التفسير الكبير - ج2

- الفخر الرازي‏ المزيد...
448 /
249

الجزء الثاني‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

سورة البقرة

مدنية إلا آية 281 فنزلت بمنى في حجة الوداع و آياتها مائتان و ست و ثمانون

تفسير الم حروف الهجاء:

الم فيه مسألتان: المسألة الأولى: - اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، لأن الضاد مثلاً لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، و ذلك المعنى هو الحرف الأول من «ضرب» فثبت أنها أسماء و لأنها يتصرف فيها بالإمالة و التفخيم و التعريف و التنكير و الجمع و التصغير و الوصف و الإسناد و الإضافة، فكانت لا محالة أسماء. فإن قيل‏

قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «من قرأ حرفاً من كتاب اللّه تعالى فله حسنة، و الحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، لكن ألف حرف، و لام حرف، و ميم حرف» الحديث،

و الاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا: سماه حرفاً مجازاً لكونه اسماً للحرف، و إطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور.

معاني تسمية حروفها:

فروع: الأول: أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة، و هي أن المسميات لما كانت ألفاظاً كأساميها و هي حروف مفردة و الأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكناً.

حكمها ما لم تلها العوامل:

الثاني: حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب كقولك هذه ألف و كتبت ألفاً و نظرت إلى ألف، و هكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى، و حركات اللفظ دالة على أحوال المعنى، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات.

250

/كونها معربة:

الثالث: هذه الأسماء معربة و إنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه، و الدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف و أين و هؤلاء و لم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين.

معاني ألم:

المسألة الثانية: معاني ألم للناس في قوله تعالى: الم و ما يجري مجراه من الفواتح قولان: أحدهما: أن هذا علم مستور و سر محجوب استأثر اللّه تبارك و تعالى به. و قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: للّه في كل كتاب سر و سره في القرآن أوائل السور، و

قال علي رضي اللّه عنه: إن لكل كتاب صفوة و صفوة هذا الكتاب حروف التهجي.

و قال بعض العارفين: العلم بمنزلة البحر فأجرى منه وادٍ ثم أجرى من الوادي نهر ثم أجرى من النهر جدول، ثم أجرى من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه و أفسده، و لو سال البحر إلى الوادي لأفسده، و هو المراد من قوله تعالى: أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَسََالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهََا [الرعد: 17]فبحور العلم عند اللّه تعالى، فأعطي الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم. و على هذا ما

روي في الخبر «للعلماء سر، و للخلفاء سر و للأنبياء سر، و للملائكة سر، و للّه من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، و لو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، و لو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، و لو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، و لو اطلع الملائكة على سر اللّه تعالى لطاحوا حائرين، و بادوا بائرين‏

و السبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، و لما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، و كذلك علماء الباطن، و هم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر. و سئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر اللّه فلا تطلبوه، و روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: عجزت العلماء عن إدراكها، و قال الحسين بن الفضل: هو من المتشابه.

و اعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول، و قالوا لا يجوز أن يرد في كتاب اللّه تعالى ما لا يكون مفهوماً للخلق، و احتجوا عليه بالآيات و الأخبار و المعقول.

حجج المتكلمين بالآيات:

أما الآيات فأربعة عشر. أحدها: قوله تعالى: أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ََ قُلُوبٍ أَقْفََالُهََا [محمد: 24] أمرهم بالتدبر في القرآن، و لو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه و ثانيها: قوله: أَ فَلاََ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ وَ لَوْ كََانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اَللََّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلاََفاً كَثِيراً [النساء: 82]فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض و الاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق و ثالثها: قوله: وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ‏`نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ‏`عَلى‏ََ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُنْذِرِينَ‏`بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: 192-195]فلو لم يكن مفهوماً بطل كون الرسول صلى اللّه عليه و سلم‏

251

منذراً به، و أيضاً قوله: بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ يدل على أنه نازل بلغة العرب، و إذا/كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوماً. و رابعها: قوله: لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83]و الاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه و خامسها: قوله: تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ [النحل: 89]و قوله: مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ [الأنعام: 38] و سادسها: قوله: هُدىً لِلنََّاسِ* [البقرة: 185]، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]و غير المعلوم لا يكون هدى و سابعها: قوله: حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ [القمر: 5]و قوله: وَ شِفََاءٌ لِمََا فِي اَلصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57]و كل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم و ثامنها: قوله: قَدْ جََاءَكُمْ مِنَ اَللََّهِ نُورٌ وَ كِتََابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15] و تاسعها: قوله: أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ يُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ، إِنَّ فِي ذََلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى‏ََ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: 51]و كيف يكون الكتاب كافياً و كيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم؟ و عاشرها: قوله تعالى: هََذََا بَلاََغٌ لِلنََّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ فكيف يكون بلاغاً، و كيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم؟و قال في آخر الآية وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ [إبراهيم: 52]و إنما يكون كذلك لو كان معلوماً الحادي عشر: قوله: قَدْ جََاءَكُمْ بُرْهََانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء: 174]فكيف يكون برهاناً و نوراً مبيناً مع أنه غير معلوم؟ الثاني عشر: قوله: فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدََايَ فَلاََ يَضِلُّ وَ لاََ يَشْقى‏ََ، `وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه: 123، 124]فكيف يمكن اتباعه و الإعراض عنه غير معلوم؟ الثالث عشر: إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم؟ الرابع عشر: قوله تعالى: آمَنَ اَلرَّسُولُ -إلى قوله‏ سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا [البقرة: 285]و الطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوماً.

الاحتجاج بالأخبار:

و أما الأخبار:

فقوله عليه السلام: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه و سنتي»

فكيف يمكن التمسك به و هو غير معلوم؟و

عن علي رضي اللّه عنه أنه عليه السلام قال: عليكم بكتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم و خبر ما بعدكم و حكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللّه، و من اتبع الهدى في غيره أضله اللّه، و هو حبل اللّه المتين، و الذكر الحكيم و الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، و لا تشبع منه العلماء، و لا يخلق على كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، و من حكم به عدل، و من خاصم به فلج، و من دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

الاحتجاج بالمعقول:

أما المعقول فمن وجوه: أحدها: أنه لو ورد شي‏ء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، و لما لم يجز ذاك فكذا هذا و ثانيها: أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً و سفهاً، و أنه لا يليق بالحكيم و ثالثها: أن التحدي وقع بالقرآن و ما لا يكون معلوماً لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، و احتج مخالفوهم بالآية، و الخبر، و المعقول.

احتجاج مخالفي المتكلمين بالآيات:

أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن و أنه غير معلوم، لقوله تعالى: وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ ـ

252

و الوقف هاهنا واجب لوجوه.

أحدها: أن قوله تعالى: وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ [آل عمران: 7]لو كان معطوفاً على قوله: إِلاَّ اَللََّهُ لبقي‏ يَقُولُونَ آمَنََّا بِهِ منقطعاً عنه و أنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، /لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون اللّه تعالى قائلاً: آمَنََّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنََا و هذا كفر. و ثانيها: أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح و ثالثها: أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذماً، لكن قد جعله اللّه تعالى ذماً حيث قال: فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ اِبْتِغََاءَ اَلْفِتْنَةِ وَ اِبْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: 7].

احتجاجهم بالخبر:

و أما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبراً يدل على قولنا، و

روي أنه عليه السلام قال: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة باللّه»

و لأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقاً،

لقوله عليه السلام «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» .

احتجاجهم بالمعقول:

و أما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان. منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا:

كالصلاة و الزكاة و الصوم، فإن الصلاة تواضع محض و تضرع للخالق، و الزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، و الصوم سعي في كسر الشهوة. و منها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه: كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات و السعي بين الصفا و المروة، و الرمل، و الاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من اللّه تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد و نهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة ألبتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد و التسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضاً أن يكون الأمر كذلك في الأقوال؟و هو أن يأمرنا اللّه تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، و تارة بما لا نقف على معناه، و يكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد و التسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، و هي أن الإنسان إذا وقف على المعنى و أحاط به سقط وقعه عن القلب، و إذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتاً إليه أبداً، و متفكراً فيه أبداً، و لباب التكليف إشغال السر بذكر اللّه تعالى و التفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم اللّه تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب.

هل المراد من الفواتح معلوم:

القول الثاني: قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه و ذكروا وجوهاً. الأول: أنها أسماء السور، و هو قول أكثر المتكلمين و اختيار الخليل و سيبويه و قال القفال: و قد سمت العرب بهذه الحروف‏

253

أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، و كقولهم للنحاس: صاد، و للنقد عين، و للسحاب غين، و قالوا:

جبل قاف، و سموا الحوت نوناً، الثاني: أنها أسماء للّه تعالى،

روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول: «يا كهيعص، يا حم عسق»

الثالث: أنها أبعاض/أسماء اللّه تعالى، قال سعيد بن جبير: قوله (الر، حم، ن) مجموعها هو اسم الرحمن، و لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في البواقي، الرابع: أنها أسماء القرآن، و هو قول الكلبي و السدي و قتادة الخامس: أن كل واحد منها دال على اسم من أسماء اللّه تعالى و صفة من صفاته، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما في (آلم) : الألف إشارة إلى أنه تعالى أحد، أول، آخر، أزلي، أبدي، و اللام إشارة إلى أنه لطيف، و الميم إشارة إلى أنه ملك مجيد منان، و قال في: كهيعص إنه ثناء من اللّه تعالى على نفسه، و الكاف يدل على كونه كافياً، و الهاء يدل على كونه هادياً، و العين يدل على العالم، و الصاد يدل على الصادق و ذكر ابن جرير عن ابن عباس أنه حمل الكاف على الكبير و الكريم، و الياء على أنه يجير، و العين على العزيز و العدل. و الفرق بين هذين الوجهين أنه في الأول خصص كل واحد من هذه الحروف باسم معين، و في الثاني ليس كذلك، السادس: بعضها يدل على أسماء الذات، و بعضها على أسماء الصفات. قال ابن عباس في الم* أنا اللّه أعلم، و في‏ المص أنا اللّه أفصل، و في‏ الر* أنا اللّه أرى، و هذا رواية أبي صالح و سعيد بن جبير عنه. السابع: كل واحد منها يدل على صفات الأفعال، فالألف آلاؤه، و اللام لطفه، و الميم مجده قاله محمد بن كعب القرظي. و قال الربيع بن أنس: ما منها حرف إلا في ذكر آلائه و نعمائه. الثامن: بعضها يدل على أسماء للّه تعالى و بعضها يدل على أسماء غير اللّه، فقال الضحاك: الألف من اللّه، و اللام من جبريل، و الميم من محمد، أي أنزل اللّه الكتاب على لسان جبريل إلى محمد صلى اللّه عليه و سلم، التاسع: كل واحد من هذه الحروف يدل على فعل من الأفعال، فالألف معناه ألف اللّه محمداً فبعثه نبياً، و اللام أي لامه الجاحدون، و الميم أي ميم الكافرون غيظوا و كبتوا بظهور الحق. و قال بعض الصوفية: الألف معناه أنا، و اللام معناه لي، و الميم معناه مني، العاشر: ما قاله المبرد و اختاره جمع عظيم من المحققين إن اللّه تعالى إنما ذكرها احتجاجاً على الكفار، و ذلك أن الرسول صلى اللّه عليه و سلم لما تحداهم أن يأتوا بمثل القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة فعجزوا عنه أنزلت هذه الحروف تنبيهاً على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، و أنتم قادرون عليها، و عارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند اللّه لا من البشر، الحادي عشر: قال عبد العزيز بن يحيى: إن اللّه تعالى إنما ذكرها لأن في التقدير كأنه تعالى قال: اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، كما أن الصبيان يتعلمون هذه الحروف أولاً مفردة ثم يتعلمون المركبات، الثاني عشر: قول ابن روق و قطرب: إن الكفار لما قالوا: لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26] و تواصلوا بالإعراض عنه أراد اللّه تعالى لما أحب من صلاحهم و نفعهم أن يورد عليهم ما لا يعرفونه ليكون ذلك سبباً لإسكاتهم و استماعهم لما يرد عليهم من القرآن، فأنزل اللّه تعالى عليهم هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: اسمعوا إلى ما يجي‏ء به محمد عليه السلام، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن فكان ذلك سبباً لاستماعهم و طريقاً إلى انتفاعهم، الثالث عشر: قول أبي العالية إن كل حرف منها في مدة أقوام، و آجال /اخرين،

قال ابن عباس رضي اللّه عنه: مر أبو ياسر بن أخطب برسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هو يتلو سورة البقرة الم `ذََلِكَ اَلْكِتََابُ ، [البقرة: 1، 2]ثم أتى أخوه حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف فسألوه عن ألم و قالوا:

ننشدك اللّه الذي لا إله إلا هو أحق أنها أتتك من السماء؟فقال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «نعم كذلك نزلت» ، فقال حيي إن‏

254

كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى و سبعون سنة، فضحك النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال حيي فهل غير هذا؟ فقال: نعم‏ المص ، فقال حيي: هذا أكثر من الأول هذا مائة و إحدى و ستون سنة، فهل غير هذا، قال:

نعم‏ الر* ، فقال حيي هذا أكثر من الأولى و الثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين و إحدى و ثلاثين سنة، فهل غير هذا؟فقال: نعم‏ المر ، قال حيي: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون و لا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فاشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة و لم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد صادقاً فيما يقول إني لأراه يستجمع له هذا كله فقام اليهود، و قالوا اشتبه علينا أمرك كله، فلا ندري أ بالقليل نأخذ أم بالكثير؟فذلك قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ .

[آل عمران: 7]

الرابع عشر: هذه الحروف تدل على انقطاع كلام و استئناف كلام آخر، قال أحمد بن يحيى بن ثعلب: إن العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشي‏ء غير الكلام الذي يريدون استئنافه، فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأول و استئناف الكلام الجديد. الخامس عشر: روى ابن الجوزي عن ابن عباس أن هذه الحروف ثناء أثنى اللّه عز و جل به على نفسه، السادس عشر: قال الأخفش: إن اللّه تعالى أقسم بالحروف المعجمة لشرفها و فضلها و لأنها مباني كتبه المنزلة بالألسنة المختلفة، و مباني أسماء اللّه الحسنى و صفاته العليا، و أصول كلام الأمم، بها يتعارفون و يذكرون اللّه و يوحدونه ثم إنه تعالى اقتصر على ذكر البعض و إن كان المراد، هو الكل، كما تقول قرأت الحمد، و تريد السورة بالكلية، فكأنه تعالى قال:

أقسم بهذه الحروف إن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ، السابع عشر: أن التكلم بهذه الحروف، و إن كان معتاداً لكل أحد، إلا أن كونها مسماة بهذه الأسماء لا يعرفه إلا من اشتغل بالتعلم و الاستفادة، فلما أخبر الرسول عليه السلام عنها من غير سبق تعلم و استفادة كان ذلك إخباراً عن الغيب، فلهذا السبب قدم اللّه تعالى ذكرها ليكون أول ما يسمع من هذه السورة معجزة دالة على صدقه. الثامن عشر:

قال أبو بكر التبريزي: إن اللّه تعالى علم أن طائفة من هذه الأمة تقول بقدم القرآن فذكر هذه الحروف تنبيهاً على أن كلامه مؤلف من هذه الحروف، فيجب أن لا يكون قديماً. التاسع عشر: قال القاضي الماوردي: المراد من «ألم» أنه ألم بكم ذلك الكتاب. أي نزل عليكم، و الإلمام الزيارة، و إنما قال تعالى ذلك لأن جبريل عليه السلام نزل به نزول الزائر العشرون: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة في أول الأمر، و هو رعاية الشريعة، قال تعالى: إِنَّ/اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا* [فصلت: 30]و اللام إشارة إلى الانحناء الحاصل عند المجاهدات، و هو رعاية الطريقة، قال اللّه تعالى: وَ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا فِينََا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنََا [العنكبوت: 69]و الميم إشارة إلى أن يصير العبد في مقام المحبة، كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها و بدايتها عين نهايتها، و ذلك إنما يكون بالفناء في اللّه تعالى بالكلية، و هو مقام الحقيقة، قال تعالى: قُلِ اَللََّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الأنعام: 91] الحادي و العشرون: الألف من أقصى الحلق، و هو أول مخارج الحروف، و اللام من طرف اللسان، و هو وسط المخارج، و الميم من الشفة، و هو آخر المخارج، فهذه إشارة إلى أنه لا بد و أن يكون أول ذكر العبد و وسطه و آخره ليس إلا اللّه تعالى، على ما قال: فَفِرُّوا إِلَى اَللََّهِ [الذاريات: 50]

255

كون فواتح السور أسماءها:

و المختار عند أكثر المحققين من هذه الأقوال أنها أسماء السور، و الدليل عليه أن هذه الألفاظ إما أن لا تكون مفهومة، أو تكون مفهومة، و الأول باطل، أما أولاً فلأنه لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج، و أما ثانياً فلأنه تعالى وصف القرآن أجمع بأنه هدى و ذلك ينافي كونه غير معلوم. و أما القسم الثاني: فنقول: إما أن يكون مراد اللّه تعالى منها جعلها أسماء الألقاب، أو أسماء المعاني، و الثاني باطل، لأن هذه الألفاظ غير موضوعة في لغة العرب لهذه المعاني التي ذكرها المفسرون، فيمتنع حملها عليها، لأن القرآن نزل بلغة العرب، فلا يجوز حملها على ما لا يكون حاصلاً في لغة العرب، و لأن المفسرين ذكروا وجوهاً مختلفة، و ليست دلالة هذه الألفاظ على بعض ما ذكروه أولى من دلالتها على الباقي فأما أن يعمل على الكل، و هو معتذر بالإجماع، لأن كل واحد من المفسرين إنما حمل هذه الألفاظ على معنى واحد من هذه المعاني المذكورة، و ليس فيهم من حملها على الكل، أو لا يحمل على شي‏ء منها، و هو الباقي، و لما بطل هذا القسم وجب الحكم بأنها من أسماء الألقاب.

جعلها أسماء ألقاب أو معاني:

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذه الألفاظ غير معلومة، قوله: «لو جاز ذلك لجاز التكلم مع العربي بلغة الزنج» قلنا: و لم لا يجوز ذلك؟و بيانه أن اللّه تعالى تكلم بالمشكاة و هو بلسان الحبشة، و السجيل و الإستبرق فارسيان، قوله: «وصف القرآن أجمع بأنه هدى و بيان» قلنا: لا نزاع في اشتمال القرآن على المجملات و المتشابهات، فإذا لم يقدح ذلك في كونه هدى و بياناً فكذا هاهنا، سلمنا أنها مفهومة، لكن قولك:

«إنها إما أن تكون من أسماء الألقاب أو من أسماء المعاني» إنما يصح لو ثبت كونها موضوعة لإفادة أمر ما و ذلك ممنوع، و لعل اللّه تعالى تكلم بها لحكمة أخرى، مثل ما قال قطرب من أنهم لما تواضعوا في الابتداء على أن لا يلتفتوا إلى القرآن أمر اللّه تعالى رسوله بأن يتكلم بهذه الأحرف في الابتداء حتى يتعجبوا عند سماعها فيسكتوا، فحينئذ يهجم القرآن على أسمائهم، سلمنا أنها موضوعة لأمر ما، فلم لا يجوز أن يقال: إنها من أسماء المعاني؟قوله: «إنها في اللغة غير موضوعه لشي‏ء ألبتة» قلنا لا نزاع في أنها وحدها غير موضوعة لشي‏ء، و لكن لم لا يجوز أن يقال: إنها مع القرينة المخصوصة تفيد معنى معيناً؟و بيانه من وجوه: أحدها: أنه عليه السلام كان يتحداهم بالقرآن مرة بعد أخرى فلما ذكر هذه الحروف دلت قرينة الحال على أن مراده تعالى من ذكرها أن يقول لهم: إن هذا القرآن إنما تركب من هذه الحروف التي أنتم قادرون عليها، فلو كان هذا من فعل البشر لوجب أن تقدروا على الإتيان بمثله، و ثانيها: أن حمل هذه الحروف على حساب الجمل عادة معلومة عند الناس، و ثالثها: أن هذه الحروف لما كانت أصول الكلام كانت شريفة عزيزة، فاللّه تعالى أقسم بها كما أقسم بسائر الأشياء، و رابعها: أن الاكتفاء من الاسم الواحد بحرف واحد من حروفه عادة معلومة عند العرب، فذكر اللّه تعالى هذه الحروف تنبيهاً على أسمائه تعالى.

سلمنا دليلكم لكنه معارض بوجوه: أحدها: أنا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في الم* و حم* فالاشتباه حاصل فيها، و المقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه.

256

فإن قيل: يشكل هذا بجماعة كثيرين يسمون بمحمد، فإن الاشتراك فيه لا ينافي العلمية. قلنا: قولنا الم* لا يفيد معنى ألبتة، فلو جعلناه علماً لم يكن فيه فائدة سوى التعيين و إزالة الاشتباه فإذا لم يحصل هذا الغرض امتنع جعله علماً، بخلاف التسمية بمحمد، فإن في التسمية به مقاصد أخرى سوى التعيين، و هو التبرك به لكونه اسماً للرسول، و لكونه دالاً على صفة من صفات الشرف، فجاز أن يقصد التسمية به لغرض آخر من هذه الأغراض سوى التعيين، بخلاف قولنا: الم* فإنه لا فائدة فيه سوى التعيين، فإذا لم يفد هذه الفائدة كانت التسمية به عبثاً محضاً. و ثانيها: لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، و الأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، و لو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوماً بالتواتر و ارتفع الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنها ليست من أسماء السور، و ثالثها: أن القرآن نزل بلسان العرب، و هم ما تجاوزوا ما سموا به مجموع اسمين نحو معد يكرب و بعلبك، و لم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء و أربعة و خمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغة العرب، و أنه غير جائز، و رابعها: أنها لو كانت أسماء هذه السور لوجب اشتهار هذه السور بها لا بسائر الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة و سورة آل عمران، و خامسها: هذه الألفاظ داخلة في السورة و جزء منها، و جزء الشي‏ء مقدم على الشي‏ء بالرتبة، و اسم الشي‏ء متأخر عن الشي‏ء بالرتبة، فلو جعلناها اسماً للسورة لزم التقدم و التأخر معاً، و هو محال، فإن قيل:

مجموع قولنا: «صاد» اسم للحرف الأول منه، فإذا جاز أن يكون المركب اسماً لبعض مفرداته فلم لا يجوز أن تكون بعض مفردات ذلك المركب اسماً لذلك المركب؟قلنا: الفرق ظاهر، لأن المركب يتأخر عن المفرد، و الاسم يتأخر عن المسمى، فلو جعلنا المركب اسماً للمفرد لم يلزم إلا تأخر ذلك المركب عن ذلك المفرد من وجهين، و ذلك غير مستحيل، أما لو جعلنا المفرد اسماً للمركب لزم من حيث إنه مفرد كونه متقدماً و من حيث إنه اسم كونه متأخراً، /و ذلك محال، و سادسها: لو كان كذلك لوجب أن لا تخلو سورة من سور القرآن من اسم على هذا الوجه، و معلوم أنه غير حاصل.

الجواب: «قوله المشكاة و السجيل ليستا من لغة العرب» قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن كل ذلك عربي، لكنه موافق لسائر اللغات، و قد يتفق مثل ذلك في اللغتين: الثاني: أن المسمى بهذه الأسماء لم يوجد أولاً في بلاد العرب، فلما عرفوه عرفوا منها أسماءها، فتكلموا بتلك الأسماء، فصارت تلك الألفاظ عربية أيضاً.

قوله: «وجد أن المجمل في كتاب اللّه لا يقدح في كونه بياناً» قلنا: كل مجمل وجد في كتاب اللّه تعالى قد وجد في العقل، أو في الكتاب، أو في السنة بيانه، و حينئذ يخرج عن كونه غير مفيد، إنما البيان فيما لا يمكن معرفة مراد اللّه منه.

و قوله: «لم لا يجوز أن يكون المقصود من ذكر هذه الألفاظ إسكاتهم عن الشغب؟» قلنا: لو جاز ذكر هذه الألفاظ لهذا الغرض فليجز ذكر سائر الهذيانات لمثل هذا الغرض، و هو بالإجماع باطل.

و أما سائر الوجوه التي ذكروها فقد بينا أن قولنا: «ألم» غير موضوع في لغة العرب لإفادة تلك المعاني، فلا يجوز استعمالها فيه، لأن القرآن إنما نزل بلغة العرب، و لأنها متعارضة، فليس حمل اللفظ على بعضها أولى‏

257

من البعض، و لأنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت أبواب تأويلات الباطنية و سائر الهذيانات، و ذلك مما لا سبيل إليه.

أما الجواب عن المعارضة الأولى: فهو أن لا يبعد أن يكون في تسمية السور الكثيرة باسم واحد-ثم يميز كل واحد منها عن الآخر بعلامة أخرى-حكمة خفية.

و عن الثاني: أن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام، فجاز أن لا يبلغ في الشهرة إلى حد التواتر.

و عن الثالث: أن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب إذا جعلت اسماً واحداً على طريقة «حضرموت» فأما غير مركبة بل صورة نثر أسماء الأعداد فذاك جائز، فإن سيبويه نص على جواز التسمية بالجملة، و البيت من الشعر، و التسمية بطائفة من أسماء حروف المعجم.

و عن الرابع: أنه لا يبعد أن يصير اللقب أكثر شهرة من الاسم الأصلي فكذا هاهنا.

و عن الخامس: أن الاسم لفظ دال على أمر مستقل بنفسه من غير دلالة على زمانه المعين، و لفظ الاسم كذلك، فيكون الاسم اسماً لنفسه، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون جزء الشي‏ء اسماً له.

و عن السادس: أن وضع الاسم إنما يكون بحسب الحكمة، و لا يبعد أن تقتضي الحكمة/وضع الاسم لبعض السور دون البعض. على أن القول الحق: أنه تعالى يفعل ما يشاء، فهذا منتهى الكلام في نصرة هذه الطريقة.

و اعلم أن بعد هذا المذهب الذي نصرناه بالأقوال التي حكيناها قول قطرب: من أن المشركين قال بعضهم لبعض: لاََ تَسْمَعُوا لِهََذَا اَلْقُرْآنِ وَ اِلْغَوْا فِيهِ [فصلت: 26]فكان إذا تكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في أول هذه السورة بهذه الألفاظ ما فهموا منها شيئاً، و الإنسان حريص على ما منع، فكانوا يصغون إلى القرآن و يتفكرون و يتدبرون في مقاطعه و مطالعه، رجاء أنه ربما جاء كلام يفسر ذلك المبهم، و يوضح ذلك المشكل. فصار ذلك وسيلة إلى أن يصيروا مستمعين للقرآن و متدبرين في مطالعه و مقاطعه. و الذي يؤكد هذا المذهب أمران: أحدهما: أن هذه الحروف ما جاءت إلا في أوائل السور، و ذلك يوهم أن الغرض ما ذكرنا و الثاني: إن العلماء قالوا: أن الحكمة في إنزال المتشابهات هي أن المعلل لما علم اشتمال القرآن على المتشابهات فإنه يتأمل القرآن و يجتهد في التفكر فيه على رجاء أنه ربما وجد شيئاً يقوي قوله و ينصر مذهبه، فيصير ذلك سبباً لوقوفه على المحكمات المخلصة له عن الضلالات، فإذا جاز إنزال المتشابهات التي توهم الضلالات لمثل هذا الغرض فلأن يجوز إنزال هذه الحروف التي لا توهم شيئاً من الخطأ و الضلال لمثل هذا الغرض كان أولى. أقصى ما في الباب أن يقال: لو جاز ذلك فليجز أن يتكلم بالزنجية مع العربي و أن يتكلم بالهذيان لهذا الغرض، و أيضاً فهذا يقدح في كون القرآن هدى و بياناً، لكنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن اللّه تعالى إذا تكلم بالزنجية مع العربي-و كان ذلك متضمناً لمثل هذه المصلحة-فإن ذلك يكون جائزاً؟و تحقيقه أن الكلام فعل من الأفعال، و الداعي إليه قد يكون هو الإفادة، و قد يكون غيرها، قوله: «أنه يكون هذياناً» قلنا: إن عنيت بالهذيان الفعل الخالي عن المصلحة بالكلية فليس الأمر كذلك، و إن عنيت به الألفاظ الخالية عن الإفادة فلم قلت إن ذلك يقدح في الحكمة إذا كان فيها وجوه‏

258

أخر من المصلحة سوى هذا الوجه؟و أما وصف القرآن بكونه هدى و بياناً فذلك لا ينافي ما قلناه، لأنه إذا كان الغرض ما ذكرناه كان استماعها من أعظم وجوه البيان و الهدى و اللّه أعلم.

القول بأنها أسماء السور:

فروع على القول بأنها أسماء السور: الأول: هذه الأسماء على ضربين: أحدهما: يتأتى فيه الإعراب، و هو إما أن يكون اسماً مفرداً «كصاد، و قاف، و نون» أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحم، و طس و يس، فإنها موازنة لقابيل و هابيل، و أما طسم فهو و إن كان مركباً من ثلاثة أسماء فهو (كدر أبجرد) ، و هو من باب ما لا ينصرف، لاجتماع سببين فيها و هما العلمية و التأنيث. و الثاني: ما لا يتأتى فيه الإعراب، نحو كهيعص، و المر، إذا عرفت هذا فنقول: أما المفردة ففيها قراءتان: إحداهما: قراءة من قرأ صاد و قاف و نون بالفتح، و هذه الحركة يحتمل أن تكون هي النصب بفعل مضمر نحو: اذكر، و إنما لم يصحبه التنوين لامتناع الصرف كما تقدم بيانه و أجاز/سيبويه مثله في حم و طس و يس لو قرئ به، و حكى السيرافي أن بعضهم قرأ «يس» بفتح النون، و أن يكون الفتح جراً، و ذلك بأن يقدرها مجرورة بإضمار الباء القسمية، فقد جاء عنهم: «اللّه لأفعلن» غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، و يتأكد هذا بما روينا عن بعضهم «أن اللّه تعالى أقسم بهذه الحروف» ، و ثانيتها: قراءة بعضهم صاد بالكسر. و سببه التحريك لالتقاء الساكنين. أما القسم الثاني-و هو ما لا يتأتى الإعراب فيه-فهو يجب أن يكون محكياً، و معناه أن يجاء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته الأولى كقولك: «دعني من تمرتان» .

الثاني: أن اللّه تعالى أورد في هذه الفواتح نصف أسامي حروف المعجم: أربعة عشر سواء، و هي:

الألف، و اللام، و الميم، و الصاد، و الراء، و الكاف، و الهاء، و الياء، و العين و الطاء، و السين، و الحاء، و القاف، و النون في تسع و عشرين سورة.

الثالث: هذه الفواتح جاءت مختلفة الأعداد، فوردت «ص ق ن» على حرف، و «طه و طس و يس و حم» على حرفين، و «ألم و الر و طسم» على ثلاثة أحرف، و المص و المر على أربعة أحرف، و «كهيعص و حم عسق» على خمسة أحرف، و السبب فيه أن أبنية كلماتهم على حرف و حرفين إلى خمسة أحرف فقط فكذا هاهنا.

الرابع: هل لهذه الفواتح محل من الإعراب أم لا؟فنقول: إن جعلناها أسماء للسور فنعم، ثم يحتمل الأوجه الثلاثة، أما الرفع فعلى الابتداء، و أما النصب و الجر فلما مر من صحة القسم بها، و من لم يجعلها أسماء للسور لم يتصور أن يكون لها محل على قوله، كما لا محل للجمل المبتدأة و للمفردات المعدودة.

الإشارة في «ذلك الكتاب» :

قوله تعالى: ذََلِكَ اَلْكِتََابُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: المشار إليه هاهنا حاضر، و «ذلك» اسم مبهم يشار به إلى البعيد، و الجواب عنه من وجهين: الأول: لا نسلم أن المشار إليه حاضر، و بيانه من وجوه: أحدها: ما قاله الأصم: ـ

259

و هو أن اللّه تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، و هي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد و فساد الشرك و إثبات النبوة و إثبات المعاد، فقوله: ذََلِكَ إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة، و قد يسمى بعض القرآن قرآناً، قال اللّه تعالى: وَ إِذََا قُرِئَ اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ [الأعراف: 204]و قال حاكياً عن الجن‏ إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً [الجن: 1]و قوله: إِنََّا سَمِعْنََا كِتََاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى‏ََ [الأحقاف: 30]و هم ما سمعوا إلا البعض، و هو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت، و ثانيها: أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي، و هو عليه السلام أخبر أمته بذلك و روت الأمة ذلك عنه، /و يؤيده قوله: إِنََّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً [المزمل: 5]و هذا في سورة المزمل، و هي إنما نزلت في ابتداء المبعث، و ثالثها: أنه تعالى خاطب بني إسرائيل، لأن سورة البقرة مدنية، و أكثرها احتجاج على بني إسرائيل، و قد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى و عيسى عليهما السلام أن اللّه يرسل محمداً صلى اللّه عليه و سلم و ينزل عليه كتاباً فقال تعالى: ذََلِكَ اَلْكِتََابُ أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن اللّه تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، و رابعها: أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا [الزخرف: 4]و قد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك، فغير ممتنع أن يقول تعالى: ذََلِكَ اَلْكِتََابُ ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. و خامسها: أنه وقعت الإشارة بذلك إلى «ألم» بعد ما سبق التكلم به و انقضى، و المنقضى في حكم المتباعد، و سادسها: أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك-و قد أعطيته شيئاً-احتفظ بذلك. و سابعها: أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة و علوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها-و القرآن و إن كان حاضراً نظراً إلى صورته لكنه غائب نظراً إلى أسراره و حقائقه-فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب.

«ذلك» يشار بها للقريب و البعيد:

المقام الثاني: سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة «ذلك» لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، و هذا حرفا إشارة، و أصلهما «ذا» ، لأنه حرف للإشارة، قال تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً* [البقرة: 245]و معنى «ها» تنبيه، فإذا قرب الشي‏ء أشير إليه فقيل: هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه، و قد تدخل الكاف على «ذا» للمخاطبة و اللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل: «ذلك» فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في أصل الوضع، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، و إن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض، و إذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله هاهنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، و حينئذ لا يفيد البعد، و لأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى: وَ اُذْكُرْ عِبََادَنََا إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ -إلى قوله- وَ كُلٌّ مِنَ اَلْأَخْيََارِ [ص: 45-48]ثم قال: هََذََا ذِكْرُ* [الأنبياء: 24]و قال: وَ عِنْدَهُمْ قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ أَتْرََابٌ‏`هََذََا مََا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ اَلْحِسََابِ [ص: 52، 53]و قال: وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19]و قال: فَأَخَذَهُ اَللََّهُ نَكََالَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْأُولى‏ََ`إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى‏ََ [النازعات: 25، 26] و قال: وَ لَقَدْ كَتَبْنََا فِي اَلزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ اَلذِّكْرِ أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهََا عِبََادِيَ اَلصََّالِحُونَ [الأنبياء: 105]ثم قال: إِنَ‏

260

فِي هََذََا لَبَلاََغاً لِقَوْمٍ عََابِدِينَ [الأنبياء: 106]و قال: فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتى‏ََ [البقرة: 73]أي هكذا يحيي اللّه الموتى، و قال: وَ مََا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يََا مُوسى‏ََ [طه: 17]أي ما هذه التي بيمينك و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم ذكر اسم الإشارة و المشار إليه مؤنث، و هو السورة، / الجواب:

لا نسلم أن المشار إليه مؤنث، لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم، و الأول باطل، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن و هو ليس بمؤنث، و أما الاسم فهو (ألم) و هو ليس بمؤنث، نعم ذلك المسمى له اسم آخر-و هو السورة-و هو مؤنث، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث و هو (ألم) ، لا الذي هو مؤنث و هو السورة.

مدلول لفظ «كتاب» :

المسألة الثالثة: اعلم أن أسماء القرآن كثيرة: أحدها: الكتاب و هو مصدر كالقيام و الصيام و قيل: فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس، و اتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال: كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ* [ص: 29]و الكتاب جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الفرض‏ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ [البقرة: 178] كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ [البقرة: 183] إِنَّ اَلصَّلاََةَ كََانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتََاباً مَوْقُوتاً [النساء: 103]و ثانيها:

الحجة و البرهان‏ فَأْتُوا بِكِتََابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ [الصافات: 157]أي برهانكم. و ثالثها: الأجل‏ وَ مََا أَهْلَكْنََا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاََّ وَ لَهََا كِتََابٌ مَعْلُومٌ [الحجر: 4]أي أجل. و رابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده‏ وَ اَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ اَلْكِتََابَ مِمََّا مَلَكَتْ أَيْمََانُكُمْ [النور: 33]و هذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال و الخصام و القتال بمعنى المجادلة و المخاصمة و المقاتلة، و اشتقاق الكتاب من كتبت الشي‏ء إذا جمعته، و سميت الكتيبة لاجتماعها، فسمي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأن اللّه تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق.

اشتقاق لفظ «قرآن» :

و ثانيها: القرآن‏ قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلى‏ََ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هََذَا اَلْقُرْآنِ [الإسراء: 88] إِنََّا جَعَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [الزخرف: 3] شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ [البقرة: 185]. إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]و للمفسرين فيه قولان: أحدهما: قول ابن عباس أن القرآن و القراءة واحد، كالخسران و الخسارة واحد، و الدليل عليه قوله: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 18]أي تلاوته، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته: الثاني: و هو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل: قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، و قال سفيان بن عيينة: سمي القرآن قرآناً لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، و الكلمات جمعت فصارت آيات، و الآيات جمعت فصارت سوراً، و السور جمعت فصارت قرآناً، ثم جمع فيه علوم الأولين و الآخرين. فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية.

معنى الفرقان:

و ثالثها: الفرقان: تَبََارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقََانَ عَلى‏ََ عَبْدِهِ [الفرقان: 1]. وَ بَيِّنََاتٍ مِنَ اَلْهُدى‏ََ وَ اَلْفُرْقََانِ

261

[البقرة: 185]و اختلفوا في تفسيره، فقيل: سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقاً أنزله في نيف و عشرين سنة، و دليله قوله تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْنََاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنََّاسِ عَلى‏ََ مُكْثٍ وَ نَزَّلْنََاهُ تَنْزِيلاً [الإسراء: 106]و نزلت سائر الكتب جملة واحدة، و وجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى: وَ قََالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لاََ نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْآنُ جُمْلَةً وََاحِدَةً كَذََلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤََادَكَ [الفرقان: 32]و قيل: سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق و الباطل، و الحلال و الحرام، و المجمل و المبين، و المحكم و المؤول، و قيل: الفرقان هو النجاة، و هو قول عكرمة و السدي، و ذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، /و عليه حمل المفسرون قوله: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ اَلْفُرْقََانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: 53].

معنى تسميته بالذكر:

و رابعها: الذكر، و التذكرة، و الذكرى، أما الذكر فقوله: وَ هََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ أَنْزَلْنََاهُ [الأنبياء: 50] إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ [الحجر: 9]. وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ [الزخرف: 44]و فيه وجهان: أحدهما: أنه ذكر من اللّه تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه و أوامره. و الثاني: أنه ذكر و شرف و فخر لمن آمن به، و أنه شرف لمحمد صلى اللّه عليه و سلم، و أمته، و أما التذكرة فقوله: وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة: 48]و أما الذكرى فقوله تعالى:

وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرى‏ََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55].

تسميته تنزيلاً و حديثاً:

و خامسها: التنزيل‏ وَ إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ‏`نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ [الشعراء: 192-193].

و سادسها: الحديث‏ اَللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ كِتََاباً [الزمر: 23]سماه حديثاً، لأن وصوله إليك حديث، و لأنه تعالى شبهه بما يتحدث به، فإن اللّه خاطب به المكلفين.

و سابعها: الموعظة يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ قَدْ جََاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس: 57]و هو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو اللّه تعالى، و الآخذ جبريل، و المستملي محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكيف لا تقع به الموعظة.

تسميته بالحكم و الحكمة:

و ثامنها: الحكم، و الحكمة، و الحكيم، و المحكم، أما الحكم فقوله: وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََاهُ حُكْماً عَرَبِيًّا [الرعد: 37]و أما الحكمة فقوله: حِكْمَةٌ بََالِغَةٌ [القمر: 5] وَ اُذْكُرْنَ مََا يُتْلى‏ََ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيََاتِ اَللََّهِ وَ اَلْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34]و أما الحكيم فقوله: يس‏`وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ [يس: 1، 2]و أما المحكم فقوله:

كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ [هود: 1].

معنى الحكمة:

و اختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل: هو مأخوذ من الإحكام و الإلزام، و قال المؤرج: هو مأخوذ من حكمة اللجام، لأنها تضبط الدابة، و الحكمة تمنع من السفه.

و تاسعها: الشفاء وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82]و قوله: وَ شِفََاءٌ لِمََا فِي اَلصُّدُورِ و فيه وجهان: أحدهما: أنه شفاء من الأمراض. و الثاني: أنه شفاء من مرض الكفر، لأنه تعالى‏

262

وصف الكفر و الشك بالمرض، فقال: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [البقرة: 10]و بالقرآن يزول كل شك عن القلب، فصح وصفه بأنه شفاء.

كونه هدى و هادياً:

و عاشرها: الهدى، و الهادي: أما الهدى فلقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]. هُدىً لِلنََّاسِ* [آل عمران: 4، الأنعام: 91]. وَ شِفََاءٌ لِمََا فِي اَلصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57]و أما الهادي‏ إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]و قالت الجن: إِنََّا سَمِعْنََا قُرْآناً عَجَباً*`يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ [الجن: 1، 2].

الحادي عشر: الصراط المستقيم: قال ابن عباس في تفسيره: إنه القرآن، و قال: وَ أَنَّ هََذََا صِرََاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ .

و الثاني عشر: الحبل: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً [آل عمران: 103]في التفسير: إنه القرآن، و إنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة و نكال الدنيا، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق و المهالك، و من ذلك‏

سماه النبي صلى اللّه عليه و سلم عصمة فقال: «إن هذا القرآن/عصمة لمن اعتصم به»

لأنه يعصم الناس من المعاصي.

الثالث عشر: الرحمة وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مََا هُوَ شِفََاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 88]و أي رحمة فوق التخليص من الجهالات و الضلالات.

تسميته بالروح:

الرابع عشر: الروح‏ وَ كَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورى: 52]. يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [النحل: 2]و إنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح، و سمي جبريل بالروح‏ فَأَرْسَلْنََا إِلَيْهََا رُوحَنََا [مريم: 17]و عيسى بالروح‏ أَلْقََاهََا إِلى‏ََ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ [النساء: 171].

الخامس عشر: القصص‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ [يوسف: 3]سمي به لأنه يجب اتباعه وَ قََالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: 11]أي اتبعي أثره، أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين، و منه قوله تعلى:

إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْقَصَصُ اَلْحَقُّ [آل عمران: 62].

السادس عشر: البيان، و التبيان، و المبين: أما البيان فقوله: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ [آل عمران: 138] و التبيان فهو قوله: وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ [النحل: 89]و أما المبين فقوله: تِلْكَ آيََاتُ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ* [يوسف: 1].

السابع عشر: البصائر هََذََا بَصََائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: 203]أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيهاً بالبصر الذي يرى طريق الخلاص.

الثامن عشر: الفصل‏ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ‏`وَ مََا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: 13، 14]و اختلفوا فيه، فقيل معناه القضاء، لأن اللّه تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوماً إلى الجنة و يسوق آخرين إلى النار، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة، و من جعله وراءه ساقه إلى النار.

263

تسميته بالنجوم:

التاسع عشر: النجوم‏ فَلاََ أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ اَلنُّجُومِ [الواقعة: 75] وَ اَلنَّجْمِ إِذََا هَوى‏ََ [النجم: 1]لأنه نزل نجماً نجماً.

العشرون: المثاني: مَثََانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: 23]قيل لأنه ثني فيه القصص و الأخبار.

تسميه القرآن نعمة و برهانا:

الحادي و العشرون: النعمة: وَ أَمََّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11]قال ابن عباس يعني به القرآن.

الثاني و العشرون: البرهان‏ قَدْ جََاءَكُمْ بُرْهََانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء: 174]و كيف لا يكون برهاناً و قد عجزت الفصحاء عن أن يأتوا بمثله.

الثالث و العشرون: البشير و النذير، و بهذا الاسم وقعت المشاركة بينه و بين الأنبياء قال تعالى في صفة الرسل: مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ* [النساء: 165، الأنعام: 48]و قال في صفة محمد صلى اللّه عليه و سلم: إِنََّا أَرْسَلْنََاكَ شََاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* [الفتح: 8]و قال في صفة القرآن في حم السجدة بَشِيراً وَ نَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ [فصلت: 4]يعني مبشراً بالجنة لمن أطاع و بالنار منذراً لمن عصى، و من هاهنا نذكر الأسماء المشتركة بين اللّه تعالى و بين القرآن.

تسميته قيماً:

الرابع و العشرون: القيم‏ قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: 2]و الدين أيضاً قيم‏ ذََلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ* [التوبة: 36]و اللّه سبحانه هو القيوم‏ اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ* [البقرة: 255، آل عمران: 2]و إنما سمي قيماً لأنه قائم بذاته في البيان و الإفادة.

الخامس و العشرون: المهيمن‏ وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة: 48]و هو مأخوذ من الأمين، و إنما وصف به لأنه من تمسك بالقرآن أمن الضرر في/الدنيا و الآخرة، و الرب المهيمن أنزل الكتاب المهيمن على النبي الأمين لأجل قوم هم أمناء اللّه تعالى على خلقه كما قال:

وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ [البقرة: 143].

السادس و العشرون: الهادي‏ إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9]و قال: يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ [الجن: 2]و اللّه تعالى هو الهادي لأنه جاء في الخبر «النور الهادي» .

تسميته نوراً:

السابع و العشرون: النور اَللََّهُ نُورُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [النور: 35]و في القرآن‏ وَ اِتَّبَعُوا اَلنُّورَ اَلَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الأعراف: 157]يعني القرآن و سمي الرسول نوراً قَدْ جََاءَكُمْ مِنَ اَللََّهِ نُورٌ وَ كِتََابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15]يعني محمد و سمي دينه نوراً يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ [الصف: 8]و سمي بيانه نوراً

264

أَ فَمَنْ شَرَحَ اَللََّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ فَهُوَ عَلى‏ََ نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: 22]و سمي التوراة نوراً إِنََّا أَنْزَلْنَا اَلتَّوْرََاةَ فِيهََا هُدىً وَ نُورٌ [المائدة: 44]و سمي الإنجيل نوراً وَ آتَيْنََاهُ اَلْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَ نُورٌ [المائدة: 46]و سمي الإيمان نوراً يَسْعى‏ََ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [الحديد: 12].

الثامن و العشرون: الحق: ورد في الأسماء «الباعث الشهيد الحق» و القرآن حق‏ وَ إِنَّهُ لَحَقُّ اَلْيَقِينِ [الحاقة: 51]فسماه اللّه حقاً، لأنه ضد الباطل فيزيل الباطل كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى اَلْبََاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذََا هُوَ زََاهِقٌ [الأنبياء: 18]أي ذاهب زائل.

التاسع و العشرون: العزيز وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلرَّحِيمُ* [الشعراء: 9]و في صفة القرآن‏ وَ إِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ [فصلت: 41]و النبي عزيز لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ [التوبة: 128]و الأمة عزيزة وَ لِلََّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]فرب عزيز أنزل كتاباً عزيزاً على نبي عزيز لأمة عزيزة، و للعزيز معنيان: أحدهما: القاهر، و القرآن كذلك، لأنه هو الذي قهر الأعداء و امتنع على من أراد معارضته.

و الثاني: أن لا يوجد مثله.

تسمية القرآن بالكريم:

الثلاثون: الكريم‏ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ‏`فِي كِتََابٍ مَكْنُونٍ [الواقعة: 77]و اعلم أنه تعالى سمي سبعة أشياء بالكريم‏ مََا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيمِ [الانفطار: 6]إذ لا جواد أجود منه، و القرآن بالكريم، لأنه لا يستفاد من كتاب من الحكم و العلوم ما يستفاد منه، و سمي موسى كريماً وَ جََاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [الدخان: 17]و سمي ثواب الأعمال كريماً فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَ أَجْرٍ كَرِيمٍ [يس: 11]و سمي عرشه كريماً اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ [النمل: 26]لأنه منزل الرحمة، و سمي جبريل كريماً إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* [التكوير: 19] و معناه أنه عزيز، و سمي كتاب سليمان كريماً إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتََابٌ كَرِيمٌ [النمل: 29]فهو كتاب كريم من رب كريم نزل به ملك كريم على نبي كريم لأجل أمة كريمة، فإذا تمسكوا به نالوا ثواباً كريماً.

و من أسمائه «العظيم» :

الحادي و الثلاثون: العظيم: وَ لَقَدْ آتَيْنََاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثََانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ [الحجر: 87]اعلم أنه تعالى سمي نفسه عظيماً فقال: وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ* [البقرة: 255]و عرشه عظيماً وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ [التوبة: 129]و كتابه عظيماً وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ [الحجر: 87]و يوم القيامة عظيماً لِيَوْمٍ عَظِيمٍ‏`يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [المطففين: 5، 6]و الزلزلة عظيمة إِنَّ زَلْزَلَةَ اَلسََّاعَةِ شَيْ‏ءٌ عَظِيمٌ [الحج: 1]و خلق الرسول عظيماً وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ََ خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]و العلم عظيماً وَ كََانَ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [النساء: 113] و كيد النساء عظيماً إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: 28]و سحر سحرة/فرعون عظيماً وَ جََاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: 116]و سمي نفس الثواب عظيماً وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [الفتح: 29]و سمي عقاب المنافقين عظيماً وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 7].

و منها المبارك:

265

الثاني و الثلاثون: المبارك: وَ هََذََا ذِكْرٌ مُبََارَكٌ [الأنبياء: 50]و سمي اللّه تعالى به أشياء، فسمي الموضع الذي كلم فيه موسى عليه السلام مباركاً فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ [القصص: 30]و سمي شجرة الزيتون مباركة يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبََارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ [التوبة: 35]لكثرة منافعها، و سمي عيسى مباركاً وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً [مريم: 31]و سمي المطر مباركاً وَ نَزَّلْنََا مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً مُبََارَكاً [ق: 9]لما فيه من المنافع، و سمي ليلة القدر مباركة إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ [الدخان: 3]فالقرآن ذكر مبارك أنزله ملك مبارك في ليلة مباركة على نبي مبارك لأمة مباركة.

اتصال «ألم» بقوله «ذلك الكتاب» :

المسألة الرابعة: في بيان اتصال قوله: الم بقوله: ذََلِكَ اَلْكِتََابُ قال صاحب الكشاف: إن جعلت الم اسماً للسورة ففي التأليف وجوه:

الأول: أن يكون الم مبتدأ و ذََلِكَ مبتدأ ثانياً و اَلْكِتََابُ خبره و الجملة خبر المبتدأ الأول، و معناه أن ذلك هو الكتاب الكامل، كأن ما عداه من الكتب في مقابلته ناقص، و إنه الذي يستأهل أن يكون كتاباً كما تقول: هو الرجل، أي الكامل في الرجولية الجامع لما يكون في الرجال من مرضيات الخصال، و أن يكون الكتاب صفة، و معناه هو ذلك الكتاب الموعود، و أن يكون الم خبر مبتدأ محذوف أي هذه الم و يكون ذََلِكَ اَلْكِتََابُ خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، و معناه هو ذلك، و أن تكون هذه الم جملة و ذََلِكَ اَلْكِتََابُ جملة أخرى و إن جعلت الم بمنزلة الصوت كان ذََلِكَ مبتدأ و خبره اَلْكِتََابُ أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو الكتاب صفة و الخبر ما بعده أو قدر مبتدأ محذوف، أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف ذلك الكتاب و قرأ عبد اللّه‏ الم‏`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ لاََ رَيْبَ فِيهِ [السجدة: 2]و تأليف هذا ظاهر.

تفسير قوله تعالى: لاََ رَيْبَ فِيهِ :

قوله تعالى: لاََ رَيْبَ فِيهِ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الريب قريب من الشك، و فيه زيادة، كأنه ظن سوء تقول رابني أمر فلان إذا ظننت به سوء، و منها

قوله عليه السلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»

فإن قيل: قد يستعمل الريب في قولهم: «ريب الدهر» و «ريب الزمان» أي حوادثه قال اللّه تعالى: نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ اَلْمَنُونِ [الطور: 30]و يستعمل أيضاً في معنى ما يختلج في القلب من أسباب الغيظ كقول الشاعر:

قضينا من تهامة كل ريب # و خيبر ثم أجمعنا السيوفا

قلنا: هذان قد يرجعان إلى معنى الشك، لأن ما يخاف من ريب المنون محتمل، فهو كالمشكوك/فيه، و كذلك ما اختلج بالقلب فهو غير متيقن، فقوله تعالى: لاََ رَيْبَ فِيهِ المراد منه نفي كونه مظنة للريب بوجه من الوجوه، و المقصود أنه لا شبهة في صحته، و لا في كونه من عند اللّه، و لا في كونه معجزاً. و لو قلت:

المراد لا ريب في كونه معجزاً على الخصوص كان أقرب لتأكيد هذا التأويل بقوله: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا

266

نَزَّلْنََا عَلى‏ََ عَبْدِنََا [البقرة: 23]و هاهنا سؤالات: السؤال الأول: طعن بعض الملحدة فيه فقال: إن عنى أنه لا شك فيه عندنا فنحن قد نشك فيه، و إن عنى أنه لا شك فيه عنده فلا فائدة فيه. الجواب: المراد أنه بلغ في الوضوح إلى حيث لا ينبغي لمرتاب أن يرتاب فيه، و الأمر كذلك، لأن العرب مع بلوغهم في الفصاحة إلى النهاية عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن، و ذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه. السؤال الثاني: لم قال هاهنا: لاََ رَيْبَ فِيهِ و في موضع آخر لاََ فِيهََا غَوْلٌ [الصافات: 47]؟الجواب: لأنهم يقدمون الأهم فالأهم، و هاهنا الأهم نفي الريب بالكلية عن الكتاب، و لو قلت: لا فيه ريب لأوهم أن هناك كتاباً آخر حصل الريب فيه لا ها هنا، كما قصد في قوله: لاََ فِيهََا غَوْلٌ تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، فإنها لا تغتال العقول كما تغتالها خمرة الدنيا السؤال الثالث: من أين يدل قوله: لاََ رَيْبَ فِيهِ على نفي الريب بالكلية؟الجواب: قرأ أبو الشعثاء لاََ رَيْبَ فِيهِ بالرفع. و اعلم أن القراءة المشهورة توجب ارتفاع الريب بالكلية، و الدليل عليه أن قوله: لاََ رَيْبَ نفي لماهية الريب و نفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفراد الماهية، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، و ذلك يناقض نفي الماهية، و لهذا السر كان قولنا: «لا إله إلا اللّه» نفياً لجميع الآلهة سوى اللّه تعالى. و أما قولنا: «لا ريب فيه» بالرفع فهو نقيض لقولنا: «ريب فيه» و هو يفيد ثبوت فرد واحد، فذلك النفي يوجب انتفاء جميع الأفراد ليتحقق التناقض.

الوقف على «فيه» :

المسألة الثانية: الوقف على فِيهِ هو المشهور، و عن نافع و عاصم أنهما وقفا على لاََ رَيْبَ و لا بد للواقف من أن ينوي خبراً، و نظيره قوله: قََالُوا لاََ ضَيْرَ [الشعراء: 50]و قول العرب: لا بأس، و هي كثيرة في لسان أهل الحجاز، و التقدير: «لا ريب فيه فيه هدى» . و اعلم أن القراءة الأولى أولى، لأن على القراءة الأولى يكون الكتاب نفسه هدى، و في الثانية لا يكون الكتاب نفسه هدى بل يكون فيه هدى، و الأول أولى لما تكرر في القرآن من أن القرآن نور و هدى و اللّه أعلم.

حقيقة الهدى:

قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فيه مسائل:

المسألة الأولى: في حقيقة الهدى: الهدى عبارة عن الدلالة، و قال صاحب «الكشاف» : الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، و قال آخرون: الهدى هو الاهتداء و العلم. و الذي يدل/على صحة القول الأول و فساد القول الثاني و الثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبراً في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهتداء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى:

وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمى‏ََ عَلَى اَلْهُدى‏ََ [فصلت: 17]أثبت الهدى مع عدم الاهتداء، و لأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد، و ذلك يدل على قولنا، و احتج صاحب «الكشاف» بأمور ثلاثة: أولها:

وقوع الضلالة في مقابلة الهدى، قال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدى‏ََ* [البقرة: 16]و قال:

لَعَلى‏ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24]و ثانيها: يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلو لم يكن من‏

267

شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهدياً مدحاً لاحتمال أنه هدى فلم يهتد و ثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى يقال: هديته فاهتدى، كما يقال: كسرته فانكسر، و قطعته فانقطع فكما أن الانكسار و الانقطاع لا زمان للكسر و القطع، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى. و الجواب عن الأول: أن الفرق بين الهدى و بين الاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال و مقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع، و عن الثاني: أن المنتفع بالهدى سمي مهدياً، و غير منتفع به لا يسمى مهدياً، و لأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم. و عن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، و لم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمراً حصول الائتمار، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضياً إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد، و مما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن اللّه تعالى وصف القرآن بأنه هدى و لا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء و العلم.

معنى المتقي:

المسألة الثانية: المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، و الوقاية فرط الصيانة، إذا عرفت هذا فنقول: إن اللّه تعالى ذكر المتقي هاهنا في معرض المدح، و من يكون كذلك أولى بأن يكون متقياً في أمور الدنيا، بل بأن يكون متقياً فيما يتصل بالدين، و ذلك بأن يكون آتياً بالعبادات محترزاً عن المحظورات. و اختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى؟فقال بعضهم: يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد، و قال آخرون: لا يدخل، و لا نزاع في وجوب التوبة عن الكل، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟

فروي عنه عليه السلام أنه قال: «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس»

و عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أنهم الذين يحذرون من اللّه العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه، و يرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه. و اعلم أن التقوى هي الخشية، قال في أول النساء: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء: 1]و مثله في أول الحج، و في الشعراء إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لاََ تَتَّقُونَ [هود: 106]يعني ألا تخشون اللّه، و كذلك قال هود و صالح، و لوط، و شعيب لقومهم، و في العنكبوت قال إبراهيم لقومه‏ اُعْبُدُوا اَللََّهَ وَ اِتَّقُوهُ [نوح: 3]يعني اخشوه، و كذا قوله: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ [آل عمران: 102] وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ اَلزََّادِ اَلتَّقْوى‏ََ [البقرة: 197] وَ اِتَّقُوا يَوْماً/لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً* [البقرة: 48]و اعلم أن حقيقة التقوى و إن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن، و الغرض الأصلي منها الإيمان تارة، و التوبة أخرى، و الطاعة ثالثة، و ترك المعصية رابعاً: و الإخلاص خامساً: أما الإيمان فقوله تعالى: وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ [الفتح: 26]أي التوحيد أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِمْتَحَنَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى‏ََ [الحجرات: 3]و في الشعراء قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لاََ يَتَّقُونَ [الشعراء: 11]أي ألا يؤمنون و أما التوبة فقوله: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى‏ََ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا [الأعراف: 96]أي تابوا، و أما الطاعة فقوله في النحل: أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ أَنَا فَاتَّقُونِ [النحل: 2]و فيه أيضاً: أَ فَغَيْرَ اَللََّهِ تَتَّقُونَ [النحل: 52]و في المؤمنين‏ وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: 52]و أما ترك المعصية فقوله: وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوََابِهََا وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ [البقرة: 189]أي فلا تعصوه، و أما الإخلاص فقوله في الحج: فَإِنَّهََا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ [الحج: 32]أي من إخلاص القلوب، فكذا قوله: وَ إِيََّايَ فَاتَّقُونِ

268

[البقرة: 41]و اعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى: إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ اَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 128]و قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللََّهِ أَتْقََاكُمْ [الحجرات: 13]و

عن ابن عباس قال عليه السلام: «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه، و من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه، و من أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق مما في يده»

و

قال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار على المعصية، و ترك الاغترار بالطاعة.

قال الحسن: التقوى أن لا تختار عل اللّه سوى اللّه، و تعلم أن الأمور كلها بيد اللّه. و قال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً. و لا الملائكة في أفعالك عيباً و لا ملك العرش في سرك عيباً و قال الوافدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق، و يقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك، و يقال: المتقي من سلك سبيل المصطفى، و نبذ الدنيا وراء القفا، و كلف نفسه الإخلاص و الوفا، و اجتنب الحرام و الجفا، و لو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ كفاه، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: شَهْرُ رَمَضََانَ اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ هُدىً لِلنََّاسِ [البقرة: 185]ثم قال هاهنا في القرآن: إنه هدى للمتقين، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بإنسان.

المسألة الثالثة: في السؤالات: السؤال الأول: كون الشي‏ء هدى و دليلاً لا يختلف بحسب شخص دون شخص، فلما ذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط؟و أيضاً فالمتقي مهتدي، و المهتدي لا يهتدي ثانياً و القرآن لا يكون هدى للمتقين. الجواب: القرآن كما أنه هدى للمتقين و دلالة لهم على وجود الصانع، و على دينه و صدق رسوله، فهو أيضاً دلالة للكافرين إلا أن اللّه تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا و انتفعوا به كما قال: إِنَّمََا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشََاهََا [النازعات: 45]و قال: إِنَّمََا تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ اَلذِّكْرَ [يس: 11]و قد كان عليه السلام منذراً لكل الناس، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره. و أما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه، لأن كون القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين. السؤال الثاني: كيف وصف القرآن كله بأنه هدى و فيه مجمل و متشابه كثير، و لولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه، فيكون الهدى/في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن، و من هذا

نقل عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج لا تحتج عليهم بالقرآن، فإنه خصم ذو وجهين،

و لو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب ذلك فيه، و لأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به، و نرى القرآن مملوءاً من آيات بعضها صريح في الجبر و بعضها صريح في القدر، فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد، فيكف يكون هدى؟.

الجواب: أن ذلك المتشابه و المجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين-و هو إما دلالة العقل أو دلالة السمع-صار كله هدى. السؤال الثالث: كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه، فإذن استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات اللّه تعالى و صفاته، و في معرفة النبوة، و لا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب، فإذا لم يكن القرآن هدى فيها فكيف جعله اللّه تعالى هدى على الإطلاق؟.

الجواب: ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شي‏ء، بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء، و ذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع، أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول، و هذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم، فإن اللّه تعالى وصفه بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ، مع‏

269

أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع و صفاته و إثبات النبوة، فثبت أن المطلق لا يفيد العموم.

السؤال الرابع: الهدى هو الذي بلغ في البيان و الوضوح إلى حيث بين غيره، و القرآن ليس كذلك، فإن المفسرين ما يذكرون آية إلا و ذكروا فيها أقوالاً كثيرة متعارضة، و ما يكون كذلك لا يكون مبيناً في نفسه فضلاً عن أن يكون مبيناً لغيره، فكيف يكون هدى؟قلنا: من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة، و لا يرجح واحداً منها على الباقي يتوجه عليه هو هذا السؤال، و أما نحن فقد رجحنا واحداً على البواقي بالدليل فلا يتوجه علينا هذا السؤال.

المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف» : محل هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الرفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف أو خبر مع لاََ رَيْبَ فِيهِ لـ ذََلِكَ ، أو مبتدأ إذا جعل الظرف المتقدم خبراً عنه، و يجوز أن ينصب على الحال، و العامل فيه الإشارة، أو الظرف، و الذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أن يضرب عن هذا المجال صفحاً، و أن يقال: إن قوله: الم جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و ذََلِكَ اَلْكِتََابُ جملة ثانية، و لاََ رَيْبَ فِيهِ ثالثة و هُدىً لِلْمُتَّقِينَ رابعة و قد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة و موجب حسن النظم، حيث جي‏ء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، و ذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض، و الثانية متحدة بالأولى و هلم جراً إلى الثالثة، و الرابعة.

بيانه: أنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال/فكان تقرير الجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة بكماله ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم لم يخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة، ففي الأولى الحذف و الرمز إلى الغرض بألطف وجه، و في الثانية ما في التعريف من الفخامة، و في الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، و في الرابعة الحذف و وضع المصدر-الذي هو هدى- موضع الوصف الذي هو هادٍ، و إيراده منكراً.

اعلم أن فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين، و إما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه بـ أُولََئِكَ عَلى‏ََ هُدىً فإذا كان موصولاً كان الوقف على المتقين حسناً غير تام، و إذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً.

المسألة الثانية: قال بعضهم: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، و ذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً للحسنات و تاركاً للسيئات، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب-و هو قوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ -و إما أن يكون فعل الجوارح، و أساسه الصلاة و الزكاة و الصدقة، لأن العبادة إما أن تكون بدنية و أجلها الصلاة، أو مالية، و أجلها الزكاة، و لهذا

سمى الرسول عليه السلام: «الصلاة عماد الدين، و الزكاة قنطرة الإسلام»

و أما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى: إِنَ‏

270

اَلصَّلاََةَ تَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45]و الأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيراً لكونهم متقين، و ذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي و فعل ما ينبغي، فالترك هو التقوى، و الفعل إما فعل القلب، و هو الإيمان، أو فعل الجوارح، و هو الصلاة و الزكاة، و إنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان و الصلاة و الزكاة، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة و الأخلاق الفاضلة، و اللوح يجب تطهيره أولاً عن النقوش الفاسدة، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه، و كذا القول في الأخلاق، فلهذا السبب قدم التقوى و هو ترك ما لا ينبغي، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي.

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، و حقيقته آمنه من التكذيب و المخالفة، و أما تعديته بالباء فلتضمنه معنى «أقر و أعترف» و أما ما حكى أبو زيد: ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت، فحقيقته صرت ذا أمن، أي ذا سكون و طمأنينة و كلا الوجهين حسن في يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق. و أقول: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع و يجمعهم فرق أربع.

الفرقة الأولى: الذين قالوا: الإيمان اسم لأفعال القلوب و الجوارح و الإقرار باللسان، و هم المعتزلة و الخوارج و الزيدية، و أهل الحديث، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان باللّه يتناول المعرفة باللّه و بكل ما وضع اللّه عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب و السنة، و يتناول طاعة اللّه في جميع ما أمر اللّه به من الأفعال و التروك صغيراً كان أو كبيراً. فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان و ترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، و أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق، و لذلك يقال فلان آمن باللّه و برسوله، و يكون المراد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى و صام، بل يقال فلان آمن باللّه كما يقال صام و صلى للّه، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي-الذي هو التصديق-إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، و هو قول واصل بن عطاء و أبي الهذيل و القاضي عبد الجبار بن أحمد. و ثانيها: أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، و هو قول أبي علي و أبي هاشم. و ثالثها: أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، فالمؤمن عند اللّه كل من اجتنب كل الكبائر، و المؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد، و هو قول النظام، و من أصحابه من قال: شرط كونه مؤمناً عندنا و عند اللّه اجتناب الكبائر كلها. و أما أهل الحديث فذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل و هو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، و هذه الطاعات لا يكون شي‏ء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. و زعموا أن الجحود و إنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، و لم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة و الإقرار، و لا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود و الإنكار، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، و هو قول عبد اللّه بن سعيد بن كلاب. الثاني:

زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها و هو إيمان واحد و جعلوا الفرائض و النوافل كلها من جملة الإيمان، و من ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، و من ترك النوافل لا ينتقص إيمانه، و منهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

271

الفرقة الثانية: الذين قالوا: الإيمان بالقلب و اللسان معاً، و قد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول: أن الإيمان إقرار باللسان و معرفة بالقلب، و هو قول أبي حنيفة و عامة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين.

أحدهما: اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم-سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل-و هم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، و منهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. و ثانيهما: اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بما ذا؟قال بعض المتكلمين: هو العلم باللّه و بصفاته على سبيل التمام و الكمال ثم/أنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات اللّه تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. و قال أهل الإنصاف: المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى اللّه عليه و سلم، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو عالماً لذاته و بكونه مرئياً أو غيره لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان. القول الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب و اللسان معاً، و هو قول بشر بن عتاب المريسي، و أبي الحسن الأشعري، و المراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس. القول الثالث: قول طائفة من الصوفية: الإيمان إقرار باللسان، و إخلاص بالقلب.

الفرقة الثالثة: الذين قالوا: الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، و هؤلاء قد اختلفوا على قولين:

أحدهما: أن الإيمان عبارة عن معرفة اللّه بالقلب، حتى أن من عرف اللّه بقلبه ثم جحد بلسانه و مات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان و هو قول جهم بن صفوان. أما معرفة الكتب و الرسل و اليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان. و حكى الكعبي عنه: أن الإيمان معرفة اللّه مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى اللّه عليه و سلم. و ثانيهما: أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب و هو قول الحسين بن الفضل البجلي.

الفرقة الرابعة: الذين قالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط و هم فريقان: الأول: أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان، و هو قول غيلان بن مسلم الدمشقي و الفضل الرقاشي و إن كان الكعبي قد أنكر كونه قولاً لغيلان. الثاني: أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، و هو قول الكرامية، و زعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا و حكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع، و الذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب و نفتقر هاهنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول: أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثاً، و الحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص، و اختلاف الصيغ و العبارات مع كون الحكم الذهني أمراً واحداً يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ و العبارات، و لأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم و الدال غير المدلول، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشي‏ء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، بقي هاهنا بحث لفظي و هو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهني أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني و تحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى اللّه عليه و سلم مع‏

272

الاعتقاد فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة.

القيد الأول: أن الإيمان عبارة عن التصديق و يدل عليه وجوه: الأول: أنه كان في أصل اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلماً بغير كلام العرب، و ذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربياً. الثاني: أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى، و لاشتهر و بلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع. الثالث: أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك. الرابع: أن اللّه تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن إضافة إلى القلب قال: مِنَ اَلَّذِينَ قََالُوا آمَنََّا بِأَفْوََاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: 41]و قوله: وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمََانِ [النحل: 106] كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ [المجادلة: 22] وَ لََكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنََا وَ لَمََّا يَدْخُلِ اَلْإِيمََانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] الخامس: أن اللّه تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به و لو كان العمل الصالح داخلاً في الإيمان لكان ذلك تكراراً. السادس: أنه تعالى كثيراً ذكر الإيمان و قرنه بالمعاصي، قال: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: 82] وَ إِنْ طََائِفَتََانِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمََا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدََاهُمََا عَلَى اَلْأُخْرى‏ََ فَقََاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي حَتََّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ََ أَمْرِ اَللََّهِ [الحجرات: 9]و احتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ [البقرة: 178]من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم إنه خاطبه بقوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا فدل على أنه مؤمن. و ثانيها: قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ [البقرة: 178]و هذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان، لقوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10]و ثالثها: قوله: ذََلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ [البقرة: 178]و هذا لا يليق إلا بالمؤمن، و مما يدل على المطلوب قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهََاجِرُوا [الأنفال: 72]هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النحل: 28]و قوله: مََا لَكُمْ مِنْ وَلاََيَتِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ حَتََّى يُهََاجِرُوا [الأنفال: 72]و مع هذا جعلهم مؤمنين و يدل أيضاً عليه قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيََاءَ [الممتحنة: 1]و قال:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَخُونُوا اَللََّهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمََانََاتِكُمْ [الأنفال: 27]و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم: 8]و الأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال و قوله: وَ تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ [النور: 31]لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنباً و ليس كذلك قولنا: هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، و الدليل عليه قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8]نفي كونهم مؤمنين، و لو كان الإيمان باللّه عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي.

القيد الثالث: أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت و الطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات اللّه عز و جل، لأن الرسول عليه السلام كان

273

يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم، و لو كان هذا القيد و أمثاله شرطاً معتبراً في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا. فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان، فإن قال قائل: ها هنا صورتان: الصورة الأولى: من عرف اللّه تعالى بالدليل و البرهان و لما تم العرفان مات و لم يجد من الزمان و الوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة. فههنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان، و هو خرق للإجماع، و إن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل،

لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»

و هذا قلب طافح بالإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟الصورة الثانية: من عرف اللّه تعالى بالدليل و وجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة و لكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع، و إن قلتم ليس يؤمن فهو باطل،

لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان»

و لا ينتفى الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق.

و الجواب: أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين، و حكم بكونهما مؤمنين، و أن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان.

المسألة الرابعة: قيل: بِالْغَيْبِ مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، و الزور بمعنى الزائر، ثم في قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قولان: الأول: و هو اختيار أبي مسلم الأصفهاني-أن قوله:

بِالْغَيْبِ صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون باللّه حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزءون. و نظيره قوله تعالى:

ذََلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف: 52]و يقول الرجل لغيره: نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب، و كل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقاً لباطنهم و مباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم و الثاني: و هو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائباً عن الحاسة ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، و إلى ما ليس عليه دليل. فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا و يستدلوا فيؤمنوا به، و على هذا يدخل فيه العلم باللّه تعالى و بصفاته و العلم بالآخرة و العلم بالنبوة و العلم بالأحكام و بالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثناء العظيم. و احتج أبو مسلم على قوله بأمور: الأول: أن قوله: وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 4]إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه، و أنه غير جائز: الثاني: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن/الإنسان يعلم الغيب، و هو خلاف قوله تعالى: وَ عِنْدَهُ مَفََاتِحُ اَلْغَيْبِ لاََ يَعْلَمُهََا إِلاََّ هُوَ [الأنعام: 59]أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث: لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات اللّه تعالى و صفاته، فقوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات اللّه تعالى و صفاته، و لا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة، و ذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات اللّه و صفاته، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور.

274

و الجواب عن الأول: أن قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله: وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة، و هو جائز كما في قوله: وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]و عن الثاني: أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا، فكان ذلك التخصيص لازماً على الوجهين جميعاً. فإن قيل أ فتقولون: العبد يعلم الغيب أم لا؟قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل و إلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه و تعالى العالم به لا غيره، و أما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل، و يفيد الكلام فلا يلتبس، و على هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة. و عن الثالث: لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور، و الدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد. و يريدون بالغائب ذات اللّه تعالى و صفاته و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: قال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد اللّه تعالى به في القرآن و الخبر، أما القرآن فقوله: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [النور: 55]و أما الخبر

فقوله عليه السلام: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي و كنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً و قسطاً كما ملئت جوراً و ظلماً»

و اعلم أن تخصيص المطلق من غير الدليل باطل.

المسألة السادسة: ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوهاً: أحدها: أن إقامتها عبارة عن تعديل أركانها و حفظها من أن يقع خلل في فرائضها و سننها و آدابها، من أقام العود إذا قومه. و ثانيها: أنها عبارة عن المداومة عليها كما قال تعالى: وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ يُحََافِظُونَ [المعارج: 34]و قال: اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ دََائِمُونَ [المعارج: 23]من قامت السوق إذا نفقت، و إقامتها نفاقها، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشي‏ء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، و إذا أضيعت كانت كالشي‏ء الكاسد الذي لا يرغب فيه و ثالثها: أنها عبارة عن التجرد لأدائها و أن لا يكون في مؤديها فتور من قولهم: قام/بالأمر، و قامت الحرب على ساقها، و في ضده: قعد عن الأمر، و تقاعد عنه إذا تقاعس و تثبط. و رابعها: إقامتها عبارة عن أدائها، و إنما عبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنها بالقنوت و بالركوع و بالسجود، و قالوا: سبح إذا صلى، لوجود التسبيح فيها، قال تعالى: فَلَوْ لاََ أَنَّهُ كََانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ [الصافات: 143]و اعلم أن الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه من الثناء العظيم، و ذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خلل في أركانها و شرائطها، و لذلك فإن القيم بأرزاق الجند إنما يوصف بكونه قيماً إذا أعطى الحقوق من دون بخس و نقص، و لهذا يوصف اللّه تعالى بأنه قائم و قيوم، لأنه يجب دوام وجوده، و لأنه يديم إدرار الرزق على عباده.

المسألة السابعة: ذكروا في لفظ الصلاة في أصل اللغة وجوهاً. أحدها: أنها الدعاء قال الشاعر:

و قابلها الريح في دنها # و صلى على دنها و ارتشم‏

و ثانيها: قال الخارزنجي. اشتقاقها من الصلى، و هي النار، من قولهم: صليت العصا إذا قومتها بالصلى،

275

فالمصلي كأنه يسعى في تعديل باطنه و ظاهره مثل من يحاول تقويم الخشبة بعرضها على النار. و ثالثها: أن الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى: تَصْلى‏ََ نََاراً حََامِيَةً [الغاشية: 4] سَيَصْلى‏ََ نََاراً ذََاتَ لَهَبٍ [المسد: 3]و سمي الفرس الثاني من أفراس المسابقة مصلياً. و رابعها: قال صاحب «الكشاف» : الصلاة فعلة من «صلى» كالزكاة من «زكى» و كتبتها بالواو على لفظ المفخم، و حقيقة صلى حرك الصلوين، لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه و سجوده، و قيل الداعي مصلي تشبيهاً له في تخشعه بالراكع و الساجد، و أقول هاهنا بحثان:

الأول: أن هذا الاشتقاق الذي ذكره صاحب «الكشاف» يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة، و ذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة و أكثرها دوراناً على ألسنة المسلمين، و اشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل، و لو جوزنا أن يقال: مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره، ثم إنه خفي و اندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لكان مثله في سائر الألفاظ جائزاً، و لو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد اللّه تعالى من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا، لاحتمال أنها كانت في زمان الرسول موضوعة لمعان أخر، و كان مراد اللّه تعالى منها تلك المعاني، إلا أن تلك المعاني خفيت في زماننا و اندرست كما وقع مثله في هذه اللفظة، فلما كان ذلك باطلاً بإجماع المسلمين علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل.

الثاني: الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضاً مفتتحة بالتحريم، مختتمة بالتحليل، و هذا الاسم يقع على الفرض و النفل. لكن المراد بهذه الآية الفرض خاصة، لأنه الذي يقف الفلاح عليه، لأنه عليه السلام لما بين للأعرابي صفة الصلاة المفروضة قال و اللّه لا أزيد عليها و لا أنقص منها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «أفلح إن صدق» .

المسألة الثامنة: الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82]أي حظكم من هذا الأمر، و الحظ هو نصيب الرجل و ما هو خاص له دون غيره ثم قال بعضهم:

الرزق كل شي‏ء يؤكل أو يستعمل، و هو باطل، لأن اللّه تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ [الرعد: 22]فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه. و قال آخرون: الرزق هو ما يملك و هو أيضاً باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولداً صالحاً أو زوجة صالحة و هو لا يملك الولد و لا الزوجة، و يقول: اللهم ارزقني عقلاً أعيش به و ليس العقل بمملوك، و أيضاً البهيمة يكون لها رزق و لا يكون لها ملك.

و أما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشي‏ء و الحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا اللّه تعالى الأموال، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، و إذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالاً فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص، و إذا سألناه أن يرزق البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص، و إنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به، و لم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به، و اعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقاً. و قال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقاً، فحجة الأصحاب من وجهين: الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ و النصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظاً و نصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له‏

276

الثاني: أنه تعالى قال: وَ مََا مِنْ دَابَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ إِلاََّ عَلَى اَللََّهِ رِزْقُهََا [هود: 6]و قد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً. أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب و السنة و المعنى: أما الكتاب فوجوه: أحدها: قوله تعالى: وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ مدحهم على الإنفاق مما رزقهم اللّه تعالى، فلو كان الحرام رزقاً لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، و ذلك باطل بالاتفاق. و ثانيها: لو كان الحرام رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ [البقرة: 254]و أجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أنه ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقاً. و ثالثها: قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرََاماً وَ حَلاََلاً قُلْ آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ [يونس: 59]فبين أن من حرم رزق اللّه فهو مفتر على اللّه، فثبت أن الحرام لا يكون رزقاً، و أما السنة فما

رواه أبو الحسين في كتاب «الغرر» بإسناده عن صفوان بن أمية قال. كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول اللّه إن اللّه كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فائذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام: «لا إذن لك و لا كرامة و لا نعمة كذبت أي عدو اللّه لقد رزقك اللّه رزقاً طيباً فاخترت ما حرم اللّه عليك من رزقه مكان ما أحل اللّه لك من حلاله أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئاً ضربتك ضرباً وجيعاً»

و أما المعنى فإن اللّه تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام و أمر غيره بمنعه منه و الانتفاع به، من منع من أخذ الشي‏ء و الانتفاع به لا يقال إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال إن/السلطان قد رزق جنده مالاً قد منعهم من أخذه، و إنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه و لا يمنعهم منه و لا أمر بمنعهم منه، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه و إن كان الكل من اللّه، لكنه كما يقال:

يا خالق المحدثات و العرش و الكرسي، و لا يقال: يا خالق الكلاب و الخنازير، و قال: عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ [الإنسان: 6]فخص اسم العباد بالمتقين، و إن كان الكفار أيضاً من العباد، و كذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف و إن كان الحرام رزقاً أيضاً، و أجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا، لأن

قوله عليه السلام: «فاخترت ما حرم اللّه عليك من رزقه»

صريح في أن الرزق قد يكون حراماً و أجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة و هو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا؟و لا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ و اللّه أعلم.

المسألة التاسعة: أصل الإنفاق إخراج المال من اليد، و منه نفق المبيع نفاقاً إذا كثر المشترون له، و نفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها، و نافقاء الفأرة لأنها تخرج منها و منه النفق في قوله تعالى: أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ [الأنعام: 35].

المسألة العاشرة: في قوله: وَ مِمََّا رَزَقْنََاهُمْ يُنْفِقُونَ فوائد: أحدها: أدخل من التبعيضية صيانة لهم، و كفى عن: الإسراف و التبذير المنهي عنه. و ثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال و يخصون بعض المال بالتصدق به. و ثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية، الإنفاق الواجب، و الإنفاق المندوب، و الإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة و هي قوله في آية الكنز: وَ لاََ يُنْفِقُونَهََا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ [التوبة: 34].

و ثانيها: الإنفاق على النفس و على من تجب عليه نفقته. و ثالثها: الإنفاق في الجهاد. و أما الإنفاق المندوب فهو أيضاً إنفاق لقوله: وَ أَنْفِقُوا مِنْ مََا رَزَقْنََاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ و أراد به الصدقة لقوله بعده:

277

فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُنْ مِنَ اَلصََّالِحِينَ [المنافقون: 10]فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح.

اعلم أن قوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]عام يتناول كل من آمن بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى و عيسى عليهما السلام، أو ما كان مؤمناً بهما، و دلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض، لأن العام يحتمل التخصيص و الخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية، و قد شرف اللّه تعالى المسلمين بقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‏`اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 2، 3]فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول: كعبد اللّه بن سلام و أمثاله بقوله: وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى:

مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِلََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [البقرة: 98]ثم تخصيص/عبد اللّه بن سلام و أمثاله بهذا التشريف ترغيب لأمثاله في الدين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام، ثم نقول. أما قوله: وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: لا نزاع بين أصحابنا و بين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد منه التصديق، فإذا قلنا فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به و لا يكون المراد أنه صام و صلى، فالمراد بالإيمان ها هنا التصديق بالاتفاق لكن لا بد معه من المعرفة لأن الإيمان ها هنا خرج مخرج المدح و المصدق مع الشك لا يأمن أن يكون كاذباً فهو إلى الذم أقرب.

المسألة الثانية: المراد من إنزال الوحي و كون القرآن منزلاً، و منزلاً، و منزولاً به، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام اللّه تعالى فنزل على الرسول به، و هذا كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر، و الرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل و يؤدي في سفل. و قوله الأمير لا يفارق ذاته، و لكن السامع يسمع فينزل و يؤدي بلفظ نفسه، و يقال فلان ينقل الكلام إذا سمع في موضع و أداه في موضع آخر. فإن قيل كيف سمع جبريل كلام اللّه تعالى، و كلامه ليس من الحروف و الأصوات عندكم؟قلنا يحتمل أن يخلق اللّه تعالى له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، و يجوز أن يكون اللّه خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه، و يجوز أن يخلق اللّه أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبريل عليه السلام و يخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم.

المسألة الثالثة: قوله: وَ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ هذا الإيمان واجب، لأنه قال في آخره:

وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ [البقرة: 5]فثبت أن من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحاً، و إذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى اللّه عليه و سلم على سبيل التفصيل، لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه اللّه عليه علماً و عملاً إلا إذا علمه على سبيل التفصيل، و لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية، فإن تحصيل العلم بالشرائع النازلة على محمد صلى اللّه عليه و سلم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة، و أما قوله: وَ مََا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين كانوا

278

قبل محمد، و الإيمان به واجب على الجملة، لأن اللّه تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل، بل إن عرفنا شيئاً من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل، و أما قوله: وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الآخرة صفة الدار الآخرة، و سميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا و قيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة.

المسألة الثانية: اليقين هو العلم بالشي‏ء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، فلذلك لا يقول القائل: تيقنت وجود نفسي، و تيقنت أن السماء فوقي لما أن العلم به غير مستدرك، و يقال ذلك في العلم/الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضرورياً أو استدلالياً، فيقول القائل: تيقنت ما أردته بهذا الكلام و إن كان قد علم مراده بالاضطرار، و يقول تيقنت أن الإله واحد و إن كان قد علمه بالاكتساب، و لذلك لا يوصف اللّه تعالى بأنه يتيقن الأشياء.

المسألة الثالثة: أن اللّه تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، و معلوم أنه لا يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب و السؤال و إدخال المؤمنين الجنة، و الكافرين النار.

روي عنه عليه السلام أنه قال: «يا عجبا كل العجب من الشاك في اللّه و هو يرى خلقه، و عجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، و عجباً ممن ينكر البعث و النشور و هو في كل يوم و ليلة يموت و يحيا

-يعني النوم و اليقظة-

و عجباً ممن يؤمن بالجنة و ما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، و عجباً من المتكبر الفخور و هو يعلم أن أوله نطفة مذرة و آخره جيفة قذرة» .

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة: أحدها: أن ينوي الابتداء بـ اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]و ذلك لأنه لما قيل: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول: ما السبب في اختصاص المتقين بذلك؟فوقع قوله: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إلى قوله: وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ جواباً عن هذا السؤال، كأنه قيل: الذي يكون مشتغلاً بالإيمان و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الفوز بالفلاح و النجاة لا بد و أن يكون على هدى من ربه. و ثانيها: أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعاً لِلْمُتَّقِينَ ثم يقع الابتداء من قوله: أُولََئِكَ عَلى‏ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ كأنه قيل أي سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصين بالهدى؟فأجيب بأن أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً و بالفلاح آجلاً. و ثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة المتقين و يرفع الثاني على الابتداء و أُولََئِكَ خبره و يكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح و الهدى تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هم ظانون أنهم على الهدى و طامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللّه تعالى.

المسألة الثانية: معنى الاستعلاء في قوله: عَلى‏ََ هُدىً بيان لتمكنهم من الهدى و استقرارهم عليه حيث‏

279

شبهت حالهم بحال من اعتلى الشي‏ء و ركبه و نظيره «فلان على الحق، أو على الباطل» و قد صرحوا به في قولهم: «جعل الغواية مركباً، و امتطى الجهل» و تحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك و يحرسه/عن المطاعن و الشبه فكأنه تعالى مدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولاً، و مدحهم بالإقامة على ذلك و المواظبة على حراسته عن الشبه ثانياً، و ذلك واجب على المكلف، لأنه إذا كان متشدداً في الدين خائفاً وجلا فلا بد من أن يحاسب نفسه في علمه و عمله، و يتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحاً بأنه على هدى و بصيرة، و إنما نكر هُدىً ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه و لا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلاناً لأبصرت رجلاً. قال عون بن عبد اللّه: الهدى من اللّه كثير، و لا يبصره إلا بصير، و لا يعمل به إلا يسير. ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، و لا يهتدى بها إلا العلماء.

المسألة الثالثة: في تكرير أُولََئِكَ تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضاً، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين. فإن قيل: فلم جاء مع العاطف و ما الفرق بينه و بين قوله: أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ [الأعراف: 179]قلنا: قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثمت فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة و تشبيههم بالبهائم شي‏ء واحد، و كانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل.

المسألة الرابعة: هُمُ فصل و له فائدتان: إحداهما: الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة و ثانيتهما:

حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان، أما لو قلت: الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان.

المسألة الخامسة: معنى التعريف في اَلْمُفْلِحُونَ الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنساناً قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته، أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم، كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد و ما جبل عليه من فرط الإقدام؟إن زيداً هو هو.

المسألة السادسة: المفلح الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر و لم تستغلق عليه، و المفلج بالجيم مثله، و التركيب دال على معنى الشق و الفتح، و لهذا سمي الزراع فلاحاً، و مشقوق الشفة السفلى أفلح، و في المثل «الحديد بالحديد يفلح» و تحقيقه أن اللّه تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علماً و عملاً بين نتيجة ذلك و هو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال و الإعظام، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات.

المسألة السابعة: هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه، و المرجئة من وجه آخر. أما الوعيدية فمن وجهين: الأول: أن قوله: وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة و الزكاة أن لا يكون مفلحاً، و ذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة/و الزكاة. الثاني: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان و الصلاة و الزكاة، فمن أخل بهذه الأشياء لم يحصل له علة الفلاح، فوجب أن لا يحصل الفلاح. أما المرجئة فقد احتجوا بأن اللّه حكم

280

بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحاً و إن زنى و سرق و شرب الخمر، و إذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة، إذ لا قائل بالفرق.

و الجواب: أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان، ثم الجواب عن قول الوعيدية: أن قوله:

وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح، و نحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملاً في الفلاح و هو غير جازم بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفاً منه، و عن الثاني: أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو اللّه تعالى. و الجواب عن قول المرجئة: أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن اتقاء المعاصي، و اتقاء ترك الواجبات و اللّه أعلم.

اعلم أن في الآية مسائل نحوية، و مسائل أصولية، و نحن نأتي عليها إن شاء اللّه تعالى، أما قوله: إِنَّ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن إِنَّ حرف و الحرف لا أصل له في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة و معنى، و تلك المشابهة تقتضي كونها عاملة، و فيه مقدمات: المقدمة الأولى: في بيان المشابهة، و اعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ و المعنى، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف و انفتح آخرها و لزمت الأسماء كالأفعال، و يدخلها نون الوقاية نحو إنني و كأنني، كما يدخل على الفعل نحو: أعطاني و أكرمني، و أما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم و هو تأكد موصوفيته بالخبر، كما أنك إذا قلت: قام زيد، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم المقدمة الثانية: أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل و ذلك ظاهر بناءً على الدوران المقدمة الثالثة: في أنها لم نصبت الاسم و رفعت الخبر؟و تقريره أن يقال:

إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ و الخبر معاً، أو تنصبهما معاً، أو ترفع المبتدأ و تنصب الخبر و بالعكس، و الأول باطل، لأن المبتدأ و الخبر كانا قبل دخول إِنَّ عليهما مرفوعين، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر ألبتة، و لأنها أعطيت عمل الفعل، و الفعل لا يرفع الاسمين فلا معنى للاشتراك و الفزع لا يكون أقوى من الأصل، و القسم الثاني: أيضاً باطل، لأن هذا أيضاً مخالف لعمل الفعل، /لأن الفعل لا ينصب شيئاً مع خلوه عما يرفعه. و القسم الثالث: أيضاً باطل، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل و الفرع، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولاً بالرفع ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف هاهنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل و الفرع. و لما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع: و هو أنها تنصب الاسم و ترفع الخبر، و هذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل هاهنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض.

المسألة الثانية: قال البصريون: هذا الحرف ينصب الاسم و يرفع الخبر، و قال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعاً به قبل ذلك. حجة البصريين: أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه، و الفعل له تأثير في الرفع و النصب، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك. و حجة الكوفيين من‏

281

وجهين: الأول: أن معنى الخبرية باقٍ في خبر المبتدأ و هو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة، و إذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف، فهذه مقدمات ثلاثة: أحدها: قولنا: الخبرية باقية، و ذلك ظاهر، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسنداً إلى المبتدأ، و بعد دخول حرف «إن» عليه فذاك الإسناد باقٍ. و ثانيها:

قولنا: الخبرية هاهنا مقتضية للرفع: و ذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول «إن» مقتضية للرفع و لم يكن عدم الحرف هناك جزءاً من المقتضي لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع، لأن المقتضي بتمامه لو حصل و لم يؤثر لكان ذلك لمانع و هو خلاف الأصل. و ثالثها:

قولنا: الخبرية أولى بالاقتضاء، و بيانه من وجهين: الأول: أن كونه خبراً وصف حقيقي قائم بذاته، و ذلك الحرف أجنبي مباين عنه و كما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما. الثاني: أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية و هو كون كل واحد منهما مسنداً إلى الغير، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي، فإنه ليس فيه إسناد، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل و رابعها: لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعاً، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى، و إذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلاً للحاصل، و هو محال. الوجه الثاني: أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل، و ما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة و الضرورة تندفع بأعمالها في الاسم، فوجب أن لا يعملها في الخبر.

المسألة الثالثة: في إشكال الكندي المتفلسف في وجود الحشو في كلام العرب‏ روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد و قال: إني أجد/في كلام العرب حشوا، أجد العرب تقول: عبد اللّه قائم، ثم تقول إن عبد اللّه قائم، ثم تقول إن عبد اللّه لقائم، فقال المبرد: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم عبد اللّه قائم إخبار عن قيامه، و قولهم إن عبد اللّه قائم جواب عن سؤال سائل، و قولهم إن عبد اللّه لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه، و احتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جواباً لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ و الخبر إذا كان جواباً للقسم نحو و اللّه إن زيداً منطلق و يدل عليه من التنزيل قوله: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً`إِنََّا مَكَّنََّا لَهُ فِي اَلْأَرْضِ [الكهف: 83]و قوله في أول السورة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ [الكهف: 13]و قوله: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمََّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: 216]و قوله: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ* [الأنعام: 56]و قوله: وَ قُلْ إِنِّي أَنَا اَلنَّذِيرُ اَلْمُبِينُ [الحجر: 89]و أشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى اللّه عليه و سلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا و نظروا فيه، و عليه قوله: فَأْتِيََا فِرْعَوْنَ فَقُولاََ إِنََّا رَسُولُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [الشعراء: 16] و قوله: وَ قََالَ مُوسى‏ََ يََا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [الأعراف: 104]و في قصة السحرة إِنََّا إِلى‏ََ رَبِّنََا مُنْقَلِبُونَ* [الأعراف: 125]إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ* [طه: 71 الشعراء: 49]و قال عبد القاهر: و التحقيق أنها للتأكيد و إذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى «إن» و إنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف، و لذلك تراها تزداد حسناً

282

إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس:

عليك باليأس من الناس # إن غنى نفسك في الياس‏

و إنما حسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس. و أما جعلها مع اللام جواباً للمنكر في قولك: «إن زيداً لقائم» فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد، و كما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضاً أن يكون من الحاضرين. و اعلم أنها قد تجي‏ء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك: إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت و تبين الخطأ في الذي توهمت، و عليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم‏ قََالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهََا أُنْثى‏ََ وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِمََا وَضَعَتْ [آل عمران: 36]و كذلك قول نوح عليه السلام: قََالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ [الشعراء: 117].

أما قوله تعالى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر، و تحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى اللّه عليه و سلم أنه ذهب إليه و قال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد. أما القسم الأول: و هو الذي عرف بالضرورة مجي‏ء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن، و من لم يصدقه في ذلك، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر، فإذن الكفر عدم تصديق/الرسول في شي‏ء مما علم بالضرورة مجيئه به، و مثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالماً قادراً مختاراً أو كونه واحداً أو كونه منزهاً عن النقائص و الآفات، أو أنكر محمد صلى اللّه عليه و سلم أن صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى اللّه عليه و سلم كوجوب الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و حرمة الربا و الخمر، فذلك يكون كافراً، لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه. فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالماً بالعلم أو لذاته و أنه مرئي أو غير مرئي، و أنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني، بل إنما يعلم صحة أحد القولين و بطلان الثاني بالاستدلال، فلا جرم لم يكن إنكاره، و لا الإقرار به داخلاً في ماهية الإيمان فلا يكون موجباً للكفر، و الدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة، و لو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، و لنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها، و إذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، و لا إنكارها موجباً للكفر، و لأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة و لا نكفر أرباب التأويل. و أما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر و الإيمان عليه. فهذا قولنا في حقيقة الكفر. فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار و شد الزنار و أمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شي‏ء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى اللّه عليه و سلم فيما علم بالضرورة مجيئه به، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفراً لأن التصديق و عدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه، و من عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع، بل يجعل لها معرفات و علامات ظاهرة و يجعل تلك المظان الظاهرة مداراً للأحكام الشرعية، و ليس الغيار و شد الزنار من هذا الباب،

283

فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها، لا أنها في أنفسها كفر، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي و الإخبار عن الشي‏ء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدماً على ذلك الإخبار، إذا عرفت هذا فنقول: احتجت المعتزلة بكل ما أخبر اللّه عن شي‏ء ماض مثل قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أو إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ [الحجر: 9]، إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ [القدر: 1]، إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً [نوح: 1]على أن كلام اللّه محدث سواء كان الكلام هذه الحروف و الأصوات أو كان شيئاً آخر. قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقاً إلا إذا كان مسبوقاً بالخبر عنه، و القديم يستحيل أن يكون مسبوقاً بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديماً فيجب أن يكون محدثاً، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين: الأول: أن/اللّه تعالى كان في الأزل عالماً بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علماً بأنه قد حدث في الماضي و لم يلزم حدوث علم اللّه تعالى، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال: إن خبر اللّه تعالى في الأزل كان خبراً بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبراً عن أنهم قد كفروا و لم يلزم حدوث خبر اللّه تعالى. الثاني: أن اللّه تعالى قال: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ [الفتح: 27]فلما دخلوا المسجد لا بد و أن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا مثله؟أجاب المستدل أولاً عن السؤال الأول فقال: عند أبي الحسين البصري و أصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات، و كيف لا و العلم بأن العالم غير موجود و أنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلاً لا علماً، و إذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم، و على هذا سقطت هذه المعارضة. و عن الثاني: أن خبر اللّه تعالى و كلامه أصوات مخصوصة، فقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ معناه أن اللّه تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد، فنظيره في مسألتنا أن يقال إن قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا تكلم اللّه تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافاً بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلاً في الأزل و هذا هو المقصود، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلاً في الأزل أو ما كان، فإن لم يكن حاصلاً في الأزل كان ذلك تصريحاً بالجهل. و ذلك كفر، و إن قلنا إنه كان حاصلاً فزواله يقتضي زوال القديم، و ذلك سد باب إثبات حدوث العالم و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا صيغة للجمع مع لام التعريف و هي للاستغراق بظاهره ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر، لأن كثيراً من الكفار أسلموا فعلمنا أن اللّه تعالى قد يتكلم بالعام و يكون مراده الخاص، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى اللّه عليه و سلم فحسن ذلك لعدم التلبيس و ظهور المقصود، و مثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع مخصوص من الأعداء، فإذا قال «إن الناس يؤذونني» فهم كل أحد أن مراده من الناس ذلك الجمع على التعيين، و إما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص جائز و إن لم يكن البيان مقروناً به عند من يجوز تأخير بيان‏

284

التخصيص عن وقت الخطاب، و إذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشي‏ء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص و كانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى اللّه عليه و سلم، فلا جرم حسن ذلك، و أقصى ما في الباب أن يقال: لو وجدت هذه القرينة لعرفناها و حيث لم نعرفها علمنا أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود من أضعف الأمارات المفيدة للظن فضلاً عن القطع، و إذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف و اللّه أعلم و من المعتزلة من/احتال في دفع ذلك فقال إن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله: إن الذين كفروا يؤمنون، و قوله: إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم، لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان، فثبت أن قوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم و الجواب: أن قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا صيغة الجمع و قوله:

لاََ يُؤْمِنُونَ أيضاً صيغة جمع و الجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن و حينئذ يعود الكلام المذكور.

المسألة الرابعة: اختلف أهل التفسير في المراد هاهنا بقوله: اَلَّذِينَ كَفَرُوا فقال قائلون: إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم اللّه تعالى بأنهم يكتمون الحق و هم يعلمون، و هو قول ابن عباس رضي اللّه عنهما، و قال آخرون: بل المراد قوم من المشركين، كأبي لهب و أبي جهل و الوليد بن المغيرة و أضرابهم، و هم الذين جحدوا بعد البينة، و أنكروا بعد المعرفة و نظيره ما قال اللّه تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاََ يَسْمَعُونَ `وَ قََالُوا قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ [فصلت: 4، 5]و كان عليه السلام حريصاً على أن يؤمن قومه جميعاً حيث قال اللّه تعالى له: فَلَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ََ آثََارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهََذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: 6] و قال: أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنََّاسَ حَتََّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99]ثم إنه سبحانه و تعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم و لا يتأذى بسبب ذلك، فإن اليأس إحدى الراحتين.

أما قوله تعالى: سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : سَوََاءٌ اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر و منه قوله تعالى: تَعََالَوْا إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ [آل عمران: 64] فِي أَرْبَعَةِ أَيََّامٍ سَوََاءً لِلسََّائِلِينَ [فصلت: 10]بمعنى مستوية، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك و عدمه.

المسألة الثانية: في ارتفاع سواء قولان: أحدهما: أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ في موضع الرفع به على الفاعلية، كأنه قيل، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك و عدمه كما تقول: إن زيداً مختصم أخوه و ابن عمه. الثاني: أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء و سواء خبره مقدماً بمعنى سواء عليهم إنذارك و عدمه و الجملة خبر لأن، و اعلم أن الوجه الثاني أولى، لأن «سواء» اسم، و تنزيله بمنزلة الفعل يكون تركاً للظاهر من غير ضرورة و أنه لا يجوز، و إذا ثبت هذا فنقول: من المعلوم أن المراد وصف الإنذار و عدم الإنذار بالاستواء، فوجب أن يكون سواء خبراً فيكون الخبر مقدماً. و ذلك يدل على أن‏

285

تقديم الخبر على المبتدأ جائز، و نظيره قوله تعالى: سَوََاءً مَحْيََاهُمْ وَ مَمََاتُهُمْ [الجاثية: 21]و روى سيبويه قولهم: «تميمي أنا» / «و مشنوء من يشنؤك» أما الكوفيون فإنهم لا يجوزونه و احتجوا عليه من وجهين:

الأول: المبتدأ ذات، و الخبر صفة، و الذات قبل الصفة بالاستحقاق، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياساً على توابع الإعراب و الجامع التبعية المعنوية. الثاني: أن الخبر لا بد و أن يتضمن الضمير، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر، و أنه غير جائز، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أمر معلوم، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه، فكان الإضمار قبل الذكر محالاً، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى، لا أن يكون واجباً و عن الثاني: أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب، كقولهم: «في بيته يؤتى الحكم» قال تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى‏ََ [طه: 67]و قال زهير:

من يلق يوماً على علاته هرما # يلق السماحة منه و الندى خلقا

و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه، لأن من قال: خرج ضرب لم يكن آتياً بكلام منتظم، و منهم من قدح فيه بوجوه: أحدها: أن قوله: أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ فعل و قد أخبر عنه بقوله: سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ و نظيره قوله: ثُمَّ بَدََا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا رَأَوُا اَلْآيََاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتََّى حِينٍ [يوسف: 35]فاعل «بدا» هو «ليسجننه» و ثانيها: أن المخبر عنه بأنه فعل لا بد و أن يكون فعلاً، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل:

المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة، و تلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا: المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلاً بل اسماً كان هذا الخبر كذباً، و التحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسماً أو لا يكون، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً، لأن الاسم لا يكون فعلاً، و إن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه و ثالثها:

أنا إذا قلنا: الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه، و المخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسماً لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه، و هذا خطأ و إن كان فعلاً صار الفعل مخبراً عنه ثم قال هؤلاء:

لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر. أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل، فلا جرم كان التقدير: سواء عليهم إنذارك و عدم إنذارك، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لا بد و أن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة هاهنا؟قلنا قوله: سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ معناه سواء عليهم إنذارك و عدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار و اللجاج و الإعراض عن الآيات و الدلائل إلى حالة ما بقي فيهم ألبتة رجاء القبول بوجه. و قبل ذلك ما كانوا كذلك، و لو قال سواء عليهم إنذارك و عدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله، و لما قال: أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس و قطع الرجاء منهم، و قد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك.

المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف» : «الهمزة» و «أم» مجردتان لمعنى الاستفهام و قد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً، قال سيبويه: جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله: اللهم‏

286

اغفر لنا أيتها العصابة، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام و لا استفهام، كما أن ذلك جرى على صورة النداء و لا نداء.

المسألة الخامسة: في قوله: أَ أَنْذَرْتَهُمْ ست قراءات: إما بهمزتين محققتين بينهما ألف، أو لا ألف بينهما، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية و الثانية بين بين بينهما ألف، أو لا ألف بينهما و بحذف حرف الاستفهام، و بحذفه و إلقاء حركته على الساكن قبله كما قرئ «قد أفلح» فإن قيل: فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفاً؟قال صاحب «الكشاف» : هو لاحن خارج عن كلام العرب.

المسألة السادسة: الإنذار هو التخويف من عقاب اللّه بالزجر عن المعاصي، و إنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل و الترك أقوى من تأثير البشارة، لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، و هذا الموضع موضع المبالغة و كان ذكر الإنذار أولى. أما قوله: لاََ يُؤْمِنُونَ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبراً «لأن» و الجملة قبلها اعتراض.

المسألة الثانية: احتج أهل السنة بهذه الآية و كل ما أشبهها على تكليف ما لا يطاق‏ من قوله: لَقَدْ حَقَّ اَلْقَوْلُ عَلى‏ََ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [يس: 7]و قوله: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى قوله: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [المدثر: 11-17] و قوله: تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1]على تكليف ما لا يطاق، و تقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذباً، و الكذب عند الخصم قبيح و فعل القبيح يستلزم إما الجهل و إما الحاجة، و هما محالان على اللّه، و المفضي إلى المحال محال، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال، و قد يذكر هذا في صورة العلم، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم اللّه تعالى جهلاً، و ذلك محال و مستلزم المحال محال. فالأمر واقع بالمحال. و نذكر هذا على وجه ثالث: و هو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان، لأنه إنما يكون علماً لو كان مطابقاً للمعلوم، و العلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقاً لو حصل عدم الإيمان، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجوداً و معدوماً معاً و هو محال، فالأمر بالإيمان مع وجود علم اللّه تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين، بل أمر بالجمع بين العدم و الوجود، و كل ذلك محال و نذكر هذا على وجه رابع: و هو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان ألبتة، و الإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كل ما أخبر عنه، و مما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، و هذا تكليف بالجمع بين النفي/و الإثبات، و نذكر هذا على وجه خامس: و هو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شي‏ء على خلاف ما أخبر اللّه عنه في قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ [الفتح: 15]فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام اللّه تعالى، و ذلك منهي عنه. ثم هاهنا أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون ألبتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصداً إلى تبديل كلام اللّه، و ذلك منهي عنه، و ترك محاولة الإيمان يكون أيضاً مخالفة لأمر اللّه تعالى، فيكون الذم حاصلاً على الترك و الفعل، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع، ـ

287

و هذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال. و لقد كان السلف و الخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة و هدم قواعدهم، و لقد قاموا و قعدوا و احتالوا على دفعه فما أتوا بشي‏ء مقنع، و أنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون اللّه تعالى و توفيقه. قالت المعتزلة: لنا في هذه الآية مقامان: المقام الأول: بيان أنه لا يجوز أن يكون علم اللّه تعالى و خبر اللّه تعالى عن عدم الإيمان مانعاً من الإيمان، و المقام الثاني: بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل، أما المقام الأول: فقالوا: الذي يدل عليه وجوه: أحدها: أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال: وَ مََا مَنَعَ اَلنََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جََاءَهُمُ اَلْهُدى‏ََ* [الإسراء: 94]و هو إنكار بلفظ الاستفهام و معلوم أن رجلاً لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي كان ذلك منه مستقبحاً و كذا قوله: وَ مََا ذََا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا [الأعراف: 12]و قوله لإبليس: مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [النساء: 39]و قول موسى لأخيه: مََا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا [طه: 92]و قوله: فَمََا لَهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [الانشقاق: 20] فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر: 49] عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43] لِمَ تُحَرِّمُ مََا أَحَلَّ اَللََّهُ لَكَ [التحريم: 1]قال الصاحب بن عباد في فصل له في هذا الباب: كيف يأمره بالإيمان و قد منعه عنه؟و ينهاه عن الكفر و قد حمله عليه، و كيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول أنى تصرفون؟و يخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون؟و أنشأ فيهم الكفر ثم يقوم لم تكفرون؟و خلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول‏ لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ [آل عمران: 71]و صدهم عن السبيل ثم يقول: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ [آل عمران: 99]و حال بينهم و بين الإيمان ثم قال: وَ مََا ذََا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا و ذهب بهم عن الرشد ثم قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [التكوير: 26]و أضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال: فَمََا لَهُمْ عَنِ اَلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . [المدثر: 49] و ثانيها: أن اللّه تعالى قال: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاََّ يَكُونَ لِلنََّاسِ عَلَى اَللََّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ [النساء: 165]و قال: وَ لَوْ أَنََّا أَهْلَكْنََاهُمْ بِعَذََابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقََالُوا رَبَّنََا لَوْ لاََ أَرْسَلْتَ إِلَيْنََا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيََاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى‏ََ [طه: 134]فلما بين أنه ما أبقى لهم عذراً إلا و قد أزاله عنهم، فلو كان علمه بكفرهم و خبره عن كفرهم مانعاً لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار و أقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن كذلك علمنا أنه غير مانع. و ثالثها: أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة «حم السجدة» أنهم قالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه و في آذاننا وقر، و إنما ذكر اللّه تعالى ذلك ذماً لهم في هذا القول، فلو كان العلم مانعاً لكانوا صادقين/في ذلك فلم ذمهم عليه؟ و رابعها: أنه تعالى أنزل قوله:

إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إلى آخره ذماً لهم و زجراً عن الكفر و تقبيحاً لفعلهم، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم ألبتة، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذوراً في أن لا يمشي. و خامسها:

القرآن إنما أنزل ليكون حجة للّه و لرسوله عليهم، لا أن يكون لهم حجة على اللّه و على رسوله، فلو كان العلم و الخبر مانعاً لكان لهم أن يقولوا: إذا علمت الكفر و أخبرت عنه كان ترك الكفر محالاً منا، فلم تطلب المحال منا و لم تأمرنا بالمحال؟و معلوم أن هذا مما لا جواب للّه و لا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم و الخبر يمنع و سادسها: قوله تعالى: نِعْمَ اَلْمَوْلى‏ََ وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ* [الأنفال: 40]و لو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى، بل كان بئس المولى و معلوم أن ذلك كفر، قالوا: فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان و الطاعة مانع ألبتة، فوجب القطع بأن علم اللّه تعالى بعدم الإيمان و خبره عن عدمه لا يكون مانعاً عن الإيمان.

المقام الثاني: قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه: أحدها: أنه لو

288

كان كذلك لوجب أن لا يكون اللّه تعالى قادراً على شي‏ء، لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع، و الذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع، و الواجب لا قدرة له عليه، لأنه إذا كان واجب الوقوع، لا بالقدرة فسواء حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع، و الذي يكون كذلك لم يكن للقدرة فيه أثر، و أما الممتنع فلا قدرة عليه، فيلزم أن لا يكون اللّه تعالى قادراً على شي‏ء أصلاً، و ذلك كفر بالاتفاق فثبت أن العلم بعدم الشي‏ء لا يمنع من إمكان وجوده. و ثانيها: أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه، فإن كان ممكناً علمه ممكناً و إن كان واجباً علمه واجباً، و لا شك أن الإيمان و الكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثراً في المعلوم، و قد بينا أنه محال. و ثالثها: لو كان الخبر و العلم مانعاً لما كان العبد قادراً على شي‏ء أصلاً، لأن الذي علم اللّه تعالى وقوعه كان واجب الوقوع، و الواجب لا قدرة عليه، و الذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع، و الممتنع لا قدرة عليه، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على شي‏ء أصلاً، فكانت حركاته و سكناته جارية مجرى حركات الجمادات، و الحركات الاضطرارية للحيوانات، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك، فإن رمى إنسان إنساناً بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي و لا نذم الآجرة، و ندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه، و بين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار: و لذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن و ذم المسي‏ء، و يلتمسون و يأمرون و يعاتبون و يقولون لم فعلت و لم تركت؟فدل على أن العلم و الخبر غير مانع من الفعل و الترك. و رابعها: لو كان العلم بالعدم مانعاً للوجود لكان أمر اللّه تعالى للكافر بالإيمان أمراً بإعدام علمه، و كما أنه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم، بأن يعدموا علمه، لأن إعدام ذات اللّه و صفاته غير معقول، و الأمر به سفه و عبث، فدل على أن العلم بالعدم لا يكون مانعاً من الوجود. و خامسها: أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات الجائزات/نظراً إلى ذاته و عينه، فوجب أن يعلمه اللّه تعالى من الممكنات الجائزات، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلاً، و هو محال، و إذا علمه اللّه تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها و عدمها ألبتة، فلو صار بسبب العلم واجباً لزم أن يجتمع على الشي‏ء الواحد كونه من الممكنات، و كونه ليس من الممكنات و ذلك محال. و سادسها: أن الأمر بالمحال سفه و عبث، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضاً بكل أنواع السفه، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين و لا إنزال الأكاذيب و الأباطيل، و على هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء و لا بصحة القرآن، بل يجوز أن يكون كله كذباً و سفهاً، و لما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان و الخبر عن عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان. و سابعها: أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف. و المزمن بالطيران في الهواء، و أن يقال لمن قيد يداه و رجلاه و ألقي من شاهق جبل:

لم لا تطير إلى فوق؟و لما لم يجز شي‏ء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز الأمر بالمحال، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود، و ثامنها: لو جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات و إنزال الكتب عليها، و إنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالاً بعد حال، و معلوم أن ذلك سخرية و تلاعب بالدين.

و تاسعها: أن العلم بوجود الشي‏ء لو اقتضى وجوبه لأغنى العلم عن القدرة و الإرادة، فوجب أن لا يكون اللّه تعالى قادراً مريداً مختاراً، و ذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب. و عاشرها: الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد، قال اللّه تعالى: لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ وُسْعَهََا [البقرة: 286]و قال: وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]و قال: وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ اَلْأَغْلاََلَ اَلَّتِي كََانَتْ عَلَيْهِمْ

289

[الأعراف: 157]و أي حرج و مشقة فوق التكليف بالمحال المقام الثالث: الجواب على سبيل التفصيل، للمعتزلة فيه طريقان: الأول: طريقة أبي علي و أبي هاشم و القاضي عبد الجبار، فإنا لما قلنا: لو وقع خلاف معلوم اللّه تعالى لانقلب علمه جهلاً قالوا خطأ: قول من يقول: إنه ينقلب علمه جهلاً، و خطأ أيضاً قول من يقول: إنه لا ينقلب، و لكن يجب الإمساك عن القولين: و الثاني: طريقة الكعبي و اختيار أبي الحسين البصري: أن العلم تبع المعلوم، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل للّه تعالى هو العلم بالإيمان، و متى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلاً على الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان، فهذا فرض علم بدلاً عن علم آخر، لا أنه تغير العلم. فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة. و اعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة: فمنها أن منكري التكاليف و النبوات قالوا: قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قوياً قاطعاً، و هذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة و لا يلتفت العاقل إليهما، و سمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف و يقبح، و الجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جداً فصار مجموع الكلامين كلاماً قوياً في نفي التكاليف، و متى بطل ذلك بطل القول بالنبوات. و منها أن الطاعنين/في القرآن قالوا: الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة على أنه لا مانع من الإيمان و من الطاعة فقد صدقوا فيه، و الذي قاله الجبرية: من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه، فدل على أن القرآن ورد على ضد العقل و على خلافه، و ذلك من أعظم المطاعن و أقوى القوادح فيه، ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه و سلم توسل به إلى الطعن فيه، و قال قوم من الرافضة: إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غير و بدل. و الدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر و أهل القدر. و منها أن المقلدة الطاعنين في النظر و الاستدلال احتجوا بهذه المناظرة و قالوا: لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف و النبوة بسبب هذه المناظرة، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات الجبر، و كلام أهل القدر في بيان أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في نهاية القوة، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح و التكليف و النبوة، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر و الضلال، و عند هذا قيل من تعمق في الكلام تزندق. و منها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها و جوز البداء على اللّه تعالى و قال: إن قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ إنما وقع على سبيل الاستدلال بالأمارة، و يجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره، و إنما قال بهذا المذهب فراراً من تلك الإشكالات المتقدمة. و اعلم أن جملة الوجوه التي رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب بل هي جارية مجرى التشنيعات. فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية الضعف. أما قول أبي علي و أبي هشام و القاضي: خطأ قول من يقول إنه يدل، و خطأ قول من يقول: إنه لا يدل: إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين كان ذلك حكماً بفساد النفي و الإثبات و ذلك لا يرتضيه العقل و إن كان معناه أن أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفى في دفعه تقرير وجه الاستدلال، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم، فلو حصل الوجود معه لكان قد اجتمع العدم و الوجود معاً و لا يتمكن العقل من تقرير كلام أوضح من هذا و أقل مقدمات فيه. و أما قول الكعبي ففي نهاية الضعف، لأنا و إن كنا لا ندري أن اللّه تعالى كان في الأزل عالماً بوجود الإيمان أو بعدمه لكنا نعلم أن العلم بأحد هذين الأمرين كان حاصلاً، و هو الآن‏

290

أيضاً حاضر، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين، و لو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافاً بانقلاب العلم جهلاً، و هذا آخر الكلام في هذا البحث. و اعلم أن الكلام المعنوي هو الذي تقدم، و بقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية و لا بد من ذكرها و هي خمسة: أحدها: روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال: كنت جالساً عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال:

يا أبا عثمان سمعت و اللّه اليوم بالكفر، فقال: لا تعجل بالكفر، و ما سمعت؟قال: سمعت هاشماً الأوقص يقول: إن‏ تَبَّتْ يَدََا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1]و قوله: ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [المدثر: 11]إلى قوله:

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر: 26]إن هذا/ليس في أم الكتاب و اللّه تعالى يقول: حم‏`وَ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ [الزخرف: 1، 2]إلى قوله: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ اَلْكِتََابِ لَدَيْنََا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: 4]فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل علي فقال و اللّه لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم، و لا على الوليد من لوم، فلما سمع الرجل ذلك قال أ تقول يا أبا عثمان ذلك، هذا و اللّه الذي قال معاذ فدخل بالإسلام و خرج بالكفر. و حكي أيضاً أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد و قرأ عنده: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ`فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 22]فقال له أخبرني عن‏ تَبَّتْ أ كانت في اللوح المحفوظ؟فقال عمرو: ليس هكذا كانت، بل كانت: تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل، هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة: فغضب عمرو و قال: إن علم اللّه ليس بشيطان، إن علم اللّه لا يضر و لا ينفع. و هذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة القرآن. و ثانيها: روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر، أن رجلاً قام إليه فقال: يا أبا عبد الرحمن إن أقواماً يزنون و يسرقون و يشربون الخمر و يقتلون النفس التي حرم اللّه إلا بالحق و يقولون كان ذلك في علم اللّه فلم نجد منه بداً، فغضب ثم قال سبحان اللّه العظيم، قد كان في علمه أنهم يفعلونها فلم يحملهم على اللّه على فعلها.

حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول صلى اللّه عليه و سلم يقول: مثل علم اللّه فيكم كمثل السماء التي أظلتكم، و الأرض التي أقلتكم، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء و الأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم اللّه تعالى، و كما لا تحملكم السماء و الأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم اللّه تعالى عليها.

و اعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية و القدرية كثرة، و الغرض من رواية هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك، و ذلك لأنه متناقض و فاسد، أما المتناقض فلأن‏

قوله: «و كذلك لا تستطيعون الخروج من علم اللّه»

صريح في الجبر و ما قبله صريح في القدر فهو متناقض، و أما أنه فاسد، فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان و وجود الإيمان متنافيان، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي و الإثبات، أما السماء و الأرض فإنهما لا ينافيان شيئاً من الأعمال، فظهر أن تشبيه إحدى الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل، وجل منصب الرسالة عنه. و ثالثها: الحديثان المشهوران في هذا الباب: أما الحديث الأول: فهو ما

روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو الصادق المصدق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل اللّه إليه ملكاً فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه و أجله و عمله و شقي أم سعيد، فو اللّه الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، و إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»

و حكى‏

291

الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد/أنه قال: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، و لو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته، و لو سمعت عبد اللّه بن مسعود يقول هذا ما قبلته، و لو سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول هذا لرددته، و لو سمعت اللّه عز و جل يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقنا. و أما الحديث الثاني:

فهو مناظرة آدم و موسى عليهما السلام،

فإن موسى قال لآدم: أنت الذي أشقيت الناس و أخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي اصطفاك اللّه لرسالاته و لكلامه و أنزل عليك التوراة فهل تجد اللّه قدره علي؟قال نعم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فحج آدم موسى،

و المعتزلة طعنوا فيه من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آدم على الصغيرة و ذلك يقتضي الجهل في حق موسى عليه السلام، و أنه غير جائز. و ثانيها: أن الولد كيف يشافه والده بالقول الغليظ. و ثالثها: أنه قال: أنت الذي أشقيت الناس و أخرجتهم من الجنة، و قد علم موسى أن شقاء الخلق و إخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم، بل اللّه أخرجه منها، و رابعها: أن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة إذ لو كان حجة لكان لفرعون و هامان و سائر الكفار أن يحتجوا بها، و لما بطل ذلك علمنا فساد هذه الحجة. و خامسها: أن الرسول عليه السلام صوب آدم في ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب. إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه. أحدها: أنه عليه السلام حكى ذلك عن اليهود لا أنه حكاه عن اللّه تعالى أو عن نفسه، و الرسول عليه السلام كان قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام، فظن أنه عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود. و ثانيها: أنه قال: فحج آدم منصوباً أي أن موسى عليه السلام غلبه و جعله محجوباً و أن الذي أتى به آدم ليس بحجة و لا بعذر. و ثالثها: و هو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية، و لا الاعتذار منه بعلم اللّه بل موسى عليه السلام سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة، فقال آدم: إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة، بل بسبب أن اللّه تعالى كان قد كتب علي أن أخرج من الجنة إلى الأرض و أكون خليفة فيها، و هذا المعنى كان مكتوباً في التوراة، فلا جرم كانت حجة آدم قوية و صار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب و اعلم أن الكلام في هذه المسألة طويل جداً و القرآن مملوء منه و سنستقصي القول فيها في هذا التفسير إن قدر اللّه تعالى ذلك، و فيما ذكرنا هاهنا كفاية.

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا، و هو الختم، و الكلام هاهنا يقع في مسائل:

المسألة الأولى: الختم و الكتم أخوان، لأن في الاستيثاق من الشي‏ء بضرب الخاتم عليه كتماً له و تغطية، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه، و الغشاوة الغطاء فعالة من غشاه إذا غطاه، و هذا البناء لما يشتمل على الشي‏ء كالعصابة و العمامة.

المسألة الثانية: اختلف الناس في هذا الختم، أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان، منهم من قال: الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار، و منهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سبباً موجباً لوقوع الكفر، و تقريره أن القادر

292

على الكفر إما أن يكون قادراً على تركه أو لا يكون، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر، و إن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر و إلى تركه على سواء، فإما أن يكون صيرورتها مصدراً للفعل بدلاً عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أو لا يتوقف، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح، و تجويزه يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر، و ذلك يقتضي نفي الصانع و هو محال، و أما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل اللّه أو من فعل العبد أو لا من فعل اللّه و لا من فعل العبد، لا جائز أن يكون من فعل العبد و إلا لزم التسلسل، و لا جائز أن يكون لا بفعل اللّه و لا بفعل العبد، لأنه يلزم حدوث شي‏ء لا لمؤثر، و ذلك يبطل القول بالصانع.

فثبت أن كون قدرة العبد مصدراً للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجح هو من فعل اللّه تعالى.

فنقول: إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجباً أو جائزاً أو ممتنعاً، و الثاني و الثالث، باطل فتعين الأول، و إنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزاً لأنه لو كان جائزاً لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر، و أخرى منفكاً عنه، فلنفرض وقوع ذلك، لأن كل ما كان جائزاً لا يلزم من فرض وقوعه محال، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر، و أخرى لا يترتب عليه الأثر، فاختصاص أحد الوقتين، يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على انضمام قرينة إليه، أو لا يتوقف، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، و كنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا، و أيضاً فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل و هو محال، و إن لم يتوقف فحينئذ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدراً للأثر، و أخرى بحيث لا يكون مصدراً له مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما ألبتة، فيكون هذا قولاً بترجح الممكن لا عن مرجح و هو محال. فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزاً، و أما أنه لا يكون ممتنعاً فظاهر، و إلا لكان مرجح الوجود مرجحاً للعدم و هو محال، و إذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن/المجموع الحاصل من القدرة، و من ذلك المرجح، و إذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازماً: لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعاً و بعد حصوله يكون واجباً، و إذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختماً على القلب و منعاً له عن قبول الإيمان، فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له، لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، و العلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى اللّه تعالى. و أما المعتزلة فقد قالوا: إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان و احتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى و زادوا هاهنا بأن اللّه تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان و غطاء يمنعهم عن الإيمان‏ وَ قََالُوا قُلُوبُنََا غُلْفٌ ... بَلْ طَبَعَ اَللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً [النساء: 155]و قال: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاََ يَسْمَعُونَ‏`وَ قََالُوا قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ [فصلت: 4، 5]و هذا كله عيب و ذم من اللّه تعالى فيما ادعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا: بل لا بد من حمل الختم و الغشاوة على أمور أخر ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن القوم لما أعرضوا و تركوا الاهتداء بدلائل اللّه تعالى حتى صار ذلك كالإلف و الطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشي‏ء و صد عنه و كذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئاً و كأن بآذانهم وقراً حتى لا يخلص إليها الذكر،

293

و إنما أضيف ذلك إلى اللّه تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها و قوة ثباتها كالشي‏ء الخلقي، و لهذا قال تعالى: بَلْ طَبَعَ اَللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ [النساء: 155] كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ مََا كََانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: 14] فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ . [التوبة: 77] و ثانيها: أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن اللّه تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب. و ثالثها: أنهم لما أعرضوا عن التدبر و لم يصغوا إلى الذكر و كان ذلك عند إيراد اللّه تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى اللّه تعالى، لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة: فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125]أي ازدادوا بها كفراً إلى كفرهم.

و رابعها: أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر و الإلجاء إلا أن اللّه تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر و الإلجاء بالختم إشعاراً بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر و هي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي. و خامسها: أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكماً به من قولهم: قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ [فصلت: 5]و نظيره في الحكاية و التهكم قوله: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتََّى تَأْتِيَهُمُ اَلْبَيِّنَةُ [البينة: 1] و سادسها: الختم على قلوب الكفار من اللّه تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، و على قلوبهم بأنهم لا تعي الذكر و لا تقبل الحق، و على أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه أريد أن تختم على/ما يقوله فلان، أي تصدقه و تشهد بأنه حق، فأخبر اللّه تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، و أخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك و حفظه عليهم.

و سابعها: قال بعضهم: هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل اللّه تعالى بهم هذا الختم و الطبع في الدنيا عقاباً لهم في العاجل، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ اَلَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي اَلسَّبْتِ فَقُلْنََا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ [البقرة: 65]و قال: فَإِنَّهََا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاََ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفََاسِقِينَ [المائدة: 26]و نحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم اللّه تعالى فيها من العبرة لعباده و الصلاح لهم، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم و الطبع، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ، و قد أسقط اللّه التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ، و لسنا ننكر أن يخلق اللّه في قلوب الكافرين مانعاً يمنعهم عن الفهم و الاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم و يعمي أبصارهم و لكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين. و ثامنها: يجوز أن يجعل اللّه على قلوبهم الختم و على أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلاً بينهم و بين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه و القذى في عينيه و الطنين في أذنه، فيفعل اللّه كل ذلك بهم ليضيق صدورهم و يورثهم الكرب و الغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار و يكون ذلك آية للنبي صلى اللّه عليه و سلم و دلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه، و هذا كله مقيد بما يعلم اللّه تعالى أنه أصلح للعباد. و تاسعها: يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال: وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا [الإسراء: 97]و قال: وَ نَحْشُرُ اَلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه: 102]و قال: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى‏ََ أَفْوََاهِهِمْ [يس: 65]و قال: لَهُمْ فِيهََا زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيهََا لاََ يَسْمَعُونَ

294

[الأنبياء: 100]. و عاشرها: ما حكوه عن الحسن البصري-و هو اختيار أبي علي الجبائي و القاضي-أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار و سمعهم فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار، و على أنهم لا يؤمنون أبداً فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند اللّه كما قال: أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ [المجادلة: 22]و حينئذ الملائكة يحبونه و يستغفرون له، و يكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند اللّه فيبغضونه و يلعنونه، و الفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة، لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كفاراً ملعوناً عند اللّه تعالى صار ذلك منفراً لهم عن الكفر أو إلى المكلف، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السموات صار ذلك مرغباً له في الإيمان و إذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه و يلعنونه صار ذلك زاجراً له عن الكفر. قالوا: و الختم بهذا المعنى لا يمنع، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه و نقرأه، و لأن الختم هو بمنزلة/أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان و يترك الكفر. قالوا: و إنما خص القلب و السمع بذلك، لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع، و الأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب، و لهذا خصهما بالذكر. فإن قيل: فيتحملون الغشاوة في البصر أيضاً على معنى العلامة؟قلنا لا، لأنا إنما حملنا ما تقدم على السمة و العلامة، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك، و لا مانع منه فوجب إثباته. أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار و معلوم من حال الكفار خلف ذلك فلا بد من حمله على المجاز، و هو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية. فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع.

المسألة الثالثة: الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي: الطبع، و الكنان، و الرين على القلب، و الوقر في الآذان، و الغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول: وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال: كَلاََّ بَلْ رََانَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ [المطففين: 14] وَ جَعَلْنََا عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً* [الأنعام: 25] وَ طُبِعَ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 87] بَلْ طَبَعَ اَللََّهُ عَلَيْهََا بِكُفْرِهِمْ [النساء:

155] فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاََ يَسْمَعُونَ [فصلت: 4] لِيُنْذِرَ مَنْ كََانَ حَيًّا [يس: 70] إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ لاََ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعََاءَ* [النمل: 80] أَمْوََاتٌ غَيْرُ أَحْيََاءٍ [النحل: 21] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ* [البقرة: 10] و القسم الثاني: وردت دلالة على أنه لا مانع ألبتة وَ مََا مَنَعَ اَلنََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا* [الإسراء: 94] فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ وُسْعَهََا [البقرة: 286] وَ مََا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ [البقرة: 28] لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ [آل عمران: 71]و القرآن مملوء من هذين القسمين، و صار كل قسم منهما متمسكاً لطائفة، فصارت الدلائل السمعية لكونها من الطرفين واقعة في حيز التعارض. أما الدلائل العقلية فهي التي سبقت الإشارة إليها، و بالجملة فهذه المسألة من أعظم المسائل الإسلامية و أكثرها شعباً و أشدها شغباً، و يحكى أن الإمام أبا القاسم الأنصاري سئل عن تكفير المعتزلة في هذه المسألة فقال لا، لأنهم نزهوه، فسئل عن أهل السنة فقال لا، لأنهم عظموه، و المعنى أن كلا الفريقين ما طلب إلا إثبات جلال اللّه و علو كبريائه، إلا أن أهل السنة وقع نظرهم على العظمة فقالوا: ينبغي أن يكون هو الموجد و لا موجد سواه، و المعتزلة وقع نظرهم على الحكمة فقالوا لا يليق‏

295

بجلال حضرته هذه القبائح، و أقول: هاهنا سر آخر، و هو أن إثبات الإله يلجئ إلى القول بالجبر، لأن الفاعلية لو لم تتوقف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجح، و هو نفي الصانع، و لو توقفت لزم الجبر. و إثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدرة. بل هاهنا سر آخر هو فوق الكل، و هو أنا لما رجعنا إلى الفطرة السليمة و العقل الأول وجدنا أن ما استوى الوجود و العدم بالنسبة إليه لا يترجح أحدهما على الآخر إلا لمرجح، و هذا يقتضي الجبر، و نجد أيضاً تفرقة بديهية بين الحركات الاختيارية و الحركات الاضطرارية و جزماً بديهياً بحسن المدح و قبح الذم و الأمر و النهي، و ذلك يقتضي مذهب المعتزلة، فكأن/هذه المسألة وقعت في حيز التعارض بحسب العلوم الضرورية، و بحسب العلوم النظرية، و بحسب تعظيم اللّه تعالى نظراً إلى قدرته و حكمته، و بحسب التوحيد و التنزيه و بحسب الدلائل السمعية، فلهذه المآخذ التي شرحناها و الأسرار التي كشفنا عن حقائقها صعبت المسألة و غمضت و عظمت، فنسأل اللّه العظيم أن يوفقنا للحق و أن يختم عاقبتنا بالخير آمين رب العالمين.

المسألة الرابعة: قال صاحب الكشاف: اللفظ يحتمل أن تكون الأسماء داخلة في حكم الختم، و في حكم التغشية، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم، لقوله تعالى: وَ خَتَمَ عَلى‏ََ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى‏ََ بَصَرِهِ غِشََاوَةً [الجاثية: 23]و لوقفهم على سمعهم دون قلوبهم.

المسألة الخامسة: الفائدة في تكرير الجار في قوله: وَ عَلى‏ََ سَمْعِهِمْ أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين.

المسألة السادسة: إنما جمع القلوب و الأبصار و وحد السمع لوجوه: أحدها: أنه وحد السمع، لأن لكل واحد منهم سمعاً واحداً، كما يقال: أتاني برأس الكبشين، يعني رأس كل واحد منهما، كما وحد البطن في قوله: «كلوا في بعض بطنكمو تعيشوا» يفعلون ذلك إذا أمنوا اللبس، فإذا لم يؤمن كقولك. فرشهم و ثوبهم و أنت تريد الجمع رفضوه. الثاني: أن السمع مصدر في أصله، و المصادر لا تجمع يقال: رجلان صوم، و رجال صوم، فروعي الأصل، يدل على ذلك جمع الأذن في قوله: وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ [فصلت: 5] الثالث: أن نقدر مضافاً محذوفاً أي و على حواس سمعهم. الرابع: قال سيبويه: إنه وحد لفظ السمع إلا أنه ذكر ما قبله و ما بعده بلفظ الجمع، و ذلك يدل على أن المراد منه الجمع أيضاً، قال تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ* [البقرة: 257] عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ* [المعارج: 37]قال الراعي:

بها جيف الحيدى فأما عظامها # فبيض و أما جلدها فصليب‏

و إنما أراد جلودها، و قرأ ابن أبي عبلة (و على أسماعهم) .

المسألة السابعة: من الناس من قال: السمع أفضل من البصر، لأن اللّه تعالى حيث ذكرهما قدم السمع على البصر، و التقديم دليل على التفضيل، و لأن السمع شرط النبوة بخلاف البصر، و لذلك ما بعث اللّه رسولاً أصم، و قد كان فيهم من كان مبتلى بالعمى، و لأن بالسمع تصل نتائج عقول البعض إلى البعض، فالسمع كأنه سبب لاستكمال العقل بالمعارف، و البصر لا يوقفك إلا على المحسوسات، و لأن السمع متصرف في الجهات الست بخلاف البصر، و لأن السمع متى بطل بطل النطق، و البصر إذا بطل لم يبطل‏

296

النطق. و منهم من قدم البصر، لأن آلة القوة الباصرة أشرف، و لأن متعلق القوة الباصرة هو النور، و متعلق القوة السامعة الريح.

المسألة الثامنة: قوله: خَتَمَ اَللََّهُ عَلى‏ََ قُلُوبِهِمْ يدل على أن محل العلم هو القلب. و استقصينا بيانه في قوله: نَزَلَ بِهِ اَلرُّوحُ اَلْأَمِينُ‏`عَلى‏ََ قَلْبِكَ [الشعراء: 193]في سورة الشعراء.

المسألة التاسعة: قال صاحب الكشاف: البصر نور العين و هو ما يبصر به الرائي و يدرك المرئيات، كما أن البصيرة نور القلب، و هو ما يستبصر به و يتأمل، فكأنما جوهران لطيفان خلق اللّه تعالى فيهما آلتين للإبصار و الاستبصار، أقول: إن أصحابه من المعتزلة لا يرضون منه بهذا الكلام: و تحقيق القول في الأبصار يستدعي أبحاثاً غامضة لا تليق بهذا الموضع.

المسألة العاشرة: قرئ غِشََاوَةٌ بالكسر و النصب، و غشاوة بالضم و الرفع، و غشاوة بالفتح و النصب، و غشوة بالكسر و الرفع، و غشوة بالفتح و الرفع و النصب، و غشاوة بالعين غير المعجمة و الرفع من الغشا، و الغشاوة هي الغطاء، و منه الغاشية، و منه غشي عليه إذا زال عقله و الغشيان كناية عن الجماع.

المسألة الحادية عشرة: العذاب مثل النكال بناء و معنى، لأنك تقول أعذب عن الشي‏ء إذا أمسك عنه، كما تقول نكل عنه، و منه العذاب، لأنه يقمع العطش و يردعه بخلاف الملح فإنه يزيده، و يدل عليه تسميتهم إياه نقاخاً، لأنه ينقخ العطش أي يكسره، و فراتاً لأنه يرفته عن القلب، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذاباً و إن لم يكن نكالاً أي عقاباً يرتدع به الجاني عن المعاودة، و الفرق بين العظيم و الكبير: أن العظيم نقيض الحقير، و الكبير نقيض الصغير، فكأن العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، و يستعملان في الجثث و الأحداث جميعاً، تقول: رجل عظيم و كبير تريد جثته أو خطره، و معنى التنكير أن على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، و هو غطاء التعامي عن آيات اللّه، و لهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى.

المسألة الثانية عشرة: اتفق المسلمون على أنه يحسن من اللّه تعالى تعذيب الكفار، و قال بعضهم لا يحسن و فسروا قوله: وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ بأنهم يستحقون ذلك لكن كرمه يوجب عليه العفو، و لنذكر هاهنا دلائل الفريقين، أما الذين لا يجوزون التعذيب فقد تمسكوا بأمور. أحدها: أن ذلك التعذيب ضرر خال عن جهات المنفعة، فوجب أن يكون قبيحاً، أما أنه ضرر فلا شك، و أما أنه خال عن جهات المنفعة، فلأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى اللّه تعالى، أو إلى غيره، و الأول: باطل، لأنه سبحانه متعال عن النفع و الضرر بخلاف الواحد منا في الشاهد، فإن عبده إذا أساء إليه أدبه، لأنه يستلذ بذلك التأديب لما كان في قلبه من حب الانتقام و لأنه إذا أدبه فإنه ينزجر بعد ذلك عما يضره. و الثاني: أيضاً باطل، لأن تلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى المعذب أو إلى غيره أما إلى المعذب فهو محال، لأن الإضرار لا يكون عين الانتفاع و أما إلى غيره فمحال، لأن دفع الضرر أولى بالرعاية من إيصال النفع، فإيصال الضرر إلى شخص لغرض إيصال النفع إلى شخص آخر ترجيح للمرجوح على الراجح، و هو باطل و أيضاً فلا منفعة يريد اللّه تعالى إيصالها إلى أحد إلا و هو قادر على ذلك الاتصال من غير توسيط الإضرار بالغير، /فيكون توسيط ذلك الإضرار عديم الفائدة. فثبت أن التعذيب ضرر خالٍ عن جميع جهات المنفعة و أنه معلوم القبح ببديهة العقل، بل قبحه أجلى في العقول من قبح الكذب الذي‏

297

لا يكون ضاراً، و الجهل الذي لا يكون ضاراً، بل من قبح الكذب الضار و الجهل الضار، لأن ذلك الكذب الضار وسيلة إلى الضرر و قبح ما يكون وسيلة إلى الضرر، دون قبح نفس الضرر، و إذا ثبت قبحه امتنع صدوره من اللّه تعالى، لأنه حكيم و الحكيم لا يفعل القبيح، و ثانيها: أنه تعالى كان عالماً بأن الكافر لا يؤمن على ما قال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6]إذا ثبت هذا ثبت أنه متى كلف الكافر لم يظهر منه إلا العصيان، فلو كان ذلك العصيان سبباً للعقاب لكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العقاب، إما لأنه تمام العلة، أو لأنه شطر العلة، و على الجملة فذلك التكليف أمر متى حصل حصل عقيبه لا محالة العقاب، و ما كان مستعقباً للضرر الخالي عن النفع كان قبيحاً، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً، و القبيح لا يفعله الحكيم، فلم يبق هاهنا إلا أحد أمرين، إما أن يقال لم يوجد هذا التكليف أو إن وجد لكنه لا يستعقب العقاب، و كيف كان فالمقصود حاصل و ثالثها: أنه تعالى إما أن يقال خلق الخلق للإنفاع، أو للإضرار، أو لا للإنفاع و لا للإضرار، فإن خلقهم للإنفاع وجب أن لا يكلفهم ما يؤدي به إلى ضد مقصوده مع علمه بكونه كذلك، و لما علم إقدامهم على العصيان لو كلفهم كان التكليف فعلاً يؤدي بهم إلى العقاب، فإذا كان قاصداً لإنفاعهم وجب أن لا يكلفهم، و حيث كلفهم دل على أن العصيان لا يكون سبباً لاستحقاق العذاب، و لا جائز أن يقال. خلقهم لا للإنفاع و لا للإضرار، لأن الترك على العدم يكفي في ذلك، و لأنه على هذا التقدير يكون عبثاً، و لا جائز أن يقال: خلقهم للإضرار، لأن مثل هذا لا يكون رحيماً كريماً، و قد تطابقت العقول و الشرائع على كونه رحيماً كريماً، و على أنه نعم المولى و نعم النصير، و كل ذلك يدل على عدم العقاب.

و رابعها: أنه سبحانه هو الخالق للدواعي التي توجب المعاصي، فيكون هو الملجئ إليها فيقبح منه أن يعاقب عليها، إنما قلنا إنه هو الخالق لتلك الدواعي، لما بينا أن صدور الفعل عن مقدرة يتوقف على انضمام الداعية التي يخلقها اللّه تعالى إليها، و بينا أن ذلك يوجب الجبر، و تعذيب المجبور قبيح في العقول، و ربما قرروا هذا من وجه آخر فقالوا: إذا كانت الأوامر و النواهي الشرعية قد جاءت إلى شخصين من الناس فقبلها أحدهما و خالفها الآخر فأثيب أحدهما و عوقب الآخر، فإذا قيل لم قيل هذا و خالف الآخر؟فيقال لأن القابل أحب الثواب و حذر العقاب فأطاع، و الآخر لم يحب و لم يحذر فعصى، أو أن هذا أصغى إلي من وعظه و فهم عنه مقالته فأطاع، و هذا لم يصغ و لم يفهم فعصى، فيقال: و لم أصغى هذا و فهم و لم يصغ ذلك و لم يفهم؟فنقول:

لأن هذا لبيب حازم فطن، و ذلك أخرق جاهل غبي فيقال و لم اختص هذا بالحزم و الفطنة دون ذاك، و لا شك أن الفطنة و البلادة من الأحوال الغريزية. فإن الإنسان لا يختار الغباوة و الخرق و لا يفعلهما في نفسه بنفسه؟فإذا تناهت/التعليلات إلى أمور خلقها اللّه تعالى اضطراراً علمنا أن كل هذه الأمور بقضاء اللّه تعالى و ليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع أحدهما و عصى الآخر في كل حال أعني في العقل و الجهل، و الفطانة و الغباوة، و الحزم و الخرق، و المعلمين و الباعثين و الزاجرين، و لا يمكنك أن تقول إنهما لو استويا في ذلك كله لما استويا في الطاعة و المعصية، فإذن سبب الطاعة و المعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق اللّه تعالى و قضائه، و عند هذا يقال: أين من العدل و الرحمة و الكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه اللّه عليه من الفظاظة و الجسارة، و الغباوة و القساوة، و الطيش و الخرق، ثم يعاقبه عليه، و هلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيباً حازماً عارفاً عالماً، و أين من العدل أن يسخن قلبه و يقوي غضبه و يلهب دماغه و يكثر طيشه و لا يرزقه ما رزق غيره من مؤدب أديب و معلم عالم و واعظ مبلغ، بل يقيض له أضداد هؤلاء في أفعالهم و أخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه‏

298

بما يؤاخذ به اللبيب الحازم، و العاقل العالم، البارد الرأس، المعتدل مزاج القلب، اللطيف الروح الذي رزقه مربياً شفيقاً، و معلماً كاملاً؟ما هذا من العدل و الرحمة و الكرم و الرأفة في شي‏ء!فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول. و خامسها: أنه تعالى إنما كلفنا النفع لعوده إلينا، لأنه قال: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهََا [الإسراء: 7]فإذا عصينا فقد فوتنا على أنفسنا تلك المنافع، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً و يقول له إني أعذبك العذاب الشديد، لأنك فوت على نفسك بعض المنافع، فإنه يقال له إن تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر فهب أني فوت على نفسي أدون المطلوبين أ فتفوت علي لأجل ذلك أعظمها و هل يحسن من السيد أن يأخذ عبده و يقول إنك قدرت على أن تكتسب ديناراً لنفسك و لتنتفع به خاصة من غير أن يكون لي فيه غرض ألبتة، فلما لم تكتسب ذلك الدينار و لم تنتفع به آخذك و أقطع أعضاءك إرباً إرباً، لا شك أن هذا نهاية السفاهة، فكيف يليق بأحكم الحاكمين! ثم قالوا هب أن سلمنا هذا العقاب فمن أين القول بالدوام؟و ذلك لأن أقسى الناس قلباً و أشدهم غلظة و فظاظة و بعداً عن الخير إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه و عذبه يوماً أو شهراً أو سنة فإنه يشبع منه و يمل، فلو بقي مواظباً عليه لامه كل أحد، و يقال هب أنه بالغ هذا في إضرارك، و لكن إلى متى هذا التعذيب، فإما أن تقتله و تريحه، و إما أن تخلصه، فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذ بالانتقام فالغني عن الكل كيف يليق به هذا الدوام الذي يقال! و سادسها: أنه سبحانه نهي عباده عن استيفاء الزيادة، فقال: فَلاََ يُسْرِفْ فِي اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كََانَ مَنْصُوراً [الإسراء: 33]و قال: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40]ثم إن العبد هب أنه عصى اللّه تعالى طول عمره فأين عمره من الأبد؟فيكون العقاب المؤبد ظلماً. و سابعها: أن العبد لو واظب على الكفر طول عمره، فإذا تاب ثم مات عفا اللّه عنه و أجاب دعاءه و قبل توبته، ألا ترى أن هذا الكريم العظيم ما بقي في الآخرة، أو عقول أولئك المعذبين ما بقيت فلم لا يتوبون عن معاصيهم؟و إذا تابوا فلم لا يقبل اللّه تعالى منهم توبتهم، و لم لا يسمع نداءهم، /و لم يخيب رجاءهم؟و لم كان في الدنيا في الرحمة و الكرم إلى حيث قال: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذََا دَعََاهُ [النمل: 62] و في الآخرة صار بحيث كلما كان تضرعهم إليه أشد فإنه لا يخاطبهم إلا بقوله: اِخْسَؤُا فِيهََا وَ لاََ تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]قالوا: فهذه الوجوه مما توجب القطع بعدم العقاب. ثم قال من آمن من هؤلاء بالقرآن:

العذر عما ورد في القرآن من أنواع العذاب من وجوه: أحدها: أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين، و الدلائل العقلية تفيد اليقين، و المظنون لا يعارض المقطوع. و إنما قلنا: إن الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، لأن الدلائل اللفظية مبنية على أصول كلها ظنية و المبني على الظني ظني، و إنما قلنا إنها مبنية على أصول ظنية، لأنها مبنية على نقل اللغات و نقل النحو و التصريف، و رواة هذه الأشياء لا يعلم بلوغهم إلى حد التواتر، فكانت روايتهم مظنونة، و أيضاً فهي مبنية على عدم الاشتراك و عدم المجاز و عدم التخصيص و عدم الإضمار بالزيادة و النقصان و عدم التقديم و التأخير، و كل ذلك أمور ظنية، و أيضاً فهي مبنية على عدم المعارض العقلي، فإنه بتقدير وجوده لا يمكن القول بصدقهما و لا بكذبهما معاً، و لا يمكن ترجيح النقل على العقل لأن العقل أصل النقل، و الطعن في العقل يوجب الطعن في العقل و النقل معاً، لكن عدم المعارض العقلي مظنون، هذا إذا لم يوجد فكيف و قد وجدنا هاهنا دلائل عقلية على خلاف هذه الظواهر، فثبت أن دلالة هذه الدلائل النقلية ظنية، و أما أن الظني لا يعارض اليقيني فلا شك فيه. و ثانيها: و هو أن‏