في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا: (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم)

وقت قراءة الاستعاذة:

المسألة الأولى‏ وقت قراءة الاستعاذة : اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة، و عن النخعي أنه بعدها، و هو قول داود الأصفهاني، و إحدى الروايتين عن ابن سيرين، و هؤلاء قالوا: الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها و قال: (آمين) فبعد ذلك يقول: أعوذ باللّه و الأولون احتجوا بما

روى جبير بن مطعم أن النبي صلى اللّه عليه و سلم حين افتتح الصلاة قال: اللّه أكبر كبيرا ثلاث مرات، و الحمد للّه كثيرا ثلاث مرات، و سبحان اللّه بكرة و أصيلا ثلاث مرات، ثم قال: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من همزه و نفخه و نفثه.

و احتج المخالف على صحة قوله بقوله سبحانه: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ [النحل: 98]دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط، و ذكر الاستعاذة جزاء، و الجزاء متأخر عن الشرط، فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن قراءة القرآن، ثم قالوا: و هذا موافق لما في العقل، لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم، فلو دخله العجب في أداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب،

لقوله عليه الصلاة و السلام «ثلاث مهلكات» و ذكر منها إعجاب المرء بنفسه،

فلهذا السبب أمره اللّه سبحانه و تعالى بأن يستعيذ من الشيطان، لئلا يحمله الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة.

قالوا: و لا يجوز أن يقال: إن المراد من قوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ [النحل: 98]أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كما في قوله تعالى: إِذََا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاََةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6]

67

و المعنى/إذا أردتم القيام إلى الصلاة، لأنه يقال: ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل.

أما جمهور الفقهاء فقالوا: لا شك أن قوله: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النحل: 98]يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت، و إذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقا بين هذه الآية و بين الخبر الذي رويناه، و مما يقوي ذلك من المناسبات العقلية، أن المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ [الحج: 52]و إنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب.

و أقول: هاهنا قول ثالث: و هو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر، و بعدها بمقتضى القرآن، جمعا بين الدليلين بقدر الإمكان.

حكم الاستعاذة:

المسألة الثانية حكم الاستعاذة : قال عطاء: الاستعاذة واجبة لكل قراءة، سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، و قال ابن سيرين: إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب و قال الباقون: إنها غير واجبة.

حجة الجمهور أن النبي صلى اللّه عليه و سلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة و لقائل أن يقول: إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها.

و احتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه: الأول: أنه عليه السلام واظب عليه، فيكون واجبا لقوله تعالى: وَ اِتَّبِعُوهُ .

الثاني: أن قوله تعالى: فَاسْتَعِذْ* أمر، و هو للوجوب، ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات، لأنه تعالى قال: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ و ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل، و الحكم يتكرر لأجل تكرر العلة.

الثالث: أنه تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم، لأن قوله: فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ [النحل: 98]مشعر بذلك، و دفع شر الشيطان واجب، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة.

الرابع: أن طريقة الاحتياط توجب الاستعاذة، فهذا ما لخصناه في هذه المسألة.

التعوذ في الصلاة:

المسألة الثالثة التعوذ في الصلاة : التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين، و قال مالك لا يتعوذ في/المكتوبة و يتعوذ في قيام شهر رمضان، لنا الآية التي تلوناها، و الخبر الذي رويناه، و كلاهما يفيد الوجوب، فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندب.

هل يسر بالتعوذ أو يجهر:

المسألة الرابعة هل يسر بالتعوذ أو يجهر : قال الشافعي رضي اللّه عنه في «الأم» : روي أن عبد اللّه بن عمر لما قرأ أسر بالتعوذ

68

و عن أبي هريرة أنه جهر به، ثم قال: فإن جهر به جاز، و إن أسر به أيضا جاز و قال في «الإملاء» : و يجهر بالتعوذ، فإن أسر لم يضر، بين أن الجهر عنده أولى، و أقول: الاستعاذة إنما تقرأ بعد الافتتاح و قبل الفاتحة، فإن ألحقناها بما قبلها لزم الإسرار، و إن ألحقناها بالفاتحة لزم الجهر، إلا أن المشابهة بينها و بين الافتتاح أتم، لكون كل واحد منهما نافلة عند الفقهاء، و لأن الجهر كيفية وجودية و الإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية، و الأصل هو العدم.

هل يتعوذ في كل ركعة:

المسألة الخامسة هل يتعوذ في كل ركعة : قال الشافعي رضي اللّه عنه في «الأم» : قيل إنه يتعوذ في كل ركعة، ثم قال: و الذي أقوله إنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى، و أقول: له أن يحتج عليه بأن الأصل هو العدم، و ما لأجله أمرنا بذكر الاستعاذة هو قوله: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ [النحل: 98]و كلمة إذا لا تفيد العموم، و لقائل أن يقول:

قد ذكرنا أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على العلية، فيلزم أن يتكرر الحكم بتكرر العلة، و اللّه أعلم.

صيغ الاستعاذة:

المسألة السادسة صيغ الاستعاذة : أنه تعالى قال في سورة النحل: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ [النحل: 98]و قال في سورة أخرى‏ إِنَّهُ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ [الدخان: 6]و في سورة ثالثة إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200]فلهذا السبب اختلف العلماء فقال الشافعي: واجب أن يقول، أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم و هو قول أبي حنيفة، قالوا: لأن هذا النظم موافق لقوله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ ، و موافق أيضا لظاهر الخبر الذي رويناه عن جبير بن مطعم، و قال أحمد: الأولى أن يقول أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم جمعا بين الآيتين، و قال بعض أصحابنا، الأولى أن يقول: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، لأن هذا أيضا جمع بين الآيتين، و

روى البيهقي في «كتاب السنن» بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا قام من الليل كبر ثلاثا و قال: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم،

و قال الثوري و الأوزاعي: الأولى أن يقول أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إن اللّه هو السميع العليم، و

روى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد عليه الصلاة و السلام قال: قل يا محمد:

أستعيذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ [العلق: 1].

و بالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل ما يكون مانعا من الاستغراق في اللّه، و التسمية توجه القلب إلى هيبة جلال اللّه و اللّه الهادي.

هل التعوذ للقراءة أو للصلاة:

المسألة السابعة هل التعوذ للقراءة أو للصلاة : التعوذ في الصلاة لأجل القراءة أم لأجل الصلاة؟عند أبي حنيفة و محمد أنه لأجل القراءة، و عند أبي يوسف أنه لأجل الصلاة، و يتفرع على هذا الأصل فرعان: الفرع الأول: أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام أم لا؟عندهما لا يتعوذ، لأنه لا يقرأ، و عنده يتعوذ، وجه قولهما قوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْتَ اَلْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ اَلشَّيْطََانِ اَلرَّجِيمِ علق الاستعاذة على القراءة، و لا قراءة على المقتدي، فلا يتعوذ، و وجه قول‏

69

أبي يوسف أن التعوذ لو كان للقراءة لكان يتكرر بتكرر القراءة، و لما لم يكن كذلك بل كرر بتكرر الصلاة دل على أنها للصلاة لا للقراءة، الفرع الثاني: إذا افتتح صلاة العيد فقال: سبحانك اللهم و بحمدك هل يقول: أعوذ باللّه ثم يكبر أم لا؟عندهما أنه يكبر التكبيرات ثم يتعوذ عند القراءة و عند أبي يوسف يقدم التعوذ على التكبيرات.

و بقي من مسائل الفاتحة أشياء نذكرها هاهنا:

السنة في القراءة:

المسألة الثامنة السنة في القراءة : السنة أن يقرأ القرآن على الترتيل، لقوله تعالى: وَ رَتِّلِ اَلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل: 4] و الترتيل هو أن يذكر الحروف و الكلمات مبينة ظاهرة، و الفائدة فيه أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ، و أفهم غيره تلك المعاني، و إذا قرأها بالسرعة لم يفهم و لم يفهم، فكان الترتيل أولى،

فقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يقال لصاحب القرآن اقرأ و ارق و رتل كما كنت ترتل في الدنيا»

قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، يقال للقارئ: اقرأ و ارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن، فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة.

المسألة التاسعة: إذا قرأ القرآن جهرا فالسنة أن يجيد في القراءة،

روى أبو داود عن البراء بن عازب قال:

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «زينوا القرآن بأصواتكم» .

المسألة العاشرة: المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة، و يدل على أن المشابهة حاصلة بينهما جدا و التمييز عسر، فوجب أن يسقط التكليف بالفرق، بيان المشابهة من وجوه: الأول: أنهما من الحروف المجهورة، و الثاني: أنهما من الحروف الرخوة، و الثالث: أنهما من الحروف المطبقة، و الرابع: أن الظاء و إن كان مخرجه من بين طرف/اللسان و أطراف الثنايا العليا و مخرج الضاد من أول حافة اللسان و ما يليها من الأضراس إلا أنه حصل في الضاد انبساط لأجل رخاوتها و بهذا السبب يقرب مخرجه من مخرج الظاء، و الخامس: أن النطق بحرف الضاد مخصوص بالعرب‏

قال عليه الصلاة و السلام: «أنا أفصح من نطق بالضاد»

فثبت بما ذكرنا أن المشابهة بين الضاد و الظاء شديدة و أن التمييز عسر، و إذا ثبت هذا فنقول: لو كان هذا الفرق معتبرا لوقع السؤال عنه في زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و في أزمنة الصحابة، لا سيما عند دخول العجم في الإسلام، فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذه المسألة ألبتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف.

المسألة الحادية عشرة: اختلفوا في أن اللام المغلظة هل هي من اللغات الفصيحة أم لا؟و بتقدير أن يثبت كونها من اللغات الفصيحة لكنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تغليظها حال كونها مكسورة لأن الانتقال من الكسرة إلى التلفظ باللام المغلظة ثقيل على اللسان، فوجب نفيه عن هذه اللغة.

لا تجوز الصلاة بالشاذة:

المسألة الثانية عشرة لا تجوز الصلاة بالشاذة : اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة مثل قولهم «الحمد للّه» بكسر الدال من الحمد أو بضم اللام من للّه، لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقا، لأنها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى حد التواتر، و لما لم يكن كذلك علمنا أنها ليست من القرآن، إلا أنا عدلنا

70

عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع.

المسألة الثالثة عشرة: اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر و فيه إشكال:

و ذلك لأنا نقول: هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون، فإن كان الأول فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن اللّه تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات و سوى بينها في الجواز، و إذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر، فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير، لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة، و يحمل الناس عليها و يمنعهم من غيرها، فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه، و أما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم و القطع و اليقين، و ذلك باطل بالإجماع، و لقائل أن يجيب عنه فيقول: بعضها متواتر، و لا خلاف بين الأمة فيه، و تجويز القراءة بكل واحد منها، و بعضها من باب الآحاد و كون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعيا، و اللّه أعلم.

الباب الثاني في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا: (أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم)

اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة: الاستعاذة، و المستعيذ، و المستعاذ به، و المستعاذ منه، و الشي‏ء الذي لأجله تحصل الاستعاذة.

الركن الأول: في الاستعاذة، و فيه مسائل: - تفسير الاستعاذة:

المسألة الأولى‏ تفسير الاستعاذة : في تفسير قولنا: «أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم» بحسب اللغة فنقول: قوله: «أعوذ» مشتق من العوذ، و له معنيان: أحدهما: الالتجاء و الاستجارة، و الثاني: الالتصاق يقال: «أطيب اللحم عوذه» و هو ما التصق منه بالعظم، فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ باللّه أي: ألتجئ إلى رحمة اللّه تعالى و عصمته، و على الوجه الثاني معناه ألتصق نفسي بفضل اللّه و برحمته.

و أما الشيطان ففيه قولان: الأول: أنه مشتق من الشطن، و هو البعد، يقال: شطن دارك أي بعد، فلا جرم سمي كل متمرد من جن و إنس و دابة شيطانا لبعده من الرشاد و السداد، قال اللّه تعالى: وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيََاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ [الأنعام: 112]فجعل من الإنس شياطين، و ركب عمر برذونا فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه و قال: ما حملتموني إلا على شيطان. و القول الثاني: أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل، و لما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلا لوجوه مصالح نفسه سمي شيطانا.