التفسير الكبير - ج6

- الفخر الرازي‏ المزيد...
532 /
365

الجزء السادس‏

تتمة سورة البقرة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: سَلْ كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفا، و نقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، و عند هذا التصريف استغنى عن ألف الوصل، و قال قطرب:

يقال سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر، و سال يسال، مثل خاف يخاف، و الأمر فيه: سل مثل خف، و بهذا التقدير قرأ نافع و ابن عامر سَأَلَ سََائِلٌ على وزن قال، و كال، و قوله: كَمْ هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال إنه من تأليف كاف التشبيه مع (ما) ثم قصرت (ما) و سكنت الميم، و بنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، و هي تارة تستعمل في الخبر و تارة في الاستفهام و أكثر لغة العرب الجر به عند الخبر، و النصب عند الاستفهام، و من العرب من ينصب به في الخبر، و يجر به في الاستفهام، و هي هاهنا يحتمل أن تكون استفهامية، و أن تكون خبرية.

المسألة الثانية: اعلم أنه ليس المقصود: سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها و ذلك لأن الرسول عليه الصلاة و السلام كان عالما بتلك الأحوال بإعلام اللّه تعالى إياه، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل اللّه تعالى، و بيان هذا الكلام أنه تعالى قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً، وَ لاََ تَتَّبِعُوا خُطُوََاتِ اَلشَّيْطََانِ [البقرة: 208]فأمر بالإسلام و نهى عن الكفر، ثم قال: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْكُمُ اَلْبَيِّنََاتُ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف/صرتم مستحقين للتهديد بقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 209]ثم بين ذلك التهديد بقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ [البقرة: 210]ثم ثلث ذلك التهديد بقوله: سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من اللّه تعالى، و ذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات اللّه لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه، و المقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم، كما قال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ [الحشر: 2]و قال: لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ [يوسف: 111]فهذا بيان وجه النظم.

المسألة الثالثة: فرق أبو عمرو في «سل» بين الاتصال بواو و فاء و بين الاستئناف، فقرأ سَلْهُمْ و سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ بغير همزة وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ [يوسف: 82] فَسْئَلِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُنَ اَلْكِتََابَ ، وَ سْئَلُوا اَللََّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 32]بالهمز، و سوى الكسائي بين الكل، و قرأ الكل بغير همز وجه الفرق الفرق أن التخفيف في‏

366

الاستئناف وصلة إلى إسقاط الهمزة المبتدأة و هي مستقلة و ليس كذلك في الاتصال و الكسائي اتبع المصحف، لأن الألف ساقطة فيها أجمع.

المسألة الرابعة: قوله: مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فيه قولان أحدها: المراد به معجزات موسى عليه السلام، نحو فلق البحر، و تظليل الغمام، و إنزال المن و السلوى، و نتق الجبل، و تكليم اللّه تعالى لموسى عليه السلام من السحاب، و إنزال التوراة عليهم، و تبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات.

و القول الثاني: أن المعنى، كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة و السلام، يعلم بها صدقه و صحة شريعته.

أما قوله تعالى: وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اَللََّهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرئ وَ مَنْ يُبَدِّلْ بالتخفيف.

المسألة الثانية: قال أبو مسلم: في الآية حذف، و التقدير: كم آتيناهم من آية بينة و كفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله: وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اَللََّهِ .

المسألة الثالثة: في نعمة اللّه هاهنا قولان أحدهما: أن المراد آياته و دلائله و هي من أجل أقسام نعم اللّه لأنها أسباب الهدي و النجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام، قال: المراد بتبديلها أن اللّه تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125]و من قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة و الإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام، قال: المراد من تبديلها تحريفها و إدخال الشبهة فيها.

و القول الثاني: المراد بنعمة اللّه ما آتاهم اللّه من أسباب الصحة و الأمن و الكفاية و اللّه تعالى/هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، و لكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم و هو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات.

أما قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُ فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات و الدلائل كان المراد من قوله: مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُ أي من بعد ما تمكن من معرفتها، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى: ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مََا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 75]لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة عنه، و إن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة و الأمن و الكفاية، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح، فلهذا قال: فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ قال الواحدي رحمه اللّه تعالى: و فيه إضمار، و المعنى شديد العقاب له، و أقول: بين عبد القاهر النحوي في كتاب «دلائل الإعجاز» أن ترك هذا الإضمار أولى، و ذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك، ثم قال الواحدي رحمه اللّه: و العقاب عذاب يعقب الجرم.

367

اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة اللّه من بعد ما جاءته و هم الكفار الذين كذبوا بالدلالة و الأنبياء و عدلوا عنها أتبعه اللّه تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا و محصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار و المشركين في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: إنما لم يقل: زينت لوجوه أحدها: و هو قول الفراء: أن الحياة و الإحياء واحد، فإن أنث فعلى اللفظ، و إن ذكر فعلى المعنى كقوله: فَمَنْ جََاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة: 275]، وَ أَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا اَلصَّيْحَةُ [هود: 67]و ثانيها: و هو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأنه ليس حيوانا بإزائه ذكر، مثل امرأة و رجل، و ناقة و جمل، بل معنى الحياة و العيش و البقاء واحد فكأنه قال: زين للذين كفروا الحياة الدنيا و البقاء و ثالثها: و هو قول ابن الأنباري: إنما لم يقل: زينت، لأنه فصل بين زين و بين الحياة الدنيا، بقوله:

لِلَّذِينَ كَفَرُوا و إذا فصل بين فعل المؤنث و بين الإسم/بفاصل، حسن تذكير الفعل، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب النزول وجوها:

فالرواية الأولى: قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل و رؤساء قريش، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين، كعبد اللّه بن مسعود، و عمار، و خباب، و سالم مولى أبي حذيفة، و عامر بن فهيرة و أبي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه من الفقر و الضرر و الصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم و الراحة.

و الرواية الثانية: نزلت في رؤساء اليهود و علمائهم من بني قريظة و النضير و بني قينقاع، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين، حيث أخرجوا من ديارهم و أموالهم.

و الرواية الثالثة: قال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد اللّه بن أبي و أصحابه، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين و فقراء المهاجرين، و اعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية هذا التزيين، أما المعتزلة فذكروا وجوها أحدها: قال الجبائي: المزين هو غواة الجن و الإنس، زينوا للكفار الحرص على الدنيا، و قبحوا أمر الآخرة في أعينهم، و أوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال: و أما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل، لأن المزين للشي‏ء هو المخبر عن حسنة فإن كان المزين هو اللّه تعالى، فإما أن يكون صادقا في ذلك التزين، و إما أن يكون كاذبا، فإن كان صادقا وجب أن يكون ما زينه حسنا، فيكون فاعله المستحسن له مصيبا و ذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره و معصيته، و هذا القول كفر، و إن كان كاذبا في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول و لا خبر، و هذا أيضا كفر، قال: فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان، هذا تمام كلام أبي علي الجبائي في «تفسيره» .

و أقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، و المزين لجميع الكفار لا بد و أن يكون مغايرا لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان‏

368

يزين للآخر، و حينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد و أن يكون مغايرا لهم، فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن و الإنس، و ذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا، و قد بينا أن المزين لا بد و أن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف، و أما قوله: المزين للشي‏ء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع، بل المزين من يجعل الشي‏ء موصوفا بالزينة، و هي صفات قائمة بالشي‏ء باعتبارها يكون الشي‏ء مزينا، و على هذا التقدير سقط كلامه، ثم إن سلمنا أن المزين للشي‏ء هو المخبر عن حسنه، فلم لا يجوز أن يقال: اللّه تعالى أخبر عن حسنه، و المراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات و الطيبات/و الراحات، و الإخبار عن ذلك ليس بكذب، و التصديق بها ليس بكفر، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية.

التأويل الثاني: قال أبو مسلم: يحتمل في زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أنهم زينوا لأنفسهم و العرب يقولون لمن يبعد منهم: أين يذهب بل لا يريدون أن ذاهبا ذهب به و هو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة: أَنََّى يُؤْفَكُونَ* [المائدة: 75، التوبة: 30، المنافقون: 4]، أَنََّى يُصْرَفُونَ [غافر: 69]إلى غير ذلك، و أكده بقوله تعالى:

يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُلْهِكُمْ أَمْوََالُكُمْ وَ لاََ أَوْلاََدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ [المنافقون: 9]فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب، و لما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه، و اعلم أن هذا ضعيف، و ذلك لأن قوله: زُيِّنَ يقتضي أن مزينا زينه، و العدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن.

التأويل الثالث: أن هذا المزين هو اللّه تعالى و يدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما: قراءة من قرأ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اَلْحَيََاةُ اَلدُّنْيََا على البناء للفاعل الثاني: قوله تعالى: إِنََّا جَعَلْنََا مََا عَلَى اَلْأَرْضِ زِينَةً لَهََا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف: 7]ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوها الأول: يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة و النضارة و الطيب و اللذة، و إنما فعل ذلك ابتلاء لعباده، و نظيره قوله تعالى: زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ اَلشَّهَوََاتِ [آل عمران: 14]إلى قوله: قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذََلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنََّاتٌ [آل عمران: 15]و قال أيضا: اَلْمََالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا وَ اَلْبََاقِيََاتُ اَلصََّالِحََاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوََاباً وَ خَيْرٌ أَمَلاً [الكهف: 46]و قالوا: فهذه الآيات متوافقة، و المعنى في الكل أن اللّه جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء و امتحان، فركب في الطباع الميل إلى اللذات و حب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الامتحان، و ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح و يكفها عن الحرام الثاني: أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا، و لم يمنعهم عن الإقبال عليها، و الحرص الشديد في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين.

و اعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد و هو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث و إلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر و هذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر و المعصية على جانب الإيمان و الطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزيينا في قلبه، و النص دل على أنه حصل هذا التزيين، و إن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر و المعصية، على جانب الإيمان و الطاعة، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين‏

369

مرجوحا كان أولى بامتناع الوقوع، و إذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع، ضرورة/أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال و معلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة.

الوجه الثالث: في تقرير هذا التأويل أن المراد: أن اللّه تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات، و على هذا الوجه سقط الإشكال، و هذا أيضا ضعيف، و ذلك لأن اللّه تعالى خص بهذا التزيين الكفار، و تزيين المباحات لا يختص به الكافر، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات، و أيضا فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف و الوجل من الحساب في الآخرة فهو و إن كثر ماله و جاهه فعيشه مكدر منغص، و أكثر غرضه أجر الآخرة و إنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها، و ليس كذلك الكافر، فإنه و إن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالبا على ظنه، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها، و إذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات، و أيضا أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله: وَ يَسْخَرُونَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا و ذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة، و تحملهم المشاق الواجبة، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات.

و أما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء و القدرة على تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال و الأحوال، و هذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا اللّه سبحانه، و على هذا الوجه ظهر المراد من الآية.

أما قوله تعالى: وَ يَسْخَرُونَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فقد روينا في كيفية تلك السخرية وجوها من الروايات، قال الواحدي: قوله: وَ يَسْخَرُونَ مستأنف غير معطوف على زين، و لا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي، و ذلك لأن اللّه أخبر عنهم بزين و هو ماض، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال: وَ يَسْخَرُونَ مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا و معنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا لذات الدنيا و طيباتها و شهواتها و يتحملون المشاق و المتاعب لطلب الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل، و لا شك أنه لو بطل القول بالمعاد لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد لكانت السخرية منقلبة عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه، بل قال بعض المحققين الإعراض عن الدنيا، و الإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة و أنفاسا معدودة و إن صح القول بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا و الإقبال على الآخرة أمرا متعينا فثبت أن تلك السخرية كانت باطلة و أن عود السخرية عليهم أولى.

أما قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ ففيه سؤالات:

السؤال الأول: لم قال: مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثم قال: وَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا .

الجواب: ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي، و ليكون بعثا للمؤمنين على التقوى.

السؤال الثاني: ما المراد بهذه الفوقية؟ الجواب: فيه وجوه أحدها: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين‏

370

من السماء و الكافرين يكونون في سجين من الأرض و ثانيها: يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة و الدرجة.

فإن قيل: إنما يقال: فلان فوق فلان في الكرامة، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالا من الآخر في تلك الكرامة، و الكافر ليس له شي‏ء من الكرامة فكيف يقال: المؤمن فوقه في الكرامة.

قلنا: المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر، فاللّه تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين، و ثالثها: أن يكون المراد: إنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، و ذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق اللّه تعالى، و أما يوم القيامة فلا يبقى شي‏ء من ذلك، بل تزول الشبهات، و لا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا كََانُوا مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ إلى قوله- فَالْيَوْمَ اَلَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: 29-34]الآية و رابعها: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، و هي مع بطلانها منقضية، و سخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة و مع حقيقتها هي دائمة باقية.

السؤال الثالث: هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد فإن لقائل أن يقول: إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية و إن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل النار.

الجواب: هذا تمسك بالمفهوم، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو.

أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي اللّه المتقين في الآخرة من الثواب، و يحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين و الكافرين فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوها أحدها: أنه يرزق من يشاء في/الآخرة، و هم المؤمنون بغير حساب، أي رزقا واسعا رغدا لا فناء له، و لا انقطاع، و هو كقوله: فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهََا بِغَيْرِ حِسََابٍ [غافر: 40]فإن كل ما دخل تحت الحساب و الحصر و التقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب و ثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب و بعضها تفضل كما قال:

فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: 173]فالفضل منه بلا حساب و ثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي و ما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، و اللّه لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته و رابعها: أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة، و ذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئا انتقص قدر الواجب عما كان، و الثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار و الأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد و الفضل باقيا، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب و خامسها: أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهيا لا محالة، و الذي في خزانة قدرة اللّه غير متناه و المتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله: بِغَيْرِ حِسََابٍ و هو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات اللّه تعالى‏

371

و سادسها: بِغَيْرِ حِسََابٍ أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق، و هذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئا، و ليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل و الإحسان، لا بسبب الاستحقاق و سابعها: بِغَيْرِ حِسََابٍ أي يزيد على قدر الكفاية، يقال: فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال: ينفق بغير حساب و ثامنها: بِغَيْرِ حِسََابٍ أي يعطي كثيرا لأن ما دخله الحساب فهو قليل.

و اعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة و عطايا اللّه لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها و اللّه أعلم.

أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين و الكافرين ففيه وجوه:

أحدها: و هو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق و يحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل، فاللّه تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله: وَ اَللََّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشََاءُ بِغَيْرِ حِسََابٍ يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن كون المعطي محقا أو مبطلا أو محسنا أو مسيئا و ذلك متعلق بمحض المشيئة، فقد وسع الدنيا على قارون، و ضيقها على أيوب عليه السلام، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم و عدم حصولها لفقراء المسلمين على كونهم محقين و كونهم مبطلين، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج، و المؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء و الامتحان، و لهذا قال تعالى:

وَ لَوْ لاََ أَنْ يَكُونَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً لَجَعَلْنََا/لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمََنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33] و ثانيها: أن المعنى: أن اللّه يرزق من يشاء في الدنيا من كافر و مؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه، و لا مطالبة، و لا تبعة، و لا سؤال سائل، و المقصود منه أن لا يقول الكافر: لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا؟و أن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلا فلم وسع عليه في الدنيا؟بل الاعتراض ساقط، و الأمر أمره، و الحكم حكمه‏ لاََ يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: 23] و ثالثها: قوله: بِغَيْرِ حِسََابٍ أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابي، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية: أن هؤلاء الكفار و إن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم، فاللّه تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، و لعله يفعل ذلك بالمؤمنين، قال القفال رحمه اللّه: و قد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش و رؤساء اليهود، و بما فتح على رسوله صلى اللّه عليه و سلّم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى و قيصر.

فإن قيل: قد قال تعالى في صفة المتقين و ما يصل إليهم‏ عَطََاءً حِسََاباً [النبأ: 36]أ ليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية.

قلنا: أما من حمل قوله: بِغَيْرِ حِسََابٍ على التفضل، و حمل قوله: عَطََاءً حِسََاباً على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا، أو بحسب الاستحقاق على ما هو قول المعتزلة، فالسؤال ساقط، و أما من حمل قوله: بِغَيْرِ حِسََابٍ على سائر الوجوه، فله أن يقول: إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات و يتماثل، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حسابا، و لا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله: بِغَيْرِ حِسََابٍ .

372

اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق، ثم اختلفوا و ما كان اختلافهم إلا بسبب البغي و التحاسد و التنازع في طلب الدنيا فهذا هو الكلام في ترتيب النظم.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال القفال: الأمة القوم المجتمعون على الشي‏ء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، و هو مأخوذ من الائتمام.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة، و لكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل، و اختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنهم كانوا على دين واحد و هو الإيمان و الحق، و هذا قول أكثر المحققين، و يدل عليه وجوه الأول: ما ذكره القفال فقال: الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الإختلاف، و يتأكد هذا بقوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَلنََّاسُ إِلاََّ أُمَّةً وََاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس: 19]و يتأكد أيضا بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث اللّه النبيين -إلى قوله- لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ .

إذا عرفت هذا فنقول: الفاء في قوله: فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ تقتضي أن يكون بعثهم بعد الإختلاف و لو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الإختلاف أولى، لأنهم لما بعثوا عند ما كان بعضهم محقا و بعضهم مبطلا، فلأن يبعثوا حين ما كانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى، و هذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه اللّه حسن في هذا الموضوع و ثانيها: أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه، و بحسب قراءة ابن مسعود، ثم قال: وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ و الظاهر أن المراد من هذا الإختلاف هو الإختلاف الحاصل بعد ذلك الاتفاق المشار إليه، بقوله: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً ثم حكم على هذا الإختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي، و هذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت/بسبب البغي، و هذا يدل على أن الإنفاق الذي كان حاصلا قبل حصول هذا الإختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل و ثالثها: أن آدم عليه السلام لما بعثه اللّه رسولا إلى أولاده، فالكل كانوا مسلمين مطيعين للّه تعالى، و لم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين، إلى أن‏

373

قتل قابيل هابيل بسبب الحسد و البغي، و هذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر، و الآية منطبقة عليه، لأن الناس هم آدم و أولاده من الذكور و الإناث، كانوا أمة واحدة على الحق، ثم اختلفوا بسبب البغي و الحسد، كما حكى اللّه عن ابني آدم‏ إِذْ قَرَّبََا قُرْبََاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمََا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اَلْآخَرِ [المائدة: 27]فلم يكن ذلك القتل و الكفر باللّه إلا بسبب البغي و الحسد، و هذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر و الآية منطبقة عليه و رابعها: أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة، و كلهم كانوا على الحق و الدين الصحيح، ثم اختلفوا بعد ذلك، و هذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة و النقل المتواتر، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك و لم يثبت ألبتة بشي‏ء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل و الكفر، و إذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل و أن لا يحمل على ما لم يثبت بشي‏ء من الدلائل.

و خامسها: و هو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر و النظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بها إلى النتائج، و تلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر و لزم الدور أو التسلسل و هما باطلان فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات، و كما أن المقدمات يجب انتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضا إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل و إذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة العقل، و إلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فأما إذا عرض له سبب خارجي، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب و ما بالعرض هو الخطأ، و ما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق و بحسب الزمان أيضا، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال: كان الناس أمة واحدة في الدين الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية و هي البغي و الحسد، فهذا دليل معقول و لفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه.

فإن قيل: فما المراد من قوله: وَ لاََ يَزََالُونَ مُخْتَلِفِينَ‏`إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذََلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 118، 119].

قلنا: المعنى و لأجل أن يرحمهم خلقهم.

و سادسها:

قوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه»

دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شي‏ء من الأديان الباطلة، و أنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية، و هي سعي الأبوين في ذلك و حصول الأغراض/الفاسدة من البغي و الحسد و سابعها: أن اللّه تعالى لما قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلى‏ََ [الأعراف: 172]فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق، و هذا القول مروي عن أبي بن كعب و جماعة من المفسرين، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثا كثيرة، و لا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول.

أما القول الثاني: هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن و عطاء و ابن عباس، و احتجوا بالآية و الخبر أما الآية فقوله: فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ و هو لا يليق إلا بذلك، و أما الخبر فما

روي عن النبي عليه السلام: «أن اللّه تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم و عجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب» .

374

و جوابه: ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده، و ذلك لأن عند الإختلاف لما وجبت البعثة. فلو كان الاتفاق السابق اتفاقا على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى، و حيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الاتفاق كان اتفاقا على الحق لا على الباطل، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفارا، ثم سألوا أنفسهم سؤالا و قالوا: أليس فيهم من كان مسلما نحو هابيل و شيث و إدريس، و أجابوا بأن الغالب كان هو الكفر و الحكم للغالب، و لا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير، و قد يقال: دار الإسلام و إن كان فيها غير المسلمين و دار الحرب و إن كان فيها مسلمون.

القول الثالث: و هو اختيار أبي مسلم و القاضي: أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية، و هي الاعتراف بوجود الصانع و صفاته، و الإشتغال بخدمته و شكر نعمته، و الاجتناب عن القبائح العقلية، كالظلم، و الكذب، و الجهل، و العبث و أمثالها.

و احتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم و الاستغراق، و حرف الفاء يفيد التراخي، فقوله: فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ يفيد أن بعثه جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لا بد و أن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل و ذلك ما بيناه، و أيضا فالعلم بحسن شكر المنعم، و طاعة الخالق و الإحسان إلى الخلق، و العدل، مشترك فيه بين الكل، و العلم بقبح الكذب و الظلم و الجهل و العبث مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة، ثم سأل نفسه، فقال:

أ ليس أول الناس آدم عليه السلام و أنه كان نبيا، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل، و أجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولا، ثم إن اللّه/تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده، و يحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرسا، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية، و اعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل و تقبيحه، و الكلام فيه مشهور في الأصول.

القول الرابع: أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة، و ليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر، فهو موقوف على الدليل.

القول الخامس: أن المراد من الناس هاهنا أهل الكتاب ممن أمن بموسى عليه السلام، و ذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: 208]و ذكرنا أن كثيرا من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود، فقوله تعالى: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة، على دين واحد، و مذهب واحد، ثم اختلفوا بسبب البغي و الحسد، فبعث اللّه النبيين، و هم الذين جاءوا بعد موسى عليه السلام و أنزل معهم الكتاب، كما بعث الزبور إلى داود، و التوراة إلى موسى، و الإنجيل إلى عيسى، و الفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، و هذا القول مطابق لنظم الآية و موافق لما قبلها و لما بعدها، و ليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله: كََانَ اَلنََّاسُ بقوم معينين خلاف الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف و اللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضا للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية.

375

أما قوله تعالى: فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ فاعلم أنا ذكرنا أنه لا بد هاهنا من الإضمار، و التقدير كان الناس أمة واحدة-فاختلفوا-فبعث اللّه النبيين و اعلم أنه اللّه تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث:

الصفة الأولى: كونهم مبشرين.

الصفة الثانية: كونهم منذرين و نظيره قوله تعالى: رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ [النساء: 165]و إنما قدم البشارة على الإنذار، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، و الإنذار يجري مجرى إزالة المرض، و لا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر.

الصفة الثالثة: قوله: وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتََابَ بِالْحَقِّ فإن قيل: إنزال الكتاب يكون قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، و وصول الأمر و النهي إليهم يكون قبل التبشير و الإنذار فلم قدم ذكر التبشير و الإنذار على إنزال الكتب؟أجاب القاضي عنه فقال: لأن الوعد و الوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة باللّه و ترك الظلم و غيرهما و عندي فيه وجه آخر و هو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق و في الفرق بين المعجز إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقا للعقاب، و الخوف إنما يقوى و يكمل عند التبشير/و الإنذار فلا جرم وجب تقديم البشارة و النذارة على إنزال الكتاب في الذكر ثم قال القاضي: ظاهر هذه الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر و دون ذلك الكتاب أو لم يدون و كان ذلك الكتاب معجزا أو لم يكن كذلك، لأن كون الكتاب منزلا معهم لا يقتضي شيئا من ذلك.

أما قوله تعالى: لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنََّاسِ فاعلم أنه قوله: لِيَحْكُمَ فعل فلا بد من استناده إلى شي‏ء تقدم ذكره، و قد تقدم ذكر أمور ثلاثة، فأقربها إلى هذا اللفظ: الكتاب، ثم النبيون، ثم اللّه فلا جرم كان إضمار كل واحد منها صحيحا، فيكون المعنى: ليحكم اللّه، أو النبي المنزل عليه، أو الكتاب، ثم إن كل واحد من هذه الاحتمالات يختص بوجه ترجيح، أما الكتاب فلأنه أقرب المذكورات، و أما اللّه فلأنه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا الكتاب، و أما النبي فلأنه هو المظهر فلا يبعد أن يقال: حمله على الكتاب أولى، أقصى ما في الباب أن يقال: الحاكم هو اللّه، فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز إلا أن نقول: هذا المجاز يحسن تحمله لوجهين الأول: أنه مجاز مشهور يقال: حكم الكتاب بكذا، و قضى كتاب اللّه بكذا، و رضينا بكتاب اللّه، و إذا جاز أن يكون هدى و شفاء، جاز أن يكون حاكما قال تعالى: إِنَّ هََذَا اَلْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ اَلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 9]و الثاني: أنه يفيد تفخيم شأن القرآن و تعظيم حاله.

أما قوله تعالى: فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ فاعلم أن الهاء في قوله: فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ يجب أن يكون راجعا، إما إلى الكتاب، و إما إلى الحق، لأن ذكرهما جميعا قد تقدم، لكن رجوعه إلى الحق أولى، لأن الآية دلت على أنه تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكما فيما اختلفوا فيه فالكتاب حاكم، و المختلف فيه محكوم عليه، و الحاكم يجب أن يكون مغايرا للمحكوم عليه.

أما قوله تعالى: وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ فالهاء الأولى راجعة إلى الحق و الثانية: إلى الكتاب‏

376

و التقدير: و ما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب، ثم قال أكثر المفسرين: المراد بهؤلاء: اليهود و النصارى و اللّه تعالى كثيرا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ كقوله: وَ طَعََامُ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: 5] قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ تَعََالَوْا إِلى‏ََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ [آل عمران: 64]ثم المراد باختلافهم يحتمل أن يكون هو تكفير بعضهم بعضا كقوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصََارى‏ََ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ وَ هُمْ يَتْلُونَ اَلْكِتََابَ [البقرة: 113]و يحتمل أن يكون اختلافهم تحريفهم و تبديلهم، فقوله: وَ مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ اَلَّذِينَ أُوتُوهُ أي و ما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب مع أنه كان المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا و أن يرفعوا المنازعة في الدين و اعلم أن هذا يدل على أن الإختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء و إنزال الكتب و ذلك يوجب أن قبل بعثهم ما كان الإختلاف في الحق حاصلا، بل كان الاتفاق في الحق حاصلا و هو/يدل على أن قوله تعالى: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً معناه أمة واحدة في دين الحق.

أما قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ فهو يقتضي أن يكون إيتاء اللّه تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجي‏ء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا محالة لإيتاء الكتاب و هذه البينات لا يمكن حملها على شي‏ء سوى الدلائل العقلية التي نصبها اللّه تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها، و ذلك لأن المتكلمين يقولون كل ما لا يصح إثبات النبوة إلا بعد ثبوته، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية و إلا وقع الدور، بل لا بد من إثباتها بالدلائل العقلية فهذه الدلائل هي البينات المتقدمة على إيتاء اللّه الكتب إياهم.

أما قوله تعالى: بَغْياً بَيْنَهُمْ فالمعنى أن الدلائل إما سمعية و إما عقلية. أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب، و أما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فعند ذلك قد تمت البينات و لم يبق في العدول عذر و لا علة، فلو حصل الإعراض و العدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد و البغي و الحرص على طلب الدنيا، و نظير هذه الآية قوله تعالى: وَ مََا تَفَرَّقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ إِلاََّ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنَةُ [البينة: 4].

أما قوله تعالى: فَهَدَى اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ اَلْحَقِّ بِإِذْنِهِ فاعلم أنه تعالى لما وصف حال أهل الكتاب و أنهم بعد كمال البينات أصروا على الكفر و الجهل بسبب البغي و الحسد بين أن حال هذه الأمة بخلاف حال أولئك فإن اللّه عصمهم عن الزلل و هداهم إلى الحق في الأشياء التي اختلف فيها أهل الكتاب،

يروى أنه عليه الصلاة و السلام قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، و نحن أولى الناس دخولا الجنة يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا و أوتيناه من بعدهم فهدانا اللّه لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي هدانا له، و الناس له فيه تبع و غدا لليهود، و بعد غد للنصارى»

قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة فصلت اليهود إلى بيت المقدس و النصارى إلى المشرق، فهدانا اللّه للكعبة و اختلفوا في الصيام، فهدانا اللّه لشهر رمضان، و اختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديا و قالت النصارى: كان نصرانيا، فقلنا: إنه كان حنيفا مسلما و اختلفوا في عيسى، فاليهود فرطوا، و النصارى أفرطوا، و قلنا القول العدل، و بقي في الآية مسائل:

المسألة الأولى: من الأصحاب من تمسك بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق للّه تعالى قال: لأن الهداية

377

هي العلم و المعرفة، و قوله: فَهَدَى اَللََّهُ نص في أن الهداية حصلت بفعل اللّه تعالى، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق للّه تعالى.

و اعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير، و الاهتداء غير، و الذي يدل هاهنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان الأول: أن الهداية إلى الإيمان غير/الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير الإيمان و الثاني: أنه تعالى قال في آخر الآية: بِإِذْنِهِ و لا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله: فَهَدَى اَللََّهُ إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلا بد هاهنا من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه، و التقدير: فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه، و إذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة للاهتداء.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن اللّه تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر، و المعتزلة أجابوا عنه من وجوه أحدها: أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2]ثم قال: هُدىً لِلنََّاسِ* و ثانيها: أن المراد به: الهداية إلى الثواب و طريقة الجنة و ثالثها: هداهم إلى الحق بالألطاف.

المسألة الثالثة: قوله: لِمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ أي إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى: يَعُودُونَ لِمََا قََالُوا [المجادلة: 3]أي إلى ما قالوا و يقال: هدايته الطريق و للطريق و إلى الطريق.

فإن قيل: لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، و لم يقل: هداهم للحق فيما اختلفوا و قدم الاختلاف؟ و الجواب من وجهين الأول: أنه لما كانت العناية بذكر الاختلاف لهم بدأ به، ثم فسره بمن هداه الثاني:

قال الفراء: هذا من المقلوب، أي فهداهم لما اختلفوا فيه.

المسألة الرابعة: قوله: بِإِذْنِهِ فيه وجهان أحدها: قال الزجاج بعلمه الثاني: هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال: قطعت بالسكين، و ذلك لأن الحق لم يكن متميزا عن الباطل و بالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث: قال بعضهم: لا بد فيه من إضمار و التقدير: هداهم فاهتدوا بإذنه.

أما قوله: وَ اَللََّهُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ فاستدل الأصحاب به معلوم، و المعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه أحدها: المراد بالهداية البيان، فاللّه تعالى خص المكلفين بذلك و الثاني: المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث: المراد به اللطف فيكون خاصا لمن يعلم أنه يصلح له و هو قول أبي بكر الرازي.

في النظم وجهان الأول: أنه تعالى قال في الآية السالفة: وَ اَللََّهُ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ إِلى‏ََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ :

و المراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق و طلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم و لا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ الآية الثاني: أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك

378

الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق و صبروا على البلوى، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: استقصينا الكلام في لفظ «أم» في تفسير قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدََاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ اَلْمَوْتُ [البقرة: 133]و الذي نريده هاهنا أن نقول «أم» استفهام متوسط كما أن (هل) استفهام سابق، فيجوز أن يقول: هل عندك رجل، أ عندك رجل؟ابتداء، و لا يجوز أن يقال: أم عندك رجل، فأما إذا كان متوسطا جاز سواء كان مسبوقا باستفهام آخر أو لا يكون، أما إذا كان مسبوقا باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف، أ فعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟و أما الذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام فهو كقوله:

الم*`تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ لاََ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ*`أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ [السجدة: 1-3]و هذا القسم يكون في تقدير القسم الأول، و التقدير: أ فيؤمنون بهذا أم يقولون افتراه؟فكذا تقدير هذه الآية: فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أ فتسلكون سبيلهم، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟هذا ما لخصه القفال رحمه اللّه، و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله تعالى: وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي و لم يأتكم مثل الذين خلوا و ذكر الكوفيون من أهل النحو أن (لما) إنما هي (لم) و (ما) زائدة و قال سيبويه: (ما) ليست زائدة لأن (لما) تقع في مواضع لا تقع فيها (لم) يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلان؟فيقول: (لما) و لا يقول: (لم) مفردة، قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد و إذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد و أنا أتوقعه قال النابغة:

أزف الترحل غير أن ركابنا # لما نزل برحالنا و كأن قد

فعلى هذا قوله: وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر.

المسألة الثالثة:

قال ابن عباس: لما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم المدينة، اشتد الضرر عليهم، لأنهم خرجوا بلا مال، و تركوا ديارهم و أموالهم في أيدي المشركين، و أظهرت اليهود العداوة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، فأنزل اللّه تعالى تطييبا لقلوبهم أَمْ حَسِبْتُمْ

و قال قتادة و السدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد و الحزن، و كان كما قال سبحانه و تعالى: وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنََاجِرَ [الأحزاب: 10]و قيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد اللّه بن أبي لأصحاب محمد صلى اللّه عليه و سلّم: إلى متى تقتلون أنفسكم و ترجون الباطل و لو كان محمد نبيا لما سلط اللّه عليكم الأسر و القتل، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.

و اعلم أن تقدير الآية: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي و تصديق رسولي، دون أن تعبدوا اللّه بكل ما تعبدكم به، و ابتلاكم بالصبر عليه، و أن ينالكم من أذى الكفار، و من احتمال الفقر و الفاقة، و مكايدة الضر و البؤس في المعيشة، و مقاساة الأهوال في مجاهدة العدو، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين، و هو المراد من قوله: وَ لَمََّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ و المثل هو المثل و هو الشبه، و هما لغتان: مثل و مثل كشبه و شبه، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن و منه قوله تعالى: وَ لِلََّهِ‏

379

اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلى‏ََ [النحل: 60]أي الصفة التي لها شأن عظيم.

و اعلم أن في الكلام حذفا تقديره: مثل محنة الذين من قبلكم، و قوله: مَسَّتْهُمُ بيان للمثل، و هو استئناف كأن قائلا قال: فكيف كان ذلك المثل؟فقال: مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسََاءُ وَ اَلضَّرََّاءُ وَ زُلْزِلُوا .

أما اَلْبَأْسََاءُ فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة و هو الفقر و المسكنة و منه يقال فلان في بؤس و شدة.

و أما اَلضَّرََّاءُ فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام و الأوجاع و ضروب الخوف، و عندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير و المنفعة عليه، و الضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر و الآفة و الألم عليه.

و أما قوله: وَ زُلْزِلُوا أي حركوا بأنواع البلايا و الرزايا قال الزجاج: أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشي‏ء عن مكانه فإذا قلت: زلزلته فتأويله أنك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه، و كل ما كان فيه تكرير كررت فيه فاء الفعل، نحو صر، و صرصر، و صل و صلصل، و كف، و كفكف، و أقل الشي‏ء، أي رفعه من موضعه، فإذا كرر قيل: قلقل، و فسر بعضهم زُلْزِلُوا هاهنا بخوفوا، و حقيقته غير ما ذكرنا، و ذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه، و لذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد، لأنه يذهب السكون، فيجب أن يكون زلزلوا هاهنا مجازا، و المراد: خوفوا، و يجوز أن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع و الخوف، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئا آخر و هو النهاية في الدلالة على كمال الضر /و البؤس و المحنة، فقال: حَتََّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ و ذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات و الصبر و ضبط النّفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ إجابة لهم إلى طلبهم، فتقدير الآية هكذا: كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر اللّه و لم يغيرهم طول البلاء عن دينهم، و أنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك و تحملوا الأذى و المشقة في طلب الحق، فإن نصر اللّه قريب، لأنه آت، و كل ما هو آت قريب، و هذه الآية مثل قوله: الم*`أَ حَسِبَ اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ*`وَ لَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اَللََّهُ [العنكبوت: 1-3]و قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ وَ لَمََّا يَعْلَمِ اَللََّهُ اَلَّذِينَ جََاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ اَلصََّابِرِينَ [آل عمران: 142]و المقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة و السلام كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء و الضراء من المشركين و المنافقين و اليهود، و لما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح و ذهاب الأموال و النفوس ما لا يخفى، فعزاهم اللّه في ذلك و بين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك، و المصيبة إذا عمت طابت، و ذكر اللّه من قصة إبراهيم عليه السلام و إلقائه في النار، و من أمر أيوب عليه السلام و ما ابتلاه اللّه به، و من أمر سائر الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين.

روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم ما نلقى من المشركين، فقال: «إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين، و يمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم و عصب و ما يصرفه ذلك عن دينه، و أيم اللّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا اللّه و الذئب على غنمه و لكنكم تستعجلون» .

380

المسألة الرابعة: قرأ نافع حَتََّى يَقُولَ برفع اللام و الباقون بالنصب، و وجهه أن (حتى) إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما: أن تكون بمعنى: إلى، و في هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل (حتى) و الذي حصل بعدها قد وجدا و مضيا، تقول: سرت حتى أدخلها، أي إلى أن أدخلها، فالسير و الدخول قد وجدا مضيا، و عليه النصب في هذه الآية، لأن التقدير: و زلزلوا إلى أن يقول الرسول، و الزلزلة و القول قد وجدا و الثاني: أن تكون بمعنى: كي، كقوله: أطعت اللّه حتى أدخل الجنة، أي كي أدخل الجنة، و الطاعة قد وجدت و الدخول لم يوجد، و نصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه، و أما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد (حتى) لا بد و أن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت، كما حكيت الحال في قوله: هََذََا مِنْ شِيعَتِهِ وَ هََذََا مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: 15]و في قوله: وَ كَلْبُهُمْ بََاسِطٌ ذِرََاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف: 18]لأن هذا لا يصح إلا على/سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام، و يقال: شربت الإبل حتى يجي‏ء البعير يجر بطنه، و المعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال: يجي‏ء البعير يجر بطنه، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب، كقولك: سرت حتى أدخل البلد. فيحتمل أن السير و الدخول قد وجدا و حصلا، و يحتمل أن يكون قد وجد السير و الدخول بعد لم يوجد، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب و وجه الرفع، و اعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها، و قراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى.

المسألة الخامسة: في الآية إشكال، و هو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد اللّه و وعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ .

و الجواب عنه من وجوه أحدها: أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى:

وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمََا يَقُولُونَ [الحجر: 97]و قال تعالى: لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاََّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 3]و قال تعالى: حَتََّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ اَلرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جََاءَهُمْ نَصْرُنََا فَنُجِّيَ [يوسف: 110]و على هذا فإذا ضاق قلبه و قلت حيلته، و كان قد سمع من اللّه تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه و غمه و طاب قلبه، و الذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب، و لو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال، و هذا هو الجواب المعتمد.

و الجواب الثاني: أنه تعالى أخبر عن الرسول و الذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ و الثاني: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين: فالذين آمنوا قالوا: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ و الرسول صلى اللّه عليه و سلّم قال: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ قالوا و لهذا نظير من القرآن و الشعر، أما القرآن فقوله: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص: 73]و المعنى: لتسكنوا في الليل و لتبتغوا من فضله في النهار، و أما من الشعر فقول امرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطبا و يابسا # لدي و كرها العناب و الحشف البالي‏

فالتشبيه بالعناب للرطب و بالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم و هو متكلف جدا.

381

المسألة السادسة: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ يحتمل أن يكون جوابا من اللّه تعالى لهم، إذ قالوا: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ ثم قال اللّه عند ذلك أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ و يحتمل أن يكون ذلك قولا لقوم منهم، كأنهم لما قالوا: مَتى‏ََ نَصْرُ اَللََّهِ رجعوا/إلى أنفسهم فعلموا أن اللّه لا يعلي عدوهم عليهم، فقالوا: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك.

فإن قيل: قوله: أَلاََ إِنَّ نَصْرَ اَللََّهِ قَرِيبٌ يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها، و ذلك غير ثابت.

قلنا: لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام، و يمكن أن يكون ذلك عاما في حق الكل، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين، إما أن يتخلص عنه، و إما أن يموت و إذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره و لا يضيع حقه، و ذلك من أعظم النصر، و إنما جعله قريبا لأن الموت قريب.

اعلم أنه سبحانه و تعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضا عن طلب العاجل، و أن يكون مشتغلا بطلب الآجل، و أن يكون بحيث يبذل النفس و المال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام و هو من هذه الآية إلى قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ [البقرة: 243]لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد و بيان الوعظ و النصيحة و بيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض، ليكون كل واحد منها مقويا للآخر و مؤكدا له.

الحكم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية

و فيه مسائل المسألة الأولى:

قال عطاء: عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة و السلام فقال إن لي دينارا فقال: أنفقه على نفسك قال: إن لي دينارين قال: أنفقهما على أهلك قال: إن لي ثلاثة قال: أنفقها على خادمك قال: إن لي أربعة قال: أنفقها على والديك قال: إن لي خمسة قال: أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال: أنفقها في سبيل اللّه و هو أحسنها.

و روى الكلبي/عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح و كان شيخا كبيرا هرما، و هو الذي قتل يوم أحد و عنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا و أين نضعها فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: للنحويين في (ما ذا) قولان أحدهما: أن يجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد و يكون الموضع نصبا بينفقون، و الدليل عليه أن العرب يقولون: عما ذا تسأل؟بإثبات الألف في (ما) فلو لا أن (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عما ذا تسأل؟بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى: عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ [النبأ: 1]و قوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرََاهََا [النازعات: 43]فلما لم يحذفوا الألف من آخر (ما) علمت أنه مع‏

382

(ذا) بمنزلة اسم واحد و لم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم و الحذف يلحقها إذا كان آخرا إلا أن يكون في شعر كقوله:

غلاما قام يشتمني لئيم # كخنزير تمرغ في رماد

و القول الثاني: أن يجعل (ذا) بمعنى الذي و يكون (ما) رفعا بالابتداء خبرها (ذا) و العرب قد يستعملون (ذا) بمعنى الذي، فيقولون: من ذا يقول ذاك؟أي من ذا الذي يقول ذاك، فعلى هذ يكون تقدير الآية: يسألونك ما الذي ينفقون.

المسألة الثالثة: في الآية سؤال، و هو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم، فكيف أجابهم بهذا؟.

و الجواب عنه من وجوه أحدها: أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال و ضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود، و ذلك لأن قوله: مََا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ جواب عن السؤال، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفا إلى جهة الاستحقاق، فلهذا لما ذكر اللّه تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلا للبيان و ثانيها:

قال القفال: إنه و إن كان السؤال واردا بلفظ (ما) إلا أن المقصود: السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى اللّه تعالى، و إذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شي‏ء هو؟و إذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شي‏ء هو؟و حينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال، و نظيره قوله تعالى: قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا ...

قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ [البقرة: 70-71]و إنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها و صفتها كذا، فقوله: مََا هِيَ لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها، فبهذا الطريق قلنا: إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال، فكذا هاهنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم: مََا ذََا يُنْفِقُونَ ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب و ثالثها:

يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا/السؤال فكأنهم قيل لهم: هذا السؤال فاسد أنفق أي شي‏ء كان و لكن بشرط أن يكون مالا حلالا و بشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف و هذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان، فقال للطبيب: ماذا آكل؟فيقول الطبيب: كل في اليوم مرتين، كان المعنى: كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا هاهنا المعنى: أنفق أي شي‏ء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك.

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، و ذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، و لذلك قال تعالى: وَ قَضى‏ََ رَبُّكَ أَلاََّ تَعْبُدُوا إِلاََّ إِيََّاهُ وَ بِالْوََالِدَيْنِ [الإسراء: 23] و فيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق اللّه تعالى شي‏ء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن اللّه تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، و الولدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين، و السبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع‏

383

الفقراء، بل لا بد و أن يرجح البعض على البعض، و الترجيح لا بد له من مرجح، و القرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، و المخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيا و الآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، و اطلاع الغني على الفقير أتم، و ذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق و ثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره و ذلك عار و سيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس و ثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه و الإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد، ثم إن اللّه تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى، و ذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب و لكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب و الكاسب و أشرب على الضياع، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين و حاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج و الفقر، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه اللّه تعالى في كيفية الإنفاق، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال: وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اَللََّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي و كل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين و إما مع غيرهم حسبة للّه و طلبا لجزيل ثوابه و هربا من أليم عقابه فإن اللّه به عليم، و العليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض و لا في/السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: أَنِّي لاََ أُضِيعُ عَمَلَ عََامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ََ [آل عمران: 195]و قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7].

المسألة الخامسة: المراد من الخير هو المال لقوله عز و جل: وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8] و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ [البقرة: 180]فالمعنى و ما تفعلوا من إنفاق شي‏ء من المال قل أو كثر، و فيه قول آخر و هو أن يكون قوله: وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يتناول هذا الإنفاق و سائر وجوه البر و الطاعة، و هذا أولى.

المسألة السادسة: قال بعضهم: هذه الآية منسوخة بآية المواريث، و هذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها: قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب و الملك، و المراد بالأقربين الولد و ولد الولد و قد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، و إذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال إنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة و الميراث يصل بعد الموت، و أيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة و ثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى اللّه تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع و ثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين و الأقربين من حيث الكفاية و فيما يتصل باليتامى و المساكين مما يكون زكاة و رابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين و الأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم و فيما يصرفه لليتامى و المساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ.

384

الحكم الثاني فيما يتعلق بالقتال‏

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه عليه الصلاة و السلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن له في قتال المشركين عامة، ثم فرض اللّه الجهاد و اختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم: إنها تقتضي وجوب القتال على الكل و عن مكحول أنه كان يحلف عند البيت باللّه أن الغزو واجب و نقل عن ابن عمر و عطاء: أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة و السلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله: كُتِبَ يقتضي الوجوب و قوله: عَلَيْكُمُ يقتضيه أيضا، و الخطاب بالكاف في قوله: عَلَيْكُمُ لا يمنع من الوجوب على الموجودين و على من سيوجد بعد ذلك كما في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ [البقرة: 178]، كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ [البقرة: 183].

فإن قيل: ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية.

قلنا: بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله: عَلَيْكُمُ أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ حجة عطاء أن قوله: كُتِبَ يقتضي الإيجاب، و يكفي في العمل به مرة واحدة و قوله: عَلَيْكُمُ يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا: إن قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِصََاصُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيََامُ حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك، بدلالة منفصلة و هي الإجماع، و تلك الدلالة مفقودة هاهنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي، قالوا: و مما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى: وَ كُلاًّ وَعَدَ اَللََّهُ اَلْحُسْنى‏ََ* [النساء: 95]و لو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى، اللهم إلا أن يقال: الفرض كان ثابتا ثم نسخ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز، و يدل عليه أيضا قوله تعالى: وَ مََا كََانَ اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: 122]و القول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، و الإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل و اللّه أعلم.

المسألة الثانية: قوله: وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ فيه إشكال و هو أن الظاهر من قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أن هذا الخطاب مع المؤمنين، و العقل يدل عليه أيضا لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر، و إذا كان كذلك فكيف قال:

وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم اللّه و تكليفه و ذلك غير جائز، لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر اللّه تعالى و تكاليفه، بل يرضى بذلك و يحبه و يتمسك به و يعلم أنه صلاحه و في تركه فساده.

و الجواب من وجهين: الأول: أن المراد من الكره، كونه شاقا على النفس، و المكلف و إن علم أن ما أمره اللّه به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة و مشقة، و من المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، /فلذلك أشق الأشياء على النفس‏

385

القتال الثاني: أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف، و لكثرة الأعداء فبين اللّه تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم.

المسألة الثالثة: الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله: وَ عَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ثم فيه وجهان أحدهما: أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء:

فإنما هي إقبال و إدبار

كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له و الثاني: أن يكون فعلا بمعنى مفعول، كالخبر بمعنى المخبور أي و هو مكروه لكم و قرأ السلمي بالفتح و هما لغتان كالضعف و الضعف، و يجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له، و مشقته عليهم، و منه قوله تعالى: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف: 15]و اللّه أعلم و قال بعضهم: الكره، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، و إذا كان بالإكراه فبالفتح.

أما قوله: وَ عَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ََ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: عَسى‏ََ فعل درج مضارعه و بقي ماضيه فيقال منه، عسيتما و عسيتم قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ [محمد: 22]و يرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول: عسى زيد. كما تقول: قام زيد و معناه: قرب قال تعالى: قُلْ عَسى‏ََ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ [النمل: 72]أي قرب، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد.

المسألة الثانية: معنى الآية أنه ربما كان الشي‏ء شاقا عليكم في الحال، و هو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل و بالضد، و لأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، و حسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، و حسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا و في العقبى، و هاهنا كذلك و ذلك لأن ترك الجهاد و إن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، و صون المال عن الإنفاق، و لكن فيه أنواع من المضار منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة و السكون قصة بلادكم و حاول قتلكم فأما أن يأخذكم و يستبيح دماءكم و أموالكم، و إما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة و سلاح، و هذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة و المشقة، و الحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، و ذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت، و منها وجدان الغنيمة، و منها/السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء.

أما ما يتعلق بالدين فكثيرة، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربا و عبادة و سلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله، و منها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين، و منها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم و بذلكم أنفسكم و أموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند اللّه، و منها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة اللّه تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان اللّه، و ما لم يصر الرجل متيقنا بفضل‏

386

اللّه و برحمته و أنه لا يضيع أجر المحسنين، و بأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل و متى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب اللّه و بغض الدنيا، و ذلك من أعظم سعادات الإنسان.

فثبت بما ذكرنا أن الطبع و لو كان يكره القتال من أعداء اللّه فهو خير كثير و بالضد، و معلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح و هذا هو المراد من قوله: وَ عَسى‏ََ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى‏ََ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ .

المسألة الثالثة: الشر السوء و أصله من شررت الشي‏ء إذا بسطته، يقال شررت اللحم و الثوب إذا بسطته ليجف، و منه قوله:

و حتى أشرت بالأكف المصاحف‏

و الشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة.

المسألة الرابعة: (عسى) توهم الشك مثل (لعل) و هي من اللّه تعالى يقين، و منهم من قال إنها كلمة مطمعة، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع و على هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل، أما إن قلنا بأنها بمعنى (لعل) فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* [البقرة: 183]قال الخليل: (عسى) من اللّه واجب في القرآن قال: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ [المائدة: 52]و قد وجد عَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [يوسف: 83]و قد حصل و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لاََ تَعْلَمُونَ فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد و ذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، و كمال علم اللّه تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته و مصلحته، علم قطعا أن الذي أمره اللّه تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروها للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي و لا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ مََا لاََ تَعْلَمُونَ .

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا السائل أ كان من المسلمين أو من الكافرين و القائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول: الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال و قد كان عند القوم الشهر الحرام و المسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن يكون في غير هذا الزمان و في غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، فقالوا: أ يحل لنا قتالهم في هذا الشهر و في هذا الموضع؟فنزلت الآية، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين.

387

الفريق الثاني: و

هم أكثر المفسرين: رووا عن ابن عباس أنه قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم بعث عبد اللّه بن جحش الأسدي و هو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين، و بعد سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة في ثمانية رهط، و كتب له كتابا و عهدا و دفعه إليه، و أمره أن يفتحه بعد منزلتين، و يقرأه على أصحابه، و يعمل بما فيه، فإذا فيه:

أما بعد فسر على بركة اللّه تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال عبد اللّه: سمعا/و طاعة لأمره فقال لأصحابه: من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره، و من أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة و الطائف، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي و ثلاثة معه، فلما رأوا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم حلقوا رأس واحد منهم و أوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد اللّه الحنظلي و هو أحد من كان مع عبد اللّه بن جحش و رمي عمرو بن الحضرمي فقتله، و أسروا اثنين و ساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، فضجت قريش و قالوا: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء، و المسلمون أيضا قد استبعدوا ذلك، فقال عليه الصلاة و السلام: إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، و قال عبد اللّه بن جحش يا رسول اللّه إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أ في رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم العير و الأسارى، فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول اللّه عليه الصلاة و السلام الغنيمة،

و على هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها: أن أكثر الحاضرين عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم كانوا مسلمين و ثانيها: أن ما قبل هذه الآية و ما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ و هو خطاب مع المسلمين و قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ ... وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتََامى‏ََ [البقرة: 219، 220]و ثالثها: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ .

و القول الثاني: أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا: سألوا الرسول عليه الصلاة و السلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به و استحلوا قتاله فيه فأنزل اللّه تعالى هذه الآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ و لكن الصد عن سبيل اللّه و عن المسجد الحرام و الكفر به أكبر من ذلك القتال وَ لاََ يَزََالُونَ يُقََاتِلُونَكُمْ حَتََّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل اللّه تعالى بعده قوله: اَلشَّهْرُ اَلْحَرََامُ بِالشَّهْرِ اَلْحَرََامِ وَ اَلْحُرُمََاتُ قِصََاصٌ فَمَنِ اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى‏ََ عَلَيْكُمْ [البقرة: 194]فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: قِتََالٍ فِيهِ خفض على البدل من الشهر الحرام، و هذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد علمه و نفعني زيد كلامه و سرق زيد ماله، و سلب زيد ثوابه، قال تعالى: قُتِلَ أَصْحََابُ اَلْأُخْدُودِ*`اَلنََّارِ ذََاتِ اَلْوَقُودِ [البروج: 4، 5]و قال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل و التقدير: يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، و هكذا هو في قراءة ابن مسعود و الربيع، و نظيره قوله تعالى: لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: 75]و قرأ عكرمة قتل فيه .

أما قوله تعالى: قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ففيه مسألتان:

388

المسألة الأولى: قِتََالٍ فِيهِ مبتدأ و كَبِيرٌ خبره، و قوله: قِتََالٍ و إن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله: فِيهِ فحسن جعله مبتدأ و المراد من قوله: كَبِيرٌ أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوََاهِهِمْ [الكهف: 5].

فإن قيل: لم نكر القتال في قوله تعالى: قِتََالٍ فِيهِ و من حق النكرة إذا تكررت أن تجي‏ء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى: إِنَّ مَعَ اَلْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: 6].

قلنا: نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر و كانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول و القوم أرادوا بقولهم: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرََامِ قِتََالٍ فِيهِ ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد اللّه بن جحش، فقال تعالى: قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ و فيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام و إذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام و تقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه، و باطنه يكون موافقا للحق، و هذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير، و لو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولو الألباب.

المسألة الثانية: اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال: حلف لي عطاء باللّه أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، و لا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع،

روى جابر قال: لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى و سئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام؟قال نعم،

قال أبو عبيد: و الناس بالثغور اليوم جميعا على هذا القول يرون الغزو مباحا في الشهور كلها، و لم أر أحدا من علماء الشام و العراق ينكره عليهم كذلك أحسب قول أهل الحجاز.

و الحجة في إباحته قوله تعالى: فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5]و هذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام، و الذي عندي أن قوله تعالى: قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردا واحدا، و لا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه.

أما قوله تعالى: وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: للنحويين في هذه الآية وجوه الأول: قول البصريين و هو الذي اختاره الزجاج، أن قوله:

وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ كلها مرفوعة بالابتداء، و خبرها قوله: أَكْبَرُ عِنْدَ اَللََّهِ و المعنى: أن القتال الذي سألتم عنه، و إن كان كبيرا، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه، فإذا لم تمتنعوا

389

عنها في الشهر الحرام، فكيف تعيبون عبد اللّه بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذرا ظاهرا، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة، و نظيره قوله تعالى لبني إسرائيل: أَ تَأْمُرُونَ اَلنََّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 44]، لِمَ تَقُولُونَ مََا لاََ تَفْعَلُونَ [الصف: 2]و هذا وجه ظاهر، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله: وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ و ذكروا فيه وجهين أحدهما: أنه عطف على الهاء في به و الثاني: و هو قول الأكثرين: أنه عطف على سَبِيلِ اَللََّهِ قالوا: و هو متأكد بقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ [الحج: 25].

و اعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير، فإنه لا يقال: مررت به و عمرو، و على الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية: صد عن سبيل اللّه و عن المسجد الحرام، فقوله: عن المسجد الحرام صلة للصد، و الصلة و الموصول في حكم الشي‏ء الواحد، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزا.

أجيب عن الأول: لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير: و كفر به و بالمسجد الحرام، و الإضمار في كلام اللّه ليس بغريب، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة تساءلون به و الأرحام [النساء: 1]على سبيل الخفض و لو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولا بالاتفاق، فإذا قرأ به في كتاب اللّه تعالى كان أولى أن يكون مقبولا، و أما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا: لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة و الموصول، و الأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه هاهنا لوجهين الأول: أن الصد عن سبيل اللّه و الكفر به كالشي‏ء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل الثاني: أن موضع قوله: وَ كُفْرٌ بِهِ عقيب قوله: وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إلا أنه قدم عليه لفرط العناية، كقوله تعالى: وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص: 4]كان من حق الكلام أن يقال: و لم يكن له أحد كفوا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا هاهنا.

الوجه الثاني: في هذه الآية، و هو اختيار الفراء و أبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى: وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ عطف بالواو على الشهر الحرام، و التقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام و المسجد الحرام، ثم بعد هذا طريقان أحدهما: أن قوله: قِتََالٍ فِيهِ مبتدأ، و قوله: كَبِيرٌ/وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ خبر بعد خبر، و التقدير: إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير و بأنه صد عن سبيل اللّه، و بأنه كفر باللّه.

و الطريق الثاني: أن يكون قوله: قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ جملة مبتدأ و خبر، و أما قوله: وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ فهو مرفوع بالابتداء، و كذا قوله: وَ كُفْرٌ بِهِ و الخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، و التقدير: قل قتال فيه كبير و صد عن سبيل اللّه كبير و كفر به كبير، و نظيره قولك: زيد منطلق و عمرو، تقديره: و عمرو منطلق، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا: أما قولكم تقدير الآية: يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام، و طعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا باللّه، و هو خطأ بالإجماع، و طعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك: وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند اللّه من الكفر، و هو خطأ بالإجماع.

و أقول: للفراء أن يجيب عن الأول بأنه من الذي أخبركم بأنه ما وقع السؤال عن القتال في المسجد

390

الحرام، بل الظاهر أنه وقع لأن القوم كانوا مستعظمين للقتال في الشهر الحرام و في البلد الحرام و كان أحدهما:

كالآخر في القبح عند القوم، فالظاهر أنهم جمعوهما في السؤال، و قولهم على الوجه الأول يلزم أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا.

قلنا: يلزم أن يكون قتال في الشهر الحرام كفرا و نحن نقول به، لأن النكرة في الإثبات لا تفيد العموم، و عندنا أن قتالا واحدا في المسجد الحرام كفر، و لا يلزم أن كل قتال كذلك، و قولهم على الوجه الثاني يلزم أن يكون إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر، قلنا: المراد من أهل المسجد هم الرسول عليه السلام و الصحابة، و إخراج الرسول من المسجد على سبيل الإذلال لا شك أنه كفر و هو مع كونه كفرا فهو ظلم لأنه إيذاء للإنسان من غير جرم سابق و عرض لا حق و لا شك أن الشي‏ء الذي يكون ظلما و كفرا، أكبر و أقبح عند اللّه مما يكون كفرا وحده، فهذا جملة القول في تقرير قول الفراء.

الوجه الثالث: في الآية قوله: قُلْ قِتََالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وجهه ظاهر، و هو أن قتالا فيه موصوف بهذه الصفات، و أما الخفض في قوله: وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ فهو واو القسم إلا أن الجمهور ما أقاموا لهذا القول وزنا.

المسألة الثانية: أما الصد عن سبيل اللّه ففيه وجوه أحدها: أنه صد عن الإيمان باللّه و بمحمد عليه السلام و ثانيها: صد للمسلمين من أن يهاجروا إلى الرسول عليه السلام و ثالثها: /صد المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت، و لقائل أن يقول: الرواية دلت على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر في قصة عبد اللّه بن جحش، و قصة الحديبية كانت بعد غزوة بدر بمدة طويلة، و يمكن أن يجاب عنه بأن ما كان في معلوم اللّه تعالى كان كالواقع، و أما الكفر باللّه فهو الكفر بكونه مرسلا للرسل، مستحقا للعبادة، قادرا على البعث، و أما قوله:

وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ فإن عطفناه على الضمير في بِهِ كان المعنى: و كفر بالمسجد الحرام، و معنى الكفر بالمسجد الحرام هو منع الناس عن الصلاة فيه و الطواف به، فقد كفروا بما هو السبب في فضيلته التي بها يتميز عن سائر البقاع، و من قال: إنه معطوف على سبيل اللّه كان المعنى: و صد عن المسجد الحرام، و ذلك لأنهم صدوا عن المسجد الحرام الطائفين و العاكفين و الركع السجود.

و أما قوله تعالى: وَ إِخْرََاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ فالمراد أنهم أخرجوا المسلمين من المسجد، بل من مكة، و إنما جعلهم أهلا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق البيت كما قال تعالى: وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ اَلتَّقْوى‏ََ وَ كََانُوا أَحَقَّ بِهََا وَ أَهْلَهََا [الفتح: 26]و قال تعالى: وَ مََا لَهُمْ أَلاََّ يُعَذِّبَهُمُ اَللََّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ مََا كََانُوا أَوْلِيََاءَهُ إِنْ أَوْلِيََاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ [الأنفال: 34]فأخبر تعالى أن المشركين خرجوا بشركهم عن أن يكونوا أولياء المسجد، ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الأشياء حكم عليها بأنها أكبر، أي كل واحد منها أكبر من قتال في الشهر الحرام، و هذا تفريع على قول الزجاج، و إنما قلنا: إن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام لوجهين: أحدهما: أن كل واحد من هذه الأشياء كفر، و الكفر أعظم من القتال و الثاني: أنا ندعي أن كل واحد من هذه الأشياء أكبر من قتال في الشهر الحرام و هو القتال الذي صدر عن عبد اللّه بن جحش، و هو ما كان قاطعا بوقوع ذلك القتال في الشهر الحرام، و هؤلاء الكفار قاطعون بوقوع هذه الأشياء منهم في الشهر الحرام، فيلزم أن يكون وقوع هذه الأشياء أكبر.

391

أما قوله تعالى: وَ اَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَلْقَتْلِ فقد ذكروا في الفتنة قولين أحدهما: هي الكفر و هذا القول عليه أكثر المفسرين، و هو عندي ضعيف، لأن على قول الزجاج قد تقدم ذكر ذلك، فإنه تعالى قال: وَ كُفْرٌ بِهِ ... أَكْبَرُ فحمل الفتنة على الكفر يكون تكرارا، بل هذا التأويل يستقيم على قول الفراء.

و القول الثاني: أن الفتنة هي ما كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم، تارة بإلقاء الشبهات في قلوبهم، و تارة بالتعذيب، كفعلهم ببلال و صهيب و عمار بن ياسر، و هذا قول محمد بن إسحاق و قد ذكرنا أن الفتنة عبارة عن الامتحان، يقال فتنت الذهب بالنار إذا أدخلته فيها لتزيل الغش عنه، و منه قوله تعالى: أَنَّمََا أَمْوََالُكُمْ وَ أَوْلاََدُكُمْ فِتْنَةٌ* [التغابن: 15]أي امتحان لكم لأنه إذا لزمه إنفاق المال في سبيل اللّه تفكر في ولده، فصار ذلك مانعا له عن الإنفاق، و قال تعالى: الم*`أَ حَسِبَ/اَلنََّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ [العنكبوت: 1، 2] أي لا يمتحنون في دينهم بأنواع البلاء، و قال: وَ فَتَنََّاكَ فُتُوناً [طه: 40]و إنما هو الامتحان بالبلوى، و قال:

وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ فَإِذََا أُوذِيَ فِي اَللََّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ اَلنََّاسِ كَعَذََابِ اَللََّهِ [العنكبوت: 10]و المراد به المحنة التي تصيبه من جهة الدين من الكفار و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ فَتَنُوا اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: 10]و المراد أنهم آذوهم و عرضوهم على العذاب ليمتحنوا ثباتهم على دينهم، و قال: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنََاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ اَلصَّلاََةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: 101]و قال: مََا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفََاتِنِينَ*`إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ [الصافات: 162، 163]و قال: فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ اِبْتِغََاءَ اَلْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] أي المحنة في الدين و قال: وَ اِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مََا أَنْزَلَ اَللََّهُ إِلَيْكَ [المائدة: 49]و قال: رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [الممتحنة: 5]و قال: رَبَّنََا لاََ تَجْعَلْنََا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ [يونس: 85]و المعنى أن يفتنوا بها عن دينهم فيتزين في أعينهم ما هم فيه من الكفر و الظلم و قال: فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ*`بِأَيِّكُمُ اَلْمَفْتُونُ [القلم: 5، 6]قيل: المفتون المجنون، و الجنون فتنة، إذ هو محنة و عدول عن سبيل أهل السلامة في العقول.

فثبت بهذه الآيات أن الفتنة هي الامتحان، و إنما قلنا: إن الفتنة أكبر من القتل لأن الفتنة عن الدين تفضي إلى القتل الكثير في الدنيا، و إلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة، فصح أن الفتنة أكبر من القتل فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه و هو قتل ابن الحضرمي.

روي أنه لما نزلت هذه الآية كتب عبد اللّه بن جحش صاحب هذه السرية إلى مؤمني مكة: إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر و إخراج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم من مكة، و منع المؤمنين عن البيت الحرام‏

قال: وَ لاََ يَزََالُونَ يُقََاتِلُونَكُمْ حَتََّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اِسْتَطََاعُوا و المعنى ظاهر، و نظيره قوله تعالى: وَ لَنْ تَرْضى‏ََ عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصََارى‏ََ حَتََّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: 120].

و فيه مسائل:

المسألة الأولى: ما زال يفعل كذا، و لا يزال يفعل كذا، قال الواحدي: هذا فعل لا مصدر له، و لا يقال منه: فاعل و لا مفعول، و مثاله في الأفعال كثير نحو عسى ليس له مصدر و لا مضارع و كذلك: ذو، و ما فتئ، و هلم، و هاك، و هات، و تعال، و معنى: لاََ يَزََالُونَ أي يدومون على ذلك الفعل لأن الزوال يفيد النفي‏

392

فإذا أدخلت عليه: ما، كان ذلك نفيا للنفي فيكون دليلا على الثبوت الدائم.

المسألة الثانية: قوله: حَتََّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ أي إلى أن يردوكم و قيل المعنى: ليردوكم.

المسألة الثالثة: قوله: إِنِ اِسْتَطََاعُوا استبعاد لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بي فلا تبق عليّ و هو واثق بأنه لا يظفر به.

ثم قال تعالى: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كََافِرٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي قوله: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني:

و هو أكثر في اللغة من الإدغام، و قوله: فَيَمُتْ هو جزم بالعطف على يَرْتَدِدْ و جوابه فَأُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ .

المسألة الثانية: لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم، ذكر بعده وعيدا شديدا على الردة، فقال: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كََافِرٌ فَأُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ و استوجب العذاب الدائم في النار.

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شي‏ء من هذه الأحكام، و قد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي و بحث فروعي، أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان و الكفر حصول الموافاة، فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه و الكفر لا يكون كفرا إلا إذا مات الكافر عليه، قالوا: لأن من كان مؤمنا ثم ارتد و العياذ باللّه فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة لكان قد استحق عليه الثواب الأبدي، ثم بعد كفره يستحق العقاب الأبدي فإما أن يبقى الاستحقاقان و هو محال، و إما أن يقال: إن الطارئ يزيل السابق و هذا محال لوجوه أحدها: أن المنافاة حاصلة بين السابق و الطارئ، فليس كون الطارئ مزيلا للسابق أولى من كون السابق دافعا للطارئ، بل الثاني أولى لأن الدفع أسهل من الرفع و ثانيها: أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين، كان شرط طريان الطارئ زوال السابق فلو عللنا زوال السابق بطريان الطارئ لزم الدور و هو محال و ثالثها: أن ثواب الإيمان السابق و عقاب الكفر الطارئ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما أزيد من الآخر، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب و لا من أهل العقاب و هو باطل بالإجماع، و إن ازداد أحدهما على الآخر، فلنفرض أن السابق أزيد، فعند طريان الطارئ لا يزول إلا ما يساويه، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض مع كونها متساوية في الماهية، فيكون ذلك ترجيحا من غير مرجح و هو محال، لنفرض أن السابق أقل فحينئذ إما أن يكون الطارئ الزائد، يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق فحينئذ يجمع على الأثر الواحد مؤثرات يكون مستقلة و هو محال، و إما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارئ دون البعض، و حينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجيحا للمثل من غير مرجح و هو محال، فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمنا ثم كفر، فذلك الإيمان السابق، و إن كنا نظنه إيمانا إلا أنه ما كان عند اللّه إيمانا، فظهر أن الموافاة شرط لكون الإيمان إيمانا، و الكفر كفرا، و هذا هو الذي دلت الآية عليه، فإنها دلت على أن‏

393

شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام أن يموت/المرتد على تلك الردة.

أما البحث الفروعي: فهو أن المسلم إذا صلى ثم ارتد ثم أسلم في الوقت قال الشافعي رحمه اللّه: لا إعادة عليه، و قال أبو حنيفة رحمه اللّه: لزمه قضاء ما أدى و كذلك الحج، حجة الشافعي رضي اللّه تعالى عنه قوله تعالى: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كََافِرٌ فَأُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ شرط في حبوط العمل أن يموت و هو كافر، و هذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط، فوجب أن لا يصير عمله محبطا، فإن قيل: هذا معارض بقوله: وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: 88]و قوله: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمََانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5]لا يقال: حمل المطلق على المقيد واجب. لأنا نقول: ليس هذا من باب المطلق و المقيد، فإنهم أجمعوا على أن من علق حكما بشرطين، و علقه بشرط أن الحكم ينزل عند أيهما وجد، كمن قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، أنت حر إذا جاء يوم الخميس و الجمعة: لا يبطل واحد منهما، بل إذا جاء يوم الخميس عتق، و لو كان باعه فجاء يوم الخميس و لم يكن في ملكه، ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة و هو في ملكه عتق بالتعليق الأول.

و السؤال الثاني: عن التمسك بهذه الآية أن هذه الآية دلت على أن الموت على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية، و نحن نقول به فإن من جملة هذه الأحكام: الخلود في النار و ذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط، و إنما الخلاف في حبط الأعمال، و ليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط فيه.

و الجواب: أن هذا من باب المطلق و المقيد لا من باب التعليق بشرط واحد و بشرطين، لأن التعليق بشرط و بشرطين إنما يصح لو لم يكن تعليقه بكل واحد منهما مانعا من تعليقه بالآخر، و في مسألتنا لو جعلنا مجرد الردة مؤثرا في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلا في شي‏ء من الأوقات، فعلمنا أن هذا ليس من باب التعليق بشرط و بشرطين بل من باب المطلق و المقيد.

و أما السؤال الثاني: فجوابه أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة، و إنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة، و على هذا التقدير فذلك السؤال ساقط.

أما قوله تعالى: فَأُولََئِكَ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أهل اللغة أصل الحبط أن تأكل الإبل شيئا يضرها فتعظم بطونها فتهلك و

في الحديث «و إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم»

فسمى بطلان الأعمال بهذا لأنه كفساد الشي‏ء بسبب ورود المفسد عليه.

المسألة الثانية: المراد من إحباط العمل ليس هو إبطال نفس العمل، لأن العمل شي‏ء كما وجد فني و زال، و إعدام المعدوم محال، ثم اختلف المتكلمون فيه، فقال المثبتون للإحباط و التكفير: المراد منه أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق، إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم و جمهور المتأخرين من المعتزلة أولا بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي علي، و قال المنكرون للإحباط بهذا المعنى المراد من الإحباط الوارد في كتاب اللّه هو أن المرتد إذا أتى بالردة فتلك الردة عمل محبط لأن الآتي بالردة كان يمكنه أن يأتي بدلها بعمل يستحق به ثوابا فإذا لم يأت بذلك العمل الجيد و أتى بدله بهذا العمل الردي‏ء الذي لا

394

يستفيد منه نفعا بل يستفيد منه أعظم المضار يقال: إنه أحبط عمله أي أتى بعمل باطل ليس فيه فائدة بل فيه مضرة، ثم قال المنكرون للإحباط هذا الذي ذكرناه في تفسير الإحباط، إما أن يكون حقيقة في لفظ الإحباط، و إما أن لا يكون، فإن كان حقيقة فيه وجب المصير إليه، و إن كان مجازا وجب المصير إليه، لأنا ذكرنا الدلائل القاطعة في مسألة أن الموافاة شرط في صحة الإيمان، على أن القول بأن أثر الفعل الحادث يزيل أثر الفعل السابق محال.

المسألة الثالثة: أما حبوط الأعمال في الدنيا، فهو أنه يقتل عند الظفر به و يقاتل إلى أن يظفر به و لا يستحق من المؤمنين موالاة و لا نصرا و لا ثناء حسنا، و تبين زوجته منه و لا يستحق الميراث من المسلمين، و يجوز أن يكون المعنى في قوله: حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فِي اَلدُّنْيََا أن ما يريدونه بعد الردة من الإضرار بالمسلمين و مكايدتهم بالانتقال عن دينهم يبطل كله، فلا يحصلون منه على شي‏ء لإعزاز اللّه الإسلام بأنصاره فتكون الأعمال على هذا التأويل ما يعملونه بعد الردة، و أما حبوط أعمالهم في الآخرة فعند القائلين بالإحباط معناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استقوه بأعمالهم السالفة، و عند المنكرين لذلك معناه: أنهم لا يستفيدون من تلك الردة ثوابا و نفعا في الآخرة بل يستفيدون منها أعظم المضار، ثم بين كيفية تلك المضرة فقال تعالى: وَ أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ .

في الآية مسألتان:

المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول: أن عبد اللّه بن جحش قال: يا رسول اللّه هب أنه لا عقاب فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجرا و ثوابا فنزلت هذه الآية، لأن عبد اللّه كان مؤمنا، و كان مهاجرا، و كان بسبب هذه المقاتلة مجاهدا و الثاني: أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتََالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة: 216]و بين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََاجَرُوا وَ جََاهَدُوا فِي سَبِيلِ اَللََّهِ و لا يكاد يوجد وعيد إلا و يعقبه وعد.

المسألة الثانية: هََاجَرُوا أي فارقوا أوطانهم و عشائرهم، و أصله من الهجر الذي هو ضد الوصل، و منه قيل للكلام القبيح: هجر، لأنه مما ينبغي أن يهجر، و الهاجرة وقت يهجر فيه العمل، و المهاجرة مفاعلة من الهجرة، و جاز أن يكون المراد منه أن الأحباب و الأقارب هجروه بسبب هذا الدين، و هو أيضا هجرهم بهذا السبب، فكان ذلك مهاجرة، و أما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة، و يجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في نصرة دين اللّه، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ليحصل التأييد و القوة، و يجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهة في قتال العدو، و عند فعل العدو، و مثل ذلك فتصير مفاعلة.

395

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللََّهِ و فيه قولان: الأول أن المراد منه الرجاء، و هو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها، و أراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب اللّه و ذلك لأن عبد اللّه بن جحش ما كان قاطعا بالفوز و الثواب في عمله، بل كان يتوقعه و يرجوه.

فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقا بالرجاء، و لم يقع به كما في سائر الآيات؟.

قلنا: الجواب من وجوه أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان و العمل غير واجب عقلا، بل بحكم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء و ثانيها: هب أنه واجب عقلا بحكم الوعد، و لكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك و هذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع و ثالثها: أن المذكور هاهنا هو الإيمان، و الهجرة، و الجهاد في سبيل اللّه، و لا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، و هو أن يرجو أن يوفقه اللّه لها، كما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء و رابعها: ليس المراد من الآية أن اللّه شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة و الجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق اللّه تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، و لم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على اللّه مع الخوف و الرجاء، كما قال: وَ اَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مََا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‏ََ رَبِّهِمْ رََاجِعُونَ [المؤمنون: 60].

القول الثاني: أن المراد من الرجاء: القطع و اليقين في أصل الثواب، و الظن إنما دخل في كميته و في وقته، و فيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ [البقرة: 46].

ثم قال تعالى: وَ اَللََّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي إن اللّه تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان و العمل الصالح، و أنه غفور رحيم، غفر لعبد اللّه بن جحش و أصحابه ما لم يعلموا و رحمهم.

الحكم الثالث في الخمر

اعلم أن قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ ليس فيه بيان أنهم عن أي شي‏ء سألوا، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته و ماهيته، و يحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به، و يحتمل أنهم سألوا عن حل شربه و حرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعا عن الحل و الحرمة.

و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قالوا: نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: وَ مِنْ ثَمَرََاتِ اَلنَّخِيلِ وَ اَلْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً [النحل: 67]و كان المسلمون يشربونها و هي حلال لهم، ثم إن عمر

396

و معاذا و نفرا من الصحابة قالوا: يا رسول اللّه أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل فيها قوله تعالى: قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ فشربها قوم و تركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم، فشربوا و سكروا، فقام بعضهم يصلي فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، فنزلت: لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ [النساء: 43]فقل من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار و فيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا و تناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل: إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91]فقال عمر: انتهينا يا رب، قال القفال رحمه اللّه:

و الحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن اللّه تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، و كان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، و هذا الرفق، و من/الناس من قال بأن اللّه حرم الخمر و الميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى: لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، و عن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر.

المسألة الثانية: اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو؟ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر.

أما المقام الأول: في بيان أن الخمر ما هو؟ النوع الأول من الدلائل على أن كل مسكر خمر قال الشافعي رحمه اللّه: كل شراب مسكر فهو خمر، و قال أبو حنيفة: الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها: ما روى أبو داود في «سننه» : عن الشعبي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما، قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل و هي من خمسة: من العنب، و التمر، و الحنطة، و الشعير، و الذرة، و الخمر ما خامر العقل، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها: أن عمر رضي اللّه عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت و هي تتخذ من الحنطة و الشعير، كما أنها كانت تتخذ من العنب و التمر، و هذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمرا و ثانيها: أنه قال: حرمت الخمر يوم حرمت، و هي تتخذ من هذه الأشياء الخمس، و هذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة و ثالثها: أن عمر رضي اللّه عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب، و لا شك أن عمر كان عالما باللغة، و روايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره.

الحجة الثانية:

روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «إن من العنب خمرا، و إن من التمر خمرا، و إن من العسل خمرا، و إن من البر خمرا، و إن من الشعير خمرا»

و الاستدلال به من وجهين أحدهما: أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر و الثاني: أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب، فوجب أن يكون ثابتا في هذه الأشربة، قال الخطابي رحمه اللّه: و تخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، و إنما جرى ذكرها خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل‏

397

ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة، فحكمها حكم هذه الخمسة، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها.

الحجة الثالثة:

روى أبو داود أيضا عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «كل مسكر خمر، و كل مسكر حرام»

قال الخطابي:

قوله عليه السلام «كل مسكر خمر»

دل على/وجهين أحدهما: أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها، و المقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، و كان مسمى الخمر مجهولا للقوم حسن من الشارع أن يقال: مراد اللّه تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية، أو على سبيل أن يضع اسما شرعيا على سبيل الأحداث كما في الصلاة و الصوم و غيرهما.

و الوجه الآخر: أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة، و ذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرا فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازا على المشابهة في الحكم، الذي هو خاصية ذلك الشي‏ء.

الحجة الرابعة:

روى أبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم عن البتع، فقال:

«كل شراب أسكر فهو حرام»

قال الخطابي: البتع شراب يتخذ من العسل، و فيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة، و إفساد لقول من قال: إن القليل من المسكر مباح، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس، فيدخل فيه القليل و الكثير منها، و لو كان هناك تفصيل في شي‏ء من أنواعه و مقاديره لذكره و لم يهمله.

الحجة الخامسة:

روى أبو داود عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» .

الحجة السادسة:

روي أيضا عن القاسم عن عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يقول: «كل مسكر حرام و ما أسكر منه الفرق فمل‏ء الكف منه حرام»

قال الخطابي: «الفرق» مكيال يسع ستة عشر رطلا، و فيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب.

الحجة السابعة:

روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت: نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم عن كل مسكر و مفتر،

قال الخطابي: المفتر كل شراب يورث الفتور و الخدر في الأعضاء، و هذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر، و هو حرام.

النوع الثاني: من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة: أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس المرأة، و الخمر ما واراك من شجر و غيره، من وهدة و أكمة، و خمرت رأس الإناء أي غطيته، و الخامر هو الذي يكتم شهادته، قال ابن الأنباري: سميت خمرا لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، يقال: خامره الداء إذا خالطه، و أنشد لكثير:

هنيئا مريئا غير داء مخامر

و يقال خامر السقام كبده، و هذا الذي ذكره راجع إلى الأول، لأن الشي‏ء إذا خالط الشي‏ء صار بمنزلة

398

الساتر له، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترا للعقل، كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل أي تحجزه، و كأنّها سميت بالمصدر من خمره خمرا إذا ستره للمبالغة، و يرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر، لأن السكر يغطي العقل، و يمنع من وصول نوره إلى الأعضاء، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس، و هو غير جائز، لأنا نقول: ليس هذا إثباتا للغة بالقياس، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم اللّه يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء و يثبتونه بالاشتقاقات، و مسمى الصوم هو الإمساك، و يثبتونه بالاشتقاقات.

النوع الثالث: من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة، اثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما: هذه الآية و الثانية: آية المائدة و الثالثة: وردت في السكر و هو قوله: لاََ تَقْرَبُوا اَلصَّلاََةَ وَ أَنْتُمْ سُكََارى‏ََ [النساء: 43]و هذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.

النوع الرابع: من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر و معاذا قالا: يا رسول اللّه إن الخمر مسلبة للعقل، مذهبة للمال، فبين لنا فيه، فهما إنما طلبا الفتوى من اللّه و رسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا و إما أن يكون مساويا للخمر في هذا الحكم.

النوع الخامس: من الحجة أن اللّه علل تحريم الخمر بقوله تعالى: إِنَّمََا يُرِيدُ اَلشَّيْطََانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اَللََّهِ وَ عَنِ اَلصَّلاََةِ [المائدة: 91] و لا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، و هذا التعليل يقيني، فعلى هذا تكون هذه الآية نصا في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، و إن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، و كل من أنصف و ترك العناد، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه اللّه من وجوه أحدها: قوله تعالى: وَ مِنْ ثَمَرََاتِ اَلنَّخِيلِ وَ اَلْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً [النحل: 67]من اللّه تعالى علينا باتخاذ السكر و الرزق الحسن، و ما نحن فيه سكر و رزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح.

و الحجة الثانية: ما

روى ابن عباس أنه عليه الصلاة و السلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، و قال: اسقوني، فقال العباس: ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا؟فقال: ما تسقي الناس، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه، فقطب وجهه ورده، فقال العباس: يا رسول اللّه أفسدت على/أهل مكة شرابهم، فقال: ردوا عليّ القدح، فردوه عليه، فدعا بماء من زمزم و صب عليه و شرب، و قال: إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا متنها بالماء.

وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، و لأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص، و لأن اغتلام الشراب شدته، كاغتلام البعير سكره.

الحجة الثالثة: التمسك بآثار الصحابة.

399

و الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً نكرة في الإثبات، فلم قلتم: إن ذلك السكر و الرزق الحسن هو هذا النبيذ؟ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة، أو مخصصة لها.

و أما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة، و طبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم، فلذلك قطب وجهه، و أيضا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر من الحموضة أو الرائحة، و بالجملة فكل عاقل يعلم أن الإعراض عن تلك الدلائل التي ذكرناها بهذا القدر من الاستدلال الضعيف غير جائز.

و أما آثار الصحابة فهي متدافعة متعارضة، فوجب تركها و الرجوع إلى ظاهر كتاب اللّه و سنة الرسول عليه السلام، فهذا هو الكلام في حقيقة الخمر.

المقام الثاني: في بيان أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر و بيانه من وجوه الأول: أن الآية دالة على أن الخمر مشتملة على الإثم، و الإثم حرام لقوله تعالى: قُلْ إِنَّمََا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوََاحِشَ مََا ظَهَرَ مِنْهََا وَ مََا بَطَنَ وَ اَلْإِثْمَ وَ اَلْبَغْيَ [الأعراف: 33]فكان مجموع هاتين الآيتين دليلا على تحريم الخمر الثاني: أن الإثم قد يراد به العقاب، و قد يراد به ما يستحق به العقاب من الذنوب، و أيهما كان فلا يصح أن يوصف به إلا المحرم الثالث: أنه تعالى قال: وَ إِثْمُهُمََا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمََا صرح برجحان الإثم و العقاب، و ذلك يوجب التحريم.

فإن قيل: الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم، بل تدل على أن فيه إثما، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم: إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراما؟.

قلنا: لأن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر، فلما بين تعالى أن فيه إثما، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات، فكان شرب الخمر مستلزما لهذه الملازمة المحرمة، و مستلزم المحرم محرم، فوجب أن يكون الشرب محرما، و منهم من قال: هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر، و احتج عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس، و المحرم لا يكون فيه منفعة و الثاني: /لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة و آية تحريم الصلاة؟الثالث: أنه تعالى أخبر أن فيهما إثما كبيرا فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلا ما داما موجودين، فلو كان ذلك الإثم الكبير سببا لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع.

و الجواب عن الأول: أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لا يمنع كونه محرما، و متى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعا من حرمتهما لأن صدق الخاص يوجب صدق العام.

و الجواب عن الثاني: أنا روينا عن ابن عباس أنها نزلت في تحريم الخمر، و التوقف الذي ذكرته غير مروى عنهم، و قد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم، كما التمس إبراهيم صلوات اللّه عليه مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكونا و طمأنينة.

و الجواب عن الثالث: أن قوله: فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ إخبار عن الحال لا عن الماضي، و عندنا أن اللّه تعالى‏

400

علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان، و علم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب.

المسألة الثالثة: في حقيقة الميسر فنقول: الميسر القمار، مصدر من يسر كالموعد و المرجع من فعلهما، يقال يسرته إذا قمرته، و اختلفوا في اشتقاقه على وجوه أحدها: قال مقاتل: اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر و سهولة من غير كد و لا تعب، كانوا يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور، أو من اليسار لأنه سبب يساره، و عن ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله و ماله و ثانيها: قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة و الاقتسام، يقال: يسروا الشي‏ء، أي اقتسموه، فالجزور نفسه يسمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، و الياسر الجازر، لأنه يجزئ لحم الجزور، ثم يقال لضاربين بالقدح و المتقاربين على الجزور: إنهم يأسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزءون لحم الجزور و ثالثها: قال الواحدي: إنه من قولهم: يسر لي هذا الشي‏ء ييسر يسرا و ميسرا إذا وجب، و الياسر الواجب بسبب القداح، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة.

و أما صفة الميسر فقال صاحب «الكشاف» : كانت لهم عشرة قداح، و هي الأزلام و الأقلام الفذ، و التوأم، و الرقيب، و الحلس، بفتح الحاء و كسر اللام، و قيل بكسر الحاء و سكون اللام، و المسبل، و المعلى، و النافس، و المنيح، و السفيح، و الوغد، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها و يجزؤونها عشرة أجزاء، و قيل: ثمانية و عشرين جزءا إلا ثلاثة، و هي: المنيح و السفيح، و الوعد، و لبعضهم في هذا المعنى شعر:

لي في الدنيا سهام # ليس فيهن ربيح

و أساميهن و غد # و سفيح و منيح‏

فللفذ سهم، و للتوأم سهمان، و للرقيب ثلاثة، و للحلس أربعة، و للنافس خمسة، و للمسبل/ستة، و للمعلى سبعة، يجعلونها في الربابة، و هي الخريطة و يضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها و يدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح، و من خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا، و غرم ثمن الجزور كله، و كانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، و لا يأكلون منها، و يفتخرون بذلك و يذمون من لم يدخل فيه و يسمونه البرم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار،

روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم: «إياكم و هاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم»

و عن ابن سيرين و مجاهد و عطاء: كل شي‏ء فيه خطر فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز، و أما الشطرنج‏

فروي عن علي عليه السلام أنه قال: النرد و الشطرنج من الميسر،

و قال الشافعي رضي اللّه عنه: إذا خلا الشطرنج عن الرهان، و اللسان عن الطغيان و الصلاة عن النسيان، لم يكن حراما، و هو خارج عن الميسر، لأن الميسر ما يوجب دفع المال، أو أخذ مال، و هذا ليس كذلك، فلا يكون قمارا و لا ميسرا، و اللّه أعلم، أما السبق في الخف و الحافر فبالاتفاق ليس من الميسر، و شرحه مذكور في كتاب السبق و الرمي من كتب الفقه.

المسألة الخامسة: الإثم الكبير، فيه أمور أحدها: أن عقل الإنسان أشرف صفاته، و الخمر عدو العقل، و كل ما كان عدو الأشرف فهو أخس، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور، و تقريره أن العقل إنما سمي‏

401

عقلا لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح، كان عقله مانعا له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليا عن العقل المانع منها، و التقريب بعد ذلك معلوم، ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران و هو يبول في يده و يمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، و يقول:

الحمد للّه الذي جعل الإسلام نورا و الماء طهورا، و عن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جراءتك؟فقال ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، و لا أرضى أن أصبح سيد قوم و أمسي سفيههم و ثانيها: ما ذكره اللّه تعالى من إيقاع العداوة و البغضاء و الصد عن ذكر اللّه و عن الصلاة و ثالثها:

أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر، و مواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر و قوة النفس عليها أقوى بخلاف سائر المعاصي، مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، و كلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر و نفرته أتم، بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر، كان نشاطه أكثر، و رغبته فيه أتم. فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقا في اللذات البدنية، معرضا عن تذكر الآخرة و المعاد، حتى يصير من الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، و بالجملة فالخمر يزيل العقل، و إذا زال العقل/حصلت القبائح بأسرها و لذلك‏

قال عليه الصلاة و السلام: «الخمر أم الخبائث»

و أما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة، و أيضا لما يجري بينهم من الشتم و المنازعة و أنه أكل مال بالباطل و ذلك أيضا يورث العداوة، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجانا أبغضه جدا، و هو أيضا يشغل عن ذكر اللّه و عن الصلاة، و أما المنافع المذكورة في قوله تعالى: وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ فمنافع الخمر أنهم كانوا يتغالون بها إذا جلبوها من النواحي، و كان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن كانوا يعدون ذلك فضيلة و مكرمة، فكان تكثر أرباحهم بذلك السبب، و منها أنه يقوي الضعيف و يهضم الطعام و يعين على الباه، و يسلي المحزون، و يشجع الجبان، و يسخي البخيل و يصفي اللون، و ينعش الحرارة الغريزية و يزيد في الهمة و الاستعلاء (1) و من منافع الميسر: التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور، و إنما كان يفرقه في المحتاجين و ذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له مال من غير كد و تعب، ثم يصرفه إلى المحتاجين، فيكتسب منه المدح و الثناء.

المسألة السادسة: قرأ حمزة و الكسائي كثير بالثاء المنقوطة من فوق و الباقون بالباء المنقوطة من تحت حجة حمزة و الكسائي، أن اللّه وصف أنواعا كثيرة من الإثم في الخمر و الميسر و هو قوله: إِنَّمََا يُرِيدُ اَلشَّيْطََانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ اَلْعَدََاوَةَ وَ اَلْبَغْضََاءَ فِي اَلْخَمْرِ وَ اَلْمَيْسِرِ [المائدة: 91]فذكر أعدادا من الذنوب فيهما و لأن النبي صلى اللّه عليه و سلّم لعن عشرة بسبب الخمر، و ذلك يدل على كثرة الإثم فيهما، و لأن الإثم في هذه الآية كالمضاد

____________

(1) قول الفخر رحمه اللّه تعالى في شرب الخمر: أنه يقوي الضعيف، و يهضم الطعام، و يعين على الباه، و يسلي المحزون و يشجع الجبان، و يسخي البخيل، و يصفي اللون، و ينعش الحرارة الغريزية، و يزيد في الهمة و الاستعلاء، هو قول عجيب لا يصدر من لبيب و لو كان فيها من المزايا بعض ما ذكر: لما منعنا اللّه تعالى عنها، و أحرمنا منها، و لم ينهنا تعالى إلا عما فيه فساد الدين و البدن، فله الحمد على أمره و نهيه، و تحريمه و تحليله!.

و الخمر: كما يشهد بذلك العقل و الطب، تضعف القوى، و تعسر الهضم، و تتلف المعدة، و تضعف الباه، و إن دل ظاهرها على إذهاب الحزن، فهي جالبة للهم و الغم و الكدر، و تورث الشجاع الجبن و الخور، و تحض الكريم على البخل، و تفسد الدم و تكدر اللون و تظهر غضون الوجه، و هي في جملتها مبعث لسائر الشرور و الفجور و الخصال الذميمة.

أما تأويل قوله تعالى: وَ مَنََافِعُ لِلنََّاسِ فهو خاص بالمنافع الدنيوية الفانية و الربح التجاري الزائل. انتهى مصححه.

402

للمنافع لأنه قال: فيهما إثم و منافع، و كما أن المنافع أعداد كثيرة فكذا الإثم فصار التقدير كأنه قال: فيهما مضار كثيرة و منافع كثيرة حجة الباقين أن المبالغة في تعظيم الذنب إنما تكون بالكبر لا بكونه كثيرا يدل عليه قوله تعالى: كَبََائِرَ اَلْإِثْمِ* [النجم: 32]، كَبََائِرَ مََا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: 31]، إِنَّهُ كََانَ حُوباً كَبِيراً [النساء:

2]و أيضا القراء اتفقوا على قوله: وَ إِثْمُهُمََا أَكْبَرُ بالباء المنقوطة من تحت، و ذلك يرجح ما قلناه.

الحكم الرابع في الإنفاق‏

اعلم أن هذا السؤال قد تقدم ذكره فأجيب عنه بذكر المصرف و أعيد هاهنا فأجيب عنه بذكر الكمية، قال القفال: قد يقول الرجل لآخر يسأله عن مذهب رجل و خلقه ما فلان هذا؟فيقول: هو رجل من مذهبه كذا، و من خلقه كذا إذا عرفت هذا فنقول: كان الناس لما رأوا اللّه و رسوله يحضان على الإنفاق و يدلان على عظيم ثوابه، سألوا عن مقدار ما كلفوا به، هل هو كل المال أو بعضه، فأعلمهم اللّه أن العفو مقبول، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه اللّه: أصل العفو في اللغة الزيادة، قال تعالى: خُذِ اَلْعَفْوَ [الأعراف: 199]أي الزيادة، و قال أيضا: حَتََّى عَفَوْا [الأعراف: 95]أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد قال القفال: العفو ما سهل و تيسر مما يكون فاضلا عن الكفاية يقال: خذ ما عفا لك، أي ما تيسر و يشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسر و التسهيل،

قال عليه الصلاة و السلام: «عفوت لكم عن صدقة الخيل و الرقيق فهاتوا ربع عشر أموالكم»

معناه التخفيف بإسقاط زكاة الخيل و الرقيق، و يقال: أعفى فلان فلانا بحقه إذا أوصله إليه من غير إلحاح في المطالبة، و هو راجع إلى التخفيف و يقال: أعطاه كذا عفوا صفوا، إذا لم يكدر عليه بالأذى، و يقال: خذ من الناس ما عفا لك أي ما تيسر، و منه قوله تعالى: خُذِ اَلْعَفْوَ [الأعراف: 199] أي ما سهل لك من الناس، و يقال للأرض السهلة: العفو و إذا كان العفو هو التيسير فالغالب أن ذلك إنما يكون فيما يفضل عن حاجة الإنسان في نفسه و عياله و من تلزمه مؤنتهم فقول من قال: العفو هو الزيادة راجع إلى التفسير الذي ذكرناه و جملة التأويل أن اللّه تعالى أدب الناس في الإنفاق فقال تعالى لنبيه عليه الصلاة و السلام:

وَ آتِ ذَا اَلْقُرْبى‏ََ حَقَّهُ وَ اَلْمِسْكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ وَ لاََ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً`إِنَّ اَلْمُبَذِّرِينَ كََانُوا إِخْوََانَ اَلشَّيََاطِينِ [الإسراء:

26، 27]و قال: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ [الإسراء: 29]و قال: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: 67]و

قال صلى اللّه عليه و سلّم: «إذا كان عند أحدكم شي‏ء فليبدأ بنفسه، ثم بمن يعول و هكذا و هكذا»

و

قال/عليه الصلاة و السلام: «خير الصدقة ما أبقت غنى و لا يلام على كفاف»

و

عن جابر بن عبد اللّه قال بينما نحن عند رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، إذ جاءه رجل بمثل البيضة من ذهب فقال: يا رسول اللّه خذها صدقة فو اللّه لا أملك غيرها، فأعرض عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، ثم أتاه من بين يديه، فقال: هاتها مغضبا فأخذها منه، ثم حذفه بها حيث لو أصابته لأوجعته، ثم قال: يأتيني أحدكم بماله لا يملك غيره، ثم يجلس يتكفف الناس إنما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها،

و

عن النبي صلى اللّه عليه و سلّم أنه كان يحبس لأهله قوت‏

403

سنة،

و قال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط و التفريط، فالإنفاق الكثير هو التبذير، و التقليل جدا هو التقتير، و العدل هو الفضيلة و هو المراد من قوله: قُلِ اَلْعَفْوَ و مدار شرع محمد صلى اللّه عليه و سلّم على رعاية هذه الدقيقة فشرع اليهود مبناه على الخشونة التامة، و شرع النصارى على المسامحة التامة، و شرع محمد صلى اللّه عليه و سلّم متوسط في كل هذه الأمور، فلذلك كان أكمل من الكل.

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو (العفو) بضم الواو و الباقون بالنصب، فمن رفع جعل (ذا) بمعنى (الذي) و ينفقون صلته كأنه قال: ما الذي ينفقون؟فقال: هو العفو و من نصب كان التقدير: ما ينفقون و جوابه: ينفقون العفو.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المراد بهذا الإنفاق هو الإنفاق الواجب أو التطوع، أما القائلون بأنه هو الإنفاق الواجب، فلهم قولان الأول: قول أبي مسلم يجوز أن يكون العفو هو الزكاة فجاء ذكرها هاهنا على سبيل الإجمال، و أما تفاصيلها فمذكورة في السنة الثاني: أن هذا كان قبل نزول آية الصدقات فالناس كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم، ثم ينفقوا الباقي، ثم صار هذا منسوخا بآية الزكاة فعلى هذا التقدير تكون الآية منسوخة.

القول الثاني: أن المراد من هذا الإنفاق هو الإنفاق على سبيل التطوع و هو الصدقة و احتج هذا القائل بأنه لو كان مفروضا لبين اللّه تعالى مقداره فلما لم يبين بل فوضه إلى رأي المخاطب علمنا أنه ليس بفرض.

و أجيب عنه: بأنه لا يبعد أن يوجب اللّه شيئا على سبيل الإجمال، ثم يذكر تفصيله و بيانه بطريق آخر.

ما قوله: كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ فمعناه أني بينت لكم الأمر فيما سألتم عنه من وجوه الإنفاق و مصارفه فهكذا أبين لكم في مستأنف أيامكم جميع ما تحتاجون.

و قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ‏`فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ فيه وجوه الأول: قال الحسن: فيه تقديم و تأخير، و التقدير: كذلك يبين اللّه لكم الآيات في الدنيا و الآخرة لعلكم تتفكرون و الثاني: كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ فيعرفكم أن الخمر و الميسر فيهما منافع في الدنيا و مضار في الآخرة/فإذا تفكرتم في أحوال الدنيا و الآخرة علمتم أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا الثالث: يعرفكم أن إنفاق المال في وجوه الخير لأجل الآخرة و إمساكه لأجل الدنيا فتتفكرون في أمر الدنيا و الآخرة و تعلمون أنه لا بد من ترجيح الآخرة على الدنيا.

و اعلم أنه لما أمكن إجراء الكلام على ظاهره كما قررناه في هذين الوجهين ففرض التقديم و التأخير على ما قاله الحسن يكون عدولا عن الظاهر لا لدليل و أنه لا يجوز.

404

الحكم الخامس في اليتامى‏

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى و ربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا يخرج مالها من يده، ثم إن اللّه تعالى أنزل قوله: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [النساء: 10]و أنزل في الآيات: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامى‏ََ فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ [النساء: 3]و قوله: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّسََاءِ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ فِي يَتََامَى اَلنِّسََاءِ اَللاََّتِي لاََ تُؤْتُونَهُنَّ مََا كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، وَ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلْوِلْدََانِ، وَ أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتََامى‏ََ بِالْقِسْطِ، وَ مََا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اَللََّهَ كََانَ بِهِ عَلِيماً [النساء: 127]و قوله: وَ لاََ تَقْرَبُوا مََالَ اَلْيَتِيمِ إِلاََّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ* [الأنعام: 152]فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، و المقاربة من أموالهم، و القيام بأمورهم، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى و ساءت معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، و بقوا متحيرين إن خالطوهم و تولوا أمر أموالهم، استعدوا للوعيد الشديد، و إن تركوا و أعرضوا عنهم، اختلت معيشة اليتامى، فتحير القوم عند ذلك.

ثم هاهنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة، يحتمل أن السؤال كان في قلبهم، و أنهم/تمنوا أن يبين اللّه لهم كيفية الحال في هذا الباب، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، و

يروى أنه لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال اليتامى، و اجتنبوا مخالطتهم في كل شي‏ء، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شي‏ء فيتركونه و لا يأكلونه حتى يفسد، و كان صاحب اليتيم يفرد له منزلا و طعاما و شرابا فعظم ذلك على ضعفة المسلمين، فقال عبد اللّه بن رواحة: يا رسول اللّه مالكنا منازل تسكنها الأيتام و لا كلنا يجد طعاما و شرابا يفردهما لليتيم، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قوله: قُلْ إِصْلاََحٌ لَهُمْ خَيْرٌ فيه وجوه أحدها: قال القاضي: هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم و التأديب و غيرهما، لكي ينشأ على علم و أدب و فضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة، و يدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة، و يدخل فيه أيضا معنى قوله تعالى: وَ آتُوا اَلْيَتََامى‏ََ أَمْوََالَهُمْ وَ لاََ تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [النساء: 2]و معنى قوله:

خَيْرٌ يتناول حال المتكفل، أي هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم، و يتناول حال اليتيم‏

405

أيضا، أي هذا العمل خير لليتيم من حيث إنه يتضمن صلاح نفسه، و صلاح ماله، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم و الولي.

فإن قيل: ظاهر قوله: قُلْ إِصْلاََحٌ لَهُمْ خَيْرٌ لا يتناول إلا تدبير أنفسهم دون مالهم.

قلنا: ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية و الزيادة يكون إصلاحا له، فلا يمتنع دخوله تحت الظاهر، و هذا القول أحسن الأقوال المذكورة في هذا الموضع و ثانيها: قول من قال: الخبر عائد إلى الولي، يعني إصلاح أموالهم من غير عوض و لا أجرة خير للولي و أعظم أجرا له، و الثالث: أن يكون الخبر عائدا إلى اليتيم، و المعنى أن مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم و الإعراض عن مخالطتهم، و القول الأول أولى، لأن اللفظ مطلق فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض، ترجيح من غير مرجح و هو غير جائز، فوجب حمله على الخيرات العائدة إلى الولي، و إلى اليتيم في إصلاح النفس، و إصلاح المال، و بالجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة، فينبغي أن يكون عين المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا و الآخرة لنفسه، و اليتيم في ماله و في نفسه، فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات بالكلية.

أما قوله تعالى: وَ إِنْ تُخََالِطُوهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز، و منه يقال للجماع: الخلاط و يقال: خولط الرجل إذا جن، و الخلاط الجنون لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله.

المسألة الثانية: في تفسير الآية وجوه أحدها: المراد: و إن تخالطوهم في الطعام و الشراب و المسكن و الخدم فإخوانكم، و المعنى: أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم، و شرابه عن شراب أنفسهم و مسكنه عن مسكن أنفسهم، فاللّه تعالى أباح لهم خلط الطعامين و الشرابين، و الاجتماع/في المسكن الواحد، كما يفعله المرء بمال ولده، فإن هذا أدخل في حسن العشرة و المؤالفة، و المعنى و إن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز و ثانيها: أن يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل و القائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنيا أو فقيرا، و منهم من قال: إذا كان القيم غنيا لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه و طلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، و احتجوا عليه بقوله تعالى:

وَ مَنْ كََانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كََانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ و أما إن كان القيم فقيرا فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة و يرده إذا أيسر، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم، و روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال: أنزلت نفسي من مال اللّه تعالى بمنزلة ولي اليتيم: إن استغنيت استعففت، و إن افتقرت أكلت قرضا بالمعروف ثم قضيت، و عن مجاهد أنه إذا كان فقيرا و أكل بالمعروف فلا قضاء عليه.

القول الثالث: أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة و الغبطة للصبي.

و القول الرابع: و هو اختيار أبي مسلم: أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح، على نحو قوله: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامى‏ََ فَانْكِحُوا [النساء: 3]و قوله عز من قائل: وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّسََاءِ قُلِ اَللََّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ مََا يُتْلى‏ََ عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتََابِ فِي يَتََامَى اَلنِّسََاءِ [النساء: 127]قال و هذا القول راجح على غيره من‏

406

وجوه أحدها: أن هذا القول خلط لليتيم نفسه و الشركة خلط لماله و ثانيها: أن الشركة داخلة في قوله: قُلْ إِصْلاََحٌ لَهُمْ خَيْرٌ و الخلط من جهة النكاح، و تزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب و ثالثها: أن قوله تعالى: فَإِخْوََانُكُمْ يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلما، فوجب أن تكون الإشارة بقوله: فَإِخْوََانُكُمْ إلى نوع آخر من المخالطة و رابعها: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ [البقرة: 221]فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك.

المسألة الثالثة: قوله: فَإِخْوََانُكُمْ أي فهم إخوانكم، قال الفراء: و لو نصبته كان صوابا، و المعنى فإخوانكم تخالطون.

أما قوله: وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ اَلْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِحِ فقيل: المفسد لأموالهم من المصلح لها، و قيل: يعلم ضمائر من أراد الإفساد و الطمع في مالهم بالنكاح من المصلح، يعني: إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضا آخر فاللّه مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم، و هذا تهديد عظيم، و السبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، و ليس له/أحد يراعيها فكأنه تعالى قال: لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل و أنا المطالب لوليه، و قيل: و اللّه يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله و يعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئا من غير إصلاح منكم لمالهم.

أما قوله تعالى: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: «الإعنات» الحمل على مشقة لا تطاق يقال: أعنت فلان فلانا إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه و تعنته تعنتا إذا لبس عليه في سؤاله، و عنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر و أصل العنت من المشقة، و أكمة عنوت إذا كانت شاقة كدودا، و منه قوله تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ [التوبة: 128]أي شديد عليه ما شق عليكم، و يقال أعنتني في السؤال أي شدد علي و طلب عنتي و هو الإضرار و أما المفسرون فقال ابن عباس: لو شاء اللّه لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا و قال عطاء: و لو شاء اللّه لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم و لضيق الأمر عليكم في مخالطتهم، و قال الزجاج: و لو شاء اللّه لكلفكم ما يشتد عليكم.

المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية، فقال: إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن قوله: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات و الضيق في التكليف، و لو كان مكلفا بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات و حد الضيق.

و اعلم أن وجه هذا الاستدلال أن كلمة (لو) تفيد انتفاء الشي‏ء لانتفاء غيره، ثم سألوا أنفسهم بأن هذه الآية وردت في حق اليتيم، و أجابوا عنه بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و أيضا فولي هذا اليتيم قد

407

لا يفعل تعالى فيه قدرة الإصلاح، لأن هذا هو قولهم فيمن يختار خلاف الإصلاح و إذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقول تعالى فيه خاصة وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ مع أنه كلفه بما لا يقدر عليه، و لا سبيل له إلى فعله، و أيضا فالإعنات لا يصح إلا فيمن يتمكن من الشي‏ء فيشق عليه و يضيق، فأما من لا يتمكن ألبتة فذلك لا يصح فيه، و عند الخصم الولي إذا اختار الصلاح فإنه لا يمكنه فعل الفساد، و إذا لم يقدر على الفساد لا يصح أن يقال فيه وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ .

و الجواب عنه: المعارضة بمسألة العلم و الداعي و اللّه أعلم.

المسألة الثالثة: احتج الكعبي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف العدل، لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ و للنظام أن يجيب بأن هذا معلق على مشيئة الإعنات، فلم قلتم بأن هذه المشيئة ممكنة الثبوت في حقه تعالى، و اللّه أعلم.

الحكم السادس فيما يتعلق بالنكاح‏

اعلم أن هذه الآية نظير قوله: وَ لاََ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوََافِرِ [الممتحنة: 10]و قرئ بضم التاء، أي لا تزوجوهن و على هذه القراءة لا يزوجونهن.

و اعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم و شرع، أو هو متعلق بما تقدم، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل و يحرم، و قال أبو مسلم: بل هو متعلق بقصة اليتامى، فإنه تعالى لما قال: وَ إِنْ تُخََالِطُوهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ [البقرة: 220]و أراد مخالطة النكاح عطف عليه ما يبعث على الرغبة في اليتامى، و أن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات، و بين أن أمة مؤمنة خير من مشركة و إن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى، و على تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم و صلاح أموالهم، و على الوجهين فحكم الآية لا يختلف، ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى:

روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة و السلام بعث مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسا من المسلمين بها سرا، فعند قدومه جاءته امرأته يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية، أعرضت عنه عند الإسلام، فالتمست الخلوة، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك، ثم وعدها أن يستأذن الرسول صلى اللّه عليه و سلّم ثم يتزوج بها، فلما انصرف إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم عرفه ما جرى في أمر عناق، و سأله هل يحل له التزوج بها فأنزل اللّه تعالى/هذه الآية.

المسألة الثانية: اختلف الناس في لفظ النكاح، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه اللّه: إنه حقيقة في

408

العقد، و احتجوا عليه بوجوه أحدها:

قوله عليه الصلاة و السلام: «لا نكاح إلا بولي و شهود»

وقف النكاح على الولي و الشهود، و المتوقف على الولي و الشهود هو العقد لا الوطء، و الثاني:

قوله عليه الصلاة و السلام: «ولدت من نكاح و لم أولد من سفاح»

دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح، و معلوم أن السفاح مشتمل على الوطء، فلو كان النكاح اسما للوطء لامتنع كون النكاح مقابلا للسفاح و ثالثها: قوله تعالى: وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيََامى‏ََ مِنْكُمْ وَ اَلصََّالِحِينَ مِنْ عِبََادِكُمْ وَ إِمََائِكُمْ [النور: 32]و لا شك أن لفظ أَنْكِحُوا لا يمكن حمله إلا على العقد و رابعها: قول الأعشى، أنشده الواحدي في «البسيط» :

فلا تقربن من جارة إن سرها # عليك حرام فانكحن أو تأيما

و قوله: فَانْكِحُوهُنَّ لا يحتمل إلا الأمر بالعقد، لأنه‏

قال: «لا تقربن جارة»

يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد و تزوج و إلا فتأيم و تجنب النساء، و قال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: إنه حقيقة في الوطء، و احتجوا عليه بوجوه أحدها: قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهََا فَلاََ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتََّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230]نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح، و النكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل‏

قوله عليه الصلاة و السلام: «لا حتى تذوقي عسيلته و يذوق عسيلتك»

فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء و ثانيها:

قوله عليه الصلاة و السلام: «ناكح اليد ملعون و ناكح البهيمة ملعون»

أثبت النكاح مع عدم العقد و ثالثها: أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم و الوطء، يقال: نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، و نكح النعاس عينه، و في المثل أنكحنا الفرا فسترى، و قال الشاعر:

التاركين على طهر نساءهم # و الناكحين بشطي دجلة البقرا

و قال المتنبي:

أنكحت صم حصاها خف يعملة # تعثرت بي إليك السهل و الجبلا

و معلوم أن معنى الضم و الوطء في المباشرة أتم منه في العقد، فوجب حمله عليه، و من الناس من قال:

النكاح عبارة عن الضم، و معنى الضم حاصل في العقد و في الوطء، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعا، قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرقت العرب في الاستعمال فرقا لطيفا حتى لا يحصل الالتباس، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة: أرادوا أنه تزوجها و عقد عليها، و إذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته، لم يريدوا غير المجامعة، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة، فهذا تمام ما في هذا/اللفظ من البحث، و أجمع المفسرون على أن المراد من قوله:

وَ لاََ تَنْكِحُوا في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب، فأنكر بعضهم ذلك، و الأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب و هو المختار، و يدل عليه وجوه أحدها: قوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اَللََّهِ وَ قََالَتِ اَلنَّصََارى‏ََ اَلْمَسِيحُ اِبْنُ اَللََّهِ [التوبة: 30]ثم قال في آخر الآية: سُبْحََانَهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 31]و هذه الآية صريحة في أن اليهودي و النصراني مشرك و ثانيها: قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ* [النساء: 48]دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره اللّه تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي و النصراني ليس بشرك لوجب‏

409

بمقتضى هذه الآية أن يغفر اللّه تعالى في الجملة، و لما كان ذلك باطلا علمنا أن كفرهما شرك و ثالثها: قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ ثََالِثُ ثَلاََثَةٍ [المائدة: 73]فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة، و الأول باطل، لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه قادرا و من كونه حيا، و إذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك، و لما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة، و لذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، و جوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم و لو لا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية و هذا شرك، و قول بإثبات الآلهة، فكانوا مشركين، و إذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق و رابعها: ما

روي أنه عليه الصلاة و السلام أمر أميرا و قال: إذا لقيت عددا من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، و إن أبوا فادعهم إلى الجزية و عقد الذمة، فإن أجابوك فاقبل منهم و كف عنهم،

سمى من يقبل منه الجزية و عقد الذمة بالمشرك، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك و خامسها: ما احتج به أبو بكر الأصم فقال: كل من جحد رسالته فهو مشرك، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر، و كانوا منكرين صدورها عن اللّه تعالى، بل كانوا يضيفونها إلى الجن و الشياطين، لأنهم كانوا يقولون فيها: إنها سحر و حصلت من الجن و الشياطين، فالقوم قد أثبتوا شريكا للّه سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادرا على خلق هذه الأشياء، و اعترض القاضي فقال: إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى اللّه عليه و سلّم/من الأمور الخارجة عن قدرة البشر، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير اللّه تعالى كان مشركا، أما إذا أنكر ذلك و زعم أن ما ظهر على يد محمد صلى اللّه عليه و سلّم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركا بسبب ذلك إلى غير اللّه تعالى.

و الجواب: أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر أم لا، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن نسب ذلك إلى غير اللّه تعالى كان مشركا، كما أن إنسانا لو قال: إن خلق الجسم و الحياة من جنس مقدور البشر ثم أسند خلق الحيوان و النبات إلى الأفلاك و الكواكب كان مشركا فكذا هاهنا، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي و النصراني يدخلان تحت اسم المشرك، و احتج من أباه بأن اللّه تعالى فصل بين أهل الكتاب و بين المشركين في الذكر، و ذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك، و إنما قلنا إنه تعالى فصل لقوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اَلَّذِينَ هََادُوا وَ اَلصََّابِئِينَ وَ اَلنَّصََارى‏ََ وَ اَلْمَجُوسَ وَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا [الحج: 17]و قال أيضا: مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ [البقرة:

105]و قال: لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ اَلْمُشْرِكِينَ [البينة: 1]ففي هذه الآيات فصل بين القسمين و عطف أحدهما على الآخر، و ذلك يوجب التغاير.

و الجواب: أن هذا مشكل بقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنََا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثََاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ [الأحزاب: 7] و بقوله تعالى: مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِلََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ فإن قالوا إنما خص بالذكر تنبيها على كمال‏

410

الدرجة في ذلك الوصف المذكور، قلنا: فههنا أيضا إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الإسم تنبيها على كمال درجتهم في هذا الكفر، فهذا جملة ما في هذه المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود و النصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين فقال قوم: وقوع هذا الإسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود و النصارى قائلون بالشرك، و قال الجبائي و القاضي هذا الإسم من جملة الأسماء الشرعية، و احتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة و السلام أنه كان يسمى كل من كان كافرا بالمشرك، و من كان في الكفار من لا يثبت إلها أصلا أو كان شاكا في وجوده، أو كان شاكا في وجود الشريك، و قد كان فيهم من كان عند البعثة منكرا للبعث و القيامة، فلا جرم كان منكرا للبعثة و التكليف، و ما كان يعبد شيئا من الأوثان، و الذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا يقولون: إنها شركاء اللّه في الخلق و تدبير العالم، بل كانوا يقولون:

هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد و أنه ليس له في الإلهية معين في خلق العالم و تدبيره و شريك و نظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من الأسماء اللغوية، بل من الأسماء الشرعية، كالصلاة و الزكاة و غيرهما، و إذا كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الإسم، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة/و باللّه التوفيق.

المسألة الرابعة: الذين قالوا: إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا: إن قوله تعالى: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ نهي عن نكاح الوثنية، أما الذين قالوا: إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا: ظاهر قوله تعالى: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلا، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية، و عن ابن عمر و محمد بن الحنفية و الهادي و هو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ [المائدة: 5]و سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شي‏ء قط.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه: من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب؟.

قلنا: هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أولا أحل المحصنات من المؤمنات، و هذا يدخل فيه من آمن منهن بعد الكفر، و من كن على الإيمان من أول الأمر، و لأن قوله: مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ* [البقرة: 101]يفيد حصول هذا الوصف في حالة الإباحة، و مما يدل على جواز ذلك ما روي أن الصحابة كانوا يتزوجون بالكتابيات، و ما ظهر من أحد منهم إنكار على ذلك، فكان هذا إجماعا على الجواز.

نقل أن حذيفة تزوج بيهودية أو نصرانية، فكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه: أ تزعم أنها حرام؟ فقال: لا و لكنني أخاف.

و

عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم: «نتزوج نساء أهل الكتاب و لا يتزوجون نساءنا»

و يدل عليه أيضا الخبر المشهور، و هو ما

روى عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنه عليه الصلاة و السلام قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم و لا آكلي ذبائحهم»

و لو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لكان هذا الاستثناء عبثا، و احتج القائلون بأنه لا يجوز بأمور أولها: أن لفظ المشرك يتناول الكتابية على ما بيناه فقوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ صريح في تحريم نكاح الكتابية، و التخصيص و النسخ خلاف‏

411

الظاهر، فوجب المصير إليه، ثم قالوا: و في الآية ما يدل على تأكيد ما ذكرناه و ذلك لأنه تعالى قال في آخر الآية: أُولََئِكَ يَدْعُونَ إِلَى اَلنََّارِ و الوصف إذا ذكر عقيب الحكم، و كان الوصف مناسبا للحكم فالظاهر أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم فكأنه تعالى قال: حرمت عليكم نكاح المشركات لأنهن يدعون إلى النار و هذه العلة قائمة في الكتابية، فوجب القطع بكونها محرمة.

و الحجة الثانية: لهم: أن ابن عمر سئل عن هذه المسألة فتلا آية التحريم و آية التحليل، و وجه الاستدلال أن الأصل في الأبضاع الحرمة، فلما تعارض دليل الحرمة تساقطا، فوجب بقاء/حكم الأصل، و بهذا الطريق لما سئل عثمان عن الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فقال: أحلتهما آية و حرمتهما آية، فحكمتم عند ذلك بالتحريم للسبب الذي ذكرناه فكذا هاهنا.

الحجة الثالثة: لهم: حكى محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات، و احتج بقوله تعالى: وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمََانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5]و إذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها.

الحجة الرابعة: التمسك بأثر عمر: حكي أن طلحة نكح يهودية، و حذيفة نصرانية، فغضب عمر رضي اللّه عنه عليهما غضبا شديدا، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب، فقال: إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن، و لكن أنتزعهن منكم.

أجاب الأولون عن الحجة الأولى بأن من قال: اليهودي و النصراني لا يدخل تحت اسم المشرك فالإشكال عنه ساقط، و من سلم ذلك قال: إن قوله تعالى: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ [المائدة: 5]أخص من هذه الآية، فإن صحت الرواية أن هذه الحرمة ثبتت ثم زالت جعلنا قوله: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ ناسخا، و إن لم تثبت جعلناه مخصصا، أقصى ما في الباب أن النسخ و التخصيص خلاف الأصل، إلا أنه لما كان لا سبيل إلا التوفيق بين الآيتين إلا بهذا الطريق وجب المصير إليه، أما قوله ثانيا أن تحريم نكاح الوثنية إنما كان لأنها تدعو إلى النار، و هذا المعنى قائم في الكتابية، قلنا: الفرق بينهما أن المشركة متظاهرة بالمخالفة و المناصبة، فلعل الزوج يحبها، ثم إنها تحمله على المقاتلة مع المسلمين، و هذا المعنى غير موجود في الذمية، لأنها مقهورة راضية بالذلة و المسكنة، فلا يفضي حصول ذلك النكاح إلى المقاتلة، أما قوله ثالثا إن آية التحريم و التحليل قد تعارضتا، فنقول: لكن آية التحليل خاصة و متأخرة بالإجماع، فوجب أن تكون متقدمة على آية التحريم و هذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين، لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه و أعم من وجه آخر، فلم يحصل سبب الترجيح فيه.

أما قوله هاهنا: وَ اَلْمُحْصَنََاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ [المائدة: 5]أخص من قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ حَتََّى يُؤْمِنَّ مطلقا، فوجب حصول الترجيح.

و أما التمسك بقوله تعالى: فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [المائدة: 5].

فجوابه: أنا لما فرقنا بين الكتابية و بين المرتدة في أحكام كثيرة، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضا في هذا الحكم؟.

412

و أما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال: ليس بحرام، و إذا حصل التعارض سقط الاستدلال و اللّه أعلم.

المسألة الخامسة: اتفق الكل على أن المراد من قوله: حَتََّى يُؤْمِنَّ الإقرار بالشهادة و التزام/أحكام الإسلام، و عند هذا احتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار و قالوا إن اللّه تعالى جعل الإيمان هاهنا غاية التحريم و الذي هو غاية التحريم هاهنا الإقرار، فثبت أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار، و احتج أصحابنا على فساد هذا المذهب بوجوه: أحدها: أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله:

اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3]أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب و ثانيها: قوله تعالى: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8]و لو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار لكان قوله تعالى: مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ كذبا و ثالثها: قوله: قََالَتِ اَلْأَعْرََابُ آمَنََّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات: 14]و لو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار لكان قوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا كذبا، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن التصديق الذي في القلب لا يمكن الإطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام التصديق بالقلب.

المسألة السادسة: نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من تزويج المشركات قال القاضي: كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على نكاح المشركات إن كان على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية بأنها ناسخة، لأنه ثبت في أصول الفقه أن الناسخ و المنسوخ يجب أن يكون حكمين شرعيين، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل نزول هذه الآية ثابتا من قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة.

أما قوله تعالى: وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو مسلم: اللام في قوله: وَ لَأَمَةٌ في إفادة التوكيد تشبه لام القسم.

المسألة الثانية: الخير هو النفع الحسن: و المعنى: أن الشركة لو كانت ثابتة في المال و الجمال و النسب، فالأمة المؤمنة خير منها لأن الإيمان متعلق بالدين و المال و الجمال و النسب متعلق بالدنيا و الدين خير من الدنيا و لأن الدين أشرف الأشياء عند كل أحد فعند التوافق في الدين تكمل المحبة فتكمل منافع الدنيا من الصحة و الطاعة و حفظ الأموال و الأولاد و عند الاختلاف في الدين لا تحصل المحبة، فلا يحصل شي‏ء من منافع الدنيا من تلك المرأة، و قال بعضهم المراد و لأمة مؤمنة خير من حرة مشركة، و اعلم أنه لا حاجة إلى هذا التقدير لوجهين أحدهما: أن اللفظ مطلق و الثاني: أن قوله: وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ يدل على صفة الحرية، لأن التقدير: و لو أعجبتكم بحسنها أو مالها أو حريتها أو نسبها، فكل ذلك داخل تحت قوله: وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ .

المسألة الثالثة: قال الجبائي: إن الآية دالة على أن القادر على طول الحرة يجوز له التزوج بالأمة على ما هو مذهب أبي حنيفة، و ذلك لأن الآية دلت على أن الواجد لطول الحرة المشركة يجوز له التزوج بالأمة لكن الواجد لطول الحرة المشركة يكون لا محالة واجدا لطول الحرة المسلمة لأن سبب التفاوت في الكفر و الإيمان لا يتفاوت بقدر المال المحتاج إليه في أهبة النكاح، /فيلزم قطعا أن يكون الواجد لطول الحرة المسلمة يجوز له نكاح الأمة، و هذا استدلال لطيف في هذه المسألة.

المسألة الرابعة: في الآية إشكال و هو أن قوله: وَ لاََ تَنْكِحُوا اَلْمُشْرِكََاتِ يقتضي حرمة نكاح المشركة،

413

ثم قوله: وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ يقتضي جواز التزوج بالمشركة لأن لفظة أفعل تقتضي المشاركة في الصفة و لأحدهما مزية.

قلنا: نكاح المشركة مشتمل على منافع الدنيا، و نكاح المؤمنة مشتمل على منافع الآخرة، و النفعان يشتركان في أصل كونهما نفعا، إلا أن نفعا، إلا أن نفع الآخرة له المزية العظمى، فاندفع السؤال و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ لاََ تُنْكِحُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَتََّى يُؤْمِنُوا فلا خلاف هاهنا أن المراد به الكل و أن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر ألبتة على اختلاف أنواع الكفرة.

و قوله: وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ فالكلام فيه على نحو ما تقدم.

أما قوله: أُولََئِكَ يَدْعُونَ إِلَى اَلنََّارِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: هذه الآية نظير قوله: مََا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلنَّجََاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى اَلنََّارِ [غافر: 41].

فإن قيل: فكيف يدعون إلى النار و ربما لم يؤمنوا بالنار أصلا، فكيف يدعون إليها.

و جوابه: أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها: أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة و المحبة و المودة، و كل ذلك يوجب الموافقة في المطالب و الأغراض، و ربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه.

فإن قيل: احتمال المحبة حاصل من الجانبين، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافرا بسبب الألفة و المحبة، يحتمل أيضا أن يصير الكافر مسلما بسبب الألفة و المحبة، و إذا تعارض الاحتمالان وجب أن يتساقطا، فيبقى أصل الجواز.

قلنا: إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب و درجة، و بتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة، و الإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع، و بين أن يلحقه ضرر عظيم، و في مثل هذه الصورة يجب الاحتراز عن الضرر، فلهذا السبب رجح اللّه تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق.

التأويل الثاني: أن في الناس من حمل قوله: أُولََئِكَ يَدْعُونَ إِلَى اَلنََّارِ أنهم يدعون إلى ترك المحاربة و القتال، و في تركهما وجوب استحقاق النار و العذاب و غرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقا بين الذمية و بين غيرها، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق.

التأويل الثالث: أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل/النار، فهذا هو الدعوة إلى النار وَ اَللََّهُ يَدْعُوا إِلَى اَلْجَنَّةِ حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلما من أهل الجنة.

أما قوله تعالى: وَ اَللََّهُ يَدْعُوا إِلَى اَلْجَنَّةِ وَ اَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ففيه قولان:

القول الأول: أن المعنى و أولياء اللّه يدعون إلى الجنة، فكأنه قيل: أعداء اللّه يدعون إلى النار و أولياء اللّه يدعون إلى الجنة و المغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء اللّه تعالى، و أن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة و المغفرة و الثاني: أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام و أباح بعضها

414

و حرم بعضها، قال: وَ اَللََّهُ يَدْعُوا إِلَى اَلْجَنَّةِ وَ اَلْمَغْفِرَةِ لأن من تمسك بها استحق الجنة و المغفرة.

أما قوله: بِإِذْنِهِ فالمعنى بتيسير اللّه و توفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة و المغفرة، و نظيره قوله:

وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ [يونس: 100]و قوله: وَ مََا كََانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ [آل عمران: 145]و قوله: وَ مََا هُمْ بِضََارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاََّ بِإِذْنِ اَللََّهِ [البقرة: 102]و قرأ الحسن وَ اَلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ بالرفع أي و المغفرة حاصلة بتيسيره.

أما قوله تعالى: وَ يُبَيِّنُ آيََاتِهِ لِلنََّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فمعناه ظاهر.

الحكم السابع في المحيض‏

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو، و ذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، و السبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، /و سألوا عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد، فجي‏ء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر و الميسر، و السؤال عن كذا، و السؤال عن كذا.

المسألة الثانية:

روي أن اليهود و المجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، و النصارى كانوا يجامعونهن، و لا يبالون بالحيض، و أن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، و لم يشاربوها، و لم يجالسوها على فرش و لم يساكنوها في بيت كفعل اليهود و المجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب: يا رسول اللّه البرد شديد، و الثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، و إن استأثرناها هلكت الحيض، فقال عليه الصلاة و السلام: إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، و لم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم، فلما سمع اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه، ثم جاء عباد بن بشير، و أسيد بن حضير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم، فأخبراه بذلك و قالا: يا رسول اللّه أفلا ننكحهن في المحيض؟فتغير وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم حتى ظننا أنه غضب عليها فقاما، فجاءته هدية من لبن، فأرسل النبي صلى اللّه عليه و سلّم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما.

المسألة الثالثة: أصل الحيض في اللغة السيل يقال: حاض السيل و فاض، قال الأزهري: و منه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه، و العرب تدخل الواو على الياء و الياء على الواو لأنهما من جنس واحد.