التفسير الكبير - ج5

- الفخر الرازي‏ المزيد...
362 /
185

الجزء الخامس‏

تتمة سورة البقرة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد و دلائله، و ما للموحدين من الثواب و أتبعه بذكر الشرك و من يتخذ من دون اللّه أندادا، و يتبع رؤساء الكفرة أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين و إحسانه إليهم و أن معصية من عصاه و كفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه و نعمه عنهم، فقال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ كُلُوا مِمََّا فِي اَلْأَرْضِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب و الوصائل و البحائر و هم قوم من ثقيف و بني عامر بن صعصعة و خزاعة و بني مدلج.

المسألة الثانية: الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه و أصله من الحل الذي هو نقيض العقد و منه: حل بالمكان إذا نزل به، لأنه حل شد الارتحال للنزول و حل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة، و حل من إحرامه، لأنه حل عقيدة الإحرام، و حلت عليه العقوبة، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب و الحلة الإزار و الرداء، لأنه يحل عن الطي للبس، و من هذا تحلة اليمين، لأنه عقدة اليمين تنحل به، و اعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه كالميتة و الدم و الخمر، و قد يكون حراما لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين.

المسألة الثالثة: قوله حَلاََلاً طَيِّباً إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض و إن شئت نصبته على أنه مفعول.

المسألة الرابعة: الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر و الحلال يوصف بأنه طيب، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى: قُلْ لاََ يَسْتَوِي اَلْخَبِيثُ وَ اَلطَّيِّبُ [المائدة: 100]و الطيب في الأصل هو ما يستلذ به و يسطاب و وصف به الطاهر و الحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه و الحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه و في المراد بالطيب في الآية وجهان الأول: أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيبا إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراما و إن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة و الثاني: المراد منه المباح و قوله يلزم التكرار قلنا: لا نسلم فإن قوله: حَلاََلاً المراد منه ما يكون جنسه حلالا و قوله طَيِّباً المراد منه لا يكون متعلقا به حق الغير فإن أكل الحرام و إن استطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة و لا يكون مستطابا، كما قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [النساء: 10].

186

أما قوله تعالى: لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر و الكسائي، و هي إحدى الروايتين عن ابن كثير و حفص عن عاصم خُطُوََاتِ بضم الخاء و الطاء و الباقون بسكون الطاء، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع، كما فعل بالأسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة و غرفات، و تحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم و الصفة، و ذلك أن ما كان اسما جمعته بتحريك العين نحو تمرة و تمرات و غرفة و غرفات و شهوة و شهوات، و ما كان نعتا جمع بسكون العين نحو ضخمة و ضخمات و عبلة و عبلات، و الخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين، و أما من خفف العين فبقاه على الأصل و طلب الخفة.

المسألة الثانية: قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة و الخطوة بمعنى واحد و حكي عن الفراء:

خطوت خطوة و الخطوة ما بين القدمين كما يقال: حثوت حثوة، و الحثوة اسم لما تحثيت، و كذلك غرفت غرفة و الغرفة اسم لما اغترفت، و إذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشي‏ء المغترف بالكف فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله و لا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان، و هذا قول الزجاج و ابن قتيبة فإنهما قالا: خطوات الشيطان طرفه و إن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير: لا تأتموا به و لا تقفوا أثره و المعنيان مقاربان و إن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة، و أما المعنى فليس مراد اللّه هاهنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور أحذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان و زجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر اللّه تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا /التحذير، و هو كونه عدوا مبنيا أي متظاهر بالعداوة، و ذلك لأن الشيطان التزم أمورا سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى: وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذََانَ اَلْأَنْعََامِ وَ لَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللََّهِ [النساء: 119]و ثلاثة منها في قوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ*`ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ [الأعراف: 16، 17]فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوا متظاهرا بالعداوة فلهذا وصفه اللّه تعالى بذلك.

و أما قوله تعالى: إِنَّمََا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ اَلْفَحْشََاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، و هو مشتمل على أمور ثلاثة أولها: السوء، و هو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب و ثانيها: الفحشاء و هي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، و هو الذي يستعظم و يستفحش من المعاصي و ثالثها: أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ و كأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف اللّه تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: وَ لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر و الكبائر و الكفر و الجهل باللّه، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن أمر الشيطان و وسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها من أنفسنا، و قد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه أحدها: اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف و أصوات‏

187

خفية، و قال الفلاسفة: إنها تصورات الحروف و الأصوات و تخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه، و إن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه.

و لقائل أن يقول: صور هذه الحروف و تخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفا أو لا تشبهها؟فإن كان الأول فصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات و حروف خفية، و إن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفا، لكني أجد من نفسي هذه الحروف و الأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج، و العربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، و كذا العجمي، و تصورات هذه الحروف و تعاقبها و تواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها و تواليها في الخارج، فثبت أنها في أنفسها حروف و أصوات خفية و ثانيها: أن فاعل هذه الخواطر من هو؟أما على أصلنا و هو أن خالق الحوادث بأسرها هو اللّه تعالى، فالأمر ظاهر و أما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك، و أيضا فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو اللّه تعالى، و فيها ما يكون كذبا و سخفا، لزم كون اللّه موصوفا بذلك تعالى اللّه عنه، و لا يمكن أن يقال: إن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر، و يحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، /فإذن لا بد هاهنا من شي‏ء آخر، و هو إما الملك و إما الشيطان، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ، و في أقصى القلب، حتى إن الإنسان و إن كان في غاية الصمم، فإنه يسمع هذه الحروف و الأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان و الملك ذوات قائمة بأنفسها، غير متحيزة ألبتة، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، و إن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضا أن يقال:

إنها و إن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر، و لا بعد أيضا أن يقال إنها لغاية لطافتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر و مخارق جسمه و توصل الكلام إلى الأقصى قلبه و دماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب، بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالا لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق و المخارق انفصالها و تفرق أجزائها و كل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها و الأمر في معرفة حقائقها عند اللّه تعالى، و مما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى اَلْمَلاََئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: 12]أي ألهموهم الثبات و شجعوهم على أعدائهم، و يدل عليه من الأخبار

قوله عليه الصلاة و السلام «إن للشيطان لمة بابن آدم و للملك لمة»

و

في الحديث أيضا «إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطانا و قرن اللّه به ملكا، فالشيطان جاثم على أذن قلبه الأيسر، و الملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه»

و من صوفية و الفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، و فسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة و الشهوانية و الغضبية.

المسألة الثاني: دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره بكلمة إِنَّمََا و هي للحصر، و قال بعض العارفين: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر و ذلك يدل على أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر، و إما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل‏

188

يتناول مقلد الحق لأنه و إن كان مقلدا للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية.

المسألة الرابعة: تمسك نفاة القياس بقوله: وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ و الجواب عنه: أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على اللّه بما يعلم لا بما لا يعلم.

اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله: لَهُمُ على ثلاثة أقوال أحدها: أنه عائد على «من» في قوله:

مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَنْدََاداً [البقرة: 165]و هم مشركو العرب، و قد سبق ذكرهم. و ثانيها: يعود على «الناس» في قوله: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ [البقرة: 21]فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الالتفات مبالغة في بيان ضلالهم، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. و ثالثها: قال ابن عباس: نزلت في اليهود، و ذلك حين دعاهم رسول اللّه إلى الإسلام، فقالوا: نتبع ما وجدنا عليه أباءنا، فهم كانوا خير منا، و أعلم منا، فعلى هذا الآية مستأنفة، و الكناية في لَهُمُ تعود إلى غير مذكور، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور، ثم حكى اللّه تعالى عنهم أنهم قالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مََا أَلْفَيْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الكسائي يدغم لام «هل» و «بل» في ثمانية أحرف: التاء كقوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ [الأعلى: 16]و النون بَلْ نَتَّبِعُ و الثاء هَلْ ثُوِّبَ [المطففين: 36]و السين‏ بَلْ سَوَّلَتْ* [يوسف: 18] و الزاي‏ بَلْ زُيِّنَ [الرعد: 33]و الضاد بَلْ ضَلُّوا [الأحقاف: 28]و الظاء بَلْ ظَنَنْتُمْ و الطاء بَلْ طَبَعَ [النساء: 155]و أكثر القراء على الإظهار، و منهم من يوافقه في البعض، و الإظهار هو الأصل.

المسألة الثانية: أَلْفَيْنََا بمعنى وجدنا، بدليل قوله تعالى في آية أخرى‏ بَلْ نَتَّبِعُ مََا وَجَدْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا [لقمان: 21]و يدل عليه أيضا قوله تعالى: وَ أَلْفَيََا سَيِّدَهََا لَدَى اَلْبََابِ [يوسف: 25]و قوله: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبََاءَهُمْ ضََالِّينَ [الصافات: 69].

المسألة الثالثة: معنى الآية: أن اللََّه تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل اللََّه من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك، و إنما نتبع آباءنا و أسلافنا، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد، و أجاب اللََّه تعالى عنهم بقوله: أَ وَ لَوْ كََانَ آبََاؤُهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لاََ يَهْتَدُونَ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: الواو في أَ وَ لَوْ واو العطف، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ و التقريع، و إنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ، لأنها تقتضي الإقرار بشي‏ء يكون الإقرار به فضيحة، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه.

المسألة الثانية: تقرير هذا الجواب من وجوه. أحدها: أن يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقا أم لا؟فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا، فكيف عرفت أنه محق؟و إن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل، و إن عرفته بالعقل فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد، و إن قلت:

ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم/كونه محقا، فاذن قد جوزت تقليده، و إن كان مبطلا فإذن أنت على‏

189

تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل و ثانيها: هب أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشي‏ء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشي‏ء قط و ما اختار فيه ألبتة مذهبا، فأنت ماذا كنت تعمل؟فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم و لا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا هاهنا و ثالثها: أنك إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟أ عرفته بتقليد أم لا بتقليد؟فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور و إما التسلسل، و إن عرفته لا بتقليد بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفا له، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا.

المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة و ساوس الشيطان، و بين متابعة التقليد، و فيه أقوى دليل على وجوب النظر و الاستدلال، و ترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل.

المسألة الرابعة: قوله: لاََ يَعْقِلُونَ شَيْئاً لفظ عام، و معناه الخصوص، لأنهم كانوا يعقلون كثيرا من أمور الدنيا، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به الخاص.

المسألة الخامسة: قوله: لاََ يَعْقِلُونَ شَيْئاً المراد أنهم لا يعلمون شيئا من الدين و قوله تعالى: وَ لاََ يَهْتَدُونَ المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية اكتسابه.

اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل اللّه تركوا النظر و التدبر، و أخلدوا إلى التقليد، و قالوا: بَلْ نَتَّبِعُ مََا أَلْفَيْنََا عَلَيْهِ آبََاءَنََا [البقرة: 170]ضرب لهم هذا المثل تنبيها للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، و قلة الاهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام، و مثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، و يحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، و تضييقا لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر و الردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد، و هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها و أما نعق الغراب فبالغين المعجمة.

المسألة الثانية: للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما: تصحيح المعنى بالإضمار في الآية و الثاني: إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول: و هو قول الأخفش و الزجاج و ابن قتيبة، كأنه قال: و مثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق، و هو الرسول عليه الصلاة و السلام و سائر الدعاة إلى الحق و صار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها و وجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت و لا تفهم المراد، و هؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول و ألفاظه، و ما كانوا ينتفعون بها و بمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه الثاني: مثل الذين كفروا في دعاتهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم، و ما يجري مجراه من الكلام و البهائم لا

190

تفهم: فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم، فإذا كان لا شك أن هاهنا المحذوف هو المدعو، و في القول الذي قبله المحذوف هو الداعي، و فيه سؤال، و هو أن قوله: إِلاََّ دُعََاءً وَ نِدََاءً لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئا الثالث: قال ابن زيد: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال: يا زيد يسمع من الصدى: يا زيد. فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء و النداء.

الطريق الثاني: في الآية و هو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار و فيه وجهان أحدهما: أن يقول: مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضى على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا هاهنا الثاني: مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم و تقليدهم لهم، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة.

أما قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، فقال: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه و بمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه و بمنزلة العمي من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها، قال النحويون صُمٌّ أي هم صم و هو رفع على الذم، أما قوله: فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم قال: العقل عقلان مطبوع و مسموع.

و لما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب و لهذا قيل: من فقد حسا فقد علما.

اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله: كُلُوا مِمََّا فِي اَلْأَرْضِ حَلاََلاً طَيِّباً [البقرة: 168]ثم نقول:

إن اللّه سبحانه و تعالى تكلم من أول السورة إلى هاهنا في دلائل التوحيد و النبوة و استقصى في الرد على اليهود و النصارى، و من هنا شرع في بيان الأحكام، اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن الأكل قد يكون واجبا، و ذلك عند دفع الضرر عن النفس، و قد يكون مندوبا، و ذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد و ينبسط في ذلك إذا سوعد، فهذا الأكل مندوب، و قد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، و الأصل في الشي‏ء أن يكون خاليا عن العوارض، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحا و إذا كان الأمر كذلك كان قوله: كُلُوا في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب و الندب بل الإباحة.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله تعالى: مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالا لكان قوله: مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ معناه من محللات ما أحللنا لكم، فيكون تكرارا و هو خلاف الأصل، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، و لعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم و الاستكثار من طيباتها ممنوع منه. فأباح اللّه تعالى ذلك بقوله، كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى.

191

المسألة الثالثة: قوله: وَ اُشْكُرُوا لِلََّهِ أمر: و ليس بإباحة فإن قيل: الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان و بالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضروريا فكيف يمكن إيجابه، و أما العزم على تعظيمه باللسان و الجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان و العمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، و أما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، و أما الشكر بالجوارح و الأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، و ذلك أيضا غير واجب، و إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر/قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقا للتعظيم و إظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة.

أما قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في هذه الآية وجوها. أحدها: وَ اُشْكُرُوا لِلََّهِ إن كنتم عارفين بالله و بنعمه، فعبر عن معرفة اللّه تعالى بعبادته، إطلاقا لاسم الأثر على المؤثر. و ثانيها: معناه: إن كنتم تريدون أن تعبدوا اللّه فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات. و ثالثها: وَ اُشْكُرُوا لِلََّهِ الذي رزقكم هذه النعم إِنْ كُنْتُمْ إِيََّاهُ تَعْبُدُونَ أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة و تقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره،

عن أنس رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «يقول اللّه تعالى: إنى و الجن و الإنس في نبأ عظيم أخلق و يعبد غيري، و أرزق و يشكر غيري»

.

المسألة الثانية: احتج من قال: إن المعلق بلفظ: أن، لا يكون عدما عند عدم ذلك الشي‏ء بهذه الآية، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة «إن» على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضا.

الحكم الاول‏

اعلم أنه سبحانه و تعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام، و الكلام فيها على نوعين. النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير. و النوع الثاني: ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية «فالنوع الأول» أي ما يتعلق بالتفسير قوله تعالى إنما حرم عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أحل به لغير الله‏ فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن كلمة «إنما» على وجهين. أحدهما: أن تكون حرفا واحدا، كقولك: إنما داري دارك، و إنما مالي مالك الثاني: أن تكون (ما) منفصلة من: إن، و تكون (ما) بمعنى الذي، كقولك: إن ما أخذت مالك، و إن ما ركبت دابتك، و جاء في التنزيل على الوجهين، أما على الأول فقوله: إِنَّمَا اَللََّهُ إِلََهٌ وََاحِدٌ و إِنَّمََا أَنْتَ نَذِيرٌ [هود: 12]و أما على الثاني فقوله: إِنَّمََا صَنَعُوا كَيْدُ سََاحِرٍ [طه: 69]و لو نصبت كيد ساحر على أن تجعل «إنما» حرفا واحدا كان صوابا، و قوله: إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ أَوْثََاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [العنكبوت: 25] تنصب المودة و ترفع على هذين الوجهين، و اختلفوا في حكمها على الوجه الأول، فمنهم من قال: «إنما» تفيد الحصر و احتجّوا عليه بالقرآن و الشعر/و القياس، أما القرآن فقوله تعالى: إِنَّمَا اَللََّهُ إِلََهٌ وََاحِدٌ [النساء: 171]

192

أي ما هو إلا إله واحد، و قال: إِنَّمَا اَلصَّدَقََاتُ لِلْفُقَرََاءِ وَ اَلْمَسََاكِينِ [التوبة: 60]أي لهم لا لغيرهم و قال تعالى لمحمد: قُلْ إِنَّمََا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ* [الكهف: 110]أي ما أنا إلا بشر مثلكم، و كذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى‏ قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: 145]فصارت الآيتان واحدة فقوله: إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ في هذه الآية مفسر لقوله: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً إلا كذا في تلك الآية، و أما الشعر فقوله الأعشى.

و لست بالأكثر منهم حصى # و إنما العزة للكاثر

و قول الفرزدق:

أنا الذائد الحامى الذمار و إنما # يدافع عن أحسابه أنا أو مثلي‏

و أما القياس، فهو أن كلمة «إن» للإثبات و كلمة «ما» للنفي فإذا اجتمعا فلا بد و أن يبقيا على أصليهما؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور، و نفي المذكور و هو باطل بالاتفاق، أو ثبوت المذكور، و نفي غير المذكور و هو المطلوب، و احتج من قال: إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى: إِنَّمََا أَنْتَ نَذِيرٌ و لقد كان غيره نذيرا، و جوابه معناه: ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر، و لا ينفي وجود نذير آخر.

المسألة الثانية: قرئ حَرَّمَ على البناء للفاعل و حرم للبناء للمفعول و حرم بوزن كرم.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح، و أما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر و تشويها ثم تأكلها، فحرم اللّه الدم و قوله: لَحْمَ اَلْخِنْزِيرِ أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل و قوله: وَ مََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اَللََّهِ قال الأصمعي: الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل، و قال ابن أحمر:

يهل بالفدفد ركبانها # كما يهل الراكب المعتمر

هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم مهل لرفعة الصوت بالتلبية عند الإحرام، هذا معنى الإهلال، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها، و ذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، و الذابح مهل، لأن العرب كانوا يسمعون الأوثان عند الذبح، و يرفعون أصواتهم بذكرها و منه: استهل الصبي، فمعنى قوله: وَ مََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اَللََّهِ يعني ما ذبح للأصنام، و هو قول مجاهد، و الضحاك و قتادة، و قال الربيع بن أنس و ابن زيد:

يعني ما ذكر عليه غير اسم اللّه، و هذا القول أولى، لأنه أشد مطابقة للفظ، قال العلماء: لو أن مسلما ذبح ذبيحة، و قصد بذبحها التقرب إلى غير اللّه صار مرتدا و ذبيحته ذبيحة مرتد، و هذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائح/أهل الكتاب، فتحل لنا لقوله تعالى: وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: 5].

أما قوله تعالى: فَمَنِ اُضْطُرَّ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ نافع، و ابن كثير، و ابن عامر و الكسائي: فَمَنِ اُضْطُرَّ بضم النون و الباقون بالكسر، فالضم للاتباع، و الكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين.

المسألة الثانية: اضطر: أحوج و ألجئ، و هو افتعل من الضرورة، و أصله من الضرر، و هو الضيق.

193

المسألة الثالثة: لما حرم اللّه تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، و هذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد، و أن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله.

المسألة الرابعة: أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف، حتى يقال إنه فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإذن لا بد هاهنا من إضمار و هو الأكل و التقدير: فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه و الحذف هاهنا كالحذف في قوله:

فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ََ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيََّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184]أي فأفطر فحذف فأفطر و قوله: فَمَنْ كََانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيََامٍ أَوْ صَدَقَةٍ [البقرة: 196]و معناه فحلق ففدية، و إنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف، و لدلالة الخطاب عليه.

أما قوله تعالى: غَيْرَ بََاغٍ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الفراء غَيْرَ هاهنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء، لأن غير هاهنا بمعنى النفي، و لذلك عطف عليها لا لأنها في معنى: لا، و هي هاهنا حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر باغيا، و لا عاديا فهو له حلال.

المسألة الثانية: أصل البغي في اللغة الفساد، و تجاوز الحد قال الليث: البغي في عدو الفرس اختيال و مروح، و أنه يبغي في عدوه و لا يقال: فرس باغ، و البغي الظلم و الخروج عن الإنصاف و منه قوله تعالى:

وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَصََابَهُمُ اَلْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى: 39]و قال الأصمعي: بغى الجرح يبغي بغيا، إذا بدأ بالفساد، و بغت السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد، و بغى الجرح و البحر و السحاب إذا طغى.

أما قوله تعالى: وَ لاََ عََادٍ فالعدو هو التعدي في الأمور، و تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، يقال عدا عليه عدوا، و عدوانا، و اعتداء و تعديا، إذا ظلمه ظلما مجاوزا للحد، و عدا طوره: جاوز قدره.

المسألة الثالثة: لأهل التأويل في قوله: غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ قولان أحدهما: أن يكون قوله، غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ مختصا بالأكل و الثاني: أن يكون عاما في الأكل و غيره، أما على القول الأول/ففيه وجوه الأول: غَيْرَ بََاغٍ و ذلك بأن يجد حلالا تكرهه النفس، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ وَ لاََ عََادٍ أي متجاوز قدر الرخصة الثاني: غير باغ للذة أي طالب لها، و لا عاد متجاوز سد الجوعة، عن الحسن، و قتادة، و الربيع، و مجاهد، و ابن زيد الثالث: غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه، و لا عاد في سد الجوعة.

القول الثاني: أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي، و لا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين، و الكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى.

أما قوله: فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ ففيه سؤالان أحدهما: أن الأكل في تلك الحالة واجب و قوله: فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ يفيد الإباحة الثاني: أن المضطر كالملجأ إلى الفعل و الملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه، قلنا: قد بينا في تفسير قوله: فَلاََ جُنََاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمََا [البقرة: 158]أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب و المندوب و المباح، و أيضا فقوله تعالى: فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ معناه رفع الحرج و الضيق، و اعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة، و لم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى‏

194

الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ و لزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار، و هاهنا يتحقق معنى الوجوب.

أما قوله تعالى: في آخر الآية: إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ففيه إشكال و هو أنه لما قال: فَلاََ إِثْمَ عَلَيْهِ فكيف يليق أن يقول بعده: إِنَّ اَللََّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم.

و الجواب: من وجوه أحدها: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة و الدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعنى لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك و ثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة و ثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه و تعالى.

النوع الثاني: من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها و هي مرتبة على فصول:

الفصل الأول فيما يتعلق بالميتة

و الكلام فيه مرتب على مقدمة و مقاصد:

أما المقدمة: ففيها ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان، هل يقتضي الإجمال؟ فقال الكرخي: إنه يقتضي الإجمال، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل و الحرمة، فلا بد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها، و ليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس و عما يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها، و هو غير محرم، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص، و ليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة، و أما أكثر العلماء فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك و إنما يملك التصرفات فيها، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا، و قد استقصينا الكلام فيه في كتاب المحصول في علم الأصول.

المسألة الثانية: لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص، فإن قيل: لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل، و الذي يدل عليه وجوه أحدها: أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها و ثانيها: أنه ورد عقيب قوله: كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ [البقرة: 57]و ثالثها: ما

روي عن الرسول عليه السلام في خبر شاة ميمونة، إنما حرم من الميتة أكلها

و الجواب عن الأول: لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها و عن الثاني: أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها و عن الثالث: أن ظاهر القرآن‏

195

مقدم على خبر الواحد، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، و يمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية، فدل انعقاد إجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل، و للسائل أن يمنع هذا الإجماع.

المسألة الثالثة: الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنية و لذلك فرقوا بين المقتول و الميت، و أما من جهة الشرع فهو غير المذكى إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح و لكن لم يكن ذبحه ذكاة و سنذكر حد الزكاة في موضعه، فإن قيل: كيف يصح ذلك و قد قال تعالى في سورة المائدة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ [المائدة: 3]ثم ذكر من بعده المنخنقة و الموقوذة و المتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة و منه ما ليس كذلك، قلنا لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة، و أما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه و اللّه أعلم.

أما المقاصد فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين أحدهما: ما أخرجوه عن الآية و هو داخل فيها و الثاني: ما أدخلوه فيها و هو خارج عنها.

أما القسم الأول‏ أي ما خرجوه عن الآية : ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ذهب الشافعي رضي اللّه عنه في أظهر أقواله إلى أنه يحرم الانتفاع بصوف الميتة و شعرها و عظمها و قال مالك: يحرم الانتفاع بعظمها خاصة و جل الفقهاء اتفقوا على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير، و احتج هؤلاء بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع بها، إنما قلنا إنها ميتة

لقوله عليه السلام: «ما أبين من حي فهو ميت»

و هذا الخبر يعم الشعر و العظم و الكل و أما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى: مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ [يس: 78]فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة و إذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ اعترض المخالف عليه بأن الشعر و الصوف لا حياة فيه، لأن حكم الحياة الإدراك و الشعور و ذلك مفقود في الشعر و لأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى تنجيس العظام دون الشعور.

و الجواب: أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك و الشعور بدليل الآية و الخبر أما الآية فقوله تعالى: كَيْفَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا [الروم: 50]و أما الخبر

فقوله عليه السلام: «من أحيا أرضا ميتة فهي له»

و الأصل في الإطلاق الحقيقة، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست عبارة عما ذكرتموه، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحا في مزاجه معتدلا في حاله غير معترض للفساد و التعفن و التفرق، و إذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية، و احتج أبو حنيفة بالقرآن و الخبر و الإجماع و القياس، أما القرآن فقوله تعالى: وَ مِنْ أَصْوََافِهََا وَ أَوْبََارِهََا وَ أَشْعََارِهََا أَثََاثاً وَ مَتََاعاً إِلى‏ََ حِينٍ [النحل: 80]حيث ذكرها في معرض المنة، و الامتنان لا يقع بالجنس الذي لا يحل الانتفاع به، و أما الخبر

فقوله عليه السلام في شاة ميمونة «إنما حرم من الميتة أكلها»

و أما الإجماع، فهو أنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، و يجعلون منها القلانس، و عن النخعي: كانوا لا يرون بجلود السباع و جلود الميتة إذا دبغت بأسا، و ما خصوا حال الشعر و عدمه و قول الشافعي: كانوا إشارة إلى الصحابة و ليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي اللّه عنه حلال، فلهذا يقول بإباحته لأن الزكاة شرط بالاتفاق و هو غير حاصل في هذه الثعالب، و أما القياس فلأن هذه الشعور و العظام أجسام منتفع بها غير متعرضة

196

للتعفن و الفساد، فوجب أن يقتضي بطهارتها كالجلود المدبوغة، و أما النفع بشعر الخنزير: ففي الفقهاء من منع نجاسته و هو الأسلم، ثم قالوا: هب أن عموم قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ يقتضي حرمة الانتفاع بالصوف و العظم و غيرهما إلا أن هذه الدلائل تنتج الانتفاع بها، و الخاص مقدم على العام فكان هذا الجانب أولى بالرعاية.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: إذا مات في الماء دابة ليس لها نفس سائلة لم يفسد الماء قل أو كثر، و للشافعي رضي اللّه عنه قولان في الماء القليل، و احتجوا للشافعي، بأنها حيوانات فإذا ماتت صارت ميتة فيحرم استعمالها بمقتضى الآية، و إذا حرم استعمالها بمقتضى الآية وجب الحكم بنجاستها، و إذا ثبت الحكم بنجاستها، وجب الحكم بنجاسة الماء القليل الذي/وقعت هي فيه، و أجابوا عنه بأنه ميتة، و يحرم الانتفاع بها و لكن لم قلتم إنها متى كانت كذلك كانت نجسة، ثم لم يلزم من نجاستها تنجس الماء بها، و احتجوا على القول الثاني للشافعي رضي اللّه عنه‏

بقوله عليه السلام: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء و في الآخر دواء»

و أمر بالمقل فربما كان الطعام حارا فيموت الذباب فيه فلو كان ذلك سببا للتنجيس لما أمر النبي عليه السلام به.

المسألة الثالثة: للفقهاء مذاهب سبعة في أمر الدباغ، فأوسع الناس فيه قولا الزهري، فإنه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، و يليه داود فإنه قال تطهر كلها بالدباغ، و يليه مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها، و يليه أبو حنيفة فإنه قال يطهر كلها إلا جلد الخنزير، و يليه الشافعي فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب و الخنزير، و يليه الأوزاعي و أبو ثور فإنهما يقولان: يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، و يليه أحمد بن حنبل رضي اللّه عنهم فإنه قال: لا يطهر منها شي‏ء بالدباغ، و احتج أحمد بالآية و الخبر أما الآية فقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ [المائدة: 3]أطلق التحريم و ما قيده بحال دون حال، و أما الخبر فقول عبد اللََّه بن حكيم: أتانا كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم قبل وفاته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب و لا عصب، أجابوا عن التمسك بالآية، بأن تخصيص العموم بخبر الواحد و بالقياس جائز، و قد وجدا هاهنا خبر الواحد

فقوله عليه الصلاة و السلام: أيما إهاب دبغ فقد طهر»

و أما القياس: فهو أن الدباغ يعود الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة و كما كان حال الحياة طاهرا كذلك بعد الدباغ و هذا القياس و الخبر هما معتمد الشافعي رحمه اللّه.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة، بإطعام البازي و البهيمة، فمنهم من منع منه لأنه إذا أطعم البازي ذلك فقد انتفع بتلك الميتة و الآية دالة على تحريم الانتفاع بالميتة فاما إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة فهل يجب علينا منعه أم لا فيه احتمالان.

المسألة الخامسة: اختلفوا في دهن الميتة و ودكها هل يجوز الاستصباح به أم لا، و هذا ينظر فيه فإن كان ذلك مما حلته الحياة، أو في جملته ما هو هذا حاله، فالظاهر يقتضي المنع منه و إن لم يكن كذلك فهو خارج من جملة الميتة، و إنما يحرم ذلك الدليل سوى الظاهر، و

عن عطاء بن جابر قال لما قدم الرسول صلى اللّه عليه و سلّم مكة أتاه الذين يجمعون الأوداك، فقالوا يا رسول اللّه إنا نجمع الأوداك و هي من الميتة و غيرها و إنما هي للأديم و السفن، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها»

فنهاهم عن ذلك و أخبرهم بأن تحريمه إياها على الإطلاق أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها.

197

المسألة السادسة: الظاهر يقتضي حرمة السمك و الجراد إلا أنهما خصا بالخبر

عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنه، قال عليه الصلاة و السلام: «أحلت لنا ميتتان و دمان أما الميتتان فالجراد و النون/و أما الدمان فالطحال و الكبد»

و

عن جابر في قصة طويلة: أن البحر ألقى إليهم حوتا فأكلوا منه نصف شهر، فلما رجعوا أخبروا النبي عليه الصلاة و السلام بذلك فقال: هل عندكم منه شي‏ء تطعموني،

و

قال عليه الصلاة و السلام في صفة البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»

و أيضا فإنه‏

ثبت بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة و السلام: حل السمك،

و اختلفوا في السمك الطافي و هو الذي يموت في الماء حتف أنفه، فقال مالك و الشافعي رضي اللّه عنهما لا بأس به، و قال أبو حنيفة و أصحابه و الحسن بن صالح إنه مكروه و اختلف الصحابة في هذه المسألة

فعن علي رضي اللّه عنه أنه قال: ما طفا من صيد البحر فلا نأكله، و هذا أيضا مروي عن ابن عباس و جابر بن عبد اللََّه،

و روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه و أبي أيوب إباحته، و روى أبو بكر الرازي روايات مختلفة

عن جابر بن عبد اللََّه أنه عليه الصلاة و السلام قال: «ما ألقى البحر أو جرد عنه فكلوه، و ما مات فيه و طفا فلا تأكلوه»

و أما الشافعي رضي اللّه عنه فقد احتج بالآية و الخبر و المعقول، أما الآية فقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَ طَعََامُهُ [المائدة: 96]و هذا السمك الطافي من طعام البحر فوجب حله، و أما الخبر

فقوله عليه الصلاة و السلام: «أحلت لنا ميتتان السم و الجراد»

و هذا مطلق، و

قوله في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»

و هذا عام و

روي عن أنس رضي اللّه عنه أنه عليه الصلاة و السلام قال: «كل ما طفا على البحر» .

المسألة السابعة: قال الشافعي و أبو حنيفة رضي اللّه عنهما: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته و ما وجدته، و روي عن مالك رضي اللّه عنه أن ما وجد ميتا لا يحل، و أما ما أخذ حيا ثم قطع رأسه و شوي أكل، و ما أخذ حيا فغفل عنه حتى يموت لم يؤكل حجة مالك ظاهر الآية، و حجة الشافعي و أبي حنيفة

قوله عليه السلام: «أحلت لنا ميتتان السمك و الجراد»

فوجب حملهما على الإطلاق فتبين بذلك أن قطع رأسه إن جعل له ذكاة فهو كالشاة المذكاة في أنه لا يكون ميتة، فلا يكون‏

لقوله عليه السلام «أحلت لنا ميتتان»

فائدة و قال عبد اللََّه بن أبي أوفي:

غزوت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم سبع غزوات نأكل الجراد و لا نأكل غيره، فلم يفرق بين ميتة و بين مقتولة.

المسألة الثامنة: اختلفوا في الجنين إذا خرج ميتا بعد ذبح الأم، فقال أبو حنيفة، لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح، و هو قول حماد، و قال الشافعي و أبو يوسف و محمد:

أنه يؤكل و هذا هو المروي عن علي،

و ابن مسعود، و ابن عمر، و قال مالك: إن تم خلقه و نبت شعره أكل، و إلا لم يؤكل، و هو قول سعيد بن المسيب، و احتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية و هو أنه ميتة، فوجب أن يحرم، قال الشافعي، خصص هذا العموم بالخبر و القياس، أما الخبر فهو أنا أجمعنا على أن المذكى مباح و هذا مذكى، لما

روى عن أبو سعيد الخدري، و أبو الدرداء، و أبو أمامة، و كعب بن مالك، و ابن عمر و أبو أيوب، و أبو هريرة رضي اللّه عنهم، عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم أنه قال: / «ذكاه الجنين ذكاة أمه»

و تقريره أن كون الذكاة سببا للإباحة حكم شرعي، فجاز أن تكون ذكاة الجنين حاصلة شرعا بتحصيل ذكاة أمه، أجاب الحنفيون بأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه، يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له، و يحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكى أمه، و أنه لا يؤكل بغير ذكاة، كقوله تعالى: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمََاوََاتُ وَ اَلْأَرْضُ [آل عمران: 133]و معناه كعرض السموات و الأرض، كقول القائل: قولي قولك، و مذهبي مذهبك، و إنما المعنى: قولي كقولك، و مذهبي كمذهبك، و قال الشاعر: ـ

198

فعيناك عيناها # و جيدك جيدها

و إذا ثبت ما ذكرنا كان أحد الاحتمالين إيجاب تذكيته، و أنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه، و الآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله، و إذا كان كذلك لم يجز تخصيص الأمر بل يجب حمله على المعنى الموافق للآية، أجاب الشافعي رضي اللّه عنه من وجوه أحدها: أن على الاحتمال الذي ذكرتموه لا بد فيه من إضمار و هو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه، و الإضمار خلاف الأصل و ثانيها: أنه لا يسمى جنيناً إلا حال كونه في بطن أمه، و متى ولد لا يسمى جنيناً، و النبي عليه الصلاة و السلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنيناً، فوجب أن يكون في تلك الحالة مذكى بذكاتها و ثالثها: أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ذكاته إذا خرج حياً تسقط فائدته، لأن ذلك معلوم قبل وروده و رابعها: ما

روي عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة و السلام سئل عن الجنين يخرج ميتاً، قال: إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه،

و أما القياس فمن وجوه أحدهما: أنا أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت و ألقيت جنيناً ميتاً، لم ينفرد الجنين بحكم نفسه، و لو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في إيجاب الغرة، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه و خرج ميتاً، كان تبعاً للأم في الذكاة، و إذا خرج حياً لم يؤكل حتى يذكى و ثانيها: أن الجنين حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها فوجب أن يحل بذكاتها كسائر الأعضاء و ثالثها: الواجب في الولد أن يتبع الأم في الذكاة، كما يتبع الولد الأم في العتاق و الاستيلاد و الكتابة و نحوها.

المسألة التاسعة: ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة، فوجب أن يكون حراماً إنما قلنا: إنه ميتة، للنص و المعقول، أما النص‏

فقوله عليه الصلاة و السلام: «ما أبين من حي فهو ميت»

و أما المعقول فهو أن ذلك البعض كان حياً لأنه يدرك الألم و اللذة، و بالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتاً، فوجب أن يحرم لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ [المائدة: 3] المسألة العاشرة: اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة الجلد، فعند الشافعي رضي اللّه عنه، لا يستعقبه، لأن هذا الذبح لا يستعقب حل الأكل فوجب أن لا يستعقب الطهارة كذبح المجوسي، و عند أبي حنيفة يستعقبه.

القسم الثاني: مما دخل في الآية و ليس منها، و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَ اَلدَّمَ و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ لا يقتضي تحريم ما مات فيه من المائعات، و إنما يقتضي تحريم عين الميتة، و ما جاور الميتة فلا يسمى ميتة، فلا يتناوله لفظ التحريم، كالسمن إذا وقعت فيه فأوة و ماتت فإنه لا يتناولها، هذا الظاهر و جملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين أحدهما: أما الذي ينجس بمجاورته الميتة فيحرم، و أما الذي لا ينجس فلا يحرم و الثاني: أن الذي ينجس كيف الطريق إلى تطهيره؟ المسألة الثانية: سأل عبد اللََّه بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات، فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟فذكروا له عن ابن عباس: أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل و يراق المرق، فقال أبو حنيفة بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها كما في هذه الرواية و إن كان وقع في حال غليانها: لم‏

199

يؤكل اللحم و لا المرق، قال ابن المبارك: و لم ذاك؟قال: لأنه إذا سقط فيها غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، و إذا وقع فيها في حال سكونها فمات فإنما رشحت الميتة اللحم، قال ابن المبارك و عقد بيده ثلاثين:

هذا زرين، بالفارسية يعني المذهب، و روى ابن المبارك مثل هذا عن الحسن.

المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة لبن الشاة الميتة و أنفحتها طاهرتان، و قال الشافعي و مالك: لا يحل هذا اللبن و الإنفحة، و قال الليث: لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة، و اعلم أن الشافعي رضي اللّه عنه لا يتمسك في هذه المسألة بظاهر قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ [المائدة: 3]لأن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، فوجب الرجوع فيه نفياً و إثباتاً إلى دليل آخر، و معتمد الشافعي أن اللبن لو كان مجموعاً في إناء فسقط فيه شي‏ء من الميتة ينجس فكذلك إذا ماتت و هو في ضرعها، و هكذا الخلاف في الإنفحة، أما البيض إذا أخرج من جوف الدجاج فهو طاهر إذا غسل، و يحل أكله لأن القشرة إذا صلبت حجزت بين المأكول و بين الميتة فتحل، و لذلك لو كانت البيضة غير منعقدة لحرمت.

و لنختم هذا الفصل بمسائل مشتركة بين القسمين.

المسألة الأولى: اختلف المتكلمون في أن الميتة هل تكون ميتة بمعنى الموت، فمنهم من أثبت الموت بمعنى مضاد للحياة، على ما قال تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]و منهم من قال: إنه عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة و هذا أقرب.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن حرمة الميتة هل تقتضي نجاستها، و الحق أن حرمة الانتفاع لا تقتضي النجاسة، لأن لا يمتنع في العقل أن يحرم الانتفاع بها، و يحل الانتفاع بما جاورها، إلا أنه قد ثبت بالإجماع أن الميتة نجسة.

الفصل الثاني في تحريم الدم، و فيه مسألتان‏

المسألة الأولى: الشافعي رضي اللّه عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح و قال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، أما الشافعي فإنه تمسك بظاهر هذه الآية، و هو قوله: إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَ اَلدَّمَ وَ لَحْمَ اَلْخِنْزِيرِ و هذا دم فوجب أن يحرم، و أبو حنيفة تمسك بقوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً [الأنعام: 145]فصرح بأنه لم يجد شيئاً من المحرمات إلا هذه الأمور، فالدم الذي لا يكون مسفوحاً وجب أن لا يكون محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة و قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ عام و الخاص مقدم على العام، أجاب الشافعي رضي اللّه عنه بأن قوله: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء، و هذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها، فلعل قوله تعالى: إِنَّمََا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ نزلت بعد ذلك، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جميع الدماء و نجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما

200

أمكن، و كذا في المسلك، و أي دم وقع في الماء و الثوب فإنه ينجس ذلك المورود.

المسألة الثانية: اختلفوا في‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «أحلت لنا ميتتان و دمان الطحال و الكبد»

هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا؟ فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم و كذا الطحال و إنما يوصفان بذلك تشبيهاً، و منهم من يقول هو كالدم الجامد و يستدل عليه بالحديث.

الفصل الثالث في الخنزير، و فيه مسائل‏

المسألة الأولى: أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، و إنما ذكر اللّه تعالى لحمه لأن معظم الانتفاع متعلق به، و هو كقوله: إِذََا نُودِيَ لِلصَّلاََةِ مِنْ يَوْمِ اَلْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ََ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ ذَرُوا اَلْبَيْعَ [الجمعة:

9]فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر و إن أجمعوا على تحريمه و تنجيسه، و اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز، فقال أبو حنيفة و محمد: يجوز، و قال الشافعي رحمه اللّه: لا يجوز، و قال أبو يوسف: أكره الخزر به، و روي عنه الإباحة، حجة أبي حنيفة و محمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من/غير نكير ظهر منهم، و لأن الحاجة ماسة إليه، و إذا قال الشافعي في دم البراغيث، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الاحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به؟ المسألة الثانية: اختلفوا في خنزير الماء، قال ابن أبي ليلى و مالك و الشافعي و الأوزاعي: لا بأس بأكل شي‏ء يكون في البحر، و قال أبو حنيفة و أصحابه: لا يؤكل، حجة الشافعي قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَ طَعََامُهُ [المائدة: 96]و حجة أبي حنيفة أن هذا خنزير فيحرم لقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ [المائدة: 3]و قال الشافعي: الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق و لأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء.

المسألة الثالثة: للشافعي رضي اللّه عنه قولان: في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً؟ أحدها:

نعم تشبيها له بالكلب و الثاني: لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب و هم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق.

الفصل الرابع في تحريم ما أهل به لغير اللّه‏

من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم، كقوله تعالى: وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ [المائدة: 3]و أجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح، و هو مذهب عطاء

201

و مكحول و الحسن و الشعبي و سعيد بن المسيب، و قال مالك و الشافعي و أبو حنيفة و أصحابه لا يحل ذلك و الحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير اللّه، فوجب أن يحرم و

روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال: إذا سمعتم اليهود و النصارى يهلون لغير اللّه فلا تأكلوا و إذا لم تسمعوهم فكلوا فإن اللّه تعالى قد أحل ذبائحهم، و هو يعلم ما يقولون،

و احتج المخالف بوجوه الأول: إنه تعالى قال:

وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: 5]و هذا عام، الثاني: أنه تعالى قال: وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ فدل على أن المراد بقوله: وَ مََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اَللََّهِ هو المراد بقوله: وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ الثالث:

أن النصراني إذا سمى اللّه تعالى و إنما يريد به المسيح فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير اللّه فكذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر اللّه و إرادته المسيح.

و الجواب عن الأول: أن قوله: وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ عام و قوله: وَ مََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اَللََّهِ خاص و الخاص مقدم على العام و عن الثاني: أن قوله: وَ مََا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ لا يقتضي تخصيص قوله: وَ مََا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اَللََّهِ لأنهما آيتان متباينتان و لا مساواة بينهما و عن/الثالث: أنا إنما كلفنا بالظاهر لا بالباطن، فإذا ذبحه على اسم اللّه وجب أن يحل، و لا سبيل لنا إلى الباطن.

الفصل الخامس القائلون بأن كلمة «إنما» للحصر

اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضي أن لا يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات فتصير كلمة «إنما» متروكة الظاهر في العمل و من قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل.

الفصل السادس في «المضطر»

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الشافعي رضي اللّه عنه: قوله تعالى: فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ معناه أن من كان مضطراً و لا يكون موصوفاً بصفة البغي، و لا بصفة العدوان ألبتة فأكل، فلا إثم عليه و قال أبو حنيفة معناه فمن اضطر فأكل غير باغ و لا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي و العدوان بالأكل و يتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟فقال الشافعي رضي اللّه عنه لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية و قال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ و لا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية، و احتج الشافعي على قوله بهذه الآية و بالمعقول، أما الآية فهي أنه سبحانه و تعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ [المائدة: 3]ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفاً بأنه غير باغ و لا عاد، و العاصي بسفرة غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا: فلان ليس بمعتد نقيض لقولنا: فلان متعد و يكفي في صدقة كونه متعدياً في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر، أو في الأكل، أو في غيرهما، و إذا كان اسم‏

202

المتعدى يصدق بكونه متعدياً في أمر ما أي أمر كان وجب أن يكون قولنا: فلان غير معتدلا يصدق إلا إذا لم يكن متعدياً في شي‏ء من الأشياء ألبتة، فاذن قولنا: غير باغ و لا عاد لا يصدق إلا إذا انتفي عنه صفة التعدي من جميع الوجوه، و العاصي بسفره متعد بسفره، فلا يصدق عليه كونه غير عاد، و إذا لم يصدق عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية و هو قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ أقصى ما في الباب أن يقال: هذا يشكل بالعاصى في سفره، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان لكنا نقول: إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة، و الفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية فظهر الفرق، و اعلم أن القاضي و أبا بكر /الرازي نقلاً عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله: غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ أي باغ على إمام المسلمين، و لا عاد بأن لا يكون سفره في معصية، ثم قالا. تفسير الآية غير باغ و لا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي اللّه عنه، و ذلك لأن قوله: غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ شرط و الشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلا بد من تعلقه بمذكور و قد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه و إذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقاً بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو ألبتة غير مذكور.

و اعلم أن هذا الكلام ضعيف، و ذلك لأنا بينا أن قوله: غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي و العدوان في كل الأمور، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا، و لا نقول: اللفظ يدل على التعيين و أما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة، فكان على خلاف الأصل، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوه أحدها: أن قوله: غَيْرَ بََاغٍ وَ لاََ عََادٍ حال من الاضطرار، فلا بد و أن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء كونه غير باغ و لا عاد فلو كان المراد بكونه غير باغ و لا عاد كونه كذلك في الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار و ثانيها: أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة و الدم، و ما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة و ثالثها: أن كونه غير باغ و لا عاد يفيد نفي ماهية البغي و نفي ماهية العدوان، و هذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها و العدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية و كذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها فاذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان تخصيصه بالأكل غير جائز، و أما الشافعي رضي اللّه عنه فإنه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره، و هو نفي العدوان من جميع الوجوه، و يستلزم نفي العدوان في السفر و حينئذ يتحقق مقصوده. و رابعها: أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى و هي قوله تعالى: فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجََانِفٍ لِإِثْمٍ [المائدة: 3]و هو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفاً بالبغي و العدوان في أمر من الأمور، و احتج أبو حنيفة رضي اللّه عنه بوجوه أحدها: قوله تعالى في آية أخرى‏ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مََا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاََّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام:

119]و هذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص. و ثانيها: قوله تعالى: وَ لاََ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء: 29]و قال: وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ [البقرة: 195]و الامتناع من الأكل سعى في قتل النفس و إلقاء النفس في التهلكة، فوجب أن يحرم و ثالثها:

روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوماً و ليلة،

203

و للمسافر ثلاثة أيام و لياليها و لم يفرق فيه بين العاصي و المطيع‏

و رابعها: أن العاصي بسفره إذا كان نائماً فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن /يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى و خامسها: أن يدفع أسباب الهلاك، كالفيل، و الجمل الصئول، و الحية، و العقرب، بل يجب عليه، فكذا هاهنا و سادسها: أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه فكذا هاهنا و الجامع دفع الضرر عن النفس و سابعها: أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه، فكذلك يدفع ضرر الهلاك عن نفسه بهذا الأكل و إن كان عاصياً، و ثامنها: أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، و هذا التناول محرم لو لا الاضطرار فكذا هاهنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة و الخاص مقدم على العام، و عن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة و إذا لم يتب فهو الجاني على نفسه، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي و هو أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية و ذلك محال لأن المعصية ممنوع منها و الإعانة سعي في تحصيلها و الجمع بينهما متناقض و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قال الشافعي و أبو حنيفة و أصحابه: لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، و قال عبد اللّه بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعه، و عن مالك: يأكل منها حتى يشبع و يتزود، فإن وجد غني عنها طرحها، و الأقرب في دلالة الآية ما ذكرناه أو لا لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال، فكذلك إذا زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم، و لا اعتبار في ذلك بسد الجوعة على ما قاله العنبري، لأن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضررًا بتركه، فكذا هاهنا، و يدل عليه أيضاً أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة، فإذا أكل ذلك الطعام و زال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة، فكذا إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأكل بعد ذلك.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات، فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة و الدم و لحم الخنزير سواء في التحريم و الاضطرار، فوجب أن يكون مخيراً في الكل و هذا هو الأليق بظاهر هذه الآية و هو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم شأناً في التحريم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمراً، أو من غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه و وجد الخمر، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة، فإن اللّه تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس و دفعاً للهلاك عنها، فكذلك في هذه الصورة و هذا هو الأقرب إلى الظاهر، /و القياس و هو قول سعيد بن جبير و أبي حنيفة، و قال الشافعي رضي اللّه عنه: لا يشرب لأنه يزيده عطشاً و جوعاً و يذهب عقله، و أجيب عنه بأن قوله: لا يزيده إلا عطشاً و جوعاً مكابرة، و قوله: يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك.

المسألة الخامسة: اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض

204

الأدوية المركبة، فأباحه بعضهم للنص و المعنى، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل و ألبانها للتداوي، و أما المعنى فمن وجوه الأول: أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل لقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبََاتُ* [المائدة: 4]غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص و لكن لا يقدح في كونه حجة الثاني: أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة، و الشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة الثالث: أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا هاهنا، و من الناس من حرمه و احتج‏

بقوله عليه السلام: «إن اللّه تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم»

و أجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله، و النزاع ليس إلا فيه.

المسألة السادسة: اختلفوا في التداوي بالخمر، و اعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة، فإن لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة:

الحكم الثاني‏

اعلم أن في قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف، و كعب بن أسد، و مالك بن الصيف، و حيي بن أخطب، و أبي ياسر بن أخطب، كانوا يأخذون/من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع، فكتموا أمر محمد عليه السلام و أمر شرائعه فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: اختلفوا في أنهم أي شي‏ء كانوا يكتمون؟ فقيل: كانوا يكتمون صفة محمد صلى اللّه عليه و سلّم و نعته و البشارة به، و هو قول ابن عباس و قتادة و السدي و الأصم و أبي مسلم، و قال الحسن: كتموا الأحكام و هو قوله تعالى: إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْأَحْبََارِ وَ اَلرُّهْبََانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلنََّاسِ بِالْبََاطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ [التوبة: 34].

المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الكتمان، فالمروى عن ابن عباس: أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة و الإنجيل، و عند المتكلمين هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة و التواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، و كانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، و يصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام، فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل اللّه من الكتاب.

أما قوله تعالى: وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الكناية في: به، يجوز أن تعود إلى الكتمان و الفعل يدل على المصدر، و يحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل اللّه، و يحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم.

205

المسألة الثانية: معنى قوله: وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً كقوله: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً* [البقرة:

41]و قد مر ذلك و بالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان: أخذ الأموال بسبب ذلك، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمناً قليلاً.

المسألة الثالثة: إنما سماه قليلاً إما لأنه في نفسه قليل، و إما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل.

المسألة الرابعة: من الناس من قال: كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم و أتباعهم، و قال آخرون: بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم و أغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب، و ليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، و ليس فيه بيان من طمعوا فيه و أخذوا منه، فالكلام مجمل و إنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، و قلة المعرفة المتمكن من المال و الشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة، و اعلم أنه سبحانه و تعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها: قوله تعالى: أُولََئِكَ مََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنََّارَ و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال بعضهم: ذكر البطن هاهنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره و أفسده و قال آخرون: بل فيه فائدة فقوله: فِي بُطُونِهِمْ أي مل‏ء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه و أكل في بعض بطنه.

المسألة الثانية: قيل: إن أكلهم في الدنيا و إن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [النساء: 10]عن الحسن و الربيع و جماعة من أهل العلم، و ذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار، كما

روي في حديث آخر «الشارب من آنية الذهب و الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»

و قوله: إِنِّي أَرََانِي أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف: 36]أي عنباً فسماه باسم ما يؤول إليه و قيل: إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم و ثانيها: قوله تعالى:

وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ فظاهره: أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم، و ذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول: أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه و تعالى يكلمهم، و ذلك قوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*`عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]و قوله: فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ [الأعراف: 6]فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين، و السؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا: وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية و سلام و إنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم و الحسرة من المناقشة و المساءلة و بقوله: اِخْسَؤُا فِيهََا وَ لاََ تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]الثاني: أنه تعالى لا يكلمهم و أما قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: 92]فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى و إنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكوراً في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم اللّه تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه، و ضده في أعدائه، و يتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث: أن قوله: وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه و لا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه و الحديث و ثالثها: قوله: وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ و فيه وجوه الأول: لا ينسبهم إلى التزكية و لا يثني عليهم الثاني: لا

206

يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث: لا ينزلهم منازل الأزكياء و رابعها: قوله: وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ و اعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع و العليم بمعنى العالم، و قد يكون بمعنى المفعول كالجريح و القتيل بمعنى المجروح و المقتول، و قد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر و الأليم بمعنى المؤلم و اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل:

المسألة الأولى: أن علماء الأصول قالوا: العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله: وَ لاََ يُكَلِّمُهُمُ اَللََّهُ و لاََ يُزَكِّيهِمْ إشارة إلى الإهانة و الاستخفاف، و قوله: وَ لَهُمْ عَذََابٌ أَلِيمٌ إشارة إلى المضرة و قدم الإهانة على المضرة تنبيهاً على أن الإهانة أشق و أصعب.

المسألة الثانية: دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره.

المسألة الثالثة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية و إن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر و اللّه اعلم.

اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق و عظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، و اعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء و العلم و أقبح الأشياء الضلال و الجهل فلما تركوا الهدى و العلم في الدنيا، و رضوا بالضلال و الجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، و أما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، و أخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة و رضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة و إذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خساراً في الدنيا و في الآخرة، و إنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، و كانوا عالمين بأن في إظهاره و إزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، و في إخفائه و إلقائه الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة.

أما قوله: فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن في هذه اللفظة قولان أحدهما: أن «ما» في هذه الآية استفهام التوبيخ معناه: ما الذي أصبرهم و أي شي‏ء صبرهم على النار حتى تركوا الحق و اتبعوا الباطل و هذا قول عطاء و ابن زيد و قال ابن الأنباري: و قد يكون أصبر بمعنى صبر و كثيراً ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم و كرم، و أخبر و خبر الثاني:

أنه بمعنى التعجب و تقريره أن الراضي بموجب الشي‏ء لا بد و أن يكون راضياً بمعلوله و لازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب النار و يقتضي عذاب اللّه مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب اللّه تعالى، و الصابرين عليه، فلهذا قال تعالى: فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ و هو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد و السجن إذا عرفت هذا ظهر أنه يجب حمل قوله: فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ على حالهم في الدنيا لأن/ذلك وصف لهم في حال التكليف، و في حال اشترائهم الضلالة بالهدى، و قال الأصم:

المراد أنه إذا قيل لهم‏ اِخْسَؤُا فِيهََا وَ لاََ تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]فهم يسكتون و يصبرون على النار لليأس‏

207

من الخلاص، و هذا ضعيف لوجوه أحدها: أن اللّه تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم سيصيرون كذلك خلاف الظاهر و ثانيها: أن أهل النار قد يقع منهم الجزع و الاستغاثة.

المسألة الثانية: في حقيقة التعجب و في الألفاظ الدالة عليه في اللغة و هاهنا بحثان:

البحث الأول: في التعجب: و هو استعظام الشي‏ء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشي‏ء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول، و لهذا أنكر شريح قراءة من قرأ بَلْ عَجِبْتَ وَ يَسْخَرُونَ [الصافات: 12]بضم التاء من عجبت، فإنه رأى أن خفاء شي‏ء ما على اللّه محال قال النخعي:

معنى التعجب في حق اللّه تعالى مجرد الاستعظام، و إن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية و الاستهزاء و المكر إلى اللّه تعالى، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد.

البحث الثاني: اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما: ما أفعله كقوله تعالى: فَمََا أَصْبَرَهُمْ عَلَى اَلنََّارِ و الثاني: أفعل به كقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ [مريم: 38] أما العبارة الأولى: و هي قولهم؛ ما أصبره ففيها مذاهب.

القول الأول: و هو اختيار البصريين أن «ما» اسم مبهم يرتفع بالابتداء، و أحسن فعل و هو خبر المبتدأ و زيداً مفعول و تقديره: شي‏ء حسن زيداً أي صيره حسناً.

و اعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسداً و احتجوا عليه بوجوه الأول: أنه يصح أن يقال ما أكرم اللّه، و ما أعظمه و ما أعلمه، و كذا القول في سائر صفاته و يستحيل أن يقال: شي‏ء جعل اللّه كريماً و عظيماً و عالماً، لأن صفات اللّه سبحانه و تعالى واجبة لذاته فإن قيل. هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه و إذا أطلقت على اللّه تعالى كان المراد منه أحد شطريه و هو الاستعظام فحسب، قلنا:

إذا قلنا ما أعظم اللّه فكلمة «ما» هاهنا ليست بمعنى شي‏ء فلا تكون مبتدأ، و لا يكون أعظم خبراً عنه، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر، و إذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح.

الحجة الثانية: أنه لو كان معنى قولنا. ما أحسن زيداً شي‏ء حسن زيداً، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام، و معلوم أنا إذا قلنا: شي‏ء حسن زيداً فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب ألبتة، بل كان ذلك كالهذيان، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيداً بقولنا شي‏ء حسن زيداً.

الحجة الثالثة: أن الذي حسن زيداً و الشمس و القمر و العالم هو اللّه سبحانه و تعالى و لا يجوز التعبير عنه بما و إن جاز ذلك لكن التعبير عنه سبحانه بمن أولى، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيداً أن يبقى معنى التعجب، و لما لم يبق علمنا فساد ما قالوه.

الحجة الرابعة: أن على التفسير الذي قالوه لا فرق بين قوله: ما أحسن زيداً و بين قوله زيداً ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك.

الحجة الخامسة: أن كل صفة ثبتت للشي‏ء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره و على التقديرين فشي‏ء صيره حسناً، إما أن يكون ذلك الشي‏ء هو نفسه أو غيره،

208

فإذن العلم بأن شيئاً صيره حسناً علم ضروري و العلم بكونه متعجباً منه غير ضروري، فاذن لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيداً بقولنا شي‏ء حسن زيداً.

الحجة السادسة: أنهم قالوا: المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا هاهنا أشد الأشياء تنكيراً مبتدأ؟ و قالوا: لا يجوز أن يقال: رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلاً كاتباً فلا يكون هذا الكلام مفيداً:

و كذا كل أحد يعلم أن شيئاً ما هو الذي حسن زيداً فأي فائدة في هذا الإخبار؟ الحجة السابعة: دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك: ما أحسن زيداً، فإن قيل:

جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة، فصار مشابهاً للاسم فأخذ خاصية و هو التصغير قلنا: لا شك أن للفعل ماهية و للتصغير ماهية فهاتان الماهيتان: إما أن يكونا متنافيتين، أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما هاهنا علمنا أن هذا ليس بفعل، و إن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال، و لما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم.

الحجة الثامنة: تصحيح هذه اللفظة و إبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب: ما أقوم زيداً بتصحيح الواو كما تقول: زيد أقوم من عمرو، و لو كانت فعلا لكانت واوه ألفاً لفتحة ما قبلها، ألا تراهم يقولون: أقام يقيم فإن قيل: هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم، و تمام التقرير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا و لا التصحيح في الأسماء لعلة الاسمية، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف، و عدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف و هذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح و الامتناع من الإعلال قلنا: لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل.

الحجة التاسعة: أن قولك: أحسن لو كان فعلاً، و قولك: زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما/بالظرف، فيقال: ما أحسن عندك زيداً، و ما أجمل اليوم عبد اللّه، و الرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز، فبطل ما ذهبتم إليه.

الحجة العاشرة: أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً، ثلاثياً كان أو رباعياً، و حيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول، و احتج البصريون على أن أحسن في قولنا، ما أحسن زيداً فعل بوجوه أولها: بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه و ثانيها: أن أحسن مفتوح الآخر، و لو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ و ثالثها: الدليل على كونه فعلاً اتصال الضمير المنصوب به، و هو قولك: ما أحسنه.

و الجواب عن الأول: أن أحسن كما أنه قد يكون فعلاً، فهو أيضاً قد يكون اسماً، حين ما يكون كلمة تفضيل، و أيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلاً و أنتم ما طلبتمونا إلا بالدلالة.

و الجواب عن الثاني: أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة.

و الجواب عن الثالث: أنه منتقض بقولك: لعلي وليتني، و العجب أن الاستدلال بالتصغير على الاسمية

209

أقوى من الاستدلال بهذا الضمير على الفعلية، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى، فهذا جملة الكلام في هذا القول.

القول الثاني: و هو اختيار الأخفش قال: القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة «ما» و هو قولك: أحسن صلة لما، و يكون خبر «ما» مضمراً، و هذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت: الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم، و قولك: ما أحسن زيداً كلام منتظم و كذا القول في بقية الوجوه.

القول الثالث: و هو اختيار الفراء: أن كلمة «ما» للاستفهام و أفعل اسم، و هو للتفضيل، كقولك: زيد أحسن من عمرو، و معناه أي شي‏ء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شي‏ء أحسن منه، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر: و من أعلم من فلان؟إظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق، و أن لا يمكنه إقامة الدليل عليه و يظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل، ثم قولك أحسن و إن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك: ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام و بين هذا، فإن هناك معنى قولك: ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن، و في هذا معناه أي شي‏ء من الموجودات في العالم أحسن من زيد، و بينهما فرق كما ترى، و اختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني و النصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض/لأنه أضيف أحسن إليه، و نصب هنا للفرق، و أيضاً ففي كل تفصيل معنى الفعل، و في كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول، فإن معنى قولك: زيد أعلم من عمرو، أن زيداً جاوز عمراً في العلم، فجعل هذا المعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق.

القول الرابع: و هو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن «ما» للاستفهام و أحسن فعل كما يقوله البصريون، معناه: أي شي‏ء حسن زيداً، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن، ثم تقول: إن عقلي لا يحيط بكنه كماله، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.

و أما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء اللّه في قوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ [مريم: 38].

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله: ذََلِكَ إشارة إلى ما ذا؟فذكروا وجهين:

الأول: أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن اللّه نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى اللّه عليه و سلّم، و أن هؤلاء اليهود و النصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه و يوقعون الشبهة فيه، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور: أحدها: أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة و ثانيها: اشتروا الضلالة بالهدى و ثالثها: أن لهم عذاباً أليما و رابعها: أن اللّه لا يزكيهم و خامسها: أن اللّه لا يكلمهم فقوله: ذََلِكَ يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء، و أن يكون إشارة إلى مجموعها.

210

الثاني: أن ذََلِكَ إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على اللّه في مخالفتهم أمر اللّه، و كتمانهم ما أنزل اللّه تعالى، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن اللّه نزل الكتاب بالحق، و قد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون و لا ينقادون، و لا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر، كما قال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاََ يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6].

المسألة الثانية: قوله: ذََلِكَ يحتمل أن يكون في محل الرفع أو في محل النصب، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ، و لا محالة له خبر، و ذلك الخبر وجهان الأول: التقدير ذلك الوعيد/معلوم لهم بسبب أن اللّه نزل الكتاب بالحق، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوماً لهم لا محالة الثاني: التقدير:

ذلك العذاب بسبب أن اللّه نزل الكتاب و كفروا به فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية، و أما في محل النصب فلأن التقدير: فعلنا ذلك بسبب أن اللّه نزل الكتاب بالحق و هم قد حرفوه.

المسألة الثالثة: المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة و الإنجيل المشتملين على بعث محمد صلى اللّه عليه و سلّم، و يحتمل أن يكون هو القرآن، فإن كان الأول كان المعنى: و إن الذين اختلفوا في تأويله و تحريفه لفي شقاق بعيد، و إن كان الثاني كان المعنى و إن الذين اختلفوا في كونه حقاً منزلاً من عند اللّه لفي شقاق بعيد.

المسألة الرابعة: قوله: بِالْحَقِّ أي بالصدق، و قيل ببيان الحق.

و قوله تعالى: وَ إِنَّ اَلَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فيه مسألتان:

المسألة الأولى: أن الذين اختلفوا قيل: هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن، و الأقرب حمله على التوراة و الإنجيل الذين ذكرت البشارة بمحمد صلى اللّه عليه و سلّم فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك و كتموه و حرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم، أما قوله: بِالْحَقِّ فقيل: بالصدق، و قيل: ببيان الحق، المسألة الثانية و أما قوله: وَ إِنَّ اَلَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي اَلْكِتََابِ فاعلم أنا و إن قلنا: المراد من الكتاب هو القرآن، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال: إنه كهانة، و آخرون قالوا: إنه سحر، و ثالث قال: رجز، و رابع قال: إنه أساطير الأولين و خامس قال: إنه كلام منقول مختلق، و إن قلنا: المراد من الكتاب التوراة و الإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوهاًأحدها: أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح، فاليهود قالوا: إنها دالة على القدح في عيسى و النصارى قالوا إنها دالة على نبوته و ثانيها: أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلّم فذكر كل واحد منهم له تأويلاً آخر فاسداً لأن الشي‏ء إذا لم يكن حقاً واجب القبول بل كان متكلفاً كان كل أحد يذكر شيئاً آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الاختلاف و ثالثها: ما ذكره أبو مسلم فقال: قوله: اِخْتَلَفُوا من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال: كسب و اكتسب، و عمل و اعتمل، و كتب و اكتتب، و فعل و افتعل، و يكون معنى قوله: اَلَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِي اَلْكِتََابِ الذين خلفوا فيه أي توارثوه و صاروا خلفاء فيه كقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ* [الأعراف: 169]و قوله: إِنَّ فِي اِخْتِلاََفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [يونس: 6]أي كل واحد يأتي خلف الآخر، و قوله: وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرََادَ أَنْ يَذَّكَّرَ [الفرقان: 62] أي كل واحد منهما يخلف الآخر، و في الآية تأويل ثالث، و هو أن يكون المراد بالكتاب جنس/ما أنزل اللّه‏

211

و المراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب اللّه وردوا البعض و هم اليهود و النصارى حيث قبلوا بعض كتب اللّه و هو التوراة و الإنجيل وردوا الباقي و هو القرآن.

أما قوله: لَفِي شِقََاقٍ بَعِيدٍ ففيه وجوه أحدها: أن هؤلاء الذين يختلفون في كيفية تحريف التوراة و الإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد و منازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة و موافقة و ثانيها: كأنه تعالى يقول لمحمد هؤلاء و إن اختلفوا فيما بينهم فإنهم كالمتفقين على عداوتك و غاية المشاقة لك فلهذا خصهم اللّه بذلك الوعيد و ثالثها: أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف و اختلفوا في كيفية التحريف فإن كل واحد منهم يكذب صاحبه و يشاقه و ينازعه، و إذا كان كذلك فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحاً فيك ألبتة، و اللّه أعلم.

الحكم الثالث‏

اعلم أن في هذه الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم: أراد بقوله: لَيْسَ اَلْبِرَّ أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى: ليس البر هذه الطريقة و لكن البر من آمن باللّه و قال بعضهم: بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام، و قال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة و تحويلها حصل من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة و حصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم اللّه تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات و الطاعات، و بين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً و غرباً، و إنما البر كيت و كيت، و هذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال: ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها.

المسألة الثانية: الأكثرون على أن «ليس» فعل و منهم من أنكره و زعم أنه حرف، حجة من قال: إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال كقولك: لست و لسنا و لستم و القوم ليسوا قائمين، و هذه الحجة منقوضة بقوله: إنني وليتني و لعل و حجة المنكرين أولها: أنها لو كانت فعلاً لكانت ماضياً و لا يجوز أن تكون فعلاً ماضياً، فلا يجوز أن تكون فعلاً، بيان الملازمة أن كل من قال إنه فعل قال: إنه فعل ماض و بيان أنه لا يجوز أن يكون فعلاً ماضياً اتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال، و لو كان ماضياً لكان لنفي الماضي لا لنفي الحال و ثانيها: أنه يدخل على الفعل، فنقول: ليس يخرج زيد، و الفعل لا يدخل على الفعل عقلاً و نقلاً، و قول من قال إن «ليس» داخل على ضمير القصة و الشأن و هذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف، فإنه لو جاز

212

ذلك جاز مثله في «ما» و ثالثها: أن الحرف «ما» يظهر معناه في غيره، و هذه الكلمة كذلك فإنك لو قلت:

ليس زيد لم يتم الكلام، بل لا بد و أن تقول ليس زيد قائماً و رابعها: أن «ليس» لو كان فعلاً لكان «ما» فعلاً و هذا باطل، فذاك باطل بيان الملازمة أن «ليس» لو كان فعلاً لكان ذلك لدلالة على حصول معنى السلب مقروناً بزمان مخصوص و هو الحال، و هذا المعنى قائم في «ما» فوجب أن يكون «ما» فعلاً فلما لم يكن هذا فعلاً فكذا القول ذلك، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول: «ليس» كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت «ما» في نفي الفعلية و خامسها: إنك تصل «ما» بالأفعال الماضية فتقول: ما أحسن زيد و لا يجوز أن تصل «ما» بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك و سادسها: أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل.

فإن قيل: أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه و ألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف/للزومه حالة واحدة، و إنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها، و جعلوا للبناء الذي خصوه به ماضياً، لأنه أخف الأبنية.

قلنا: هذا كله خلاف الأصل، فالأصل عدمه و لأن الأصل في الفعل التصرف، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضاً خلاف الأصل فذاك فاسد جداً و سابعها: ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا، و: أيس، أي موجود قال و لذلك يقولون: أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود، و أيسته أي وجدته و هذا نص في الباب، قال و ذكر الخليل أن «ليس» كلمة جحود معناها:

لا أيس، فطرحت الهمزة استخفافاً لكثرة ما يجري في الكلام، و الدليل عليه قول العرب: ائتني به من حيث أيس و ليس، و معناه: من حيث هو و لا هو و ثامنها: الاستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر، و هذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلاً، فإن قيل: ينتقض قولكم بقوله: نفي زيداً و أعدمه، قلنا: قولك نفي زيداً مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها، فلم يكن السؤال وارداً، و أما القائلون بأن «ليس» فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن «ليس» قد يجي‏ء لنفي الماضي كقولهم: جاءني القوم ليس زيداً، و عن الثاني أنه منقوض بقولهم: أخذ يفعل كذاو عن الثالث: أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة و عن الرابع: أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة و عن الخامس: أن لك إنما امتنع من قبل أن: ما، للحال و ليس للماضي، فلا يكون الجمع بينهما و عن السادس:

أن تغير البناء و إن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل و عن السابع: أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم، و أما قوله: من حيث أيس و ليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسماً، و أما الكتاب فممنوع منه بالدليل و عن الثامن: أن «ليس» مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة و إن كانت هذه الجوابات مختلفة.

المسألة الثالثة: قرأ حمزة و حفص عن عاصم لَيْسَ اَلْبِرَّ بنصب الراء، و الباقون بالرفع، قال الواحدي:

و كلا القراءتين حسن لأن اسم «ليس» و خبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسماً، و الآخر خبراً، و حجة من رفع البر أن اسم ليس مشبه بالفاعل، و خبرها بالمفعول، و الفاعل بأن يلي‏

213

الفعل أولى من المفعول، و من نصب اَلْبِرَّ ذهب إلى أن بعض النحويين قال: أن مع صلتها أولى أن تكون اسم ليس لشبهها بالضمير في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، فكان هاهنا اجتمع مضمر و مظهر، و الأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر/الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، و على هذا قرئ في التنزيل قوله: فَكََانَ عََاقِبَتَهُمََا أَنَّهُمََا فِي اَلنََّارِ [الحشر: 12]و قوله: مََا كََانَ جَوََابَ قَوْمِهِ إِلاََّ أَنْ قََالُوا* [الأعراف: 82]و مََا كََانَ حُجَّتَهُمْ إِلاََّ أَنْ قََالُوا [الجاثية: 25]و الاختيار رفع البر لأنه روي عن ابن مسعود أنه قرأ: لَيْسَ اَلْبِرُّ بِأَنْ و الباء تدخل في خبر ليس.

المسألة الرابعة: البر اسم جامع للطاعات، و أعمال الخير المقربة إلى اللّه تعالى، و من هذا بر الوالدين، قال تعالى: إِنَّ اَلْأَبْرََارَ لَفِي نَعِيمٍ*`وَ إِنَّ اَلْفُجََّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الإنفطار: 13-14]فجعل البر ضد الفجور و قال: وَ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى‏ََ وَ لاََ تَعََاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوََانِ [المائدة: 2]فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان و أصله من الاتساع و منه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه.

المسألة الخامسة: قال القفال: قد قيل في نزول هذه الآية أقوال، و الذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين و قالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب، و النصارى كانوا يستقبلون المشرق، فقال اللّه تعالى: إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق و المغرب، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها: الإيمان باللّه و أهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فقولهم:

بالتجسيم و لقولهم: بأن عزيراً ابن اللّه، و أما النصارى، فقولهم: المسيح ابن اللّه، و لأن اليهود وصفوا اللّه تعالى بالبخل، على ما حكى اللّه تعالى ذلك عنهم بقوله: قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ [آل عمران: 181] و ثانيها: الإيمان باليوم الآخر و اليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا: وَ قََالُوا لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ [البقرة: 111]و قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: 80]و النصارى أنكروا المعاد الجسماني، و كل ذلك تكذيب باليوم الآخر و ثالثها: الإيمان بالملائكة، و اليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبريل عليه السلام و رابعها: الإيمان بكتب اللّه، و اليهود و النصارى قد أخلوا بذلك، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب اللّه ردوه و لم يقبلوه قال تعالى: وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسََارى‏ََ تُفََادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرََاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ اَلْكِتََابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: 85]و خامسها: الإيمان بالنبيين و اليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى: وَ يَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ [البقرة: 61]و حيث طعنوا في نبوة محمد صلى اللّه عليه و سلّم و سادسها: بذل الأموال على وفق أمر اللّه سبحانه و اليهود و أخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قال‏ وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً [البقرة: 187]و سابعها: إقامة الصلوات و الزكوات و اليهود كانوا يمنعون الناس منها و ثامنها: الوفاء بالعهد، و اليهود نقضوا العهد حيث قال: أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:

40]و هاهنا سؤال: و هو أنه تعالى نفي أن يكون التوجه إلى القبلة براً ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة و لا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض و لأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول: أن قوله:

لَيْسَ اَلْبِرَّ نفي لكمال البر و ليس نفياً لأصله كأنه قال ليس البر كله هو هذا، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة و استقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك/تمام البر الثاني: أن يكون هذا نفياً لأصل كونه براً، لأن استقبالهم للمشرق و المغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ اللّه تعالى ذلك، بل كان ذلك إثماً و فجوراً

214

لأنه عمل بمنسوخ قد نهى اللّه عنه، و ما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث: أن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم يقارنه معرفة اللّه، و إنما يكون براً إذا أتى به مع الإيمان، و سائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر، إلا إذا أتى بها مع الإيمان باللّه و رسوله، فأما إذا أتى بها بدون هذا الشرط، فإنها لا تكون من أفعال البر،

روى أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها و صار كأنه لا يراعى بطاعة اللّه إلا الاستقبال، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين.

المسألة السادسة: قوله: وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ فيه حذف و في كيفيته وجوه أحدها: و لكن البر بر من آمن باللّه، فحذف المضاف و هو كثير في الكلام كقوله: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ [البقرة: 93]أي حب العجل، و يقولون: الجود حاتم و الشعر زهير، و الشجاعة عنترة، و هذا اختيار الفراء، و الزجاج، و قطرب، قال أبو علي: و مثل هذه الآية قوله: أَ جَعَلْتُمْ سِقََايَةَ اَلْحََاجِّ [التوبة: 19]ثم قال‏ كَمَنْ آمَنَ [التوبة: 19] و تقديره، أ جعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أ جعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر و فاعل و ثانيها: قال أبو عبيدة البر هاهنا بمعنى الباء كقوله:

وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلتَّقْوى‏ََ [طه: 132]أي للمتقين و منه قوله: إِنْ أَصْبَحَ مََاؤُكُمْ غَوْراً [الملك: 30]أي غائراً، و قالت الخنساء:

فإنما هي إقبال و إدبار

أي مقبلة و مدبرة معاً و ثالثها: أن معناه و لكن ذا البر فحذف كقولهم: هم درجات عند اللّه أي ذووا درجات عن الزجاج و رابعها: التقدير و لكن البر يحصل بالإيمان و كذا و كذا عن المفصل.

و اعلم أن الوجه الأول أقرب إلى مقصود الكلام فيكون معناه: و لكن البر الذي هو كل البر الذي يؤدي إلى الثواب العظيم بر من آمن باللّه، و عن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن بقراءته لقرأت وَ لََكِنَّ اَلْبِرَّ بفتح الباء، و قرأ نافع و ابن عامر و لكن مخففة البر بالرفع، و الباقون لََكِنَّ مشددة اَلْبِرَّ بالنصب.

المسألة السابعة: اعلم أن اللّه تعالى اعتبر في تحقق ماهية البر أموراًالأول: الإيمان بأمور خمسة أولها:

الإيمان باللّه، و لن يحصل العلم باللّه إلا عند العلم بذاته المخصوصة و العلم بما يجب و يجوز و يستحيل عليه، و لن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلالة الدالة عليها فيدخل فيه العلم بحدوث العالم، و العلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم، و يدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوده و قدمه و بقائه، و كونه عالماً بكل المعلومات، قادراً على كل الممكنات/حياً مريداً سمعياً بصيراً متكلماً، و يدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزهاً عن الحالية و المحلية و التحيز و العرضية، و يدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق و الإيجاد و بعثة الرسل و ثانيها: الإيمان باليوم الآخر، و هذا الإيمان مفرع على الأول، لأنا ما لم نعلم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات و لم نعلم قدرته على جميع الممكنات لا يمكننا أن نعلم صحة الحشر و النشر و ثالثها: الإيمان بالملائكة و رابعها: الإيمان بالكتب و خامسها: الإيمان بالرسل، و هاهنا سؤالات:

السؤال الأول: إنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود الملائكة و لا إلى العلم بصدق الكتب إلا بواسطة صدق الرسل‏

215

فإذا كان قول الرسل كالأصل في معرفة الملائكة و الكتب فلم قدم الملائكة و الكتب في الذكر على الرسل؟ الجواب: أن الأمل و إن كان كما ذكرتموه في عقولنا و أفكارنا، إلا أن ترتيب الوجود على العكس من ذلك، لأن الملك يوجد أولاً، ثم يحصل بواسطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول، فالمراعي في هذه الآية ترتيب الوجود الخارجي، لا ترتيب الاعتبار الذهني.

السؤال الثاني: لم خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة؟ الجواب: لأنه دخل تحتها كل ما يلزم أن صدق به، فقد دخل تحت الإيمان باللّه: معرفته بتوحيده و عدله و حكمته، و دخل تحت اليوم الآخر: المعرفة بما يلزم من أحكام الثواب و العقاب و المعاد، إلى سائر ما يتصل بذلك، و دخل تحت الملائكة ما يتصل بأدائهم الرسالة إلى النبي صلى اللّه عليه و سلّم ليؤديها إلينا إلى غير ذلك مما يجب أن يعلم من أحوال الملائكة، و دخل تحت الكتاب القرآن، و جميع ما أنزل اللّه على أنبيائه، و دخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم، و صحة شرائعهم، فثبت أنه لم يبق شي‏ء مما يجب الإيمان به إلا دخل تحت هذه الآية، و تقرير آخر: و هو أن للمكلف مبدأ و وسطاً و نهاية، و معرفة المبدأ و المنتهي هو المقصود بالذات، هو المراد بالإيمان باللّه و اليوم الآخر، و أما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة و هي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي، و نفس ذلك الوحي و هو الكتاب، و الموحى إليه و هي الرسول؟ السؤال الثالث: لم قدم هذا الإيمان على أفعال الجوارح، و هو إيتاء المال، و الصلاة، و الزكاة.

الجواب: للتنبيه على أن أعمال القلوب أشرف عند اللّه من أعمال الجوارح، الأمر الثاني من الأمور المعتبرة في تحقق مسمى البر قوله: وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: عَلى‏ََ حُبِّهِ إلى ما ذا يرجع؟ و ذكروا فيه وجوهاً الأول:

و هو قول الأكثرين أنه راجع إلى المال، و التقدير: و آتى المال على حب المال، قال ابن عباس و ابن مسعود:

و هو أن تؤتيه و أنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، و تخشى/الفقر، و لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت:

لفلان كذا و لفلان كذا، و هذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت، و العقل يدل على ذلك أيضاً من وجوه أحدها: أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال و عند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال، و بذل الشي‏ء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]و ثانيها: أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد و الوعيد من إعطاءه حال المرض و الموت و ثالثها: أن إعطاءه حال الصحة أشق، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني و رابعها: أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه من أحد مع العلم بأنه لو لم يهبه منه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعاً و راغباً فكذا هاهنا و خامسها: أنه متأيد بقوله تعالى: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92]و قوله: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلى‏ََ حُبِّهِ [الإنسان: 80]أي على حب الطعام، و

عن أبي الدرداء أنه صلى اللّه عليه و سلّم قال: «مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعد ما شبع» .

ـ

216

القول الثاني: أن الضمير يرجع إلى الإيتاء كأنه قيل: يعطي و يحب الإعطاء رغبة في ثواب اللّه.

القول الثالث: أن الضمير عائد على اسم اللّه تعالى، يعني يعطون المال على حب اللّه أي على طلب مرضاته.

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من هذا الإيتاء فقال قوم: إنها الزكاة و هذا ضعيف و ذلك لأنه تعالى عطف الزكاة عليه بقوله: وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ وَ آتَى اَلزَّكََاةَ و من حق المعطوف و المعطوف عليه أن يتغايرا، فثبت أن المراد به غير الزكاة، ثم إنه لا يخلوا إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات، لا جائز أن يكون من التطوعات لأنه تعالى قال في آخر الآية: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولََئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ وقف التقوى عليه، و لو كان ذلك ندبا لما وقف التقوى عليه، فثبت أن هذا الإيتاء، و إن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات ثم فيه قولان:

القول الأول: أنه عبارة عن دفع الحاجات الضرورية مثل إطعام المضطر، و مما يدل على تحقق هذا الوجوب النص و المعقول، أما النص‏

فقوله عليه الصلاة و السلام «لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر من بات شبعانا و جاره طاو إلى جنبه»

و روي عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقا سوى الزكاة، ثم تلت وَ آتَى اَلْمََالَ عَلى‏ََ حُبِّهِ و حكي عن الشعبي أنه سئل عمن له مال فأدى زكاته فهل عليه شي‏ء سواه؟فقال: نعم يصل القرابة، و يعطي السائل، ثم تلا هذه الآية، و أما العقل فإنه لا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة، وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة/و إن لم تكن الزكاة واجبة عليهم، و لو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهرا، فهذا يدل على أن هذا الإيتاء واجب، و احتج من طعن في هذا القول بما

روي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق.

و الجواب: من وجوه الأول: أنه معارض بما

روي أنه عليه الصلاة و السلام قال: «في المال حقوق سوى الزكاة»

و قول الرسول أولى من قول علي الثاني: أجمعت الأمة على أنه إذا حضر المضطر فإنه يجب أن يدفع إليه ما يدفع الضرر، و إن كان قد أدى الزكاة بالكمال الثالث: المراد أن الزكاة نسخت الحقوق المقدرة، أما الذي لا يكون مقدرا فإنه غير منسوخ بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة، و يلزم النفقة على الأقارب، و على المملوك، و ذلك غير مقدر، فإن قيل: هب أنه صح هذا التأويل لكن ما الحكمة في هذا الترتيب؟قلنا فيه وجوه أحدها:

أنه تعالى قدم الأولى فالأولى لأن الفقير إذا كان قريبا فهو أولى بالصدقة من غيره من حيث أنه يكون ذلك جامعا بين الصلة و الصدقة، و لأن القرابة من أوكد الوجوه في صرف المال إليه و ذلك يستحق به الإرث و يحجر بسببه على المالك في الوصية، حتى لا يتمكن من الوصية إلا في الثلث، و لذلك كانت الوصية للأقارب من الواجبات على ما قال‏ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ [آل عمران: 180]الآية، و إن كانت تلك الوصية قد صارت منسوخة إلا عند بعضهم، فلهذه الوجوه قدم ذا القربى، ثم أتبعه تعالى باليتامى، لأن الصغير الفقير الذي لا والد له و لا كاسب فهو منقطع الحيلة من كل الوجوه، ثم أتبعهم تعالى بذكر المساكين لأن الحاجة قد تشتد بهم، ثم ذكر ابن السبيل إذ قد تشتد حاجته عند اشتداد رغبته إلى أهله، ثم ذكر السائلين و في الرقاب لأن حاجتهما دون حاجة من تقدم ذكره و ثانيها: أن معرفة المرء بشدة حاجة هذه الفرق تقوى و تضعف، فرتب تعالى ذكر هذه الفرق على هذا الوجه لأن علمه بشدة حاجة من يقرب إليه أقرب، ثم بحاجة الأيتام، ثم بحاجة

217

المساكين، ثم على هذا النسق و ثالثها: أن ذا القربى مسكين، و له صفة زائدة تخصه لأن شدة الحاجة فيه تغمه و تؤذي قلبه، و دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، فلذلك بدأ اللّه تعالى بذي القربى، ثم باليتامى، و أخر المساكين لأن الغم الحاصل بسبب عجز الصغار عن الطعام و الشراب أشد من الغم الحاصل بسبب عجز الكبار عن تحصيلهما فأما ابن السبيل فقد يكون غنيا، و قد تشتد حاجته في الوقت، و السائل قد يكون غنيا و يظهر شدة الحاجة و أخر المكاتب لأن إزالة الرق ليست في محل الحاجة الشديدة.

القول الثاني: أن المراد بإيتاء الماء ما

روي أنه عليه الصلاة و السلام عند ذكره للإبل قال: «إن فيها حقا»

هو إطراق فحلها و إعارة ذلولها، و هذا بعيد لأن الحاجة إلى إطراق الفحل أمر لا يختص به ابن السبيل و السائل و المكاتب.

القول الثالث: أن إيتاء المال إلى هؤلاء كان واجبا، ثم إنه صار منسوخا بالزكاة، و هذا/أيضا ضعيف لأنه تعالى جمع في هذه الآية بين هذا الإيتاء و بين الزكاة.

المسألة الثالثة: أما ذوو القربى فمن الناس من حمل ذلك على المذكور في آية النفل و الغنيمة و الأكثرون من المفسرين على ذوي القربى للمعطين، و هو الصحيح لأنهم به أخص، و نظيره قوله تعالى: وَ لاََ يَأْتَلِ أُولُوا اَلْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ اَلسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي اَلْقُرْبى‏ََ [النور: 22] و اعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدين، فلا وجه لقصر ذلك على ذوي الرحم المحرم على ما حكى عن قوم لأن المحرمية حكم شرعي أما القرابة فهي لفظة لغوية موضوعة للقرابة في النسب و إن كان من يختص بذلك يتفاضل و يتفاوت في القرب و البعد، أما اليتامى ففي الناس من حمله على ذوي اليتامى، قال: لأنه لا يحسن من المتصدق أن يدفع المال إلى اليتيم الذي لا يميز و لا يعرف وجوه منافعه، فإنه متى فعل ذلك يكون مخطئا بل إذا كان اليتيم مراهقا عارفا بمواقع حظه، و تكون الصدقة من باب ما يؤكل و يلبس و لا يخفى على اليتيم وجه الانتفاع به جاز دفعها إليه، هذا كله على قول من قال: اليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر، و عند أصحابنا هذا الإسم قد يقع على الصغر و على البالغ و الحجة فيه قوله تعالى:

وَ آتُوا اَلْيَتََامى‏ََ أَمْوََالَهُمْ [النساء: 20]و معلوم أنهم لا يؤتون المال إلا إذا بلغوا، و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يسمى:

يتيم أبي طالب بعد بلوغه، فعلى هذا إن كان اليتيم بالغا دفع المال إليه، و إلا فيدفع إلى وليه، و أما المساكين ففيه خلاف سنذكره إن شاء اللّه تعالى في سورة التوبة و الذي نقوله هنا: إن المساكين أهل الحاجة، ثم هم ضربان منهم من يكف عن السؤال و هو المراد هاهنا، و منهم من يسأل و ينبسط و هو المراد بقوله: وَ اَلسََّائِلِينَ و إنما فرق تعالى بينهما من حيث يظهر على المسكين المسكنة مما يظهر من حاله، و ليس كذلك السائل لأنه بمسألته يعرف فقره و حاجته، و أما ابن السبيل فروي عن مجاهد أنه المسافر، و عن قتادة أنه الضيف لأنه إنما وصل إليك من السبيل، و الأول أشبه لأن السبيل للطريق و جعل المسافر ابنا له للزومه إياه كما يقال لطير الماء: ابن الماء و يقال للرجل الذي أتت عليه السنون: ابن الأيام. و للشجعان: بنو الحرب. و للناس: بنو الزمان. قال ذو الرمة:

وردت عشاء و الثريا كأنها # على قمة الرأس ابن ماء ملحق‏

و أما قوله: وَ اَلسََّائِلِينَ فعني به الطالبين، و من جعل الآية في غير الزكاة أدخل في هذه الآية المسلم‏

218

و الكافر،

روى الحسن بن علي رضي اللّه عنهما أنه عليه الصلاة و السلام قال: «للسائل حق و لو جاء على فرس»

و قال تعالى: فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*`لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ [المعارج: 24، 25].

أما قوله: وَ فِي اَلرِّقََابِ ففيه مسألتان.

المسألة الأولى: اَلرِّقََابِ جمع الرقبة و هي مؤخر أصل العنق، و اشتقاقها من المراقبة، و ذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم، و لهذا المعنى يقال: أعتق اللّه رقبته/و لا يقال أعتق اللّه عنقه، لأنه لما سميت رقبة كأنها تراقب العذاب، و من هذا يقال للتي لا يعيش ولدها: رقوب، لأجل مراعاتها موت ولدها.

المسألة الثانية: معنى الآية: و يؤتي المال في عتق الرقاب، قال القفال: و اختلف الناس في الرقاب المذكورين في آية الصدقات، فقال قائلون: إنه يدخل فيه من يشتريه فيعتقه، و من يكون مكاتبها فيعينه على أداء كتابته، فهؤلاء أجازوا شراء الرقاب من الزكاة المفروضة، و قال قائلون: لا يجوز صرف الزكاة إلا في إعانة المكاتبين، فمن تأول هذه الآية على الزكاة المفروضة فحينئذ يبقى فيه ذلك الاختلاف، و من حمل هذه الآية على غير الزكاة أجاز الأمرين فيها قطعا، و من الناس من حمل الآية على وجه ثالث و هو فداء الأسارى.

و اعلم أن تمام الكلام في تفسير هذه الأصناف سيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة التوبة في تفسير الصدقات.

الأمر الثالث: من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله: وَ أَقََامَ اَلصَّلاََةَ وَ آتَى اَلزَّكََاةَ و ذلك قد تقدم ذكره.

الأمر الرابع: قوله تعالى: وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذََا عََاهَدُوا و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: في رفع و الموفون قولان أحدها: أنه عطف على محل مَنْ آمَنَ تقديره لكن البر المؤمنون و الموفون، عن الفراء و الأخفش الثاني: رفع على المدح على أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره:

و هم الموفون.

المسألة الثانية: في المراد بهذا العهد قولان الأول: أن يكون المراد ما أخذه اللّه من العهود على عباده بقولهم، و على ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده، و العمل بطاعته، فقبل العباد ذلك من حيث آمنوا بالأنبياء و الكتب، و قد أخبر اللّه تعالى عن أهل الكتاب أنهم نقضوا العهود و المواثيق و أمرهم بالوفاء بها فقال: يََا بَنِي إِسْرََائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: 40]فكان المعنى في هذه الآية أن البر هو ما ذكر من الأعمال مع الوفاء بعهد اللّه، لا كما نقض أهل الكتاب ميثاق اللّه و ما وفوا بعهوده فجحدوا أنبياءه و قتلوهم و كذبوا بكتابه، و اعترض القاضي على هذا القول و قال: إن قوله تعالى: وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ صريح في إضافة هذا العهد إليهم، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: إِذََا عََاهَدُوا فلا وجه لحمله على ما سيكون لزومه ابتداء من قبله تعالى.

الجواب عنه: أنه تعالى و إن ألزمهم هذه الأشياء لكنهم من عند أنفسهم قبلوا ذلك الإلزام و التزموه، فصح من هذا الوجه إضافة العهد إليهم.

219

القول الثاني: أن يحمل ذلك على الأمور التي يلتزمها المكلف ابتداء من عند نفسه. و اعلم أن هذا العهد إما أن يكون بين العبد و بين اللّه، أو بينه و بين رسول اللّه، أو بينه و بين سائر الناس/أما الذي بينه و بين اللّه فهو ما يلزمه بالنذور و الإيمان، و أما الذي بينه و بين رسول اللّه فهو الذي عاهد الرسول عليه عند البيعة من القيام بالنصرة و المظاهرة و المجاهدة و موالاة من والاه و معاداة من عاداه، و أما الذي بينه و بين سائر الناس فقد يكون ذلك من الواجبات مثل ما يلزمه في عقود المعاوضات من التسليم و التسلم، و كذا الشرائط التي يلتزمها في السلم و الرهن، و قد يكون ذلك من المندوبات مثل الوفاء بالمواعيد في بذل المال و الإخلاص في المناصرة، فقوله تعالى: وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذََا عََاهَدُوا يتناول كل هذه الأقسام فلا معنى لقصر الآية على بعض هذه الأقسام دون البعض، و هذا الذي قلناه هو الذي عبر عنه المفسرون فقالوا: هم الذين إذا واعدوا أنجزوا و إذا حلفوا و نذروا وفوا، و إذا قالوا صدقوا، و إذا ائتمنوا أدوا، و منهم من حمله على قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ عََاهَدَ اَللََّهَ لَئِنْ آتََانََا مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: 75]الآية.

الأمر الخامس: من الأمور المعتبرة في تحقق ماهية البر قوله تعالى: وَ اَلصََّابِرِينَ فِي اَلْبَأْسََاءِ وَ اَلضَّرََّاءِ وَ حِينَ اَلْبَأْسِ [البقرة: 177]و فيه مسائل:

المسألة الأولى: في نصب الصابرين أقوال الأول: قال الكسائي هو معطوف على ذَوِي اَلْقُرْبى‏ََ كأنه قال: و آتى المال على حبه ذوي القربى و الصابرين: قال النحويون: إن تقدير الآية يصير هكذا: و لكن البر من آمن باللّه و آتى المال على حبه ذوي القربى و الصابرين، فعلى هذا قوله: وَ اَلصََّابِرِينَ من صلة من قوله:

وَ اَلْمُوفُونَ متقدم على قوله: وَ اَلصََّابِرِينَ فهو عطف على مَنْ فحينئذ قد عطفت على الموصول قبل صلته شيئا، و هذا غير جائز لأن الموصول مع الصلة بمنزلة اسم واحد، و محال أن يوصف الاسم أو يؤكد أو يعطف عليه إلا بعد تمامه و انقضائه بجميع أجزائه، أما إن جعلت قوله: وَ اَلْمُوفُونَ رفعا على المدح، و قد عرفت أن هذا الفصل غير جائز، بل هذا أشنع لأن المدح جملة فإذا لم يجز الفصل بالمفرد فلأن لا يجوز بالجملة كان ذلك أولى.

فإن قيل: أليس جاز الفصل بين المبتدأ و الخبر بالجملة كقول القائل: إن زيدا فافهم ما أقول رجل عالم، و كقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ إِنََّا لاََ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف: 30]ثم قال:

أُولََئِكَ ففصل بين المبتدأ و الخبر بقوله: إِنََّا لاََ نُضِيعُ قلنا: الموصول مع الصلة كالشي‏ء الواحد فالتعلق الذي بينهما أشد من التعلق بين المبتدأ و الخبر، فلا يلزم من جوازه الفصل بين المبتدأ و الخبر جواز بين الموصول و الصلة.

القول الثاني: قول الفراء: إنه نصب على المدح، و إن كان من صفة من، و إنما رفع الموفون و نصب الصابرين لطول الكلام بالمدح، و العرب تنصب على المدح و على الذم إذا طال الكلام بالنسق في صفة الشي‏ء الواحد، و أنشد الفراء:

إلى الملك القرم و ابن الهمام # و ليث الكتيبة في المزدحم‏

و قالوا فيمن قرأ: حَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ [المسد: 4]بنصب‏ حَمََّالَةَ أنه نصب على الذم، قال أبو على الفارسي:

220

و إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف بإعرابها و لا تجعل كلها جارية على موصوفها، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف و الإبلاغ في القول، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام و ضروب من البيان، و عند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا، و جملة واحدة. ثم اختلف الكوفيون و البصريون في أن المدح و الذم لم صارا علتين لاختلاف الحركة؟فقال الفراء: أصل المدح و الذم من كلام السامع، و ذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له: قام زيد فربما أثنى السامع على زيد، و قال ذكرت و اللّه الظريف، ذكرت العاقل، أي هو و اللّه الظريف هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدح بمثل ما مدحه به السامع، فجرى الإعراب على ذلك، و قال الخليل: المدح و الذم ينصبان على معنى أعني الظريف، و أنكر الفراء ذلك لوجهين الأول: أن أعني إنما يقع تفسيرا للاسم المجهول، و المدح يأتي بعد المعروف الثاني: أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقول: قام زيد أخاك، على معنى: أعني أخاك، و هذا مما لم تقله العرب أصلا.

المسألة الثانية قوله تعالى في قراءة و الموفين، و الصابرين‏ و اعلم أن من الناس من قرأ و الموفين ... ، وَ اَلصََّابِرِينَ و منهم من قرأ وَ اَلْمُوفُونَ ، و الصابرون المسألة الثالثة قوله: تعالى في البأساء و الضراء أما قوله: فِي اَلْبَأْسََاءِ قال ابن عباس: يريد الفقر، و هو اسم من البؤس وَ اَلضَّرََّاءِ قال: يريد به المرض، و هما اسمان على فعلاء و لا أفعل لهما، لأنهما ليسا بنعتين وَ حِينَ اَلْبَأْسِ قال ابن عباس رضي اللّه عنهما يريد القتال في سبيل اللّه و الجهاد، و معنى البأس في اللغة الشدة يقال: لا بأس عليك في هذا، أي لا شدة بِعَذََابٍ بَئِيسٍ [الأعراف: 165]شديد ثم تسمى الحرب بأسا لما فيها من الشدة و العذاب يسمى بأسا لشدته قال تعالى: فَلَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا [غافر: 84] فَلَمََّا أَحَسُّوا بَأْسَنََا [الأنبياء: 12] فَمَنْ يَنْصُرُنََا مِنْ بَأْسِ اَللََّهِ [غافر: 29].

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إيمانهم، و ذكر الواحدي رحمه اللّه في آخر هذه الآية مسألة و هي أنه قال هذه الواوات في الأوصاف في هذه الآية للجمع، فمن شرائط البر و تمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف، و من قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر و كذا الصابر في البأساء بل لا يكون قائما بالبر، إلا عند استجماع هذه الخصال، و لذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام، لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، و قال آخرون: هذه عامة في جميع المؤمنين، و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت.

221

الحكم الرابع‏

قبل الشروع في التفسير لا بد من ذكر سبب النزول و فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام، و ذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، و النصارى كانوا يوجبون العفو فقط، و أما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل، و أخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا يقولون: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، و بالمرأة منا الرجل منهم، و بالرجل منا الرجلين منهم، و كانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، و ربما زادوا على ذلك على ما يروى أن واحدا قتل إنسانا من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، و قالوا: ماذا تريد؟فقال إحدى ثلاث قالوا: و ما هي؟ قال: إما تحيون ولدي، أو تملأون داري من نجوم السماء، أو تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضا.

و أما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس، فلما بعث اللّه تعالى محمدا صلى اللّه عليه و سلّم أوجب رعاية العدل و سوى بين عباده في حكم القصاص و أنزل هذه الآية.

و الرواية الثانية: في هذا المعنى و هو قول السدي: إن قريظة و النضير كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي.

و الرواية الثالثة: أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي اللّه عنه.

و الرواية الرابعة: ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس و رواها عن علي بن أبي طالب و عن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين و العبدين و الذكرين و الأنثيين يقع القصاص و يكفي ذلك فقط، فأما إذا كان القاتل للعبد حرا، أو للحر عبدا فإنه يجب مع القصاص التراجع، و أما حر قتل عبدا فهو قوده، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر، و يردوا إلى أولياء الحر بقية ديته، و إن قتل عبدا حرا فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد و أسقطوا قيمة العبد من دية الحر، و أدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، و إن شاءوا أخذوا كل الدية و تركوا قتل العبد، و إن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه و أدوا نصف الدية، و إن قتلت المرأة رجلا فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها و أخذوا نصف الدية، و إن شاءوا أعطوا كل الدية و تركوها، قالوا فاللّه تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين و العبدين و الأنثيين و الذكرين فأما عند إخلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع إلى التفسير.

أما قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين:

أحدهما: أن قوله تعالى: كُتِبَ يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ و قال:

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ [البقرة: 180]و قد كانت الوصية واجبة و منه الصلوات المكتوبات أي المفردات، و

قال عليه السّلام: «ثلاث كتبن علي و لم تكتب عليكم»

و الثاني: لفظة عَلَيْكُمُ مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى: وَ لِلََّهِ عَلَى اَلنََّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ [آل عمران: 97]و أما القصاص

222

فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى‏ فَارْتَدََّا عَلى‏ََ آثََارِهِمََا قَصَصاً [الكهف: 64]و قال تعالى: وَ قََالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ [القصص: 11]أي اتبعي أثره، و سميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، و سمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، و يسمى المقص مقصا لتعادل جانبيه.

أما قوله تعالى: فِي اَلْقَتْلى‏ََ أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة «في» قد تستعمل للسببية

كقوله عليه السلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل»

إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم و أما القاتل فقد دخله التخصيص أيضا في صور كثيرة، و هي إذا قتل الوالد ولده، و السيد عبده و فيما إذا قتل المسلم حربيا أو معاهدا، و فيما إذا قتل مسلم خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص/يبقى حجة فيما عداه.

فإن قيل: قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول: أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل، أو على ولي الدم، أو على ثالث، و الأقسام الثلاثة باطلة، و إنما قلنا: إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، و إنما قلنا: إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل و الترك، بل هو مندوب إلى الترك بقوله: وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ََ [البقرة: 237]و الثالث أيضا باطل لأنه يكون أجنبيا عن ذلك القتل و الأجنبي عن الشي‏ء لا تعلق له به.

السؤال الثاني: إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية و على هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتة، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعا و على هذا التقدير تسقط دلالة على كون القتل مشرعا بسبب القتل.

و الجواب عن السؤال الأول: من وجهين الأول: أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجرى مجراه، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين، و التقدير: يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه و الثاني: أنه خطاب مع القاتل و التقدير: يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص و ذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع هاهنا و ليس له أن ينكر، بل للزاني و السارق الهرب من الحد و لهما أيضا أن يستترا بستر اللّه و لا يقرأ، و الفرق أن ذلك حق الآدمي.

و أما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل و التسوية في القتل صفة القتل و إيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه و يتفرع على ما ذكرنا مسائل:

المسألة الأولى: ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص، و ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن موجب العمد إما القصاص و إما الدية، و احتج أبو حنيفة بهذه الآية، و وجه الاستدلال بها في غاية الضعف، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل‏

223

على التعيين، و عندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص متعينا، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية و ليس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك.

المسألة الثانية: اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال الشافعي: يراعى جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرة و إلا/حزت رقبته، و كذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة و إلا حزت رقبته، و قال أبو حنيفة رحمة اللّه: المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة، حجة الشافعي رحمه اللّه أن اللّه تعالى أوجب التسوية بين الفعلين و ذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة، و يدل عليه وجوه أحدها: أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، و الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص و ثانيها: أنا لو لم نحكم بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة و لو حكمنا فيها بالعموم كانت الآية مفيدة، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور و التخصيص أهون من الإجمال و ثالثها: أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا و هما متساويان في بعض الأمور، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شي‏ء ألبتة، و هذا الوجه قريب من الثاني فثبت أن هذه الآية تفيد وجوب التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية لوجوب المماثلة، كقوله تعالى: وَ جَزََاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهََا [الشورى: 40] فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاََ يُجْزى‏ََ إِلاََّ مِثْلَهََا [غافر: 40]ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة

بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام و هو قوله: «من حرق حرقناه، و من غرق غرقناه»

و مما

يروى أن يهوديا رضخ رأس صبيه بالحجارة فقتلها، فأمر النبي صلى اللّه عليه و سلّم أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة،

و إذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات، و مع هذه الأحاديث على قول الشافعي مبلغا قويا، و احتج أبو حنيفة

بقوله عليه السلام: «لا قود إلا بالسيف»

و

بقوله عليه السلام: «لا يعذب بالنار إلا ربها»

و الجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب و أصر على ترك التوبة، فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من اللّه تعالى و أما إذا كان تائبا فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة و ذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى: وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبََادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ اَلسَّيِّئََاتِ [الشورى: 25]و إذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقا للعقاب، و

لأنه عليه السلام قال: «التوبة تمحو الحوبة»

فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا: يفعل اللّه ما يشاء و لا اعتراض عليه في شي‏ء و قالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفا به ثم سألوا أنفسهم فقالوا: إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفا به؟و أجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي و منفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل، و منفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لا بد و أن يقتل صار ذلك داعيا له إلى الخير و ترك الإصرار و التمرد.

/أما قوله تعالى: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ اَلْأُنْثى‏ََ بِالْأُنْثى‏ََ ففيه قولان:

224

القول الأول: إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين و بين العبدين و بين الأنثيين.

و احتجوا عليه بوجوه الأول: أن الألف و اللام في قوله: اَلْحُرُّ تفيد العموم فقوله: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد مشروعا لكان ذلك الحر مقتولا لا بالحر و ذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولا بالحر الثاني: أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقا لا محالة بفعل، فيكون التقدير: الحر يقتل بالحر و المبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما أن يكون مساويا له أو أخص منه، و على التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولا بالحر و ذلك ينافي كون حر مقتولا بالعبد الثالث: و هو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة و هو قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ فلما ذكر عقيبة قوله: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ دل ذلك على أن رعاية التسوية في الحرية و العبدية معتبرة، لأن قوله: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ خرج مخرج التفسير لقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ و إيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب أن لا يكون مشروعا فإن احتج الخصم بقوله تعالى: وَ كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ فِيهََا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: 45]فجوابنا أن الترجيح معنا لوجهين أحدهما: أن قوله: وَ كَتَبْنََا عَلَيْهِمْ فِيهََا أَنَّ اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ شرع لمن قبلنا، و الآية التي تمسكنا بها شرع لنا و لا شك أن شرعنا أقوى في الدلالة من شرع من قبلنا و ثانيهما: أن الآية التي تمسكنا بها مشتملة على أحكام النفوس على التفصيل و التخصيص، و لا شك أن الخاص مقدم على العام، ثم قال أصحاب هذا القول مقتضى ظاهر هذه الآية أن لا يقتل العبد إلا بالعبد، و أن لا تقتل الأنثى إلا بالأنثى، إلا أنا خالفنا هذا الظاهر لدلالة الاجتماع، و للمعنى المستنبط من نسق هذه الآية، و ذلك المعنى غير موجود في قتل الحر بالعبد، فوجب أن يبقى هاهنا على ظاهر اللفظ، أما الإجماع فظاهر، و أما المعنى المستنبط فهو أنه لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر و هو فوقه كان أولى، بخلاف الحر فإنه لما قتل بالحر لا يلزم أن يقتل بالعبد الذي هو دونه، و كذا القول في قتل الأنثى بالذكر، فأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع و اللّه أعلم.

القول الثاني: أن قوله تعالى: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ لا يفيد الحصر ألبتة، بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الأقسام، و احتجوا عليه بوجهين الأول: أن قوله: وَ اَلْأُنْثى‏ََ بِالْأُنْثى‏ََ يقتضي قصاص المرأة الحرة بالمرأة الرقيقة، فلو كان قوله: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ مانعا من ذلك لوقع التناقض الثاني: أن قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ جملة تامة مستقلة بنفسها و قوله: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر و إذا تقدم/ذكر الجملة المستقلة كان تخصيص بعض الجزئيات بالذكر لا يمتنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن أن يكون لفوائد سوى نفي الحكم عن سائر الصور، ثم اختلفوا في تلك الفائدة فذكروا فيها وجهين الأول: و هو الذي عليه الأكثرون أن تلك الفائدة بيان إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية على ما روينا في سبب نزول هذه الآية أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك.

و اعلم أن للقائلين بالقول الأول أن يقولوا قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ هذا يمنع من جواز قتل الحر بالعبد لأن القصاص عبارة عن المساواة، و قتل الحر بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة لأنه‏

225

زائد عليه في الشرف و في أهلية القضاء و الإمامة و الشهادة فوجب أن لا يكون مشروعا، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النص في قتل العالم بالجاهل و الشريف بالخسيس، إلا أنه يبقى في غير محل الإجماع على الأصل، ثم إن سلمنا أن قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ يوجب قتل الحر بالعبد، إلا أنا بينا أن قوله: اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ اَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ يمنع من جواز قتل الحر بالعبد، هذا خاص و ما قبله عام و الخاص مقدم على العام لا سيما إذا كان الخاص متصلا بالعام في اللفظ فإنه يكون جاريا مجرى الاستثناء و لا شك في وجوب تقديمه على العام.

الوجه الثاني: في بيان فائدة التخصيص ما

نقله محمد بن جرير الطبري عن علي بن أبي طالب و الحسن البصري، أن هذه الصور هي التي يكتفي فيها بالقصاص، أما في سائر الصور و هي ما إذا كان القصاص واقعا بين الحر و العبد، و بين الذكر و الأنثى، فهناك لا يكتفي بالقصاص بل لا بد فيه من التراجع،

و قد شرحنا هذا القول في سبب نزول هذه الآية، إلا أن كثيرا من المحققين زعموا أن هذا النقل لم يصح عن علي بن أبي طالب و هو أيضا ضعيف عند النظر لأنه قد ثبت أن الجماعة تقتل بالواحد و لا تراجع، فكذلك يقتل الذكر بالأنثى و لا تراجع، و لأن القود نهاية ما يجب في القتل فلا يجوز وجوب غيره معه.

أما قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ فاعلم أن الذين قالوا:

موجب العمد أحد أمرين إما القصاص و إما الدية تمسكوا بهذه الآية و قالوا الآية تدل على أن في هذه القصة عافيا و معفوا عنه، و ليس هاهنا إلا ولي الدم و القاتل، فيكون العافي أحدهما و لا يجوز أن يكون هو القاتل لأن ظاهر العفو هو إسقاط الحق و ذلك إنما يتأتى من الولي الذي له الحق على القتل، فصار تقدير الآية: فإذا عفي ولي الدم عن شي‏ء يتعلق بالقاتل فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف، و قوله: شَيْ‏ءٌ مبهم فلا بد من حمله على المذكور السابق و هو وجوب القصاص إزالة للإبهام، فصار تقدير الآية إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، و ليؤد إليه مالا بإحسان، و بالإجماع لا يجب أداء غير الدية، فوجب أن يكون/ذلك الواجب هو الدية، و هذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال، و لو لم يكن كذلك لما كان المال واجبا عند العفو عن القود، و مما يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: ذََلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ أي أثبت الخيار لكم في أخذ الدية، و في القصاص رحمة من اللّه عليكم، لأن الحكم في اليهود حتم القصاص و الحكم في النصارى حتم العفو فخف عن هذه الأمة و شرع لهم التخيير بين القصاص و الدية، و ذلك تخفيف من اللّه و رحمة في حق هذه الأمة لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إدا كان محتاجا إلى المال، و قد يكون القود آثر إذا كان راغبا في التشفي و دفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه رحمة من اللّه في حقه.

فإن قيل: لا نسلم أن العافي هو ولي الدم و قوله العفو إسقاط الحق و ذلك لا يليق إلا بولي الدم قلنا: لا نسلم أن العفو هو إسقاط الحق، بل المراد من قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ أي فمن سهل له من أخيه شي‏ء، يقال: أتاني هذا المال عفوا صفوا، أي سهلا، و يقال: خذ ما عفا، أي ما سهل، قال اللّه تعالى: خُذِ اَلْعَفْوَ فيكون تقدير الآية: فمن كان من أولياء الدم و سهل له من أخيه الذي هو القاتل شي‏ء من المال فليتبع ولي الدم ذلك القاتل في مطالبة ذلك المال و ليؤد القاتل إلى ولي الدم ذلك المال بالإحسان من‏

226

غير معطل و لا مدافعة، فيكون معنى الآية على هذا التقدير: إن اللّه تعالى حث الأولياء إذا دعوا إلى الصلح من الدم على الدية كلها أو بعضها أن يرضوا به و يعفوا عن القود.

سلمنا أن العافي هو ولي الدم، لكن لم لا يجوز أن يقال: المراد هو أن يكون القصاص مشتركا بين شريكين فيعفو أحدهما فحينئذ ينقلب نصيب الآخر مالا فاللّه تعالى أمر الشريك الساكت باتباع القاتل بالمعروف، و أمر القاتل بالأداء إليه بإحسان.

سلمنا أن العافي هو ولي الدم سواء كان له شريك أو لم يكن، لكن لم لا يجوز أن يقال: إن هذا مشروط برضا القاتل، إلا أنه تعالى لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتا لا محالة لأن الظاهر من كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه لأنه إذا قتل لا يبقى له لا النفس و لا المال أما بذل المال ففيه إحياء النفس، فلما كان هذا الرضا حاصلا في الأعم الأغلب لا جرم ترك ذكره و إن كان معتبرا في النفس الأمر.

و الجواب: حمل لفظ العفو في هذه الآية على إسقاط حق القصاص أولى من حمله على أن يبعث القاتل المال إلى ولي الدم، و بيانه من وجهين الأول: أن حقيقة العفو إسقاط الحق، فيجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك، و حمل اللفظ في هذه الآية على إسقاط الحق أولى من حمله على ما ذكرتم، لأنه لما تقدم قوله:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ كان حمل قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ على إسقاط حق القصاص أولى، لأن قوله: شَيْ‏ءٌ لفظ مبهم/و حمل هذا المبهم على ذلك المعنى الذي هو المذكور السابق أولى الثاني: أنه لو كان المراد بالعفو ما ذكرتم، لكان قوله: فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ عبثا لأن بعد وصول المال إليه بالسهولة و اليسر لا حاجة به إلى اتباعه، و لا حاجة بذلك المعطي إلى أن يؤمر بأداء ذلك المال بالإحسان.

و أما السؤال الثاني فمدفوع من وجهين الأول: أن ذلك الكلام إنما يتمشى بفرض صورة مخصوصة، و هي ما إذا كان حق القصاص مشتركا بين شخصين ثم عفا أحدهما و سكت الآخر، و الآية دالة على شرعية هذا الحكم على الإطلاق، فحمل اللفظ المطلق على الصورة الخاصة المفيدة خلاف الظاهر و الثاني: أن الهاء في قوله:

وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ ضمير عائد إلى مذكور سابق، و المذكور السابق هو العافي، فوجب أداء هذا المال إلى العافي، و على قولكم: يجب أداؤه إلى غير العافي فكان قولكم باطلا.

و أما السؤال الثالث أن شرط الرضا إما أن يكون ممتنع الزوال، أو كان ممكن الزوال، فإن كان ممتنع الزوال، فوجب أن يكون مكنة أخذ الدية ثابتة لولي الدم على الإطلاق، و إن كان ممكن الزوال كان تقييد اللفظ بهذا الشرط الذي ما دلت الآية على اعتباره مخالفة للظاهر و أنه غير جائز و لما تلخص هذا البحث فنقول: الآية بقيت فيها أبحاث لفظية نذكرها في معرض السؤال و الجواب البحث الأول: كيف تركيب قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ .

الجواب: تقديره: فمن له من أخيه شي‏ء من العفو، و هو كقوله: سير بزيد بعض السير و طائفة من السير البحث الثاني: أن عُفِيَ يتعدى بعن لا باللام، فما وجه قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ الجواب: أنه يتعدى بعن إلى الجاني و إلى الذنب، فيقال عفوت عن فلان و عن ذنبه قال اللّه تعالى: عَفَا

227

اَللََّهُ عَنْكَ [التوبة: 43]فإذا تعدى إلى الذنب قيل: عفوت عن فلان عما جنى، كما تقول: عفوت له عن ذنبه، و تجاوزت له عنه، و عليه هذه الآية، كأنه قيل: فمن عفي له من جنايته، فاستغنى عن ذكر الجناية.

البحث الثالث: لم قيل شي‏ء من العفو؟ و الجواب: من وجهين أحدهما: أن هذا إنما يشكل إذا كان الحق ليس إلا القود فقط، فحينئذ يقال: القود لا يتبعض فلا يبقى لقوله: شَيْ‏ءٌ فائدة، أما إذا كان مجموع حقه إما القود و إما المال كان مجموع حقه متبعضا لأن له أن يعفو عن القود دون المال، و له أن يعفو عن الكل، فلما كان الأمر كذلك جاز أن يقول فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ .

و الجواب الثاني: أن تنكير الشي‏ء يفيد فائدة عظيمة، لأنه يجوز أن يتوهم أن العفو لا يؤثر/في سقوط القود، إلا أن يكون عفوا عن جميعه، فبين تعالى أن العفو عن جزئه كالعفو عن كله في سقوط القود، و عفو بعض الأولياء عن حقه، كعفو جميعهم عن خلقهم، فلو عرف الشي‏ء كان لا يفهم منه ذلك، فلما نكره صار هذا المعنى مفهوما منه، فلذلك قال تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْ‏ءٌ .

البحث الرابع: بأي معنى أثبت اللّه وصف الأخوة.

و الجواب: قيل: إن ابن عباس تمسك بهذه الآية في بيان كون الفاسق مؤمنا من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى سماه مؤمنا حال ما وجب القصاص عليه، و إنما وجب القصاص عليه إذا صدر عنه القتل العمد العدوان و هو بالإجماع من الكبائر، و هذا يدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن و الثاني: أنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل و بين ولي الدم، و لا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، لقوله تعالى: إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 15]فلو لا أن الإيمان باق مع الفسق و إلا لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان الثالث: أنه تعالى ندب إلى العفو عن القاتل، و الندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن، أجابت المعتزلة عن الوجه الأول فقالوا: إن قلنا المخاطب بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ فِي اَلْقَتْلى‏ََ هم الأئمة فالسؤال زائل، و إن قلنا: إنهم هم القاتلون فجوابه من وجهين أحدهما: أن القاتل قبل إقدامه على القتل كان مؤمنا، فسماه اللّه تعالى مؤمنا بهذا التأويل و الثاني: أن القاتل قد يتوب و عند ذلك يكون مؤمنا، ثم إنه تعالى أدخل فيه غير التائب على سبيل التغليب.

و أما الوجه الثاني: و هو ذكر الأخوة، فأجابوا عنه من وجوه الأول: أن الآية نازلة قبل أن يقتل أحد أحدا، و لا شك أن المؤمنين إخوة قبل الإقدام على القتل و الثاني: الظاهر أن الفاسق يتوب، و على هذا التقدير يكون ولي المقتول أخا له و الثالث: يجوز أن يكون جعله أخا له في النسب كقوله تعالى: وَ إِلى‏ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً* [الأعراف: 65]و الرابع: أنه حصل بين ولي الدم و بين القاتل تعلق و اختصاص، و هذا القدر يكفي في إطلاق اسم الأخوة، كما تقول للرجل، قل لصاحبك كذا إذا كان بينهما أدنى تعلق و الخامس: ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من الجنسية في الإقرار و الاعتقاد.

و الجواب: أن هذه الوجوه بأسرها تقتضي تقييد الأخوة بزمان دون زمان، و بصفة دون صفة، و اللّه تعالى أثبت الأخوة على الإطلاق.

و أما قوله تعالى: فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ ففيه أبحاث: ـ

228

البحث الأول: قوله: فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف و تقديره: فحكمه اتباع، أو هو مبتدأ خبره محذوف تقديره: فعليه اتباع بالمعروف.

البحث الثاني: قيل: على العافي الاتباع بالمعروف، و على المعفو عنه أداء بإحسان، عن ابن/عباس و الحسن و قتادة و مجاهد، و قيل: هما على المعفو عنه فإنه يتبع عفو العافي بمعروف، و يؤدي ذلك المعروف إليه بإحسان.

البحث الثالث: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجري فيها على العادة المألوفة فإن كان معسرا فالنظرة، و إن كان واجدا لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، و إن كان واجدا لغير المال الواجب، فالإمهال إلى أن يبتاع و يستبدل، و أن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات، فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان و لا يؤخره مع الوجود، و لا يقدم ما ليس بواجب عليه، و أن يؤدي ذلك المال على بشر و طلاقة و قول جميل.

أما قوله تعالى: ذََلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ ففيه وجوه أحدها: أن المراد بقوله: ذََلِكَ أي الحكم بشرع القصاص و الدية تخفيف في حقكم، لأن العفو و أخذ الدية محرمان على أهل التوراة و القصاص مكتوب عليهم ألبتة و القصاص و الدية محرمان على أهل الإنجيل و العفو مكتوب عليهم و هذه الأمة مخيرة بين القصاص و الدية و العفو توسعة عليهم و تيسيرا، و هذا قول ابن عباس، و ثانيها: أن قوله: ذََلِكَ راجع إلى قوله: فَاتِّبََاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدََاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسََانٍ .

أما قوله: فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ بَعْدَ ذََلِكَ التخفيف يعني جاوز الحد إلى ما هو أكثر منه قال ابن عباس و الحسن: المراد أن لا يقتل بعد العفو و الدية، و ذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا و أخذوا الدية، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، فنهى اللّه عن ذلك و قيل المراد: أن يقتل غير قاتله، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص و يجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ فَلَهُ عَذََابٌ أَلِيمٌ و فيه قولان أحدهما: و هو المشهور أنه نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة و الثاني: روي عن قتادة أن العذاب الأليم هو أن يقتل لا محالة و لا يعفى عنه و لا يقبل الدية منه‏

لقوله عليه السلام: «لا أعافي أحدا قتل بعد أن أخذ الدية»

و هو المروي عن الحسن و سعيد بن جبير و هذا القول ضعيف لوجوه أحدها: أن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة و ثانيها: أنا بينا أن القود تارة يكون عذابا و تارة يكون امتحانا، كما في حق التائب فلا يصح إطلاق اسم العذاب عليه إلا في وجه دون وجه و ثالثها: أن القاتل لمن عفي عنه لا يجوز أن يختص بأن لا يمكن ولي الدم من العفو عنه لأن ذلك حق ولي الدم فله إسقاطه قياسا على تمكنه من إسقاط سائر الحقوق و اللّه أعلم.

اعلم أنه سبحانه و تعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص و كان القصاص من باب الإيلام توجه فيه سؤال و هو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته إيلام العبد الضعيف؟فلأجل دفع هذا السؤال ذكر عقيبه حكمة شرع‏

229

القصاص فقال: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في الآية وجوه الأول: أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة و إزالة الشي‏ء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشي‏ء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلا، و في حق من يراد جعله مقتولا و في حق غيرهما أيضا، أما في حق من يريد أن يكون قاتلا فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حيا، و أما في حق من يراد جعله مقتولا فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، و أما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل، أو من يهم به و في بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس و في تصور كون القصاص مشروعا زوال كل ذلك و في زواله حياة الكل.

الوجه الثاني: في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة و ذلك لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سببا للحياة من هذا الوجه، و اعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مختص بالقصاص الذي هو القتل، يدخل فيه القصاص في الجوارح و الشجاج و ذلك لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سببا لبقائهما لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت و كذلك الجارح إذا اقتص منه و أيضا فالشجة و الجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس.

الوجه الثالث: أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية و هو قول السدي.

و الوجه الرابع: قرأ أبو الجوزاء وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ أي فيما قص عليكم من حكم القتل و القصاص و قيل: اَلْقِصََاصُ القرآن، أي لكم في القرآن حياة للقلوب كقوله: رُوحاً مِنْ أَمْرِنََا [الشورى: 52] وَ يَحْيى‏ََ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: 42]و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، و ذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، و قول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، و أجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، و بيان التفاوت من وجوه: أحدها: أن قوله: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ أخصر من الكل، لأن قوله: وَ لَكُمْ لا يدخل في/هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل:

قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، و كذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ أشد اختصارا من قولهم: القتل أنفى للقتل‏و ثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشي‏ء سببا لانتفاء نفسه و هو محال، و قوله: فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل و هو القصاص، ثم ما جعله سببا لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة، بل جعله سببا لنوع من أنواع الحياة و ثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل و ليس قوله: فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ كذلك و رابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل. لا يفيد إلا الردع عن القتل، و قوله: فِي اَلْقِصََاصِ‏

230

حَيََاةٌ يفيد الردع عن القتل و عن الجرح و غيرهما فهو أجمع للفوائد و خامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، و أما الآية فإنها دالة على حصول الحياة و هو مقصود أصلي، فكان هذا أولى و سادسها: أن القتل ظلما قتل، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص و هو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا و تقديرا، فظهر التفاوت بين الآية و بين كلام العرب.

المسألة الثالثة: احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم: إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت. فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة.

فإن قيل: أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله و لم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله؟فإذا قلتم: كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، و ذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت و في ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي أما قوله تعالى: يََا أُولِي اَلْأَلْبََابِ فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب و يعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، و علموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف و الامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص اللّه سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب.

و أما قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: لفظة «لعل» للترجي، و ذلك إنما يصح في حق من لم يكن عالما بجميع المعلومات، و جوابه ما سبق في قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21].

المسألة الثانية: قال الجبائي: هذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل التقوى، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون بخلاف قول المجبرة، و قد سبق جوابه أيضا في تلك الآية.

المسألة الثالثة: في تفسير الآية قولان أحدهما: قول الحسن و الأصم أن المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص و الثاني: أن المراد هو التقوى من كل الوجوه و ليس في الآية تخصيص للتقوى، فحمله على الكل أولى: و معلوم أن اللّه تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص و غيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي و يكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه.

231

الحكم الخامس‏

في قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت‏ اعلم أن قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ يقتضي الوجوب على ما بيناه، أما قوله: إِذََا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ فليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول: و هو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت، و هو المرض المخوف و ذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت: إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل و الثاني: قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا: إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي:

و القول الأول أولى لوجهين أحدهما: أن الموصي و إن لم يذكر في وصيته الموت جاز و الثاني: أن ما ذكرناه هو الظاهر، و إذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره.

أما قوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً فلا خلاف أنه المال هاهنا و الخير يراد به المال في كثير من القرآن/كقوله:

وَ مََا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ* [البقرة: 272] وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ [العاديات: 8] مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و إذا عرفت هذا فنقول: هاهنا قولان: أحدهما: أنه لا فرق بين القليل و الكثير، و هو قول الزهري، فالوصية واجبة في الكل، و احتج عليه بوجهين: الأول: أن اللّه تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا، و المال القليل خير، يدل عليه القرآن و المعقول، أما القرآن فقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*`وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8]و أيضا قوله تعالى: لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24]و أما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به، و المال القليل كذلك فيكون خيرا.

الحجة الثانية: أن اللّه تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى:

لِلرِّجََالِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّسََاءِ نَصِيبٌ مِمََّا تَرَكَ اَلْوََالِدََانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمََّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [النساء: 7]فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية.

و القول الثاني: و هو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير، و احتجوا عليه بوجوه الأول: أن من ترك درهما لا يقال: إنه ترك خيرا، كما يقال: فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله و مجاوزته حد أهل الحاجة، و إن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، و كذلك إذا قيل:

فلان في نعمة، و في رفاهية من العيش. فإنما يراد به تكثير النعمة، و إن كان أحد لا ينفك عن نعمة اللّه، و هذا باب من المجاز مشهور و هو نفي الاسم عن الشي‏ء لنقصه، كما

قد روي من قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»

و

قوله: «ليس بمؤمن من باب شبعانا و جاره جائع»

و نحو هذا.

الحجة الثالثة: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلا، أو كثيرا، لما كان التقييد بقوله:

إِنْ تَرَكَ خَيْراً كلاما مفيدا، لأن كل أحد لا بد و أن يترك شيئا ما، قليلا كان أو كثيرا، أما الذي يموت عريانا و لا يبقى معه كسرة خبر، و لا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة، فإذا ثبت أن المراد هاهنا من الخير المال الكثير، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان:

232

القول الأول: أنه مقدر بمقدار معين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا،

فروي عن علي رضي اللّه عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت، و له سبعمائة درهم، فقال أولا أوصي، قال: لا إنما قال اللّه تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً و ليس لك كثير مال،

و عن عائشة رضي اللّه عنها أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟قال ثلاثة آلاف، قالت: كم عيالك؟قال أربعة قالت: قال اللّه إِنْ تَرَكَ خَيْراً و إن هذا لشي‏ء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل، و عن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي و عن قتادة ألف درهم، و عن النخعي من ألف و خمسمائة درهم.

و القول الثاني: أنه غير مقدر بمقدار معين. بل يختلف دلك باختلاف حال الرجال، لأن/بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني، و بذلك القدر لا يوصف غيره بالغنى لأجل كثرة العيال و كثرة النفقة، و لا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقا بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها.

أما قوله: اَلْوَصِيَّةُ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: إنما قال: كُتِبَ : لأنه أراد بالوصية الإيصاء، و لذلك ذكر الضمير في قوله: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مََا سَمِعَهُ [البقرة: 181]و أيضا إنما ذكر للفصل بين الفعل و الوصية، لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث و الفعل، كالعوض من تاء التأنيث، و العرب تقول حضر القاضي امرأة، فيذكرون لأن القاضي بين الفعل و بين المرأة.

المسألة الثانية: رفع الوصية من وجهين أحدهما: على ما لم يسم فاعله و الثاني: على أن يكون مبتدأ و للوالدين الخبر، و تكون الجملة في موضع رفع بكتب، كما تقول قيل عبد اللّه قائم، فقولك عبد اللّه قائم جملة مركبة من مبتدأ و خبر، و الجملة في موضع رفع بقيل.

أما قوله: لِلْوََالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن اللّه تعالى لما بين أن الوصية واجبة، بين بعد ذلك أنها واجبة لمن فقال:

للوالدين و الأقربين، و فيه و جهان: الأول: قال الأصم: إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر و الشرف، و يتركون الأقارب في الفقر و المسكنة، فأوجب اللّه تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعا للقوم عما كانوا اعتادوه و هذا بين الثاني: قال آخرون إن إيجاب هذه الوصية لما كان قبل آية المواريث، جعل اللّه الخيار إلى الموصي في ماله و ألزمه أن لا يتعدى في إخراجه ماله بعد موته عن الوالدان و الأقربين فيكون و أصلا إليهم بتمليكه و اختياره، و لذلك‏

لما نزلت آية المواريث قال عليه الصلاة و السلام: «إن اللّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»

فبين أن ما تقدم كان و أصلا إليهم بعطية الموصي، فأما الآن فاللّه تعالى قدر لكل ذي حق حقه، و أن عطية اللّه أولى من عطية الموصي، و إذا كان كذلك فلا وصية لوارث ألبتة، فعلى هذا الوجه كانت الوصية من قبل واجبة للوالدين و الأقربين.

المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: وَ اَلْأَقْرَبِينَ من هم؟ فقال قائلون: هم الأولاد فعلى هذا أمر اللّه تعالى بالوصية للوالدين و الأولاد و هو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه.

233

و القول الثاني: و هو قول ابن عباس و مجاهد أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين.

و القول الثالث: أنهم جميع القرابات من يرث منهم و من لا يرث و هذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة.

و القول الرابع: هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ، أما قوله: بِالْمَعْرُوفِ فيحتمل أن يكون المراد منه قدر ما يوصى به، و يحتمل أن يكون المراد منه تمييز من يوصى له من الأقربين ممن لا يوصى، لأن كلا الوجهين يدخل في المعروف، فكأنه تعالى أمره في الوصية أن يسلك الطريق الجميلة، فإذا فاضل بينهم، فبالمعروف و إذا سوى فكمثل، و إذا حرم البعض فكمثل لأنه لو حرم الفقير و أوصى للغني لم يكن ذلك معروفا، و لو سوى بين الوالدين مع عظم حقهما و بين بني العم لم يكن معروفا، و لو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الأخوة لم يكن ما يأتيه معروفا فاللّه تعالى كلفه الوصية على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش و ذلك من باب ما يعلم بالعادة فليس لأحد أن يقول: لو كانت الوصية واجبة لم يشترط تعالى فيه هذا الشرط، الذي لا يمكن الوقوف عليه لما بينا.

أما قوله تعالى: حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ فزيادة في توكيد وجوبه، فقوله: حَقًّا مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقا، فإن قيل: ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم.

فالجواب: من وجهين الأول: أن المراد بقوله: حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ أنه لازم لمن آثر التقوى، و تحراه و جعله طريقة له و مذهبا فيدخل الكل فيه الثاني: أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين و الإجماع دل على أن الواجبات و التكاليف عامة في حق المتقين و غيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الآية.

البحث حول أدلة القائلون بأن هذه الآية ما صارت منسوخة و اعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية، منهم من قال: كانت واجبة و منهم من قال: كانت ندبا و احتج الأولون بقوله: كُتِبَ و بقوله: عَلَيْكُمْ و كلا اللفظين ينبئ عن الوجوب، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله: حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ و هؤلاء اختلفوا منهم من قال هذه الآية صارت منسوخة، و منهم من قال إنها ما صارت منسوخة، و هذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني، و تقرير قوله من وجوه أحدها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث و معناها كتب عليكم ما أوصى به اللّه تعالى من توريث الوالدين و الأقربين من قوله تعالى:

يُوصِيكُمُ اَللََّهُ فِي أَوْلاََدِكُمْ [النساء: 11]أو كتب على المختصر أن يوصي للوالدين و الأقربين بتوفير ما أوصى به اللّه لهم عليهم و أن لا ينقص من أنصبائهم و ثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من اللّه تعالى و الوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية و الميراث بحكم الآيتين و ثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية و ذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث و يبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية، و ذلك لأن من الوالدين من يرث، و منهم من لا يرث، و ذلك بسبب اختلاف الدين و الرق و القتل و من الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجة و منهم من يسقط /في حال و يثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم، و منهم من يسقط في كل حال إذا

234

كانوا ذوي رحم فكل من كان من هؤلاء وارثا لم يجز الوصية له، و من لم يكن وارثا جازت الوصية له لأجل صلة الرحم، فقد أكد اللّه تعالى ذلك بقوله: وَ اِتَّقُوا اَللََّهَ اَلَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحََامَ [النساء: 1]و بقوله:

إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبى‏ََ [النحل: 90]فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب.

أما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعا على هذا المذهب أبحاث:

البحث الأول: اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة؟ و ذكروا وجوها أحدهما: أنها صارت منسوخة بإعطاء اللّه تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط و هذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية و أكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل: إنه لا بد و أن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقا لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شي‏ء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ و ثانيها: أنها صارت منسوخة

بقوله عليه السلام: «ألا لا وصية لوارث»

و هذا أقرب إلا أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به، و أجيب عن هذا السؤال بأن هذا الخبر و إن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر.

و لقائل أن يقول: يدعى أن الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع، و الأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعا منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به و الثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخطأ و أنه غير جائز و ثالثها: أنها صارت منسوخة بالإجماع و الإجماع لا يجوز أن ينسخ به القرآن. لأن الإجماع يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجودا إلا أنهم اكتفوا بالإجماع من ذكر ذلك الدليل، و لقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ فكيف يدعى انعقاد الإجماع على حصول النسخ؟و رابعها: أنها صارت منسوخة بدليل قياسي و هو أن نقول: هذه الوصية لو كانت واجبة لكان عند ما لم توجد هذه الوصية وجب أن لا يسقط حق هؤلاء الأقربين قياسا على الديون التي لا توجد الوصية بها لكن عند ما لم توجد الوصية لهؤلاء الأقربين لا يستحقون شيئا، بدليل قوله تعالى في آية المواريث: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهََا أَوْ دَيْنٍ* [النساء: 11]و ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم تكن وصية و لا دين، فالمال أجمع مصروف إلى أهل الميراث، و لقائل أن يقول: نسخ القرآن بالقياس غير جائز و اللّه أعلم.

البحث الثاني: القائلون بأن هذه الآية صارت منسوخة اختلفوا على قولين منهم من قال: إنها صارت منسوخة في حق من يرث و في حق من لا يرث و هو قول أكثر المفسرين و المعتبرين من الفقهاء، و منهم من قال:

إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، و هو مذهب ابن عباس/و الحسن البصري و مسروق و طاوس و الضحاك و مسلم بن يسار و العلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية، و قال طاوس: إن أوصى للأجانب و ترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب، فعند هؤلاء أن هذه الآية بقيت دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثا، و حجة هؤلاء من وجهين:

الحجة الأولى: أن هذه الآية دالة على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق الوارث القريب، إما بآية المواريث و إما

بقوله عليه الصلاة و السلام: «ألا لا وصية الوارث»

أو بالإجماع على أنه لا وصية للوارث، و هاهنا الإجماع غير موجود مع ظهور الخلاف فيه قديما و حديثا، فوجب أن تبقى الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثا.