التفسير الكبير - ج3

- الفخر الرازي‏ المزيد...
652 /
451

الجزء الثالث‏

تتمة سورة البقرة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله اُسْكُنْ أمر تكليف أو إباحة فالمروي عن قتادة أنه قال: إن اللّه تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود و ذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء و نهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك و أهبط من الجنة و أسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. و قال آخرون:

إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد و لا يكون قوله: كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ* [الأعراف: 16]أمراً و تكليفاً بل إباحة، و الأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، و على ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة و السلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، و أما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضراً و هو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكاً له، فههنا لم يقل اللّه تعالى:

و هبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة و إنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك.

المسألة الثانية: أن اللّه تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم و أبى إبليس السجود صيره اللّه ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. و اختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر السدي عن ابن عباس و ابن مسعود و ناس من الصحابة أن اللّه تعالى لما أخرج إبليس من الجنة و أسكن آدم الجنة فبقي فيها وجده و ما كان معه من يستأنس به فألقى اللّه تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر و وضع مكانه لحماً و خلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت؟قالت: امرأة. قال: و لم خلقت؟قالت: لتسكن إليّ، فقالت الملائكة: /ما اسمها؟قالوا: حواء، و لم سميت حواء، قال: لأنها خلقت من شي‏ء حي، و عن عمر و ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: بعث اللّه جنداً من الملائكة فحملوا آدم و حواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك و لباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت و اللؤلؤ و على آدم منطقة مكللة بالدر و الياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة و الخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة و اللّه أعلم بالحقيقة.

المسألة الثالثة: أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء و إن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة و في سائر القرآن ما يدل على ذلك و أنها مخلوقة منه كما قال اللّه تعالى في سورة النساء: اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا [النساء: 1]و في الأعراف: وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا [الأعراف: 189]، و

روى‏

452

الحسن عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها و إن تركتها انتفعت بها و استقامت» .

المسألة الرابعة: اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ و بتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى؟فقال أبو القاسم البلخي و أبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، و حملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى: اِهْبِطُوا مِصْراً [البقرة: 61]و احتجا عليه بوجوه أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد و لو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى‏ََ شَجَرَةِ اَلْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لاََ يَبْلى‏ََ [طه: 120]، و لما صح قوله: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ [الأعراف: 20]. و ثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: وَ مََا هُمْ مِنْهََا بِمُخْرَجِينَ [الحجر: 48]. و ثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب اللّه على أن يصل إلى جنة الخلد. و رابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفني نعيمها لقوله تعالى: أُكُلُهََا دََائِمٌ وَ ظِلُّهََا [الرعد: 35]و لقوله تعالى: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي اَلْجَنَّةِ خََالِدِينَ فِيهََا إلى أن قال: عَطََاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 108]أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]و لما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها و انقطعت تلك الراحات. و خامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها و لا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل و لأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب و ترهيب و وعد و وعيد، و سادسها: لا نزاع في أن اللّه تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض و لم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، و لو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، و ذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال اللّه تعالى له: اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ جنة أخرى غير جنة الخلد (1) . القول الثاني: و هو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة و الدليل /عليه قوله تعالى: اِهْبِطُوا مِنْهََا [البقرة: 38]، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، و الإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض. القول الثالث: و هو قول جمهور أصحابنا: أن هذه الجنة هي دار الثواب و الدليل عليه أن الألف و اللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق و الجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها، و القول الرابع: أن الكل ممكن و الأدلة النقلية ضعيفة و متعارضة فوجب التوقف و ترك القطع و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: السكني من السكون لأنها نوع من اللبث و الاستقرار و «أنت» تأكيد للمستكن في «اسكن» ليصح العطف عليه و «رغداً» وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و «حيث» للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل و لا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة.

____________

(1) يلاحظ أن القول الأول هو قول أبي القاسم البلخي و أبي مسلم الأصفهاني المتقدم، لكن لم يعنون له المصنف رحمه اللّه تعالى.

453

المسألة السادسة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال هاهنا: و كلا منها رغداً و قال في الأعراف: فَكُلاََ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمََا [الأعراف: 19]فعطف كُلاََ* على قوله: اُسْكُنْ* في سورة البقرة بالواو و في سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة؟و الجواب: كل فعل عطف عليه شي‏ء و كان الفعل بمنزلة الشرط، و ذلك الشي‏ء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً [البقرة: 58]فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى الأكل، و الأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف: وَ إِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هََذِهِ اَلْقَرْيَةَ وَ كُلُوا مِنْهََا حَيْثُ شِئْتُمْ [الأعراف: 161]، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى و هي المقام مع طول اللبث و الأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه و إن كان مجتازاً فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء، إذا ثبت هذا فنقول: إن اُسْكُنْ* يقال لمن دخل مكاناً فيراد منه الزم المكان الذي دخلته و لا تنتقل عنه، و يقال أيضاً لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله و اسكن فيه، ففي سورة البقرة هذا الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث و الاستقرار، و قد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو. و في سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل: أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة و قد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء و اللّه أعلم.

المسألة السابعة: قوله: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ لا شبهة في أنه نهى و لكن فيه بحثان. الأول: أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف، فقال قائلون: هذه الصيغة النهي/التنزيه، و ذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه و أخرى في التحريم، و الأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، و ما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه، لكن الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، فإن الأصل في المنافع الإباحة، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه، قالوا: و هذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى و معلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول، و قال آخرون: بل هذا النهي نهي تحريم و احتجوا عليه بأمور. أحدها: أن قوله تعالى: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ كقوله: وَ لاََ تَقْرَبُوهُنَّ حَتََّى يَطْهُرْنَ [البقرة: 222]و قوله: وَ لاََ تَقْرَبُوا مََالَ اَلْيَتِيمِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* [الأنعام: 152]فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. و ثانيها: أنه قال: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 35]معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا قََالاََ رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [الأعراف: 23]. و ثالثها: أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة و لما وجبت التوبة عليه، و الجواب عن الأول نقول: إن النهي و إن كان في الأصل للتنزيه و لكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة، و عن الثاني: أن قوله: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمئان فيها و لا تجوعان و لا تضحيان و لا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شي‏ء من هذا، و عن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب و سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى.

454

البحث الثاني: قال قائلون قوله: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ يفيد بفحواه النهي عن الأكل، و هذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب. و أما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى و هي قوله تعالى في غير هذا الموضع: فَلَمََّا ذََاقَا اَلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمََا سَوْآتُهُمََا [الأعراف: 22]و لأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال: وَ كُلاََ مِنْهََا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمََا فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل و سائر الانتفاعات و لو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة:

المسألة الثامنة: اختلفوا في الشجرة ما هي، فروى مجاهد و سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنها البر و السنبلة. و

روي أن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الشجرة فقال: هي الشجرة المباركة السنبلة.

و روى السدي عن ابن عباس و ابن مسعود أنها الكرم، و عن مجاهد و قتادة أنها التين، و قال الربيع بن أنس: كانت شجرة من أكل منها أحدث و لا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. و اعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضاً إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة و ما لا يكون مقصوداً في/الكلام، لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثاً لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال: شغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام و يذكر اسمه و صفته، فليس لأحد أن يظن أنه وقع هاهنا تقصير في البيان، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ما له ساق و أغصان، و قيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى: وَ أَنْبَتْنََا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات: 146]مع أنها كالزرع و البطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً، قال المبرد: و أحسب أن كل ما تفرعت له أغصان و عيدان فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه و أصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنة و يسرة يقال: رأيت فلاناً في شجرته الرماح. و قال تعالى: حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: 65]و تشاجر الرجلان في أمر كذا.

المسألة التاسعة: اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير، و قد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه و بأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم و أعظم. ثم اختلف الناس هاهنا على ثلاثة أقوال: الأول: قول الحشوية الذين قالوا: إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً، الثاني: قوله المعتزلة الذين قالوا: إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان:

أحدهما: قول أبي علي الجبائي و هو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة و التلافي، و ثانيهما: قول أبي هاشم و هو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه، الثالث:

قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً و حمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله. و مثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها و اشتغل بالحياكة، فإنه يقال له: يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك؟فإن قيل: هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم؟و الجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم. ـ

455

قال صاحب الكشاف: فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ عَنْهََا تحقيقه، فأصدر الشيطان زلتهما عنها و لفظة «عن» في هذه الآية كهي في قوله تعالى: وَ مََا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: 82]قال القفال رحمه اللّه: هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشي‏ء، فيزل عنه و يصير متحولاً عن ذلك الموضع، و من قرأ فأزالهما فهو من الزوال عن المكان، و حكي عن أبي معاذ أنه قال: يقال أزلتك عن كذا/حتى زلت عنه و أزللتك حتى زللت و معناهما واحد، أي: حولتك عنه، و قال بعض العلماء: أزلهما الشيطان أي استزلهما، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ و أزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه. و اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام و ضبط القول فيه أن يقال: الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة: أحدها: ما يقع في باب الاعتقاد، و ثانيها: ما يقع في باب التبليغ، و ثالثها: ما يقع في باب الأحكام و الفتيا، و رابعها: ما يقع في أفعالهم و سيرتهم. أما اعتقادهم الكفر و الضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة. و قالت الفضيلية من الخوارج: إنهم قد وقعت منهم الذنوب، و الذنب عندهم كفر و شرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم، و أجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية.

أما النوع الثاني: و هو ما يتعلق بالتبليغ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب و التحريف، فيما يتعلق بالتبليغ، و إلا لارتفع الوثوق بالأداء، و اتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً، و من الناس من جوز ذلك سهواً، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن.

و أما النوع الثالث: و هو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد، و أما على سبيل السهو فجوزه بعضهم و أباه آخرون.

و أما النوع الرابع: و هو الذي يقع في أفعالهم، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد و هو قول الحشوية. و الثاني: قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب و التطفيف و هذا قول أكثر المعتزلة. القول الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة و لا بكبيرة على جهة العمد ألبتة، بل على جهة التأويل و هو قول الجبائي. القول الرابع:

أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو و الخطأ و لكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة و إن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم و ذلك لأن معرفتهم أقوى و دلائلهم أكثر، و أنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. القول الخامس: أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة و لا الصغيرة لا على سبيل القصد و لا على سبيل السهو و لا على سبيل التأويل و الخطأ، و هو مذهب الرافضة، و اختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:

أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم و هو قول الرافضة، و ثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم و لم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر و الكبيرة قبل النبوة، و هو قول كثير من المعتزلة، و ثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز، و هو قول أكثر أصحابنا و قول أبي الهذيل و أبي علي من المعتزلة/و المختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة و لا

456

الصغيرة، و يدل عليه وجوه: أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة و ذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال و الشرف، و كل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى: يََا نِسََاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضََاعَفْ لَهَا اَلْعَذََابُ ضِعْفَيْنِ ، [الأحزاب: 30]و المحصن يرجم و غيره يحد، و حد العبد نصف حد الحر، و أما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذاك بالإجماع. و ثانيها: أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى: إِنْ جََاءَكُمْ فََاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6]لكنه مقبول الشهادة، و إلا كان أقل حالاً من عدول الأمة، و كيف لا نقول ذلك و أنه لا معنى للنبوة و الرسالة إلا أنه يشهد على اللّه تعالى بأنه شرع هذا الحكم و ذاك، و أيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله: لِتَكُونُوا شُهَدََاءَ عَلَى اَلنََّاسِ وَ يَكُونَ اَلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: 143]. و ثالثها: أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها، فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ [الأحزاب: 57]. و رابعها: أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي* [آل عمران: 31]فيفضي إلى الجمع بين الحرمة و الوجوب و هو محال، و إذا ثبت ذلك حق محمد صلى اللّه عليه و سلم ثبت أيضاً في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. و خامسها: أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شي‏ء أقبح من نبي رفع اللّه درجته و ائتمنه على وحيه و جعله خليفة في عباده و بلاده يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهي ربه و لا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة. و سادسها: أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ خََالِدِينَ فِيهََا [الجن: 23]و لا استحقوا اللعن لقوله: أَلاََ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ [هود: 18]و أجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن و لا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه. و سابعها: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله: أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ اَلْكِتََابَ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ [البقرة: 44].

و قال: وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أُخََالِفَكُمْ إِلى‏ََ مََا أَنْهََاكُمْ عَنْهُ [هود: 88]، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام. و ثامنها: قوله تعالى: إِنَّهُمْ كََانُوا يُسََارِعُونَ فِي اَلْخَيْرََاتِ [الأنبياء: 90]، و لفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل و يدخل فيه فعل ما ينبغي و ترك ما لا ينبغي، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله و تاركين كل ما ينبغي تركه، و ذلك ينافي صدور الذنب عنهم.

و تاسعها: قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنََا لَمِنَ اَلْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيََارِ [ص: 47]، و هذا يتناول جميع الأفعال و التروك بدليل جواز الاستثناء فيقال: فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية و الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور، و ذلك ينافي صدور الذنب عنهم. و قال:

اَللََّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ اَلنََّاسِ [الحج: 75]، إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ/إِبْرََاهِيمَ وَ آلَ عِمْرََانَ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [آل عمران: 33]. و قال في إبراهيم: وَ لَقَدِ اِصْطَفَيْنََاهُ فِي اَلدُّنْيََا [البقرة: 130]. و قال في موسى: إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى اَلنََّاسِ بِرِسََالاََتِي وَ بِكَلاََمِي [الأعراف: 144]. و قال: وَ اُذْكُرْ عِبََادَنََا إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصََارِ`إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ`وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنََا لَمِنَ اَلْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيََارِ [ص: 45-47]. فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء و الخيرية، و ذلك ينافي صدور الذنب عنهم. عاشرها: أنه تعالى حكى عن إبليس قوله: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ‏`إِلاََّ عِبََادَكَ مِنْهُمُ‏

457

اَلْمُخْلَصِينَ [ص: 82-83]، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين و هم الأنبياء عليهم السلام. قال تعالى في صفة إبراهيم و إسحاق و يعقوب: إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ [ص: 46]و قال في يوسف: إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24]، و إذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق. و الحادي عشر: قوله تعالى: وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاََّ فَرِيقاً مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [سبأ:

20]، فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال: إنه ما صدر الذنب عنهم و إلا فقد كانوا متبعين له، و إذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنبياء أو غيرهم، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب و إن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند اللّه من ذلك الفريق، فيكون غير النبي أفضل من النبي، و ذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم. الثاني عشر: أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال: أُولََئِكَ حِزْبُ اَلشَّيْطََانِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَلشَّيْطََانِ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ [المجادلة: 19]و قال في الصنف الآخر، أُولََئِكَ حِزْبُ اَللََّهِ أَلاََ إِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22]و لا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان، و الذي يرتضيه الشيطان هو المعصية، فكل من عصى اللّه تعالى كان من حزب الشيطان، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان و لصدق عليه أنه من الخاسرين و لصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب اللّه و أنهم من المفلحين، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند اللّه من ذلك الرسول، و هذا لا يقوله مسلم. الثالث عشر: أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لا يصدر الذنب من الرسول، و إنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرََاهِيمَ وَ آلَ عِمْرََانَ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [آل عمران: 33]، و وجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر و إنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال: لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: 27]. و قال: لاََ يَعْصُونَ اَللََّهَ مََا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مََا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6]، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجََّارِ [ص: 28].

الرابع عشر:

روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم على وفق دعواه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «كيف شهدت لي» فقال: يا رسول اللّه إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أ فلا أصدقك في هذا القدر؟فصدقه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم/و سماه بذي الشهادتين‏

و لو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

الخامس عشر: قال في حق إبراهيم عليه السلام: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً [البقرة: 124]و الإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب و ذلك يفضي إلى التناقض.

السادس عشر: قوله تعالى: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]و المراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، و إن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا نثبت الإمامة للظالمين و إذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، لأن كل نبي لا بد و أن يكون إماماً يؤتم به و يقتدى به. و الآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً، أما

458

المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناها بآيات و نحن نشير إلى معاقدها و نحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء اللّه تعالى: أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة، أولها: تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله: هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا [الأعراف: 189]إلى آخر الآية. قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم و زوجها المخلوق منها هي حواء، فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ فِيمََا آتََاهُمََا فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ [الأعراف: 190]يقتضي صدور الشرك عنهما، و الجواب: لا نسلم أن النفس الواحدة هي آدم و ليس في الآية ما يدل عليه بل نقول: الخطاب لقريش و هم آل قصي و المعنى خلقكم من نفس قصي و جعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف و عبد العزى و عبد الدار و عبد قصي، و الضمير في يشركون لهما و لأعقابهما فهذا الجواب هو المعتمد، و ثانيها: قالوا إن إبراهيم عليه السلام لم يكن عالماً باللّه و لا باليوم الآخر. أما الأول: فلأنه قال في الكواكب‏ هََذََا رَبِّي* ، [الأنعام: 77]، و أما الثاني: فقوله: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 260]، و الجواب: أما قوله: هََذََا رَبِّي* فهو استفهام على سبيل الإنكار، و أما قوله: وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة، و ثالثها: تمسكوا بقوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمََّا أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جََاءَكَ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلمُمْتَرِينَ [يونس: 94]، فدلت الآية على أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم كان في شك مما أوحي إليه و الجواب: أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة للشبهات إلا أنه عليه الصلاة و السلام كان يزيلها بالدلائل.

أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة: أحدها: قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسى‏ََ`إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ [الأعلى: 6، 8]فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحي، الجواب: ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد الذكر، لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى. و ثانيها: قوله:

وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: 52]، /و الكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء، و ثالثها: قوله تعالى: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً`إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، `لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسََالاََتِ رَبِّهِمْ [الجن: 26-28]. قالوا: فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة، و الجواب: لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة. أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة، أحدها: قوله: وَ دََاوُدَ وَ سُلَيْمََانَ إِذْ يَحْكُمََانِ فِي اَلْحَرْثِ [الأنبياء: 78]، و قد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء. و ثانيها: قوله في أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى‏ََ حَتََّى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ [الأنفال: 67]، فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة و إلا لما عوتب، و ثالثها: قوله تعالى: عَفَا اَللََّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43]، و الجواب عن الكل: أنا نحمله على ترك الأولى.

أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة، أولها: قصة آدم عليه السلام، تمسكوا بها من سبعة أوجه، الأول: أنه كان عاصياً و العاصي لا بد و أن يكون صاحب الكبيرة، و إنما قلنا إنه كان عاصياً لقوله تعالى:

459

وَ عَصى‏ََ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ََ [طه: 121]و إنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين: الأول: أن النص يقتضي كونه معاقباً لقوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نََارَ جَهَنَّمَ [الجن: 23]فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك، الثاني: أن العاصي اسم ذم فوجب أن لا يتناول إلا صاحب الكبيرة، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً لقوله تعالى‏ فَغَوى‏ََ و الغي ضد الرشد، لقوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ [البقرة: 256]، فجعل الغي مقابلاً للرشد، الوجه الثالث: أنه تائب و التائب مذنب، و إنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ فَتََابَ عَلَيْهِ [البقرة: 37]و قال: ثُمَّ اِجْتَبََاهُ رَبُّهُ فَتََابَ عَلَيْهِ [طه: 122] و إنما قلنا: التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب، و النادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلاً للذنب، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب، و إن صدق فيه فهو المطلوب. الوجه الرابع: أنه ارتكب المنهي عنه في قوله: أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ [الأعراف: 22]، وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ [الأعراف: 19]، و ارتكاب المنهي عنه عين الذنب. الوجه الخامس: سماه ظالماً في قوله: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 35]و هو سمى نفسه ظالماً في قوله: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [الأعراف: 23]و الظالم ملعون لقوله تعالى: أَلاََ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ [هود: 18]و من استحق اللعن كان صاحب الكبيرة. الوجه السادس: أنه اعترف بأنه لولا مغفرة اللّه إياه و إلا لكان خاسراً في قوله: وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ [الأعراف: 23]، و ذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة. و سابعها: أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان و إزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان، و ذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة، ثم قالوا:

هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلاً للكبيرة، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعاً في الدلالة عليه، و يجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه و إن لم يدل على الشي‏ء/لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالاً على الشي‏ء. و الجواب المعتمد عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول: كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة، و ذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال: إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبياً، ثم بعد ذلك صار نبياً و نحن قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام. و أما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء اللّه تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات.

و لنذكر هاهنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد اللّه تعالى من قوله: فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ [البقرة: 36]فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسياً أو حال كونه ذاكراً، أما الأول: و هو أنه فعله ناسياً فهو قول طائفة من المتكلمين و احتجوا عليه بقوله تعالى: وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115]و مثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه و يغلب عليه فيصير ساهياً عن الصوم و يأكل في أثناء ذلك السهو[لا]عن قصد، لا يقال هذا باطل من وجهين. الأول: أن قوله تعالى: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ ، و قوله: وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ [الأعراف: 20-21]يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. و

روى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة، فحسسته فناداه اللّه تعالى أ فراراً مني، فقال: بل حياء منك، فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟قال: بلى يا رب و لكني و عزتك ما كنت أرى أن أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: و عزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كداً.

الثاني: و هو أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل، فلا يكون مكلفاً

460

به لقوله: لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ وُسْعَهََا [البقرة: 286]و أما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة و السلام «رفع القلم عن ثلاث» ، فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل النسيان. لأنا نقول: أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم و حواء قبلا من إبليس ذلك الكلام و لا صدقاه فيه، لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة، لأن إبليس لما قال لهما: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ . فقد ألقى إليهما سوء الظن باللّه و دعاهما إلى ترك التسليم لأمره و الرضا بحكمه و إلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما و أن الرب تعالى قد غشهما و لا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد و أيضاً كان آدم عليه السلام عالماً بتمرد إبليس عن السجود و كونه مبغضاً له و حاسداً له على ما آتاه اللّه من النعم، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن و ليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده، و يدل على أن آدم كان عالماً بعداوته لقوله تعالى: إِنَّ هََذََا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ [طه: 117]. و أما ما روي عن ابن عباس فهو أثر مروي بالآحاد، فكيف يعارض القرآن؟و أما الجواب عن الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على ترك/التحفظ من أسباب النسيان، و هذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين و قد كان يجوز أن يؤاخذوا به، و ليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم و مثلوه بقوله تعالى: يََا نِسََاءَ اَلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ اَلنِّسََاءِ [الأحزاب: 32]، ثم قال: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفََاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضََاعَفْ لَهَا اَلْعَذََابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: 30]. و

قال عليه الصلاة و السلام: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» .

و

قال أيضاً: «إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم» ،

فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم و علو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم؟قلنا أما سمعت: «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، و لقد كان على النبي صلى اللّه عليه و سلم من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره. فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو و النسيان. و رأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك. قالوا: و هذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فإذا حملنا الشجرة على البر، كان مأذوناً في تناول الخمر، و لقائل أن يقول: إن خمر الجنة لا يسكر، لقوله تعالى في صفة خمر الجنة: لاََ فِيهََا غَوْلٌ [الصافات: 47]. أما القول الثاني: و هو أنه عليه السلام فعله عامداً فههنا أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم، و قد تقدم الكلام في هذا القول و علته.

الثاني: أنه كان ذلك عمداً من آدم عليه السلام و كان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبياً، و قد عرفت فساد هذا القول. الثالث: أنه عليه السلام فعله عمداً، لكن كان معه من الوجل و الفزع و الإشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة، و هذا القول أيضاً باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً و إن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصياً مستحقاً للعن و الذم و الخلود في النار، و لا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك، و لأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله: فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115]، و ذلك ينافي العمدية. القول الرابع: و هو اختيار أكثر المعتزلة: أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، و ذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فلفظ هََذِهِ قد يشار به إلى الشخص، و قد يشار به إلى النوع، و

روي أنه عليه السلام أخذ حريراً و ذهباً بيده و قال: «هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم» ،

و أراد به نوعهما، و

روي أنه عليه الصلاة

461

و السلام توضأ مرة مرة و قال: «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به»

و أراد نوعه، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ [البقرة: 35][الأعراف: 19]ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها و تناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد اللّه تعالى من كلمة هََذِهِ كان النوع لا الشخص و الاجتهاد في الفروع، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب و اللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا، فإن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه: أحدها: أن كلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشي‏ء الحاضر. و الشي‏ء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشي‏ء/المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، و أيضاً فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا محالة، إذا ثبت هذا فنقول: المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ هذا على المعين كان قد فعل الواجب و لا يجوز له حمله على النوع، و اعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين. أحدهما: أن قوله: وَ كُلاََ مِنْهََا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمََا [البقرة: 35]أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل. و الثاني: أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل، و الدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذوناً له في الانتفاع بسائر الأشجار، و إذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتاباً و أن يحكم عليه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيباً لا مخطئاً، و إذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل. الوجه الثاني: في الاعتراض على هذا التأويل. هب أن لفظ هذا متردد بين الشخص و النوع، و لكن هل قرن اللّه تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك؟فإن كان الأول فإما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب، و إن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً.

الوجه الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن، و ذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً و شرعاً، و إذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية. الوجه الرابع: هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً و حينئذ يعود الإشكال، و إن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلاً، و إن قلنا المصيب فيها واحد و المخطئ فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه و أخرج من الجنة و أهبط إلى الأرض؟ و الجواب عن الأول: أن لفظ هذا و إن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه، و أنه سبحانه و تعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع. و الجواب عن الثاني:

هو أن آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال، أو يقال: إنه عرف ذلك لا دليل في وقت ما نهاه اللّه تعالى عن عين الشجرة، فلما طالت المدة غفل عنه لأن‏

في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج.

و الجواب عن الثالث: أنه لا حاجة هاهنا إلى إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد، فإنا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها/لكنه

462

قد نسيها، و هو المراد من قوله تعالى: فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115]، و الجواب عن الرابع: يمكن أن يقال:

كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار النسيان عذراً في أن لا يصير الذنب كبيراً أو يقال: كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص، و كما أن الرسول عليه الصلاة و السلام مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات و التخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة، فكذا هاهنا. و اعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر و هو أنه تعالى لما قال: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ و نهاهما معاً فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة و أن يتناول منها، لأن قوله: وَ لاََ تَقْرَبََا نهي لهما على الجمع و لا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد، فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه، فهذا جملة ما يقال في هذا الباب و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة و آدم كان في الجنة، و ذكروا فيه وجوهاً. أحدها: قول القصاص و هو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني و السدي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما و غيره: أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية و هي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية، و هي كأحسن الدواب بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية و أدخلته الجنة خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها و اشتغل بالوسوسة. فلا جرم لعنت الحية و سقطت قوائمها و صارت تمشي على بطنها، و جعل رزقها في التراب، و صارت عدواً لبني آدم، و اعلم أن هذا و أمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، و لأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة و لا مكلفة. و ثانيها: أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة، و هذا القول أقل فساداً من الأول.

و ثالثها: قال بعض أهل الأصول: إن آدم و حواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة و إبليس كان بقرب الباب و يوسوس إليهما، و رابعها: و هو قول الحسن: أن إبليس كان في الأرض و أوصل الوسوسة إليهما في الجنة. قال بعضهم: هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي و الكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء، و اختلفوا من وجه آخر و هو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجة القول الأول: قوله تعالى: وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ [الأعراف: 21]، و ذلك يقتضي المشافهة، و كذا قوله: فَدَلاََّهُمََا بِغُرُورٍ [الأعراف: 22]. و حجة القول الثاني: أن آدم و حواء عليهما السلام كانا يعرفانه و يعرفان ما عنده من الحسد و العداوة، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله و أن يلتفتا إليه، فلا بد و أن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس. بقي هاهنا سؤالان، السؤال الأول: /أن اللّه تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟قلنا معنى قوله: فَأَزَلَّهُمَا أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً [نوح: 6]. فقال تعالى حاكياً عن إبليس: وَ مََا كََانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطََانٍ إِلاََّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم: 22]، هذا ما قاله المعتزلة. و التحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مراراً أن الإنسان قادر على الفعل و الترك و مع التساوي يستحيل أن يصير مصدراً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه، و الداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو

463

اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحة، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلاً بالفعل، فلهذا المعنى انضاف الفعل هاهنا إلى الوسوسة، و ما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة من!و هذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل و أن الدواعي و إن ترتب بعضها على بعض، فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه اللّه تعالى ابتداء، و هو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله: إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهََا مَنْ تَشََاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشََاءُ [الأعراف: 155]. السؤال الثاني: كيف كانت تلك الوسوسة، الجواب: أنها هي التي حكى اللّه تعالى عنها في قوله: مََا نَهََاكُمََا رَبُّكُمََا عَنْ هََذِهِ اَلشَّجَرَةِ إِلاََّ أَنْ تَكُونََا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونََا مِنَ اَلْخََالِدِينَ [الأعراف: 20]، فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال: وَ قََاسَمَهُمََا إِنِّي لَكُمََا لَمِنَ اَلنََّاصِحِينَ [الأعراف: 21]، فلم يصدقاه أيضاً، و الظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شي‏ء آخر و هو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل، و اللّه أعلم بحقائق الأمور كيف كانت.

أما قوله تعالى: وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل، و من قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره، كقوله: اِهْبِطُوا مِصْراً [البقرة: 61].

المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم و حواء عليهما السلام كانا مخاطبين به و ذكروا فيه وجوهاً: الأول: و هو قول الأكثرين: أن إبليس داخل فيه أيضاً قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله: فَأَزَلَّهُمَا اَلشَّيْطََانُ عَنْهََا أي فأزلهما و قلنا لهم اهبطوا.

و أما قوله تعالى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فهذا تعريف لآدم و حواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما و لذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال: فَقُلْنََا يََا آدَمُ إِنَّ هََذََا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاََ يُخْرِجَنَّكُمََا مِنَ اَلْجَنَّةِ فَتَشْقى‏ََ [طه: 117]، فإن قيل: إن إبليس لما أبى من السجود صار كافراً/و أخرج من الجنة و قيل له: فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا [الأعراف: 13]، و قال أيضاً: فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* [ص: 77، الحجر: 34]، و إنما اهبط منها لأجل تكبره، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله: اِهْبِطُوا ، متناولاً له؟ قلنا: إن اللّه تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مرة أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم و حواء فحين كان آدم و حواء في الجنة قال اللّه تعالى لهما: اِهْبِطََا [طه: 123]، فلما خرجا من الجنة و اجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال: اِهْبِطُوا و من الناس من قال ليس معنى قوله: اِهْبِطُوا أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت. الوجه الثاني: أن المراد آدم و حواء و الحية و هذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة و الجن و الإنس، و لقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاََتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ [النور: 41]، و قال سليمان للهدهد: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً [النمل: 21]. الثالث: المراد آدم و حواء و ذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم، و الدليل عليه قوله: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ‏

464

عَدُوٌّ ... اِهْبِطُوا مِنْهََا جَمِيعاً [البقرة: 36، 38]، و يدل عليه أيضاً قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ، `وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ [البقرة: 38، 39]. و هذا حكم يعم الناس كلهم و معنى: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ما عليه الناس من التعادي و التباغض و تضليل بعضهم لبعض، و اعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب؟أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: اِهْبِطُوا أمر أو إباحة، و الأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة و الكد من أشق التكاليف، و إذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم؟فإن قيل: ألستم تقولون في الحدود و كثير من الكفارات إنها عقوبات و إن كانت من باب التكاليف، قلنا: أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً، و أما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم. فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا.

المسألة الرابعة: أن قوله تعالى: اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ، أمر بالهبوط و ليس أمراً بالعداوة، لأن عداوة إبليس لآدم و حواء عليهما السلام بسبب الحسد و الاستكبار عن السجود و اختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة و عداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة و الدعوة إلى الكفر و المعصية، و شي‏ء من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به، فأما عداوة آدم لإبليس/فإنها مأمور بها لقوله تعالى: إِنَّ اَلشَّيْطََانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: 6]و قال تعالى: يََا بَنِي آدَمَ لاََ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطََانُ كَمََا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ [الأعراف: 27]إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء و أنتم بعضكم لبعض عدو.

المسألة الخامسة: المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى: إِلى‏ََ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ اَلْمُسْتَقَرُّ [القيامة: 12]، و قد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى: أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: 24]، و قال تعالى: فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ [الأنعام: 98]إذا عرفت هذا فنقول: الأكثرون حملوا قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ [البقرة: 36][الأعراف: 24]، على المكان، و المعنى أنها مستقركم حالتي الحياة و الموت، و روى السدي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: المستقر هو القبر، أي قبوركم تكونون فيها. و الأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع و ذلك لا يليق إلا بحال الحياة، و لأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط و ذلك يقتضي حال الحياة، و اعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة: قََالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ، `قََالَ فِيهََا تَحْيَوْنَ وَ فِيهََا تَمُوتُونَ وَ مِنْهََا تُخْرَجُونَ [الأعراف: 24، 25]، فيجوز أن يكون قوله: فِيهََا تَحْيَوْنَ ، إلى آخر الكلام بياناً لقوله: وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ ، و يجوز أن يكون زيادة على الأول.

المسألة السادسة: اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان و الأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه: ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له و لا يقال ذلك مع قرب المشاهدة، فلما كانت أعمار الناس طويلة و آجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول: وَ مَتََاعٌ إِلى‏ََ حِينٍ .

465

المسألة السابعة: اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه: أحدها: أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:

يا ناظراً يرنو بعيني راقد # و مشاهداً للأمر غير مشاهد

تصل الذنوب إلى الذنوب و ترتجى # درك الجنان و نيل فوز العابد

أنسيت أن اللّه أخرج آدما # منها إلى الدنيا بذنب واحد

و عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم و الحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها، و ثانيها: التحذير عن الاستكبار و الحسد و الحرص، عن قتادة في قوله تعالى:

أَبى‏ََ وَ اِسْتَكْبَرَ [البقرة: 34]، قال حسد عدو اللّه إبليس آدم على ما أعطاه اللّه من الكرامة فقال: أنا ناري و هذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهي عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل. و ثالثها: أنه سبحانه و تعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم و إبليس، و هذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.

فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال القفال: أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشي‏ء الجائي ثم يوضع موضع القبول و الأخذ. قال اللّه تعالى: وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى اَلْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: 6]، أي تلقنه. و يقال: تلقينا الحجاج أي استقبلناهم. و يقال: تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه. و إذا كان هذا أصل الكلمة و كان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فيقال: كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال: تلقى آدم كلمات أي أخذها و وعاها و استقبلها بالقبول، و جاز أن يقال: تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن اللّه كلمات و مثله قوله: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]و في قراءة ابن مسعود (الظالمون) .

المسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد أن اللّه تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد و أن يعرف ماهية التوبة و يتمكن بفعلها من تدارك الذنوب و يميزها عن غيرها فضلاً عن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، بل يجب حمله على أحد أمور. أحدها: التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين. و ثانيها: أنه تعالى عرفه وجوب التوبة و كونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما صنع و عزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه. قال اللّه تعالى:

فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ ، أي أخذها و قبلها و عمل بها. و ثالثها: أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة. و رابعها: أنه تعالى علمه كلاماً لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سبباً لكمال حال التوبة.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي؟

فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال: يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة؟قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟قال: بلى.

466

قال: ألم تسكني جنتك؟قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟قال: بلى. قال: يا رب إن تبت و أصلحت تردني إلى الجنة؟قال: بلى فهو قوله: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ و زاد السدي فيه: يا رب هل كنت كتبت علي ذنباً؟قال: نعم.

و ثانيها: قال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه. قال: علم اللّه آدم و حواء أمر الحج فحجا و هي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى اللّه تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما. و ثالثها: قال مجاهد و قتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنََا وَ تَرْحَمْنََا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخََاسِرِينَ [الأعراف: 23]. و رابعها:

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهم: إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك و بحمدك عملت سوءاً و ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك و بحمدك عملت سوءاً و ظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك/و بحمدك عملت سوءاً و ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم.

و خامسها: قالت عائشة لما أراد اللّه تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعاً، و البيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى ركعتين استقبل البيت و قال: اللهم إنك تعلم سري و علانيتي فاقبل معذرتي و تعلم حاجتي فأعطني سؤلي و تعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي و يقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي و أرضى بما قسمت لي. فأوحى اللّه تعالى إلى آدم: يا آدم قد غفرت لك ذنبك و لن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه و كشفت همومه و غمومه و نزعت الفقر من بين عينيه و جاءته الدنيا و هو لا يريدها.

المسألة الرابعة: قال الغزالي رحمه اللّه: التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة، علم و حال و عمل، فالعلم أول و الحال ثان و العمل ثالث، و الأول موجب للثاني، و الثاني موجب للثالث إيجاباً اقتضته سنة اللّه في الملك و الملكوت، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر و كونه حجاباً بين العبد و رحمة الرب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم، فإذا كان فواته يفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندماً، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة و لها تعلق بالحال و بالمستقبل و بالماضي، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابساً له و أما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر. و أما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر و القضاء إن كان قابلاً للجبر، فالعلم هو الأول و هو مطلع هذه الخيرات و أعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة، فهذا اليقين نور و هذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس و قد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم و الندم و القصد المتعلق بالترك في الحال و الاستقبال و التلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول‏[على التوبة]. و يطلق اسم التوبة على مجموعها و كثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده و يجعل العلم السابق كالمقدمة و الترك كالثمرة و التابع المتأخر. و بهذا الاعتبار

قال عليه السلام: «الندم توبة» ،

إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه و عن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفاً بطرفيه، أعني مثمره و ثمرته، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة التوبة و هو

467

كلام حسن. و قال القفال: لا بد في التوبة من ترك ذلك الذنب و من الندم على ما سبق و من العزم على أن لا يعود إلى مثله و من الإشفاق فيما بين ذلك كله، أما أنه لا بد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلاً له فلا يكون تائباً، و أما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضياً بكونه فاعلاً له و الراضي بالشي‏ء قد يفعله و الفاعل للشي‏ء لا يكون تائباً، و أما العزم على أن لا يعود إلى مثله فلأن فعله معصية و العزم على المعصية/معصية، و أما الإشفاق فلأنه مأمور بالتوبة و لا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفاً، و لهذا قال تعالى: يَحْذَرُ اَلْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]و

قال عليه السلام: «لو وزن خوف المؤمن و رجاؤه لاعتدلا» ،

و اعلم أن كلام الغزالي رحمه اللّه أبين و أدخل في التحقيق، إلا أنه يتوجه عليه إشكال و هو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضررًا مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب و ذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال و الاستقبال و إرادة تلافي ما حصل منه في الماضي و إذا كان بعض هذه الأشياء مرتباً على البعض ترتباً ضرورياً لم يكن ذلك داخلاً تحت قدرته فاستحال أن يكون مأموراً به. و الحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل، لكن لقائل أن يقول: تحصيل العلم ليس أيضاً في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول، فتلك العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول، إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة. فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضرورياً، فلا يكون ذلك داخلاً في القدرة و الاختيار، و إن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة لأن المقدمات القريبة لا بد و أن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم المطلوب، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة. فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: تلك المقدمات و إن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة. قلنا: العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه، و إن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول، فإما أن يفضي إلى التسلسل و هو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال: إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة؟ و أجاب بأن أبا علي قال: إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد (1) فيما بعد و هو مختار (2) و لا مانع من أن يكون نادماً أو مصراً لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة و سواء ذكرها و قد تاب عنها من قبل أو لم يتب. أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة و الإصرار و يقول: لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة، و إما لأن التوبة نازلة منزلة الترك، فإذا كان الترك واجباً عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان، و ربما قال:

____________

(1) هكذا في الأصل و لعل الصواب «لم يعد» .

(2) معنى العبارة على ما في الأصل غير مفهوم و لعل الصواب «إلا هو مختار» .

468

تجب التوبة عليهم من جهة السمع و هذا هو الأصح على قوله: لأن التوبة/لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم اللّه تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالاً بعد حال و إن كانت معاصيهم صغيرة.

المسألة السادسة: قال القفال: أصل التوبة الرجوع كالأبوة. يقال: توب كما يقال أوب. قال اللّه تعالى: قََابِلِ اَلتَّوْبِ [غافر: 3]فقولهم تاب يتوب توباً و توبة و متاباً فهو تائب و تواب كقولهم آب يؤوب أوباً و أوبة فهو آئب و أواب، و التوبة لفظة يشترك فيها الرب و العبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاص فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال: تاب إلى ربه و الرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده و إذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته و فضله و لهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة، فقيل في العبد: تاب إلى ربه. و في الرب على عبده و قد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنه، ثم يراجع خدمته، فيقال: فلان عاد إلى الأمير و الأمير عاد عليه بإحسانه و معروفه، إذا عرفت هذا فنقول: قبول التوبة يكون بوجهين، أحدهما: أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك، و الثاني: أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة.

المسألة السابعة: المراد من وصف اللّه تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة و ذلك من وجهين، الأول:

أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار، ثم إذا عاد إلى الجناية و إلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، أما اللّه سبحانه و تعالى فإنه بخلاف ذلك، فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان و التفضل.

فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب و بقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان اللّه تعالى يغفر له ما قد سلف و يقبل توبته، فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب. الثاني: أن الذين يتوبون إلى اللّه تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك، و لما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب و كان الثواب من جهته نعمة و رحمة وصف نفسه مع كونه تواباً بأنه رحيم.

المسألة الثامنة: في هذه الآية فوائد: إحداها: أنه لا بد و أن يكون العبد مشتغلاً بالتوبة في كل حين و أوان، لما ورد في ذلك من الأحاديث و الآثار، أما الأحاديث (أ)

روي أن رجلاً سأل أمير المؤمنين علياً رضي اللّه عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين: يستغفر أبداً حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي معه، و قال علي: كلما قدرت أن تطرحه في ورطة و تتخلص منها فافعل.

(ب) و

روى أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: لم يصر من استغفر/و إن عاد في اليوم سبعين مرة.

(ج) و

عن ابن عمر قال عليه الصلاة و السلام: توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة.

(د) و

أبو هريرة قال: قال عليه الصلاة و السلام حين أنزل عليه: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من اللّه لا أغني عنكم من اللّه شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئاً يا صفية عمة رسول اللّه لا أغني عنك من اللّه شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغني عنك من اللّه شيئاً» أخرجاه في الصحيح.

(هـ) و

قال عليه الصلاة و السلام: «إنه ليغان على قلبي فاستغفر اللّه في اليوم مائة مرة» .

ـ

469

و اعلم أن الغين شي‏ء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية و هو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس و لكن يمنع كمال ضوئها، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات أحدها: أن اللّه تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف و ما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيماً في قلبه فاستغفر لأمته.

و ثانيها: أنه عليه الصلاة و السلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى، فكان الاستغفار لذلك.

و ثالثها: أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو و هو تأويل أرباب الحقيقة، و رابعها: و هو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات و الخواطر و الشهوات و أنواع الميل و الإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر (و) أبو هريرة قال: قال عمر رضي اللّه عنه في قوله تعالى: تُوبُوا إِلَى اَللََّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم: 8]إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب و لا يريد أن يعمل به و لا يعود، و قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: هو أن يهجر الذنب و يعزم على أن لا يعود إليه أبداً. (ز)

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حاكياً عن اللّه تعالى: يقول لملائكته: «إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها و إذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة» رواه مسلم.

(ح)

روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام و هو يقول: يا كريم العفو، فقال جبريل: أو تدري ما كريم العفو؟ فقال: لا يا جبريل. قال: أن يعفو عن السيئة و يكتبها حسنة.

(ط)

أبو هريرة عنه عليه الصلاة و السلام: «من استفتح أول نهاره بالخير و ختمه بالخير قال اللّه تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب» .

(ي)

عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه الصلاة و السلام: «كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة و تسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قد قتل تسعة و تسعين نفساً فهل للقاتل من توبة؟فقال: لا، فقتله فكمل المائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال: إنه قتل مائة نفس فهل لي من توبة؟فقال: نعم و من يحول بينك و بين التوبة انطلق إلى أرض كذا و كذا فإن بها ناساً يعبدون اللّه تعالى فاعبده معهم و لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت/فيه ملائكة الرحمة و ملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى اللّه تعالى.

و قالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي و توسط بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة» .

رواه مسلم

(يا)

ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب إنك خلقت آدم و جعلت بيني و بينه عداوة فسلطني عليه و على ولده، فقال اللّه سبحانه و تعالى: (جعلت صدورهم مساكن لك) ، فقال: رب زدني، فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة. قال: رب زدني، قال: تجري منه مجرى الدم. قال: رب زدني. قال: وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شََارِكْهُمْ فِي اَلْأَمْوََالِ وَ اَلْأَوْلاََدِ [الإسرا: 64]، قال: فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال: يا رب إنك خلقت إبليس و جعلت بيني و بينه عداوة و بغضاء و سلطته علي و على ذريتي و أنا لا أطيقه إلا بك، فقال اللّه تعالى: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء. قال: رب زدني. قال:

الحسنة بعشر أمثالها. قال: رب زدني. قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر» .

(يب)

أبو

470

موسى الأشعري قال: قال عليه الصلاة و السلام: إن اللّه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسي‏ء النهار و بالنهار ليتوب مسي‏ء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» رواه مسلم.

(يج)

عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم حديثاً نفعني اللّه منه بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، و حدثني أبو بكر و صدق أبو بكر قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر اللّه تعالى إلا غفر له» . ثم قرأ: وَ اَلَّذِينَ إِذََا فَعَلُوا فََاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى قوله: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [البقرة: 135].

(يد)

أبو إمامة قال: بينا أنا قاعد عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول اللّه أصبت حداً فأقمه علي. قال: فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك، و أقيمت الصلاة فدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فصلى ثم خرج قال أبو أمامة: فكنت أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و الرجل يتبعه و يقول: يا رسول اللّه إني أصبت حداً فأقمه علي، فقال عليه السلام: «أليس حين خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء؟قال: بلى يا رسول، قال: و شهدت معنا هذه الصلاة؟قال: بلى يا رسول اللّه، قال:

فإن اللّه قد غفر لك حدك أو قال ذنبك» رواه مسلم.

(يه)

عبد اللّه قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم و قال: يا رسول اللّه إني عالجت امرأة من أقصى المدينة و إني أصبت ماء دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض فيَّ ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك اللّه لو سترت نفسك، فلم يرد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم شيئاً، فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى اللّه عليه و سلم و تلا عليه هذه الآية: وَ أَقِمِ اَلصَّلاََةَ طَرَفَيِ اَلنَّهََارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنََاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئََاتِ [هود: 114]. فقال واحد من القوم: يا نبي اللّه هذا له خاصة، قال: بل للناس عامة. رواه مسلم.

(يو)

أبو هريرة قال: قال عليه السلام: «إن عبداً أصاب ذنباً فقال يا رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب و يأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء اللّه ثم أصاب ذنباً آخر. فقال: يا رب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال ربه: إن عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب و يأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء اللّه ثم أصاب ذنباً آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب و يأخذ به فقال له ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» . أخرجاه في الصحيح.

(يز)

أبو بكر قال: قال عليه الصلاة و السلام: «لم يصر من استغفر اللّه و لو عاد في اليوم سبعين مرة» .

(يح)

أبو أيوب قال: قد كنت كتمتكم شيئاً سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: «لولا أنكم تذنبون فتستغفرون لخلق اللّه تعالى خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» رواه مسلم.

(يط)

قال عبد اللّه: بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذ أقبل رجل عليه كساء و في يده شي‏ء قد التف عليه فقال: يا رسول اللّه إني مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعاً في كسائي فهن معي، فقال عليه الصلاة و السلام: ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن، فقال عليه السلام: أ تعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها، قالوا: نعم يا رسول اللّه، فقال: و الذي نفس محمد بيده أو قال فو الذي بعثني بالحق نبياً للّه عز و جل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن و أمهن معهن فرجع بهن» .

(ك)

عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن جبريل عليه السلام عن اللّه سبحانه و تعالى قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته محرماً بينكم فلا تظالموا. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل و النهار و أنا الذي أغفر الذنوب و لا أبالي فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم‏

471

و جنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد اللّه و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) .

قال و كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه إعظاماً له: و أما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة. أولهن: الندم على ما مضى، الثاني: العزم على ترك الذنوب في المستقبل. الثالث: أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك و بين اللّه تعالى. الرابع: أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم و أعراضهم. الخامس: إذابة كل لحم و دم نبت من الحرم. السادس: إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية. و كان أحمد بن حارس يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.

الفائدة الثانية: من فوائد الآية: أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك.

الفائدة الثالثة: أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام.

روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، و لو جمع بكاء أهل الدنيا و بكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، و لو جمع بكاء أهل الدنيا و بكاء داود و بكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر» .

المسألة التاسعة: إنما اكتفى اللّه تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في القرآن و السنة لذلك، و قد ذكرها في قوله: قََالاََ رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [الأعراف: 23].

فيه مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين: الأول: قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا و الثاني من سماء الدنيا إلى الأرض و هذا ضعيف من وجهين: أحدهما:

أنه قال في الهبوط الأول: وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذلك قوله: وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتََاعٌ [البقرة: 36]عقيب الهبوط الثاني أولى. و ثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: اِهْبِطُوا مِنْهََا و الضمير في (منها) عائد إلى الجنة. و ذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. الوجه الثاني: أن التكرير لأجل التأكيد و عندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين و هو أن آدم و حواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط و وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد اللّه تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30]فإن قيل/ما جواب الشرط الأول؟قلنا:

الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك.

472

المسألة الثانية:

روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند و حواء بجدة و إبليس بموضع من البصرة على أميال و الحية بأصفهان.

المسألة الثالثة: في «الهدى» وجوه: أحدها: المراد منه كل دلالة و بيان فيدخل فيه دليل العقل و كل كلام ينزل على نبي، و فيه تنبيه على عظم نعمة اللّه تعالى على آدم و حواء فكأنه قال: و إن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

قال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى اللّه تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك و لولدك. واحدة لي و واحدة لك و واحدة بيني و بينك و واحدة بينك و بين الناس، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، و أما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك، و أما التي بيني و بينك فعليك الدعاء و علي الإجابة، و أما التي بينك و بين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

و ثانيها: ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدى الأنبياء و هذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله: فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً غير آدم و هم ذريته و بالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم و تخصيص الهدى بنوع معين و هو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص.

المسألة الرابعة: أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً و عملاً بالإقدام على ما يلزم و الاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها و لا حزن، و هذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني لأن قوله: فَإِمََّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً [البقرة: 38][طه: 123]دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية و الشرعية و زيادات البيان و جميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل و وجوه التمكن، و جميع قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ [البقرة: 38]تأمل الأدلة بحقها و النظر فيها و استنتاج المعارف منها و العمل بها و يجمع ذلك كل التكاليف و جمع قوله: فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 38]جميع ما أعد اللّه تعالى لأوليائه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات و زوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات و المرادات و قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي، و هذا يدل على أن المكلف الذي أطاع اللّه تعالى لا يلحقه خوف في القبر و لا عند البعث و لا عند حضور الموقف و لا عند تطاير الكتب و لا عند نصب الموازين و لا عند الصراط كما قال اللّه تعالى: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: 103]و قال قوم من المتكلمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار و الفساق تصل أيضاً إلى المؤمنين لقوله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَهََا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ [الحج: 2]و أيضاً فإذا انكشفت تلك الأهوال و صاروا إلى الجنة و رضوان اللّه صار ما تقدم كأن لم يمكن، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من/النعيم و هذا ضعيف لأن قوله: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ أخص من قوله: يَوْمَ تَرَوْنَهََا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمََّا أَرْضَعَتْ و الخاص مقدم على العام. و قال ابن زيد: لا خوف عليهم أمامهم فليس شي‏ء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فأمنهم اللّه تعالى منه. ثم سلاهم عن الدنيا فقال: وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا فإن قيل قوله: فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ يقتضي نفي الخوف و الحزن مطلقاً في الدنيا و الآخرة و ليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين،

قال عليه الصلاة و السلام: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» ،

و أيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل و أيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل، قلنا

473

قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا. و لذلك حكى اللّه عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا اَلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنََا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 43]أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف و الإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة اللّه تعالى التي نلناها الآن.

المسألة الخامسة: قال القاضي: قوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ يدل على أمور. أحدها: أن الهدى قد يثبت و لا اهتداء فلذلك قال: فَمَنْ تَبِعَ هُدََايَ . و ثانيها: بطلان القول بأن المعارف ضرورية، و ثالثها: أن باتباع الهدى تستحق الجنة، و رابعها: إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعاً للهدى.

قوله تبارك و تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ لما وعد اللّه متبع الهدى بالأمن من العذاب و الحزن عقبه بذكر من أعد له العذاب الدائم فقال: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا سواء كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم.

و أما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا و بتقدير حسنه فهل يحسن دائماً أم لا؟فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله: وَ عَلى‏ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذََابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 7]و هاهنا آخر الآيات الدالة على النعم التي أنعم اللّه بها على جميع بني آدم و هي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة فلا بد لها من محدث و على النبوة من حيث إن محمداً صلى اللّه عليه و سلم أخبر عنها موافقاً لما كان موجوداً في التوراة و الإنجيل من غير تعلم و لا تلمذه لأحد و على المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء قدر على خلقها إعادة و باللّه التوفيق.

القول في النعم الخاصة ببني إسرائيل اعلم أنه سبحانه و تعالى لما أقام دلائل التوحيد و النبوة و المعاد أولاً ثم عقبها بذكر الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسراً لعنادهم و لجاجهم بتذكير النعم السالفة و استمالة لقلوبهم بسببها و تنبيهاً على ما يدل على نوبة محمد صلى اللّه عليه و سلم من حيث كونها إخباراً عن الغيب. و اعلم أنه سبحانه ذكرهم تلك النعم أولاً على سبيل الإجمال فقال: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]و فرع على تذكيرها الأمر بالإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فقال: وَ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ [البقرة: 41]ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به، ثم ذكرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانياً بقوله مرة أخرى: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ تنبيهاً على شدة غفلتهم، ثم أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [البقرة: 47]مقروناً بالترهيب البالغ بقوله: وَ اِتَّقُوا يَوْماً لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [البقرة: 48]إلى آخر الآية. ثم شرع بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل و من تأمل و أنصف علم أن هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة و تحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. و إذ قد حققنا هذه المقدمة فلنتكلم الآن في التفسير بعون اللّه.

474

أعلم أن فيه مسائل:

المسألة الأولى: اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم و يقولون إن معنى إسرائيل عبد اللّه لأن «إسرا» في لغتهم هو العبد و «إيل» هو اللّه و كذلك جبريل و هو عبد اللّه و ميكائيل عبد اللّه.

قال القفال: قيل إن «إسرا» بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل اللّه فقوله: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى اللّه عليه و سلم.

المسألة الثانية: حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير و منهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا: و إنما زدنا هذا لأن النعمة يستحق بها الشكر و إذا كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر و الحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه/يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان و إن كان فعله محظوراً لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم و العقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر بإنعامه و الذم بمعصيته فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك؟و لنرجع إلى تفسي الحد فنقول: أما قولنا: المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن تكون نعمة، و قولنا: المفعولة على جهة الإحسان فلأنه لو كان نفعاً و قصد الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها أو أراد استدراجه إلى ضرر و اختداعه كمن أطعم خبيصاً مسموماً ليهلكه لم يكن ذلك، نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة. إذا عرفت حد النعمة فلنفرع عليه فروعاً: الفرع الأول: اعلم أن كل ما يصل إلينا آناء الليل و النهار في الدنيا و الآخرة من النفع و دفع الضرر فهو من اللّه تعالى على ما قال تعالى: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ [النحل: 53]، ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه: أحدها: نعمة تفرد اللّه بها نحو أن خلق و رزق، و ثانيها: نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها و خلق المنعم و مكنه من الإنعام و خلق فيه قدرة الإنعام و داعيته و وفقه عليه و هداه إليه، فهذه النعمة في الحقيقة أيضاً من اللّه تعالى، إلا أنه تعالى لما أجراها على يد عبده كان ذلك العبد مشكوراً، و لكن المشكور في الحقيقة هو اللّه تعالى، و لهذا قال: أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوََالِدَيْكَ [لقمان: 14]فبدأ بنفسه، و

قال عليه السلام: «لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس» .

و ثالثها: نعمة وصلت إلينا من اللّه تعالى بواسطة طاعاتنا و هي أيضاً من اللّه تعالى لأنه لولا أنه سبحانه و تعالى وفقنا على الطاعات و أعاننا عليها و هدانا إليها و أزاح الأعذار و إلا لما وصلنا إلى شي‏ء منها، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من اللّه تعالى على ما قال سبحانه و تعالى: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ . الفرع الثاني: أن نعم اللّه تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها و حصرها على ما قال: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا [النحل: 18]و إنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا من المنافع و اللذات التي ننتفع بها و الجوارح و الأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع و دفع المضار و ما خلق اللّه تعالى في العالم مما يلتذ به و يستدل على وجود الصانع و ما وجد في العالم مما يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده و كل ذلك منافع لأن المنفعة هي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة و جميع ما خلق اللّه تعالى كذلك لأن كل ما يلتذ به نعمة و كل ما يلتذ به و هو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك و الذي لا يكون جالباً للنفع الحاضر و لا دافعاً للضرر الحاضر فهو صالح لأن يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته و طاعته و هما وسيلتان إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته‏

475

سبحانه نعم على العبيد، و لما كانت العقول قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع و الحكم فكيف يمكن الإحاطة بكل ما في العالم من المنافع و الحكم، فصح بهذا معنى قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا فإن قيل: فإذا كانت النعم غير متناهية و ما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في قوله: اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ/عَلَيْكُمْ و الجواب أنها غير متناهية بحسب الأنواع و الأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس، و ذلك يكفي في التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم. و اعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد و الثناء و الطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه و تعالى هو المستحق لحمد الحامدين. و لهذا قال في ذم الأصنام: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ*`أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء: 72، 73]و قال تعالى: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَنْفَعُهُمْ وَ لاََ يَضُرُّهُمْ [الفرقان: 55]و قال:

أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاََ يَهِدِّي إِلاََّ أَنْ يُهْدى‏ََ [يونس: 35]. الفرع الثالث: أن أول ما أنعم اللّه به على عبيده هو أن خلقهم أحياء و الدليل عليه قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*`هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: 28، 29]إلى آخر الآية، و هذا صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر من النعم فإنما ذكر الحياة ثم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم و أنه تعالى إنما ذكر المؤمنين ليبين أن المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة و الثواب. و بين أن جميع ما خلق قسمان منتفع و منتفع به، هذا قول المعتزلة. و قال أهل السنة: إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار و لا اعتراض لأحد عليه، و لهذا سمى نفسه «النافع الضار» و لا يسأل عما يفعل. الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن اللّه تعالى قد أنعم على المكلفين بنعمة الدنيا و نعمة الدين، و سوى بين الجميع في النعم الدينية و الدنيوية، أما في النعم الدينية فلأن كل ما كان في المقدور من الألطاف فقد فعل بهم و الذي لم يفعله فغير داخل في القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف، و أما في الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا و عند البصريين لا يجب. و قال أهل السنة: إن اللّه تعالى خلق الكافر للنار و العذاب الآخرة ثم اختلفوا في أنه هل للّه نعمة على الكافر في الدنيا؟فمنهم من قال: هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلاً إلى الضرر العظيم، و لهذا قال تعالى: وَ لاََ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمََا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدََادُوا إِثْماً [آل عمران: 178] و منهم من قال: إنه تعالى و إن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا و هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه اللّه، و هذا القول أصوب و يدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*`اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرََاشاً وَ اَلسَّمََاءَ بِنََاءً [البقرة: 21، 22]فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان هذه النعم و هي نعمة الخلق و الرزق. ثانيها: قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً [البقرة: 28]إلى آخره و ذكر ذلك في معرض الامتنان و شرح النعم و لو لم يصل إليهم من اللّه تعالى شي‏ء من النعم لما صح ذلك. و ثالثها: قوله: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ* [البقرة: 47]و هذا نص صريح في أن اللّه تعالى أنعم على الكافر إذ المخاطب بذلك هم أهل الكتاب و كانوا من الكفار و كذا قوله: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ/اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إلى قوله: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ و قوله: وَ إِذْ آتَيْنََا مُوسَى اَلْكِتََابَ وَ اَلْفُرْقََانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة: 53]. و كل ذلك

476

عد للنعم على العبيد. و رابعها: قوله: أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنََا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنََّاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ مََا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَ أَرْسَلْنَا اَلسَّمََاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرََاراً [الأنعام: 6]. و خامسها: قوله: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمََاتِ اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ [الأنعام: 63]إلى قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ . و سادسها: قوله: وَ لَقَدْ مَكَّنََّاكُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ جَعَلْنََا لَكُمْ فِيهََا مَعََايِشَ قَلِيلاً مََا تَشْكُرُونَ [الأعراف: 10]و قال في قصة إبليس: وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ [الأعراف: 17]، و لو لم يكن عليهم من اللّه نعمة لما كان لهذا القول فائدة. و سابعها: قوله: وَ اُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفََاءَ مِنْ بَعْدِ عََادٍ وَ بَوَّأَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ [الأعراف: 74]الآية، و قال حاكياً عن شعيب: وَ اُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف: 86]و قال حاكياً عن موسى: قََالَ أَ غَيْرَ اَللََّهِ أَبْغِيكُمْ إِلََهاً وَ هُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [الأعراف: 140]. و ثامنها: قوله: ذََلِكَ بِأَنَّ اَللََّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهََا عَلى‏ََ قَوْمٍ [الأنفال: 53] و هذا صريح. و تاسعها: قوله: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَلشَّمْسَ ضِيََاءً وَ اَلْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنََازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ اَلسِّنِينَ وَ اَلْحِسََابَ مََا خَلَقَ اَللََّهُ ذََلِكَ إِلاََّ بِالْحَقِّ [يونس: 5]. و عاشرها: قوله تعالى: وَ إِذََا أَذَقْنَا اَلنََّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرََّاءَ مَسَّتْهُمْ . الحادي عشر: قوله: (هُوَ اَلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِهََا إلى قوله: فَلَمََّا أَنْجََاهُمْ إِذََا هُمْ يَبْغُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ [يونس: 22-23]. الثاني عشر: قوله: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ لِبََاساً [الفرقان: 47]. و قوله: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ اَلنَّهََارَ مُبْصِراً [يونس: 67]. الثالث عشر: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دََارَ اَلْبَوََارِ*`جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهََا وَ بِئْسَ اَلْقَرََارُ [إبراهيم: 28-29]. الرابع عشر: اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [إبراهيم: 32]. الخامس عشر: قوله تعالى: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَظَلُومٌ كَفََّارٌ [إبراهيم: 34]و هذا صريح في إثبات النعمة في حق الكفار.

و اعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة. و ذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء أعني الحياة و العقل و السمع و البصر و أنواع الرزق و المنافع من اللّه تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا؟و معلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة، و أما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع و على لطفه و إحسانه فأمور. أحدها: قوله تعالى في سورة أتى أمر اللّه: يُنَزِّلُ اَلْمَلاََئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ََ مَنْ يَشََاءُ مِنْ عِبََادِهِ فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين و منذرين و لأجل الدعوة إلى وحدانيته و الإيمان بتوحيده و عدله، ثم إنه تعالى قال: خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعََالى‏ََ عَمََّا يُشْرِكُونَ، `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذََا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: 2-4]فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع و هو انقلابه من حال إلى حال، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله/و هو كونه نطفة إلى أشرف أحواله و هو كونه خصيماً مبيناً، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال: وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا لَكُمْ فِيهََا دِفْ‏ءٌ وَ مَنََافِعُ وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ إلى قوله: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمََاءِ مََاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل: 5-10]بين بذلك الرد على الدهرية و أصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد و التراب واحد و مع ذلك اختلفت الألوان و الطعوم و الروائح، ثم قال: وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ* [النحل: 12]بين به الرد على المنجمين و أصحاب الأفلاك حيث استدل بحركاتها و بكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت‏

477

سبحانه و تعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المكلف و يستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو يحصل له به اعتبار نحو الأجسام المؤذية كالحيات و العقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في الآخرة فيحترز منها و يستدل بها على المنعم الأعظم، فثبت أنه لا يخرج شي‏ء من مخلوقاته عن هذه المنافع، ثم إنه سبحانه و تعالى نبه على عظم إنعامه بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللََّهِ لاََ تُحْصُوهََا [النحل: 18]. و ثانيها: قوله تعالى: وَ ضَرَبَ اَللََّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كََانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهََا رِزْقُهََا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكََانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللََّهِ [النحل: 112]فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون كفرانها سبباً للتبديل، و ثالثها: قوله في قصة قارون: وَ أَحْسِنْ كَمََا أَحْسَنَ اَللََّهُ إِلَيْكَ [القصص: 77]و قال: أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اَللََّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظََاهِرَةً وَ بََاطِنَةً [لقمان: 20]و قال: أَ فَرَأَيْتُمْ مََا تُمْنُونَ‏`أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخََالِقُونَ [الواقعة: 58]و قال: فَبِأَيِّ آلاََءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ* [يس: 14] [الرحمن: 16]على سبيل التكرير و كل ما في هذه السورة فهو من النعم، إما في الدين أو في الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا الباب.

المسألة الثالثة: في النعم المخصوصة يبني إسرائيل قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون و عبيد المنعم قليلون، فاللّه تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم و لما آل الأمر إلى أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم ذكرهم بالمنعم فقال:

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: 152]فدل ذلك على فضل أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم على سائر الأمم.

و اعلم أن نعم اللّه تعالى على بني إسرائيل كثيرة (أ) استنقذهم مما كانوا فيه من البلاء من فرعون و قومه و أبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض و تخليصهم من العبودية كما قال: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ*`وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ جُنُودَهُمََا مِنْهُمْ مََا كََانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: 5، 6]. (ب) جعلهم أنبياء و ملوكاً بعد أن كانوا عبيداً للقبط فأهلك أعداءهم و أورثهم أرضهم و ديارهم و أموالهم كما قال: كَذََلِكَ وَ أَوْرَثْنََاهََا بَنِي إِسْرََائِيلَ [الشعراء: 59] (ج) أنزل عليهم الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال: وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ يََا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيََاءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتََاكُمْ مََا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ [المائدة: 20]. (د) روى هشام عن ابن عباس أنه قال: من نعمة اللّه تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون و ظلل عليهم في التيه الغمام و أنزل عليهم المن و السلوى في التيه و أعطاهم الحجر الذي/كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا فإذا استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم و أعطاهم عموداً من النور ليضي‏ء لهم بالليل و كانت رؤوسهم لا تتشعث و ثيابهم لا تبلى. و اعلم أنه سبحانه و تعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: أحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى اللّه عليه و سلم و هو التوراة و الإنجيل و الزبور. و ثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم و بالقرآن. و ثالثها: أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة. و رابعها: أن تذكير النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها و من خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية، و ذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة و المخاصمة. فإن قيل: هذه النعم ما

478

كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعماً عليهم و سبباً لعظم معصيتهم؟و الجواب من وجوه: أحدها: لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل فصارت النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء. و ثانيها: أن الانتساب إلى الآباء و قد خصهم اللّه تعالى بنعم الدين و الدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد. و ثالثها: الأولاد متى سمعوا أن اللّه خص آباءهم بهذه النعم لمكان طاعتهم و إعراضهم عن الكفر و الجحود رغب الولد في هذه الطريقة لأن الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعياً إلى الاشتغال بالخيرات و الإعراض عن الشرور.

أما قوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد و المعاهد جميعاً و ذكروا في هذا العهد قولين: الأول: أن المراد منه جميع ما أمر اللّه به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات. إحداها: أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً له عليهم من حيث يلزمهم القيام بشكرها كما يلزمهم الوفاء بالعهد و الميثاق، و قوله: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أراد به الثواب و المغفرة. فجعل الوعد بالثواب شبيهاً بالعهد من حيث اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به. ثانيها: قال الحسن: المراد منه العهد الذي أخذه اللّه تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى: وَ بَعَثْنََا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، وَ قََالَ اَللََّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ اَلصَّلاََةَ وَ آتَيْتُمُ اَلزَّكََاةَ إلى قوله: وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ [المائدة: 12]فمن وفى للّه بعهده وفى اللّه له بعهده، و ثالثها: و هو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات و نهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم، أي أرضى عنكم و أدخلكم الجنة و هو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس و تحقيقه ما جاء في قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ اِشْتَرى‏ََ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوََالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ إلى قوله تعالى: وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللََّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بََايَعْتُمْ بِهِ [التوبة: 111].

القول الثاني: أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى اللّه عليه و سلم و أنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله: وَ لَقَدْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ بَنِي/إِسْرََائِيلَ إلى قوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئََاتِكُمْ وَ لَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ [المائدة: 12]و قال في سورة الأعراف: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآيََاتِنََا يُؤْمِنُونَ‏`اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ اَلْإِنْجِيلِ [الأعراف: 156-157]و أما عهد اللّه معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر و الأغلال التي كانت في أعناقهم، و قال: وَ إِذْ أَخَذَ اَللََّهُ مِيثََاقَ اَلنَّبِيِّينَ لَمََا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتََابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ [آل عمران: 81]الآية. و قال: وَ إِذْ قََالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اَللََّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ اَلتَّوْرََاةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6]. و قال ابن عباس: إن اللّه تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه و صدق بالنور الذي يأتي به-أي بالقرآن-غفرت له ذنبه و أدخلته الجنة و جعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى و جاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، و أجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل و تصديق هذا في قوله تعالى: اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص: 52]إلى قوله: أُولََئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمََا صَبَرُوا [القصص: 54]و كان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ

479

[الحديد: 28]و تصديقه أيضاً فيما

روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فله أجران، و رجل أدب أمته فأحسن تأديبها و علمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها و تزوجها فله أجران، و رجل أطاع اللّه و أطاع سيده فله أجران»

بقي هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده؟ و الجواب من وجهين: الأول:

أن هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه. الثاني: أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك و الشبهات فيه.

السؤال الثاني: الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه و مكان خروجه و سائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شي‏ء من ذلك، فإن كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان و كان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. و إن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشر به سيجي‏ء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود. و الجواب أن الذين حملوا قوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد و النبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان و المكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً/عليه نصاً خفياً فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام و لنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى اللّه عليه و سلم، فالأول: جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك‏[من قبل‏]اللّه فقال لها يا هاجر أين تريدين و من أين أقبلت؟قالت:

أهرب من سيدتي سارة فقال لها: ارجعي إلى سيدتك و اخفضي لها فإن اللّه سيكثر زرعك و ذريتك و ستحبلين و تلدين ابناً و تسمينه إسماعيل من أجل أن اللّه سمع تبتلك و خشوعك و هو يكون عين الناس و تكون يده فوق الجميع و يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع و هو يشكر على رغم جميع إخوته.

و اعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة و ليس يجوز أن يبشر الملك من قبل اللّه بالظلم و الجور و بأمر لا يتم إلا بالكذب على اللّه تعالى و معلوم أن إسماعيل و ولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا و معظم الأمم و لا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق و أوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق و الغرب بالإسلام و مازجوا الأمم و وطئوا بلادهم و مازجتهم الأمم و حجوا بيتهم و دخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة، فلو لم يكن النبي صلى اللّه عليه و سلم صادقاً لكانت هذه المخالطة منهم للأمم و من الأمم لهم معصية للّه تعالى و خروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان و اللّه يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله.

و الثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: «إن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم و من إخوانكم» ، و في هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى: «إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم و أيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه» . و هذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه اللّه تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم: إنه سيكون من إخوانكم إمام، عقل أنه لا يكون من‏

480

بني هاشم، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل و لم يكن له أخ إلا العيص و لم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب و إنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشراً به، و أما إسماعيل فإنه كان أخاً لإسحاق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحاق عليهم السلام. فإن قيل قوله: «من بينكم» يمنع من أن يكون المراد محمداً صلى اللّه عليه و سلم لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل. قلنا: بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة و هاجر إلى المدينة و بها تكامل أمره. و قد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر و بني قينقاع و النضير و غيرهم، و أيضاً فإن الحجاز يقارب الشام و جمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم، و أيضاً فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم.

و الثالث: قال في الفصل العشرين من هذا السفر: «إن/الرب تعالى جاء في طور سيناء و طلع لنا من ساعير و ظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز و حببهم إلى الشعوب و دعا لجميع قديسيه بالبركة، وجه الاستدلال: أن جبل فاران هو بالحجاز لأن في التوراة أن إسماعيل تعلم الرمي في برية فاران، و معلوم أنه إنما سكن بمكة. إذا ثبت هذا فنقول: إن قوله: «فمنحهم العز» لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز و لا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب حمله على محمد عليه السلام. قالت اليهود: المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضاً و من جبل فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع قلنا هذا لا يصح لأن اللّه تعالى لو خلق ناراً في موضع فإنه لا يقال جاء اللّه من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة و ما أشبه ذلك. و عندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي و لا كلام إلا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير و من جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء اللّه من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق و نيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع، و أيضاً ففي كتاب حبقوق بيان ما قلنا و هو جاء اللّه من طور سيناء و القدس من جبل فاران، و انكشفت السماء من بهاء محمد و امتلأت الأرض من حمده. يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه و يصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض و تأمل الأمم و بحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة و اتضعت الروابي و الدهرية، و تزعزعت ستور أهل مدين ركبت الخيول، و علوت مراكب الانقياد و الغوث و ستنزع في قسيك إغراقاً و نزعاً و ترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء و تخور الأرض بالأنهار، و لقد رأتك الجبال فارتاعت و انحرف عنك شؤبوب السيل و نفرت المهاري نفيراً و رعباً و رفعت أيديها وجلاً و فرقاً و توقفت الشمس و القمر عن مجراهما و سارت العساكر في برق سهامك و لمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً و تدوس الأمم زجراً لأنك ظهرت بخلاص أمتك و إنقاذ تراب آبائك» . هكذا نقل عن ابن رزين الطبري. أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه اللّه في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم: «و ظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود و ترتوي السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك و إنقاذ مسيحك» ، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة: «ظهر الرب من جبال فاران» ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات و ما ذاك إلا رسولنا محمد صلى اللّه عليه و سلم. فإن قالوا المراد مجي‏ء اللّه تعالى و لهذا قال في آخر الكلام: «و إنقاذ مسيحك» قلنا لا يجوز وصف اللّه تعالى بأنه يركب الخيول و بأن شعاع منظره مثل النور و بأنه جاز المشاعر القديمة، أما قوله: (و إنقاذ مسيحك) فإن محمداً عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود

481

و النصارى. و الرابع: ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني و العشرين منه: «قومي فأزهري مصباحك، يريد مكة، فقد دنا وقتك و كرامة اللّه تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام و غطى على الأمم الضباب و الرب يشرق عليك إشراقاً و يظهر كرامته/عليك تسير الأمم إلى نورك و الملوك إلى ضوء طلوعك و ارفعي بصرك إلى ما حولك و تأملي فإنهم مستجمعون عندك و يحجونك و يأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة و تتزين ثيابك على الأرائك و السرر حين ترين ذلك تسرين و تبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر و يحج إليك عساكر الأمم و يساق إليك كباش مدين و يأتيك أهل سبأ و يتحدثون بنعم اللّه و يمجدونه و تسير إليك أغنام فاران و يرفع إلى مذبحي ما يرضيني و أحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً» . فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم و مال إليها ذخائر البحر و قوله:

«و أحدث لبيت محمدتي حمداً» معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه و ما ملك، ثم صار في الإسلام: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، فهذا هو الحمد الذي جدده اللّه لبيت محمدته. فإن قيل المراد: بذلك بيت المقدس و سيكون ذلك فيما بعد. قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم:

«قد دنا وقتك» مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه و مع ذلك لا يحذر منه و أيضاً فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية و صفتها، و ذلك يبطل قولهم. و الخامس: روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن اللّه تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال: «قد أجبت دعاك في إسماعيل و باركت عليه فكبرته و عظمته جداً جداً و سيلد اثني عشر عظيماً و أجعله لأمة عظيمة» و الاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلى اللّه عليه و سلم فأما دعاء إبراهيم عليه السلام و إسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة و السلام لما فرغا من بناء الكعبة و هو قوله: رَبَّنََا وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيََاتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ [البقرة: 129]و لهذا

كان يقول عليه الصلاة و السلام: «أنا دعوة أبي إبراهيم و بشارة عيسى»

و هو قوله: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6]فإنه مشتق من الحمد و الاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا فإن اسمه محمد و أحمد و محمود. قيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة و مسكنه بطيبة و ملكه بالشام و أمته الحمادون. و السادس: قال المسيح للحواريين: «أنا أذهب و سيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له» و تصديق ذلك: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ* [الأنعام: 50]و قوله: قُلْ مََا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقََاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحى‏ََ إِلَيَّ [يونس: 15]أما «الفارقليط» ففي تفسيره وجهان: أحدهما: أنه الشافع المشفع و هذا أيضاً صفته عليه الصلاة و السلام، الثاني: قال بعض النصارى: الفارقليط هو الذي يفرق بين الحق و الباطل و كان في الأصل فاروق كما يقال راووق للذي يروق به و أما «ليط» فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب و هذا أيضاً صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق و الباطل. و السابع: قال دانيال لبختنصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه: رأيت أيها الملك منظراً هائلاً رأسه من الذهب الإبريز و ساعده من الفضة و بطنه و فخذاه من نحاس و ساقاه من حديد و بعضها/من خزف و رأيت حجراً يقطع من غير قاطع و صك رجل ذلك الصنم و دقها دقاً شديداً فتفتت الصنم كله حديده و نحاسه و فضته و ذهبه و صارت رفاتاً و عصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر و صار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلاً عالياً امتلأت به الأرض فهذا رؤياك أيها الملك. و أما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب و يقوم بعدك مملكة أخرى دونك و المملكة الثالثة التي‏

482

تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها، و المملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد، و أما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزاً و بعضها يكون ذليلاً و تكون كلمة الملك متفرقة و يقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير و لا تزول و إنها تزيل جميع الممالك و سلطانها يبطل جميع السلاطين و تقوم هي إلى الدهر الداهر فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد و النحاس و الخزف و اللّه أعلم بما يكون في آخر الزمان. فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد صلى اللّه عليه و سلم.

أما قوله تعالى: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فقالت المعتزلة: ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن اللّه تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع و صح وصف ذلك الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر و اليمين: و قال أصحابنا: إنه لا يجب للعبد على اللّه شي‏ء، و في هذه الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم، ثم رتب عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية، و إذا كان كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة و أداء الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول المعتزلة بل التفسير الحق من وجهين: الأول:

أنه تعالى لما وعد بالثواب و كل ما وعد به استحال أن لا يوجد، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً و الكذب عليه محال، و المفضي إلى المحال محال فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك آكد مما ثبت باليمين و النذر، الثاني: أن يقال العهد هو الأمر و العبد يجوز أن يكون مأموراً إلا أن اللّه تعالى لا يجوز أن يكون مأموراً لكنه سبحانه و تعالى جرى في ذلك على موافقة اللفظ كقوله: يُخََادِعُونَ اَللََّهَ وَ هُوَ خََادِعُهُمْ [النساء: 142]، وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اَللََّهُ [آل عمران: 54]و أما قوله: وَ إِيََّايَ فَارْهَبُونِ فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه و قد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين: أحدهما: مع العلم و الآخر مع الظن، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به و احترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل و على هذا نصف الملائكة و الأنبياء عليهم السلام بالخوف و الرهبة. قال تعالى:

يَخََافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: 50]و أما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل المأمورات و احترز عن المنهيات فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل الثواب، و اعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر و بالعكس.

روي: «أنه ينادي مناد يوم القيامة و عزتي و جلالي إني لا أجمع على عبدي خوفين و لا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة و من خافني في الدنيا أمنته يوم/القيامة»

و قال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب و خوف الجلال، و الأول: نصيب أهل الظاهر، و الثاني: نصيب أهل القلب، و الأول: يزول، و الثاني: لا يزول. و اعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية، و دلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة و دلالة على أن الرسول كما كان مبعوثاً إلى العرب كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. و قوله: وَ إِيََّايَ فَارْهَبُونِ يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا اللّه تعالى، و كما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء و الأمل و ذلك يدل على أن الكل بقضاء اللّه و قدره إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من اللّه تعالى و حينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى: وَ إِيََّايَ فَارْهَبُونِ بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه، لأن مفاتيح الثواب و العقاب بيده لا بيد اللّه تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه و أن لا يخاف

483

اللّه ألبتة، و فيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف و الرجاء و أن ذلك لا بد منه في صحتها و اللّه أعلم.

اعلم أن المخاطبين بقوله: وَ آمِنُوا هم بنو إسرائيل و يدل عليه وجهان. الأول: أنه معطوف على قوله:

اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم و أوفوا بعهدي و آمنوا بما أنزلت. الثاني: أن قوله تعالى: مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ يدل على ذلك.

أما قوله: بِمََا أَنْزَلْتُ ففيه قولان، الأقوى أنه القرآن و عليه دليلان. أحدهما: أنه وصفه بكونه منزلاً و ذلك هو القرآن لأنه تعالى قال: نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْزَلَ اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ [آل عمران: 3]. و الثاني: وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب و ذلك هو القرآن. و قال قتادة: المراد آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ من كتاب و رسول تجدونه مكتوباً في التوراة و الإنجيل.

أما قوله: مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ ففيه تفسيران: أحدهما: أن في القرآن أن موسى و عيسى حق و أن التوراة و الإنجيل حق و أن التوراة أنزلت على موسى و الإنجيل على عيسى عليهما السلام فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة و الإنجيل فكأنه قيل لهم: إن كنتم تريدون المبالغة في الإيمان بالتوراة و الإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة و الإنجيل. و الثاني: أنه حصلت البشارة بمحمد صلى اللّه عليه و سلم و بالقرآن في التوراة و الإنجيل فكأن الإيمان بمحمد و بالقرآن تصديقاً للتوراة و الإنجيل، و تكذيب محمد و القرآن تكذيباً للتوراة /و الإنجيل، و هذا التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه السلام لأنه بمجرد كونه مخبراً عن كون التوراة و الإنجيل حقاً لا يجب الإيمان بنبوته: أما على التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة و الإنجيل إذا اشتملا على كون محمد صلى اللّه عليه و سلم صادقاً فالإيمان بالتوراة و الإنجيل يوجب الإيمان بكون محمد صادقاً لا محالة، و معلوم أن اللّه تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، فثبت أن هذا التفسير أولى. و اعلم أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم من وجهين: الأول: أن شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام لا تكون إلا حقاً، و الثاني: أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم و لم يكن له معرفة بذلك إلا من قبل الوحي. أما قوله: وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ فمعناه أول من كفر به أو أول فريق أو فوج كافر به أو و لا يكن كل واحد منكم أول كافر به. ثم فيه سؤالان: الأول: كيف جعلوا أول من كفر به و قد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب؟و الجواب من وجوه: أحدها: أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به و بصفته و لأنهم كانوا هم المبشرون بزمان محمد صلى اللّه عليه و سلم و المستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى: فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . [البقرة: 89]. و ثانيها: يجوز أن يراد و لا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة، أي و لا تكونوا و أنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة و الإنجيل مثل من لم يعرفه و هو مشرك لا كتاب له. و ثالثها: و لا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل و إن كانت قريش كفروا به قبل ذلك. و رابعها: و لا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم: أي و لا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد صلى اللّه عليه و سلم يوجب‏

484

تكذيبكم بكتابكم. و خامسها: أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم و ذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة و الإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الدليل و السابق إلى الكفر يكون أعظم ذنباً ممن بعده‏

لقوله عليه السلام: «من سن سيئة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها»

فلما كان كفرهم عظيماً و كفر من كان سابقاً في الكفر عظيماً فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة. و سادسها: المعنى و لا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة. و سابعها: أول كافر به من اليهود لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم قدم المدينة و بها قريظة و النضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل: أول من كفر به من أهل الكتاب و هو كقوله: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ* [البقرة: 47، 122]أي على عالمي زمانهم. و ثامنها: و لا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه و راجعوا عقولكم فيه، و تاسعها: أن لفظ: «أول» صلة و المعنى و لا تكونوا كافرين به، و هذا ضعيف، السؤال/الثاني: أنه كان يجوز لهم الكفر إذ لم يكونوا أولاً، و الجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس في ذكر تلك الشي‏ء دلالة على أن ما عداه بخلافه، و ثانيها: أن في قوله:

وَ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ دلالة على أن كفرهم أولاً و آخراً محظور، و ثالثها: أن قوله: رَفَعَ اَلسَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا [الرعد: 2]لا يدل على وجود عمد لا يرونها. و قوله: وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ* [النساء: 155]لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق. و قوله: عقيب هذه الآية: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير، فكذا هاهنا، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد و الإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم صفته. و رابعها: قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم و ذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك. فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر و وزر كل من كفر إلى يوم القيامة، و إن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران، أحدهما: السبق إلى الكفر، و الثاني: التفرد به، و لا شك في أنه منقصة عظيمة، فقوله: وَ لاََ تَكُونُوا أَوَّلَ كََافِرٍ بِهِ إشارة إلى هذا المعنى.

أما قوله: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً فقد بينا في قوله: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدى‏ََ [البقرة: 16]، أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشي‏ء، و العوض عنه، فإذا اختير على ثواب اللّه شي‏ء من الدنيا فقد جعل ذلك الشي‏ء ثمناً عند فاعله. قال ابن عباس رضي اللّه عنهما:

إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف و حيي بن أخطب و أمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا و علموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر، و ذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جداً فنسبتها إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا، فالقليل جداً من القليل جداً أي نسبة له إلى الكثير الذي لا يتناهى؟ و اعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلم و تحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين، و أما قوله: وَ إِيََّايَ فَاتَّقُونِ فيقرب معناه مما تقدم من قوله: وَ إِيََّايَ فَارْهَبُونِ و الفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، و أما الاتقاء

485

فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم.

أعلم أن قوله سبحانه وَ آمِنُوا بِمََا أَنْزَلْتُ أمر بترك الكفر و الضلال و قوله: وَ لاََ تَلْبِسُوا اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ أمر بترك الإغراء و الإضلال، و اعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين، و ذلك لأن ذلك الغير إن كان قد سمع دلائل الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه و إن كان ما سمعها فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه و منعه من الوصول إليها. فقوله: وَ لاََ تَلْبِسُوا اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ إشارة إلى القسم الأول و هو تشويش الدلائل عليه و قوله: وَ تَكْتُمُوا اَلْحَقَّ إشارة إلى القسم الثاني و هو منعه من الوصول إلى الدلائل، و اعلم أن الأظهر في الباء التي في قوله: بِالْبََاطِلِ أنها باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم و المعنى و لا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، و ذلك لأن النصوص الواردة في التوراة و الإنجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها و يشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله: وَ لاََ تَلْبِسُوا اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ فهو المذكور في قوله: وَ جََادَلُوا بِالْبََاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ اَلْحَقَّ [غافر: 5]. أما قوله: وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة، و ذلك لأن ذلك التلبيس صار صارفاً للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة و داعياً لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة و لا شك في أن موقعه عظيم، و هذا الخطاب و إن ورد فيهم، فهو تنبيه لسائر الخلق و تحذير من مثله فصار الخطاب و إن كان خاصاً في الصورة لكنه عام في المعنى، ثم هاهنا بحثان:

البحث الأول: قوله: وَ تَكْتُمُوا اَلْحَقَّ جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى و لا تكتموا أو منصوب بإضمار أن.

البحث الثاني: أن النهي عن اللبس و الكتمان و إن تقيد بالعلم فلا يدل على جوازهما حال عدم العلم، و ذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشي‏ء لم يعلم أن ذلك اللبس و الكتمان حق أو باطل، و ما لا يعرف كونه حقاً أو باطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي و لا بالإثبات، بل يجب التوقف فيه، و سبب ذلك التقييد أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح، و الآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره و يحرم عليه كتمانه و اللّه أعلم.

اعلم أن اللّه سبحانه و تعالى لما أمرهم بالإيمان أولاً ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل و كتمان دلائل النبوة ثانياً، ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع و ذكر من جملة الشرائع ما كان كالمقدم/و الأصل فيها و هو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية و الزكاة التي هي أعظم العبادات المالية و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا إنما جاء الخطاب في‏

486

قوله: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ بعد أن كان النبي صلى اللّه عليه و سلم وصف لهم أركان الصلاة و شرائطها فكأنه تعالى قال: و أقيموا الصلاة التي عرفتموها و القائلون بجواز التأخير قالوا: يجوز أن يراد الأمر بالصلاة و إن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي و يكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال و إن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن يحسن من السيد أن يقول لعبده: إني آمرك غداً بشي‏ء فلا بد و أن تفعله و يكون غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا: لأنها أمر حدث في الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلاً قبل الشرع، ثم اختلفوا في وجه التشبيه فقال بعضهم: أصلها في اللغة الدعاء قال الأعشى:

عليك مثل الذي صليت فاعتصمي # عينا فإن لجنب المرء مضطجعا

و قال آخر:

و قابلها الريح في دنها # و صلى على دنها و ارتسم‏

و قال بعضهم: الأصل فيها اللزوم قال الشاعر:

لم أكن من جناتها علم اللّه # و إني بحرها اليوم صالي‏

أي ملازم، و قال آخرون: بل هي مأخوذة من المصلي و هو الفرس الذي يتبع غيره. و الأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا و يقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه، و قد تكون صلاة و لا يحصل فيها متابعة الغير و إذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئاً يختص ببعض الصور. و قال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل و لما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسماً شرعيًا هذا فذلك حق و إن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل و إلا لما كانت هذه اللفظة عربية، و ذلك ينافي قوله تعالى: إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف: 2]أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما، و عن التطهير قال اللّه تعالى: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً [الكهف: 74]أي طاهرة.

و قال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكََّى [الأعلى: 14]أي تطهر و قال: وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مََا زَكى‏ََ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور: 21]و قال: وَ مَنْ تَزَكََّى فَإِنَّمََا يَتَزَكََّى لِنَفْسِهِ [فاطر: 18]أي تطهر بطاعة اللّه، و لعل إخراج نصف دينار من عشرين ديناراً سمي بالزكاة تشبيهاً بهذين الوجهين، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن اللّه يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية/تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى و إن كان نقصاناً في الصورة، و لهذا

قال صلى اللّه عليه و سلم: «عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال، ثلاثة في الدنيا و ثلاثة في الآخرة، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق و تكثر المال و تعمر الديار، و أما التي في الآخرة فتستر العورة و تصير ظلاً فوق الرأس و تكون ستراً من النار» .

و يجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب، و لهذا قال تعالى لنبيه: خُذْ مِنْ أَمْوََالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهََا [التوبة: 103].

المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ خطاب مع اليهود و ذلك يدل على أن الكفار

487

مخاطبون بفروع الشرائع. أما قوله تعالى: وَ اِرْكَعُوا مَعَ اَلرََّاكِعِينَ [البقرة: 43]ففيه وجوه أحدها: أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص اللّه الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين، و ثانيها: أن المراد صلوا مع المصلين، و على هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها و أمر في الثاني بفعلها في الجماعة، و ثالثها: أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع و الخضوع في اللغة سواء فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم و أمراً بالتذلل كما قال للمؤمنين: فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ [المائدة: 54]و كقوله تأديباً لرسوله عليه السلام: وَ اِخْفِضْ جَنََاحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: 215]و كمدحه له بقوله: فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اَللََّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: 159]و هكذا في قوله تعالى: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ [المائدة: 55]فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة و الزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد و الخضوع و ترك التمرد. و حكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر اللّه تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة و هو المراد بقوله تعالى: وَ أَكْلِهِمُ اَلسُّحْتَ* [المائدة: 62، 63]و بقوله:

وَ أَخْذِهِمُ اَلرِّبَوا ... وَ أَكْلِهِمْ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ [النساء: 161]فأظهر اللّه تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوباً ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم و معاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلم.

اعلم أن الهمزة في أ تأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع و التعجب من حالهم، و أما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير، و منه بر الوالدين و هو طاعتهما، و منه عمل مبرور، أي قد رضيه اللّه تعالى و قد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق و لم يحنث، و يقال: صدقت و بررت، و قال تعالى: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنِ اِتَّقى‏ََ [البقرة: 189]فأخبر أن البر جامع للتقوى، و اعلم أنه سبحانه/و تعالى لما أمر بالإيمان و الشرائع بناء على ما خصهم به من النعم و رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، و هو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة، و ليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره و يهمل نفسه فحذرهم اللّه تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام. و اختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه، أحدها: و هو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه و ينهونهم عن معصية اللّه، و هم كانوا يتركون الطاعة و يقدمون على المعصية، و ثانيها: قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة و الزكاة و هم كانوا يتركونهما. و ثالثها: أنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى اللّه عليه و سلم قالوا: هو صادق فيما يقول و أمره حق فاتبعوه، و هم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا و الصلاة التي كانت تصل إليهم من أتباعهم، و رابعها: أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى اللّه عليه و سلم يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم و يدعو إلى الحق و كانوا يرغبونهم باتباعه فلما بعث اللّه محمداً حسدوه و كفروا به، فبكتهم اللّه تعالى بسبب أنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه و أعرضوا عن دينه، و هذا اختيار أبي مسلم، و خامسها: و هو قول الزجاج أنهم كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة، و كانوا يشحون بها لأن اللّه تعالى وصفهم بقساوة القلوب و أكل الربا و السحت، و سادسها: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع‏

488

محمد صلى اللّه عليه و سلم في الظاهر، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم اللّه تعالى عليه، و سابعاً: أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى اللّه عليه و سلم، ثم إنهم ما آمنوا به، أما قوله: وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم و الناسي غير مكلف و من لا يكون مكلفاً لا يجوز أن يذمه اللّه تعالى على ما صدر منه، فالمراد بقوله: وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أنكم تغفلون عن حق أنفسكم و تعدلون عما لها فيه من النفع، أما قوله: وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ اَلْكِتََابَ فمعناه تقرأون التوراة و تدرسونها و تعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر و الإعراض عن أفعال الإثم. و أما قوله: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم و نظيره قوله تعالى: أُفٍّ لَكُمْ وَ لِمََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ [الأنبياء: 67]و سبب التعجب وجوه، الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة و تحذيره عما يوقعه في المفسدة، و الإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير و ذلك معلوم بشواهد العقل و النقل فمن وعظ و لم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ . الثاني: أن من وعظ الناس و أظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات و إلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين و الجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل/يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، و ذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ . الثالث: أن من وعظ فلا بد و أن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب. و الإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثراً في القلوب، و من عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً في القلوب. فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، و لهذا

قال علي رضي اللّه عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك و جاهل متنسك.

و بقي هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و احتجوا بالآية و المعقول، أما الآية فقوله: أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و لا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم، و قال أيضاً: لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ*`كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ [الصف: 2-3]. و أما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها، و معلوم أن ذلك مستنكر. و الجواب: أن المكلف مأمور بشيئين، أحدهما: ترك المعصية. و الثاني: منع الغير عن فعل المعصية و الإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. أما قوله: أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ فهو نهي عن الجمع بينهما و النهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين. أحدهما: أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقاً. و الآخر: أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسياً للنفس و عندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني، و على هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم، و أما المعقول الذي ذكروه فيلزمهم.

المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق للّه عز و جل فقالوا قوله تعالى:

أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ إنما يصح و يحسن لو كان ذلك الفعل منهم، فأما إذا كان مخلوقاً فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود: لم لا تبيض؟لما كان السواد مخلوقاً فيه.

489

و الجواب: أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق، و الأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه. و إن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه، و إن حصل من اللّه تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحاً و الآخر مرجوحاً و المرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع و إذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر و حينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا. ثم الجواب الحقيقي عن الكل: أنه‏ لاََ يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ [الأنبياء: 23].

المسألة الثالثة: (أ)

عن أنس رضي اللّه عنه قال عليه الصلاة و السلام: «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر و ينسون أنفسهم» .

(ب) و

قال عليه الصلاة و السلام: «إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول اللّه؟قال: عالم لا ينتفع بعلمه» .

(ج) و

قال عليه الصلاة و السلام: «مثل الذي يعلم الناس الخير و لا يعمل به كالسراج يضي‏ء للناس/و يحرق نفسه» .

(د) و عن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون: لم دخلتم النار و نحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير و لا نفعله. كما قيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، و من وعظ بفعله نفذت سهامه. و قال الشاعر:

[يا أيها الرجل المعلم غيره # هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام و ذي الضنا # كيما يصح به و أنت سقيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها # فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت و يقتدي # بالرأي منك و ينفع التعليم‏

قيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، و أما من وعظ و اتعظ فمحله عند اللّه عظيم.

روي أن يزيد بن هارون مات و كان واعظاً زاهداً فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل اللّه بك؟فقال: غفر لي و أول ما سألني منكر و نكير فقالا: من ربك؟فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى اللّه تعالى كذا و كذا سنة فتقولان له من ربك؟و قيل للشبلي عن النزع: قل لا إله إلا اللّه فقال:

إن بيتاً أنت ساكنه # غير محتاج إلى السرج‏

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه و تعالى: وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ فقال قوم:

هم المؤمنون بالرسول. قال: لأن من ينكر الصلاة أصلاً و الصبر على دين محمد صلى اللّه عليه و سلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر و الصلاة، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى اللّه عليه و سلم و لا يمتنع أن يكون الخطاب أولاً في بني إسرائيل، ثم يقع بعد ذلك خطاباً للمؤمنين بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، و الأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم. فإن قيل: كيف يؤمرون بالصبر و الصلاة مع كونهم منكرين لهما؟ قلنا: لا نسلم كونهم منكرين لهما. و ذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن و أن الصلاة التي هي تواضع للخالق و الاشتغال بذكر اللّه تعالى يسلي عن محن الدنيا و آفاتها، إنما الاختلاف في

490

الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية و صلاة المسلمين على كيفية أخرى. و إذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور و على هذا نقول: إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان و بترك الإضلال و بالتزام الشرائع و هي الصلاة و الزكاة، و كان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات/و الإعراض عن المال و الجاه لا جرم عالج اللّه تعالى هذا المرض فقال: وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ .

المسألة الثانية: ذكروا في الصبر و الصلاة وجوهاً، أحدها: كأنه قيل و استعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا و الدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى اللّه عليه و سلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه و خف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر، لأن المشتغل بالصلاة لا بد و أن يكون مشتغلاً بذكر اللّه عز و جل و ذكر جلاله و قهره و ذكر رحمته و فضله، فإذا تذكر رحمته صار مائلاً إلى طاعته و إذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة و تركه للمعصية، و ثانيها: المراد من الصبر هاهنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام و الشراب، و من حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن و الفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة اللّه تعالى و إنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي و تأثير الصلاة في حصول ما ينبغي و النفي مقدم على الإثبات، و

لأنه عليه الصلاة و السلام قال: «الصوم جنة من النار» .

و قال اللّه تعالى: إِنَّ اَلصَّلاََةَ تَنْهى‏ََ عَنِ اَلْفَحْشََاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45]لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا و تخشع القلب و يحصل بسببها تلاوة الكتاب و الوقوف على ما فيه من الوعد و الوعيد و المواعظ و الآداب الجميلة، و ذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة و نفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة، و مقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق و نظير هذه الآية قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاََةِ إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ [البقرة: 153]. أما قوله تعالى: وَ إِنَّهََا ففي هذا الضمير وجوه، أحدها: الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين. و ثانيها: الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله: وَ اِسْتَعِينُوا . و ثالثها: أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل و نهوا عنها من قوله: اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة: 40، 47، 122]إلى قوله: وَ اِسْتَعِينُوا و العرب قد تضمر الشي‏ء اختصاراً أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل: ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض. و يقولون: ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة. و قال تعالى: وَ لَوْ يُؤََاخِذُ اَللََّهُ اَلنََّاسَ بِظُلْمِهِمْ مََا تَرَكَ عَلَيْهََا مِنْ دَابَّةٍ [النحل: 61]، و لا ذكر للأرض، أما قوله: لَكَبِيرَةٌ أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر و ثواب الخاشع أقل، و ذلك منكر من القول، قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع و كيف يكون ذلك و الخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه و قلبه و سمعه و بصره، و لا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر و التذلل و الخشوع، و إذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة و غم، و إذا ذكر الوعد فكمثل ذلك، و إذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم، و إنما المراد بقوله: و إنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثواباً و لا في تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها. فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل/على الطبع، أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع و في تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب و الفوز العظيم‏

491

بالنعيم المقيم و الخلاص من العذاب الأليم، ألا ترى إلى قوله: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ أي يتوقعون نيل ثوابه و الخلاص من عقابه. مثاله إذا قيل للمريض: كل هذا الشي‏ء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه، و إن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه، و عليه يحمل‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «و جعلت قرة عيني في الصلاة» .

وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه، و كيف و كان عليه الصلاة و السلام يصلي حتى تورمت قدماه، و أما الخشوع فهو التذلل و الخضوع.

أما قوله: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ فللمفسرين فيه قولان: الأول: أن الظن بمعنى العلم.

قالوا: لأن الظن و هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة و ذلك كفر و اللّه تعالى مدح على هذا الظن و المدح على الكفر غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن هاهنا العلم، و سبب هذا المجاز أن العلم و الظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً إلا أن العلم راجح مانع من النقيض و الظن راجح غير مانع من النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر، قال أوس بن حجر:

فأرسلته مستيقن الظن أنه # مخالط ما بين الشراسيف خائف‏

و قال تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاََقٍ حِسََابِيَهْ [الحاقة: 20]و قال: أَ لاََ يَظُنُّ أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين: 4]ذكر اللّه تعالى ذلك إنكاراً عليهم و بعثاً على الظن و لا يجوز أن يبعثهم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن هاهنا العلم.

القول الثاني: أن يحمل اللفظ على ظاهره و هو الظن الحقيقي، ثم هاهنا وجوه. الأول: أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت، و ذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب و المراد منه السبب، و هذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه. إذا ثبت هذا فنقول: و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة، و ذلك لأن كل من كان متوقعاً للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة و لأنه مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيراً جرى منه فيلزمه التلافي، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعياً إلى المبادرة إلى التوبة، الثاني: أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب و ذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب اللّه بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع. الثالث: المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسي‏ء ظنه بنفسه و بأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى اللّه تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة و ذلك من صفات المدح. بقي هنا مسألتان:

المسألة الأولى: استدل بعض الأصحاب بقوله: مُلاََقُوا رَبِّهِمْ على جواز رؤية اللّه تعالى/ و قالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية و الدليل عليه الآية و الخبر و العرف. أما الآية فقوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: 77]و المنافق لا يرى ربه، و قال: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذََلِكَ يَلْقَ أَثََاماً [الفرقان: 68]و قال تعالى في معرض التهديد: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاََقُوهُ [البقرة: 223]فهذا يتناول الكافر و المؤمن، و الرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. و أما الخبر

فقوله عليه السلام:

492

«من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي اللّه و هو عليه غضبان»

و ليس المراد رأى اللّه تعالى لأن ذلك وصف أهل النار، و أما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات: لقي اللّه، و لا يعنون أنه رأى اللّه عز و جل، و أيضاً فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على وجه يزول الحجاب بينهما. و لذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير: ما لقيته بعد و إن كان قد رآه، و إذا أذن له في الدخول عليه يقول: لقيته، و إن كان ضريراً، و يقال: لقي فلان جهداً شديداً و لقيت من فلان الداهية. و لاقى فلان حمامه، و كل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. و يدل عليه أيضاً قوله تعالى: فَالْتَقَى اَلْمََاءُ عَلى‏ََ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: 12]. و هذا إنما يصح في حق الجسم و لا يصح على اللّه تعالى. قال الأصحاب: اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال: لقي هذا ذاك إذا ماسه و اتصل به، و لما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سبباً لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز. فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي، و على هذا التقرير زالت السؤالات. أما قوله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: 77]و المنافق لا يرى ربه. قلنا: فلأجل هذه الضرورة المراد إلى يوم يلقون حسابه و حكمه إلا أن هذا الإضمار على خلاف الدليل و إنما يصار إليه عند الضرورة. ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه، و أما في قوله تعالى: أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره و لا في إضمار هذه الزيادة، فلا جرم وجب تعليق اللقاء باللّه تعالى لا بحكم اللّه، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها و حينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه.

المسألة الثانية: المراد من الرجوع إلى اللّه تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه و أن لا يملك لهم أحد نفعاً و لا ضرًا غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولاً رجوعاً إلى اللّه من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم و يملك أن يضرهم و ينفعهم و إن كان اللّه تعالى مالكاً لهم في جميع أحوالهم، و قد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين. الأول: المجسمة فإنهم قالوا: الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى اللّه وجب كون اللّه جسماً. الثاني: التناسخية فإنهم قالوا: الرجوع إلى الشي‏ء مسبوق/بالكون عنده، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة و أنها كانت موجودة في عالم الروحانيات و الجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم.

اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم و تحذيراً من ترك اتباع محمد صلى اللّه عليه و سلم ثم قرنه بالوعيد، و هو قوله: وَ اِتَّقُوا يَوْماً [البقرة: 48، 123]كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. أما قوله: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ ففيه سؤال و هو:

أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام و ذلك باطل بالاتفاق. و الجواب عنه من وجوه. أحدها: قال قوم: العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك: رأيت عالماً من الناس، و المراد منه الكثير لا الكل، و هذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم و هو الدليل، فكل ما كان دليلاً على اللّه تعالى كان عالماً، فكان من العالم، و هذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى اللّه، و على هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم‏

493

ببعض المحدثات. و ثانيها: المراد فضلتكم على عالمي زمانكم و ذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك و هو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجوداً و الشي‏ء حال عدمه لا يكون موجوداً. فالشي‏ء حال عدمه لا يكون من العالمين، و أن محمداً عليه السلام ما كان موجوداً في ذلك الوقت، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى اللّه عليه و سلم في ذلك الوقت، و هذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيََاءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتََاكُمْ مََا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ اَلْعََالَمِينَ [المائدة: 20]. و قال: وَ لَقَدِ اِخْتَرْنََاهُمْ عَلى‏ََ عِلْمٍ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [الدخان: 32]و أراد به عالمي ذلك الزمان، و إنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك و الرسالة و الكتب الإلهية، و ثالثها: أن قوله: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل و المطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر ما و هذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعلهم و إن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر و عند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى:

إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفى‏ََ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرََاهِيمَ وَ آلَ عِمْرََانَ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [آل عمران: 33]على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. بقي هاهنا أبحاث:

البحث الأول: قال ابن زيد: أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة و خنازير على/ما قال تعالى: وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ [المائدة: 60]و قال: لُعِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ [المائدة: 78].

البحث الثاني: أن جميع ما خاطب اللّه تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، و جميع أقاصيص الأنبياء تنبيه و إرشاد. قال اللّه تعالى: اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: 18]، و قال: وَ اِتَّبِعُوا أَحْسَنَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: 55]. و قال: لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ [يوسف: 111]. و لذلك روى قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى و اللّه بنو إسرائيل و ما يغني ما تسمعون عن غيركم.

البحث الثالث: قال القفال: «النعمة بكسر النون المنة و ما ينعم به الرجل على صاحبه. قال تعالى:

وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهََا عَلَيَّ [الشعراء: 22]و أما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش، قال تعالى:

وَ نَعْمَةٍ كََانُوا فِيهََا فََاكِهِينَ [الدخان: 27].

البحث الرابع: قوله تعالى: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على اللّه تعالى لا في الدنيا و لا في الدين لأن قوله: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ يتناول جميع نعم الدنيا و الدين، فذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً، فإن كان واجباً لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجباً فلا منة له على أحد و إن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض، فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا و لا في الدين. فإن قيل: لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله:

وَ اِتَّقُوا يَوْماً و الجواب: لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح و أفحش فلهذا حذرهم عنها.

البحث الخامس: في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن أيهم أكثر استجماعاً لخصال الخير؟اعلم أن‏

494

هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل و أكثر استجماعاً لصفات الكمال و نحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق اللّه تعالى و عونه‏ (1) .

اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب و الشدائد لأن نفس اليوم لا يتقى و لا بد من أن يرده أهل الجنة و النار جميعاً. فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم/بأشد الصفات و أعظمها تهويلاً، و ذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة و حاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة و صنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة و الليان لم يبق بعده إلا فداء الشي‏ء بمثله. إما مال أو غيره و إن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء و الأخوان فأخبر اللّه سبحانه أنه لا يغني شي‏ء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة. بقي على هذا الترتيب سؤالان:

السؤال الأول: الفائدة من قوله: لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً هي الفائدة من قوله: وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ فما المقصود من هذا التكرار؟ و الجواب: المراد من قوله: لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء، و أما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب و سنذكر فرقاً آخر إن شاء اللّه تعالى.

السؤال الثاني: أن اللّه تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية و ذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين و المائة و قدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه؟الجواب: أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية و من كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين: و لنذكر الآن تفسير الألفاظ: أما قوله تعالى: لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً فقال القفال: الأصل في جزى هذا عند أهل اللغة قضى و منه الحديث

أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال لأبي بردة بن يسار: «تجزيك و لا تجزي أحداً بعدك» ،

هكذا يرويه أهل العربية: «تجزيك» بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك و تنوب، و معنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئاً و لا تحمل عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه و أمه و أبيه و معنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجباً عليه. و قد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه و صديقه دينه و يتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات.

روى أبو هريرة قال: قال عليه السلام: «رحم اللّه عبداً كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه و ليس ثم دينار و لا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته و إن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته» .

قال صاحب الكشاف: و (شيئاً) مفعول به و يجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء كقوله تعالى: وَ لاََ يُظْلَمُونَ شَيْئاً [مريم: 60]. و من قرأ: «لا يجزي» من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من

____________

(1) لم يذكر في الأصول التي بأيدينا في هذا الموضع شي‏ء مما أشار إليه المصنف رحمه اللّه تعالى. (المصحح) .

495

الإجزاء و هذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوماً. فإن قيل: فأين العائد منها إلى الموصوف؟قلنا: هو محذوف تقديره لا تجزي فيه و معنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئاً من الأشياء و هو الإقناط الكلي القطاع للمطامع. أما قوله تعالى: وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ فالشفاعة/أن يستوهب أحد لأحد شيئاً و يطلب له حاجة و أصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أي صارا زوجاً. و اعلم أن الضمير في قوله: وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا راجع إلى النفس الثانية العاصية و هي التي لا يؤخذ منها عدل، و معنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، و يجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئاً. أما قوله تعالى: وَ لاََ يُؤْخَذُ مِنْهََا عَدْلٌ أي فدية، و أصل الكلمة من معادلة الشي‏ء تقول: ما أعدل بفلان أحداً، أي لا أرى له نظيراً. قال تعالى:

ثُمَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام: 1]و نظيره هذه الآية قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مََا فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذََابِ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ مََا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [المائدة: 36]و قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ مََاتُوا وَ هُمْ كُفََّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْ‏ءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ اِفْتَدى‏ََ بِهِ [آل عمران: 91]و قال:

وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاََ يُؤْخَذْ مِنْهََا [الأنعام: 70].

أما قوله تعالى: وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة و القرابة و قد أخبر اللّه تعالى أنه ليس يومئذ خلة و لا شفاعة و أنه لا أنساب بينهم، و إنما المرء يفر من أخيه و أمه و أبيه و قرابته، قال القفال: و النصر يراد به المعونة

كقوله: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» ،

و منه معنى الإغاثة: تقول العرب: أرض منصورة أي ممطورة، و الغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها و قيل في قوله تعالى: مَنْ كََانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اَللََّهُ [الحج: 15]أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، و يسمى الانتقام نصرة و انتصاراً، قال تعالى: وَ نَصَرْنََاهُ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا [الأنبياء: 77]قالوا معناه: فانتقمنا له، فقوله تعالى: وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، و يحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من اللّه، و في الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر اللّه تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي و أقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك و لا شفاعة و لا نصرة و لا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، و من فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال، و الآية و إن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم و ذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم.

المسألة الثانية: أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى اللّه عليه و سلم شفاعة في الآخرة و حمل على ذلك قوله تعالى: عَسى‏ََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً [الإسراء: 79]و قوله تعالى: وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى‏ََ [الضحى: 5]ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أ تكون للمؤمنين المستحقين/للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب و تأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، و قال أصحابنا: تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن‏

496

يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار و إن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها و يدخلوا الجنة و اتفقوا على أنها ليست للكفار، و استدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها: هذه الآية:

قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه.

الأول: قوله تعالى: لاََ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً و لو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً. الثاني: قوله تعالى: وَ لاََ يُقْبَلُ مِنْهََا شَفََاعَةٌ و هذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، و الثالث: قوله تعالى: وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ و لو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له و ذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين: الأول: أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم. الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و عن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، و ليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر و لا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال: اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، و لو قال: اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع. و ثانيها: قوله تعالى: مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لاََ شَفِيعٍ يُطََاعُ [غافر: 18] و الظالم هو الآتي بالظلم و ذلك يتناول الكافر و غيره، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع و لم ينف شفيعاً يجاب و نحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، و ليس فوقه تعالى أحد يطيعه اللّه تعالى، لأنا نقول: لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين، الأول: أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً، و أما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملاً لها على معنى لا يفيد. الثاني: أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع، و الشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له و حاكماً عليه و مثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله: «شَفِيعٍ» كونه دون اللّه تعالى فلم يمكن حمل قوله:

يُطََاعُ على من فوقه فوجب حمله/على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب. و ثالثها: قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاََ بَيْعٌ فِيهِ وَ لاََ خُلَّةٌ وَ لاََ شَفََاعَةٌ [البقرة: 254] ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. و رابعها: قوله تعالى: وَ مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ أَنْصََارٍ [البقرة: 270] و لو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته. و خامسها: قوله تعالى: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ [الأنبياء: 28] أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه اللّه عز و جل و الفاسق ليس بمرتضى عند اللّه تعالى، و إذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام، لأنه لا قائل بالفرق. ـ

497

و سادسها: قوله تعالى: فَمََا تَنْفَعُهُمْ شَفََاعَةُ اَلشََّافِعِينَ [المدثر: 48] و لو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم و ذلك ضد الآية. و سابعها: أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى اللّه تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام و يقولون في جملة أدعيتهم: و اجعلنا من أهل شفاعته، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصراً على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى اللّه تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر. لا يقال لم لا يجوز أن يقال: إنهم يرغبون إلى اللّه تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم: اجعلنا من التوابين و ليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا و إنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين و كلتا الرغبتين مشروطة بشرط و هو تقدم الإصرار و تقدم الذنب، لأنا نقول: الجواب عنه من وجهين: الأول: ليس يجب إذا شرطنا شرطاً في قولنا: اللهم اجعلنا من التوابين، أن نزيد شرطاً في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة. الثاني: أن الأمة في كلتا الرغبتين إلى اللّه تعالى يسألون منه تعالى أن يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم: اجعلنا من التوابين، أن يرغبون في أن يوفقهم للتوبة من الذنوب، و في الثاني يرغبون في أن يفعل بهم ما يكونون عنده أهلاً لشفاعته عليه السلام، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا بالخروج من الدنيا مصراً على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالاً للإخراج من الدنيا حال الإصرار على الكبائر، و ذلك غير جائز بالإجماع. أما على قولنا: إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من الدنيا مستحقاً للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسناً فظهر الفرق. و ثامنها: أن قوله تعالى: وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ*`يَصْلَوْنَهََا يَوْمَ اَلدِّينِ*`وَ مََا هُمْ عَنْهََا بِغََائِبِينَ [الانفطار: 14-16] يدل على أن كل الفجار يدخلون النار و أنهم لا يغيبون عنها و إذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها، و إذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب و لا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها. و تاسعها: قوله تعالى:

يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مََا مِنْ شَفِيعٍ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: 3] فنفي الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته و كذا قوله: مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ [البقرة: 255]و كذا قوله تعالى: لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً [سبأ: 38]و إنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل، أما العقل فلا مجال له فيه، و أما النقل/فأما بالتواتر أو بالآحاد، و الآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن و المسألة علمية و التمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز. و أما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين و لو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة. فحيث أطبق الأكثرون على الإنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن. و عاشرها: قوله تعالى: في سورة غافر الذين يحملون العرش... اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تََابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر: 7]و لو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة و متابعة السبيل معنى.

الحادي عشر: الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر و هي أربعة. الأول: ما

روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة و السلام دخل المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين و إنا إن شاء اللّه بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا: قالوا: يا رسول اللّه ألسنا إخوانك.

قال: بل أنتم أصحابي و إخواننا الذين لم يأتوا بعد. قالوا: يا رسول اللّه كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أ رأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل لا يعرف خيله؟قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، و أنا فرطهم على الحوض، ألا فليذادن رجال عن حوضي كما

498

يذاد البعير الضال أناديهم، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً» .

و الاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعاً لهم لم يكن يقول فسحقاً فسحقاً، لأن الشفيع لا يقول ذلك، و كيف يجوز أن يكون شفيعاً لهم في الخلاص من العقاب الدائم و هو يمنعهم شربة ماء. الثاني:

روى عبد الرحمن بن ساباط عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال لكعب بن عجرة: «يا كعب بن عجرة أعيذك باللّه من إمارة السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم و صدقهم بكذبهم فليس مني و لست منه و لن يرد عليَّ الحوض و من لم يدخل عليهم و لم يعنهم على ظلمهم و لم يصدقهم بكذبهم فهو مني و أنا منه و سيرد عليَّ الحوض، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان و الصوم جنة و الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت» .

و الاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه. أحدها: أنه إذا لم يكن من النبي و لا النبي منه فكيف يشفع له، و ثانيها:

قوله: «لم يرد عليَّ الحوض»

دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من العقاب أولى.

و ثالثها: أن‏

قوله: «لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت»

صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة.

الثالث:

عن أبي هريرة قال عليه الصلاة و السلام: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول اللّه أغثني فأقول لا أملك لك من اللّه شيئاً قد بلغتك» .

و هذا صريح في المطلوب، لأنه إذا لم يملك له من اللّه شيئاً فليس له في الشفاعة نصيب. الرابع:

عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة و السلام: «ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة، و من كنت خصيمه خصمته، رجل/أعطى بي ثم غدر، و رجل باع حراً فأكل ثمنه، و رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه و لم يوفه أجرته» .

و الاستدلال به أنه عليه الصلاة و السلام لما كان خصيماً لهؤلاء استحال أن يكون شفيعاً لهم، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب. أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه. أحدها:

قوله سبحانه و تعالى: حكاية عن عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ، [المائدة: 118]وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة. و القسم الأول باطل لأن قوله تعالى: وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ لا يليق بالكفار، و القسم الثاني و الثالث و الرابع باطل لأن المسلم المطيع و المسلم صاحب الصغيرة و المسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلاً عند الخصم، و إذا كان كذلك لم يكن قوله: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ لائقاً بهم و إذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة و إذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد صلى اللّه عليه و سلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق. و ثانيها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: 36]فقوله: وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلاً للمغفرة بالإجماع و لا حمله على صاحب الصغيرة و لا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة. و مما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما

رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة و السلام تلا قوله تعالى في إبراهيم: وَ مَنْ عَصََانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و قول عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبََادُكَ الآية، ثم رفع يديه و قال: «اللهم أمتي أمتي و بكى فقال اللّه تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد

499

و ربك أعلم فسله ما يبكيك؟فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بما قال، فقال اللّه عز و جل: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك و لا نسوءك» . رواه مسلم في الصحيح.

و ثالثها: قوله تعالى في سورة مريم: يَوْمَ نَحْشُرُ اَلْمُتَّقِينَ إِلَى اَلرَّحْمََنِ وَفْداً*`وَ نَسُوقُ اَلْمُجْرِمِينَ إِلى‏ََ جَهَنَّمَ وِرْداً*`لاََ يَمْلِكُونَ اَلشَّفََاعَةَ إِلاََّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمََنِ عَهْداً [مريم: 85-87]، فنقول ليس في ظاهر الآية أن المقصود من الآية أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز و يحسن إضافته إلى الفاعل يجوز و يحسن إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه الثاني أولى، لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإن كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعين حملها على الوجه الثاني. إذا ثبت هذا فنقول: الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، لأنه قال عقيبه: إِلاََّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمََنِ عَهْداً ، و التقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند/الرحمن عهداً، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه، و صاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً و هو التوحيد و الإسلام، فوجب أن يكون داخلاً تحته أقصى ما في الباب أن يقال: و اليهودي اتخذ عند الرحمن عهداً و هو الإيمان باللّه فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به في حقه لضرورة الإجماع فوجب أن يكون معمولاً به فيما وراءه. و رابعها: قوله تعالى في صفة الملائكة: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ [الأنبياء: 28]وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند اللّه تعالى، و كل من كان مرتضى عند اللّه تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة، إنما قلنا: إن صاحب الكبيرة مرتضى عند اللّه تعالى لأنه مرتضى عند اللّه بحسب إيمانه و توحيده و كل من صدق عليه أنه مرتضى عند اللّه بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند اللّه تعالى لأن المرتضى عند اللّه جزء من مفهوم قولنا:

مرتضى عند اللّه بحسب إيمانه، و متى صدق المركب صدق المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند اللّه، و إذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ نفى الشفاعة إلا لمن كان مرتضى و الاستثناء عن النفي إثبات، فوجب أن يكون المرتضى أهلاً لشفاعتهم، و إذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء و شفاعة محمد صلى اللّه عليه و سلم، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. فإن قيل: الكلام على هذا الاستدلال من وجهين، الأول: أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، و إذا لم يكن أهلاً لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة محمد صلى اللّه عليه و سلم، إنما قلنا:

إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب فسقه و فجوره و من صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل، و إذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، لأن قوله تعالى: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق المرتضى، فإذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلاً في النفي. الوجه الثاني: أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضى‏ََ محمولاً على أن المراد منه و لا يشفعون إلا لمن ارتضاه اللّه، أما لو حملناه على أن المراد منه و لا يشفعون إلا لمن ارتضى اللّه منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن اللّه تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة، و هذا أول المسألة.

و الجواب عن الأول: أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان، فقولنا: زيد عالم، زيد ليس‏

500

بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقه، زيد ليس بعالم بالكلام، و إذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال: إنه مرتضى بحسب دينه، ليس بمرتضى بحسب فسقه، و أيضاً فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى، و إذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى، و مجرد كونه/مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء و خروجه عن المستثنى منه، و متى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة. و أما السؤال الثاني:

فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها و لا يشفعون إلا لمن ارتضاه اللّه أولى من حملها على أن المراد و لا يشفعون إلا لمن ارتضى اللّه شفاعته، لأن على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب و التحريض على طلب مرضاة اللّه عز و جل و الاحتراز عن معاصيه، و على التقدير الثاني لا تفيد الآية ذلك، و لا شك أن تفسير كلام اللّه تعالى بما كان أكثر فائدة أولى. و خامسها: قوله تعالى في صفة الكفار: فَمََا تَنْفَعُهُمْ شَفََاعَةُ اَلشََّافِعِينَ [المدثر: 48] خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة دليل الخطاب، و سادسها: قوله تعالى لمحمد صلى اللّه عليه و سلم: وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ، وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ [محمد: 19]دلت الآية على أنه تعالى أمر محمداً بأن يستغفر لكل المؤمنين و المؤمنات و قد بينا في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]أن صاحب الكبيرة مؤمن، و إذا كان كذلك ثبت أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم استغفر لهم، و إذا كان كذلك ثبت أن اللّه تعالى قد غفر لهم. و إلا لكان اللّه تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير و الإيذاء و هو غير لائق باللّه تعالى و لا بمحمد صلى اللّه عليه و سلم فدل على أن اللّه تعالى لما أمر محمداً بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه، و ذلك إنما يتم لو غفر لهم و لا معنى للشفاعة إلا هذا، و سابعها: قوله تعالى: وَ إِذََا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا [النساء: 86] فاللّه تعالى أمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو بأن يردوها، ثم أمرنا بتحية محمد صلى اللّه عليه و سلم حيث قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب: 56] الصلاة من اللّه رحمة و لا شك أن هذا تحية، فلما طلبنا من اللّه الرحمة لمحمد عليه الصلاة و السلام وجب بمقتضى قوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهََا أَوْ رُدُّوهََا ، أن يفعل محمد مثله و هو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من اللّه تعالى، و هذا هو معنى الشفاعة، ثم توافقنا على أنه عليه الصلاة و السلام غير مردود الدعاء، فوجب أن يقبل اللّه شفاعته في الكل و هو المطلوب. و ثامنها: قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جََاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اَللََّهَ وَ اِسْتَغْفَرَ لَهُمُ اَلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اَللََّهَ تَوََّاباً رَحِيماً [النساء: 64] و ليس في الآية ذكر التوبة، و الآية تدل على أن الرسول متى استغفر للعصاة و الظالمين فإن اللّه يغفر لهم، و هذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة، لأنه لا قائل بالفرق. و تاسعها: أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد صلى اللّه عليه و سلم فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار و الأول باطل و إلا لكنا شافعين للرسول عليه الصلاة و السلام إذا طلبنا من اللّه تعالى أن يزيد في فضله عند ما نقول: اللهم صل على محمد و على آل محمد، و إذا بطل هذا القسم تعين الثاني و هو المطلوب، فإن قيل: إنما لا يطلق علينا كوننا شافعين لمحمد صلى اللّه عليه و سلم لوجهين، الأول: أن/الشفيع لا بد أن يكون أعلى رتبة من المشفوع له، و نحن و إن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة و السلام و لكن لما كنا أدنى رتبة منه عليه الصلاة و السلام لم يصح أن نوصف بكوننا شافعين له. الثاني: قال أبو الحسين: سؤال المنافع للغير إنما يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله و لولاه لم تفعل أو كان لسؤاله تأثير في فعلها، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها، و كان غرض‏