التفسير الكبير - ج7

- الفخر الرازي‏ المزيد...
181 /
5

الجزء السابع‏

تتمة سورة البقرة

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أن من عادته سبحانه و تعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها بالبعض، أعني علم التوحيد، و علم الأحكام، و علم القصص، و المقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، و إما المبالغة في إلزام الأحكام و التكاليف، و هذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر و يفرح به القلب، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر و انتقل من بستان إلى بستان آخر، و انتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر، و لا شك أنه يكون ألذ و أشهى، و لما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام و من علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد، فقال: اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في فضائل هذه الآية

روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: / «ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوماً و لا يدخلها ساحر و لا ساحرة أربعين ليلة»

و

عن علي أنه قال: سمعت نبيّكم على أعواد المنبر و هو يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، و لا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، و من قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه اللّه على نفسه و جاره و جار جاره و الأبيات التي حوله»

و

تذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «يا علي سيد البشر آدم، و سيد العرب محمد و لا فخر، و سيد الكلام القرآن، و سيد القرآن البقرة، و سيد البقرة آية الكرسي»

و

عن علي أنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنظر ماذا يصنع، قال فجئت و هو ساجد يقول: يا حي يا قيوم، لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت و هو يقول ذلك، فلا أزال أذهب و أرجع و أنظر إليه، و كان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح اللّه له.

و اعلم أن الذكر و العلم يتبعان المذكور و المعلوم فكلما كان المذكور و المعلوم أشرف كان الذكر و العلم أشرف، و أشرف المذكورات و المعلومات هو اللّه سبحانه بل هو متعال عن أن يقال: إنه أشرف من غيره، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة و مشاكلة، و هو مقدس عن مجانسة ما سواه، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله و صفات كبريائه، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال و الشرف، و لما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات و أبلغ النهايات.

المسألة الثانية: اعلم أن تفسير لفظة اَللََّهُ قد تقدم في أول الكتاب و تفسير قوله لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ قد تقدم‏

6

في قوله‏ وَ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ [البقرة: 163]بقي هاهنا أن نتكلم في تفسير قوله: اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ و عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه كان يقول: أعظم أسماء اللّه اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ و ما

روينا أنه صلوات اللّه و سلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر

يدل على عظمة هذا الاسم و البراهين العقلية دالة على صحته و تقريره، و من اللّه التوفيق: أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسرها ممكنة، و إما أن تكون بأسرها واجبة و إما أن تكون بعضها ممكنة و بعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسرها ممكنة، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه و كل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن و المفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان، فهذا المجموع ممكن بذاته و كل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعاً و بحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له و كل و ما كان مغايرا لكل الممكنات لم يكن ممكناً فقد وجد موجود ليس بممكن، فبطل القول بأن كل موجود ممكن و أما القسم الثاني و هو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضاً باطل. لأنه لو حصل/وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات و متغايرين بالنفي، و ما به المشاركة مغاير لما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركباً في الوجوب الذي به المشاركة، و من الغير الذي به الممايزة، و كل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه و جزء غيره، و كل مركب فهو مفتقر إلى غيره، و كل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شي‏ء منها واجب الوجود و ذلك محال، و لما بطل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته و أن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته، و لما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته و بذاته، و مستغن في وجوده عن كل ما سواه، و أما كل ما سواه فمفتقر في وجوده و ماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته، فالواجب لذاته قائم بذاته و سبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته و في وجوده، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات، فالقيوم هو المتقوم بذاته، المقوم لكل ما عداه في ماهيته و وجوده، و لما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثراً على سبيل العلية و الإيجاب و إما أن يكون مؤثراً على سبيل الفعل و الاختيار: لا جرم أزال وهم كونه مؤثراً بالعلية و الإيجاب بقوله اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ فإن الحي هو الدراك الفعال، فبقوله اَلْحَيُّ دل على كونه عالماً قادراً، و بقوله اَلْقَيُّومُ دل على كونه قائماً بذاته و مقوماً لكل ما عداه، و من هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد.

فأولها: أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، و برهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه و جزؤه غيره، و كل مركب فهو متقوم بغيره، و المتقوم بغيره لا يكون متقوماً بذاته، فلا يكون قيوماً، و قد بينا بالبرهان أنه قيوم و إذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد، فهذا الأصل له لازمان أحدها: أن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب و تباينا في التعين، و ما به المشاركة غير ما به المباينة، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركباً من جز أين، و قد بينا بيان أنه محال.

اللازم الثاني: أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزاً، لأن كل متحيز فهو

7

منقسم، و قد ثبت أن التركيب عليه ممتنع، و إذا ثبت أنه ليس بمتحيز امتنع كونه في الجهة، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسيّة، و إذا ثبت أنه ليس بمتحيز و ليس في الجهة، امتنع أن يكون له أعضاء و حركة و سكون.

و ثانيها: أنه لما كان قيوما كان قائماً بذاته، و كونه قائماً بذاته يستلزم أمور:

اللازم الأول: أن لا يكون عرضا في موضوع، و لا صورة في مادة، و لا حالا في محل أصلا لأن الحال مفتقر إلى المحل و المفتقر إلى الغير لا يكون قيوما بذاته.

و اللازم الثاني: قال بعض العلماء: لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، فإذا كان قيوماً بمعنى كونه قائماً بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضرة عند ذاته، و إذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته، و كل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره، و لأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوماً لغيره، و ذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لا بدّ و أن يكون له شعور بفعله و إن كان بالإيجاب لزم أيضاً كونه عالماً بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه، و قد دللنا على أنه يلزم من كونه قائماً بالنفس لذاته كونه عالماً بذاته، و العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيوماً كونه عالما بجميع المعلومات.

و ثالثها: لما كان قيوماً لكل ما سواه كان كل ما سواه محدثاً، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل محال فهو إما حال عدمه و إما حال حدوثه و على التقديرين وجب أن يكون الكل محدثاً.

و رابعها: أنه لما كان قيوماً لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما بواسطة أو بغير واسطة، و على التقديرين كان القول بالقضاء و القدر حقاً، و هذا مما قد فصلناه و أوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك التوفيق و تأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشي‏ء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلهي إلا بواسطة كونه تعالى حياً قيوما فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا، و أما سائر الآيات الإلهية، كقوله‏ وَ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وََاحِدٌ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ [البقرة: 163]و قوله‏ شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ [آل عمران: 18]ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد و الند، و أما قوله‏ قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ [الصمد: 1] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد و الند، و بمعنى أن حقيقته غير مركبة من الأجزاء، و أما قوله‏ إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ* [الأعراف: 54]ففيه بيان صفة الربوبية و ليس فيه بيان وحدة الحقيقة، أما قوله اَلْحَيُّ اَلْقَيُّومُ فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوماً يقتضي أن يكون قائماً بذاته، و أن يكون مقوماً لغيره و كونه قائماً بذاته يقتضي الوحدة بمعنى نفي الكثرة في حقيقته، و ذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد و الند و يقتضي نفي التحيز و بواسطته يقتضي نفي الجهة، و أيضاً كونه قيوماً بمعنى كونه مقوما لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسماً كان أو روحاً عقلاً كان أو نفساً، و يقتضي استناد الكل إليه و انتهاء جملة الأسباب و المسببات إليه، و ذلك يوجب القول بالقضاء و القدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى و استوجب أن يكون هو الاسم الأعظم من أسماء اللّه تعالى.

8

ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ و المعنى: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات، و قيوم الممكنات، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم، فقوله لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائماً، و هو كما يقال لمن ضيع و أهمل: إنك لو سنان نائم، ثم إنه تعالى لما بيّن كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته، مقوماً لغيره، رتب عليه حكماً و هو قوله لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته، و إنما يحصل وجوده بتقويمه و تكوينه و تخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكاً له و ملكاً له، و هو المراد من قوله لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ ثم لما ثبت أنه هو الملك و المالك لكل ما سواه، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شي‏ء من الأشياء حكم إلا بإذنه و أمره، و هو المراد بقوله مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ ثم لما بيّن أنه يلزم من كونه مالكاً للكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه، بيّن أيضاً أنه يلزم من كونه عالما بالكل و كون غيره غير عالم بالكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من الوجوه إلا بإذنه، و هو قوله يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ و هو إشارة إلى كونه سبحانه عالماً بالكل، ثم قال: وَ لاََ يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ و هو إشارة إلى كون غيره غير عالم بجميع المعلومات، ثم إنه لما بيّن كمال ملكه و حكمه في السموات و في الأرض، بيّن أن ملكه فيما وراء السماوات و الأرض أعظم و أجل، و أن ذلك مما لا تصل إليه أوهام المتوهمين و ينقطع دون الارتقاء إلى أدنى درجة من درجاتها المتخيلين، فقال: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ ثم بيّن أن نفاذ حكمه و ملكه في الكل على نعت واحد، و صورة واحدة، فقال: وَ لاََ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمََا ثم لما بين كونه قيوماً بمعنى كونه مقوماً للمحدثات و الممكنات و المخلوقات، بيّن كونه قيوماً بمعنى قائماً بنفسه و ذاته، منزّها عن الاحتياج إلى غيره في أمر من الأمور، فتعالى عن أن يكون متحيزاً حتى يحتاج إلى مكان، أو متغيراً حتى يحتاج إلى زمان، فقال: وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ فالمراد منه العلو و العظمة، بمعنى أنه لا يحتاج إلى غيره في أمر من الأمور، و لا ينسب غيره في صفة من الصفات و لا في نعت من النعوت، فقال: وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ إشارة إلى ما بدأ به في الآية من كونه قيوماً بمعنى كونه قائماً بذاته مقوماً لغيره، و من أحاط عقله بما ذكرنا علم أنه ليس عند العقول البشرية من الأمور الإلهية كلام أكمل، و لا برهان أوضح مما اشتملت عليه هذه الآيات.

و إذا عرفت هذه الأسرار، فلنرجع إلى ظاهر التفسير.

أما قوله اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: اَللََّهُ رفع بالابتداء، و ما بعده خبره.

المسألة الثانية: قال بعضهم: الإله هو المعبود، و هو خطأ لوجهين الأول: أنه تعالى كان إلهاً في الأزل، و ما كان معبوداً و الثاني: أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله‏ إِنَّكُمْ وَ مََا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [الأنبياء:

98]بل الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة.

أما قوله اَلْحَيُّ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الحي أصله حيي كقوله: حذر و طمع فأدغمت الياء في الياء عند اجتماعهما، و قال ابن الأنباري: أصله الحيو، فلما اجتمعت الياء و الواو ثم كان السابق ساكناً فجعلنا ياء مشددة.

9

المسألة الثانية: قال المتكلمون الحي كل ذات يصح أن يعلم و يقدر، و اختلفوا في أن هذا المفهوم صفة موجودة أم لا، فقال بعضهم: إنه عبارة عن كون الشي‏ء بحيث لا يمتنع أنه يعلم و يقدر، و عدم الامتناع لا يكون صفة موجودة، و قال المحققون: و لما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع، و قد ثبت أن الامتناع أمر عدمي، إذ لو كان وصفاً موجودا لكان الموصوف به موجوداً، فيكون ممتنع الوجود موجوداً و هو محال، و ثبت أن الامتناع عدم، و ثبت أن الحياة عدم هذا الامتناع، و ثبت أن عدم العدم وجود، لزم أن يكون المفهوم من الحياة صفة موجودة و هو المطلوب.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: لما كان معنى الحي هو أنه الذي يصح أن يعلم و يقدر، و هذا القدر حاصل لجميع الحيوانات، فكيف يحسن أن يمدح اللّه نفسه بصفة يشاركه فيها أخس الحيوانات.

و الذي عندي في هذا الباب أن الحي في أصل اللغة ليس عبارة عن هذه الصحة، بل كل شي‏ء كان كاملا في جنسه، فإنه يسمى حيا، أ لا ترى أن عمارة الأرض الخربة تسمى: إحياء الموات، و قال تعالى: فَانْظُرْ إِلى‏ََ آثََارِ رَحْمَتِ اَللََّهِ كَيْفَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهََا [الروم: 50]و قال: إِلى‏ََ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ [فاطر:

9]و الصفة المسماة في عرف المتكلمين، إنما سميت بالحياة لأن كمال حال الجسم أن يكون موصوفاً بتلك الصفة فلا جرم سميت تلك الصفة حياة و كمال حال الأشجار أن لا تكون مورقة خضرة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة و كمال الأرض أن تكون معمورة فلا جرم سميت هذه الحالة حياة فثبت أن المفهوم الأصلي من لفظ الحي كونه واقعاً على أكمل أحواله و صفاته، و إذا كان كذلك فقد زال الإشكال لأن المفهوم من الحي هو الكامل، و لما لم يكن ذلك مقيداً بأنه كامل في هذا دون ذاك دل على أنه كامل على الإطلاق، فقوله الحي يفيد كونه كاملاً على الإطلاق، و الكامل هو أن لا يكون قابلا للعدم، لا في ذاته و لا في صفاته الحقيقة و لا في صفاته النسبية و الإضافية، ثم عند هذا إن خصصنا القيوم بكونه سبباً لتقويم غيره فقد زال الإشكال، لأن كونه سبباً لتقويم غيره يدل على كونه متقوماً بذاته، و كونه قيوماً يدل على كونه مقوماً لغيره، و إن جعلنا القيوم اسماً يدل على كونه/يتناول المتقوم بذاته و المقوم لغيره كان لفظ القيوم مفيداً فائدة لفظ الحي مع زيادة، فهذا ما عندي في هذا الباب و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: اَلْقَيُّومُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: القيوم في اللغة مبالغة في القائم، فلما اجتمعت الياء و الواو ثم كان السابق ساكناً جعلتا ياء مشددة، و لا يجوز أن يكون على فعول، لأنه لو كان كذا لكان قووما، و فيه ثلاث لغات: قيوم، و قيام و قيم، و يروى عن عمر رضي اللّه عنه أنه قرأ: الحي القيام و من الناس من قال هذه اللفظة عبرية لا عربية، لأنهم يقولون: حياً قيوما، و ليس الأمر كذلك، لأنا بينا أن له وجهاً صحيحاً في اللغة، و مثله ما في الدار ديار و ديور، و دير، و هو من الدوران، أي ما بها خلق يدور، يعني: يجي‏ء و يذهب، و قال أمية بن أبي الصلت:

قدرها المهيمن القيوم‏

المسألة الثانية: اختلفت عبارات المفسرين في هذا الباب، فقال مجاهد: القيوم القائم على كل شي‏ء، و تأويله أنه قائم بتدبير أمر الخلق في إيجادهم، و في أرزاقهم، و نظيره من الآيات قوله تعالى: أَ فَمَنْ هُوَ قََائِمٌ‏

10

عَلى‏ََ كُلِّ نَفْسٍ بِمََا كَسَبَتْ [الرعد: 33]و قال: شَهِدَ اَللََّهُ أَنَّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ [آل عمران: 18]إلى قوله‏ قََائِماً بِالْقِسْطِ و قال: إِنَّ اَللََّهَ يُمْسِكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ أَنْ تَزُولاََ وَ لَئِنْ زََالَتََا إِنْ أَمْسَكَهُمََا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:

41]و هذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوماً لغيره، و قال الضحاك: القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير، و أقول: هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائما بنفسه في ذاته و في وجوده، و قال بعضهم: القيوم الذي لا ينام بالسريانية، و هذا القول بعيد، لأنه يصير قوله لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ .

أما قوله تعالى: لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاََ نَوْمٌ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: السنة ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس.

فإن قيل: إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قال: لاََ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، و كان ذكر النوم تكريراً.

قلنا: تقدير الآية: لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم.

المسألة الثانية: الدليل العقلي دل على أن النوم و السهو و الغفلة محالات على اللّه تعالى، لأن هذه الأشياء، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم، أو عن أضداد العلم، و على التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم اللّه تعالى، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً، و يصح أن لا يكون عالماً، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل، و الكلام فيه كما في الأول و التسلسل محال فلا بد و أن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال، /و إذا كان كذلك كان النوم و الغفلة و السهو عليه محالا.

المسألة الثالثة:

يروى عن الرسول صلى اللّه عليه و سلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه: هل ينام اللّه تعالى أم لا، فأرسل اللّه إليه ملكاً فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة، و أمره بالاحتفاظ بهما، و كان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، فضرب اللّه تعالى ذلك مثلاً له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات و الأرض.

و اعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام، فإن من جوز النوم على اللّه أو كان شاكاً في جوازه كان كافراً، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى، بل إن صحت الرواية، . فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه.

أما قوله تعالى: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق و الملك، و تقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحداً كان ما عداه ممكن الوجود لذاته و كل ممكن فله مؤثر، و كل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك و الإيجاد.

فإن قيل: لم قال: لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ و لم يقل: له من في السموات؟.

قلنا: لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية، و كان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ مََا و أيضاً فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة، و هي من حيث إنها

11

مخلوقة غير عاقلة، فعبّر عنها بلفظ مََا للتنبيه على أن المراد من هذه الإضافة إليه الإضافة من هذه الجهة.

و اعلم أن الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، قالوا: لأن قوله لَهُ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ مََا فِي اَلْأَرْضِ يتناول كل ما في السموات و الأرض، و أفعال العباد من جملة ما في السموات و الأرض، فوجب أن تكون منتسبة إلى اللّه تعالى انتساب الملك و الخلق، و كما أن اللفظ يدل على هذا المعنى فالعقل يؤكده، و ذلك لأن كل ما سواه فهو ممكن لذاته، و الممكن لذاته لا يترجح إلا بتأثير واجب الوجود لذاته، و إلا لزم ترجح الممكن من غير مرجح و هو محال.

أما قوله تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاََّ بِإِذْنِهِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قوله مَنْ ذَا اَلَّذِي استفهام معناه الإنكار و النفي، أي لا يشفع عنده أحد إلا بأمره و ذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم و قد أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم يقولون‏ مََا نَعْبُدُهُمْ إِلاََّ لِيُقَرِّبُونََا إِلَى اَللََّهِ زُلْفى‏ََ [الزمر: 3]و قولهم‏ هََؤُلاََءِ شُفَعََاؤُنََا عِنْدَ اَللََّهِ [يونس: 18]ثم بيّن تعالى/أنهم لا يجدون هذا المطلوب. فقال: وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مََا لاََ يَضُرُّهُمْ وَ لاََ يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18]فأخبر اللّه تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه اللّه تعالى بقوله إِلاََّ بِإِذْنِهِ و نظيره قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً [النبأ: 38].

المسألة الثانية: قال القفال: إنه تعالى لا يأذن في الشفاعة لغير المطيعين، إذ كان لا يجوز في حكمته التسوية بين أهل الطاعة و أهل المعصية، و طول في تقريره.

و أقول: إن هذا القفال عظيم الرغبة في الاعتزال حسن الاعتقاد في كلماتهم، و مع ذلك فقد كان قليل الإحاطة بأصولهم، و ذلك لأن من مذهب البصريين منهم أن العفو عن صاحب الكبيرة حسن في العقول، إلا أن السمع دل على أن ذلك لا يقع، و إذا كان كذلك كان الاستدلال العقلي على المنع من الشفاعة في حق العصاة خطأ على قولهم، بل على مذهب الكعبي أن العفو عن المعاصي قبيح عقلاً، فإن كان القفال على مذهب الكعبي، فحينئذ يستقيم هذا الاستدلال، إلا أن الجواب عنه يرد ذلك من وجوه الأول: أن العقاب حق اللّه تعالى و للمستحق أن يسقط حق نفسه، بخلاف الثواب فإنه حق العبد فلا يكون للّه تعالى أن يسقطه، و هذا الفرق ذكره البصريون في الجواب عن شبهة الكعبي و الثاني: أن قوله: لا يجوز التسوية بين المطيع و العاصي إن أراد به أنه لا يجوز التسوية بينهما في أمر من الأمور فهو جهل، لأنه تعالى قد سوى بينهما في الخلق و الحياة و الرزق و إطعام الطيبات، و التمكين من المرادات و إن كان المراد أنه لا يجوز التسوية بينهما في كل الأمور فنحن نقول بموجبه، فكيف لا يقول ذلك و المطيع لا يكون له جزع، و لا يكون خائفاً من العقاب، و المذنب يكون في غاية الخوف و ربما يدخل النار و يتألم مدة، ثم يخلصه اللّه تعالى عن ذلك العذاب بشفاعة الرسول صلى اللّه عليه و سلم.

و اعلم أن القفال رحمه اللّه كان حسن الكلام في التفسير دقيق النظر في تأويلات الألفاظ إلا أنه كان عظيم المبالغة في تقرير مذهب المعتزلة مع أنه كان قليل الحظ من علم الكلام قليل النصيب من معرفة كلام المعتزلة.

أما قوله تعالى: يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف» : الضمير لما في السموات و الأرض، لأن فيهم العقلاء، أو لما

12

دل عليه مَنْ ذَا من الملائكة و الأنبياء.

المسألة الثانية: في الآية وجوه أحدها: قال مجاهد، و عطاء، و السدي مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما كان قبلهم من أمور الدنيا وَ مََا خَلْفَهُمْ ما يكون بعدهم من أمر الآخرة و الثاني: قال الضحاك و الكلبي يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها وَ مََا خَلْفَهُمْ الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم و الثالث: قال عطاء عن ابن عباس يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من السماء إلى الأرض وَ مََا خَلْفَهُمْ يريد ما في السماوات و الرابع: يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ بعد انقضاء آجالهم وَ مََا خَلْفَهُمْ أي ما كان من قبل أن يخلقهم و الخامس: ما فعلوا من خير و شر و ما يفعلونه بعد ذلك.

و اعلم أن المقصود من هذا الكلام: أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع و المشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب و الثواب، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية، و الشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند اللّه تعالى، و لا يعلمون أن اللّه تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة و أنهم يستحقون المقت و الزجر على ذلك، و هذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكون هم الملائكة، و سائر من يشفع يوم القيامة من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين.

أما قوله وَ لاََ يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: المراد بالعلم هاهنا كما يقال: اللّهم اغفر لنا علمك فينا، أي معلومك و إذا ظهرت آية عظيمة، قيل: هذه قدرة اللّه، أي مقدوره و المعنى: أن أحدا لا يحيط بمعلومات اللّه تعالى.

المسألة الثانية: احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم للّه تعالى و هو ضعيف لوجوه أحدها: أن كلمة (من) للتبعيض، و هي داخلة هاهنا على العلم. فلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة اللّه تعالى و هو محال و الثاني: أن قوله بِمََا شََاءَ لا يأتي في العلم إنما يأتي في المعلوم و الثالث: أن الكلام إنما وقع هاهنا في المعلومات، و المراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات، و الخلق لا يعلمون كل المعلومات، بل لا يعلمون منها إلا القليل.

المسألة الثالثة: قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا، أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به، و ذلك لأنه علم بأول الشي‏ء و آخره بتمامه صار العلم كالمحيط به.

أما قوله إِلاََّ بِمََا شََاءَ ففيه قولان أحدها: أنهم لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا لاََ عِلْمَ لَنََا إِلاََّ مََا عَلَّمْتَنََا و الثاني: أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند إطلاع اللّه بعض أنبيائه على بعض الغيب، كما قال: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلى‏ََ غَيْبِهِ أَحَداً`إِلاََّ مَنِ اِرْتَضى‏ََ مِنْ رَسُولٍ .

أما قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فاعلم أنه يقال: وسع فلانا الشي‏ء يسعه سعة إذا احتمله و أطاقه و أمكنه القيام به، و لا يسعك هذا، أي لا تطبقه و لا تحتمله و منه‏

قوله عليه السلام: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أتباعي»

أي لا يحتمل غير ذلك و أما الكرسي فأصله في اللغة من تركب الشي‏ء بعضه على‏

13

بعض، و الكرس أبوال الدواب و أبعارها يتلبد بعضها فوق/بعض، و أكرست الدار إذا كثرت فيها الأبعار و الأبوال و تلبد بعضها على بعض، و تكارس الشي‏ء إذا تركب، و منه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض و الكرسي هو هذا الشي‏ء المعروف لتركب خشباته بعضها فوق بعض.

و اختلف المفسرون على أربعة أقوال الأول: أنه جسم عظيم يسع السموات و الأرض، ثم اختلفوا فيه فقال الحسن الكرسي هو نفس العرش، لأن السرير قد يوصف بأنه عرش، و بأنه كرسي، لكون كل واحد منهما بحيث يصح التمكن عليه، و قال بعضهم: بل الكرسي غير العرش، ثم اختلفوا فمنهم من قال: إنه دون العرش و فوق السماء السابعة، و قال آخرون إنه تحت الأرض و هو منقول عن السدي.

و اعلم أن لفظ الكرسي ورد في الآية و جاء

في الأخبار الصحيحة أنه جسم عظيم تحت العرش و فوق السماء السابعة

و لا امتناع في القول به فوجب القول باتباعه، و أما ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال: موضع القدمين، و من البعيد أن يقول ابن عباس: هو موضع قدمي اللّه تعالى و تقدس عن الجوارح و الأعضاء، و قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على نفي الجسمية في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فوجب رد هذه الرواية أو حملها على أن المراد أن الكرسي موضع قدمي الروح الأعظم أو ملك آخر عظيم القدر عند اللّه تعالى.

القول الثاني: أن المراد من الكرسي السلطان و القدرة و الملك، ثم تارة يقال: الإلهية لا تحصل إلا بالقدرة و الخلق و الإيجاد، و العرب يسمون أصل كل شي‏ء الكرسي و تارة يسمى الملك بالكرسي، لأن الملك يجلس على الكرسي، فيسمى الملك باسم مكان الملك.

القول الثالث: أن الكرسي هو العلم، لأن العلم موضع العالم، و هو الكرسي فسميت صفة الشي‏ء باسم مكان ذلك الشي‏ء على سبيل المجاز لأن العلم هو الأمر المعتمد عليه، و الكرسي هو الشي‏ء الذي يعتمد عليه، و منه يقال للعلماء: كراسي، لأنهم الذين يعتمد عليهم كما يقال لهم: أوتاد الأرض.

و القول الرابع: ما اختاره القفال، و هو أن المقصود من هذا الكلام تصوير عظمة اللّه و كبريائه، و تقريره أنه تعالى خاطب الخلق في تعريف ذاته و صفاته بما اعتادوه في ملوكهم و عظمائهم من ذلك أنه جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم و أمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم و ذكر في الحجر الأسود أنه يمين اللّه في أرضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس أيدي ملوكهم، و كذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة و النبيّين و الشهداء و وضع الموازين، فعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا، فقال‏ اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ [طه: 5]ثم وصف عرشه فقال‏ وَ كََانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْمََاءِ [هود: 7]ثم قال: وَ تَرَى اَلْمَلاََئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ اَلْعَرْشِ/يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزمر: 75]و قال: وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمََانِيَةٌ [الحاقة: 17]و قال: اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ [غافر: 7]ثم أثبت لنفسه كرسيا فقال: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ .

إذا عرفت هذا فنقول: كل ما جاء من الألفاظ الموهمة للتشبيه في العرش و الكرسي، فقد ورد مثلها بل أقوى منها في الكعبة و الطواف و تقبيل الحجر، و لما توافقنا هاهنا على أن المقصود تعريف عظمة اللّه و كبريائه مع‏

14

القطع بأنه منزّه عن الكعبة، فكذا الكلام في العرش و الكرسي، و هذا جواب مبين إلا أن المعتمد هو الأول، لأن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ لاََ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمََا فاعلم أنه يقال: آده يؤده: إذا أثقله و أجهده، و أدت العود أودا، و ذلك إذا اعتمدت عليه بالثقل حتى أملته، و المعنى: لا يثقله و لا يشق عليه حفظهما أي حفظ السموات و الأرض.

ثم قال: وَ هُوَ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ و اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد منه العلو بالجهة، و قد دللنا على ذلك بوجوه كثيرة، و نزيد هاهنا وجهين آخرين الأول: أنه لو كان علوه بسبب المكان، لكان لا يخلو إما أن يكون متناهيا في جهة فوق، أو غير متناه في تلك الجهة، و الأول باطل لأنه إذا كان متناهيا في جهة فوق، كان الجزء المفروض فوقه أعلى منه، فلا يكون هو أعلى من كل ما عداه، بل يكون غيره أعلى منه، و إن كان غير متناه فهذا محال، لأن القول بإثبات بعد لا نهاية له باطل بالبراهين اليقينية، و أيضا فإنا إذا قدرنا بعدا لا نهاية له، لافترض في ذلك البعد نقط غير متناهية، فلا يخلو إما أن يحصل في تلك النقط نقطة واحدة لا يفترض فوقها نقطة أخرى، و إما أن لا يحصل، فإن كان الأول كانت النقطة طرفا لذلك البعد، فيكون ذلك البعد متناهيا، و قد فرضناه غير متناه هذا خلف، و إن لم يوجد فيها نقطة إلا و فوقها نقطة أخرى كان كل واحدة من تلك النقط المفترضة في ذلك البعد سفلا، و لا يكون فيها ما يكون فوقا على الإطلاق، فحينئذ لا يكون لشي‏ء من النفقات المفترضة في ذلك البعد علو مطلق ألبتة و ذلك ينفي صفة العلوية.

الحجة الثانية: أن العالم كرة، و متى كان الأمر كذلك فكل جانب يفرض علوا بالنسبة إلى أحد وجهي الأرض يكون سفلا بالنسبة إلى الوجه الثاني، فينقلب غاية العلو غاية السفل.

الحجة الثالثة: أن كل وصف يكون ثبوته لأحد الأمرين بذاته، و للآخر بتبعية الأول كان ذلك الحكم في الذاتي أتم و أكمل، و في العرضي أقل و أضعف، فلو كان علو اللّه تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو للّه تعالى صفة ذاتية، و لكان حصول هذا العلو للّه تعالى حصولا بتبعية حصوله في المكان، فكان علو المكان أتم و أكمل من علو ذات اللّه تعالى، فيكون علو اللّه ناقصا و علو غيره كاملا و ذلك محال، فهذه الوجوه قاطعة في أن علو اللّه تعالى يمتنع أن يكون بالجهة، و ما أحسن ما قال أبو مسلم بن بحر الأصفهاني في تفسير قوله‏ قُلْ لِمَنْ مََا فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلْ لِلََّهِ [الأنعام: 12]قال: و هذا يدل على أن المكان و المكانيات بأسرها ملك اللّه تعالى و ملكوته، ثم قال: وَ لَهُ مََا سَكَنَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهََارِ [الأنعام: 13] و هذا يدل على أن الزمان و الزمانيات بأسرها ملك اللّه تعالى و ملكوته، فتعالى و تقدس عن أن يكون علوه بسبب المكان و أما عظمته فهي أيضاً بالمهابة و القهر و الكبرياء، و يمتنع أن تكون بسبب المقدار و الحجم، لأنه إن كان غير متناه في كل الجهات أو في بعض الجهات فهو محال لما ثبت بالبراهين القاطعة عدم إثبات أبعاد غير متناهية، و إن كان متناهيا من كل الجهات كانت الأحياز المحيطة بذلك المتناهي أعظم منه، فلا يكون مثل هذا الشي‏ء عظيما على الإطلاق، فالحق أنه سبحانه و تعالى أعلى و أعظم من أن يكون من جنس الجواهر و الأجسام تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

15

في قوله تعالى لاََ إِكْرََاهَ فِي اَلدِّينِ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اللام في اَلدِّينِ فيه قولان أحدهما: أنه لام العهد و الثاني: أنه بدل من الإضافة، كقوله‏ فَإِنَّ اَلْجَنَّةَ هِيَ اَلْمَأْوى‏ََ [النازعات: 41]أي مأواه، و المراد في دين اللّه.

المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه أحدها: و هو قول أبي مسلم و القفال و هو الأليق بأصول المعتزلة:

معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار و القسر، و إنما بناه على التمكن و الاختيار، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر، قال بعد ذلك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان و يجبر عليه، و ذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر و الإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء و الامتحان، و نظير هذا قوله تعالى: فَمَنْ شََاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شََاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29]و قال في سورة أخرى‏ وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنََّاسَ حَتََّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 3، 4]و قال في سورة الشعراء لَعَلَّكَ بََاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاََّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، `إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمََاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنََاقُهُمْ لَهََا خََاضِعِينَ و مما يؤكد هذا /القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ يعني ظهرت الدلائل، و وضحت البينات، و لم يبق بعدها إلا طريق القسر و الإلجاء و الإكراه، و ذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل.

القول الثاني: في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر: إن آمنت و إلا قتلتك فقال تعالى: لاََ إِكْرََاهَ فِي اَلدِّينِ أما في حق أهل الكتاب و في حق المجوس، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم، و أما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم، فقال بعضهم: إنه يقر عليه، و على هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية، و على مذهب هؤلاء كان قوله لاََ إِكْرََاهَ فِي اَلدِّينِ عاما في كل الكفار، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم، و كان قوله لاََ إِكْرََاهَ مخصوصا بأهل الكتاب.

و القول الثالث: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرها، لأنه إذا رضي بعد الحرب و صح إسلامه فليس بمكره، و معناه لا تنسبوهم إلى الإكراه، و نظيره قوله تعالى: وَ لاََ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ََ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاََمَ لَسْتَ مُؤْمِناً [النساء: 94].

أما قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: يقال: بان الشي‏ء و استبان و تبين إذا ظهر و وضح، و منه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين، و عندي أن الإيضاح و التعريف إنما سمي بيانا لأنه يوقع الفصل و البينونة بين المقصود و غيره، و الرشد في اللغة معناه إصابة الخير، و فيه لغتان: رشد و رشد و الرشاد مصدر أيضاً كالرشد، و الغي نقيض الرشد، يقال غوى يغوي غياً و غواية، إذا سلك غير طريق الرشد.

16

المسألة الثانية: تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ أي تميز الحق من الباطل، و الإيمان من الكفر و الهدى من الضلالة بكثرة الحجج و الآيات الدالة، قال القاضي: و معنى قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ أي أنه قد اتضح و انجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك و أقول: قد ذكرنا أن معنى تَبَيَّنَ انفصل و امتاز، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد و الغي بسبب قوة الدلائل و تأكيد البراهين، و على هذا كان اللفظ مجرى على ظاهره.

أما قوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطََّاغُوتِ فقد قال النحويون: الطاغوت وزنه فعلوت، نحو جبروت، و التاء زائدة و هي مشتقة من طغا، و تقديره طغووت، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب، نحو: الصاقعة و الصاعقة، ثم قلبت الواو ألفا لوقوعها في موضع حركة و انفتاح ما قبلها، قال المبرد في الطاغوت: الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي: و ليس الأمر عندنا كذلك، و ذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت و الرهبوت و الملكوت، فكما/أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد و ليس بجمع، و مما يدل على أنه مصدر مفرد قوله أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ فأفرد في موضع الجمع، كما يقال: هم رضاهم عدل، قالوا: و هذا اللفظ يقع على الواحد و على الجمع، أما في الواحد فكما في قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحََاكَمُوا إِلَى اَلطََّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء: 60]و أما في الجمع فكما في قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ [البقرة: 257]و قالوا: الأصل فيه التذكير، فأما قوله: وَ اَلَّذِينَ اِجْتَنَبُوا اَلطََّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهََا [الزمر: 17]فإنما أنثت إرادة الآلهة.

إذا عرفت هذا فنقول: ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول: قال عمر و مجاهد و قتادة هو الشيطان الثاني: قال سعيد بن جبير: الكاهن الثالث: قال أبو العالية: هو الساحر الرابع: قال بعضهم الأصنام الخامس:

أنه مردة الجن و الإنس و كل ما يطغى، و التحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسبابا للطغيان كما في قوله‏ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ [إبراهيم: 36].

أما قوله وَ يُؤْمِنْ بِاللََّهِ ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولا عن الكفر، ثم يؤمن بعد ذلك.

أما قوله فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقى‏ََ فاعلم أنه يقال: استمسك بالشي‏ء إذا تمسك به و العروة جمعها عرا نحو عروة الدلو و الكوز و إنما سميت بذلك، لأن العروة عبارة عن الشي‏ء الذي يتعلق به و الوثقى تأنيث الأوثق، و هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن من أراد إمساك شي‏ء يتعلق بعروته، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه، و لما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل و أوضحها، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى.

أما قوله لاَ اِنْفِصََامَ لَهََا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الفصم كسر الشي‏ء من غير إبانة، و الانفصام مطاوع الفصم فصمته فانفصم و المقصود من هذا اللفظ المبالغة، لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فان لا يكون لها انقطاع أولى.

المسألة الثانية: قال النحويون: نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، و العرب تضمر (التي) و (الذي) و (من) و تكتفي بصلاتها منها، قال سلامة بن جندل:

و العاديات أسامي للدماء بها # كأن أعناقها أنصاب ترحيب‏

17

يريد العاديات التي قال اللّه: وَ مََا مِنََّا إِلاََّ لَهُ مَقََامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: 164]أي من له.

ثم قال: وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ و فيه قولان:

القول الأول: أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين، و قول من يتكلم بالكفر، و يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر، و ما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث.

و القول الثاني:

روى عطاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة، و كان يسأل اللّه تعالى ذلك سراً و علانية، فمعنى قوله وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه و اجتهادك.

في قوله تعالى اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الولي فعيل بمعنى فاعل من قولهم: ولي فلان الشي‏ء يليه ولاية فهو وال و ولي، و أصله من الولي الذي هو القرب، قال الهذلي:

وعدت عواد دون وليك تشغب‏

و منه يقال: داري تلى دارها، أي تقرب منها، و منه يقال: للمحب المعاون: ولي لأنه يقرب منك بالمحبة و النصرة و لا يفارقك، و منه الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير و الأمر و النهي و منّه المولى و من ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة من عدا الشي‏ء إذا جاوزه، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف اللّه تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، بأن قالوا: الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين و معلوم أن الولي للشي‏ء هو المتولي لما يكون سببا لصلاح الإنسان و استقامة أمره في الغرض المطلوب و لأجله قال تعالى:

يَصُدُّونَ عَنِ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ وَ مََا كََانُوا أَوْلِيََاءَهُ إِنْ أَوْلِيََاؤُهُ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ [الأنفال: 34]فجعل القيم بعمارة المسجد وليا له و نفى في الكفار أن يكونوا أولياءه، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار، و عند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار و المؤمنين في الهداية و التوفيق و الألطاف، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم، قالت المعتزلة: هذا التخصيص محمول على/أحد وجوه الأول: أن هذا محمول على زيادة الألطاف، كما ذكره في قوله‏ وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زََادَهُمْ هُدىً [محمد: 17]و تقريره من حيث العقل أن الخير و الطاعة يدعو بعضه إلى بعض، و ذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلسا يجري فيه الوعظ، فإنه يلحق قلبه خشوع و خضوع و انكسار، و يكون حاله مفارقا لحال من قسا قلبه بالكفر و المعاصي، و ذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولا على ذلك. ـ

18

و الوجه الثاني: أنه تعالى يثيبهم في الآخرة، و يخصهم بالنعيم المقيم و الإكرام العظيم فكان التخصيص محمولاً عليه.

و الوجه الثالث: و هو أنه تعالى و إن كان ولياً للكل بمعنى كونه متكفلاً بمصالح الكل على السوية، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن، فصح تخصيصه بهذه الآية، كما في قوله‏ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: 2].

الوجه الرابع: أنه تعالى ولي المؤمنين، بمعنى: أنه يحبهم، و المراد أنه يحب تعظيمهم.

أجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم، و لا يكون للّه تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب، و هذا المعنى بتمامه حاصل في حق الكافر، بل المؤمن فعل ما لأجله استوجب من اللّه ذلك المزيد من اللطف.

أما السؤال الثاني: و هو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضاً بعيد، لأن ذلك الثواب واجب على اللّه تعالى، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقاً على اللّه ذلك الثواب، فيكون وليه هو نفسه و لا يكون اللّه هو ولياً له.

و أما السؤال الثالث: و هو أن المنتفع بولاية اللّه هو المؤمن، فنقول: هذا الأمر الذي امتاز به المؤمن عن الكافر في باب الولاية صدر من العبد لا من اللّه تعالى، فكان ولي العبد على هذا القول هو العبد نفسه لا غير.

و أما السؤال الرابع: و هو أن الولاية هاهنا معناها المحبة و الجواب: أن المحبة معناها إعطاء الثواب، و ذلك هو السؤال الثاني، و قد أجبنا عنه.

أما قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: أجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من الظلمات و النور: الكفر و الإيمان فتكون الآية صريحة في أن اللّه تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر و أدخله في الإيمان، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق اللّه، لأنه لو حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان، و ذلك يناقض صريح الآية.

أجابت المعتزلة عنه من وجهين الأول: أن الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب/الدلائل، و إرسال الأنبياء، و إنزال الكتب، و الترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه، و التحذير عن الكفر بأقصى الوجوه، و قال القاضي: قد نسب اللّه تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله‏ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ [إبراهيم: 36] لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضالهم، فإن يضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى اللّه تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن كان أولى.

و الوجه الثاني: أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى يعدل بهم من النار إلى الجنة قال القاضي: هذا أدخل في الحقيقة، لأن ما يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله.

و الجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل، مجاز في الحث و الترغيب، و الأصل حمل اللفظ على الحقيقة و الثاني: أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجباً، و المرجوح ممتنعاً، و حينئذ يبطل قول المعتزلة و إن لم يكن لها أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج.

19

و أما السؤال الثاني: و هو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة فهو أيضاً مدفوع من وجهين الأول: قال الواقدي: كل ما كان في القرآن مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ فإنه أراد به الكفر و الإيمان، غير قوله تعالى في سورة الأنعام‏ وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [الأنعام: 1]فإنه يعني به الليل و النهار، و قال: و جعل الكفر ظلمة، لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، و جعل الإيمان نوراً لأنه كالسبب في حصول الإدراك.

و الجواب الثاني: أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على اللّه تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه.

المسألة الثانية: قوله يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم اللّه تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان، ثم هاهنا قولان:

القول الأول: أن يجري اللفظ على ظاهره، و هو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافراً ثم أسلم، و القائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات أحدهما: قال مجاهد: هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام و قوم كفروا به، فلما بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه و سلم آمن به من كفر بعيسى، و كفر به من آمن بعيسى عليه السلام و ثانيتها: أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى اللّه عليه و سلم، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمةً و كفراً، لأن القول بالاتحاد كفر، و اللّه تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام و ثالثتها: أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى اللّه عليه و سلم.

و القول الثاني: أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى اللّه عليه و سلم سواء كان ذلك/الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك، و تقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات و إن لم يكونوا في الظلمات ألبتة، و يدل على جوازه: القرآن و الخبر و العرف، أما القرآن فقوله تعالى: وَ كُنْتُمْ عَلى‏ََ شَفََا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنََّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا [آل عمران: 103]و معلوم أنهم ما كانوا قط في النار و قال‏ لَمََّا آمَنُوا كَشَفْنََا عَنْهُمْ عَذََابَ اَلْخِزْيِ [يونس:

98]و لم يكن نزل بهم عذاب ألبتة، و قال في قصة يوسف عليه السلام: تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاََ يُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ [يوسف: 37]و لم يكن فيها قط، و قال: وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ََ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ* [النحل: 70]و ما كانوا فيه قط، و أما الخبر

فروي أنه صلى اللّه عليه و سلم سمع إنساناً قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه، فقال على الفطرة، فلما قال: أشهد أن محمداً رسول اللّه، فقال خرج من النار،

و معلوم أنه ما كان فيها، و

روي أيضاً أنه صلى اللّه عليه و سلم أقبل على أصحابه فقال: تتهافتون في النار تهافت الجراد، و ها أنا آخذ بحجزكم،

و معلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار، و أما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له: أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئاً، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه، و تحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق اللّه تعالى لوقع في الظلمات. فصار توفيقه تعالى سبباً لدفع تلك الظلمات عنه، و بين الدفع و الرفع مشابهة، فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج و الإبعاد في معنى الدفع و الرفع و اللّه أعلم.

أما قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيََاؤُهُمُ اَلطََّاغُوتُ فاعلم أنه قرأ الحسن أولياؤهم الطواغيت و احتج بقوله تعالى بعده يُخْرِجُونَهُمْ إلا أنه شاذ مخالف للمصحف و أيضاً قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع.

20

أما قوله تعالى يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمََاتِ فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من اللّه تعالى، قالوا: لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازاً باتفاق، لأن المراد من الطاغوت على أظهر الأقوال هو الصنم و يتأكد هذا بقوله تعالى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ [إبراهيم: 36]فأضاف الإضلال إلى الصنم، و إذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا و بينكم مجازاً، خرجت عن أن تكون حجة لكم.

ثم قال تعالى: أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط، و يحتمل أن يرجع إلى الكفار و الطواغيت معاً، فيكون زجراً للكل و وعيداً، لأن لفظ أُولََئِكَ إذا كان جمعاً و صح رجوعه إلى كلا المذكورين، وجب رجوعه إليهما معاً، و اللّه تعالى أعلم بالصواب.

القصة الاول‏

اعلم إنه تعالى ذكر هاهنا قصصاً ثلاثة: الأولى: منها في بيان إثبات العلم بالصانع، و الثانية و الثالثة: في إثبات الحشر و النشر و البعث، و القصة الأولى مناظرة إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم مع ملك زمانه و هي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول:

أما قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، و لفظها لفظ الاستفهام و هي كما يقال: ألم تر إلى فلان كيف يصنع، معناه: هل رأيت كفلان في صنعه كذا.

أما قوله: إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ فقال مجاهد: هو نمروذ بن كنعان، و هو أول من/تجبر و ادعى الربوبية، و اختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل: إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل، و قيل: بعد إلقائه في النار، و المحاجة المغالبة، يقال: حاججته فحججته، أي غالبته فغلبته، و الضمير في قوله فِي رَبِّهِ يحتمل أن يعود إلى إبراهيم، و يحتمل أن يرجع إلى الطاعن، و الأول أظهر، كما قال: وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ قََالَ أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ [الأنعام: 80]و المعنى و حاجه قومه في ربه.

أما قوله: أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ فاعلم أن في الآية قولين الأول: أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم، يعني أن اللّه تعالى آتى إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم الملك، و احتجوا على هذا القول بوجوه الأول: قوله تعالى: فَقَدْ آتَيْنََا آلَ إِبْرََاهِيمَ اَلْكِتََابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْنََاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [النساء: 54]أي سلطاناً بالنبوّة، و القيام بدين اللّه تعالى و الثاني: أنه‏

21

تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار، و يدعي الربوبية لنفسه و الثالث: أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، و إبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير، فوجب أن يكون هذا الضمير عائدا إليه و القول الثاني:

و هو قول جمهور المفسرين: أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم.

و أجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم، و ليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام.

و عن الحجة الثانية بأن المراد من الملك هاهنا التمكن و القدرة و البسطة في الدنيا، و الحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى، و أيضاً فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمناً، ثم أنه بعد ذلك كفر باللّه تعالى.

و عن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام و إن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول: أن قوله تعالى: أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ يحتمل تأويلات ثلاثة، و كل واحد منها إنما يصح إذا قلنا: الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم، و أحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه اللّه الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره و أورثه الكبر و العتو فحاج لذلك، و معلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي، و التأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكراً على أن آتاه ربه الملك، كما يقال: عاداني فلان لأني أحسنت إليه، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، و نظيره قوله تعالى: وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: 82]و هذا التأويل أيضا لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك و بعده أما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له، فثبت أنه لا يستقيم لقوله أَنْ آتََاهُ اَللََّهُ اَلْمُلْكَ معنى و تأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي.

الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم في إظهار الدعوة إلى الدين الحق، و متى كان الكافر سلطانا مهيبا، و إبراهيم ما كان ملكا، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكا، و لما كان الكافر ملكا، فوجب المصير إلى ما ذكرنا.

الحجة الثانية: ما ذكره أبو بكر الأصم، و هو أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين و يستبقي الآخر، بل كان إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم يمنعه منه أشد منع، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف، لأنه من المحتمل أن يقال: إن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم كان ملكا و سلطانا في الدين و التمكن من إظهار المعجزات، و ذلك الكافر كان ملكا مسلطا قادرا على الظلم، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين، و أيضا فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قودا، و كان الاختيار إليه، و استبقى الآخر، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية و استبقاه.

و أيضا قوله أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ خبر و وعد، و لا دليلي في القرآن على أنه فعله، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة.

22

أما قوله تعالى: إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، و ذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة، و الظاهر أنه متى ادعى الرسالة، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلها، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال: إِنِّي رَسُولُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [الزخرف: 46] قََالَ فِرْعَوْنُ وَ مََا رَبُّ اَلْعََالَمِينَ [الشعراء: 23]فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله‏ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فكذا هاهنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة، فقال نمروذ: من ربك؟فقال إبراهيم: ربي الذي يحيي و يميت، إلا أن تلك المقدمة حذفت، لأن الواقعة تدل عليها.

المسألة الثانية: دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة، و ذلك لا سبيل إلى معرفة اللّه تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين، و الأحياء و الاماتة كذلك، لأن الخلق عاجزون عنهما، و العلم بعد الاختيار ضروري، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم، و ذلك المؤثر إما أن يكون موجبا أو مختارا، و الأول: باطل، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر، فكان يجب أن لا يتبدل الأحياء بالإماتة، و أن لا تتبدل الاماتة بالاحياء، و الثاني: و هو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل و الصفة و الطبيعة و الخاصية، و تأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لا بد في الأحياء و الاماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة، و الاختيار في إحياء هذه الحيوانات و في إماتتها، و ذلك هو اللّه سبحانه و تعالى، و هو دليل متين قوي ذكره اللّه سبحانه و تعالى في مواضع في كتابه كقوله: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ مِنْ سُلاََلَةٍ مِنْ/طِينٍ [المؤمنون: 12]إلى آخره، و قوله‏ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، `ثُمَّ رَدَدْنََاهُ أَسْفَلَ سََافِلِينَ [التين: 4، 5]و قال تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2].

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللََّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوََاتاً فَأَحْيََاكُمْ [البقرة: 28]و قال: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيََاةَ [الملك: 2]و حكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على اللّه تعالى: وَ اَلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء: 81]فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت، حيث قال: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ .

و الجواب: لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى اللّه تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح، و لا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، و اطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم وجب تقديم الحياة هاهنا في الذكر.

أما قوله تعالى: قََالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة، دعا ذلك الملك الكافر شخصين، و قتل أحدهما، و استبقى الآخر، و قال: أنا أيضا أحيي و أميت، هذا هو المنقول في التفسير، و عندي أنه بعيد، و ذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء و حقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال، و متى شرحه على ذلك الوجه الممتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة و الإحياء على ذلك الوجه بالإماتة و الإحياء بمعنى القتل و تركه، و يبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من‏

23

الفرق، و المراد من الآية و اللّه أعلم شي‏ء آخر، و هو أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم لما احتج بالإحياء و الإماتة من اللّه قال المنكر، تدعي الإحياء و الإماتة من اللّه ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية و الأسباب السماوية، أو تدعي صدور الأحياء و الإماتة من اللّه تعالى بواسطة الأسباب الأرضية و الأسباب السماوية، أما الأول: فلا سبيل إليه، و أما الثاني: فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء و الاماتة بواسطة سائر الأسباب، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية و السماوية، و تناول السم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال: هب أن الإحياء و الإماتة حصلا من اللّه تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات و الحركات الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو اللّه تعالى، كان الإحياء و الإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضا من اللّه تعالى، و أما الإحياء و الإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية و العنصرية فليست كذلك، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية، فظهر الفرق.

و إذا عرفت هذا فقوله فَإِنَّ اَللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ ليس دليلا آخر، بل تمام الدليل/الأول:

و معناه: أنه و إن كان الإحياء و الإماتة من اللّه بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من اللّه فكان الإحياء و الإماتة أيضا من اللّه تعالى، و أما البشر فإنه و إن صدر منه الإحياء و الإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية و الأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته، فثبت أن الإحياء و الإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه، و أنه لا يصلح نقضا عليه، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهور عند الكل، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

المسألة الثانية: أجمع القرّاء على إسقاط ألف أَنَا في الوصل في جميع القرآن، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة، و الصحيح ما عليه الجمهور، لأن ضمير المتكلم هو (أن) و هو الهمزة و النون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف، و كما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل، لأن ما يتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أن همزة الوصل إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشي‏ء سقطت و لم تثبت، لأن ما يتصل به يتوصل به إلى النطق بما بعد الهمزة فلا تثبت الهمزة فكذا الألف في أَنَا و الهاء التي في الوقف يجب سقوطها عند الوصل كما يجب سقوط الهمزة عند الوصل.

أما قوله تعالى: قََالَ إِبْرََاهِيمُ فَإِنَّ اَللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهََا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فاعلم أن للناس في هذه المقام طريقين الأول: و هو طريقة أكثر المفسرين أن إبراهيم عليه السلام لما رأى من نمروذ أنه ألقى تلك الشبهة عدل عن ذلك إلى دليل آخر أوضح منه، فقال: فَإِنَّ اَللََّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهََا مِنَ اَلْمَغْرِبِ فزعم أن الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح منه جائز للمستدل.

فإن قيل: هلا قال نمروذ: فليأت ربك بها من المغرب؟.

قلنا: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذه المحاجة كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار و خروجه منها سالما، فعلم أن من قدر على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراق يقدر على أن يأتي بالشمس من المغرب و الثاني: أن اللّه خذله و أنساه إيراد هذه الشبهة نصرة لنبيه عليه السلام. ـ

24

و الطريق الثاني: و هو الذي قال به المحققون: إن هذا ما كان انتقالاً من دليل إلى دليل آخر بل الدليل واحد في الموضعين و هو أنا نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها فلا بد من قادر آخر يتولى إحداثها و هو اللّه سبحانه و تعالى، ثم إن قولنا: نرى حدوث أشياء لا يقدر الخلق على إحداثها له أمثلة منها: الإحياء، و الإماتة، و منها السحاب، و الرعد، و البرق، و منها حركات/الأفلاك، و الكواكب، و المستدل لا يجوز له أن ينتقل من دليل إلى دليل آخر، لكن إذا ذكر لإيضاح كلام مثالاً فله أن ينتقل من ذلك المثال إلى مثال آخر، فكان ما فعله إبراهيم من باب ما يكون الدليل واحدا إلا أنه يقع الانتقال عند إيضاحه من مثال إلى مثال آخر، و ليس من باب ما يقع الانتقال من دليل إلى دليل آخر، و هذا الوجه أحسن من الأول و أليق بكلام أهل التحقيق منه، و الإشكال عليهما من وجوه:

الإشكال الأول: أن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة، و وقعت تلك الشبهة في الأسماع، وجب على المحق القادر على الجواب أن يذكر الجواب في الحال إزالة لذلك التلبيس و الجهل عن العقول، فلما طعن الملك الكافر في الدليل الأول، أو في المثال الأول بتلك الشبهة كان الاشتغال بإزالة تلك الشبهة واجباً مضيقاً، فكيف يليق بالمعصوم أن يترك ذلك الواجب.

و الإشكال الثاني: أنه لما أورد المبطل ذلك السؤال، فإذا ترك المحق الكلام الأول و انتقل إلى كلام آخر، أوهم أن كلامه الأول كان ضعيفاً ساقطاً، و أنه ما كان عالماً بضعفه، و أن ذلك المبطل علم وجه ضعفه و كونه ساقطاً، و أنه كأنه عالماً بضعفه فنبه عليه، و هذا ربما يوجب سقوط وقع الرسول و حقارة شأنه و أنه غير جائز.

و الإشكال الثالث: و هو أنه و إن كان يحسن الانتقال من دليل إلى دليل، أو من مثال إلى مثال، لكنه يجب أن يكون المنتقل إليه أوضح و أقرب، و هاهنا ليس الأمر كذلك، لأن جنس الإحياء لا قدرة للخلق عليه، و أما جنس تحريك الأجسام، فللخلق قدرة عليه، و لا يبعد في العقل وجود ملك عظيم في الجثة أعظم من السموات، و أنه هو الذي يكون محركاً للسموات، و على هذا التقدير الاستدلال بالإحياء و الإماتة على وجود الصانع أظهر و أقوى من الاستدلال بطلوع الشمس على وجود الصانع فكيف يليق بالنبي المعصوم أن ينتقل من الدليل الأوضح الأظهر إلى الدليل الخفي الذي لا يكون في نفس الأمر قوياً.

و الإشكال الرابع: أن دلالة الإحياء و الإماتة على وجود الصانع أقوى من دلالة طلوع الشمس عليه و ذلك لأنا نرى في ذات الإنسان و صفاته تبديلات و اختلافات و التبدل قوي الدلالة على الحاجة إلى المؤثر القادر، أما الشمس فلا نرى في ذاتها تبدلاً، و لا في صفاتها تبدلاً، و لا في منهج حركاتها تبدلاً ألبتة، فكانت دلالة الإحياء و الإماتة على الصانع أقوى، فكان العدول منه إلى طلوع الشمس انتقالاً من الأقوى الأجلى إلى الأخفى الأضعف، و أنه لا يجوز.

الإشكال الخامس: أن نمروذ لما لم يستح من معارضة الإحياء و الإماتة الصادرين عن اللّه تعالى بالقتل و التخلية، فكيف يؤمن منه عند استدلال إبراهيم بطلوع الشمس أن يقول: طلوع الشمس من المشرق مني فإن كان لك إله فقل له حتى يطلعها من المغرب، و عند ذلك التزم المحققون/من المفسرين ذلك فقالوا: إنه لو أورد هذا السؤال لكان من الواجب أن تطلع الشمس من المغرب و من المعلوم أن الاشتغال بإظهار فساد سؤاله‏

25

في الإحياء و الإماتة أسهل بكثير من التزام إطلاع الشمس من المغرب، فبتقدير أن يحصل طلوع الشمس من المغرب، إلا أنه يكون الدليل على وجود الصانع هو طلوع الشمس من المغرب، و لا يكون طلوع الشمس من المشرق دليلاً على وجود الصانع، و حينئذ يصير دليله الثاني ضائعاً كما صار دليله الأول ضائعاً، و أيضاً فما الدليل الذي حمل إبراهيم عليه السلام على أن ترك الجواب عن ذلك السؤال الركيك و التزم الانقطاع، و اعترف بالحاجة إلى الانتقال إلى تمسك بدليل لا يمكنه تمشيته إلا بالتزام طلوع الشمس من المغرب، و بتقدير أن يأتي باطلاع الشمس من المغرب فإنه يضيع دليله الثاني كما ضاع الأول و من المعلوم أن التزام هذه المحذورات لا يليق بأقل الناس علماً فضلاً عن أفضل العقلاء و أعلم العلماء، فظهر بهذا أن هذا التفسير الذي أجمع المفسرون عليه ضعيف، و أما الوجه الذي ذكرناه فلا يتوجه عليه شي‏ء من هذه الإشكالات، لأنا نقول: لما احتج إبراهيم عليه السلام بالإحياء و الإماتة أورد الخصم عليه سؤالاً لا يليق بالعقلاء، و هو أنك إذا ادعيت الإحياء و الإماتة لا بواسطة، فذلك لا تجد إلى إثباته سبيلاً، و إن ادعيت حصولهما بواسطة حركات الأفلاك فنظيره أو ما يقرب منه حاصل للبشر، فأجاب إبراهيم عليه السلام بأن الإحياء و الإماتة و إن حصلا بواسطة حركات الأفلاك، لكن تلك الحركات حصلت من اللّه تعالى و ذلك لا يقدح في كون الإحياء و الإماتة من اللّه تعالى بخلاف الخلق فإنه لا قدرة لهم على تحريكات الأفلاك فلا جرم لا يكون الإحياء و الإماتة صادرين منهم، و متى حملنا الكلام على هذا الوجه لم يكن شي‏ء من المحذورات المذكورة لازماً عليه، و اللّه أعلم بحقيقة كلامه.

أما قوله تعالى: فَبُهِتَ اَلَّذِي كَفَرَ فالمعنى: فبقي مغلوباً لا يجد مقالاً، و لا للمسألة جوابه، و هو كقوله بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهََا [الأنبياء: 40]قال الواحدي، و فيه ثلاث لغات: بهت الرجل فهو مبهوت، و بهت و بهت، قال عروة العذري:

فما هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أجيب‏

أي أتحير و أسكت.

ثم قال: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظََّالِمِينَ و تأويله على قولنا ظاهر، أما المعتزلة فقال القاضي: يحتمل وجوهاً: منها أنه لا يهديهم لظلمهم و كفرهم للحجاج و للحق كما يهدي المؤمن فإنه لا بد في الكافر من أن يعجز و ينقطع.

و أقول: هذا ضعيف، لأن قوله لا يهديهم للحجاج، إنما يصح حيث يكون الحجاج موجوداً و لا حجاج على الكفر، فكيف يصح أن يقال: إن اللّه تعالى لا يهديه إليه، قال القاضي: و منها/أن يريد أنه لا يهديهم لزيادات الألطاف من حيث انهم بالكفر و الظلم سدوا على أنفسهم طريق الانتفاع به.

و أقول: هذا أيضاً ضعيف، لأن تلك الزيادات إذا كانت في حقهم ممتنعة عقلاً لم يصح أن يقال: إنه تعالى لا يهديهم، كما لا يقال: إنه تعالى يجمع بين الضدين فلا يجمع بين الوجود و العدم قال القاضي: و منها أنه تعالى لا يهديهم إلى الثواب في الآخرة و لا يهديهم إلى الجنة.

و أقول: هذا أيضاً ضعيف، لأن المذكور هاهنا أمر الاستدلال و تحصيل المعرفة و لم يجر للجنة ذكر، فيبعد صرف اللفظ إلى الجنة، بل أقول: اللائق بسياق الآية أن يقال إنه تعالى لما بيّن أن الدليل كان قد بلغ في الظهور

26

و الحجة إلى حيث صار المبطل كالمبهوت عند سماعه إلا أن اللّه تعالى لما لم يقدر له الاهتداء لم ينفعه ذلك الدليل الظاهر، و نظير هذا التفسير قوله‏ وَ لَوْ أَنَّنََا نَزَّلْنََا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاََئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتى‏ََ وَ حَشَرْنََا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً مََا كََانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ [الأنعام: 111].

القصة الثانية

و المقصود منها إثبات المعاد، قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله أَوْ كَالَّذِي و ذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول:

أن يكون قوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ [البقرة: 258]في معنى (ألم تر كالذي حاج إبراهيم) و تكون هذه الآية معطوفة عليه، و التقدير: أ رأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مرّ على قرية، فيكون هذا عطفاً على المعنى، و هو قول الكسائي و الفرّاء و أبي علي الفارسي، و أكثر النحويين قالوا: و نظيره من القرآن قوله تعالى:

قُلْ لِمَنِ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهََا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، `سَيَقُولُونَ لِلََّهِ [المؤمنون: 84، 85]ثم قال: مَنْ رَبُّ اَلسَّمََاوََاتِ اَلسَّبْعِ وَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ، `سَيَقُولُونَ لِلََّهِ [المؤمنون: 85، 86]فهذا عطف على المعنى لأن معناه: لمن السموات؟فقيل للّه. قال الشاعر:

معاوي إننا بشر فأسجح # فلسنا بالجبال و لا الحديدا

فحمل على المعنى و ترك اللفظ.

و القول الثاني: و هو اختيار الأخفش: أن الكاف زائدة، و التقدير: أ لم تر إلى الذي حاج و الذي مرّ على قرية.

و القول الثالث: و هو اختيار المبرد: أنا نضمر في الآية زيادة، و التقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، و ألم تر إلى من كان كالذي مرّ على قرية.

المسألة الثانية: اختلفوا في الذي مرّ بالقرية، فقال قوم: كان رجلاً كافراً شاكاً في البعث/و هو قول مجاهد و أكثر المفسرين من المعتزلة، و قال الباقون: إنه كان مسلماً، ثم قال قتادة و عكرمة و الضحاك و السدي:

هو عزير، و قال عطاء عن ابن عباس: هو أرمياء، ثم من هؤلاء من قال: إن أرمياء هو الخضر عليه السلام، و هو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام، و هو قول محمد بن إسحاق، و قال وهب بن منبه: إن أرمياء هو النبي الذي بعثه اللّه عند ما خرب بختنصر بيت المقدس و أحرق التوراة، حجة من قال: إن هذا المار كان كافراً وجوه الأول: أن اللّه حكى عنه أنه قال: أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا و هذا كلام من يستبعد من اللّه الإحياء بعد الإماتة و ذلك كفر.

فإن قيل: يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ.

قلنا: لو كان كذلك لم يجز من اللّه تعالى أن يعجب رسوله منه إذا الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك، و هذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة اللّه تعالى على ذلك، بل‏

27

كان بسبب اطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره اللّه معموراً و هذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل، فيقول: متى يقلبه اللّه ذهباً، أو ياقوتاً، لا أن مراده منه الشك في قدرة اللّه تعالى، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع و لا يحصل في مطرد العادات، فكذا هاهنا.

الوجه الثاني: قالوا: إنه تعالى قال في حقه فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ و هذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلاً له و هذا أيضاً ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلاً له قبل ذلك، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلاً فهو ممنوع.

الوجه الثالث: أنه قال: أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و هذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت، و أنه كان خالياً عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت، و هذا أيضاً ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد و طمأنينة و وثوق، و ذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت، و هذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلاً قبل ذلك.

الوجه الرابع: لهم أن هذا المار كان كافراً لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد و هو ضعيف أيضا، لأن قبله و إن كان قصة نمروذ، و لكن بعده قصة سؤال إبراهيم، فوجب أن يكون نبياً من جنس إبراهيم.

و حجة من قال: إنه كان مؤمناً و كان نبياً وجوه الأول: أن قوله أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا يدل على أنه كان عالماً باللّه، و على أنه كان عالماً بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، لأن تخصيص هذا الشي‏ء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة.

الحجة الثانية: أن قوله كَمْ لَبِثْتَ لا بد له من قائل و المذكور السابق هو اللّه تعالى فصار التقدير: قال اللّه تعالى: كَمْ لَبِثْتَ فقال ذلك الإنسان لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فقال اللّه تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ و مما يؤكد أن قائل هذا القول هو اللّه تعالى قوله وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ و من المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو اللّه تعالى، ثم قال: وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ كَيْفَ نُنْشِزُهََا، ثُمَّ نَكْسُوهََا لَحْماً و لا شك أن قائل هذا القول هو اللّه تعالى، فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه، و معلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر.

فإن قيل: لعله تعالى بعث إليه رسولاً أو ملكاً حتى قال له هذا القول عن اللّه تعالى.

قلنا: ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو اللّه تعالى، فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز.

و الحجة الثالثة: أن إعادته حياً و إبقاء الطعام و الشراب على حالهما، و إعادة الحمار حياً بعد ما صار رميماً مع كونه مشاهداً لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب و إلى الحياة إكرام عظيم و تشريف كريم، و ذلك لا يليق بحال الكافر له.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن كل هذه الأشياء إنما أدخلها اللّه تعالى في الوجود إكراماً لإنسان آخر كان نبياً في ذلك الزمان.

28

قلنا: لم يجر في هذه الآية ذكر هذا النبي، و ليس في هذه القصة حالة مشعرة بوجود النبي أصلاً فلو كان المقصود من إظهار هذه الأشياء إكرام ذلك النبي و تأييد رسالته بالمعجزة لكان ترك ذكر ذلك الرسول إهمالاً لما هو الغرض الأصلي من الكلام و أنه لا يجوز.

فإن قيل: لو كان ذلك الشخص لكان إما أن يقال: إنه ادعى النبوّة من قبل الإماتة و الإحياء أو بعدهما، و الأول: باطل، لأن أرسال النبي من قبل اللّه يكون لمصلحة تعود على الأمة، و ذلك لا يتم بعد الإماتة، و إن ادعى النبوّة بعد الإحياء فالمعجز قد تقدم على الدعوى، و ذلك غير جائز.

قلنا: إظهار خوارق العادات على يد من يعلم اللّه أنه سيصير رسولاً جائز عندنا، و على هذا الطريق زال السؤال.

الحجة الرابعة: أنه تعالى قال في حق هذا الشخص وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ و هذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء و الرسل قال تعالى: وَ جَعَلْنََاهََا وَ اِبْنَهََا آيَةً لِلْعََالَمِينَ [الأنبياء: 91]فكان هذا وعداً من اللّه تعالى بأنه يجعله نبياً، و أيضاً فهذا الكلام لم يدل على النبوّة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم، و ذلك لا يليق بحال من مات على الكفر و على الشك في قدرة اللّه تعالى.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شاباً كاملاً إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه و قد شاخوا أو هرموا، أو سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان/و قد عاد شاباً صح أن يقال لأجل ذلك إنه آية للناس لأنهم يعتبرون بذلك و يعرفون به قدرة اللّه تعالى، و نبوّة نبي ذلك الزمان.

و الجواب من وجهين الأول: أن قوله وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً إخبار عن أنه تعالى يجعله آية، و هذا الاخبار إنما وقع بعد أن أحياه اللّه، و تكلم معه، و المجعول لا يجعل ثانياً، فوجب حمل قوله وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ على أمر زائد عن هذا الإحياء، و أنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلاً و الثاني: أنه وجه التمسك أن قوله وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ يدل على التشريف العظيم، و ذلك لا يليق بحال من مات على الكفر و الشك في قدرة اللّه تعالى.

الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في سبب نزول الآية قال: إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون، و منهم عزير و كان من علمائهم، فجاء بهم إلى بابل، فدخل عزيز يوماً تلك القرية و نزل تحت شجرة و هو على حمار، فربط حماره و طاف في القرية فلم ير فيها أحداً فعجب من ذلك و قال: أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا لا على سبيل الشك في القدرة، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، و كانت الأشجار مثمرة، فتناول من الفاكهة التين و العنب، و شرب من عصير العنب و نام، فأماته اللّه تعالى في منامه مائة عام و هو شاب، ثم أعمى عن موته أيضاً الإنس و السباع و الطير، ثم أحياه اللّه تعالى بعد المائة و نودي من السماء: يا عزيز كَمْ لَبِثْتَ بعد الموت فقال يَوْماً فأبصر من الشمس بقية فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فقال اللّه تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ من التين و العنب و شرابك من العصير لم يتغير طعمهما، فنظر فإذا التين و العنب كما شاهدهما ثم قال: وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح و قد تفرقت أوصاله و سمع صوتاً أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحاً فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق‏

29

كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع و الذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب و العروق ثم أنبت طراء اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور عن الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجداً، و قال: أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم: حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل، و قد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً ممن قرأ التوراة و كان فيهم عزير، و القوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة و أملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً، و كانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت و عورض بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا: عزيز ابن اللّه، و هذه الرواية مشهورة فيما بين الناس، و ذلك يدل على أن ذلك المار كان نبياً.

المسألة الثالثة: اختلفوا في تلك القرية فقال وهب و قتادة و عكرمة و الربيع: إيلياء و هي بيت المقدس، و قال ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت.

/أما قوله تعالى: وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا قال الأصمعي: خوى البيت فهو يخوى خواء ممدود إذا ما خلا من أهله، و الخوا: خلو البطن من الطعام، و

في الحديث: «كان النبي صلى اللّه عليه و سلم إذا سجد خوى»

أي خلى ما بين عضديه و جنبيه، و بطنه و فخذيه، و خوى الفرس ما بين قوائمه، ثم يقال للبيت إذا انهدم: خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله، و كذلك: خوت النجوم و أخوت إذا سقطت و لم تمطر لأنها خلت عن المطر، و العرش سقف البيت، و العروش الأبنية، و السقوف من الخشب يقال: عرش الرجل يعرش و يعرش إذا بني و سقف بخشب، فقوله:

وَ هِيَ خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا أي منهدمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما، و فيه وجوه أحدها: أن حيطانها كانت قائمة و قد تهدمت سقوفها، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة، و معنى الخاوية المنقلعة و هي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى: أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ [الحاقة: 7] و موضع آخر أَعْجََازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: 20]و هذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به و الثاني: قوله تعالى: خََاوِيَةٌ عَلى‏ََ عُرُوشِهََا أي خاوية عن عروشها، جعل (على) بمعنى (عن) كقوله‏ إِذَا اِكْتََالُوا عَلَى اَلنََّاسِ [المطففين: 2]أي عنهم و الثالث: أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر.

أما قوله تعالى: قََالَ أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا فقد ذكرنا أن من قال: المار كان كافراً حمله على الشك في قدرة اللّه تعالى، و من قال كان نبياً حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف و العادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد، كما قال إبراهيم عليه السلام: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ [البقرة: 260]و قوله أَنََّى أي من أين كقوله‏ أَنََّى لَكِ هََذََا [آل عمران: 37]و المراد بإحياء هذه القرية عمارتها، أي متى يفعل اللّه تعالى ذلك، على معنى أنه لا يفعله فأحب اللّه أن يريه في نفسه، و في إحياء القرية آية فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ و قد ذكرنا القصة.

فإن قيل: ما الفائدة في إماتة اللّه له مائة عام، مع أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بعض يوم حاصل.

قلنا: لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة، و أيضاً فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه، و يشاهد هو من غيره أعجب.

30

أما قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثَهُ فالمعنى: ثم أحياه، و يوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم، و أصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها، و إنما قال ثُمَّ بَعَثَهُ و لم يقل: ثم أحياه لأن قوله ثُمَّ بَعَثَهُ يدل على أنه عاد كما كان أولاً حياً عاقلاً فهما مستعدا للنظر و الاستدلال في المعارف الإلهية، و لو قال: ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد.

/أما قوله تعالى: قََالَ كَمْ لَبِثْتَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: فيه وجهان من القراءة، قرأ أبو عمرو و حمزة و الكسائي بالإدغام و الباقون بالإظهار، فمن أدغم فلقرب المخرجين و من أظهر فلتباين المخرجين و إن كانا قريبين.

المسألة الثانية: أجمعوا على أن قائل هذا القول هو اللّه تعالى و إنما عرف أن هذا الخطاب من اللّه تعالى، لأن ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز، و لأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره و ظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: في الآية إشكال، و هو أن اللّه تعالى كان عالماً بأنه كان ميتاً و كان عالماً بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة.

و الجواب عنه: أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق.

أما قوله تعالى: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ففيه سؤالات:

السؤال الأول: لم ذكر هذا الترديد؟.

الجواب: أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتاً لأنه اليقين، و في التفسير أن إماتته كانت في أول النهار، فقال يَوْماً ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقياً على رؤوس الجدران فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ .

السؤال الثاني: أنه لما كان اللبث مائة عام، ثم قال: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أليس هذا يكون كذباً؟.

و الجواب: أنه قال ذلك على حسب الظن، و لا يكون مؤاخذاً بهذا الكذب، و نظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا لَبِثْنََا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف: 19]على ما توهموه و وقع عندهم، و أيضا قال أخوة يوسف عليه السلام: يََا أَبََانََا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَ مََا شَهِدْنََا إِلاََّ بِمََا عَلِمْنََا [يوسف: 81]و إنما قالوا ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله.

السؤال الثالث: هل علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت، أو لم يعلم ذلك بل كان يعتقد أن ذلك اللبث بسبب الموت.

الجواب: الأظهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت، و ذلك لأن الغرض الأصلي في إماتته ثم إحيائه بعد مائة عام أن يشاهد الإحياء بعد الإماتة و ذلك لا يحصل إلا إذا عرف أن ذلك اللبث كان بسبب الموت، و هو أيضاً قد شاهد إما في نفسه، أو في حماره أحوالاً دالة على أن ذلك اللبث كان بسبب الموت.

31

أما قوله تعالى: قََالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ فالمعنى ظاهر، و قيل: العام أصله من العوم الذي هو السباحة، لأن فيه سبحاً طويلاً لا يمكن من التصرف فيه.

أما قوله تعالى: فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ و اِقْتَدِهْ و مََالِيَهْ و سُلْطََانِيَهْ و مََا هِيَهْ بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف، فقرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو و ابن عامر و عاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل، و كان حمزة يحذفهن في الوصل و كان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ و اِقْتَدِهْ و يثبتها في الوصل في الباقي و لم يختلفوا في قوله‏ لَمْ أُوتَ كِتََابِيَهْ‏`وَ لَمْ أَدْرِ مََا حِسََابِيَهْ [الحاقة: 25، 26]أنها بالهاء في الوصل و الوقف.

إذا عرفت هذا فنقول: أما الحذف ففيه وجوه أحدهما: أن اشتقاق قوله يَتَسَنَّهْ من السنة و زعم كثير من الناس أن أصل السنة سنوة، قالوا: و الدليل عليه أنهم يقولون في الاشتقاق منها أسنت القوم إذا أصابتهم السنة، و قال الشاعر:

و رجال مكة مسنتون عجاف و يقولون في جمعها: سنوات و في الفعل منها: سانيت الرجل مساناة إذا عامله سنة سنة، و في التصغير:

سنية إذا ثبت هذا كان الهاء في قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ للسكت لا للأصل و ثانيها: نقل الواحدي عن الفرّاء أنه قال:

يجوز أن تكون أصل سنة سننة، لأنهم قالوا في تصغيرها: سنينة و إن كان ذلك قليلاً، فعلى هذا يجوز أن يكون لَمْ يَتَسَنَّهْ أصله لم يتسنن، ثم أسقطت النون الأخيرة ثم أدخل عليها هاء السكت عن الوقف عليه كما أن أصل لم يتقض البازي لم يتقضض البازي ثم أسقطت الضاد الأخيرة، ثم أدخل عليه هاء السكت عند الوقف، فيقال: لم يتقضه و ثالثها: أن يكون لَمْ يَتَسَنَّهْ مأخوذاً من قوله تعالى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* [الحجر: 26] و السن في اللغة هو الصب، هكذا قال أبو علي الفارسي، فقوله: لم يتسنن. أي الشراب بقي بحاله لم ينضب، و قد أتى عليه مائة عام، ثم أنه حذفت النون الأخيرة و أبدلت بها السكت عند الوقف على ما قررناه في الوجه الثاني، فهذه الوجوه الثلاثة لبيان الحذف، و أما بيان الإثبات فهو أن لَمْ يَتَسَنَّهْ مأخوذ من السنة، و السنة أصلها سنهه، بدليل أنه يقال في تصغيرها: سنيهة، و يقال: سانهت النخلة بمعنى عاومت، و آجرت الدار مسانهة، و إذا كان كذلك فالهاء في لَمْ يَتَسَنَّهْ لام الفعل، فلا جرم لم يحذف ألبتة لا عند الوصل و لا عند الوقف.

المسألة الثانية: قوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يتغير و أصل معنى لَمْ يَتَسَنَّهْ أي لم يأت عليه السنون لأن مر السنين إذا لم يتغير فكأنها لم تأت عليه، و نقلنا عن أبي علي الفارسي: لم يتسنن أي لم ينضب الشراب، بقي في الآية سؤالان:

/السؤال الأول: أنه تعالى لما قال: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك و قوله فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم.

32

و الجواب: أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد و وقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ قال: فَانْظُرْ إِلى‏ََ طَعََامِكَ وَ شَرََابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ فإن هذا مما يؤكد قولك لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة، ثم قال بعده وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ فرأى الحمار صار رميماً و عظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى، فإن الطعام و الشراب يسرع التغير فيهما، و الحمار ربما بقي دهراً طويلاً و زماناً عظيماً، فرأى ما لا يبقى باقياً، و هو الطعام و الشراب، و ما يبقى غير باق و هو العظام، فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى، و تمكن وقوع هذه الحجة في عقله و في قلبه.

السؤال الثاني: أنه تعالى ذكر الطعام و الشراب، و قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ راجع إلى الشراب لا إلى الطعام.

و الجواب: كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه، و

المروي أن طعامه كان التين و العنب، و شرابه كان عصير العنب و اللبن،

و في قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه و انظر إلى طعامك و هذا شرابك لم يتسنن .

أما قوله تعالى: وَ اُنْظُرْ إِلى‏ََ حِمََارِكَ فالمعنى أنه عرف طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة، و هذا في الحقيقة لا يدل بذاته، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حياً في الحال علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال و يجعل عظامه رميمة نخرة في الحال، و حينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت، بل انقلاب عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عََامٍ قال الضحاك: معنى قوله أنه لما أحيى بعد الموت كان دليلاً على صحة البعث، و قال غيره: كان آية لأن اللّه تعالى أحياه شابا أسود الرأس، و بنو بنيه شيوخ بيض اللحى و الرؤوس.

أما قوله تعالى: وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنََّاسِ فقد بينا أن المراد منه التشريف و التعظيم و الوعد بالدرجة العالية في الدين و الدنيا، و ذلك لا يليق بمن مات على الكفر و الشك في قدرة اللّه تعالى.

فإن قيل: ما فائدة الواو في قوله وَ لِنَجْعَلَكَ قلنا: قال الفرّاء: دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال: و انظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطاً، و جعله آية جزاء، و هذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام، أما لما قال: وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً كان المعنى: و لنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة و الإحياء، و مثله قوله تعالى: وَ كَذََلِكَ نُصَرِّفُ اَلْآيََاتِ وَ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ [الأنعام: 105]و المعنى: و ليقولوا درست صرفنا الآيات‏ وَ كَذََلِكَ نُرِي إِبْرََاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75] أي و نريه الملكوت.

أما قوله تعالى: وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْعِظََامِ فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، فإن اللام فيه بدل الكناية، و قال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه، قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه و عينيه، و كانت بقية بدنه عظاماً نخرة، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع و ينضم البعض إلى البعض، و كان يرى حماره واقفاً كما ربطه حين كان حياً لم يأكل و لم يشرب مائة عام، و تقدير الكلام على هذا الوجه: و انظر إلى عظامك، و هذا قول قتادة و الربيع و ابن زيد، و هو عندي ضعيف لوجوه أحدها: أن قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إنما يليق‏

33

بمن لا يرى أثر التغير في نفسه فيظن أنه كان نائماً في بعض يوم، أما من شاهد أجزاء بدنه متفرقة، و عظام بدنه رميمة نخرة، فلا يليق به ذلك القول و ثانيها: أنه تعالى حكي عنه أن خاطبه و أجاب، فيجب أن يكون المجيب هو الذي أماته اللّه، فإذا كانت الإماتة راجعة إلى كله، فالمجيب أيضاً الذي بعثه اللّه يجب أن يكون جملة الشخص و ثالثها: أن قوله فَأَمََاتَهُ اَللََّهُ مِائَةَ عََامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ يدل على أن تلك الجملة أحياها و بعثها.

أما قوله كيف ننشرها فالمراد يحييها، يقال: أنشر اللّه الميت و نشره، قال تعالى: ثُمَّ إِذََا شََاءَ أَنْشَرَهُ و قد وصف اللّه العظام بالإحياء في قوله تعالى: قََالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظََامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ، `قُلْ يُحْيِيهَا [يس: 78، 79]و قرئ ننشرها بفتح النون و ضم الشين، قال الفرّاء: كأنه ذهب إلى النشر بعد الطي، و ذلك أن بالحياة يكون الانبساط في التصرف، فهو كأنه مطوي ما دام ميتاً، فإذا عاد صار كأنه نشر بعد الطي، و قرأ حمزة و الكسائي نُنْشِزُهََا بالزاي المنقوطة من فوق، و المعنى نرفع بعضها إلى بعض، و انشاز الشي‏ء رفعه، يقال أنشزته فنشز، أي رفعته فارتفع، و يقال لما ارتفع من الأرض نشز، و منه نشوز المرأة، و هو أن ترتفع عن حد رضا الزوج، و معنى الآية على هذه القراءة: كيف نرفعها من الأرض فتردها إلى أماكنها من الجسد و نركب بعضها على البعض، و روي عن النخعي أنه كان يقرأ نُنْشِزُهََا بفتح النون و ضم الشين و الزاي و وجهه ما قال الأخفش أنه يقال: نشزته و أنشزته أي رفعته، و المعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام، ثم بسط اللحم عليها، و نشر العروق و الأعصاب و اللحوم و الجلود عليها، و رفع بعضه إلى جنب البعض، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك.

ثم قال تعالى: فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ و هذا راجع إلى ما تقدم ذكره من قوله أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا /و المعنى فلما تبين له وقوع ما كان يستبعد وقوعه و قال صاحب «الكشاف» : فاعل تَبَيَّنَ لَهُ مضمر تقديره فلما تبين له أن اللّه على كل شي‏ء قدير قال: أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، و هذا عندي فيه تعسف، بل الصحيح أنه لما تبين له أمر الإماتة و الإحياء على سبيل المشاهدة قال:

أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و تأويله: أني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك الاستدلال و قرأ حمزة و الكسائي قََالَ أَعْلَمُ على لفظ الأمر و فيه وجهان أحدهما: أنه عند التبين أمر نفسه بذلك، قال الأعشى:

و دع أمامة إن الركب قد رحلوا

و الثاني: أن اللّه تعالى قال: أَعْلَمُ أَنَّ اَللََّهَ عَلى‏ََ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و يدل على صحة هذا التأويل قراءة عبد اللّه و الأعمش: قيل أعلم أن اللّه على كل شي‏ء قدير و يؤكده قوله في قصة إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ [البقرة: 260]ثم قال في آخرها وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: 260]قال القاضي: و القراءة الأولى و ذلك لأن الأمر بالشي‏ء إنما يحسن عند عدم المأمور به، و هاهنا العلم حاصل بدليل قوله فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ فكان الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك غير جائز، أما الاخبار عن أنه حصل كان جائزاً.

34

القصة الثالثة

و هي أيضاً دالة على صحة البعث:

في قوله تعالى وَ إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في عامل إِذْ قولان قال الزجاج التقدير: اذكر إذ قال إبراهيم، و قال غيره إنه معطوف على قوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ ألم تر إذ حاج إبراهيم في ربه، و أ لم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.

المسألة الثانية: أنه تعالى لم يسم عزيراً حين قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ََ قَرْيَةٍ [البقرة: 259]و سمى هاهنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شي‏ء واحد، و السبب أن عزيراً لم يحفظ الأدب، بل قال: أَنََّى يُحْيِي هََذِهِ اَللََّهُ بَعْدَ مَوْتِهََا و إبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على اللّه أولاً بقوله رَبِّ ثم دعا حيث قال: أَرِنِي و أيضاً أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء و الإماتة في الطيور، و عزيراً لما لم يراع الأدب جعل الإحياء و الإماتة في نفسه.

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوهاً الأول: قال الحسن و الضحاك و قتادة و عطاء و ابن جريج: أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، و إذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، و إذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت و طارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع و الطيور و دواب البحر، فقيل: أو لم تؤمن قال بلى و لكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضرورياً.

الوجه الثاني: قال محمد بن إسحاق و القاضي: سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ، قََالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ فأطلق محبوساً و قتل رجلاً قال إبراهيم: ليس هذا بإحياء و إماتة، و عند ذلك قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ و أتباعه، و روي عن نمرود أنه قال: قل لربك حتى يحيي و إلا قتلتك، فسأل اللّه تعالى ذلك، و قوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي و برهاني، و إن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة، بل كان بسبب جهل المستمع.

و الوجه الثالث: قال ابن عباس و سعيد بن جبير و السدي رضي اللّه عنهم: أن اللّه تعالى أوحى إليه إني متخذ بشراً خليلاً: فاستعظم ذلك إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، و قال إلهي ما علامات ذلك؟فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية و أداء الرسالة، خطر بباله: إني لعلي أن أكون ذلك الخليل، فسأل إحياء الميت فقال اللّه أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على أنني خليل لك.

35

الوجه الرابع: أنه صلى اللّه عليه و سلم إنما سأل ذلك لقومه و ذلك أتباع الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة و تارة حقة، كقولهم لموسى عليه السلام: اِجْعَلْ لَنََا إِلََهاً كَمََا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138]فسأل إبراهيم ذلك.

و المقصود أن يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم.

الوجه الخامس: ما خطر ببالي فقلت: لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه و إخباره إياه بأن اللّه بعثه رسولاً يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم و كذا إذا سمع الملك كلام اللّه احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك/الكلام كلام اللّه تعالى لا كلام غيره و إذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم و أخبره بأن اللّه تعالى بعثك رسولاً إلى الخلق طلب المعجز فقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ قََالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم.

الوجه السادس: و هو على لسان أهل التصوف: أن المراد من الموتى القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات و التجلي، و الإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي و الأنوار الإلهية فقوله أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتى‏ََ طلب لذلك التجلي و المكاشفات فقال أ و لم تؤمن قال بلى أؤمن به إيمان الغيب، و لكن أطلب حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي، و على قول المتكلمين: العلم الاستدلالي مما يتطرق إليه الشبهات و الشكوك فطلب علماً ضرورياً يستقر القلب معه استقراراً لا يتخالجه شي‏ء من الشكوك و الشبهات.

الوجه السابع: لعله طالع في الصحف التي أنزلها اللّه تعالى عليه أنه يشرف ولده عيسى بأنه يحيي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي على أني لست أقل منزلة في حضرتك من ولدي عيسى.

الوجه الثامن: أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم أمر بذبح الولد فسارع إليه، ثم قال: أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت، و أنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانيا، فقال: أ و لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي على أنك اتخذتني خليلاً.

الوجه التاسع: نظر إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم في قلبه فرآه ميتاً بحب ولده فاستحيى من اللّه و قال: أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر اللّه تعالى.

الوجه العاشر: تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا، فقال: أ و لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي على أن خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف.

الوجه الحادي عشر: لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى، بل كان قصده سماع الكلام بلا واسطة.

الثاني عشر: ما قاله قوم من الجهال، و هو أن إبراهيم صلى اللّه عليه و سلم كان شاكاً في معرفة المبدأ و في معرفة المعاد، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله‏ هََذََا رَبِّي* و قوله‏ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ اَلْقَوْمِ اَلضََّالِّينَ [الأنعام:

77]و أما شكه في المعاد فهو في هذه الآية، و هذا القول سخيف، بل كفر و ذلك لأن الجاهل بقدرة اللّه تعالى على إحياء الموتى كافر، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم، فكان هذا بالكفر أولى،

36

و مما يدل على فساد ذلك وجوه أحدها: قوله تعالى: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و لو كان شاكاً لم يصح ذلك و ثانيها: قوله وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و ذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين، و منها أن الشك في قدرة اللّه تعالى يوجب الشك في النبوّة فكيف يعرف نبوّة نفسه.

أما قوله تعالى: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ ففيه وجهان أحدهما: أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر:

أ لستم خير من ركب المطايا # و أندى العالمين بطون راح‏

و الثاني: المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمناً بذلك عارفاً به و أن المقصود من هذا السؤال شي‏ء آخر.

أما قوله تعالى: قََالَ بَلى‏ََ وَ لََكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فاعلم أن اللام في لِيَطْمَئِنَّ متعلق بمحذوف، و التقدير: سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب، قالوا. و المراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل و إلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين.

و هاهنا بحث عقلي و هو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض، و فيه سؤال صعب، و هو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزاً لنقيضه، و إما أن لا يكون، فإن جوّز نقيضه بوجه من الوجوه، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم، و إن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم.

و اعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة اللّه تعالى على الإحياء، أما لو قلنا: المقصود شي‏ء آخر فالسؤال زائل.

أما قوله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ اَلطَّيْرِ فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: أخذ طاوساً و نسراً و غراباً و ديكاً، و في قول مجاهد و ابن زيد رضي اللّه عنهما: حمامة بدل النسر، و هاهنا أبحاث:

البحث الأول: أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين الأول: أن الطيران في السماء، و الارتفاع في الهواء، و الخليل كانت همته العلو و الوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته.

و الوجه الثاني: أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور و جعلها قطعة قطعة، و وضع على رأس كل جبل قطعاً مختلطة، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان و تتصل بها الأرواح، و يقرره قوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ اَلْأَجْدََاثِ كَأَنَّهُمْ جَرََادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: 7].

البحث الثاني: أن المقصود من الإحياء و الإماتة كان حاصلاً بحيوان واحد، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات، و فيه وجهان الأول: أن المعنى فيه أنك سألت واحداً على قدر العبودية و أنا أعطي أربعاً على قدر الربوبية و الثاني: أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات و النباتات و الإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية و صفاء عالم القدس.

37

البحث الثالث: إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب/الزينة و الجاه و الترفع، قال تعالى: زُيِّنَ لِلنََّاسِ حُبُّ اَلشَّهَوََاتِ [آل عمران: 14]و النسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل و الديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج و الغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع و الطلب، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل و يخرج بالنهار في غاية البرد للطلب، و الإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس و الفرج و في إبطال الحرص و إبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحاً و راحة من نور جلال اللّه.

أما قوله تعالى: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بكسر الصاد، و الباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان الأول: أن من صرت الشي‏ء أصوره إذا أملته إليه و رجل أصور أي مائل العنق، و يقال: صار فلان إلى كذا إذا قال به و مال إليه، و على هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل: أملهن إليك و قطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله‏ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصََاكَ اَلْبَحْرَ فَانْفَلَقَ على معنى: فضرب فانفلق لأن قوله ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً يدل على التقطيع.

فإن قيل: ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها؟.

قلنا: الفائدة أن يتأمل فيها و يعرف أشكالها و هيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، و لا يتوهم أنها غير تلك.

و القول الثاني: و هو قول ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و مجاهد فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ معناه قطعهن، يقال: صار الشي‏ء يصوره صوراً، إذا قطعه، قال رؤبة يصف خصماً ألد: صرناه بالحكم، أي قطعناه، و على هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، و أما قراءة حمزة بكسر الصاد، فقد فسّر هذه الكلمة أيضاً تارة بالإمالة، و أخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفرّاء: هذه لغة هذيل و سليم: صاره يصيره إذا أماته، و قال الأخفش و غيره فصرهن بكسر الصاد: قطعهن. يقال: صاره يصيره إذا قطعه، قال الفرّاء: أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصرى إذا قطع، فقدمت ياؤها، كما قالوا: عثا و عاث، قال المبرد: و هذا لا يصح، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته، فلا يجوز جعل أحدهما فرعاً عن الآخر.

المسألة الثانية: أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية: قطعهن، و أن إبراهيم قطع أعضاءها و لحومها و ريشها و دماءها، و خلط بعضها على بعض، غير أبي مسلم فإنه أنكر ذلك، و قال: إن إبراهيم عليه السلام لما طلب إحياء الميت من اللّه تعالى أراه اللّه تعالى مثالا قرب به الأمر عليه، و المراد بصرهن إليك الإمالة و التمرين على الإجابة، أي فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك و أتتك، فإذا صارت كذلك، فاجعل على كل جبل واحداً حال حياته، ثم ادعهن/يأتينك سعياً، و الغرض منه ذكر مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة و أنكر القول بأن المراد منه: فقطعهن. و احتج على بوجوه الأول: أن المشهور في اللغة في قوله فَصُرْهُنَّ أملهن و أما التقطيع و الذبح فليس في الآية ما يدل عليه، فكان إدراجه في الآية إلحاقاً لزيادة بالآية لم يدل الدليل عليها و أنه لا يجوز و الثاني: أنه لو كان المراد بصرهن قطعهن لم يقل إليك، ـ

38

فإن ذلك لا يتعدى بإلى و إنما يتعدى بهذا الحرف إذا كان بمعنى الإمالة.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال في الكلام تقديم و تأخير، و التقدير: فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن.

قلنا: التزام التقديم و التأخير من غير دليل ملجئ إلى التزامه خلاف الظاهر و الثالث: أن الضمير في قوله ثُمَّ اُدْعُهُنَّ عائد إليها لا إلى أجزائها، و إذا كانت الأجزاء متفرقة متفاصلة و كان الموضوع على كل جبل بعض تلك الأجزاء يلزم أن يكون الضمير عائداً إلى تلك الأجزاء لا إليها، و هو خلاف الظاهر، و أيضاً الضمير في قوله يَأْتِينَكَ سَعْياً عائدا إلى أجزائها لا إلى إجزائها، و على قولكم إذا سعى بعض الأجزاء إلى بعض كان الضمير في يَأْتِينَكَ عائدا إلى أجزائها لا إليها، و احتج القائلون بالقول المشهور بوجوه الأول: أن كل المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم أجمعوا على أنه حصل ذبح تلك الطيور و تقطيع أجزائها، فيكون إنكار ذلك إنكاراً للإجماع و الثاني: أن ما ذكره غير مختص بإبراهيم صلى اللّه عليه و سلم، فلا يكون له فيه مزية على الغير و الثالث: أن إبراهيم أراد أن يريه اللّه كيف يحيي الموتى، و ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ذلك، و على قول أبي مسلم لا تحصل الإجابة في الحقيقة و الرابع: أن قوله ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً يدل على أن تلك الطيور جعلت جزأ جزأ، قال أبو مسلم في الجواب عن هذا الوجه: أنه أضاف الجزء إلى الأربعة فيجب أن يكون المراد بالجزء هو الواحد من تلك الأربعة و الجواب: أن ما ذكرته و إن كان محتملاً إلا أن حمل الجزء على ما ذكرناه أظهر و التقدير: فاجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءاً أو بعضاً.

أما قوله تعالى: ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ففيه مسائل:

المسألة الأولى: ظاهر قوله عَلى‏ََ كُلِّ جَبَلٍ جميع جبال الدنيا، فذهب مجاهد و الضحاك إلى العموم بحسب الإمكان، كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، و قال ابن عباس و الحسن و قتادة و الربيع أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة و على حسب الجهات الأربعة أيضاً أعني المشرق و المغرب و الشمال و الجنوب، و قال السدي و ابن جريج: سبعة من الجبال لأن المراد كل جبل يشاهده إبراهيم عليه السلام حتى يصح منه دعاء الطير، لأن ذلك لا يتم إلا بالمشاهدة، و الجبال التي كان يشاهدها إبراهيم عليه السلام سبعة.

المسألة الثانية:

روي أنه صلى اللّه عليه و سلم أمر بذبحها و نتف ريشها و تقطيعها جزءاً جزءاً و خلط دمائها و لحومها، و أن يمسك رؤوسها، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعاً من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن اللّه تعالى، ثم أخذ كل جزء يطير إلى الآخر حتى تكاملت الجثث، ثم أقبلت كل جثة إلى رأسها و انضم كل رأس إلى جثته، و صار الكل أحياء بإذن اللّه تعالى.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم في رواية أبي بكر و الفضل جُزْءاً مثقلاً مهموزاً حيث وقع، و الباقون مهمزاً مخففاً و هما لغتان بمعنى واحد.

أما قوله تعالى: ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فقيل عدواً و مشياً على أرجلهن، لأن ذلك أبلغ في الحجة، و قيل طيراناً و ليس يصح، لأنه لا يقال للطير إذا طار: سعى، و منهم من أجاب عنه بأن السعي هو الاشتداد في الحركة، فإن كانت الحركة طيراناً فالسعي فيها هو الاشتداد في تلك الحركة.

و قد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة، و ذلك لأنه تعالى جعل كل‏

39

واحد من تلك الأجزاء و الأبعاض حياً فاهماً للنداء، قادراً على السعي و العدو، فدل ذلك على أن البنية ليست شرطاً في صحة الحياة قال القاضي: الآية دالة على أنه لا بد من البنية من حيث أوجب التقطيع بطلان حياتها.

و الجواب: أنه ضعيف لأن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فإنه يدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، و لما دلّت الآية على حصول فهم النداء، و القدرة على السعي لتلك الأجزاء حال تفرقها، كان دليلاً قاطعاً على أن البنية ليست شرطاً للحياة.

أما قوله تعالى: وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فالمعنى أنه غالب على جميع الممكنات حَكِيمٌ أي عليم بعواقب الأمور و غايات الأشياء.

الحكم الأول في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال‏

اعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ و بالمعاد و من دلائل صحتهما ما أراد أتبع ذلك ببيان الشرائع و الأحكام و التكاليف.

فالحكم الأول: في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال، و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه الأول: قال القاضي رحمه اللّه: إنه تعالى لما أجمل في قوله‏ مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف، و إنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء و الإماتة من حيث لو لا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثاً، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك و أكملت نعمتي عليك بالإحياء و الأقدار و قد علمت قدرتي على المجازاة و الإثابة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعياً إلى إنفاق المال، فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً، و هو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فصارت الواحدة سبعمائة.

الوجه الثاني: في بيان النظم ما ذكره الأصم، و هو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى اللّه عليه و سلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس و المال في نصرته و إعلاء شريعته.

و الوجه الثالث: لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، و أن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل اللّه و ما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

المسألة الثانية: في الآية إضمار، و التقدير: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة و قيل: مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة.

المسألة الثالثة: معنى يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ يعني في دينه، قيل: أراد النفقة في الجهاد خاصة، و قيل: جميع أبواب البر، و يدخل فيه الواجب و النفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و من الإنفاق في الجهاد على نفسه و على الغير، و من صرف المال إلى الصدقات، و من إنفاقها في المصالح، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين اللّه و طريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل اللّه گ.

40

فإن قيل: فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها؟.

قلنا: الجواب عنه من وجوه الأول: أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة و الربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك و لا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند اللّه أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة و مائة، و سبعمائة، و إذا كان هذا المعنى معقولا سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلا مستقيما، و هذا قول القفال رحمه اللّه و هو حسن جدا.

و الجواب الثاني: أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس، و هذا الجواب في غاية الركاكة.

المسألة الرابعة: كان أبو عمرو و حمزة و الكسائي يدغمون التاء في السين في قوله أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنََابِلَ لأنهما حرفان مهموسان، و الباقون بالإظهار على الأصل.

ثم قال: وَ اَللََّهُ يُضََاعِفُ لِمَنْ يَشََاءُ و ليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة، و لا بيان من يشرفه اللّه بهذه المضاعفة، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المتقين، و يجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص، أو لأنه تعالى بفضله و إحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول و الثواب.

ثم قال: وَ اَللََّهُ وََاسِعٌ أي واسع القدرة على المجازاة على الجود و الإفضال عليهم، بمقادير الانفاقات، و كيفية ما يستحق عليها، و متى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعا عند اللّه تعالى.

اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الانفاق في سبيل اللّه، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب، منها ترك المن و الأذى ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: نزلت الآية في عثمان و عبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها و ألف دينار،

فرفع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يديه يقول: يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه،

و أما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية.

المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه، و هذه الآية بمن أنفق على غيره فبيّن تعالى أن الانفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن و لا أذى قال القفال رحمه اللّه: و قد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه، و ذلك هو أن ينفق على نفسه و يحضر الجهاد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و المسلمين ابتغاء لمرضاة اللّه تعالى، و لا يمن به على النبي صلى اللّه عليه و سلم و المؤمنين، و لا يؤذي أحدا من المؤمنين، مثل أن يقول: لو لم أحضر لما تم هذا الأمر، و يقول لغيره: أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد.

المسألة الثالثة: المن في اللغة على وجوه أحدها: بمعنى الانعام، يقال: قد من اللّه على فلان، إذا أنعم، أو لفلان عليّ منّة، و أنشد ابن الأنباري:

41

فمني علينا بالسلام فإنما # كلامك ياقوت و در منظم‏

و منه‏

قوله صلى اللّه عليه و سلم: «ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته و لا ذات يده من ابن أبي قحافة»

يريد أكثر إنعاما بماله، و أيضا اللّه تعالى يوصف بأنه منان أي منعم.

و الوجه الثاني: في التفسير المن النقص من الحق و البخس له، قال تعالى: وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع و غير ممنوع، و منه سمي الموت: منونا لأنه ينقص الأعمار، و يقطع الأعذار: و من هذا الباب المنة المذمومة، لأن ينقص النعمة، و يكدرها، و العرب يمتدحون بترك المن بالنعمة، قال قائلهم:

زاد معروفك عندي عظما # أنه عندي مستور حقير

تتناساه كأن لم تأته # و هو في العالم مشهور كثير

إذا عرفت هذا فنقول: المن هو إظهار الاصطناع إليهم، و الأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم و إنما كان المن مذموما لوجوه الأول: أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة، و في حكم المسي‏ء إليه بعد أن أحسن إليه و الثاني: إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث: أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من اللّه تعالى عليه، و أن يعتقد أن للّه عليه نعما عظيمة حيث و فقه لهذا العمل، و أن يخاف أنه هل قرن بهذا الانعام ما يخرجه عن قبول اللّه إياه، و متى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع: و هو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن اللّه تعالى هيأ له أسباب الإعطاء و أزال أسباب المنع، و متى كان الأمر كذلك كان المعطي هو اللّه في الحقيقة لا العبد، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيراً بنور اللّه تعالى و إذا لم يكن كذلك بل كان مشغولاً بالأسباب الجسمانية الظاهرة و كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول و عن الآثار إلى المؤثر، و أما الأذى فقد اختلفوا فيه، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين و ليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصاً بما تقدم ذكره و هو مثل أن يقول للفقير: أنت أبداً تجيئني بالإيلام و فرج اللّه عني منك و باعد ما بيني و بينك، فبيّن سبحانه و تعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن و الأذى فله الأجر العظيم و الثواب الجزيل.

فإن قيل: ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني/لا يبطل الأجر.

قلنا: بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله لاََ يُتْبِعُونَ مََا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لاََ أَذىً يقتضي أن لا يقع منه لا هذا و لا ذاك.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها، و ذلك لأنه تعالى بيّن أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن و الأذى، لأنه لو ثبت مع فقدهما و مع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة.

أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن و الأذى يخرجان الانفاق من أن يكون فيه أجر و ثواب‏

42

أصلاً، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن، و لم ينفق لطلب رضوان اللّه، و لا على وجه القربة و العبادة، فلا جرم بطل الأجر، طعن القاضي في هذا الجواب فقال: إنه تعالى بيّن أن هذا الانفاق قد صح، و لذلك قال:

ثُمَّ لاََ يُتْبِعُونَ مََا أَنْفَقُوا و كلمة (ثم) للتراخي، و ما يكون متأخراً عن الانفاق موجب للثواب، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلاً حال حصول المؤثر لا بعده.

أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول: أن ذكر المن و الأذى و إن كان متأخراً عن الانفاق، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهراً على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه اللّه، بل لأجل الترفع على الناس و طلب الرياء و السمعة، و متى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب و الثاني: هب أن هذا الشرط متأخر، و لكن لم يجوز أن يقال: إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة، و تقريره معلوم في علم الكلام.

المسألة الخامسة: الآية دلت أن المن و الأذى من الكبائر، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل.

أما قوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ ففيه مسائل:

المسألة الأولى: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على اللّه تعالى، و أصحابنا يقولون: حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد و أداء الواجب لا يوجب الأجر.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط، و ذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الإطلاق، فوجب أن يكون الأجر حاصلاً لهم بعد فعل الكبائر، و ذلك يبطل القول بالإحباط.

المسألة الثالثة: أجمعت الأمة على أن قوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مشروط بأن لا يوجد منه الكفر، و ذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص، و متى جاز ذلك في الجملة/لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية، و ذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد.

أما قوله وَ لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ ففيه قولان الأول: أن إنفاقهم في سبيل اللّه لا يضيع، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة، لا يخافون من أن لا يوجد، و لا يحزنون بسبب أن لا يوجد، و هو كقوله تعالى:

وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصََّالِحََاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلاََ يَخََافُ ظُلْماً وَ لاََ هَضْماً [طه: 112]و الثاني: أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ألبتة، كما قال: وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل: 89]و قال: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ [الأنبياء: 103].

43

في قوله تعالى قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهََا أَذىً وَ اَللََّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ أما القول المعروف، فهو القول الذي تقبله القلوب و لا تنكره، و المراد منه هاهنا أن يرد/السائل بطريق جميل حسن، و قال عطاء: عدة حسنة، أما المغفرة ففيه وجوه أحدها: أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير و الصفح عن إساءته و ثانيها: أن يكون المراد و نيل مغفرة من اللّه بسبب الرد الجميل و ثالثها: أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير و لا يهتك ستره، و المراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق و بالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله و رابعها: أن قوله قَوْلٌ مَعْرُوفٌ خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق، و قوله وَ مَغْفِرَةٌ خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد، فربما لم يقدر على ذلك الشي‏ء في تلك الحالة، ثم بيّن تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، و سبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الإنفاع و الإضرار، و ربما لم يف ثواب الإنفاع بعقاب الإضرار، و أما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم و لم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيراً من الأول.

و اعلم أن من الناس من قال: إن الآية واردة في التطوع، لأن الواجب لا يحل منعه، و لا رد السائل منه، و قد يحتمل أن يراد به الواجب، و قد يعدل به عن سائل إلى سائل و عن فقير إلى فقير.

ثم قال: وَ اَللََّهُ غَنِيٌّ عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها حَلِيمٌ إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن و يؤذي بصدقته، و هذا سخط منه و وعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما:

الذي يتبعه المن و الأذى و الثاني: الذي لا يتبعه المن و الأذى، فشرح حال كل واحد منهما، و ضرب مثلاً لكل واحد منهما.

فقال في القسم الأول: الذي يتبعه المن و الأذى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ رِئََاءَ اَلنََّاسِ وَ لاََ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ و في الآية مسائل، المسألة الأولى: قال القاضي: إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن و الأذى و أزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن و الأذى يبطلان الصدقة، و معلوم أن الصدقة قد وقعت و تقدمت، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها و ثوابها، لأن الأجر لم يحصل بعد و هو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن و الأذى.

و اعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن و الأذى مثلين، فمثله أولاً: بمن ينفق ماله رئاء الناس، و هو مع ذلك كافر لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن و الأذى، ثم مثله ثانياً: بالصفوان الذي وقع عليه تراب و غبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار و لا تراب أصلاً، فالكافر كالصفوان، و التراب مثل ذلك الإنفاق و الوابل كالكفر الذي يحبط عمل/الكافر، و كالمن و الأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق،

44

قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المن و الأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله، و ذلك صريح في القول بالإحباط و التفكير، قال الجبائي: و كما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً، و ذلك لأن من أطاع و عصى، فلو استحق ثواب طاعته و عقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، و شرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين و ذلك محال، و لأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة و منع الإثابة ظلم، و هذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه، و أن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه و ذلك محال، فصح بهذا قولنا في الإحباط و التفكير بهذا النص و بدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة.

و أما أصحابنا فإنهم قالوا: ليس المراد بقوله لاََ تُبْطِلُوا النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلاً، و ذلك لأنه إذا قصد به غير وجه اللّه تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان، و احتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل:

أولها: أن النافي و الطارئ إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارئ زوال النافي، و إن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارئ أولى من زوال النافي، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع.

ثانيها: أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي و هو محال لأن الماضي انقضى و لم يبق في الحال و إعدام المعدوم محال و إما أن يبطل ما هو موجود في الحال و هو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم و الوجود و هو محال، و إما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل و هو محال، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال و إعدام ما لم يوجد بعد محال.

و ثالثها: أن شرط طريان الطارئ زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللاً بطريان الطارئ لزم الدور و هو محال.

و رابعها: أن الطارئ إذا طرأ و أعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارئ شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً، و الأول هو الموازنة و هو قول أبي هاشم و هو باطل، و ذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل واحد منهما معدوماً و هو محال.

و أما الثاني: و هو قول أبي علي الجبائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارئ لما أزال الثواب السابق، و ذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشي‏ء من هذا العقاب الطارئ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلاً لا في جلب ثواب و لا في دفع عقاب و ذلك على مضادة النص الصريح في قوله‏ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7]و لأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، و لم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة و لا في دفع المضرة.

و خامسها: و هو أنكم تقولون: الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض، و ذلك محال من القول، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات

45

دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجح و هو محال، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات و هو باطل بالاتفاق، أو لا نزيل شيئاً منها و هو المطلوب.

و سادسها: و هو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارئ أو كلها و الأول: باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح و هو محال، و القسم الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإبطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان و ذلك محال، لأنه يستغنى بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معاً حال كونه محتاجاً إليهما معاً و هو محال.

و سابعها: و هو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده: احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدو و قصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو و قتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح و التعظيم حيث دفع القتل عن سيده، و يوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة، و كل واحد من الاستحقاقين ثابت، و العقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين و زواله فذلك مدفوع في بداهة العقول.

و ثامنها: أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارئ إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون، و الأول: محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجوداً في الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارئ أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي و هو محال، و إن لم يكن للطارئ أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان و أن لا يزول و لا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا/الطارئ مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق، لأنا نقول: إذا كان هذا الطارئ لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلاً و ألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال، و اندفاع أثر هذا الطارئ ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس.

و تاسعها: أن هؤلاء المعتزلة يقولون: إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان و طاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، و ذلك محال. لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة، و الأعظم لا يحيط بالأقل، قال الجبائي: إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة، لأن معصية اللّه تعظم على قدر كثرة نعمه و إحسانه، كما أن استحقاق قيام الربانية و قد رباه و ملكه و بلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم اللّه على عباده بحيث لا تضبط عظماً و كثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات، و اعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه و ينسبه إلى ترك الإنصاف و القسوة، و معلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال اللّه تعالى أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول.

46

و عاشرها: أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة، و هذا مما لا يقبله العقل و اللّه أعلم، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول: قوله تعالى: لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ يحتمل أمرين أحدهما: لا تأتوا به باطلاً، و ذلك أن ينوي بالصدقة الرياء و السمعة، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة، و هذا التأويل لا يضرنا ألبتة.

الوجه الثاني: أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن و الأذى صار عقاب المن و الأذى مزيلاً لثواب تلك الصدقة، و على هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول و اعلم أن اللّه تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما: يطابق الاحتمال الأول، و هو قوله كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ رِئََاءَ اَلنََّاسِ وَ لاََ يُؤْمِنُ بِاللََّهِ إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلاً أنه دخل في الوجود باطلاً، لا أنه دخل صحيحاً، ثم يزول، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر، و الكفر مقارن له، فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل، و أما المثل الثاني و هو الصفوان الذي وقع عليه غبار و تراب ثم أصابه وابل، فهذا يشهد لتأويلهم، لأنه تعالى جعل/الوابل مزيلاً لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن و الأذى مزيلين للأجر و الثواب بعد حصول استحقاق الأجر، إلا أن لنا أن نقول: لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لو لا كونه مقروناً بالنية الفاسدة لكان موجباً لحصول الأجر و الثواب، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه، و حمل الكلام على ما ذكرناه أولى، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به و لا غائصاً فيه ألبتة، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى العين متصل، و في الحقيقة غير متصل، فكذا الانفاق المقرون بالمن و الأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، و في الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، و أما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين، و أن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح و إما المهايأة.

المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على اللّه بسبب صدقتكم، و بالأذى لذلك السائل، و قال الباقون: بالمن على الفقير، و بالأذى للفقير. و قول ابن عباس رضي اللّه عنهما محتمل، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله، و لم يسلك طريقة التواضع و الانقطاع إلى اللّه، و الاعتراف بأن ذلك من فضله و توفيقه و إحسانه فكان كالمان على اللّه تعالى و إن كان القول الثاني أظهر له.

أما قوله كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ رِئََاءَ اَلنََّاسِ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: الكاف في قوله كَالَّذِي فيه قولان الأول: أنه متعلق بمحذوف و التقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن و الأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس، فبيّن تعالى أن المن و الأذى يبطلان الصدقة، كما أن النفاق و الرياء يبطلانها، و تحقيق القول فيه أن المنافق و المرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه اللّه تعالى، و من يقرن الصدقة بالمن و الأذى، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه اللّه أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة اللّه تعالى لما من على الفقير و لا آذاه، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه اللّه تعالى، و هذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به باطلاً، لا أن المقصود الإتيان به صحيحاً، ثم إزالته‏

47

و إحباطه بسبب المن و الأذى.

و القول الثاني: أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس.

المسألة الثانية: الرياء مصدر، كالمراءاة يقال: راأيته رياء و مراءاة، مثل: راعيته مراعاة و رعاء، و هو أن ترائي بعملك غيرك، و تحقيق الكلام في الرياء قد تقدم، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني، فقال فَمَثَلُهُ و في هذا الضمير وجهان أحدهما: أنه عائد إلى المنافق، فيكون/المعنى أن اللّه تعالى شبه المان و المؤذي بالمنافق، ثم شبه المنافق بالحجر، ثم قال: كَمَثَلِ صَفْوََانٍ و هو الحجر الأملس، و حكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان و الصفا و الصفوا واحد، و كل ذلك مقصور، و قال بعضهم: الصفوان جمع صفوانه، كمرجان و مرجانة، و سعدان و سعدانة، ثم قال: فَأَصََابَهُ وََابِلٌ الوابل المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل وبلا، و أرض موبولة، أي أصابها وابل، ثم قال: فَتَرَكَهُ صَلْداً الصلد الأمس اليابس، يقال: حجر صلد، و جبل صلد إذا كان براقا أملس و أرض صلدة، أي لا تنبت شيئاً كالحجر الصلد و صلد الزند إذا لم يور ناراً.

و اعلم أن هذا مثل ضربة اللّه تعالى لعمل المان المؤذي، و لعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً، كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله و بطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، و أما المعتزلة فقالوا: إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر و الثواب، ثم إن المن و الأذى أزالا ذلك الأجر، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان، و اعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين الأول: ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب، و المان و الأذى و المنافق كالصفوان و يوم القيامة كالوابل هذا على قولنا، و أما على قول المعتزلة فالمن و الأذى كالوابل.

الوجه الثاني: في التشبيه، قال القفال رحمه اللّه تعالى، و فيه احتمال آخر، و هو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له و ينمو حتى يحصده في وقته، و يجده وقت حاجته، و الصفوان محل بذر المنافق، و معلوم أنه لا ينمو فيه شي‏ء و لا يكون فيه قبول للبذر، و المعنى أن عمل المان و المؤذي و المنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شي‏ء فيه، أ لا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة، و الجنة ما يكون فيه أشجار و نخيل، فمن أخلص للّه تعالى كان كمن غرس بستانا في ربوة من الأرض، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة و هي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة، و أما عمل المان و المؤذي و المنافق، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً، و من الملحدة من طعن في التشبيه، فقال: إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقيًّا نظيفاً عن الغبار و التراب فكيف يجوز أن يشبه اللّه به عمل المنافق، و الجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه، قال القاضي:

و أيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه أحدها: أنه أصلح في الاستقرار عليه و ثانيها: الانتفاع بها في التيمم و ثالثها: الانتفاع به فيما يتصل بالنبات، و هذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول.

48

أما قوله تعالى: لاََ يَقْدِرُونَ عَلى‏ََ شَيْ‏ءٍ مِمََّا كَسَبُوا فاعلم أن الضمير في قوله لاََ يَقْدِرُونَ إلى/ما ذا يرجع؟فيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان، لأنه زال ذلك التراب و ذلك ما كان فيه، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر، و هذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه اللّه تعالى، و كذا المان و المؤذي و المنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة و الثاني: أنه عائد إلى قوله كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ و خرج على هذا المعنى، لأن قوله كَالَّذِي يُنْفِقُ مََالَهُ إنما أشير به إلى الجنس، و الجنس في حكم العام، قال القفال رحمه اللّه: و فيه وجه ثالث، و هو أن يكون ذلك مردوداً على قوله لاََ تُبْطِلُوا صَدَقََاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذى‏ََ فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شي‏ء مما كسبتم، فرجع عن الخطاب إلى الغائب، كقوله تعالى: حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي اَلْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: 22].

ثم قال: وَ اَللََّهُ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكََافِرِينَ و معناه على قولهم: سلب الإيمان، و على قول المعتزلة: إنه تعالى يضلهم عن الثواب و طريق الجنة بسوء اختيارهم.

في قوله تعالى وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمُ إلى قوله وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ثم قال تعالى: وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمُ اِبْتِغََاءَ مَرْضََاتِ اَللََّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصََابَهََا وََابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهََا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهََا وََابِلٌ فَطَلٌّ وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .

اعلم أن اللّه تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً و مؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك، و هو هذه الآية، و بيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما: طلب مرضاة اللّه تعالى، و الابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت، و سواء قولك: بغيت و ابتغيت.

و الغرض الثاني: هو تثبيت النفس، و فيه وجوه أحدها: أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة و ترك ما يفسدها، و من جملة ذلك ترك اتباعها بالمن و الأذى، و هذا قول القاضي و ثانيها: و تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، و يعضده قراءة مجاهد و تثبيتا من بعض أنفسهم و ثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، و معشوقها أمران: الحياة العاجلة و المال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، و إذا كلفت يبذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه (من) التي هي التبعيض، و المعنى أن من بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبت بعض نفسه، و من بذل ماله و روحه معاً فهو الذي ثبتها كلها، و هو المراد من قوله وَ تُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللََّهِ بِأَمْوََالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ [الصف: 11]و هذا الوجه ذكره صاحب «الكشاف» ، و هو كلام حسن و تفسير لطيف و رابعها: و هو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع: أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر اللّه على ما قال: أَلاََ بِذِكْرِ اَللََّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ [الرعد: 28]فمن أنفق ماله في سبيل اللّه لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض/العبودية، و لهذا السبب حكي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال في إنفاقه‏ إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً وَ لاََ شُكُوراً [الإنسان: 9]و وصف إنفاق أبي بكر فقال: وَ مََا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ََ، `إِلاَّ اِبْتِغََاءَ وَجْهِ رَبِّهِ، اَلْأَعْلى‏ََ`وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ََ [الليل: 19، 20، 21]فإذا كان إنفاق العبد لأجل، عبودية الحق لا لأجل غرض النفس و طلب الحض. فهناك اطمأن قلبه، و استقرت نفسه، و لم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، و لهذا قال أولاً في هذا الانفاق إنه لطلب مرضات اللّه، ثم‏

49

أتبع ذلك بقوله وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ و خامسها: أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.

إذا عرفت هذا فنقول: إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة اللّه حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما: حصول هذا المعنى و الثاني: صيرورة هذا الابتغاء و الطلب ملكة مستقرة في النفس، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة و الاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس، و ذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة و الخلق للروح، فإتيان العبد بالطاعة للّه، و لابتغاء مرضاة اللّه، يفيد هذه الملكة المستقرة، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس، و هو المراد أيضاً بقوله‏ يُثَبِّتُ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا و عند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية و الجواهر القدسية، فصار العبد كما قاله بعض المحققين: غائباً حاضراً، ظاعناً مقيماً و سادسها: قال الزجاج: المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن اللّه تعالى لا يضيع عملهم، و لا يخيب رجاءهم، لأنها مقرونة بالثواب و العقاب و النشور بخلاف المنافق، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً، لأنه لا يؤمن بالثواب، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت و سابعها: قال الحسن و مجاهد و عطاء: المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح و العفاف، قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإذا كان للّه أعطى، و إن خالطه أمسك، قال الواحدي: و إنما جاز أن يكون التثبيت، بمعنى التثبيت، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق، و صرف المال في وجهه، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلاً، فقال: كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصََابَهََا وََابِلٌ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم و ابن عامر بِرَبْوَةٍ بفتح الراء و في المؤمنين‏ إِلى‏ََ رَبْوَةٍ و هو لغة تميم، و الباقون بضم الراء فيهما، و هو أن أشهر اللغات و لغة قريش، و فيه سبع لغات (ربوة) بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و (رباوة) بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و (ربو) و الربوة المكان المرتفع، قال الأخفش: و الذي اختاره (ربوة) بالضم، لأن جمعها الربى، و أصلها من قولهم: ربا الشي‏ء يربو إذا ازداد و ارتفع، و منه الرابية، لأن أجزاءها ارتفعت، و منه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، و منه الربا، لأنه يأخذ الزيادة.

و اعلم أن المفسرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن و أكثر ريعاً.

و لي فيه إشكال: و هو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء و لا ترتفع إليه أنهار و تضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه، و إذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار، و لا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة و لا وهدة، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ و ربا و نما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ربعها، و تكمل الأشجار فيها، و هذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما: قوله تعالى: وَ تَرَى اَلْأَرْضَ هََامِدَةً فَإِذََا أَنْزَلْنََا عَلَيْهَا اَلْمََاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ [الحج: 5]و المراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هاهنا و الثاني: أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، و لا يربو، و لا ينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد

50

بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو و تنمو، فهذا ما خطر ببالي و اللّه أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: أَصََابَهََا وََابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهََا ضِعْفَيْنِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو أُكُلَهََا بالتخفيف، و الباقون بالتثقيل، و هو الأصل، و الأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال اللّه تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهََا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهََا [إبراهيم: 25] أي ثمرتها و ما يؤكل منها، فالأكل في المعنى مثل الطعمة، و أنشد الأخفش:

فما أكلة إن نلتها بغنيمة # و لا جوعة إن جعتها بقرام‏

و قال أبو زيد: يقال إنه لذو أكل إذا كان له حظ من الدنيا.

المسألة الثانية: قال الزجاج: فَآتَتْ أُكُلَهََا ضِعْفَيْنِ يعني مثلين لأن ضعف الشي‏ء مثله زائداً عليه، و قيل ضعف الشي‏ء مثلاه قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين، و قال الأصم: ضعف ما يكون في غيرها، و قال أبو مسلم: مثلي ما كان يعهد منها.

ثم قال تعالى: فَإِنْ لَمْ يُصِبْهََا وََابِلٌ فَطَلٌّ الطل: مطر صغير الفطر، ثم في المعنى وجوه:

الأول: المعنى أن هذه الجنّة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر و ذلك بسبب كرم المنبت الثاني: معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلا بد و أن يصيبها طل يعطي ثمراً دون ثمر الوابل، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر، فكذلك من أخرج صدقة لوجه اللّه تعالى لا يضيع كسبه قليلاً كان أو كثيراً.

ثم قال: وَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و المراد من البصير العليم، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات و كيفيتها، و الأمور الباعثة عليها، و أنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير و إن شرًّا فشر.

اعلم أن هذا مثل آخر ذكره اللّه تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن و الأذى، و المعنى أن يكون للإنسان جنّة في غاية الحسن و النهاية، كثيرة النفع، و كان الإنسان في غاية العجز عن الكسب و في غاية شدة الحاجة، و كما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضاً في غاية الحاجة، و في غاية العجز، و لا شك أن كونه محتاجاً أو عاجزاً مظنة الشدة و المحنة، و تعلق جمع من المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة، فإذا أصبح الإنسان و شاهد تلك الجنة محرقة بالكلية، فانظر كم يكون في قلبه من الغم و الحسرة، و المحنة و البلية تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس، و ثانياً: بسبب أنه بقي في الحاجة و الشدة مع العجز عن الاكتساب و اليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئاً، و ثالثاً: بسبب تعلق غيره به، و مطالبتهم إياه بوجوه النفقة، فكذلك من أنفق لأجل اللّه، كان ذلك نظيراً للجنة المذكورة و هو يوم القيامة، كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة، و أما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنّة، ـ

51

الحسرة و الحيرة و الندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة، و كان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله، لم يجد هناك شيئا فيبقى لا محالة في أعظم غم، و في أكمل حسرة و حيرة، و هذا المثل في غاية الحسن، و نهاية الكمال، و لنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية.

أما قوله أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ فيه مسألتان:

المسألة الأولى: الود، هو المحبة الكاملة.

المسألة الثانية: الهمزة في أَ يَوَدُّ استفهام لأجل الإنكار، و إنما قال: أَ يَوَدُّ و لم يقل أ يريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة و معلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال أ يود أحدكم حصول مثل هذه الحالة تنبيها على الإنكار التام، و النفرة البالغة إلى الحد الذي لا مرتبة فوقه.

أما قوله جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنََابٍ فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات ثلاث:

الصفة الأول كونها من نخيل و أعناب، و اعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل و الأعناب، و لا تكون الجنة من النخيل و الأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل و الأعناب، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل و الأعناب، و إنما خص النخيل و الأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه و لأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها.

و الصفة الثانية: قوله تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ و لا شك أن هذا سبب لزيادة الحسن في هذه الجنة.

الصفة الثالثة قوله لَهُ فِيهََا مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ و لا شك أن هذا يكون سببا لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها، و لا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية و المنظر كثيرة النفع و الريع، و لا تمكن الزيادة في الحسن الجنة على ذلك، ثم أنه تعالى بعد ذلك شرع شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة، فقال وَ أَصََابَهُ اَلْكِبَرُ و ذلك لأنه إذا صار كبيرا، و عجز عن الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه، و ملبسه، و مسكنه، و من يقوم بخدمته، و تحصيل مصالحه، فإذا تزايدت جهات الحاجات و تناقصت جهات الدخل و الكسب، إلا من تلك الجنة، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة.

فإن قيل كيف عطف وَ أَصََابَهُ على أَ يَوَدُّ و كيف يجوز عطف الماضي على المستقبل.

قلنا الجواب عنه من وجوه الأول قال صاحب «الكشاف» (الواو) للحال لا للعطف، و معناه أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق.

و الجواب الثاني قال الفراء: وددت أن يكون كذا و وددت لو كان كذا فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل أ يود أحدكم أن تكون له جنة إن كان له جنة و أصابه الكبر.

ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنة فقال: وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفََاءُ و المراد من ضعف الذرية: الضعف بسبب الصغر و الطفولية، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف و الحاجة

52

إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة و الكبر، و له ذرية في غاية الضعف و الحاجة بسبب الطفولية و الصغر.

ثم قال تعالى: فَأَصََابَهََا إِعْصََارٌ فِيهِ نََارٌ فَاحْتَرَقَتْ و الأعصار ريح ترتفع و تستدير نحو السماء/كأنها عمود، و هي التي يسميها الناس الزوبعة، و هي ريح في غاية الشدة و منه قول شاعر:

إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصارا

و المقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم و المحنة و الحسرة و الحيرة ما لا يعلمه إلا اللّه، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة، إلا أنه لا يقصد بها وجه اللّه، بل يقرن بها أموراً تخرجها عن كونها موجبة للثواب، فحين يقدم يوم القيامة و هو حينئذ في غاية الحاجة و نهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته و تناهت حيرته، و نظير هذه الآية قوله تعالى: وَ بَدََا لَهُمْ مِنَ اَللََّهِ مََا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: 47] و قوله‏ وَ قَدِمْنََا إِلى‏ََ مََا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنََاهُ هَبََاءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23].

ثم قال: كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمُ اَلْآيََاتِ أي كما بيّن اللّه لكم آياته و دلائله في هذا الباب ترغيباً و ترهيباً كذلك يبين اللّه لكم آياته و دلائله في سائر أمور الدين لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ .

و فيه مسألتان:

المسألة الأولى: أن: لعل، للترجي و هو لا يليق باللّه تعالى.

المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان و قد تقدم شرح هاتين الآيتين مراراً.

في قوله تعالى يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ وَ مِمََّا أَخْرَجْنََا لَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ اعلم أنه رغب في الإنفاق، ثم بيّن أن الإنفاق على قسمين: منه ما يتبعه المن و الأذى، و منه ما لا يتبعه ذلك.

ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين، و ضرب لكل واحد منهما مثلا يكشف عن المعنى و يوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه.

ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل اللّه كيف ينبغي أن يكون فقال: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ و اختلفوا في أن قوله أَنْفِقُوا المراد منه ماذا فقال الحسن/المراد منه الزكاة المفروضة و قال قوم: المراد منه التطوع و قال ثالث: إنه يتناول الفرض و النفل، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله أَنْفِقُوا أمر و ظاهر الأمر للوجوب و الإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة و سائر النفقات الواجبة، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما

روي عن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه و الحسن و مجاهد: أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم و ردي‏ء أموالهم فأنزل اللّه هذه الآية،

و

عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: «بئس ما صنع صاحب هذا» فأنزل اللّه تعالى هذه الآية،

حجة من قال الفرض و النفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على‏

53

جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز، و هذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض و النفل، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر.

إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول و هو أنه للوجوب فيتفرع عليه مسائل:

المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، و زكاة الذهب و الفضة، و زكاة النعم، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب، و يدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه اللّه، و استدلاله بهذه الآية ظاهر جداً، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم‏

بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «ليس في الخضراوات صدقة»

و أيضاً مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب قليلاً كان أو كثيراً و ظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم

بقوله صلى اللّه عليه و سلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» .

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين:

القول الأول: أنه الجيد من المال دون الردي‏ء، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة، و على هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الردي‏ء.

و القول الثاني: و هو قول ابن مسعود و مجاهد: أن الطيب هو الحلال، و الخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه:

الحجة الأولى: إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون بردي‏ء أموالهم فنزلت الآية و ذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد.

الحجة الثانية: أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض و لا بغير إغماض، و الآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه اللّه: و يمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة و ترك الاستقصاء، فيكون المعنى: و لستم بآخذيه و أنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، و لا تبالوا من أي وجه أخذتم المال، أمن حلاله أو من حرامه.

الحجة الثالثة: أن هذا القول متأيد بقوله تعالى: لَنْ تَنََالُوا اَلْبِرَّ حَتََّى تُنْفِقُوا مِمََّا تُحِبُّونَ [آل عمران:

92]و ذلك يدل على أن المراد بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها، لا الأشياء الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه و إخراجها عن بيته، و احتج القاضي للقول الثاني فقال: أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد و إما الحلال، فإذا بطل الأول تعين الثاني، و إنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمراً بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراماً أو حلالاً و ذلك غير جائز و التزام التخصيص خلاف الأصل، فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال، و يمكن أن يذكر فيه قول ثالث و هو أن المراد من الطيب هاهنا ما يكون طيباً من كل الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال، و يكون طيباً بمعنى الجودة، و ليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما سمى طيباً لأنه يستطيبه العقل و الدين، و الجيد إنما يسمى طيباً لأنه يستطيبه الميل و الشهوة، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين، فكان اللفظ محمولاً عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال فنقول: الأموال الزكاتية إما أن تكون‏

54

كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون متوسطة أو تكون مختلطة، فإن كان الكل شريفاً كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك، و إن كان الكل خسيساً كان الزكاة أيضاً من ذلك الخسيس و لا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إن كان في المال جيد و ردي‏ء، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من ردي‏ء مالك و أما إن كان المال مختلطاً فالواجب هو الوسط

قال صلى اللّه عليه و سلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم و ترد إلى فقرائهم و إياك و كرائم أموالهم»

هذا كله إذا قلنا المراد من قوله أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا كَسَبْتُمْ الزكاة الواجبة، أما على القول الثاني و هو أن يكون المراد منه صدقة التطوع، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب و التطوع، فنقول: إن اللّه تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة و هدية، فإنه لا بد و أن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه و أشرفها، فكذا هاهنا، بقي في الآية سؤال واحد، و هو أن يقال ما الفائدة في كلمة (من) في قوله وَ مِمََّا أَخْرَجْنََا لَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ .

و جوابه: تقدير الآية: أنفقوا من طيبات ما كسبتم، و أنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه.

أما قوله تعالى: وَ لاََ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: يقال: أممته، و يممته، و تأممته، كله بمعنى قصدته قال الأعشى:

تيممت قيساً و كم دونه # من الأرض من مهمه ذي شرف‏

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وحده وَ لاََ تَيَمَّمُوا بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة، و تاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى، و الباقون بفتح التاء مخففة و على هذا الخلاف في أخواتها، و هي ثلاثة و عشرون موضعاً: لا تفرقوا، توفاهم، تعاونوا، فتفرق بكم، تلقف، تولوا، تنازعوا، تربصون، فإن تولوا، لا تكلم، تلقونه، تبرجن، تبدل، تناصرون، تجسسوا، تنابزوا، لتعارفوا، تميز، تخيرون، تلهى، تلظى، تنزل الملائكة، و هاهنا بحثان:

البحث الأول: قال أبو علي: هذا الإدغام غير جائز، لأن المدغم يسكن و إذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو: ادارأتم، و ارتبتم و اطيرنا، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع.

البحث الثاني: اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة، فقال بعضهم: هي التاء الأولى و سيبويه لا يسقط إلا الثانية، و الفرّاء يقول: أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها.

أما قوله تعالى: مِنْهُ تُنْفِقُونَ .

فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول: أنه تم الكلام عند قوله وَ لاََ تَيَمَّمُوا اَلْخَبِيثَ ثم ابتدأ، فقال: مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاََّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ فقوله مِنْهُ تُنْفِقُونَ استفهام على سبيل الإنكار، و المعنى: أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض و الثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله إِلاََّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ و يكون الذي مضمراً، و التقدير: و لا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه و لستم بآخذيه إلا