التفسير الكبير - ج4

- الفخر الرازي‏ المزيد...
182 /
5

الجزء الرابع‏

تتمة سورة البقرة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى أمر بالعفو و الصفح عن اليهود، ثم عقبه بقوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ تنبيهاً على أنه كما ألزمهم لحظ الغير و صلاحه العفو و الصفح، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم و صلاحها القيام بالصلاة و الزكاة الواجبتين، و نبه بهما على ما عداهما من الواجبات. ثم قال بعده: وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ و الأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات و الزكوات، و بين تعالى أنهم يجدونه و ليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى و لأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه و جزائه، ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي أنه لا يخفى عليه القليل و لا الكثير من الأعمال و هو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، و تحذير من خلافه الذي هو الشر، و أما الخير فهو النفع الحسن و ما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، و على هذا الوجه قال تعالى: وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77].

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود و إلقاء الشبه في قلوب المسلمين، و اعلم أن اليهود/لا تقول في النصارى: إنها تدخل الجنة، و لا النصارى في اليهود، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال: و قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، و قالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، و لا يصح في الكلام سواه، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، و نظيره: قََالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ [البقرة: 135]و الهود: جمع هائد، كعائذ و عوذ و بازل و بزل، فإن قيل: كيف قيل: كان هودا، على توحيد الاسم، و جمع الخبر؟قلنا: حمل الاسم على لفظ (من) و الخبر على معناه كقراءة الحسن: إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ [الصافات: 163]و قرأ أبي بن كعب: إلا من كان يهوديا أو نصرانيا أما قوله تعالى: تِلْكَ أَمََانِيُّهُمْ فالمراد أن ذلك متمنياتهم، ثم أنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقا في نفسه، فإن قيل: لم قال: تِلْكَ أَمََانِيُّهُمْ و قولهم: لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ أمنية واحدة؟قلنا: أشير بها إلى الأماني المذكورة، و هي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، و أمنيتهم أن يردوهم كفارا، و أمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم، و قوله تعالى: قُلْ هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ متصل بقوله: لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً

6

أَوْ نَصََارى‏ََ و تِلْكَ أَمََانِيُّهُمْ اعتراض،

قال عليه الصلاة و السلام «الكيس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على اللّه الأماني»

و

قال علي رضي اللّه عنه: «لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي» .

أما قوله تعالى: قُلْ هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: هات: صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا، أو إثباتا، فلا بد له من الدليل و البرهان، و ذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر:

من ادعى شيئا بلا شاهد # لا بد أن تبطل دعواه‏

أما قوله تعالى: بَلى‏ََ ففيه وجوه. الأول: أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. الثاني: أنه تعالى لما نفي أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه للّه برهانا. الثالث: كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم و أسلمتم وجهكم للّه و أحسنتم فلكم الجنة، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام، و بيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه و يعدلوا إلى هذه الطريقة، فأما معنى: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ فهو إسلام النفس لطاعة اللّه، و إنما خص الوجه بالذكر لوجوه. أحدها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس و الفكر و التخيل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى. و ثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس، قال اللّه تعالى: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ ، [القصص: 88] إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى‏ََ [الليل: 20]. و ثالثها: أن أعظم العبادات السجدة و هي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر، و لهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل.

و أسلمت وجهي لمن أسلمت # له الأرض تحمل صخرا ثقالا

و أسلمت وجهي لمن أسلمت # له المزن تحمل عذبا زلالا

فيكون المرء واهبا نفسه لهذا الأمر باذلالها، و ذكر الوجه و أراد به نفس الشي‏ء، و ذلك لا يكون إلا بالانقياد و الخضوع و إذلال النفس في طاعته و تجنب معاصيه، و معنى (للّه) أي: خالصا للّه لا يشوبه شرك، فلا يكون عابدا مع اللّه غيره، أو معلقا رجاءه بغيره، و في ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص و القربة.

أما قوله تعالى: وَ هُوَ مُحْسِنٌ أي: لا بد و أن يكون تواضعه للّه بفعل حسن لا بفعل قبيح، فإن الهند يتواضعون للّه لكن بأفعال قبيحة، و موضع قوله: وَ هُوَ مُحْسِنٌ موضع حال كقولك: جاء فلان و هو راكب، أي جاء فلان راكبا، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه، يعني به الثواب العظيم، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف و لا حزن، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل، و أما الحزن فقد يكون من الواقع و الماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام و كثر و خلص من الخوف و الحزن فلا يحزن على أمر فاته و لا على أمر يناله و لا يخاف انقطاع ما هو فيه و تغيره فقد بلغ النهاية و في ذلك ترغيب في هذه الطريقة و تحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل، و اعلم أنه تعالى‏

7

وحد أولا ثم جمع، و مثله قوله: وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي اَلسَّمََاوََاتِ [النجم: 26]ثم قال: شَفََاعَتُهُمْ و قوله:

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ* [الأنعام: 25]و قال في موضع آخر: يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ* [يونس: 42] [الإسراء: 47]و قال: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتََّى إِذََا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ [محمد: 16]و لم يقل: خرج، و اعلم أنا لما فسرنا قوله: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلََّهِ بالإخلاص فلنذكر هاهنا حقيقة الإخلاص و ذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل:

المسألة الأولى: في فضل النية

قال عليه الصلاة و السلام: «إنما الأعمال بالنيات» ،

و

قال: «إن اللّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أعمالكم و إنما ينظر إلى قلوبكم و نياتكم»

و في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى اللّه تعالى إلى نبيهم قل له: إن اللّه قبل صدقتك و شكر حسن نيتك و أعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به.

المسألة الثانية: الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل و طلب، و هو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشي‏ء على عدمه، و هي الإرادة فهذه الإرادة هي النية و الباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن، إذا عرفت هذا فنقول: الباعث على الفعل إما أن يكون أمرا واحدا، و إما أن يكون أمرين، و على التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلا بالبعث، أو لا يكون واحد منهما مستقلا بذلك، أو يكون أحدهما مستقلا بذلك دون الآخر، فهذه أقسام أربعة. الأول: أن يكون الباعث واحدا/و هو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع و ما في ترك الهرب من الضرر، فهذه النية تسمى خالصة، و يسمى العمل بموجبها إخلاصا. الثاني: أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقا له، و كونه فقيرا، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء، و اسم هذا موافقة الباعث. الثالث: أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد، لكن المجموع مستقل، و اسم هذا مشاركة. الرابع: أن يستقل أحدهما و يكون الآخر معاضدا مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم، و اسم هذا معاونة.

المسألة الثالثة: في تفسير

قوله عليه السلام: «نية المؤمن خير من عمله»

ذكروا فيه وجوها. أحدها: أن النية سر، و العمل علن، و طاعة السر أفضل من طاعة العلانية، و هذا ليس بشي‏ء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرا من نفس الصلاة. و ثانيها: النية تدوم إلى آخر العمل، و الأعمال لا تدوم، و الدائم خير من المنقطع، و هذا ليس بشي‏ء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل، و أيضا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة، و الأعمال تدوم، و ثالثها: أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده، و هو ضعيف، إذ العمل بلا نية لا خير فيه، و ظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية. و رابعها: أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله، و هو ضعيف، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال: النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة، و متى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق، و إذا كان كذلك: ثبت أن النية لا تنفك البته عن الفعل، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل، و بيانه من وجوه. أولها: أن‏

8

المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة اللّه و تطهيره عما سوى اللّه، و النية صفة القلب، و الفعل ليس صفة القلب، و تأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله.

و ثانيها: أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود و انقيادا له، و إنما يراد الأعمال ليست حفظ التذكر بالتكرير، فيكون الذكر و القصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة، و لا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة. و ثالثها: أن القلب أشرف من الجسد، ففعله أشرف من فعل الجسد، فكانت النية أفضل من العمل.

المسألة الرابعة: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام: طاعات، و معاصي، و مباحات، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية، فلا يظن الجاهل أن‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «إنما الأعمال بالنيات»

يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيرا من مال غيره، أو يبنى/مسجدا من مال حرام. الثاني: الطاعات و هي مرتبطة بالنيات في الأصل و في الفضيلة، أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة اللّه تعالى، فإن نوى الرياء صارت معصية، و أما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد و ينوي فيه نيات كثيرة. أولها:

أن يعتقد أنه بيت اللّه و يقصد به زيارة مولاه كما

قال عليه الصلاة و السلام: «من قعد في المسجد فقد زار اللّه و حق على المزور إكرام زائره» .

و ثانيها: أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الانتظار كمن هو في الصلاة.

و ثالثها: إغضاء السمع و البصر و سائر الأعضاء كما لا ينبغي، فإن الاعتكاف كف و هو في معنى الصوم، و هو نوع ترهب، و لذلك‏

قال عليه الصلاة و السلام: «رهبانية أمتي القعود في المساجد» .

و رابعها: صرف القلب و السر بالكلية إلى اللّه تعالى. و خامسها: إزالة ما سوى اللّه عن القلب. و سادسها: أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. و سابعها: أن يستفيد أخا في اللّه فإن ذلك غنيمة أهل الدين. و ثامنها: أن يترك الذنوب حياء من اللّه فهذا طريق تكثير النيات، و قس به سائر الطاعات.

القسم الثالث: سائر المباحات و لا شي‏ء منها إلا و يحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات، فما أعظم خسران من يغفل عنها و لا يصرفها إلى القربات، و

في الخبر: من تطيب للّه جاء يوم القيامة و ريحه أطيب من ريح المسك، و من تطيب لغير اللّه جاء يوم القيامة و ريحه أنتن من الجيفة

فإن قلت: فاشرح لي كيفية هذه النية، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم و ريحه أنتن من الجيفة، فإن قلت: فاشرح لي كيفية هذه النية، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء، فكل ذلك يجعل التطيب معصية، و إن كان القصد إقامة السنة و دفع الروائح المؤذية عن عباد اللّه و تعظيم المسجد، فهو عين الطاعة، و إذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات، و الضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، و كل ما عملته لغير اللّه فحلالها حساب و حرامها عذاب.

المسألة الخامسة: اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية و النقلية في أنه لا بد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه و تجارته: نويت أن أدرس للّه و أتجر للّه يظن أن ذلك نية و هيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان و النية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس و ميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا و إما آجلا.

و الميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه و هو كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلى الشي‏ء إلا باكتساب أسبابه و ليست هي إلا تحصيل العلم بما

9

فيه من المنافع، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو القلب عن سائر الشواغل، فإذا غلبت شهوة النكاح و لم يعتقد في الولد غرضا صحيحا لا عاجلا و لا آجلا، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث و لا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد؟فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي عبارة عن حصول هذا الميل، و ذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات، و قد يتعذر في بعضها.

المسألة السادسة: اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام: فمنهم من يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار، و منهم من يعمل لباعث الرجاء و هو الرغبة في الجنة و العامل لأجل الجنة عامل لبطنه و فرجه، كالأجير السوء و درجته درجة البله، و أما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر اللّه و الفكر فيه حبّا لجلاله و سائر الأعمال مؤكدات له و هم الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و ثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم و نسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم.

اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية، و بين قول كل فريق منهم في الآخر، و كيف ينكر كل طائفة دين الأخرى، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قوله: لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ أي على شي‏ء يصح و يعتد به و هذه مبالغة عظيمة و هو كقولهم: أقل من لا شي‏ء، و نظيره قوله تعالى: قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ لَسْتُمْ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ حَتََّى تُقِيمُوا اَلتَّوْرََاةَ [المائدة: 68]، فإن قيل: كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع و صفاته سبحانه و تعالى، و ذلك قول فيه فائدة؟قلنا: الجواب من وجهين، الأول: أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب الأول، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق. الثاني: أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه، و هي ما يتصل بباب النبوات.

المسألة الثانية:

روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شي‏ء من الدين و كفروا بعيسى عليه السلام و الإنجيل، و قالت النصارى لهم: نحوه و كفروا بموسى عليه السلام و التوراة.

المسألة الثالثة: اختلفوا فيمن هم الذين عناهم اللّه تعالى أ هم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام، و الظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه و إن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود و كل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام، و لا يجب لما نقل في سبب الآية/أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل اللّه هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه، إذا أمكن حمله على ظاهره و قوله: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص و معلوم من طريقة اليهود و النصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر.

10

أما قوله تعالى: وَ هُمْ يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ فالواو و للحال، و الكتاب للجنس. أي قالوا ذلك و حالهم أنهم من أهل العلوم و التلاوة للكتب، و حق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب اللّه و آمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام، و الإنجيل مصدق بموسى عليه السلام.

أما قوله تعالى: كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق، فبين تعالى أنهم مع المعرفة و التلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لا يعلم، و اعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه. أولها: أنهم كفار العرب الذين قالوا: إن المسلمين ليسوا على شي‏ء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود و النصارى و هم يقرءون الكتب لا ينبغي أن يقبل و يلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه. و ثانيها: أنه إذا حملنا قوله: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم، حملنا قوله: كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ على المعاندين و عكسه أيضا محتمل. و ثالثها: أن يحمل قوله: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ على علمائهم و يحمل قوله: كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ على عوامهم فصلا بين خواصهم و عوامهم، و الأول أقرب: لأن كل اليهود و النصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ يجب أن يكون غيرهم.

أما قوله تعالى: فَاللََّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ففيه أربعة أوجه. أحدها: قال الحسن: يكذبهم جميعا و يدخلهم النار. و ثانيها: حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب. و ثالثها: يريهم من يدخل الجنة عيانا و من يدخل النار عيانا، و هو قول الزجاج. و رابعها: يحكم بين المحق و المبطل فيما اختلفوا فيه و اللّه أعلم.

اعلم أن في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط و الجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن اللّه يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد و سعى في خرابها، ثم أن اللّه تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد و سعوا في خرابه من هم؟و ذكروا فيه أربعة أوجه. أولها: قال ابن عباس: أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه و ألقى فيه الجيف و حاصر أهله و قتلهم و سبى البقية و أحرق التوراة، و لم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. و ثانيها: قال الحسن و قتادة و السدي: نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس و بعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود.

قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل و النصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر

11

في تخريب بيت المقدس و أيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود و أكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. و ثالثها: أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة و السلام عن الدعاء إلى اللّه بمكة و ألجؤه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له و لأصحابه أن يذكروا اللّه في المسجد الحرام، و قد كان الصديق رضي اللّه عنه بنى مسجداً عند داره فمنع و كان ممن يؤذيه ولدان قريش و نساؤهم، و قيل: إن قوله تعالى: وَ لاََ تَجْهَرْ بِصَلاََتِكَ وَ لاََ تُخََافِتْ بِهََا [الإسراء: 110]نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى، و طرح أبو جهل العذرة على ظهر لنبي صلى اللّه عليه و سلّم فقيل: و من أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون اللّه و لا يشركون به شيئاً و يصلون له تذللاً و خشوعاً، و يشغلون قلوبهم بالفكر فيه، و ألسنتهم بالذكر له، و جميع جسدهم بالتذلل لعظمته و سلطانه. و رابعها: قال أبو مسلم: المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، و استشهد بقوله تعالى: هُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [الفتح: 25]و بقوله: وَ مََا لَهُمْ أَلاََّ يُعَذِّبَهُمُ اَللََّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [الأنفال: 34] و حمل قوله: إِلاََّ خََائِفِينَ بما يعلى اللّه من يده، و يظهر من كلمته، كما قال في المنافقين: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاََ يُجََاوِرُونَكَ فِيهََا إِلاََّ قَلِيلاً*`مَلْعُونِينَ أَيْنَمََا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلاً [الأحزاب: 60-61]و عندي فيه وجه خامس و هو أقرب إلى رعاية النظم: و هو أن يقال: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، و لعلهم سعوا أيضاً في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، و سعوا أيضاً في تخريب مسجد الرسول صلى اللّه عليه و سلّم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم اللّه بذلك و بين سوء طريقتهم فيه، و هذا التأويل أولى مما قبله، و ذلك لأن اللّه تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود/و النصارى، و ذكر أيضاً بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، و أما حمل الآية على سعى النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه.

المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: فأما من حملها على النصارى و خراب بيت المقدس قال: تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم: كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد و السعي في خرابها هكذا، و أما من حمله على المسجد الحرام و سائر المساجد قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله: كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ لاََ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [البقرة: 113]و قيل: جرى ذكر جميع الكفار و ذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود و النصارى و مرة إلى المشركين.

المسألة الثالثة: قوله: مَسََاجِدَ اَللََّهِ عموم فمنهم من قال: المراد به كل المساجد، و منهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام و غيره من مساجد مكة، و قالوا: قد كان لأبي بكر رضي اللّه عنه مسجد بمكة يدعو اللّه فيه، فخربوه قبل الهجرة، و منهم من حمله على المسجد الحرام فقط و هو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية، فإن قيل: كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد؟ قلنا: فيه وجوه. أحدها: هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً: و من أظلم ممن آذى الصالحين. و ثانيها: أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد.

12

المسألة الرابعة: قوله: أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ في محل النصب و اختلفوا في العامل فيه على أقوال.

الأول: أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول: منعته كذا، و مثله: وَ مََا مَنَعَنََا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيََاتِ [الإسراء: 59]، وَ مََا مَنَعَ اَلنََّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا* [الإسراء: 94]. الثاني: قال الأخفش: يجوز أن يكون على حذف (من) كأنه قيل:

منع مساجد اللّه من أن يذكر فيها اسمه. الثالث: أن يكون على البدل من مساجد اللّه. الرابع: قال الزجاج:

يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه، و العامل فيه (منع) .

المسألة الخامسة: السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. أحدهما: منع المصلين و المتعبدين و المتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً. و الثاني: بالهدم و التخريب و ليس لأحد أن يقول: كيف يصح أن يتأول على بيت اللّه الحرام و لم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له، و قيل: إن أبا بكر رضي اللّه عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر.

المسألة السادسة: ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم و فيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، و كذا الزنا و قتل النفس أعظم من هذا الفعل، و الجواب عنه: أقصى ما في الباب أنه عام دخله/التخصيص فلا يقدح فيه.

أما قوله تعالى: أُولََئِكَ مََا كََانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهََا إِلاََّ خََائِفِينَ فاعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ظاهر الكلام أن الذين آمنوا و سعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين، و أما من يجعله عاماً في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوهاً. أحدها: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلا خائفين على حال الهيبة و ارتعاد الفرائض من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليهم و يمنعوا المؤمنين منها، و المعنى ما كان الحق و الواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة و عتوهم. و ثانيها: أن هذا بشارة من اللّه للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام و على سائر المساجد، و أنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل أن لم يسلم، و قد أنجز اللّه صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام، و نادى فيهم عام حج أبو بكر رضي اللّه عنه: ألا لا يحجن بعد العام مشرك، و أمر النبي عليه الصلاة و السلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج من العام الثاني ظاهراً على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج و يدخل المسجد الحرام، و هذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم عن المسجد الحرام عام الحديبية و يحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى اللّه عليه و سلّم و غلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه و من أمته. و ثالثها: أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار و الذل بالجزية و الإذلال. و رابعها: أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة و المحاكمة و المحاجة، لأن كل ذلك يتضمن الخوف و الدليل عليه قوله تعالى: مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اَللََّهِ شََاهِدِينَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: 17]. و خامسها:

قال قتادة و السدي: قوله: إِلاََّ خََائِفِينَ بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين، و لا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضرباً و هذا التأويل مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفاً، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه اللّه في زماننا. و سادسها: أن قوله: مََا كََانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهََا إِلاََّ خََائِفِينَ و إن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي‏

13

عن تمكينهم من الدخول، و التخلية بينهم و بينه كقوله: وَ مََا كََانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اَللََّهِ [الأحزاب: 53].

أما قوله تعالى: لَهُمْ فِي اَلدُّنْيََا خِزْيٌ فقد اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد، و قال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة و بالقتل في حق أهل الحرب، و اعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان و الإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته و ذلك ردع من اللّه تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه و يقتضيه، و أما العذاب العظيم فقد وصفه اللّه تعالى بما جرى مجرى النهاية/في المبالغة، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم، و في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: في أحكام المساجد و فيه وجوه. الأول: في بيان فضل المساجد و يدل عليه القرآن و الأخبار و المعقول، أما القرآن فآيات، أحدها: قوله تعالى: وَ أَنَّ اَلْمَسََاجِدَ لِلََّهِ فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً [الجن: 18]. أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله: فَلاََ تَدْعُوا مَعَ اَللََّهِ أَحَداً . و ثانيها: قوله تعالى: إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ [التوبة: 18]فجعل عمارة المسجد دليلاً على الإيمان، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم، لأن كلمة إنما للحصر. و ثالثها:

قوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اَللََّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهََا بِالْغُدُوِّ وَ اَلْآصََالِ [النور: 36].

و رابعها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها و هي قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اَللََّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالاً من المشرك لأن قوله: وَ مَنْ أَظْلَمُ يتناول المشرك لأنه تعالى قال: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان. و أما الأخبار، فأحدها: ما

روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك و أحبوا أن يدعه، فقال عثمان رضي اللّه عنه: سمعت النبي صلى اللّه عليه و سلّم يقول: «من بنى للّه مسجداً بنى اللّه له كهيئته في الجنة» .

و

في رواية أخرى: «بنى اللّه له بيتاً في الجنة» .

و ثانيها: ما

روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة و السلام قال: «أحب البلاد إلى اللّه تعالى مساجدها و أبغض البلاد إلى اللّه أسواقها» ،

و اعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد و بيانه أن الأمكنة و الأزمنة إنما تتشرف بذكر اللّه تعالى، فإذا كان المسجد مكاناً لذكر اللّه تعالى حتى أن الغافل عن ذكر اللّه إذا دخل المسجد اشتغل بذكر اللّه و السوق على الضد من ذلك، لأنه موضع البيع و الشراء و الإقبال على الدنيا و ذلك مما يورث الغفلة عن اللّه، و الإعراض عن التفكر في سبيل اللّه، حتى أن ذاكر اللّه إذا دخل السوق فإنه يصير غافلاً عن ذكر اللّه لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع و الأسواق أخس المواضع. الثاني: في فضل المشي إلى المساجد (أ)

عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة و السلام: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت اللّه ليقضى فريضة من فرائض اللّه كانت خطواته إحداها تحط خطيئته و الأخرى ترفع درجته» ، رواه مسلم.

(ب)

أبو هريرة قال: قال عليه الصلاة و السلام: «من غدا أو راح إلى المسجد أعد اللّه له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح» أخرجاه في الصحيح.

(ج)

أبي بن كعب قال: كان رجل ما أعلم أحداً من أهل المدينة ممن يصلى إلى القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد و كان لا تخطئه الصلوات مع‏

14

الرسول عليه السلام، فقيل له: لو اشتريت حماراً لتركبه في الرمضاء و الظلماء، فقال: و اللّه ما أحب أن منزلي بلزق المسجد، فأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم بذلك فسأله فقال: يا رسول اللّه كيما يكتب أثرى و خطاى و رجوعي إلى أهلي و إقبالي و إدباري، فقال عليه الصلاة و السلام/ «لك ما احتسبت أجمع» أخرجه مسلم.

(د)

جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فقال لهم: «أنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد، فقالوا: نعم قد أردنا ذلك قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم» . رواه مسلم.

و عن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم: إِنََّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ وَ نَكْتُبُ مََا قَدَّمُوا وَ آثََارَهُمْ [يس: 12]. (هـ-)

عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم قال: «إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشياً و الذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجراً ممن يصليها ثم ينام» أخرجاه في الصحيح.

(و)

عقبة بن عامر الجهني أنه عليه السلام قال: «إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات و القاعد الذي يرعى الصلاة كالقانت و يكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع» .

(ز)

عن سعيد بن المسيب قال: حضر رجلاً من الأنصار الموت فقال لأهله: من في البيت، فقالوا: أهلك، و أما إخوتك و جلساؤك ففي المسجد، فقال: ارفعوني فأسنده رجل منهم إليه ففتح عينيه و سلم على القوم فردوا عليه و قالوا له: خيرا. فقال: إني مورثكم اليوم حديثاً ما حدثت به أحداً منذ سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم احتساباً و ما أحدثكموه اليوم إلا احتساباً، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يقول: «من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد يصلى في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب اللّه له بها حسنة و لم يضع رجله اليسرى إلا حط اللّه عنه بها خطيئة حتى يأتي المسجد، فإذا صلى بصلاة الإمام انصرف و قد غفر له، فإن هو أدرك بعضها وفاته بعض كان كذلك» .

(ح)

عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه اللّه مثل أجر من صلاها و حضرها و لم ينقص ذلك من أجرهم شيئاً» .

(ط)

أبو هريرة قال عليه السلام: «ألا أدلكم على ما يمحو اللّه به الخطايا و يرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: إسباغ الوضوء على المكاره و كثرة الخطا إلى المساجد و انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» رواه أبو مسلم.

(ي) قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لداود بن صالح: هل تدري فيم نزلت: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صََابِرُوا وَ رََابِطُوا [آل عمران: 200]قال: قلت لا يا ابن أخي، قال: سمعت أبا هريرة يقول لم يكن في زمان النبي صلى اللّه عليه و سلّم غزو يرابط فيه و لكن انتظار الصلاة بعد الصلاة. (يا)

بريدة قال عليه السلام: «بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة» ،

قال النخعي كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة موجبة. (يب) قال الأوزاعي: كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه السلام و التابعون بإحسان: لزوم الجماعة و اتباع السنة، و عمارة المسجد و تلاوة القرآن و الجهاد في سبيل اللّه. (يج)

أبو هريرة قال عليه السلام: «من بنى للّه بيتاً يعبد اللّه فيه من مال حلال بنى اللّه له بيتاً في الجنة من در و ياقوت.

(يد)

أبو ذر قال عليه السلام: «من بنى للّه مسجداً و لو كمفحص قطاة بنى اللّه له بيتاً في الجنة» .

(يه)

أبو سعيد الخدري: قال عليه السلام: «إذا رأيتم الرجل/يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن اللّه تعالى قال: إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ [التوبة: 18].

(يو) عن بعض أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أنهم قالوا: إن المساجد بيوت اللّه و أنه لحق على اللّه أن يكرم من زراره فيها. (يز)

أنس قال عليه السلام: «إن عمار بيوت اللّه هم أهل بيوت اللّه» .

(يح)

15

أنس قال عليه السلام: «يقول اللّه تعالى: كأني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي و المتحابين في و إلى المستغفرين بالأسحار صرفت عنهم» .

(يط)

عن أنس: قال عليه السلام: «إذا أنزلت عاهة من السماء صرفت عن عمار المساجد» .

(ك)

كتب سلمان إلى أبي الدرداء: يا أخي ليكن بيتك المساجد فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يقول: «المسجد بيت كل تقي و قد ضمن اللّه لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح و الرحمة و الجواز على الصراط إلى رضوان اللّه تعالى» .

(كا) قال سعيد بن المسيب: عن عبد اللّه بن سلام: إن المساجد أوتاداً من الناس، و إن لهم جلساء من الملائكة، فإذا فقدوهم سألوا عنهم، و إن كانوا مرضى عادوهم، و إن كانوا في حاجة أعانوهم. (كب) ا

لحسن قال عليه السلام: «يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس للّه فيهم حاجة» .

(كج)

أبو هريرة: قال عليه السلام: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة و طعامهم نهبة، و غنيمتهم غلول، لا يقربون المساجد إلا هجراً و لا الصلاة إلا دبراً، لا يتألفون و لا يؤلفون، خشب بالليل سحب بالنهار» .

(كد)

أبو سعيد الخدري و أبو هريرة: قال عليه السلام: «سبعة يظلمهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، و شاب نشأ في عبادة اللّه، و رجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، و رجلان تحابا في اللّه اجتمعا على ذلك و تفرقا، و رجل ذكر اللّه خالياً ففاضت عيناه، و رجل دعته امرأة ذات حسن و جمال فقال إني أخاف اللّه، و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» .

هذا حديث أخرجه الشيخان في الصحيحين.

(كه)

عقبة بن عامر عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «من خرج من بيته إلى المسجد كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات، و القاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت و يكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته» .

(كو) روى عبد اللّه بن المبارك عن حكيم بن زريق بن الحكم، قال: سمعت سعيد بن المسيب و سأله أبي: أ حضور الجنازة أحب إليك أم القعود في المسجد؟قال: من صلى على جنازة فله قيراط، و من تبعها حتى تقبر فله قيراطان، و الجلوس في المسجد أحب إلى، تسبح اللّه و تهلل و تستغفر و الملائكة تقول: آمين اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإذا فعلت ذلك فقل: اللهم اغفر لسعيد بن المسيب.

الثالث: في تزيين المساجد. (أ)

ابن عباس: قال عليه الصلاة و السلام: «ما أمرت بتشييد المساجد» .

و المراد من التشييد رفع البناء و تطويله، و منه قوله تعالى: فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78]و هي التي يطول بناؤها. (ب) أمر عمر ببناء مسجد و قال للبناء: أكن الناس من المطر، و إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. (ج) روى أن عثمان رأى أثرجة من جص معلقة في المسجد، فأمر بها فقطعت. (د) قال أبو الدرداء: إذا حليتم مصاحفكم و زينتم مساجدكم فالدمار عليكم. (هـ-)

قال أبو قلابة: غدونا مع أنس بن مالك إلى/الزواية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد؟فقال بعض القوم: حتى نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: أي مسجد، قالوا: مسجد أحدث الآن، فقال أنس: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم قال: «سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد و لا يعمرونها إلا قليلاً» .

الرابع: في تحية المسجد،

في الصحيحين عن أبي قتادة السلمي أنه عليه الصلاة و السلام قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» ،

و اعلم أن القول بذلك مذهب الحسن البصري و مكحول و قول الشافعي و أحمد و إسحاق، و ذهب قوم إلى أنه يجلس و لا يصلى، و إليه ذهب ابن سيرين و عطاء بن أبي رباح و النخعي و قتادة، و به قال مالك و الثوري و أصحاب الرأي. الخامس: فيما يقول إذا دخل المسجد،

روت فاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم عن أبيها، قالت: «كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم إذا دخل المسجد صلى على محمد و سلم و قال: رب اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب رحمتك، و إذا خرج صلى على محمد و سلم‏

16

و قال قال: رب اغفر لي ذنوبي و افتح لي أبواب فضلك» .

السادس: في فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة. (أ)

أبو هريرة: قال عليه الصلاة و السلام: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث» .

و

روى أن عثمان بن مظعون أتى النبي عليه الصلاة و السلام فقال: ائذن لي في الاختصاء، فقال عليه الصلاة و السلام: «ليس منا من خصى أو أختصي إن خصاء أمتي الصيام» . فقال: يا رسول اللّه ائذن لي في السياحة، فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه» ، فقال: يا رسول اللّه ائذن لي في التراهب، فقال: «إن ترهب أمتى الجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة» .

السابع: في كراهية البيع و الشراء في المسجد،

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة و السلام نهى عن تناشد الأشعار في المساجد، و عن البيع و الشراء فيه، و عن أن يتحلق الناس في المساجد يوم الجمعة قبل الصلاة،

و اعلم أنه كره قوم من أهل العلم البيع و الشراء في المسجد و به يقول أحمد و إسحاق و عطاء بن يسار، و كان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة، و كان لسالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم رحبة إلى جنب المسجد سماها البطحاء، و قال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوتاً فليخرج إلى هذه الرحبة، و اعلم أن الحديث الذي رويناه يدل على كراهية التحلق و الاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم، بل يشتغل بالذكر و الصلاة و الإنصات للخطبة، ثم لا بأس بالاجتماع و التحلق بعد الصلاة، و أما طلب الضالة في المسجد، و رفع الصوت بغير الذكر، فمكروه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها اللّه عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا، و

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أيضاً أنه عليه الصلاة و السلام قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح اللّه تجارتك» ،

قال أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه: و يدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس، و اقتضاء حقوقهم، و قد كره بعض/السلف المسألة في المسجد، و كان بعضهم يرى أن لا يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، و ورد النهي عن إقامة الحدود في المساجد، قال عمر

فيمن لزمه حد: أخرجاه من المسجد، و يذكر عن علي رضي اللّه عنه مثله،

و قال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن يقام فيها الحدود أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار أو ينشد فيها الضالة أو تتخذ سوقاً، و لم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً، لأن النبي عليه الصلاة و السلام لاعن بين العجلاني و امرأته في المسجد و لاعن عمر عند منبر النبي صلى اللّه عليه و سلّم و قضى شريح و الشعبي و يحيى بن يعمر في المسجد و كان الحسن و زرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد. الثامن: في النوم في المسجد

في الصحيحين: عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى‏

و عن ابن شهاب قال: كان ذلك من عمر و عثمان و فيه دليل على جواز الاتكاء و الاضطجاع و أنواع الاستراحة في المسجد مثل جوازها في البيت، إلا الانبطاح فإنه عليه الصلاة و السلام نهى عنه و

قال: أنها ضجعة يبغضها اللّه،

و عن نافع أن عبد اللّه كان شاباً أعزب لا أهل له فكان ينام في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم و رخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد، و قال ابن عباس: لا تتخذوه مبيتاً أو مقيلاً. التاسع: في كراهية البزاق في المسجد

عن أنس عن النبي عليه الصلاة و السلام قال: «البزاق في المسجد خطيئة و كفارتها دفنها» ،

و

في الصحيح عن أبي ذر قال عليه الصلاة و السلام: «عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها و سيئها فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، و وجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن»

و

في الحديث: «إن المسجد لينزوي

17

من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار» ،

أي ينضم و ينقبض، فقال بعضهم: المراد أن كونه مسجداً يقتضي التعظيم و إلقاء النخامة يقتضي التحقير، و بينهما منافاة، فعبر عليه الصلاة و السلام عن تلك المنافاة

بقوله: لينزوي،

و قال آخرون: أراد أهل المسجد و هم الملائكة، و

في الصحيحين عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي اللّه ما دام في مصلاه، و لا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، و لكن ليبصق عن شماله أو تحت رجليه فيدفنه» .

و

عن أنس أنه عليه الصلاة و السلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده و قال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه فلا يبزقن أحدكم في قبلته و لكن عن يساره أو تحت قدمه قال: ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض و قال: يفعل هكذا» أخرجه البخاري في صحيحه.

العاشر: في الثوم و البصل:

في الصحيحين عن أنس و ابن عمر و جابر قال عليه الصلاة و السلام: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس» ،

و

عن جابر أنه عليه الصلاة و السلام قال: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا»

و

أن النبي عليه الصلاة و السلام أتى بقدر فيه خضر فوجد لها ريحاً، فسأل فأخبر بما فيه من البقول، فقال: «قربوها إلى بعض من كان حاضراً، و قال/له كل فإني أناجي من لا تناجي» أخرجاه في الصحيحين.

الحادي عشر: في المساجد في الدور،

عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم ببناء المسجد في الدور، و أن ينظف و يطيب،

أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في المسجد و معه أصحابه إذ جاء أعرابي فبال في المسجد، فقال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: مه مه، فقال عليه الصلاة و السلام: «لا تزرموه» ، ثم دعاه فقال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشي‏ء من العذرة و البول و الخلاء، إنما هي لقراءة القرآن و ذكر اللّه و الصلاة» ، ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم بدلو من ماء فصبوا عليه.

المسألة الثانية: اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة مطلقا، و أباه مالك مطلقا، و قال الشافعي رضي اللّه عنه: يمنع من دخول الحرم و المسجد الحرام، احتج الشافعي بوجوه. أولها: قوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاََ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا [التوبة: 28]قال الشافعي: قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرى‏ََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [الإسراء: 1]و إنما أسرى به من بيت خديجة. فالآية دالة إما على المسجد فقط، أو على الحرم كله، و على التقديرين فالمقصود حاصل، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعا، فإن قيل: المراد به الحج و لهذا قال: بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة، قلنا: هذا ضعيف لوجوه. أحدها: إنه ترك للظاهر من غير موجب. الثاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، و هذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم، و ذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام. الثالث: أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج و هو عرفة. الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: 28]فأراد به الدخول للتجارة. و ثانيها: قوله تعالى: أُولََئِكَ مََا كََانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهََا إِلاََّ خََائِفِينَ و هذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد، و أنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس، أو بمن منع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم من‏

18

العبادة في الكعبة، و أيضا فقوله: مََا كََانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهََا إِلاََّ خََائِفِينَ ليس المراد منه خوف الإخراج، بل خوف الجزية و الإخراج، قلنا: الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اَللََّهِ ظاهر في العموم، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر. و عن الثاني: أن الظاهر قوله: مََا كََانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهََا إِلاََّ خََائِفِينَ يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول، و على ما يقولونه لا يكون الخوف متولدا من الدخول بل من شي‏ء آخر، فسقط كلامهم. و ثالثها: قوله تعالى: مََا كََانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسََاجِدَ اَللََّهِ شََاهِدِينَ عَلى‏ََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: 17]و عمارتها تكون بوجهين. أحدهما: بناؤها و إصلاحها. و الثاني:

حضورها و لزومها، كما تقول: فلان يعمر/مسجد فلان أي يحضره و يلزمه و

قال النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان» ،

و ذلك لقوله تعالى: إِنَّمََا يَعْمُرُ مَسََاجِدَ اَللََّهِ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ [التوبة: 18]، فجعل حضور المساجد عمارة لها. و رابعها: أن الحرم واجب التعظيم‏

لقوله عليه الصلاة و السلام في الدعاء: «اللهم زد هذا البيت تشريفاً و تعظيماً و مهابة»

فصونه عما يوجب تحقيره واجب و تمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به و أقدموا على تلويثه و تنجيسه. و خامسها: أن اللّه تعالى أمر بتطهير البيت في قوله: وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطََّائِفِينَ [الحج: 26]و المشرك نجس لقوله تعالى؛ إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28]و التطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجباً. و سادسها: أجمعنا على أن الجنب يمنع منه، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك و هو أن يمنع عن كل المساجد و احتج أبو حنيفة رحمه اللّه بأمور، الأول:

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد.

الثاني:

قوله عليه الصلاة و السلام: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن و من دخل الكعبة فهو آمن»

و هذا يقتضي إباحة الدخول. الثالث: الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم، و الجواب عن الحديثين الأولين: أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية، و عن القياس أن المسجد الحرام أجل قدراً من سائر المساجد فظهر الفرق و اللّه أعلم.

اعلم أن في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة و منهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة، أما القول الأول‏ أي نزلت في أمر يختص بالصلاة فهو أقوى لوجهين، أحدها: أنه هو المروي عن كافة الصحابة و التابعين و قولهم حجة. و ثانيهما: أن ظاهر قوله: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة، و لهذا لا يعقل من قوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ* [البقرة: 144]إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول: القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه:

أحدها: أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق و المغرب و جميع الجهات و الأطراف كلها مملوكة له سبحانه و مخلوقة له، فأينما أمركم اللّه باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن اللّه جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد و هو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى‏

19

جانب آخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة. و ثانيها: أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية/رداً عليهم و هو قول ابن عباس و هو نظير قوله: قُلْ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 142]. و ثالثها: قول أبي مسلم و هو أن اليهود و النصارى كل واحد منهم قال: إن الجنة له لا لغيره، فرد اللّه عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن اللّه تعالى صعد السماء من الصخرة و النصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى اللّه ذلك في قوله تعالى: وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ مَرْيَمَ إِذِ اِنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهََا مَكََاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16]فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن و من كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة و هم لا يفرقون بين المخلوق و الخالق. و رابعها: قال بعضهم: إن اللّه تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى اللّه عليه و سلّم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة، و هو قول قتادة و ابن زيد. و خامسها: أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء و أراد. و سادسها: ما

روى عبد اللّه بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية

و هذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس. و سابعها:

أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته. و

عن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر. و كان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة،

فمعنى الآية: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا وجوهكم لنوافلكم في اسفاركم: فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ فقد صادفتم المطلوب: إِنَّ اَللََّهَ وََاسِعٌ الفضل غني، فمن سعة فضله و غناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين، اما ترك النوافل، و إما النزول عن الراحلة و التخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها و استقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل، فإنها غير محصورة فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج. فإن قيل: فأى هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب. قلنا: إن قوله: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ مشعر بالتخيير و التخيير لا يثبت إلا في صورتين أحدهما: في التطوع على الراحلة. و ثانيهما: في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير و قول من يقول: إن اللّه تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية، و هم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم، بل لأنه أفضل و أولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصاً في الشريعة و لو كان الأمر كما قالوا: لم يثبت/ذلك الاختصاص و أيضاً فكان يجب أن يقال: إن بيت المقدس صار منسوخاً بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث و الرابع، و أما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا: إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى اللّه عليه و سلّم و صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت و التوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، و بين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه‏

20

اللّه، قالوا: و حمل الكلام على هذا الوجه أولى، لأنه يعم كل مصل، و إذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولاً على التطوع دون الفرض، و على السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، و إذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص، و أقصى ما في الباب أن يقال: إن على هذا التأويل لا بد أيضا من ضرب تقييد و هو أن يقال: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا من الجهات المأمور بها: فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ إلا أن هذا الإضمار لا بد منه على كل حال، لأنه من المحال أن يقول تعالى: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا بحسب ميل أنفسكم فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه، و إذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير و نظيره: إذا أقبل أحدنا على ولده و قد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له: كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير، و لا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا هاهنا.

القول الثاني: و هو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضا وجوه: أولها: أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي و سعوا في خرابها أولئك لهم كذا و كذا، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني و عن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم، و قدرتي تسبقهم و أنا عليم بهم، لا يخفى على مكانهم و في ذلك تحذير من المعاصي و زجر عن ارتكابها، و قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ وََاسِعٌ عَلِيمٌ نظير قوله: إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ [الرحمن: 33]فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، و هو نظير: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ [الحديد: 4]و قوله: مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوى‏ََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ [المجادلة: 7]و قوله: رَبَّنََا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً [غافر: 7]و قوله: وَسِعَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً [طه: 98]أي عم كل شي‏ء بعلمه و تدبيره و إحاطته به و علوه عليه. و ثانيها:

قال قتادة: إن النبي عليه السلام قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم»

فنزل قوله تعالى:

وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خََاشِعِينَ لِلََّهِ لاََ يَشْتَرُونَ بِآيََاتِ اَللََّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولََئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اَللََّهَ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ [آل عمران: 199]فقالوا: إنه كان يصلي إلى غير القبلة، فأنزل اللّه تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ و معناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق و غرب و ما بينهما، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شي‏ء منها بأمر يريدني و يبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي و أصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق و هو نحو قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُضِيعَ إِيمََانَكُمْ [البقرة: 143]. و ثالثها: لما نزل قوله تعالى: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]قالوا: أين ندعوه فنزلت هذه الآية، و هو قول الحسن و مجاهد و الضحاك. و رابعها: أنه خطاب للمسلمين، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد اللّه عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق و المغرب و الجهات كلها، و هو قول علي بن عيسى. و خامسها: من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها، و المراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب.

المسألة الثانية: إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد، فالآية منسوخة و إن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة، و إن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة و لا منسوخة.

21

المسألة الثالثة: اللام في قوله تعالى: وَ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ لام الاختصاص أي هو خالقهما و مالكهما، و هو كقوله: رَبُّ اَلْمَشْرِقَيْنِ وَ رَبُّ اَلْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: 17]و قوله: بِرَبِّ اَلْمَشََارِقِ وَ اَلْمَغََارِبِ [المعارج: 40]، و رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ* [المزمل: 9]ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات، كما قال: ثُمَّ اِسْتَوى‏ََ إِلَى اَلسَّمََاءِ وَ هِيَ دُخََانٌ فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11].

المسألة الرابعة: الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم و إثبات التنزيه، و بيانه من وجهين، الأول: أنه تعالى قال: وَ لِلََّهِ اَلْمَشْرِقُ وَ اَلْمَغْرِبُ فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له و إنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً و عرضاً و عمقاً، و كل ما كان كذلك فهو منقسم، و كل منقسم فهو مؤلف مركب، و كل ما كان كذلك فلا بد له من خالق و موجد، و هذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق و التحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، و الخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات و الأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق و الماهيات.

الوجه الثاني: أنه تعالى قال: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ و لو كان اللّه تعالى جسماً و له وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ فلما نص اللّه تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية و احتج الخصم بالآية من وجهين، الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه للّه تعالى و الوجه لا يحصل إلا لمن كان جسماً. الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً، و السعة من صفة الأجسام. و الجواب عن الأول: أن الوجه و إن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه هاهنا على العضو لكذب قوله تعالى: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضا، فإذن لا بد فيه من التأويل و هو من وجوه. الأول: أن إضافة وجه اللّه كإضافة بيت اللّه و ناقة اللّه، و المراد منها الإضافة بالخلق و الإيجاد على سبيل التشريف، فقوله:

فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ أي: فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق و المغرب له بوجهيهما، و المقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها/فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق و الإيجاد نصبه و عينه فهو قبلة. الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد و النية قال الشاعر:

أستغفر اللّه ذنباً لست أحصيه # رب العباد إليه الوجه و العمل‏

و نظيره قوله تعالى: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ [الأنعام: 79]. الثالث: أن يكون المراد منه فثم مرضاة اللّه، و نظيره قوله تعالى: إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ [الإنسان: 9]يعني لرضوان اللّه، و قوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ [القصص: 88]يعني ما كان لرضا اللّه، و وجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه و قدامه، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه. الرابع: أن الوجه صلة كقوله: كُلُّ شَيْ‏ءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ و يقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره، إنما يريدون به أنه من هاهنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، و اعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل: فما معنى قوله تعالى: فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد: فثم قبلته التي يعبد بها، أو ثم رحمته و نعمته‏

22

و طريق ثوابه و التماس مرضاته. و الجواب عن الثاني: و هو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره و إلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق، بل لا بد و أن يحمل على السعة في القدرة و الملك، أو على أنه واسع العطاء و الرحمة، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه، و لعل هذا الوجه بالكلام أليق، و لا يجوز حمله على السعة في العلم، و إلا لكان ذكر العليم بعده تكرارا، فأما قوله: عَلِيمٌ في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي و ما يعلن، و ما يخفى على اللّه من شي‏ء، فيكون متحذراً عن التساهل، و يحتمل أن يكون قوله تعالى: وََاسِعٌ عَلِيمٌ أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها، و توفية عقاب من يتكاسل عنها.

المسألة الخامسة: ولى إذا أقبل، و ولى إذا أدبر، و هو من الأضداد و معناه هاهنا الإقبال، و قرأ الحسن:

فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا بفتح التاء من التولي، يريد فأينما توجهوا القبلة.

اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود و النصارى و المشركين، في قوله تعالى و قالوا اتخذ اللّه ولداً سبحانه بل له ما في السموات و الأرض كل له قانتون‏ و اعلم أن الظاهر قوله تعالى: وَ قََالُوا اِتَّخَذَ اَللََّهُ وَلَداً أن يكون راجعاً إلى قوله: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسََاجِدَ اَللََّهِ [البقرة: 114] و قد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى، و منهم من تأوله على مشركي العرب، و نحن قد تأولناه على اليهود و كل هؤلاء أثبتوا الولد للّه تعالى، لأن اليهود قالوا: عزير ابن اللّه، و النصارى قالوا: المسيح ابن اللّه، و مشركو العرب قالوا: الملائكة بنات اللّه فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، و كعب بن أسد، و وهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيراً ابن اللّه، أما قوله تعالى: سُبْحََانَهُ فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه، كما قال تعالى في موضع آخر: سُبْحََانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: 171]فمرة أظهره، و مرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه، و احتج على هذا التنزيه بقوله: بَلْ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و وجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه. الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، و كل ممكن لذاته محدث، و كل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، و المخلوق لا يكون ولدا، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود، و لامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين، و ما به المشاركة، غير ما به الممايزة، و يلزم تركب كل واحد منهما من قيدين، و كل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، و كل واحد من أجزائه من غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، و كل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته، و هذا خلف، ثم نقول: إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه، و يقضى إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية، و ذلك محال، و مع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت، فالبسيط مركب هذا خلف، و إن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته، و كل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، و تأثير ذلك

23

المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث، و إن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه، و الأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني و ذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثاً فثبت أن كل ما سوى اللّه محدث مسبوق بالعدم و أن وجوده إنما حصل بخلق اللّه تعالى و إيجاده و إبداعه، فثبت أن كلما سواه فهو عبده و ملكه فيستحل أن يكون شي‏ء مما سواه ولداً له، و هذا البرهان إنما استفدناه من قوله: بَلْ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أي له كل ما سواه على سبيل الملك و الخلق و الإيجاد و الإبداع. و الثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً و الآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل/و إن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم و عبداً له فلا يكون ولداً له. الثالث: أن الولد لا بد و أن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، و ممتازاً عنه من وجه آخر، و ذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركباً و محدثاً و ذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة. الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر و رجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر و العجز و الحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه و تعالى محالاً، و اعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، و احتج عليهم بهذه الحجة و هي أن كل من في السموات و الأرض عبد له، و بأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، و قال في مريم: ذََلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اَلْحَقِّ اَلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ*`مََا كََانَ لِلََّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحََانَهُ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم: 34، 35]و قال أيضاً في آخر هذه السورة: وَ قََالُوا اِتَّخَذَ اَلرَّحْمََنُ وَلَداً*`لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا*`تَكََادُ اَلسَّمََاوََاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبََالُ هَدًّا*`أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمََنِ وَلَداً*`وَ مََا يَنْبَغِي لِلرَّحْمََنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً*`إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاََّ آتِي اَلرَّحْمََنِ عَبْداً [مريم: 88-93]فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات و الأرض، و في سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات و الأرض على ما قال: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاََّ آتِي اَلرَّحْمََنِ عَبْداً قلنا: قوله تعالى في هذه السورة: بَلْ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ أتم، لأن كلمة «ما» تتناول جميع الأشياء، و أما قوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ [الروم: 26]ففيه مسائل:

المسألة الأولى: القنوت: أصله الدوام، ثم يستعمل على أربعة أوجه: الطاعة، كقوله تعالى: يََا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ [آل عمران: 43]و طول القيام،

كقوله عليه السلام لما سئل: أي الصلاة أفضل؟قال: «طول القنوت»

و بمعنى السكوت، كما قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: وَ قُومُوا لِلََّهِ قََانِتِينَ [البقرة: 238]فأمسكنا عن الكلام، و يكون بمعنى الدوام، إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: كُلٌّ لَهُ قََانِتُونَ أي كل ما في السموات و الأرض قانتون مطيعون، و التنوين في كل عوض عن المضاف إليه و هو قول مجاهد و ابن عباس، فقيل لهؤلاء الكفار: ليسوا مطيعين، فعند هذا قال آخرون: المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة، و هو قول السدى، فقيل لهؤلاء: هذه صفة المكلفين، و قوله: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر. الأول: بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة و أمارات الحدوث و الدلالة على الربوبية. الثاني: كون جميعها في ملكه و قهره يتصرف‏

24

فيها كيف يشاء، و هو قول أبي مسلم، و على هذين الوجهين الآية عامة. الثالث: أراد به الملائكة و عزيزاً و المسيح، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له،

يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى: لو لا تمرد عيسى عن عبادة اللّه لصرت على دينه، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى/عيسى مع جده في طاعة اللّه، فقال علي رضي اللّه عنه: فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة، فانقطع النصراني.

المسألة الثانية: لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات و بقاءها به سبحانه و لأجله و هذا يقتضي أن العالم حال بقائه و استمراره محتاج إليه سبحانه و تعالى، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا محال حدوثه و لا حال بقائه.

المسألة الثالثة: يقال كيف جاء بما الذي لغير أولى العلم مع قوله: قََانِتُونَ جوابه: كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم.

أما قوله تعالى: بَدِيعُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: البديع و المبدع بمعنى واحد. قال القفال: و هو مثل أليم بمعنى مؤلم و حكيم بمعنى محكم، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه و أنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة: سامع و سميع و قد يجي‏ء بديع بمعنى مبدع، و الإبداع الإنشاء و نقيض الإبداع الاختراع على مثال و لهذا السبب فإن الناس يسمعون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً.

المسألة الثانية: اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال: بَلْ لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات و الأرض‏ في قوله تعالى وَ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات و الأرض، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشي‏ء فقال: وَ إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعض الأدباء: القضاء مصدر في الأصل سمي به و لهذا جمع على أقضيه كغطاء و أغطية، و في معناه القضية، و جمعها القضايا و وزنه فعال من تركيب «ق ض ى» و أصله «قضاي» إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظا، و من نظائره المضاء و الإتاء، من مضيت و أتيت و السقاء، و الشفاء، من سقيت و شفيت، و الدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول: قضيت و قضينا، و قضيت إلى قضيتن، و قضيا و قضين، و هما يقضيان، و هي و أنت تقضي، و المرأتان و أنتما تقضيان، و هن يقضين، و أما أنت تقضين، فالياء فيه ضمير المخاطبة، و أما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من ذلك قولهم، قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم، لأنه فصل للدعوى، و لهذا قيل: حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات و حكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها، و قولهم انقضى الشي‏ء إذا تم و انقطع، و قولهم: قضى حاجته، معناه قطعها عن المحتاج و دفعها عنه و قضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي و الاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه، /و قولهم: قضى الأمر، إذا أتمه و أحكمه، و منه قوله تعالى: فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ [فصلت: 12]و هو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له و فراغاً منه، و منه:

25

درع قضاء من قضاها إذا أحكمها و أتم صنعها، و أما قولهم؛ قضى المريض و قضى نحبه إذا مات، و قضى عليه:

قتله فمجاز مما ذكر و الجامع بينهما ظاهر، و أما تقضي البازي فليس من هذا التركيب، و مما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه و هو القيض و الضيق، أما الأول فيقال: قاضه فانقاض، أي شقه فانشق، و منه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى، و انقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم، و القطع و الشق و الفلق و الهدم متقاربة، و أما الضيق و ما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة، و ذلك أن الشي‏ء إذا قطع ضاق أو على العكس، و مما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع، فأولها: قضبه إذا قطعه، و منه القضبة المرطبة، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر، و القضيب: الغصن، فعيل بمعنى مفعول، و المقضب ما يقضب به كالمنجل. و ثانيها: القضم و هو الأكل بأطراف الأسنان، لأن فيه قطعاً للمأكول، و سيف قضيم: في طرفه تكسر و تفلل. و ثالثها: القضف و هو الدقة، يقال رجل قضيف، أي: نحيف، لأن القلة من مسببات القطع. و رابعها: القضاة فعلة و هي الفساد، يقال قضئت القربة إذا عفيت و فسدت و في حسبه قضأة أي عيب، و هذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة.

المسألة الثانية: في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا: أنه يستعمل على وجوه. أحدها: بمعنى الخلق، قوله تعالى: فَقَضََاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ يعني خلقهن. و ثانيها: بمعنى الأمر قال تعالى: وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ [الإسراء: 23]. و ثالثها: بمعنى الحكم، و لهذا يقال للحاكم: القاضي. و رابعها: بمعنى الإخبار، قال تعالى: وَ قَضَيْنََا إِلى‏ََ بَنِي إِسْرََائِيلَ فِي اَلْكِتََابِ [الإسراء: 4]أي أخبرناهم، و هذا يأتي مقروناً بإلى.

و خامسها: أن يأتي بمعنى الفراغ من الشي‏ء قال تعالى: فَلَمََّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى‏ََ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف: 29] يعني لما فرغ من ذلك، و قال تعالى: وَ قُضِيَ اَلْأَمْرُ وَ اِسْتَوَتْ عَلَى اَلْجُودِيِّ [هود: 44]يعني فرغ من إهلاك الكفار و قال: لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج: 29]بمعنى ليفرغوا منه، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: إِذََا قَضى‏ََ أَمْراً [آل عمران: 47]قيل: إذا خلق شيئاً، و قيل: حكم بأنه يفعل شيئاً، و قيل: أحكم أمراً، قال الشاعر:

و عليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع‏

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، و هل هو حقيقة في الفعل و الشأن الحق؟نعم و هو المراد بالأمر هاهنا، و بسط القول فيه مذكور في أصول الفقه.

المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 47]بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين:

في أول آل عمران: كُنْ فَيَكُونُ*`اَلْحَقُّ [آل عمران: 59، 60]و في الأنعام: كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ اَلْحَقُّ [الأنعام: 73]فإنه رفعهما، و عن الكسائي بالنصب في النحل و يس و بالرفع في سائر القرآن، و الباقون بالرفع في كل القرآن، أما النصب فعلى جواب الأمر، و قيل هو بعيد، و الرفع على الاستئناف أي فهو يكون.

المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 47] هو أنه تعالى يقول له: كُنْ فحينئذ يتكون ذلك الشي‏ء فإن ذلك فاسد و الذي يدل عليه وجوه. الأول: أن قوله: كُنْ فَيَكُونُ إما أن يكون قديماً أو محدثاً و القسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على كُنْ إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه. الأول: أن كلمة كُنْ لفظة مركبة من الكاف و النون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد و أن يكون محدثاً، و الكاف لكونه متقدماً على‏

26

المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً. الثاني: أن كلمة إِذََا لا تدخل إلا على سبيل الاستقبال، فذلك القضاء لا بد و أن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف إِذََا و قوله كُنْ مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال: فَإِنَّمََا يَقُولُ لَهُ كُنْ و المتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون: كُنْ قديما. الثالث:

أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله: كُنْ بفاء التعقيب فيكون قوله: كُنْ مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد و المتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد و أن يكون محدثاً فقوله: كُنْ لا يجوز أن يكون قديماً، و لا جائز أيضاً أن يكون قوله: كُنْ محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: كُنْ و قوله: كُنْ أيضاً محدث فيلزم افتقار: كُنْ آخر و يلزم إما التسلسل و إما الدور و هما محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله: كُنْ .

الحجة الثانية: أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود، و الأول: باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه، و الثاني: أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً و ذلك أيضاً لا فائدة فيه.

الحجة الثالثة: أن المخلوق قد يكون جماداً، و تكليف الجماد عبث و لا يليق بالحكيم.

الحجة الرابعة: أن القادر هو الذي يصح منه الفعل و تركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله: كُنْ فإما أن يتمكن من الإيجاد و الأحداث أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله: كُنْ و إن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن و ذلك نزاع في اللفظ.

الحجة الخامسة: أن كُنْ لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، و لما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة.

الحجة السادسة: أن كُنْ كلمة مركبة من الكاف و النون، بشرط كون الكاف متقدماً على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما، فإن كان الأول لم يكن لكلمة كُنْ أثر ألبتة، بل التأثير لأحد هذين الحرفين، و إن كان الثاني فهو محال، لأنه لا وجود لهذا المجموع ألبتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً، و حين جاء الثاني فقد فات الأول، و إن لم يكن للمجموع وجود ألبتة استحال أن يكون للمجموع أثر ألبتة.

الحجة السابعة: قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ََ عِنْدَ اَللََّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ قََالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: 59]بين أن قوله: كُنْ متأخر عن خلقه إذا المتأخر عن الشي‏ء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله: كُنْ في وجود الشي‏ء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، و إذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل و هو من وجوه:

الأول: و هو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة اللّه في تكوين الأشياء، و أنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة و معاناة و تجربة و نظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات و الأرض: فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ [فصلت: 11]من غير قول كان منهما لكن على سبيل سرعة نفاذ قدرته في‏

27

تكوينهما من غير ممانعة و مدافعة و نظيره قول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني؟قال: سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي و نظيره قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لََكِنْ لاََ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44]. الثاني: أنه علامة يفعلها اللّه تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل. الثالث: أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم؛ كُونُوا قِرَدَةً خََاسِئِينَ* [البقرة: 65]و من جرى مجراهم و هو قول الأصم. الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت و للموتى بالحياة و الكل ضعيف و القوي هو الأول.

اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود و النصارى و المشركين، ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ما حكي عن اليهود و النصارى و المشركين في قدح النبوة أن اللّه تعالى لما حكى عن اليهود و النصارى و المشركين ما يقدح في التوحيد و هو أنه تعالى اتخذ الولد، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة، و قال أكثر المفسرين؛ هؤلاء هم مشركو العرب و الدليل عليه قوله تعالى: وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90]و قالوا: فَلْيَأْتِنََا بِآيَةٍ كَمََا أُرْسِلَ اَلْأَوَّلُونَ [الأنبياء: 5]، و قالوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْنَا اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ نَرى‏ََ رَبَّنََا [الفرقان: 21]هذا قول أكثر المفسرين، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك، و الدليل عليه قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ [النساء: 153]فإن قيل: الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون، و أهل الكتاب أهل العلم، قلنا: المراد أنهم لا يعلمون التوحيد و النبوة كما ينبغي، و أهل الكتاب كانوا كذلك.

المسألة الثانية: تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شي‏ء فلا بد/و أن يختار أقرب الطرق المفضية إليه و أبعدها عن الشكوك و الشبهات، إذا ثبت هذا فنقول: إن اللّه تعالى يكلم الملائكة و كلم موسى و أنت تقول: يا محمد، إنه كلمك و الدليل عليه قوله تعالى: فَأَوْحى‏ََ إِلى‏ََ عَبْدِهِ مََا أَوْحى‏ََ [النجم: 10]فلم لا يكلمنا مشافهة و لا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد و تزول الشبهة و أيضاً فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية و معجزة و هذا منهم طعن في كون القرآن آية و معجزة، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا: هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: كَذََلِكَ قََالَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشََابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا اَلْآيََاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، و حاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى اللّه عليه و سلّم بالمعجزات، و بينا صحة قوله بالآيات و هي القرآن و سائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت و إذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه. الأول: أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها و طلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد و اللجاج، فلم تكن إجابتها واجبة و نظيره قوله تعالى: وَ قََالُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيََاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا اَلْآيََاتُ عِنْدَ اَللََّهِ وَ إِنَّمََا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ*`أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنََّا أَنْزَلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ يُتْلى‏ََ عَلَيْهِمْ [العنكبوت: 50، 51]فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية. و ثانيها: لو كان في معلوم اللّه تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها، و لكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم‏

28

يفعل ذلك و لذلك قال تعالى: وَ لَوْ عَلِمَ اَللََّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23]. و ثالثها: إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد و ربما أوجب حصولها هلاكهم و استئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب و ربما كان بعضها منتهياً إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، و ربما كانت كثرتها و تعاقبها يقدح في كونها معجزة، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً و كل ذلك أمور لا يعلمها إلا اللّه علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة.

أما قوله تعالى: تَشََابَهَتْ قُلُوبُهُمْ فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم و أفعالهم، فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت و اقتراح الأباطيل، كقولهم: لَنْ نَصْبِرَ عَلى‏ََ طَعََامٍ وََاحِدٍ [البقرة: 61]و قولهم:

اِجْعَلْ لَنََا إِلََهاً كَمََا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138]و قولهم: أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً [البقرة: 67]و قولهم: أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً [النساء: 153]فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد و اللجاج و طلب الباطل.

أما قوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا اَلْآيََاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فالمراد أن القرآن و غيره من المعجزات كمجي‏ء الشجرة و كلام الذئب، و إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، و معجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين.

اعلم أن القوم لما أصروا على العناد و اللجاج الباطل و اقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه و سلّم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة و كما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ و التنبيه لكي لا يكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم و في قوله: بِالْحَقِّ وجوه.

أحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالاً بالحق. و ثانيها: أنه متعلق بالبشير و النذير أي أنت مبشر بالحق و منذر به. و ثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين و القرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيراً لمن أطاع اللّه بالثواب و نذيراً لمن كفر بالعقاب، و الأولى أن يكون البشير و النذير صفة للرسول صلى اللّه عليه و سلّم فكأنه تعالى قال:

إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشراً لمن اتبعك و اهتدى بدينك و منذراً لمن كفر بك و ضل عن دينك.

أما قوله تعالى: وَ لاََ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحََابِ اَلْجَحِيمِ ففيه قراءتان:

الجمهور برفع التاء و اللام على الخبر، و أما نافع فبالجزم و فتح التاء على النهي.

أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه. أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك و لست بمسؤول عن ذلك و هو كقوله: فَإِنَّمََا عَلَيْكَ اَلْبَلاََغُ وَ عَلَيْنَا اَلْحِسََابُ [الرعد: 40]، و قوله: عَلَيْهِ مََا حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ مََا حُمِّلْتُمْ [النور: 54]. و الثاني: أنك هاد و ليس لك من الأمر شي‏ء، فلا تأسف و لا تغتم لكفرهم و مصيرهم إلى العذاب و نظيره قوله: فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ [فاطر: 8]. الثالث: لا تنظر إلى المطيع و العاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، و في الآية دلالة على أن أحداً لا يسأل عن ذنب غيره و لا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريباً أو كان بعيداً.

أما القراءة الثانية ففيها وجهان، الأول:

روي أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟

فنهي عن السؤال عن

29

الكفرة و هذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة و السلام كان عالماً بكفرهم‏ (1) ، و كان عالماً بأن الكافر معذب، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول: ليت شعري ما فعل أبواي. و الثاني: معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك: لا تسأل عنه، و وجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجرى على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله و لا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع و إضجاره، فلا تسأل، و القراءة الأولى يعضدها قراءة أبي: و ما تسأل و قراءة عبد اللّه و لن تسأل .

اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية و بين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم و أنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم و ثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم و لا يرضون منه بالكتاب، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول و شرح ما يوجب اليأس من موافقتهم و الملة هي الدين ثم قال: قُلْ إِنَّ هُدَى اَللََّهِ هُوَ اَلْهُدى‏ََ بمعنى أن هدى اللّه هو الذي يهدي إلى الإسلام و هو الهدي الحق و الذي يصلح أن يسمى هدى و هو الهدى كله ليس وراءه هدى، و ما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ أي أقوالهم التي هي أهواء و بدع، بَعْدَ اَلَّذِي جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة. مََا لَكَ مِنَ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ أي معين يعصمك و يذب عنك، بل اللّه يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة و الاعتصام بحبله قالوا: الآية تدل على أمور منها أن الذي علم اللّه منه أنه لا يفعل الشي‏ء يجوز منه أن يتوعده على فعله، فإن في هذه الصورة علم اللّه أنه لا يتبع أهواءهم و مع ذلك فقد توعده عليه و نظيره قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]و إنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه. و ثانيها: أن قوله: بَعْدَ اَلَّذِي جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة و إذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق. و ثالثها: فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلاً، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد. و رابعها: فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعاً و نصيراً لكان الرسول أحق بذلك و هذا ضعيف، لأن اتباع أهوائهم كفر، و عندنا لا شفاعة في الكفر.

/المسألة الأولى: اَلَّذِينَ موضعه رفع بالابتداء. و أُولََئِكَ ابتداء ثان و يُؤْمِنُونَ بِهِ خبره.

____________

(1) قوله: «كان عالماً بكفرهم إلخ» هذا كلام تقشعر منه جلود المؤمنين، و يرفضه من كان في عداد المسلمين، و هو خطأ صريح، و الصواب أن أصحاب الجحيم هم اليهود و النصارى المذكورون في الآيات السابقة، و هذا هو الموافق لنظم الكتاب الكريم، و هو ما رجحه الإمام أبو حيان في تفسيره، و توجد مؤلفات عدة لكثير من علماء المتقدمين و المتأخرين في نجاة الأبوين.

30

المسألة الثانية: المراد بقوله: اَلَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ اَلْكِتََابَ من هم فيه قولان:

القول الأول: أنهم المؤمنون الذين آتاهم اللّه القرآن و احتجوا عليه من وجوه. أحدها: أن قوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاََوَتِهِ حث و ترغيب في تلاوة هذا الكتاب، و مدح على تلك التلاوة، و الكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة و الإنجيل، فإن قراءتهما غير جائزة. و ثانيها: أن قوله تعالى: أُولََئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يدل على أن الإيمان مقصود عليهم، و لو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك. و ثالثها: قوله: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْخََاسِرُونَ و الكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن.

القول الثاني: أن المراد بالذين آتاهم الكتاب، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود، و الدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم و حكى عنهم سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بل تأمل التوراة و ترك تحريفها و عرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام.

أما قوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاََوَتِهِ فالتلاوة لها معنيان. أحدهما: القراءة. الثاني: الإتباع فعلاً، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً، قال اللّه تعالى: وَ اَلْقَمَرِ إِذََا تَلاََهََا [الشمس: 2]فالظاهر أنه يقع عليهما جميعا، و يصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشي‏ء منه، و كذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه، و الذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه. فأولها: أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال و حرام و غيرهما. و ثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته، و خشعوا إذا قرءوا القرآن في صلاتهم و خلواتهم. و ثالثها: أنهم عملوا بمحكمه و آمنوا بمتشابهه، و توقفوا فيما أشكل عليهم منه و فوضوه إلى اللّه سبحانه. و رابعها: يقرءونه كما أنزل اللّه، و لا يحرفون الكلم عن مواضعه، و لا يتأولونه على غير الحق. و خامسها: أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد، و هو تعظيمها، و الانقياد لها لفظاً و معنى، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام اللّه تعالى و اللّه أعلم.

أعلم أنه سبحانه و تعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم و أعمالهم و ختم هذا الفصل بما بدأ به و هو قوله: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إلى قوله: وَ لاََ هُمْ يُنْصَرُونَ شرع سبحانه هاهنا في نوع آخر من البيان و هو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام و كيفية أحواله، و الحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف و الملل، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده و من ساكني حرمه و خادمي بيته.

أما قوله تعالى وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ إلى قوله لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ و أهل الكتاب من اليهود و النصارى كانوا أيضاً

31

مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى اللّه سبحانه و تعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين و على اليهود و النصارى قبول قوله محمد صلى اللّه عليه و سلّم و الاعتراف بدينه و الانقياد لشرعه، و بيانه من وجوه:

أحدها: أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما و في بها و خرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة و الإمامة و هذا مما ينبه اليهود و النصارى و المشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا و الآخرة إلا بترك التمرد و العناد و الانقياد لحكم اللّه تعالى و تكاليفه. و ثانيها: أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال اللّه تعالى: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ فدل ذلك على أن منصب الإمامة و الرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج و التعصب للباطل و ثالثها: أن الحج من خصائص دين محمد صلى اللّه عليه و سلّم، فحكى اللّه تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود و النصارى في وجوب الانقياد لذلك. و رابعها: أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود و النصارى، فبين اللّه تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه و وجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم.

و خامسها: أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى اللّه تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن و ذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام و يوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء و ترك النظافة و من المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين اللّه تعالى/و هو النظر في الكواكب و القمر و الشمس و مناظرة عبدة الأوثان، ثم الانقياد لأحكام اللّه تعالى في ذبح الولد و الإلقاء في النار، و هذا يوجب على هؤلاء اليهود و النصارى و المشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك و يسلكوا طريقته في ترك الحسد و الحمية و كراهة الانقياد لمحمد صلى اللّه عليه و سلّم، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر اللّه تعالى قصة إبراهيم عليه السلام.

و اعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها، و بعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه اللّه بها، و نحن نأتي على تفسيرها إن شاء اللّه تعالى، و هذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف.

أما التكليف فقوله تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: العامل في إِذِ قال صاحب الكشاف: العامل في إِذِ إما مضمر نحو: و اذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت و كيت و إما قََالَ إِنِّي جََاعِلُكَ .

المسألة الثانية: أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى و التجربة و المحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف اللّه تعالى أمره و نهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار و الامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد، و قال هشام بن الحكم: إنه تعالى كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء و ماهياتها فقط، فأما حدوث تلك الماهيات و دخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها و احتج عليه بالآية و المعقول، أما الآية فهي هذه الآية، قال: إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده و يختبرهم و ذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ اَلصََّابِرِينَ [محمد: 31] و قال: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً* [هود: 7]و قال في هذه السورة بعد ذلك: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ اَلْخَوْفِ‏

32

وَ اَلْجُوعِ [البقرة: 155]و ذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله: فَقُولاََ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏ََ [طه: 44]و كلمة «لعل» للترجي و قال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21]فهذه الآيات و نظائرها دالة على أنه سبحانه و تعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها، أما العقل فدل على وجوه. أحدها: أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق و عن الخلق، و ذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة: أن ما علم اللّه تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشي‏ء و بلا وقوع ذلك الشي‏ء متضادان و الجمع بين الضدين محال، و كذلك ما علم اللّه أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع و بعضها ممتنع الوقوع، و لا قدرة ألبتة لا على الواجب و لا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى و عن الخلق و إنما قلنا: إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث و له مؤثر و ذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه، و أما/في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل و الترك، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه، و إن شئنا الترك قدرنا على الترك، فلو كان أحدهما واجباً و الآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة. و ثانيها: أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر، و لذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعليق الآخر، و لو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك، لأن الشي‏ء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه، و إذا ثبت هذا فنقول: لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات، لكان له تعالى علوم غير متناهية، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، و على التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة و ذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه، فالناقص متناه، و الزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة، و المتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال، فإن قيل: الموجود هو العلم، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان، قلنا: العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر و ذلك محال. و ثالثها:

أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها، هل يعلم اللّه عددها أو لا يعلم، فإن علم عددها فهي متناهية، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه، و إن لم يعلم اللّه تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل، و كلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي. و رابعها: أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، و كل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه، و كل ما خرج عنه فهو متناه، فإذن كل معلوم فهو متناه، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً. و خامسها: أن الشي‏ء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به و نسبة إليه و انتساب الشي‏ء إلى الشي‏ء يعتبر تحققه في نفسه، فإنه إذا لم يكن للشي‏ء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة، و الشي‏ء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً ألبتة، فاستحال كونه متعلق العلم، فإن قيل: يبطل هذا بالمحالات و المركبات قبل دخولها في الوجود فإنا نعلمها و إن لم يكن لها تعينات ألبتة، قلنا: هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا، و ليس جواباً عن كلامنا، و ذلك مما لا يزيل الشك، و الشبهة، قال هشام: فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها، و اعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه و تعالى‏

33

يعلم الجزئيات قبل وقوعها، و احتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة للّه تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها، و الوقوع يدل على الإمكان، و إنما قلنا: أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة للّه تعالى، لأن تعلق اللّه تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص، و ذلك/محال، فوجب أن لا يتعلق بشي‏ء من المعلومات أصلاً و إن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها و هو المطلوب أما الشبهة الأولى: فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع، و الوقوع تبع للقدرة، فالتابع لا ينافي المتبوع، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة.

و أما الشبهة الثانية: فالجواب عنها: أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها.

و أما الشبهة الثالثة: فالجواب عنها: أن اللّه تعالى لا يعلم عددها، و لا يلزم منه إثبات الجهل، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين، ثم أن اللّه تعالى لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد، لم يلزم من قولنا:

أن اللّه تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل.

و أما الشبهة الرابعة: فالجواب عنها: أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشي‏ء على العلم بتميزه عن غيره، و ثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.

و أما الشبهة الخامسة: فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه، و إذا انتقضت الشبهة سقطت، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية اللّه تعالى سالماً عن المعارض، و باللّه التوفيق.

المسألة الثالثة: اعلم أن الضمير لا بد و أن يكون عائداً إلى مذكور سابق، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً و معنى، و إما أن يكون متأخراً عنه لفظاً و معنى، و إما أن يكون متقدماً لفظاً و متأخراً معنى، و إما أن يكون بالعكس، منه. أما القسم الأول: و هو أن يكون متقدماً لفظاً و معنى فالمشهور عند النحويين أنه غير جائز، و قال ابن جني بجوازه، و احتج عليه بالشعر و المعقول، أما الشعر فقوله:

جزى ربه عني عدي بن حاتم # جزاء الكلاب العاويات و قد فعل‏

و أما المعقول فلأن الفاعل مؤثر و المفعول قابل و تعلق الفعل بهما شديد، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز. القسم الثاني: و هو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً و معنى، و هذا لا نزاع في صحته، كقولك: ضرب زيد غلامه. القسم الثالث: أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى و هو كقولك: ضرب غلامه زيد، فههنا الضمير و إن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير، فيصير كأنك قلت: زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً. القسم الرابع: أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ، و هو كقوله تعالى: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ فإن المرفوع‏

34

مقدم في المعنى على المنصوب، فيصير التقدير: و إذ ابتلى ربه إبراهيم، إلا أن الأمر و إن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في الفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً.

المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر إبراهام بألف بين الهاء و الميم، و الباقون، (إبراهيم) و هما لغتان، و قرأ ابن عباس و أبو حيوة رضي اللّه عنه إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ برفع إبراهيم و نصب ربه، و المعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه اللّه تعالى إليهن أم لا.

المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟ فقال بعضهم:

اللفظ يدل عليها و هي التي ذكرها اللّه تعالى من الإمامة و تطهير البيت و رفع قواعده و الدعاء بإبعاث محمد صلى اللّه عليه و سلم، فإن هذه الأشياء أمور شاقة، أما الإمامة فلأن المراد منها هاهنا هو النبوة، و هذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة، لأن النبي صلى اللّه عليه و سلم يلزمه أن يحتمل جميع المشاق و المتاعب في تبليغ الرسالة، و أن لا يخون في أداء شي‏ء منها، و لو لزمه القتل، بسبب ذلك و لا شك أن ذلك من أعظم المشاق، و لهذا قلنا: إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، و أما بناء البيت و تطهيره و رفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك، و قد امتحن اللّه الخليل عليه الصلاة و السلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار و غيره، و أما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث اللّه تعالى محمداً صلى اللّه عليه و سلم في آخر الزمان، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل للّه تعالى، و إزالة الحسد عن القلب بالكلية، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية: تكاليف شاقة شديدة، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء اللّه تعالى إياه بالكلمات هو ذلك، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل، و قال: إني جاعلك للناس إماماً، بل قال: إِنِّي جََاعِلُكَ فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة، و اعترض القاضي على هذا القول فقال: هذا إنما يجوز لو قال اللّه تعالى: و إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن، إلا أنه ليس كذلك، بل ذكر قوله: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً بعد قوله: فَأَتَمَّهُنَّ و هذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات و أتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك:

إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً و يمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة و بناء البيت و تطهيره و الدعاء في بعثة محمد صلى اللّه عليه و سلّم، كأن اللّه تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر اللّه تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمها، ثم عقب ذلك بالشرح و التفصيل، و هذا مما لا يعد فيه.

القول الثاني: أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات و هذا القول يحتمل وجهين، أحدهما:

بكلمات كلفه اللّه بهن، و هي أوامره و نواهيه فكأنه تعالى قال: وَ إِذِ اِبْتَلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ مما شاء كلفه بالأمر بها. و الوجه الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يلكم بها قومه، أي يبلغهم إياها، و القائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شي‏ء كان على أقوال. أحدها: قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه و هي سنة في شرعنا، خمس في الرأس و خمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، و الاستنشاق/و فرق الرأس، و قص الشارب، و السواك، و أما التي في البدن: فالختان، و حلق العانة، و نتف الإبط، و تقليم الأظفار، و الاستنجاء بالماء. و ثانيها: قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة: اَلتََّائِبُونَ اَلْعََابِدُونَ [التوبة: 112]إلى آخر الآية، و عشر منها في سورة الأحزاب: ـ

35

إِنَّ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلْمُسْلِمََاتِ [الأحزاب: 35]إلى آخر الآية، و عشر منها في المؤمنون: قَدْ أَفْلَحَ اَلْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 1]إلى قوله: أُولََئِكَ هُمُ اَلْوََارِثُونَ [المؤمنون: 10]و روى عشر في: سَأَلَ سََائِلٌ [المعارج: 1]إلى قوله: وَ اَلَّذِينَ هُمْ عَلى‏ََ صَلاََتِهِمْ يُحََافِظُونَ [المعارج: 34]فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس. و ثالثها: أمره بمناسك الحج، كالطواف و السعي و الرمي و الإحرام و هو قول قتادة و ابن عباس. و رابعها:

ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس، و القمر، و الكواكب، و الختان على الكبر، و النار، و ذبح الولد، و الهجرة، فوفي بالكل فلهذا قال اللّه تعالى: وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى [النجم: 37]عن الحسن. و خامسها: أن المراد ما ذكره في قوله: إِذْ قََالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قََالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [البقرة: 131]. و سادسها: المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه و قومه و مع نمرود و الصلاة و الزكاة و الصوم، و قسم الغنائم، و الضيافة، و الصبر عليها، قال القفال رحمه اللّه: و جملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة و مشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء و يتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، و لو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات، فوجب التوقف و اللّه أعلم المسألة السادسة: قال القاضي: هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة، لأن اللّه تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة و السلام بهن كالسبب لأن يجعله اللّه إماماً، و السبب مقدم على المسبب، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً و هذا أيضاً ملائم لقضايا العقول، و ذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا و شهواتها و ترك المداهنة مع الخلق و تقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة و العقائد الفاسدة، و تحمل الأذى من جميع أصناف الخلق، و لا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق و أجل المتاعب، و لهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة و السلام أعظم أجراً من أمته، و إذا كان كذلك فاللّه تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة، فلما و في عليه الصلاة و السلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة و الرسالة، و قال آخرون:

إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة و السلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب و الشمس و القمر، فإنه عليه الصلاة و السلام ابتلاه اللّه بذلك قبل النبوة، أما ذبح الولد و الهجرة و النار فكل ذلك كان بعد النبوة، و كذا الختان، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه و كان سنه مائة و عشرين سنة، ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات/هذه الأشياء كان المراد من قوله: فَأَتَمَّهُنَّ أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن و يقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة و النبوة.

المسألة السابعة: الضمير المستكن في فَأَتَمَّهُنَّ في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام، و أداهن أحسن التأدية، من غير تفريط و توان. و نحوه: وَ إِبْرََاهِيمَ اَلَّذِي وَفََّى و في الأخرى للّه تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقض منه شيئاً.

أما التشريف ف قوله تعالى: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينك. و فيه مسائل:

36

المسألة الأولى: قال أهل التحقيق: المراد من الإمام هاهنا النبي و يدل عليه وجوه. أحدها: أن قوله:

لِلنََّاسِ إِمََاماً يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس و الذي يكون كذلك لا بد و أن يكون رسولاً من عند اللّه مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له، فحينئذ يبطل العموم.

و ثانيها: أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شي‏ء و الذي يكون كذلك لا بد و أن يكون نبياً. و ثالثها: أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم، قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنََاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنََا [الأنبياء: 73]و الخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم و قبول قولهم و أحكامهم و القضاة و الفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى، و الذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به.

قال عليه الصلاة و السلام: «إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا و إذا سجد فاسجدوا و لا تختلفوا على إمامكم»

فثبت بهذا أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين و قد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل، قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنََاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنََّارِ [القصص: 41]إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى: يَدْعُونَ إِلَى اَلنََّارِ كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد، قال اللّه تعالى: فَمََا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ اَلَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ [هود: 101]و قال:

وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ إِلََهِكَ اَلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عََاكِفاً [طه: 97]إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه، و ثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ هاهنا عليه، لأن اللّه تعالى ذكر لفظ الإمام هاهنا في معرض الامتنان، فلا بد و أن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة.

المسألة الثانية: أن اللّه تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق اللّه تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها و نهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة و السلام و يتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب و إما في الدين و الشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام، و قال اللّه تعالى في كتابه: ثُمَّ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرََاهِيمَ/حَنِيفاً [النحل: 123]و قال: مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرََاهِيمَ إِلاََّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: 130]و قال في آخر سورة الحج: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرََاهِيمَ هُوَ سَمََّاكُمُ اَلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج: 78]و جميع أمة محمد عليه الصلاة و السلام يقولون في آخر الصلاة و ارحم محمداً و آل محمد كما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم و على آل إبراهيم.

المسألة الثالثة: القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته و نظيره قوله تعالى: إِنِّي جََاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: 30] فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه و هذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة هاهنا النبوة ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة و ذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص، و ليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي و لا بالإثبات.

المسألة الرابعة: قوله: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به و يقتدى، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية و ذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله و كونه واجباً عبارة عن‏

37

كونه ممنوعاً من تركه و الجميع محال.

أما قوله: مِنْ ذُرِّيَّتِي ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الذرية: الأولاد و أولاد الأولاد للرجل و هو من ذرأ اللّه الخلق و تركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية و فيه وجه آخر و هو أن تكون منسوبة إلى الذر.

المسألة الثانية: قوله؛ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف كأنه قال: و جاعل بعض ذريتي كما يقال لك:

سأكرمك، فتقول: و زيداً.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم و هل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟فأعلمه اللّه تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك و قال آخرون: إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام و لما لم يعلم على وجه المسألة، فأجابه اللّه تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم، فإن قيل: هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي أو لم يكن مأذوناً فيه؟فإن أذن اللّه تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه؟و إن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً، قلنا: قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس، و قد حقق اللّه تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كإسماعيل و إسحاق و يعقوب و يوسف و موسى و هارون و داود و سليمان و أيوب و يونس و زكريا و يحيى و عيسى و جعل آخرهم محمداً صلى اللّه عليه و سلّم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء و الأئمة عليهم السلام.

أما قوله تعالى: قََالَ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة و حفص عن عاصم: عهدي بإسكان الياء، و الباقون بفتحها، /و قرأ بعضهم: لا ينال عهدي الظالمون أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي.

المسألة الثانية: ذكروا في العهد وجوهاً: أحدها: أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا و إلا فلا. و ثانيها: عَهْدِي أي رحمتي عن عطاء. و ثالثها: طاعتي عن الضحاك. و رابعها: أمانى عن أبي عبيد، و القول الأول أولى لأن قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً فقوله: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة.

المسألة الثالثة: الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل، و لو لا ذلك لكان الجواب: لا، أو يقول: لا ينال عهدي ذريتك، فإن قيل: أ فما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين، قلنا:

بلى، و لكن لم يعلم حال ذريته، فبين اللّه تعالى أن فيهم من هذا حاله و أن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم.

المسألة الرابعة: الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما من ثلاثة أوجه. الأول: أن أبا بكر و عمر كانا كافرين، فقد كانا حال كفرهما ظالمين، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة ألبتة، و إذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة ألبتة و لا في شي‏ء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة. الثاني: أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر و عمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً و باطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما و ذلك‏

38

إنما يثبت في حق من تثبت عصمته و لما لم يكونا معصومين بالاتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما ألبتة. الثالث:

قالوا: كانا مشركين، و كل مشرك ظالم و الظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق، و أما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]و أما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم، و قولنا: وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين، و مورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين و ما كان مشتركاً بين القسمين لا يلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين، فلا يلزم من نفي كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً و الذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمناً و الإيمان هو التصديق و التصديق غير حاصل حال كونه نائماً، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلاً قبل، و إذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل، و أيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية، و المشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة، فمجموع تلك الأشياء ألبتة لا وجود لها، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الإسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم و الماشي و أمثالهما حقيقة في شي‏ء أصلاً، و أنه باطل قطعاً/فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة؟و الجواب: كل ما ذكرتموه معارض، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، فدل على ما قلناه، و لأن التائب عن الكفر لا يسمى كافراً و التائب عن المعصية لا يسمى عاصياً، فكذا القول في نظائره، ألا ترى إلى قوله: وَ لاََ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا [هود: 113]فإنه نهي عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم، و قوله: مََا عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91]معناه: ما أقاموا على الإحسان، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية: النبوة، فمن كفر باللّه طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة.

المسألة الخامسة: قال الجمهور من الفقهاء و المتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، و اختلفوا في أن الفسق الطارئ هل يبطل الإمامة أم لا؟و احتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، و وجه الاستدلال بها من وجهين. الأول: ما بينا أن قوله: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ جواب لقوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي و قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي طلب للإمامة التي ذكرها اللّه تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، و كل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً و باطناً و لا يصح ذلك في الأئمة و القضاة، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً و باطناً، و أما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة، فإن قيل: أليس أن يونس عليه السلام قال: سُبْحََانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظََّالِمِينَ [الأنبياء: 87]و قال آدم: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [الأعراف: 23]قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق، و هذا غير موجود في آدم و يونس عليهما السلام. الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب اللّه بمعنى الأمر، قال اللّه تعالى: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي آدَمَ أَنْ لاََ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطََانَ [يس: 60]يعني ألم آمركم بهذا، و قال اللّه تعالى: قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ‏

39

عَهِدَ إِلَيْنََا [آل عمران: 183]يعني أمرنا، و منه عهود الخلفاء إلى أمرائهم و قضاتهم إذا ثبت أن عهد اللّه هو أمره فنقول: لا يخلو قوله؛ لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، و أن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر اللّه تعالى، و لما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر اللّه تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، و هو أنهم غير مؤتمنين على أوامر اللّه تعالى و غير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق،

قال عليه السلام: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ،

و دل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً، و أن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، و كذلك لا تقبل شهادته و لا خبره عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم، و لا فتياه إذا أفتى، و لا يقدم للصلاة و إن كان هو بحيث لو اقتدى به فإنه لا تفسد صلاته، قال أبو بكر الرازي: و من الناس من يظن/أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً و خليفة، و لا يجوز كون الفاسق قاضياً، قال: و هذا خطأ، و لم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة و الحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة، و كيف يكون خليفة و روايته غير مقبولة، و أحكامه غير نافذة، و كيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة و قد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء، و ضربه فامتنع من ذلك فحبس، فلح ابن هبيرة و جعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه، قال له الفقهاء: تول له شيئاً من عمله أي شي‏ء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك و قصته في أمر زيد بن علي مشهورة، و في حمله المال إليه و فتياه الناس سراً في وجوب نصرته و القتال معه، و كذلك أمره مع محمد و إبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، ثم قال: و إنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة: أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه، و تولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة، و الصلاة خلفه جائزة، لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه و يمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه، و ليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً و أن لم يكن له ولاية من جهة إمام و لا سلطان و اللّه أعلم.

المسألة السادسة: الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين. الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد:

الإمامة. و لا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، و النبي أولى الناس، و إذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب و المعصية أولى. الثاني:

قال: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين و إن كان هو الإمامة، فكذلك لأن كل نبي لا بد و أن يكون إماماً يؤتم به، و كل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين و اللّه أعلم.

المسألة السابعة: اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً، و لك معه عهداً، و بين أنك متى تفي بعهدك، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر، و أفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر، أما عهدك فقال فيه: وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذََا عََاهَدُوا [البقرة: 177] و قال: وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِأَمََانََاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رََاعُونَ* [المؤمنون: 8]و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

40

[المائدة: 1]و قال: لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ*`كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اَللََّهِ أَنْ تَقُولُوا مََا لاََ تَفْعَلُونَ [الصف: 2، 3]و أما عهده سبحانه و تعالى فقال فيه: وَ مَنْ أَوْفى‏ََ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللََّهِ [التوبة: 111]ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال:

وَ لَقَدْ عَهِدْنََا إِلى‏ََ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: 115]ثم بين كيفية عهده إلينا فقال: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يََا بَنِي/آدَمَ [يس: 60]ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال: إِنَّ اَللََّهَ عَهِدَ إِلَيْنََا أَلاََّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ [آل عمران: 183]ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فقال: وَ عَهِدْنََا إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ [البقرة: 125]ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول: العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة و العبودية، و العهد الذي التزمه اللّه تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة و الربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، و من ربه إلا الوفاء بالعهد، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول: أول إنعامه عليك إنعام الخلق و الإيجاد و الإحياء و إعطاء العقل و الآلة و المقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة و الخدمة و العبودية على ما قال: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56]و نزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق و الإيجاد منه على سبيل العبث فقال:

وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا لاََعِبِينَ [الأنبياء: 16] مََا خَلَقْنََاهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ [الدخان: 39]و قال أيضاً: وَ مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا بََاطِلاً ذََلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [ص: 27]و قال: أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمََا خَلَقْنََاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنََا لاََ تُرْجَعُونَ [المؤمنون: 115]ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق و الإيجاد فقال: وَ مََا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاََّ لِيَعْبُدُونِ فهو سبحانه و في بعهد الربوبية حيث خلقك و أحياك و أنعم عليك بوجوه النعم و جعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته و طاعته و عبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن اللّه تعالى و في بعهد ربوبيته. و ثانيها: أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق و الهداية و عهد العبودية منك يقتضي الجد و الاجتهاد في العمل، ثم إنه و في بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا و جعلها هادية لك إلى سبيل الحق: وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاََّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: 44]و أنت ما وفيت ألبتة بعهد الطاعة و العبودية.

و ثالثها: أن نعمة اللّه بالإيمان أعظم النعم، و الدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين و دهر الداهرين، ثم هذه النعمة من اللّه تعالى لقوله: وَ مََا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اَللََّهِ [النحل: 53]ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها و قال: فَأُولََئِكَ كََانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: 19]فإذا كان اللّه تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق و الهداية كان أولى، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال: قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ [عبس: 17]فهو تعالى و في بعهده، و أنت نقضت عهدك. و رابعها: أن تنفق نعمه في سبيل مرضاته، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم و قد فعل و عهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته و أنت ما فعلت ذلك: كَلاََّ إِنَّ اَلْإِنْسََانَ لَيَطْغى‏ََ*`أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى‏ََ [العلق: 6، 7]. و خامسها:

أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء: وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اَللََّهَ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس و إيحاشهم: اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبُخْلِ* [الحديد: 24][النساء: 37]. و سادسها:

أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده و أنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة، ثم إنك في حضرته تعرض عنه و تبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب و المقت فكذا هاهنا، و اعلم أنا لو اشتغلنا/بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان و الربوبية و كيفية نقضنا لعهد الإخلاص

41

و العبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا و باطننا و كل واحدة من تلك النعم تستدعى شكراً على حدة و خدمة على حدة، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها و ما عرفنا كيفيتها و كميتها، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا و تقصيرنا يزيد في أنواع النعم و الرحمة و الكرم، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان و التقصير و استحقاق الذم، و هو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان و اللطف و الكرم، و استحقاق الحمد و الثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً و كلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً، كان تقصيرنا في شكره أقبح و أسوأ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح و محاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ و هذا تخويف شديد لكنا نقول: إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم و العفو و الرحمة و الإحسان و صدر منا ما يليق بنا من الجهل و الغدر و التقصير و الكسل، فنسألك بك و بفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين.

اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، و هذا شرح التكليف الثاني، و هو التكليف بتطهير البيت، ثم نقول: أما البيت فإنه يريد البيت الحرام، و اكتفى بذكر البيت مطلقاً لدخول الألف و اللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، و قد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم و هو الكعبة، ثم نقول: ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه أَمْناً و هذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط و الدليل على أنه يجوز إطلاق البيت و المراد منه كل الحرم قوله تعالى: هَدْياً بََالِغَ اَلْكَعْبَةِ [المائدة: 95]و المراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، و لا في المسجد الحرام و كذلك قوله: فَلاََ يَقْرَبُوا اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ بَعْدَ عََامِهِمْ هََذََا [التوبة: 28]، و المراد و اللّه أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، و قال في آية أخرى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً [العنكبوت: 67]و قال اللّه تعالى في آية أخرى مخبراً عن إبراهيم: رَبِّ/اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: 35]فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، و السبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت و عنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت.

أما قوله: مَثََابَةً لِلنََّاسِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أهل اللغة: أصله من ثاب يثوب مثابة و ثوباً إذا رجع يقال: ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، و ثاب إلى فلان عقله أي رجع و تفرق عنه الناس، ثم ثابوا: أي عادوا مجتمعين، و الثواب من هذا أخذ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه، و المثاب من البئر: مجتمع الماء في أسفلها، قال القفال قيل: إن مثاباً و مثابة لغتان مثل: مقام و مقامة و هو قول الفراء و الزجاج، و قيل: الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم: نسابة و علامة، و أصل مثابة مثوبة مفعلة.

المسألة الثانية: قال الحسن: معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام، و عن ابن عباس و مجاهد: أنه لا ينصرف‏

42

عنه أحد إلا و هو يتمنى العود إليه، قال اللّه تعالى: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: 37] و قيل: مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه، فإن قيل: كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، و ذلك يحصل بفعلهم لا بفعل اللّه تعالى، فما معنى قوله: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ قلنا: أما على قولنا ففعل العبد مخلوق للّه تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، و أما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى، و إنما فعل اللّه تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا و الآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق و المغرب مجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات و ضروب المكاسب ما يعظم به النفع، و أيضاً فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق و البلاد، و مشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، و أما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك و التقرب إلى اللّه تعالى، و إظهار العبودية له، و المواظبة على العمرة و الطواف، و إقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم و الاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثواباً عظيماً عند اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ و وجه الاستدلال به أن قوله: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفاً بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، و ما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر و الإلجاء، و إذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن اللّه تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، و قد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه/في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، و أكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، و نحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه.

أما قوله تعالى: وَ أَمْناً أي موضع أمن، ثم لا شك أن قوله: جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً خبر، فتارة نتركه على ظاهره و نقول أنه خبر، و تارة نصرفه عن ظاهره و نقول أنه أمر.

أما القول الأول: فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط و الجدب على ما قال:

أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا جَعَلْنََا حَرَماً آمِناً [العنكبوت: 67]و قوله: أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ََ إِلَيْهِ ثَمَرََاتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ [القصص: 57]و لا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، و أيضاً فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال اللّه تعالى: وَ لاََ تُقََاتِلُوهُمْ عِنْدَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ حَتََّى يُقََاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قََاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: 191]فأخبر عن وقوع القتل فيه.

القول الثاني: أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، و المعنى أن اللّه تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة و القتل، فكان البيت محترماً بحكم اللّه تعالى، و كانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، و كانوا يسمون قريشاً: أهل اللّه تعظيماً له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، و رويت الأخبار في تحريم مكة

قال عليه الصلاة و السلام: «إن اللّه حرم مكة و أنها لم تحل لأحد قبلي و لا تحل لأحد بعدي و إنما أحلت لي ساعة من نهار، و قد عادت حرمتها كما كانت» ،

فذهب الشافعي رضي اللّه عنه إلى أن المعنى: أنها لم‏

43

تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها و أن ذلك أحل لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي اللّه عنه: إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، و كذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، و قال أبو حنيفة رحمه اللّه: لا يجوز، و احتج الشافعي رحمه اللّه بأنه عليه الصلاة و السلام أمر عند ما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح و خبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه، قال الشافعي رحمه اللّه:

و هذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحداً من شي‏ء وجب عليه و أنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها، و احتج أبو حنيفة رحمه اللّه بهذه الآية، و الجواب عنه أن قوله:

وَ أَمْناً ليس فيه بيان أنه جعله أمناً في ما ذا فيمكن أن يكون أمناً من القحط، و أن يكون أمناً من نصب الحروب، و أن يكون أمناً من إقامة الحدود، و ليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط و الآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر و في سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه اللّه أولى.

أما قوله تعالى: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير و أبو عمرو و حمزة و عاصم و الكسائي: وَ اِتَّخِذُوا بكسر الخاء على صيغة الأمر، و قرأ نافع و ابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر.

أما القراءة الأولى: فقوله: وَ اِتَّخِذُوا عطف على ماذا، و فيه أقوال، الأول: أنه عطف على قوله:

اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [البقرة: 122]، وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى . الثاني: إنه عطف على قوله: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً [البقرة: 124]و المعنى أنه لما ابتلاه بكلمات و أتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً و قال: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى و يجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله و قال، و نظيره قوله تعالى: وَ ظَنُّوا أَنَّهُ وََاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مََا آتَيْنََاكُمْ بِقُوَّةٍ [الأعراف: 171]الثالث: أن هذا أمر من اللّه تعالى لأمة محمد صلى اللّه عليه و سلّم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، و هو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، و كأن وجهه: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَ أَمْناً وَ اِتَّخِذُوا أنتم من مقام إبراهيم مصلى و التقدير أنا لما شرفناه و وصفناه بكونه مثابة للناس و أمناً فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، و الواو و الفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع و إن كانت الفاء أوضح، أما من قرأ: و اتخذوا بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفاً على: جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ و اتخذوه مصلى، و يجوز أن يكون عطفاً على: وَ إِذْ جَعَلْنَا اَلْبَيْتَ و إذ اتخذوه مصلى.

المسألة الثانية: ذكروا أقوالاً في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شي‏ء هو:

القول الأول: إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام، ثم هؤلاء ذكروا وجهين: أحدهما: أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه و هو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته و قد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضاً فيه فجعله اللّه تعالى من معجزاته و هذا قول الحسن و قتادة و الربيع بن‏

44

أنس. و ثانيها: ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت و إسماعيل يناوله الحجارة و يقولان: رَبَّنََا تَقَبَّلْ مِنََّا إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ [البقرة: 127]فلما ارتفع البنيان و ضعف إبراهيم عليه الصلاة و السلام عن وضع الحجارة قام على حجر و هو مقام إبراهيم عليه السلام.

القول الثاني: أن مقام إبراهيم الحرم كله و هو قول مجاهد. الثالث: أنه عرفة و المزدلفة و الجمار و هو قول عطاء. الرابع: الحج كله مقام إبراهيم و هو قول ابن عباس، و اتفق المحققون على أن القول الأولى أولى و يدل عليه وجوه. الأول: ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام و تلا قوله تعالى: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. و ثانيها: أن هذا الإسم في العرف مختص بذلك الموضع و الدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه و لم يفهم منه إلا هذا الموضع/. و ثالثها: ما

روي أنه عليه السلام مر بالمقام و معه عمر فقال: يا رسول اللّه أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟قال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية.

و رابعها: أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، و ذلك من أظهر الدلائل على وحدانية اللّه تعالى و معجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الإسم عليه أولى.

و خامسها: أنه تعالى قال: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى و ليس للصلاة تعلق بالحرم و لا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. و سادسها: أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، و ثبت بالأخبار أنه قام على هذا الحجر عند المغتسل و لم يثبت قيامه على غيره فحمل هذا اللفظ، أعني: مقام إبراهيم عليه السلام على الحجر يكون أولى قال القفال: و من فسر مقام إبراهيم بالحجر خرج قوله: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى على مجاز قول الرجل: اتخذت من فلان صديقاً و قد أعطاني اللّه من فلان أخاً صالحاً و وهب اللّه لي منك ولياً مشفقاً و إنما تدخل «من» لبيان المتخذ الموصوف و تميزه في ذلك المعنى من غيره و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: ذكروا في المراد بقوله: مُصَلًّى وجوهاً. أحدها: المصلى المدعى فجعله من الصلاة التي هي الدعاء، قال اللّه تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ [الأحزاب: 56]و هو قول مجاهد، و إنما ذهب إلى هذا التأويل ليتم له قوله: إن كل الحرم مقام إبراهيم. و ثانيها: قال الحسن: أراد به قبلة. و ثالثها: قال قتادة و السدي: أمروا أن يصلوا عنده. قال أهل التحقيق: هذا القول أولى لأن لفظ الصلاة إذا أطلق يعقل منه الصلاة المفعولة بركوع و سجود ألا ترى أن مصلى المصر و هو الموضع الذي يصلى فيه صلاة العيد و قال عليه السلام لأسامة بن زيد المصلى أمامك يعني به موضع الصلاة المفعولة، و قد دل عليه أيضاً فعل النبي صلى اللّه عليه و سلّم للصلاة عنده بعد تلاوة الآية و لأن حملها على الصلاة المعهودة أولى لأنها جامعة لسائر المعاني التي فسروا الآية بها و هاهنا بحث فقهي و هو أن ركعتي الطواف فرض أم سنة ينظر إن كان الطواف فرضاً فللشافعي رضي اللّه عنه فيه قولان، أحدهما: فرض لقوله تعالى: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقََامِ إِبْرََاهِيمَ مُصَلًّى و الأمر للوجوب. و الثاني: سنة

لقوله عليه السلام للأعرابي حين قال: هل على غيرها، قال: لا إلا أن تطوع و إن كان الطواف نفلاً مثل طواف القدوم فركعتاه سنة

و الرواية عن أبي حنيفة مختلفة أيضاً في هذه المسألة و اللّه أعلم.

45

المسألة الرابعة: في فضائل البيت:

روى الشيخ أحمد البيهقي كتاب شعب الإيمان عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول اللّه أي مسجد وضع على الأرض أولاً؟قال: المسجد الحرام، قال: قلت ثم أي؟قال: ثم المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟قال: أربعون سنة فأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد» أخرجاه في الصحيحين،

و عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: خلق البيت قبل الأرض بألفي عام ثم دحيت الأرض منه و

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال عليه السلام: «أول بقعة وضعت/في الأرض موضع البيت ثم مدت منها الأرض، و أن أول جبل وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيس ثم مدت منه الجبال» .

و عن وهب بن منبه قال: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها و لأنه لم ير فيها أحداً غيره، فقال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها و يقدس لك غيري. فقال اللّه تعالى: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي و يقدس لي و سأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبحني فيها خلقي و سأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي و أخصه بكرامتي و أوثره على بيوت الأرض كلها باسمي و اسميه بيتي أعظمه بعظمتي و أحوطه بحرمتي و أجعله أحق البيوت كلها و أولادها بذكرى و أضعه في البقعة التي اخترت لنفسي فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات و الأرض، أجعل ذلك البيت لك و لمن بعدك حرماً آمناً أحرم بحرمته ما فوقه و ما تحته و ما حوله فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي و من أحله فقد أباح حرمتي، و من آمن أهله استوجب بذلك أماني و من أخافهم فقد أخافني و من عظم شأنه فقد عظم في عيني و من تهاون به فقد صغر في عيني سكانها جيراني و عمارها وفدي و زوارها أضيافي أجعله أول بيت وضع للناس و أعمره بأهل السماء و الأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً: وَ أَذِّنْ فِي اَلنََّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجََالاً وَ عَلى‏ََ كُلِّ ضََامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج: 27]يعجون بالتكبير عجاً إلى و يثجون بالتلبية ثجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني و ضافني و نزل بي و وفد علي، فحق لي أن أتحفه بكرامتي و حق على الكريم أن يكرم وفده و أضيافه و زواره و أن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم و القرون و الأنبياء من ولدك أمة بعد أمة و قرناً بعد قرن و نبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد عليه السلام و هو خاتم النبيين فأجعله من سكانه و عماره و حماته و ولاته فيكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلى وجدني قد ادخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلى الوسيلة عندي و اجعل اسم ذلك البيت و ذكره و شرفه و مجده و سناه و تكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي و هو أبوه، يقال له إبراهيم أرفع له قواعده و أقضي على يديه عمارته و أعلمه مشاعره و مناسكه و أجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه و أهديه إلى صراط مستقيم أبتليه فيصبر و أعافيه فيشكر، و آمره فيفعل و ينذر لي فيفي و يدعوني فاستجب دعوته في ولده و ذريته من بعده و أشفعه فيهم و أجعلهم أهل ذلك البيت و ولاته و حماته و سقاته و خدامه و خزانه و حجابه حتى يبدلوا أو يغيروا و أجعل إبراهيم إمام ذلك البيت و أهل تلك الشريعة يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الجن و الإنس. و عن عطاء قال: أهبط آدم بالهند فقال: يا رب ما لي لا أسمع صوت الملائكة كما كنت أسمعها في الجنة؟قال: بخطيئتك يا آدم فانطلق إلى مكة فابن بها بيتاً تطوف به كما رأيتهم يطوفون فانطلق إلى مكة فبنى البيت، فكان موضع قدمي آدم قرى و أنهاراً و عمارة و ما بين خطاه مفاوز فحج آدم البيت من الهند أربعين سنة، و سأل عمر كعباً فقال: أخبرني عن هذا البيت فقال إن هذا البيت أنزله اللّه تعالى من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم عليه السلام، فقال: /يا آدم إن هذا بيتي فطف حوله‏

46

وصل حوله كما رأيت ملائكتي تطوف حول عرشي و تصلي و نزلت معه الملائكة فرفعوا قواعده من حجارة، فوضع البيت على القواعد فلما أغرق اللّه قوم نوح رفعه اللّه و بقيت قواعده. و

عن علي رضي اللّه عنه قال: البيت المعمور بيت في السماء يقال له الضراح، و هو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً،

و

ذكر على رضي اللّه عنه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة و مر عليه الدهر فانهدم فبنته جرهم و مر عليه الدهر فانهدم فبنته قريش و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم ترفعه جميع القبائل فرفعوه كلهم فأخذه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فوضعه،

و عن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم عليه السلام ثلاث صفوح في كل صفح منها كتاب، في الصفح الأول: أنا اللّه ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس و القمر و حففتها بسبعة أملاك حفاً و باركت لأهلها في اللحم و اللبن. و في الصفح الثاني: أنا اللّه ذو بكة خلقت الرحم و شققت لها اسماً من اسمي من وصلها وصلته و من قطعها قطعته. و في الثالث: انا اللّه ذو بكة خلقت الخير و الشر، فطوبى لمن كان الخير على يديه و ويل لمن كان الشر على يديه.

المسألة الخامسة: في فضائل الحجر و المقام،

عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال عليه السلام: «الركن و المقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس اللّه نورهما و لو لا ذلك لأضاءا ما بين المشرق و المغرب و ما مسهما ذو عاهة و لا سقيم إلا شقي»

و

في حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما قال عليه السلام: «إنه كان أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا أهل الشرك» ،

و

عن ابن عباس قال عليه السلام: «ليأتين هذا الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما و لسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق» .

و

روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه انتهى إلى الحجر الأسود فقال: إني لأقبلك و إني لأعلم أنك حجر، لا تضر و لا تنفع، و لو لا أني رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يقبلك ما قبلتك. أخرجاه في الصحيح.

أما قوله تعالى: وَ عَهِدْنََا إِلى‏ََ إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْمََاعِيلَ فالأولى أن يراد به ألزمناهما ذلك و أمرناهما أمراً وثقنا عليهما فيه و قد تقدم من قبل معنى العهد و الميثاق.

أما قوله: أَنْ طَهِّرََا بَيْتِيَ فيجب أن يراد به التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، فإذا كان موضع البيت و حواليه مصلى وجب تطهيره من الأنجاس و الأقذار، و إذا كان موضع العبادة و الإخلاص للّه تعالى: وجب تطهيره من الشرك و عبادة غير اللّه. و كل ذلك داخل تحت الكلام ثم إن المفسرين ذكروا وجوهاً. أحدها: أن معنى: طَهِّرََا بَيْتِيَ ابنياه و طهراه من الشرك و أسساه على التقوى، كقوله تعالى: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيََانَهُ عَلى‏ََ تَقْوى‏ََ مِنَ اَللََّهِ [التوبة: 109]. و ثانيها: عرفا الناس أن بيتي/طهرة لهم متى حجوه و زاروه و أقاموا به، و مجازه: اجعلاه طاهراً عندهم، كما يقال: الشافعي رضي اللّه عنه يطهر هذا، و أبو حنيفة ينجسه. و ثالثها: ابنياه و لا تدعا أحداً من أهل الريب و الشرك يزاحم الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر و الريب، كما يقال: طهر اللّه الأرض من فلان، و هذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان و الشرك، و هو كقوله تعالى: وَ لَهُمْ فِيهََا أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة: 25]فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات، و كذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً، و اللّه أعلم. و رابعها: معناه نظفا بيتي من الأوثان

47

و الشرك و المعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك. و خامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف و الأقذار فأمر اللّه تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات و بناء البيت هناك، و هذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت، و يمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً و لكنه مجاز.

أما قوله تعالى: لِلطََّائِفِينَ وَ اَلْعََاكِفِينَ وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: العكف مصدر عكف يعكف بضم الكاف و كسرها عكفاً إذا لزم الشي‏ء و أقام عليه فهو عاكف، و قيل: إذا أقبل عليه لا يصرف عنه وجهه.

المسألة الثانية: في هذه الأوصاف الثلاثة قولان، الأول: و هو الأقرب أن يحمل ذلك على فرق ثلاثة، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، فيجب أن يكون الطائفون غير العاكفين و العاكفون غير الركع السجود لتصح فائدة العطف، فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجاً أو معتمراً فيطوف به، و المراد بالعاكفين: من يقيم هناك و يجاور، و المراد بالركع السجود: من يصلي هناك. و القول الثاني: و هو قول عطاء:

أنه إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، و إذا كان جالساً فهو من العاكفين، و إذا كان مصلياً فهو من الركع السجود.

المسألة الثالثة: هذه الآية، تدل على أمور. أحدها: أنا إذا فسرنا الطائفين بالغرباء فحينئذ تدل الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه تعالى كما خصهم بالطواف دل على أن لهم به مزيد اختصاص.

و روي عن ابن عباس و مجاهد و عطاء: أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، و الصلاة لأهل مكة أفضل. و ثانيها:

تدل الآية على جواز الاعتكاف في البيت. و ثالثها: تدل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً إذ لم تفرق الآية بين شيئين منها، و هو خلاف قول مالك في امتناعه من جواز فعل الصلاة المفروضة في البيت، فإن قيل: لا نسلم دلالة الآية على ذلك، لأنه تعالى لم يقل: و الركع السجود في البيت، و كما لا تدل الآية على جواز فعل الطواف في جوف البيت، و إنما دلت على فعله خارج البيت، كذلك دلالته مقصورة على جواز فعل الصلاة إلى البيت متوجهاً إليه، قلنا: ظاهر الآية يتناول الركوع و السجود إلى البيت، سواء كان ذلك في البيت أو خارجاً عنه، و إنما أوجبنا وقوع الطواف خارج البيت لأن الطواف بالبيت هو أن/يطوف بالبيت، و لا يسمى طائفاً بالبيت من طاف في جوفه، و اللّه تعالى إنما أمر بالطواف به لا بالطواف فيه، لقوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ [الحج: 29]و أيضاً المراد لو كان التوجه إليه للصلاة، لما كان للأمر بتطهير البيت للركع السجود وجه، إذا كان حاضر و البيت و الغائبون عنه سواء في الأمر بالتوجه إليه، و احتج مالك بقوله تعالى:

فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ* [البقرة: 144]و من كان داخل المسجد الحرام لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه. و الجواب: أن المتوجه الواحد يستحيل أن يكون متوجهاً إلى كل المسجد، بل لا بد و أن يكون متوجهاً إلى جزء من أجزائه و من كان داخل البيت فهو كذلك فوجب أن يكون داخلاً تحت الآية. و رابعها: أن قوله: لِلطََّائِفِينَ يتناول مطلق الطواف سواء كان منصوصاً عليه في كتاب اللّه تعالى، كقوله تعالى: وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ اَلْعَتِيقِ أو ثبت حكمه بالسنة، أو كان من المندوبات.

48

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها اللّه تعالى هاهنا، قال القاضي: في هذه الآيات تقديم و تأخير، لأن قوله: رَبِّ اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود، و الذي ذكره من بعد و هو قوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ [البقرة: 128]و إن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن و التوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع و لا غرس فيه، فلو لا الأمن لم يجلب إليها من النواحي و تعذر العيش فيها. ثم إن اللّه تعالى أجاب دعاءه و جعله آمناً من الآفات، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه اللّه كما فعل بأصحاب الفيل، و هاهنا سؤالان:

السؤال الأول: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير و خرب الكعبة و قصد أهلها بكل سوء و تم له ذلك؟ الجواب: لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئاً آخر.

السؤال الثاني: المطلوب من اللّه تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب، و هذا مما يتعلق/بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها.

و الجواب عنه من وجوه، أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمناً و حصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة اللّه تعالى، و إذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. و ثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس و الناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة و الأقوات هناك رخيصة. و ثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن و الخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة و المواقف المكرمة فيكون الأمن و الخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة.

المسألة الثانية: بَلَداً آمِناً يحتمل وجهين. أحدهما: مأمون فيه كقوله تعالى: فِي عِيشَةٍ رََاضِيَةٍ* [القارعة: 7]أي مرضية. و الثاني: أن يكون المراد أهل البلد كقوله: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82]أي أهلها و هو مجاز لأن الأمن و الخوف لا يلحقان البلد.

المسألة الثالثة: اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه. أحدها: سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع و لا ضرع. و ثانيها: سأله الأمن من الخسف و المسخ. و ثالثها: سأله الأمن من القتل و هو قول أبو بكر الرازي، و احتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً، ثم سأله الرزق ثانياً، و لو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية: رَبِّ اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ و قال في آية أخرى: رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً ثم قال في آخر القصة: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ إلى قوله: وَ اُرْزُقْهُمْ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ [إبراهيم: 37]و اعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول: لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف و المسخ، أو لعله الأمن من القحط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية و قد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط و بالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة.

49

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون: إنها كانت كذلك أبداً

لقوله عليه السلام: «إن اللّه حرم مكة يوم خلق السموات و الأرض»

و أيضاً قال إبراهيم: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرَّمِ [إبراهيم: 37]و هذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء، و قال آخرون: إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام و قبله كانت لسائر البلاد و الدليل عليه‏

قوله عليه السلام: «اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» .

و القول الثالث: إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة. فالأول: يمنع اللّه تعالى من الاصطلام و بما جعل في النفوس من التعظيم. و الثاني: بالأمر على ألسنة الرسل.

المسألة الخامسة: إنما قال في هذه السورة: بَلَداً آمِناً على التنكير و قال في السورة إبراهيم: هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً على التعريف لوجهين. الأول: أن الدعوة الأولى وقعت و لم يكن المكان قد جعل بلداً، كأنه قال:

اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: رَبَّنََا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوََادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم: 37]فقال: هاهنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، و الدعوة الثانية وقعت و قد جعل بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن و سلامة، كقولك: جعلت هذا الرجل آمناً. الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً، فقوله: اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً تقديره: اجعل هذا البلد بلداً آمناً، كقولك: كان اليوم يوماً حاراً، و هذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: رَبِّ اِجْعَلْ هََذََا بَلَداً آمِناً معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، و أما قوله: رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا اَلْبَلَدَ آمِناً فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة، و أما قوله: وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَرََاتِ فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم، فاستجاب اللّه تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شي‏ء، أما قوله: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ فهو يدل من قوله: أَهْلَهُ يعني و ارزق المؤمنين من أهله خاصة، و هو كقوله: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطََاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً [آل عمران: 97]و اعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين و سبب هذا التخصيص النص و القياس، أما النص فقوله تعالى: فَلاََ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكََافِرِينَ [المائدة: 68]و أما القياس فمن وجهين:

الوجه الأول: أنه لما سأل اللّه تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال اللّه تعالى: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]فصار ذلك تأديباً في المسألة، فلما ميز اللّه تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن اللّه تعالى أعلمه بقوله: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً الفرق بين النبوة و رزق الدنيا، لأن منصب النبوة و الإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لا بد في الإمامة و النبوة من قوة العزم و الصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن اللّه أمره و نهيه و لا تأخذه في الدين لومة لائم و سطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع و الكافر و الصادق و المنافق، فمن آمن فالجنة مسكنه و مثواه، و من كفر فالنار مستقره و مأواه.

الوجه الثاني: يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم و كثرتهم مفسدة و مضرة من ذهاب الناس إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب،

50

أما قوله تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر فَأُمَتِّعُهُ بسكون الميم خفيفة من أمتعت، و الباقون بفتح الميم مشددة من متعت، و التشديد يدل على الكثير بخلاف التخفيف.

المسألة الثانية: أمتعه قيل: بالرزق، و قيل: بالبقاء في الدنيا، و قيل: بهما إلى خروج محمد صلى اللّه عليه و سلّم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر، و المعنى أن اللّه/تعالى كأنه قال: إنك و إن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا، و لا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلاً، إذ كان واقعاً في مدة عمره، و هي مدة واقعة فيما بين الأزل و الأبد، و هو بالنسبة إليهما قليل جداً، و الحاصل أن اللّه تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت و تتخلص منه إلى الآخرة، أما قوله: ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ََ عَذََابِ اَلنََّارِ فاعلم أن في الاضطرار قولين: أحدهما: أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه و هاهنا كذلك، كما قال اللّه تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى‏ََ نََارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: 13]و يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي اَلنََّارِ عَلى‏ََ وُجُوهِهِمْ [القمر: 48]يقال: اضطررته إلى الأمر أي الجأته و حملته عليه من حيث كان كارهاً له، و قالوا: إن أصله من الضر و هو إدناء الشي‏ء من الشي‏ء، و منه ضرة المرأة لدنوها و قربها. و الثاني: أن الاضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف و التهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً، كقوله تعالى: فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ* [البقرة: 173][الأنعام: 145][النحل: 115]فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، و إن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى: أن اللّه تعالى يلجئه إلى أن يختار النار و الاستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم و السرور، و بئس المصير ضده.

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها اللّه تعالى عن إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام، و هو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: قوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ حكاية حال ماضية و القواعد جمع قاعدة و هي الأساس، و الأصل لما فوقه، و هي صفة غالبة، و معناها الثابتة، و منه أقعدك اللّه أي أسأل اللّه أن يقعدك أي يثبتك و رفع الأساس البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع و تطاولت بعد التقاصر و يجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبني عليه و يوضع فوقه، و معنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات و اللّه أعلم.

51

المسألة الثانية: الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه و احتجوا بقوله: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها و عمرها.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت و بنائه؟ قال الأكثرون: إنه كان شريكاً له في ذلك و التقدير و إذ يرفع إبراهيم و إسماعيل القواعد من البيت و الدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلا بد و أن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها و لم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفاً على إبراهيم في ذلك، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين. أحدهما: أن يشتركا في البناء و رفع الجدران. و الثاني: أن يكون أحدهما بانياً للبيت و الآخر يرفع إليه الحجر و الطين، و يهيئ له الآلات و الأدوات، و على الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما، و إن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة و من الناس من قال: إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً و روي معناه عن علي رضي اللّه عنه، و أنه لما بنى البيت خرج و خلف إسماعيل و هاجر فقالا: إلى من تكلنا؟فقال إبراهيم: إلى اللّه فعطش إسماعيل فلم ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام و فحص الأرض بإصبعه فنبعت زمزم و هؤلاء جعلوا الوقف على قوله: مِنَ اَلْبَيْتِ ثم ابتدءوا: و إسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء، و هذا التأويل ضعيف لأن قوله:

تَقَبَّلْ مِنََّا ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق و هو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو اللّه بأن يتقبله منه، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده و اللّه أعلم.

المسألة الرابعة: إنما قال: وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْرََاهِيمُ اَلْقَوََاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ و لم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد و تبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى، و اعلم أن اللّه تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء.

النوع الأول: في قوله تعالى: تَقَبَّلْ مِنََّا إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في تفسير قوله: تَقَبَّلْ مِنََّا فقال المتكلمون: كل عمل يقبله اللّه تعالى فهو يثيب صاحبه و يرضاه منه، و الذي لا يثيبه عليه و لا يرضاه منه فهو المردود، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر، فذكر لفظ القبول و أراد به الثواب و الرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه، فشبه الفعل من العبد بالعطية، و الرضا من اللّه بالقبول توسعاً. و قال العارفون: فرق بين القبول و التقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله و ذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل، و اعتراف بالعجز و الانكسار، و أيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم الذي عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه و تمام تحقيقه سيأتى في تفسير المحبة في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلََّهِ [البقرة: 165]و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى اللّه تعالى في قبولها و طلبوا الثواب‏

52

عليها على ما قاله المتكلمون، و لو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجباً على اللّه تعالى، لما كان في هذا الدعاء و التضرع فائدة، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى اللّه فيقول: يا إلهي اجعل النار حارة و الجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق و الاشتعال باردة، و الجمد حال بقائه على صورته في الانجماد و البياض حاراً و يستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء هاهنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على اللّه شي‏ء أصلا و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: إنما عقب هذا الدعاء بقوله: إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ كأنه يقول: تسمع دعاءنا و تضرعنا، و تعلم ما في قلبنا من الإخلاص و ترك الالتفات إلى أحد سواك. فإن قيل: قوله: إِنَّكَ أَنْتَ اَلسَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ يفيد الحصر و ليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعاً. قلنا: إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره.

النوع الثاني: من الدعاء قوله: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين و الاعتقاد، أو الاستسلام و الانقياد، و كيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة: و جعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما، فإن الجعل عبارة عن الخلق، قال اللّه تعالى:

وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]فدل هذا على أن الإسلام مخلوق للّه تعالى، فإن قيل: هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل و إنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين، و لأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا/مسلمين، و إذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق و الإيجاد، بل له معان أخر سوى الخلق.

أحدها: جعل بمعنى صير، قال اللّه تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ لِبََاساً وَ اَلنَّوْمَ سُبََاتاً وَ جَعَلَ اَلنَّهََارَ نُشُوراً [الفرقان: 47]. و ثانيها: جعل بمعنى وهب، نقول: جعلت لك هذه الضيعة و هذا العبد و هذا الفرس. و ثالثها:

جعل بمعنى الوصف للشي‏ء و الحكم به كقوله تعالى: وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً [الزخرف: 19]، و قال: وَ جَعَلُوا لِلََّهِ شُرَكََاءَ اَلْجِنَّ [الأنعام: 10]. و رابعها: جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى: وَ جَعَلْنََاهُمْ أَئِمَّةً* [الأنبياء: 73]يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، و قال: إِنِّي جََاعِلُكَ لِلنََّاسِ إِمََاماً [البقرة: 124]فهو بالأمر. و خامسها: أن يجعله بمعنى التعليم كقوله: جعلته كاتباً و شاعراً إذا علمته ذلك.

و سادسها: البيان و الدلالة تقول: جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك، إذا ثبت ذلك فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام و الحكم لهما بذلك كما يقال: جعلني فلان لصاً و جعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام و توفيقهما لذلك فمن وفقه اللّه لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلماً له، و مثاله: من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال: صيرتك أديباً و جعلتك أديباً، و في خلاف ذلك يقال: جعل ابنه لصاً محتالاً، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدلائل

53

العقلية فوجب ترك القول به، و إنما قلنا: أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً للّه تعالى لما استحق العبد به مدحاً و لا ذماً، و لا ثواباً و لا عقاباً، و لوجب أن يكون اللّه تعالى هو المسلم المطيع لا العبد.

و الجواب: قوله: الآية متروكة الظاهر، قلنا: لا نسلم و بيانه من وجوه. الأول: أن الإسلام عرض قائم بالقلب و أنه لا يبقى زمانين فقوله: وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي اخلق هذا العرض فينا في الزمان المستقبل دائماً، و طلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال. الثاني: أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله:

لِيَزْدََادُوا إِيمََاناً مَعَ إِيمََانِهِمْ [الفتح: 4]، وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمد: 17]و قال إبراهيم:

وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: 26]فكأنهما دعواه بزيادة اليقين و التصديق، و طلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال. الثالث: أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان و الاعتقاد، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله:

مُسْلِمَيْنِ لَكَ فالمراد الاستسلام له و الانقياد و الرضا بكل ما قدر و ترك المنازعة في أحكام اللّه تعالى و أقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل اللّه ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر، قوله: يحمل الجعل على الحكم بذلك، قلنا: هذا مدفوع من وجوه:

أحدها: أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، و إذا لم يكن المطلوب/بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة، و لا يقال: وصفه تعالى بذلك ثناء و مدح و هو مرغوب فيه، قلنا: نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشي‏ء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به و الحكم به، فكان حمله على الأول أولى. و ثانيها: أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك و اللّه تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً و أي فائدة في طلبه بالدعاء. و ثالثها: أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً، أما قوله: يحمل ذلك على فعل الألطاف، قلنا: هذا أيضاً مدفوع من وجوه. أحدها: أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر. و ثانيها:

أن تلك الألطاف قد فعلها اللّه تعالى و أوجدها و أخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل و أنه غير جائز. و ثالثها: أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً و إن كان لها أثر في الترجيح فنقول:

متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب و ذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب و لا يمتنع، فإن وجب فهو المطلوب، و إن امتنع فهو مانع لا مرجح، و إن لم يجب و لا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة و لا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام امر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً و قد فرضناه كذلك هذا خلف، و إن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح و هو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول، قوله: الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق اللّه تعالى و هو فصل المدح و الذم، قلنا: إنه معارض بسؤال العلم و سؤال الداعي على ما تقدم تقريره مراراً و أطوارا و اللّه أعلم.

و اعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الإسلام؟قد أدرجناه في‏

54

هذه المسألة و ذكرنا عنه أجوبة شافية كافية و الحمد للّه على ذلك، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه و تعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا؟فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين، و إن كانت صالحة لتركه فهو باطل و مع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلأن الترك عبارة عن بقاء الشي‏ء على عدمه الأصل و العدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر و لأنه عدم باق و الباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر، فإذن لا قدرة إلا على الوجود، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود، و أما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود و العدم فالمقصود حاصل، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح، و يجب انتهاء المرجحات إلى فعل اللّه تعالى قطعاً للتسلسل، و عند حصول/المرجح من اللّه تعالى يجب وقوع الفعل، فثبت أن قوله: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية.

المسألة الثانية: قوله: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ يفيد الحصر أي نكون مسلمين لك لا لغيرك و هذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلماً لأحكام اللّه تعالى و قضائه و قدره، و أن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شي‏ء سواه، و هذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاََّ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ [الشعراء: 77]ثم هاهنا قولان: أحدهما: رَبَّنََا وَ اِجْعَلْنََا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك. و الثاني: قائمين بجميع شرائع الإسلام و هو الأوجه لعمومه.

المسألة الثالثة: أما إن العبد لا يخاطب اللّه تعالى وقت الدعاء إلا بقوله: ربنا فسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى في تفسير قوله: وَ قََالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60]في شرائط الدعاء.

أما قوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنََا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ فالمعنى: و اجعل من أولادنا و «من» للتبعيض و خص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ [البقرة: 124]و من الناس من قال: أراد به العرب لأنهم من ذريتهما، و أُمَّةً قيل هم أمة محمد صلى اللّه عليه و سلّم بدليل قوله: وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: قد بينا أن قوله: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالما فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالماً، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى؟ الجواب: تلك الدلالة ما كانت قاطعة، و الشفيق بسوء الظن مولع.

السؤال الثاني: لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء؟ و الجواب: الذرية أحق بالشفقة و المصلحة قال اللّه تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نََاراً [التحريم: 6] و لأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم و تابعهم على الخيرات، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء و الكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم.

السؤال الثالث: الظاهر أن اللّه تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه‏